######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001466 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى: 977هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 977 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001466 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1466 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1466 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة بولاق (الأميرية) - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1285 هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # الحمد لله، الملك السلام، المهيمن العلام، شارع الأحكام، ذي الجلال ~~والإكرام، الذي أنزل القرآن بحسب المصالح منجما، وجعله بالتحميد مفتتحا ~~وبالاستعاذة مختتما، وأوحاه على قسمين: متشابها ومحكما، فسبحان من استأثر ~~بالأولية والقدم ووسم كل شيء سواء بالحدوث عن العدم ومن علينا بنبينا محمد ~~عليه أفضل الصلاة والسلام، وأنعم علينا بكتابه المفرق بين الحلال والحرام، ~~والصلاة والسلام على خير من أوحي إليه حبيب الله أبي القاسم محمد النبي ~~الأمي المثبت بالعصمة المؤيد بالحكمة، وعلى جميع الأنبياء والملائكة البررة ~~الكرام، عدد ساعات الليالي والأيام، وعلى آله الأطهار وخلفائه وجميع ~~المهاجرين والأنصار وعلى بقية الصحابة الأخيار، صلاة وسلاما دائمين ~~متلازمين آناء الليل وأطراف النهار. # أما بعد: فيقول فقير رحمة ربه القريب محمد الشربيني الخطيب: إن الله جل ~~ذكره أرسل رسوله بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين بشيرا للمؤمنين ونذيرا ~~للمخالفين، أكمل به تبيان النبوة وختم به ديوان الرسالة، وأنزل عليه بفضله ~~كتابا ساطعا تبيانه قاطعا برهانه، ناطقا ببينات وحجج، قرآنا عربيا غير ذي ~~عوج، مفتاحا للمنافع الدينية والدنيوية، مصداقا لما بين يديه من الكتب ~~السماوية حسناته ظاهرة باهرة في وجه كل زمان، دائرا من بين سائر الكتب على ~~كل لسان في كل مكان، أعجز الخليقة عن معارضته وعن الإتيان بسورة من مثله في ~~مقابلته، ثم سهل علة الخلق مع إعجازه تلاوته، ويسر على الألسن قراءته، أمر ~~فيه وزجر وبشر وأنذر فهو كلام معجز في رقائق منطوقة ودقائق مفهومة، لا ~~نهاية لأسرار علومه. # وقد ألف أئمة السلف كتبا # PageV01P002 # في معرفة أحكامه ونزوله كل على قدر فهمه، ومبلغ عمله، فشكر الله تعالى ~~سعيهم ورحم كافتهم، ثم خطر لي أن أقتفي أثرهم وأسلك طريقتهم لعل الله أن ~~يرزقني من مددهم ويعود علي من بركتهم فترددت في ذلك مدة من الزمان خوفا من ~~الدخول في هذا الشأن لقوله صلى الله عليه وسلم «من قال في القرآن برأيه ~~فأصاب فقد أخطأ» وقول سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «من قال في القرآن ms0001 برأيه» وفي رواية بغير علم: «فليتبوأ مقعده من ~~النار» وقول أبي بكر رضي الله تعالى عنه لما سئل عن قوله تعالى: {وفاكهة ~~وأبا} (عيسى، 80) فقال: «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ~~تعالى ما لا أعلم» إلى أن يسر الله تعالى لي زيارة سيد المرسلين صلى الله ~~عليه وسلم وعلى سائر النبيين والآل والصحب أجمعين في أول عام تسعمائة واحد ~~وستين، فاستخرت الله تعالى في حضرته بعد أن صليت ركعتين في روضته وسألته أن ~~ييسر لي أمري فشرح الله سبحانه وتعالى لذلك صدري فلما رجعت من سفري واستمر ~~ذلك الانشراح معي، وكتمت ذلك في سري، حتى قال لي شخص من أصحابي: رأيت في ~~منامي إما النبي صلى الله عليه وسلم أو الشافعي يقول لي: قل لفلان يعمل ~~تفسيرا على القرآن فعن قليل إلا وقد قررت في وظيفة مشيخة تفسير في ~~البيمارستان ثم سألني بعد ذلك جماعة من أصحابي المخلصين وعلى اقتباس العلم ~~مقبلين بعد أن رأوني فرغت من شرح «منهاج الطالبين» أن أجعل لهم تفسيرا وسطا ~~بين الطويل الممل والقصير المخل، فأجبتهم إلى ذلك ممتثلا وصية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في ~~الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا» واقتداء بالماضين من السلف في تدوين ~~العلم إبقاء على الخلف، وليس على ما فعلوه مزيد، ولكن لا بد في كل زمان # من تجديد ما طال به العهد وقصر للطالبين فيه الجد والجهد، تنبيها ~~للمتوقفين، وتحريضا للمتثبطين، وليكون ذلك عونا لي وللقاصرين مثلي، مقتصرا ~~فيه على أرجح الأقوال وإعراب ما يحتاج إليه عند السؤال، وترك التطويل بذكر ~~أقوال غير مرضية وأعاريب محلها كتب العربية، وحيث ذكرت فيه شيئا من ~~القراءات فهو من السبع المشهورات، وقد أذكر بعض أقوال وأعاريب لقوة مداركها ~~أو لورودها ولكن بصيغة قيل ليعلم أن المرضي أولها وسميته «السراج المنير» ~~في الإعانة على ms0002 معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، وأسأله من فضله ~~وإحسانه أن يجعله عملا مقرونا بالإخلاص والقبول والإقبال وفعلا متقبلا ~~مرضيا زكيا يعد من صالح الأعمال، وقد تلقيت التفسير بحمد الله من تفاسير ~~متعددة رواية ودراية عن أئمة ظهرت وبهرت مفاخرهم، واشتهرت وانتشرت مآثرهم، ~~جمعني الله وإياهم والمسلمين في مستقر رحمته بمحمد وآله وصحابته. وها أنا ~~الآن أشرع وبحسن توفيقه أقول وهو الموفق لكل خير ومعطي كل مسؤول. ### | سورة فاتحة الكتاب # PageV01P003 # وتسمى أم القرآن لأنها مفتتحه ومبدؤه فكأنها أصله ومنشؤه، ولذلك تسمى ~~أساسا أو لأنها تشتمل على ما فيه من الثناء على الله تعالى، والتعبد بأمره، ~~ونهيه وبيان وعده ووعيده أو على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام ~~العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل ~~الأشقياء، وسورة الكنز لأنها نزلت من كنز تحت العرش، والوافية والكافية ~~لأنها وافية كافية في صحة الصلاة بخلاف غيرها عند القدرة عليها، والشافية ~~والشفاء لقوله عليه الصلاة والسلام: «هي شفاء لكل داء» والسبع المثاني ~~لأنها سبع آيات باتفاق، لكن من عد البسملة آية منها جعل السابعة {صراط ~~الذين} إلى آخرها، ومن لم يعدها آية منها جعل السابع {غير المغضوب عليهم} ~~إلى آخرها، وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة أي تكرر فيها بأن تقرأ في كل ~~صلاة وفي كل ركعة وقول بعضهم تثنى في كل ركعة فيه تجوز وهي مكية على قول ~~الأكثر. وقال مجاهد: مدنية، وقيل: نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة ~~ومرة بالمدينة حين حولت القبلة، ولذلك سميت مثاني. قال البغوي: والأول أصح، ~~وقال البيضاوي: وقد صح: أنها مكية بقوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني} (الحجر، 87) وهو مكي بالنص، انتهى. وأراد بالنص السنة فقد ثبت ذلك ~~عن ابن عباس وقول الصحابي في القرآن خصوصا في النزول له حكم المرفوع ~~والقرآن العظيم والنور والراقية وسورة الحمد والشكر والدعاء وتعليم المسألة ~~لاشتمالها على ذلك، وسورة المناجاة، وسورة التفويض وفاتحة القرآن وأم ~~الكتاب وسورة الحمد الأولى وسورة الحمد القصوى وسورة السؤال ms0003 والصلاة لخير: ~~«قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، ~~يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: ~~الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى علي عبدي، يقول العبد: مالك يوم الدين، ~~يقول الله: مجدني عبدي، يقول العبد: # إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله عز وجل: هذه الآية بيني وبين عبدي ~~ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت ~~عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، يقول الله: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ~~ما سأل» ، ولأنها جزؤها فهو من باب تسمية جزء الشيء باسم كله. # بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك ~~يوم الدين} # وقوله تعالى: {بسم الله} أي: الملك الأعظم الذي لا نعبد إلا إياه، ~~{الرحمن} أي: الذي عم بنعمتي إيجاده وبيانه جميع خلقه أسفله وأعلاه أدناه ~~وأقصاه {الرحيم} أي: الذي خص من بينهم أهل وده برضاه، آية من الفاتحة وعليه ~~قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك والشافعي وقيل: ليست منها وعليه ~~قراء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤهما والأوزاعي ومالك. ويدل للأول ما روي ~~أنه صلى الله عليه وسلم «عد الفاتحة سبع آيات وعد بسم الله الرحمن الرحيم ~~آية منها» ، رواه البخاري في «تاريخه» ، وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي ~~الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأتم الحمد لله فاقرؤوا ~~بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم ~~الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها» وروى ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أم سلمة ~~رضي الله تعالى عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم عد بسم الله الرحمن ~~الرحيم، والحمد لله رب العالمين إلى آخرها ست آيات» وآية من كل سورة إلا ~~براءة لإجماع الصحابة على إثباتها في المصحف بخطه أوائل السور # PageV01P004 # سوى براءة مع المبالغة في تجريد القرآن عن الأعشار وتراجم السور والتعوذ ~~حتى لم تكتب آمين فلو لم تكن قرآنا لما أجازوا ذلك لأنه يحمل على اعتقاد ما ~~ليس بقرآن قرآنا وأيضا ms0004 هي آية من القرآن في سورة النمل قطعا، ثم إنا نراها ~~مكررة بخط القرآن فوجب أن تكون منه كما أنا لما رأينا قوله: {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} (الرحمن، الآيات: 13 16 18) وقوله: {ويل يومئذ للمكذبين} ~~(المرسلات، 27) (المطففين، 10) مكررا في القرآن بخط واحد وبصورة واحدة، ~~قلنا: إن الكل من القرآن. # فإن قيل: لعلها ثبتت للفصل، أجيب: بأنه يلزم عليه اعتقاد ما ليس بقرآن ~~قرآنا ولثبتت في أول براءة ولم تثبت في أول الفاتحة. # فإن قيل: القرآن إنما يثبت بالتواتر، أجيب: بأن محله فيما ثبت قرآنا قطعا ~~أما ما يثبت قرآنا حكما فيكفي فيه الظن كما يكفي في كل ظني خلافا للقاضي ~~أبي بكر الباقلاني، وأيضا إثباتها في المصحف بخطه من غير نكير في معنى ~~التواتر، وأيضا قد يثبت التواتر عند قوم دون آخرين. # فإن قلت: لو كانت قرآنا لكفر جاحدها، أجيب: بأنها لو لم تكن قرآنا لكفر ~~مثبتها وأيضا التكفير لا يكون بالظنيات وقد أوضحت ذلك مع زيادة في شرحي ~~«التنبيه» و «المنهاج» ، أما براءة فليست البسملة آية منها بإجماع. # فائدة: ما أثبت في المصحف الآن من أسماء السور والأعشار شيء ابتدعه ~~الحجاج في زمنه. # والباء في بسم الله متعلقة بمحذوف تقديره بسم الله أقرأ لأن الذي يتلوه ~~مقروء إذ كل فاعل يبدأ في فعله باسم الله يضمر ما يجعل التسمية مبدأ له كما ~~أن المسافر إذا حل أو ارتحل فقال: بسم الله الرحمن الرحيم كان المعنى بسم ~~الله أحل بسم الله أرتحل وذلك أولى من أن يضمر أبدأ لعدم ما يطابقه، وما ~~يدل عليه ومن أن يضمر ابتدائي لما ذكرنا. # فإن قيل: المصدر لا يعمل محذوفا، أجيب: بأنه يتوسع في الظرف والجار ~~والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما وتقديره مؤخرا كما قال الإمام الرازي أولى ~~كما في {إياك نعبد وإياك نستعين} لأنه أهم وأدل على الاختصاص وأدخل في ~~التعظيم وأوفق للوجود فإن اسمه تعالى مقدم ذاتا لأنه قديم واجب الوجود ~~لذاته فقدم ذكرا. # فإن قيل: قال الله تعالى: {اقرأ بسم ms0005 ربك} (العلق، 1) فقدم الفعل، أجيب: ~~بأنه في مقام ابتداء القراءة وتعليمها لأنها أول سورة نزلت فكان الأمر ~~بالقراءة أهم باعتبار هذا العارض وإن كان ذكر الله تعالى أهم في نفسه، ~~وذكرت أجوبة غير ذلك في مقدمتي على البسملة والحمدلة، والباء للاستعانة أو ~~للمصاحبة والملابسة على جهة التبرك، والمعنى متبركا بسم الله اقرأ، والثاني ~~أولى لما فيه من التحاشي عن جعل اسمه تعالى آلة، والأحسن أن تكون لهما ~~إعمالا للفظ في معنييه الحقيقيين أو الحقيقي والمجازي عند من يجوزه كإمامنا ~~الشافعي، والبسملة وما بعدها إلى آخر السورة مقول على ألسنة العباد ليعلموا ~~كيف يتبرك باسمه ويحمد على نعمه ويسئل من فضله ويقدر في أول الفاتحة قولوا ~~كما قال الجلال المحلى، ليكون ما قبل إياك نعبد مناسبا له بكونه من مقول ~~العباد. # فإن قيل: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة ~~التي هي أخت السكون نحو واو العطف وفائه، أجيب: بأنها إنما كسرت للزومها ~~الحرفية والجر ولتشابه حركتها عملها وحذفت الألف من بسم خطا كما حذفت لفظا ~~دون باسم ربك وإن كان وضع الخط على حكم الابتداء دون الدرج لكثرة ~~الاستعمال، وقالوا: طولت الباء تعويضا من طرح الألف # PageV01P005 # وألحق بها {بسم الله مجراها ومرساها} (هود، 41) و {أنه من سليمان وأنه ~~بسم الله الرحمن الرحيم} (النحل، 30) وإن لم تكتب في القرآن إلا مرة واحدة ~~لشبهها لها صورة. # فإن قيل: لم حذف في بسم الله دون الله والرحمن الرحيم؟ أجيب: خطان لا ~~يقاس عليهما: خط المصحف وخط العروضيين، ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم لغير ~~الله ولا مع غير الباء. والاسم مشتق من السمو وهو العلو لأنه رفعة للمسمى ~~وشعار له فهو من الأسماء المحذوفة الإعجاز، كيد ودم، لكثرة الاستعمال وبنيت ~~أوائلها على السكون وأدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل لتعذر الابتداء ~~بالساكن ولأن من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن، وقيل من ~~الوسم، وهو العلامة فوزنه على الأول أفع محذوف اللام، وعلى الثاني أعل ~~محذوف الفاء، ms0006 وفيه عشر لغات نظمها بعضهم في بيت فقال: # *سم وسما واسم بتثليث أول ... # لهن سماء عاشر تمت انجلي* # والاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارة ~~ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدد تارة ويتحد أخرى، والمسمى لا يكون ~~كذلك وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى، وقوله: ~~{سبح اسم ربك الأعلى} (الأعلى، 1) المراد به اللفظ لأنه كما يجب تنزيه ذاته ~~تعالى وصفاته يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب، أو ~~الاسم فيه مقحم كما في قول الشاعر: # *إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر* # وإن أريد به الصفة كما هو رأي أبي الحسن الأشعري انقسم انقسام الصفة عنده ~~إلى ما هو نفس المسمى كالواحد والقديم وإلى ما هو غيره كالخالق والرازق ~~وإلى ما ليس هو ولا غيره كالعلم والقدرة فإنهما زائدان على الذات وليسا غير ~~الذات لأن المراد بالغير ما ينفك عن الذات وهما لا ينفكان. # فإن قيل: لم بدأ ببسم الله دون بالله، أجيب: بأن التبرك والاستعانة بذكر ~~اسمه وللفرق بين اليمين والتيمن. والله علم على الذات الواجب الوجود، ~~المستحق لجميع المحامد وأصله إله، قال الرافعي: كإمام، ثم أدخلوا عليه ~~الألف واللام ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام فصار اللاه بلامين ~~متحركين ثم سكنت الأولى وأدغمت في الثانية للتسهيل، انتهى. والإله في الأصل ~~يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل ~~كوكب ثم غلب على الثريا، والحق أنه أصل بنفسه غير مأخوذ من شيء بل وضع علما ~~ابتداء فكما أن ذاته لا يحيط بها شيء ولا ترجع إلى شيء فكذا اسمه تعالى، ~~وقيل: مأخوذ من أله إذا تحير، إذ العقول تتحير في معرفته، وقيل غير ذلك، ~~وهو عربي عند الأكثر وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم وقد ذكره الله ~~تعالى في ألفين وثلثمائة وستين موضعا واختار النووي تبعا لجماعة أنه الحي ~~القيوم ms0007 قال: ولذلك لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع في البقرة، وآل ~~عمران، وطه. # والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رحم بتنزيله منزلة ~~اللازم أو بجعله لازما ونقله إلى فعل بالضم. والرحمة لغة رقة في القلب ~~تقتضي التفضل والإحسان، فالتفضل غايتها. وأسماء الله تعالى المأخوذة من نحو ~~ذلك إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادي التي تكون ~~إنفعالات فرحمة # PageV01P006 # الله تعالى إرادة إيصال الفضل والإحسان أو نفس إيصال ذلك فهي من صفات ~~الذات على الأول ومن صفات الفعل على الثاني، والرحمن أبلغ من الرحيم لأن ~~زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع بالتخفيف وقطع بالتشديد. # فإن قيل: حذر أبلغ من حاذر، أجيب: بأن ذلك أكثري لا كلي، وبأن الكلام ~~فيما إذا كان المتلاقيان في الاشتقاق متحدي النوع في المعنى كغرث وغرثان لا ~~كحذر وحاذر للاختلاف وقدم الله عليهما لأنه إسم ذات وهما إسما صفة، والرحمن ~~على الرحيم لأنه خاص إذ لا يقال لغير الله بخلاف الرحيم، والخاص مقدم على ~~العام، وإنما قدم والقياس يقتضى الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: عالم ~~نحرير لأنه صار كالعلم من حيث أنه لا يوصف به غيره ولذلك رجح جماعة أنه علم ~~ولأنه لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم كالتابع والتتمة والرديف ~~ليتناول ما دق منها ولطف فليس من باب الترقي بل من باب التعميم والتكميل ~~وللمحافظة على رؤوس الآي، وهل الرحمن مصروف أو لا؟ فيه قولان: مال السعد ~~التفتازاني إلى جواز الأمرين لأن شرط منع صرف فعلان صفة وجود فعلى وشرط ~~صرفه وجود فعلانة وكلاهما منتف هنا لكن أظهرهما أنه ممنوع الصرف إلحاقا له ~~بما هو الغالب من نظائره في الزيادة والوصف، والثاني أنه مصروف إلحاقا له ~~بالأصل في مطلق الاسم وهو الصرف، هذا مع أن المختار في منع صرف ما ذكر ~~انتفاء فعلانة لا وجود فعلى، والحاصل أنه تعارض في صرفه وعدم صرفه الأصل ~~والغالب. # فإن قيل: هذا إذا لم تدخله ال، أجيب: بأن المختار ms0008 أن غير المصروف إذ دخلت ~~عليه ال والعلتان فيه باق على منع صرفه وإن جر بالكسرة. # فوائد: الأولى: الوقف على الله قبيح للفصل بين التابع والمتبوع وعلى ~~الرحمن كذلك وقيل: كاف وعلى الرحيم تام. # الثانية: عدد حروف البسملة الرسمية تسعة عشر حرفا وعدد ملائكة خزنة النار ~~تسعة عشر قال ابن مسعود: من أراد أن ينجيه الله تعالى من الزبانية فليقلها ~~ليجعل الله تعالى له بكل حرف جنة، أي: وقاية من واحد. # الثالثة: قال النسفي في {تفسيره} قيل: الكتب المنزلة من السماء إلى ~~الدنيا مائة وأربعة: صحف شيث ستون، وصحف إبراهيم ثلاثون وصحف موسى قبل ~~التوراة عشرة، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وجميع كل الكتب ~~مجموعة في الفاتحة ومعاني الفاتحة مجموعة في البسملة ومعانيها مجموعة في ~~بائها ومعناها: بي كان ما كان وبي يكون ما يكون. زاد بعضهم ومعاني الباء في ~~نقطتها وتخصيص التسمية بهذه الثلاثة التي هي الله والرحمن الرحيم ليعلم ~~العارف أن المستحق لأن يستعان به في جميع الأمور هو المعبود الحقيقي الذي ~~هو مولى النعم كلها عاجلها وآجلها جليلها وحقيرها فيتوجه العارف بجملته ~~حرصا ومحبة إلى جناب القدس ويتمسك بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستمداد ~~به عن غيره. # {الحمد} الحمد اللفظي لغة الثناء باللسان على الجميل الاختياري على قصد ~~التبجيل، أي: التعظيم، سواء أتعلق بالفضائل وهي النعم القاصرة أم بالفواضل ~~وهي النعم المتعدية فدخل في الثناء الحمد وغيره وخرج باللسان الثناء بغيره ~~كالحمد النفسي وبالجميل الثناء باللسان على غير الجميل، إن قلنا برأي ابن ~~عبد السلام أن الثناء حقيقة في الخير والشر، وإن قلنا برأي الجمهور وهو ~~الظاهر أنه حقيقة في الخير فقط ففائدة # PageV01P007 # ذلك تحقيق الماهية أو دفع توهم إرادة الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من ~~يجوزه وبالاختياري المدح، فإنه يعم الاختياري وغيره، تقول: مدحت اللؤلؤة ~~على حسنها دون حمدتها، وظاهر قول الزمخشري: الحمد والمدح أخوان أنهما ~~مترادفان وبه صرح في «الفائق» لكن الأوفق ما عليه الأكثر أنهما غير ~~مترادفين بل متشابهان معنى أو اشتقاقا كبيرا، والاشتقاق ثلاثة ms0009 أقسام: كبير، ~~وأكبر، وأصغر، وقد يعبر عنه بالصغير، فالكبير أن يشترك اللفظان في الحروف ~~الأصول من غير ترتيب كالحمد والمدح، والأكبر أن يشتركا في أكثر الحروف ~~الأصول كالفلق، والفلج، والفلذ، مع اتحاد في المعنى أو تناسب، والأصغر أن ~~يشتركا في الحروف الأصول المترتبة كضرب والضرب وبعلى قصد التبجيل ما كان ~~على قصد الاستهزاء والسخرية نحو قوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} ~~(الدخان، 49) وتناول الظاهر والباطن إذ لو تجرد الثناء على الجميل عن ~~مطابقة الإعتقاد أو خالفه أفعال الجوارح، لم يكن حمدا بل تهكم أو تمليح، ~~وهذا لا يقتضي دخول الجنان والأركان في التعريف لأن المطابقة وعدم المخالفة ~~اعتبرا فيه شرطا لا شطرا وعرفا فعل ينبىء عن تعظيم المنعم من حيث أنه منعم ~~على الحامد أو غيره سواء كان ذكرا باللسان أم اعتقادا ومحبة بالجنان أم ~~عملا وخدمة بالأركان كما قيل: # *أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا* # فمورد اللغوي: هو اللسان وحده ومتعلقه يعم النعمة وغيرها، ومورد العرفي ~~يعم اللسان وغيره ومتعلقه يكون النعمة وحدها، فاللغوي أعم باعتبار المتعلق ~~وأخص باعتبار المورد، والعرفي بالعكس، والشكر لغة: هو الحمد عرفا وعرفا صرف ~~العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لأجله، ~~والمدح لغة الثناء باللسان على الجميل مطلقا على جهة التعظيم، وعرفا ما يدل ~~على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل، فالشكر أعم من الحمد والمدح من وجه ~~لأنه لا يختص باللسان وأخص منهما من وجه آخر لأنه يختص بالثناء على ~~الإنعام، وضد الحمد الذم، وضد الشكر الكفران، وضد المدح الهجو. # وجملة الحمد لله خبرية لفظا؛ إنشائية معنى، لحصول الحمد بالتكلم بها مع ~~الإذعان لمدلولها، ويجوز أن تكون موضوعة شرعا للإنشاء وقيل: خبرية لفظا ~~ومعنى، قال بعضهم: وهو التحقيق إذ ليس معنى كونها إنشائية لا أنها جملة ~~إنشاء الحامد الثناء بها وذلك لا ينافي كونها خبرية معنى. ولام لله للملك ~~أو الاستحقاق أو الاختصاص، وقيل: للتعليل والأولى أنها للاختصاص بالمعنى ~~الأعم الصادق بالملك وبالاستحقاق، ms0010 لا بالمعنى الأخص المقابل لهما وعلى كل ~~فهي متعلقة بمحذوف هو الخبر حقيقة، فالحمد مختص بالله كما أفادته الجملة ~~الاسمية سواء أجعلت لام التعريف فيه للإستغراق كما عليه الجمهور وهو ظاهر، ~~أم للجنس كما عليه الزمخشري، لأن لام لله للإختصاص كما مر فلا فرد منه ~~لغيره أم للعهد كالتي في قوله تعالى: {إذ هما في الغار} (التوبة، 40) كما ~~نقله ابن عبد السلام وأجازه الواحدي على معنى أن الحمد الذي حمد الله به ~~نفسه وحمده به أنبياؤه وأولياؤه مختص به والعبرة بحمد من ذكر فلا فرد منه ~~لغيره، وأولى الثلاثة الجنس، زاد بعضهم أو للكمال كما أفاده سيبويه في ~~الداخلة على الصفات كالرحمن الرحيم، قال البيضاوي: إذ الحمد # PageV01P008 # في الحقيقة كله له إذ ما من خير إلا وهو موليه بوسط أو بغير وسط كما قال: ~~{وما بكم من نعمة فمن الله} (النحل، 53) انتهى. # فإن قيل: بل هو موليه مطلقا بغير وسط، أجيب: بأن المراد بالوسط من تصل ~~إليه النعمة أولا ثم تنتقل منه إلى غيره لا أنه وسط في التأثير. # فأن قيل: لم خص الحمد بالله ولم يقل الحمد للخالق أو نحو من بقية الصفات ~~أجيب: بأن لا يتوهم اختصاص استحقاق الحمد بوصف دون وصف، قال البيضاوي: وفيه ~~إشعار بأنه تعالى حي قادر مريد عالم إذ الحمد لا يستحقه إلا من كان هذا ~~شأنه، {رب العالمين} أي: مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدواب ~~وغيرهم، إذ كل منها يطلق عليه عالم، يقال: عالم الإنس وعالم الجن إلى غير ~~ذلك، وسمي المالك بالرب لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه ولا يطلق على غيره تعالى ~~إلا مقيدا كقوله تعالى: {ارجع إلى ربك} (يوسف، 50) والعالمين اسم جمع عالم ~~بفتح اللام وليس جمعا له لأن العالم عام في العقلاء وغيرهم والعالمين مختص ~~بالعقلاء والخاص لا يكون جمعا لما هو أعم منه، قاله ابن مالك وتبعه ابن ~~هشام في «توضيحه» ، وذهب كثير إلى أنه جمع عالم على حقيقة الجمع ثم اختلفوا ~~في تفسير العالم الذي جمع ms0011 هذا الجمع فذهب أبو الحسن إلى أنه أصناف الخلق ~~العقلاء وغيرهم وهو ظاهر كلام الجوهري، وذهب أبو عبيدة إلى أنه أصناف ~~العقلاء فقط وهو الإنس والجن والملائكة وقيل: عنى به الناس ههنا فإن كل ~~واحد منهم عالم من حيث أنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير ووجه ~~اشتمال الصغير وهو الإنسان على نظائر ما في الكبير وهو ما سوى الله تعالى ~~أن تفاصيله شبيهة بتفاصيل العالم الكبير، إذ الكبير ينقسم إلى ظاهر محسوس ~~كالعالم الملك وهو ما ظهر للحواس وتكون بقدرة الله تعالى بعضه من بعض ~~وتضمنه التغيير وإلى باطن معقول كعالم الملكوت وهو ما أوجده سبحانه وتعالى ~~بالأمر الأزلي بلا تدريج وبقي على حالة واحدة من غير زيادة فيه ولا نقصان ~~منه، وإلى عالم الجبروت وهو ما بين العالمين مما يشبه أن يكون في الظاهر من ~~عالم الملك فجبر بالقدرة الأزلية بما هو من عالم الملكوت، والإنسان كذلك ~~ينقسم إلى ظاهر محسوس كاللحم والعظم والدم، وإلى باطن كالروح والعقل ~~والإرادة والقدرة، وإلى ما هو مشابه لعالم # الجبروت كالإدراكات الموجودة بالحواس والقوى الموجودة بأجزاء البدن. # فإن قيل: لم جمع جمع قلة مع أن المقام يستدعي الإتيان بجميع الكثرة أجيب: ~~بأن فيه تنبيها على أنهم وإن كثروا قليلون في جنب عظمته وكبريائه تعالى. # {الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} ذكر سبحانه وتعالى في هذه السورة من ~~أسمائه خمسة: الله، والرب، والرحمن، والرحيم، والمالك، والسبب فيه كأنه ~~يقول: خلقتك أولا فأنا الله ثم ربيتك بوجود النعمة، فأنا رب ثم عصيت فسترت ~~عليك، فأنا رحمن ثم تبت عليك، فأنا رحيم، ثم لا بد من إيصال الجزاء إليك، ~~فأنا مالك يوم الدين. # فإن قيل: إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية ثم ذكرهما مرة ثانية ~~دون الأسماء الثلاثة الباقية، فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأن الحكمة في ذلك ~~كأنه قال تعالى: اذكر أني إله ورب مرة واحدة واذكر أني رحمن رحيم مرتين ~~ليعلم أن العناية بالرحمة أكثر منه بسائر الأمور، ثم لما بين الرحمة ms0012 ~~المضاعفة فكأنه قال: لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ونظيره، قوله ~~تعالى: {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب} (غافر، 3) وقرأ عاصم ~~والكسائي: مالك # PageV01P009 # بألف بعد الميم، ويعضده قوله تعالى: {لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يومئذ} (الانفطار، 19) وقرأ الباقون بغير ألف، ويعضده قوله تعالى: {ملك ~~الناس} (الناس، 2) وبينهما عموم مطلق فكل ملك مالك ولا عكس لعموم ولاية ~~الملك التزاما لا مطابقة ولا يقدح فيها أن تقول مالك الدواب والأنعام ~~والوحوش والطير دون ملكها لأن ذلك ليس من جهة عدم شمول حياطته لذلك، بل من ~~جهة أنه إنما يضاف عرفا إلى ما فيه انقياد وامتثال وينفذ فيه التصرف بالأمر ~~والنهي، قاله السعد التفتازاني، وقيل: هما بمعنى وهو القادر على اختراع ~~الأعيان من العدم إلى الوجود ولا يقدر على ذلك إلا الله ويوم الدين يوم ~~الجزاء ومنه قولهم كما تدين تدان وهو يوم القيامة وخص بالذكر لأنه لا ملك ~~ظاهر فيه لأحد إلا لله تعالى {لمن الملك اليوم} (غافر، 16) . # فإن قيل: إضافة اسم الفاعل غير حقيقية فلا تكون معطية معنى التعريف فكيف ~~ساغ وقوعه صفة للمعرفة؟ أجيب: بأنها إنما تكون غير حقيقية إذا أريد باسم ~~الفاعل الحال أو الاستقبال فكان في تقدير الانفصال كقولك: مالك الساعة أو ~~غدا فأما إذا قصد به معنى الاستمرار: أي هو موصوف بذلك دائما فتكون الإضافة ~~حقيقية كغافر الذنب فصح وقوعه صفة للمعرفة. # فإن قيل: التقييد بيوم الدين ينافي الاستمرار لكونه صريحا في الاستقبال، ~~أجيب: بأن معناه الثبوت والاستمرار من غير اعتبار حدوث في أحد الأزمنة ومثل ~~هذا المعنى لا يمتنع أن يعتبر بالنسبة إلى يوم الدين كأنه قيل: هو ثابت ~~المالكية في يوم الدين أو المراد أنه جعل يوم الدين لتحقق وقوعه بمنزلة ~~الواقع فتستمر مالكيته في جميع الأزمنة. # تنبيه: إجراء هذه الأوصاف على الله تعالى من كونه ربا للعالمين موجدا لهم ~~منعما عليهم بالنعم، كلها ظاهرها وباطنها عاجلها وآجلها مالكا لأمورهم يوم ~~الثواب والعقاب للدلالة على أنه تعالى الحقيق بالحمد لا أحد أحق به ms0013 منه بل ~~لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته له. # {س1ش5/ش7 إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم والضآلين} # {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة، 5 7) إيا ضمير منصوب منفصل وما يلحقه ~~من الياء والكاف والهاء حروف زيدت لبيان التكلم والخطاب والغيبة لا محل لها ~~من الإعراب وفيه أقوال أخر ذكرتها في «شرح القطر» . # فإن قيل: لم كرر ضمير إياك؟ أجيب: بأنه كرر للتنصيص على أنه المستعان به ~~لا غيره. # فإن قيل: لم قدمت العبادة على الاستعانة، أجيب: لتتوافق رؤوس الآي وليعلم ~~منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة وأيضا لما نسب ~~المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك فرحا واعترافا منه بما يصدر عنه فعقبه ~~بقوله: {وإياك نستعين} ليدل على أن العبادة أيضا مما لا تتم ولا تتيسر له ~~إلا بمعونة منه تعالى وتوفيق. # فإن قيل: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ أجيب: بأن عادة العرب ~~التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر تحسينا للكلام وتنشيطا للسامع ~~فيكون أكثر إسغاء للكلام فتعدل من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم ~~وبالعكس فيهما فهذه أقسام أربعة ذكرها البيضاوي والتحقيق كما قاله بعض ~~المتأخرين: أنها ستة لأن الملتفت إليه إثنان وكل منهما إما غيبة أو خطاب أو ~~تكلم، من ذلك قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} (يونس، 22) ~~الأصل بكم فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة وقوله تعالى: {وا الذي أرسل ~~الرياح فتثير سحابا فسقناه} (الروم، 48) الأصل فساقه فهو # PageV01P010 # التفات من الغيبة إلى التكلم. # والاستعانة طلب معونة وهي: إما ضرورية أو غير ضرورية، فالضرورية ما لا ~~يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة ومادة يفعل بها فيها ~~وعند استجماع ذلك يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل، وغير ~~الضرورية تحصيل ما يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على ~~المشي أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه وهذا القسم لا يتوقف ms0014 عليه صحة ~~التكليف غالبا وقد يتوقف كأكثر الواجبات المالية. # فإن قيل: لم أطلقت الاستعانة؟ أجيب: بأنها إنما أطلقت لأجل أنها تتناول ~~المعونة في المهمات كلها أو في أداء العبادات واستحسن هذا الزمخشري قال: ~~لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض. # تنبيه: الضمير المستكن في نعبد ونستعين للقارىء ومن معه من الحفظة وحاضري ~~صلاة الجماعة أو له ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط ~~حاجته بحاجتهم لعل عبادته تقبل ببركة عبادتهم وحاجته يجاب إليها ببركة ~~حاجتهم ولهذا شرعت الجماعة في الصلاة. # فإن قيل: لم قدم المفعول؟ أجيب: بأن تقديمه للتعظيم والاهتمام به ~~والدلالة على الحصر، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نعبدك ولا ~~نعبد غيرك وتقديم ما هو مقدم في الوجود والتنبيه على أن العابد ينبغي أن ~~يكون نظره إلى المعبود أولا وبالذات ومنه إلى العبادة لا من حيث أنها عبادة ~~صدرت عنه بل من حيث أنها نسبة شريفة إليه ووصلة بينه وبين الحق فإن العارف ~~إنما يحق وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه حتى أنه لا ~~يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها إلا من حيث أنها ملاحظة له ومنتسبة إليه ~~ولذلك فضل ما حكي عن حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: {لا تحزن إن ~~الله معنا} (التوبة، 40) على ما حكاه عن كليمه موسى صلى الله عليه وسلم حيث ~~قال: {إن معي ربي سيهدين} (الشعراء، 62) لأن الأول قدم ذكر الله تعالى على ~~المعية والثاني بالعكس. # {اهدنا الصراط المستقيم} بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال: كيف أعينكم ~~فقالوا: اهدنا والهداية الدلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير. # فإن قيل: قال الله تعالى: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} (الصافات، 23) أجيب: ~~بأنه وارد على التهكم. # تنبيه: هدى أصله أن يتعدى باللام أو بإلى كقوله تعالى: {إن هذا القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم} (الإسراء، 9) {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} (الأعراف، ~~175) فعومل معاملة اختار في قوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا} (الأعراف، 155) وقد يتعدى بنفسه كما هنا وهو حينئذ ms0015 محتمل لإضمار ~~الحرف ولعدم إضماره وهداية الله تعالى تتنوع أنواعا لا يحصيها عدد كما قال ~~تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم، 34) (النحل، 18) ولكنها ~~تنحصر في أجناس مرتبة، الأول: إفاضة القوى التي يتمكن بها المؤمن من ~~الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة ~~والثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد، وإليه ~~أشار تعالى حيث قال: {وهديناه النجدين} (البلد، 10) أي طريق الخير والشر ~~وقال: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} (فصلت، 17) والثالث: ~~الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله تعالى: {وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا} (الأنبياء، 73) وقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} ~~(الإسراء، 9) والرابع: أن يكشف لقلوبهم السرائر ويريهم الأشياء # PageV01P011 # كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة وهذا القسم يختص بنيله ~~الأنبياء والأولياء وإياه عنى تعالى بقوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده} (الأنعام، 90) وقوله: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ~~(العنكبوت، 69) . # فإن قيل: ما معنى طلب الهداية وهم مهتدون؟ أجيب: بأنهم طلبوا زيادة ما ~~منحوه من الهدى والثبات عليه كقوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى} ~~(محمد، 17) والصراط من قلب السين صادا ليطابق الطاء في الإطباق وقد تشم ~~الصاد صوت الزاي ليكون أقرب إلى المبدل منه، قرأ حمزة الصراط المعرف في هذه ~~السورة بالإشمام وهو أن ينطق القارىء بحرف متولد بين الصاد والزاي، وأشم ~~خلف صراط الثاني كالأول وكذا جميع ما في القرآن من معرف ومنكر، وقرأ قنبل ~~جميع ما في القرآن بالسين، وقرأ الباقون بالصاد الخالصة في الجميع، وهذه ~~لغة قريش وهي الثابتة في الإمام وهو مصحف سيدنا عثمان رضي الله عنه تعالى ~~والمستقيم المستوي، والمراد به طريق الحق، وقيل: ملة الاسلام، وهذان ~~القولان مرويان عن ابن عباس وهما متحدان صدقا وإن اختلفا مفهوما. # {صراط الذين أنعمت عليهم} بالهداية بدل من الأول بدل كل من كل والعامل ~~فيه مقدر على رأي الجمهور، وقيل: العامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو ~~ظاهر مذهب سيبويه، واختاره ابن لك. # فإن قيل: ما فائدة ذكر صراط الذين ms0016 أنعمت عليهم بدلا تابعا؟ وهلا اقتصر ~~عليه مع أنه المقصود بالنسبة؟ أجيب: بأن فائدته التوكيد والتنصيص على أن ~~طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة على آكد وجه وأبلغه لأنه جعل ~~كالتفسير والبيان له فكأنه من البين الذي لا خفاء فيه إن الطريق المستقيم ~~ما يكون طريق المؤمنين وهذا هو الموافق لما خرج ابن جرير عن ابن عباس، إن ~~المراد بالذين أنعمت عليهم الأنبياء والملائكة والصديقون والشهداء ومن ~~أطاعه وعبده وقيل: الذين أنعمت عليهم الأنبياء خاصة صلوات الله وسلامه ~~عليهم، وقيل: أصحاب موسى وعيسى قبل التحريف والنسخ. # تنبيه: أطلق الإنعام ليشمل كل إنعام لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام ~~لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه ويبدل من الذين بصلته. {غير المغضوب ~~عليهم} وهم اليهود، لقوله تعالى: {فيهم من لعنه الله وغضب عليه} (المائدة، ~~60) {ولا} أي: وغير {الضالين} وهم النصارى، لقوله تعالى: {قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا} (المائدة، 77) الآية، ونكتة البدل إفادة أن المهتدين ~~ليسوا يهودا ولا نصارى وقيل: إن غير صفة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة ~~المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله تعالى والضلال، وقيل: ~~المغضوب عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقون، وذلك لأنه تعالى بدأ في ~~أول البقرة بذكر المؤمنين والثناء عليهم في خمس آيات ثم أتبعه بذكر الكفار ~~وهو المراد من قوله تعالى: {إن الذين كفروا} (البقرة، 6) ثم أتبعهم بذكر ~~المنافقين وهو قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا با} (البقرة، 8) إلخ.. ~~وكذا ههنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله: {أنعمت عليهم} ثم أتبعهم بذكر ~~الكفار وهو قوله {غير المغضوب عليهم} ثم أتبعهم بذكر المناففين بقوله: {ولا ~~الضالين} . # فإن قيل: كيف صح أن يقع غير صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى ~~المعارف؟ أجيب: بأنه يصح بأحد تأويلين؛ أحدهما: إجراء الموصول مجرى النكرة ~~إذ لم يقصد به معهود كالمحلى باللام في قول القائل: # *ولقد أمر على اللئيم يسبني # أي: # PageV01P012 # لئيما يسبني إذ لا مرور على الكل، والثاني: جعل غير معرفة بالإضافة ms0017 لأنه ~~أضيف إلى ما له ضد واحد وهو المنعم عليه فليس في غير إذن الإبهام الذي يأبى ~~عليه أن يتعرف. # تنبيه: إنما سمى كل من اليهود والنصارى بما ذكر مع أنه مغضوب عليه وضال ~~لاختصاص كل منهما بما غلب عليه، وقال صلى الله عليه وسلم «إن المغضوب عليهم ~~اليهود وإن الضالين النصارى» رواه ابن حبان وصححه، وقيل: المغضوب عليهم ~~العصاة والضالين الجاهلون بالله لأن المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة ~~الحق لذاته والخير للعمل، به فكان المقابل. له من اختل إحدى قوتيه العاقلة ~~والعاملة والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى في القاتل عمدا: {وغضب ~~الله عليه} (النساء، 97) والمخل بالعمل جاهل ضال لقوله تعالى: {فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال} (يونس: 32) . # فإن قيل: ما معنى غضب الله لأن الغضب ثوران النفس عند إرادة الانتقام أو ~~تغير يحصل عند ثوران دم القلب إرادة الانتقام وهو محال في حقه تعالى؟ أجيب: ~~بأنه إذا أسند إلى الله تعالى أريد به المنتهى والغاية فمعناه إرادة ~~الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعل الملك إذا غضب ~~على من تحت يده نعوذ بالله من غضبه ونسأله رضاه ورحمته. # فإن قيل: أي فرق بين عليهم الأولى والثانية؟ أجيب: بأن محل مجرور الأولى ~~النصب على المفعولية ومحل مجرور الثانية الرفع لأنه نائب مناب الفاعل. # فإن قيل: لم دخلت لا في {ولا الضالين} ؟ أجيب: بأنها بمعنى غير كما قررته ~~تبعا للجلال المحلى، وأنها مزيدة كما قال الزمخشري لتأكيد ما في غير من ~~معنى النفي، كأنه قال: لا المغضوب عليهم ولا الضالين، وللتصريح بتعلق النفي ~~بكل من المعطوف والمعطوف عليه. # فائدة: أول السورة مشتمل على الحمد لله والثناء عليه والمدح له وآخرها ~~مشتمل على الذم للمعرضين عن الإيمان به والإقرار بطاعته وذلك يدل على أن ~~مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على الله ومطلع الآفات ورأس ~~المخالفات هو الإعراض عن الله تعالى والبعد عن طاعته والاجتناب عن خدمته. # فإن قيل: ما فائدة {غير المغضوب} إلخ بعد ms0018 ذكر {أنعمت عليهم} ؟ أجيب: بأن ~~الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال عليه الصلاة والسلام: «لو وزن ~~خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» فقوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} يوجب الرجاء ~~الكامل وقوله: {غير المغضوب عليهم} إلخ يوجب الخوف الكامل وحينئذ يتقوى ~~الإيمان بركنيه وطرفيه وينتهي إلى حد الكمال وقرأ حمزة عليهم: غير المغضوب ~~عليهم بضم الهاء وفقا ووصلا، وكذا جميع ما في القرآن، وقرأ ابن كثير: عليهم ~~بواو، بعد الميم في الوصل فإذا وقف أسقط الواو وكذا يفعل في كل ميم جمع ~~بعدها حرف متحرك، وأما قالون فهو مخير في ميم الجمع إن شاء وصلها بواو كابن ~~كثير وإن شاء لا يصلها بواو، وأما ورش فإنه يصل ميم الجمع بواو وإن كان ~~بعدها همزة قطع فيصير عنده مد منفصل، وفي {ولا الضالين} مدان لازم وعارض ~~فاللازم هو الذي على الألف بعد الضاد قبل اللام المشددة، والعارض هو الذي ~~على الياء قبل النون، والسنة للقارىء أن يقول بعد فراغه من الفاتحة آمين ~~مفصولا عن الفاتحة بسكتة وهو اسم الفعل الذي هو استجب، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معناه فقال: «افعل» بني ~~على الفتح كأين لالتقاء الساكنين وجاز مد ألفه وقصرها قال مجنون ليلى # PageV01P013 # *يا رب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا* # أي: بالمد، وقال جبير لما سأل الأسدي المسمى بفطحل: # *تباعد عني فطحل إذ سألته ... آمين فزاد الله ما بيننا بعدا* # فذكر مقصورا وكان من حقه التأخير لأن التأمين إنما يكون بعد الدعاء ولكن ~~قدمه للضرورة وليس آمين من القرآن اتفاقا بدليل أنه لم يثبت في المصاحف كما ~~مرت الإشارة إليه ولكن يسن ختم السورة به لقوله صلى الله عليه وسلم «علمني ~~جبريل عليه السلام آمين عند فراغي من قراءة الفاتحة» كما رواه البيهقي ~~وغيره، وقال صلى الله عليه وسلم «إنه كالختم على الكتاب» كما رواه أبو داود ~~في «سننه» وقال علي رضي الله تعالى عنه: آمين خاتم رب العالمين ختم ms0019 به دعاء ~~عبده، رواه الطبراني وغيره لكن بسند ضعيف، يقوله الإمام ويجهر به في ~~الجهرية لما روي عن وائل بن حجر: «أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ ولا ~~الضالين قال آمين ورفع بها صوته» . وعن الحسن لا يقوله الإمام لأنه الداعي، ~~وعن أبي حنيفة مثله والمشهور عنه وعن أصحابه أنه يخفيه، والمأموم يؤمن مع ~~إمامه لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين ~~فإن الملائكة تقول: آمين وإن الإمام يقول: آمين فمن وافق تأمينه تأمين ~~الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» . زاد الجرجاني في «أماليه» وما تأخر. ~~وأحسن ما فسر به هذا الخبر ما رواه عبد الرزاق عن عكرمة قال: صفوف أهل ~~الأرض تلي صفوف أهل السماء، فإذا وافق تأمين من في الأرض تأمين من في ~~السماء غفر للعبد، قال ابن حجر ومثل هذا لا يقال بالرأي فالمصير إليه أولى ~~وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لأبي: «ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟ قال: ~~بلى يا رسول الله قال: فاتحة الكتاب إنها السبع المثاني والقرآن العظيم ~~الذي أوتيته» رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: «بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ناداه مناد فقال: أبشر ~~بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم ### | سورة البقرة # ، لن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته» وما # رواه البيضاوي عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب ~~الحمد لله رب العالمين فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين ~~سنة» حديث موضوع. # سورة البقرة # مدنية # وهي مائتان وسبع وثمانون آية # الم * ذالك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} # {بسم الله الرحمن الرحيم} قال الشعبي وجماعة: {ألم} وسائر حروف الهجاء في ~~أوائل ms0020 السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وهي سر القرآن فنحن نؤمن ~~بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله سبحانه وتعالى، وفائدة ذكره طلب الإيمان ~~بها والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما لا يحتمل ~~نور الشمس أبصار الخفافيش والله تعالى استأثر بعلم لا تقدر عليه عقول # PageV01P014 # الأنبياء، والأنبياء استأثروا بعلم لا تقدر عليه عقول العلماء، والعلماء ~~استأثروا بعلم لا تقدر عليه عقول العامة، وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: ~~في كل كتاب سر وسر الله في القرآن أوائل السور. وقال علي رضي الله عنه: إن ~~لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، قال داود بن أبي هند: كنت ~~أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال: يا داود إن لكل كتاب سرا وإن سر القرآن ~~فواتح السور فدعها واسأل عما سوى ذلك، وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما أنه قال: معنى {ألم} أنا الله أعلم ومعنى {الر} ~~(يونس: 1) أنا الله أرى ومعنى {المر} (الرحمن، 1) أنا الله أعلم وأرى، قال ~~الزجاج: وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفا من كلمة تريدها كقولهم: قلت لها قفي ~~فقالت: قاف، أي: وقفت. وقيل: هي أسماء السور وعليه إطباق أكثر المتكلمين ~~واختاره الخليل وسيبويه، سميت بها إشعارا بأنها كلمات معروفة التركيب فلو ~~لم تكن وحيا من الله تعالى لم تتساقط قدرتهم عند معارضتها، ونقضه الإمام ~~الرازي بأنها لو كانت اسما لها لوجب اشتهارها بها وقد اشتهرت بغيرها كسورة ~~البقرة وآل عمران وقيل: أسماء للقرآن قاله قتادة. والحكمة في الإتيان بهذه ~~الأحرف الثلاثة أن الألف من أقصى الحلق وهو مبدأ المخارج، واللام من طرف ~~اللسان وهو وسطها، والميم من الشفة وهي آخرها، جمع الله تعالى بينها إيماء ~~إلى أن العبد ينبغي أن يكون أول كلامه وأوسطه وآخره ذكر الله تعالى ولما ~~تكاثر وقوع الألف واللام # في تراكيب الكلام جاءتا في معظم الفواتح مكررتين وهي فواتح سورة البقرة ~~وأول آل عمران والأعراف ويونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر ms0021 والعنكبوت ~~والروم ولقمان والسجدة. # فإن قيل: هلا عددت هذه الأحرف بأجمعها في أوائل القرآن ومالها جاءت مفرقة ~~على السور، أجيب: بأن إعادة التنبيه على أن المتحدى به مؤلف منها لا غير ~~وتجديده في غير موضع واحد أوصل إلى الغرض وأقر له في الإسماع والقلوب من أن ~~يفرد ذكره مرة، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب به تمكين المكرر ~~في النفوس وتقريره. # فإن قيل: هلا جاءت على وتيرة واحدة ولم اختلفت أعداد حروفها فوردت ص وق ~~ون على حرف، وطه وطس ويس وحم على حرفين، والم والر وطسم على ثلاثة أحرف، ~~والمص والمر على أربعة أحرف، وكهيعص وحمعسق على خمسة أحرف؟ أجيب: بأن هذا ~~على عادة افتنانهم في أساليب الكلام وتصرفهم فيه على طرق شتى ومذاهب عدة، ~~وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك سلك ~~بهذه الفواتح تلك المسالك. # فإن قيل: ما وجه اختصاص كل سورة بالفاتحة التي اختصت بها؟ أجيب: بأنه لما ~~كان الغرض هو التنبيه والمبادي كلها في تأدية هذا الغرض سواء لا مفاضلة كان ~~تطلب وجه الاختصاص ساقطا كما إذا سمى الرجل بعض أولاده زيدا والآخر عمرا لم ~~يقل له: لم خصصت ولدك هذا بزيد وذاك بعمرو؟ لأن الغرض هو التمييز وهو حاصل ~~بذلك. # فإن قيل: هل لهذه الفواتح محل من الإعراب؟ أجيب: بأن لها محلا عند من ~~جعلها أسماء لأنها عنده كسائر الأعلام محلها يحتمل ثلاثة أوجه: إما الرفع ~~بأنها مبتدأ أو خبر لمبتدأ محذوف أي: هذه ألم، أو النصب بفعل مقدر كاذكر أو ~~اقرأ أو اتل ألم، أو الجر بتقدير حذف حرف القسم. # {ذلك الكتاب} الذي تقرؤه # PageV01P015 # يا محمد على الناس {لا ريب فيه} لا شك في أنه من عند الله تعالى. # فإن قيل: لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟ أجيب: بأن الإشارة وقعت ~~فيه للتعظيم ولذلك قال الطيبي: أحسن ما قيل في توجيه ذلك قول صاحب ~~«المفتاح» قال ذلك الكتاب ذهابا إلى بعده درجة وقيل: ms0022 وقعت الإشارة إلى ~~{ألم} بعدما سبق التكلم به وتقضى، والمنقضي في حكم المتباعد، وهذا في كل ~~كلام يحدث الرجل بحديث ثم يقول: وذلك ما لا شك فيه ويحسب الحاسب ثم يقول: ~~فذلك كذا وكذا وقال تعالى: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} (البقرة، 68) ~~وقال نبي الله يوسف صلى الله عليه وسلم {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا ~~نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي} (يوسف، 37) ولأنه لما ~~وصل من المرسل سبحانه وتعالى إلى المرسل إليه صلى الله عليه وسلم وقع في حد ~~البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئا: احتفظ بذلك أي: تمسك به، وقيل: ~~معناه ذلك الكتاب الموعود إنزاله بقوله تعالى: {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} ~~(المزمل، 5) أو في الكتب المتقدمة لأن سورة البقرة مدنية كما مر وأكثرها ~~احتجاج على اليهود وعلى بني إسرائيل وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى ~~وعيسى عليهما الصلاة والسلام إن الله يرسل محمدا وينزل عليه كتابا فقال ~~تعالى: {ذلك الكتاب} أي: الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله سينزله على ~~النبي المبعوث من ولد إسماعيل وقيل: إنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في ~~اللوح المحفوظ بقوله: وإنه في أم الكتاب لدينا وقد كان صلى الله عليه وسلم ~~أخبر أمته بذلك فغير ممتنع أن يقول تعالى: {ذلك الكتاب} ليعلم أن هذا ~~المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ. والكتاب مصدر سمي به ~~المفعول للمبالغة أو فعال بني للمفعول كاللباس ثم أطلق على المنظوم عبارة ~~قبل أن يكتب لأنه مما يكتب، وأصل الكتب الضم والجمع، سمي الكتاب كتابا لأنه ~~جمع حرف إلى حرف والكتاب جاء في القرآن على وجوه؛ أحدها: الفرض قال تعالى: ~~{كتب عليكم القصاص} (البقرة، 187) {كتب عليكم # الصيام} (البقرة، 183) {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} ~~(النساء، 103) وثانيها: الحجة والبرهان قال تعالى: {فأتوا بكتابكم إن كنتم ~~صادقين} (الصافات، 157) أي: برهانكم، وثالثها: الأجل قال تعالى: {وما ~~أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} (الحجر، 4) أي: أجل، ورابعها: بمعنى ~~مكاتبة السيد رقيقه، قال ms0023 تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ~~فكاتبوهم} (النور، 33) . # فإن قيل: كيف نفى الريب على سبيل الاستغراق وكم من مرتاب فيه؟ أجيب: بأن ~~الله تعالى ما نفى أن أحدا لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقا للريب ~~ومظنة له لأنه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه ألا ~~ترى إلى قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله} (البقرة، 23) فإنه لم ينف عنهم الريب بل أرشدهم إلى الطريق المزيح ~~للريب وهو أن يجتهدوا في معارضة سورة من سوره ويبذلوا فيها غاية جهدهم حتى ~~إذا عجزوا عنها تحقق لهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة وقيل: هو ~~خبر بمعنى النهي أي: لا ترتابوا فيه كقوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج} (البقرة، 197) أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. والريب ~~في الأصل مصدر رابني الشيء إذا حصل فيه الريبة وهي قلق النفس واضطرابها سمي ~~به الشك لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة، وفي الحديث: «دع ما يريبك إلى ما ~~لا يريبك فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة» ، رواه الترمذي لكن بلفظ فإن الصدق # PageV01P016 # طمأنينة والكذب ريبة وصححه، ومعناه: اترك ما فيه شك إلى ما لا شك فيه ~~فإذا ارتابت نفسك في شيء فاتركه أو اطمأنت إليه فافعله فإن نفس المؤمن ~~تطمئن إلى الصدق وترتاب من الكذب وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة القدسية ~~الطاهرة. # تنبيه: جملة النفي خبر مبتدؤه ذلك و {هدى} خبر ثان أي هاد {للمتقين} ~~الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي لاتقائهم بذلك النار. ~~وتخصيص المتقين بالذكر تشريفا لهم ولأنهم هم المنتفعون بالهدى كما قال ~~تعالى: {إنما أنت منذر من يخشاها} (النازعات، 45) وقال تعالى: {إنما تنذر ~~من اتبع الذكر} (يس، 11) وقد كان صلى الله عليه وسلم منذرا لكل الناس لأن ~~هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره. # ولها ثلاث مراتب: # الأولى: التوقي من العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى: ~~{وألزمهم كلمة التقوى} (الفتح، 26) . # والثانية: التجنب عن كل ms0024 ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم، وهذا ~~التجنب هو المتعارف بالتقوى في الشرع وهو المعنى بقوله تعالى: {ولو أن أهل ~~القرى آمنوا واتقوا} (المائدة، 65) (الأعراف، 96) وعلى هذا قول عمر بن عبد ~~العزيز: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فما رزق الله بعد ذلك ~~فهو خير إلى خير. # والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق تعالى وهذه هي التقوى الحقيقية ~~المطلوبة بقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} (آل عمران، ~~102) وقال ابن عمر: التقوى أن لا ترى نفسك خيرا من أحد. قرأ ابن كثير: فيه ~~هدى، فيصل الهاء من فيه بياء في الوصل لأنها مكسورة وقبلها ساكن فإن كانت ~~هاء الكناية مضمومة وقبلها ساكن وصلها بواو فإن كان قبلها متحرك وبعدها ~~متحرك فجميع القراء يصلونها مكسورة بياء ويصلونها مضمومة بواو، فمثال ~~المكسورة به أن يوصل، ومثال المضمومة قال له صاحبه وهو وما أشبه ذلك، فإن ~~كان قبلها متحرك وبعدها ساكن فالجميع على عدم الصلة مثال ذلك به الله وله ~~الملك وما أشبه ذلك، ويدغم أبو عمرو الهاء في الهاء بخلاف عنه، وكذا كل ~~مثلين ما لم يكن الحرف المدغم تاء متكلم مثل: كنت ترابا أو تاء مخاطب مثل ~~أفأنت تكره الناس أو منونا مثل: سميع عليم أو مشددا مثل: فتم ميقات ربه. # ثم وصف المتقين بما هو شأنهم بقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} أي: يصدقون ~~بما غاب عنهم من البعث والجزاء والجنة والنار والصراط والميزان، والإيمان ~~لغة التصديق وشرعا قيل: التصديق بما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلى الله ~~عليه وسلم كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء ومجموع ثلاثة أمور اعتقاد الحق ~~والإقرار به والعمل بمقتضاه عند جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج والأصح ~~أنه التصديق وحده، ويدل له أنه تعالى أضاف الإيمان إلى القلب فقال: {كتب في ~~قلوبهم الإيمان} (المجادلة، 22) وقال: {وقلبه مطمئن بالإيمان} (النحل، 106) ~~وقال: {ولم تؤمن قلوبهم} (المائدة، 41) وعطف عليه العمل الصالح في مواضع لا ~~تحصى وقرنه بالمعاصي فقال: {وإن طائفتان من ms0025 المؤمنين اقتتلوا} (الحجرات، 9) ~~{يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} (البقرة، 178) فلو لم يكن ~~الإيمان التصديق فقط بل هو وترك المعاصي لم يكونوا مؤمنين. # فإن قيل: قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وغيره: إن الإيمان قول ~~وعمل ويزيد وينقص، أجيب: بأن ذلك محمول على الإيمان الكامل. وقرأ ورش ~~والسوسي بإبدال الهمزة الساكنة في يؤمنون واوا وكذا يقرأ حمزة في الوقف ~~{ويقيمون الصلاة} أي يديمونها # PageV01P017 # ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها وأركانها وهاتها يقال: قام بالأمر ~~وأقامه إذا أتى به يعطي حقوقه لأن الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من ~~الفرائض والسنن وحقوقها الباطنة كالخشوع والإقبال على الله تعالى لا ~~المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولذلك ذكر في سياق المدح {والمقيمين ~~الصلاة} (النساء، 162) وفي معرض الذم {فويل للمصلين} (الماعون، 4) والمراد ~~بها الصلوات الخمس ذكر بلفظ الوحدان كقوله تعالى: {فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق} (البقرة، 213) يعني: الكتب، ~~والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: {وصل عليهم} (التوبة، 103) أي: ~~ادع لهم، وفي الشرع إسم لأفعال وأقوال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة ~~بالتسليم. وقرأ ورش بتغليظ اللام في الصلاة حيث جاء {ومما رزقناهم} أي: ~~أعطيناهم {ينفقون} يخرجون المال في طاعة الله فرضا كان أو نفلا، ومن فسره ~~بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه أو خصصه بها لاقترانها بالصلاة لأنهما ~~يذكران معا في القرآن ويحتمل أن يراد به الانفاق مما منحهم الله من النعم ~~الظاهرة والباطنة، ويؤيده ما رواه الطبراني في «الأوسط» مرفوعا: «مثل الذي ~~يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه» وإلى هذا ~~ذهب من قال: ومما خصصناهم به من أنوار المعرفة يفيضون. والرزق بالكسر في ~~اللغة: الحظ، قال الله تعالى: {وتجعلون رزقكم} أي: حظكم ونصيبكم من القرآن ~~أنكم تكذبون (النحل، 75) وأما بالفتح فهو مصدر بمعنى إعطاء الحظ كما أنه ~~بالكسر يكون مصدرا أيضا كما قيل به في قوله تعالى: {ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا} () وفي # العرف اسم لكل ما ينتفع به حتى ms0026 الولد والرقيق، والمعتزلة لما استحالوا من ~~الله أن يمكن من الحرام لأنه تعالى منع من الانتفاع به وأمر بالزجر عنه، ~~قالوا: الرزق لا يتناول الحرام ألا ترى أنه تعالى أسند الرزق ههنا إلى نفسه ~~إيذانا بأنهم ينفقون الحلال الصرف الطيب وأن إنفاق الحرام لا يوجب المدح ~~وذم المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله تعالى: {قل أرأيتم ~~ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا} (يونس، 59) وأجاب أهل ~~السنة عما ذكر بأن الإسناد التعظيم والتحريض على الإنفاق والذم بتحريم ما ~~لم يحرم واختصاص ما رزقهم بالحلال للقرينة وتمسكوا لشمول الرزق له بما رواه ~~ابن ماجة وغيره من حديث صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجاءه عمرو بن قرة فقال: يا رسول الله إن الله قد كتب علي الشقوة ~~فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال: لا ~~آذن لك ولا كرامة، كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ما ~~حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله» وبأنه لو لم يكن رزقا ~~لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقا وليس كذلك لقوله تعالى: {وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها} (هود، 6) . # تنبيه: تقديم رزقناهم على ينفقون للاهتمام به وللمحافظة على رؤوس الآي ~~وإدخال من التبعيضية عليه للكف عن الإسراف المنهي عنه في حق من لم يصبر على ~~الإضاقة وإلا فليس بإسراف فقد تصدق أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله ولم ~~ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * ~~أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون * إن الذين كفروا سواء ~~عليهمءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون] # {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} أي القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، وإنما ~~عبر عنه بلفظ المضي وإن كان بعضه مترقبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد ms0027 ~~فيكون # PageV01P018 # مجازا باعتبار تسمية الكل باسم البعض أو تنزيلا للمنتظر منزلة الواقع ~~فيكون استعارة باعتبار تشبيه غير المتحقق بالمتحقق، وفي كل من هذين الوجهين ~~جمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز عند الإمام الشافعي رضي الله عنه {وما ~~أنزل من قبلك} أي: التوراة والانجيل وغيرهما من سائر الكتب السابقة على ~~القرآن والإيمان بالإنزالين جملة فرض عين وبالأول دون الثاني تفصيلا من حيث ~~إنا متعبدون بتفاصيله فرض ولكن على الكفاية لأن وجوبه على كل أحد يوجب ~~الحرج ويشوش المعاش، وهذه الآية في المؤمنين من أهل الكتاب كعبد الله ابن ~~سلام وأمثاله. # فائدة: الكتب المنزلة مائة وأربعة كتب أنزل على السيد شيث ستون صحيفة ~~وعلى السيد إبراهيم ثلاثون وعلى السيد موسى قبل التوراة عشر فهذه مائة ~~والأربعة الأخرى التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم، واختلف القراء ~~في مد وقصر ما أنزل فقالون والدوري عن أبي عمر يمدان ويقصران، وابن كثير ~~والسوسي يقصران بلا خلاف وباقي القراء وهم ورش وعاصم وحمزة والكسائي يمدون ~~بلا خلاف ويتفاوتون في طول المد فأطولهم مدا ورش وحمزة ودونهما عاصم ودونه ~~ابن عامر والكسائي وهكذا كل مد منفصل {وبالآخرة هم يوقنون} أي: يعلمون أنها ~~كائنة لأن اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكا فيه قاله الإمام ~~الرازي، ولذلك لا يوصف به العلم القديم ولا العلوم الضرورية فلا يقال تيقن ~~الله كذا ولا تيقنت أن الكل أكبر من الجزء. # فائدة: سميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها ~~وكونها بعد فناء الدنيا وهي تأنيث الآخر صفة الدار وبدليل قوله تعالى: {تلك ~~الدار الآخرة} (القصص، 83) قرأ ورش الآخرة بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ~~قبلها حيث جاء وكذا الأرض، وقد أفلح، ومن آمن، وما أشبه ذلك. # {أولئك} الموصوفون بما ذكر {على هدى} أي: رشد {من ربهم} ونكر هدى للتعظيم ~~فكأنه أريد به ضرب لا يبالغ كنهه ولا يقادر قدره وأكد تعظيمه بأن الله ~~مانحه والموفق له. # تنبيه: جميع القراء يمدون أولئك بلا خلاف لأنه متصل لكن مرتبة ابن كثير ms0028 ~~وأبي عمرو دون مرتبة ابن عامر والكسائي في المتصل والمنفصل، وأولاء كلمة ~~معناها الكناية عن جماعة والكاف للخطاب كما في حرف ذلك {وأولئك هم ~~المفلحون} أي: الفائزون بالجنة والناجون من النار كرر فيه اسم الإشارة ~~تنبيها على أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضي كل واحد من الاختصاصين وأن كلا ~~منهما كاف في تمييزهم بها عن غيرهم فلا يحتاجون فيه إلى مجموعهما. # فإن قيل: لم وسط العاطف بين هاتين الجملتين دون قوله تعالى: {أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} (الأعراف، 179) ؟ أجيب: بأن ~~الجملتين هنا مختلفتان باختلاف المسندين فيهما إذ على هدى من ربهم ~~والمفلحون وإن تناسبتا تعلقا مختلفتان مفهوما ووجودا ومقصودا لأن الهدى في ~~الدنيا والفلاح في العقبى وإثبات كل منهما مقصود في نفسه بخلاف كالأنعام ~~والغافلون فإنهما وإن اختلفا مفهوما قد اتحدا مقصودا ووجودا إذ لا معنى ~~للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة في الدنيا فناسب العطف في الأول ~~دون الثاني.F # تنبيه: تأمل كيف نبه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله ~~أحد من وجوه شتى بناء الكلام على اسم الإشارة # PageV01P019 # للتعليل مع الإيجاز وتكريره وتعريف الخبر وتوسط الفصل لإظهار قدرهم ~~والترغيب في اقتضاء أثرهم وأصل الفلاح القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحا ~~لأنه يشق الأرض فهم المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة. # ولما ذكر الله تعالى خاصة عباده وخاصة أوليائه بصفاتهم التي أهلتهم للهدى ~~والفلاح عقبهم بذكر أضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا ~~تغني عنهم الآيات والنذر بقوله تعالى: # {إن الذين كفروا} الكفر لغة ستر النعمة وأصله الكفر بالفتح وهو الستر ~~ومنه قيل للزراع والليل كافر ولكمام الثمر كافور، وفي الشرع إنكار ما علم ~~بالضرورة مجيء الرسول به، وينقسم إلى أربعة أقسام: كفر إنكار، وكفر جحود، ~~وكفر عناد، وكفر نفاق، فكفر الإنكار هو أن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، ~~وكفر الجحود هو أن يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس واليهود قال ~~الله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} ms0029 (البقرة، 89) وكفر العناد هو ~~أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول: # *ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا* # *لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا* # وأما كفر النفاق فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب وجيع هذه الأقسام ~~من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به} (النساء، 48 116) . # تنبيه: احتجت المعتزلة بما جاء في القرآن بلفظ الماضي نحو: {إن الذين ~~كفروا} (البقرة، 6) {إنا نحن نزلنا الذكر} (الحجر، 9) {إنا أرسلنا نوحا} ~~(نوح، 1) على حدوث القرآن لاستدعاء ما جاء فيه بلفظ الماضي سابقية المخبر ~~عنه والقديم يستحيل أن يكون مسبوقا بغيره فأجاب أهل السنة: بأن ما جاء فيه ~~بلفظ الماضي مقتضى تعلق الحكم بالخبر عنه وحدوث مقتضى التعلق لا يستلزم ~~حدوث المخبر عنه فلا يستلزم حدوث كلام الله كما في عمله تعالى فإنه قديم ~~ومقتضى تعلقه بغيره حادث والحاصل أنه لا يلزم من حدوث مقتضى التعلق وهو ~~الكلام اللفظي حدوث الكلام النفسي. {سواء عليهم} أي متساو لديهم {أأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم} أي: خوفتهم وحذرتهم أم لا والإنذار إعلام مع تخويف وتحذير ~~فكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وإنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع ~~في القلب وأشد تأثيرا في النفس من حيث أن دفع الضرر أهم من جلب النفع فإذا ~~لم ينفع فيهم الإنذار كانت البشارة بعدم النفع أولى {لا يؤمنون} بما جئت به ~~وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله تعالى كأبي ~~جهل وأبي لهب وغيرهما فلا تطمع في إيمانهم، واحتج بهذه الآية من جوز تكليف ~~ما لا يطاق فإنه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان ~~فلو آمنوا وقع الخلف في كلامه تعالى وهو محال والحق أن التكليف بالممتنع ~~لذاته جائز عقلا غير واقع بخلاف التكليف بالممتنع لغيره كالذي تعلق علم ~~الله تعالى بعدم وقوعه فإنه جائز وواقع اتفاقا. ms0030 # تنبيه: هاهنا همزتان مفتوحتان من كلمة فقالون وأبو عمرو يسهلان الثانية ~~ويدخلان بينهما ألفا وكذا ورش وابن كثير إلا أنهما لم يدخلا ألفا بينهما ~~ولورش وجه آخر وهو أن يبدل الثانية حرف مد، وهشام له وجهان: تسهيل الهمزة ~~الثانية وتحقيقها مع إدخال ألف بينهما # PageV01P020 # والباقون بالتحقيق والقصر وجميع القراء يحققون الأولى. # {س2ش7/ش9 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم? وعلى? أبصارهم غشاوة? ولهم ~~عذاب عظيم * ومن الناس من يقولءامنا بالله وباليوم ا?خر وما هم بمؤمنين * ~~يخادعون الله والذينءامنوا? وما يخدعون إ? أنفسهم وما يشعرون} # ثم ذكر سبب تركهم الإيمان بقوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم} أي: طبع ~~واستوثق فلا يدخلها إيمان ولا خير، والختم: الكتم، سمي به الاستيثاق من ~~الشيء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له {وعلى سمعهم} أي: مواضعه فلا ينتفعون ~~بما يسمعونه من الحق، وقوله تعالى: {وعلى أبصارهم} أي: أعينهم {غشاوة} ~~مبتدأ وخبر أي: على أعينهم غطاء من عند الله تعالى فلا يبصرون الحق وعبر ~~الله تعالى عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى: {أولئك الذين طبع ~~الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم} (النحل، 108) وبالإغفال في قوله تعالى: ~~{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} (الكهف، 28) وبالإقساء في قوله تعالى: ~~{وجعلنا قلوبهم قاسية} (المائدة، 13) وهذه الهيئة من حيث أن الممكنات ~~بأسرها مستندة إلى الله تعالى واقعة بقدرته أسندت إليه تعالى ومن حيث أنها ~~مسببة عما اقترفوه بدليل قوله تعالى: {بل طبع الله عليها بكفرهم} (النساء، ~~155) وقوله تعالى: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم} (المنافقون، ~~3) وردت الآية مظهرة عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم. # فإن قيل: لم وحد السمع دون القلوب والأبصار؟ أجيب: بأنه على حذف مضاف مثل ~~وعلى حواس سمعهم كمواضعه كما مر تقديره أو باعتبار الأصل فإنه مصدر في أصله ~~والمصادر لا تثنى ولا تجمع والأبصار جمع بصر وهو إدراك العين وقد يطلق ~~مجازا على القوة الباصرة وعلى العضو وكذا السمع، قال البيضاوي: ولعل المراد ~~بهما في الآية العضو لأنه أشد مناسبة للختم والتغطية وبالقلب ما هو ms0031 محل ~~العلم وقد يطلق القلب ويراد به العقل والمعرفة، كما قال الله تعالى: {إن في ~~ذلك لذكرى لمن كان له قلب} (ق، 37) أي: عقل، وأمال أبو عمرو ألف أبصارهم ~~وكذا كل ألف بعدها راء مكسورة متطرفة وإنما جاز إمالتها مع الصاد لأن الراء ~~المكسورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير {ولهم عذاب عظيم} أي: قوي ~~دائم في الآخرة وهذا وعيد وبيان لما يستحقونه، والعذاب كل ما يعيي الانسان ~~ويشق عليه، وقال الخليل: العذاب ما يمنع الإنسان عن مراده ومنه الماء العذب ~~لأنه يمنع العطش وإنما وصف العذاب بالعظيم دون الكبير لأن العظيم فوقه، لأن ~~العظيم نقيض الحقير والكبير نقيض الصغير، وإذا كان الحقير مقابلا للعظيم ~~والصغير، للكبير كان العظيم فوق الكبير لأن العظيم لا يكون حقيرا والكبير ~~قد يكون حقيرا كما أن الصغير قد يكون عظيما، وتنكير الغشاوة والعذاب ~~للتنويع لأنهما لما قرنا بالختم على القلوب كان المعنى نوعا عظيما منه أي: ~~على أبصارهم غشاوة ليس وما يتعارفه الناس وهو التعامي عن الآيات ولهم من ~~الآلام العظام نوع لا يعلم كنهه إلا الله. # ونزل في المنافقين حكاية لحالهم قوله تعالى: {ومن الناس} أمال أبو عمرو ~~الألف قبل السين المكسورة إمالة محضة، وهكذا كل ألف مثلها والباقون بالفتح ~~{من يقول آمنا با وباليوم الآخر} أجمع المفسرون على أن ذلك وصف المنافقين، ~~قالوا: صنف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ ~~بذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم وثنى ~~بأضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا وثلث بالصنف الثالث المذبذب بين ~~القسمين وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلا للتقسيم، وهذا ~~الصنف أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله # PageV01P021 # تعالى لأنهم مع مشاركتهم للكفار الأصليين في أنهم جاهلون بالقلب كاذبون ~~باللسان من حيث أنهم ينسبون إلى الله تعالى ما هو بريء منه كالولد، ~~والزوجة، والشريك زادوا عليهم بأمور منكرة منها أنهم قصدوا التلبيس ورضوا ~~لأنفسهم بسمة الكذب ولبسوا الكفر على المسلمين فخلطوا به خداعا واستهزاء ~~ولذلك طول الله في بيان ms0032 خبثهم وجهلهم واستهزائهم وتهكم بأفعالهم وسجل على ~~عمههم وطغيانهم وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم أن المنافقين في الدرك الأسفل ~~من النار. واللام في الناس للجنس ومن موصوفة لا للعهد وكأنه قال تعالى: ومن ~~الناس ناس يقولون، وقيل: للعهد والمعهود، هم الذين كفروا، ومن موصولة مراد ~~بها ابن أبي وأصحابه ونظراؤه فإنهم من حيث أنهم صمموا على النفاق دخلوا في ~~عداد الكفار المختوم على قلوبهم واختصاصهم بزيادة زادوها على الكفر لا يأبى ~~دخولهم تحت هذا الجنس. # فإن قيل: خصت من بالموصوفة على تقدير الجنس، وبالموصولة على تقدير العهد، ~~أجيب: بأن الجنس لإبهامه يناسب الموصوفة لتنكيرها، والعهد لتعيينه يناسب ~~الموصولة لتعريفها واختصاص الإيمان بالله وباليوم الآخر بالذكر تخصيص لما ~~هو المقصود الأعظم من الإيمان وادعاء بأنهم اختاروا الإيمان من المبدأ ~~والمعاد وإئذان بأنهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون فيه فكيف بما يقصدون ~~به النفاق وهو عدم التصديق بالقلب لأن القوم كانوا يهودا وكانوا يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر إيمانا كلا إيمان لاعتقادهم التشبيه واتخاذ الولد وأن ~~الجنة لا يدخلها غيرهم، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة وغير ذلك، ~~ويرون المسلمين أنهم آمنوا مثل إيمانهم، وفي تكرير الباء ادعاء الإيمان بكل ~~واحد على الأصالة والاستحكام، والمراد باليوم الآخر من وقت الحشر إلى ما لا ~~ينتهي أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار لأنه آخر الأوقات ~~المحدودة بطرفين {وما هم بمؤمنين} لإبطانهم الكفر، وهذا إنكار لما ادعوا ~~إثباته، ووحد الضمير في يقول نظرا إلى لفظة من لأنها صالحة للتثنية والجمع ~~والواحد وجمع فيما بعدها نظرا إلى معناها. # فإن قيل: كيف طابق قوله وما هم بمؤمنين قولهم: آمنا بالله فإن الأول في ~~ذكر شأن الفعل لا الفاعل والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل فكان المطابق ~~له وما آمنوا، أجيب: بأنه إنما عدل إلى ذلك لرد كلامهم بأبلغ وجه وآكده لأن ~~إخراج ذواتهم عن عداد المؤمنين أبلغ من نفي الإيمان عنهم في ماضي الزمان ~~ولذلك أكد النفي بالباء ونظيره قوله تعالى: {يريدون ms0033 أن يخرجوا من النار وما ~~هم بخارجين منها} (المائدة، 37) هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها، وأطلق ~~الإيمان على معنى أنهم ليسوا من الإيمان في شيء، ويحتمل أن يقيد بما قيدوا ~~به وهو قوله تعالى: {وباليوم الآخر} لأن وما هم بمؤمنين جوابه، والآية تدل ~~على أن من ادعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم يكن مؤمنا لأن من ~~تفوه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن مؤمنا. # {يخدعون الله والذين آمنوا} إذ أظهروا خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا ~~عنهم أحكامه الدنيوية ويحقنوا دماءهم ويحفظوا أموالهم، وأصل الخدع في اللغة ~~الاخفاء ومنه المخدع للبيت الذي يخفى فيه المتاع، فالمخادع أظهر خلاف ما ~~يضمر والمخادعة تكون بين اثنين وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لأنه تعالى ~~لا يخفى عليه خافية ولأنهم # PageV01P022 # لم يقصدوا خديعته بل المراد إما مخادعة رسوله أو أوليائه على حذف المضاف ~~لأنهم لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة ~~الله تعالى فعلم أن خداعهم مع الله ليس المراد ظاهره كما في قوله تعالى: ~~{واسأل القرية} (يوسف، 82) أي: أهلها أو على أن معاملة الرسول معاملة الله ~~تعالى من حيث أنه خليفته كما قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} ~~(النساء، 80) {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} (الفتح، 10) وأما أن ~~صورة صنيعهم مع الله تعالى من إظهار الإيمان واستبطان الكفر وصنيع الله ~~معهم من إجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أخبث الكفار وأهل الدرك ~~الأسفل من النار استدراجا لهم وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله في إخفاء ~~حالهم وإجراء حكم الإسلام مجاراة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المتخادعين، ~~ويحتمل أن يراد بيخادعون يخدعون لأنه بيان ليقول أو استئناف بذكر ما هو ~~الغرض منه إلا أنه أخرج في زنة فاعل للمبالغة فإن الزنة لما كانت للمغالبة ~~والفعل متى غولب فيه كان أبلغ منه إذا جاء بلا مغابلة معارض استصحبت الزنة ~~ما ذكر من المبالغة وقال الجلال المحلى: والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص ms0034 ~~وذكر الله فيها تحسين. {وما يخدعون إلا أنفسهم} لأن وبال خداعهم راجع عليهم ~~فيفتضحون في الدنيا باطلاع نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة والنفس ~~ذات الشيء وحقيقته. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم الياء وفتح الخاء ~~وألف بعدها وكسر الدال، وقرأ الباقون وهم عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ~~وما # يخدعون بفتح الياء وسكون الخاء ولا ألف بعدها وفتح الدال ولا خلاف بين ~~القراء في الكلمة الأولى وهي يخادعون الله فالجميع قرؤوا بضم الياء وفتح ~~الخاء وألف بعدها وكسر الدال وأما الرسم في الموضعين فبغير ألف {وما ~~يشعرون} أي: لا يحسون بمعنى لا يعلمون أن خداعهم لأنفسهم لتمادي غفلتهم جعل ~~لحوق وبال الخداع ورجوع ضرره إليهم في الظهور كالمحسوس الذي لا يخفى إلا ~~على مؤف الحواس وهو المصاب بآفة. # {س2ش10/ش13 فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا? ولهم عذاب أليم? بما كانوا? ~~يكذبون * وإذا قيل لهم تفسدوا? فى ا?رض قالو?ا? إنما نحن مصلحون * أ? إنهم ~~هم المفسدون ولاكن s يشعرون * وإذا قيل لهمءامنوا? كمآءامن الناس قالو?ا? ~~أنؤمن كمآءامن السفهآء? أ? إنهم هم السفهآء ولاكن s يعلمون} # {في قلوبهم مرض} (سورة: الآيتان 10، 13) أي: شك ونفاق لأن ذلك يمرض ~~قلوبهم أي: يضعفها، والمرض حقيقة هو فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال ~~الخاص به ويوجب الخلل في أفعاله ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخل بكمال ~~أفعالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والبغض وحب المعاصي لأنها مانعة من نيل ~~الفضائل أو مؤدية إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية، والآية تحتمل الحقيقة ~~والمجاز وعلى المجاز اقتصر أكثر المفسرين لأنه أبلغ من الحقيقة {فزادهم ~~الله مرضا} بما أنزل من القرآن لأنه كلما أنزل آية كفروا بها فازدادوا شكا ~~ونفاقا وإسناد الزيادة إلى الله تعالى من حيث أنه خلقها وأوجدها وإلى ~~السورة في قوله تعالى: {فزادتهم رجسا} (التوبة، 125) لكونها سببا، وقرأ ~~حمزة وابن ذكوان بإمالة الألف التي بعد الزاي محضة، والباقون بالفتح {ولهم ~~عذاب أليم} أي: مؤلم بفتح اللام وصف به العذاب للمبالغة إذ الألم إنما هو ~~للمعذب حقيقة ms0035 لا للعذاب فنسبة الألم إلى العذاب مجاز ويجوز كسر لام مؤلم ~~كسميع بمعنى مسمع وعليه فنسبة الأليم إلى العذاب حقيقة {بما كانوا يكذبون} ~~قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الذال ~~أي: بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون ~~الكاف وتخفيف الذال أي: بكذبهم في قولهم: # PageV01P023 # آمنا لأن الإيمان التصديق بالقلب والكذب هو الخبر عن الشيء على خلاف ما ~~هو به، قال البيضاوي تبعا للزمخشري: وهو حرام كله لأنه علل به استحقاق ~~العذاب حيث رتب على الكذب وما روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذب ثلاث ~~كذبات أي: لما روى البخاري ومسلم في حديث الشفاعة «فيقول إبراهيم: إني كذبت ~~ثلاث كذبات» وذكر قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، ~~وقوله: إني سقيم، فالمراد التعريض أي: وهو اللفظ المشار به إلى جانب والغرض ~~جانب آخر، وقيل: هو خلاف التصريح وهو تضمين الكلام دلالة ليس لها # ذكر وسمي تعريضا لما فيه من التعريض عن المطلوب، ولكن لما شابه الكذب في ~~صورته سمي به، انتهى. وهذا ليس على إطلاقه فإن من الكذب ما هو مباح وما هو ~~مندوب وما هو واجب وما هو حرام لأن الكلام وسيلة إلى المقصود فكل مقصود ~~محمود إن أمكن التوصل إليه بالصدق، فالكذب فيه حرام، وإن لم يمكن إلا ~~بالكذب فهو مباح إن كان المقصود مباحا، ومندوب إن كان المقصود مندوبا، ~~وواجب إن كان المقصود واجبا، وفي حديث الطبراني في «الكبير» «كل الكذب يكتب ~~على ابن آدم إلا ثلاثا، الرجل يكذب في الحرب فإن الحرب خدعة، والرجل يكذب ~~على المرأة فيرضيها، والرجل يكذب بين الرجلين فيصلح بينهما» ، وفي حديث في ~~«الأوسط» «الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عن دينه» . # {وإذا قيل لهم} أي: لهؤلاء فهو عطف تفسير على يكذبون فمحله نصب لكونه ~~معطوفا على خبر كان، فيكون جزءا من السبب الذي استحقوا به العذاب الأليم، ~~أو على يقول، فلا محل ms0036 له من الإعراب لكونه معطوفا على صلة من فلا يكون جزءا ~~من السبب، والقائل هو الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو بعض ~~المؤمنين، {لا تفسدوا في الأرض} بالكفر والتعويق عن الإيمان، والفساد خروج ~~الشيء عن الاعتدال، والصلاح ضده، والفساد يعم كل ضار، والصلاح يعم كل نافع، ~~وكان من إفسادهم في الأرض إثارة الحروب والفتن بمخادعة المسلمين، ومعاونة ~~الكفار المتمحض كفرهم على المسلمين فإن ما ذكر يؤدي إلى فساد ما في الأرض ~~من الناس والدواب والحرث، ومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين فإن الإخلال ~~بالشرائع والإعراض عنها وما يوجب القتل والاختلاط ويخل بنظام العالم لا أن ~~ذلك إفساد لأن الإفساد جعل الشيء فاسدا وصنيعهم لم يكن كذلك، فقوله تعالى: ~~{لا تفسدوا في الأرض} مجاز باعتبار المآل أي: لا تفعلوا ما يؤدي إلى الفساد ~~وليس معنى الإفساد هنا الإتيان بالفساد ليصح حمل الكلام على الحقيقة، نبه ~~على ذلك السعد التفتازاني {قالوا إنما نحن مصلحون} جواب لإذا ورد للناصح ~~على سبيل المبالغة والمعنى أنه لا يصح مخاطبتنا بذلك فإن شأننا ليس إلا ~~الإصلاح وإن حالتنا متمحضة عن شوائب الفساد لأن إنما تفيد قصر ما دخله على ~~ما بعده مثل إنما زيد منطلق وإنما ينطلق زيد، وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوروا ~~الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال تعالى: {أفمن زين له ~~سوء عمله فرآه حسنا} (فاطر، 8) . # قال الله تعالى يرد عليهم أبلغ رد: {ألا إنهم هم المفسدون} أي: بما ذكر ~~{ولكن لا يشعرون} أي: لا يفطنون بمعنى لا يعلمون أنهم هم المفسدون بذلك أي: ~~لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح، وقيل: لا يعلمون ما أعد ~~الله لهم # PageV01P024 # من العذاب ووجه الأبلغية في ذلك تصديره بألا المنبهة على تحقيق ما بعدها ~~فإن همزة الاستفهام التي للإنكار إذا دخلت على النفي أفادت تحقيقا وبأن ~~المقررة للنسبة وتعريف الخبر وتوسط ضمير الفصل والاستدراك بلا يشعرون. # {وإذا قيل لهم آمنوا} هذا من تمام النصح والإرشاد فإن كمال الإيمان ms0037 ~~بمجموع أمرين: الإعراض عما لا ينبغي وهو المقصود بقوله: لا تفسدوا والإتيان ~~بما ينبغي وهو المطلوب بقوله: {آمنوا} . {كما آمن الناس} أي: كإيمان الناس ~~الكاملين في الإنسانية الموافق باطنهم فيه لظاهرهم العاملين بقضية العقل، ~~فاللام في الناس للجنس فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقا يستعمل لما ~~يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه، أو للعهد، والمراد به الرسول ~~ومن معه، أو عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب. وقرأ هشام ~~والكسائي: قيل، بإشمام القاف وهو أن تضم القاف قبل الباء، ولورش في الهمزة ~~من آمنوا وآمن المد والتوسط والقصر {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} أي: ~~الجهال، فاللام في السفهاء للعهد وهم من تقدم، أو لجنس السفهاء بأسرهم ~~وإنما سفهوهم لاعتقاد فساد رأيهم، أو لتحقير شأنهم فإن أكثر المؤمنين كانوا ~~فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر ~~الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه. # قال الله تعالى ردا عليهم أبلغ رد: {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} ~~أنهم سفهاء بما فعلوه من إبطان غير ما أظهروه، ووجه الأبلغية في تجهيلهم أن ~~الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع أعظم ضلالة وأتم جهالة من ~~المتوقف المعترف بجهله فإنه ربما يعذر وتنفعه الآيات والنذر. # فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ ~~أجيب: بأن هذا القول كانوا يقولونه فيما بينهم لا عند المؤمنين فأخبر الله ~~سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك والسفه خفة وسخافة رأي ~~يقتضيهما نقصان العقل والعلم يقابله. # فإن قيل: لم عبر في هذه الآية بلا يعلمون وفي التي قبلها بلا يشعرون؟ ~~أجيب: بأن التعبير بلا يعلمون أكثر مطابقة لذكر السفه لأن السفه جهل فطابقه ~~العلم ولأن أمر الإيمان أخروي يحتاج إلى دقة نظر، فعبر في الآية التي ~~اشتملت عليه بلا يعلمون، وأمر البغي والفساد دنيوي فهو كالمحسوس لا يحتاج ~~إلى دقة نظر، فعبر في الآية التي اشتملت عليه بلا يشعرون، ويشعر مضارع شعر، ~~يقال: ms0038 شعرت كذا، أي: حسست به أو أدركته، أي: فطنت له، وقد استعمل بالمعنى ~~الأول في قوله: {وما يشعرون} وفي الثاني بقوله: {لا يشعرون} كما يعلم مما ~~به قررته في الآيتين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: السفهاء ألا، ~~بتحقيق الهمزتين، وكذا كل همزتين وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا، ~~والباقون وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وبإبدال الثانية واوا خالصة. # {س2ش14/ش17 وإذا لقوا? الذينءامنوا? قالو?ا? ءامنا وإذا خلوا? إلى ~~شياطينهم قالو?ا? إنا معكم إنما نحن مستهزءون * الله يستهزئ بهم ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون * أو?لا???ك الذين اشتروا? الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم ~~وما كانوا? مهتدين * مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلمآ أضآءت ما حوله? ذهب ~~الله بنورهم وتركهم في ظلمات s يبصرون} # {وإذا لقوا الذين آمنوا} اللقاء المصادقة وهي الإجتماع من غير مواعدة ~~يقال: لقيته ولاقيته إذا صادفته واستقبلته، وأصل لقوا لقيوا حذف الضمة ~~للاستثقال ثم الياء لالتقائها ساكنة مع الواو {قالوا آمنا} أي: كإيمانكم ~~{وإذا خلوا} منهم ورجعوا {إلى شياطينهم} أي: الذين ماثلوا الشياطين في ~~تمردهم وهم المظهرون كفرهم وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر، أو كبار ~~المنافقين والقائلون صغارهم {قالوا إنا معكم} أي: في الدين والاعتقاد ~~خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية ومماثلي الشياطين # PageV01P025 # بالجملة الاسمية المؤكدة بأن لأنهم قصدوا بالأولى دعوى إحداث الإيمان، ~~وقصدوا بالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه، ولأنه لم يكن لهم باعث من ~~عقيدة وصدق ورغبة فيما خاطبوا به المؤمنين ولا توقع رواج ادعاء الكمال في ~~الإيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار بخلاف ما قالوه مع الكفار ~~{إنما نحن مستهزئون} بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أي: نسخر بهم بإظهارنا ~~الإسلام لأن المستهزىء بالشيء المستخف به مصر على خلافه فهذا تأكيد لما ~~قبله أو بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو استئناف فكأن ~~الشياطين قالوا لهم لما قالوا: إنا معكم، إن صح ذلك: فما بالكم توافقون ~~المؤمنين وتدعون الإيمان فأجابوا بذلك. # تنبيه: بين سبحانه وتعالى بهذه الآية معاملة المنافقين مع المؤمنين ~~والكفار، روى الواحدي ms0039 وغيره ولكن بسند ضعيف «أن ابن أبي وأصحابه استقبلهم ~~نفر من الصحابة فقال لقومه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم فأخذ بيد ~~أبي بكر رضي الله عنه وقال: مرحبا بالصديق سيد بني تيم وشيخ الاسلام وثاني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه فقال: مرحبا بسيد بني ~~عدي الفاروق القوي في دينه الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم أخذ بيد علي رضي الله تعالى عنه فقال: مرحبا بابن عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وختنه» أي: زوج بنته عند العامة وعند العرب كل من كان من ~~قبل المرأة وكل منهما صحيح هنا، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت. وما صدر به قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا} فمسوق ~~لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فليس بتكرير. # {الله يستهزىء بهم} أي: يجازيهم على استهزائهم، سمي جزاء الاستهزاء باسمه ~~كما سمي جزاء السيئة بسيئة، إما لمقابلة اللفظ باللفظ أو لكونه مماثلا له ~~في القدر ومثل هذا يسمى مشاكلة أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم ~~الاستهزاء والغرض منه أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزىء بهم ~~أو يعاملهم معاملة المستهزىء، أما في الدنيا فبإجراء أحكام الإسلام عليهم ~~واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة مع التمادي في الطغيان، وأما في ~~الآخرة فبأن يفتح لهم وهم في النار بابا إلى الجنة فيسرعون نحوه فإذا صاروا ~~إليه سد عليهم الباب وذلك قوله تعالى: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون} (المصطففين، 34) وإنما استؤنف به ولم يعطف ليدل على أنه تعالى تولى ~~مجازاتهم ولم يحوج المؤمنين أن يعارضوهم وأن استهزاءهم لا يبالي به ~~لحقارتهم {ويمدهم في طغيانهم} أي: في ضلالاتهم {يعمهون} يترددون متحيرين، ~~والطغيان بالضم والكسر تجاوز الحد في العصيان والغلو في الكفر، وأصله تجاوز ~~الشيء عن مكانه، قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم} (الحاقة، 11) قال ~~البيضاوي: والعمه ms0040 في البصيرة كالعمى في البصر وهو التحير في الأمر يقال: ~~رجل عامه وعمه وأرض عمهاء لا منار لها اه. وظاهر كلامه اختصاص العمه ~~بالبصيرة والعمى بالبصر وهو ما ذكره ابن عطية فبينهما تباين، وقال الإمام ~~وغيره: العمه في البصيرة والعمى عام فيها وفي البصر، فبينهما عموم مطلق ~~وأمال الدوري عن الكسائي ألف طغيانهم إمالة محضة وفتحها الباقون. # {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي: اختاروها عليه واستبدلوها به. ~~وأصل الشراء بذل الثمن لتحصيل ما يطلب # PageV01P026 # من الأعيان فإن كان أحد العوضين ناضا تعين من حيث أنه لا يطلب لعينه أن ~~يكون ثمنا وبذله اشتراء وإلا فالثمن ما دخلت عليه الباء فباذله مشتر وآخذه ~~بائع ثم اتسع فيه فاستعمل للرغبة عن الشيء طمعا في غيره، والمعنى أنهم ~~أخلوا بالهدى الذي جعله الله لهم بالفطرة التي فطر الناس عليها محصلين ~~الضلالة التي ذهبوا إليها واختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى، وأمال ألف ~~الهدى حمزة والكسائي محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح {فما ~~ربحت تجارتهم} أي: ما ربحوا فيها. والتجارة: التصرف بالبيع والشراء، والربح ~~الفضل على رأس المال، وإسناده إلى التجارة وهو لأربابها على سبيل الاتساع ~~لتلبسها بالفاعل أو لمشابهتها إياه من حيث أنها سبب للربح والخسران واتفق ~~القراء على إدغام التاء في التاء وكذا كل مثلين الأول منهما ساكن {وما ~~كانوا مهتدين} لطرق التجارة فإن المقصود منها سلامة رأس المال والربح ~~وهؤلاء قد أضاعوا الأمرين لأن رأس مالهم كان الفطرة السليمة والعقل الصرف ~~فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعداهم واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس مال ~~يتوصلون به إلى إدراك الحق ونيل الكمال فبقوا خاسرين آيسين عن الربح فاقدين ~~للأصل. # {مثلهم} أي: شبههم وصفتهم في نفاقهم {كمثل الذي} بمعنى الذين بدليل سياق ~~الآية ونظيره {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} (الزمر، 33) ، ~~وقوله تعالى: {وخضتم كالذي خاضوا} (التوبة، 69) أو قصد به جنس المستوقد أو ~~الفوج الذي {استوقد} أي: أوقد {نارا} في ظلمة لما جاء بحقيقة حالهم عقبها ~~بضرب المثل وهو بيان تصوير ms0041 تلك الحقيقة وإبرازها في معرض المشاهد المحسوس ~~زيادة في التوضيح والتقرير فإنه أوقع في القلب وأقمع للخصم، قال البيضاوي: ~~والاستيقاد طلب الوقود والسعي في تحصيله وهو سطوع النار وارتفاع لهبها. اه. ~~والأكثر على أن استوقد هنا بمعنى أوقد كما قدرته لا بمعنى طلب الوقود {فلما ~~أضاءت} أي: أنارت النار، وأضاء لازم ومتعد، يقال: أضاء الشيء بنفسه وأضاءه ~~غيره {ما حوله} أي: المستوقد فأبصر واستدفأ وأمن ما يخافه {ذهب الله ~~بنورهم} أي: أطفأه وهذا جواب لما وإسناد الإذهاب إلى الله تعالى، إما لأن ~~الكل بفعله أو لأن الإطفاء حصل بسبب خفي أو أمر سماوي كريح أو مطر أو ~~للمبالغة ولذلك عدي الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب ~~والاستمساك، يقال: ذهب السلطان بماله إذا أخذه وأمسكه وما أخذه الله تعالى ~~وأمسكه فلا مرسل له ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ إلى النور فإنه ~~لو قيل: ذهب الله بضوئهم احتمل ذهابه بما في الضوء من الزيادة وبقاء ما ~~يسمى نورا، والغرض إزالة النور عنهم رأسا ألا ترى كيف قرر ذلك وأكده بقوله ~~تعالى: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} ما حولهم متحيرين عن الطريق خائفين ~~فذكر الظلمة التي هي عدم النور وانطماسه بالكلية، وكيف جمع الظلمة، وكيف ~~نكرها، وكيف أتبعها بما يدل على أنها ظلمة خالصة وهو قوله: {لا يبصرون} ~~وظلماتهم: ظلمة الكفر؛ وظلمة النفاق؛ وظلمة يوم القيامة يوم ترى المؤمنين ~~والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبإيمانهم، أو ظلمة الضلال؛ وظلمة سخط ~~الله؛ وظلمة العقاب السرمدي، أو ظلمة # شديدة كأنها ظلمات متراكمة، والآية وهي قوله: {مثلهم} إلخ مثل ضربه الله ~~لإيمان المنافقين من # PageV01P027 # حيث أنه يعود عليهم بحقن الدماء وسلامة الأموال والأولاد ومشاركة ~~المسلمين في المغانم والأحكام بالنار الموقدة للاستضاءة ولذهاب أثره ~~وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها، ~~هذا هو الوارد، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس، وقيل: مثل ضربه الله لمن آتاه ~~ضربا من الهدى وأضاعه ولم يتوصل به إلى نعيم الأبد فبقي ms0042 متحيرا متحسرا ~~تقريرا وتوبيخا لما تضمنه قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} ~~إلخ.. ويدخل تحت عموم ما تضمنته الآية هؤلاء المنافقون فإنهم أضاعوا ما ~~نطقت به ألسنتهم من الحق باستبطان الكفر وإظهاره حين خلوا إلى شياطينهم ومن ~~آثر الضلالة على الهدى المجعول له بالفطرة أو ارتد عن دينه بعدما آمن. وقرأ ~~ورش بترقيق راء يبصرون. # {س2ش18/ش20 صم? بكم عمى فهم يرجعون * أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ورعد ~~وبرق يجعلون أصابعهم فى? ءاذانهم من الصواعق حذر الموت? والله محيط? ~~بالكافرين * يكاد البرق يخطف أبصارهم? كلمآ أضآء لهم مشوا? فيه وإذآ أظلم ~~عليهم قاموا?? ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم? إن الله على كل شىء ~~قدير} # هم {صم} عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول، وأصل الصمم صلابة من اجتماع ~~الأجزاء ومنه قيل: حجر أصم وقناة صماء وصمام القارورة سمي به فقدان حاسة ~~السمع لأن سببه أن يكون باطن الصماخ مجتمعا لا تجويف فيه يشتمل على هواء ~~يسمع الصوت بتموجه {بكم} خرس عن الخير فلا يقولونه، والخرس في الأصل عدم ~~القدرة على النطق {عمي} عن طريق الهدى فلا يرونه، والعمى في الأصل عدم ~~البصر عما من شأن أن يبصر، وقد يقال لعدم البصيرة {فهم لا يرجعون} أي: لا ~~يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه أو عن الضلالة التي اشتروها. # {أو} مثلهم {كصيب} فهو معطوف على الذي استوقد أي: كمثل أصحاب صيب لقوله: ~~{يجعلون أصابعهم في آذانهم} وأوفى الأصل للتساوي للشك، ثم اتسع فيها فأطلق ~~للتساوي من غير شك مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، وقوله تعالى: {ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا} (الإنسان، 24) فإنه يفيد التساوي في حسن المجالسة في ~~المثال الأول ووجوب العصيان في الثاني ومن ذلك قوله: {أو كصيب من السماء} ~~ومعناه بقرينة السياق أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين وأنهما سواء ~~في صحة التشبيه بهما وأنت مخير في التمثيل بهما أو بأيتهما شئت وإن كان ~~الثاني أبلغ كما قاله الزمخشري، قال: لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر ms0043 ~~وفظاعته، والصيب أصله صيوب من صاب يصوب وهو النزول، يقال للمطر وللسحاب، ~~والآية تحتملهما، أي ينزل {من السماء} ذلك فإن قدرت الصيب بالمطر فالمراد ~~بالسماء السحاب وإن قدرته بالسحاب فالمراد السماء بعينها والسماء كل ما ~~علاك وأظلك وهي من أسماء الأجناس فيكون واحدا وجمعا {فيه} أي: الصيب، وقيل: ~~السماء {ظلمات} جمع ظلمة فإن أريد بالصيب المطر فظلماته ظلمة تكاثفه بتتابع ~~القطر وظلمة غمامه مع ظلمة الليل وإن أريد به السحاب فظلماته سواده وتكاثفه ~~مع ظلمة الليل {ورعد} وهو صوت يسمع من السحاب قال البيضاوي: والمشهور أن ~~سببه اضطراب أجرام السحاب واصطكاكها إذا ساقها الريح من الارتعاد {وبرق} ~~وهو ما يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا، هذا ما جرى عليه الجوهري وغيره، ~~وهو المناسب هنا وإن أطلق الرعد على الملك أيضا فهو مشترك بين الصوت ~~المذكور والملك الثابت في الأحاديث، ففي بعضها: أنه ملك موكل بالسحاب بيده ~~مخراق من نار يزجر به السحاب بسوقه إلى حيث شاء الله وصوته ما يسمع، وفي ~~بعضها: أنه ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه، وفي بعضها: أنه ملك ~~يسوق السحاب بالتسبيح كما يسوق الحادي الإبل بحدائه، # PageV01P028 # وفي بعضها: أنه ملك مسمى به وهو الذي تسمعون صوته # {يجعلون} أي: أصحاب الصيب {أصابعهم} أي: أناملها وإنما أطلق الأصابع موضع ~~الأنامل للمبالغة لما في ذلك من الإشعار بدخول أصابعهم فوق المعتاد فرارا ~~من شدة الصوت {في آذانهم} وقوله: {من الصواعق} متعلق بيجعلون أي: من أجلها ~~يجعلون وهو جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه ويقال ~~لكل عذاب مهلك: صاعقة وقيل: الصاعقة قطعة عذاب ينزلها الله تعالى على من ~~يشاء. روي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله تعالى عنهم: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال: اللهم لا ~~تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك. وأمال الدوري عن الكسائي ~~الألف التي بعد الذال في آذانهم إمالة محضة، والباقون بالفتح. وقوله تعالى: ms0044 ~~{حذر الموت} نصب على العلة كقول الشاعر: # وأغفر (أي: أستر) عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئم تكرما* # قال البيضاوي: والموت زوال الحياة، زاد في «الطوالع» : عما من شأنه ~~الحياة وفيه تساهل إذ يلزم منه أن يكون الجنين قبل حلول الحياة فيه ميتا، ~~والأظهر كما في «شرح المواقف» أن يقال: عدم الحياة عما اتصف بها بالفعل ~~فبينهما تقابل العدم والملكة على التفسيرين، وقيل: عرض يضادها فبينهما ~~تقابل التضاد لقوله تعالى: {خلق الموت والحياة} (الملك، 2) فجعل الموت ~~مخلوقا والعدم لا يخلق ورد بأن الخلق بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد ~~والإعدام مقدرة ولو سلم بأنه بمعنى الإيجاد فالمعنى خلق أسباب الموت ~~والحياة وبذلك علم أن القول الأول هو المعتمد وكلام أئمة اللغة طافح به ~~وحاصله أن الموت مفارقة الروح الجسد وما ورد في الأحاديث من أنه جسم؛ حيث ~~قيل في بعضها: إنه كبش، وفي بعضها: إنه على صورة كبش لا يمر على أحد إلا ~~مات فمؤول بأنه لم يقصد بالموت فيها حقيقته بل قصد أنه يصور بصورة كبش كما ~~في خبر الشيخين وغيرهما «أنه يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف ~~بين الجنة والنار» إلخ ... {وا محيط بالكافرين} علما وقدرة فلا يفوتونه كما ~~لا يفوت المحاط، به المحيط لا يخلصهم الخداع والحيل، وقيل: مهلكم دليله ~~قوله تعالى: {إلا أن يحاط بكم} (يوسف، 66) أي: تهلكوا، والجملة اعتراضية لا ~~محل لها، قال أبو حيان: لأنها دخلت بين هاتين الجملتين، وهما يجعلون ~~أصابعهم ويكاد البرق وهما من قصة واحدة، ويميل ورش الألف بعد الكاف بين بين ~~وكذا الكافرين حيث جاء، وقرأ أبو عمرو والدوري عن الكسائي بالإمالة المحضة ~~فيهما حيث جاء، والباقون بالفتح. # {يكاد البرق} يقرب لأن كاد من أفعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من ~~الوجود لحصول سببه لكنه لم يوجد إما لفقد شرط أو لعروض مانع وخبرها مشروط ~~فيه أن يكون فعلا مضارعا تنبيها على أنه المقصود بالقرب {يخطف أبصارهم} ~~يختلسها، والخطف: الأخذ بسرعة {كلما أضاء لهم مشوا فيه} أي: ضوئه {وإذا ~~أظلم ms0045 عليهم قاموا} أي: وقفوا متحيرين فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم ~~بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفاتها أن ~~الساري لا يمكنه المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم في ~~آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة ~~توقده، فهذا مثل # PageV01P029 # ضربه الله تعالى للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر: القرآن، ~~لأنه حياة القلوب كما أن المطر حياة الأبدان، والظلمات: ما في القرآن من ~~ذكر الكفر والشرك، والرعد: ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار، والبرق: ما ~~فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة، والكافرون والمنافقون يسدون ~~آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه ولإزعاج ما في القرآن من ~~الحجج قلوبهم، وإنما قال الله تعالى مع الإضاءة: كلما ومع الإظلام: إذا، ~~لأنهم حراس على المشي كلما صادفوا منه فرصة مما يحبون انتهزوها ولا كذلك ~~التوقف فيما يكرهون. ومعنى قاموا: وقفوا، كما مر، ومنه قامت السوق إذا ~~ركدت، أي: سكنت، ويقال: قامت السوق بمعنى: نفقت، فهو من الأضداد. {ولو شاء ~~الله لذهب بسمعهم} بمعنى: أسماعهم {وأبصارهم} الظاهرة كما ذهب بالباطنة، ~~أي: ولو شاء أن يذهب بسمعهم بشدة صوت الرعد وأبصارهم بلمعان البرق لذهب ~~بهما فحذف المفعول وهو أن يذهب لدلالة الجواب وهو لذهب عليه، ولقد تكاثر ~~حذف المفعول في شاء وأراد إذا وقعا في حيز الشك كما هنا لدلالة الجواب على ~~ذلك المحذوف حتى لا يكاد يذكر إلا في الشيء المستغرب، كقول القائل: # *فلو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليك ولكن ساحة الصبر أوسع* # وأتى فيه بالمفعول لأن بكاء الدم مستغرب ونصب دما لتضمنه معنى الصب ولو ~~من حروف الشرط، قال البيضاوي: وظاهرها الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء ~~الثاني ضرورة انتفاء الملزوم عند انتفاء لازمه. اه. وهذا مذهب ابن الحاجب، ~~وأما مذهب الجمهور وهو الأصح فإنها في الأصل لانتفاء الثاني لانتفاء الأول، ~~فمعنى لو جئتني أكرمتك أن انتفاء الاكرام لانتفاء المجيء، وقيل: إنها لمجرد ~~الربط ms0046 كان ومن ثم قال التفتازاني أن لو هنا لمجرد الشرط بمنزلة أن لا ~~بمعناها الأصلي وفائدة هذه الجملة الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم ~~وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه وهو أنه تعالى أمهل المنافقين فيما هم فيه ~~ليتمادوا في الغي والفساد ليكون عذابهم أشد وللتنبيه على أن تأثير الأسباب ~~في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى وأن وجودها مرتبط بأسبابها واقع ~~بقدرته تعالى، وقوله تعالى: {إن الله على كل شيء} أي: يشاؤه، {قدير} ~~كالتصريح بما ذكر والتقرير له والشيء يختص بالموجود فلا يطلق على المعدوم. # فإن قيل: لو اختص الشيء بالموجود لما تعلقت به القدرة لأنها الصفة ~~المؤثرة على وفق الإرادة وتأثيرها الإيجاد وإيجاد الموجود محال فالذي تعلقت ~~به القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء، أجيب: بأن المحال إيجاد الموجود ~~بوجود سابق وهو غير لازم، واللازم إيجاد موجود هو أثر ذلك الإيجاد وليس ~~بمحال، والقدرة هو التمكن من إيجاد الشيء، وقيل: صفة مقتضى التمكن، وقيل: ~~قدرة الإنسان هيئة بها يتمكن من الفعل وقدرة الله تعالى عبارة عن نفي العجز ~~عنه، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، والقدير الفعال لما يشاء ~~ولذلك قلما يوصف به غير الباري تعالى، واشتقاق القدير من القدرة لأن القادر ~~يوقع الفعل على مقدرار قوته أو على مقدار ما تقتضيه مشيئته، وفي ذلك دليل ~~على أن الحادث حال حدوثه والممكن حال بقائه مقدوران، وأن مقدور العبد مقدور ~~الله تعالى خلافا لأبي علي وأبي # PageV01P030 # هاشم لأنه شيء وكل شيء مقدور، واحتج بعض الفرق بأن هذه الآية تدل على أن ~~الله تعالى ليس بشيء، قال: لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله تعالى والله ~~سبحانه وتعالى ليس بمقدور له فوجب أن لا يكون شيئا، واحتج أيضا على ذلك ~~بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} (الشورى، 11) قال: لو كان هو تعالى شيئا فهو ~~تعالى مثل مثل نفسه فكان يكذب قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} فوجب أن لا يكون ~~شيئا حتى لا يناقض هذه الآية. # واعلم أن هذا الخلاف ms0047 في الاسم لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم، واحتج ~~أصحابنا بوجهين: الأول قوله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} ~~(الأنعام، 19) والثاني قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} (القصص، 88) ~~والمستثنى داخل في المستثنى منه فوجب أن يكون شيئا، وأجيب عن قوله: إن هذه ~~الآية تدل على أن الله تعالى قادر على نفسه بأن تخصيص العام جائز في الجملة ~~وأيضا تخصيص العام جائز بدليل العقل. # فإن قيل: إذا كان اللفظ موضوعا للكل ثم إنه تبين أنه غير صادق في الكل ~~كان هذا كذبا وذلك يوجب الطعن في القرآن، أجيب: بأن لفظ الكل كما أنه ~~مستعمل في المجموع فقد يستعمل مجازا في الأكثر فإذا كان ذلك مجازا مشهورا ~~في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذبا. ورقق ورش الراء من قدير وصلا ~~ووقفا، وباقي القراء بالترقيق وقفا لا وصلا. # ولما عد سبحانه وتعالى فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم أقبل ~~تعالى عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات بقوله تعالى: # {يأيها الناس اعبدوا ربكم} تحريكا للسامع وتنشيطا له واهتماما ~~بأمرالعبادة وتفخيما لشأنها وجبرا لمشقة العبادة بلذة المخاطبة ويا حرف وضع ~~لنداء البعيد وقد ينادى به القريب تنزيلا له منزلة البعيد، إما لعظمته كقول ~~الداعي: يا رب ويا الله وهو أقرب إليه من حبل الوريد، أو لغفلته وقلة فهمه، ~~أو للاعتناء بالمدعو له وزيادة الحث عليه، ولفظ الناس يعم الموجودين وقت ~~النزول لفظا ومن سيوجد تنزيلا للمعدوم منزلة الموجود، لما تواتر من دينه ~~عليه الصلاة والسلام أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين ثابت إلى قيام ~~الساعة إلا ما خصه الدليل وإن قال الإمام الرازي: الأقرب أنه لا يتناوله ~~لأن {يا أيها الناس} صرف خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز ~~وتناوله له لدليل منفصل وهو ما تواتر من دينه عليه الصلاة والسلام أن ~~أحكامه ثابتة في حق من سيوجد إلى قيام الساعة.H # فإن قيل: روي عن عقبة والحسن وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن كل شيء ~~نزل فيه {يا أيها الناس} ms0048 فمكي و {يا أيها الذين آمنوا} فمدني، فكيف تكون ~~هذه السورة مكية وقد نزلت بالمدينة؟ أجيب: بأن المراد بقولهم: السورة مكية ~~أو مدنية أن غالبها ذلك والأولى أن يقال إن ذلك أكثري لا كلي وأن سورة ~~البقرة والنساء والحجرات مدنيات باتفاق وقد قال تعالى في كل منها: {يا أيها ~~الناس} وسورة الحج مكية سوى ما استثنى وفيها من غيره {يا أيها الذين آمنوا ~~اركعوا} ولا يختص ذلك الخطاب بالكفار ولا بأمرهم بالعبادة فإن المأمور به ~~هو المشترك بين بدء العبادة والزيادة فيها والمواظبة عليها، فالمطلوب من ~~الكفار هو الشروع فيها بعد الإيمان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار ~~بالصانع فإن من لوازم وجوب الشيء وجوب ما لا يتم إلا به، وكما أن الحدث لا ~~يمنع وجوب الصلاة فالكفر لا يمنع وجوب العبادة، بل يجب رفع الكفر والاشتغال ~~بالعبادة ومن المؤمنين ازديادهم # PageV01P031 # وثباتهم عليها وإنما قال الله تعالى: {ربكم} تنبيها على أن الموجب ~~للعبادة هي الربوبية، وقوله تعالى: {الذي خلقكم} أي: أنشأكم ولم تكونوا ~~شيئا صفة جرت عليه للتعظيم والتعليل، ويحتمل التقييد إن خص الخطاب ~~بالمشركين، وأريد بالرب أعم من الرب الحقيقي والآلهة التي يسمونها أربابا ~~والخلق: إيجاد الشيء على تقدير واستواء، وأصله التقدير، يقال: خلق النعل، ~~إذا قدرها وسواها بالقياس. وقرأ أبو عمرو خلقكم بإدغام القاف في الكاف بخلف ~~عنه {و} خلق {الذين من قبلكم} وهذا متناول لكل ما يتقدم الانسان بالذات أو ~~الزمان كتقدم الجزء على الكل والواحد على الاثنين، وهو منصوب عطف على ~~الضمير المنصوب في خلقكم كما علم من التقدير والجملة أخرجت مخرج المقرر ~~عندهم، إما لاعترافهم به كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ~~الله} (الزخرف، 87) {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} ~~(الزمر، 38) أو # لتمكنهم من العلم به بأدنى نظر، وقوله تعالى: {لعلكم تتقون} إما حال من ~~الضمير في اعبدوا كأنه قال: اعبدوا، ربكم راجين أن تدخلوا في سلك المتقين ~~الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين لجوار الله تعالى نبه به على أن التقوى ~~منتهى ms0049 درجات السالكين وهو التبري من كل شيء سوى الله إلى الله وأن العابد ~~ينبغي أن لا يغتر بعبادته ويكون ذا خوف ورجاء، كما قال تعالى: {يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا يرجون رحمته ويخافون عذابه} (الإسراء، 57) ، وإما من مفعول ~~خلقكم والمعطوف عليه على معنى أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من ترجى منه ~~التقوى لترجح أمره باجتماع أسبابه وكثرة الدواعي إليه وغلب تعالى المخاطبين ~~بقوله: {لعلكم} على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم جميعا ولعل في ~~الأصل للترجي وفي كلامه تعالى للتحقيق، والآية تدل على أن الطريق إلى معرفة ~~الله تعالى والعلم بوحدانيته والعلم باستحقاقه للعبادة النظر في صنعه ~~والاستدلال بأفعاله، وأن العبد لا يستحق بعبادته عليه تعالى ثوابا فإنها ~~لما وجبت عليه شكرا لما عدده عليه من النعم السابقة فهو كأجير أخذ الأجر ~~قبل العمل وقوله تعالى: # {الذي جعل} أي: خلق {لكم الأرض فراشا} أي: بساطا تفرش صفة ثانية، أو ~~منصوب بتقدير أمدح، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، ومعنى جعلها فراشا أن جعل ~~بعض جوابنها بارزا عن الماء مع ما في طبع الماء من الإحاطة بها وصيرها ~~متوسطة بين الصلابة واللطافة حتى صارت مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها ~~كالفراش المبسوط وذلك لا يستدعي كونها مسطحة لأن كرية شكلها مع عظم حجمها ~~واتساع جرمها لا تأبى الفراش عليها فليس في ذلك إلا أن الناس يفترشونها كما ~~يفعلون بالمفاريش، وسواء كانت على شكل السطح أو على شكل الكرة {و} جعل لكم ~~{السماء بناء} أي: قبة مضروبة عليكم. والسماء اسم جنس يقع على الواحد وعلى ~~المتعدد كالدينار والدرهم وقيل: جمع سماءة. والبناء مصدر سمي به المبني ~~بيتا كان أو قبة أو خباء ومنه: بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ~~ضربوا عليها خباء جديدا، وقوله تعالى: {وأنزل من السماء ماء} معطوف على ~~{جعل} والمراد بها، إما السحاب فإن ما علاك سماء، وإما الفلك فإن المطر ~~يبتدىء إما من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض كما دلت عليه الظواهر من ~~الآيات كقوله تعالى: {وأنزلنا من ms0050 السماء ماء} (لقمان، 10) وقوله تعالى: ~~{أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض} (الزمر، 21) ، وعن خالد بن ~~معدان قال: المطر ماء يخرج من # PageV01P032 # تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في سماء الدنيا فيجتمع في ~~موضع فتجيء السحاب السود فتدخله فتشربه فيسوقها الله حيث شاء، وإما من ~~أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جو الهواء فتنعقد ~~سحابا ماطرا. {فأخرج به من} أنواع {الثمرات رزقا لكم} تأكلونه وتعلفون منه ~~دوابكم وخروجها بقدرة الله تعالى ومشيئته، ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب ~~سببا في إخراجها ومادة لها كالنطفة للحيوان بأن أجرى عادته بإفاضة صورها ~~وكيفياتها على المادة الممتزجة منهما، أو أبدع في الماء قوة فاعلة وفي ~~الأرض قوة قابلة # يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار، وهو تعالى قادر على أن يوجد الأشياء ~~كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في إنشائها ~~مرتقيا من حال إلى حال صنائع وحكم يجدد فيها لأولي الأبصار عبرا وسكونا إلى ~~عظيم قدرته ليس ذلك في إيجادها دفعة. # تنبيه: من الأولى للابتداء ومن الثانية للتبعيض بدليل قوله تعالى: ~~{فأخرجنا به ثمرات} (فاطر، 27) لأن ثمرات جمع قلة منكر واكتناف المنكرين ~~لها أعني ماء ورزقا كأنه تعالى قال: وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا ~~به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم، وهذا التبعيض هو الموافق للواقع إذ لم ~~ينزل من السماء الماء كله ولا أخرج بالمطر كل الثمرات ولا جعل بالمطر كل ~~المرزوق، ويصح أن تكون من الثانية للتبيين ورزقا مفعول وهو المبين بمعنى ~~المرزوق كقول القائل: أنفقت من الدراهم ألفا، فإن من الدراهم بيان لقوله ~~عقبه ألفا. # فإن قيل: المحل محل جمع الكثرة فكيف أتى بجمع القلة؟ أجيب: بأن الجموع ~~يتناوب بعضها موقع بعض كقوله تعالى: {كم تركوا من جنات} (الدخان، 25) وأوقع ~~جمع القلة موقع جمع الكثرة بدليل ذكركم وكقوله تعالى: {ثلاثة قروء} ~~(البقرة، 238) فأوقع جمع الكثرة موضع جمع القلة لأن مميز الثلاثة لا يكون ~~إلا جمع قلة أو لأن الثمرات لما كانت ms0051 محلاة باللام خرجت عن حد القلة {فلا ~~تجعلوا أندادا} أي: شركاء في العبادة. # فإن قيل: لم سمي ما يعبده المشركون من دون الله أندادا مع أنهم ما زعموا ~~أنها تساويه في ذاته وصفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله؟ أجيب: بأنهم لما ~~تركوا عبادته إلى عبادتها وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات ~~واجبة بالذات قادرة على أنها تدفع عنهم بأس الله وتمنحهم ما لم يرد الله ~~بهم من خير فتهكم الله تعالى بهم وشنع عليهم بأن جعلوا أندادا لمن يمتنع أن ~~يكون له ند ولذلك قال موحد الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين ~~قومه: # *أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور* # أدين أي: أطيع، من دان أي: انقاد، إذا تقسمت أي: تفرقت: # *تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل البصير* # *ألم تعلم بأن الله أفنى ... رجالا كان شأنهم الفجور* # *وأبقى آخرين ببر قوم ... فيربو منهم الطفل الصغير* # وقوله تعالى: {وأنتم تعلمون} حال من ضمير {فلا تجعلوا} ومفعول تعلمون ~~متروك، أي: وحالكم أنكم من أهل العلم والنظر وإصابة الرأي فلو تأملتم أدنى ~~تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات منفرد بوجود الذات متعال عن ~~مشابهة المخلوقات أو مقدر وهو أن الأنداد لا تماثله ولا تقدر على مثل ما ~~يفعله، كقوله تعالى: هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء وعلى # PageV01P033 # كون {وأنتم تعلمون} حالا فالمقصود منه التوبيخ سواء أجعل مفعول تعلمون ~~متروكا أو مقدرا وإن كان التوبيخ في الأول آكد كما صرح به «الكشاف» لا ~~تقييد الحكم وقصره وهو النهي عن جعلهم لله أندادا بحال علمهم فإن العالم ~~والجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف. # تنبيه: قال البيضاوي: واعلم أن مضمون الآيتين أي {يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم} و {الذي جعل لكم} إلى آخرهما هو الأمر بعبادة الله والنهي عن الاشراك ~~به تعالى والإشارة إلى ما هو العلة والمقتضى، وبيانه أنه تعالى رتب الأمر ~~بالعبادة على صفة الربوبية إشعارا بأنها العلة لوجوبها ثم ms0052 بين ربوبيته بأنه ~~تعالى خالقهم وخالق أصولهم وما يحتاجون إليه في معايشهم من المقلة والمظلة ~~أي: الأرض والسماء والمطاعم والملابس فإن الثمرة أعم من المطعوم أي: فتعم ~~الثمرات الملابس كالمطاعم والرزق أعم من المأكول والمشروب ثم لما كانت هذه ~~أمورا لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيته رتب عليها النهي عن الإشراك ~~به. ولعله سبحانه وتعالى أراد من الآية الأخيرة مع ما دل عليه الظاهر وسيق ~~فيه الكلام الإشارة إلى تفصيل خلق الانسان وما أفاض عليه من المعاني ~~والصفات على طريقة التمثيل فمثل البدن بالأرض، والنفس بالسماء، والعقل ~~بالماء، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بوساطة استعمال ~~العقل للحواس وازدواج أي: اقتران القوى النفسانية والبدنية بالثمرات ~~المتولدة من ازدواج أي: اقتران القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة ~~بقدرة الفاعل المختار فإن لكل آية ظهرا وبطنا ولكل حد مطلعا. اه. # هذا روي عن الحسن مرفوعا مرسلا، وظهر الآية ما ظهر من معانيها لأهل العلم ~~الظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها الخواص، وقيل: ~~ظاهرها تلاوتها، وباطنها فهمها، والحد أحكام الحلال والحرام، والمطلع ~~الإشراف على معرفتها. # ولما قرر سبحانه وتعالى وحدانيته وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ذكر ~~عقبه ما هو الحجة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن المعجز ~~بفصاحته التي غلبت فصاحة كل بليغ مع كثرتهم وإفراطهم في المضادة وتهالكهم ~~على المغالبة بقوله تعالى: # {وإن كنتم في ريب} أي: شك {مما نزلنا على عبدنا} محمد من القرآن أنه من ~~عند الله {فأتوا بسورة} وإنما قال تعالى: {مما نزلنا} لأن نزوله نجما فنجما ~~بحسب الوقائع على ما يرى عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم كما حكى الله ~~تعالى عنهم بقوله تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة} (الفرقان، 22) فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزالة للشبهة ~~وإلزاما للحجة، فإن أهل الشعر والخطابة يأتون بأشعارهم وخطبهم على قدر ~~الحاجة شيئا فشيئا ولما كان القرآن منزلا كذلك طعنوا فيه بأنه مثل كلامهم ~~فقيل لهم: ms0053 إن ارتبتم في نزوله منجما فأتوا بنجم منه لأنهم إذا عجزوا عن نجم ~~منه فعجزهم عن كله أولى. وأضاف العبد إلى نفسه تنويها بذكره وتنبيها على ~~أنه مختص به منقاد لحكمه. والسورة من القرآن الطائفة منه المترجمة التي لها ~~أول وآخر أقلها ثلاث آيات. والحكمة في تقطيع القرآن سورا إفراد الأنواع ~~وتلاحق الأشكال وتجاوب النظم وتنشيط القارىء وتسهيل الحفظ والترغيب فيه، ~~فإن القارىء إذا ختم سورة فرج ذلك عنه بعض كربه، # PageV01P034 # كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى بريدا، أو الحافظ إذا حفظ سورة ~~اعتقد أنه أخذ من القرآن حظا تاما وفاز بطائفة محدودة مستقلة بنفسها فعظم ~~ذلك عنده وابتهج به إلى غيرها من الفوائد، وقوله تعالى: {من مثله} صفة سورة ~~أي: بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا ومن للتبعيض، أو للتبيين، ~~وزائدة عند الأخفش، أي: بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم، وقيل: ~~الضمير لعبدنا، ومن للإبتداء أي: بسورة كائنة ممن هو على حاله من كونه بشرا ~~أميا لم يقرأ الكتب ولم يتعلم العلوم، والوجه الأول أولى لأنه المطابق ~~لقوله تعالى في سورة يونس: {فأتوا بسورة مثله} (يونس، 38) ولسائر آيات ~~التحدي، ولأن الكلام في المنزل لا في المنزل عليه فحقه أن لا ينفك عنه ~~ليتسق الترتيب والنظم إذ المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن # منزل من عند الله فأتوا بقرآن من مثله ولأن مخاطبة الجم الغفير بأن يأتوا ~~بمثل ما أتى به واحد من أبناء جنسهم أبلغ في التحدي من أن يقال لهم: ليأت ~~بنحو ما أتى به عبدنا آخر مثله ولأنه معجز في نفسه لا بالنسبة إليه لقوله ~~تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله} (الإسراء، 88) ولأن عود الضمير إلى عبدنا يوهم إمكان صدوره ممن لم ~~يكن على صفته ولا يلائمه قوله تعالى: {وادعوا شهداءكم من دون الله} فإنه ~~تعالى أمر أن يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم سواء كان مثله أم لا والشهداء ~~جمع شهيد بمعنى الحاضر أو ms0054 القائم بالشهادة، ومنه قيل للمقتول في سبيل الله: ~~شهيد، لأنه حضر ما كان يرجوه أو الملائكة حضروه، ومعنى دون: أدنى مكان من ~~الشيء، ومنه تدوين الكتب لأنه أدنى البعض، من البعض ودونك هذا أي: خذه من ~~أدنى مكان منك، ثم استعير للرتب فقيل: عمرو دون زيد، أي: في الشرف، ومنه ~~الشيء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى آخر وتخطي أمر إلى ~~آخر وإن خلى عن الرتبة قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين} (آل عمران، 28) أي: لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية ~~الكافرين، ومن متعلقة بادعوا فهي لابتداء الغاية، والمعنى: وادعوا للمعارضة ~~من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وادعوا آلهتكم التي تعبدونها غير ~~الله وتزعمون أنها تشهد لكم يوم القيامة، أي: استعينوا بهم في الإتيان بما ~~ذكر {إن كنتم صادقين} في أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه، ~~وأن آلهتكم تشهد لكم بذلك، وجواب هذا الشرط محذوف تقديره فافعلوا أي: ما ~~ذكر من الإتيان بسورة دل عليه قوله تعالى: # {فإن لم تفعلوا} ذلك والصدق الإخبار المطابق وقيل: مع اعتقاد المخبر أنه ~~كذلك عن دلالة أو إمارة لأنه تعالى كذب المنافقين في قولهم: {إنك لرسول ~~الله} (المنافقون، 1) لما لم يعتقدوا مطابقته، ورد هذا القول بصرف التكذيب ~~إلى قولهم: نشهد لأن الشهادة إخبار عما عمله وهم ما كانوا عالمين به، وقوله ~~تعالى: {ولن تفعلوا} جملة معترضة أي: لا يقع منكم ذلك أبدا لإعجاز القرآن ~~{فاتقوا النار التي وقودها} أي: ما تتقد به {الناس والحجارة} التي نحتوها ~~واتخذوها أربابا من دون الله طمعا في شفاعتها والانتفاع بها ويدل لذلك قوله ~~تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} (الأنبياء، 98) عذبوا بما ~~هو منشأ جرمهم كما عذب الكانزون بما كنزوه أو حجارة الكبريت، كما رواه ~~الطبراني عن ابن مسعود، والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى # PageV01P035 # عنهما وعليه أكثر المفسرين، وإن قال البيضاوي: إنه تخصيص بغير دليل لأن ~~مثل هذا ms0055 التفسير الوارد عن الصحابي فيما يتعلق بأمر الآخرة له حكم المرفوع ~~وأيضا حجارة الكبريت أشد حرا وأكثر التهابا وتزيد على غيرها من الأحجار ~~سرعة الإيقاد ونتن الريح وكثرة الدخان وشدة الالتصاق بالأبدان وقيل: جميع ~~الحجارة. # تنبيه: تفعلوا مجزوم بلم لا بإن لأن لم واجبة الإعمال مختصة بالمضارع ~~متصلة بالمعمول، ولأنها لما صيرته ماضيا صارت كالجزء منه، وحرف الشرط ~~كالداخل على المجموع وكأنه قال: فإن تركتم الفعل ولذلك ساغ اجتماعهما ~~وحاصله أن إن تقتضي الاستقبال ولم تقتضي المضي فرجحت لم لما ذكر فيكون ~~المعنى على المضي دون الاستقبال وقيل: إن إن بمعنى إذ ولا إشكال حينئذ، ~~وقيل: كل منهما على حقيقته، والمعنى إن تبين في المستقبل عدم فعلكم في ~~الماضي ولن تفعلوا في المستقبل فاتقوا النار، ولن كلا في نفي المستقبل غير ~~أنه أبلغ وهو حرف بسيط ثنائي الوضع، وقيل: أصله لا إن حذفت الهمزة منها ~~لكثرتها في الكلام ثم ألف لا لالتقاء الساكنين. ولما كانت الآية مدنية نزلت ~~بعدما نزل بمكة قوله تعالى في سورة التحريم: {نارا وقودها الناس والحجارة} ~~(التحريم، 6) وسمعوه صح تعريف النار ووقوع الجملة صلة فإن الصلة يجب أن ~~تكون معلومة وهي معلومة هنا من سورة التحريم حيث وقعت صفة. # فإن قيل: الصفة أيضا يجب أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف كالصلة ~~وإلا لكانت خبرا ولهذا قالوا: إن الصفات قبل العلم بها أخبار كما أن ~~الأخبار بعد العلم بها أوصاف فيأتي في الصفة في آية التحريم ما ذكر في ~~الصلة أجيب: بأن الصلة والصفة يجب كونهما معلومين للمخاطب لا لكل سامع وما ~~في التحريم خطاب للمؤمنين وقد علموا ذلك لسماعهم من النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولما سمع الكفار ذلك الخطاب أدركوا منه نارا موصوفة بتلك الجملة فجعلت ~~فيما خوطبوا به {أعدت} أي: هيئت {للكافرين} وجعلت عدة لعذابهم، وفي ذلك ~~دليل على أن النار مخلوقة معدة لهم الآن، والجملة استئناف أو حال من النار ~~بإضمار قد، والعامل في الحال اتقوا وهي حال لازمة فلا يشكل بأن النار ms0056 أعدت ~~للكافرين اتقوها أم لا. # تنبيه: قال البيضاوي: في الآيتين أي: آية {إن كنتم في ريب} وآية {فإن لم ~~تفعلوا} (البقرة، 24) ما يدل على النبوة من وجوه: الأول: ما فيهما أي: في ~~مجموعهما من التحدي والتحريض على الجد وبذل الوسع في المعارضة بالتقريع ~~والتهديد وتعليق الوعيد على عدم الإيتان بما يعارض أقصر سورة من سور القرآن ~~العزيز ثم أنهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة وتهالكهم على المضادة لم ~~يتصدوا لمعارضته والتجؤوا إلى جلاء الوطن وبذل المهج لأن قوله من التحدي ~~راجع للآية الأولى والباقي راجع إلى الثانية، والثاني: تضمنهما أي: ~~مجموعهما الإخبار عن الغيب على ما هو به فإنهم لو عارضوه بشيء لامتنع خفاؤه ~~عادة سيما والطاعنون فيه أكثر من الذابين عنه في كل عصر لأن ذلك راجع للآية ~~الثانية، والثالث: أنه عليه الصلاة والسلام لو شك في أمره أي: نفسه لما ~~دعاهم إلى المعارضة بهذه المبالغة مخافة أن يعارض فتذهب حجته، وهذا راجع ~~إلى الآية الأولى. ثم عطف سبحانه وتعالى حال من آمن بالقرآن ووصف ثوابه على ~~حال من كفر به وكيفية عقابه على عادة ما جرت به العادة الإلهية من أن يشفع ~~الترغيب # PageV01P036 # بالترهيب تنشيطا لاكتساب ما ينجي وتثبيطا عن اقتراف ما يردي بقوله تعالى: ~~{وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: الطاعات {أن لهم جنات} أي: حدائق ~~ذات شجر ومساكن، وإنما أمر الله سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أو عالم كل عصر، أو كل أحد يقدر على البشارة أن يبشر الذين آمنوا ولم ~~يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة تفخيما لشأنهم وإيذانا بأنهم أحقاء بأن ~~يبشروا ويهنؤوا بما أعد لهم، والبشارة: الخبر الصدق السار أولا فإنه يظهر ~~أثر السرور في البشرة لأن النفس إذا سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجرة ~~ولذلك قال الفقهاء: البشارة هو الخبر الأول حتى لو قال الرجل لعبيده: من ~~يبشرني بقدوم ولدي فهو حر فأخبروه فرادى عتق أولهم ولو قال: من أخبرني ~~عتقوا جميعا. # فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى: {فبشرهم بعذاب ms0057 أليم} ؟ أجيب: بأن ذلك ~~ورد على سبيل التهكم كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان، 49) ~~وعطف سبحانه وتعالى العمل على الإيمان مرتبا للحكم عليهما إشعارا بأن السبب ~~في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإن الإيمان ~~الذي هو عبارة عن التيقن والتصديق أس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا نفع ~~تام بأس لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا مفردين وفي عطف العمل على الإيمان ~~دليل على أن الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان إذ الأصل أن الشيء لا يعطف على ~~نفسه ولا على ما هو داخل فيه، وجمع سبحانه وتعالى الجنة لأن الجنان على ما ~~ذكره ابن عباس سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة ~~المأوى، ودار السلام، وعلييون، وفي كل واحدة من هذه السبع مراتب ودرجات ~~متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال.l # واللام في الصالحات للجنس لا للاستغراق إذ لا يكاد المؤمن أن يعمل جميع ~~الصالحات، واللام في لهم تدل على استحقاقهم إياها لأجل ما ترتب عليه من ~~الإيمان والعمل الصالح لا لذاته فإنه لا يكافىء النعم السابقة فضلا عن أن ~~يقتضي ثوابا وجزاء فيما يستقبل بل بجعل الشارع ومقتضى وعده ولا على الإطلاق ~~بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو يؤمن لقوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} (البقرة، 217) ولعله سبحانه ~~وتعالى لم يقيدها هنا استغناء بهذه الآية وأشباهها {تجري من تحتها} أي: من ~~تحت أشجارها ومساكنها {الأنهار} كما تراها جارية تحت الأشجار الثابتة على ~~شواطئها، وعن مسروق: أنهار الجنة تجري في غير أخدود، قال الجوهري: الأخدود ~~شق مستطيل في الأرض واللام في الأنهار للجنس كما في قولك لفلان بستان فيه ~~الماء الجاري، قال البيضاوي: أو للعهد والمعهود هي الأنهار المذكورة في ~~قوله تعالى: {أنهار من ماء غير آسن} (محمد، 15) الآية. اه. # قال التفتازاني: إنما يصح هذا لو ثبت سبق قوله تعالى: {أنهار من ماء غير ~~آسن} في الذكر. اه. والنهر بالفتح والسكون: المجرى الواسع فوق الجدول ms0058 ودون ~~البحر كالنيل والفرات، والمراد بالأنهار ماؤها على حذف مضاف أو تسمية للماء ~~باسم مجراه مجازا وإسناد الجري إليها مجاز كما في قوله تعالى: {وأخرجت ~~الأرض أثقالها} (الزلزلة، 2) {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا} أي: أطعموا من ~~تلك الجنات ثمرة، ومن صلة {قالوا هذا الذي رزقناكم} أي: أطعمنا {من قبل} ~~أي: من قبل هذا في الدنيا جعل الله تعالى ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا ~~لتميل النفس إليه # PageV01P037 # أول ما يرى فإن الطبائع مائلة إلى المألوف مستنفرة من غيره أي: هذا من ~~نوعه لتشابه ما يؤتون به في الصورة كما قال تعالى: {وأتوا به متشابها} أي: ~~في اللون والصورة مختلفا في الطعم وذلك أبلغ في باب الاعجاز، والداعي لهم ~~إلى ذلك فرط استغرابهم وافتخارهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة ~~والتشابه البليغ في الصورة، وقيل: في الجنة لأن طعامها متشابه الصورة كما ~~حكي عن الحسن أن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل كل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها ~~مثل الأولى فيقول ذلك فتقول الملائكة: كل فاللون واحد والطعم مختلف أو كما ~~روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل ~~الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها ~~مثلها» وعن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها وثمرها أمثال القلال ~~كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى والعنقود اثنا عشر ذراعا. # فإن قيل: على الأول التشابه هو التماثل في الصفة وهو مفقود بين ثمرات ~~الدنيا والآخرة كما قال ابن عباس: ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا ~~الأسماء. أجيب: بأن التشابه، بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم دون ~~المقدار والطعم وهو كاف في إطلاق التشابه، وللآية كما قال البيضاوي محمل ~~آخر وهو أن مستلذات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من المعارف ~~والطاعات متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها فيحتمل أن يكون المراد من هذا الذي ~~رزقنا أنه ثوابه ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والرتبة وعلو الطبقة، ~~فيكون ms0059 هذا في الوعد نظير قوله تعالى: {ذوقوا ما كنتم تعملون} (العنكبوت، ~~55) في الوعيد {ولهم فيها} أي: الجنات {أزواج} من الحور العين والآدميات ~~{مطهرة} مما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهن كالحيض والدرن أي: الوسخ ~~ودنس الطبع وسوء الخلق فإن التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال ~~ومعنى تطهيرهن مما ذكر كما قال التفتازاني: إنها منزهة عن ذلك مبرأة عنه ~~بحيث لا يعرض لهن لا التطهر الشرعي بمعنى إزالة النجس الحسي أو الحكمي، كما ~~في الغسل عن الحيض والزوج يقال: للذكر والأنثى، قال تعالى: وأصلحنا له ~~زوجه، وهو في الأصل لما له قرين من جنسه كزوج الخف. # فإن قيل: فائدة المطعوم هو التقوى ودفع ضرر الجوع وفائدة المنكوح التوالد ~~وحفظ النوع وهذه الفوائد مستغنى عنها في الجنة. أجيب: بأن مطاعم الجنة ~~ومناكحها وسائر أحوالها إنما تشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات ~~والاعتبارات وتسمى بأسمائها على سبيل الاستعارة والتمثيل ولا تشاركها في ~~تمام حقيقتها حتى تستلزم جميع ما يلزمها وتفيد عين فائدتها {وهم فيها ~~خالدون} أي: دائمون أحياء، لا يموتون ولا يخرجون، والأصل في الخلود الثبات ~~المديد دام أو لم يدم إذ لو كان وضعه للدوام لكان التقييد بالتأبيد في قوله ~~تعالى: {خالدين فيها أبدا} تأكيدا لا تأسيسا والأصل خلافه لكن المراد به ~~الدوام في الآية عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن. # فإن قيل: الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية معرضة للاستحالات ~~المؤدية إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنات؟ أجيب: بأنه ~~تعالى يعيدها بحيث لا تعتريها الاستحالة بأن يجعل أجزاءها مثلا متقاومة في ~~الكيفية متساوية في القوة لا يقوى شيء منها على # PageV01P038 # إحالة الآخر متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض كما يشاهد في بعض ~~المعادن، ولما كان معظم اللذات الحسية مقصورا على المساكن والمطاعم ~~والمناكح على ما دل عليه الاستقراء وكان مآل ذلك كله الثبات والدوام وأن كل ~~نعمة جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم بشر ~~المؤمنين بالمساكن والمطاعم والمناكح فبشر بالأول ms0060 بقوله تعالى: {جنات تجري ~~من تحتها الأنهار} وبالثاني بقوله تعالى: {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا} ~~الآية وبالثالث بقوله تعالى: {ولهم فيها أزواج مطهرة} ومثل ما أعد لهم في ~~الآخرة بأحسن ما يستلذ منها، وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدل على ~~كمالهم في التنعم والسرور. ولما ضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالذباب ~~والعنكبوت في قوله تعالى: {وإن يسلبهم الذباب} (الحج، 73) وقوله تعالى: ~~{كمثل العنكبوت} (العنكبوت، 41) قالت اليهود: ضرب المثل بذلك مما يستحيا ~~منه لخسته فليس من عند الله تعالى فنزل ردا عليهم. # {إن الله يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذينءامنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض ~~أولئك هم الخاسرون * كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم ثم إليه ترجعون} # {إن الله لا يستحيي} أي: لا يترك {أن يضرب مثلا ما بعوضة} وهي صغيرة البق ~~ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها وأن بصلتها مخفوض المحل عند الخليل ~~بإضمار من منصوب بإفضاء الفعل إليه بعد حذف من عند سيبويه، ويجوز كما في ~~«الكشاف» نصبه بإفضاء الفعل إليه بنفسه فإن استحيا يتعدى بنفسه أيضا، يقال: ~~استحييت منه واستحييته، وما إما إبهامية تزيد النكرة قبلها إبهاما وإما ~~مزيدة لتأكيد معنى مضمون الجملة قبلها كالتي في قوله تعالى: {فبما رحمة من ~~الله} (آل عمران، 159) ولا يراد بالمزيد اللغو الضائع فإن القرآن كله هدى ~~وبيان بل المراد بالمزيد ما لم يوضع لمعنى يراد منه وإنما وضعت لأن تذكر مع ~~غيرها فتفيده وثاقة وقوة وهو زيادة في الهدى غير قادح في القرآن، وبعوضة ~~عطف بيان أو بدل من مثلا أو مفعول ثان ليضرب بمعنى يجعل، والحياء انقباض ~~النفس عن القبيح مخافة الذم وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجراءة على ~~القبائح وعدم ms0061 المبالاة بها وبين الخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقا ~~فإذا وصف به الباري سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث «إن الله يستحي من ذي ~~الشيبة المسلم أن يعذبه» «إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد يديه أن ~~يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا» فالمراد به الترك كما قدرته اللازم ~~للانقباض كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين ~~لمعنييهما، وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيء الحياء فيها للمشاكلة وهو أن ~~يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ولو تقديرا كما هنا وهو قول الكفرة: ~~أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت. # ولما كان التمثيل ويصار إليه لكشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه ~~وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه فإن ~~المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم لأن من طبعه ميل الحس ~~وحب المحاكاة شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء ~~وإشارات الحكماء فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم وإن كان ~~الممثل أعظم من كل عظيم كما مثل سبحانه وتعالى في الإنجيل غل الصدر ~~بالنخالة والقلوب القاسية بالحصاة ومخالطة السفهاء بإثارة الزنابير ونصه ~~على ما حكاه الفخر الرازي في الأول: لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ~~ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل # PageV01P039 # في صدوركم. وفي الثاني: قلوبكم كالحصاة التي لا تطبخها النار ولا يلينها ~~الماء ولا ينسفها الريح. وفي الثالث: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم فكذلك لا ~~تخالطوا السفهاء فيشتموكم، وجاء في كلام العرب أسمع من قراد لأن العرب تزعم ~~أنه يسمع صوت أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرك لها، وقيل: من مسيرة سبع ~~ليال وأعز من مخ البعوض يضرب لمن يكلف الأمور الشاقة {فما فوقها} أي: ما ~~زاد على البعوضة في الجثة كالذباب والعنكبوت، والمعنى أنه لا يستحيي من ضرب ~~المثل بالبعوضة فضلا عما هو أكبر منه، أو المعنى الذي جعلت فيه مثلا وهو ~~الصغر والحقارة كجناحها فإنه ms0062 عليه الصلاة والسلام ضرب جناحها مثلا للدنيا ~~بقوله في خبر الترمذي: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى ~~الكافر منها جرعة ماء» ونظيره في احتمال الفوقية للجثة وللمعنى ما روى ~~البخاري وغيره: أن رجلا بمنى خر على طنب فسطاط فقالت عائشة رضي الله تعالى ~~عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم يشاك شوكة فما ~~فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» فإنه يحتمل ما يجاوز ~~الشوكة في الألم كالسقوط على الطنب وما زاد عليها في القلة # كقرصة النملة، والطنب حبل الخباء، والفسطاط بيت من شعر. {فأما الذين ~~آمنوا فيعلمون أنه} أي: ضرب المثل بذلك {الحق} أي: الواقع موقعه {من ربهم} ~~لأن الحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. وهم يعم الأعيان الثابتة والأفعال ~~الصائبة والأقوال الصادقة من قولهم: حق إذا ثبت ومنه ثوب محقق، أي: محكم ~~النسج، وأما حرف تفصيل يفصل ما أجمل ويؤكد ما به صدر ويتضمن معنى الشرط ~~ولذلك يجاب بالفاء، قال سيبويه: أما زيد فذاهب معناه مهما يكن من شيء فزيد ~~ذاهب أي: هو ذاهب لا محالة وأنه منه عزيمة، وكان الأصل دخول الفاء على ~~الجملة لا الخبر لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوا الفاء على الخبر ~~وعوضوا المبتدأ عن جملة الشرط لفظا {وأما الذين كفروا فيقولون ماذا} يحتمل ~~وجهين: أن تكون ما استفهامية وذا بمعنى الذي وما بعده صلته والمجموع خبر ~~ما، وأن تكون ما مع ذا اسما واحدا بمعنى أي شيء {أراد الله بهذا} فهو منصوب ~~المحل على المفعولية لأراد فما وذا كما في «الكشاف» في حكم ما وحده لو قلت ~~ما أراد الله وكان من حقه، وأما الذين كفروا فلا يعلمون ليطابق قرينه وهو ~~الذين آمنوا ويقابل قسيمه وهو يعلمون أنه الحق، لكن لما كان قولهم هذا ~~دليلا واضحا على كمال جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية عن عدم علمهم ليكون ~~كالبرهان عليه والإرادة صفة ذاتية قديمة زائدة على العلم ترجح أحد مقدوريه ms0063 ~~على الآخر وتخصصه بوجه دون وجه بخلاف القدرة فإنها لا تخصص الفعل ببعض ~~الوجوه بل هي موجدة للفعل مطلقا وقوله تعالى: {مثلا} نصب على الحال من اسم ~~الإشارة والعامل فيه اسم الإشارة أو التمييز والمعنى أي فائدة في ذلك فقال ~~تعالى: {يضل به كثيرا} بأن يكذبوا به {ويهدي به كثيرا} بأن يصدقوا به وكثرة ~~كل واحد من القبيلين بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس أي: لا بالنظر إلى ~~مقابليهم فإن المهتدين قليلون بالإضافة إلى أهل الضلال كما قال تعالى: ~~{وقليل من عبادي الشكور} # (سبأ، 13) # ويحتمل أن تكون كثرة الضالين من حيث العدد وكثرة المهتدين باعتبار الفضل ~~والشرف كما قال المتنبي في مدح علي بن يسار: # PageV01P040 # سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد* # *ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... قليل إذا عدوا كثيرا إذا شدوا* # وقال: إن الكرام كثير (أي: كرما) في البلاد وإن قلوا (أي: عددا) ، كما ~~غيرهم (قل بضم القاف وكسرها أي: قليل كرما) وإن كثروا. # أي: عددا {وما يضل به إلا الفاسقين} أي: الخارجين عن حد الإيمان بالكفر ~~كقوله تعالى: {إن المنافقين هم الفاسقون} (التوبة، 67) وتخصيص الإضلال بهم ~~مرتبا على صفة الفسق يدل على أنه الذي أعدهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال ~~بالمثل وسبب ضلالتهم به أن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم بالباطل صرفت ~~وجوه أفكارهم عن حكمة المثل إلى حقارة الممثل به حتى رسخت به جهالتهم ~~وازدادت به ضلالتهم فأنكروا المثل واستهزؤوا به، وأما الفاسق في الشرع فهو ~~الخارج عن أمر الله بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة ولم تغلب طاعاته على ~~معاصيه ولا يخرجه ذلك عن الإيمان إلا إذا اعتقد حل المعصية سواء أكانت ~~كبيرة أم صغيرة قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} (الحجرات، 9) ~~والمعتزلة جعلوا الفاسق قسما ثالثا نازلا بين منزلتي المؤمن والكافر ~~لمشاركة كل واحد منهما في بعض الأحكام. # ثم بين سبحانه وتعالى صفة الفاسقين بقوله: {الذين ينقضون عهد الله} وهو ~~إما المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده الدالة على ms0064 توحيده ووجوب ~~وجوده وصدق رسله وعليه يدل قوله تعالى: {وأشهدهم على أنفسهم} (الأعراف، ~~172) وإما المأخوذ بالرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق ~~بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا حكمه وعليه يدل قوله ~~تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} (آل عمران، 187) الآية ~~وقيل: عهود الله ثلاثة: عهد أخذه بواسطة العقل على جميع ذرية آدم بأن يقروا ~~بربوبيته، وعهد أخذه بواسطة الملك على النبيين بأن يقيموا الدين ولا ~~يتفرقوا فيه، وعهد أخذه بواسطة الرسل على العلماء بأن يبينوا الحق ولا ~~يكتموه، وقوله تعالى: {من بعد ميثاقه} أي: توكيده، يحتمل عود الضمير للعهد ~~فهو من إضافة المصدر إلى المفعول أو لله فهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، ~~قال البيضاوي: ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر واعترض: بأن النحويين لم يذكروا ~~مفعالا في صيغ المصادر، وأصله أن يكون وصفا كمطعام ومسقام. وأجيب: بحمل ذلك ~~على أنه اسم واقع موقع المصدر كما يشير إليه قوله بمعنى المصدر: {ويقطعون ~~ما أمر الله به أن يوصل} وهو الرحم لأنهم قطعوا رحم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمعاداة معه، ويحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى كقطع الرحم ~~والإعراض عن موالاة المؤمنين والتفرقة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~والكتب في التصديق وترك الجماعات وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر فإنه ~~يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل والأمر هو ~~القول الطالب للفعل، وقيل: مع العلو، وقيل: مع الاستعلاء، وأن يوصل بدل من ~~الهاء، وقرأ ورش بتغليظ اللام وصلا وإذا وقف رقق وغلظ وأدغم خلف النون في ~~الياء بغير غنة {ويفسدون في الأرض} بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم والاستهزاء # بالحق وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه {أولئك هم الخاسرون} بفوات ~~التوبة والمصير إلى العقوبة بإهمال # PageV01P041 # العقل عن النظر واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية واستبدال الإنكار ~~والطعن في الآيات بالإيمان بها والنظر في حقائقها والاقتباس من أنوارها، ~~واشتروا النقض بالوفاء؛ والفساد بالصلاة؛ ms0065 والعقاب بالثواب. ثم وبخ سبحانه ~~وتعالى الكفار بقوله: # {كيف تكفرون با} أي: أخبروني على أي حال تكفرون {وكنتم أمواتا} أي: نطفا ~~في أصلاب آبائكم لا إحساس لكم {فأحياكم} في الأرحام ثم في الدنيا بخلق ~~الأرواح ونفخها فيكم وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه غير متراخ ~~عنه بخلاف البواقي، وقرأ الكسائي بالإمالة، وورش بالفتح وبين اللفظين، ~~والباقون بالفتح. {ثم يميتكم} عند انقضاء آجالكم {ثم يحييكم} للبعث يوم ~~ينفخ في الصور أو للسؤال في القبور. # قال التفتازاني: ولم لا يجوز أن يراد مطلق الإحياء بعد الإماتة على ما ~~يعم الإحياء في القبور والنشور، ولا بعد فيه لشدة ارتباط الإحياءين ~~واتصالهما في الانقطاع عن أمر الدنيا {ثم إليه ترجعون} تردون بعد الحشر ~~فيجازيكم بأعمالكم أو تنشرون إليه من قبوركم للحساب فما أعجب كفركم مع ~~عملكم بحالكم هذه. # فإن قيل: إن علموا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم لم يعلموا أنه ~~يحييهم ثم إليه يرجعون أجيب: بأن تمكنهم من العلم بما نصب لهم من الدلائل ~~منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر سيما في الآية تنبيه على ما يدل على ~~صحتهما وهو أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولا قدر على أن يحييهم ثانيا ~~فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته. # فإن قيل: كيف تعد الإماتة من النعم المقتضية للشكر؟ أجيب: بأنها لما كانت ~~وصلة للحياة الدائمة التي هي الحقيقية كما قال تعالى: {وإن الدار الآخرة ~~لهي الحيوان} (العنكبوت، 64) يعني: الحياة، كانت من النعم العظيمة مع أن ~~المعدود عليهم نعمة هو المعنى المتنزع من القصة بأسرها كما أن الواقع حالا ~~هو العلم بها لا كل واحدة من الجمل فإن بعضها ماض وبعضها مستقبل وكلاهما لا ~~يصح حالا ويصح أن يكون الخطاب مع الكفار والمؤمنين فإنه سبحانه وتعالى لما ~~بين دلائل التوحيد والنبوة ووعدهم على الإيمان وأوعدهم على الكفر أكد ذلك ~~بأن عدد عليهم النعم العامة والخاصة واستبعد صدور الكفر منهم واستبعده عنهم ~~مع تلك النعم الجليلة فإن عظم النعم يوجب عظم معصية ms0066 المنعم وأن يكون مع ~~المؤمنين خاصة لتقرير المنة عليهم وتبعيد الكفر عنهم على معنى كيف يتصور ~~الكفر منكم وكنتم أمواتا أي: جهالا فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان ~~ثم يميتكم الموت المعروف ثم يحييكم الحياة الحقيقية ثم إليه ترجعون فينبئكم ~~بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والحياة حقيقة في القوة ~~الحاسة أو ما يقتضيها وبها سمي الحيوان حيوانا مجاز في القوة النامية لأنها ~~من طلائعها ومقدماتها وفيما يخص الإنسان من الفضائل كالعلم والعقل والإيمان ~~من حيث أنه كمالها وغايتها والموت بإزائها، يقال على ما يقابلها في كل ~~مرتبة مثال ما يقابل الحقيقة قوله تعالى: {قل الله يحييكم ثم يميتكم} ~~(الجاثية، 26) ومثال ما يقابل المجاز الأول قوله تعالى: {اعلموا أن الله ~~يحيي الأرض بعد موتها} (الحديد، 17) ومثال ما يقابل المجاز الثاني قوله ~~تعالى: {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} ~~(الأنعام، 122) وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها صحة اتصافه بالعلم ~~والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا # PageV01P042 # أو معنى قائم بذاته تعالى، ثم أومأ إلى مشيئته وقدرته فقال: # {هو الذى خلق لكم ما فى ا?رض جميعا ثم استوى? إلى السمآء فسو?اهن سبع ~~سماوات? وهو بكل شىء عليم * وإذ قال ربك للملا???كة إني جاعل فى ا?رض ~~خليفة? قالو?ا? أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك? قال إني? أعلم ما تعلمون * وعلمءادم ا?سمآء كلها ثم عرضهم على ~~الملا?ئكة فقال أن?بئونى بأسمآء ها?ؤ?ء إن كنتم صادقين * قالوا? سبحانك علم ~~لنآ إs ما علمتنآ? إنك أنت العليم الحكيم} # {هو الذي خلق لكم ما في الأرض} أي: لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم ~~باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط كالأدوية المركبة، أو غير وسط ~~كالثمرة والأدوية المفردة، وفي دينكم بالاستدلال على موجدكم ففي ذلك نعمة ~~على عباده سبحانه وتعالى وما نعم كل ما في الأرض لا الأرض إلا إن أريد ~~بالأرض جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو وقوله تعالى: {جميعا} حال من ms0067 ~~الموصول الثاني وهو ما وهي حال مؤكدة لما لاتحادهما في العموم وهذا أقرب من ~~جعله حالا من ضمير لكم لأن سياق الآيات إنما هو في تعداد النعم لا في تعداد ~~المنعم عليهم، ولأن المنة بتعداد النعم أظهر من المنة بتعداد المنعم عليهم ~~لأن مقدار النعم يصل إلى كل أحد {ثم استوى إلى السماء} أي: قصد إلى خلقها ~~بإرادته، وأصل الاستواء طلب السواء وإطلاقه على الاعتدال لما فيه من تسوية ~~وضع الأجزاء ولا يمكن حمله على الله تعالى لأنه من خواص الأجسام وقيل: ~~استوى استولى كما قيل: # *قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق* # والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية أو جهات العلو ليطابق قوله تعالى: ~~{فسواهن سبع سموات} فجمع الضمير العائد إلى السماء لإرادة الجنس، وقيل: لأن ~~السماء جمع سماءة أي: جعلهن مستويات لا شقوق فيهن ولا تفاوت، قال البيضاوي: ~~وثم لعله لتفاوت ما بين الخلقين أي: في القدر والعظم وفضل خلق السماء على ~~خلق الأرض كقوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} (البلد، 17) لا للتراخي في ~~الوقت فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} (النازعات، 30) ~~فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء ~~وتسويتها. اه، وأجيب: بأنه لا يدل على ذلك لأن تقدم خلق جرم الأرض على خلق ~~جرم السماء لا ينافي تأخر دحوها عنه وهو بسطها، ورده التفتازاني بأنه ليس ~~على ما ينبغي لأن ثم تدل على تأخر خلق السماء عن خلق ما في الأرض من عجائب ~~الصنع حتى أسباب اللذات والآلام وأنواع الحيوانات حتى الهوام لا عن مجرد ~~خلق جرم الأرض قال: وسنذكر في حم السجدة ما يدل على تأخر خلق السماء عن خلق ~~الأرض ودحوها جميعا حتى قيل: إنه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ثم خلق ~~السماء وما فيها في يومين وكثر ذلك في الروايات فلا يفيد حمل ثم على تراخي ~~الرتبة، اه. # والأوجه كما قاله بعض المفسرين الموافق لظاهر ما هنا وما سيأتي ms0068 في فصلت ~~تأويله مع الإيضاح أن يقال: إن خلق جرم الأرض مقدم على خلق جرم السماء، ~~وخلق وصفها أعني: دحوها مقدم على خلق وصف السماء أعني تسويتها سبعا، فمرجع ~~الإشارة في قوله تعالى بعد ذلك جرم السماء لا وصفها وبذلك علم أن جعل ثم ~~للتراخي في الوقت لا يخالف ما ذكر خلافا لما زعمه البيضاوي. # فإن قيل: أليس أن أصحاب الأرصاد أثبتوا بالبراهين تسعة أفلاك وهي كرة ~~القمر، فكرة عطارد، فكرة الزهرة، فكرة الشمس، فكرة المريخ، فكرة المشتري، ~~فكرة زحل، فالفلك الذي فيه الكواكب الثابتة، فالفلك الأعظم وهو متحرك كل ~~يوم وليلة على التقرب دورة واحدة؟ أجيب: بأن ما ذكروه ليس مستندا إلى دليل ~~شرعي فلا ينبغي اعتباره. قال البيضاوي: # PageV01P043 # وإن صح فليس في الآية نفي الزائد مع أنه إن ضم إليها العرش والكرسي لم ~~يبق خلاف وقوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} أي: مجملا ومفصلا فيه تعليل كأنه ~~قال: ولكونه عالما بكيفية الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل ~~والوجه الأنفع واستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب ~~الأنيق كان عليما فإن إتقان الأفعال وإحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن ~~الأنفع لا يتصور إلا من عالم حكيم رحيم أفلا تعتبرون أن القادر على خلق ذلك ~~ابتداء وهو أعظم منكم قادر على إعادتكم. وقرأ حمزة والكسائي ثم استوى ~~وفسواهن بالإمالة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح، وقرأ قالون ~~وأبو عمرو والكسائي وهو بسكون الهاء، والباقون بضمها، {و} اذكر يا محمد {إذ ~~قال ربك للملائكة} وقيل: إذ زائدة أي: وقال ربك: وكل ما ورد في القرآن من ~~هذا النحو فهذا سبيله وهو إلا إما يقدر اذكر وهو الأولى أو تكون إذ مزيدة ~~وإذ وإذا ظرفا توقيت إلا أن إذ للماضي وإذا للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع ~~الآخر، قال المبرد: إذا جاء إذ مع المستقبل كان معناه ماضيا كقوله تعالى: ~~{وإذ يمكر} (الأنفال، 30) يعني: وإذ مكروا، وإذا جاء إذا مع الماضي كان ~~معناه مستقبلا كقوله تعالى: {إذا جاء نصر ms0069 الله} (الفتح، 1) أي: سيجيء، وقرأ ~~أبو عمرو بإدغام اللام في الراء بخلاف عنه، والباقون بالإظهار، والملائكة ~~جمع ملك أصله ملاك والتاء لتأنيث الجمع وهو مقلوب مألك من الألوكة وهي ~~الرسالة لأنهم وسايط بين الله تعالى وبين الناس فهم رسل الله أو # كالرسل إليهم لتوسط الأنبياء بينهم وبين الناس واختلف # العقلاء في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة قائمة بأنفسها فذهب ~~أكثر المسلمين إلى أنها أجسام لطيفة شفافة ويعبرون عنها بنورانية قادرة على ~~التشكل بأشكال مختلفة والجن قادرة على ذلك واستدلوا على ذلك بأن الرسل ~~كانوا يرونهم أجساما لطيفة متشكلة بأشكال مختلفة وزعم الحكماء يعني ~~الفلاسفة أنهم جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، وقالت طائفة ~~من النصارى: هي النفوس الفاضلة أي: المتصفة بفضائل العلم والعمل، بخلاف ~~الشريرة فإنها عندهم: الشياطين البشرية الناطفة. قوله: البشرية وما بعده ~~صفة للنفوس المفارقة للأبدان يعني: ما دامت في الأبدان تسمى النفوس، فإذا ~~فارقتها كانت الملائكة، والمقول له الملائكة كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص، ~~وقيل: ملائكة الأرض وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة ~~والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن في الأرض فمكثوا فيها دهرا طويلا ~~ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا فيها فبعث الله تعالى إليهم جندا من ~~الملائكة يقال له: الجن وهم خزان الجنان اشتق لهم اسم من الجنة رأسهم إبليس ~~فكان رئيسهم ومن أشدهم وأكثرهم علما فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن إلى شعوب ~~الجبال وبطون الأودية وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله تعالى عنهم ~~العبادة وأعطى الله تعالى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة ~~وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب ~~وقال: ما أعطاني الله تعالى هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال ~~الله # PageV01P044 # تعالى له ولجنده: {إني جاعل في الأرض خليفة} وجاعل من جعل الذي له ~~مفعولان وهما في الأرض خليفة أعمل فيهما لأنه بمعنى الاستقبال ومعتمد على ~~مسند إليه ويجوز أن يكون بمعنى خالق فيتعدى لمفعول واحد ms0070 وهو خليفة والخليفة ~~من يخلف غيره وينوب عنه، أي: # جاعله بدلا # منكم ورافعكم إلي فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة، والهاء ~~فيه للمبالغة والمراد به لآدم صلى الله عليه وسلم لأنه كان خليفة الله في ~~أرضه وكذا كل نبي استخلفه الله في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم ~~وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه بل لقصور المستخلف عليه ~~عن قبول فبضه وتلقي أمره بغير وسط ولذلك لم يستنبىء ملكا كما قال تعالى: ~~{ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} (الأنعام، 9) أي: في صورة رجل ألا ترى أن ~~الأنبياء لما فاقت قوتهم واشتعلت قريحتهم بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه ~~نار أرسل إليهم الملائكة ومن كان من الأنبياء أعلى رتبة كلمه بلا واسطة كما ~~كلم موسى صلاة الله وسلامه عليه في الميقات ومحمدا صلى الله عليه وسلم ليلة ~~المعراج، وقيل: إنه خليفة من سكن الأرض قبله، وقيل: المراد آدم وذريته ~~لأنهم يخلفون من قبلهم أو يخلف بعضهم بعضا وإفراد اللفظ إما للاستغناء ~~بذكره عن ذكر بنيه أو على تأويل من يخلف، وفائدة قوله هذا للملائكة تعليم ~~المشاورة وتعظيم شأن المجعول بأن بشر تعالى بوجود سكان ملكوته ولقبه ~~بالخليفة قبل خلقه وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم ~~وجوابه وبيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره فإن ترك الخير الكثير ~~لأجل الشر القليل شر كثير إلى غير ذلك {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} ~~بالمعاصي {ويسفك الدماء} أي: يريقها بالقتل كما فعل بنو الجان تعجبوا من أن ~~يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد وقصدهم استكشاف ما خفي عليهم من ~~الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن ~~في بني آدم على وجه الغيبة فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى: {بل ~~عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (الأنبياء، 26) وإنما ~~عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى أو تلق من اللوح أو استنباط عما ركز في ~~عقولهم أن ms0071 العصمة # من خواصهم أو قياس لأحد # الثقلين على الآخر وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب {ونحن نسبح} متلبسين ~~{بحمدك} أي: نقول سبحان الله وبحمده وهذه صلاة ما عدا الآدميين وعليها ~~يرزقون قال تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (الإسراء، 44) أي: يقول: ~~سبحان الله وبحمده. # روي عن أبي ذر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الكلام أفضل؟ ~~قال: ما اصطفى الله ملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده» وقيل: ونحن نصلي ~~بأمرك، قال ابن عباس: كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة ~~{ونقدس لك} ننزهك عما لا يليق بك، فاللام صلة والجملة حال مقررة لجهة ~~الإشكال كقولك: أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج، والمعنى: أتستخلف ~~عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك، والمقصود منه الاستفسار عما رجحهم مع ما هو ~~متوقع منهم على الملائكة المعصومين في الاستخلاف لا العجب والتفاخر، وقيل: ~~نقدس لك نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك، كأنهم قابلوا الفساد المفسر بالشرك ~~عند قوم بالتسبيح # PageV01P045 # وسفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة بتطهر النفس عن الآثام {قال} ~~تعالى: {إني أعلم ما لا تعلمون} من المصلحة في استخلاف آدم وأن ذريته فيهم ~~المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم، وقيل: إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو ~~إبليس وجنوده، وقيل: إني أعلم أنهم مذنبون وأنا أغفر لهم. وقرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو بفتح الباء، والباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المد. # {وعلم آدم الأسماء} أي أسماء المسميات {كلها} حتى القصعة والمغرفة، وقيل: ~~علمه اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وقيل: صيغة كل شيء. قال أهل ~~التأويل: إن الله عز وجل علم آدم جميع اللغات ثم كل واحد من أولاده بلغة ~~فتفرقوا في البلدان واختص كل فرقة منهم بلغة وذلك إما بخلق علم ضروري بها ~~فيه أو ألقى في قلبه علمها أو بإرسال ملك أو بخطاب الله له أو بخلق الأصوات ~~في الأجسام المسميات، والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالبا، ولذلك يقال: ~~علمته فلم يتعلم. وآدم اسم أعجمي ms0072 كسائر الأنبياء إلا صالحا وشعيبا ولوطا ~~ومحمدا بل قيل: إن آدم أيضا عربي وعلى هذا فاشتقاقه من الأدمة بضم الهمزة ~~وسكون الدال بمعنى السمرة، أو الأدمة بفتح الهمزة والدال بمعنى الأسوة أي: ~~القدوة أو من أديم الأرض أي: ظاهر وجهها. # روى الحاكم وصححه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قبض قبضة من جميع ~~الأرض سهلها وحزنها» وهو بفتح الحاء المهملة ما غلظ من الأرض وصلب أي: ~~وعجنت بالمياه المختلفة فخلق منها آدم ونفخ فيه الروح فصار حيوانا حساسا ~~بعد أن كان جمادا فلذلك يأتي بنوه مختلفين في الألوان والأخلاق والهيئات، ~~وأما على الأول فلا اشتقاق له لأن ذلك إنما يأتي في الأسماء العربية ~~والأعجمي لا اشتقاق له، وكنيته أبو محمد وأبو البشر والمعنى أنه تعالى خلقه ~~من أجزاء مختلفة وقوى متباعدة مستعدا لإدراك أنواع المدركات والمعقولات ~~والمحسوسات والمخيلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها ~~وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها. وقرأ ورش في الهمزة ~~من آدم بالمد والتوسط والقصر حيث جاء، وقوله تعالى: {ثم عرضهم على ~~الملائكة} الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمنا في قوله تعالى: {وعلم ~~آدم الأسماء} إذ التقدير أسماء المسميات كما مر تقريره فحذف المضاف إليه ~~لدلالة المضاف عليه وعوض عنه اللام في الأسماء كقوله تعالى: {واشتعل الرأس ~~شيبا} (مريم، 4) لأن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات فلا يكون المعروض نفس ~~الأسماء إذ العرض لا يصح فيها لأنها من المسموعات والعرض يختص بالمحسوسات ~~بالعين تقول: عرضت الجند عرض العين إذا مررتهم عليك ونظرت ما حالهم. # فإن قيل: لم قال عرضهم ولم يقل عرضها؟ أجيب: بأن الأسماء إذا جمعت جمع من ~~يعقل ومن لا يعقل يكنى عنها بلفظ من يعقل كما يكنى عن الذكور والإناث بلفظ ~~الذكور، وقال مقاتل: خلق الله كل شيء الحيوان والجماد ثم عرض تلك الشخوص ~~على الملائكة، والكناية راجعة إلى الشخوص فلذلك قال: {عرضهم على الملائكة} ~~{فقال} لهم سبحانه وتعالى تبكيتا لهم وتنبيها على عجزهم عن أمر الخلافة ~~{أنبئوني} أي: أخبروني {بأسماء ms0073 هؤلاء} المسميات {إن كنتم صادقين} أني لا ~~أخلق خلقا إلا كنتم أفضل وأعلم منه وذلك أن الملائكة قالوا لما قال: {إني ~~جاعل في الأرض خليفة} : ليخلق ربنا # PageV01P046 # ما يشاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا ~~قبله ورأينا ما لم يره فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم، وجواب الشرط دل ~~عليه ما قبله. # {قالوا} أي: الملائكة إقرارا بالعجز وإشعارا بأن سؤالهم كان استفسارا ولم ~~يكن اعتراضا وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقه ~~وإظهارا لشكر نعمته بما عرفهم وكشف لهم ما التبس عليهم {سبحانك} تنزيها عن ~~الاعتراض عليك {لا علم لنا إلا ما علمتنا} إياه وفي هذا مراعاة للأدب ~~بتفويض العلم كله إليه سبحانه وتعالى وتصدير الكلام بسبحان إعتذار عن ~~الاستفسار والجهل بحقيقة الحال فإنه تعالى منزه عن أن يفعل ما يخرج عن ~~الحكمة، ولذلك جعل مفتاح التوبة فقال موسى عليه الصلاة والسلام: {سبحانك ~~تبت إليك} (الأعراف، 143) وقال يونس عليه الصلاة والسلام: {سبحانك إني كنت ~~من الظالمين} (الأنبياء، 87) . # تنبيه: اجتمع في قوله تعالى: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} أربع ~~مدات، الأولى: أنبئوني، والثانية بأسماء، والثالثة والرابعة هؤلاء إن، ~~فالأول مد بدل، والثاني مد متصل، والثالث مد منفصل، والرابع مخير لا متصل ~~قطعا ولا منفصل قطعا عند من يقول بإسقاط إحدى الهمزتين، فأما الأول فلورش ~~فيه المد والتوسط والقصر، وأما الثاني فبالمد للجميع لأنه متصل، وأما ~~الثالث ففيه المد والقصر كما تقدم لأنه منفصل، وأما الرابع وهو أولاء إن ~~ففيه همزتان مكسورتان من كلمتين فقالون والبزي يسهلان الأولى مع المد ~~والقصر، وورش وقنبل يسهلان الثانية ويجعلانها حرف مد، وأبو عمرو يسقط ~~الأولى والثانية فمن قال بإسقاط الأولى مد وقصر، ومن قال بإسقاط الثانية ~~فبالمد فقط، وباقي القراء يحققون الهمزتين وهم على مراتبهم في المد {إنك ~~أنت العليم} الذي لا يخفى عليه خافية {الحكيم} المحكم لمبدعاته الذي لا ~~يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة، وأنت ضمير فصل، وقيل: تأكيد ms0074 للكاف كما في ~~قولك: مررت بك أنت وإن لم يجز مررت بأنت إذ التابع يسوغ فيه ما لا يسوغ في ~~المتبوع، وقيل: مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر إن. # {قال ياادم أنبئهم بأسمآئهم فلمآ أنبأهم بأسمآئهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون * وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين * وقلنا ~~ياادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما وتقربا هاذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين * فتلقىءادم من ~~ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} # {قال} تعالى: {يا آدم أنبئهم} أي: أخبر الملائكة {بأسمائهم} أي: المسميات ~~فسمى آدم كل شيء باسمه وذكر الحكمة التي لأجلها خلق {فلما أنبأهم بأسمائهم ~~قال} الله تعالى لهم موبخا {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض} أي: ~~ما غاب فيها {وأعلم ما تبدون} أي تظهرون من قولكم: {أتجعل فيها} إلخ: {وما ~~كنتم تكتمون} أي: تسرون من قولكم: لن يخلق أكرم عليه منا ولا أعلم، وقيل: ~~ما أظهروا من الطاعة وأسره إبليس من المعصية، والهمزة في {ألم أقل} للإنكار ~~بمعنى النفي دخلت على حرف الجحد فأفادت الإثبات والتقرير. # تنبيه: هذه الآيات وهي آية {وعلم آدم} وآية {سبحانك} وآية {قال يا آدم} ~~تدل على شرف الإنسان ومزية العلم وفضله على العبادة وإلا لأظهر فضل آدم ~~بها، وأن العلم بما يستخلف فيه شرط في الخلافة بل العمدة فيها، وأن التعليم ~~يصح إسناده إلى الله تعالى وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن ~~يحترف به وأن اللغات توقيفية، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم ~~وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبينا له معانيها وذلك يستدعي سابقة ~~وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم من الملائكة والجن ~~فيكون من الله وأن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم # PageV01P047 # العلم لتغاير ms0075 المتعاطفين وإلا لتكرر قوله: {إنك أنت العليم الحكيم} ، وأن ~~علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة وأن آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه ~~أعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون} (الزمر، 9) وأن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب ~~إليه أهل السنة وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها لأنه أخبر عن علمه ~~تعالى بأسماء المسميات جميعها ولم تكن موجودة قبل الإخبار. # {و} اذكر {إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} لما أنبأهم بالأسماء وعلمهم ما ~~لم يعلموا أمرهم بالسجود له واعترافا بفضله وأداء لحقه واعتذارا عما قالوا ~~فيه أو أمرهم به قبل أن يسوي خلقه لقوله تعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين} (الحجر، 29) (ص، 72) امتحانا لهم وإظهارا لفضله، ~~وقضية الأول تأخير الأمر به عن تسوية خلقه بدليل تأخيره عن أنبائهم ~~وتعليمهم المستلزمين لتسوية خلقه، وعلى الثاني اقتصر بعض المفسرين وهو ~~الظاهر، وأجيب عن دليل الأول بأن الواو في قوله: وإذ قلنا لا تقتضي الترتيب ~~والسجود في الأصل تذلل مع تطامن وفي الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة، ~~والمأمور به إما المعنى الشرعي فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى وجعل ~~آدم قبلة سجودهم تفخيما لشأنه أو سببا لوجوبه كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة ~~والصلاة لله فمعنى اسجدوا له أي: إليه وكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون ~~أنموذجا أي: مثالا للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها ومجمعا لما في العالم ~~الروحاني والجثماني وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمالات ~~ووصلة إلى ظهور ما تباينوا فيه من المراتب والدرجات أمرهم بالسجود تذللا ~~لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته وشكرا لما أنعم عليهم بواسطته، ~~وأما المعنى اللغوي وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما له كسجود إخوة يوسف له ~~في قوله تعالى: {وخروا له سجدا} (يوسف، 100) ولم يكن فيه وضع الجبهة بالأرض ~~إنما كان الانحناء فلما جاء الإسلام بطل ذلك بالسلام والكلام في أن ~~المأمورين بالسجود الملائكة كلهم أو طائفة منهم مثل ما ms0076 مر {فسجدوا} أي: ~~الملائكة {إلا إبليس أبى واستكبر} أي: امتنع عما أمر به استكبارا من أن ~~يتخذه وصلة في عبادة ربه أو يعظمه أو يتلقاه بالتحية أو يخدمه ويسعى فيما ~~فيه خيره وصلاحه، وقال: أنا خير منه، والإباء امتناع واختيار، والتكبر أن ~~يرى الرجل نفسه أكبر من غيره، # والاستكبار طلب ذلك بالتشبع وهو التزين بأكبر مما عنده يتكبر بذلك ويتزين ~~بالباطل {وكان من الكافرين} أي: في علم الله أو صار منهم باستقباحه أمر ~~الله تعالى إياه بالسجود لآدم اعتقادا بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن ~~يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به كما أشعر به قوله تعالى: {أنا خير منه} ~~جوابا لقوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من ~~العالين} (ص، 75) لا بترك الواجب وهو السجود وحده، والآية تدل على أن آدم ~~أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له وأن إبليس كان من الملائكة وإلا لم ~~يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم ولا يرد على ذلك قوله تعالى: {إلا ~~إبليس كان من الجن} (الكهف، 50) لجواز أن يقال: كان من الجن فعلا ومن ~~الملائكة نوعا. # فإن قيل: له ذرية والملائكة لا ذرية لهم. أجيب: بأن ابن عباس روى أن من ~~الملائكة نوعا يتوالدون يقال لهم: الجن ومنهم إبليس، # PageV01P048 # وقيل: إن الله تعالى لما أخرجه من الملائكة جعل له ذرية وأن من الملائكة ~~من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة كما أن من الإنس معصومين وهم ~~الأنبياء والغالب في الإنس عدم العصمة ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن ~~يقول إنه كان جنيا نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغمورا بالألوف منهم فغلبوا ~~عليه لقوله تعالى: {إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} (الكهف، 50) ~~وهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من ~~النور، قال البغوي: والأول أصح لأن خطاب السجود كان مع الملائكة وقوله ~~تعالى: {كان من الجن} أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، وقال سعيد بن ~~جبير: ms0077 من الذين يعملون في الجنة، وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون ~~حلى الجنة وقيل: إن الجن أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر ~~الملائكة عن ذكرهم فإذا علم أن الأكابر وهم الملائكة مأمورون بالتذلل لأحد ~~والتوسل به علم أيضا أن الأصاغر وهم الجن مأمورون به أيضا والضمير في ~~فسجدوا راجع للقبيلين فكأنه قال: فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس. # تنبيه: من فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر ~~والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض فيما لا ينبغي في سر نفسه وأن الأمر ~~للوجوب وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على ~~الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمنا. # {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} أي: اتخذ الجنة مسكنا لتستقر فيها ~~لأنها استقرار ولبث ولفظة أنت تأكيد أكد به المستكن ليصح العطف عليه وإنما ~~لم يخاطبهما أولا بأن يقول اسكنا تنبيها على أنه المقصود بالحكم وهو الأمر ~~بالسكنى التي هي الأصل بالنسبة إلى ما عطف عليها من الأكل وغيره والمعطوف ~~عليه تبع له حتى في الوجود إذ لم يكن له من يؤنسه في الجنة فخلقت حواء ~~بالمد من ضلعه الأقصر من جانبه الأيسر وهو نائم فلما استيقظ من نومه رآها ~~جالسة عند رأسه كأحسن ما خلق الله فقال: من أنت؟ قالت: زوجتك خلقني الله لك ~~أسكن إليك وتسكن إلي. وسميت حواء لأنها خلقت من حي خلقها الله من غير أن ~~يحس بها آدم ولا وجد لخلقها ألما ولو وجد له ألما لما عطف رجل على امرأة ~~قط، وإنما صح العطف على المستكن مع أن المعطوف لا يباشر فعل الأمر لأنه وقع ~~تابعا ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، والجنة دار الثواب لأن ~~اللام للعهد ولا معهود غيرها، ومن زعم أنها لم تخلق بعد قال: إن الجنة ~~بستان كان بأرض فلسطين أو بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحانا لآدم ~~وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند ms0078 كما في قوله تعالى: {اهبطوا ~~مصرا} {فكلا منها} أكلا {رغدا} أي: واسعا لذيذا لا حجر فيه فرغدا صفة مصدر ~~محذوف وقيل: مصدر في موضع الحال {حيث} أي: أي مكان من الجنة {شئتما} وسع ~~الأمر عليهما إزالة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين ~~أشجارها التي لا تنحصر. وقرأ أبو عمرو بإدغام الثاء في الشين بخلاف عنه ~~وأبدل السوسي الهمزة وقفا ووصلا وحمزة في الوقف فقط {ولا تقربا هذه الشجرة} ~~بالأكل منها وهي شجرة الحنطة أو الكافور أو شجرة # PageV01P049 # العنب والتين شجرة من أكل منها أحدث والأولى كما قال البيضاوي: أن لا ~~تعين من غير دليل قاطع أو ظاهر كما لم تعين في الآية لعدم توقف ما هو ~~المقصود على التعيين {فتكونا} أي: فتصيرا {من # الظالمين} أي: العاصين. # تنبيه: في هذه الآية مبالغتان: الأولى: تعليق النهي بالقرب الذي هو من ~~مقدمات التناول مبالغة في تحريمه ووجوب الاجتناب عنه وتنبيها على أن القرب ~~من الشيء يورث داعية وميلا يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل ~~والشرع كما روى أبو داود: حبك الشيء يعمى ويصم أي: يخفى عليك معانيه ويصم ~~أذنيك عن سماع مساويه فينبغي أن لا يحول ما حول ما حرم عليهما مخافة أن ~~يقعا فيه. # الثانية: جعل قربانهما إلى الشجرة سببا لأن يكونا من الظالمين الذين ~~ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي {فأزلهما الشيطان} أي: إبليس سمي به لبعده عن ~~الخير والرحمة وقرأ حمزة بألف بعد الزاي وتخفيف اللام أي: نحاهما والباقون ~~بغير ألف بعد الزاي وتشديد اللام أي: أذهبهما {عنها} أي: الجنة وإزلاله ~~قوله: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى وقوله: ما نهاكما ربكما عن هذه ~~الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ومقاسمته إياهما بقوله: ~~إني لكما لمن الناصحين واختلف في أنه تمثل لهما فقال لهما ذلك أو ألقاه ~~إليهما على طريق الوسوسة وكيف توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل له: اخرج منها ~~فإنك رجيم فقيل: إنه منع من الدخول بعد خروجه. # الأول: ms0079 على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة ولم يمنع أن يدخل ~~لوسوسة ابتلاء لآدم وحواء فلما دخل وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعلمان ~~أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما وهو أول من ناح فقالا له: ما يبكيك؟ ~~فقال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة، وكان آدم لما ~~رأى ما في الجنة من النعيم قال: لو أن خلدا فاغتنم الشيطان ذلك منه فإتاه ~~الشيطان من قبل الخلد فوقع قوله في أنفسهما واغتما ومضى إبليس ثم أتاهما ~~بعد ذلك وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد؟ فأبى أن يقبل منه فقاسمهما ~~بالله إنه لهما لمن الناصحين فاغترا وما قلنا أن أحدا يحلف بالله كاذبا ~~فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت حواء آدم حتى أكلها وكان سعيد بن ~~المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتى ~~سكر فأدته إليه فأكل وقيل: قام عند الباب فناداهما وقيل: تمثل بصورة دابة ~~فدخل ولم تعرفه الخزنة وقيل: دخل في فم الحية حتى دخلت به وكانت صديقا ~~لإبليس وكانت من أحسن الدواب، لها أربع قوائم كقوائم البعير وكانت من خزان ~~الجنة فسألها إبليس أن تدخله الجنة في فمها فأدخلته ومرت به على الخزنة وهم ~~لا يعلمون فأدخلته الجنة وقيل: أرسل بعض أتباعه فأزلهما والعلم في ذلك كما ~~قال البيضاوي عند الله {فأخرجهما مما كانا فيه} من الكراخة والنعيم. قال ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال الله تعالى لآدم: أليس فيما أبحتك من ~~الجنة مندوحة عن الشجرة؟ قال: بلى يا رب وعزتك ولكن ما ظننت أن أحدا يحلف ~~بك كاذبا قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا، فأهبطا ~~من الجنة وكانا يأكلان فيها رغدا فعلم من صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث ~~وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم ~~أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه، # PageV01P050 # ما شاء الله. ms0080 قال إبراهيم بن أدهم أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا، وقال ~~سعيد بن # جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آدم لما أكل من الشجرة التي ~~نهي عنها قال الله عز وجل: يا آدم ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب زينته ~~لي حواء، قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها ودميتها ~~في الشهر مرتين، فرنت حواء عند ذلك، فقيل: عليك الرنة وعلى بناتك فلما أكلا ~~منها سقطت عنهما ثيابهما وبدت سوآتهما وأخرجا من الجنة فذلك قوله تعالى: ~~{وقلنا اهبطوا} خطاب لآدم وحواء لقوله تعالى: {قال اهبطا منها جميعا} (طه، ~~123) وجمع الضمير لأنهما أصل الإنس فكأنهما الإنس كلهم أو هما وإبليس أخرج ~~منها ثانيا بعدما كان يدخلها للوسوسة أو دخلها مسارقة أو من السماء لا من ~~الباب على الخلاف المتقدم، وقيل: هما وإبليس والحية فهبط آدم بسرنديب بأرض ~~الهند على جبل يقال له: نود وحواء بجدة وإبليس بالإبلة وقيل: ببيسان ~~بالبصرة على أميال والحية بأصبهان، وقوله تعالى: {بعضكم لبعض عدو} حال ~~استغنى فيها عن الواو بالضمير والمعنى متعادين، فإن كان الخطاب لآدم وحواء ~~فقط فالمراد ببعضكم: بعض الذرية أي: بعض ذريتكم لبعض عدو من ظلم بعضهم ~~بعضا، وإن كان الخطاب لهما ولإبليس والحية فالمراد العداوة بين المؤمنين من ~~ذرية آدم والحية وبين إبليس، قال الله عز وجل: {إن الشيطان لكما عدو مبين} ~~(الأعراف، 22) ، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يأمر بقتل الحيات وقال: من ~~تركهن خشية أو مخافة تأثر فليس منا، وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث ~~ما سالمناهن منذ حاربناهن، وروي أنه نهى عن ذوات البيوت. # وروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن بالمدينة جنا ~~قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك ~~فاقتلوه فإنما هو شيطان» {ولكم في الأرض مستقر} أي: موضع قرار {ومتاع} ما ~~تتمتعون به من نباتها {إلى حين} أي: وقت إنقضاء آجالكم {فتلقى آدم ms0081 من ربه ~~كلمات} أي: استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها وهي {ربنا ظلمنا ~~أنفسنا} (الأعراف، 23) الآية، وقيل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك ~~وتعالى جدك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ~~وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «قال آدم: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: ~~بلى، قال: يا رب ألم تنفخ في الروح من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسكني ~~جنتك؟ قال: بلى، قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم» ~~، رواه الحاكم وصححه. وقول آدم أراجعي بتخفيف الياء اسم فاعل أضيف إلى ~~المفعول وأنت فاعل لاعتماده على الاستفهام، أو مبتدأ خبره ما قبله، وقرأ ~~ابن كثير بنصب الميم من آدم ورفع التاء من كلمات على أنها تلقته، والباقون ~~برفع الميم وكسر التاء والكسر هذا علامة النصب لأنه جمع مؤنث سالم فينصب ~~بالكسرة {فتاب عليه} أي: قبل توبته وإنما رتب تاب عليه بالفاء على تلقي ~~الكلمات لتضمن تلقي الكلمات معنى التوبة وهو الاعتراف بالذنب والندم عليه ~~والعزم على أن لا يعود إليه ورد المظالم إن كانت واكتفى بذكر آدم لأن حواء ~~كانت تبعا له في الحكم، ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن {إنه ~~هو التواب} الرجاع على عباده بالمغفرة، أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة، ~~وإذا وصف بها البارىء # PageV01P051 # أريد بها الرجوع من العقوبة إلى المغفرة {الرحيم} البالغ في الرحمة، وفي ~~الجمع بين التوبة والرحمة وعد للتائب بالإحسان مع العفو. # {قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي ف خوف عليهم ~~وهم يحزنون * والذين كفروا? وكذبوا? ب?اياتنآ أو?لا?ئك أصحاب النار? هم ~~فيها خالدون * يابنى? إسرا?ءيل اذكروا? نعمتي التى? أنعمت عليكم وأوفوا? ~~بعهدى? أوف بعهدكم وإياى فارهبون * وءامنوا? بمآ أنزلت مصدقا لما معكم ~~وتكونو?ا? أول كافر? به?? وتشتروا? ب?اياتى ثمنا قلي? وإياى فاتقون} # {قلنا اهبطوا منها} أي: من الجنة {جميعا} كرر للتأكيد أو لاختلاف المقصود ~~فإن الأول دل على هبوطهم إلى دار بلية ms0082 يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني ~~أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فمن اهتدى لهذا نجا ومن ضله هلك، وقيل: الهبوط ~~الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والهبوط الثاني من السماء الدنيا إلى ~~الأرض {فإما} فيه إدغام إن الشرطية في ما المزيدة {يأتينكم} يا ذرية آدم ~~{مني هدى} أي: رشد وبيان شريعة، وقيل: كتاب ورسول {فمن تبع هداي} بأن آمن ~~بي وعمل بطاعتي وكرر لفظ الهدى ولم يضمر إما لإظهار شأنه وفخامته خصوصا مع ~~إضافته إليه، أو لأنه أراد بالثاني أعم من الأول وهو ما أتى به الرسل ~~واقتضاه العقل أي: فمن تبع ما أتاه راعيا فيه ما يشهد به العقل {فلا خوف ~~عليهم} فضلا من أن يحل بهم مكروه {ولا هم يحزنون} بفوات محبوب عنهم وهو ~~النظر إلى وجهه تعالى فيحزنوا عليه بل يتنعمون بالنظر إلى وجهه تعالى فإنه ~~المقصود الأعظم فالخوف على الواقع نفى عنهم العقاب فأثبت لهم الثواب على ~~آكد وجه وأبلغه، وقيل: لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة. ~~وأمال الدوري عن الكسائي ألف هداي محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، ~~والباقون بالفتح، وإنما جيء بحرف الشك وإتيان الهدى واقع كائن لأنه محتمل ~~في نفسه غير واجب عقلا. # {والذين كفروا} أي: جحدوا {وكذبوا بآياتنا} أي: كتبنا {أولئك أصحاب ~~النار} يوم القيامة {هم فيها خالدون} ماكثون فيها أبدا لا يخرجون منها ولا ~~يموتون فيها، والآية في الأصل العلامة الظاهرة وتقال للمصنوعات من حيث أنها ~~تدل على الصانع وعلمه وقدرته ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها ~~بفصل. # تنبيه: في هذه الآيات دلالة على أن الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية، وأن ~~التوبة مقبولة، وأن متبع الهدى مأمون العاقبة، وأن عذاب النار دائم، وأن ~~الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: {هم فيها ~~خالدون} (المجادلة، 17) واستدل بعض الخوارج كالحشوية وهم قوم جوزوا الخطاب ~~بما لا يفهم بها على عدم عصمة الأنبياء بوجوه: الأول: أن آدم عليه السلام ~~كان نبيا وارتكب المنهي والمرتكب له عاص، ms0083 والثاني: أنه جعله بارتكابه من ~~الظالمين، والظالم ملعون لقوله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} (هود، ~~18) ، والثالث: أنه أسند إليه العصيان وألغي وقال: {وعصى آدم ربه فغوى} ~~(طه، 121) ، والرابع: أنه تعالى لقنه التوبة وهي الرجوع عن الذنب والندم ~~عليه، والخامس: اعترافه بأنه خاسر لولا مغفرة الله له بقوله: {وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (الأعراف، 23) والخاسر من يكون ذا كبيرة، ~~والسادس: أنه لو لم يذنب ما جرى عليه ما جرى. وأجيب عن ذلك بوجوه: # الأول: أنه لم يكن نبيا حينئذ والمدعي مطالب بالدليل ولا دليل. # الثاني: أن النهي للتنزيه، وإنما سمي ظالما وخاسرا لأنه ظلم نفسه وخسر ~~حظه بترك الأولى وإنما أجرى الله تعالى ما جرى معاتبة على ترك الأولى ووفاء ~~بما قاله تعالى للملائكة قبل خلق آدم: {إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة، ~~30) ولا يكون خليفة في الأرض إلا بالإهباط إليها، وأمر بالتوبة تلافيا لما ~~فاته. # الثالث: أنه فعله ناسيا لقوله تعالى: {فنسي # PageV01P052 # ولم نجد له عزما} (طه، 115) ولكن عوقب بترك التحفظ عن أسباب النسيان إذ ~~رفع الإثم بالنسيان من خصائص هذه الأمة كما ثبت في الأخبار الصحيحة كخبر ~~الشيخين: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» . # وروى الترمذي وصححه: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» رواه ~~الحاكم بلفظ «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون. # الرابع: أنه عليه الصلاة والسلام أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه فإنه ظن ~~أن النهي للتنزيه أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة فتناول من غيرها من نوعها، ~~وكان المراد بالإشارة الإشارة إلى النوع لا إلى شجرة معينة كما روى أبو ~~داود وغيره «أنه عليه الصلاة والسلام أخذ حريرا وذهبا بيده وقال: هذان حرام ~~على ذكور أمتي حل لإناثها» . # فإن قيل: المجتهد إن أخطأ لا يؤاخذ. أجيب: بأنه إنما عوتب على ذلك تعظيما ~~لشأن الخطيئة ليجتنبها أولاده. وقرأ ورش بإمالة ألف النار بين بين، وقرأ ~~أبو عمرو والدوري عن الكسائي بالامالة المحضة، والباقون بالفتح. # {يا بني إسرائيل} أي: أولاد يعقوب وإسرائيل لقبه، ms0084 ومعنى إسرا بالعبرانية ~~عبد وإيل الله فمعناه: عبد الله، وقيل: صفوة الله صلى الله عليه وسلم ~~{اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} أي: بالتكثر فيها والقيام بشكرها، والذكر ~~يكون بالقلب ويكون باللسان، وتقييد النعمة بهم لأن الإنسان غيور حسود ~~بالطبع فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران ~~والسخط وإن نظر إلى ما أنعم به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر لله، ~~وقيل: أراد بها ما أنعم على آبائهم من فلق البحر وإنجائهم من فرعون بإغراقه ~~وتظليل الغمام عليهم في التيه وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من النعم التي ~~لا تحصى قال الله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم، 34) ~~(النحل، 18) {وأوفوا بعهدي} أي: بامتثال أمري ومنه ما عهدت إليكم من ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {أوف بعهدكم} أي: الذي عهدته إليكم من ~~الثواب عليه بدخول الجنة. # تنبيه: للوفاء بالعهد درجات كثيرة: فأول مراتبه منا هو الإتيان بكلمتي ~~الشهادتين، ومن الله تعالى حقن الدماء والمال، وآخرها منا الاستغراق في بحر ~~التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلا عن غيره، ومن الله تعالى الفوز بالغنى ~~الدائم، وأما ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن {أوفوا بعهدي} ~~في اتباع محمد {أوف بعهدكم} في رفع الآصار أي: الأثقال والأغلال، وعن غير ~~ابن عباس: أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب، أو ~~أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوف بالكرامة والنعيمم المقيم ~~فبالنظر إلى الوسايط {وإياي فارهبون} فيما تأتون وتذرون وخصوصا في نقض ~~العهد، والرهبة خوف مع تحرز. # تنبيه: الآية متضمنة للوعد والوعيد دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد ~~وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحدا إلا الله. # {وآمنوا بما أنزلت} من القرآن، وقوله تعالى: {مصدقا} حال مؤكدة مما أنزلت ~~أو من ضميره المحذوف {لما معكم} من التوراة بموافقته له ولغيره من الكتب ~~الإلهية في القصص ونعت النبي صلى الله عليه وسلم والمواعيد والدعاء إلى ~~التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي ms0085 والفواحش ~~وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث أن ~~كل واحد منها # PageV01P053 # حق بالاضافة إلى زمانها مراعى فيها صلاح من خوطب بها حتى لو نزل المتقدم ~~في أيام المتأخر لنزل على وفقه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما رواه ~~الإمام أحمد وغيره: «لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي» وفي ذلك تنبيه ~~على أن اتباع تلك الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان بالقرآن بل يوجبه ولذلك ~~عرض بقوله: {ولا تكونوا أول كافر به} أي: بالقرآن بل يجب أن تكونوا أول ~~مؤمن به لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه. # فإن قيل: كيف نهوا عن التقدم في الكفر وقد سبقهم مشركو العرب أجيب: بأن ~~المراد به التعريض بما يجب عليهم لمقتضى حالهم لا الدلالة على ما نطق ~~الظاهر، كقولك لمن أساء: أما أنا فلست بجاهل، أو ولا تكونوا أول كافر من ~~أهل الكتاب لأن خلفكم تبع لكم فإثمهم عليكم أو ممن كفر بما معه فإن من كفر ~~بالقرآن فقد كفر بما يصدقه أو مثل من كفر من مشركي مكة. # تنبيه: أول كافر به وقع خبرا عن ضمير الجمع بتقدير أول فريق أو فوج أو ~~بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر به كقولك: كسانا حلة أي: كل واحد منا ~~{ولا تشتروا} تستبدلوا {بآياتي} التي في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه ~~وسلم {ثمنا قليلا} أي: عوضا يسيرا من الدنيا أي: لا تكتموها خوف فوات ما ~~تأخذونه من سفلتكم وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل يصيبونها ~~من سفلتهم وجهالهم يأخذون منهم كل سنة شيئا معلوما من زروعهم وضروعهم ~~ونقودهم فخافوا أنهم إن بينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن ~~يفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا اسمه فاختاروا الدنيا على الآخرة ~~فنهوا عن ذلك فإن حظوظ الدنيا وإن جلت قليلة مسترذلة بالاضافة إلى ما يفوت ~~من حظوظ الآخرة {وإياي فاتقون} خافون في ذلك دون غيري. # {س2ش42/ش46 وتلبسوا? الحق بالباطل وتكتموا? الحق وأنتم ms0086 تعلمون * وأقيموا? ~~الصلاة وءاتوا? الزكاة واركعوا? مع الراكعين * أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب? أف تعقلون * واستعينوا? بالصبر والصلاة? وإنها ~~لكبيرة إs على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا? ربهم وأنهم إليه ~~راجعون} # {ولا تلبسوا} أي: تخلطوا {الحق} الذي أنزلت عليكم من صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم {بالباطل} الذي تخترعونه وتكتبونه بأيديكم من تغيير صفته {و} لا ~~{تكتموا الحق} أي: تكتموا نعت النبي صلى الله عليه وسلم {وأنتم تعلمون} ~~أنكم لابسون الحق بالباطل كاتمون فإنه أقبح إذ الجاهل يعذر. # {وأقيموا الصلاة} أي: الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها {وآتوا الزكاة} ~~أي: أدوا زكاة أموالكم المفروضة. أمرهم بفروع الإسلام بعدما أمرهم بأصوله ~~وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بها والزكاة مأخوذة من زكا الزرع إذا نما ~~وكثر أو من الزكاة بمعنى الطهارة وكلا المعنيين موجود في الزكاة فإن ~~إخراجها يستجلب بركة في المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم ويطهر المال من ~~الخبث والنفس من البخل {واركعوا مع الراكعين} أي: صلوا مع المصلين محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه في جماعتهم فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ أي: ~~الفرد بسبع وعشرين لما فيها من تظاهر أي: تعاون النفوس، وعبر عن الصلاة ~~بالركوع احترازا عن صلاة اليهود لأن صلاتهم لم يكن فيها ركوع أي: صلوا مع ~~الذين في صلاتهم ركوع، وقيل: الركوع الخضوع والانقياد لما يلزمهم الشارع، ~~قال الشاعر: # لا تذل الضعيف (وروي لا تهين الفقير) علك (أي: لعلك) أن تركع يوما والدهر ~~قد رفعه. # فتركع من الركوع بمعنى الانحناء والميل وأراد به الانحطاط من الرتبة. # ونزل في علماء اليهود # PageV01P054 # وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين سرا: اثبتوا على دين محمد صلى الله ~~عليه وسلم فإنه حق ولا يتبعونه. # {أتأمرون الناس بالبر} أي: بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~تقريع مع توبيخ وتعجيب، والبر شرعا التوسع في الخير من البر بالفتح وهو ~~الفضاء الواسع يتناول كل خير ولذلك قيل: البر ثلاثة: بر في عبادة الله، وبر ~~في معاملة الأقارب، وبر في معاملة الأجانب {وتنسون ms0087 أنفسكم} أي: تتركونها من ~~البر كالمنسيات، وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون {وأنتم تتلون ~~الكتاب} أي: التوراة وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول ~~العمل {أفلا تعقلون} سوء فعلكم فيصدكم عنه، أو فلا عقل لكم يمنعكم عما ~~تعملون من عدم موافقة عاقبته لكم والآية ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ ~~بنفسه بسوء صنيعه وخبث نفسه وإن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي ~~عن العقل فإن الجامع بين العلم والعقل يأبى عن كونه واعظا غير متعظ نفسه، ~~والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لها ليقوم ~~نفسه ثم يقوم غيره لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين ~~المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر، ولكن روي عن أنس بن مالك رضي الله ~~تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أسري بي رجالا ~~تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الخطباء ~~من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب» وعن أسامة رضي ~~الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يجاء ~~بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه أي: فتنقطع أمعاؤه في ~~النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ~~ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم ~~بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه» وقال شعبة عن الأعمش: فيطحن ~~فيها كطحن الحمار برحاه {واستعينوا} أي: اطلبوا المعونة على أموركم ~~{بالصبر} أي: الحبس للنفس على ما تكره {والصلاة} # أفردها بالذكر تعظيما لشأنها فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية ~~والبدنية من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما والتوجه إلى الكعبة ~~والعكوف للعبادة وإظهار الخشوع بالجوارح وإخلاص النية بالقلب ومجاهدة ~~الشيطان ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن ~~الأطيبين وهما الأكل والجماع. # روى الإمام أحمد وغيره «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حز به أمر ~~فزع إلى ms0088 الصلاة» أي: لجأ إليها، وحز به بالحاء المهملة وزاي وباء موحدة: ~~أهمه ونزل به، وقيل: الخطاب لليهود فهو متصل بما قبله كأنهم لما أمروا بما ~~شق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال أمروا بالصبر ~~وهو الصوم ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر لأنه يكسر الشهوة ويزهد في الدنيا، ~~والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر وترغب في الآخرة، وقيل: الواو بمعنى ~~على أي: واستعينوا بالصبر على الصلاة كما قال تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة ~~واصطبر عليها} (طه، 132) ويحتمل أن يراد بالصلاة: الدعاء {وإنها} أي: ~~الصلاة رد الكناية إليها لأن الصبر داخل فيها لاستجماعها ضروبا من الصبر ~~كما قال تعالى: {وا ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة، 62) # PageV01P055 # ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله عز وجل أو لأنها أعم، ~~كما في قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله} (التوبة، 34) رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم وقيل: رد الكناية إلى ~~كل منهما وأن كل خصلة منهما كما قال تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها} ~~(الكهف، 33) أي: كل واحدة منهما، وقيل: معناه: واستعينوا بالصبر وإنه لكبير ~~والصلاة وإنها لكبيرة فحذف أحدهما اختصارا، وقال الحسين بن الفضل: رد ~~الكناية إلى الاستعانة {لكبيرة} أي: ثقيلة شاقة كقوله تعالى: {كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه} (الشورى، 13) {إلا على الخاشعين} أي: الساكنين ~~إلى الطاعة، والخشوع: السكون، قال # تعالى: # {وخشعت الأصوات للرحمن} (طه، 108) والخضوع: اللين والانقياد، ولذا يقال: ~~الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب. # {الذين يظنون} أي: يستيقنون وأطلق الظن على العلم لتضمنه معنى التوقع ~~{أنهم ملاقو ربهم} بالبعث {وأنهم إليه راجعون} في الآخرة فيجازيهم ~~بأعمالهم، وإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم لأن نفوسهم مرتاضة بأمثالها ~~متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجل مشاقها وتستلذ بسببه متاعبها ومن ثم قال ~~عليه الصلاة والسلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» . # {س2ش47/ش50 يابنى? إسرا?ءيل اذكروا? نعمتى التى? أنعمت عليكم وأنى فضلتكم ~~على العالمين * واتقوا? يوما s تجزى نفس عن نفس شيئا ويقبل منها شفاعة ~~ويؤخذ منها ms0089 عدل وهم ينصرون * وإذ نجيناكم منءال فرعون يسومونكم سو?ء العذاب ~~يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم? وفى ذالكم ب?ء من ربكم عظيم * وإذ فرقنا ~~بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنآءال فرعون وأنتم تنظرون} # {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} بالشكر عليها بطاعتي، ~~كرره للتوكيد وتذكير التفضل الذي هو أجل النعم خصوصا، وربطه بالوعيد الشديد ~~تخويفا لمن غفل عنها وأخل بحقوقها وعطف على نعمتي {وأني فضلتكم} أي: آباءكم ~~الذين كانوا في عصر موسى صلى الله عليه وسلم وبعده قبل أن يغيروا {على ~~العالمين} أي: عالمي زمانهم بما منحهم الله من العلم والإيمان والعمل ~~وجعلهم أنبياء وملوكا مقسطين وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل ~~به الشرف في الأبناء. واستدل بذلك على أن الأصلح لا يجب على الله لأن ~~تفضيلهم لو وجب عليه لم يجز جعله منة عليهم لأن من أتى بما وجب عليه لا منة ~~له به على أحد. # {واتقوا} خافوا {يوما} أي: ما فيه من الحساب والعقاب وهو يوم القيامة {لا ~~تجزى} أي: لا تقضى {نفس عن نفس} فيه {شيئا} أي: حقا لزمها. # تنبيه: قول البيضاوي وإيراده أي: شيئا منكرا مع تنكير النفسين للتعميم ~~والإقناط الكلي تبع فيه صاحب «الكشاف» وهو جار على مذهب المعتزلة من أنهم ~~ينكرون الشفاعة للعصاة وسيأتي الجواب عن مذهبهم {ولا تقبل} بالتاء على ~~التأنيث كما قرأ به ابن كثير وأبو عمرو بالياء على التذكير كما قرأ به ~~الباقون {منها شفاعة} أي: من النفس الثانية لقوله تعالى: {ولا يؤخذ منها ~~عدل} أي: فداء {ولا هم ينصرون} أي: يمنعون من عذاب الله إذ الضمير في ~~الجملتين للنفوس العاصية ويصح رجوعه للنفس الأولى لأنها المحدث عنها في ~~قوله تعالى: {لا تجزى نفس عن نفس} والثانية مذكورة على سبيل الفضلة لا ~~العمدة وتذكير ضمير ولا هم ينصرون مع أن الضمير راجع للنفوس، وكان المناسب ~~هن بالتأنيث لأنه بمعنى العباد أو الأناس كما تقول ثلاثة أنفس بالتاء مع ~~تأنيث النفس لتأويل النفوس بالأشخاص أو الرجال والنصرة أخص من المعونة ~~لاختصاصه ms0090 بدفع الضرر وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل ~~الكبائر وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها: أن الآية مخصوصة بالكفار ~~للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة ويؤيد هذا أن الخطاب معهم وعلى هذا ~~يتمشى قول البيضاوي المار # PageV01P056 # ويكون المراد حينئذ أنه ليس لها شفاعة فتقبل كما قال تعالى حاكيا عنهم ~~{فما لنا من شافعين} . # ومنها: أن الآية نزلت ردا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم. # ومنها: أنها لا تشفع إلا بإذن الله. # {و} اذكروا {إذ نجيناكم} أي: آباءكم الخطاب به وبما بعده للموجودين في ~~زمن نبينا صلى الله عليه وسلم بما أنعم على آبائهم تذكيرا لهم بنعمة الله ~~ليؤمنوا {من آل فرعون} أي: أتباعه وأهل دينه، والمشهور أن أصل آل: أهل، لأن ~~تصغيره أهيل، وقال الكسائي وغيره: أصله أول من آل يؤل أي: رجع، قلبت الواو ~~ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وتصغيره أويل. # فإن قيل: يرد الأول اختلاف أهل وآل معنى إذ الأهل القرابة والآل من يؤل ~~إليك بقرابة أو رأي أو مذهب ولأن الألف يثبت إبدالها من الهاء. أجيب: بأن ~~القائل بالأول جرى على القول بأن اللفظتين بمعنى، أو أراد بالأهل أحد معاني ~~آل وأبدل الواو من الهاء لتقاربهما مخرجا، وخص بالاضافة إلى أولي القدر ~~والشرف كالأنبياء والملوك، وإنما قيل آل فرعون لتصوره بصورة الأشراف أو ~~لشرفه في قومه عندهم، وفرعون هو الوليد ابن مصعب بن ريان وكان من القبط من ~~العمالقة وعمر أكثر من أربعمائة سنة {يسومونكم} يولونكم ويذيقونكم {سوء ~~العذاب} أي: أشده، والجملة حال من الضمير في نجيناكم، أو من آل فرعون، أو ~~منهما جميعا لأن فيها ضمير كل واحد منهم {يذبحون أبناءكم} المولودين ~~{ويستحيون نساءكم} أي: يتركونهن أحياء، هذا بيان ليسومونكم ولذلك لم يعطف ~~وذلك أن فرعون لعنه الله رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت ~~بمصر وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك، وسأل الكهنة عن ~~رؤياه فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام يكون على ms0091 يده هلاكك وزوال ملكك، ~~فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن: لا ~~يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتل ولا جارية إلا تركت ووكل ~~بالقوابل فكن يفعلن ذلك حتى قيل: إنه قتل في طلب موسى اثني عشر ألف صبي، ~~وقال وهب: بلغني أنه ذبح في طلب موسى تسعين ألفا، قالوا: وأسرع الموت في ~~مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤوس القبط على فرعون وقالوا: إن # الموت قد وقع في بني إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع ~~العمل علينا فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في السنة ~~التي لا يذبحون فيها وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها {وفي ذلكم بلاء} ~~إن أشير به إلى صنيعهم فهو محنة أو إلى الإنجاء فهو نعمة فإن البلاء يكون ~~بمعنى الشدة وبمعنى النعمة ويجوز أن يشار بذلكم إلى الأمرين فالله تعالى قد ~~يختبر على النعمة بالشكر وعلى الشدة بالصبر قال تعالى: {ونبلوكم} ~~(الأنبياء، 35) أي: نختبركم بالشر والخير فتنة {من ربكم} أي: بتسليطهم ~~عليكم، أو ببعثة موسى وتوفيقه لتخليصكم، أو بهما، وقوله تعالى: {عظيم} صفة ~~بلاء. وفي الآية تنبيه على أن ما يصيب العبد من خير أو شر إختبار من الله ~~تعالى فعليه أن يشكر عند مساره ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين. # {و} اذكروا {إذ فرقنا} فلقنا {بكم} أي: بسببكم {البحر} حتى دخلتموه ~~هاربين من عدوكم وذلك أن فرعون لما دنا هلاكه أمر الله تعالى موسى عليه ~~الصلاة والسلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا فأمر موسى # PageV01P057 # قومه أن يسرجوا في بيوتهم السرج إلى الصبح وخرج موسى في ستمائة ألف ~~وعشرين ألف مقاتل لا يعدون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره وكانوا ~~يوم دخلوا مصر مع يعقوب عليه الصلاة والسلام اثنين وسبعين إنسانا ما بين ~~رجل وامرأة فساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدمتهم ثم علم بهم فرعون ~~فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح ms0092 الديك، قال ابن ~~مسعود رضي الله عنه: فوالله ما صاح ديك في تلك الليلة ثم خرج فرعون في ~~طلبهم وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف وكان فيهم سبعون ألفا من ~~دهم الخيل سوى سائر الشيات، قال محمد بن كعب: وكان في عسكر فرعون مائة ألف ~~حصان أدهم سوى سائر الشيات وكان فرعون في الدهم، وقيل: كان فرعون في سبعة ~~آلاف ألف وكان بين يديه مائة ألف ناشب ومائة ألف أصحاب حراب ومائة ألف ~~أصحاب الأعمدة فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر والماء في غاية ~~الزيادة ونظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين وقالوا: يا ~~موسى كيف نصنع وأين ما وعدتنا هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا والبحر ~~أمامنا إن دخلناه غرقنا، قال الله تعالى: {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب ~~موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} (الشعراء، 61) فأوحى الله ~~تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله تعالى إليه أن ~~كنه فضربه وقال: انفلق يا أبا خالد بإذن الله، فانفلق فكان كل فرق كالطود ~~العظيم، فظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق وارتفع الماء بين كل طريقين ~~كالجبل وأرسل الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا، فخاضت بنو إسرائيل ~~البحر كل سبط في طريق وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم # بعضا فخافوا وقال كل سبط: قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى جبال ~~الماء أن تشبكي فصارت شبكا كالطاقات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض ~~حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى: {فأنجيناكم} أي: من آل فرعون ~~{وأغرقنا آل فرعون} وذلك أن فرعون لما وصل البحر فرآه منفلقا قال لقومه: ~~انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا ادخلوا البحر ~~فهاب قومه أن يدخلوه، وقيل: قالوا له: إن كنت ربا فادخل البحر كما دخل ~~يعني: موسى وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء ~~جبريل على فرس ms0093 أنثى فتقدمهم وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم ~~البحر، في أثرها وهم لا يرونه ولا يملك فرعون من أمره شيئا وهو لا يرى فرس ~~جبريل واقتحمت الخيول خلفه في البحر وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم ~~يستحثهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا ~~كلهم البحر وخرج جبريل من البحر وهم أولهم بالخروج فأمر الله البحر أن ~~يأخذهم فالتطم عليهم وفرقهم أجمعين وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ وهو ~~بحر قلزم طرف من بحر فارس. قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له: أسان وذلك ~~بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله تعالى: {وأنتم تنظرون} إلى مصارعهم، أو ~~إطباق البحر عليهم، أو انفلاق البحر عن طرق يابسة مذللة، أو جثثهم التي ~~قذفها البحر إلى الساحل، أو ينظر بعضكم بعضا، واعلم أن هذه الواقعة من أعظم ~~ما أنعم الله به على بني إسرائيل، ومن # PageV01P058 # الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى الكليم، ثم ~~إنهم اتخذوا العجل وقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} (البقرة، 55) ~~فهم بمعزل من الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل القرآن والتحدي ~~به والفضائل المجتمعة فيه الشاهدة على نبوة محمد صلى الله عليه # وسلم دقيقة # يدركها الأذكياء. # {وإذ وعدنا موسى} بغير ألف بين الواو والعين، كما قرأ به أبو عمرو، ~~والباقون بألف بين الواو والعين لأنه تعالى وعد موسى الوحي ووعد موسى ربه ~~المجيء للميقات إلى الطور، وقيل: هذا من المفاعلة التي تكون من الواحد ~~كعاقبت اللص وطارقت النعل. وأمال حمزة ألف موسى محضة، وأبو عمرو بين بين، ~~وورش بالفتح وبين اللفظين {أربعين ليلة} أن يعطيه عند انقضائها التوراة ~~ليتعلموا بها وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة وعبر عنها بالليالي ~~لأنها غرر الشهور، وقيل: لأن الظلمة أقدم من الضوء وخلق الله تعالى الليل ~~قبل النهار قال الله تعالى: {وآية لهم الليل ms0094 نسلخ منه النهار} (يس، 37) ~~وقول البيضاوي: إن ذلك الوعد لما عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون تبع في ذلك ~~«الكشاف» ولم يعرف ذلك لغيرهما وإنما كانوا بالشام لأن إتيان موسى للمقيات ~~كان بطور سينا وهو بالشام لا بمصر وقد قال البهاء بن عقيل في «تفسيره» : لم ~~يصرح أحد من المفسرين والمؤرخين بأنهم دخلوا مصر بعد خروجهم منها. # فإن قيل: قوله تعالى: {فأخرجناهم من جنات} إلى قوله تعالى: {وأورثناها ~~بني إسرائيل} يقتضي أنهم عادوا إليها. أجيب: بأن المعنى أن الله تعالى ~~أورثهم وملكهم إياها ولم يردهم إليها وجعل مساكنهم الشام. {ثم اتخذتم} قرأ ~~ابن كثير وحفص عن عاصم اتخذتم بإظهار الذال قبل التاء، والباقون بإدغام ~~الذال في التاء. {العجل} الذي صاغه لكم السامري إلها ومعبودا {من بعده} أي: ~~بعد ذهابه إلى ميقاتنا، وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ولم يكن ~~لهم كتاب ولا شريعة ينتمون إليها فوعد الله تعالى موسى أن ينزل عليهم ~~التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربي آتيكم بكتاب فيه بيان ما ~~تأتون وما تذرون واستخلف أخاه هارون فلما أتاه الوعد جاءه جبريل على فرس ~~يقال له: فرس الحياة، لا يصيب شيئا إلا حيي ليذهب بموسى إلى ميقات ربه، ~~فلما رآه السامري وكان رجلا صائغا من قبيلة يقال لها: سامرة، ورأى موضع قدم ~~الفرس يخضر من ذلك وكان منافقا يظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر ألقى ~~في روعه أنه إذا ألقى في شيء غيره وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حليا ~~كثيرا من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لعمل عرس لهم فأهلك الله ~~تعالى فرعون وقومه فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل قال السدي: فأمرهم ~~هارون أن يلقوها في حفرة حتى يرجع موسى ففعلوا فلما اجتمعت الحلي صاغها ~~السامري عجلا من ذهب في ثلاثة أيام مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون ثم ألقى ~~فيه القبضة التي أخذها من تراب حافر فرس جبريل فصار يخور ويمشي فقال ~~السامري: هذا إلهكم وإله موسى فنسي، أي: ms0095 فتركه ههنا، وخرج يطلبه وكانت بنو ~~إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضى عشرون يوما ~~ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة، وقيل: كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت ~~العشرة قال تعالى: # PageV01P059 # {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} (الأعراف، 142) وسيأتي الكلام ~~على ذلك إن شاء الله # تعالى في محله فكانت فتنتهم في تلك العشرة، فلما مضت الثلاثون ولم يرجع ~~موسى ورأوا العجل وسمعوا قول السامري عكف منهم ثمانية آلاف رجل على العجل ~~يعبدونه، وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل، قال البغوي: وهو ~~الأصح، وقال الحسن: كلهم عبدوه إلا هارون، ولذلك قال تعالى: {وأنتم ظالمون} ~~أي: باتخاذه لوضعكم العبادة في غير محلها. # {ثم عفونا} محونا {عنكم} ذنوبكم حين تبتم، والعفو محو الجريمة من عفى إذا ~~درس {من بعد ذلك} أي: الاتخاذ {لعلكم تشكرون} أي: لكي تشكروا نعمتنا عليكم. # تنبيه: إنما قدرت لعل بكي أخذا مما قيل: إن لعل في القرآن بمعنى كي غير ~~قوله تعالى في الشعراء: {لعلكم تخلدون} (الشعراء، 129) فإنها بمعنى كأن أي: ~~كأنكم تخلدون. # {و} اذكروا {إذ آتينا موسى الكتاب} أي: التوراة، وقوله تعالى: {والفرقان} ~~عطف تفسير أي: الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقيل: أراد ~~بالفرقان معجزات موسى كانفلاق البحر الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى ~~وبين الكفر والإيمان {لعلكم تهتدون} أي: لكي تهتدوا بتدبر الكتاب والتفكر ~~في الآيات من الضلال. # {و} اذكروا {إذ قال موسى لقومه} الذين عبدوا العجل {يا قوم إنكم ظلمتم} ~~قرأ ورش بتغليظ اللام والباقون بالترقيق {أنفسكم باتخاذكم العجل} إلها ~~قالوا: فأي شيء نصنع؟ قال: {فتوبوا} أي: ارجعوا عن عبادة العجل {إلى ~~بارئكم} أي: خالقكم، وقرأ أبو عمرو بإسكان الهمزة، وروي عن الدوري باختلاس ~~الحركة، وروي عن السوسي إبدالها ياء ساكنة، وأمال الدوري عن الكسائي الألف ~~بعد الباء الموحدة، وإذا وقف حمزة على بارئكم سهل الهمزة بين بين، قالوا: ~~كيف نتوب؟ قال: {فاقتلوا أنفسكم} أي: ليقتل منكم البريء من عبادة العجل من ~~عبده، وقيل: المراد بالقتل ms0096 قطع الشهوة كما قيل: من لم يعذب نفسه لم ينعمها ~~ومن لم يقتلها لم يحيها، ورد هذا جماعة بإجماع المفسرين على أن المراد هنا ~~القتل الحقيقي {ذلكم} أي: القتل {خير لكم عند بارئكم} من حيث أنه طهرة عن ~~الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية فلما أمرهم موسى بالقتل ~~قالوا: نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين وقيل لهم: من حل حبوته أو مد ~~طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته وأسلت القوم ~~عليهم الخناجر فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه فلم يمكنه المضي ~~لأمر الله فقالوا: يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله عليهم ضبابة تشبه سحابة ~~تغشى الأرض كالدخان وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتتلون إلى ~~المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام وبكيا وتضرعا ~~وقالا: يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فكشف الله تعالى السحابة عنهم ~~وأمرهم أن يكفوا عن القتل فكشفت عن ألوف من القتلى. # روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: عدد القتلى سبعون ألفا فاشتد ذلك ~~على موسى فأوحى الله تعالى إليه أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة؟ ~~فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه فذلك قوله تعالى: {فتاب ~~عليكم} أي فعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم أي: فتجاوز عنكم وقبل توبتكم. # تنبيه: ذكر البارىء في قوله تعالى: # PageV01P060 # {فتوبوا إلى بارئكم} وترتيب الأمر بالقتل عليه إشعار بأنهم بلغوا غاية ~~الجهالة والغباوة حتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي ~~مثلهم في الغباوة وأن من لم يعرف حق منعمه حقيق بأن يسترد منه ما أنعم به ~~عليه ولذلك أمروا بفك تركيب ذواتهم بالقتل {إنه هو التواب} أي الذي يكثر ~~قبول التوبة من المذنبين {الرحيم} أي: البالغ في الإنعام على خلقه. # {س2ش55/ش58 وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من? بعد موتكم لعلكم تشكرون * وظللنا ~~عليكم الغمام وأنزلنا عليكم ms0097 المن والسلوى? كلوا? من طيبات ما رزقناكم? وما ~~ظلمونا ولاكن كانو?ا? أنفسهم يظلمون * وإذ قلنا ادخلوا? هاذه القرية فكلوا? ~~منها حيث شئتم رغدا وادخلوا? الباب سجدا وقولوا? حطة نغفر لكم خطاياكم? ~~وسنزيد المحسنين} # {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وذلك أن الله تعالى أمر ~~موسى عليه الصلاة والسلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من ~~عبادة العجل فاختار موسى سبعين رجلا من خيار قومه وقال لهم: صوموا وتطهروا ~~وطهروا ثيابكم ففعلوا ذلك فخرج موسى إلى طور سينا لميقات ربه فقالوا لموسى: ~~اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال لهم: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه ~~عمود الغمام فغشي الجبل كله فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى ~~دخلوا في الغمام وخروا سجدا وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع ~~لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب وسمعوه وهو يكلم ~~موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله تعالى: إني أنا الله لا إله إلا أنا ~~أخرجتكم من أرض بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري فلما فرغ موسى وانكشف ~~الغمام أقبل عليهم فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة عيانا وذلك أن ~~العرب تجعل العلم بالقلب رؤية فقالوا جهرة: ليعلم أن المراد منه العيان، ~~روي عن السوسي إمالة الألف بعد الراء في نرى وترقيق اللام من اسم الله، ~~وروي عنه تفخيم اللام مع الإمالة وله وجه ثالث كالجماعة وهو عدم الإمالة مع ~~تفخيم اللام. # فإن قيل: كيف تمال الألف وهي تسقط عند التقاء الساكنين؟ أجيب: بأنه لولا ~~إمالتها ما أميلت الراء لأن القارىء إذا أراد أن يميل الألف لا يتمكن من ~~الإمالة إلا بإمالة ما قبله {فأخذتكم الصاعقة} أي: الصيحة فمتم، وقيل: جاءت ~~نار من السماء فأحرقتهم وذلك لفرط العناد والتعنت وطلب المستحيل فإنهم ظنوا ~~أنه تعالى يشبه الأجسام فطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والأحياز ~~المقابلة للرائي وهي محال بل المراد أن يرى رؤية ms0098 منزهة عن الكيفية وذلك ~~للمؤمنين في الآخرة ولأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا {وأنتم ~~تنظرون} أي: ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت، وقيل: تعلمون ويكون النظر ~~بمعنى العلم فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول: ماذا أقول لبني ~~إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا ~~بما فعل السفهاء منا فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلا بعد رجل ~~بعدما ماتوا ليلة ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون كما قال تعالى: # {ثم بعثناكم} أي: أحييناكم والبعث إثارة الشيء عن محله يقال: بعثت البعير ~~فانبعث وبعثت النائم فانبعث {من بعد موتكم} بسبب الصاعقة. قال قتادة: ~~أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا، وقيد ~~البعث بعد الموت لأنه قد يكون عن إغماء أو نوم كقوله تعالى: {فضربنا على ~~آذانهم في الكهف} (الكهف، 11) إلى أن قال: {ثم بعثناهم} أي: من النوم ~~{لعلكم تشكرون} نعمة لبعث أو ما كفرتموه من النعم المتتابعة. # {وظللنا عليكم الغمام} في التيه يقيكم حر الشمس، # PageV01P061 # والغمام من الغم وأصله التغطية والستر سمي السحاب غماما لأنه يغطي وجه ~~الشمس وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كن يسترهم فشكوا إلى موسى صلى الله ~~عليه وسلم عليه فأرسل الله غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام المطر وجعل لهم ~~عمودا من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن قمر يسيرون في ضوئه وكانت ثيابهم ~~لا تتسخ ولا تبلي وغلظ ورش اللام المفتوحة بعد الظاء {وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى} في التيه، والأكثرون على أن المن هو الترنجبين، قال مجاهد: هو شيء ~~كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد وكان يقع كل ليلة على أشجارهم مثل ~~الثلج لكل إنسان منهم صاع فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ~~ربك أن يطعمنا اللحم، فأنزل الله عليهم السلوى جمع سلواة وهو الطير السماني ~~بتخفيف الميم والقصر جمع سماناة وهو الطير المعروف، وقيل: هو طائر يشبهه ~~بعث الله سحابة فمطرت السماني في ms0099 عرض ميل وطول رمح في السماء بعضه على بعض ~~فكان الله تعالى ينزل عليهم المن والسلوى كل صباح من طلوع الفجر إلى طلوع ~~الشمس فكان كل واحد منهم يأخذ ما يكفيه يوما وليلة وإذا كان يوم الجمعة ~~يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت. وقرأ ~~السلوى حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وأبو عمرو بين بين، وورش بالفتح وبين ~~اللفظين. # فإن قيل: لم قدم في الآية المن على السلوى مع أنها غذاء والمن حلواء ~~والعادة تقديم الغذاء على الحلواء؟ أجيب: بأن نزول المن من السماء أمر ~~مخالف للعادة فقدم لاستعظامه بخلاف الطيور المأكولة وأيضا هو مقدم في ~~النزول عليهم {كلوا} على إرادة القول أي: قلنا لهم كلوا {من طيبات} حلالات ~~{ما رزقناكم} ولا تدخروا لغد فكفروا النعمة وادخروا فقطع الله ذلك عنهم ~~ودود وفسد ما ادخروه وقوله تعالى: {وما ظلمونا} أي: بذلك فيه اختصار وأصله ~~فظلموا بأن كفروا بهذه النعم وما ظلمونا {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} لأن ~~وباله عليهم. # روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حواء لم ~~تخن أنثى زوجها الدهر» . # {وإذ قلنا} لهم بعد خروجهم من التيه {ادخلوا هذه القرية} أي: بيت المقدس ~~كما قاله مجاهد، أو أريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء وبالحاء المهملة كما ~~قاله ابن عباس وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم: ~~العمالقة ورأسهم عوج بن عتق، قال ابن الأثير وهي قرية بالغور قريبة من بيت ~~المقدس، وقيل: البلقاء، وقيل: الرملة والأردن وفلسطين، وقيل: الشام سميت ~~القرية قرية لأنها تجمع أهلها ومنه المقرة للحوض لأنها تجمع الماء {فكلوا ~~منها حيث شئتم رغدا} أي: واسعا لا حجر فيه {وادخلوا الباب} أي: باب من ~~أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب {سجدا} أي: متطامنين منحنين أو ساجدين ~~السجود الشرعي لله شكرا على إخراجكم من التيه {وقولوا} مسألتنا {حطة} أي: ~~أن ms0100 تحط عنا خطايانا، قال قتادة: أمروا بالاستغفار، وقال ابن عباس: بلا إله ~~إلا الله لأنها تحط الذنوب، وقيل: معناه أمرنا حطة أي: شأننا أن نحط في هذه ~~القرية ونقيم فيها حتى ندخل الباب سجدا مع التواضع {نغفر لكم خطاياكم} ~~بسجودكم ودعائكم. وقرأ نافع بباء مضمومة على التذكير مع فتح الفاء، وقرأ ~~ابن عامر تغفر بتاء مضمومة # PageV01P062 # على التأنيث مع فتح الفاء أيضا، وقرأ الباقون بالنون مفتوحة مع كسر ~~الفاء، وقرأ الكسائي خطاياكم بالإمالة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون ~~بالفتح {وسنزيد المحسنين} بالطاعة ثوابا جعل الله تعالى امتثال قوله: ~~{قولوا حطة} توبة للمسيء وسبب زيادة الثواب للمحسنين. # فإن قيل: كيف عطف وسنزيد مع أنه مرفوع على نغفر مع أنه مجزوم جوابا ~~للأمر؟ أجيب: بأنه أخرجه عن صورة الجواب إلى الوعد إيهاما بأن المحسن بصدد ~~ذلك وإن لم يفعله فكيف إذا فعله وإنه يفعل لا محالة، وسبب إخراج ما ذكر عن ~~صورة الجواب إلى الوعد أن الزيادة إذا كانت من وعد الله كانت أعظم مما إذا ~~كانت مسببة عن فعلهم. # {فبدل الذين ظلموا} منهم {قولا غير الذي قيل لهم} فقالوا: حبة من شعرة ~~ودخلوا يزحفون على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول. # روى معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا ~~فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة» وفي رواية: في شعيرة. ~~وقوله تعالى: {فأنزلنا على الذين ظلموا} فيه وضع الظاهر موضع المضمر مبالغة ~~في تقبيح أمرهم وإشعارا بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم بوضع غير المأمور به ~~موضعه أو على أنفسهم بأنهم تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها {رجزا} ~~أي: عذابا مقدرا {من السماء} وقيل: أرسل الله عليهم طاعونا فهلك منهم في ~~ساعة واحدة سبعون ألفا، وقيل: أربعة وعشرون ألفا {بما كانوا يفسقون} أي: ~~بسبب فسقهم، أي: خروجهم عن الطاعة. # {وإذ استسقى موسى} طلب السقيا {لقومه} وذلك أنهم عطشوا في ms0101 التيه فسألوا ~~موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى الله إليه كما قال: {فقلنا اضرب بعصاك ~~الحجر} وكانت من آس الجنة بالمد أي: شجرها وهو المرسين. # وروي عن ابن عباس أنها كانت من عوسج طولها عشرة أذرع على طول موسى وكان ~~لها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا واسمها عليق، وقال مقاتل: اسمها بنفة ~~حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى. ~~واللام في الحجر للعهد على ما روي أنه كان حجرا طوريا مكعبا حمله معه كان ~~له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين تسيل كل عين في جدول إلى سبط ~~وكانوا ستمائة ألف وسعة العسكر اثنا عشر ميلا أو حجرا أهبطه آدم من الجنة ~~ودفع إلى شعيب فأعطاه لموسى مع العصا أو الحجر الذي فر بثوبه لما وضعه عليه ~~ليغتسل ومر به على ملأ من بني إسرائيل وهو حجر خفيف مربع كرأس الرجل رخام ~~أو كذان وبرأه الله تعالى به عما رموه به من الأدرة وهي بضم الهمزة كبر ~~الأنثيين فلما وقف أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: إن الله تعالى ~~يقول: ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة ولك فيه معجزة أو للجنس. # قال البيضاوي: وهذا أظهر في الحجة ويدل له قول وهب: لم يكن حجرا معينا بل ~~كان موسى يضرب أي حجر كان فينفجر عيونا لكل سبط عين ثم تسيل كل عين في جدول ~~إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطا ولكن لما ~~قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة فيها حمل حجرا في مخلاته وكان ~~يضربه بعصاه إذا نزل فينفجر ويضربه بها إذا ارتحل فييبس فقالوا: إن فقد ~~موسى عصاه متنا عطشا فأوحى الله تعالى إليه لا تقرع # PageV01P063 # الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون وقوله تعالى: {فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا} متعلق بمحذوف أي: فضربه فانفجرت أي: سالت، قال أبو عمرو بن العلاء: ~~انبجست: عرقت وانفجرت: سالت، وقال عطاء: كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة ~~فيظهر على ms0102 كل موضع ضربة مثل ثدي المرأة فيعرق ثم تنفجر الأنهار ثم تسيل {قد ~~علم كل أناس} أي: سبط منهم {مشربهم} أي: عينهم التي يشربون منها لا يدخل ~~سبط على غيره في شربه وقلنا لهم: {كلوا واشربوا من رزق الله} أي: كلوا من ~~المن والسلوى واشربوا من الماء فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة ~~{ولا تعثوا} أي: لا تعتدوا {في الأرض مفسدين} أي: حال إفسادكم وإنما قيده ~~لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد كمقابلة الظالم المعتدي ~~بفعله ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا على الفساد كقتل الخضر الغلام وخرقه ~~السفينة. # تنبيه: من أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله تعالى وقلة تدبره ~~في عجائب صنعه فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر كالنورة ~~ويجذب الحديد كالمغناطيس وينفر الخل كالكهربان فإنه إذا وضع في إناء لا ~~يحصل الخل في ذلك الإناء لم يمتنع أن يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من ~~تحت الأرض أو لجذب الهواء من الجوانب الأربعة ويصيره ماء بقوة التدبير ونحو ~~ذلك. # فإن قيل: له ذرية والملائكة لا ذرية لهم. أجيب: بأن ابن عباس روى أن من ~~الملائكة نوعا يتوالدون يقال لهم: الجن ومنهم إبليس، وقيل: إن الله تعالى ~~لما أخرجه من الملائكة جعل له ذرية وأن من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان ~~الغالب فيهم العصمة كما أن من الإنس معصومين وهم الأنبياء والغالب في الإنس ~~عدم العصمة ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنيا نشأ بين ~~أظهر الملائكة وكان مغمورا بالألوف منهم فغلبوا عليه لقوله تعالى: {إلا ~~إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} (الكهف، 50) وهو أصل الجن كما أن آدم ~~أصل الإنس ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، قال البغوي: ~~والأول أصح لأن خطاب السجود كان مع الملائكة وقوله تعالى: {كان من الجن} أي ~~من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في ms0103 ~~الجنة، وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلى الجنة وقيل: إن الجن ~~أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإذا ~~علم أن الأكابر وهم الملائكة مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أيضا أن ~~الأصاغر وهم الجن مأمورون به أيضا والضمير في فسجدوا راجع للقبيلين فكأنه ~~قال: فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس. # تنبيه: من فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر ~~والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض فيما لا ينبغي في سر نفسه وأن الأمر ~~للوجوب وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على ~~الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمنا. # {مصرا} من الأمصار، والمصر البلد العظيم # PageV01P064 # لا العلم بفتح اللام، وقيل: أراد به العلم وهي مصر موسى وفرعون، قال ~~البيضاوي: ويؤيده أي: القول بأن المراد بمصر العلم أنه غير منون في مصحف ~~ابن مسعود أي: وهي قراءة شاذة وإنما صرفه على هذا مع أن فيه العلمية ~~والتأنيث لسكون وسطه كما في هند ودعد لمعادلة أحد سببي منع الصرف بخفة ~~الاسم لسكون وسطه أو على تأويل مصر بالمكان فذكره فيبقى فيه سبب واحد ~~فانصرف {فإن لكم} فيه {ما سألتم} من نبات الأرض {وضربت عليهم} أي: أحيطت ~~إحاطة القبة بمن ضربت عليه أو ألصقت بهم من ضرب الطين على الحائط {الذلة} ~~أي: الذل والهوان، وقيل: الجزية، {والمسكنة} أي: الفقر وسمي الفقير مسكينا ~~لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة وفعل بهم ذلك مجازاة لهم على كفران ~~النعمة ولذلك تجد اليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين إما على الحقيقة أو ~~على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم، وقيل: الذلة فقر القلب فلا ترى في أهل ~~الملل أذل وأحرص على المال من اليهود. وقرأ حمزة والكسائي: عليهم بضم الهاء ~~والميم وصلا، وفي الوقف حمزة على أصله، والكسائي بكسرها، وأبو عمرو بكسر ~~الهاء والميم وقفا ووصلا، وباقي القراء بكسر الهاء وضم الميم وصلا وفي ~~الوقف بكسر الهاء وسكون الميم {وباؤوا} رجعوا {بغضب ms0104 من الله} ولا يقال باء ~~إلا بشر، وأصل البوء المساواة، وقال أبو عبيدة: احتملوه وأقروا به ومنه ~~الدعاء: «أبوء بنعمتك وأبوء بذنبي» أي: أقر، وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى ~~ما مر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب {بأنهم} أي: بسبب أنهم {كانوا ~~يكفرون بآبات الله} بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ~~ويكفرون بالانجيل والقرآن وبالمعجزات التي من جملتها ما عد عليهم من فلق ~~البحر وإظلال الغمام وإنزال المن والسلوى وانفجار العيون من الحجر {ويقتلون ~~النبيين بغير الحق} أي: ظلما فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى # وغيرهم. روي # أن اليهود قتلوا سبعين نبيا في أول النهار وقامت سوق بقلهم آخر النهار. # فإن قيل: لم قال: {بغير الحق} وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟ أجيب: ~~بأنه ذكره وصفا للقتل والقتل يوصف تارة بالحق وتارة بغير الحق وهو مثل قوله ~~تعالى: {قل رب احكم بالحق} (الأنبياء، 112) ذكر الحق وصفا للحكم لا أن حكمه ~~ينقسم إلى الجور والحق، أو أنه بغير الحق عندهم إذ لم يروا منهم ما يعتقد ~~به جواز قتلهم. # فإن قيل: إن الله تعالى قد أخبر بقتل الأنبياء ونصر الرسل فكيف الجمع؟ ~~أجيب: بأن المحل مختلف إذ الرسول غير النبي وبأن المراد بالنصر الغلبة ~~بإظهار الحجة لا العصمة من القتل وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحب ~~الدنيا كما أشار إليه تعالى بقوله: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} أي: جرهم ~~العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات وقتل النبيين، فإن صغار ~~الذنوب أسباب تؤدي إلى ارتكاب كبارها كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى ~~تحري كبارها، وكرر الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم كما هو بسبب الكفر ~~والقتل فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود الله، وقيل: الإشارة إلى ~~الكفر والقتل والباء بمعنى مع وعلى هذا إنما جوزت الإشارة بالمفرد إلى ~~شيئين فصاعدا على تأويل ما ذكر والذي حسن ذلك أن تثنية المضمرات والمبهمات ~~وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع، وقرأ ~~النبيئين # PageV01P065 # نافع بالهمزة، ms0105 والباقون بالياء، وورش على أصله في الهمز بالمد والتوسط ~~والقصر. # {إن الذين آمنوا} بالأنبياء من قبل {والذين هادوا} أي: اليهود سموا به ~~لقولهم: إنا هدنا إليك أي: ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا أي: تابوا من ~~عبادة العجل وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام، وقال ~~أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون أي: يتحركون عند قراءة التوراة ويقولون: ~~إن السموات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة {والنصارى} جمع نصراني ~~كندامى، والياء في نصراني للمبالغة سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح، {قال ~~الحواريون نحن أنصار الله} (آل عمران، 52) (الصف، 14) . # فإن قيل: هذا ليس جاريا على قواعد الاشتقاق فإنه يقال للواحد: ناصر وفاعل ~~لا يجمع على فعالى. أجيب: بأن ذلك كاف في الاشتقاق وإن لم يجمع المفرد على ~~فعالى أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة، فسموا باسمها ~~على الأول أو من اسمها على الثاني {والصابئين} هم طائفة من النصارى، وقيل: ~~من اليهود، وقيل: قوم بين النصارى والمجوس، وقيل: أصل دينهم دين نوح عليه ~~الصلاة والسلام، وقيل: هم عبدة الملائكة أو الكواكب، وقرأ نافع وحده بالياء ~~إما لأنه خفف الهمزة، أو لأنه من صبا إذا مال لأنهم مالوا عن سائر الأديان ~~إلى دينهم، أو من الحق إلى الباطل، والباقون بالهمزة بعد الباء الموحدة {من ~~آمن با واليوم الآخر وعمل صالحا} أي: من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ ~~مصدقا بقلبه وبالمبدأ والمعاد عاملا بمقتضى شرعه، وقيل: من آمن من هؤلاء ~~الكفرة إيمانا خالصا ودخل الاسلام دخولا صادقا {فلهم أجرهم} أي: ثواب ~~أعمالهم {عند ربهم} بأن يدخلهم الجنة {ولا خوف عليهم} في الدنيا {ولا هم ~~يحزنون} في الآخرة أو حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تضييع ~~العمر وتفويت الثواب. # تنبيه: روعي في ضمير آمن وعمل لفظ من وفيما بعده معناها ومن مبتدأ خبره ~~فلهم أجرهم والجملة خبر إن، أو بدل من اسم إن وخبرها فلهم أجرهم والفاء ~~لتضمن المسند إليه معنى الشرط وقد منع سيبويه ms0106 دخولها في خبر إن من حيث أنها ~~لا تدخل الشرطية ورد بقوله تعالى: {إن الذين فتنوا الؤمنين والمؤمنات ثم لم ~~يتوبوا فلهم عذاب جهنم} (البروج، 1) . # {س2ش63/ش67 وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا? مآءاتيناكم بقوة ~~واذكروا? ما فيه لعلكم تتقون * ثم توليتم من? بعد ذالك? فلو فضل الله عليكم ~~ورحمته? لكنتم من الخاسرين * ولقد علمتم الذين اعتدوا? منكم فى السبت فقلنا ~~لهم كونوا? قردة خاسئين * فجعلناها نكا? لما بين يديها وما خلفها وموعظة ~~للمتقين * وإذ قال موسى لقومه? إن الله يأمركم أن تذبحوا? بقرة? قالو?ا? ~~أتتخذنا هزوا? قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} # {و} اذكروا {إذ أخذنا ميثاقكم} أي: عهدكم باتباع موسى والعمل بما في ~~التوراة {و} قد {رفعنا فوقكم الطور} أي: الجبل حتى أعطيتم الميثاق. # روي أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاءهم بالتوراة ورأوا ما فيها من ~~التكاليف الشاقة كبرت عليهم لأنها كانت شريعة ثقيلة وأبوا قبولها فأمر الله ~~تعالى جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم وكان على قدر عسكرهم وكان فرسخا في ~~فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة رجل كالظلة وقال لهم: إن لم تقبلوا ~~التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم، وقال عطاء عن ابن عباس: رفع الله فوق ~~رؤوسهم الطور وبعث نارا من قبل وجوههم وأتاهم البحر الملح من خلفهم، وقيل ~~لهم: فإن قبلتم وإلا رضختكم بهذا الجبل أو أغرقتكم في هذا البحر أو أحرقتكم ~~بهذه النار، فلما رأوا أن لا مهرب لهم من ذلك قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون ~~الجبل وهم سجود فصارت سنة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ~~ويقولون: بهذا السجود رفع العذاب عنا {خذوا} هو على إرادة القول أي: وقلنا ~~خذوا # PageV01P066 # {ما آتيناكم} من الكتاب {بقوة} بجد وعزيمة {واذكروا ما فيه} بالعمل فيه ~~أو تفكروا فيه فإنه تذكر بالقلب كما أن الدرس ذكره باللسان أو ادرسوه ولا ~~تنسوه {لعلكم تتقون} لكي تتقوا النار أو المعاصي. # {ثم توليتم} أعرضتم عن الوفاء بالميثاق {من بعد ذلك} أي: بعد أخذه {فلولا ~~فضل الله عليكم ورحمته} ms0107 أي: بتوفيقكم للتوبة أو بالإمهال وتأخير العذاب ~~عنكم أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه ~~{لكنتم من الخاسرين} أي: من المغبونين بالانهماك في المعاصي أو بالعقوبة ~~وذهاب الدنيا والآخرة. # تنبيه: لو في الأصل لامتناع الشيء لامتناع غيره فإذا دخل على لا أفاد ~~إثباتا أو هو امتناع الشيء لثبوت غيره والاسم الواقع بعده عند سيببويه ~~مبتدأ خبره واجب الحذف لدلالة الكلام عليه وسد الجواب مسده وعند الكوفيين ~~فاعل فعل محذوف. # {ولقد علمتم} اللام موطئة للقسم أي: عرفتم {الذين اعتدوا} تجاوزوا الحد ~~{منكم في السبت} بصيد السمك وذلك أنهم كانوا زمن داود عليه الصلاة والسلام ~~بأرض يقال لها إيلة حرم الله تعالى عليهم صيد السمك يوم السبت فكان إذا دخل ~~السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه حتى لا يرى الماء من ~~كثرتها فإذا مضى تفرقت ولزمت قعر البحر فذلك قوله تعالى: {إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون} (الأعراف، 163) ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال: إنما نهيتم عن ~~أخذها يوم السبت فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها ~~الأنهار فإذا كان عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى ~~الحياض فلا تقدر على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها فإذا كان يوم الأحد ~~أخذوها فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ففعلوا ذلك زمانا ولم تنزل عليهم ~~عقوبة فتجرؤوا على الذنب وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا فأكلوا ~~وملحوا وباعوا فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية وكانوا نحوا من سبعين ألفا ~~ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان ~~الناهون اثني عشر ألفا فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا ~~نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار {فقلنا لهم} لإصرارهم على ~~المعصية {كونوا قردة خاسئين} أي: مبعدين فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم ~~يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم فلما أبطؤوا تسوروا ms0108 على الحائط فإذا ~~هم جميعا قردة لها أذناب يتعاوون، قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ ~~خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث ممسوخ فوق ثلاثة أيام ولم ~~يتوالدوا، وقال مجاهد: ما مسخت صورتهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما ~~مثلوا بالحمار كما في قوله تعالى: {كمثل الحمار يحمل أسفارا} (الجمعة، 5) ~~رواه عنه ابن جرير ورده وقال: إنه مخالف لظاهر القرآن # والأحاديث والآثار وإجماع المفسرين وقوله تعالى: {كونوا} ليس بأمر إذ لا ~~قدرة لهم عليه وإنما المراد به سرعة التكوين وإنهم صاروا كذلك كما أراد ~~بهم.l # {فجعلناها} أي: تلك العقوبة {نكالا} أي: عبرة تنكل المعتبر بها أي: تمنعه ~~من ارتكاب مثل ما عملوا ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع {لما بين يديها ~~وما خلفها} أي: للأمم التي في زمانها وبعدها أو لما بحضرتها من القرى وما ~~تباعد # PageV01P067 # عنها أو لأهل تلك القرية وما حواليها أو لأجل ما تقدم عليها من ذنوبهم ~~وما تأخر منها {وموعظة للمتقين} الله من قومهم أو لكل متق سمعها وخصوا ~~بالذكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم. # {و} اذكر {إذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم} قرأ أبو عمرو بسكون الراء. # وروي عن الدوري اختلاس الحركة، والباقون بالحركة الكاملة، والحركة ضمة ~~{أن تذبحوا بقرة} أول هذه القصة قوله تعالى: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم ~~فيها} (البقرة، 72) وإنما فكت عنه وقدمت عليه لاستقلاله بنوع آخر من ~~مساويهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى ~~الامتثال وقصته أنه كان فيهم رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما ~~طال عليه موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى فألقاه ببابها ثم أصبح يطلب ~~ديته وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل فسألهم فجحدوا فاشتبه أمر القتيل ~~على موسى، قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى ليدعو ~~الله ليبين لهم بدعائه فدعا فأمرهم الله تعالى بذبح بقرة ويضربوا القتيل ~~ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله فقال موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ~~{قالوا أتتخذنا هزوا} أي: ms0109 أتستهزىء بنا نحن نسأل عن أمر القتيل وتأمرنا ~~بذبح بقرة، وإنما قالوا ذلك استبعادا لما قاله واستخفافا به، قرأ حمزة ~~بسكون الزاي في الوصل وإذا وقف قال: هزوا بنصب الزاي من غير همز، وروي عنه ~~الإدغام، وهو أن يشدد الزاي، وقرأ حفص هزوا بضم الزاي بعدها واو مفتوحة ~~وقفا ووصلا والباقون بضم الزاي بعدها همزة مفتوحة {قال أعوذ} أي: أمتنع ~~{با} من {أن أكون من الجاهلين} لأن الهزء في مثل ذلك جهل وسفه، نفى عن نفسه ~~ما رمي به على طريقة البرهان وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة استفظاعا له فلما ~~علم القوم أن ذبح البقرة عزم من الله استوصفوه ولو أنهم عمدوا إلى أدنى ~~بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم وكان ~~تحته حكمة وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وله عجلة أتى ~~بها إلى غيضة وقال: اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر، ومات ~~الرجل فسارت العجلة في الغيضة عوانا وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر ~~الابن كان بارا بوالدته فكان يقسم # الليل أثلاثا يصلي ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمه ثلثا فإذا أصبح ~~انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه ~~ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثه فقالت له أمه يوما: إن أباك ورثك عجلة ~~استودعها الله في غيضة كذا فانطلق وادع الله إله إبراهيم وإسمعيل وإسحق أن ~~يردها عليك وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل لك أن شعاع الشمس يخرج من ~~جلدها، وكانت تلك البقرة تسمى الذهبية لحسنها وصفرتها فأتى الفتى الغيضة ~~فرآها ترعى فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ~~فأقبلت تسعى إليه حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها فتكلمت البقرة ~~بإذن الله وقالت: أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإن ذلك أهون عليك، فقال ~~الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت البقرة: بإله ~~بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت ms0110 تقدر علي أبدا فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ~~يتقطع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمك، فسار الفتى # PageV01P068 # بها إلى أمه فقالت له: إنك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار ~~والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة، فقال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة ~~دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق بها إلى ~~السوق فبعث الله ملكا ليري خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بره بوالدته وكان ~~الله به خبيرا، فقال الملك له: بكم تبيع هذه البقرة؟ فقال: بثلاثة دنانير ~~وأشترط عليك رضا والدتي، فقال الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك، ~~فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضا أمي، فردها إلى أمه ~~وأخبرها بالثمن، فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضا مني فانطلق بها إلى ~~السوق وأتى الملك فقال: استأمرت أمك؟ فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها ~~عن ستة دنانير على أن أستأمرها، فقال الملك: إني أعطيك اثني عشر دينارا على ~~أن لا تستأمرها فأبى الفتى ورجع # إلى أمه # وأخبرها بذلك، فقالت: إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليختبرك فإذا أتاك ~~فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل فقال الملك له: اذهب إلى ~~أمك وقل لها: امسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل ~~في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء مسكها أي: جلدها ذهبا دنانير فأمسكوها ~~وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا ~~يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة مكافأة له على بره بوالدته فضلا منه ~~تعالى ورحمة فذلك قوله عز وجل: # {س2ش68/ش71 قالوا? ادع لنا ربك يبين لنا ما هى? قال إنه? يقول إنها بقرة ~~s فارض وبكر عوان بين ذالك? فافعلوا? ما تؤمرون * قالوا? ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما لونها? قال إنه? يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها تسر الناظرين * ~~قالوا? ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه علينا وإنآ إن شآء الله ms0111 ~~لمهتدون * قال إنه? يقول إنها بقرة s ذلول تثير ا?رض وتسقى الحرث مسلمة s ~~شية فيها? قالوا? ال?ان جئت بالحق? فذبحوها وما كادوا? يفعلون} # {قالوا ادع لنا ربك يبين لها ما هي} أي: ما سنها وكان من حقه أن يقولوا ~~أي بقرة هي أو كيف هي لأن لفظ ما يسأل به عن الجنس غالبا لكنهم لما رأوا ما ~~أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ~~ولم يروا مثله {قال} موسى {إنه} أي ربي {يقول إنها بقرة لا فارض} أي: مسنة، ~~وسميت فارضا لأنها فرضت سنها أي: قطعته وبلغت آخره {ولا بكر} أي: صغيرة ~~{عوان} أي: نصف أي: وسط قال الشاعر: # *نواعم بين أبكار وعون # جمع عوان {بين ذلك} أي: بين ما ذكر من الفارض والبكر. # فإن قيل: بين يقتضي شيئين فصاعدا فمن أين جاز دخوله على ذلك؟ أجيب: بأنه ~~في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر كما تقرر وعود هذه الكنايات ~~وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة ويلزمه تأخير ~~البيان عن وقت الخطاب بالأمر ومن أنكر ذلك زعم أن المراد بها بقرة من جانب ~~البقر غير مخصوصة ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم ويلزمه النسخ قبل الفعل فإن ~~التخصيص إبطال التخيير الثابت بالنص والحق جواز تأخير البيان عن الوقت ~~المذكور والنسخ قبل الفعل ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ والمروي عنه عليه ~~الصلاة والسلام: لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم ~~فشدد الله عليهم وتقريعهم بالتمادي وزجرهم عن المراجعة بقوله: {فافعلوا ما ~~تؤمرون} به من ذبحها. # {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال} موسى {إنه} أي: ربي {يقول ~~إنها بقرة صفراء فاقع لونها} أي: شديد الصفرة ولذلك تؤكد به الصفرة فيقال: ~~أصفر فاقع كما يقال: أسود حالك، وعن الحسن: سوداء شديدة السواد وبه فسر ~~قوله تعالى: {جمالات صفر} (المرسلات، 33) قال البيضاوي: ولعله عبر بالصفرة ~~عن السواد لأنه من مقدماته، قال البغوي: ms0112 والأول أصح لأنه لا يقال أسود فاقع ~~إنما يقال: أصفر # PageV01P069 # فاقع، وأسود حالك وأخضر ناصح {تسر الناظرين} إليها أي: يعجبهم حسنها ~~وصفاء لونها، والسرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. # {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} أي: أسالمة أم عاملة؟ وعلى هذا فليس ~~تكرارا للسؤال الأول {إن البقر} أي: جنسه المنعوت كما ذكر {تشابه} أي: ~~التبس واشتبه أمره {علينا} لكثرته فلم يهتدوا إلى المقصود. # تنبيه: لم يقل تشابهت علينا لأن المراد الجنس كما مر أو لتذكير لفظ البقر ~~كقوله تعالى: {أعجاز نخل منقعر} (القمر، 20) {وإنا إن شاء الله لمهتدون} ~~إلى وصفها وفي الحديث: «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» . واحتج به ~~أصحابنا على أن الحوادث بإرادة الله تعالى وأن الأمر قد ينفك عن الإرادة ~~وإلا لم يكن للشرط بعد الأمر معنى. والمعتزلة والكرامية على حدوث الإرادة ~~لأنها وقعت شرطا والشرط أمر يحدث في المستقبل، وأجيب: بأن تعليق الاهتداء ~~بالمشيئة التي هي الإرادة باعتبار تعلق المشيئة بالاهتداء وهذا التعلق هو ~~الحادث ولا يلزم من ذلك قيام الحوادث به تعالى لأن التعلق أمر اعتباري. # {قال} موسى {إنه} أي: ربي {يقول إنها بقرة لا ذلول} أي: غير مذللة بالعمل ~~{تثير الأرض} أي: تقلبها للزراعة، والجملة صفة ذلول داخلة في النفي {ولا ~~تسقي الحرث} أي: الأرض المهيأة للزراعة، ولا الثانية مزيدة لتأكيد الأولى ~~والفعلان صفتا ذلول كأنه قال: لا ذلول مثيرة وساقية {مسلمة} من العيوب ~~وإثارة العمل {لا شية} أي: لا لون {فيها} سوى لون جميع جلدها، قال مجاهد: ~~لا بياض فيها ولا سواد {قالوا الآن جئت} أي نطقت {بالحق} أي: بالبيان التام ~~الشافي الذي لا إشكال فيه فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار بأمه فاشتروها ~~بملء مسكها أي: جلدها ذهبا كما قال له الملك، وقوله تعالى: {فذبحوها} فيه ~~اختصار، والتقدير فحصلوا البقرة المنعوتة فذبحوها {وما كادوا} أي: ما ~~قاربوا {يفعلون} لتطويلهم وكثرة مراجعتهم، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل، ~~أو لغلاء ثمنها ولا ينافي قوله: {وما كادوا ms0113 يفعلون} قوله: {فذبحوها} ~~لاختلاف وقتيهما إذ المعنى ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم وانقطعت ~~تعللاتهم ففعلوا كالمضطر الملجأ إلى الفعل. # {وإذ قتلتم نفسا} خطاب للجمع لوجود القتل فيهم {فادارأتم} فيه إدغام ~~التاء في الأصل في الدال أي تخاصمتم وتدافعتم {فيها} أي: في شأنها، إذ ~~المتخاصمان يدفع بعضهم بعضا، أو تدافعتم بأن طرح كل قتلها عن نفسه إلى ~~صاحبه {وا مخرج} أي: مظهر {ما كنتم تكتمون} فإن القاتل كان يكتم القتل، ~~وقوله تعالى: # {فقلنا اضربوه} أي: القتيل، عطف على ادارأتم وما بينهما اعتراض، والضمير ~~للنفس وتذكير الضمير على تأويل الشخص أو القتيل {ببعضها} أي: ببعض البقرة ~~واختلفوا في ذلك البعض فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين: ضربوه ~~بالعظم الذي يلي الغضروف وهو ما لان من العظام، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ~~بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق، وقال الضحاك: ~~بلسانها، قال الحسين بن الفضل: لأنه آلة الكلام، وقال عكرمة والكلبي: ~~بفخذها الأيمن، وقيل: بعضو منها لا بعينه ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن ~~الله تعالى وأوداجه تشخب دما وقال: قتلني فلان ثم سقط ومات مكانه فحرم ~~قاتله الميراث وقتل وفي الخبر «ما ورث # PageV01P070 # قاتل بعد صاحب البقرة» وفيه إضمار تقديره: فضرب فحيي، قال تعالى: {كذلك} ~~الإحياء {يحيي الله الموتى} والخطاب مع من حضر حياة القتيل أو نزول الآية ~~{ويريكم آياته} دلائل قدرته {لعلكم تعقلون} لكي يكمل عقلكم وتعلموا أن من ~~قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس كلها فتؤمنون. # قال البيضاوي: ولعله تعالى إنما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه ~~من التقرب وأداء الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل أي: توكل أبي ~~اليتيم والشفقة على الأولاد وأن من حق الطالب أن يقدم قربة والمتقرب أن ~~يتحرى الأحسن ويغالي بثمنه كما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضحى ~~بنجيبة أي: من الابل بثلثمائة دينار، وأن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى ~~إلى إذ لا يتصور حياة ms0114 ميت من غيره تعالى والأسباب أمارات لا أثر لها وأن من ~~أراد أن يعرف أعدى عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي فطريقه أن يذبح ~~بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها أثر الصبا أي: عدم التكليف، ~~وهو نظير لا بكر ولم يلحقها ضعف الكبر أي: وهو نظير لا فارض، وكانت معجبة ~~رائقة المنظر أي: وهو نظير تسر الناظرين غير مذللة في طلب الدنيا أي: وهو ~~نظير لا ذلول تثير الأرض مسلمة من دنسها، {لا شية} أي: لا علامة بها من ~~قبائحها بحيث يصل أثره أي: الذبح إلى نفسه فتحيا حياة طيبة، ويعرب عما به ~~ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤ والنزاع أي: لأن العقل ~~يأمر بالخير والوهم يأمر بالشهوات. # {ثم قست قلوبكم} أيها اليهود أي: ضلت عن قبول الحق لأن القساوة عبارة عن ~~الغلظ مع الصلابة كما في الحجر وقساوة القلب مثل في بعده عن الاعتبار، وثم ~~لاستبعاد القسوة عن الأحياء لا للتراخي في الزمان بل للاستبعاد مجاز ~~القرينة ما قبلها بمعنى أنه يبعد من العاقل قسوة القلب بعد ظهور تلك الآية ~~العظيمة {من بعد ذلك} المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات فإن ذلك ~~مما يوجب لين القلب {فهي كالحجارة} في قسوتها، قرأ قالون وأبو عمرو ~~والكسائي بسكون الهاء، والباقون بكسرها {أو أشد قسوة} من الحجارة، وقيل: أو ~~بمعنى الواو كقوله تعالى: مائة ألف أو يزيدون وإنما لم يشبهها بالحديد مع ~~أنه أصلب من الحجارة لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار وقد لان لداود ~~عليه الصلاة والسلام والحجارة، لا تلين قط ثم فضل الحجارة على القلب القاسي ~~فقال: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} أي: من بعض الحجارة وقيل: ~~أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط {فإن منها لما يشقق} فيه ~~إدغام التاء في الأصل في الشين {فيخرج منه الماء} أي: عيونا دون الأنهار ~~{وإن منها لما يهبط} أن ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله {من خشية الله} ~~وقلوبكم ms0115 لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود. # فإن قيل: الحجر جماد لا يفهم فكيف يخشى؟ أجيب: بأن الله يفهمه ويلهمه ~~فيخشى بإلهامه، قال البغوي: ومذهب أهل السنة أن لله تعالى علما في الجمادات ~~وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح كما قال جل ~~ذكره: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (الإسراء، 440) وقال تعالى: {والطير ~~صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} (النور، 41) (الحج، 18) وقال تعالى: {ألم ~~تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر} (الحج، 18) ~~الآية فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على # PageV01P071 # ثبير والكفار يطلعونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علي ~~فيعاقبني الله بذلك، فقال له جبل حرا: إلي إلي يا رسول الله. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعرف حجرا بمكة كان ~~يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن» . # وروي عن علي أنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فرحنا ~~في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر فلم يمر بشجر ولا جبل إلا قال: ~~السلام عليك يا رسول الله» . # وروي عن جابر أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى ~~جذع نخلة من سواري المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك ~~السارية وحنت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد حتى نزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاعتنقها فسكتت، وقال مجاهد: لا ينزل حجر من أعلى إلى أسفل ~~إلا من خشية الله ويشهد لذلك قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} (الحشر، 21) {وما الله بغافل} أي: بساه ~~{عما تعملون} وعيد وتهديد، وقيل: بتارك عقوبة ما تعملون بل يجازيكم به، ~~وقرأ ابن كثير بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. # {س2ش75/ش78 أفتطمعون أن يؤمنوا? لكم وقد كان فريق منهم يسمعون ms0116 كلام الله ~~ثم يحرفونه? من? بعد ما عقلوه وهم يعلمون * وإذا لقوا? الذينءامنوا? ~~قالو?ا? ءامنا وإذا خ بعضهم إلى بعض قالو?ا? أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ~~ليحآجوكم به? عند ربكم? أف تعقلون * أو يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون * ومنهم أميون يعلمون الكتاب إ? أمانى وإن هم إs يظنون} # {أفتطمعون} أي: أفترجون أيها المؤمنون {أن يؤمنوا} أي: اليهود {لكم} أي: ~~لأجل دعوتكم أو يصدقوكم بما تخبرونهم به {وقد كان فريق} أي: طائفة {منهم} ~~أي: أحبارهم {يسمعون كلام الله} أي: التوراة {ثم يحرفونه} يغيرونه كنعت ~~محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم، وقيل: هؤلاء من السبعين المختارين ~~الذين سمعوا كلام الله حين كلم موسى عليه الصلاة والسلام بالطور ثم قالوا: ~~سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن ~~شئتم فلا تفعلوا {من بعد ما عقلوه} أي: فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة ~~{وهم يعلمون} أنهم مفترون والهمزة للإنكار أي: لا تطمعوا في إيمانهم فلهم ~~سابقة في الكفر. # {وإذا لقوا} أي: منافقو اليهود {الذين آمنوا قالوا آمنا} بأنكم على الحق ~~وإن رسولكم هو المبشر به في التوراة {وإذا خلا} أي: رجع {بعضهم إلى بعض ~~قالوا} أي: رؤساؤهم الذين لم ينافقوا ككعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن ~~يهودا لمن نافق {أتحدثونهم} أي: المؤمنين {بما فتح الله عليكم} بما بين لكم ~~في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم {ليحاجوكم} أي: ليخاصموكم {به ~~عند ربكم} أي: بما أنزل ربكم في كتابه ويقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه ~~مع علمكم بصدقه جعلوا محاجتهم بكتاب الله محاجة عند الله كما يقال: عند ~~الله كذا، ويراد به أنه في كتابه وحكمه، وقيل: بين يدي رسول ربكم، وقيل: ~~عند ربكم في الآخرة، وقوله تعالى: {أفلا تعقلون} إما من تمام كلام اللائمين ~~وهم خلص اليهود وتقديره أفلا تعقلون أنهم يحاجونكم فيحجونكم، وإما من خطاب ~~الله للمؤمنين متصل بقوله تعالى: {أفتطمعون} والمعنى: أفلا تعقلون حالهم ~~وأنه لا مطمع لكم ms0117 في إيمانهم. # {أولا يعلمون} أي: اللائمون أو المنافقون أو كلاهما {إن الله يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون} من إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وإخفاء ما فتح الله ~~عليهم وإظهار غيره وغير ذلك فيرعووا عن ذلك. # {ومنهم} أي: اليهود {أميون} أي: عوام جهلة {لا يعلمون الكتاب} أي: لا ~~يعرفون التوراة أو الكتابة فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما، فيها، وقوله ~~تعالى: {إلا أماني} استثناء منقطع، أي: لكن أكاذيب تلقوها من رؤسائهم ~~فاعتمدوها # PageV01P072 # {وإن هم} أي: ما هم {إلا} قوم {يظنون} ظنا لا علم لهم وقد يطلق الظن ~~بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع وإن جزم به صاحبه كاعتقاد ~~المقلد وكالزائغ عن الحق بسبب شبهة قامت عنده. # {س2ش79/ش82 فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هاذا من عند الله ~~ليشتروا? به? ثمنا قلي?? فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون * ~~وقالوا? لن تمسنا النار إ? أياما معدودة? قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف ~~الله عهده??? أم تقولون على الله ما تعلمون * بلى من كسب سيئة وأحاطت به? ~~خطي?ئته? فأو?ل?ائك أصحاب النار? هم فيها خالدون * والذينءامنوا? وعملوا? ~~الصالحات أو?لا?ئك أصحاب الجنة? هم فيها خالدون} # {فويل} أي: واد في جهنم كما رواه الترمذي، قال سعيد بن المسيب: لو سيرت ~~فيه جبال الدنيا لانماعت من شدة حره، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ~~هو شدة العذاب {للذين يكتبون الكتاب} أي: المحرف من التأويلات الزائغة، ~~وقوله تعالى: {بأيديهم} تأكيد كقولك: كتبته بيميني {ثم يقولون هذا من عند ~~الله ليشتروا به ثمنا قليلا} من الدنيا وهم اليهود غيروا صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم في التوراة: وآية الرجم وغيرها وكتبوها على خلاف ما أنزل ~~الله فكانت صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة: أكحل العينين، ربعة، جعد ~~الشعر، حسن الوجه، فكتبوها طويلا: أزرق العينين، سبط الشعر، وغيروا آية ~~الرجم بالجلد والتحميم أي: تسويد الوجه {فويل لهم مما كتبت أيديهم} من ~~المحرف {وويل لهم مما يكسبون} من الرشا. # {وقالوا} أي: اليهود لما وعدهم النبي ms0118 صلى الله عليه وسلم النار {لن ~~تمسنا} أي: تصيبنا {النار إلا أياما معدودة} محصورة قليلة. روي أن بعضهم ~~قالوا: نعذب بعدد أيام عبادتنا العجل أربعين يوما وبعضهم قالوا: مدة الدنيا ~~سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما واحدا ثم ينقطع العذاب بعد ~~سبعة أيام. # فإن قيل: لم وصف الأيام مع أنها جمع بالمفرد؟ أجيب: بأنها في معنى ~~الجماعة فتكون مفردا تقديرا ولأن جمع القلة كما قاله الرضي في حكم المفرد ~~فيوصف بالمفرد كما هنا يوصف المفرد به كما في قوله تعالى: {نطفة أمشاج} ~~(الإنسان، 20) وقيل: الأمشاج مفرد وعلى هذا فلا إشكال ثم كذبهم الله تعالى ~~بقوله: {قل} لهم يا محمد {أتخذتم} حذف منه همزة الوصل استغناء بهمزة ~~الاستفهام. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم بإظهار الذال عند التاء، والباقون ~~بالإدغام {عند الله عهدا} أي: ميثاقا منه بذلك، وقوله تعالى: {فلن يخلف ~~الله عهده} جواب شرط مقدر أي: إن اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ~~وفيه دليل على أن الخلف في خبر الله تعالى محال {أم تقولون على الله ما لا ~~تعلمون} أم إما منقطعة بمعنى بل أتقولون على التقرير والتقريع، وإما معادلة ~~بهمزة الاستفهام بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقرير للعلم بوقوع ~~أحدهما، وقوله تعالى: # {بلى} إثبات لما نفوه من مساس النار لهم فإن بلى وبل حرفا استدراك ~~ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل أي: بل تمسكم وتخلدون ~~فيها {من كسب سيئة} أي: قبيحة {وأحاطت به خطيئته} وقرأ نافع وحده خطيئاته ~~بالجمع أي: استولت عليه وشملت جميع أحواله حتى صار كالمحتاط بها لا يخلو ~~عنها شيء من جوانبه وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأن غيره وإن لم يكن له ~~سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه لم تحط الخطيئة به ولذلك فسرها السلف بالكفر، ~~وقيل: السيئة الكبيرة، والإحاطة أن يصر عليها لأن من أذنب ذنبا ولم يقلع ~~عنه استجره إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه حتى ~~تستولي عليه الذنوب وتأخذ ms0119 بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلا إلى المعاصي ~~مستحسنا إياها معتقدا أن لا لذة سواها مبغضا لمن يمنعه عنها مكذبا لمن ~~ينصحه فيها كما قال تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السواى أن كذبوا ~~بآيات الله} (الروم، 10) الآية، والفرق بين السيئة # PageV01P073 # والخطيئة أن السيئة قد تقال فيما يقصد بالذات والخطيئة تغلب فيما يقصد ~~بالعرض لأنها من الخطأ، والكسب استجلاب النفع وتعليقه بالسيئة على التهكم ~~كقوله تعالى: {فبشره بعذا أليم} (لقمان، 7) (يس، 11) (الجاثية، 8) {فأولئك ~~أصحاب النار} أي: ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمو أسبابها في الدنيا ~~{هم فيها خالدون} أي: دائمون روعي فيه معنى من والآية كما ترى لا حجة فيها ~~على خلود صاحب الكبيرة لأنها في الكافر كما مر. # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} جرت ~~عادته سبحانه وتعالى على أن يشفع وعده بوعيده لترجي رحمته ويخشى عذابه. # تنبيه: عطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه. # {و} اذكر {إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} في التوراة وقلنا لهم: {لا تعبدون ~~إلا الله} هذا إخبار في معنى النهي كقوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} ~~(البقرة، 282) وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهي سارع إلى ~~الانتهاء فهو مخبر عنه، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة، ~~والباقون بالتاء على الخطاب. {وبالوالدين إحسانا} أي: برا بهما وعطفا ~~عليهما ونزولا عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى. قال البيضاوي: ~~وهذا متعلق بمضمر تقديره: وتحسنون أو أحسنوا، انتهى. ويلزمه أن إحسانا في ~~الآية منصوب على المصدر المؤكد لعامله المحذوف مع أن حذف عامل المؤكد ممنوع ~~أو نادر وقوله تعالى: {وذي القربى} أي: القرابة {واليتامى والمساكين} عطف ~~على الوالدين، ويتامى جمع يتيم وهو الطفل الذي لا أب له كنديم وندامى وهو ~~قليل، ومسكين مفعيل من السكون كأن الفقر أسكنه {وقولوا للناس حسنا} من ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد صلى الله عليه وسلم ~~والرفق بهم، وقيل: هو اللين في القول والمعاشرة بحسن ms0120 الخلق. وقرأ حمزة ~~والكسائي بفتح الحاء والسين، والباقون بضم الحاء وسكون السين مصدر وصف به ~~مبالغة {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ، قال البيضاوي: يريد أي: الله بهما ~~ما فرض عليهم في ملتهم {ثم توليتم} في هذا التفات عن الغيبة، قال البيضاوي: ~~ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ~~قبلهم على التغليب أي: أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه {إلا قليلا منكم} أي: ~~وهو من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن أسلم منهم {وأنتم} قوم ~~{معرضون} أي: عادتكم الإعراض عن المواثيق والتولية كإعراض آبائكم. # {و} اذكروا {إذ أخذنا ميثاقكم} وقلنا {لا تسفكون دماءكم} أي: تريقونها ~~بقتل بعضكم بعضا {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} أي: لا يخرج بعضكم بعضا من ~~داره وإنما جعل غير الرجل نفسه لاتصاله به نسبا أو دينا، وقيل: لا تفعلوا ~~ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما ~~تمنعون به عن الجنة التي هي داركم فإنه الجلاء الحقيقي {ثم أقررتم} بهذا ~~العهد أنه حق وقبلتم {وأنتم تشهدون} على أنفسكم، هذا توكيد كقولك أقر فلان ~~شاهدا على نفسه، وقيل: أنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فيكون ~~إسناد الإقرار إليهم مجازا. # {ثم أنتم} يا {هؤلاء تقتلون أنفسكم} فيه استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق ~~والإقرار والشهادة عليه أي: ثم بعد ذلك يقتل بعضكم بعضا {وتخرجون فريقا ~~منكم من ديارهم # PageV01P074 # تظاهرون} قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الطاء، والباقون بتشديدها، أي: ~~تتعاونون {عليهم بالإثم} أي: المعصية {والعدوان} أي: الظلم {وإن يأتوكم ~~أسارى} قرأ حمزة بفتح الهمزة وسكون السين ولا ألف بعد السين، والباقون بضم ~~الهمزة وفتح السين وألف بعدها {تفادوهم} قرأ عاصم والكسائي بضم التاء وفتح ~~الفاء وألف بعدها، والباقون بفتح التاء وسكون الفاء ولا ألف بعدها، أي: ~~تنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره، وقوله تعالى: {وهو} أي: الشأن {محرم ~~عليكم إخراجهم} متعلق بقوله تعالى: {وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} وما ~~بينهما اعتراض، ومعنى الآية قال السدي: إن الله أخذ على بني ms0121 إسرائيل في ~~التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وترك ~~المظاهرة عليهم مع أعدائهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه في بني إسرائيل ~~فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، وكانت قريظة حالفوا الأوس وحالفت النضير ~~الخزرج فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أسروا ~~فدوهم وكانوا إذا سئلوا: لم تقاتلونهم؟ وتفدونهم قالوا: أمرنا بالفداء، ~~فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن يستذل حلفاؤنا فعيرهم الله تعالى ~~بقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب} وهو الفداء {وتكفرون ببعض} وهو ترك القتل ~~والإخراج والمظاهرة {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي} أي: هوان وعذاب ~~{في الحياة الدنيا} فكان خزي قريظة القتل والسبي، وخزي بني النضير الجلاء ~~والنفي عن منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام {ويوم القيامة يردون إلى ~~أشد العذاب} أي: عذاب جهنم وإنما رد من فعل منهم ذلك إلى أشد العذاب لأن ~~عصيانه أشد {وما الله بغافل عما تعملون} قرأ نافع وابن كثير وشعبة بالياء ~~على الغيبة، والباقون بالتاء على # الخطاب. # {أولئك الذين اشتروا} أي: استبدلوا {الحياة الدنيا بالآخرة} بأن آثروها ~~عليها {فلا يخفف عنهم العذاب} في الدنيا بنقصان الجزية والتعذيب في الآخرة ~~{ولا هم ينصرون} أي: بدفعها عنهم {ولقد آتينا} أي: أعطينا {موسى الكتاب} ~~أي: التوراة جملة واحدة {وقفينا من بعده بالرسل} أي: أتبعناهم رسولا في إثر ~~رسول كقوله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترى} (المؤمنون، 44) يقال: قفاه إذا ~~أتبعه إياه {وآتينا عيسى بن مريم البينات} أي: المعجزات الواضحات كإحياء ~~الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات أو الإنجيل. وعيسى ~~بالعبرانية أيشوع، ومريم بمعنى الخادم {وأيدناه} أي: قويناه {بروح القدس} ~~قرأ ابن كثير بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها، وهذا من إضافة الموصوف ~~إلى الصفة أي: الروح المقدسة وهو جبريل وصف به لطهارته وتأييده به أن أمر ~~أن يسير معه حيث سار حتى يصعد به إلى السماء، وقيل: روح عيسى عليه الصلاة ~~والسلام ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان أو لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام ~~الطوامث أي: الحيض، ms0122 وقيل: اسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى. # ولما سمعت اليهود ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام قالوا: يا محمد لا مثل ~~عيسى كما تزعم عملت ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، فأتنا بما أتى به ~~عيسى إن كنت صادقا فقال الله تعالى: {أفكلما جاءكم} يا معشر اليهود {رسول ~~بما لا تهوى} أي: تحب {أنفسكم} من الحق، # PageV01P075 # وقوله تعالى: {استكبرتم} أي: تكبرتم عن اتباعه، جواب كلما وهو محل ~~الاستفهام والمراد به التوبيخ {ففريقا} أي: طائفة {كذبتم} كموسى وعيسى ~~عليهما الصلاة والسلام، والفاء لسببية الاستكبار للتكذيب أو التفصيل ~~{وفريقا تقتلون} كزكريا ويحيى عليهما السلام. # فإن قيل: هلا قال: وفريقا قتلتم؟ أجيب: بأنه إنما ذكر بلفظ المضارع على ~~حكاية الحال الماضية استحضارا لها في النفوس فإن الأمر فظيع ومراعاة ~~للفواصل. قال الزمخشري: أو أن يراد وفريقا تقتلونهم بعد أي: الآن، لأنكم ~~درتم حول قتل محمد لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، ~~وقال صلى الله عليه وسلم عند موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان ~~قطعت أبهري» . # {وقالوا} للنبي صلى الله عليه وسلم استهزاء: {قلوبنا غلف} جمع أغلف أي: ~~مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جئت به ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي ~~لم يختن كقولهم: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} (فصلت، 5) ، وقيل: أصل ~~غلف بالسكون غلف بالضم فخفف، والمعنى أنها أوعية العلم لا تسمع علما إلا ~~وعته ولا تعي ما تقول أي: فما تقوله ليس بعلم أو نحن مستغنون بما فيها عن ~~غيره، ثم رد الله تعالى عليهم أن تكون قلوبهم كذلك بقوله تعالى: {بل} ~~للإضراب {لعنهم الله بكفرهم} أي: بسبب كفرهم، والمعنى أنها خلقت على الفطرة ~~والتمكن من قبول الحق ولكن الله خذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم كما قال ~~تعالى: {فأصمهم وأعمى أبصارهم} أو هم كفرة ملعونون فمن أين لهم دعوى العلم ~~والاستغناء عنك {فقليلا ما يؤمنون} ما مزيدة لتأكيد القلة أي: إيمانهم ~~إيمان قليل جدا وهو إيمانهم ببعض الكتاب وقيل: أراد بالقلة العدم. # {س2ش89/ش91 ولما ms0123 جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا? من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا? فلما جآءهم ما عرفوا? كفروا? به?? فلعنة الله ~~على الكافرين * بئسما اشتروا? به?? أنفسهم أن يكفروا? بمآ أنزل الله بغيا ~~أن ينزل الله من فضله? على من يشآء من عباده?? فبآءو بغضب على غضب? ~~وللكافرين عذاب مهين * وإذا قيل لهمءامنوا? بمآ أنزل الله قالوا? نؤمن بمآ ~~أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه? وهو الحق مصدقا لما معهم? قل فلم تقتلون ~~أن?بيآء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} # {ولما جاءهم كتاب من عند الله} هو القرآن {مصدق لما معهم} من كتابهم وهو ~~التوراة لا يخالفه {وكانوا} أي: اليهود {من قبل} أي: من قبل مجيئه ~~{يستفتحون} أي: يستنصرون {على الذين كفروا} أي: مشركي العرب إذا قابلوهم ~~يقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته ~~ونعته في التوراة ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج ~~بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم {فلما جاءهم} أي: اليهود {ما ~~عرفوا} من الحق وهو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم {كفروا به} حسدا أو خوفا ~~على الرياسة وجواب لما الأولى دل عليه جواب لما الثانية {فلعنة الله} أي: ~~عذابه وطرده {على الكافرين} أي: عليهم، وإنما أتى بالمظهر للدلالة على أنهم ~~لعنوا لكفرهم فتكون اللام للعهد ويجوز أن تكون للعموم ويدخلون فيه دخولا ~~أوليا أو قصديا لأنهم المقصودون بالذات وتناول الكلام لغيرهم على سبيل ~~التبع فهو كما إذا ظلمك إنسان فقلت: ألا لعنة الله على الظالمين كان ذلك ~~الظالم أوليا أو مقصودا في الدعاء والباقون تبعا. # {بئس ما اشتروا} أي: باعوا {به أنفسهم} أي: حظها من الثواب، وما نكرة ~~بمعنى شيئا مميزة لفاعل بئس المستكن أي: بئس الشيء شيئا اشتروا به أنفسهم ~~والمخصوص بالذم {أن يكفروا} أي: كفرهم {بما أنزل الله} من القرآن {بغيا} ~~أي: حسدا وطلبا لما ليس لهم وهو علة يكفروا كما قال البيضاوي دون اشتروا، ~~وإن قاله الزمخشري لفصل المخصوص بين {بغيا} الذي ms0124 هو العلة وبين المعلول وهو ~~{اشتروا} . وحسدوه على {أن ينزل الله من فضله} أي: الوحي {على من يشاء} ~~للرسالة # PageV01P076 # {من عباده} وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون ~~نون ينزل وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي {فباءوا} أي: ~~رجعوا {بغضب على غضب} أي: مع غضب، واختلف في معنى ذلك فقال ابن عباس ~~ومجاهد: الغضب الأول: بتضييعهم التوراة وتبديلهم، والثاني: بكفرهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وقال السدي: الأول: كفرهم بعبادة العجل، والثاني: الكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: الأول: بكفرهم بعيسى والإنجيل، ~~والثاني: بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. {وللكافرين عذاب مهين} أي: ذو ~~إهانة بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه. # {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} من القرآن وغيره فيعم سائر الكتب ~~المنزلة {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} أي: التوراة يكفينا ذلك {ويكفرون} ~~الواو للحال {بما وراءه} أي: بما سواه من الكتب كقوله تعالى: {فمن ابتغى ~~وراء ذلك} (المؤمنون، 7) أي: سواه وقال أبو عبيدة: بما بعده أي: من القرآن. ~~وقوله تعالى: {وهو} أي: ما وراءه {الحق} حال، وقوله: {مصدقا لما معهم} أي: ~~من التوراة حال ثانية مؤكدة تتضمن رد مقالهم فإنهم كفروا بما يوافق التوراة ~~فقد كفروا بها ثم اعترض الله تعالى عليهم بقتل الأنبياء مع ادعاء الإيمان ~~بالتوراة بقوله تعالى: {قل} لهم يا محمد {فلم تقتلون} أي: قتلتم {أنبياء ~~الله من قبل إن كنتم مؤمنين} بالتوراة، والتوراة لا تسوغه بل نهيتم فيها عن ~~قتلهم، والخطاب للموجودين في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم بما فعل آباؤهم ~~لرضاهم به وعزمهم عليه، قرأ نافع وحده: أنبياء الله، بالهمز في كل القرآن، ~~والباقون بالبدل، وليس لورش إلا المد فقط لأنه متصل. # {س2ش92/ش94 ولقد جآءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من? بعده? وأنتم ~~ظالمون * وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا? مآءاتيناكم بقوة ~~واسمعوا?? قالوا? سمعنا وعصينا وأشربوا? فى قلوبهم العجل بكفرهم? قل بئسما ~~يأمركم به? إيمانكم إن كنتم مؤمنين * قل إن كانت ms0125 لكم الدار ا?خرة عند الله ~~خالصة من دون الناس فتمنوا? الموت إن كنتم صادقين} # {ولقد جاءكم موسى بالبينات} أي: الآيات التسع في قوله تعالى: {ولقد آتينا ~~موسى تسع آيات بينات كالعصا} (الإسراء، 101) واليد وفلق البحر {ثم اتخذتم ~~العجل} أي: إلها {من بعده} أي: من بعد ذهابه إلى الميقات، وقوله تعالى: ~~{وأنتم ظالمون} أي: باتخاذه، حال أي: اتخذتم العجل ظالمين بعبادته، أو ~~بالإخلال بآيات الله، أو اعتراض أي: وأنتم عادتكم الظلم. # {وإذ أخذنا ميثاقكم} على العمل بما في التوراة {و} قد {رفعنا فوقكم ~~الطور} أي: الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم، وقلنا: {خذوا ما ~~آتيناكم بقوة} أي: بجد واجتهاد {واسمعوا} ما تؤمرون به سماع قبول {قالوا ~~سمعنا} قولك {وعصينا} أمرك وقيل: سمعنا بالآذان وعصينا بالقلوب، قال أهل ~~المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن لما سمعوا بالآذان وتلقوه ~~بالعصيان نسب ذلك إلى القول اتساعا {وأشربوا في قلوبهم العجل} أي: خالط حبه ~~قلوبهم كما يتداخل الشراب أعماق البدن، وفي قلوبهم بيان لمكان الإشراب ~~كقوله تعالى: {إنما يأكلون في بطونهم نارا} (النساء، 10) . # فائدة: قال البغوي في «القصص» : إن موسى عليه الصلاة والسلام أمر أن يبرد ~~العجل بالمبرد ثم يذر في النهر وأمر بالشرب منه فمن بقي في قلبه شيء من حب ~~العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه. {بكفرهم} أي: بسبب كفرهم وذلك أنهم ~~كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسما أعجب منه فتمكن من قلوبهم ما سول لهم ~~السامري {قل} لهم يا محمد {بئسما} أي: شيئا {يأمركم به إيمانكم} بالتوراة ~~عبادة العجل، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب: {أصلواتك ~~تأمرك} (هود، 87) وكذلك إضافة الإيمان إليهم في قوله تعالى: {إن كنتم ~~مؤمنين} بعبادة العجل. # {قل} لهم {إن # PageV01P077 # كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة} أي: خاصة {من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين} في قولكم وذلك أن اليهود ادعوا دعاوى باطلة مثل ~~قولهم: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} (البقرة، 80) {ولن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا} (البقرة، 111) وقولهم: ms0126 {نحن أبناء الله وأحباؤه} ~~(المائدة، 18) فكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال: قل لهم يا محمد ذلك ~~لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم ~~والتخلص من الدار ذات الشوائب. كما روي عن المبشرين بالجنة رضي الله تعالى ~~عنهم فقد كان علي رضي الله تعالى عنه يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ~~ابنه الحسن: ما هكذا نرى المحاربين، فقال له: يا بني لا يبالي أبوك على ~~الموت سقط أم عليه سقط الموت. وعن حذيفة أنه كان يتمنى الموت فلما احتضر ~~قال: حبيب أي: الموت جاء على فاقة، أي: وقت حاجتي إليه. وقيل: بل أراد ~~بالحبيب لقاء الله لا أفلح من ندم يعني على التمني أراد به أنه كان يتمنى ~~الموت وما ندم على التمني حين جاء الموت. وقال عمار بصفين: الآن ألاقي ~~الأحبة محمدا وحزبه. وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحن إليه. # روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض ~~يهودي إلا مات» . # تنبيه: خالصة نصبها على الحال من الدار، أو من الضمير في خبر كان العائد ~~إلى الدار، وتعلق بتمنوا الشرطان على أن الأول قيد في الثاني. # {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم} من موجبات النار من الكفر بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وما جاء به وتحريف كتاب الله وسائر أنواع الكفر والعصيان، ~~ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان آلة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها ~~أكثر منافعه عبر بها عن النفس تارة كما هنا وعن القدرة أخرى كما في قوله ~~تعالى: {يد الله فوق أيديهم} (الفتح، 10) وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان ~~أخبر به كقوله تعالى: {ولن تفعلوا} (البقرة، 24) . # فإن قلت: من أعلمك أنهم لم يتمنوا؟ أجيب: بأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما ~~نقل سائر الحوادث ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولي المطاعن في ~~الإسلام أكثر من ms0127 الذر وليس أحد منهم نقل ذلك. # فإن قيل: التمني من أعمال القلوب وهو سر لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت ~~أنهم لم يتمنوا؟ أجيب: بأن التمني ليس من أعمال القلوب إنما هو قول الانسان ~~بلسانه: ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا: تمنى. وليت كلمة تمن ومحال أن يقع ~~التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا: قد ~~تمنينا الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك. # فإن قيل: لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدقون أجيب: بأنه كم حكي عنهم ~~من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك ~~مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب الصرف ولم يبالوا ~~فكيف يمنعون من أن يقولوا إن التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه مع احتمال ~~أن يكونوا صادقين في قولهم وأخبارهم عن ضمائرهم وكان الرجل يخبر عن نفسه ~~بالإيمان فيصدق مع احتمال أن يكون كذبا لأنه أمر خفي لا سبيل إلى الاطلاع ~~عليه {وا عليم بالظالمين} أي: الكافرين فيجازيهم في ذلك فيه تهديد لهم ~~وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم ونفيه عمن هو لهم. # {ولتجدنهم} اللام لام القسم والنون تأكيد القسم تقديره: والله لتجدنهم يا ~~محمد # PageV01P078 # أي: اليهود {أحرص الناس على حياة} هو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى ~~مفعولين ومفعولاه هم أحرص. # فإن قيل: لم قال على حياة بالتنكير؟ أجيب: بأنه أريد حياة مخصوصة هي فرد ~~من أفرادها وهي الحياة المتطاولة {و} أحرص {من الذين أشركوا} أي: المنكرين ~~البعث عليها لعلمهم بأن مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم له. # فإن قيل: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ أجيب: ببلى، ولكنهم أفردوا ~~بالذكر؛ لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم؛ لأن الذين أشركوا لا يؤمنون ~~بعاقبة وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم ~~فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم ~~التوبيخ {يود} يتمنى {أحدهم لو يعمر ألف سنة} ms0128 لو مصدرية بمعنى أن وهي ~~بصلتها في تأويل مصدر مفعول، يود يقول الله تعالى: اليهود أحرص الناس على ~~الحياة من المجوس الذين يقولون ذلك؛ لأن تحية المجوس فيما بينهم عش ألف سنة ~~{وما هو} أي: أحدهم {بمزحزحه} أي: مبعده {من العذاب} أي: النار وقوله ~~تعالى: {أن يعمر} فاعل مزحزحه أي: تعميره {وا بصير بما يعملون} فيجازيهم ~~به. # «وسأل عبد الله بن صوريا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ينزل عليه؟ ~~فقال: جبريل فقال: ذاك عدونا عادانا مرارا وأشدها أنه لما نزل على نبينا ~~أخبرنا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر وأخبرنا بالحين الذي يجيء فيه فلما كان ~~وقته بعثنا رجلا من بني إسرائيل في طلبه ليقتله فانطلق حتى لقيه ببابل ~~غلاما مسكينا فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم ~~فلا يسلطكم عليه وإلا فيم تقتلونه وكبر بختنصر وقوي فنزل. # {قل} لهم {من كان عدوا لجبريل} . # روي أنه كان لعمر رضي الله تعالى عنه أرض بأعلى المدينة وكان ممره على ~~مدارس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا ~~لنطمع فيك فقال: والله ما أحبكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما ~~أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في ~~كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدو لنا يطلع محمدا على أسرارنا ~~وإنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام أي: السلامة، فقال ~~عمر: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ~~وبينهما عداوة فقال: لئن كان كما تقولون فليسا بعدوين أي: لقرب منزلتهما ~~عند الله ولأنتم أكفر من الحمير أي: لأن الكفر نتيجة الجهل والبلادة ~~والحمار مثل فيهما، ومن كان عدو أحدهما فهو عدو الله تعالى ثم رجع فوجد ~~جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقال ~~عليه الصلاة والسلام: «لقد وافقك ربك يا عمر» قال عمر: لقد رأيتني في دين ~~الله بعد ذلك ms0129 أصلب من الحجر. # وقال مقاتل: قالت اليهود إن جبريل عدونا؛ لأنه أمر أن يجعل النبوة فينا ~~فجعلها في غيرنا ومعنى جبريل عبد الله، فجبر هو الله وإيل هو العبد، وقرأ ~~حمزة والكسائي بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء مكسورة ممدودة أي: بعدها ~~ياء لفظية وقرأ شعبة كذلك إلا أنه حذف الياء بعد الهمزة وكسر الراء ~~والباقون بكسر الجيم والراء من غير همز بعد الراء إلا أن ابن كثير فتح ~~الجيم ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة {فإنه} أي: جبريل {نزله} أي: القرآن ~~ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لا # PageV01P079 # يسبق ذكره فيه. فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ~~ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته {على قلبك} يا محمد وقوله تعالى: ~~{بإذن الله} أي: بأمره حال من فاعل نزل {مصدقا} أي: موافقا {لما بين يديه} ~~لما قبله من الكتب {وهدى} من الضلالة {وبشرى} بالجنة {للمؤمنين} هذه أحوال ~~من مفعول نزل وجواب الشرط فإنه نزله والمعنى من عادى منهم جبريل فقد خلع ~~ربقة الإنصاف أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياك لنزوله عليك بالوحي؛ ~~لأنه نزل كتابا مصدقا للكتب المتقدمة فحذف الجواب وأقيم علته مقامه، أو من ~~عاداه فالسبب في عداوته أنه نزل عليك، وقيل: الجواب محذوف مثل فليمت غيظا ~~أو فهو عدو لي وأنا عدو له كما قال تعالى: # {من كان عدوا وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} ~~والمراد بمعاداة الله مخالفته عنادا أو معاداة المقربين من عباده وصدر ~~الكلام بذكره تعالى تفخيما لشأنهم كقوله تعالى: {وا ورسوله أحق أن يرضوه} ~~(التوبة، 62) . # فإن قيل: لم أفرد الملكين بالذكر مع دخولهما في الملائكة؟ أجيب: بأن ذلك ~~لفضلهما، فكأنهما من جنس آخر وهو مما ذكر أن التغاير في الوصف ينزل منزلة ~~التغاير في الذات وبأن المحاجة كانت فيهما والواو فيها بمعنى أو يعني من ~~كان عدوا لأحد هؤلاء؛ لأن الكافر بالواحد كافر بالكل، وقدم جبريل لشرفه، ~~وقدم الملائكة على الرسل كما قدم الله على ms0130 الجميع؛ لأن عداوة الرسل بسبب ~~نزول الكتب ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر الله فذكر الله ومن ~~بعده على هذا الترتيب، قرأ أبو عمرو وحفص ميكال بغير همز ولا ياء بين الألف ~~واللام وقرأ نافع بهمزة بعد الألف ولا ياء بعد الهمزة والباقون بهمزة بعد ~~الألف وياء وهم على مراتبهم في المد. ونزل في ابن صوريا لما «قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية أي زائدة فنتبعك» ~~. # {ولقد أنزلنا إليك} يا محمد {آيات بينات} واضحات مفصلات بالحلال والحرام ~~والحدود والأحكام {وما يكفر بها إلا الفاسقون} أي: المتمردون من الكفرة ~~والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على أعظميته كأنه متجاوز عن حده. # {أو كلما عاهدوا عهدا} الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف تقديره ~~أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا الله عهدا على الإيمان بالنبي أو إن خرج النبي ~~أن لا يعاونوا عليه المشركين وقوله تعالى {نبذه} أي: طرحه {فريق منهم} أي: ~~اليهود بنقضه جواب كلما وهو محل الاستفهام الانكاري وإنما قال فريق؛ لأن ~~بعضهم لم ينقض وقوله تعالى: {بل} للانتقال {أكثرهم لا يؤمنون} رد لما يتوهم ~~أن الفريق هم الأقلون. # وقوله تعالى: # {ولما جاءهم رسول من عند الله} هو محمد صلى الله عليه وسلم {مصدق لما ~~معهم} من التوراة {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله} أي: التوراة؛ ~~لأن كفرهم بالرسول المصدق لها كفر بها فيما يصدقه ونبذ لما فيها من وجوب ~~الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات وقيل: كتاب الله هو القرآن نبذوه بعدما ~~ألزمهم تلقيه بالقبول وقوله تعالى: {وراء ظهورهم} أي: لم يعملوا بما فيها ~~من الآيات بالرسل وغيره مثل لإعراضهم عنه بالكلية بالاعراض عما يرمي به ~~وراء الظهر لعدم الالتفات إليه {كأنهم لا يعلمون} ما فيها من أنه نبي حق أو ~~فيه شك يعني أن علمهم بذلك رصين ولكنهم كابروا وعاندوا. وعن سفيان # PageV01P080 # أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا ~~حرامه. # وقوله تعالى: {واتبعوا} عطف على نبذ ms0131 {ما تتلو} أي: ما تلت {الشياطين} ~~والعرب تضع المستقبل موضع الماضي والماضي موضع المستقبل، وقيل: ما كانت ~~تتلو أي تقرأ {على} عهد {ملك سليمان} من السحر وكانت دفنته تحت كرسيه لما ~~نزع ملكه فلم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوه وقالوا للناس: إنما ملككم ~~سليمان بهذا فتعلموه، فأما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا: معاذ الله ~~أن يكون هذا من علم سليمان عليه الصلاة والسلام، وأما سفلاؤهم فقالوا: هذا ~~علم سليمان وأقبلوا على تعلمه ورفضوا كتب أنبيائهم وبقيت الملامة لسليمان ~~فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عليه ~~براءة سليمان هذا قول الكلبي. # وقال السدي: كانت الشياطين تسترق السمع فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون ~~في الأرض من موت وغيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعون في كل كلمة سبعين ~~كذبة ويخبرونهم بها فاكتتب الناس ذلك وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم ~~الغيب، فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ودفنها تحت ~~كرسيه وقال: لا أسمع أن أحدا يقول: إن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه ~~فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب ~~وخلف من بعدهم خلف تمثل شيطان على صورة إنسان فأتى نفرا من بني إسرائيل ~~فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا؟ قالوا: نعم قال: فاحفروا تحت ~~الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان وأقام ناحية فقالوا: أدن فقال: لا ولكني ~~ههنا فإن لم تجدوه فاقتلوني وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من ~~الكرسي إلا احترق فحفروا وأخرجوا تلك الكتب قال الشيطان: إن سليمان كان ~~يضبط الجن والانس والشياطين والطير بهذا ثم طار الشيطان وفشا في الناس أن ~~سليمان كان ساحرا وأخذ بنو إسرائيل تلك الكتب فلذلك أكثر ما يوجد السحر في ~~اليهود، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم برأ الله سليمان من ذلك وأنزل ~~تكذيبا لمن زعم ذلك واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان {وما كفر ~~سليمان} إذ لم يعمل السحر ms0132 وعبر عنه بالكفر ليدل على أنه كفر إذا استحله أو ~~احتيج فيه إلى تقدم اعتقاد مكفر هذا مذهب الشافعي وعند أحمد يكفر مطلقا ~~{ولكن الشياطين} هم الذين {كفروا} باستعمال السحر وتدوينه، وقرأ ابن عامر ~~وحمزة والكسائي بكسر النون من ولكن مخففة ورفع نون الشياطين والباقون بنصب ~~النون من ولكن مشددة ونصب نون الشياطين {يعلمون الناس السحر} يقصدون به ~~إغواءهم وإضلالهم والجملة حال من ضمير كفروا. # تنبيه: السحر لغة صرف الشيء عن وجهه يقال: ما سحرك عن كذا أي: ما صرفك ~~عنه واصطلاحا مزاولة النفوس الخبيئة لأقوال وأفعال يترتب عليها أمور خارقة ~~للعادة. # واختلف فيه هل هو تخييل أو حقيقة؟ قال بالأول المعتزلة واستدلوا بقوله ~~تعالى: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} (طه، 66) وقال بالثاني أهل السنة ~~ويدل لذلك الكتاب والسنة الصحيحة، والساحر قد يأتي بفعل أو قول يتغير به ~~حال المسحور فيمرض أو يموت منه ويفرق به بين المرء وزوجه ويحرم تعليمه أو ~~تعلمه، قال إمام الحرمين: ولا يظهر السحر إلا على يد فاسق ولا تظهر # PageV01P081 # الكرامة على يد فاسق ويحرم أيضا تعليم أو تعلم الكهانة والتنجيم والضرب ~~بالرمل والحصى والشعير والشعبذة ويحرم إعطاء العوض أو أخذه عنها بالنص ~~الصريح في حلوان الكاهن والباقي بمعناه، والكاهن من يخبر بواسطة النجم عن ~~المغيبات في المستقبل بخلاف العراف فإنه الذي يخبر عن المغيبات الواقعة ~~كعين السارق ومكان المسروق والضالة قال في «الروضة» : ولا يغتر بجهالة من ~~يتعاطى الرمل وإن نسب إلى علم. # وأما الحديث الصحيح «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك» فمعناه ~~من علمتم موافقته له فلا بأس ونحن لا نعلم الموافقة فلا يجوز لنا ذلك. وقول ~~البيضاوي: وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات كالأدوية ~~أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم وتسميته سحرا على التجوز لما فيه من ~~الدقة؛ لأنه أي: السحر في الأصل أي: اللغة لما خفي سببه مردود بل هو مذموم ~~أي: حرام كما صرح به النووي في «الروضة» وغيرها، وقوله تعالى: ms0133 {وما أنزل ~~على الملكين} عطف على السحر أي: ويعلمونهم ما أنزل على الملكين وقيل: عطف ~~على ما تتلو أي: واتبعوا ما أنزل أي: ما ألهماه وتعلماه من السحر فالانزال ~~بمعنى الإلهام والتعليم. # قال البيضاوي: وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس ~~وتمييزا بينه وبين المعجزة. قال: وما روي أي: في كتب السير أنهما مثلا ~~بشرين وركب فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها زهرة فحملتهما على المعاصي ~~والشرك ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فمحكي عن اليهود ولعله من رموز ~~الأوائل وحله أي: الرمز أو ما روي لا يخفى على ذوي البصائر اه. # قال شيخنا شيخ الإسلام زكريا: بأن يقال عبر عن العقل والنفس المطمئنة ~~بالملكين وعن النفس الأمارة بالسوء بالزهرة وعن مفارقتها بالموت بالصعود ~~إلى السماء وقيل: هما رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما وقيل: ما أنزل نفي ~~معطوف على ما كفر تكذيبا لليهود في هذه القصة، وقد طول البغوي في هذه ~~القصة. واعتمد ما رده البيضاوي، وقال شيخنا المذكور عن شيخه ابن حجر إن لها ~~طرقا تفيد العلم بصحتها فقد رواها مرفوعة الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي ~~وغيرهم وموقوفة على علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم بأسانيد صحيحة ~~والبيضاوي لما استبعد ما روي ولم يطلع عليه، قال ولعله إلخ.. # وقوله تعالى: {ببابل} ظرف أو حال من الملكين أو الضمير في أنزل وهي بلد ~~في سواد العراق وقوله تعالى: {هاروت وماروت} بدل أو عطف بيان للملكين ومنع ~~صرفهما للعلمية والعجمة ومن جعل ما فيما أنزل نافية أبدل هاروت وماروت من ~~الشياطين بدل البعض وما بينهما اعتراض {وما يعلمان} أي: الملكان {من أحد} ~~أي: أحدا ومن صلة {حتى} ينصحاه و {يقولا} له {إنما نحن فتنة} أي: ابتلاء من ~~الله تعالى للناس لنمتحنهم بتعليمه وأصل الفتنة الاختبار والامتحان من ~~قولهم: فتنت الذهب والفضة إذا أذبتهما بالنار لتميز الجيد من الرديء، وإنما ~~وحد الفتنة لأنها مصدر والمصادر لا تثنى ولا تجمع {فلا تكفر} بتعليمه أي: ~~فلا تتعلمه معتقدا حله فتكفر على ms0134 ما تقدم، فإن أبى إلا التعليم علماه قيل: ~~إنهما يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر سبع مرات، قال عطاء والسدي فإن أبى ~~إلا التعليم؟ قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه فيخرج منه نور ساطع في ~~السماء فتلك المعرفة وينزل شيء أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه # PageV01P082 # وذلك غضب الله تعالى وعلى القول بأنهما رجلان فلا يعلمانه حتى يقولا له: ~~إنا مفتونان فلا تكن مثلنا {فيتعلمون منهما} الضمير لما دل عليه من أحد أي: ~~فيتعلم الناس من الملكين {ما} أي: سحرا {يفرقون به بين المرء وزوجه} بأن ~~يبغض كلا منهما في الآخر بسبب حيلة أو تمويه كالنفث في العقد ونحو ذلك مما ~~يحدث الله تعالى عنده الفراق ابتلاء منه لا أن السحر له أثر في نفسه بدليل ~~قوله تعالى: {وما هم} أي: السحرة {بضارين به} أي: السحر {من أحد} أي: أحدا ~~ومن صلة {إلا بأذن الله} أي: إرادته؛ لأن الأسباب غير مؤثرة بالذات بل ~~بإرادته تعالى: {ويتعلمون ما يضرهم} في الآخرة {ولا ينفعهم} وهو السحر؛ ~~لأنهم يقصدون به العمل أو لأن العلم يجر إلى العمل غالبا {ولقد} اللام لام ~~القسم {علموا} أي: اليهود {لمن} اللام لام الابتداء علقت علموا عن العمل ~~ومن موصولة {اشتراه} أي: استبدل ما # تتلوا الشياطين بكتاب الله تعالى {ما له في الآخرة من خلاق} أي: نصيب في ~~الجنة {ولبئس ما} أي: شيئا {شروا} أي: باعوا {به أنفسهم} أي: الشارين أي: ~~حظها من الآخرة أن يتعلموه حيث أوجب لهم النار {لو كانوا يعلمون} حقيقة ما ~~يصيرون إليه من العذاب ما تعلموه. # وقيل: معناه لو كانوا يعملون بعلمهم فإن من لم يعمل بما علم كان كمن لم ~~يعلم. # {س2ش103/ش105 ولو أنهمءامنوا? واتقوا لمثوبة من عند الله خير? لو كانوا? ~~يعلمون * يا?أيها الذينءامنوا? تقولوا? راعنا وقولوا? انظرنا واسمعوا?? ~~وللكافرين عذاب أليم * ما يود الذين كفروا? من أهل الكتاب والمشركين أن ~~ينزل عليكم من خير من ربكم? والله يختص برحمته? من يشآء? والله ذو الفضل ~~العظيم} # {ولو أنهم} أي: اليهود ms0135 {آمنوا} بالنبي والقرآن {واتقوا} عقاب الله بترك ~~معاصيه كنبذ كتاب الله تعالى واتباع السحر وجواب لو محذوف أي: لأثيبوا دل ~~عليه {لمثوبة} أي: ثواب وهو مبتدأ واللام فيه للقسم وقوله تعالى: {من عند ~~الله خير} خبره أي: خير مما اشتروا به أنفسهم {لو كانوا يعلمون} أن ثواب ~~الله تعالى خير لما آثروه عليه فجهلهم الله تعالى لترك التدبر والعمل ~~بالعلم. # {يأيها الذين آمنوا لا تقولوا} للنبي صلى الله عليه وسلم {راعنا} أمر من ~~المراعاة و «كانوا يقولون ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلما سمع اليهود ~~هذه اللفظة من المسلمين وكانت كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهو ~~راعنا قالوا فيما بينهم: كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا به الآن فكانوا يأتون ~~ويقولون: يا محمد راعنا وهم يعنون به تلك المسبة ويضحكون فيما بينهم فسمعها ~~سعد بن معاذ ففطن لها وكان يعرف لغتهم فقال لليهود: يا أعداء الله عليكم ~~لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأضربن عنقه فقالوا: أولستم تقولونها فأنزل الله تعالى ~~النهي عن ذلك لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأمروا بما هو في معناها وهو قوله تعالى: {وقولوا انظرنا} » أي: ~~انظر إلينا وقيل: اسمع منا قاله مجاهد وقيل: لا تعجل علينا قاله ابن زيد ~~{واسمعوا} ما تؤمرون به سماع قبول لا كسماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا ~~أو واسمعوا ما أمرتم به بجد حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قولكم: ~~راعنا {وللكافرين} أي: الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه ~~{عذاب أليم} أي: مؤلم وهو النار. # ونزل في تكذيب جمع من اليهود يظهرون مودة المؤمنين ويزعمون أنهم يودون ~~لهم الخير. # {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب} وقوله تعالى: {ولا المشركين} أي: من ~~العرب عطف على أهل الكتاب ومن للبيان؛ لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل ~~الكتاب والمشركون كقوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا ms0136 من أهل الكتاب ~~والمشركين} (البينة، 1) والمودة محبة الشيء مع تمنيه ولذلك # PageV01P083 # تستعمل في كل منهما {أن ينزل عليكم من خير من ربكم} فسر الخير بالوحي ~~والمعنى أنهم يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم من شيء منه وفسر بالعلم ~~والنصرة والمراد به ما يعم ذلك كما قاله البيضاوي: ومن الأولى مزيدة ~~للاستغراق ومن الثانية لابتداء الغاية {وا يختص برحمته} أي: بنبوته كما ~~قاله علي رضي الله تعالى عنه ومجاهد، أو بالإسلام كما قاله ابن عباس ومقاتل ~~{من يشاء} ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ولا يجب عليه شيء وليس لأحد عليه ~~حق {وا ذو الفضل} وهو ابتداء إحسانه بلا علة وقوله تعالى: {العظيم} فيه ~~إشعار بأن إتيان النبوة والاسلام من الفضل العظيم ويدل للأول قوله تعالى: ~~{إن فضله كان عليك كبيرا} (الإسراء، 87) . ولما طعن الكفار في النسخ ~~وقالوا: إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ما يقوله ~~إلا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما أخبر الله تعالى ~~بقوله: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر} ~~(النحل، 101) . # {ما ننسخ من آية} فبين وجه الحكمة في النسخ بهذه الآية والنسخ في اللغة ~~شيئان، أحدهما: بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب ~~إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ؛ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ، ~~والثاني: بمعنى الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي: ذهبت به وأبطلته فعلى هذا ~~يكون بعض القرآن ناسخا وبعضه منسوخا وهو المراد من الآية وهذا على وجوه: # أحدها: أن تثبت التلاوة وينسخ الحكم كآية الوصية للأقارب وآية عدة الوفاة ~~بالحول، والثاني: أن ترفع التلاوة ويبقى الحكم كآية الرحم والثالث: أن يرفع ~~الحكم والتلاوة كما روي: أن قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤوا سورة فلم ~~يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبروه فقال صلى الله عليه وسلم «تلك سورة رفعت بتلاوتها وأحكامها» ~~وقيل: كانت سورة ms0137 الأحزاب مثل سورة البقرة فرفع أكثرها تلاوة وحكما ثم من ~~نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه كما أن القبلة نسخت من بيت المقدس إلى ~~الكعبة، والوصية للأقارب نسخت بالميراث، وعدة الوفاة نسخت من الحول إلى ~~أربعة أشهر وعشر ومصابرة الواحد للعشرة بمصابرته للاثنين. قال البغوي: ~~والنسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهي دون الإخبار اه. # والنسخ اصطلاحا رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي ويفارق التخصيص بأن التخصيص ~~لا يرد إلا على متعدد وبأنه غير مشروط بالنص بخلاف النسخ فيهما وبأنه يفيد ~~عدم إرادة المخرج في الأصل والنسخ يفيد إرادة المنسوخ في الأصل لكن غير ~~مستمر. # وقرأ ابن عامر: ننسخ بضم النون الأولى وكسر السين من أنسخ أي: نأمرك أو ~~جبريل بنسخها والباقون بفتح النون والسين وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة به ~~على المفعولية {أو فنسأها} أي: نؤخرها فلا نزل حكمها ولا نرفع تلاوتها أو ~~نؤخرها في اللوح المحفوظ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح النون الأولى وفتح ~~السين وهمزة ساكنة بعد السين ولم يبدل هذه الهمزة أحد من السبعة وقرأ ~~الباقون بضم النون وكسر السين ولا همزة بعد السين أي: ننسها أي: نمحها من ~~قلبك، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه نتركها لا ننسخها قال الله تعالى: ~~{نسوا الله فنسيهم} (التوبة، 67) أي: تركوه فتركهم وجواب الشرط {نأت بخير ~~منها} أي: بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم وإن كان # PageV01P084 # كلام الله كله خيرا {أو مثلها} في التكليف والثواب والمنفعة وتكون الحكمة ~~في تبديلها بمثلها الاختبار {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} فيقدر على ~~النسخ والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير والآية دلت على جواز النسخ وتأخير ~~الإنزال؛ إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة وذلك؛ لأن ~~الأحكام شرعت والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلا من الله ورحمة ~~وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كأسباب المعاش، فإن النافع في عصر قد ~~يضر في غيره. # واحتج بها من منع النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل، ومن منع ms0138 نسخ الكتاب بالسنة ~~فإن الناسخ هو المأتي به بدلا والسنة ليست كذلك، قال البيضاوي: والكل ضعيف ~~إذ قد يكون عدم الحكم والأثقل أصلح والنسخ قد يعرف بغيره والسنة ما أتى به ~~الله واستدل بهذه الآية المعتزلة على حدوث القرآن فإن التغير والتفاوت من ~~لوازم الحدوث وأجاب أهل السنة بأنهما من عوارض الأمور المتعلق بها المعنى ~~القائم بالذات القديم لا من عوارض هذا المعنى. # وقوله تعالى: {ألم تعلم} هنا وفيما مر خطاب لمنكري النسخ فالهمزة للإنكار ~~وقيل: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته فالهمزة للتقرير {أن ~~الله له ملك السموات والأرض} يفعل فيهما ما يشاء ويحكم ما يريد فهو يملك ~~أموركم ويدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ~~ومنسوخ وهذا كالدليل على قوله: {إن الله على كل شيء قدير} أو على جواز ~~النسخ، ولذلك ترك العاطف {وما لكم من دون الله} أي: غيره {من ولي} أي: ولي ~~يحفظكم ومن صلة {ولا نصير} يمنع عنكم عذابه. وفرق بين الولي والنصير بأن ~~الولي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور فبينهما عموم ~~وخصوص من وجه. # ونزل لما سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يوسعها لهم وأن يجعل ~~الصفا ذهبا. # {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى} أي: سأله قومه {من قبل} أي: ~~من قولهم له {أرنا الله جهرة} (النساء، 153) وقيل قالوا له لن نؤمن لك حتى ~~تأتي بالله والملائكة قبيلا أو ائتنا بكتاب نقرؤه تنزله من السماء علينا ~~وفجر لنا أنهارا حتى نتبعك، وقال عبد الله بن أمية: لن نؤمن لك حتى تأتي ~~بكتاب فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية، أعلم أني أرسلت محمدا إلى ~~الناس. وأم إما معادلة للهمزة في ألم تعلم أي ألم تعلموا أنه مالك الأمور ~~قادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد وتقترحون بالسؤال كما اقترحت ~~اليهود على موسى عليه الصلاة والسلام، وإما منقطعة والمراد أن يوصيهم ~~بالثقة وترك الاقتراح عليه ms0139 {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} أي: يأخذه بدله بترك ~~النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها {فقد ضل سواء السبيل} أي: أخطأ ~~الطريق الحق والسواء في الأصل الوسط. وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار قد ~~عند الضاد حيث جاء، وأدغمها الباقون ونزل في نفر من اليهود قالوا لحذيفة بن ~~اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: لو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعا إلى ~~ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم فقال لهم عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: ~~شديد قال: فإني قد عاهدت الله أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت، ~~فقالت اليهود: أما هذا فقد صبا، وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله ربا ~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالاسلام دينا وبالقرآن # PageV01P085 # إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخبراه بذلك فقال: أصبتما الخير وأفلحتما» . # {ود} أي: تمنى {كثير من أهل الكتاب} من اليهود {لو يردونكم} أي: يردوكم ~~يا معشر المؤمنين فلو مصدرية بمعنى إن، فإن لو تنوب عن أن في المعنى دون ~~اللفظ {من بعد إيمانكم كفارا} مرتدين وقوله: {حسدا} مفعول له كائنا {من ~~عند} أي: من تلقاء {أنفسهم} أي: لم يأمرهم الله بذلك وإنما حملتهم عليه ~~أنفسهم الخبيثة {من بعدما تبين لهم} في التوراة {الحق} في شأن النبي محمد ~~صلى الله عليه وسلم {فاعفوا} عنهم أي: اتركوهم {واصفحوا} أي: أعرضوا عنهم ~~فلا تجازوهم وكان هذا قبل آية القتال، ولهذا قال تعالى: {حتى يأتي الله ~~بأمره} فيهم من القتال وقد أذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم. # وروي عن ابن عباس وابن مسعود أن هذا منسوخ بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون با ولا باليوم الآخر} الآية (التوبة، 29) ، وأبى النسخ جماعة من ~~المفسرين والفقهاء واحتجوا بأن الله تعالى لم يأمر بالعفو والصفح مطلقا ~~وإنما أمر به إلى غاية وما بعد الغاية يخالف ما قبلها وما هذا سبيله لا ~~يكون من باب النسخ بل يكون الأول قد انقضت مدته والآخر يحتاج إلى حكم ms0140 آخر ~~{إن الله على كل شيء قدير} فهو يقدر على الانتقام من الكفار: # وقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} عطف على قوله: فاعفوا كأنه ~~تعالى أمرهم بالصبر والمخالفة واللجوء إليه بالعبادة والبر {وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير} أي: طاعة كصلاة وصدقة {تجدوه} أي: ثوابه {عند الله} ~~فيجازيكم به {إن الله بما تعملون بصير} لا يضيع عنده عمل عامل. # {وقالوا} أي: كثير من أهل الكتاب من اليهود والنصارى {لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا} جمع هائد كعائد وعود {أو نصارى} قال ذلك يهود المدينة ونصارى ~~نجران لما تناظروا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أي قالت اليهود: لن ~~يدخل الجنة إلا اليهود ولا دين إلا دين اليهودية، وقالت النصارى: لن يدخل ~~الجنة إلا النصارى ولا دين إلا دين النصرانية، فجمع الله بين القولين ثقة ~~بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمنا من الالباس لما علم من التعادي بين ~~الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه ونحوه {تلك} أي: القولة {أمانيهم} ~~أي: شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله تعالى بغير حق {قل} لهم يا محمد ~~{هاتوا برهانكم} أي: حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة {إن كنتم صادقين} في ~~دعواكم إذ كل قول لا دليل عليه فهو غير صحيح وهذا متصل بقولهم: لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وتلك أمانيهم اعتراض وقوله تعالى: # {بلى} إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة {من أسلم وجهه} أي: انقاد ~~لأمره وخص الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة فغيره أولى {وهو محسن} في عمله ~~وقيل: مخلص وقيل: مؤمن {فله أجره} أي: ثواب عمله ثابتا {عند ربه} لا يضيع ~~ولا ينقص والجملة جواب من إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة والفاء فيها ~~لتضمنها معنى الشرط فيكون الرد بقوله: بلى وحده ويحسن الوقف عليه ويصح أن ~~يكون قوله: من أسلم فاعل فعل مقدر مثل بلى يدخلها من أسلم فلا يحسن الوقف ~~عليه ويصح أن يكون قوله فله أجره عند ربه كلاما معطوفا على يدخلها من ms0141 أسلم ~~{ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في الآخرة. # ولما قدم نصارى نجران # PageV01P086 # على النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت ~~أصواتهم، فقالت لهم اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى ~~والإنجيل وقالت النصارى لليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بموسى ~~والتوراة أنزل الله تعالى. # {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} أي: يعتد به وكفروا بعيسى والإنجيل ~~{وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} أي: يعتد به وكفروا بموسى والتوراة ~~{وهم} أي: الفريقان {يتلون الكتاب} أي: المنزل عليهم، وفي كتاب اليهود ~~تصديق عيسى، وفي كتاب النصارى تصديق موسى، والجملة حال وأل في الكتاب للجنس ~~أي: قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب {كذلك} أي: كما قال هؤلاء {قال ~~الذين لا يعلمون} كعبدة الأصنام، والمعطلة وهم الذين لا يثبتون الصانع ~~وقوله تعالى: {مثل قولهم} بيان لمعنى ذلك أي: قال كل ذي دين ليسوا على شيء ~~وبخهم الله تعالى على المكابرة والتشبه بالجهال. # فإن قيل: لم وبخهم وقد صدقوا فإن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء أجيب: ~~بأنهم لم يقصدوا ذلك وإنما قصد به كل فريق إبطال دين الآخر من أصله والكفر ~~بنبيه وكتابه كما مر، مع أن ما لم ينسخ حق واجب القبول والعمل به. # تنبيه: إذا وقف حمزة وهشام على شيء فلهما أربعة وجوه: السكون، والروم، ~~والادغام، والروم معه وسكن حمزة قبل الهمزة بخلاف عن خلاد في الوصل وأدغم ~~أبو عمرو الكاف في القاف بخلاف عنه {فا يحكم بينهم} أي: بين الفرق الثلاثة ~~وهم: اليهود والنصارى والذين لا يعلمون {يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون} من أمر الدين فيقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه، وعن ~~الحسن حكم الله بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار. وقرأ أبو عمرو يحكم بسكون ~~الميم عند الباء والاخفاء بخلاف عنه. # {ومن أظلم} أي: لا أحد أظلم {ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} ~~بالصلاة والتسبيح {وسعى في خرابها} بالهدم أو التعطيل هذا عام لكل من خرب ms0142 ~~مسجدا أو سعى في تعطيله وإن نزل في أهل الروم الذين خربوا بيت المقدس ~~وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير فكان خرابا إلى أن بناه المسلمون في ~~أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أو في المشركين لما صدوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم عام الحديبية عن البيت. # فإن قيل: قد قال مساجد الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو ~~بيت المقدس أو المسجد الحرام أجيب: بأنه لا يمنع أن يجيء الحكم عاما وإن ~~كان السبب خاصا كما تقول لمن آذى صالحا ومن أظلم ممن آذى الصالحين وكما قال ~~الله تعالى: {ويل لكل همزة لمزة} (الهمزة، 1) والمنزول فيه الأخنس بن شريق ~~{أولئك} أي: المانعون {ما كان لهم أن يدخلوها} أي: مساجد الله {إلا خائفين} ~~أي: على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن ~~يستولوا عليها أو يخربوها أو يمنع النبي صلى الله عليه وسلم عنها وقال ~~قتادة: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا انهمك ضربا وأبلغ إليه في ~~العقوبة. وروي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكرا مسارقة ~~وقيل: «نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك ~~ولا يطوفن بالبيت عريان» وقيل: إن هذا خبر بمعنى الأمر أي أخيفوهم بالجهاد ~~فلا يدخلها أحد آمنا. # واختلف في جواز دخول الكافر المسجد، فجوزه أبو حنيفة ومنعه مالك، وفرق # PageV01P087 # الشافعي بين المسجد الحرام وغيره فمنع من الأول، وجوز في الثاني بشرط إذن ~~المسلم والحاجة، وغلظ ورش اللام من أظلم بعد الظاء {لهم في الدنيا خزي} أي: ~~هوان بالقتل والسبي والجزية {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} بكفرهم وظلمهم وهو ~~النار. # ونزل لما عيرت اليهود المؤمنين في نسخ القبلة وقالوا: ليست لهم قبلة ~~معلومة فتارة يستقبلون هذا وتارة هذا كما قاله عكرمة أو في صلاة النافلة ~~على الراحلة في السفر حيثما توجهت به راحلته كما قاله ابن عمر. # {ولله المشرق والمغرب} أي: ناحيتا الأرض أي: له الأرض كلها ms0143 لا يختص به ~~مكان دون مكان فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام والأقصى فقد جعلت لكم ~~الأرض كلها مسجدا {فأينما تولوا} وجوهكم أي جهة وهو الصدر في الصلاة {فثم} ~~أي: هناك {وجه الله} أي: قبلته كما قاله مجاهد، وقال الكلبي: فثم الله يعلم ~~ويرى والوجه صلة كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} (القصص، 88) أي: إلا ~~هو {إن الله واسع} أي: غني يعطي من السعة يسع فضله كل شيء {عليم} بتدبير ~~خلقه. # ونزل لما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، ~~وقال مشركو العرب: الملائكة بنات الله. # {وقالوا اتخذ الله ولدا} فقال الله تعالى ردا عليهم: {سبحانه} تنزيها له ~~عن ذلك فإنه يقتضي التشبيه والحاجة وسرعة الفناء وقرأ ابن عامر قالوا: بغير ~~واو قبل القاف والباقون بالواو وقبل القاف {بل له ما في السموات والأرض} ~~ملكا وخلقا ومن جملة ذلك العزير والمسيح والملائكة والملكية تنافي الولدية ~~وعبر بما تغليبا لما لا يعقل لكثرته {كل له قانتون} أي: منقادون كل بما ~~يراد منه لا يمتنعون عن مشيئته وتكوينه وفي ذلك تغليب للعاقل لشرفه والآية ~~مشعرة على فساد ما قالوه من ثلاثة أوجه الأول: قوله: سبحانه والثاني: قوله: ~~بل له ما في السموات والأرض والثالث: كل له قانتون واحتج بها الفقهاء على ~~أن من ملك ولده عتق عليه؛ لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك وذلك يقتضي ~~تنافيهما. # {بديع السموات والأرض} أي: موجدهما لا على مثال سبق وهذا وجه رابع يشعر ~~بفساد ما قالوه أيضا؛ لأن الوالد عنصر الولد المنفصل بانفصال مادته عنه ~~والله سبحانه وتعالى مبدع الأشياء كلها فاعل على الإطلاق منزه عن الصفات ~~فلا يكون والدا {وإذا قضى أمرا} أي: أراد إيجاد شيء وأصل القضاء إتمام ~~الشيء قولا كان كقوله تعالى: {وقضى ربك} (الإسراء، 23) أو فعلا كقوله ~~تعالى: {فقضاهن سبع سموات} (فصلت، 12) وأطلق على تعليق الارادة الإلهية ~~وجود الشيء من حيث أنه يوجبه {فإنما يقول له كن فيكون} وهذا مجاز من الكلام ~~وتمثيل وإنما المعنى أن ما ms0144 قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يكون ويدخل تحت ~~الوجود من غير امتناع ولا توقف كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا ~~يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء، وفيه تقرير لمعنى الإبداع دائما وهذا ~~وجه خامس يشعر بفساد ما قالوه أيضا؛ لأن اتخاذ الولد مما يكون بأطوار ومهلة ~~وفعله تعالى مستغن عن ذلك، وقرأ ابن عامر بنصب النون: من يكون جوابا للأمر ~~والباقون بالرفع على معنى فهو يكون. # فإن قيل: المعدوم لا يخاطب أجيب: بأنه لما قدر وجوده وهو كائن لا محالة ~~كان كالموجود فصح خطابه. # {وقال الذين لا يعلمون} للنبي صلى الله عليه وسلم وهم اليهود كما قاله ~~ابن عباس أو النصارى كما قاله مجاهد أو مشركو العرب كما قاله # PageV01P088 # قتادة ونفى عنهم العلم؛ لأنهم لم يعملوا به {لولا} أي: هلا {يكلمنا الله} ~~كما يكلم الملائكة أو يوحى إلينا بأنك رسوله {أو تأتينا آية} أي: علامة مما ~~اقترحناه على صدقك {كذلك} أي: كما قال هؤلاء: {قال الذين من قبلهم} من كفار ~~الأمم الماضية لأنبيائهم {مثل قولهم} من التعنت وطلب الآيات فقالوا: أرنا ~~الله جهرة وهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء {تشابهت قلوبهم} ~~أي: قلوب هؤلاء ومن قبلهم في الكفر والعناد، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} الحقائق ولا يعتريهم شبهة ولا ~~عناد. وفيه إشارة إلى أنهم قالوا ذلك لا لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد يقين ~~وإنما قالوه عتوا وعنادا. # {إنا أرسلناك} يا محمد {بالحق} أي: القرآن كما قاله ابن عباس كما قال ~~تعالى: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم} (ق، 5) أو الاسلام وشرائعه كما قاله ابن ~~كيسان قال تعالى: {وقل جاء الحق} (الإسراء، 81) {بشيرا} أي: مبشرا من أجاب ~~إلى ذلك بالجنة {ونذيرا} أي: منذرا من لم يجب إليه بالنار أي: إنما ~~أرسلناك؛ لأن تبشر وتنذر لا لتجبر الناس على الإيمان وهذه تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر ms0145 ~~{ولا تسئل عن أصحاب الجحيم} أي: النار وهم الكفار ما لهم لم يؤمنوا بعد أن ~~بينت وبلغت جهدك في دعوتهم كقوله تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} ~~(الرعد، 40) وقرأ نافع: تسأل بفتح التاء وسكون اللام على النهي. # قال عطاء عن ابن عباس: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: ~~«ليت شعري ما فعل أبواي» فنزلت هذه الآية فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة ~~والاهتمام بأعداء الله تعالى لكن الخبر ضعيف والمختار أنها نزلت في كفار ~~أهل الكتاب، وقرأ الباقون بضم التاء واللام على النفي أي: ولست بمسؤول عنهم ~~كما قال تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} (الرعد، 40) . # {س2ش120/ش124 ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم? قل إن هدى ~~الله هو الهدى? ولئن اتبعت أهوآءهم بعد الذي جآءك من العلم? ما لك من الله ~~من ولي ونصير * الذينءاتيناهم الكتاب يتلونه? حق ت وته? أو?لا?ئك يؤمنون ~~به?? ومن يكفر به? فأو?لا???ك هم الخاسرون * يابنى? إسرا?ءيل اذكروا? نعمتى ~~التى? أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين * واتقوا? يوما s تجزى نفس عن ~~نفس شيئا ويقبل منها عدل وتنفعها شفاعة وهم ينصرون * وإذ ابتلى? إبراه?م ~~ربه? بكلمات فأتمهن? قال إنى جاعلك للناس إماما? قال ومن ذريتى? قال ينال ~~عهدي الظالمين} # {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} أي: دينهم أي: لن ترضى ~~عنك اليهود إلا باليهودية ولا النصارى إلا بالنصرانية. وفي هذا مبالغة في ~~إقناطه صلى الله عليه وسلم عن اسلامهم وذلك أنهم كانوا يسألونه الهدنة ~~ويطمعونه أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله تعالى هذه الآية. فإنهم إذا لم ~~يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم فكيف يتبعون ملته؟ قال البيضاوي: ولعلهم قالوا ~~مثل ذلك فحكى الله تعالى ذلك عنهم ولذلك قال: {قل} تعليما للجواب {إن هدى ~~الله} الذي هو الإسلام {هو الهدى} أي: هو الذي يصح أن يسمى هدى وهو الهدى ~~كله ليس وراءه هدى وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدي إنما هو أهواء ألا ترى ~~إلى قوله تعالى: ms0146 {ولئن} اللام لام القسم {اتبعت أهواءهم} أي: آراءهم ~~الزائغة التي يدعونك إليها الخطاب معه صلى الله عليه وسلم والمراد منه أمته ~~كقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} (الزمر، 65) {بعد الذي جاءك من ~~العلم} أي: من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة {ما لك من الله من ~~ولي} يحفظك {ولا نصير} يمنعك منه. # ونزل في جماعة من أهل الكتاب قدموا من الحبشة وأسلموا. # {الذين آتيناهم الكتاب} وهو مبتدأ {يتلونه حق تلاوته} أي: يعرفونه كما ~~أنزل لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والجملة ~~حال مقدرة وحق نصب على المصدر والخبر {أولئك يؤمنون به} أي: بكتابهم دون ~~المحرفين {ومن يكفر به} أي: بالكتاب المؤتى بأن يحرفه {فأولئك # PageV01P089 # هم الخاسرون} لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم. ولما صدر قصة بني إسرائيل ~~بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها والحذر عن إضاعتها والخوف من الساعة ~~وأحوالها في قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأوفوا بعهدي} (البقرة، 40) إلخ.. كرر ذلك بقوله تعالى: # {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ~~العالمين} أي: عالمي زمانهم. # {واتقوا} أي: خافوا {يوما لا تجزى} أي: لا تغني {نفس عن نفس} فيه {شيئا ~~ولا يقبل منها عدل} أي: فداء {ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون} أي: يمنعون ~~من عذاب الله وختم بالمكرر الكلام معهم مبالغة في النصح. # تنبيه: اتفق القراء على قراءة يقبل هنا بالياء على التذكير. # {و} اذكر {إذ ابتلى} أي: اختبر {إبراهيم ربه بكلمات} أي: بأوامر ونواه ~~وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء لأنه عالم بهم ولكن ليعلم ~~العباد أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضا. واختلفوا في الكلمات التي ابتلى الله ~~تعالى بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال عكرمة عن ابن عباس: هي ثلاثون ~~من شرائع الإسلام: عشر في براءة {التائبون العابدون} (التوبة، 112) إلخ.. ~~وعشر في الأحزاب، {إن المسلمين والمسلمات} (الأحزاب، 35) إلخ.. وعشر في ~~المؤمنين إلى قوله: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} (المؤمنون، 9) وفي سأل ~~سائل إلى قوله تعالى: ms0147 {والذين هم بشهاداتهم قائمون} (المعارج، 33) . # وقال طاووس عن ابن عباس: ابتلاه الله تعالى بعشرة أشياء هي: الفطرة خمس ~~في الرأس أي الشامل للوجه قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق ~~الرأس، وخمس في الجسد تقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان ~~والاستنجاء بالماء، وفي الخبر: «أن إبراهيم أول من قص الشارب وأول من اختتن ~~وأول من قلم الأظافر وأول من رأى الشيب، فلما رآه قال: يا رب ما هذا؟ قال: ~~الوقار قال: «يا رب زدني وقارا» وقال قتادة: هي مناسك الحج أي فرائضه وسننه ~~كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرهن، وقال الحسن: ابتلاءه ~~بالكواكب والقمر والشمس فأحسن فيها النظر وعلم أن ربه دائم لا يزول وبالنار ~~فصبر عليها. وبالختان وبذبح ولده وبالهجرة فصبر عليها وقال مجاهد: هي ~~الآيات التي بعدها في قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماما} إلى آخر القصة. # وقرأ ابن عامر إبراهام بفتح الهاء وألف بعدها جميع ما في هذه السورة وهي ~~خمسة عشر حرفا، وفي النساء ثلاثة أحرف وهي الأخيرة، وفي الأنعام الحرف ~~الأخير، وفي التوبة الحرفان الأخيران، وفي إبراهيم حرف، وفي النحل حرفان، ~~وفي مريم ثلاثة أحرف، وفي العنكبوت حرف، وفي الشورى حرف، وفي الذاريات حرف، ~~وفي النجم حرف وفي الحديد، حرف، وفي الممتحنة الحرف الأول، فذلك ثلاثة ~~وثلاثون حرفا، وقرأ ابن ذكوان في البقرة خاصة بالوجهين. # وإبراهيم اسم أعجمي ولذلك كان غير منصرف وهو ابن آزر كما في سورة الأنعام ~~وكان مولده بالسوس من أرض الأهواز وقيل: بابل وقيل: حران ولكن نقله أبوه ~~إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان، والضمير في ربه لإبراهيم وحسن لتقدمه لفظا ~~وإن تأخر رتبة، لأن الشرط تقدمه لفظا أو رتبة {فأتمهن} أي: أداهن تامات ~~وقام بها حق القيام لقوله: {وإبراهيم الذي وفى} (النجم، 37) {قال إني جاعلك ~~للناس إماما} يقتدى بك في الخير وجاعل من جعل الذي له مفعولان، والإمام اسم ~~من يؤتم به وإمامة إبراهيم عامة مؤبدة؛ إذ لم يبعث من بعده نبي إلا كان من ~~ذريته مأمورا # PageV01P090 # باتباعه {قال} إبراهيم ms0148 صلى الله عليه وسلم {ومن ذريتي} أي: أولادي أجعل ~~أئمة يقتدى بهم في الخير {قال} الله تعالى: {لا ينال} أي: لا يصيب {عهدي} ~~بالإمامة {الظالمين} منهم ففي ذلك إجابة إلى مطلوبه. # وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة وإنهم لا ينالون الإمامة؛ لأنها ~~إمامة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة ~~والأتقياء منهم وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوة وأن ~~الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب ~~طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة، وقرأ حفص وحمزة عهدي بسكون الياء ~~وفتحها الباقون، ومن سكن الياء أسقطها في الوصل لفظا لالتقاء الساكنين. # {و} اذكر {إذ جعلنا البيت} أي: الكعبة غلب عليها كالنجم على الثريا وأدغم ~~أبو عمرو وهشام ذال إذ في الجيم وأظهرها الباقون {مثابة} أي: مرجعا {للناس} ~~من الحجاج والعمار وغيرهم يثوبون إليه من كل جانب {وأمنا} أي: مأمنا لهم من ~~الظلم وإيذاء المشركين والإغارة الواقعة في غيره قال تعالى: {أولم يروا أنا ~~جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} (العنكبوت، 67) كان الجاني يأوي ~~إليه فلا يتعرض له حتى يخرج وهذا على طريق الحكم لا على وجه الخبر فقط، فلا ~~ينافي ذلك الوقوع، قال القاضي أبو يعلى وصف البيت بالأمن والمراد جميع ~~الحرم كما قال تعالى: {هديا بالغ الكعبة} (المائدة، 95) والمراد الحرم كله؛ ~~لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام {واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى} وهذا أمر استحباب ومقامه الحجر وهو بفتح الحاء والجيم الذي فيه أثر ~~قدميه كان يقوم عليه عند بناء البيت أو عند دعاء الناس إلى الحج وهو موضعه ~~اليوم. # روي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ بيد عمر فقال: «هذا مقام إبراهيم فقال ~~عمر: أفلا نتخذه مصلى؟ فقال: لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت» وعن ابن ~~عباس أنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: وافقت الله تعالى في ~~ثلاث، ووافقني ربي في ثلاث فقلت: يا ms0149 رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر لو ~~أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب وقال: وبلغني ~~معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن وقلت لهن: إن ~~انتهيتن أو ليبدلن الله تعالى لرسوله خيرا منكن فأنزل الله تعالى {عسى ربه ~~إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} (التحريم، 5) . # وفي الخبر الركن والمقام يا قوتتان من يواقيت الجنة ولولا ما مسهما من ~~أيدي المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب» وقيل: المراد باتخذوا إلخ.. ~~الأمر بركعتي الطواف لما روى جابر «أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من ~~طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى» ، وللشافعي في وجوبهما قولان أرجحهما عدم الوجوب وقيل: مقام إبراهيم ~~الحرم كله وقيل: مواقف الحج واتخاذها مصلى أن يدعى فيها ويتقرب إلى الله ~~تعالى. # تنبيه: من في {من مقام إبراهيم} للتبعيض. # وقيل: بمعنى في وقيل زائدة وقرأ نافع وابن عامر واتخذوا بفتح الخاء بلفظ ~~الماضي عطفا على جعلنا أي: واتخذ الناس من مقام إبراهيم مصلى والباقون ~~بكسرها بلفظ الأمر {وعهدنا} أي: أمرنا {إلى إبراهيم وإسمعيل} قيل: سمي به؛ ~~لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولدا ويقول: اسمع يا إيل، وإيل هو الله ~~فلما رزق الولد سماه به {أن} أي: بأن {طهرا بيتي} # PageV01P091 # من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به أو أخلصاه {للطائفين} حوله ~~{والعاكفين} المقيمين عنده أو المعتكفين فيه {والركع السجود} جمع راكع ~~وساجد وهم المصلون وقرأ نافع وهشام وحفص بيتي بفتح الياء والباقون بالسكون. # {و} اذكر {إذ قال إبراهيم رب اجعل} هذا أي مكة أو الحرام {بلدا آمنا} أي: ~~ذا آمن كقوله تعالى: {في عيشة راضية} (القارعة، 7) أو آمنا أهله كقول ~~القائل ليل نائم {وارزق أهله من الثمرات} إنما دعا بذلك؛ لأنه كان بواد غير ~~ذي زرع. وفي القصص أن الطائف كانت من مدائن الشام بأردن فلما دعا إبراهيم ~~هذا الدعاء ms0150 أمر الله تعالى جبريل عليه الصلاة والسلام حتى قطعها من أصلها ~~وأدارها حول البيت سبعا ثم وضعها موضعها الآن فمنها أكثر ثمرات مكة. # وقوله تعالى: {من آمن منهم با واليوم الآخر} بدل من أهله قاس إبراهيم ~~صلوات الله وسلامه عليه الرزق على الإمامة حيث قيده بالمؤمن كما قيدت به ~~{قال} تعالى: {و} أرزق {من كفر} لأن الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر ~~بخلاف الإمامة والتقدم في الدين {فأمتعه} في الدنيا بالرزق. # وقرأ ابن عامر بسكون الميم وتخفيف التاء والباقون بفتح الميم وتشديد ~~التاء، وأما الهمزة بعد الألف فالجميع اتفقوا على ضمها {قليلا} أي: مدة ~~حياته والكفر وإن لم يكن يسبب التمتع لكنه يسبب تقليله بأن يجعله مقصورا ~~بحظوظ الدنيا غير متوصل به إلى نيل الثواب ولذلك عطف عليه {ثم أضطره} أي: ~~ألجئه في الآخرة {إلى عذاب النار} فلا يجد عنها محيصا {وبئس المصير} أي: ~~المرجع والمخصوص بالذم محذوف وهو العذاب قال مجاهد: وجد عند المقام أنا ~~الله ذو بكة أي: صاحبها صنعتها يوم خلقت الشمس والقمر وحرمتها يوم خلقت ~~السموات والأرض وحففتها بسبعة أملاك حنفاء يأتيها رزقها مباركة لأهلها في ~~اللحم والماء. # {و} اذكر {إذ يرفع إبراهيم القواعد} أي: الأسس والجدر {من البيت} حكاية ~~حال ماضية كأنه قال إذ كان يرفع. # فإن قلت: وأي فرق بين العبارتين؟ أجيب: بأن في إبهام القواعد وتبيينها ~~بعد الإبهام ما ليس في إضافتها لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم شأن ~~المبين، وقوله تعالى: {وإسمعيل} عطف على إبراهيم يقولان يا {ربنا تقبل منا} ~~بناءنا {إنك أنت السميع} للقول فتسمع دعاءنا {العليم} بالفعل فتعلم ~~بنياتنا. # روت الرواة أن الله تعالى خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام فكانت زبدة ~~بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها فلما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض ~~استوحش فشكا إلى الله تعالى فأنزل الله تعالى البيت المعمور من ياقوتة من ~~يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر باب شرقي وباب غربي فوضعه على موضع ~~البيت وقال: يا آدم إني ms0151 أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي وتصلي ~~عنده كما يصلى حول عرشي وأنزل الحجر الأسود وكان أبيض فاسود من لمس الحيض ~~في الجاهلية فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشيا وقيض الله تعالى له ملكا ~~يدله على البيت فحج البيت وأقام المناسك. # قال ابن عباس: حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه فكان على ~~ذلك إلى أيام الطوفان فرفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة يدخله كل يوم ~~سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه وبعث جبريل حتى خبأ الحجر الأسود ~~في # PageV01P092 # جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم ~~ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم بعدما ولد له إسمعيل وإسحق ببناء بيت يذكر ~~فيه اسمه تعالى فسأل الله عز وجل أن يبين له موضعه، قال ابن عباس فبعث الله ~~له سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وافت به ~~مكة ووقفت على موضع البيت فنودي منها إبراهيم أن ابن على ظلها ولا تزد ولا ~~تنقص وقيل: أرسل الله تعالى جبريل ليدله على موضع البيت فذلك قوله تعالى: ~~{وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} (الحج، 26) . # فبنى إبراهيم وإسمعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه وإسمعيل يناوله الحجارة ~~ولما كان له مدخل في البناء عطف عليه وقيل: كانا يبنيان في طرفين أو على ~~التناوب. قال ابن عباس: بني البيت من خمسة أجبل: طور سيناء، وطور زيتا، ~~ولبنان وهو جبل بالشأم، والجودي وهو جبل بالجزيرة، وبنيا قواعده من جبل ~~حراء وهو جبل بمكة، فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسمعيل: ~~ائتني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه بحجر فقال: ائتني بأحسن من هذا فمضى ~~إسمعيل يطلبه فصاح أبو قبيس: يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها فأخذ الحجر ~~الأسود فوضعه مكانه. وقيل: أول من بنى الكعبة آدم ثم اندرس من الطوفان ثم ~~أظهره الله تعالى لإبراهيم حتى بناه وقيل: بنته الملائكة قبل آدم وقد بني ms0152 ~~إلى يومنا هذا سبع مرات: المرة الأولى هل كان الباني الملائكة أو آدم؟ ثم ~~إبراهيم ثم العمالقة ثم جرهم ثم قريش وقد حضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا ~~البناء وكان ينقل معهم الحجارة ثم ابن الزبير في خلافته ثم الحجاج الثقفي ~~وهو الموجود اليوم. # {ربنا واجعلنا مسلمين} أي: منقادين مخلصين خاضعين {لك} والمراد طلب ~~الزيادة في الإخلاص والإذعان {و} اجعل {من ذريتنا} أي: أولادنا {أمة} أي: ~~جماعة {مسلمة} خاضعة منقادة {لك} ومن للتبعيض أي: واجعل بعض ذريتنا وإنما ~~خصا الذرية بالدعاء؛ لأنهم أحق بالشفقة؛ ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح ~~بهم الأتباع. # ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف ~~يتسببون لسداد من وراءهم وخصا بعضهم لتقدم قوله تعالى: {لا ينال عهدي ~~الظالمين} (البقرة، 124) فعلما أن في ذريتهما ظلمة وأن الحكمة الإلهية لا ~~تقتضي اتفاق الناس كلهم على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى فإنه ~~مما يشوش المعاش، ولذلك قيل: لولا الحمقى الذين صرفوا أنفسهم إلى الدنيا، ~~لخربت الدنيا ويصح أن تكون من للتبيين كقوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا ~~منكم} (النور، 55) قدم على المبين وفصل به بين العاطف وهو واو ومن والمعطوف ~~وهو أمة كما في قوله تعالى: {خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} (الطلاق، 12) ~~وقيل: أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم # {وأرنا} علمنا {مناسكنا} شرائع ديننا وإعلام حجنا، والنسك في الأصل غاية ~~العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن المعتاد كالصيد والتمتع ~~باللباس وغيره، والناسك العابد فأجاب الله تعالى دعاءهما وبعث لهما جبريل ~~عليه السلام فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال: عرفت يا ~~إبراهيم قال: نعم فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات، وقرأ ابن كثير والسوسي ~~أرنا بسكون الراء وقرأ الدوري عن أبي عمرو باختلاس حركة والراء والباقون ~~بالحركة الكاملة {وتب علينا} سأله التوبة مع عصمتهما هضما لأنفسهما # PageV01P093 # وإرشادا لذريتهما أو لما سلف منهما سهوا قبل النبوة {إنك أنت التواب} لمن ~~تاب {الرحيم} به. # {ربنا وابعث ms0153 فيهم} أي: الأمة المسلمة من ذرية إبراهيم وإسمعيل {رسولا ~~منهم} أي: من أنفسهم. # روي أنه قيل له: قد استجيب لك وهو في آخر الزمان، فبعث الله فيهم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إذ لم يبعث من ذريتهما غير محمد صلى الله عليه وسلم إذ ~~لم يأت نبي من ولد إسمعيل إلا النبي صلى الله عليه وسلم والكل من ولد إسحق، ~~فهو المجاب به دعوتهما كما قال عليه الصلاة والسلام: «إني عند الله مكتوب ~~خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري أنا دعوة أبي ~~إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاءت ~~له قصور الشام» وأراد بدعوة إبراهيم هذا. # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا ~~عشرة: نوح وهود وشعيب وصالح ولوط وإبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم وعليهم أجمعين {يتلو} أي: يقرأ {عليهم آياتك} القرآن ~~ويبلغهم ما يوحى إليه من دلائل التوحيد والنبوة {ويعلمهم الكتاب} أي: ~~القرآن {والحكمة} أي: ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام، وقال ابن ~~قتيبة: هي العلم والعمل ولا يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما. # وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح ~~فهي حكمة، وقيل: هي فهم القرآن، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: السنة ~~{ويزكيهم} أي: يطهرهم من الشرك وقيل: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذ ~~اشهدوا هم للأنبياء بالتبليغ والتعديل {إنك أنت العزيز} الذي لا يقهر ولا ~~يغلب على ما يريد، وقيل: هو الذي لا يوجد مثله وقيل: هو المنيع الذي لا ~~تناله الأيدي ولا يصل إليه شيء {الحكيم} في صنعه. # {ومن} أي: لا {يرغب} أحد {عن ملة إبراهيم} فيتركها لظهورها ووضوحها {إلا ~~من سفه نفسه} أي: جهل أنها مخلوقة لله تعالى يجب عليه عبادته، وذلك أن عبد ~~الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما ~~أن الله عز وجل قال في التوراة: ms0154 إني باعث من ولد إسمعيل نبيا اسمه أحمد، ~~فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن ~~يسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله البيضاوي وغيره. # قال السيوطي: لم أقف على ذلك في شيء من كتب الحديث ولا التفاسير المسندة ~~والمثبت مقدم على غيره وقد جاء: من عرف نفسه فقد عرف ربه. وفي الأخبار أن ~~الله أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام: اعرف نفسك واعرفني فقال: يا رب ~~كيف أعرف نفسي وأعرفك؟ فأوحى الله تعالى إليه: اعرف نفسك بالضعف والعجز ~~والفناء واعرفني بالقوة والبقاء، وهذا معنى من عرف نفسه فقد عرف ربه {ولقد ~~اصطفيناه} أي: اخترناه {في الدنيا} بالرسالة والخلة {وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين} الذين لهم الدرجات العلا وفي هذا حجة وبيان لخطأ من رغب عن ملته؛ ~~لأن من جمع الكرامة عند الله في الدارين وكان مشهودا له بالاستقامة والصلاح ~~يوم القيامة كان حقيقا بالاتباع لا يرغب عنه إلا سفيه أو متسفه أذل نفسه ~~بالجهل والإعراض عن النظر. # تنبيه: قال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديره ولقد اصطفيناه ~~في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. # وقوله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} إما ظرف # PageV01P094 # لاصطفيناه أي: اخترناه في ذلك الوقت، وإما منصوب بإضمار أذكر كأنه قال: ~~اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم وأنه نال ~~ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين دعاه ربه فكأنه قال له كما ~~قال عطاء: أسلم نفسك إلى الله عز وجل وفوض أمرك إليه قال: أسلمت أي: فوضت، ~~قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من ~~الملائكة حين ألقي في النار. # {ووصى بها} أي: بالملة المتقدم ذكرها أو بأسلمت على تأويل الكلمة أو ~~الجملة وقيل: بكلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله، وقرأ نافع وابن عامر ~~وأوصى بسكون الواو الثانية وهمزة مفتوحة بين الواوين، والباقون بواوين ~~مفتوحتين ولا همزة بينهما وهذا ms0155 أبلغ قال الزجاج: لأن أوصى يصدق بالمرة ~~الواحدة، ووصى لا يكون إلا لمرات كثيرة، وأمال ورش بين بين، وحمزة والكسائي ~~محضة، والباقون بالفتح. # وقوله تعالى: {إبراهيم بنيه} قال مقاتل: وهم أربعة: إسمعيل وإسحق ومدين ~~ومدان، وقد ذكر غير مقاتل أنهم ثمانية وقيل: أربعة عشر {و} وصى بها أيضا ~~{يعقوب} بنيه وهم اثنا عشر: روبيل وشمعون ولاوا ويهوذا ويشنيوخور وزبويلون ~~وودان ويفتوني وكودا وأوشير وبنيامين ويوسف وسمي بذلك؛ لأنه والعيص كانا ~~توءمين فتقدم عيص في الخروج من بطن أمه وخرج يعقوب عقبه، وقوله تعالى: {يا ~~بني} على إضمار القول عند البصريين متعلق بوصى عند الكوفيين {إن الله اصطفى ~~لكم الدين} أي: دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان لقوله تعالى: {فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون} نهى عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى مصادقة الموت، ~~وعن الفضيل بن عياض أنه قال: إلا وأنتم مسلمون أي: محسنون بربكم الظن لما ~~روى جابر رضي الله عنه أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتن أحد إلا وهو يحسن الظن بربه» . # ولما قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم ألست تعلم أن يعقوب يوم مات ~~أوصى بنيه باليهودية نزل. # {أم كنتم شهداء} جمع شهيد بمعنى الحاضر أي: ما كنتم حاضرين وقول ~~الأسيوطي: لم أقف على ذلك فيه ما مر {إذ حضر يعقوب الموت} أي: حين احتضر ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين ~~الهمزة والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى: {إذ} بدل من إذ قبله {قال لبنيه ما ~~تعبدون من بعدي} أي: بعد موتي أي: أي شيء تعبدونه أراد به تقريرهم على ~~التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم على الثبات فليس الاستفهام على حقيقته قال ~~عطاء: إن الله تعالى لم يقبض نبيا حتى يخيره بين الموت والحياة فلما خير ~~يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم ففعل الله ذلك به فجمع ولده وولد ~~ولده وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي؟ {قالوا نعبد إلهك ms0156 وإله ~~آبائك} وقوله تعالى: {إبراهيم وإسمعيل وإسحق} عطف بيان لآبائك وجعل إسمعيل ~~وهو عمه من جملة آبائه تغليبا للأب إسحق والجد إبراهيم أو لأن العم أب ~~والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة لا تفاوت بينهما ومنه قوله ~~عليه الصلاة والسلام: «عم الرجل صنو أبيه» أي: لا تفاوت بينهما كما لا ~~تفاوت بين صنو النخلة وقال في العباس: هذا بقية آبائي وقال: ردوا علي أبي ~~فإني أخشى أن تفعل بي قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن # PageV01P095 # مسعود وقوله تعالى: {إلها واحدا} بدل من إله آبائك كقوله تعالى: ~~{بالناصية ناصية كاذبة} (العلق، 19) وقوله تعالى: {ونحن له مسلمون} حال من ~~فاعل نعبد أو من مفعوله أو منهما وأم منقطعة ومعنى الهمزة فيه للإنكار أي: ~~لم يحضروه وقت موته فكيف ينسبون إليه ما لا يليق به أو متصلة بمحذوف تقديره ~~أكنتم غائبين أم كنتم شهداء. وقيل: الخطاب للمؤمنين بمعنى ما شهدتم ذلك ~~وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. # وقوله تعالى: {تلك} مبتدأ والإشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ~~ويعقوب وبنوهما الموحدون، وأنت لتأنيث خبره وهو {أمة قد خلت} أي: سلفت ~~وقوله تعالى: {لها ما كسبت} أي: من العمل جزاؤه استئناف {ولكم} الخطاب ~~لليهود {ما كسبتم} والمعنى أن أحدا لا ينفعه كسب غيره متقدما كان أو متأخرا ~~فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما كسبتم ~~وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم، ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ~~بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» {ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون} كما لا يسئلون عن عملكم والجملة تأكيد لما قبلها. # {وقالوا} أي: أهل الكتاب {كونوا هودا أو نصارى} أي: قالت اليهود: كونوا ~~هودا وقالت النصارى: كونوا نصارى فأو للتفصيل. قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: نزلت في رؤوس يهود المدينة وفي نصارى نجران وذلك أنهم خاصموا ~~المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين، فقالت اليهود: نبينا موسى ~~أفضل الأنبياء وكتابنا ms0157 التوراة أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان، وكفرت ~~بعيسى والإنجيل وبمحمد والقرآن. وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضل الأنبياء ~~وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان، وكفرت بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن وقال كل من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين ~~إلا ذاك، وقوله تعالى: {تهتدوا} جواب الأمر وهو كونوا. قال الله تعالى: ~~{قل} لهم يا محمد {بل} نتبع {ملة إبراهيم} وقال الكسائي: وهو نصب على ~~الإغراء كأنه يقول: اتبعوا ملة إبراهيم، وقيل معناه بل تكون على ملة ~~إبراهيم فحذف على فصار منصوبا وقوله تعالى: {حنيفا} حال من المضاف إليه ~~كقولك: رأيت وجه هند قائمة لكن هذا جزء حقيقة وملة كالجزء والحنيف المائل ~~عن كل دين باطل إلى دين الحق وقوله تعالى: {وما كان من المشركين} تعريض ~~لأهل الكتاب وغيرهم؛ لأن كلا منهم يدعي اتباع إبراهيم وهو على الشرك. # {قولوا آمنا با} خطاب للمؤمنين وقول «الكشاف» : ويجوز أن يكون خطابا ~~للكافرين أي: قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل وكذلك قوله ~~تعالى: {قل بل ملة إبراهيم} يجوز أن يكون على تأويل اتبعوا ملة إبراهيم أو ~~كونوا أهل ملته يرده قوله تعالى: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} (البقرة، ~~137) {وما أنزل إلينا} أي: من القرآن وإنما قدم ذكره؛ لأنه أول الكتب ~~بالنسبة إلينا أو لأنه سبب للإيمان بغيره {وما أنزل إلى إبراهيم} من الصحف ~~العشرة {وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط} جمع سبط وهو الحاقد وكان الحسن ~~والحسين رضي الله تعالى عنهما سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد ~~حفدة يعقوب أو أبناؤه وذراريهم فإنهم حفدة إبراهيم وإسحق.n # فإن قيل: الصحف إنما أنزلت على إبراهيم أجيب: بأنهم لما كانوا متعبدين ~~بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها كانت أيضا منزلة # PageV01P096 # إليهم كما أن القرآن منزل إلينا {وما أوتي موسى} من التوراة {و} ما أوتي ~~{عيسى} من الإنجيل. # فإن قيل: لم أفرد التوراة والإنجيل بحكم أبلغ وهو الإيتاء؛ لأنه أبلغ من ~~الإنزال لكونه مقصودا منه ولم يقل والأسباط وموسى وعيسى أجيب: بأن أمرهما ~~بالإضافة إلى ms0158 موسى وعيسى مغاير لما سبق والنزاع وقع فيهما فلهذا أفردا ~~بالذكر {وما أوتي} أي: أعطى {النبيون} أي: المذكورون {من ربهم} من الكتب ~~والآيات، وقرأ نافع بالهمزة، والباقون بالياء، ولورش في الهمز المد والتوسط ~~والقصر {لا نفرق بين أحد منهم} كاليهود والنصارى فنؤمن ببعض ونكفر ببعض بل ~~نؤمن بجميعهم. # فإن قيل: كيف صح إضافة بين إلى أحد وهو مفرد؟ أجيب: بأنه في معنى الجماعة ~~وعلله السعد التفتازاني بأنه اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المفرد ~~والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث قال: ويشترط أن يكون استعماله مع كلمة كل ~~أو في كلام غير موجب {ونحن له} أي: لله {مسلمون} أي: مذعنون أي: مخلصون. # روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون ~~التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا» الآية. # وقوله تعالى: {فإن آمنوا} أي: اليهود والنصارى {بمثل ما آمنتم به فقد ~~اهتدوا} من باب التعجيز والتبكيت كقوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} ~~(البقرة، 23) لأن دين الحق واحد لا مثل له وهو دين الإسلام قال تعالى: {ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} (آل عمران، 85) وأما أن مثل صلة أي: ~~آمنوا بما آمنتم به كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} (الشورى، 11) أي: ليس كهو ~~شيء وكما في قوله تعالى: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} (الأحقاف، ~~10) أي: عليه وقيل: الباء صلة كما في قوله تعالى: {وهزي إليك بجذع النخلة} ~~(مريم، 25) وقيل: معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم فقد اهتدوا. # {وإن تولوا} أي: أعرضوا عن الإيمان به {فإنما هم في شقاق} أي: في خلاف ~~ومنازعه معكم يقال شاق مشاقة إذا خالف كان كل واحد من المتخالفين يحرص على ~~كل ما يشق على صاحبه {فسيكفيكم الله} يا محمد شقاقهم في ذلك تسلية وتسكين ~~للمؤمنين ووعد لهم بالحفظ والنصر على من عاداهم وقد كفاه إياهم بقتل بني ~~قريظة ونفي بني ms0159 النضير وضرب الجزية على اليهود والنصارى وقوله تعالى: {وهو ~~السميع العليم} إما من تمام الوعد بمعنى أنه يسمع أقوالكم ويعلم إخلاصكم ~~وهو مجازيكم لا محالة، وإما وعيد للمعرضين بمعنى أنه يسمع ما يبدون ويعلم ~~ما يخفون وهو معاقبهم عليه ولا مانع من حمل الكلام على الوعد والوعيد معا. # أي: دينه الذي فطر الناس عليه بظهور أثره على صاحبه كالصبغ للثوب أو ~~للمشاكلة، فإن النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد وأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ~~ماء لهم أصفر يقال له المعمودية ويقولون هو تطهير لهم مكان الختان، فإذا ~~فعلوا به ذلك قالوا: الآن صار نصرانيا حقا، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: ~~قولوا آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وطهرنا به ~~تطهيرا لا مثل تطهيركم، أو يقول المسلمون: صبغنا الله بالإيمان صبغة ولا ~~نصبغ صبغتكم وهو مصدر مؤكد لآمنا ونصبه بفعل مقدر أي: صبغنا الله تعالى ~~وقيل: نصب على البدل من ملة إبراهيم وقيل: نصب على الإغراء {ومن} أي: لا ~~أحد {أحسن # PageV01P097 # من الله صبغة} أي: لا صبغة أحسن من صبغته أي: لا دين أحسن من دينه وصبغة ~~تمييز وقوله تعالى: {ونحن له عابدون} عطف على آمنا بالله قال الزمخشري: ~~وهذا العطف يرد قول من زعم أن صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو نصب على ~~الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن ~~التئامه واتساقه وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه والقول: ~~ما قالت حذام اه. # نعم إن قدر قولوا في {ونحن له عابدون} معطوفا على الزموا بتقدير الإغراء ~~أو اتبعوا ملة إبراهيم بتقدير البدل لم يلزم ما قاله. ولما قالت اليهود ~~للمسلمين: نحن أهل الكتاب الأول، وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب؛ ~~لأنهم عبدة الأوثان ولو كان محمد نبيا لكان منا؛ لأنا أهل الكتاب. # نزل {قل} لهم {أتحاجوننا} أي: تجادلوننا أو تخاصموننا {في الله} أي: في ~~شأنه أن اصطفى النبي صلى الله عليه وسلم من العرب دونكم ms0160 ويقولون: لو أنزل ~~الله على أحد لأنزل علينا وترون أنكم أحق بالنبوة منا {وهو ربنا وربكم} ~~نشترك جميعا في أننا عباده، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشأ من عباده هم ~~فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلا للكرامة {ولنا أعمالنا} ~~نجازي بها {ولكم أعمالكم} تجازون بها أي: كما أن لكم أعمالا يعتبرها الله ~~في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك، فالعمل هو أساس الأمر وبه العبرة {ونحن ~~له مخلصون} في الدين والعمل دونكم فنحن أولى بالاصطفاء فلا تستبعدوا أن ~~يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوة والهمزة للإنكار، والجمل الثلاث أحوال، ~~وقرأ أبو عمرو بإدغام النون في اللام بخلاف عنه وله فيه الروم والإشمام. # وقوله تعالى: {أم يقولون} قرأه ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ~~بالتاء، والباقون بالياء على الغيبة، فعلى القراءة الثانية أم منقطعة ~~والهمزة للإنكار، وعلى القراءة الأولى يحتمل أن تكون معادلة للهمزة في ~~أتحاجوننا بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة وادعاء اليهودية والنصرانية على ~~الأنبياء في قولكم: {إن إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا ~~أو نصارى قل} لهم يا محمد {أأنتم أعلم أم الله} الله أعلم، وقد نفى الله ~~تعالى الأمرين عن إبراهيم بقوله تعالى: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما} (آل عمران، 67) واحتج تعالى على ذلك بقوله تعالى: ~~{وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} (آل عمران، 65) والمذكورون معه ~~تبع له، فهم أتباعه في الدين وفاقا. # {ومن} أي: لا أحد {أظلم ممن كتم} أي: أخفى عن الناس {شهادة عنده} كائنة ~~{من الله} أي: شهادة الله تعالى لإبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية ~~والنصرانية وهم أهل الكتاب؛ لأنهم كتموا هذه الشهادة وكتموا شهادة الله ~~تعالى لمحمد بالنبوة في كتبهم وغيرها، ومن للابتداء كما في قوله تعالى: ~~{براءة من الله ورسوله} (التوبة، 1) أي: شهادة كائنة من الله، فمن الله صفة ~~لشهادة وقوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} تهديد لهم. # وقوله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ms0161 ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون} تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطبائع من ~~الإفتخار بالآباء والإتكال عليهم وقيل: الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية ~~لنا تحذيرا عن الاقتداء بهم وقيل: المراد بالأمة في الأول الأنبياء، وفي ~~الثاني أسلاف اليهود والنصارى. # {سيقول السفهاء} أي: الجهال الذين خفت # PageV01P098 # أحلامهم {من الناس} وهم اليهود؛ لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا ~~يرون النسخ {ما ولاهم} أي: أي شيء صرف النبي والمؤمنين {عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها} وهي بيت المقدس وقيل: هم المنافقون لحرصهم على الطعن ~~والاستهزاء، وقيل: المشركون قالوا قد تردد على محمد أمره واشتاق إلى مولده ~~وقد توجه نحو بلدكم وهو راجع إلى دينكم والإتيان بالسين الدالة على ~~الاستقبال من الإخبار بالغيب. # فإن قيل: ما فائدة الإخبار بذلك قبل وقوعه أجيب: بأن فائدة توطين النفس ~~وإعداد الجواب، فإن مفاجأة المكروه أشد والعلم به قبل وقوعه أبعد عن ~~الاضطراب إذا وقع وقبل الرمي يراش السهم، والقبلة في الأصل الحالة التي ~~عليها الإنسان مأخوذة من الاستقبال، وصارت عرفا للمكان المتوجه نحوه للصلاة ~~قال الله تعالى {قل} لهم يا محمد {المشرق والمغرب} أي: الجهات كلها ملكا ~~والخلق عبيده لا يختص به مكان دون مكان بخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه ~~وإنما العبرة بامتثال أمره لا بخصوص المكان فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء ~~لا اعتراض عليه {يهدي من يشاء} هدايته {إلى صراط} أي: طريق {مستقيم} وهو ما ~~تقتضيه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس وأخرى إلى الكعبة. # وقوله تعالى: {وكذلك} الكاف فيه للتشبيه أي: كما اخترنا إبراهيم وذريته ~~واصطفيناكم {جعلناكم} يا أمة محمد {أمة وسطا} أي: خيارا عدولا قال تعالى: ~~{قال أوسطهم} (القلم، 28) أي: خيرهم وأعدلهم، وخير الأشياء أوسطها لا ~~إفراطها ولا تفريطها؛ لأن الإفراط المجاوزة لما لا ينبغي والتفريط التقصير ~~عما ينبغي كالجود بين الإسراف والبخل والشجاعة بين التهور وهو الوقوع في ~~الشيء بقلة مبالاة وبين الجبن؛ لأن الأفراد يتسارع إليها الخلل والأوساط ~~محمية محفوظة. # روي عن أبي سعيد الخدري ms0162 رضي الله تعالى عنه أنه قال: «قام فينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوما بعد العصر فما ترك شيئا إلى يوم القيامة إلا ذكره ~~في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان فقال: أما ~~إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا ألا وإن هذه ~~الأمة توفي سبعين أمة هي أخيرها وأكرمها على الله عز وجل» وقوله تعالى: ~~{لتكونوا شهداء على الناس} أي: يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم {ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا} أي: يزكيكم ويشهد بعدالتكم علة للجعل أي: لتعلموا بالتأمل ~~فيما نصب لكم من الحجج وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد ولا ~~ظلم بل أوضح السبل وأرسل الرسل، فبلغوا ونصحوا ولكن الذين كفروا حملهم ~~الشقاء على اتباع الشهوات والإعراض عن الآيات، فتشهدون بذلك على معاصريكم ~~وعلى الذين قبلكم وبعدكم. # روي أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار ~~الأمم: ألم يأتكم نذير، فينكرون ويقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيطالب ~~الله تعالى الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فيشهدون فتقول الأمم من أين علموا أنهم قد بلغوا، وإنما ~~أتوا بعدنا فتسأل هذه الأمة، فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه ~~الناطق، على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن ~~حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد # PageV01P099 # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} (النساء، 41) . # فإن قيل: هلا قيل لكم شهيدا إذ شهادته لهم لا عليهم أجيب: بأن الشهيد لما ~~كان كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء ومنه قوله تعالى: ~~{وا على كل شيء شهيد} (المجادلة، 6) . # فإن قيل: لم أخرت صلة الشهادة أولا وقدمت آخرا أجيب: بأن الغرض في الأول ~~إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم {وما ~~جعلنا} أي: صيرنا لك {القبلة} الآن ms0163 وقوله تعالى: {التي كنت عليها} ليس بصفة ~~للقبلة إنما هو ثاني مفعولي جعل أي: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها ~~أولا وهي الكعبة وكان صلى الله عليه وسلم يصلي إليها، فلما هاجر أمر ~~بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفا لليهود فصلى إليها ستة أو سبعة عشر شهرا ~~ثم حول إلى الكعبة {إلا لنعلم من يتبع الرسول} فيصدقه {ممن ينقلب على ~~عقبيه} أي: يرجع إلى الكفر شكا في الدين وظنا أن النبي في حيرة من أمره، ~~وفي الحديث: «أن القبلة لما حولت ارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية ~~وقالوا: رجع محمد إلى دين آبائه» . # فإن قيل: كيف: قال الله تعالى لنعلم وهو عالم بالأشياء كلها أجيب: بأنه ~~أراد به علم ظهور وهو العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب، فإنه لا يتعلق ~~بما هو عالم به في الغيب إنما يتعلق بما يوجد، ومعناه أي: لنعلم العلم الذي ~~يستحق العامل عليه الثواب والعقاب ونظيره قوله تعالى: {ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمران، 142) وقيل: ليعلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ذاته تعالى؛ لأنهم ~~خواصه وأهل الزلفى عنده وقيل: معناه لتمييز التابع من الناكص كما قال الله ~~تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب} (الأنفال، 37) فوضع العلم موضع ~~التمييز التابع؛ لأن بالعلم يقع التمييز، فالعلم سبب والتمييز مسبب، فأطلق ~~السبب وهو العلم على المسبب وهو التمييز. # تنبيه: العلم في الآية إما بمعنى المعرفة، فيتعدى إلى مفعول واحد وهو من ~~يتبع، وإما معلق لما في من معنى الاستفهام، وإما أن يكون مفعوله الثاني ممن ~~ينقلب أي: ليعلم من يتبع الرسول مميزا ممن ينقلب. # فإن قيل: على الأول كيف يكون العلم بمعنى المعرفة والله تعالى لا يوصف ~~بها؛ لأنها تقتضي سبق جهل والله منزه عن ذلك أجيب: بأن ذلك لشيوعها فيما ~~تقتضي أن يكون مسبوقا بالعدم وليس العلم الذي بمعنى المعرفة، كذلك إذ ~~المراد به الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين، بل قال الولي العراقي: قد ~~وقع ms0164 إطلاق المعرفة على الله تعالى في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال ~~الصحابة أو كلام أهل اللغة وقوله تعالى: {وإن} هي المخففة من الثقيلة ~~واسمها محذوف أي: وإنها {كانت} أي: التولية {لكبيرة} شاقة على الناس {إلا ~~على الذين هدى الله} منهم وهم الثابتون على الإيمان {وما كان الله ليضيع ~~أيمانكم} أي: ثباتكم على الإيمان، وإنكم لم تزلزلوا ولم ترتابوا بل شكر ~~سعيكم وأعد لكم الثواب العظيم أو صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه؛ ~~لأن سبب نزولها «أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا ~~عن صلاتكم نحو بيت المقدس، إن كانت هدى فقد تحولتم عنها، وإن كانت ضلالة ~~فقد دنتم الله بها، ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة، فقال ~~المسلمون: إن الهدى ما أمر الله تعالى به، والضلالة ما نهى الله تعالى عنه ~~قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا، وكان قد مات قبل أن تحول ~~القبلة # PageV01P100 # من المسلمين أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة ~~وكانا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: يا رسول الله لقد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ~~ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله تعالى هذه {إن الله بالناس ~~لرؤف رحيم} فلا يضيع أجورهم ولا يدع صلاتهم» . # فإن قيل: لم قدم الرؤوف على الرحيم مع أنه أبلغ؟ أجيب: بأنه قدم محافظة ~~على الفواصل، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي لرؤوف بقصر الهمزة، ~~والباقون بمدها ولورش في الهمزة المد والتوسط والقصر على أصله. # {قد} للتحقيق {نرى تقلب} أي: تردد {وجهك في السماء} أي: في جهتها متطلعا ~~إلى الوحي ومتشوقا إلى الأمر باستقبال الكعبة، وهذه الآية وإن كانت متأخرة ~~في التلاوة فهي متقدمة في المعنى، فإنها رأس القصة، وأمر القبلة أول ما نسخ ~~من أمور الشرع وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون ~~بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى ms0165 المدينة أمره الله تعالى أن يصلي إلى نحو ~~صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ~~ما يجدونه من نعته في التوراة، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، لأنها كانت ~~قبلة إبراهيم أبيه صلى الله عليه وسلم # وقال مجاهد: كان يحب ذلك من أجل أن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمد في ~~ديننا ويتبع قبلتنا، فقال لجبريل عليه السلام: وددت لو حولني الله تعالى ~~إلى الكعبة، فإنها قبلة أبي إبراهيم، فقال جبريل: إنما أنا عبد ملك وأنت ~~كريم على ربك، فسل أنت ربك فإنك عند الله بمكان، فعرج جبريل وجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من ~~أمر القبلة، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل، فنزل قوله تعالى: ~~{فلنولينك} أي: فلنحولنك {قبلة} أي: إلى قبلة {ترضاها} أي: تحبها وتهواها ~~لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته {فول} أي: ~~اصرف {وجهك شطر} أي: نحو {المسجد الحرام} أي: الكعبة أي: استقبل عينها ~~بصدرك في الصلاة وإن كنت بعيدا عنها. وقول البيضاوي: والبعيد يكفيه مراعاة ~~الجهة، فإن في استقبال عينها حرجا عليه وجه ضعيف، والحرام المحرم فيه ~~القتال وممنوع من الظلمة أن يتعرضوه. # وقوله تعالى: {وحيث ما كنتم} من بحر أو بر، شرق أو غرب خطاب للأمة {فولوا ~~وجوهكم} في الصلاة {شطره} وكان تحويل القبلة في رجب بعد الزوال قبل قتال ~~بدر بشهرين. وقول البيضاوي: وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من ~~الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، ~~فسمي المسجد مسجد القبلتين فيه تحريف، فإن ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان إماما في قصة بني سلمة وأنه تحول في الصلاة وليس كذلك، فقد روى البخاري ~~عن ابن عمر أنه قال: «بينما الناس يصلون في صلاة الصبح إذ أتاهم آت أي: من ~~بني سلمة فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد ms0166 ~~أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى ~~الكعبة» . # ولما تحولت القبلة قالت اليهود: وما هو إلا شيء يبتدعه محمد من تلقاء ~~نفسه، فتارة يصلي إلى بيت المقدس، وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا ~~لكنا نرجو أن يكون # PageV01P101 # صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله تعالى {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون ~~أنه} أي: التولي إلى الكعبة {الحق} أي: الثابت {من ربهم} لما في كتبهم من ~~نعت النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يحول إليها وقوله تعالى: {وما الله ~~بغافل عما تعملون} قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب ~~للمؤمنين أي: وما أنا بغافل عن جزائكم وثوابكم، والباقون بالياء على الغيب ~~أي: عما يعمل اليهود أي: فأجازيهم في الدنيا والآخرة، ففي الآية وعد ~~للمؤمنين ووعيد للكافرين، ولما قالت اليهود والنصارى ائتنا بآية على أن ~~الكعبة قبلة. # {ولئن} اللام موطئة للقسم {أتيت الذين أوتوا الكتاب} أي: اليهود والنصارى ~~{بكل آية} أي: برهان وحجة على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق وقوله تعالى: ~~{ما تبعوا قبلتك} جواب للقسم المضمر والمعنى أن تركهم اتباعك ليس على شبهة ~~تزيلها بإيراد الحجة إنما هو على مكابرة وعناد مع علمهم لما في كتبهم من ~~نعتك أنك على الحق. # تنبيه: كان مقتضى الظاهر ما يتبعون لكن أتى بالماضي لتحقق وقوعه كقوله ~~تعالى: {أتى أمر الله} وقوله تعالى: {وما أنت بتابع قبلتهم} قطع لأطماعهم، ~~فإنهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره ~~تغريرا منهم له وطمعا في رجوعه {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} أي: أنهم مع ~~اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة، فإن اليهود تستقبل الصخرة ~~والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا ترجى موافقتهم لك لتصلب كل حزب ~~فيما هو فيه. # فإن قيل: كيف قال تعالى: {وما أنت بتابع قبلتهم} ولهم قبلتان لليهود قبلة ~~وللنصارى قبلة؟ أجيب: بأن كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق فكانتا ~~لحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة وقوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم} ~~خطاب ms0167 مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة أو على سبيل الفرض ~~والتقدير {من بعدما جاءك} بين لك {من العلم} بالوحي في القبلة {إنك إذا} إن ~~اتبعتهم {لمن الظالمين} أي: من المرتكبين الظلم الفاحش، وفي هذا لطف ~~للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من ترك الدليل بعد إنارته وتتبع الهوى ~~وتهييج للثبات على الحق، وقد أكد سبحانه وتعالى التهديد في ذلك وبالغ فيه.) # قال البيضاوي من سبعة أوجه: الأول: الاتيان باللام الموطئة للقسم، ~~الثاني: القسم المضمر، الثالث: حرف التحقيق أي: التأكيد وهي أن الرابع ~~تركيبه من جملة إسمية، الخامس: الاتيان باللام في الخبر أي: وهو من ~~الظالمين، السادس: جعله من الظالمين أي: تعريف الظالمين الدال على ~~المعروفين ولم يقل إنك ظالم، فإن في الإندراج معهم إيهاما بحصول أنواع ~~الظلم؛ لأن أل في الظالمين للاستغراق، السابع: التقييد بمجيء العلم تعظيما ~~للحق المعلوم وتحريضا على اقتضائه وتحذيرا عن متابعة الهوى واستفظاعا لظهور ~~الذنب عن الأنبياء. # {الذين أتيناهم الكتاب} أي: علماؤهم {يعرفونه} أي: محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لسبق ذكره بلفظ الرسول مرتين، وقول البيضاوي تتبعا للزمخشري وإن لم ~~يسبق ذكره ممنوع، وقيل: القرآن وقيل: التحويل، ويدل للأول قوله تعالى: {كما ~~يعرفون أبناءهم} أي: من بين الصبيان، قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ~~لعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: كيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله: يا ~~عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~أشد من معرفتي بابني فقال عمر: وكيف # PageV01P102 # ذلك؟ قال: لست أشك في محمد أنه نبي وأما ولدي فلعل والدته خانت فقال عمر: ~~وفقك الله تعالى يا ابن سلام فقد صدقت. # فإن قيل: لم خص الأبناء من الأولاد؟ أجيب: بأن الذكور أشهر وأعرف وهم ~~لصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق {وإن فريقا منهم} أي: أهل الكتاب {ليكتمون ~~الحق} أي: صفته صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة {وهم يعلمون} ولا يظهرونه ~~عنادا. # وقوله تعالى: {الحق من ربك} كلام مستأنف، والحق إما مبتدأ ms0168 خبره من ربك ~~والمعنى أنه الحق أي: ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا ما لم ~~يثبت كالذي عليه أهل الكتاب، وإما خبر مبتدأ محذوف أي: هذا الحق ومن ربك ~~حال أو خبر، بعد خبر والمعنى أن ما جاءك من العلم أو ما يكتمونه هو الحق لا ~~ما يزعمون {فلا تكونن من الممترين} أي: من الشاكين في أنه من ربك أو في ~~كتمانهم الحق عالمين به أي: فلا تكونن من هذا النوع وهو أبلغ من لا تمتر ~~وليس فيه نهي للرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك فيه؛ لأنه غير متوقع منه ~~بل إما لتحقيق الأمر، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، وإما أن المراد به أمته. # {ولكل} أي: أمة من الأمم {وجهة} أي: قبلة أو لكل قوم من المسلمين جهة ~~وجانب من الكعبة {هو موليها} وجهه في صلاته، وقرأ ابن عامر وحده مولاها ~~بفتح اللام وألف بعدها أي: هو مولى تلك الجهة قد وليها، والباقون بكسر ~~اللام وياء بعدها وعلى هذا فأحد المفعولين محذوف أي: هو موليها وجهه كما مر ~~تقديره أو الله تعالى موليها إياه {فاستبقوا الخيرات} أي: بادروا إلى ~~الطاعات وقبولها من أمر القبلة وغيره مما تناولوا به سعادة الدارين {أين ما ~~تكونوا} أنتم وأهل الكتاب {يأت بكم الله جميعا} يوم القيامة، فيجازيكم ~~بأعمالكم {إن الله على كل شيء قدير} فيقدر على الإحياء والجمع. # تنبيه: رقق ورش الراء المفتوحة بعد الياء الساكنة. واتفق المصاحف على قطع ~~أين من ما هنا. # فإن قيل: له ذرية والملائكة لا ذرية لهم. أجيب: بأن ابن عباس روى أن من ~~الملائكة نوعا يتوالدون يقال لهم: الجن ومنهم إبليس، وقيل: إن الله تعالى ~~لما أخرجه من الملائكة جعل له ذرية وأن من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان ~~الغالب فيهم العصمة كما أن من الإنس معصومين وهم الأنبياء والغالب في الإنس ~~عدم العصمة ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنيا نشأ بين ~~أظهر الملائكة وكان ms0169 مغمورا بالألوف منهم فغلبوا عليه لقوله تعالى: {إلا ~~إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} (الكهف، 50) وهو أصل الجن كما أن آدم ~~أصل الإنس ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، قال البغوي: ~~والأول أصح لأن خطاب السجود كان مع الملائكة وقوله تعالى: {كان من الجن} أي ~~من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في ~~الجنة، وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلى الجنة وقيل: إن الجن ~~أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإذا ~~علم أن الأكابر وهم الملائكة مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أيضا أن ~~الأصاغر وهم الجن مأمورون به أيضا والضمير في فسجدوا راجع للقبيلين فكأنه ~~قال: فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس. # تنبيه: من فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر ~~والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض فيما لا ينبغي في سر نفسه وأن الأمر ~~للوجوب وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على ~~الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمنا. # تنبيه: ما مقطوعة من حيث في موضعي هذه السورة، وكرر سبحانه وتعالى التولي ~~لشطر المسجد الحرام ثلاث مرات لتأكيد أمر القبلة وتشديده؛ لأن النسخ من ~~مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان، فكرر عليهم ليثبتوا ويقوموا ويجدوا؛ ~~ولأنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر؛ لأنه تعالى علق بكل آية فائدة، ففي ~~الأولى أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر محمد أو أمر القبلة حق لمشاهدتهم له في ~~التوراة والإنجيل، وفي الثانية أنه تعالى شهد أنه حق وشهادة الله تعالى ~~مغايرة لعلم أهل الكتاب، وفي الثالثة بيان العلة وهي قطع حجة اليهود أو لأن ~~الأحوال ثلاثة أولها: أن يكون الانسان في المسجد الحرام وثانيها: أن يخرج ~~عنه ويكون في البلد وثالثها: أن يخرج عن البلد، فالآية محمولة على الأول ~~والثانية على الثاني والثالثة على الثالث وقوله تعالى: {لئلا يكون الناس} ~~أي: اليهود والمشركين {عليكم حجة} ms0170 أي: مجادلة في التولي علة لقوله: قولوا ~~والمعنى أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت ~~في التوراة قبلته الكعبة، وأن محمدا يجحد ديننا ويتبعنا # PageV01P103 # في قبلتنا ويدفع احتجاج المشركين بأنه يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته، ~~وقرأ ورش بإبدال الهمزة من لئلا ياء مفتوحة وقفا ووصلا وحمزة يبدلها وقفالا ~~وصلا، والباقون بهمزة مفتوحة وصلا ووقفا وقوله تعالى: {إلا الذين ظلموا ~~منهم} بدل واستثناء متصل أي: لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا المعاندين ~~منهم، فإنهم يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبه لبلده ~~أو بدا له فرجع إلى دين آبائه ويوشك أن # يرجع إلى دينهم {فلا تخشوهم} أي: فلا تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم، فإنهم ~~لا يضرونكم {واخشوني} بامتثال أمري فلا تخالفوا ما أمرتكم به. # تنبيه: الياء هنا ثابتة في الرسم وهي في القراءة ثابتة وقفا ووصلا. # فإن قيل: أي حجة تكون لغير الذين ظلموا لو لم تحول حتى احترز من تلك ~~الحجة ولم يبال بحجة المعاندين؟ أجيب: بأنهم كانوا يقولون: ما له لا يحول ~~إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة. # فإن قيل: كيف أطلق الحجة على قول المعاندين؟ أجيب: بأن المراد بالحجة ما ~~يتمسك به حقا كان أو باطلا كما قال تعالى: {حجتهم داحضة} (الشورى، 16) ~~وقوله تعالى: {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} أي: إلى الحق علة لمحذوف ~~أي: وأمرتكم بذلك لإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أو عطف على علة ~~مقدرة كأنه قيل: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم، قال «الكشاف» : وقيل: ~~هو معطوف على لئلا يكون، وجرى عليه البيضاوي والسيوطي. قال البيضاوي: تبعا ~~«للكشاف» وفي الحديث «تمام النعمة دخول الجنة» أي: ورؤية الله تعالى وعن ~~علي رضي الله تعالى عنه تمام النعمة الموت على الاسلام، قال شيخنا القاضي ~~زكريا: روى الحديث الترمذي وذكره مع الأثر بعده ربما يرجح العطف على ~~المقدر. # وقوله تعالى: {كما أرسلنا} إما متعلق بما قبله وهو أتم أي: ولأتم نعمتي ~~عليكم في أمر القبلة أو ms0171 في أمر الآخرة إتماما كإتمامها بإرسالنا {فيكم ~~رسولا منكم} وهو محمد صلى الله عليه وسلم وإما متعلق بما بعده وهو فاذكروني ~~أذكركم أي: كما ذكرتكم بالإرسال فاذكروني {يتلو عليكم آياتنا} أي: القرآن ~~{ويزكيكم} أي: يطهركم من الشرك {ويعلمكم الكتاب} أي: القرآن {والحكمة} أي: ~~ما فيه الأحكام. # تنبيه: قدم هنا يزكيكم على يعلمكم باعتبار القصة وأخر في دعوة إبراهيم ~~يزكيكم على يعلمكم باعتبار الفعل {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} أي: ~~بالتفكر والنظر إذ لا طريق لمعرفته سوى الوحي. # {فاذكروني} بالطاعة كالصلاة والتسبيح {أذكركم} قال ابن عباس: بمعونتي، ~~وقال سعيد بن جبير: بمغفرتي وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في ~~الشدة والبلاء كما قال تعالى: {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى ~~يوم يبعثون} (الصافات، 144) . وفي الحديث عن الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي ~~بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ~~ذكرته في ملأ خير من ملئه، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب ~~إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» . وفي رواية أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم إن ~~ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منه، ~~وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن ~~مشيت إلي هرولت إليك، وإن سألتني أعطيتك، وإن لم تسألني غضبت عليك» . وفي ~~رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # PageV01P104 # «يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» . وفي رواية: ~~جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الأعمال ~~أفضل؟ قال: «أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله» . وقرأ ابن كثير بفتح ~~الياء والباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المد {واشكروا لي} نعمتي ~~بالطاعة {ولا تكفرون} بجحد النعم وعصيان الأمر، فإن من أطاع الله فقد ms0172 شكره، ~~ومن عصاه فقد كفره. # {يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر} على الطاعة والبلاء وعلى المعاصي ~~وحظوظ النفس {والصلوة} خصها بالذكر؛ لأنها أم العبادات لاشتمالها على فعل ~~القلب وغيره ومناجاة رب العالمين {إن الله مع الصابرين} بالنصر وإجابة ~~الدعوة. # هم {أموات بل} هم {أحياء ولكن لا تشعرون} أي: لا تعلمون كيف حالهم في ~~حياتهم. # قال البيضاوي: وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به ~~من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي اه. # وهذا ما عليه أكثر المفسرين، قال ابن عاد: ويحتمل أن حياتهم بالجسد وإن ~~لم تشاهد وأيد بأن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات بالاتفاق، فلو لم تكن ~~حياة الشهيد بالجسد لاستوى هو وغيره ولم تكن له مزية اه. # وقد يرد بأن الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم يرزقون من مطاعم الجنة ~~ومآكلها وغيرهم من المؤمنين منعمون بما دون ذلك. وفي الحديث: «أرواحهم في ~~حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت ~~العرش» وعن الحسن: أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم، ~~فيصل إليهم الروح أي: الاستراحة أي: التلذذ والتنعم والفرح كما تعرض النار ~~على أرواح آل فرعون غدوا وعشيا، فيصل إليهم الوجع والغم. وعلى هذا فتخصيص ~~الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله ومزيد السرور والكرامة والأرواح جواهر ~~قائمة بأنفسها تبقى بعد الموت دراكة كما عليه جمهور الصحابة والتابعين ~~ونطقت به الآيات والسنن. # {ولنبلونكم} أي: ولنختبرنكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم واللام لجواب ~~القسم تقديره والله لنبلونكم والابتلاء إظهار المطيع من العاصي لا ليعلم ~~شيئا لم يكن عالما به {بشيء} أي: بقليل {من الخوف} أي: خوف العدو {والجوع} ~~أي: القحط وإنما قلله بالنسبة لما وقاهم عنه فيخفف عنهم ويريهم أن رحمته لا ~~تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة وإنما أخبرهم قبل ~~وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم {ونقص من الأموال} بالخسران والهلاك {والأنفس} ~~بالقتل والموت وقيل: بالمرض والشيب {والثمرات} بالجوائح. # وعن الشافعي رضي ms0173 الله تعالى عنه: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، ومن ~~الثمرات موت الأولاد. وعن أبي سنان قال: دفنت ولدي سنانا وأبو طلحة ~~الخولاني على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأخرجني، فقال: ألا ~~أبشرك؟. # حدثني الضحاك بن عروب عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: ~~أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم فيقول ~~الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ~~ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد» . وقوله تعالى: {وبشر ~~الصابرين} أي: على # PageV01P105 # ما يصيبهم من المكروه عطف كما قال التفتازاني على ولنبلونكم عطف المضمون ~~على المضمون أي: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر، ثم بينهم ~~بقوله: # {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا} عبيدا وملكا {وإنا إليه راجعون} في ~~الآخرة والمصيبة تعم ما يصيب الانسان من مكروه لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة» وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورضي عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من ~~مصيبة تصيب عبدا فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اؤجرني في مصيبتي ~~واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف عليه خيرا منها» ~~قالت: فلما توفي أبو سلمة استرجعت الله لي فقلت: اللهم اؤجرني في مصيبتي ~~واخلف لي خيرا منها قالت: فأخلف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ~~رواية: «من استرجع عند المصيبة جبر الله تعالى مصيبته وأحسن عقباه وجعل له ~~خلفا صالحا يرضاه» ، وقال سعيد بن جبير: ما أعطى أحد ما أعطيت هذه الأمة ~~يعني الاسترجاع ولو أعطيها أحد لأعطى يعقوب في قصة فقد يوسف ألا تسمع إلى ~~قوله: {يا أسفا على يوسف} (يوسف، 84) وليس الصبر بالإسترجاع باللسان بل ~~باللسان مع القلب بأن يتصور ما خلق لأجله، فإنه راجع إلى ربه ويتذكر ms0174 نعم ~~الله عليه، فيرى ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه، فيهون على نفسه ويستسلم ~~لربه، والمبشر به محذوف دل عليه. # {أولئك عليهم صلوات} أي: مغفرة {من ربهم ورحمة} أي: لطف وإحسان والصلاة ~~في الأصل من الآدمي أي: ومن الجن تضرع ودعاء، ومن الملائكة إستغفار، ومن ~~الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم وجمع الصلاة للتنبيه على كثرتها كالتثنية في ~~لبيك بمعنى لا انقطاع لمغفرته {وأولئك هم المهتدون} إلى الصواب حيث ~~استرجعوا وسلموا لقضاء الله تعالى. # قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة، ~~والعدلان الصلاة والرحمة، والعلاوة: الهداية، وقد ورد أخبار في ثواب أهل ~~البلاء وأجر الصابرين منها أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به ~~خيرا يصب منه» ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نصب ~~ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله ~~بها من خطاياه» ومنها: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها ~~لمم، فقالت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يشفيني فقال: «إن شئت دعوت ~~الله أن يشفيك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك قالت: بل أصبر ولا حساب علي» ~~. ومنها: «أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن أشد الناس بلاء قال: «الأنبياء ~~والأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا ابتلى على ~~قدر ذلك، وإن كان في دينه رقة هون عليه، فما زال كذلك حتى يمشي على الأرض ~~ما له ذنب» ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم الجزاء مع عظم ~~البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط ~~فله السخط» . ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال البلاء بالمؤمن ~~والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة» . ومنها: ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمن كمثل الزرع لا يزال الريح يثنيه ~~ولا يزال المؤمن ms0175 يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى ~~تستحصد» . ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «عجب للمؤمن إن أصابه خير ~~حمد الله # وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر، فالمؤمن يؤجر في كل أمره» . # PageV01P106 # {إن الصفا والمروة} هما على جبلين بمكة في طرفي المسعى، قال القرطبي: ~~وذكر الصفا؛ لأن آدم وقف عليه، وأنث المروة؛ لأن حواء وقفت عليها {من شعائر ~~الله} أي: أعلام دينه جمع شعيرة وهي العلامة أي: من أعلام مناسكه ومتعبداته ~~{فمن حج البيت أو اعتمر} أي: تلبس بالحج أو العمرة، والحج لغة: القصد. ~~والاعتمار: الزيارة، فغلبا شرعا على قصد البيت وزيارته على الوجهين ~~المعروفين {فلا جناح} أي: لا إثم {عليه أن يطوف} فيه إدغام التاء في الأصل ~~في الطاء {بهما} أي: بأن يسعى بينهما سبعا. # فإن قيل: كيف أنهما من شعائر الله، ثم قيل لا جناح عليه أن يطوف بهما؟ ~~أجيب: بأنه كان على الصفا آساف، وعلى المروة نائلة وهما صنمان، يروى أنهما ~~كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين، فلما طالت المدة عبدا من دون ~~الله، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسخوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان ~~كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية، فأذن الله تعالى فيه وأخبر ~~أنه من شعائر الله، والإجماع على أن السعي بين الصفا والمروة مشروع في الحج ~~والعمرة، وإنما الخلاف في وجوبه، فعن أحمد أنه سنة وبه قال أنس وابن عباس ~~لقوله تعالى: {فلا جناح عليه} فإنه يفهم منه التخيير. # قال البيضاوي وهو ضعيف؛ لأن نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى ~~الوجوب فلا يدفعه. وعن أبي حنيفة أنه واجب يجبر بدم. وعن مالك والشافعي أنه ~~ركن لقوله صلى الله عليه وسلم «اسعوا فإن الله تعالى كتب عليكم السعي» رواه ~~البيهقي وغيره. وقال صلى الله عليه وسلم «ابدؤوا بما بدأ الله به» يعني: ~~الصفا رواه مسلم {ومن تطوع خيرا} أي: فعل طاعة فرضا كان أو نفلا أو زاد على ~~ما فرض الله عليه من حج ms0176 أو عمرة أو طواف، ونصب خيرا على أنه صفة مصدر محذوف ~~أي: تطوعا أو بحذف الجار وإيصال الفعل إليه أي: بخير. # وقرأ حمزة والكسائي يطوع بالياء على التذكير وتشديد الطاء والواو وسكون ~~العين وأصله يتطوع فأدغم مثل يطوف، والباقون بالتاء على الحضور وتخفيف ~~الطاء وفتح العين {فإن الله شاكر} لعمله بالإثابة عليه {عليم} بنيته. # تنبيه: الشكر من الله أن يعطى العبد فوق ما يستحقه فإنه يشكر اليسير ~~ويعطي الكثير. # ونزل في علماء اليهود: # {إن الذين يكتمون} الناس كأحبار اليهود {ما أنزلنا من البينات} كآية ~~الرحم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم {والهدى} أي: ما يهدي إلى وجوب اتباعه ~~صلى الله عليه وسلم والإيمان به {من بعدما بيناه} أوضحناه {للناس في ~~الكتاب} أي: التوراة أي: لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم، ~~فعمدوا إلى ذلك المبين الواضح، فكتموه ولبسوا على الناس {أولئك يلعنهم ~~الله} وأصل اللعن الطرد والبعد {ويلعنهم اللاعنون} أي: يسألون الله أن ~~يلعنهم ويقولون: اللهم العنهم. # تنبيهان: أحدهما: اختلف في هؤلاء اللاعنين، فقال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: هم جميع الخلائق إلا الجن والإنس، وقال عطاء: هم الجن والإنس، وقال ~~الحسن: هم جميع عباد الله، وقال مجاهد: البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أمسك ~~المطر وتقول: هذا من شؤم ذنوب بني آدم. # ثانيهما: هذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة ومستنبطة وتدل على ~~امتناع أخذ الأجرة على ذلك. وقد روى الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه أنه قال: إنكم تقولون أكثر أبو هريرة عن النبي صلى # PageV01P107 # الله عليه وسلم وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدا بشيء أبدا ~~وتلا: {إن الذين يكتمون} الآية» . # {إلا الذين تابوا} أي: رجعوا عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب منه ~~{وأصلحوا} ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم {وبينوا} ما بينه ~~الله تعالى في كتابهم فكتموه {فأولئك أتوب عليهم} أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم ~~{وأنا التواب} أي: الرجاع لقلوب عبادي المنصرفة عني إلي {الرحيم} ms0177 بهم بعد ~~إقبالهم علي. # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} أي: من لم يتب من الكاتمين حتى مات ~~{أولئك عليهم لعنة الله و} لعنة {الملائكة و} لعنة {الناس أجمعين} لعنهم ~~الله أحياء، ثم لعنهم أمواتا، وقال أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقف ~~الكافر فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم تلعنه الناس. # فإن قيل: قد قال الله تعالى: {والناس أجمعين} وفي الناس المسلم والكافر ~~وأهل دينه لا يلعنونه؟ أجيب بأجوبة: # منها: أن المراد منهم من يعتد بلعنه وهم المؤمنون، قاله ابن مسعود: وعلى ~~هذا فيكون من العام الذي أريد به الخاص. # ومنها: أنهم يلعنونه في القيامة قال تعالى: {يلعن بعضكم بعضا} (العنكبوت، ~~25) وقال: {كلما دخلت أمة لعنت أختها} (الأعراف، 38) . # ومنها: أن اللعنة من الأكثر يطلق عليها لعنة جميع الناس تغليبا لحكم ~~الأكثر على الأقل. # ومنها: أنهم يلعنون الظالمين والكافرين، ومن لعن الظالمين أوالكافرين وهم ~~منهم، فقد لعن نفسه، ومعنى لعنة الله لهم تبرؤه منهم وطردهم وتبعيدهم عن ~~الرحمة والثواب أو دعاؤه عليهم بذلك. # {خالدين فيها} أي: اللعنة أو النار المدلول بها عليها {لا يخفف عنهم ~~العذاب} طرفة عين {ولا هم ينظرون} من الانظار أي: لا يمهلون ولا يؤجلون أو ~~لا ينظرون ليتعذروا كقوله تعالى: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} (المرسلات، 36) ~~أو لا ينظر إليهم نظر رحمة. # ولما قال كفار قريش: يا محمد صف لنا ربك وانسبه لنا. # نزل {وإلهكم إله واحد} وسورة الإخلاص، والواحد هو الذي لا نظير له ولا ~~شريك وقوله تعالى: {لا إله إلا هو} تقرير للوحدانية ودفع؛ لأن يتوهم أن في ~~الوجود إلها ولكن لا يستحق منهم العبادة وقوله تعالى: {الرحمن الرحيم} ~~كالدليل على الوحدانية، فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها بقوله: ~~الرحمن، فإنه مولى جلائل النعم وفروعها بقوله: الرحيم، فإنه مولى لطائف ~~النعم ودقائقها وما سواه تعالى. إما نعمة أو منعم عليه، فلم يستحق العبادة ~~أحد غيره وهما خبران آخران لقوله: إلهكم أو لمبتدأ محذوف. وعن أسماء بنت ~~يزيد أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0178 يقول: «إن في هاتين الآيتين ~~اسم الله الأعظم وإلهكم إله واحد» إلخ.. {وا لا إله إلا هو الحي القيوم} . # ولما سمع المشركون هذه الآية وكان لهم حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما ~~تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقا فائت بآية نعرف بها صدقك. # {إن في خلق السموات والأرض} إلى آخر الآية. # فإن قيل: لم جمع السموات وأفرد الأرض؟ أجاب البيضاوي: بأن السموات طبقات ~~متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين اه. وهذا إنما يأتي على قول ~~بعض الحكماء أن المراد بالأرضين الأقاليم، والأولى ما أجاب به البغوي من أن ~~كلا منها جنس آخر، والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب أي: فهي طبقات ~~كالسموات، والآية في السموات سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة، وما ~~يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك والآية في الأرض # PageV01P108 # مدها أو بسطها وسعتها وما يرى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار ~~والجواهر والنبات وغير ذلك. # {واختلاف الليل والنهار} أي: تعاقبهما في المجيء والذهاب يخلف أحدهما ~~صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي: بعده قال تعالى: {وهو الذي جعل ~~الليل والنهار خلفة} (الفرقان، 63) قال عطاء: أراد اختلافهما في النور ~~والظلمة، والزيادة والنقصان، والليل: جمع ليل، والليالي: جمع الجمع، ~~والنهار: جمع نهر. وقدم الليل على النهار في الذكر؛ لأنه أقدم قال تعالى: ~~{وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} (يس، 37) {والفلك} أي: السفن {التي تجري ~~في البحر بما ينفع الناس} من التجارة والحمل، والآية فيها تسخيرها وجريانها ~~على وجه الماء وهي موقورة لا ترسب تحت الماء. # تنبيه: أنث الفلك؛ لأنه بمعنى السفينة؛ لأن واحد السفن وجمعه سواء إذ لو ~~كانت بمعنى المركب لذكرها مع أنها في اللغة تذكر وتؤنث، قال تعالى: {إذ أبق ~~إلى الفلك المشحون} (الصافات، 140) وضمة الجمع غير ضمة الواحدة تقديرا؛ إذ ~~هي في الجمع كالضمة في حمر، وفي الواحد كالضمة في قفل، قال البيضاوي: ~~والقصد به أي: الفلك إلى الاستدلال بالبحر وأحواله وتخصيص الفلك بالذكر؛ ~~لأنه سبب الخوض فيه أي: البحر والإطلاع على عجائبه، ولذلك ms0179 قدمت على ذكر ~~المطر والسحاب؛ لأن منشأهما البحر في غالب الأمر اه. فجعل الآية في البحر ~~لا في السفن، والأولى جعل الآية فيها وقوله؛ لأن منشأهما البحر هو قول ~~الحكماء والإشارة على خلافه وهو الذي دلت عليه الأخبار. قال شيخنا القاضي ~~زكريا: وحاصله: أن السحاب من شجرة مثمرة في الجنة، والمطر من بحر تحت العرش ~~{وما أنزل الله من السماء من ماء} أي: مطر. # تنبيه: من الأولى للابتداء، والثانية للبيان، قال البغوي: قيل: أراد ~~بالسماء السحاب يخلق الله الماء في السحاب، ثم من السحاب ينزل. وقيل: أراد ~~بالسماء المعروفة يخلق الله الماء في السماء، ثم ينزل من السماء إلى ~~السحاب؛ ثم من السحاب ينزل إلى الأرض اه. وفيه ما مر {فأحيا به الأرض} ~~بالنبات {بعد موتها} أي: يبسها وجدوبتها {وبث} أي: فرق ونشر بالماء {فيها} ~~في الأرض {من كل دابة} . # فإن قيل: هل بث عطف على أنزل أو أحيا؟ أجيب: بأنه عطف على أنزل داخل تحت ~~حكم الصلة؛ لأن قوله: فأحيا به الأرض عطف على أنزل، فاتصل به وصارا جميعا ~~كالشيء الواحد، فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة، ~~ويجوز عطفه على أحيا على معنى، فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة؛ ~~لأن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا أي: المطر {وتصريف الرياح} إلى ~~قبول ودبور، وجنوب وشمال، فالقبول: الصبا وهي التي تهب من مطلع الشمس إذا ~~استوى الليل والنهار، والدبور: تقابلها، والشمال: التي تهب من جانب القطب، ~~والجنوب: تقابلها. قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح والماء، وسميت الريح ~~ريحا؛ لأنها تريح النفوس. قال شريح القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو ~~لسقم صحيح. # فائدة: البشارة في ثلاث: من الرياح في الصبا، والشمال والجنوب. أما ~~الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها، وقيل الرياح ثمانية: أربعة للرحمة ~~وهي: المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات، وأربعة: للعذاب وهي العقيم ~~والصرصر في البر، والعاصف والقاصف في البحر. وقرأ حمزة والكسائي: الريح ~~بالتوحيد، والباقون بالجمع. # فائدة أخرى: ms0180 كل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولام اتفق القراء على ~~توحيدها، # PageV01P109 # وما فيها ألف ولام كما هنا، اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا الحرف الأول ~~في سورة الروم الرياح مبشرات اتفقوا على جمعها، والريح تذكر وتؤنث ~~{والسحاب} أي: الغيم {المسخر} أي: المذلل بأمر الله يسير حيث شاء الله {بين ~~السماء والأرض} بلا علاقة لا ينزل ولا يرتفع مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى ~~يأتي أمر الله. وقيل: تسخير السحاب تقليبه في الجو بمشيئة الله واشتقاقه من ~~السحب؛ لأن بعضه يجر بعضا {لآيات} أي: دلالات واضحات على وحدانية الله ~~تعالى {لقوم يعقلون} أي: ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون؛ لأنها دلائل على ~~عظيم القدرة وباهر الحكمة. وقول البيضاوي: وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~«ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها» . أي: لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها. قال ~~الولي العراقي: لم أقف عليه. وقال السيوطي: لم يرد في هذه الآية ولا بهذا ~~اللفظ، ثم قال عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنزل علي الليلة ~~{إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} » ~~ثم قال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» . قيل: للأوزاعي ما غاية التفكر ~~فيهن؟ قال: يقرأهن وهو يعقلهن انتهى ولا ينافي هذا أنه ورد أيضا في هذه ومن ~~حفظ حجة على من لم يحفظ قال البيضاوي: وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام ~~وأهله وحث على البحث والنظر فيه انتهى. # ولا ينافي هذا قول الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ لأن يلقى العبد ربه بكل ~~ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام؛ لأنه محمول على التوغل ~~فيه، فيصير فلسفيا. # {ومن الناس} وهم المشركون {من يتخذ من دون الله} أي: غيره {أندادا} أي: ~~أصناما يعبدونها {يحبونهم} بالتعظيم والخضوع {كحب الله} أي: كحبهم له كما ~~قال الزجاج: يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله، فسووا ~~بين الله وبين أصنامهم في المحبة أو يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله ~~{والذين آمنوا أشد حبا} ms0181 أي: أثبت وأدوم على حبه؛ لأنهم لا يختارون على الله ~~ما سواه، والمشركون محبتهم لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب، ولذلك ~~كانوا إذا اتخذوا صنما أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني، وربما ~~يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عند المجاعة، ويعرضون عن معبودهم في ~~وقت البلاء، ويقبلون على الله كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: {فإذا ركبوا ~~في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} (العنكبوت، 65) والمؤمن لا يعرض عن ~~الله تعالى في السراء والضراء، والشدة والرخاء. # وقيل: إنما قال الله تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا} لأن الله أحبهم أولا ~~ثم أحبوه، ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم قال الله تعالى: ~~{يحبهم ويحبونه} (المائدة، 54) فمحبة العبد لله طاعته والإعتناء بتحصيل ~~مراضيه، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن ~~المعاصي {ولو يرى الذين ظلموا} أي: باتخاذ الأنداد {إذ يرون} أي: يبصرون ~~{العذاب} يوم القيامة وإذ بمعنى إذا أو أجري المستقبل وهو يرى مجرى الماضي ~~لأن إذ موضوعة للماضي؛ والمعنى هنا على الاستقبال لتحققه كقوله تعالى: ~~{ونادى أصحاب الجنة} (الأعراف، 44) {أن} أي: بأن {القوة} أي: القدرة ~~والغلبة {} وقوله تعالى: {جميعا} حال {وأن الله شديد العذاب} وجواب لو ~~محذوف، والتقدير لو يعلمون أن القدرة لله جميعا؛ إذ عاينوا العذاب لندموا ~~أشد الندم، والفاعل ضمير السامع أو الذين ظلموا، ويرى بمعنى يعلم، وأن وما ~~بعدها سدت مسد المفعولين. # PageV01P110 # وقرأ نافع وحده بالتاء على الخطاب أي: ولو ترى يا محمد ذلك لرأيت أمرا ~~عظيما، وأمال السوسي الألف المنقلبة بعد الراء في الوصل بخلاف عنه، وغلظ ~~ورش اللام بعد الظاء، وقرأ ابن عامر يرون بضم الياء، والباقون بفتحها. # {إذ} بدل من إذ قبله {تبرأ الذين اتبعوا} وهم الرؤساء {من الذين اتبعوا} ~~وهم الأتباع أي: ينكر الرؤساء إضلال الأتباع يوم القيامة حين يجمع الله ~~القادة والأتباع {و} قد {رأوا العذاب} أي: رائين له فالواو للحال، وقد ~~مضمرة كما قدرتها وقيل: عطف على تبرأ، وقوله تعالى: {وتقطعت} عطف على تبرأ، ~~وقوله تعالى: {بهم} ms0182 بمعنى عنهم {الأسباب} أي: الوصل التي كانت بينهم في ~~الدنيا من القرابات والصدقات وصارت مخالفتهم عداوة. # {وقال الذين اتبعوا} أي: الأتباع {لو أن لنا كرة} أي: رجعة إلى الدنيا ~~{فنتبرأ منهم} أي: الرؤساء {كما تبرأوا منا} اليوم، ولو للتمني ولذلك أجيب ~~بالفاء {كذلك} أي: مثل ذلك الإراء الفظيع {يريهم الله أعمالهم} أي: السيئة ~~وقوله تعالى: {حسرات} أن تنقلب ندمات {عليهم} ثالث مفاعيل يرى إن كان من ~~رؤية القلب والافحال، وقوله تعالى: {وما هم بخارجين من النار} أصله وما ~~يخرجون؛ لأن المناسب أن تعطف جملة فعلية على جملة فعلية، لكن عدل به إلى ~~هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا} فقال البيضاوي: نزلت في قوم حرموا ~~على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس أي: لا على وجه التورع كما تفعله ~~الصوفية، وما قاله قول مرجوح كما قاله شيخنا القاضي زكريا والمشهور أنها ~~نزلت فيهم آية المائدة وهي {يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم} (المائدة، 87) وأما هذه الآية، فإنها نزلت في الكفار الذين حرموا ~~البحائر والسوائب والوصائل ونحوها ومن ثم عبر هنا بيأيها الناس وثم بيأيها ~~الذين آمنوا. # تنبيه: حلالا مفعول كلوا أو حال وقوله تعالى: {طيبا} إما صفة مؤكدة وإما ~~طاهرا من كل شبهة وهو ما يستطيبه الشرع. قال «الكشاف» : ومن للتبعيض؛ لأن ~~كل ما في الأرض ليس بمأكول هذا إن جعلنا حلالا حالا، فإن جعلنا مفعولا فمن ~~للابتداء كما قاله السعد التفتازاني؛ لأن من التبعيضية في موضع المفعول أي: ~~كلوا بعض ما في الأرض {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي: طرقه كما قاله الزجاج ~~أو المحقرات من الذنوب كما قاله أبو عبيدة فتدخلوا في حرام أو شبهة أو ~~تحريم حلال أو تحليل حرام. وقرأ ابن عامر وقتيل وحفص والكسائي بضم الطاء ~~والباقون بالسكون {إنه لكم عدو مبين} أي: بين العداوة أو مظهر العداوة عند ~~ذوي البصيرة، وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، ms0183 وقد أظهر عداوته بامتناعه ~~من السجود لآدم، ثم بين سبحانه وتعالى عداوته بأنه لا يأمر بخير قط بقوله: # {إنما يأمركم بالسوء} أي: القبيح شرعا {والفحشاء} أي: ما تجاوز الحد في ~~القبح من العظائم. وعن ابن عباس أن السوء من الذنوب ما لا حد فيه، والفحشاء ~~من المعاصي ما يجب به حد. وقال السدي: الفحشاء هي الزنا وقيل: البخل. # قال البيضاوي: واستعير الأمر لتزيينه ونعته لهم تسفيها لرأيهم وتحقيرا ~~لشأنهم انتهى. # قال شيخنا القاضي زكريا: ولا حاجة إلى صرف الأمر عن ظاهره؛ لأن حقيقته ~~طلب الفعل # PageV01P111 # ولا ريب أن الشيطان يطلب السوء والفحشاء ممن يريد إغواءه {و} يأمركم أيضا ~~{أن تقولوا على الله ما لا تعلمون} كتحليل المحرمات وتحريم الطيبات واتخاذ ~~الأنداد. وقوله تعالى: # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} من التوحيد وتحليل الطيبات متصل بما ~~قبله وهو نازل في مشركي العرب وكفار قريش والضمير في لهم عائد على الناس ~~المذكورين في قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} عدل عن ~~الخطاب عنهم للنداء على ضلالتهم كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم: انظروا ~~إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون وقيل: مستأنف والهاء والميم في لهم كناية عن ~~غير مذكور. # روي عن ابن عباس أنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى ~~الإسلام فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية {قالوا} لا نتبعه {بل نتبع ما ألفينا} أي: ~~وجدنا وأدركنا أو علمنا، وألفى تتعدى إلى مفعولين وهما قوله {عليه آباءنا} ~~من عبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب، فإنهم كانوا خيرا وأعلم منا قال ~~الله تعالى: {أولو كان} أي: أيتبعونهم ولو كان {آباؤهم لا يعقلون شيئا} أي: ~~من أمر الدين لا شيئا مطلقا، فإنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، فلفظه عام ~~ومعناه الخصوص {ولا يهتدون} أي: الحق والهمزة للإنكار والواو للحال أو ~~العطف وجواب لو محذوف أي: لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا ~~يهتدون ms0184 إلى الحق لاتبعوهم. # {ومثل} أي: صفة {الذين كفروا} ومن يدعوهم إلى الهدى {كمثل الذي ينعق بما ~~لا يسمع إلا دعاء ونداء} أي: صوتا ولا يفهم معناه والنعيق التصويت يقال: ~~نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن قال الأخطل: # *فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا* # وأما تعق الغراب فبالغين المعجمة والمعنى أنهم في سماع الموعظة وعدم ~~تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهم. وقيل: معنى الآية مثل الذين ~~كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم ولا ينتفع ~~من نعيقه بشيء غير أنه في عناء من الدعاء والنداء، كذلك الكافر ليس له من ~~دعاء الآلهة إلا العناء والدعاء كما قال تعالى: {وإن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} (فاطر، 14) ثم وصف سبحانه وتعالى الكفار ~~بصفات ذم فقال: {صم} أي: هم صم عن سماع الحق، تقول العرب لمن يسمع ولا يعقل ~~ما يقال له إنه أصم {بكم} عن الخير لا يقولونه {عمي} عن الهدى لا يبصرونه ~~{فهم لا يعقلون} الموعظة لإضلال نظرهم {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات} ~~أي: حلالات {ما رزقناكم} . # قال البيضاوي: واستعير الأمر لتزيينه ونعته لهم تسفيها لرأيهم وتحقيرا ~~لشأنهم انتهى. # قال شيخنا القاضي زكريا: ولا حاجة إلى صرف الأمر عن ظاهره؛ لأن حقيقته ~~طلب الفعل ولا ريب أن الشيطان يطلب السوء والفحشاء ممن يريد إغواءه {و} ~~يأمركم أيضا {أن تقولوا على الله ما لا تعلمون} كتحليل المحرمات وتحريم ~~الطيبات واتخاذ الأنداد. وقوله تعالى: # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} من التوحيد وتحليل الطيبات متصل بما ~~قبله وهو نازل في مشركي العرب وكفار قريش والضمير في لهم عائد على الناس ~~المذكورين في قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} عدل عن ~~الخطاب عنهم للنداء على ضلالتهم كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم: انظروا ~~إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون وقيل: مستأنف والهاء والميم في لهم كناية عن ~~غير مذكور. # روي عن ابن عباس أنه قال: دعا رسول ms0185 الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى ~~الإسلام فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية {قالوا} لا نتبعه {بل نتبع ما ألفينا} أي: ~~وجدنا وأدركنا أو علمنا، وألفى تتعدى إلى مفعولين وهما قوله {عليه آباءنا} ~~من عبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب، فإنهم كانوا خيرا وأعلم منا قال ~~الله تعالى: {أولو كان} أي: أيتبعونهم ولو كان {آباؤهم لا يعقلون شيئا} أي: ~~من أمر الدين لا شيئا مطلقا، فإنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، فلفظه عام ~~ومعناه الخصوص {ولا يهتدون} أي: الحق والهمزة للإنكار والواو للحال أو ~~العطف وجواب لو محذوف أي: لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا ~~يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. # {ومثل} أي: صفة {الذين كفروا} ومن يدعوهم إلى الهدى {كمثل الذي ينعق بما ~~لا يسمع إلا دعاء ونداء} أي: صوتا ولا يفهم معناه والنعيق التصويت يقال: ~~نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن قال الأخطل: # *فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا* # وأما تعق الغراب فبالغين المعجمة والمعنى أنهم في سماع الموعظة وعدم ~~تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهم. وقيل: معنى الآية مثل الذين ~~كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم ولا ينتفع ~~من نعيقه بشيء غير أنه في عناء من الدعاء والنداء، كذلك الكافر ليس له من ~~دعاء الآلهة إلا العناء والدعاء كما قال تعالى: {وإن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} (فاطر، 14) ثم وصف سبحانه وتعالى الكفار ~~بصفات ذم فقال: {صم} أي: هم صم عن سماع الحق، تقول العرب لمن يسمع ولا يعقل ~~ما يقال له إنه أصم {بكم} عن الخير لا يقولونه {عمي} عن الهدى لا يبصرونه ~~{فهم لا يعقلون} الموعظة لإضلال نظرهم {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات} ~~أي: حلالات {ما رزقناكم} . # روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يا أيها الناس إن الله ms0186 طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما ~~أمر به المرسلين فقال: {يأيها الرسل كلوا من الطيبات} (المؤمنون، 51) وقال: ~~{يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} » ثم ذكر الرجل يطيل السفر ~~يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب أشعث أغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه ~~حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟» . ولما وسع الله تعالى الأمر على ~~الناس كافة، وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرم عليهم، أمر المؤمنين منهم أن ~~يتحروا طيبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها فقال: {واشكروا} على ما رزقكم وأحل ~~لكم {إن كنتم إياه تعبدون} أي: إن صح # PageV01P112 # أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم، فإن عبادته لا تتم إلا ~~بالشكر فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإتمامه وهو يعدم عند عدمه. ~~روى البيهقي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: ~~إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» . ثم بين ~~سبحانه وتعالى المحرمات بقوله: # {إنما حرم عليكم الميتة} أي: أكلها إذ الكلام فيه وكذا ما بعدها وهي التي ~~ماتت من غير ذكاة شرعية وألحق بها بالسنة ما أبين من حي وخص منها السمك ~~والجراد والحرمة المضافة إلى العين تفيد عرفا حرمة التصرف فيها مطلقا إلا ~~ما خصه الدليل كالتصرف في المدبوغ {والدم} أي: المسفوح كما قال تعالى في ~~سورة الأنعام: {أو دما مسفوحا} . روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد ~~والطحال» وهو في حكم المرفوع بل رفعه ابن ماجه وغيره لكن بسند ضعيف {ولحم ~~الخنزير} أي: جميع أجزائه وعبر عن ذلك باللحم؛ لأنه معظم المقصود منه وغيره ~~تبع له {وما أهل به لغير الله} أي: ذبح على اسم غيره، والإهلال: رفع الصوت ~~وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم {فمن اضطر} أي: ألجأته الضرورة إلى أكل ~~شيء مما ذكر فأكله. # {غير باغ} أي: خارج على المسلمين وقيل: مجاوز للمقدار ms0187 الذي أحل له {ولا ~~عاد} أي: متعد على المسلمين بقطع الطريق وقيل: لا يقصر فيما أبيح له فيدعه، ~~وقال سهل بن عبد الله: غير باغ مفارق للجماعة، ولا عاد مبتدع مخالف للسنة ~~فلم يرخص للمبتدع في تناول المحرم عند الضرورة. وقال مسروق: من اضطر إلى ~~الميتة والدم ولحم الخنزير، فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار. واختلف ~~العلماء في قدر ما يحل للمضطر أكله من الميتة على قولين: أحدهما أن يأكل ~~مقدار ما يمسك رمقه وهو قول ابن أبي حنيفة، والراجح عند الشافعي والقول ~~الآخر يجوز أن يأكل حتى يشبع وبه قال مالك: {فلا إثم} أي: لا حرج {عليه} في ~~أكل ما ذكر وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون، فمن اضطر في الوصل ~~والباقون يضمها. # فائدة: قال البغوي {غير} نصب على الحال وقيل على الاستثناء وإذا رأيت غير ~~تصلح في موضعها لا فهي حال، وإذا صلح في موضعها إلا فهي استثناء {إن الله ~~غفور} لمن أكل في حال الاضطرار {رحيم} حيث رخص للعباد في ذلك. # فإن قيل: إنما تفيد قصر الحكم على ما ذكر وكم من محرم لم يذكر أجيب: بأن ~~المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحله الكفار لا مطلقا وقصر ما ذكر على ~~حال الاختيار كأنه قيل: إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها. # تنبيه: ألحق بالباغي والعادي كل عاص بسفره كالآبق والمكاس فلا يحل لهم ~~أكل شيء من ذلك ما لم يتوبوا وعليه الشافعي. # ونزل في علماء اليهود ورؤسائهم الذين كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا ~~والمآكل وكانوا يرجون أن يكون النبي المنعوت منهم، فلما بعث صلى الله عليه ~~وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم، فإذا نظرت السفلة إلى النعت ~~المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يتبعونه. # {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} المشتمل على نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم {ويشترون به} ms0188 أي: بالمكتوم {ثمنا} أي: عوضا {قليلا} أي: يسيرا ~~أي: المآكل التي # PageV01P113 # يصيبونها من سفلتهم {أولئك ما يأكلون في بطونهم} أي: ملء بطونهم يقال: ~~أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه {إلا النار} أي: ما يؤديهم إلى النار ~~وهو الرشوة وثمن الدين، ولما كان يقضي بهم إلى النار؛ لأنها عقوبة عليهم ~~فكأنهم أكلوا النار، وقيل: معناه أنه يصير نارا في بطونهم {ولا يكلمهم الله ~~يوم القيامة} أي: لا يكلمهم بالرحمة ربما يبشرهم إنما يكلمهم بالتوبيخ أو ~~يكون عليهم غضبان كما يقال: فلان لا يكلم فلانا إذا كان عليه غضبان لما ثبت ~~بالنصوص أنه تعالى يسألهم والسؤال كلام، فحمل نفي الكلام على الغضب فهو ~~كناية ويجوز بقاء الكلام على ظاهره وتحتمل نصوص السؤال على أنه يقع بألسنة ~~الملائكة {ولا يزكيهم} أي: ولا يطهرهم من دنس الذنوب {ولهم عذاب أليم} أي: ~~مؤلم وهو النار.I # {أولئك الذين اشتروا} أي: استبدلوا {الضلالة بالهدى} فأخذوها بدله في ~~الدنيا {و} استبدلوا {العذاب بالمغفرة} أي: المعدة لهم في الآخرة لو لم ~~يكتموا الحق للمطامع والأغراض الدنيوية {فما أصبرهم على النار} أي: ما أشد ~~صبرهم وهو تعجب للمؤمن من ارتكاب موجباتها من غير مبالاة وإلا فأي صبر لهم ~~كما قال الحسن: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي ~~يقربهم إلى النار. وقال الكسائي: فما أصبرهم على عمل أهل النار أي: ما ~~أدومهم عليه. # روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضي اليمن بمكة: اختصم إلي رجلان من ~~العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال: ما أصبرك على عذاب الله تعالى. # {ذلك} أي: الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده {بأن} أي: بسبب أن {الله نزل ~~الكتاب} وقوله تعالى: {بالحق} متعلق بنزل فرفضوه بالتكذيب أو الكتمان وقوله ~~تعالى: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب} اللام فيه إما للجنس واختلافهم ~~إيمانهم ببعض كتب الله تعالى وكفرهم ببعضها، وإما للعهد وحينئذ الإشارة إما ~~للتوراة واختلافهم حيث آمنوا ببعضها وكفروا ببعضها بكتمه، وإما إلى القرآن ~~واختلافهم فيه قولهم: ms0189 سحر وتقول وكلام علمه بشر وأساطير الأولين {لفي شقاق} ~~أي: خلاف {بعيد} عن الحق واختلف في المخاطب بقوله تعالى: # {ليس البر} أي: وهو كل فعل مرضي {أن تولوا وجوهكم} أي: في الصلاة {قبل ~~المشرق والمغرب} على قولين: أحدهما أنهم المسلمون، والثاني أهل الكتابين، ~~فعلى الأول معناه ليس البر كله في الصلاة ولكن البر ما في هذه الآية، قاله ~~ابن عباس ومجاهد وعطاء. وعلى الثاني ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب وصلاة ~~النصارى إلى المشرق، فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت وادعى كل ~~طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد الله تعالى عليهم وقال: ليس البر ~~ما أنتم عليه فإنه منسوخ، ولكن البر ما في هذه الآية قاله قتادة والربيع ~~ومقاتل، وقال قوم هو عام لهم وللمسلمين أي: ليس البر مقصورا بأمر القبلة. ~~وقرأ حفص وحمزة بنصب البر على أنه خبر مقدم، والباقون برفعه وقوله تعالى: ~~{ولكن البر من آمن} على تأويل حذف المضاف أي: بر من آمن أو بتأويل البر ~~بمعنى ذي البر أي: ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن أو لكن ذا ~~البر من آمن {با واليوم الآخر والملائكة والكتاب} أي: الكتب إن أريد به ~~الجنس وإلا فالقرآن {والنبيين} والتأويل الأول أولى؛ لأن السابق في الآية ~~إنما هو نفي كون البر، تولية الوجه والذي يستدرك إنما هو من جنس # PageV01P114 # ما ينفى. وقرأ نافع وابن عامر بكسر نون ولكن مخففة ورفع راء البر ~~والباقون بنصب النون مشددة ونصب الراء والنبيين تقدم أن نافعا يقرؤه ~~بالهمزة والباقون على البدل وورش على أصله من المد والتوسط والقصر. # {وآتى المال على} أي: مع {حبه} له كما قال عليه الصلاة والسلام لما سئل ~~أي الصدقة أفضل؟: «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش أي الحياة وتخشى ~~الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم» . قلت لفلان كذا ولفلان ~~كذا وقد كان لفلان وقيل: الضمير لله أي: على حب الله {ذوي القربى} أي: ~~القرابة قال صلى الله ms0190 عليه وسلم «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ~~ثنتان صدقة وصلة» {واليتامى} جمع يتيم وتقدم تعريفه {والمساكين} جمع مسكين ~~وهو من له مال أو كسب يقع موقعا من كفايته ولا يكفيه بخلاف الفقير، فإنه من ~~لا مال له ولا كسب يقع موقعا من كفايته وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى ~~في سورة براءة {وابن السبيل} أي: المسافر يقال للمسافر: ابن السبيل ~~لملازمته الطريق وقيل: هو الضيف ينزل بالرجل، قال صلى الله عليه وسلم «من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» {والسائلين} أي: الطالبين الذين ~~ألجأتهم الحاجة إلى السؤال، قال صلى الله عليه وسلم «للسائل حق وإن جاء على ~~ظهر فرسه» رواه الإمام أحمد. وفي رواية: «ردوا السائل ولو بظلف محرق» {وفي ~~الرقاب} أي: فكها معاونة المكاتبين وقيل: فرض الأسراء وقيل: ابتياع الرقاب ~~لعتقها {وأقام الصلوة} المفروضة {وآتى الزكوة} المفروضة. # فإن قيل: قد ذكر إتيان المال في هذه الوجوه ثم ثنى بإتيان الزكاة، فقد دل ~~ذلك على أن في المال حقا سوى الزكاة أجيب: بأن المتقدم في التطوع، وإن قال ~~الشعبي: إن في المال حقا سوى الزكاة وتلا هذه الآية، ففي الحديث: «نسخت ~~الزكاة كل صدقة» . رواه الدارقطني والبيهقي أي: نسخت الزكاة وجوب كل صدقة. ~~وروي ليس في المال حق سوى الزكاة {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} فيما بينهم ~~وبين الله عز وجل وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا أو ~~نذروا وفوا، وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدوا. # تنبيه: الموفون عطف على من آمن وقيل: رفع على المبتدأ والخبر أي: وهم ~~الموفون وقوله تعالى: {والصابرين في البأساء} أي: شدة الفقر {والضراء} أي: ~~المرض {وحين البأس} أي: وقت شدة القتال في سبيل الله تعالى نصب على المدح ~~ولم يعطف لفضل الصبر على الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. # وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا إذا حمي البأس أي: اشتد ~~الحرب ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكون أحد ms0191 ~~أقرب إلى العدو منه {أولئك} الموصوفون بما ذكر {الذين صدقوا} في الدين ~~واتباع الحق وطلب البر {وأولئك هم المتقون} الله التاركون للكفر وسائر ~~الرذائل. # قال البيضاوي رحمه الله تعالى: والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية ~~بأسرها دالة عليها صريحا أو ضمنا، فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة ~~أشياء: صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس، وقد أشير إلى الأول بقوله ~~تعالى: {من آمن} إلى {والنبيين} وإلى الثاني بقوله تعالى: {وآتى المال} إلى ~~{وفي الرقاب} وإلى الثالث بقوله: {وأقام الصلاة} إلى آخرها ولذلك وصف ~~المستجمع لها بالصدق نظرا إلى إيمانه # PageV01P115 # واعتقاده وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق وإليه أشار ~~بقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان» . # ونزل في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكان ~~بينهما قتلى وجراحات يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام وكان لأحد الحيين ~~طول على الآخر في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور، فأقسموا ~~لنقتلن بالعبد الحر منهم وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم ~~وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم # {يأيها الذين آمنوا كتب} أي: فرض {عليكم القصاص} وهو المساواة والمماثلة ~~{في القتلى} وصفا وفعلا {بالحر} يقتل {الحر} ولا يقتل بالعبد {و} يقتل ~~{العبد بالعبد و} يقتل {الأنثى بالأنثى} وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى ~~وأن المماثلة تعتبر في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر وللأئمة في ذلك ~~خلاف وأدلة مذكورة في الفقه وكلهم على هدى من ربهم {فمن عفي له} أي: من ~~القاتلين {من} أي: دم {أخيه} المقتول {شيء} بأن ترك القصاص منه وتنكير شيء ~~يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ولو من بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطف على ~~العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة ~~والخبر {فاتباع} أي: فعلى العافي اتباع للقاتل {بالمعروف} بأن يطالبه ~~بالدية لا عنف وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد ms0192 ~~قولي الشافعي، والثاني وهو الأصح عنده الواجب القصاص عينا، والدية بدل عنه ~~فلو عفا ولم يسمها فلا شيء. # فإن قيل: إن عفا يتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله فمن عفي له أجيب: بأن ~~عفا يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه قال ~~تعالى: عفا الله عنك وقال: عفا الله عنها، فإذا تعدى إلى الذنب والجاني معا ~~قيل: عفوت لفلان عما جنى كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه وعلى هذا ~~ما في الآية كأنه قيل: فمن عفي له عن جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية ~~{وأداء} أي: وعلى القاتل أداء الدية {إليه} أي: العافي وهو الوارث {بإحسان} ~~أي: بلا مطل ولا بخس {ذلك} الحكم المذكور في العفو والدية {تخفيف من ربكم ~~ورحمة} لما فيه من التسهيل والنفع؛ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة ~~وحرم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص والدية، وخيرت ~~هذه الأمة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيرا {فمن ~~اعتدى} أي: ظلم القاتل بأن قتله {بعد ذلك} أي: العفو على الدية أو مجانا ~~{فله عذاب أليم} أي: مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل أو أخذ ~~الدية إن عفى عنها وقوله تعالى: # {ولكم في القصاص حياة} كلام في غاية الفصاحة والبلاغة حيث جعل الشيء محل ~~ضده وعرف القصاص ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم نوعا من ~~الحياة عظيما وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة. قال الزمخشري: وكم ~~قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير ~~قاتله، فتثور الفتنة ويقع بينهم التشاجر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص ~~كانت فيه حياة أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لأن ~~القاصد للقتل؛ إذا علم أنه إن قتل يقتل يمتنع فيكون فيه بقاؤه وبقاء من # PageV01P116 # يهتم بقتله وفي المثل: القتل أنفى للقتل وقيل في المثل: القتل قلل القتل ~~وقيل: المراد بالحياة، الحياة الأخروية، فإن القاتل إذا ms0193 اقتص منه في الدنيا ~~لم يؤاخذ به في الآخرة هذا بالنسبة للآدمي وأما بالنسبة لله تعالى، فإن تاب ~~فكذلك وإلا فهو تحت المشيئة، ثم نادى ذوي العقول الكاملة بقوله: {يا أولي ~~الألباب} للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، ثم بين ~~سبحانه وتعالى مشروعية ذلك بقوله: {لعلكم تتقون} القتل مخافة القود أو ~~تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له وهو ~~خطاب له فضل اختصاص بالأئمة. # {كتب} أي: فرض {عليكم إذا حضر أحدكم الموت} أي: حضرت أسبابه وظهرت ~~أماراته {إن ترك خيرا} أي: مالا نظيره قوله تعالى: {وما تنفقوا من خير} ~~(البقرة، 272) وقيل: مالا كثيرا لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن ~~رجلا أراد الوصية فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف فقالت: كم عيالك؟ قال: ~~أربعة قالت: إنما قال الله تعالى إن ترك خيرا وإن هذا الشيء يسير فاتركه ~~لعيالك. # وعن علي رضي الله تعالى عنه أن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة درهم ~~فمنعه وقال: قال الله تعالى: {إن ترك خيرا} والخير هو المال الكثير وقوله ~~تعالى: {الوصية} مرفوع بكتب وذكر فعلها للفاصل ولأنها بمعنى أن يوصي ولذلك ~~ذكر الراجع في قوله: فمن بدله بعدما سمعه والعامل في إذا مدلول كتب لا ~~الوصية لتقدمه عليها وجواب أن أي: فليوص {للوالدين والأقربين بالمعروف} ~~بالعدل فلا يفضل الغني ولا يتجاوز الثلث لما روي عن سعيد بن مالك رضي الله ~~تعالى عنه قال: «جاءني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت: يا رسول الله ~~أوصي بمالي كله قال: لا قلت: فالشطر قال: لا قلت: فالثلث قال: الثلث والثلث ~~كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ~~بأيديهم» أي: يسألون الناس الصدقة بأكفهم، وقوله تعالى: {حقا} مصدر قال ~~البيضاوي تبعا للزمخشري وغيره مؤكد لمضمون الجملة قبله أي: حق ذلك حقا ورده ~~أبو حيان بأن قوله تعالى على المتقين متعلق بحقا أو صفة له وكل منهما يخرجه ~~عن التأكيد، ms0194 أما الأول فلأن المصدر المؤكد لا يعمل إنما يعمل المصدر الذي ~~ينحل إلى حرف مصدري، والفعل أو المصدر الذي هو بدل من اللفظ بالفعل، وأما ~~الثاني فلأن حقا مصدر مخصص بالصفة فلا يكون مؤكدا وقيل: حقا نعت لمصدر كتب ~~أو أوصى أي: كتبا أو إيصاء حقا وقيل: حال من مصدر أحدهما معرفا وقيل: نصب ~~على المفعولية أي: جعل الوصية حقا {على المتقين} الله وهذا منسوخ بآية ~~المواريث وبقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا ~~وصية لوارث» بناء على الأصح من أن الكتاب ينسخ بالسنة وإن لم تتواتر وبذلك ~~ظهر ما في قول بعضهم: إن الكتاب لا ينسخ بالسنة وإن الحديث من الآحاد. # أي: غيره من الأوصياء والشهود {بعدما سمعه} أي: وصل إليه علمه وتحقق عنده ~~{فإنما إثمه} أي: الإيصاء المبدل {على الذين يبدلونه} والميت بريء منه، وفي ~~هذا إقامة الظاهر مقام المضمر {إن الله سميع} لما وصى به الموصي {عليم} ~~بفعل الوصي فيجازيه عليه وفي هذا وعيد للمبدل بغير حق. # {فمن خاف من موص} أي: توقع وعلم كقوله تعالى: {فإن خفتم أن لا يقيما حدود ~~الله} (البقرة، 229) أي علمتم وقرأ حمزة بإمالة الألف بعد الخاء من خاف حيث ~~جاء، وقرأ شعبة وحمزة # PageV01P117 # والكسائي بفتح الواو من موص وتشديد الصاد، والباقون بسكون الواو وتخفيف ~~الصاد {جنفا} أي ميلا عن الحق بالخطأ في الوصية {أو إثما} بأن تعمد الحيف ~~في الوصية {فأصلح بينهم} بين الوصي والموصى لهم بإجرائهم على نهج الشرع ~~{فلا إثم عليه} في هذا التبديل؛ لأنه تبديل؛ باطل إلى الحق بخلاف الأول {إن ~~الله غفور رحيم} فيه وعد للمصلح وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم وكون الفعل ~~من جنس ما يؤثم. # {يأيها الذين آمنوا كتب} أي: فرض {عليكم الصيام} هو لغة: الإمساك عما ~~تنازع فيه النفس ومنه قوله تعالى: {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} (مريم، 26) ~~أي: صمتا؛ لأنه إمساك عن الكلام. وفي الشرع: الإمساك عن المفطرات مع النية ~~فإنها معظم ما تشتهيه النفس {كما ms0195 كتب على الذين من قبلكم} من الأنبياء ~~والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال علي رضي الله تعالى عنه: أولهم آدم يعني ~~أن الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم لم يفرضها ~~عليكم وحدكم. # وفي قوله تعالى: {كتب عليكم} إلخ.. توكيد للحكم وترغيب على الفعل وتطييب ~~على النفس وفي موضع التشبيه في كاف كما كتب قولان: أحدهما أن التشبيه في ~~حكم الصوم وصفته لا في عدده. قال سعيد بن جبير: كتب عليهم إذا نام أحدهم ~~قبل أن يطعم أنه لم يحل له أن يطعم إلى الليلة القابلة والنساء عليهم حرام ~~ليلة الصيام وهو عليهم ثابت وقد أرخص لكم هذا، فعلى هذا تكون هذه الآية ~~منسوخة بقوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} (البقرة، 187) الآية ~~فإنها فرقت بين صوم أهل الكتاب وبين صوم المسلمين، والثاني: إنه كصومهم في ~~عدد الأيام لما روي أن رمضان كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان أي: وهو ~~بضم الميم موت يقع على الماشية فزادوا عشرا قبله وعشرا بعده، فجعلوه خمسين ~~وقيل: كان يقع في الحر الشديد وكان يشق عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم ~~فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين ~~الشتاء والصيف فجعلوه في الربيع وقالوا: نزيد عشرين يوما تكفر ما صنعنا. ~~قال السدي عن مشايخه، وقيل: زادوا فيه عشرة أيام أولا كفارة لما صنعوا، ~~فصار أربعين يوما ثم أن ملكهم اشتكى فمه فجعل لله عليه إن هو شفي من وجعه ~~أن يزيد في صومهم أسبوعا، فبرأ فزاد فيه أسبوعا ثم مات ذلك الملك ووليهم ~~ملك آخر فقال: أتموه خمسين يوما وعلى هذا تكون الآية محكمة لا منسوخة. # {لعلكم تتقون} بصومكم للمعاصي، فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما ~~قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة أي: مؤن ~~النكاح فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه ~~له وجاء أي: قاطع لشهوته أو لعلكم تنتظمون في ms0196 زمرة المتقين؛ لأن الصوم ~~شعارهم وقوله تعالى: # {أياما} نصب بصوموا مقدرا بينهما لدلالة الصيام عليه بالصيام لوقوع الفصل ~~بينهما {معدودات} أي: قلائل كقوله تعالى: {دراهم معدودة} (يوسف، 20) وأصله ~~أن المال القليل يقدر بالعدد ويحكر فيه والكثير يهال هيلا ويحثى حثيا أو ~~مؤقتات بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي وقلله تسهيلا على المكلفين وقيل: هي ~~عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر كتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صيامها حين هاجر ثم نسخت بشهر رمضان {فمن كان منكم مريضا} مرضا يضره الصوم ~~ويعسر معه {أو على سفر} أي: مسافرا # PageV01P118 # سفر قصر {فعدة من أيام أخر} أي: فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر من أيام ~~أخر إن أفطر، فحذف الشرط وهو إن أفطر والمضاف وهو صوم والمضاف إليه وهو ~~أيام المرض والسفر للعلم بها. # واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر، والأصح فيه ما قدرناه وذهب أهل ~~الظاهر إلى أن ما ينطلق عليه اسم المرض يبيح الفطر وهو قول ابن سيرين: فقد ~~دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه وفي السفر الذي يباح فيه ~~الفطر والأصح فيه أيضا ما قدرناه وهو مرحلتان. وقال الأوزاعي: أقله مرحلة، ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه: ثلاثة أيام {وعلى الذين يطيقونه} أي: إن أفطروا ~~{فدية} هي {طعام مسكين} أي: قدر ما يأكله في يوم وهو مد على الأصح من غالب ~~قوت بلده وقال بعضهم: نصف صاع من القمح أو صاع من غيره وقال بعضهم: ما كان ~~المفطر يتقوته يومه الذي أفطره وقال ابن عباس: يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره. # واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها، فذهب أكثرهم إلى أنها منسوخة ~~وهو قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما وذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام ~~مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا وإنما خيرهم الله تعالى؛ لأنهم ~~كانوا لم يتعودوا الصيام ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى: {فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه} قال ابن عباس: إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا ~~على الولد، فإنها ms0197 باقية بلا نسخ في حقهما، وذهب جماعة منهم إلى أن لفظة لا ~~مقدرة في الآية أي: وعلى الذين لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فدية ~~وهو قول سعيد بن جبير وجعل الآية محكمة، وقرأ نافع وابن ذكوان بغير تنوين ~~في فدية وخفض الميم من طعام والباقون بتنوين فدية ورفع الميم من طعام، وقرأ ~~نافع وابن عامر مساكين بفتح الميم والسين وألف بعد السين وفتح النون، ~~والباقون بكسر الميم وسكون السين ولا ألف بعدها وكسر النون منونة {فمن تطوع ~~خيرا} بالزيادة على القدر المذكور في الفدية {فهو} أي: التطوع {خير له} ~~فيثيبكم الله عليه {وأن تصوموا} أي: أيها المطيقون مبتدأ خبره {خير لكم} ~~أي: من الإفطار والفدية {إن كنتم تعلمون} أي: ما في الصوم من الفضيلة ~~وبراءة الذمة وجواب: إن كنتم محذوف دل عليه خير لكم أي: فالصوم خير لكم ~~وقوله تعالى: # {شهر رمضان} مبتدأ خبره ما بعده أو بدل من الصيام في قوله: {كتب عليكم ~~الصيام} بدل اشتمال أو بدل كل من كل إن قدر مضاف أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ~~ذلكم شهر رمضان أو الشهر من الشهور ورمضان مصدر رمض إذا أحرق فأضيف إليه ~~الشهر وجعل علما ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون. # فإن قيل: إذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعا فما وجه ~~ما جاء في الأحاديث من نحو قوله صلى الله عليه وسلم «من صام رمضان إيمانا ~~واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» وقوله صلى الله عليه وسلم «بعد من أدرك ~~رمضان فلم يغفر له» أجيب: بأن ذلك على حذف المضاف لا من اللبس قال ~~التفتازاني: وجاز الحذف من الاعلام وإن كان من قبيل حذف بعض الكلمة؛ لأنهم ~~أجروا مثل هذا العلم مجرى المضاف والمضاف إليه حيث أعربوا الجزأين وإنما ~~سماه العرب بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش، وإما لارتماض ~~الذنوب فيه. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة # PageV01P119 # التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمضان ms0198 الحر قال أئمة اللغة: كان ~~أسماء الشهور في اللغة القديمة: مؤتمر ناجر خوان وبصان حنين ورنه الأصم وعل ~~ناتق عادل هواع يراك فغيرت إلى محرم صفر ربيع الأول ربيع الثاني جمادى ~~الأول جمادى الثانية رجب شعبان رمضان شوال ذي القعدة ذي الحجة على الترتيب ~~وسمي المحرم لتحريم القتال فيه وصفر لخلو مكة عن أهلها إلى الحروب، ~~والربيعان لارتباع الناس فيهما أي: إقامتهم وجماديان لجمود الماء فيهما ~~ورجب لترجيب العرب إياه أي: تعظيمهم له وشعبان لتشعب القبائل فيه، ورمضان ~~لرمض الفصال فيه، وشوال لشول أذناب اللواقح فيه، وذو القعدة للقعود فيه عن ~~الحرب، وذو الحجة لحجهم فيه {الذي أنزل فيه القرآن} جملة من اللوح المحفوظ ~~إلى السماء الدنيا ليلة القدر ثم تنزل منجما إلى الأرض وقيل: ابتدىء فيه ~~إنزاله وكان ذلك ليلة القدر وقيل: أنزل في شأنه القرآن وهو قوله تعالى: ~~{كتب عليكم الصيام} وعن النبي صلى الله عليه وسلم «نزلت صحف إبراهيم أول ~~ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع ~~وعشرين» رواه الإمام أحمد وغيره. # تنبيه: قال ابن عادل: يروى أن جبريل عليه السلام نزل على آدم اثنتي عشرة ~~مرة، وعلى إدريس أربع مرات، وعلى إبراهيم اثنين وأربعين مرة، وعلى نوح ~~خمسين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات، وعلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم أربعة وعشرين ألف مرة، وقرأ ابن كثير القرآن بنقل حركة ~~الهمزة إلى الراء وتصير الراء مفتوحة وألف بعدها في المعرف والمنكر حيث جاء ~~وكذا يقرأ حمزة في الوقف وقوله تعالى: {هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان} حالان من القرآن أي: أنزل وهو هداية للناس لإعجازه من الضلالة ~~إلى الحق وهو آيات واضحات مما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل مما ~~فيه من الحكم والأحكام. # فإن قيل: فما معنى قوله: وبينات من الهدى بعد قوله هدى للناس؟ أجيب: بأنه ~~تعالى ذكر أولا أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله وفرق به ~~الحق والباطل ms0199 من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال ~~{فمن شهد} أي: حضر {منكم الشهر فليصمه} وقوله تعالى: {ومن كان مريضا أو على ~~سفر} أي: فأفطر {فعدة من أيام أخر} تقدم مثله وكرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم ~~من شهد {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} أي: يريد أن ييسر عليكم ~~ولا يعسر ولذلك أباح لكم الفطر في المرض والسفر. واختلفوا هل الفطر في ~~السفر أفضل أو الصوم؟ والأصح أنه إن شق عليه الصوم فالفطر أفضل وإلا ~~فالصوم. وروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم ~~قالوا: لا يجوز الصوم في السفر، ومن صام فعليه القضاء واحتجوا بقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم «ليس من البر الصيام في السفر» وأجاب الأول عن الحديث ~~بأنه محمول على من يشق عليه الصوم فقول جابر بن عبد الله رضي الله تعالى ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل ~~عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا صائم فقال صلى الله عليه وسلم «ليس من البر ~~الصيام في السفر» والدليل على جواز # PageV01P120 # الصوم في السفر قول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: «كنا نسافر مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم ~~على المفطر ولا المفطر على الصائم» . وقوله تعالى: {ولتكملوا العدة ~~ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} أي: الله على نعمه، علل لفعل ~~محذوف دل عليه ما سبق أي: وشرع جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر ~~المرخص له بالقضاء، وبمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، ~~فقوله تعالى: {ولتكملوا العدة} علة الأمر بمراعاة العدة، وقوله تعالى: ~~{ولتكبروا} علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر، وقوله # تعالى: {ولعلكم تشكرون} علة الترخيص من تعظيم الله تعالى بالحمد والثناء ~~عليه، ولذلك عد نوعا من اللف والنشر لطيف المسلك. ومعنى التكبير تعظيم الله ~~تعالى بالحمد والثناء ms0200 عليه، ولذلك عدي بحرف الاستعلاء لكونه مضمنا معنى ~~الحمد كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم، وقيل: تكبير عيد الفطر ~~وقيل: التكبير عند الإهلال، وقرأ شعبة ولتكملوا بفتح الكاف وتشديد الميم ~~والباقون بسكون الكاف وتخفيف الميم. # تنبيه: ورد في فضل شهر رمضان وثواب الصائمين أخبار منها ما رواه أبو ~~هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل رمضان صفدت الشياطين ومردة ~~الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق ~~منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء ~~من النار وذلك كل ليلة» ومنها ما رواه أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . # ومنها ما رواه سلمان قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم ~~من شعبان فقال: «أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر فيه ليلة القدر خير من ~~ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من ~~الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين ~~فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر ~~يزداد فيه الرزق؛ من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من ~~النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا: يا رسول الله ~~ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يعطي الله ~~هذا الثواب لمن فطر صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن سقى ~~صائما سقاه الله عز وجل من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، وهو ~~شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع ~~خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى لكم عنهما فأما الخصلتان ms0201 ~~اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما ~~اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار» . # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ~~«كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم؛ ~~فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: ~~فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح ~~المسك، الصوم جنة» . # وعن سهل بن سعد أنه قال: قال رسول الله صلى # PageV01P121 # الله عليه وسلم «في الجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان لا يدخله ~~إلا الصائمون» وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصائم: رب إني منعت الطعام والشهوات ~~بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه ~~فيشفعان» . # وسأل جماعة النبي صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ~~فنزل # {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} أي: فقل لهم إني قريب وهو تمثيل لكمال ~~علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم، ~~ونحوه قوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق، 16) وقوله تعالى: ~~{أجيب دعوة الداع إذا دعان} أي: بإنالته ما سأل تقرير للقرب، ووعد للداعي ~~بالإجابة، وقرأ ورش وأبو عمرو بإثبات الياء فيهما وصلا لا وقفا، واختلف عن ~~قالون فيهما والباقون بحذفها وصلا ووقفا. # فإن قيل: ما وجه قوله تعالى: {أجيب دعوة الداع} وقوله: {ادعوني أستجب ~~لكم} () وقد يدعى كثيرا فلا يجيب؟ أجيب: بأنهم اختلفوا في معنى الآيتين ~~فقيل: معنى الدعاء هنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب، وقيل: معنى الآيتين ~~خاص وأن لفظهما عام، تقديره: أجيب دعوة الداع إن شئت كما قال تعالى: {فيكشف ~~ما تدعون إليه إن شاء} (الأنعام، 41) أو أجيب دعوة الداع إن وافق القضاء، ~~أو أجيبه إن كانت الإجابة خيرا له، أو أجيبه إن لم يسأل ms0202 محالا. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«يستجيب الله لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل» قالوا: وما ~~الاستعجال يا رسول الله؟ قال: يقول قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لي ~~فيتحسر عند ذلك فيدع، أي: يترك الدعاء» وقيل: هو عام، ومعنى قوله أجيب أي: ~~أسمع ويقال: ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة، فأما إعطاء الأمنية فليس ~~بمذكور فيها، وقد يجيب السيد عبده، أو الوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله، ~~فالإجابة لا محالة عند حصول الدعوة، وقيل: معنى الآية: أنه لا يخيب دعاءه، ~~فإن قدر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدر له ادخر الثواب له في الآخرة، أو كف ~~عنه به سوءا لقوله صلى الله عليه وسلم «ما على الأرض رجل مسلم يدعو الله ~~بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء بمثلها ما لم يدع بإثم أو ~~قطيعة رحم» . وقيل: إن الله يجيب دعوة المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ~~ليدعوه فيسمع صوته، ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته. وقيل: إن ~~للدعاء آدابا وشرائط، وهي أسباب الإجابة، فمن استكملها كان من أهل الإجابة، ~~ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الجواب. {فليستجيبوا ~~لي} إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أجيبهم إذا دعوني بمهماتهم، وقوله ~~تعالى: {وليؤمنوا بي} أمر بالثبات والمداومة على الإيمان {لعلهم} أي: لكي ~~{يرشدون} والرشد إصابة الحق. # أي: الليلة التي تصبحون منها صائمين {الرفث إلى نسائكم} الرفث: كناية عن ~~الجماع؛ لأنه لا يكاد يخلو عن رفث وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، كلفظ ~~الوطء والجماع، فإنه يجب أن يكنى عنه بلازم من لوازمه كالرفث وعدي بإلى ~~لتضمنه معنى الإفضاء، وكني عن الجماع هنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ~~بخلاف قوله: {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} () استهجانا لما وجد منهم قبل ~~الإباحة، ولذلك سماه فيما يأتي خيانة قال: ابن عباس رضي الله تعالى # PageV01P122 # عنهما ms0203 إن الله تعالى حي كريم يكني كل ما ذكر في القرآن من المباشرة ~~والملامسة والإفضاء والدخول، فالرفث إنما عني به الجماع، وقال الزجاج: ~~الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجال من النساء، قال أهل التفسير: كان في ~~ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب والنساء إلى أوان العشاء ~~الآخرة، أو يرقد قبلها فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه الطعام ~~والشراب والنساء إلى الليلة القابلة، ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى ~~عنه واقع أهله بعدما صلى العشاء، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من ~~نفسي هذه الخاطئة، إني رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة ~~فسولت لي نفسي، فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «ما كنت جديرا بذلك يا عمر» فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزل في عمر ~~وأصحابه هذه الآية، وفي تجويز المباشرة في جميع الليل دليل على جواز تأخير ~~الغسل إلى الفجر وصحة صوم الصبح جنبا. # {هن لباس} أي: سكن {لكم وأنتم لباس} أي: سكن {لهن} كما قال تعالى: {وجعل ~~منها زوجها ليسكنإليها} (الأعراف، 189) وكما قيل: لا يسكن شيء إلى شيء ~~كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وقيل: سمي كل واحد من الزوجين لباسا؛ ~~لتجردهما عند النوم وتعانقهما واجتماعهما في ثوب واحد حتى يصير كل واحد من ~~الزوجين لصاحبه كالثوب الذي يلبسه. قال الجعدي: # *إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... تثنت فكانت عليه لباسا* # والضجيع: المضاجع، وما زائدة، وثنى عطفها: أمال شقها، وتثنت مالت، ~~والشاهد في قوله: فكانت عليه لباسا وقيل: إن كلا منهما يستر حال صاحبه ~~ويمنعه من الفجور، كما جاء في الخبر: «من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه. # {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} أي: تظلمونها بتعريضها للعقاب، ~~وتنقيص حظها من الثواب بالمجامعة بعد العشاء كما وقع ذلك لعمر وغيره، وقال ~~البراء: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء ms0204 رمضان كله وكان رجال ~~يخونون أنفسهم، فأنزل الله هذه الآية. # {فتاب عليكم} أي: قبل توبتكم {وعفا عنكم} أي: محا ذنوبكم، ولم يمل أحد ~~ألف عفا لأنه واوي {فالآن} أي إذا نسخ عنكم التحريم {باشروهن} أي: جامعوهن ~~حلالا، وسمى المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد منهما بصاحبه {وابتغوا} ~~أي: واطلبوا {ما كتب الله لكم} أي: ما قسم لكم، وأثبت في اللوح من الولد ~~بالمباشرة أي: لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له ~~النكاح من التناسل، أو قصد العفة، وقال مجاهد: ابتغوا الولد فإن لم تلد هذه ~~فهذه، وقال مقاتل: وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب ~~والجماع. في اللوح المحفوظ، وقيل: وابتغوا المحل الذي كتب الله لكم وحلله ~~دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم وقيل: هو نهي عن العزل لأنه في ~~الحرائر. # فقوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر} أي: الصادق، نزل في رجل من الأنصار، قال عكرمة: اسمه أبو قيس، ~~وذلك أنه ظل نهاره يعمل في أرض وهو صائم فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر، فقال ~~لامرأته: قدمي الطعام وأرادت المرأة أن تطعمه شيئا، سخنا فأخذت تعمل له في ~~شيء وكان في ابتداء الإسلام # PageV01P123 # من صلى العشاء أو نام قبلها حرم عليه الطعام والشراب، فلما فرغت من طعامه ~~إذ هو قد نام وكان قد أعيا وكل، فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله، وأبى أن ~~يأكل، فأصبح صائما مجهودا فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه، فلما أفاق أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: «يا أبا قيس مالك أمسيت طليحا، ~~فذكر له حاله فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه ~~الآية» . # وقد شبه سبحانه وتعالى أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، وما يمتد ~~معه من غبش الليل بخيطين أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله: من ~~الفجر عن بيان الخيط الأسود؛ لدلالته عليه ويصح أن تكون من ms0205 للتبعيض، فإنما ~~يبدو بعض الفجر، وعلى كل منهما فهي مع مدخولها في محل الحال، والمعنى على ~~التبعيض حال كون الخيط الأبيض بعضا من الفجر وعلى البيان حال كونه هو ~~الفجر. # فإن قيل: كيف التبس على عدي بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى ~~عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أقوم من الليل فلا يتبين لي ~~الأسود من الأبيض، فلما أصبحت غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~فضحك وقال: «إن كان وسادك إذا لعريضا» وروي: «إنك لعريض القفا إنما ذاك ~~بياض النهار من الليل» أجيب: بأنه غفل عن البيان ولذلك عرض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قفاه؛ لأنه مما يستدل به على بلادة الرجل وقلة فطنته، وقال ~~سهل بن سعد الساعدي نزلت ولم ينزل من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ~~ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى ~~يتبينا له، فأنزل الله تعالى بعد ذلك من الفجر. # فإن قيل: كيف جاز فعل ذلك في رمضان مع تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث ~~لا يفهم منه المراد؟ أجيب: بأن ذلك كان قبل دخول رمضان، وتأخير البيان إلى ~~وقت الحاجة جائز، واكتفى أولا باشتهارهما في ذلك، ثم صرح بالبيان لما التبس ~~على بعضهم. {ثم أتموا الصيام} من الفجر {إلى الليل} أي: إلى دخوله بغروب ~~الشمس، كما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت ~~الشمس فقد أفطر الصائم» أي: دخل وقت إفطاره. # تنبيه: إنما قدرت في الآية الكريمة من الفجر ليدل على عدم جواز النية في ~~النهار في صوم رمضان كما هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ ولأن إلى ~~يكون المغيا بها ينقضي شيئا فشيئا، والإتمام فعل الجزء الأخير فقط، وهو ~~ينقضي كذلك، وفي الآية دليل على نفي الوصال؛ لأنه تعالى جعل الليل غاية ~~الصوم وغاية الشيء منتهاه، وما بعدها يخالف ms0206 ما قبلها. {ولا تباشروهن} أي: ~~نساءكم {وأنتم عاكفون} أي: مقيمون {في المساجد} بنية الاعتكاف، والمراد ~~بالمباشرة الوطء، والآية نزلت في نفر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ~~كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها ~~فجامعها، ثم اغتسل ثم يرجع إلى المسجد، فنهوا عن ذلك ليلا ونهارا حتى ~~يفرغوا من اعتكافهم، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد، ~~وأن يكون في المسجد لا في غيره؛ إذ ذكر المساجد لا جائز أن يكون لجعلها ~~شرطا في منع مباشرة المعتكف لمنعه منها، وإن كان خارج المسجد ويمنع غيره ~~أيضا منها # PageV01P124 # فيها، فتعين كونها شرطا لصحة الاعتكاف، وأن الوطء محرم في الاعتكاف ~~ويفسده؛ لأن النهي في العادات يوجب الفساد، أما ما دون الجماع من المباشرات ~~فإن كان بشهوة فحرام، ولا يبطل اعتكافه إن لم ينزل، فإن أنزل وكان بلا حائل ~~فكالجماع وإلا فلا، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف أدنى إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل ~~البيت إلا لحاجة الإنسان» {تلك} الأحكام المذكورة وهي قوله تعالى: {الآن ~~باشروهن} إلى قوله تعالى {في المساجد} {حدود الله} حدها لعذابه ليقفوا ~~عندها {فلا تقربوها} نهى تعالى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل؛ لئلا ~~يداني الباطل فضلا أن يتخطى عنه، وهذا أبلغ من قوله تعالى في آية أخرى {فلا ~~تعتدوها} (البقرة، 229) ، لكن في ذلك مأمورات وهي لا ينهى عن قربانها، ~~فالمراد منها أضدادها بناء على أن # الأمر بالشيء نهي عن ضده أو مستلزم له؛ ليصح النهي عن قربانها، ويجوز أن ~~يراد بحدود الله محارمه ونواهيه. وعلى هذا فالنهي عن القربان ظاهر كما قال ~~عليه الصلاة والسلام: «إن لكل ملك حمى، وإن حمى الله في أرضه محارمه، فمن ~~رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» رواه الشيخان {كذلك} أي: كما بين لكم ما ~~ذكر {يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} أي: لكي يتقوا مخالفة الأوامر ~~والنواهي فينجوا من ms0207 العذاب. # {ولا تأكلوا أموالكم بينكم} أي: لا يأكل بعضهم مال بعض {بالباطل} أي: ~~الحرام شرعا كالغصب والسرقة وقوله تعالى: {وتدلوا} مجزوم داخل في حكم ~~النهي، أو منصوب بإضمار، أن والإدلاء الإلقاء أي: ولا تلقوا {بها} أي: ~~بحكومتها وبالأموال رشوة {إلى الحكام لتأكلوا} بالتحاكم {فريقا} أي: طائفة ~~{من أموال الناس بالإثم} أي: بما يوجب إثما كشهادة الزور واليمين الكاذبة ~~أو متلبس بالإثم، فالباء إما للسببية فتكون متعلقة بتأكلوا، أو للمصاحبة ~~فتتعلق بمحذوف، وتكون مع مدخولها حالا من فاعل تأكلوا {وأنتم تعلمون} أنكم ~~مبطلون فإن ارتكاب المعصية مع العلم أقبح. # روي «أن عبدان الحضرمي ادعى على امرىء القيس الكندي قطعة أرض ولم يكن له ~~بينة فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلف امرؤ القيس فهم بالحلف ~~فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا} (آل عمران، 77) فارتدع عن اليمين، وسلم الأرض لعبدان» ~~فنزلت، وهو دليل على أن حكم القاضي لا ينفذ في باطن الأمر وفيه خلاف ظاهر، ~~ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لخصمين اختصما إليه: «إنما أنا بشر وأنتم ~~تختصمون لدي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته أي: أقوم وأقدر عليها من بعض ~~فأقضي له على ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من أخيه فإنما أقطع له قطعة من ~~نار» قبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي، فقال: «اذهبا وتواخيا ثم ~~استهما ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه» و «سأل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثم يزيد حتى ~~يمتلىء نورا ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود دقيقا كما بدا ولا يكون على ~~حالة واحدة كالشمس؟ فنزل: # {يسئلونك} يا محمد {عن الأهلة} جمع هلال مثل رداء وأردية، والهلال اسم ~~له: أول الليلة الأولى والثانية والثالثة، وبعدها يسمى قمرا، وهنا سماه ~~بأول حالاته لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم: استهل ~~الصبي إذا صرخ حين يولد {قل} ms0208 لهم # PageV01P125 # {هي مواقيت} جمع ميقات أي: معالم {للناس} يعلمون بها أوقات زرعهم ~~ومتاجرهم ومحال ديونهم وصيامهم وإفطارهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدة ~~حملهن وغير ذلك. # وقوله تعالى: {والحج} عطف على الناس أي: يعلمون بها وقته أداء وقضاء، هذه ~~هي الحكمة الظاهرة في ذلك، ولهذا خالف بين الأهلة وبين الشمس فلو استمرت ~~الأهلة على حالة لم يعرف حال ما ذكر، ولما كان الناس في الجاهلية وفي أول ~~الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا ~~دارا من بابه فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته ويدخل منه ويخرج، ~~أو يتخذ سلما فيه فيصعد منه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة ~~والفسطاط، ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا، ~~إلا أن يكون من الحمس وهم: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وبنو عامر بن صعصعة، ~~وبنو نضر بن معاوية، سموا حمسا لشدتهم في دينهم، والحماسة: الشدة والصلاة، ~~فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار فدخل رجل من ~~الأنصار يقال له رفاعة بن تابوت على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لم دخلت من الباب وأنت محرم؟» قال: ~~رأيتك دخلت فدخلت على أثرك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإني ~~أحمس» فقال الرجل: فإن كنت أحمس فإني أحمس رضيت بهداك وبسمتك ودينك فأنزل ~~الله تعالى {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر} أي: ذا البر ~~{من اتقى} الله، بترك مخالفته، ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنهم سألوا ~~عن الحكمة في اختلال حال القمر وعن حكم دخولهم بيوتهم من غير أبوابها أو ~~أنه تعالى لما ذكر أنها مواقيت الحج، وهذا أيضا من أفعالهم في الحج ذكره ~~للاستطراد، وأنهم لما سألوا عما لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم النبوة وتركوا ~~السؤال عما يعنيهم وهو معرفة الحلال والحرام، ويختص بعلم النبوة، عقب ms0209 بذكره ~~جواب ما سألوه تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا عن أمثال ذلك، ويهتموا ~~بالعلم بها، أو على أن المراد به التنبيه على تعكيسهم السؤال وتمثيلهم بحال ~~من ترك باب البيت، # ودخل من ورائه، والمعنى وليس البر أن تعكسوا في مسائلكم ولكن من اتقى ذلك ~~ولم يجسر على مثله. # {وائتوا البيوت من أبوابها} في الإحرام كغيره؛ إذ ليس في العدول برأ، ~~وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها والمراد توطين النفوس ~~وربط القلوب على أن جميع أفعال الله تعالى حكم وصواب من غير اختلاج شبهة، ~~ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه كما في السؤال من الاتهام بمقارنة ~~الشك لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # {واتقوا الله} في تغيير الأحكام {لعلكم تفلحون} لكي تفوزوا بالهدى والبر، ~~وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص البيوت بضم الباء حيث جاء معرفا كان أو منكرا، ~~وكسرها الباقون، ولا خلاف في وليس البر هنا، أن الراء مرفوعة للجميع، وقرأ ~~نافع وابن عامر: ولكن بكسر النون مخففة ورفع الراء، والباقون بفتح النون ~~مشددة ونصب الراء، ولما صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت ~~عام الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه للعمرة، ~~وكانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون # PageV01P126 # من البيت الحرام، وصالحوه على أن يرجع من قابل، فيخلوا له مكة ثلاثة أيام ~~فيطوف بالبيت، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعمرة القضاء وخاف المسلمون أن لا يوفوا لهم ويقاتلوهم في الحرم، والإحرام ~~والشهر الحرام، وكره المسلمون ذلك نزل. # {وقاتلوا} أي: جاهدوا {في سبيل الله} لإعلاء كلمته وإعزاز دينه {الذين ~~يقاتلونكم} من الكفار {ولا تعتدوا} عليهم بالابتداء بالقتال {إن الله لا ~~يحب المعتدين} أي: لا يريد بهم الخير؛ لأنه غاية المحبة إذ المحبة حقيقتها ~~محال في حقه تعالى؛ لأنها ميل النفس، وسبب ذلك أنهم كانوا منعوا من قتال ~~الكفار وأمروا بالصبر على أذاهم بقوله تعالى: {لتبلون في ms0210 أموالكم} (آل ~~عمران، 186) الآية، ثم أمروا به إذا ابتدؤوا به بهذه الآية، ثم أبيح لهم ~~ابتداؤه في غير الأشهر الحرم بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} ~~(التوبة، 5) الآية، ثم أمروا به مطلقا من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله ~~تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: وجدتموهم في حل أو حرم، وقرأ أبو عمرو ~~بإدغام الثاء في الثاء بخلاف عنه، حيث جاء {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي: ~~من مكة وقد فعل ذلك بمن لم يسلم عام الفتح {والفتنة} أي: الشرك منهم {أشد} ~~أي: أعظم {من القتل} لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه، أو المحنة ~~التي يفتتن بها الإنسان: كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها ~~وتألم النفس بها. قيل لبعض الحكماء: ما أشد من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه ~~الموت. وقال القائل: # *لقتل بحد السيف أهون موقعا ... على النفس من قتل بحد فراق # وقيل: الفتنة عذاب الآخرة كما قال تعالى: {ذوقوا فتنتكم} (الذاريات، 14) ~~. # {ولا تقاتلوهم} أي: لا تبدؤوهم {عند المسجد الحرام} أي: في الحرم {حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم} فيه {فاقتلوهم} فيه فإنهم هم الذين هتكوا حرمته، ~~وقرأ حمزة والكسائي: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم بفتح التاء الفوقية من ~~تقتلوهم والياء من يقتلوكم وسكون القاف ولا ألف بعد القاف وضم التاء فيهما، ~~والباقون بفتح التاء والياء وفتح القاف وبعد القاف ألف وكسر التاء، وأما ~~فإن قاتلوكم فحذف حمزة والكسائي الألف وأثبتها الباقون، والمعنى على قراءة ~~حمزة والكسائي: حتى يقتلوا بعضكم، جعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم ~~كقول بعض العرب: قتلنا بني أسد أي: بعضهم، وقال بعضهم: وإن تقتلونا نقتلكم. # {كذلك} أي: القتل والإخراج {جزاء الكافرين} أي: يفعل بهم مثل ما فعلوا ~~{فإن انتهوا} عن الكفر وأسلموا {فإن الله غفور} يغفر لهم ما قد سلف {رحيم} ~~بهم فلا يؤاخذ بذلك. # {وقاتلوهم حتى لا تكون} أي: توجد {فتنة} أي: شرك {ويكون الدين} أي: ~~العبادة {} وحده لا يعبدون سواه {فإن انتهوا} عن الشرك فلا تعتدوا عليهم. ~~دل على هذا {فلا عدوان} أي: اعتداء ms0211 بقتل أو غيره {إلا على الظالمين} أي: ~~فلا تعتدوا على المنتهين؛ إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم والفاء الأولى ~~للتعظيم والثانية للجزاء وسمي جزاء، الظالمين عدوانا للمشاكلة كقوله تعالى: ~~{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} . # {الشهر الحرام} أي: المحرم مقابل {بالشهر الحرام} وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما خرج معتمرا في ذي القعدة سنة ست، وصده المشركون عن البيت ~~بالحديبية، ورجع في العام القابل في ذي القعدة وقضى عمرته سنة سبع واستعظم ~~المسلمون قتالهم في الشهر الحرام # PageV01P127 # نزلت هذه الآية، أي: هذا الشهر بذلك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به. # وقوله تعالى: {والحرمات قصاص} احتجاج عليه أي: كل حرمة وهو ما يجب أن ~~يحافظ عليها يجري فيها القصاص، وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر الحرام ~~والبلد الحرام وحرمة الإحرام، أي: فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم ~~مثله، وادخلوا عليه عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم، أي: كما قال تعالى: {فمن ~~اعتدى عليكم} بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام {فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم} سمي الجزاء باسم الاعتداء على ازدواج الكلام كقوله ~~تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى، 40) . # {واتقوا الله} في الانتصار لأنفسكم منهم، ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم ~~{واعلموا أن الله مع المتقين} بالعون والنصر فيحرسهم ويصلح شأنهم. # {وأنفقوا في سبيل الله} أي: طاعته سواء الجهاد وغيره {ولا تلقوا بأيديكم} ~~أي: بأنفسكم، عبر بالأيدي عن الأنفس كقوله تعالى: {بما كسبت أيديكم} ~~(الشورى، 30) أي: بما كسبتم والباء زائدة {إلى التهلكة} أي: الهلاك ~~بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو الإسراف فيها، حتى يفقر نفسه ويضيع عياله، ~~أو عن ترك الزور الذي هو تقوية للعدو. # روي أن رجلا من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس: ألقى بيده إلى ~~التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري: نحن أعلم بهذه الآية، وإنما نزلت فينا، ~~صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصرناه، وشهدنا معه المشاهد، وآثرناه ~~على أهلنا وأولادنا وأموالنا، فلما فشا الإسلام وكثر أهله ووضعت الحرب ~~أوزارها رجعنا ms0212 إلى أهلينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها، فكانت ~~التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في ~~سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية، فتوفي هناك ~~ودفن في أصل سورها وهم يستسقون به. # وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» ~~وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني: الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من ~~رحمة الله، تعالى قال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول: قد هلكت ليست ~~لي توبة فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ~~كما قال تعالى: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف، 87) ~~{وأحسنوا} أي: بالنفقة وغيرها {إن الله يحب المحسنين} أي: يثيبهم. # {وأتموا الحج والعمرة} أي: أدوهما بحقوقهما. وفي الآية حينئذ دليل على ~~وجوبهما، إذ الأصل في الأمر الوجوب وما روي عن جابر أنه قال: «يا رسول الله ~~العمرة واجبة مثل الحج فقال: لا» معارض بما روي أن رجلا قال لعمر رضي الله ~~تعالى عنه: إني وجدت أي: علمت الحج والعمرة مكتوبين علي أهللت بهما جميعا، ~~فقال: هديت لسنة نبيك، ولا يقال إنه فسر وجدانهما مكتوبين بقوله: أهللت ~~بهما؛ لأنه رتب الإهلال بهما على الوجدان، وذلك يدل على أنه سبب الإهلال ~~دون العكس وقيل: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، روي ذلك عن علي وابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهم وقيل: إن تفرد لكل واحد منهما سفرا، وقيل: أن ~~تكون النفقة حلالا وقيل: أن تخلصهما للعبادة ولا تشوبهما بشيء من التجارة ~~والأغراض الدنيوية. # {فإن أحصرتم} أي: منعتم عن إتمامهما يقال: حصره وأحصره العدو إذا منعه ~~قال # PageV01P128 # تعالى {الذين أحصروا في سبيل الله} (البقرة، 273) وقال القائل: # *وما هجر ليلى أن تكون تباعدت ... عليك ولا إن أحصرتك شغول* # لكن الأشهر: أن يقال في العدو وحصره وفي المرض أحصره، والمراد ms0213 هنا حصر ~~العدو لقوله تعالى: {فإذا أمنتم} ولنزول الآية في الحديبية ولقول ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما: لا حصر إلا حصر العدو، أما ما روي عنه عليه الصلاة ~~والسلام من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل» فمحمول على من شرطه؛ لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: لضباعة بنت الزبير: «حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث ~~حبستني» ومحلي بكسر الحاء: محل الحبس والحصر ويجوز أن يكون مصدر اسميا. # {فما استيسر من الهدي} أي: فإن أردتم التحلل فعليكم ما استيسر أو ~~فالواجب، أو فأهدوا ما استيسر من الهدي، وهو بدنة أو بقرة أو سبع من أحدهما ~~أو شاة يذبحها، حيث أحصر في حل أو حرم عند الأكثر؛ لأنه عليه الصلاة ~~والسلام ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل وقيل: لا بد أن يبعث بها إلى ~~الحرم لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله} (البقرة، 196) ~~أي: لا تحلقوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ محله أي: مكانه ~~الذي يجب أن يذبح فيه، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه ~~فيه حلا كان أو حرما، لكن يندب إرساله إلى الحرم خروجا من خلاف أبي حنيفة ~~واقتصاره تعالى على الهدي دليل عدم القضاء كما قاله الشافعي، وذهب أبو ~~حنيفة إلى وجوب القضاء، ولا بد من نية التحلل عند الذبح أو الحلق أو ~~التقصير بعده مع نية التحلل، وبذلك يحصل التحلل والمحل بالكسر يطلق للمكان ~~والزمان. # {فمن كان منكم مريضا} أي: مرضا يحوجه إلى الحلق {أو به أذى من رأسه} كقمل ~~وصداع فحلق في الإحرام {ففدية} أي: فعليه فدية إن حلق ولو بعض شعر رأسه، ~~ثلاث شعرات فأكثر ولاء {من صيام} وهو ثلاثة أيام {أو صدقة} وهي ثلاثة آصع ~~من غالب قوت البلد على ستة مساكين، لكل واحد نصف صاع {أو نسك} وهو بدنة أو ~~بقرة أو سبع واحد منهما أو شاة، وعن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال له: «لعلك آذاك هوام رأسك ms0214 قال: نعم يا رسول الله قال: احلق ~~وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة» وكان كعب يقول: أنزلت في ~~هذه الآية، وللتخيير وألحق بالمعذور من حلق لغير عذر؛ لأنه أولى بالكفارة، ~~وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب والدهن واللبس لعذر أو غيره. # {فإذا أمنتم} من العدو بأن ذهب أو كنتم في حال سعة وأمن {فمن تمتع ~~بالعمرة} أي: بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام {إلى الحج} أي: الإحرام به، ~~بأن يكون أحرم بها في أشهره {فما استيسر} أي: فعليه ما تيسر {من الهدي} وهو ~~ما تقدم بذبحه بعد الإحرام بالحج ويجوز تقديمه على الإحرام به بعد الفراغ ~~من العمرة {فمن لم يجد} أي: الهدي لفقده أو فقد ثمنه {فصيام} أي: فعليه ~~صيام {ثلاثة أيام في الحج} أي: في حال إحرامه به، ولا يجوز له أن يقدمه على ~~الإحرام؛ لأنه عبادة بدنية فلا يجوز تقديمه على وقته ولا تأخيره عنه، ~~والأفضل أن يحرم قبل السادس لكراهة صوم عرفة، ولا يجب عليه أن يحرم قبل زمن ~~يسع الصوم بل يستحب له لكن إذا أحرم وجب عليه الصوم، ولا يجوز أن يصوم يوم ~~النحر ولا أيام التشريق على أصح قولي الشافعي وهو ما عليه # PageV01P129 # الأكثر. # {وسبعة} من الأيام {إذا رجعتم} إلى وطنكم مكة أو غيرها، وقيل: إذا فرغتم ~~من أعمال الحج وفيه النفقات عن الغيبة، وفائدة قوله تعالى: {تلك عشرة} أن ~~لا يتوهم أن الواو بمعنى أو كقولك جالس الحسن وابن سيرين، ألا ترى أنه لو ~~جالسهما جميعا أو واحدا منهما كان ممتثلا، وأن يعلم العدد جملة كما علم ~~تفصيلا؛ ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم، فإن أكثر العرب لم يحسنوا ~~الحساب. وفي أمثال العرب: علمان خير من علم، وأن المراد بالسبعة العدد دون ~~الكثرة فإنه يطلق لهما، وقوله تعالى: {كاملة} صفة مؤكدة تفيد المبالغة في ~~محافظة العدد بأن لا يتهاون بها، ولا ينقص من عددها كما تقول للرجل إذا كان ~~لك اهتمام بأمر تأمره به وكان منك بمنزلة الله الله ms0215 لا تقصر. أو مبينة كمال ~~العشرة فإنه أول عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد وتتم مراتبها وقيل: كاملة في ~~وقوعها بدلا من الهدي، بحيث لا يقصر ثواب الصوم عن ثواب الهدي. # {ذلك} أي: الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع {لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام} وهم من مساكنهم دون مرحلتين من الحرم لقربهم ~~منه والقريب من الشيء يقال: إنه حاضره قال تعالى: {واسألهم عن القرية التي ~~كانت حاضرة البحر} (الأعراف، 163) أي: قريبة منه، وفي ذكر الأهل إشعار ~~باشتراط الاستيطان فلو أقام قبل أشهر الحج ولم يستوطن وتمتع فعليه ذلك، وهو ~~أصح قولي الشافعي والثاني لا، والأهل كناية عن النفس وألحق بالمتمتع فيما ~~ذكر بالسنة القارن: وهو من يحرم بالعمرة والحج معا أو يدخل الحج عليها قبل ~~الطواف. # {واتقوا} بالمحافظة على أوامره ونواهيه وخصوصا في الحج {واعلموا أن الله ~~شديد العقاب} لمن خالفه ليكون عملكم بشديد عقابه لطفا لكم في التقوى. # {الحج أشهر} أي: وقته كقولك البرد شهران {معلومات} وهي شوال وذو القعدة ~~وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر عندنا، والعشر كله عند ~~أبي حنيفة وذو الحجة كله عند مالك، وعلى الأولين إنما سمي شهرين وبعض شهر ~~أشهرا إقامة للبعض مقام الكل، وإطلاقا للجمع على ما فوق الواحد كما في قوله ~~تعالى: {فقد صغت قلوبكما} (التحريم، 4) لحفصة وعائشة. # {فمن فرض} على نفسه {فيهن الحج} بالإحرام به عندنا أو بالتلبية أو بسوق ~~الهدي عند أبي حنيفة، وفيه دليل على أن من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ~~ينعقد إحرامه بالحج، وهو قول ابن عباس وجماعة من الصحابة، وإليه ذهب ~~الأوزاعي والشافعي، وقال: ينعقد إحرامه عمرة؛ لأن الله تعالى خص هذه الأشهر ~~بفرض الحج فيها، فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة، كما أنه ~~تعالى علق الصلاة بالمواقيت، ثم من أحرم بفرض الصلاة قبل دخول وقته لم ~~ينعقد إحرامه عن الفرض، وإنما انعقد عمرة لأن الإحرام شديد التعلق، وذهب ~~جماعة ms0216 إلى أنه ينعقد إحرامه بالحج وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة، أما ~~العمرة فجميع السنة وقت لها إلا أن يكون عليه بقية من أعمال الحج كالرمي. # {فلا رفث} أي: جماع فيه كما قال ابن عباس وجماعة من الصحابة، وقيل: الرفث ~~غشيان النساء والقبلة والغمز وأن يعرض لها بالفحش من الكلام، وقيل: هو ~~الفحش والقول القبيح. # {ولا فسوق} أي: ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات وقيل: ~~هو السباب والتنابز بالألقاب {ولا جدال} أي: خصام مع الخدم # PageV01P130 # والرفقة وغيرهما {في الحج} أي: في أيامه، فنفى الثلاث على قصد النهي ~~للمبالغة وللدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون وما كان منها مستقبحا في ~~نفسه، ففي الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب بقراءة القرآن، وهو ~~مد الصوت وتحسينه بحيث يخرج الحروف عن هيأتها، فإنه يقبح في كل كلام لكنه ~~في قراءة القرآن أقبح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع الثاء من رفث والقاف ~~من فسوق، والتنوين فيهما على معنى لا يكون رفث ولا فسوق والباقون بنصبهما ~~ولا خلاف في {ولا جدال} فالجميع بالنصب ولا تنوين على معنى الإخبار، كأنه ~~قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج، وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف ~~بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه ~~سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد ورد الوقوف إلى عرفة، فأخبر الله تعالى ~~أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق ~~دون الجدال بقوله صلى الله عليه وسلم «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة ~~يوم ولدته أمه» فإنه لم يذكر الجدال {وما تفعلوا من خير} كصدقة {يعلمه ~~الله} فيه حث على الخير حيث عقب به النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح ~~من الكلام الحسن، ومكان الفسوق: البر والتقوى، ومكان الجدال: الوفاق ~~والأخلاق الجميلة {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} أي: وتزودوا امعادكم ~~التقوى فإنها خير زاد، روى البخاري وغيره أن أهل اليمن كانوا يخرجون إلى ~~الحج بغير ms0217 زاد ويقولون: نحن متوكلون، ونحن نحج بيت الله تعالى أفلا يطعمنا ~~فيكونون كلا على الناس فيسألونهم، وربما يفضي الحال بهم إلى النهب والغصب، ~~فقال الله جل ذكره: {وتزودوا} أي: ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم، قال أهل ~~التفسير: الكعك والزيت والسويق والتمر ونحوها، {فإن # خير الزاد التقوى} أي: ما يتقي به سؤال الناس وغيره. # {واتقون يا أولي الألباب} أي: يا ذوي العقول فإن قضية اللب خشية الله ~~تعالى وتقواه وحثهم على التقوى، ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله ~~تعالى فيتبرأ من كل شيء سواه، وهو مقتضى العقل العري عن شوائب الهوى فلذلك ~~خص أولي الألباب بهذا الخطاب. # {س2ش198/ش200 ليس عليكم جناح أن تبتغوا? فض? من ربكم? فإذآ أفضتم من ~~عرفات فاذكروا? الله عند المشعر الحرام? واذكروه كما هداكم وإن كنتم من ~~قبله? لمن الضآلين * ثم أفيضوا? من حيث أفاض الناس واستغفروا? الله? إن ~~الله غفور رحيم * فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا? الله كذكركمءابآءكم أو أشد ~~ذكرا? فمن الناس من يقول ربنآءاتنا فى الدنيا وما له? فى ا?خرة من خلاق} # {ليس عليكم جناح} في {أن تبتغوا} أي: تطلبوا {فضلا} أي: رزقا {من ربكم} ~~بالتجارة، في الحج نزلت ردعا لناس من العرب كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام ~~الحج، وإذا دخل العشر كفوا عن البيع والشراء، فلم تقم لهم سوق، ويسمون من ~~يخرج بالتجارة: الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج. # وروى البخاري: أنه كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية، ~~يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا ~~فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم. # وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ ~~فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج. وعكاظ سوق لقيس ومجنة وهي ~~بفتح الميم أشهر من كسرها وبفتح الجيم وتشديد النون سوق لكنانة بمر الظهران ~~وذو المجاز وهو بفتح الميم وبالزاي سوق لهذيل. # {فإذا أفضتم} دفعتم {من عرفات} وأصله أفضتم أنفسكم، فحذف المفعول كما ~~حذفوه ms0218 من دفعوا من موضع كذا، أي: دفعوا أنفسهم، واختلفوا في المعنى الذي ~~لأجله سمي الموقف عرفات واليوم عرفة، فقال عطاء: كان جبريل عليه السلام يري ~~إبراهيم # PageV01P131 # عليه الصلاة والسلام المناسك ويقول: عرفت فيقول: عرفت فسمي المكان لذلك ~~عرفات واليوم عرفة. وقال الضحاك: كان آدم عليه الصلاة والسلام لما أهبط وقع ~~في الهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم ~~عرفة فتعارفا فسمي المكان واليوم بما ذكر. وقال السدي: لما أذن إبراهيم في ~~الناس بالحج وأجابوا بالتلبية وأتاه من أتاه أمره الله تعالى أن يخرج إلى ~~عرفات ونعتها له، فلما بلغ الجمرة الأولى استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع ~~حصيات يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبر، فطار ووقع ~~على الجمرة الثالثة فرماه وكبر، فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب فانطلق ~~إبراهيم حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمي ذا المجاز ثم ~~انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمي المكان واليوم بما ذكر. # فإن قيل: هلا منعت الصرف وفيها السببان: العلمية والتأنيث أجيب: بأن ~~التأنيث لا يخلو: إما أن يكون بالتاء التي في لفظها وأما بتاء مقدرة كما في ~~سعاد فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع ~~التأنيث ولا يصح تقدير التاء فيها لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث ~~مانعة من تقديرها كما، لا تقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي فيها هي ~~بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها، وفي الآية دليل ~~على وجوب الوقوف بعرفة لأن إذا تدل على أن المذكور بعدها محقق لا بد منه، ~~فكأنه قيل بعد إفاضتكم من عرفات التي لا بد منها اذكروا الله، والإفاضة من ~~عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف بها، فوجب أن يكون الوقوف بها واجبا، وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج» .k # {فاذكروا الله} بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات وقيل: بصلاة ~~المغرب ms0219 والعشاء {عند المشعر الحرام} وهو جبل في آخر المزدلفة يقال له قزح، ~~وفي الحديث «أنه صلى الله عليه وسلم وقف به يذكر الله تعالى ويدعو حتى أسفر ~~جدا» رواه مسلم. وقال جابر «دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى ~~بالمزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما ~~شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ~~ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام استقبل القبلة فدعا وكبر وهلل ووحد ~~ولم يزل واقفا حتى أصبح جدا» . # وقوله تعالى: {عند المشعر الحرام} معناه مما يلي المشعر الحرام قريبا منه ~~وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، ~~ويسمى مشعرا من الشعار وهي: العلامة؛ لأنه من معالم الحج، ووصف بالحرام ~~لحرمته وتسمى المزدلفة جمعا؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء، وعن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت ~~الناس هذه الليلة لا ينامون، وقيل: سميت جمعا لأن آدم اجتمع فيها مع حواء ~~عليهما الصلاة والسلام وازدلف إليها أي: دنا منها وقيل: وصفت بفعل أهلها ~~لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي: يتقربون بالوقوف فيها. # {واذكروه كما هداكم} لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل. {وإن كنتم ~~من قبله} أي: الهدى {لمن الضالين} أي: الجاهلين بالإيمان والطاعة، وإن هي ~~المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة وقيل: إن هي النافية واللام بمعنى ~~إلا كقوله تعالى: {وإن نظنك لمن الكاذبين} (الشعراء، 186) أي: ما نظنك إلا ~~من # PageV01P132 # الكاذبين. # {ثم أفيضوا} يا قريش {من حيث أفاض الناس} وذلك أنهم وحلفاءهم ومن دان ~~بدينهم وهم الحمس كانوا يقفون بالمزدلفة وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعا ~~عليهم، ويقولون: نحن أهل الله وقطان حرمه، ولا نخرج منه، فأمروا أن ~~يساووهم، وثم للترتيب في الذكر، وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فمن فرض ~~فيهن الجمع فلارفت ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس، فإذا أفضتم من ms0220 عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وقيل: لتفاوت ~~ما بين الإفاضتين أي: لتراخي الثانية عن الأولى رتبة إذ الأولى هي الصواب ~~والثانية خطأ كما في قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فإنك ~~تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم وإلى غيره وبعد ما بينهما وقيل: ~~ثم بمعنى الواو كما في قوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} (البلد، 17) ~~{واستغفروا الله} من ذنوبكم في تغيير المناسك وغيره {إن الله غفور رحيم} ~~يغفر ذنوب المستغفر وينعم عليه. # {فإذا قضيتم} أي: أديتم {مناسككم} أي: عبادات حجكم كأن رميتم جمرة العقبة ~~وطفتم واستقررتم بمنى، وأدغم أبو عمرو الكاف في الكاف بخلاف عنه، ولم يدغم ~~مثلين من كلمة في القرآن إلا هنا وفي سورة المدثر وهو قوله تعالى: {ما ~~سلككم في سقر} (المدثر، 42) . # {فاذكروا الله} بالتكبير والتحميد والثناء عليه {كذكركم آباءكم} وذلك أن ~~العرب كانت إذا فرغت من الحج وقفت بين المسجد بمنى وبين الجبل فيعدون فضائل ~~آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم، فأمرهم الله تعالى بذكره وقال: فاذكروني فأنا ~~الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم، وأحسنت إليكم وإليهم، وعن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء، وذلك أن الصبي أول ~~ما يتكلم يلهج بذكر أبيه ولا يذكر غيره، فقال الله تعالى: {فاذكروا الله} ~~لا غير كذكر الصبي أباه. # {أو أشد ذكرا} من ذكركم إياهم ونصب أشد على الحال المنصوب باذكروا إذ لو ~~تأخر عنه لكان صفة له {فمن الناس من يقول ربنا آتنا} نصيبنا {في الدنيا} ~~وهم المشركون كانوا لا يسألون الله تعالى في الحج إلا الدنيا، يقولون: ~~اللهم أعطنا غنما وإبلا وبقرا وعبيدا وكان الرجل يقوم فيقول: اللهم إن أبي ~~كان عظيم الفئة كبير الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته {وما له في ~~الآخرة من خلاق} أي: نصيب لأن همه مقصور على الدنيا. # {س2ش201/ش204 ومنهم من يقول ربنآءاتنا فى الدنيا حسنة وفي ا?خرة حسنة ~~وقنا عذاب النار * أو?لا?ئك لهم نصيب مما كسبوا?? والله سريع الحساب ms0221 * ~~واذكروا? الله فى? أيام معدودات? فمن تعجل فى يومين ف? إثم عليه ومن تأخر ~~ف? إثم عليه? لمن اتقى? واتقوا? الله واعلمو?ا? أنكم إليه تحشرون * ومن ~~الناس من يعجبك قوله? فى الحياة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه? وهو ألد ~~الخصام} # {ومنهم} أي: الناس {من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار} بعدم دخولها، وهم المؤمنون، واختلفوا في معنى الحسنتين ~~فقال علي رضي الله تعالى عنه: الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة، والحسنة ~~في الآخرة: الجنة، يدل له قوله صلى الله عليه وسلم «الدنيا متاع وخير ~~متاعها المرأة الصالحة» . # وروي عنه أيضا أنه قال: «الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة ~~الحوراء وعذاب النار المرأة السوء» . وقال الحسن: الحسنة في الدنيا العلم ~~والعبادة، والحسنة في الآخرة الجنة. وقال السدي: الحسنة في الدنيا الرزق ~~الحلال، والحسنة في الآخرة المغفرة والثواب، وأدغم أبو عمرو اللام في الراء ~~بخلاف عنه. # {أولئك} الداعون بالحسنتين {لهم نصيب} أي: ثواب {مما كسبوا} أي: من جنس ~~ما كسبوا من الأعمال الحسنة، أو من أجل ما كسبوا كقوله تعالى: {مما خطاياهم ~~أغرقوا} (نوح، 25) ، ويجوز أن يكون أولئك للفريقين جميعا، وأن لكل فريق ~~نصيبا من جنس ما كسبوا {وا سريع الحساب} # PageV01P133 # أي: إذا حاسب فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا روية فكر، ~~قال الحسن: أسرع من لمح البصر، وفي الحديث: «يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف ~~نهار من أيام الدنيا» . # {واذكروا الله} أي: كبروه أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ورمي الجمار ~~وغيرها، {في أيام معدودات} أي: أيام التشريق الثلاثة وسميت معدودات لقلتهن ~~كقوله تعالى: {دراهم معدودة} (يوسف، 20) ، والأيام المعلومات عشر ذي الحجة ~~آخرهن يوم النحر، والتكبير في الأيام المعدودات عقب كل صلاة ولو فائتة ~~ونافلة مشروع في حق الحاج وغيره، لكن غير الحاج يكبر من صبح يوم عرفة إلى ~~عقب عصر آخر أيام التشريق للاتباع، رواه الحاكم وصحح إسناده. وأما الحاج ~~فيكبر من ظهر يوم النحر لأنها أول صلاته ms0222 بمنى، ولا يسن التكبير عقب صلاة ~~عيد الفطر لعدم وروده. # {فمن تعجل} أي: استعجل بالنفر من منى {في يومين} أي: في ثاني أيام ~~التشريق بعد رمي جماره بعد الزوال عند الشافعي وأصحابه قال في «الكشاف» ~~وعند أبي حنيفة وأصحابه ينفر قبل طلوع الفجر {فلا إثم عليه} بالتعجيل {ومن ~~تأخر} حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره بعد زواله عندنا، أو قال في «الكشاف» ~~: يجوز تقديم الرمي على الزوال عند أبي حنيفة {فلا إثم عليه} بذلك أي: هم ~~مخيرون في ذلك. # فإن قيل: أليس التأخير أفضل؟ أجيب: بأن التخيير يقع بين الفاضل والأفضل ~~كما خير المسافر بين الصوم والإفطار، وإن كان الصوم أفضل عند عدم المشقة، ~~وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من ~~جعل المتأخر آثما، فورد القرآن بنفي الإثم عنهما جميعا، وذلك التخيير ونفي ~~الإثم عن المتعجل والمتأخر {لمن اتقى} الله تعالى في حجه، لأنه الحاج على ~~الحقيقة عند الله تعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «من حج فلم يرفث ~~ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» . # {واتقوا الله} في مجامع أموركم ليعبأ بكم {واعلموا أنكم إليه تحشرون} في ~~الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. # {ومن الناس من يعجبك قوله} أي: يعظم في نفسك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم ~~في النفس، وهو الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة واسمه أبي وسمي الأخنس، ~~لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن القتال مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان منافقا حلو المنظر، حلو الكلام للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يحلف أنه مؤمن به ومحب له، ويقول: يعلم الله أني صادق، وكان رسول صلى ~~الله عليه وسلم يدني مجلسه. # وقوله تعالى: {في الحياة الدنيا} متعلق بالقول، أي: يعجبك ما يقول في ~~أمور الدنيا وأسباب المعاش أو في معنى الدنيا، لأن ادعاءه المحبة بالباطل ~~يطلب به حظا من حظوظ الدنيا ولا يريد به الآخرة، كما يراد بالإيمان الحقيقي ~~والمحبة الصادقة للرسول صلى الله عليه وسلم ms0223 فكلامه إذا في الدنيا لا في ~~الآخرة أو يعجبك قوله في الحياة الدنيا حلاوة وفصاحة، ولا يعجبك في الآخرة ~~لما يرهقه في الموقف من الدهشة واللكنة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام فلا ~~يتكلم حتى يعجبك كلامه. # {ويشهد الله على ما في قلبه} أنه موافق لكلامه {وهو ألد الخصام} أي: شديد ~~الخصومة لك ولأتباعك لعداوته لك وقال الحسن: ألد الخصام أي: كاذب بالقول، ~~وقال قتادة: شديد القسوة في المعصية جدل بالباطل، يتكلم بالحكمة ويعمل ~~بالخطيئة. وفي الحديث: «أن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» . # {س2ش205/ش210 وإذا تولى سعى فى ا?رض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل? ~~والله يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة با?ثم? فحسبه? جهنم? ~~ولبئس المهاد * ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله? والله رءوف? ~~بالعباد * يا?أيها الذينءامنوا? ادخلوا? في السلم كآفة وتتبعوا? خطوات ~~الشيطان? إنه? لكم عدو مبين * فإن زللتم من? بعد ما جآءتكم البينات ~~فاعلمو?ا? أن الله عزيز حكيم * هل ينظرون إ? أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملا???كة وقضى ا?مر? وإلى الله ترجع ا?مور} # {وإذا تولى} # PageV01P134 # أي: انصرف عنك بعد إلانة القول وحلاوة المنطق {سعى} أي: مشى {في الأرض ~~ليفسد فيها} قال ابن جرير بقطع الرحم وسفك دماء المسلمين {ويهلك الحرث ~~والنسل} وذلك أن الأخنس كان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلا فأحرق زرعهم ~~وأهلك مواشيهم، وقيل: وإذا كان واليا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في ~~الأرض بإهلاك الحرث والنسل، وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله تعالى بشؤم ~~ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل، وحكى الزجاج عن قوم: أن الحرث النساء ~~والنسل الأولاد قال: وهذا ليس بمنكر لأن المرأة تسمى حرثا أي: ويدل له قوله ~~تعالى: {فائتوا حرثكم أنى شئتم} (البقرة، 223) {وا لا يحب الفساد} أي: لا ~~يرضى به؛ لأن المحبة وهي ميل القلب محالة في حقه تعالى: فهي مستعملة في حقه ~~تعالى في معنى الرضا. # {وإذا قيل له اتق الله} في فعلك {أخذته العزة} أي: حملته الأنفة والحمية ms0224 ~~على العمل {بالإثم} الذي يؤمر باتقائه {فحسبه} أي: كافيه {جهنم} جزاء ~~وعذابا، وهي علم لدار العقاب وهو في الأصل مرادف للنار، وسميت بذلك لبعد ~~قعرها، وأصلها من الجهم وهو الكراهة والغلظ فالنون زائدة، وقيل: معرب نقل ~~من العجمية إلى العربية وتصرف فيه، وأصله كهنام أبدلت الكاف جيما وأسقطت ~~الألف وقوله تعالى: {ولبئس المهاد} جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف ~~للعلم به تقديره: جهنم، والمهاد الفراش. # {ومن الناس من يشري} أي: يبيع {نفسه} أي: يبذلها في الجهاد أو يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل {ابتغاء مرضاة الله} أي: طلبا لرضاه، ~~وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان الرومي أخذه المشركون في رهط من ~~المؤمنين فعذبوهم، فقال لهم: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم ~~فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا وكان شرط عليهم راحلة ونفقة ~~فأقام بمكة ما شاء الله، ثم خرج إلى المدينة، فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله ~~تعالى عنهما في رجال فقال له أبو بكر: «ربح بيعك أبا يحيى» فقال: وما ذاك؟ ~~فقال: أنزل الله فيك قرآنا وقرأ عليه هذه الآية، فعلى هذا يكون يشري بمعنى ~~يشتري لا بمعنى يبيع ويبذل. # وقيل: نزلت في الزبير والمقداد بن الأسود وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من ~~علماء أصحابك يعلموننا دينك، وكان ذلك مكرا منهم فبعث إليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال أبو هريرة: عشرة ومن جملتهم خبيب فقتلوهم وأسروا خبيبا ~~قال آسره: والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، والله وجدته يوما يأكل قطفا ~~من عنب في يده وإنه لموثوق بالحديد وما بمكة من ثمرة إن كان إلا رزقا رزقه ~~الله خبيبا، ثم أرادوا قتله فخرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل وأرادوا أن ~~يصلبوه فقال: دعوني أصلي ركعتين فتركوه حتى صلاهما ثم قال: لولا أخشى أن ~~تحسبوا أن ما بي من جزع لزدت اللهم أحصهم عددا ms0225 واقتلهم بددا ولا تبق منهم ~~أحدا ثم أنشأ يقول: # *ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان في الله مصرعي* # *وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع* # ثم صلبوه حيا فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد حولي يبلغ سلامي رسولك ~~فأبلغه سلامي، ثم قام عقبة بن الحارث فقتله فلما بلغ النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا الخبر قال: «أيكم ينزل خبيبا عن خشبته # PageV01P135 # وله الجنة؟» . فقال الزبير: أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد، فخرجا ~~يسيران بالليل ويكمنان بالنهار حتى وصلا إليه ليلا، وإذا حول الخشبة أربعون ~~من المشركين نيام فأنزله الزبير وحمله على فرسه وسارا فانتبه الكفار فلم ~~يجدوه فأخبروا قريشا فركب منهم سبعون فلما لحقوهما قذف الزبير خبيبا ~~فابتلعته الأرض فسمي بليع الأرض، ثم رفع الزبير العمامة عن رأسه وقال: أنا ~~الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد بن الأسود، فإن ~~شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة وقدما ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده، فقال: يا محمد إن الملائكة ~~لتتباهى بهذين من أصحابك فنزلت فيهما هذه الآية {وا رؤوف بالعباد} حيث ~~أرشدهم لما فيه رضاه. # ونزل في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه: {يأيها الذين آمنوا ~~ادخلوا في السلم} أي: الإسلام وقوله تعالى: {كافة} حال من السلم لأنها تؤنث ~~كما تؤنث الحرب، كما قال القائل: # *أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع* # *في السلم تأخذ منا ما رضيت به ... والحرب تكفيك من أنفاسها جزع* # أي ادخلوا في جميع شرائعه، وذلك أنهم يعظمون السبت، ويكرهون لحوم الإبل ~~وألبانها بعدما أسلموا، فأمروا أن يدخلوا في جميع شرائعه. # {ولا تتبعوا خطوات} أي: طرق (الشيطان) ، أي تزيينه من تحريم السبت ولحوم ~~الإبل وألبانها. وقرأ نافع وابن كثير والكسائي: السلم بفتح السين، والباقون ~~بكسرها، وتقدم الكلام في خطوات لابن عامر، وقنبل وحفص والكسائي بضم الطاء ~~{إنه لكم عدو مبين} ظاهر العداوة. ms0226 # {فإن زللتم} أي: ملتم عن الدخول في جميعه {من بعد ما جاءتكم البينات} أي: ~~الحجج الظاهرة أنه حق {فاعلموا أن الله عزيز} لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم ~~{حكيم} في صنعه. # تنبيه: قول البيضاوي: حكيم لا ينتقم إلا بحق تبع فيه الزمخشري، وهو مذهب ~~المعتزلة فإنهم يقولون: لا ينتقم إلا بقدر ما يستحقه العاصي، ومذهب أهل ~~السنة أنه ينتقم ويعاقب من شاء بما شاء وإن كان مطيعا؛ إذ هو متصرف في ملكه ~~يفعل ما يشاء بمن شاء وإن لم يقع منه الانتقام إلا ممن أساء. وروي أن قارئا ~~قرأ غفور رحيم بدل عزيز حكيم فسمعه أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره وقال: إن ~~كان هذا كلام الله فلا يذكر الغفران عند الزلل؛ لأنه إغراء عليه. # قوله تعالى: {هل ينظرون} استفهام في معنى النفي أي: ما ينظرون {إلا أن ~~يأتيهم الله} أي: أمره أو بأسه كقوله تعالى: {أو يأتي أمر ربك} (النحل، 33) ~~أي: عذابه وقوله تعالى: {جاءهم بأسنا} (الأنعام، 43) أو {يأتيهم الله ~~ببأسه} (،) فحذف المأتي به للدلالة عليه بقوله تعالى: {إن الله عزيز حكيم} ~~. # {في ظلل} جمع ظلة وهي ما أظلك {من الغمام} أي: من السحاب الأبيض سمي ~~غماما لأنه يغم أي: يستر، وإنما يأتيهم العذاب فيه لأنه مظنة الرحمة وهي ~~نزول المطر فإذا جاء منه العذاب كان أفظع؛ لأن الشر إذا جاء من حيث لا ~~يحتسب كان أصعب، فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير. # {و} تأتيهم {الملائكة} فإنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على ~~الحقيقة ببأسه. قال البغوي: والأولى في هذه الآية وفيما شاكلها أن يؤمن ~~الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله تعالى منزه عن # PageV01P136 # سمات الحوادث وعلى ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة انتهى. # وأما أئمة الخلف فإنهم يؤولون هذه الآية بنحو ما أولنا به وأمثالها، بحسب ~~المقام وهو أحكم، ومذهب السلف أسلم، وكان مكحول ومالك والليث وأحمد يقولون ~~في هذا وأمثاله: أمروها كما جاءت بلا كيف. # {وقضي الأمر} أي: أمر هلاكهم وفرغ منهم ms0227 ووضع الماضي موضع المستقبل لدنوه ~~وتيقن وقوعه {وإلى الله ترجع الأمور} في الآخرة فيجازيهم، وقرأ ابن عامر ~~وحمزة والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون بضم التاء وفتح الجيم ~~وقوله تعالى: # {س2ش211/ش214 سل بنى? إسرا?ءيل كمءاتيناهم منءاية? بينة? ومن يبدل نعمة ~~الله من? بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب * زين للذين كفروا? الحياة ~~الدنيا ويسخرون من الذينءامنوا? والذين اتقوا? فوقهم يوم القيامة? والله ~~يرزق من يشآء بغير حساب * كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبي?ن مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا? فيه? وما ~~اختلف فيه إs الذين أوتوه من? بعد ما جآءتهم البينات بغي?ابينهم? فهدى الله ~~الذينءامنوا? لما اختلفوا? فيه من الحق بإذنه?? والله يهدى من يشآء إلى ~~صراط مستقيم * أم حسبتم أن تدخلوا? الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا? من ~~قبلكم? مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا? حتى يقول الرسول والذينءامنوا? معه? ~~متى نصر الله? أ? إن نصر الله قريب} # {سل} أمر للرسول أو لكل أحد {بني إسرائيل} توبيخا {كم آتيناهم} كم ~~استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعولي آتيناهم ومميزها {من ~~آية} أي: معجزة {بينة} أي: ظاهرة في الدلالة على صدق من جاء بها كقلب العصا ~~حية، وإبراء الأكمه والأبرص وفلق البحر وإنزل المن والسلوى فبدلوها كفرا. # {ومن يبدل نعمة الله} أي: ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية ~~التي هي أجل النعم كفرا {من بعدما جاءته} أي: وصلته وتمكن من معرفتها {فإن ~~الله شديد العقاب} فيعاقبه أشد عقوبة لأنه ارتكب أشد جريمة وهي التبديل. # {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} أي: حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في ~~قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، وأعرضوا عن غيرها، والمزين في الحقيقة هو الله ~~تعالى، إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية، وما ~~خلق الله فيها من الأمور البهيمية والأشياء الشهية مزين بالعرض، واختلف في ~~سبب نزول هذه الآية فقيل: نزلت في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه وكانوا ~~يتنعمون بما بسط ms0228 لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد {ويسخرون من الذين ~~آمنوا} أي: يستهزئون بالفقراء من المؤمنين قال ابن عباس: أراد بالذين آمنوا ~~عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيبا وبلالا وخبابا وأمثالهم، وقال ~~قتادة: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتنعمون في ~~الدنيا، ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ويقولون: انظروا إلى ~~هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم، وقال عطاء: نزلت في رؤساء اليهود من ~~بني قريظة والنضير وقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم ~~أموال بني قريظة والنضير بغير قتال. # {والذين اتقوا} أي: الشرك وهم هؤلاء الفقراء {فوقهم يوم القيامة} لأنهم ~~في أعلى عليين وهم في أسفل السافلين، أو حالهم غالبة لحالهم؛ لأنهم في ~~كرامة وهم في هوان أو هم غالبون عليهم متطاولون يضحكون منهم، كما يتطاول ~~هؤلاء عليهم في الدنيا، ويرون الفضل لهم عليهم، فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون. # روي عن أسامة بن زيد أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وقفت ~~على باب الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين، ووقفت على باب النار فرأيت أكثر ~~أهلها النساء، وإذا أهل الجد محبوسون إلا من كان منهم من أهل النار فقد أمر ~~به إلى النار» . # وروي عن سهل سعد الساعدي أنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» قال رجل من أشراف الناس: هذا ~~والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع قال: فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما رأيك في ~~هذا؟» فقال: يا رسول # PageV01P137 # الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري أي حقيق إن خطب أن لا ينكح وإن ~~شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا» . # {وا يرزق من يشاء} في الدارين {بغير ms0229 حساب} أي: رزقا واسعا بغير تقدير في ~~الدنيا للكافر استدراجا، كما وسع على قارون، وللمؤمن ابتلاء كما وسع على ~~عبد الرحمن بن عوف، وفي الآخرة للمؤمن خاصة تفضلا. # {كان الناس أمة واحدة} أي: متفقين على الحق. # روي عن أبي العالية عن كعب قال: كان الناس حين عرضوا على آدم وأخرجوا من ~~ظهره، وأقروا بالعبودية أمة واحدة مسلمين، ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك ~~اليوم، ثم اختلفوا بعد آدم، وقال الكلبي: هم أهل سفينة نوح، كانوا مؤمنين ~~ثم اختلفوا بعد وفاة نوح، وقال قتادة وعكرمة: كان الناس من وقت آدم إلى ~~مبعث نوح، وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم ~~اختلفوا في زمن نوح، وقال مجاهد: أراد آدم وحده كان أمة واحدة سمي الواحد ~~بلفظ الجمع؛ لأنه أصل النسل وأبو البشر، ثم خلق الله حواء ونشر منهما الناس ~~فكانوا مسلمين إلى أن قتل قابيل وهابيل فاختلفوا. # وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان الناس على عهد إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام أمة واحدة كافرين كلهم، فبعث الله، إبراهيم وغيره من ~~النبيين عليهم السلام كما قال تعالى: {فبعث الله النبيين} أي: اختلفوا فبعث ~~الله وإنما حذف لدلالة فيما اختلفوا فيه عليه، وجملة الأنبياء، كما رواه ~~الإمام أحمد مرفوعا في حديث ورد عن كعب «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ~~والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر» والمذكور منهم في القرآن باسمه العلم ~~الموضوع له ثمانية وعشرون نبيا، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، ~~وإبراهيم، وإسمعيل، وإسحق، ويعقوب، ويوسف، ولوط، وموسى، وهرون، وشعيب، ~~وزكريا، ويحيى، وعيسى، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وذو الكفل، وأيوب، ~~ويونس، ومحمد، عليهم أجمعين، وذو القرنين وعزير ولقمان على القول بنبوة ~~الثلاثة. # {مبشرين} من آمن وأطاع بالجنة {ومنذرين} من كفر وعصى بالنار {وأنزل معهم ~~الكتاب} المراد به الجنس فهو بمعنى الكتب لكنه تعالى لم ينزل مع كل واحد ~~كتابا يخصه، فإن أكثرهم لم يكن له كتاب يخصه، وإنما كانوا يأخذون بكتب من ~~قبلهم وقوله تعالى: ms0230 {بالحق} حال من الكتاب أي: متلبسا بالحق شاهدا به ~~{ليحكم بين الناس} أي: الله، أو الكتاب، أو النبي المبعوث، ورجح الثاني ~~التفتازاني، وقال: لا بد في عوده إلى الله من تكلف في المعنى أي: ليظهر ~~حكمه، وإلى النبي من تكلف في اللفظ حيث لم يقل: ليحكموا، ورجح أبو حيان ~~الأول، وهو الظاهر قال: والمعنى أنه أنزل الكتاب ليفصل به بين الناس ونسبة ~~الحكم إلى الكتاب مجاز كما أن إسناد النطق إليه في قوله تعالى: {هذا كتابنا ~~ينطق عليكم بالحق} (الجاثية، 29) كذلك {فيما اختلفوا فيه} من الدين {وما ~~اختلف فيه} أي: الدين {إلا الذين أوتوه} أي: الكتاب المنزل لإزالة الخلاف ~~أي: عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيلا للاختلاف سببا لاستحكام الخلاف، فآمن ~~بعض وكفر بعض. # {من بعدما جاءتهم البينات} أي: الحجج الظاهرة على التوحيد، # PageV01P138 # ومن متعلقة باختلف وهي وما بعدها مقدم على الاستثناء في المعنى {بغيا} من ~~الكافرين {بينهم} حسدا وظلما لحرصهم على الدنيا {فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه} وقوله تعالى: {من الحق} بيان لما اختلفوا فيه أي: فهدى الله ~~الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف {بإذنه} أي: بإرادته قال ابن ~~دريد في هذه الآية: اختلفوا في القبلة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من ~~يصلي إلى المغرب، ومنهم من يصلي إلى المقدس، فهدانا الله للكعبة، واختلفوا ~~في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في الأيام فأخذت اليهود السبت، ~~والنصارى الأحد، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في إبراهيم فقالت اليهود: ~~كان يهوديا وقالت النصارى: كان نصرانيا فهدانا الله للحق من ذلك، واختلفوا ~~في عيسى فجعله النصارى إلها فهدانا الله للحق فيه. # {والله يهدي من يشاء} هدايته {إلى صراط مستقيم} هو طريق الحق لا يضل ~~سالكه. # {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل} أي: شبه {الذين خلوا من ~~قبلكم} من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا، واختلفوا في سبب نزول هذه ~~الآية فقال قتادة: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من ~~الجهد وشدة الخوف والبرد ms0231 وضيق العيش وأنواع الأذى، كما قال تعالى: {وبلغت ~~القلوب الحناجر} (الأحزاب، 10) وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة اشتد عليهم الأمر؛ لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم ~~وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر قوم النفاق، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية تطمينا لقلوبهم. وقيل: نزلت في حرب أحد، واختلف في معنى أم فقال ~~الفراء: الميم صلة أي: أحسبتم، وقال الزجاج: هي بمعنى بل أي: بل حسبتم، ~~ولما بمعنى لم أي: ولم يأتكم. وقوله تعالى: {مستهم البأساء} أي: شدة الفقر ~~{والضراء} أي: المرض والجزع، جملة مستأنفة مبينة لما قبلها {وزلزلوا} أي: ~~أزعجوا إزعاجا شديدا بما أصابهم من الشدائد {حتى يقول الرسول والذين آمنوا ~~معه} لتناهي الشدة واستطالة المدة، بحيث تقطعت حبال الصبر {متى} يأتي {نصر ~~الله} الذي وعدناه استطالة لتأخره، فأجيبوا من قبل الله {ألا إن نصر الله ~~قريب} إتيانه وفي هذا إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة ~~عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات، كما قال عليه الصلاة ~~والسلام كما رواه الشيخان وغيرهما: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار ~~بالشهوات» . # وفي رواية لهم: حجبت أي: جعلت المكاره حجابا دون الجنة فمن خرقه دخلها. ~~والشهوات حجاب دون النار فمن اقتحمه دخلها وقرأ نافع يقول: بالرفع على أنها ~~حكاية حال ماضية، وفائدته تصور تلك الحال العجيبة واستحضار صورتها في ~~مشاهدة السامع ليتعجب منها وقرأ الباقون بالنصب. # {يسئلونك} يا محمد {ماذا} أي: الذي {ينفقون} ، والسائل كما قال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما: عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان شيخا فانيا ذا مال ~~عظيم، فقال: يا رسول الله ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ فنزل: {قل} لهم ~~{ما أنفقتم من خير} أي: مال قليلا كان أو كثيرا، {فللوالدين والأقربين ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل} أي: هم أولى به سأل عن المنفق فأجيب: ~~ببيان المصرف؛ لأنه أهم فإن اعتداد النفقة باعتباره، ولأنه كان في سؤال # PageV01P139 # عمرو وإن لم يكن مذكورا ms0232 في الآية، واقتصر في بيان المنفق على ما تضمنه ~~قوله ما أنفقتم من خير {وما تفعلوا من خير} إنفاق وغيره {فإن الله به عليم} ~~فيجازيكم به. # تنبيه: ليس في الآية ما ينافي فرض الزكاة لينسخ به كما قيل؛ لأن الزكاة ~~لا تعطى للوالدين ولا للأقربين من الأولاد وأولاد الأولاد، فالآية محمولة ~~على الإنفاق على من ذكر تطوعا أو على الإنفاق على الفقراء من الوالدين ~~والأولاد وأولاد الأولاد، وذلك ليس بمنسوخ. # {كتب} أي: فرض {عليكم القتال} للكفار {وهو كره} أي: مكروه {لكم} طبعا ~~للمشقة {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} وهو جميع ما كلفتم به فإنه ~~الموجب لسعادتكم، فلعل لكم في القتال وإن كرهتموه خيرا؛ لأن فيه إما الظفر ~~والغنيمة وإما الشهادة والأجر {وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} وهو جميع ما ~~نهيتم عنه، فإن النفس تحبه وتهواه، وهو يهوي بها إلى الردى، ففي ترك القتال ~~وإن أحببتموه شر؛ لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر، وإنما ذكر عسى؛ لأن ~~النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها {وا يعلم} ما هو خير لكم {وأنتم لا ~~تعلمون} ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به. # {يسئلونك} يا محمد {عن الشهر الحرام} المحرم، روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام بعث عبد الله بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة، قبل قتال ~~بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة؛ ليترصد عيرا لقريش ~~فيهم عمرو بن عبد الله الحضرمي، وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا ~~العير وفيها تجارة من تجارة الطائف، وكان ذلك غرة رجب، وهم يظنونه جمادى ~~الآخرة فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام الذي يأمن فيه الخائف، ~~ويتفرق فيه الناس إلى معايشهم، فسفك فيه الدماء، وأخذ الأسارى، وعير بذلك ~~أهل مكة من كان بها من المسلمين، وقالوا: يا معشر الصباة استحللتم الشهر ~~الحرام، وقاتلتم فيه، وشق ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل ~~توبتنا ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى. # وعن ابن عباس رضي الله ms0233 تعالى عنهما «لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الغنيمة وهي أول غنيمة في الإسلام» والسائلون هم المشركون، كتبوا ~~إليه تشنيعا وتعييرا، وقيل: أصحاب السرية قالوا: يا رسول الله إنا قتلنا ~~ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في ~~جمادى، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله ~~تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة، 5) . # وقوله تعالى: {قتال فيه} بدل اشتمال من الشهر {قل} لهم {قتال فيه كبير} ~~أي: عظيم وزر، أو قد تم الكلام ههنا، ثم ابتدأ فقال: {وصد} فهو مبتدأ أي: ~~منع الناس {عن سبيل الله} أي: دينه {وكفر به} أي: الله {و} صد عن {المسجد ~~الحرام} أي: مكة {وإخراج أهله منه} وهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون، وخبر المبتدأ وما عطف عليه {أكبر} أي: أعظم وزرا {عند الله} مما ~~فعلته السرية من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام خطأ، وبناء على الظن. # ومما تقرر علم أن {والمسجد الحرام} معطوف على سبيل الله وقول البيضاوي: ~~ولا يحسن عطفه على سبيل الله لأن عطف قوله تعالى: {وكفر به} على {وصد} مانع ~~منه مجاب عنه بأن الكفر بالله والصد عن سبيله متحدان معنى فكأنه لا فصل ~~بالأجنبي بين سبيل الله وما عطف عليه، ويصح أيضا أن يكون معطوفا على الهاء ~~من به، إذ يجوز العطف بدون إعادة الجار كما جرى # PageV01P140 # عليه ابن مالك، وإن كان مذهب البصريين خلافه، وجرى عليه البيضاوي. # {والفتنة} أي: الشرك منكم {أكبر من القتل} لكم فيه، فلما نزلت هذه الآية ~~كتب عبد الله بن أنيس إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر ~~الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~من مكة، ومنعهم المسلمين عن البيت. # {ولا يزالون} أي: الكفار {يقاتلونكم} أيها المؤمنون {حتى يردوكم عن ~~دينكم} إلى الكفر، في ذلك إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم، وأنهم لا ينفكون ~~عنها حتى يردوهم عن دينهم، وحتى للتعليل لا ms0234 للغاية كما قيل؛ لأنه أفيد من ~~حيث أن فيه ذكر الحامل على المقاتلة بخلاف الغاية أي: يقاتلونكم كي يردوكم ~~وقوله تعالى: {إن استطاعوا} فيه استبعاد لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوه: إن ~~ظفرت بي فلا تبق علي، وهو واثق بأنه لا يظفر به. {ومن يرتدد منكم عن دينه ~~فيمت وهو كافر فأولئك حبطت} أي: بطلت {أعمالهم} أي: الصالحة {في الدنيا ~~والآخرة} فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها، والتقييد بالموت يفيد أنه لو رجع ~~إلى الإسلام لم يبطل عمله كما هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، خلافا ~~لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، حيث قال: إن الردة تحبط الأعمال مطلقا ~~لقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} (المائدة، 5) وأجيب: بأنه ~~محمول على المقيد عملا بالدليل، فلا يجب عليه أن يعيد الحج الذي أتى به قبل ~~الردة كذا غيره، لكن يبطل ثوابه كما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه ~~وإن خالف فيه بعض المتأخرين {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} كسائر ~~الكفرة. # ولما ظن السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصل لهم أجر أنزل الله ~~تعالى. # أي: فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم {وجاهدوا} المشركين {في سبيل الله} ~~لإعلاء دينه، وكرر سبحانه وتعالى الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد، وكأنهما ~~مستقلان في تحقيق الرجاء {أولئك يرجون رحمة الله} أي: ثوابه أثبت لهم ~~الرجاء إشعارا بأن العمل غير موجب، ولا قاطع في الدلالة، سيما والعبرة ~~بالخواتيم {وا غفور} للمؤمنين لما فعلوه خطأ وقلة احتياط {رحيم} بهم بأن ~~يجزل لهم الأجر والثواب. # {يسئلونك عن الخمر والميسر} . روي أنه لما نزل بمكة قوله تعالى: {ومن ~~ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} (النحل، 67) كان ~~المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ، ثم إن عمر ومعاذا في نفر من الصحابة ~~قالوا: «أفتنا في الخمر يا رسول الله فإنها مذهبة للعقل» فنزلت هذه الآية، ~~فشربها قوم وتركها آخرون، ثم إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما، فدعا ناسا من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوا ms0235 وسكروا، فحضرت صلاة ~~المغرب فقدموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ: قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ~~هكذا إلى آخر السورة بحذف لا فأنزل الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} (النساء، 403) فحرم السكر ~~في أوقات الصلاة فتركها قوم وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة، ~~وتركها قوم في أوقات الصلاة وشربوها في غير وقتها، حتى كان الرجل يشرب بعد ~~صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر، ويشرب بعد صلاة الصبح فيصحو إذا جاء ~~وقت الظهر، ثم إن عتبان بن مالك صنع طعاما ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد ~~بن أبي وقاص رضي الله # PageV01P141 # تعالى عنه، وقد كان شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى اشتدت ~~فيهم، ثم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها ~~هجاء للأنصار، وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحى البعير فضرب به رأس سعد ~~فشجه موضحة، فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا له الأنصاري ~~فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل: {إنما الخمر والميسر} ~~إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} (المائدة، 91) فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ~~انتهينا يا رب، قال القفال الحكمة في وقوع: التحريم على هذا الترتيب أن ~~القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم به كثيرا، فعلم أنه لو منعهم ~~دفعة واحدة لشق عليهم، فاستعمل في التحريم هذا التدريج والرفق، # وسمي عصير العنب والتمر إذا اشتد وغلا خمرا؛ لأنه يخمر العقل، كما سمي ~~سكرا؛ لأنه يسكره أي: يحجزه وهو حرام مطلقا. وكذا كل ما أسكر عند أكثر ~~العلماء، وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم ~~اشتد حل شربه ما دون السكر. وسمي القمار ميسرا؛ لأنه أخذ مال الغير بيسر ~~والمعنى يسئلونك عن تعاطيهما؛ لقوله تعالى: {قل} لهم {فيهما} أي: في ~~تعاطيهما {إثم كبير} أي: عظيم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول ~~الفحش، وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة والباقون ms0236 بالباء الموحدة. # {ومنافع للناس} باللذات والفرح، ومصادقة الفتيان، وتشجيع الجبان، وتوفر ~~المروءة، وتقوية الطبيعة في الخمر، وإصابة المال بلا كد في الميسر ~~{وإثمهما} أي: ما ينشأ عنهما من المفاسد {أكبر} أي: أعظم {من نفعهما} ~~المتوقع منهما ولذا قيل: إن هذا هو المحرم للخمر، فإن المفسدة إذا ترجحت ~~على المصلحة اقتضت تحريم الفعل، والظاهر أن المحرم لها آية المائدة كما مر. # {ويسئلونك} يا محمد {ماذا ينفقون} وذلك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حثهم على الصدقة فقالوا: ماذا ننفق؟ فقال الله تعالى {قل} لهم {العفو} » ، ~~قرأ أبو عمرو برفع الواو بتقدير هو والباقون بنصبها بتقدير أنفقوا، واختلفا ~~في معنى العفو وهو نقيض الجهد فقيل: أن ينفق مالا يبلغ إنفاقه منه الجهد ~~واستفراغ الوسع، كما قال الشاعر: # *خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب # وسورة الغضب: شدته وحدته، وقال قتادة وعطاء والسدي: هو ما فضل عن الحاجة، ~~وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يكتسبون المال، ويمسكون قدر النفقة، ~~ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الآية، وقال مجاهد معناه التصدق عن ظهر غنى. # روي: «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في بعض ~~الغنائم فقال: خذها مني صدقة، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى كرر مرارا، ~~فقال: هاتها مغضبا فأخذها، فحذفه بها حذفا لو أصابه لشجه ثم قال: «يأتي ~~أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى واليد ~~العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» قال ابن الأثير: والظهر قد يزاد ~~في مثل هذا إشباعا للكلام وتمكينا، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال. ~~وقال عمرو بن دينار: الوسط من غير إسراف ولا إقتار كما قال تعالى: {والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (الفرقان، 67) {كذلك} ~~كما بين لكم ما ذكر {يبين الله لكم الآيات} قال الزجاج: إنما قال كذلك على # PageV01P142 # الواحد وهو يخاطب جماعة؛ لأن الجماعة معناها القبيل كأنه قيل: كذلك أيها ms0237 ~~القبيل وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأن خطابه يشتمل على خطاب ~~الأمة كقوله تعالى: {يأيها النبي إذا طلقتم النساء} (الفرقان، 67) {لعلكم ~~تتفكرون} . # {في} زوال {الدنيا} وفنائها فتزهدوا فيها {و} في إقبال {الآخرة} وبقائها ~~فترغبوا فيها {ويسئلونك} يا محمد {عن اليتامى} وقد مر أنهم جمع يتيم، وأن ~~اليتيم طفل لا أب له، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما نزل قوله ~~تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} (الأنعام، 152) وقوله: ~~{إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} (النساء، 10) الآية تحرج المسلمون من ~~أموال اليتامى تحرجا شديدا، فإن واكلوهم يأثموا، وإن عزلوا مالهم من مالهم ~~وصنعوا لهم طعاما وحدهم فحرج، فاشتد ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله تعالى {قل إصلاح لهم} أي: اليتامى في أموالهم ~~بتنميتها ومداخلتكم معهم {خير} من مجانبتكم. # {وإن تخالطوهم} أي: تخلطوا نفقتهم بنفقتكم {فإخوانكم} أي: فهم إخوانكم في ~~الدين ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه أي: فلكم ذلك. وقيل: المراد بالمخالطة ~~المصاهرة، {وا يعلم المفسد} لأموالهم بمخالطته {من المصلح} بها فيجازي كلا ~~منهما، ففي ذلك وعيد ووعد لمن خالطهم لإفساد وإصلاح. # {ولو شاء الله لأعنتكم} أي: لضيق عليكم بتحريم المخالطة وما أباح لكم ~~مخالطتهم، وأصل العنت الشدة والمشقة، ومعناه: كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم ~~{إن الله عزيز} غالب على أمره، يقدر على الإعنات وغيره {حكيم} يحكم بما ~~تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة. # {س2ش221/ش224 وتنكحوا? المشركات حتى يؤمن? و?مة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم? وتنكحوا? المشركين حتى يؤمنوا?? ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو ~~أعجبكم? أو?لا?ئك يدعون إلى النار? والله يدعو?ا? إلى الجنة والمغفرة ~~بإذنه?? ويبينءاياته? للناس لعلهم يتذكرون * ويس?لونك عن المحيض? قل هو أذى ~~فاعتزلوا? النسآء في المحيض? وتقربوهن حتى يطهرن? فإذا تطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله? إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين * نسآؤكم حرث لكم فأتوا? ~~حرثكم أنى شئتم? وقدموا? ?نفسكم? واتقوا? الله واعلمو?ا? أنكم ملاقوه? وبشر ~~المؤمنين * وتجعلوا? الله عرضة ?يمانكم أن ms0238 تبروا? وتتقوا? وتصلحوا? بين ~~الناس? والله سميع عليم} # {ولا تنكحوا} أي: لا تتزوجوا أيها المسلمون {المشركات} أي: الكافرات {حتى ~~يؤمن} . # روي «أنه عليه الصلاة والسلام بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة، ~~ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال ~~لها: عناق، وكانت خليلته في الجاهلية، فأتته وقالت: يا مرثد ألا تخلو فقال ~~لها: ويحك يا عناق، إن الإسلام قد حال بيننا وبينك، فقالت: هل لك أن تتزوج ~~بي؟ فقال: نعم ولكن أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع إليه ~~قال: يا رسول الله أيحل لي أن أتزوج بها؟ فأنزلت هذه الآية» ، هذا ما أورده ~~الواحدي وغيره، ولكن الذي رواه أبو داود وغيره أنه سبب في نزول آية النور: ~~{الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} (النور، 3) الآية، والآية وإن كانت ~~شاملة للكتابيات، لكنها مخصوصة بغيرهن بقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب} (المائدة، 45) وقد تزوج عثمان بنصرانية فأسلمت وتزوج حذيفة ~~بيهودية، وطلحة بن عبيد الله بنصرانية. # فإن قيل: كيف أطلقتم اسم الشرك على من لم ينكر إلا بنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم قال أبو الحسن بن فارس: لأنه يقول: القرآن كلام غير الله، ومن ~~يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله غير الله انتهى. # وقال تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} ~~إلى قوله: {سبحانه عما يشركون} (التوبة، 31) . # {ولأمة مؤمنة خير من} أي: من حرة {مشركة ولو أعجبتكم} لجمالها ومالها، ~~نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان، قال حذيفة: يا خنساء قد ~~ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك، فأعتقها وتزوج بها. وقال السدي: ~~نزلت في عبد الله بن رواحة، كان له أمة فأعتقها، وتزوج بها فطعن عليه ناس ~~من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة وعرضوا عليه # PageV01P143 # حرة مشركة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} أي: ولا تزوجوا منهم المؤمنات حتى ~~يؤمنوا، وهذا على عمومه بإجماع {ولعبد مؤمن خير من} ms0239 أي: حر {مشرك ولو ~~أعجبكم} لماله وجماله وقيل: المراد بالأمة والعبد المرأة والرجل، حرين كانا ~~أو رقيقين؛ لأن الناس عبيد الله وإماؤه {أولئك} أي: أهل الشرك {يدعون إلى ~~النار} أي: إلى الكفر المؤدي إلى النار، فلا تليق مصاهرتهم وموالاتهم {وا ~~يدعو} أي: أولياءه المؤمنون، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، تفخيما ~~لشأنهم، أو يدعو على لسان رسله، وهذا كما قال أبو حيان: أبلغ في التباعد من ~~المشركين إجراء للفظ على ظاهره، والأول ذكر لطلب المعادلة بين المشركين ~~والمؤمنين {إلى الجنة والمغفرة} أي: العمل الصالح الموصل إليها، فهم ~~الأحقاء بالمواصلة {بإذنه} أي: بأمر الله ورضاه على التفسير الأول، أو ~~بقضائه وإرادته على التفسير الثاني فتجب إجابته بتزويج أوليائه {ويبين} أي: ~~الله {آياته للناس لعلهم يتذكرون} أي: لكي يتذكروا فيتعظوا.F # {ويسئلونك} يا محمد {عن المحيض} أي: الحيض أو مكانه ماذا يفعل بالنساء ~~فيه. # روي أن أهل الجاهلية كانوا لم يساكنوا الحيض ولم يؤاكلوهن كفعل اليهود، ~~فإن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم ~~يشاربوها، ولم يجامعوها في البيت، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح في ~~نفر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الله تعالى: {قل} لهم {هو} أي: ~~الحيض أو مكانه {أذى} قذر أو محله قذر. # فإن قيل: لماذا ذكر الله تعالى يسئلونك بغير واو ثلاثا ثم بها ثلاثا؟ ~~أجيب: بأن السؤالات الأول كانت في أوقات متفرقة، والثلاثة الأخيرة كانت في ~~وقت واحد، فلذلك ذكرها بحرف الجمع، وهو واو العطف، وهي الجمع في الحكم لا ~~الزمان، واعترض هذا الجواب بأنه كان يجب على هذا أن تدخل الواو على اثنين ~~من الثلاثة الأخيرة؛ لأن العطف يكون في الثانية والثالثة منها، وأجيب: ~~بأنهم لما سألوا عما كانوا ينفقون، فأجيبوا بمصرف النفقة أعادوا سؤالهم ~~بالواو ما ينفقون، فأجيبوا: بالعفو، ولما كان السؤال الثاني عن مخالطة ~~اليتامى في النفقة، وهو مناسب لما قبله عطف بالواو، ولما كان الثالث سؤالا ~~عن اعتزال الحيض كما تعتزل اليتامى فناسب ما قبله ms0240 في الاعتزال عطف بالواو، ~~ولا كذلك الثلاثة الأول؛ إذ لا تعلق بينها. # {فاعتزلوا النساء} أي: اتركوا وطأهن {في المحيض} أي: وقته أو مكانه؛ لأن ~~ذلك هو الاقتصاد بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهن ~~ولا يبالون بالحيض، وما استدل به البيضاوي من قوله صلى الله عليه وسلم ~~«إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم نأمركم بإخراجهن من البيوت ~~كفعل الأعاجم» قال شيخنا القاضي زكريا: لم أره بهذا اللفظ في بعض التفاسير ~~لغيره. # وقوله تعالى: {ولا تقربوهن} أي: بالجماع {حتى يطهرن} تأكيد للحكم وبيان ~~لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع، ويدل عليه صريحا قراءة شعبة وحمزة ~~والكسائي بتشديد الطاء والهاء أي: يتطهرن بمعنى يغتسلن والباقون بسكون ~~الطاء وضم الهاء مخففة والتزاما. # قوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن} أي: للجماع فإنه يقتضي تأخر جواز ~~الإتيان عن الغسل، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: إن طهرت لأكثر الحيض ~~وهو # PageV01P144 # عنده عشرة أيام جاز قربانها قبل الغسل. # {من حيث أمركم الله} بتجنبه في الحيض وهو القبل ولا تتعدوه إلى غيره. أما ~~الملامسة فيما عدا ما بين السرة والركبة والمضاجعة معها قبل الغسل، ولو قبل ~~إنقطاع الحيض فجائز، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان يأمرني صلى الله ~~عليه وسلم فأتزر فيباشرني وأنا حائض وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله ~~وأنا حائض» . # وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «حضت وأنا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الخميلة فانسلت فخرجت منها فأخذت ثياب حيضتي، فلبستها فقال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة» ~~{إن الله يحب} أي: يثيب ويكرم {التوابين} من الذنوب {ويحب المتطهرين} أي: ~~المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإتيان في غير القبل. # {نساؤكم حرث لكم} أي: مزرع ومنبت للولد كالأرض للنبات {فأتوا حرثكم} أي: ~~محله وهو القبل {أنى} أي: كيف {شئتم} من قيام وقعود واضطجاع وإقبال وإدبار. # وروى الشيخان أن اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من دبرها أي: ms0241 خلفها ~~في قبلها جاء ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ~~هذه الآية. # {وقدموا لأنفسكم} من الأعمال الصالحة، كالتسمية عند الجماع وطلب الولد ~~أي: ما يدخر لكم من الثواب {واتقوا الله} في أمره ونهيه {واعلموا أنكم ~~ملاقوه} بالبعث، فتزودوا ما لا تفتضحون به فإنه يجازيكم بأعمالكم {وبشر ~~المؤمنين} بالكرامة والنعيم الدائم، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~ينصحهم ويبشر من صدقه وامتثل أمره منهم. وقوله تعالى: {ولا تجعلوا الله ~~عرضة لإيمانكم} نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، لما حلف أن لا ~~ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك لافترائه على عائشة رضي الله تعالى ~~عنها، أو في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلم ختنه أي: زوج أخته بشير ~~بن النعمان، ولا يصلح بينه وبين أخت. # فالعرضة كل ما يعرض فيمنع عن الشيء أي: لا تجعلوا الحلف سببا مانعا لكم ~~من البر والتقوى يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول: حلفت بالله أن لا ~~أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر كما قال تعالى: {أن تبروا} أي: مخالفة أن ~~لا تبروا، فهو في موضع نصب مفعول من أجله. وعند الكوفيين لئلا تبروا كقوله ~~تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} (النساء، 176) أي: لئلا تضلوا، وقال أبو ~~إسحق في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف أي: أن تبروا وتتقوا خير لكم ~~وقيل: التقدير في أن تبروا، فلما حذف حرف الجر نصب، وقيل: هو في موضع جر ~~بالحرف المحذوف. # {وتتقوا وتصلحوا بين الناس} فتكره اليمين على ذلك، ويسن فيه الحنث ويكفر، ~~لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف بيمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير» بخلافها على فعل البر ونحوه فهي ~~طاعة {وا سميع} لأقوالكم {عليم} بأحوالكم. # {في أيمانكم} واللغو: كل مطروح من الكلام لا يعتد به. # واختلف أهل العلم في اللغو في اليمين المذكور في الآية، فقال قوم: هو ما ~~سبق إلى اللسان ms0242 على عجلة، لصلة كلام من غير عقد ولا قصد، كقول القائل: لا ~~والله، وبلى والله، وكلا والله، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ~~لغو اليمين كقول الإنسان: # PageV01P145 # لا والله، وبلى والله، ورفعه بعضهم، وبهذا قال الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه، وقال قوم: هو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق ثم يتبين أنه خلاف ذلك وبه ~~قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال زيد بن أسلم: هو دعاء الرجل على ~~نفسه كقول الإنسان: أعمى الله بصري إذا لم أفعل كذا، وكذا فهذا لغو لا ~~يؤاخذ الله به، قال تعالى: {ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير} (الإسراء، ~~11) وقال تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم ~~أجلهم} (يونس، 11) . # {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أي: قصدته من الإيمان إذا حنثتم {وا ~~غفور} حيث لم يؤاخذكم باللغو {حليم} حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد ~~تربصا للتوبة. # تنبيه: اليمين لا ينعقد إلا بالله العظيم، أو باسم من أسمائه، أو صفة من ~~صفاته، فاليمين بالله كأن يقول: والذي أعبده والذي نفسي بيده وبأسمائه، كأن ~~يقول: والله والرحمن وبصفاته، كأن يقول: وعزة الله، وعظمة الله وجلال الله ~~فإذا حلف بشيء من ذلك على أمر مستقبل، ثم حنث وجبت عليه الكفارة، وسيأتي ~~بيانها إن شاء الله تعالى في سورة المائدة، وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ~~ولم يكن، وهو عالم به حالة ما حلف فهي اليمين الغموس، وهي من الكبائر ويجب ~~بها الكفارة، كما قاله الشافعي رضي الله تعالى عنه. وقال بعض العلماء: لا ~~كفارة فيها كأكثر الكبائر. وأما الحلف بغير ما ذكر كالحلف بالكعبة وبيت ~~الله ونبي الله أو بأبيه ونحوه فلا يكون يمينا ولا تجب به الكفارة إذا حنث ~~وهو يمين مكروه. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر وهو يسير في ركب، وهو يحلف ~~باسمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله ينهاكم أن تحلفوا ~~بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ms0243 . # {للذين يؤلون من نسائهم} أي: يحلفون أن لا يجامعوهن، والإيلاء: الحلف، ~~وتعديته بعلى، ولكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدي بمن، قال قتادة: كان ~~الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية، وقال سعيد بن المسيب: كان ذلك من ضرار أهل ~~الجاهلية كان الرجل لا يحب المرأة ولا يريد أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا ~~يقربها أبدا، فيتركها أبدا لا أيما، ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء ~~الإسلام، فضرب الله لهم أجلا في الإسلام كما قال تعالى: {تربص} أي: انتظار ~~{أربعة أشهر} أي: للمولى حق التثبت في هذه المدة فلا يطالب بفيئة ولا طلاق، ~~ولذا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر، ~~ويؤيده {فإن فاؤا} أي: رجعوا في المدة أو بعدها عن اليمين إلى الوطء؛ لأن ~~الفيئة وعزم الطلاق مشروعان عقب الإيلاء وحصول التربص، فلا بد أن يكون ~~مدخول الفاء واقعا بعدهما {فإن الله غفور} لهم ما أتوه من ضرر المرأة ~~بالحلف {رحيم} بهم. # {وإن عزموا الطلاق} أي: صمموا عليه بأن لم يفيئوا فليوقعوه، {فإن الله ~~سميع} لقولهم {عليم} بعزمهم أي: ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو ~~الطلاق، ففيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضي المدة ما لم يطلقها زوجها؛ ~~لأنه شرط فيه العزم وقال: فإن الله سميع فدل على أنه يقتضي مسموعا. # والقول: هو الذي يسمع وقال بعض العلماء: إذا مضت أربعة أشهر يقع عليه ~~طلقة بائنة، وهو قول ابن عباس وأصحاب الرأي، وقال سعيد بن المسيب والزهري: ~~يقع عليه طلقة واحدة رجعية، ولو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا يكون ~~موليا، بل حالفا، إذا وطئها قبل مضي تلك المدة وجبت عليه كفارة يمين إن كان ~~الحلف بالله، ولا يختص الإيلاء بالحلف # PageV01P146 # بالله تعالى، فلو قال لزوجته: إن وطئتك فعبدي حر، أو ضرتك طالق، أو لله ~~علي عتق رقبة أو صوم أو صلاة، فهو مول، لأن المولى من يلزمه أمر يمتنع ~~بسببه من الوطء. # {والمطلقات يتربصن} ينتظرن ms0244 {بأنفسهن} عن النكاح {ثلاثة قروء} تمضي من حين ~~الطلاق جمع قرء بفتح القاف وضمها، وهو يطلق للحيض لقوله عليه الصلاة ~~والسلام كما رواه أبو داود وغيره: «دعي الصلاة أيام أقرائك» ، وللطهر ~~الفاصل بين حيضتين وهو المراد في الآية؛ لأنه الدال على براءة الرحم لا ~~الحيض، كما قال به بعض العلماء، لقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} أي: وقت ~~عدتهن والطلاق المشروع لا يكون في الحيض، وأما ما رواه أبو داود والترمذي ~~وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان» ~~فلا يقاوم ما رواه البخاري في قصة ابن عمر «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى ~~تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك ~~العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء» أي: بقوله تعالى: {فطلقوهن ~~لعدتهن} . # فإن قيل: ما معنى ذكر الأنفس فهلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء؟ أجيب: بأن في ~~ذكر الأنفس تهييجا لهن على التربص، وزيادة بعث؛ لأن فيه ما يستنكفن منه، ~~فيحملهن على أن يتربصن، وذلك أن نفس النساء طوامح أي: نواظر إلى الرجال، ~~فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص، وكان ~~القياس في جمع قرء أن يذكر بصيغة القلة، التي هي الإقراء، ولكنهم يتوسعون ~~في ذلك، فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر، ألا ترى إلى قوله: ~~بأنفسهن وما هي إلا نفوس كثيرة. # قال البيضاوي: ولعل الحكم لما عم المطلقات ذوات الإقراء تضمن معنى ~~الكثرة، فحسن بناء الكثرة ووجوب ذلك في المدخول بهن، أما غيرهن فلا عدة لهن ~~لقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها} (الأحزاب، 49) وفي غير الآيسة والصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر، ~~والحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن كما في سورة الطلاق: والإماء فعدتهن قرآن ~~بالسنة. # {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} من الولد إن كانت حاملا ~~ومن الحيض إن كانت حائضا {إن كن يؤمن با واليوم الآخر} قال البيضاوي: ليس ~~المراد تقييد نفي ms0245 الحل بإيمانهن، بل التنبيه على أنه ينافي الإيمان أي: ~~كماله، وأن المؤمن لا يجترىء عليه ولا ينبغي له أن يفعل {وبعولتهن} أي: ~~أزواج المطلقات، والبعولة جمع بعل والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كالعمومة ~~والخؤولة ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قولك: بعل حسن البعولة نعت به ~~مبالغة كما في رجل عدل أو أقيم مقام المضاف المحذوف أي: وأهل بعولتهن {أحق ~~بردهن} أي: بمراجعتهن {في ذلك} أي: في زمن التربص. # فإن قيل: كيف جعلوا أحق بالرجعة فكان للنساء حقا فيها؟ أجيب: بأن أفعل ~~ههنا بمعنى الفاعل فإن غير البعل لا حق له في الرد فكأنه قيل: وبعولتهن ~~حقيقون بردهن. وقيل: إنه على بابه للتفضيل أي: أحق منهن بأنفسهن لو أبين ~~الرد، أو من آبائهن، وسمي الزوج بعلا لقيامه بأمر زوجته وأصل البعل السيد ~~والمالك. # {إن أرادوا} أي: البعولة {إصلاحا} بالرجعة، لإضرار المرأة وليس المراد من ~~هذا اشتراط قصد الإصلاح للرجعة # PageV01P147 # {ولهن} على الأزواج {مثل الذي} لهم {عليهن} من الحقوق {بالمعروف} شرعا من ~~حسن العشرة وترك الضرر ونحو ذلك. # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في معنى ذلك: إني أحب أن أتزين ~~لامرأتي، كما تحب أن تتزين لي لهذه الآية، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أكمل المؤمنين إيمانا ~~أحسنهن خلقا وخياركم خياركم لنسائهم» . # فإن قيل: ما المراد بالمماثلة؟ أجيب: بأن المراد أن لهن حقوقا على الرجال ~~مثل حقوقهم عليهن في الوجوب، واستحقاق المطالبة عليها لا في الجنس إذ ليس ~~الواجب على كل منهما من جنس ما وجب على الآخر، فلو غسلت ثيابه أو خبزت له ~~لم يلزمه أن يفعل مثل ذلك، ولكن يقابلها بما يليق بالرجال {وللرجال. # عليهن درجة} أي: فضيلة في الحق؛ لأن المرأة تنال من الرجل من اللذة مثل ~~ما ينال الرجل، وله الفضيلة بقيامه عليها وانفاقه في مصالحها؛ ولأن حقوقهم ~~في أنفسهن بالوطء والتمتع، وحقوقهن المهر والكفاف وترك الضرار، وقيل ~~بصلاحيته للإمامة والقضاء والشهادة، وقيل: بالجهاد، وقيل: ms0246 بالميراث وقيل: ~~بالدية، وقيل: بالعقل {وا عزيز} في ملكه قادر على الانتقام ممن خالف ~~الأحكام {حكيم} فيما دبره لخلقه يشرعها لحكم ومصالح. # {الطلاق} أي: التطليق كالسلام بمعنى التسليم أي: الذي يراجع به {مرتان} ~~أي: اثنتان. # روي عن عروة بن الزبير قال: كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا ~~عدد، كان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها ~~كذلك ثم راجعها بصد مضارتها، فنزلت هذه الآية. # وروى أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أين الثالثة؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم «أو تسريح بإحسان» {فإمساك} أي: فعليكم إمساكهن إذا ~~راجعتموهن بعد الطلقة الثانية {بمعروف} وهو كل ما يعرف في الشرع من أداء ~~حقوق النكاح وحسن الصحبة {أو تسريح بإحسان} بالطلقة الثالثة، أو بأن لا ~~يراجعها حتى تبين منه. # تنبيه: اختلف العلماء فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقا، فذهب الأكثر ومنهم ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه إلى أنه يعتبر عدد الطلاق بالزوج، فالحر يملك ~~على زوجته الأمة ثلاث طلقات، والعبد لا يملك على زوجته الحرة إلا طلقتين ~~وذهب الأقل ومنهم أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، إلى أن الاعتبار بالمرأة ~~في عدد الطلاق كالعدة، فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك ~~الحر على زوجته الأمة إلا طلقتين. # {ولا يحل لكم} أيها الأزواج {أن تأخذوا مما آتيتموهن} من المهور {شيئا} ~~إذا طلقتموهن. روي أنها نزلت في جميلة أخت عبد الله بن أبي ابن سلول، كانت ~~تبغض زوجها ثابت بن قيس فشكته إلى أبيها فقال: ارجعي إلى زوجك، فإني أكره ~~للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها، فلما رأت أباها لم يشكها رجعت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل خلفه فجاءه، فقال له: «مالك ~~ولأهلك؟» قال: والذي بعثك بالحق نبيا ما على وجه الأرض أحب إلي منها غيرك ~~فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تقولين؟» فقالت: هو مني أكرم ~~الناس حبا لزوجته ولكن، لا أنا ولا ثابت لا يجمع ms0247 رأسي، ورأسه شيء والله لا ~~أعيبه في دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضا أي: أكره ~~إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر بغضا فيه، ويحتمل أن تريد كفران ~~العشرة إني رفعت # PageV01P148 # جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة ~~وأقبحهم وجها، فقال ثابت: قد أعطيتها حديقة فقل لها فلتردها علي وأخلي ~~سبيلها، فقال لها: «تردين عليه حديقته وتملكين أمرك؟» قالت: نعم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها» ففعل. # وفي رواية: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» . # {إلا أن يخافا} أي: الزوجان {أن لا يقيما حدود الله} أي: لا يأتيا بما ~~حده لهما من الحقوق، وقرأ حمزة يخافا بضم الياء بالبناء للمفعول، فإن مع ~~صلتها بدل اشتمال من الضمير في يخافا والباقون بفتحها بالبناء للفاعل {فإن ~~خفتم} أيها الأئمة والحكام {أن لا يقيما حدود الله} أي: ما حده من الأحكام ~~{فلا جناح عليهما فيما افتدت به} نفسها من المال ليطلقها أي: لا حرج على ~~الزوج في أخذه، ولا على الزوجة في بذله، وهذا هو الأصل، وإلا فيجاز على عوض ~~وإن لم يخافا. # تنبيه: علم مما تقرر: أن الخطاب في الأول للزوجين، وثانيها للأئمة ~~والحكام، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره. ويجوز أن يكون الخطاب كله ~~للأئمة والحكام ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} ~~لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون ~~والمؤتون. # {تلك} أي: الأحكام المذكورة {حدود الله} وهي ما منع الشرع من المجاوزة ~~عنه {فلا تعتدوها} أي: فلا تتعدوها بالمخالفة وقوله تعالى: {ومن يتعد حدود ~~الله فأولئك هم الظالمون} تعقيب للنهي بالوعيد مبالغة في التهديد. # تنبيه: ظاهر الآية يدل على أن الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق، ولا ~~بجميع ما ساق الزوج إليها فضلا عن الزائد، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم كما رواه البيهقي: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس أي: ms0248 ضرر ~~فحرام عليها رائحة الجنة» . وما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لجميلة: ~~«أتردين عليه حديقته؟ فقالت: أردها وأزيد عليها، فقال عليه الصلاة والسلام: ~~أما الزائد فلا» فالجمهور استكرهوا الخلع، ولكن نفذوه فإن المنع عن العقد ~~لا يدل على فساده وإنه يصح بلفظ المفاداة فإنه سماه افتداء. # {فإن طلقها} أي: الزوج الثنتين {فلا تحل له من بعد} أي: بعد الطلقة ~~الثالثة {حتى تنكح} أي: تتزوج {زوجا غيره} أي: المطلق والنكاح يتناول العقد ~~والوطء، وتعلق بظاهر الآية من اقتصر على العقد كابن المسيب، والجمهور على ~~أنه لا بد من الإصابة، لما روى الشيخان «أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن رفاعة طلقني وإن عبد الرحمن بن الزبير أي: بفتح ~~الزاي وكسر الباء تزوجني، وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ~~ويذوق عسيلتك» ، فالآية مطلقة قيدتها السنة، ويحتمل أن يفسر النكاح ~~بالإصابة، ويكون العقد مستفادا من لفظ الزوج، والعسيلة مجاز عن قليل ~~الجماع، إذ يكفي قليل انتشار، شبهت تلك اللذة بالعسل وصغرت ولحقتها الهاء؛ ~~لأن الغالب على العسل التأنيث قاله الجوهري. # وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالت: إن زوجي قد مسني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم «كذبت في قولك ~~الأول فلن أصدقك في الآخر» فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأتت أبا بكر فقالت: يا خليفة رسول الله أرجع إلى زوجي الأول # PageV01P149 # فإن زوجي الآخر مسني وطلقني فقال لها أبو بكر: قد شهدت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين أتيته، وقال لك ما قال، فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو ~~بكر أتت عمر، وقالت له مثل ذلك فقال لها عمر: لئن رجعت إليه لأرجمنك» . # والحكمة في التحلل الردع عن المسارعة إلى الطلاق، والعود إلى المطلقة ~~ثلاثا والرغبة فيها، والنكاح بشرط التحليل فاسد عند الأكثر، وجوزه أبو ms0249 ~~حنيفة رضي الله تعالى عنه مع الكراهة، وقد «لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المحلل والمحلل له» رواه الترمذي والنسائي وصححه. وعن عمر رضي الله ~~تعالى عنه: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. # تنبيه: شملت الآية الكريمة: ما إذا طلق الزوج زوجته الأمة ثلاثا ثم ~~ملكها، فإنه لا يحل له أن يطأها بملك اليمين، حتى تنكح زوجا غيره {فإن ~~طلقها} الزوج الثاني بعدما أصابها {فلا جناح عليهما} أي: المرأة والزوج ~~الأول {أن يتراجعا} إلى النكاح بعقد جديد بعد انقضاء العدة {إن ظنا} أي: إن ~~كان في ظنهما {أن يقيما حدود الله} أي: ما حده الله وشرعه من حقوق الزوجية، ~~هذا هو الأصل، وإلا فهو ليس بشرط للجواز ولم يقل إن علما أنهما يقيمان؛ لأن ~~اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله. # قال في «الكشاف» ومن فسر الظن هنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى؛ ~~لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن علمت أنه يقوم؛ ولأن الإنسان لا يعلم ~~ما في الغد وإنما يظن ظنا {وتلك} أي: الأحكام المذكورة {حدود الله بينها ~~لقوم يعلمون} أي: يتدبرون ما أمرهم الله تعالى به ويفهمونه، ويعلمونه ~~بمقتضى العلم. # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} أي: قاربن انقضاء عدتهن ولم يرد انقضاء ~~العدة حقيقة؛ لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها فالبلوغ ههنا بلوغ ~~مقاربة. وفي قوله تعالى بعد ذلك: {فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} حقيقة انقضاء ~~العدة والبلوغ يتناول المعنيين، يقال: بلغ المدينة إذا قرب منها وإذا دخلها ~~{فأمسكوهن} بأن تراجعوهن {بمعروف} من غير ضرار، وقيل: بأن يشهد على رجعتها ~~وأن يراجعها بالقول لا بالوطء {أو سرحوهن بمعروف} أي: اتركوهن حتى تنقضي ~~عدتهن، فيكن أملك بأنفسهن {ولا تمسكوهن} بالرجعة وقوله تعالى: {ضرارا} ~~مفعول له {لتعتدوا} أي: لا تقصدوا بالمراجعة المضارة بتطويل الحبس. نزلت ~~هذه الآية في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار، طلق امرأته حتى إذا قرب ~~انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها، {ومن يفعل ذلك فقد ظلم ms0250 نفسه} ~~أي: أضر بها بتعريضها إلى عذاب الله، وقرأ أبو الحارث الليث بإدغام اللام ~~من يفعل في الذال حيث جاء والباقون بالإظهار {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} ~~أي: مهزؤا بها بمخالفتها؛ لأن كل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله ~~هزوا، وقيل: كان الرجل يتزوج ويطلق ويعتق ويقول: كنت ألعب فنزلت. # وروي عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث جدهن جد: وهزلهن جد ~~الطلاق والنكاح والرجعة» {واذكروا نعمت الله عليكم} التي من جملتها الإسلام ~~والإيمان وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم {وما أنزل عليكم من الكتاب} أي: ~~القرآن {والحكمة} أي: السنة، أفردهما بالذكر إظهارا لشرفهما وذكرها ~~مقابلتها بالشكر والقيام بحقوقها {يعظكم به} أي: بما أنزل عليكم ليدعوكم به ~~إلى دينه {واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم} لا يخفى عليه شيء ففي ~~ذلك تأكيد وتهديد. # PageV01P150 # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} أي: انقضت عدتهن {فلا تعضلوهن} أي: ~~تمتعوهن من {أن ينكحن أزواجهن} أي: المطلقين لهن. وعن الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه دل سياق الكلامين أي: وهما أمسكوهن إلخ.. و «فلا تعضلوهن» على ~~افتراق البلوغين، فالمراد بالأول المقاربة، وبالثاني الوصول كما تقرر، ~~والعضل الحبس والتضييق، ومن العضل بهذا المعنى عضلت الدجاجة إذا علقت ~~بيضتها فلم تخرج. # فائدة: رسمت التاء في نعمت بالتاء المجرورة، ووقف ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي بالهاء، ويميلها الكسائي في الوقف، ووقف الباقون بالتاء على الرسم ~~والمخاطب بذلك الأولياء لما روي أنه نزلت في معقل بن يسار، حين عضل أخته أن ~~ترجع إلى الزوج الأول، ففي الآية دليل على أن المرأة لا تزوج نفسها، إذ لو ~~تمكنت منه لم يكن لعضل الولي فائدة، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهن؛ ~~لأنه إنما أسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهن، وقبل الخطاب للأولياء ~~والأزواج، وقيل: للناس كلهم أي: لا يوجد فيما بينكم هذا الأمر، فإنه إن وجد ~~بينهم وهم راضون به كانوا كالفاعلين. # له وقوله تعالى: {إذا تراضوا بينهم} أي: الأزواج والنساء ظرف؛ لأن ينكحن ~~أو لا ms0251 تعضلوهن وقوله تعالى: {بالمعروف} أي: بما يعرفه الشرع ويستحسنه من ~~كونه بعقد حلال حال من ضمير تراضوا، أو صفة مصدر محذوف أي: تراضيا كائنا ~~بالمعروف وفيه دلالة على أن العضل عن التزوج من غير كف غير منهي عنه {ذلك} ~~أي: النهي عن العضل {يوعظ به من كان منكم يؤمن با واليوم الآخر} لأنه ~~المتعظ أو المنتفع به. # فإن قيل: لمن الخطاب في قوله: {ذلك يوعظ به} ؟ أجيب: بأنه يجوز أن يكون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل أحد كما في قوله تعالى: {يأيها النبي ~~إذا طلقتم النساء} (الطلاق، 1) ونحوه {ذلكم} أي: ترك العضل {أزكى} أي: أنفع ~~{لكم وأطهر} لكم ولهن من دنس الآثام لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب ~~العلاقة بينهما {وا يعلم} ما فيه المصلحة {وأنتم لا تعلمون} ذلك لقصور ~~علمكم، وقوله تعالى: # {والوالدات يرضعن أولادهن} خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى: {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن} وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع ~~إذا كان يوجد من يرضع الولد، لقوله تعالى في سورة الطلاق: {فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن} فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها، أما إذا لم ~~يوجد من يرضعه فيجب عليها إرضاعه، والوالدات يعم المطلقات وغيرهن وقيل: ~~يختص بالمطلقات إذ الكلام فيهن {حولين} أي: عامين {كاملين} صفة مؤكدة كما ~~في قوله تعالى: {تلك عشرة كاملة} (البقرة، 196) لأن العرب قد تسمي بعض ~~الحول حولا، وبعض الشهر شهرا، كما قال الله تعالى: {الحج أشهر معلومات} ~~(البقرة، 197) وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال تعالى: {فمن تعجل في يومين ~~فلا إثم عليه} (البقرة، 203) وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم. # وقال قتادة: فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل التخفيف ~~فقال: {لمن أرد أن يتم الرضاعة} أي: هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك ~~حد محدود، إنما هو على مقدار إصلاح المولود وما يعيش به. # {وعلى المولود له} أي: الوالد {رزقهن} أي: إطعام الوالدات {وكسوتهن} أجرة ~~لهن على الإرضاع إذا كن مطلقات، واختلف ms0252 في استئجار الأم للإرضاع فجوزه ~~الشافعي ومنعه أبو حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة نكاح. # PageV01P151 # فإن قيل: لم قال تعالى: {المولود له} دون الوالد؟ أجيب: بأنه تعالى إنما ~~ذكر ذلك ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم؛ لأن الأولاد للآباء ولذلك ~~ينتسبون إليهم لا إلى الأمهات. وأنشد للمأمون بن الرشيد: # *فإنما أمهات الناس أرعية ... مستودعات وللآباء أبناء* # فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم ألا ترى أنه ذكره باسم ~~الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله تعالى: {واخشوا يوما لا يجزي والد ~~عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا} (لقمان، 33) وقوله تعالى: ~~{بالمعروف} يفسره ما يعقبه وهو قوله تعالى: {لا تكلف نفس إلا وسعها} أي: ~~طاقتها فلا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه {لا تضار والدة بولدها} أي: ~~بسببه، بأن تكره على إرضاعه أو تكلف فوق طاقتها {ولا} يضار {مولود له ~~بولده} أي: بسببه، بأن يكلف فوق طاقته، وإضافة الولد إلى كل منهما ~~للاستعطاف، وللتنبيه على أن الولد حقيق بأن يتفقا على استصلاحه، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو تضار بضم الراء بدل من قوله: لا تكلف والباقون بفتحها {وعلى ~~الوارث} أي: وارث الأب، وهو الولد أي: على الولي في مال الولد {مثل ذلك} ~~أي: الذي كان على الأب للوالدة من الرزق والكسوة، وقيل: هو وارث الولد الذي ~~لو مات الولد لورثه، وقيل: الباقي من الأبوين أخذا من قوله صلى الله عليه ~~وسلم «اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث أي: الباقي منا» ~~والمعنى واجعل كل منهما في لزومه لنا مدة الحياة كأنه باق بعد الموت {فإن ~~أرادا} أي: الوالدان {فصالا} أي: فطاما له صادر {عن تراض} أي: اتفاق {منهما ~~وتشاور} بينهما فتظهر مصلحة الولد فيه {فلا جناح عليهما} في ذلك، زاد على ~~الحولين أو نقص، وهذه توسعة بعد التحديد، وإنما اعتبر تراضيهما مراعاة ~~لصلاح الولد، حذرا أن يقدم أحدهما على ما يضر به لغرض أو غيره {وإن أردتم} ~~خطاب للأولياء {أن تسترضعوا} مراضع غير الوالدات {أولادكم} يقال: ms0253 # أرضعت المرأة الطفل واسترضعتها إياه، فحذف المفعول الأول للاستغناء عنه ~~كما يقال: استنجحت الحاجة، ولا تذكر من استنجحته وكذلك حكم كل مفعولين يكون ~~أحدهما عبارة عن الأول، هذا ما جرى عليه الزمخشري، من أن استرضع يتعدى ~~لمفعولين بنفسه، والجمهور على أنه إنما يتعدى إلى # الثاني بحرف الجر، وتقديره هنا لأولادكم {فلا جناح عليكم} في ذلك {إذا ~~سلمتم} إليهن {ما آتيتم} أي: أردتم إيتاءه لهن من الأجرة، كقوله تعالى: ~~{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} (المائدة، 6) وإنما قدر ذلك؛ لأن ما ~~تحقق إيتاؤه لا يتصور تسليمه في المستقبل، وقوله تعالى: {بالمعروف} صلة ~~سلمتم أي: بالوجه المتعارف المستحسن شرعا، وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما ~~قبله، وليس اشتراط التسليم لجواز الاسترضاع بل لسلوك ما هو الأولى والأصلح ~~للطفل. وقرأ ابن كثير بقصر همزة أتيتم، من أتى إليه إحسانا إذا فعله ومنه ~~قوله تعالى: {إنه كان وعده مأتيا} (مريم، 61) أي: مفعولا والباقون بالمد ~~وهم على مراتبهم، وقوله تعالى: {واتقوا الله} مبالغة في المحافظة على ما ~~شرع في أمر الأطفال والمراضع ثم حثهم على ذلك وهددهم بقوله تعالى: {واعلموا ~~أن الله بما تعملون بصير} لا يخفى عليه شيء منه. # والذين يتوفون} أي: يموتون {منكم ويذرون} أي: يتركون {أزواجا يتربصن} # PageV01P152 # أي: ينتظرن {بأنفسهن} وهو خبر بمعنى الأمر، وهو أمر إيجاب أي: يجب عليهن ~~أن يتربصن بعدهم عن النكاح {أربعة أشهر وعشرا} أي: عشرة أيام وكان القياس ~~تذكير العدد بأن يؤتى فيه بالثاء ولكن لما حذف المعدود جاز فيه ذلك كما في ~~قوله تعالى: {إن لبثتم إلا عشرا} (طه، 103) ثم {إن لبثتم إلا يوما} (طه، ~~104) لأن قوله في سورة طه: {إن لبثتم إلا يوما} بعد قوله: {إن لبثتم إلا ~~عشرا} يدل على أن المراد بالعشر الأيام وإن ذكر بما يدل على الليالي، لأنهم ~~اختلفوا في مدة اللبث، فقال بعضهم: عشر وبعضهم يوم فدل على أن المقابل ~~باليوم إنما هو أيام الليالي، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم «من صام ~~رمضان وأتبعه ستا من شوال» . قال ms0254 البيضاوي: ولعل المقتضي لهذا التقدير أي: ~~بهذه المدة أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرا، ~~ولأربعة إن كان أنثى، فاعتبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشر استظهارا، إذ ~~ربما تضعف حركته في المبادي، فلا يحسن بها أي بالحركة اه. وهذا في غير ~~الحوامل أما هن فعدتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق، وفي غير الإماء فإنهن ~~على النصف من ذلك بالسنة. وعن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن الحامل ~~تعتد بأقصى الأجلين احتياطا. # وحكي عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من ~~المتوفى؟ بكسر الفاء فقال الله: وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله ~~تعالى عنه على أن أمره أن يضع كتابا في النحو، لكن يجوز الكسر على معنى أنه ~~مستوف أجله، ويدل له قوله تعالى: {والذين يتوفون} بفتح الياء على قراءة ~~شاذة نقلت عن علي، أي: يستوفون آجالهم. # {فإذا بلغن أجلهن} أي: انقضت عدتهن {فلا جناح} أي: لا حرج {عليكم} أيها ~~الأولياء {فيما فعلن في أنفسهن} أي: من التعرض للخطاب وسائر ما حرم عليهن ~~للعدة دون العقد، فإن العقد إلى الولي وقيل: المخاطب بذلك الأئمة أو ~~المسلمون جميعا. # {بالمعروف} أي: بالوجه الذي لا ينكره الشرع ومفهومه أنهن لو فعلن ما ينكر ~~فعلى المخاطب أن يكفهن، فإن قصر فعليه الجناح {وا بما تعملون خبير} عالم ~~بباطنه كظاهره فيجازيكم عليه. # {ولا جناح} أي: لا حرج {عليكم فيما عرضتم به} والتعريض في الكلام ما يفهم ~~منه السامع مراده بما لم يوضع له حقية ولا مجازا كقول السائل: جئتك لأسلم ~~عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا: # *وجئتك بالتسليم مني تقاضيا* # ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده، والفرق بينه وبين الكناية أن ~~الكناية: هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه وروادفه كقولك: طويل النجاد ~~للطويل، وهو بكسر النون حمائل السيف، وكثير الرماد للمضياف {من خطبة ~~النساء} المعتدات للموفاة، والخطبة بالضم والكسر اسم الهيئة، غير أن ~~المضمومة خصت بالموعظة، والمكسورة بطلب المرأة للنكاح والتعريض بالخطبة ms0255 ~~مباح في عدة الوفاة، وهو أن يقول: رب راغب فيك من يجد مثلك، إنك لجميلة، ~~وإنك لصالحة، وإنك لعلي كريمة، وإني فيك لراغب، وإن من غرضي أن أتزوج، وإن ~~جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبتني، ولأن تزوجتك لأحسنن إليك، ونحو ذلك ~~من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، من غير ~~أن يصرح بالنكاح فلا يقول: انكحيني والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت فيه. # روى ابن المبارك عن عبد الرحمن بن سليمان عن خالته قالت: دخل علي أبو ~~جعفر محمد بن علي، وأنا في عدتي # PageV01P153 # فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي ~~في الإسلام، فقلت: قد غفر الله لك أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك، فقال: ~~أوقد فعلت إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، ~~«قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي ~~سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله تعالى وهو متحامل على ~~يديه حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله عليها، فما كانت تلك خطبة» . ~~وأما عدة الفرقة في الحياة فيحل لغير صاحب العدة التعريض في غير رجعية، ~~لعدم سلطنة الزوج عليها. # أما التصريح فحرام إجماعا وأما الرجعية فلا يحل التعريض لها؛ لأنها في ~~حكم الزوجة أما صاحب العدة فيحل له التعريض والتصريح إن حل له نكاحها، وإلا ~~فلا. # {أوأكننتم} أي: أضمرتم {في أنفسكم} من نكاحهن، فلم تذكروه تصريحا ولا ~~تعريضا، قال السدي: هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء، ولا يتكلم بشيء {علم ~~الله أنكم ستذكرونهن} بالخطبة ولا تصبرون عنهن فأباح لكم التعريض وفيه نوع ~~توبيخ {ولكن لا تواعدوهن سرا} أي: نكاحا فالسر كناية عن النكاح الذي هو ~~الوطء؛ لأنه مما يسر قال الأعشى: # *ولا تقربن جارة إن سرها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا* # وقال امرىء القيس: # *ألا زعمت ساسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي* # ثم ms0256 عبر بالسر الذي هو كناية عن الوطء عن عقد النكاح؛ لأن العقد سبب في ~~الوطء وقيل: هو الزنا، كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزينة، وهو يعرض ~~بالنكاح ويقول لها: دعيني فإذا وفيت عدتك أظهرت نكاحك قاله الحسن. وقيل: هو ~~أن يصف نفسه لها بكثرة الجماع كأن يقول: آتيك الأربعة والخمسة ونحو ذلك. # فإن قيل: أين المستدرك بقوله: ولكن لا تواعدوهن سرا؟ أجيب: بأنه محذوف ~~لدلالة ستذكرونهن عليه، تقديره: علم الله أنكم ستذكرونهن فاذكروهن ولكن لا ~~تواعدوهن سرا. {إلا أن تقولوا قولا معروفا} أي: ما عرف شرعا من التعريض ~~فلكم ذلك، فإن قيل: أين المستثنى منه؟ أجيب: بأنه محذوف أي: لا تواعدوهن ~~مواعدة إلا مواعدة معروفة غير منكرة، أو إلا مواعدة بقول معروف. # قال في «الكشاف» : ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعا من «سرا» لأدائه إلى ~~قولك: لا تواعدوهن إلا التعريض، وقال البيضاوي: وقيل: إنه استثناء منقطع من ~~سرا وهو ضعيف لأدائه إلى قولك: لا تواعدوهن إلا التعريض، وهو أي: التعريض ~~غير موعود أي: بل منجز سرا أي: في السر على أن المواعدة في السر عبارة عن ~~المواعدة بما يستقبح لأن مسارتهن في الغالب مما يستحيا من المجاهرة به. # {ولا تعزموا عقدة النكاح} أي: على عقده، وفي ذلك مبالغة في النهي عن عقد ~~النكاح في العدة؛ لأن العزم يتقدم على العقد فإذا نهي عما يتقدمه فهو أولى ~~بالنهي، كما في قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا} (الإسراء، 42) {حتى يبلغ ~~الكتاب} أي: المكتوب {أجله} بأن ينتهي ما فرض فيه من العدة {واعلموا أن ~~الله يعلم ما في أنفسكم} من العزم وغيره {فاحذروه} أى: # PageV01P154 # خافوا عقابه {واعلموا أن الله غفور} لمن عزم ولم يفعل خوفا من الله ~~{حليم} لا يعاجلكم بالعقوبة. # أي: تجامعوهن {أو} لم {تفرضوا لهن فريضة} أي: مهرا، وما مصدرية ظرفية، ~~أي: لا تبعة عليكم في الطلاق زمن عدم المسيس والفرض بإثم ولا مهر، والتبعة ~~بكسر الباء: ما يتبع المال أو البدن من نوائب الحقوق، وهو من تبعت الرجل ~~بحقي. ms0257 وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم، والباقون بفتح التاء ~~ولا ألف بعد الميم. # وقوله تعالى: {ومتعوهن} عطف على مفسد، ولأنه طلب فلا يعطف على «لا جناح» ~~؛ لأنه خبر أي: فطلقوهن ومتعوهن، والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش ~~الطلاق، ويسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهما أو ما قيمته ذلك، وإذا تراضيا ~~بشيء فذاك، وإن تنازعا في قدرها قدرها قاض باجتهاده بقدر حالهما من يساره ~~وإعساره، ونسبها وصفاتها، كما قال تعالى: {على الموسع} أي: الغني منكم ~~{قدره} أي: ما يطيقه ويليق به {وعلى المقتر} أي: ضيق الرزق {قدره} أي: ما ~~يطيقه ويليق به. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لأنصاري طلق امرأته ~~المفوضة قبل أن يمسها: «أمتعتها» قال: لم يكن عندي شيء قال: «متعها ~~بقلنسوتك» . ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوضة التي لم يمسها ~~الزوج، وألحق بها الشافعي رضي الله تعالى عنه الممسوسة المفوضة وغيرها ~~قياسا وهو مقدم على المفهوم. # وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بفتح الدال، والباقون بسكونها وقوله ~~تعالى: {متاعا} تأكيدا لمتعوهن بمعنى تمتيعا وقوله تعالى: {بالمعروف} أي: ~~شرعا صفة «متاعا» وقوله تعالى: {حقا} صفة ثانية لمتاعا أي: متاعا واجبا ~~عليهم، أو مصدر مؤكد أي: حق ذلك حقا {على المحسنين} أي: المطيعين الذين ~~يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال، أو إلى المطلقات بالتمتيع، ~~وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلا فله ~~سلبه» ترغيبا وتحريضا. ولما ذكر الله تعالى حكم المفوضة أتبعها حكم قسيمها ~~بقوله تعالى: # {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} يجب ~~لهن ويرجع لكم النصف، وهو دليل على أن الجناح المنفي ثم تبعة المهر، وأن لا ~~متعة مع التشطير؛ لأنه قسيمها {إلا} لكن {أن يعفون} أي: الزوجات فلا يأخذن ~~شيئا. # فإن قيل: أي فرق بين قولك: الرجال يعفون والنساء يعفون؟ أجيب: بأن الواو ~~في الأول ضمير هم، والنون علم الرفع والواو في الثاني لام الفعل، والنون ~~ضميرهن، والفعل مبني لا أثر ms0258 في لفظه للعامل، وهو في محل النصب. # {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} وهو الزوج المالك لعقده وحله، كما يعود ~~إليه بالتشطير فيترك لها الكل. وقيل: هو الولي إذا كانت المرأة محجورة، وهو ~~قول قديم للشافعي، وهو مروي عن ابن عباس، وقوله تعالى: {وأن تعفوا} مبتدأ ~~خبره {أقرب للتقوى} والخطاب للرجال والنساء جميعا؛ لأن المذكر والمؤنث إذا ~~اجتمعا كانت الغلبة للمذكر أي: وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى {ولا تنسوا ~~الفضل بينكم} أي: أن يتفضل بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو بترك ~~المرأة نصيبها، حثهما جميعا على الإحسان {إن الله بما تعملون بصير} لا يضيع ~~فضلكم وإحسانكم بل يجازيكم به. # {حافظوا على الصلوات} الخمس بأدائها في أوقاتها، ولعل الأمر # PageV01P155 # بالصلاة إنما وقع في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج؛ لئلا يلهيهم ~~الاشتغال بشأنهم عنها. {والصلاة الوسطى} أي: الوسطى بين الصلوات أو الفضلى، ~~من قولهم للأفضل: الأوسط، وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل، ~~وهي صلاة العصر على الراجح لقوله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «شغلونا ~~عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم نارا» وفضلها لكثرة اشتغال ~~الناس في وقتها واجتماع الملائكة قال صلى الله عليه وسلم «يتعاقبون فيكم ~~ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» وقيل صلاة الصبح، لأنها بين صلاتي الليل ~~والنهار، والواقعة في الجزء المشترك بينهما لأنها مشهودة تشهدها الملائكة ~~الحفظة، نص عليها الشافعي رحمه الله تعالى لكن رجح الأصحاب الأول عملا ~~بقوله: حيث صح الحديث فهو مذهبي وقيل: صلاة الظهر؛ لأنها وسط النهار، وكانت ~~أشق الصلوات عليهم، فكانت أفضل لأنه صلى الله عليه وسلم «سئل: أي الأعمال ~~أفضل؟ فقال: «أحزمها» وهو بحاء مهملة وزاي أقواها وأشدها، وقيل: صلاة ~~المغرب لأنها متوسطة بالعدد لأن عددها بين عددي الركعتين والأربع، وقيل: ~~صلاة العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي النهار لا يقصران، وهما المغرب ~~والصبح وقال بعضهم: هي إحدى الصوات الخمس لا بعينها أبهمها الله تعالى ~~تحريضا للعباد في المحافظة على أداء جميعها، كما أخفى ليلة القدر في شهر ~~رمضان، وساعة ms0259 إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ~~ليحافظوا على جميعها {وقوموا} في الصلاة {قانتين} أي: مطيعين لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «كل قنوت في القرآن فهو طاعة» أو ساكنين لحديث زيد بن أرقم: ~~«كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» ، رواه ~~الشيخان.I # وقال ابن المسيب المراد به القنوت في الصبح. # {فإن خفتم} من عدو أو سبع أو سيل أو نحو ذلك {فرجالا} جمع راجل أي: مشاة ~~صلوا {أو ركبانا} جمع راكب أي: كيف أمكن مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها ~~ويومىء بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع. والصلاة في حال ~~الخوف على أقسام وهذه صلاة شدة الخوف وسيأتي بقية الأقسام إن شاء الله ~~تعالى في سورة النساء. ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم. # وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: «فرض الله الصلاة على ~~لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين» وفي الخوف ركعة، وفي الآية ~~دليل على وجوب الصلاة حال المقاتلة، وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، ~~وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لا يصلي حال المشي والمقاتلة ما لم ~~يمكن الوقوف، وقال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه: إذا كنت في القتال ~~وضرب الناس بعضهم بعضا فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر واذكر الله فتلك صلاتك {فإذا أمنتم} من الخوف {فاذكروا الله} أي: صلوا ~~الصلوات الخمس تامة بحقوقها {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} قبل تعليمه من ~~فرائضها وحقوقها، والكاف بمعنى مثل وما موصولة أو مصدرية. # {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم} قرأ نافع وابن كثير ~~وشعبة والكسائي وصية بالرفع أي: فعليهم وصية، والباقون بالنصب أي: فليوصوا ~~وصية، وقوله تعالى: {متاعا} نصب على المصدر أي: متعوهن متاعا أي: يتمتعن به ~~من النفقة والكسوة {إلى} تمام {الحول} من # PageV01P156 # موتهم الواجب عليهن تربصه، وقوله تعالى: {غير إخراج} نصب على الحال أي ~~غير مخرجات من مسكنهن. نزلت هذه الآية ms0260 في رجل من أهل الطائف، يقال له الحكم ~~بن الحارث، هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته، فمات فأنزل ~~الله هذه الآية، «فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ~~ولم يعط امرأته شيئا وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا» ، وكانت ~~عدة الوفاة في ابتداء الإسلام حولا، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت ~~قبل تمام الحول، وكان نفقتها وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة، ما لم ~~تخرج ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها، وكان على ~~الرجل أن يوصي بها، فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث ففسخ الله تعالى نفقة ~~الحول بالربع والثمن، ونسخ عدة الحول بآية {أربعة أشهر وعشرا} السابقة. # فإن قيل: كيف نسخت الآية السابقة المتأخرة؟ أجيب: بأنها متقدمة في ~~التلاوة متأخرة في النزول كما في قوله تعالى: {سيقول السفهاء} (البقرة، ~~142) مع قوله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} (البقرة، 144) {فإن خرجن} من ~~قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة {فلا جناح عليكم} يا أولياء ~~الميت {فيما فعلن في أنفسهن من معروف} شرعا كالتزين وترك الإحداد وقطع ~~النفقة عنها، خيرها الله تعالى بين أن تقيم حولا ولها النفقة والسكنى، وبين ~~أن تخرج ولا نفقة لها ولا سكنى، إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشرا {وا عزيز} ~~في ملكه {حكيم} في صنعه لا يسئل عما يفعل. # {وللمطلقات متاع} أي: يعطينه {بالمعروف} بقدر الإمكان وقوله تعالى: {حقا} ~~نصب بفعله المقدر {على المتقين} الله. # فإن قيل: لم كرر الله تعالى ذلك؟ أجيب: بأن ذلك لحكمة، وهي أن الآية ~~السابقة في غير الممسوسة وهذه أعم منها، فتشمل الممسوسة أيضا. # {كذلك} أي: كما بين لكم ما سبق من أحكام الطلاق والعدد {يبين الله لكم ~~آياته} وعد سبحانه وتعالى أنه سيبين لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون ~~إليه معاشا ومعادا، {لعلكم تعقلون} أي: تتدبرون فتستعملون العقل فيها وقوله ~~تعالى: # {ألم تر} استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده، لمن سمع بقصتهم من ~~أهل ms0261 الكتاب وأرباب التواريخ، وقد يخاطب به من لم ير ولم يسمع، وهذا هنا ~~أولى، فإنه صار مثلا في التعجيب، أي: ينته علمك {إلى الذين خرجوا من ديارهم ~~وهم ألوف} أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفا، ~~وقوله تعالى: {حذر الموت} مفعول له، هم قوم من بني إسرائيل كانوا في قرية ~~يقال لها: داوردان، جهة واسط وقع بها الطاعون، فخرجت، طائفة منها وبقيت ~~طائفة فهلك أكثر من بقي في القرية، وسلم الذين خرجوا، فلما ارتفع الطاعون ~~رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا ~~لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانيا لنخرجن إلى أرض لا وباء بها، فوقع الطاعون ~~من قابل فهرب عنها أهلها، وخرجوا حتى نزلوا واديا أفيح، فلما نزلوا المكان ~~الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه أن موتوا ~~فماتوا جميعا، ثم أحياهم الله تعالى كما قال تعالى: {فقال لهم الله موتوا} ~~أي: فماتوا {ثم أحياهم} ليعتبروا ويتيقنوا أن لا مفر من قضاء الله وقدره. ~~وقيل: قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد، ففروا حذر الموت، ~~فأماتهم الله ثمانية أيام أو أكثر، # PageV01P157 # ثم أحياهم بدعاء نبيهم حزقيل بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي ثالث خلفاء ~~بني إسرائيل بعد موسى، وكان يقال له ابن العجوز؛ لأن أمه كانت عجوزا، فسألت ~~الله الولد بعدما كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها. # قال الحسن ومقاتل: هو ذو الكفل، وسمي حزقيل ذا الكفل؛ لأنه كفل سبعين ~~نبيا وأنجاهم من القتل، قال: اذهبوا فإني إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا ~~معي جميعا، فلما جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين، قال لهم: ~~ذهبوا وما أدري أين هم، ومنع الله حزقيل من اليهود، فلما مر حزقيل على تلك ~~الموتى وقف عليهم، فجعل يتفكر فيهم فبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك، ~~ويسبحونك، ويقدمونك، ويكبرونك، ويهللونك، فبقيت وحدي لا قوم لي، فأوحى الله ~~تعالى إليه أن ناد: أيتها العظام إن الله يأمرك ms0262 أن تجتمعي فاجتمعت العظام ~~من أعلى الوادي وأدناه، حتى التزق بعضها ببعض، كل عظم جسد التزق بجسده، ~~فصارت أجسادا من عظام لا لحم ولا دم، ثم أوحى الله تعالى إليه: أن ناد ~~أيتها الأجسام إن الله يأمرك أن تكسي لحما، فاكتست لحما، ثم أوحى الله إليه ~~أن ناد: أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء ورجعوا إلى ~~بلادهم. # وقال مجاهد: إنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت، ~~فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا عليهم أثر الموت، لا يلبسون ثوبا إلا عاد ~~كالكفن حتى ماتوا لآجالهم، التي كتبت لهم، ولو جاءت آجالهم ما بعثوا، ~~واستمر ذلك في أسباطهم، قال ابن عباس: وأثر ذلك ليوجد اليوم في ذلك السبط ~~من اليهود. # وفائدة هذه القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثهم على ~~التوكل والاستسلام للقضاء فإن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر، ~~فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى {إن الله لذو فضل على الناس} أي: عامة ~~فليذكر كل أحد ماله عليه من الفضل {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} كما ينبغي ~~أما الكفار فلم يشكروا، وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره. # تنبيه: إنما كرر الناس، ولم يضمر ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع أن ~~المراد بالناس الأول أهل زمان فيخص بالثاني أكثرهم. # {وقاتلوا في سبيل الله} أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا {واعلموا ~~أن الله سميع} لأقوالكم فيسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون {عليم} ~~بأحوالكم فيعلم ما تضمرونه فيجازيكم. # {من ذا الذي يقرض الله} الذي تفرد بالعظمة بإنفاق ماله في سبيل الله ومن ~~استفهامية مرفوعة، الموضع بالابتداء، وذا خبره، والذي: صفة ذا أو بدل، ~~وإقراض الله مثل لتقديم العمل الذي يطلب ثوابه، فهو اسم لكل ما يعطيه ~~الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما وعد لهم ~~من الثواب قرضا؛ لأنهم يعملون لطلب ثوابه، وأصل القرض في اللغة القطع، سمي ~~القرض به؛ لأنه يقطع من ماله شيئا يعطيه ms0263 ليرجع إليه مثله وقيل: في الآية ~~اختصار، معناه: من ذا الذي يقرض عباد الله المحتاجين من خلقه كقوله تعالى: ~~{إن الذين يؤذون الله} (الأحزاب، 57) أي: عباد الله كما جاء في الحديث عن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن ~~الله يقول يوم القيامة: ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك ~~وأنت رب العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو ~~أطعمته لوجدت ذلك عندي؟» {قرضا حسنا} أي: جامعا لطيب النفس وإخلاص النية، ~~وقيل: لا يمن به ولا يؤذي. ولما كانت النفس مجبولة على الشح بما عندها إلا ~~لفائدة رغبها سبحانه وتعالى في ذلك بقوله: {فيضاعفه} أي: جزاءه {له} في ~~الدنيا والآخرة، وأول هذه المضاعفة أن الزائد ضعف ليس كسرا، «كان صلى الله ~~عليه وسلم لا يقترض قرضا إلا وفى عليه زيادة وقال: خياركم أحسنكم قضاء» ، ~~وقد أنبأ سبحانه وتعالى أن اقتراضه بما هو فوق ذلك، لأنه يضعف القرض بمثله ~~وأمثاله بقوله: {أضعافا كثيرة} (البقرة، 545) من عشر إلى أكثر من سبعمائة ~~كما سيأتي. روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية، قال ~~أبو الدحداح الأنصاري: «يا رسول الله إن الله ليريد منا القرض قال: نعم يا # أبا الدحداح قال: أرني يدك يا رسول الله فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ~~ربي حائطي، وحائطه فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها فجاء أبو ~~الدحداح فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك قال: اخرجي فقد أقرضت ربي عز ~~وجل» . # وقرأ ابن عامر وعاصم فيضاعفه بنصب الفاء على جواب الاستفهام حملا على ~~المعنى، فإن من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا في معنى أيقرض الله أحد، ~~والباقون برفعها، وأسقط الألف وشدد العين ابن كثير وابن عامر، والباقون ~~بإثبات الألف وتخفيف العين، ولما رغب سبحانه وتعالى في إقراضه، أتبعه جملة ~~خالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال: {وا يقبض} أي: يمسك الرزق عمن يشاء ~~ابتلاء {ويبسط} أي: يوسعه ms0264 لمن يشاء امتحانا، بحسب ما اقتضته حكمته سبحانه ~~وتعالى، وقرأ قنبل وأبو عمرو وابن عامر وحفص وحمزة وبالسين، بخلاف عن ابن ~~ذكوان وخلاد، والباقون بالصاد والرسم بالصاد {وإليه ترجعون} أي: فيجازيكم ~~على ما قدمتم. # {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} أي: إلى قصتهم، والملأ من القوم ~~أشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط، ~~والإبل، والخيل والجيش، ومن للتبعيض {من بعد} موت {موسى} ومن للابتداء {إذ ~~قالوا لنبي لهم} أكثر المفسرين على أنه شمويل، قال مقاتل: هو من نسل هرون، ~~وقيل: هو يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه الصلاة والسلام وقيل: هو ~~شمعون، وإنما سمي بذلك؛ لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما فاستجاب دعاءها ~~فسمته شمعون تقول: سمع الله دعائي والسين تصير شينا بالعبرانية وسبب سؤال ~~بني إسرائيل نبيهم، ذلك أنه لما مات موسى عليه الصلاة والسلام وخلف، في بني ~~إسرائيل الخلوف وعظمت الخطايا سلط الله عليهم قوم جالوت وكانوا يسكنون ساحل ~~بحر الروم بين مصر وفلسطين، وهم العمالقة فظهروا على بني إسرائيل وغلبوا ~~على كثير من أرضهم، وسبوا كثيرا من ذراريهم، وأسروا من أبناء ملوكهم ~~أربعمائة وأربعين غلاما، وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم، ولقي بنو ~~إسرائيل منهم بلاء كثيرا وشدة، ولم يكن لهم حينئذ نبي يدبر أمرهم، وكان سبط ~~النبوة هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت، رهبة أن تلد ~~جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، وجعلت المرأة ~~تدعو الله أن يرزقها غلاما فولدت غلاما فسمته شمعون، تقول: سمع الله دعائي ~~فكبر الغلام فأسلمته لتعليم التوراة في بيت المقدس، فكفله شيخ من علمائهم ~~وتبناه، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل، فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ~~ربك فإن الله قد بعثك فيهم نبيا، فلما أتاهم # PageV01P158 # كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة فإن كنت صادقا {ابعث} أي: أقم {لنا ملكا ~~نقاتل} معه {في سبيل الله} فتنتظم به كلمتنا، ونرجع إليه، ويكون ذلك آية من ~~نبوتك. ms0265 # وإنما كان قوام بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك، وطاعة الملوك ~~أنبياءهم، فكان الملك هو الذي يسير بالجموع، والنبي يقيم له أمره ويشير ~~عليه برشده، ويأتيه بالخبر من ربه. # ولما قالوا له ذلك {قال} لهم {هل عسيتم} قرأ نافع بكسر السين، والباقون ~~بفتحها، وقوله تعالى: {إن كتب} أي: فرض {عليكم القتال} مع ذلك الملك {أن لا ~~تقاتلوا} خبر عسى والاستفهام لتقرير المتوقع بها بمعنى التثبت للمتوقع، وإن ~~كان الشائع من التقرير هو الحمل على الإقرار. # {قالوا: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا} بسبيهم وقتلهم أي: أي غرض لنا في ترك القتال وقد عرض لنا ما ~~يوجبه ويحث عليه من الإخراج عن الأوطان، والإفراد عن الأولاد. # {فلما كتب عليهم القتال تولوا} عنه وجبنوا وضيعوا أمر االله تعالى {إلا ~~قليلا منهم} وهم الذين عبروا النهر مع طالوت وانتصروا على الفرقة على ما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى، وقوله تعالى: {وا عليم بالظالمين} وعيد لهم على ~~ظلمهم في ترك الجهاد. # تنبيه: هذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثا عن الماضين، وإنما هو إعلام ~~بما يستقبل الآتون، كما قال القائل: إياك أعني واسمعي يا جارة، فلذلك لا ~~يسمع القرآن من لم يأخذ بجملته خطابا لهذه الأمة بكل ما قص له من أقاصيص ~~الأولين. ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا ~~وقرن فيه دهن القدس، وقيل له: إن صاحبكم الذي يكون ملكا يكون طوله طول هذه ~~العصا، وانظر القرن الذي فيه الدهن، فإذا دخل عليك رجل ونش الدهن الذي في ~~القرن، فهو ملك بني إسرائيل، فادهن به رأسه وملكه عليهم، وكان طالوت واسمه ~~بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد بنيامين بن يعقوب، سمي طالوت لطوله وكان ~~أطول من كل أحد أي: في زمانه برأسه ومنكبه، وكان رجلا دباغا، يعمل الأديم ~~قاله وهب، وقال السدي: كان سقاء يسقي على حمار له من النيل، فضل حماره، ~~فخرج في طلبه، وقال وهب: بل ضلت حمر لأبي ms0266 طالوت، فأرسله وغلاما له في ~~طلبها، فمر ببيت شمويل فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبي فسألناه ~~على أمر الحمير ليرشدنا، ويدعو لنا، فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له ~~شأن الحمر، إذ نش الدهن الذي في القرن، فقام شمويل فقاس طالوت بالعصا، ~~فكانت على طوله، فقال لطالوت: قرب رأسك فقربه فدهنه بدهن القدس ثم قال له: ~~أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكه عليهم، فقال طالوت: أما علمت ~~أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوتهم؟ قال: بلى قال: فبأي ~~آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجدت الحمر، فكان كذلك ثم، أخبرهم نبيهم بذلك ~~كما قال تعالى: # {وقال لهم نبيهم} الذي تقدم ذكره {إن الله قد بعث لكم} أي: لأجل سؤالكم ~~{طالوت ملكا} وهو اسم أعجمي كجالوت، وداود، وإنما امتنع من الصرف لتعريفه ~~وعجمته {قالوا أنى} أي: كيف {يكون له الملك علينا} أي: من أين يكون له ذلك؛ ~~{ونحن} أي: والحال أنا نحن {أحق} أي: أولى {بالملك منه} وإنما قالوا ذلك ~~لأنه كان من بني إسرائيل سبطان سبط نبوة، وسبط مملكة، فكان سبط النبوة سبط ~~لاوي بن يعقوب، ومنه كان موسى وهرون عليهما الصلاة والسلام، وسبط # PageV01P160 # المملكة سبط يهوذا بن يعقوب، ومنه كان داود وسليمان عليهما الصلاة ~~والسلام، ولم يكن طالوت من أحدهما، إنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب، ~~وكانوا عملوا ذنبا عظيما كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق جهارا، فغضب ~~الله عليهم ونزع الملك والنبوة منهم، وكانوا يسمون سبط الإثم، فلما قال لهم ~~نبيهم ذلك أنكروا؛ لأنه لم يكن من سبط المملكة، ومع ذلك قالوا: هو دباغ ~~{ولم} أي: والحال أنه لم {يؤت سعة من المال} يستعين بها على إقامة الملك ~~ولما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه، رد عليهم ذلك بأمور حكاها الله ~~تعالى عن نبيهم بقوله تعالى: {قال} أي: نبيهم {إن الله اصطفاه} أي: اختاره ~~للملك {عليكم} والعهدة في التملك اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم، وهو ~~أعلم بالمصالح منكم هذا الأمر ms0267 الأول، والثاني قوله: {وزاده} عليكم {بسطة} ~~أي: سعة {في العلم} الذي يحصل به نظام المملكة ويتمكن به من معرفة الأمور ~~السياسية {و} في {الجسم} الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان ~~وقصده من سائر الأقران، ويكون أعظم خطرا في القلوب وأقوى على مقاومة العدو، ~~ومكابدة الحروب، لا ما ذكرتم وقد زاده الله في العلم، فكان أعلم بني ~~إسرائيل يومئذ، والجسم فكان أجملهم وأتمهم خلقا، كان الرجل القائم يمد يده ~~فيتناول رأس طالوت. # والثالث قوله: {والله يؤتي ملكه} أي: الذي هو له وليس لغيره فيه شيء {من ~~يشاء} فإنه تعالى مالك الملك على الإطلاق، فله أن يؤتيه من يشاء سواء كان ~~غنيا أم فقيرا، كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون والرابع ~~قوله: {وا واسع} أي: واسع الفضل يوسع على الفقير، ويغنيه {عليم} بمن يليق ~~بالملك من النسيب وغيره. # {وقال لهم نبيهم} لما أذعنوا لذلك وطلبوا منه آية تدل على أنه سبحانه ~~وتعالى اصطفى طالوت وملكه عليهم {إن آية} أي: علامة {ملكه أن يأتيكم ~~التابوت} أي: الصندوق وكان فيه صور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أنزله ~~الله تعالى على آدم صلى الله عليه وسلم وكان من عود الشمشار بمعجمتين ~~أولاهما مكسورة وبينهما ميم ساكنة خشب تعمل منه الأمشاط، مموها بالذهب نحوا ~~من ثلاثة أذرع في ذراعين، فكان عند آدم إلى أن مات ثم عند شيث ثم توارثه ~~أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم، ثم كان عند إسمعيل؛ لأنه كان أكبر ولده ثم ~~عند يعقوب، ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى، ثم تداوله أنبياء ~~بني إسرائيل، ثم استمر عند بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم أو ~~حكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم فيستفتحون به على عدوهم كما ~~قال تعالى: {فيه سكينة} أي: طمأنينة لقلوبكم {من ربكم} ففي أي مكان كان ~~التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا قاله قتادة والكلبي: لما عصوا وفسدوا سلط الله ~~عليهم العمالقة أصحاب جالوت، فغلبوهم على التابوت وأخذوه. # وقال ms0268 علي: هو صورة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان، وقال مجاهد: هي شيء يشبه ~~الهرة له رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة وله جناحان، وقيل: له عينان لهما ~~شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي طشت ~~من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وقال وهب: هي روح من الله ~~تتكلم إذا اختلفوا في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون. # ولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسلام أعظم أنبيائهم قال: {و} فيه ~~{بقية مما ترك آل موسى # PageV01P161 # وآل هرون} وآلهما أنفسهما والآل مقحم لتفخيم شأنهما. # وقيل: أبناؤهما، وقيل: أنبياء بني إسرائيل لأنهم أبناء عم موسى وهرون ~~والبقية هي رضاض الألواح أي: فتاتها وعصا موسى وثيابه ونعلاه وعمامة هرون ~~وقفيز من المن، الذي كان ينزل عليهم. # وقوله تعالى: {تحمله الملائكة} حال من فاعل يأتيكم {إن في ذلك لآية لكم} ~~على ملكه وقوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} يحتمل أن يكون من كلام نبيهم، وأن ~~يكون ابتداء خطاب من الله تعالى، فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ~~ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت فأقروا بملكه، وقيل: رفعه الله تعالى بعد ~~موسى، فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه، فلما رأوه لم يشكوا في النصر به، ~~فأقروا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد، فقال طالوت: لا حاجة لي في كل ما أرى لا ~~يخرج معي رجل يبني بناء لم يفرغ منه، ولا صاحب تجارة مشتغل بها ولا رجل ~~عليه دين، ولا رجل تزوج امرأة ولم يبن بها، ولا أبتغي إلا الشاب النشيط ~~الفارغ، فاجتمع عليه ممن اختاره ثمانون ألفا وكان الوقت صيفا في حر شديد ~~فشكوا قلة الماء بينهم وبين عدوهم وقالوا: إن المياه لا تحملنا فادعو الله ~~أن يجري لنا نهرا كما قال تعالى: # u # {فلما فصل} أي: خرج {طالوت} أي: الذي ملكوه {بالجنود} من بيت المقدس أي: ~~التي اختارها والجنود، جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع {قال إن ~~الله مبتليكم} أي: مختبركم ليظهر منكم المطيع والعاصي وهو أعلم {بنهر} ms0269 قال ~~ابن عباس والسدي: هو نهر فلسطين وقال قتادة نهر بين الأردن وفلسطين عذب ~~{فمن شرب منه} أي: من مائه فليس مني أي: من أتباعي {ومن لم يطعمه} أي: يذقه ~~{فإنه مني} أي: من أتباعي، وإنما علم ذلك بالوحي إن كان نبيا كما قيل أو ~~بإخبار النبي عليه الصلاة والسلام وقوله تعالى: {إلا من اغترف غرفة بيده} ~~أي: فاكتفى بها ولم يزد عليها، «فإنه مني» استثناء من قوله تعالى: فمن شرب، ~~وإنما قدمت عليه الجملة الثانية؛ للعناية بها كما قدم الصابئون على خبر إن ~~في قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} (البقرة، 62) والمعنى الرخصة في ~~القليل دون الكثير، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو غرفة بفتح الغين ~~والباقون بضمها. # فائدة: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابيا ينشد وقد كنت خرجت إلى ظاهر ~~البصرة متفرجا مما نالني من طلب الحجاج: # *صبر النفس عند كل ملم ... إن في الصبر حيلة المحتال* # *لا تضيقن في الأمور فقد تك ... شف لأواؤها بغير احتيال* # *ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال* # *قد يصاب الجبان في آخر الص ... ف وينجو مقارع الأبطال* # فقلت ما وراءك يا أعرابي؟ قال: مات الحجاج فلم أدر بأيهما أفرح أبموت ~~الحجاج أم بقوله فرجة؛ لأني كنت أطلب شاهدا لاختيار القراءة في سورة البقرة ~~غرفة بالضم. # {فشربوا منه} لما وافوه بكثرة وقوله تعالى: {إلا قليلا منهم} أي: فاقتصر ~~على الغرفة، نصب على الاستثناء. # روي أن من اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر ~~سالما، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وأروته، والذين شربوا وخالفوا أمر ~~الله اسودت شفاههم، وغلبهم العطش، فلم يرووا وبقوا على # PageV01P162 # شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، واختلفوا في عدد الذين لم يشربوا قال ~~البغوي: الصحيح أنهم ثلثمائة وبضعة عشر أي: عدد أهل بدر، وقال السدي: كانوا ~~أربعة آلاف ويؤيد الأول ما روي عن البراء أنه قال: كنا أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة ms0270 أصحاب طالوت، الذين جاوزوا ~~معه النهر، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر، وثلثمائة. ويروى ثلثمائة وثلاثة ~~عشر وفي هذا إيذان بأن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد ~~التائبين من أصحاب طالوت، الذين كان بعددهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم بدر وهم ثلثمائة وثلاثة عشر، عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين ~~ولما كان قصص بني إسرائيل مثلا لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر، ~~فابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها، وفي إفراد اليد إيذان بأن الأخذ من ~~الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين، لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشر. ~~{فلما جاوزه} أي: النهر {هو} أي: طالوت {والذين آمنوا معه} أي: وهم الذين ~~اقتصروا على الغرفة {قالوا} أي: الذين شربوا {لا طاقة} أي: لا قوة {لنا ~~اليوم بجالوت وجنوده} أي: بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه. # ولما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بهذا القول نبه على أنه لا ينبغي أن ~~يصدر ممن يظن أن أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام، ولا ينقص بالجراءة ~~والإقدام، وأنه يلقى الله تعالى، فيجازيه على عمله، وأن النصر من الله لا ~~بالقوة والعدد فقال: {قال الذين يظنون} أي: يوقنون {أنهم ملاقوا الله} ~~بالبعث وهم الذين جاوزوه {كم من فئة} أي: جماعة، وهي جمع لا واحد له من ~~لفظه وجمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في النصب والخفض، وكم يحتمل أن تكون ~~خبرية بمعنى كثير، ومن مبينة وأن تكون استفهامية، ومن مؤكدة والأول أولى ~~بقرينة المقام {قليلة} كما كان في هذه الأمة في يوم بدر {غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله} أي: بإرادته وتيسيره، ثم انظر إلى هذا الحال العجيب؛ وهو أنه ~~لما ندبهم انتدب جيش لا يحصون فاشترط عليهم الشاب الفارغ من بناء دار، ~~وبناء بامرأة، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفا، ثم امتحنوا بالنصر، ~~فلم يثبت منهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من ~~المتصفين بالشرط، من الذين هم دون الدون من المنتدبين، الذين هم دون الدون ~~من السائلين ms0271 في بعث الملك الخارجين معه كما قال القائل: # *ألم تعلم بأني صيرفي ... أحك الأصدقاء على محكي* # *فمنهم بهرج لا خير فيه ... ومنهم من أجوزه بشك* # *وأنت الخالص الذهب المصفى ... بتزكيتي ومثلي من يزكي* # ثم بين سبحانه وتعالى أن ملاك كل ذلك الصبر بقوله: {وا مع الصابرين} ~~بالنصر والمعونة فلا يخذل من كان معه. # {ولما برزوا} أي: ظهروا وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة {لجالوت} اسم ~~ملك من ملوك الكنعانيين بالشأم في زمن بني إسرائيل، جبار من العمالقة من ~~أولاد عمليق بن عاد {وجنوده} على ما هم فيه من القوة والكثرة التجؤا إلى ~~الله بالدعاء كما نبه على ذلك بقوله: {قالوا ربنا أفرغ} أي: أصبب {علينا ~~صبرا وثبت أقدامنا} بتقوية قلوبنا على الجهاد {وانصرنا # PageV01P163 # على القوم الكافرين} وفي الدعاء ترتيب بليغ إذ سألوا: أولا إفراغ الصبر ~~في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ~~ثم النصر على العدو المترتب عليهما غالبا. # {فهزموهم بإذن الله} أي: بإرادته {وقتل داود جالوت} قال أهل التفسير: عبر ~~النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له، وكان داود ~~أصغرهم، فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز إلي أو أبرز من يقاتلني، فإن قتلني ~~فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم، فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره: من قتل ~~جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي، فهابوا لقاء جالوت فلم يجبه أحد فسأل ~~طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا في ذلك، فأوحى الله تعالى إليه أن في ~~ولد إيشا من يقتل الله تعالى به جالوت، وكان داود أصغرهم يرعى الغنم، فأوحى ~~الله تعالى إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء فقال له ~~طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأناصفك ملكي؟ قال: نعم قال: آنست ~~من نفسك أن تقوى به قال: نعم أنا أرعى فيجيء الأسد فيأخذ شاة فأقوم إليه ~~وأفتح لحييه عنها وأشقهما إلى قفاه، فمر داود في الطريق فكلمه ثلاثة ms0272 أحجار، ~~وقالت له: إنك تقتل جالوت بنا، فحملها في مخلاته فلما تصافوا للقتال وبرز ~~جالوت وسأل المبارزة وكان من أشد الناس وأقواهم، كان يهزم الجيوش وحده، ~~وكان له بيضة فيها ثلثمائة رطل حديد، انتدب له داود وأخذ مخلاته وتقلد بها ~~وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه الرعب فقال ~~له: أنت تبرز لي قال: نعم، وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام، ~~فقال: أتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال: نعم أنت شر من الكلب ~~قال: لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء، قال داود: أو يقسم ~~الله لحمك، فقال داود: باسم إله إبراهيم وأخرج حجرا ثم أخرج الآخر وقال: ~~باسم إله إسحق، ووضعه في مقلاعه ثم أخرج الثالث وقال: بسم إله يعقوب ووضعه ~~في مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا، ودور المقلاع ورمى به، فسخر الله له ~~الريح حتى أصاب أنف البيضة فخالط دماغه وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين ~~رجلا، وهزم الله تعالى الجيش وخر # جالوت قتيلا، فأخذه داود يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت، وفرح المسلمون ~~فرحا شديدا وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، فجاء داود إلى طالوت وقال: ~~أنجزني ما وعدتني فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود ~~وأحبوه، وأكثروا ذكره فحسده طالوت، وأراد قتله فأخبر بذلك فهرب، فسلط عليه ~~العيون وطلبه أشد الطلب، فلم يقدر عليه. # ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في البرية فقال: أقتله فركض على ~~أثره فاشتد داود وكان إذا فزع لم يدرك فدخل غارا، فأوحى الله تعالى إلى ~~العنكبوت فنسجت عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء ~~العنكبوت فقال: لو كان دخل ههنا لخرق بناء العنكبوت، فتركه ومضى وانطلق ~~داود إلى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه إلى أن قتل طالوت، وكان ملك طالوت ~~إلى أن قتل أربعين سنة، وأتى بنو إسرائيل بداود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه ~~على أنفسهم. # قال الكلبي والضحاك: ملك داود بعد قتل طالوت ms0273 سبعين سنة ولم يجتمع بنو ~~إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى: {وآتاه الله الملك ~~والحكمة} أي: النبوة بعد موت شمويل # PageV01P164 # وطالوت ولم يجتمعا لأحد قبله بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط وقيل: ~~الملك والحكمة العلم والعمل. # {وعلمه مما يشاء} كصنعة الدروع كان يصنعها ويبيعها، وكان لا يأكل إلا من ~~عمل يده، ومنطق الطير والصوت الطيب، والألحان، ولم يعط الله تعالى أحدا من ~~خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، وتظله ~~الطير ويركد الماء الجاري ويسكن الريح والسلسلة، كان لا يمسها ذو عاهة إلا ~~برأ، وكانوا يتحاكمون إليها بعده إلى أن رفعت، فمن تعدى على صاحبه وأنكر له ~~حقا أتى السلسلة، فمن كان صادقا مد يده إليها فتناولها، ومن كان كاذبا لم ~~ينلها وكان ذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة، فأودع بعض ملوكهم رجلا ~~جوهرة ثمينة فلما طلبها منه أنكرها، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي عنده ~~الجوهرة، إلى عكازة فنقرها وضمنها الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر السلسلة ~~فقام صاحب الجوهرة فتناول السلسلة بيده ثم قام المنكر وقال لصاحب الجوهرة: ~~خذ عكازتي هذه فاحفظها حتى أتناول السلسلة فقال الرجل: اللهم إن كنت تعلم ~~أن الوديعة التي يدعيها قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة فمد يده فتناولها ~~فتعجب القوم وشكوا فيها، فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة. # {ولولا دفع الله الناس بعضهم} بدل بعض من الناس {ببعض} أي: ولولا دفع ~~الله بجنود المسلمين الكفار {لفسدت الأرض} بغلبة المشركين وقتل المسلمين، ~~وتخريب المساجد، أو لفسدت الأرض بشؤم الكفر فيكون المعنى: ولولا دفع الله ~~بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض بمن فيها ولكن الله يدفع ~~بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر. # وقد روي أن الله عز وجل ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه ~~البلاء ثم قرأ ابن عمر الآية. # وروي عن ابن عباس أنه قال: «يدفع الله تعالى بمن يصلي، عمن لا يصلي وبمن ~~يحج، عمن لا يحج وبمن يزكي ms0274 عمن لا يزكي» وعن جابر بن عبد الله «أن الله ~~ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده، وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا ~~يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» . وعن ابن مسعود «أن لله عز وجل في الخلق ~~ثلثمائة قلوبهم على قلب آدم، ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى، ~~ولله في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم، ولله في الخلق خمسة قلوبهم على ~~قلب جبرائيل، ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل، ولله في الخلق ~~واحد قلبه في قلب إسرافيل، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة ~~وإذا مات واحد من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات واحد من ~~الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة، وإذا مات واحد من السبعة أبدل الله ~~مكانه من الأربعين، وإذا مات واحد من الأربعين أبدل الله مكانه من ~~الثلثمائة، وإذا مات واحد من الثلثمائة أبدل الله مكانه من العامة فيهم ~~يحيي ويميت قال: لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون ويدعون على ~~الجبابرة فينقصمون ويستسقون، فيسقون ويسألون فتنبت لهم الأرض ويدعون فيدفع ~~الله أنواع البلاء» . # {ولكن الله ذو فضل على العالمين} أي: كلهم أولا بالإيجاد، وثانيا ~~بالدفاع، فهو يكف عن ظلم الظلمة، إما بعضهم ببعض أو بالصالحين ويسبغ عليهم ~~غير ذلك من أنواع نعمه ظاهرة وباطنة. # {تلك} أي: هذه الآيات التي قصصناها عليك من حديث الأولين، وتمليك طالوت ~~وإتيان # PageV01P165 # التابوت، وانهزام الجبابرة على يد صبي وهو داود، وقتل داود جالوت {آيات ~~الله} الذي جلت عظمته وتمت قدرته وقوته {نتلوها} أي: نقصها {عليك} يا محمد ~~{بالحق} أي: بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنهم يجدونه في ~~كتبهم كذلك وأرباب التواريخ {وإنك} أي: والحال إنك {لمن المرسلين} بما دلت ~~هذه الآية عليه من علمك بها من غير معلم من البشر، ثم بإعجازها الباقي على ~~مدى الدهر، ولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه ~~صلى الله عليه وسلم منهم تشوفت النفس إلى معرفة أحوالهم في ms0275 الفضل هل هم فيه ~~سواء أو هم متفاضلون، فأشار إلى علو مقادير الكل في قوله: # {تلك الرسل} بأداة البعد إعلاما ببعد مراتبهم وعلو منازلهم وأنها بالمحل ~~الذي لا ينال والمقام الذي لا يطال. # تنبيه: تلك مبتدأ والرسل صفة أي: الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو ~~التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جماعة الرسل واللام ~~للاستغراق، والخبر {فضلنا بعضهم على بعض} بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره، لما ~~أوجب ذلك من تفضيلهم في الحسنات بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة، ولما كان ~~أكثر السورة في بني إسرائيل، وأكثر ذلك في أتباع موسى عليه الصلاة والسلام ~~ذكر وصفه مع وصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {منهم من كلم الله} ~~بلا واسطة وهو موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، كلم موسى ليلة الحيرة وهي ~~بفتح الحاء، تحيره في معرفة طريقه من مسيره من مدين إلى مصر وفي الطور، ~~ومحمدا ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى، وبين التكليمين بون عظيم، ~~ومنهم أيضا آدم كما ورد في الحديث. # {ورفع بعضهم} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {درجات} على غيره بعموم الدعوة ~~وختم النبوة به، والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة وينسخ جميع الشرائع، ~~وبكونه رحمة للعالمين وبتفضيل أمته على سائر الأمم، وبالمعجزات المتكاثرة ~~المستمرة، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السموات والأرض عن الإتيان بسورة من ~~مثله، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الغالبة ~~للحصر، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده كفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي ~~الأنبياء؛ لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات وبانشقاق ~~القمر بإشارته، وحنين الجذع بمفارقته، وتسليم الحجر عليه، وكلام البهائم ~~والشهادة برسالته، ونبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا ~~الله تعالى. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد ~~أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه ~~الله إلي، فأرجو أن أكون ms0276 أكثرهم تابعا يوم القيامة» . # وروي عنه أنه قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب من مسيرة ~~شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، ~~وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى ~~قومه وبعثت إلى الناس عامة» . # وروي عنه أنه قال: «فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت ~~بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق ~~كافة وختم بي النبيون» . # {وأتينا عيسى ابن مريم البينات} من إحياء الموتى وغيره {وأيدناه} أي: ~~قويناه {بروح القدس} وهو جبريل # PageV01P166 # يسير معه حيث سار، وخص عيسى صلى الله عليه وسلم باسمه لإفراط اليهود في ~~تحقيره، والنصارى في تعظيمه حيث قالوا: هو ابن الله وأبهم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم في قوله تعالى: {بعضهم} حيث لم يقل ورفع محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لما في الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه من ~~الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، ويقال ~~للرجل: من فعل هذا؟ فيقول أحدكم أو بعضكم، يراد به الذي تعورف واشتهر، ~~فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر ~~زهيرا والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت ~~لذكرت نفسي لم يفخم أمره. # {ولو شاء الله} أي: الذي له جميع الأمر، هدى الناس جميعا باتفاقهم على ~~دين واحد {ما اقتتل الذين من بعدهم} أي: بعد الرسل أي: ما اقتتلت أممهم {من ~~بعد ما جاءتهم البينات} أي: المعجزات الواضحات على أيدي رسلهم؛ لاختلافهم ~~في الدين وتضليل بعضهم بعضا {ولكن اختلفوا} لمشيئته تعالى ذلك {فمنهم} أي: ~~فتسبب عن اختلافهم إن كان منهم {من آمن} أي: ثبت على إيمانه {ومنهم من كفر} ~~كالنصارى بعد المسيح. # ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق ~~إليهم استقلالا، قال الله تعالى معلما: أن الكل بخلقه تأكيدا لما مضى ms0277 من ~~ذلك ومعيدا ذكر الاسم الأعظم: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} بعد اختلافهم ~~بالإيمان والكفر {ولكن الله يفعل ما يريد} فيوفق من يشاء فضلا منه، ويخذل ~~من يشاء عدلا منه، والآية دليل على أن الأنبياء متفاوتة الأقدام، وأنه يجوز ~~تفضيل بعضهم على بعض، ولكن بنص لأن اعتبار الظن فيما يتعلق بالعمل لا ~~بالاعتقاد، وأن الحوادث بيد الله لقوله تعالى: {يفعل ما يريد} تابعة ~~لمشيئته تعالى خيرا كان أو شرا إيمانا أو كفرا. # ولما كان الاختلاف على الأنبياء سببا للجهاد، الذي هو حظيرة الدين وكان ~~عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعا إلى أول السورة من هنا إلى آخرها، ~~وأتى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة. # {يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} أي: مما أوجبت عليكم إنفاقه من ~~الزكاة، قاله السدي وقال غيره أراد به صدقة التطوع والنفقة في الخير، أي: ~~فلا تبخلوا بالإنفاق فإنه لا داء أدوأ من البخل. قال تعالى: {ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون} (الحشر، 9) (التغابن، 16) وصرف الأمر بالتبعيض ~~إلى الحلال الطيب يمنع احتجاج المعتزلة بها، في أن الرزق لا يكون إلا ~~حلالا، لكونه مأمورا به. # وأتبعه بما يرغب ويرهب من حلول يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي ~~أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال: {من قبل أن يأتي يوم} موصوف بأنه ~~{لا بيع فيه} أي: فداء {ولا خلة} أي: صداقة تنفع {ولا شفاعة} بغير إذنه ~~والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال ولا يراعي الصداقة من مساو، ولا الشفاعة ~~من كبير، لعدم إرادة الله تعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بالنصب في بيع وخلة وشفاعة، ولا تنوين على الأصل، ~~والباقون بالرفع والتنوين على أنها في تقدير جواب هل فيه بيع أو خلة أو ~~شفاعة. # ولما حث سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين، بكونهم لم ~~يتحلوا بهذه الصفة، لتخليصهم من الإيمان وبعدهم منه وتكذيبهم بذلك اليوم، ~~فهم لا ينفقون لخوفه وإرهابه ms0278 فقال بدل ولا نصرة لكافر {والكافرون} أي: ~~المعلوم # PageV01P167 # كفرهم في ذلك اليوم {هم} المختصون بأنهم {الظالمون} أي: الكاملون في ~~الظلم لا غيرهم. # وقوله سبحانه: # {الله لا إله إلا هو} مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غير ~~{الحي} أي: الدائم البقاء {القيوم} أي: الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظهم ~~{لا تأخذه سنة} وهي ما يتقدم النوم من الفتور، الذي يسمى النعاس، قال ابن ~~الرقاع العاملي: # *وسنان أقصده (أي: أصابه) النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم* # أي: لا يأخذه نعاس {ولا نوم} وهو حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب ~~الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس. # فإن قيل: تقديم السنة على النوم قياس المبالغة عكسه، أجيب: بأن هذا ذكر ~~ترتيب الوجود، إذ وجود السنة سابق على وجود النوم، فهو على طريقة لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة، قصدا إلى الإحاطة والإحصاء؛ ولأنه لما عبر بالأخذ الذي هو ~~بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة كما لو قيل: فلان لا يغلبه أمير ولا ~~سلطان، وجملة لا تأخذه سنة ولا نوم نفي للتشبيه بينه وبين خلقه وتأكيد ~~لكونه حيا قيوما فإن من أخذه نعاس أو نوم كان بآفة تخل بالحياة قاصرا في ~~الحفظ والتدبير، ولذلك ترك العاطف فيه.e # وفي الجمل التي بعده من قوله: {له ما في السموات وما في الأرض} إلخ.. ~~وقوله تعالى: {له} أي: بيده وفي تصرفه واختصاصه {ما في السموات وما في ~~الأرض} أي: ملكا وخلقا تقرير لقيوميته، واحتجاج على تفرده في الألوهية، ~~والمراد بما فيهما ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما كالكواكب والنبات ~~والمعادن، وخارجا عنهما متمكنا منهما، كالملائكة والإنس والجن. # وقوله تعالى: {من ذا الذي} أي: لا أحد {يشفع عنده إلا بإذنه} له بيان ~~لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه، يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة ~~وتواضعا فضلا أن يدفعه عنادا ومخاصمة {يعلم ما بين أيديهم} في الخلق من أمر ~~الدنيا {وما خلفهم} أي: من أمر الآخرة قاله مجاهد، وقال الكلبي: ما بين ~~أيديهم ms0279 يعني: الآخرة؛ لأنهم يقدمون عليها وما خلفهم الدنيا لأنهم يخلفونها ~~وراء ظهورهم وقيل: ما بين أيديهم ما قدموا من خير وشر وما خلفهم ما هم ~~فاعلوه {ولا يحيطون بشيء} أي: قليل ولا كثير {من علمه} أي: لا يعلمون شيئا ~~من معلوماته {إلا بما شاء الله} أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل {وسع كرسيه ~~السموات والأرض} اختلف في الكرسي فقال الحسن: هو العرش نفسه، وقال أبو ~~هريرة: هو موضع أمام العرش، والأحاديث تدل عليه، ومعنى وسع أن سعته مثل سعة ~~السموات والأرض، وفي الأخبار أن السموات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في ~~فلاة والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة. # ويروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن السموات السبع في الكرسي ~~كدراهم سبعة ألقيت في ترس، وقال علي ومقاتل: كل قائمة من الكرسي طولها مثل ~~السموات السبع والأرضين السبع، وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسي أربعة ~~أملاك لكل ملك أربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة ~~السفلى مسيرة خمسمائة عام، ملك على صورة أبي البشر آدم عليه الصلاة ~~والسلام، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة، إلى السنة وملك على ~~صورة سيد الأنعام وهو الثور، # PageV01P168 # يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة، وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل، ~~وملك على صورة سيد السباع، وهو الأسد يسأل الرزق للسباع من السنة إلى ~~السنة، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر، يسأل للطير الرزق من السنة إلى ~~السنة، وفي بعض الأخبار أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ~~ظلمة وسبعين حجابا من نور، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، لولا ذلك ~~لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش وقيل: المراد بالكرسي علمه، وقيل: ~~ملكه وقيل: تصوير لعظمته وتمثيل مجرد {ولا يؤده} أي: لا يثقله ولا يشق عليه ~~{حفظهما} أي: السموات والأرض {وهو العلي} أي: الرفيع فوق خلقه المتعالي عن ~~الأشباه والأنداد {العظيم} أي: الكبير الذي لا شيء أعظم منه، المستحقر ~~بالإضافة إليه كل ما سواه. # وهذه ms0280 الآية تسمى آية الكرسي، مشتملة على أمهات المسائل الإلهية، فإنها ~~دالة على أنه موجود واحد في الإلهية، متصف بالحياة واجب لوجود لذاته، موجد ~~لغيره، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزه عن التحيز والحلول، ~~مبرأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، ~~مالك الملك والملكوت، ومبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع ~~عنده إلا من أذن له، عالم بالأشياء كلها جليها وخفيها كليها وجزئيها، واسع ~~الملك والقدرة، إذ المقدور كل ما يصح أن يملك ويقدر عليه لا يؤده شاق ولا ~~يشغله شان، عن شان متعال عما يدركه وهم عظيم فلا يحيط به فهم، ولذلك قال ~~عليه الصلاة والسلام: «إن أعظم آية في القرآن الكرسي» رواه مسلم، وروى ~~النسائي وابن حبان وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ آية الكرسي ~~دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» أي: فإذا مات دخل ~~الجنة. # وروى البيهقي في «شعبه» أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يواظب عليها إلا ~~صديق أو عابد» ، وروي البيهقي أيضا «أن من قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله ~~على نفسه، وجاره وجار جاره والأبيات حوله» . وعن أبي بن كعب أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سأله: «أي آية من كتاب الله أعظم؟» قال: قلت الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم، قال: فضرب في صدري ثم قال: «ليهنك العلم أبا المنذر، ~~والذي نفسي بيده إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش» وعن أبي ~~هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من ~~أول حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم حفظ في يومه ذلك حتى يمسي فإن ~~قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح» . وروي: «ما قرئت آية الكرسي ~~في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ~~ليلة، يا علي علمها ولدك وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها» وتذاكر ~~الصحابة ms0281 أفضل ما في القرآن فقال لهم علي رضي الله تعالى عنه: أين أنتم عن ~~آية الكرسي ثم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا علي سيد البشر ~~آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب، وسيد ~~الحبشة بلال وسيد الجبال، الطور وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام ~~القرآن، وسيد القرآن البقرة وسيد البقرة، آية الكرسي» . # {لا إكراه في الدين} أي: على الدخول فيه أي: فمن أعطي الجزية لم يكره على ~~الإسلام فهو عام مخصوص بأهل الكتاب. # لما روي أن أنصاريا كان له ابنان تنصرا قبل المبعث ثم قدما المدينة ~~فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا، فاختصموا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله # PageV01P169 # أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فنزلت وقيل: عام منسوخ، فكان هذا في ~~الابتداء قبل أن يؤمر بالقتال فصارت الآية منسوخة بآية السيف، قاله ابن ~~مسعود: {قد تبين الرشد من الغي} أي: ظهر بالآيات البينات أن الإيمان رشد ~~يوصل إلى السعادة الأبدية، وأن الكفر غي يؤدي إلى الشقاوة السرمدية، ~~والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان، طلبا للفوز بالسعادة ~~والنجاة، فلم يحتج إلى الإكراه والإلجاء {فمن يكفر بالطاغوت} أي: فمن اختار ~~الكفر بالشيطان أو الأصنام {ويؤمن با} أي: بالتوحيد وتصديق الرسل {فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى} أي: تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين {لا ~~انفصام} أي: لا انقطاع {لها} . # قال التفتازاني: شبه التدين بالدين الحق، والثبات على الهدى والإيمان ~~بالتمسك بالعروة الوثقى المأخوذة من الحبل المحكم المأمون تقطعها، ثم ذكر ~~المشبه به وأراد المشبه وقال الزمخشري: وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر ~~والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه ~~فيحكم اعتقاده والتيقن به اه. # والوثقى تأنيث الأوثق، وقيل: العروة الوثقى السبب الذي يتوصل به إلى رضا ~~الله تعالى {وا سميع} لما يقال: {عليم} بالنيات والأفعال وقيل: سميع لدعائك ~~إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إيمانهم. # أي: ناصر ومعين {الذين آمنوا} ms0282 أي: أرادوا أن يؤمنوا لقوله تعالى: ~~{يخرجهم} أي: بلطفه وتأييده {من الظلمات} أي: الكفر {إلى النور} أي: ~~الإيمان أو أنهم الثابتون على الإيمان بأن يخرجهم من الشبهة في الدين إن ~~وقعت، لهم بما يهديهم ويوفقهم له من أجلها، حتى يخرجوا منها إلى نور ~~اليقين. وعن ابن عباس: أنهم قوم كانوا كفروا بعيسى وآمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم # {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} أي: الشيطان وقال مقاتل: هو كعب بن ~~الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة {يخرجونهم} أي: يدعونهم {من النور} ~~الذي منحوه بالفطرة {إلى الظلمات} أي: الكفر. # فإن قيل: كيف يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور قط، أجيب: بأن ~~الطبراني روى عن ابن عباس أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى، فلما بعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم كفروا به» ، أو أنه تعالى ذكر الإخراج في مقابلة يخرجهم من ~~الظلمات، فهو على العموم في حق جميع الكفار كما يقول الرجل لأبيه: أخرجتني ~~من مالك ولم يكن فيه، كما قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه الصلاة والسلام: ~~{إني تركت ملة قوم لا يؤمنون با} (يوسف، 38) ولم يكن قط في ملتهم وقيل: ~~نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام، وإسناد الإخراج إلى الطاغوت باعتبار السبب ~~لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به، والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا ~~وجمعا، قال تعالى في المذكر: والواحد {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ~~أمروا أن يكفروا به} ، (النساء، 60) وقال تعالى في المؤنث {والذين اجتنبوا ~~الطاغوت أن يعبدوها} (الزمر، 17) وقال في الجمع: {يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات} (البقرة، 257) . # وقوله تعالى: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وعيد وتحذير. قال ~~البيضاوي: ولعل عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم. # ولما كان النمروذ المحاجج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى ~~الظلمات ذكره عقب ذلك فقال: {ألم تر} أي: تعلم بما نخبرك به علما هو عندك ~~كالمشاهدة لمالك من كمال البصيرة، وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة # PageV01P170 # {إلى الذي} وهو نمروذ {حاج} جادل وخاصم {إبراهيم في ربه} وهو ms0283 أول من وضع ~~التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادعى الربوبية {أن} آي: لأن {آتاه الله ~~الملك} فطغى أي: كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه، فأورثه الكبر ~~والعتق، فحاج لذلك. وقال مجاهد: ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر مؤمنان ~~وكافران، أما المؤمنان فسليمان صلى الله عليه وسلم وذو القرنين، وأما ~~الكافران فنمروذ بن كنعان وبختنصر، لم يملكها غيرهم. وفي الآية دليل على أن ~~الله تعالى يعطي الكافر الملك، ففيها حجة على من منع إيتاء الملك للكافر من ~~المعتزلة، وأول الملك بالمال والخدم الذي يتسلط به على غلبة الناس لا الملك ~~الحقيقي وبهذا أول الزمخشري. # {إذ قال إبراهيم: ربي الذي} قرأ حمزة ربي بسكون الياء والباقون بنصبها ~~{يحيي ويميت} أي: يخلق الموت والحياة في الأجساد، وهذا جواب سؤال غير مذكور ~~تقديره، قال له نمروذ: من ربك؟ فقال له إبراهيم ذلك. # واختلفوا في وقت هذه المناظرة فقال مقاتل: لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه ~~نمروذ، ثم أخرجه ليحرقه بالنار، فقال له: من ربك الذي تدعونا إليه؟ قال ~~آخرون: كان هذا بعد إلقائه في النار، وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمروذ، ~~وكان الناس يمتارون من عنده، فكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام سأله من ~~ربك؟ فإن قال: أنت باع منه الطعام فأتاه إبراهيم فقال له: من ربك؟ فقال له ~~ذلك. # {قال أنا أحيي وأميت} قرأ نافع بمد الألف من أنا فيصير مدا منفصلا ~~والباقون بالقصر، قال أكثر المفسرين: دعا نمروذ برجلين فقتل أحدهما واستحيا ~~الآخر فجعل ترك القتل إحياء، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى لا عجزا بل رآه ~~من غباوته، فإن حجته لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت، فكان له أن ~~يقول: فأحي من أمت إن كنت صادقا، لكنه انتقل إلى حجة أوضح من الأولى ذكرها ~~الله تعالى بقوله: {قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس} وهو الذي أوجدها {من ~~المشرق} أي: في كل يوم قبل أن توجد أنت بدهور. # {فأت بها} أنت {من المغرب} إن كنت صادقا فيما تدعيه، ولو يوما ms0284 واحدا، وفي ~~ذلك إشعار بأن الله تعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب، ليكون في ذلك ~~إظهار تصريفه لها حيث شاء يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت، ~~ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة لقيام الساعة وطلوع الأرواح من ~~أبدانها {فبهت الذي كفر} تحير ودهش وانقطعت حجته، ولم يعط إبراهيم طعاما ~~فرجع فمر على كثيب رمل أعفر، فأخذ منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم، ~~فلما أتى أهله ووضع متاعه نام، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو أجود ~~طعام رأته، فأخذته وصنعت له منه وقربته له فقال لها: من أين هذا؟ قالت: من ~~الطعام الذي جئت به، فعرف أن الله تعالى رزقه فحمد الله تعالى. # فإن قيل: كيف بهت نمروذ وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم فيقول له سل أنت ربك ~~حتى يأتي بها من المغرب؟ أجيب: بأن الله تعالى صرفه عن ذلك إظهارا للحجة ~~عليه، أو معجزة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أو أنه خاف أن لو سأل ذلك دعا ~~إبراهيم ربه فكانت زيادة في فضيحته وانقطاعه. # ثم بعث الله تعالى إلى نمروذ بن كنعان ملكا أن آمن بي وأتركك على ملكك ~~قال: فهل رب غيري، فجاءه الثانية، فقال له ذلك فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة ~~فأبى عليه، فقال له ذلك الملك: فاجمع جموعك إلى ثلاثة أيام، # PageV01P171 # فجمع الجبار جموعه، فأمر الله تعالى الملك، ففتح عليه بابا من البعوض ~~فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم فأكلت شحومهم وشربت ~~دماءهم فلم يبق إلا العظام ونمروذ كما هو لم يصبه من ذلك شيء فبعث الله ~~عليه بعوضة فدخلت، في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم ~~الناس به من جمع يديه، ثم ضرب بهما رأسه، وكان جبارا أربعمائة سنة فعذبه ~~الله تعالى أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله، وهو الذي بنى صرحا طويلا ~~ليصعد منه إلى السماء ليقاتل أهلها فأرسل الله تعالى عليه الريح فهدمته، ~~وستأتي قصته في غافر إن شاء الله تعالى ms0285 {وا لا يهدي القوم الظالمين} بالكفر ~~إلى محجة الاحتجاج. # {أو كالذي مر على قرية} فيه حذف تقديره أو رأيت مثل الذي، فحذف لدلالة ~~ألم تر عليه، لأن كلتيهما كلمة تعجب، وتخصيصه بحرف التشبيه، لأن المنكرين ~~للإحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى، بخلاف مدعي الربوبية وقيل: ~~الكاف مزيدة، وتقدير الكلام ألم تر إلى الذي حاج أو إلى الذي مر، والمار ~~عزير بن شرحيا أو الخضر أو الكافر بالبعث، ويؤيد هذا نظمه مع نمروذ في سلك ~~وكلمة الاستبعاد التي هي. أنى يحيي، وأكثر المفسرين على الأول والقرية بيت ~~المقدس حين خربها بختنصر وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، ثم أمر جنوده أن ~~يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا فيقذفه في بيت المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه ثم ~~أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عنده صغيرهم وكبيرهم من ~~بني إسرائيل، فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا ~~معه، فأصاب كل رجل منهم أربعة، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق، فثلثا ~~قتلهم، وثلثا سباهم وثلثا أقرهم بالشأم وقيل: هي القرية التي خرج منها ~~الألوف وقيل غيرهما {وهي خاوية} أي: ساقطة {على عروشها} أي: سقوفها بأن سقط ~~السقف أولا ثم سقطت الجدران عليه، لما أخربها بختنصر {قال أنى} أي: كيف ~~{يحيي هذه الله بعد موتها} أي: بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل، ~~فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة، وهذا اعتراف بالعجز من معرفة طريق ~~الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي، إن كان القائل مؤمنا واستبعاد إن كان ~~كافرا. # {فأماته الله} وألبثه {مائة عام} ميتا {ثم بعثه} بالإحياء ليريه كيفية ~~ذلك {قال كم لبثت} أي: مكثت أي: لما أحياه الله بعث إليه ملكا فسأله كم ~~لبثت؟ وعن ابن عباس أن عزيرا كان عبدا صالحا حكيما خرج ذات يوم إلى ضيعة له ~~يتعاهدها، فلما انصرف انتهى إلى خربة حين قامت الظهيرة فأصابه الحر، فدخل ~~الخربة وهو على حمار له فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين وسلة فيها ms0286 عنب، ~~فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج قصعة كانت معه، فاعتصر من العنب الذي كان معه ~~في القصعة، ثم أخرج خبزا يابسا معه فألقاه في تلك القصعة في العصر ليبتل ~~فيأكله، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط فنظر سقف تلك البيوت ~~ورأى ما فيها وهي ساقطة على عروشها ورأى عظاما بالية فقال: {أنى يحيى هذه ~~الله بعد موتها} فلم يشك أن الله يحييها ولكن قالها تعجبا، فبعث الله ملك ~~الموت فقبض روحه فأماته الله مائة عام، فلما أتت عليه مائة عام، وكان فيما ~~بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث فبعث الله إلى عزير ملكا فخلق قلبه ~~ليعقل به وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى، ثم ركب خلقه وهو ~~ينظر ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك يرى # PageV01P172 # ويعقل فاستوى جالسا فقال له الملك: كم لبثت؟ {قال لبثت يوما} وذلك أن ~~الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل ~~غيبوبة الشمس فقال: لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غربت ثم التفت فرأى بقية ~~من الشمس فقال: {أو بعض يوم} أي: بل بعض يوم {قال} أي: الله أو الملك له ~~{بل لبثت مائة عام} قرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة في كم ~~لبثت، وفي قال: لبثت وفي بل لبثت، والباقون بالإدغام. # ثم قال له الله أو الملك {فانظر إلى طعامك} وكان تينا أو عنبا {وشرابك} ~~وكان عصيرا أو لبنا {لم يتسنه} أي: لم يتغير بمرور الزمان فكان التين أو ~~العنب كأنه قد قطف من ساعته والعصير كأنه قد عصر أو اللبن قد حلب من ساعته ~~قال الكسائي أي: كأنه لم يأت عليه السنون، وإنما أفرد الضمير لأن الطعام ~~والشراب كالجنس الواحد. # فإن قيل: إذا كان المار كافرا فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟ أجاب الزمخشري ~~بأن الكلام كان بعد البعث ولم يك إذ ذاك كافرا وقال أبو حيان: لا نص في ~~الآية، إن ms0287 الله كلمه شفاها، وقرأ حمزة والكسائي لم يتسن بإسقاط الهاء إذا ~~وصلها بما بعدها، والباقون بإثباتها وفي الوقت ثابتة للجميع. # {وانظر إلى حمارك} كيف هو فرآه ميتا وعظامه بيض وكان له حمار قد ربطه، ~~وقيل: رآه حيا مكانه كما ربطه حفظ بلا ماء ولا علف، كما حفظ الطعام والشراب ~~من التغير. # وقوله تعالى: {ولنجعلك آية للناس} معطوف على محذوف تقديره فعلنا ذلك ~~لتعلم ولنجعلك آية وقيل: الواو زائدة مقحمة أي: لنجعلك عبرة ودلالة على ~~البعث بعد الموت {وانظر إلى العظام كيف ننشرها} قرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو بالراء ومعناه نحييها، والباقون بالزاي ومعناه نرفعها من الأرض ونردها ~~إلى أماكنها من الجسد. # وفي الآية تقديم وتأخير وتقديرها: وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ~~ننشرها ولنجعلك آية للناس، واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون: إنه أراد ~~به عظام حماره وهذا يؤيد كون حماره كان ميتا قال السدي: إن الله أحيا عزيرا ~~ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فبعث الله ريحا فجاءت بعظام ~~الحمار من كل سهل وجبل، الذي ذهبت به الطيور والسباع، فاجتمعت فركب بعضها ~~في بعض، وهو ينظر فصار حمارا من عظام ليس فيه لحم ولا دم ثم كسا العظام ~~لحما ودما كما قال تعالى: {ثم نكسوها لحما} فصار حمارا لا روح فيه ثم أقبل ~~ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى، ~~وقال الأقلون: أراد به عظام هذا الرجل فأحيا الله عينيه ورأسه وسائر جسده ~~ميت ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئته يوم ربطه، ~~وهذا يؤيد كون حماره كان حيا وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير ~~علف ولا ماء قال الضحاك وقتادة: وتقدير أي على هذا وانظر إلى حمارك وانظر ~~إلى عظامك كيف ننشرها. # روي أن عزيرا لما أحياه الله تعالى ركب حماره حتى أتى محلته، فأنكره ~~الناس وأنكر الناس ومنازله، فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو ms0288 بعجوز ~~عمياء مقعدة أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم، فخرج عزير عنهم وهي ~~بنت عشرين سنة فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير قالت: نعم هذا منزل ~~عزير وبكت، وقالت: ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا فقال: فإني أنا ~~عزير فقالت: سبحان الله فإن عزيرا فقدناه من مائة سنة، لم نسمع له بذكر، ~~قال: إن الله أماتني مائة سنة ثم # PageV01P173 # بعثني قالت: فإن عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة يدعو للمريض وصاحب البلاء ~~بالعافية، فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك، فإن كنت عزيرا عرفتك، فدعا ~~ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال: قومي بإذن الله تعالى، ~~فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت إليه فقالت: أشهد ~~أنك عزير فانطلقت إلى بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن العزير ~~شيخ ابن مائة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، قال الضحاك: ~~عاد إلى قريته شابا وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز، وهو أسود الرأس ~~واللحية، فقالت: هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا ~~لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله أماته مائة عام ثم بعثه، ~~فنهض الناس وأقبلوا عليه ونظروا إليه، وقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل ~~الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير، فقال بنو إسرائيل: فإنه لم ~~يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير، فقرأ لهم التوراة من الحفظ ~~ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك وقالوا: هو ابن الله.u # وسيأتي الكلام على ذلك في سورة براءة إن شاء الله تعالى. # {فلما تبين له} ذلك بالمشاهدة وفاعل تبين مضمر تقديره: فلما تبين له أن ~~الله على كل شيء قدير {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} فحذف من الأول ~~لدلالة الثاني عليه كما في قولهم: ضربني وضربت زيدا، وقرأ حمزة والكسائي ~~بوصل الهمزة قبل العين وسكون الميم، والباقون بقطع الهمزة ورفع الميم. # {وإذ قال إبراهيم ms0289 رب أرنى كيف تحى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولاكن ~~ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا? واعلم أن الله عزيز حكيم * مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أن?بتت سبع سنابل في كل سن?بلة ما?ئة حبة? ~~والله يضاعف لمن يشآء? والله واسع عليم * الذين ينفقون أموالهم فى سبيل ~~الله ثم يتبعون مآ أنفقوا? منا و? أذى? لهم أجرهم عند ربهم وخوف عليهم وهم ~~يحزنون * قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى? والله غنى حليم * ~~ي?اأيها الذينءامنوا? تبطلوا? صدقاتكم بالمن وا?ذى كالذى ينفق ماله? رئآء ~~الناس ويؤمن بالله واليوم ا?خر? فمثله? كمثل صفوان عليه تراب فأصابه? وابل ~~فتركه? صلدا? s يقدرون على شىء مما كسبوا?? والله يهدي القوم الكافرين} # {و} اذكر {إذ قال إبراهيم رب أرني} أي: أبصرني، قرأ ابن كثير والسوسي ~~بسكون الراء من أرني، وقرأ الدوري باختلاس الكسرة، والباقون بكسرة كاملة ~~{كيف تحيي الموتى} قال الحسن وقتادة والضحاك: كان سبب هذا السؤال من ~~إبراهيم عليه السلام أنه مر على دابة ميتة، قال ابن جرير: كانت جيفة حمار ~~فرآها وقد توزعتها دواب البحر والبر، فكانت إذا مد البحر جاءت الحيتان ~~ودواب البحر فأكلت منها، وما وقع منها، يصير في البحر وإذا انحسر البحر ~~جاءت السباع فأكلت منها وما وقع منها يصير ترابا فإذا ذهبت السباع جاءت ~~الطير فأكلت منها وما سقط قطعته الريح في الهواء، فلما رأى ذلك إبراهيم ~~تعجب منها وقال: يا رب قد علمت أنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير ~~وأجواف دواب البحر، فأرني كيف تحييها فأزداد يقينا فعابه الله بقوله: # {قال أولم تؤمن} بقدرتي على الإحياء سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيب بما ~~أجاب به، فيعلم السامعون غرضه {قال بلى} يا رب آمنت {ولكن ليطمئن قلبي} أي: ~~ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة، أراد أن يصير له بعد علم اليقين عين ~~اليقين، فإن العيان يفيد في المعرفة والطمأنينة ما ms0290 لا يفيده الاستدلال. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم «نحن أحق بالشك من إبراهيم ولو لبثت في ~~السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» فقال أبو سسليمان الخطابي: ليس فيه ~~اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم لكن فيه نفي الشك عنهما يقول: إذا ~~لم أشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك، ~~وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، وكذلك قوله: ولو لبثت في السجن ~~طول ما لبث يوسف، وقيل: سبب سؤاله أنه لما قال له نمروذ أنا أحيي وأميت قال ~~له: إن إحياء الله برد الروح إلى بدنها، فقال نمروذ: هل عاينته فلم يقدر أن ~~يقول: نعم، وانتقل إلى تقرير آخر ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه في الجواب ~~إن سئل عنه مرة # PageV01P174 # أخرى. # فإن قيل: بم تعلقت اللام في ليطمئن؟ أجيب: بأنها تعلقت بمحذوف تقديره: ~~ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب. # وقيل: بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيى ولكنه طلبها تلويحا، فأجيب بالمنع ~~منها تلويحا، وموسى عليه الصلاة والسلام لما سألها تصريحا أجيب بالمنع ~~تصريحا. # قال تعالى: {فخذ أربعة من الطير} قال مجاهد وابن جرير: أخذ طاوسا وديكا ~~وحمامة وغرابا، وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإنسان شبها، كتدوير الرأس ~~والمشي على رجلين، وأجمع لخواص الحيوان لأن فيها ما يتكلم، وما يهتدي ~~للطريق كالقطاة، وللمياه كالهدهد، وفي هذا إيماء إلى أن إحياء النفس ~~بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة حب الشهوات والزخارف، التي هي صفة ~~الطاوس والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس، وبعد الأمل المتصف بهما ~~الغراب والترفع والمسارعة إلى الهوى الموسوم بهما الحمام، ومنهم من ذكر ~~النسر بدل الحمامة. وروي بدلها البطة وبدل الغراب الغرنوق. # {فصرهن} أي: فأمسكهن واضممهن {إليك} قرأ حمزة بكسر الصاد والباقون بضمها. # فإن قيل: ما معنى أمره بضم الطير إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ أجيب: بأنه ~~ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها، لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا ~~يتوهم أنها غير تلك، ولذلك قال: {يأتينك سعيا} . وروي ms0291 أنه أمر بأن يذبحها ~~وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك ~~رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال كما قال تعالى: # {ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ} واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، فقال ~~ابن عباس وقتادة: أمره الله تعالى أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ويجعلها على ~~أربعة أجبل، على كل جبل جزء من كل طائر، وقال السدي وابن جريج: جزأها سبعة ~~أجزاء ووضعها على سبعة أجبل، وأمسك رؤوسهن ثم دعاهن: تعالين بإذن الله، ~~فجعل كل قطرة من دم طائر تصير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة إلى الريشة ~~الأخرى، وكل عظم يصير إلى العظم الآخر، وإبراهيم ينظر حتى صارت جثثا بغير ~~رؤوس ثم أقبلن إلى رؤوسهن سعيا فالتقى كل طائر برأسه فذلك قوله تعالى: {ثم ~~أدعهن يأتينك سعيا} أي: سريعا، وقيل: مشيا لأنها لو طارت لربما توهم متوهم ~~أنها غير تلك الطير، وإن أرجلها غير سليمة قال البيضاوي: وفي ذلك إشارة إلى ~~أن من أراد إحياء نفسه بالحياة الأبدية فعليه أن يقبل على القوى البدنية ~~كالشهوة والغضب فيقتلها، ويمزج بعضها ببعض حتى تنكسر سورتها فتطاوعنه ~~مسرعات متى دعاهن بداعية العقل أو الشرع، وكفى لك شاهدا على فضل إبراهيم ~~ويمنه أي: بركته حيث سلك مسلك الضراعة في الدعاء، وحسن الأدب في السؤال، ~~أنه تعالى أراه ما أراد أن يريه في الحال على أيسر الوجوه، وأراه عزيرا بعد ~~أن أماته مائة عام {واعلم أن الله عزيز} لا يعجز عما يريد {حكيم} ذو حكمة ~~بالغة في كل ما يفعله. # {مثل الذين ينفقون} أي: يبذلون {أموالهم} بطيب النفس {في سبيل الله} الذي ~~له الكمال كله أي: في طاعته كمثل زراع ومثل ما ينفقون {كمثل حبة} مما زرعه ~~فلا بد من حذف كما تقرر أو يقال مثل نفقتهم كمثل حبة أو مثلهم كمثل باذر ~~حبة {أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} والمنبت هو الله سبحانه ~~وتعالى، ولكن الحبة لما كانت سببا أسند إليها الإنبات كما يسند إلى ms0292 الأرض ~~وإلى الماء. # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم # PageV01P175 # بإظهار تاء التأنيث عند السين، والباقون بالإدغام، ومعنى إنباتها سبع ~~سنابل أن يخرج منها ساق يتشعب منه سبع شعب لكل واحدة سنبلة، وهذا التمثيل ~~تصوير الأضعاف كأنها مصورة بين عيني الناظر. # فإن قيل: كيف صح هذا التمثيل ولم نر سنبلة فيها مائة حبة؟ أجيب: بأن ذلك ~~موجود في الدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأرض القوية ~~المغلة فبلغ حبها هذا المبلغ، وعلى تقدير عدم وجوده هو غير مستحيل وما لا ~~يكون مستحيلا يجوز ضرب المثل به وتأول ذلك الضحاك فقال: كل سنبلة أنبتت ~~مائة حبة. # فإن قيل: هلا قال الله تعالى سبع سنبلات، لأنه جمع قلة كما قال الله ~~تعالى {وسبع سنبلات خضر} (يوسف، الآيات: 43 46) ؟ أجيب: بما تقدم في قوله ~~تعالى {ثلاثة قروء} (البقرة، 228) . # {وا يضاعف لمن يشاء} بفضله تلك المضاعفة أو يضاعف على هذا ويزيد لمن شاء ~~ما بين سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء من الأضعاف مما لا يعلمه إلا الله على ~~حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، ومن أجل ذلك تتفاوت الأعمال في مقادير ~~الثواب {وا واسع} أي: غني يعطي عن سعة {عليم} بنية المنفق وقدر إنفاقه وبمن ~~يستحق المضاعفة. # {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} أي: طاعته، قال الكلبي: نزلت في ~~عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما، جاء عبد الرحمن ~~بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان عندي ~~ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أقرضتها ~~ربي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما ~~أعطيت» وأما عثمان فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها ~~وألف دينار. # قال عبد الرحمن بن سمرة جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيها يده ~~ويقلبها ويقول: «ما ضر ms0293 ابن عفان ما عمل بعد اليوم وقال: يا رب عثمان رضيت ~~عنه فارض عنه» . # {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا} أي: على المنفق عليه بقولهم مثلا: قد أحسنت ~~إليه وجبرت حاله، فيعددون عليه النعمة، فحذر الله عباده المن بالصنيعة، ~~واختص به صفة لنفسه؛ لأنه من العباد تعيير وتكدير ومن الله إفضال وتذكير ~~وكان السلف يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها، والعرب يمتدحون بترك المن ~~ويذمون عليه فمن الأول قول القائل: # *زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير* # *تتناساه كأن لم تأته ... وهو في العالم مشهور كبير* # ومن الثاني قول القائل # *وإن امرأ أسدى إلي صنيعة ... وذكرنيها مرة لبخيل* # وقيل: طعم الآلاء أحلى من المن، وهي أمر من الآلاء مع المن، ويطلق المن ~~أيضا على النعمة، يقال: لفلان علي منة أي: نعمة وأنشد ابن الأنباري: # *فمني علينا بالسلام فإنما ... كلامك ياقوت ودر منظم # وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا} (آل عمران، ~~164) الآية {ولا أذى} له كأن يذكر ذلك إلى من لا يحب وقوفه عليه، أو يتطاول ~~عليه بسبب ما أنعم عليه، وثم للتفاوت بين الإنفاق وترك المن # PageV01P176 # والأذى {لهم أجرهم} أي: ثواب إنفاقهم {عند ربهم ولا خوف عليهم} أي: فلا ~~يخافون فقد أجورهم {ولا هم يحزنون} في الآخرة بسبب أن لا يوجد. # {قول معروف} أي: كلام حسن ورد على السائل جميل، لأن القول الجميل وإن كان ~~يرد السائل يفرح قلبه، ويروح روحه وقيل: عدة حسنة {ومغفرة} أي: بأن يستر ~~عليه خلته ولا يهتك ستره، ويتجاوز عنه إذا وجد منه ما ينقل عليه عند رده ~~{خير من صدقة} يدفعها إليه {يتبعها أذى} أي: من وتعيير السائل أو قول ~~يؤذيه. # فإن قيل: لم لم يعد ذكر المن فيقول: يتبعها من أو أذى؟ أجيب: بأن الأذى ~~يشمل المن وغيره، كما تقرر وإنما نص عليه فيما مر لكثرة وقوعه من ~~المتصدقين، وعسر تحفظهم منه، ولذلك قدم على الأذى قال بعضهم: الآية واردة ~~في صدقة التطوع؛ لأن الواجب لا يحل منعه ms0294 ويحتمل أن يراد بها الواجب، فإنه ~~قد يعدل به عن سائل إلى سائل، وعن نفر، إلى نفر وإنما صح الابتداء بالنكرة ~~وهي قول لاختصاصها بالصفة وهي معروف، وأما المعطوف وهو مغفرة فلا يحتاج إلى ~~مخصص لتبعيتها {وا غني} عن صدقة العباد، وإنما أمرهم ليثيبهم عليها {حليم} ~~بتأخير العقوبة عن المان والمؤذي بصدقته. # {يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم} أي: أجورها لأن الصدقة وقعت فلا ~~يصح أن تبطل {بالمن والأذى} . # فإن قيل: ظاهر هذا اللفظ أن مجموع المن والأذى يبطلان الأجر فيلزم أنه لو ~~وجد أحدهما دون الآخر، لا يبطل الأجر، أجيب: بأن الشرط أن لا يوجد واحد ~~منهما دون الآخر لأن قوله تعالى: {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا} ولا أذى ~~يقتضي أن لا يقع هذا ولا هذا أي: فتبطل لكل واحد منهما إبطالا. # {كالذي} أي: كإبطال أجر نفقة الذي {ينفق ماله رئاء الناس} أي: مرائيا ~~لهم، ليروا نفقته، ويقولون: إنه كريم سخي {ولا يؤمن با واليوم الآخر} وهو ~~المنافق لأن الكافر معلن بكفره غير مراء {فمثله} أي: هذا المرائي في إنفاقه ~~{كمثل صفوان} وهو الحجر الأملس {عليه} أي: استقر عليه {تراب} والتراب معروف ~~وهو اسم جنس لا يثنى ولا يجمع. وقال المبرد: هو جمع واحده ترابة، وفائدة ~~هذا الخلاف أنه لو قال لزوجته: أنت طالق عدد التراب أنه يقع عليه طلقة على ~~الأول وهو الأصح وثلاث على الثاني {فأصابه وابل} وهو المطر الشديد العظيم ~~القطر {فتركه صلدا} أي: أملس نقيا من التراب وقوله تعالى: {لا يقدرون على ~~شيء مما كسبوا} استئناف لبيان مثل المنافق المنفق رياء أي: لا يجدون له ~~ثوابا في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه ~~لإذهاب المطر له. # فإن قيل: كيف قال تعالى لا يقدرون بعد قوله كالذي ينفق؟ أجيب: بأنه تعالى ~~أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق ولأن من والذي يتعاقبان فكأنه ~~قيل كمن ينفق وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أخوف ما ms0295 أخاف ~~عليكم الشرك الأصغر قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء ~~يقول الله تعالى لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم ~~تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» وروى أبو هريرة: «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حدثه أن الله تعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى ~~العباد أي: أمره ليقضي بينهم وكل أمة جاثية وأول من يدعى به رجل جمع القرآن ~~ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول # PageV01P177 # الله تعالى للقارىء: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى قال: فماذا ~~عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وأناء النهار فيقول الله ~~تعالى: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان قارىء، ~~وقد قيل، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج ~~إلى أحد؟ قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم ~~وأتصدق فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن ~~يقال: فلان جواد، وقد قيل، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: ~~فيماذا قتلت؟ فيقول: يا رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول ~~الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء، ~~وقد قيل، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي فقال: يا أبا هريرة ~~أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» . # {وا لا يهدي القوم الكافرين} إلى الخير والرشاد وفيه تعريض بأن الرياء ~~والمن والأذى على الإنفاق صفة الكفار ولا بد أن تجتنبوا عنها. # {ومثل} نفقات {الذين ينفقون أموالهم ابتغاء} أي: طلب {مرضاة الله} أي: ~~رضاه {وتثبيتا من أنفسهم} أي: تثبيتا بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل ~~على الحلم، والصبر على جميع مشاق التكاليف، فإن من راض نفسه يحملها على بذل ~~المال، الذي هو شقيق الروح، فإن بذله أشق شيء على النفس؛ لأن النفس إذا ~~رضيت بالتحامل عليها وتكاليفها ms0296 بما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها، وقل ~~طعمها في اتباعه لشهواتها فيسهل عليه حملها على سائر العبادات، ومتى تركها ~~وهي مطبوعة على النقائص زاد طعمها في اتباع الشهوات، فمن للتبعيض مفعول به ~~مثلها في قوله: هز من عطفه وحرك من نشاطه. # فإن قيل: ما معنى التبعيض؟ أجيب: بأن معناه إن من بذل ماله لوجه الله ~~تعالى فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه فهو الذي ثبتها كلها أو تصديقا ~~للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل ~~الله تعالى علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه، ومن إخلاص قلبه، ~~فمن على هذا لابتداء الغاية كقوله تعالى: {حسدا من عند أنفسهم} {كمثل جنة} ~~أي: بستان {بربوة} وهي المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار، فلا يعلوه ~~الماء ولا يعلو هو على الماء، وإنما جعلها بربوة، لأن النبات عليها أحسن ~~وأزكى، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء والباقون بضمها {أصابها وابل} أي: ~~مطر شديد كثير. # {فأتت} أي: أعطت {أكلها} أي: ثمرتها، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~بسكون الكاف، والباقون بضمها {ضعفين} أي: مثلي ما يثمر غيرها بسبب الوابل ~~والمراد بالضعف المثل وقيل: أربعة أمثاله، لأن الضعف قدر الشيء ومثله معه، ~~فيكون الضعفان أربعة واستظهره البقاعي، وقال أبو حيان: يحتمل أنها للتكثير ~~أي: ضعفا بعد ضعف أي: أضعافا كثيرة، لأن النفقة لا تضاعف بحسنة فقط، بل ~~بعشر وسبعمائة وأزيد، ونصبه على الحال أي: مضاعفا. # {فإن لم يصبها وابل فطل} أي: مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها، والمعنى ~~تثمر وتزكو كثر المطر أو قل، فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند الله كثرت أو قلت ~~{وا بما تعملون بصير} فيجازيكم به ففيه وعد ووعيد. # {أيود أحدكم} أي: أيحب حبا شديدا {أن تكون له جنة} أي: بستان {من نخيل} ~~جمع نخلة، وهي الشجرة القائمة على ساق، # PageV01P178 # ثمرها من أعلاها في كلها نفع حتى في خشبها مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع ~~به كله {وأعناب} جمع عنب وهو شجر الكرم لا يختص ms0297 ثمره بجهة العلو اختصاص ~~النخلة، بل يتفرع علوا وسفلا ويمنة ويسرة، مثله كمثل المؤمن المتقي الذي ~~يكرم بتقواه في كل جهة. # ولما كانت الجنان لا تقوم ولا تدوم إلا بالماء قال تعالى: {تجري من تحتها ~~الأنهار} أي: من تحت هذه الأشجار {له فيها} أي: الجنة ثمر مع ثمر النخل ~~والعنب {من كل الثمرات} فهي محتوية على سائر أنواع الأشجار، وإنما خص النخل ~~والعنب بالذكر لشرفهما وكثرة منافعهما وحسن منظرهما {وأصابه} أي: والحال ~~أنه أصابه {الكبر} أي: كبر السن فصار لا يقدر على اكتساب. {وله ذرية ضعفاء} ~~بالصغر كما ضعف هو بالكبر {فأصابها} أي: الجنة {إعصار} وهو الريح العاصف ~~الذي يرتفع إلى السماء كأنها عمود، وتسميها العامة الزوبعة وجمعه أعاصر، ~~والإعصار من بين سائر الرياح مذكر، ولهذا رجع إليه الضمير مذكرا في قوله: ~~{فيه نار فاحترقت} تلك الجنة ففقدها أحوج ما كان إليها، وبقي هو وأولاده ~~عجزة متحيرين لا حيلة لهم. # وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق والمرائي يقول عمله في حسنه كحسن ~~الجنة ينتفع به كما ينتفع صاحب الجنة بها فإذا كبر وضعف وصار له أولاد ~~ضعفاء صغار أصاب جنة إعصار فيه نار فاحترقت أحوج ما يكون إليها، وضعف عن ~~إصلاحها لكبره، وضعفت أولاده عن إصلاحها، ولم يجد هو ما يعود به على أولاده ~~ولا أولاده، ما يعودون به عليه، فبقوا جميعا متحيرين عجزة لا حيلة لهم، ~~كذلك يبطل الله تعالى عمل المنافق والمرائي في الآخرة، حين لا مغيث لهما ~~ولا توبة ولا إقالة، والاستفهام بمعنى النفي. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ضرب لرجل عمل بالطاعات، ثم بعث الله ~~له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله. # {كذلك} أي: مثل هذا البيان {يبين الله} أي: الذي له الكمال كله {لكم ~~الآيات لعلكم} أي: لكي {تتفكرون} فيها فتعتبرون بها. # ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الإنفاق على قسمين وبين كل قسم وضرب له مثلا ~~ذكر كيفية الانفاق بقوله تعالى: # {يأيها الذين آمنوا أنفقوا} أي: زكوا {من طيبات} أي: جياد {ما ms0298 كسبتم} من ~~المال والتجارة والصناعة، وفيه دلالة على إباحة الكسب، وأنه ينقسم إلى طيب ~~وخبيث. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» وقال صلى الله ~~عليه وسلم «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده» وكان داود ~~عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده. # والزكاة واجبة في مال التجارة فبعد الحول تقوم العروض، فيخرج من قيمتها ~~عشرين دينارا، أو مائتي درهم فضة فيزكيها، قال سمرة بن جندب: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع» . # {ومما} أي: ومن طيبات ما {أخرجنا لكم من الأرض} من الحبوب والثمار ~~والمعادن فحذف المضاف وهو طيبات من الثاني لتقدم ذكره. وفي هذا أمر بإخراج ~~العشر من الثمار والحبوب، واتفق أهل العلم على إيجاب العشر في النخيل ~~والكروم وفيما يقتات من الحبوب إن كان مسقيا بماء السماء، أو من نهر يجري ~~الماء فيه من غير مؤنة، وإن كان مسقيا بساقية أو نضح ففيه نصف العشر، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وفيما ~~يسقي بالنضح نصف العشر» # PageV01P179 # وعنه: «ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» وقال قوم الآية في ~~صدقة التطوع قال صلى الله عليه وسلم «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا ~~فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له صدقة» . # {ولا تيمموا} أي: لا تقصدوا {الخبيث} أي: الرديء {منه} أي: المذكور ~~{تنفقون} في الزكاة حال من ضمير تيمموا {ولستم بآخذيه} أي: الخبيث {إلا أن ~~تغمضوا} أي: تسامحوا {فيه} بالحياء مع الكراهة مجاز من أغمض بصره إذا غضه. # وروي عن البراء قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من ~~صاحبه وغيظ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟ وعن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: كانوا يتصدقون بحشف ms0299 التمر وشواره فنهوا عن ذلك، هذا إذا كان ~~المال كله أو بعضه جيدا فإن كان كل ماله رديا فلا بأس بإعطاء الرديء ~~{واعلموا أن الله غني} عن إنفاقكم وإنما يأمركم به لانتفاعكم {حميد} أي: ~~يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محمودا ولا يزال عذب أو أثاب. # {الشيطان يعدكم الفقر} أي: يخوفكم به إن تصدقتم ويقال: وعدته خيرا ووعدته ~~شرا قال تعالى في الخير: {عدكم الله مغانم كثيرة} (الفتح، 20) وقال في ~~الشر: {النار وعدها الله الذين كفروا} (الحج، 72) فإذا لم يذكر الخير والشر ~~قلت: في الخير وعدته، وفي الشر: أوعدته والفقر سوء الحال وقلة ما في اليد ~~وأصله من كسر الفقار ومعنى الآية أن الشيطان يخوفكم بالفقر، ويقول للرجل: ~~أمسك مالك فإنك إذا تصدقت افتقرت. # {ويأمركم بالفحشاء} أي: بالبخل ومنع الزكاة قال الكلبي: كل فحشاء في ~~القرآن فهو الزناء إلا في هذا الموضع. # {وا يعدكم مغفرة منه} لما وقع منكم من تقصير وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد ~~أن يقدر الله حق قدره، لما له من الإحاطة بصفات الكمال، ولما جبل عليه ~~الإنسان من النقص. # {وفضلا} بالزيادة في الدارين وكل نعمة منه فضل ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ~~{وا واسع} فضله {عليم} بالمنفق وغيره. # وفيه إشارة إلى أنه لا يضيع شيئا وإن دق، وعن ابن عباس وأبي هريرة رضي ~~الله تعالى عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى ~~قال: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يمين ~~الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مند خلق ~~السموات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه» قال: «وعرشه على الماء وبيده ~~الأخرى القسط يرفع ويخفض» وعن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعى الله عليك» . # {يؤتى الحكمة} أي: العلم النافع المؤدي إلى العمل. وقال السدي: هي النبوة ~~وقال ابن عباس وقتادة: علم القرآن ناسخه، ومنسوخه، ms0300 ومحكمه، ومتشابهه، ~~ومقدمه، ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثال ذلك وقال الضحاك: هي القرآن والفهم ~~فيه وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام لا ~~يسع المؤمنين تركهن حتى يتعلموهن وقال مجاهد: هي القرآن والعلم والنفقة. # وقوله تعالى: {من يشاء} مفعول أول أخر للاهتمام بالمفعول الثاني وهو ~~الحكمة {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} لمصيره إلى السعادة الأبدية ~~{وما يذكر} فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي: ما يتعظ بما قص من ~~الآيات أي: ما يتفكر فإن المتفكر كالمتذكر لما أودع الله تعالى في قلبه من ~~العلوم بالقوة {إلا أولوا الألباب} أي: أصحاب العقول الخالصة من # PageV01P180 # شوائب الوهم والركون إلى متابعة الهوى. # {س2ش270/ش274 ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه?? وما ~~للظالمين من أنصار * إن تبدوا? الصدقات فنعما هى? وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقرآء فهو خير لكم? ويكفر عنكم من سي?اتكم? والله بما تعملون خبير * ليس ~~عليك هد?اهم ولاكن الله يهدى من يشآء? وما تنفقوا? من خير ف?نفسكم? وما ~~تنفقون إs ابتغآء وجه الله? وما تنفقوا? من خير يوف إليكم وأنتم تظلمون * ~~للفقرآء الذين أحصروا? فى سبيل الله يستطيعون ضربا فى ا?رض يحسبهم الجاهل ~~أغنيآء من التعفف تعرفهم بسيماهم يس?لون الناس إلحافا? وما تنفقوا? من خير ~~فإن الله به? عليم * الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وع نية فلهم ~~أجرهم عند ربهم وخوف عليهم وهم يحزنون} # {وما أنفقتم} أي: أديتم {من نفقة} قليلة أو كثيرة سرا أو علانية زكاة أو ~~صدقة تطوع {أو نذرتم من نذر} بشرط أو بغير شرط فوفيتم به {فإن الله يعلمه} ~~فيجازيكم به. # فإن قيل: لم وحد الضمير في يعلمه وقد تقدم شيئان: النفقة والنذر؟ أجيب: ~~بأن العطف بأو وهي لأحد الشيئين تقول: زيد أو عمرو أكرمته، ولا يجوز ~~أكرمتهما بل يجوز أن يراعى الأول نحو زيد أو هند منطلق، والثاني نحو زيد أو ~~هند منطلقة، والآية من هذا، ومن مراعاة الأول {وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها} ms0301 (الجمعة، 11) ولا يجاز أن يقال: منطلقان ولهذا أوجل النحاة ~~قوله تعالى: {إن يكن غنيا أو فقيرا فا أولى بهما} (النساء، 135) كما سيأتي ~~إن شاء الله تعالى {وما للظالمين} بمنع الزكاة والنذر أو بوضع الإنفاق في ~~غير محله من معاصي الله تعالى {من أنصار} أي: من ينصرهم من الله ويمنعهم من ~~عذابه فهو على طريق التوزيع والمقابلة أي: لا ناصر لظالم قط فسقط ما يقال ~~إن نفي الأنصار لا يوجب نفي الناصر. # {إن تبدوا} أي: تظهروا {الصدقات} أي: النوافل {فنعما هي} أي: فنعم شيئا ~~إبداؤها، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون، والباقون بكسرها، وقرأ ~~قالون وأبو عمرو باختلاس كسرة العين، والباقون بالكسرة الكاملة. # {وإن تخفوها} أي: تسروها {وتؤتوها الفقراء} أي: تعطوها لهم في السر {فهو ~~خير لكم} أي: أفضل من إبدائها وإيتاؤها للفقراء أفضل من إيتائها للأغنياء. ~~سئل صلى الله عليه وسلم هل صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت هذه ~~الآية، وفي الحديث: «صدقة السر تطفىء غضب الرب» وقال صلى الله عليه وسلم ~~«سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في ~~عبادة الله تعالى، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ~~ورجلان تحابا في الله تعالى فاجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله تعالى ~~خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله ~~تعالى، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» نعم إن ~~كان ممن يقتدى به فالإظهار في حقه أفضل، أما صدقة الفرض فالأفضل إظهارها، ~~كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل والنافلة في البيت أفضل وليقتدى به، لئلا ~~يتهم ولا يجوز دفع شيء منها للأغنياء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ~~«صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وصدقة الفريضة علانيتها ~~أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا» . # تنبيه: الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم} (هود، 103) وقال عليه الصلاة والسلام: «نفقة المرء على ms0302 عياله صدقة» ~~والزكاة لا تطلق إلا على الفرض» {ونكفر عنكم من سيآتكم} أي: بعضها وقيل: من ~~صلة، وقرأ ابن عامر وحفص بالياء التحتية، والباقون بالنون. وقرأ نافع وحمزة ~~والكسائي بجزم الراء بالعطف على محل فهو، والباقون بالرفع على الاستئناف. # وقوله تعالى: {وا بما تعملون خبير} فيه ترغيب في الإسرار لأنه عالم بباطن ~~الشيء كظاهره ولا يخفى عليه شيء منه. # ولما منع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين من التصدق على فقراء ~~المشركين، كي تحملهم الحاجة ليسلموا نزل: # {ليس عليك هداهم} أي: لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين فتمنعهم الصدقة ~~ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، وإنما عليك الإرشاد # PageV01P181 # والحث على المحاسن والنهي عن القبائح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث. # وقوله تعالى: {ولكن الله يهدي من يشاء} أي: هداية التوفيق صريح بأن ~~الهداية من الله وبمشيئته وإنما تخص بقوم دون قوم، أما هدى البيان فكان على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطوهم بعد نزول الآية {وما تنفقوا من خير} ~~أي: من مال. # وقوله تعالى: {فلأنفسكم} خبر لمبتدأ محذوف أي: فهي لأنفسكم؛ لأن ثوابه ~~لها فلا تمنوا به على غيركم ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ولا تنفقوا الخبيث. # وقوله تعالى: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} عطف على ما قبله أي: وليس ~~نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله، ولطلب ما عنده، فما لكم تمنون بها وتنفقون ~~الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله تعالى {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} ~~ثوابه أضعافا مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا على إنفاقه وأن يكون على ~~أحسن الوجوه وأجلها، والجملتان تأكيد للأولى وهي وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم أو ما يخلف المنفق استجابه لقوله صلى الله عليه وسلم «اللهم اجعل ~~لمنفق خلفا ولممسك تلفا» رواه البخاري. # {وأنتم لا تظلمون} أي: لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا تفضلا من الله ~~تعالى عليكم، وهذا في صدقة التطوع أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام ~~وأهل الذمة وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر فأتتها أمها تسألها وهي ms0303 مشركة فأبت ~~أن تعطيها فنزلت. # وروى النسائي والحاكم أن ناسا من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ~~ورضاع، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا ~~عليهم فنزلت. وعن بعض العلماء: لو كان المنفق عليه أشر خلق الله كان لك ~~ثواب نفقتك. وأما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين أهل ~~السهمان المذكورين في سورة التوبة، لكن جوز أبو حنيفة رحمه الله صرف صدقة ~~الفطر إلى أهل الذمة. # وقوله تعالى: # {للفقراء} خبر مبتدأ محذوف أي: صدقاتكم للفقراء أو متعلق بفعل مقدر ~~كاجعلوا ما تنفقون للفقراء {الذين أحصروا في سبيل الله} أي: حبسوا أنفسهم ~~على الجهاد وهم فقراء المهاجرين، كانوا نحوا من أربعمائة لم يكن لهم مساكن ~~بالمدينة ولا عشائر، كانوا يسكنون صفة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم ~~والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهم المشهورون بأصحاب الصفة، فحث الله عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم ~~به إذا أمسى. # {لا يستطيعون ضربا} أي: سفرا {في الأرض} للتجارة والمعاش لشغلهم عنه ~~بالجهاد {يحسبهم الجاهل} بحالهم {أغنياء من التعفف} أي: لأجل تعففهم عن ~~السؤال. # وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين، والباقون بكسرها {تعرفهم} أيها ~~المخاطب {بسيماهم} أي: بعلامتهم من التخشع والتواضع، وصفرة الوجوه، ورثاثة ~~الحالة {لا يسألون الناس} شيئا فيلحفون {إلحافا} أي: لا سؤال لهم أصلا فلا ~~يقع منهم إلحاف ومثل ذلك قول الشاعر: # *لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر* # أي: ليس فيها أرنب فيفزع لهولها ولا ضب فينجحر، وليس المعنى أنه ينفي ~~الفزع عن الأرنب والانجحار عن الضب والإلحاف الإلحاح، وهو اللزوم وأن لا ~~يفارق إلا بشيء يعطاه من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما ~~عنده وقيل: إنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا. # PageV01P182 # قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض ~~البذي السآل الملحف» ، وقال صلى الله عليه وسلم «لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب ~~فيأتي بحزمة حطب ms0304 على ظهره فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءهم ~~أعطوه أو منعوه» وقال صلى الله عليه وسلم «من سأل وله ما يغنيه جاء يوم ~~القيامة ومسألته في وجهه خدوش» قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: «خمسون ~~درهما أو قيمتها» {وما ينفقوا من خير} أي: مال {فإن الله به عليم} فيجازيكم ~~وفي هذا ترغيب في الإنفاق. # {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار وسرا وعلانية} أي: يعمون الأوقات ~~والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير. نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى ~~عنه: تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة بالسر، ~~وعشرة بالعلانية. وفي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: كانت عنده أربعة ~~دراهم لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم ~~علانية. وقال الأوزاعي: نزلت في الذين يربطون الخيل للجهاد فإنها تعلف ليلا ~~ونهارا سرا وعلانية. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا ~~بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» ~~وقوله تعالى: {فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} خبر الذين ~~ينفقون والفاء للسببية. # فإن قيل: أي فرق بين قوله هنا {فلهم أجرهم} (البقرة، 274) وفيما مر {لهم ~~أجرهم} (البقرة، 262) ؟ أجيب: بأن الموصول ثم لم يضمن معنى الشرط وضمنه ~~هنا. # أي: يأخذونه وهو لغة الزيادة وشرعا عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل ~~في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما وهو ثلاثة ~~أنواع: ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر وربا اليد وهو ~~البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، وربا النساء وهو البيع إلى أجل وإنما ~~ذكر الأكل؛ لأنه أعظم منافع المال كقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما} (النساء، 10) فنبه بالأكل على ما سواه من وجوه الإتلافات؛ ~~ولأن نفس الربا الذي هو الزيادة لا يؤكل وإنما يصرف في المأكول وقال صلى ~~الله عليه وسلم «لعن الله آكل ms0305 الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له» ~~فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالأكل. # ولما كان بين الصدقة والربا مناسبة من جهة التضاد؛ لأن الصدقة عبارة عن ~~تنقيص المال بأمر الله بذلك والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي ~~الله عنه فكانا كالمتضادين ذكر عقب الصدقة ويرسم بالواو والألف بعد الواو ~~وإنما رسم على لغة من يفخم وهو يميل الألف أي يخرج الواو كما كتبت الصلاة ~~والزكاة. وقيل: لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ولغتهم الربو ~~بالواو الساكنة، فعلموهم الخط على لغتهم وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو ~~الجمع {لا يقومون} إذا بعثوا من قبورهم {إلا} أي: قياما {كما يقوم الذي ~~يتخبطه} أي: يصرعه {الشيطان} وقوله تعالى: {من المس} أي: الجنون متعلق ~~بتخبطه من جهة الجنون فيكون في موضع نصب قاله أبو البقاء: والمعنى أن آكل ~~الربا يبعث يوم القيامة وهو كالمصروع تلك سيماه يعرف بها عند أهل الموقف. # فإن قيل: لم نسب هذا للشيطان؟ أجيب: بأنه وارد على ما تزعم العرب أن ~~الشيطان يتخبط الإنسان فيصرع والخبط الضرب على غير استواء يقال: ناقة خبوط ~~للتي تطأ الناس # PageV01P183 # وتضرب الأرض بقوائمها ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه إنه ~~يخبط خبط عشواء وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون؛ لأنه كالضرب على غير ~~استواء في الإدهاش {ذلك} أي: الذي نزل بهم {بأنهم} أي: بسبب أنهم {قالوا ~~إنما البيع مثل الربوا} في الجواز. # فإن قيل: ما الحكمة في قلب القصة ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل ~~الوفاق؛ لأن حل البيع متفق عليه وهم أرادوا قياس الربا عليه فكان نظم ~~الكلام أن يقال إنما الربا مثل البيع؟ أجيب: بأن هذا من عكس التشبيه مبالغة ~~إذ به صار المشبه مشبها به وبالعكس وشأن المشبه به أن يكون أقوى من المشبه ~~أو بأنهم لم يكن مقصودهم أن يتمسكوا بنظم القياس بل كان غرضهم أن البيع ~~والربا متماثلان في جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين ~~بالحل والآخر بالحرمة ms0306 وعلى هذا التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز وقوله تعالى: ~~{وأحل الله البيع وحرم الربوا} إنكار لتسويتهم وإبطال القياس لمعارضته ~~النص. # تنبيه: أظهر قولي الشافعي أن هذه الآية عامة في كل بيع إلا ما خص بالسنة ~~وأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع، والثاني إنها مجملة والسنة مبينة لها ~~أو تظهر فائدة الخلاف في الاستدلال بها في مسائل الخلاف فعلى الأول يستدل ~~بها وعلى الثاني لا يستدل {فمن جاءه} أي: بلغه {موعظة} أي: وعظ {من ربه} ~~وزجر بالنهي عن الربا {فانتهى} أي: فاتبع النهي وامتنع من أكله {فله ما ~~سلف} أي: ما مضى قبل النهي فلا يسترد منه ما أخذه من الربا وقيل: ما مضى من ~~ذنبه قبل النهي مغفور له {وأمره إلى الله} بعد النهي إن شاء عصمه حتى يثبت ~~على الإنتهاء وإن شاء خذله حتى يعود. وقيل: أمره إلى الله فيما يأمره ~~وينهاه ويحل له ويحرم عليه وليس له من أمر نفسه شيء {ومن عاد} إلى تحليل ~~الربا مشبها له بالبيع في الحل {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} لأنهم ~~كفروا بذلك وورد أنه صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا ومؤكله والواشمة ~~والمستوشمة والمصور وأنه صلى الله عليه وسلم قال: «الربا سبعون بابا أهونها ~~عند الله عز وجل كالذي ينكح أمه» . # {يمحق الله الربوا} أي: يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وعن ابن ~~مسعود الربا وإن كثر فإلى قل {ويربي الصدقات} أي: يضاعف ثوابها ويبارك فيما ~~أخرجت منه. # روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يقبل الصدقة ~~ويربيها كما يربي أحدكم فلوه» . # وروى الإمام أحمد: «ما نقص مال من صدقة» {وا لا يحب كل كفار} أي: مصر على ~~تحليل المحرمات كمن يحلل الربا {أثيم} منهمك في ارتكابه. # {إن الذين آمنوا} بالله وبرسوله ربما جاء لهم عنه {وعملوا الصالحات ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} وإنما عطفهما على ما يعمهما لشرفهما {لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم} من آت {ولا هم يحزنون} على ms0307 فائت وتقدم مثل ~~هذه الآية ولكن جرت عادة الله سبحانه وتعالى في القرآن مهما ذكر وعيدا ذكر ~~بعده وعدا، فلما بالغ هنا في وعيد الربا أتبعه بهذا الوعد. # فإن قيل: إن الإنسان إذا بلغ عارفا بالله وقبل وجوب الصلاة والزكاة عليه ~~مات فهو من أهل الثواب بالاتفاق، فدل على أن استحقاق الثواب لا يتوقف على ~~حصول العمل أجيب: بأنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق ~~الثواب مشروط بهذا بل لأجل أن لكل # PageV01P184 # منهما أثرا في جلب الثواب كما قال تعالى في ضد هذا {والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر} (الفرقان، 68) ثم قال تعالى: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ~~ومعلوم أن من ادعى أن مع الله إلها آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى ~~عمل آخر وإنما جمع الله تعالى الزنا وقتل النفس مع دعاء غير الله تعالى ~~إلها لبيان أن كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة. # {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا} أي: اتركوا بقايا ~~ما شرطتم على الناس من الربا الذي أخذتم بعضه قبل التحريم {إن كنتم مؤمنين} ~~أي: بقلوبكم أو إن بمعنى إذ فإن دليل الإيمان امتثال ما أمرتم به. روي أنها ~~نزلت لما طالب بعض الصحابة بعد النهي بربا كان له قبل. # {فإن لم تفعلوا} أي: تذروا ما بقي من الربا {فائذنوا} أي: اعلموا، من أذن ~~بالشيء إذا علم به أي: فاعلموا أنتم وأيقنوا {بحرب من الله ورسوله} لكم. # فإن قيل: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم إن لم يتوبوا؟ أجيب: بأن مقتضى ~~ذلك أنهم يقاتلون إن لم يرجعوا قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس يقال لآكل ~~الربا يوم القيامة: خذ سلاحك للحرب، قال أهل المعاني: حرب الله تعالى النار ~~وحرب رسوله صلى الله عليه وسلم السيف. وقرأ شعبة وحمزة فآذنوا بفتح الهمزة ~~ومدها وكسر الذال أي: فأعلموا بها غيركم وهو من الإذن وهو الاستماع لأنه من ~~طريق العلم والباقون بسكون الهمزة وفتح الذال {وإن تبتم} أي: ms0308 تركتم استحلال ~~الربا ورجعتم عنه {فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون} بطلب الزيادة {ولا تظلمون} ~~بالنقصان عن رأس المال. # فإن قيل: هلا قال تعالى بحرب الله ورسوله؟ أجيب: بأن هذا أبلغ؛ لأن ~~المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم # ولما نزلت هذه الآية قال المرابون: بل نتوب إلى الله، فإنه لا ثبات لنا ~~بحرب من الله ورسوله، فرضوا برأس المال فشكا من عليه الدين العسرة وقال لمن ~~لهم الدين: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروا فأنزل الله تعالى: # {وإن كان ذو عسرة فنظرة} له أي: عليكم تأخيره {إلى ميسرة} أي: وقت يسره. # تنبيه: في كان هذه وجهان: أظهرهما أنها تامة بمعنى حدث ووجد أي: وإن حدث ~~ذو عسرة، فتكتفي بفاعلها كسائر الأفعال، الثاني أنها ناقصة وخبرها محذوف، ~~قال أبو البقاء تقديره: وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق أو نحو ذلك، وقدره ~~بعضهم وإن كان ذو عسرة غريما، وقرأ نافع بضم السين والباقون بفتحها {وأن ~~تصدقوا} أي: بالإبراء وقرأ عاصم بتخفيف الصاد والباقون بالتشديد على إدغام ~~التاء في الأصل والتخفيف على حذفها {خير لكم} أي: أكثر ثوابا من الإنظار ~~وهذا مما فضل المندوب فيه الواجب، فإن الإبراء مندوب إليه والإنظار واجب ~~فيحرم حبس المعسر، وهل القول قوله في إعساره أو لا بد من بينة تشهد بذلك ~~ينظر إن كان الدين عن عوض كالبيع والقرض فلا بد من بينة، وإن كان عن غير ~~عوض كالضمان والإتلاف والصداق، فالقول قول المعسر بيمينه وعلى الغريم ~~البينة إلا أن يعرف له مال فلا بد من بينة {إن كنتم تعلمون} فضل التصدق على ~~الإنظار فافعلوا. وقيل: المراد بالتصدق الإنظار نفسه ورد هذا كما قال ~~الإمام: بأن الإنظار قد علم مما قبل فلا بد من حمله على فائدة جديدة قال ~~عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم ~~صدقة» .l # وروي: «من أنظر معسرا أو وضع عنه أنجاه الله من كرب يوم ms0309 القيامة» # PageV01P185 # وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إن الملائكة تلقت روح رجل كان قبلكم فقالوا له: هل عملت خيرا قط؟ قال: لا ~~قالوا: تذكر قال: ألا إني رجل كنت أداين الناس فكنت آمر فتياني بأن ينظروا ~~الموسر ويتجاوزوا عن المعسر. قال الله تعالى: تجاوزوا عنه» وقال صلى الله ~~عليه وسلم «من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» ~~. # {واتقوا يوما ترجعون} أي: تصيرون {فيه إلى الله} هو يوم القيامة أي: ~~فتأهبوا لمصيركم إليه. وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون بضم ~~التاء وفتح الجيم {ثم توفى} فيه {كل نفس} جزاء {ما كسبت} أي: عملت من خير ~~أو شر {وهم لا يظلمون} بنقص حسنة أو زيادة سيئة. # فائدة: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هذه آخر آية نزلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال جبريل: ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من ~~سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وعشرين يوما» ~~وقال ابن جريج: تسع ليال وقال سعيد بن جبير: سبع ليال ومات يوم الإثنين ~~لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول وقيل: ثلاث ساعات. وقال الشعبي عن ابن ~~عباس: آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا. ولما منع ~~الله من الربا أذن في السلم والقرض بما يعمهما فقال: # {يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} كسلم وقرض {إلى أجل مسمى} أي: ~~معلوم ولذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يتوصل إليها بالطريق الحرام ~~إلا والله سبحانه وتعالى وضع لتحصيل مثل تلك اللذة طريقا حلالا وسبيلا ~~مشروعا. # فإن قيل: المداينة مفاعلة وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين وذلك هو ~~بيع الدين بالدين وهو باطل بالإتفاق أجيب: بأن المراد من تداينتم تعاملتم ~~والتقدير تعاملتم بما فيه دين. # فإن قيل: هلا اكتفى بقوله إذا تداينتم إلى أجل وأي حاجة إلى ذكر الدين؟ ~~أجيب: ms0310 بأنه ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله: {فاكتبوه} إذ لو لم يذكر لوجب ~~أن يقال: فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن ولئلا يتوهم من الدائن ~~المجازاة ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال، وفائدة قوله مسمى ليعلم ~~أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام، ولو قال: ~~إلى الحصاد أو الدراس أو رجوع الحاج لم يجز للجهل بوقت الأجل، وإنما أمر ~~بكتابة الدين؛ لأن ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود. # فإن قيل: إن كلمة إذا لا تفيد العموم والمراد من الآية العموم؛ لأن ~~المعنى كلما تداينتم بدين فاكتبوه، فلم عدل عن كلما وقال: إذا تداينتم؟ ~~أجيب: بأن كلمة إذا وإن كانت لا تقتضي العموم إلا أنها لا تمنع من العموم ~~وههنا قام الدليل على أن المراد هو العموم، واختلفوا في هذه الكتابة، فقال ~~بعضهم: هي واجبة والأكثرون على أنه أمر استحباب فإن ترك فلا بأس كقوله ~~تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} (الجمعة، 10) وقال بعضهم كانت ~~كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضا ثم نسخ الكل بقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذين ائتمن أمانته} ثم بين كيفية الكتابة، فقال تعالى: ~~{وليكتب} أي: كتاب الدين {بينكم كاتب بالعدل} أي: بالحق في كتابته لا يزيد ~~في المال أو الأجل ولا ينقص وهو في الحقيقة أمر للمتداينين باختيار كاتب ~~فقيه دين حتى يجيء مكتوبه موثوقا به معدلا بالشرع # PageV01P186 # مع أن ظاهره أمر للكاتب {ولا يأب} أي: لا يمتنع {كاتب} من {أن يكتب} إذا ~~دعي إليها {كما علمه} أي: فضله {ا} بالكتابة فلا يبخل بها بل ينفع الناس ~~بها كما نفعه الله بتعليمها كقوله تعالى: {وأحسن كما أحسن الله إليك} (،) ~~والكاف متعلقة بيأب {فليكتب} تلك الكتابة المعلمة أمر بها بعد النهي عن ~~الإباء تأكيدا {وليملل الذي عليه الحق} أي: وليكن المملل على الكاتب من ~~عليه الحق؛ لأنه المقر المشهود عليه والإملال والإملاء لغتان فصيحتان ~~معناهما واحد جاء بهما القرآن فالإملال ههنا وهو لغة الحجاز والإملاء قوله ~~تعالى: ms0311 {فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} (الفرقان، 5) وهي لغة تميم. # {وليتق الله ربه} أي: كل من المملي والكاتب {ولا يبخس} أي: لا ينقص {منه} ~~أي: من الحق أو مما أملى عليه {شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها} أي: ~~مبذرا {أو ضعيفا} أي: صغيرا أو كبيرا اختل عقله لكبره {أو لا يستطيع أن يمل ~~هو} لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك {فليملل وليه} أي: متولي أمره من والد ~~ووصي وقيم ووكيل ومترجم {بالعدل} وفي هذا دليل على جريان النيابة في ~~الإقرار. قال البيضاوي: ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل أي: دون ~~المترجم ودونهما فيما لم يتعاطياه {واستشهدوا} أي: وأشهدوا {شهيدين} أي: ~~شاهدين {من رجالكم} أي: البالغين الأحرار والمسلمين دون الصبيان والعبيد ~~والكفار، وأجاز ابن سيرين شهادة العبيد، وأبو حنيفة شهادة الكفار بعضهم على ~~بعض {فإن لم يكونا} أي: الشاهدان {رجلين فرجل} أي: فليشهدا والمستشهد رجل ~~{وامرأتان} . # وأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال حتى تثبت ~~برجل وامرأتين، واختلفوا في غير الأموال فذهبت جماعة إلى أنه تجوز شهادتهن ~~مع الرجال في غير العقوبات وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وذهب جماعة ~~إلى أن غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين، وذهب الشافعي إلى أن ما يطلع ~~عليه النساء غالبا كالولادة والرضاع والثيوبة والبكارة ونحوها تثبت بشهادة ~~رجل وامرأتين وشهادة أربع نسوة، واتفقوا على أن شهادة النساء غير جائزة في ~~العقوبات {ممن ترضون من الشهداء} أي: من كان مرضيا لدينه وأمانته. # تنبيه: شروط قبول الشهادة سبعة: الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والعدالة ~~والمروءة وانتفاء التهمة فمتى فقد شرط منها لم تصح تلك الشهادة، وإنما ~~اشترط التعدد في النساء لأجل {أن تضل} أي: تنسى {إحداهما} أي: الشهادة لنقص ~~عقلهن وضبطهن {فتذكر} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون الذال وتخفيف الكاف، ~~والباقون بفتح الذال وتشديد الكاف، وقرأ برفع الراء والباقون بالنصب ~~{إحداهما} أي: الذاكرة {الأخرى} أي: الناسية قال الزمخشري: ومن بدع ~~التفاسير فتذكر أي: فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا يعني أنهما ms0312 إذا اجتمعتا ~~كانتا بمنزلة الذكر، وقرأ حمزة وحده أن تضل إحداهما على الشرط فتذكر بالرفع ~~والتشديد كقوله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه} (،) وجملة الإذكار محل ~~العلة أي: لتذكر إن ضلت ودخلت على الضلال؛ لأن الضلال سبب الإذكار وهم ~~ينزلون كل واحد من السبب والسبب منزلة الآخر {ولا يأب} أي: لا يمتنع ~~{الشهداء إذا ما} أي: إذا {دعوا} لأداء الشهادة والتحمل، فما مزيدة وسموا ~~شهداء على هذا الثاني تنزيلا لما يشارف منزلة الواقع {ولا تسأموا} # PageV01P187 # أي: تملوا من {أن تكتبوه} أي: ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوعه أو ~~تكسلوا من أن تكتبوه فكني عن السآمة التي تكون بعد الشروع للكثرة بالكسل ~~الذي يكون ابتداء لكونها من لوازمه؛ لأن الكسل صفة المنافق. قال تعالى: ~~{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} (النساء، 142) وقال صلى الله عليه ~~وسلم «لا يقول المؤمن كسلت» {صغيرا} كان ذلك الحق {أو كبيرا} قليلا أو ~~كثيرا وقوله تعالى: {إلى أجله} أي: وقت حلوله الذي أقر به المديون حال من ~~الهاء في تكتبوه {ذلكم} أي: الكتب {أقسط} أي: أعدل {عند الله وأقوم ~~للشهادة} أي: أعون على إقامتها لأنه يذكرها. # تنبيه: يجوز على مذهب سيبويه أن يكون أقسط وأقوم مبنيين من أقسط وأقام، ~~وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط وأقوم من قويم أو هما ~~مبنيان من أقسط وأقام لا من قسط وقام؛ لأن قسط بمعنى جار، والمعنى هنا على ~~العدل والفعل منه أقسط فلزم أن يكون أقسط في الآية من المزيد لقصد الزيادة ~~في المقسط قال تعالى: {إن الله يحب المقسطين} (المائدة، 42) لا من المجرد؛ ~~لأن معناه الزيادة في القاسط وهو الجائز قال تعالى: {وأما القاسطون فكانوا ~~لجهنم حطبا} (الجن، 15) وكذا أقوم معناه أشد إقامة لا قياما وبناؤهما من ~~ذلك على غير قياس، والقياس أن يكون البناء من المجرد لا من المزيد ويجوز أن ~~يكون بناؤهما من قاسط بمعنى ذي قسط أي: عدل وبمعنى قويم أي: ذي استقامة على ~~طريقة النسب كلابن وتامر فيكون ms0313 أفعل لا فعل له، وإنما صحت الواو في أقوم ~~كما صحت في التعجب لجموده {وأدنى} أي: وأقرب إلى {أن لا ترتابوا} أي: تشكوا ~~في قدر الحق وجنسه والشهود والأجل ونحو ذلك {إلا أن تكون تجارة حاضرة} وهي ~~تعم المبايعة بدين أو عين {تديرونها بينكم} أي: تتعاطونها يدا بيد {فليس ~~عليكم جناح} أي: لا بأس إذا تبايعتم يدا بيد {أن لا تكتبوها} فهو استثناء ~~من الأمر بالكتابة لبعده حينئذ عن التنازع والنسيان، وقرأ عاصم بنصب التاء ~~فيهما على أن تجارة هي الخبر والاسم مضمر تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة ~~حاضرة، والباقون بالرفع فيهما على أن تجارة هي الاسم والخبر تديرونها أو ~~على كان التامة {وأشهدوا} أي: ندبا {إذا تبايعتم} عليه سواء كان ناجزا أو ~~كالئا فإنه أدفع للاختلاف فهو تعميم بعد تخصيص احتياطا في جميع المبتاعات، ~~ويجوز أن يراد هذا التبايع الذي هو التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كاف فيه ~~دون الكتابة وقوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} أصله يضار أدغمت إحدى ~~الراءين في الأخرى ونصبت لحق التضعيف لاجتماع الساكنين، واختلفوا فمنهم من ~~قال # أصله يضارر بكسر الراء الأولى وجعل الفعل للكاتب والشهيد ومعناه نهيهما ~~عن ترك الإجابة وعن التحريف والتغيير في الكتابة والشهادة، ومنهم من قال: ~~أصله يضارر بفتح الراء على الفعل المجهول وجعلوا الكاتب والشاهد مفعولين ~~ومعناه النهي عن الضرار بهما مثل أن يعجلا عن مهم ويكلفا الخروج عما حد ~~لهما ولا يعطى الكاتب جعله ولا الشهيد مؤنة مجيئه حيث كان، والمنهي حينئذ ~~المتبايعان، فالآية محتملة للبناء للفاعل وللبناء للمفعول فتحمل عليهما معا ~~أو على كل منهما والأولى أولى. # {وإن تفعلوا} ما نهيتم عنه من الضرار {فإنه فسوق بكم} أي: معصية وخروج عن ~~الأمر {واتقوا الله} # PageV01P188 # في مخالفة أمره ونهيه {ويعلمكم الله} أحكامه المتضمنة لمصالحكم {وا بكل ~~شيء عليم} كرر لفظ الله في الجمل الثلاث لاستقلالها، فإن الأولى حث على ~~التقوى، والثانية وعد بإنعامه، والثالثة تعظيم الله لشأنه عز وجل، ولأنه ~~أدخل في التعظيم من الضمير وهذا ms0314 آخر آية الدين، وقد حث سبحانه وتعالى فيها ~~على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببا لمصالح المعاش والمعاد قال تعالى: ~~{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} (النساء، 5) الآية. # قال القفال رحمه الله تعالى: ويدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في ~~الأكثر على الاختصار. وفي هذه الآية بسط شديد ألا ترى أنه قال: {إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} ثم قال ثانيا: وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل، ثم قال ثالثا: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} فكان هذا ~~كالتكرار لقوله: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} لأن العدل هو ما علمه الله، ثم ~~قال رابعا: فليكتب وهذا إعادة للأمر الأول ثم قال خامسا: {وليملل الذي عليه ~~الحق} وفي قوله تعالى: وليكتب بينكم كاتب بالعدل كناية عن قوله: {وليملل ~~الذي عليه الحق} لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه، ثم قال سادسا: ~~{وليتق الله ربه} وهذا تأكيد ثم قال سابعا: {ولا يبخس منه شيئا} وهذا ~~كالمستفاد من قوله: {وليتق الله ربه} ثم قال ثامنا: {ولا تسأموا أن تكتبوه ~~صغيرا أو كبيرا إلى أجله} وهو أيضا تأكيد لما مضى ثم قال تاسعا: {ذلكم أقسط ~~عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} فذكر هذه الفوائد التالية لتلك ~~التأكيدات السالفة وكل ذلك يدل على المبالغة، في التوصية بحفظ المال الحلال ~~وصونه عن الهلاك ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله والإعراض ~~عن مساخط الله تعالى من الربا وغيره والمواظبة على تقوى الله. # {وإن كنتم على سفر} أي: مسافرين وتداينتم، فعلى بمعنى في لئلا يتوهم أن ~~المعنى على نية سفر {ولم تجدوا كاتبا فرهان} أي: فعليكم رهن {مقبوضة} ~~تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ومع وجود الكاتب، فقد رهن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من ~~شعير أخذه لأهله» فالتقييد بما ذكر؛ لأن التوثق به أشد، وعن مجاهد والضحاك ~~أنهما لم يجوزاه إلا في السفر أخذا بظاهر الآية. # وأفاد قوله تعالى: {مقبوضة} اشتراط القبض أي: في ms0315 لزوم الرهن لا في صحته ~~والإكتفاء به من المرتهن ووكيله ولا يشترط القبض عند مالك، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بضم الراء والهاء ولا ألف بعدها والباقون بكسر الراء وفتح الهاء ~~وألف بعدها وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون {فإن أمن بعضكم} أي: الدائن {بعضا} ~~أي: المديون واستغنى بأمانته عن الإرتهان {فليؤد الذي ائتمن} أي: المدين ~~{أمانته} أي: دينه سماه أمانة لائتمانه عليه بترك الإرتهان به، وقرأ ورش ~~فليود بإبدال الهمزة واوا وإذا وصل السوسي وورش الذي بائتمن أبدلا الهمزة ~~ياء وفي الابتداء بهمزة مضمومة للجميع {وليتق الله ربه} في الخيانة وإنكار ~~الحق وفيه مبالغات من حيث الإتيان بصيغة الأمر الظاهرة في الوجوب والجمع ~~بين ذكر الله والرب وذكره عقب الأمر بأداء الدين {ولا تكتموا الشهادة} أيها ~~الشهود إذا دعيتم لإقامتها أو المديونون، وعلى هذا فشهادتهم إقرارهم على ~~أنفسهم {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} . # فإن قيل: هلا اقتصر على قوله فإنه آثم وما فائدة ذكر القلب؟ والجملة هي ~~الآثمة لا القلب وحده أجيب: بأن كتمان الشهادة # PageV01P189 # هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان أي: الكتمان إثما مقترفا أي: ~~مختلطا بالقلب أسند إليه؛ لأنه محل كتمان الشهادة وإسناد الفعل إلى الجارحة ~~التي يعمل بها أبلغ، ألا ترى أنك تقول: إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته ~~عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي، ولأن القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة ~~التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن ~~الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان فيه، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من ~~الآثام المتعلقة باللسان فقط وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه ~~واللسان ترجمان عنه، ولأن أفعال القلوب أعظم من سائر أفعال الجوارح وهي لها ~~كالأصول التي تتشعب منها، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر ~~وهما من أفعال القلوب وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب، فقد شهد له ~~بأنه من معاظم الذنوب، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «أكبر الكبائر ~~الإشراك ms0316 بالله لقوله تعالى: فقد حرم الله عليه الجنة وشهادة الزور وكتمان ~~الشهادة» . # تنبيه: آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه ~~ويجوزن أن يرتفع قلبه بالإبتداء وآثم خبر مقدم والجملة خبر إن وقوله تعالى: ~~{والله بما تعملون عليم} تهديد؛ لأنه لا يخفى عليه منه شيء {لله ما في ~~السموات وما في الأرض} خلقا وملكا قال الجلال السيوطي وعبيدا: ولعل ذكره ~~بعد ملكا لئلا يتوهم أن ما لما لا يعقل {وإن تبدوا} أي تظهروا {ما في ~~أنفسكم} من السوء والعزم عليه {أو تخفوه} أي: تسروه {يحاسبكم} أي: يجزكم ~~{به الله} يوم القيامة، والآية حجة على من أنكر الحساب كالمعتزلة والروافض ~~{فيغفر لمن يشاء} مغفرته {ويعذب من يشاء} تعذيبه وهذا صريح في نفي وجوبه، ~~وقرأ ابن عامر وعاصم برفع الراء: من يغفر ورفع الباء من يعذب على ~~الإستئناف، والباقون بجزمهما عطفا على جواب الشرط، وأدغم الراء المجزومة في ~~اللام السوسي، واختلف عن الدوري وقول الزمخشري: ومدغم الراء في اللام لاحن ~~مخطىء خطأ فاحشا. ورواية عن أبي عمرو يعني السوسي مخطىء مرتين؛ لأنه يلحن ~~وينسب اللحن إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم والسبب في نحو هذه ~~الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية ولا يضبط نحو ~~هذا إلا أهل النحو مردود؛ لأنه مبني على القول بأن الراء إنما تدغم في ~~الراء لتكرره الفائت بإدغامها في اللام ورد بأن ذلك قراءة أبي عمرو وهي ~~متواترة مع أن القول بامتناع إدغام الراء في اللام إنما هو مذهب البصريين ~~وأما الكوفيون بل وبعض البصريين كأبي عمرو فقائلون بالجواز كما نقله عنهم ~~أبو حيان، ونقل أبو عمرو والكسائي وأبو جعفر صحة إدغام صار لي وصار لك عن ~~العرب ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ووجه الجعبري إدغام الراء في اللام ~~بتقارب مخرجيهما على رأي سيبويه وتشاركهما على رأي الفراء وتجانسهما في ~~الجهر والإنفتاح والإستفال {وا على كل شيء قدير} فيقدر على جزائكم ~~ومحاسبتكم وقوله تعالى: # {آمن} ms0317 أي: صدق {الرسول} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {بما أنزل إليه من ~~ربه} أي: من القرآن فيه شهادة وتنصيص من الله تعالى على صحة إيمانه ~~والإعتداد به وأنه جازم في أمره غير شاك فيه وقوله تعالى: {والمؤمنون} عطف ~~على الرسول # PageV01P190 # {كل} من الرسول والمؤمنين. واختلف في تنوين كل فقيل تنوين عوض من المضاف ~~إليه وقيل: تنوين التمكين قال الشيخ خالد الوقاد: وهو الأصح {آمن با ~~وملائكته} وقرأ {وكتبه} حمزة والكسائي بكسر الكاف وفتح التاء وألف بعدها ~~على التوحيد على أن المراد به الجنس، والباقون بضم الكاف والتاء على الجمع ~~{ورسله} يقولون {لا نفرق بين أحد} أي: جمع {من رسله} فنؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~كما فعل اليهود والنصارى، فأحد: اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه الواحد ~~والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث فحيث أضيف بين إليه أو أعيد ضمير جمع ~~إليه أو نحو ذلك، فالمراد به جمع من الجنس الذي يدل الكلام عليه، ويجوز أن ~~يقدر القول مفردا باعتبار كل وإنما احتيج إلى التقدير لأجل قوله تعالى: {لا ~~نفرق} ولو قال تعالى: لا يفرقون لم يحتج إلى ذلك {وقالوا سمعنا} أي: أمرنا ~~به سماع قبول {وأطعنا} أمرك نسألك {غفرانك ربنا وإليك المصير} أي: المرجع ~~بعد الموت وهو إقرار منهم بالبعث. # روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما أنزل الله على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم {ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله} الآية قال: فاشتد على أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب وقالوا: ~~أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد ~~أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا ~~سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» . فلما قرأها القوم وذلت ألسنتهم ~~أنزل الله تعالى ms0318 في أثرها: {آمن الرسول} الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله ~~تعالى بقوله تعالى: # {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} أي: ما تسعه قدرتها وإن شق فضلا ورحمة ~~{لها ما كسبت} من الخير أي: ثوابه {وعليها ما اكتسبت} من الشر أي: وزره فلا ~~ينتفع بطاعتها غيرها ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكتسبه مما وسوست ~~به نفسه كما يفيده تقديم الخبر وهو لها وعليها من الحصر، وعن أبي هريرة رضي ~~الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله تجاوز ~~عن أمتي ما وسوست به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به» . # فإن قيل: لم خص الخير بالكسب والشر بالإكتساب؟ أجيب: بأن في الإكتساب ~~اعتمالا أي: اضطرابا في العمل مبالغة واجتهادا، فلما كان الشر مما تشتهيه ~~النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت أشد حبا واجتهادا في تحصيله وأعملت ~~فجعلت لذلك مكتسبة فيه ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة ~~فيه على الاعتمال قولوا {ربنا لا تؤاخذنا} أي: لا تعاقبنا {إن نسينا أو ~~أخطأنا} أي: بما أدى بنا إلى النسيان أو الخطأ من تفريط وقلة مبالاة؛ لأن ~~المؤاخذة إنما هي بالمقدور والنسيان والخطأ ليس بمقدورين ويجوز أن يراد نفس ~~النسيان والخطأ أي: لا تؤاخذنا بهما كما آخذت به من قبلنا، قال الكلبي: كان ~~بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطؤوا عجلت لهم العقوبة، فحرم ~~عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله المؤمنين أن ~~يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» . # PageV01P191 # فإن قيل: النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة ~~بهما؟ أجيب: بأن المراد بذكرهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال ألا ~~ترى إلى قوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان} (الكهف، 63) والشيطان لا يقدر على ~~فعل النسيان وإنما يوسوس فتكون وسوسته سببا للتفريط الذي منه النسيان ويجوز ~~أن ms0319 يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته ~~وذكره بلفظ الدعاء على معنى التحدث بنعمة الله فيه، قال الله تعالى: {وأما ~~بنعمة ربك فحدث} (الضحى، 11) {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} أي: لا تكفنا أمرا ~~يثقل علينا حمله {كما حملته على الذين من قبلنا} أي: بني إسرائيل من قتل ~~النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقطع موضع النجاسة من الجلد ~~والثوب وغير ذلك قاله «الكشاف» » قال البيضاوي: وخمسين صلاة في اليوم ~~والليلة ونسبها غيره من المفسرين إلى اليهود ولا تنافي بينهما إذ المراد من ~~بني إسرائيل هم اليهود منهم فلا يرد على هذا ما قيل إن بني إسرائيل لم يفرض ~~عليهم خمسون صلاة قبل ولا خمس صلوات مع أن من حفظ حجة على من لم يحفظ {ربنا ~~ولا تحملنا ما لا طاقة} أي: قوة {لنا به} من البلاء والعقوبة ومن التكاليف ~~التي لا تفي به الطاقة البشرية وهو يدل على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا ~~لما سئل التخلص منه، والتشديد ههنا لتعدية الفعل إلى مفهول ثان لا للمبالغة ~~{واعف عنا} أي: امح ذنوبنا {واغفر لنا} أي: استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا ~~بالمؤاخذة بها {وارحمنا} وتعطف بنا وتفضل علينا فإننا لا ننال العمل بطاعتك ~~ولا نترك معصيتك إلا برحمتك {أنت مولانا} أي: سيدنا ومتولي أمورنا {فانصرنا ~~على القوم الكافرين} بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم فإن من حق المولى أن ~~ينصرموا إليه على الأعداء أو المراد بالكافرين عامة الكفر. # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {غفرانك ربنا} قال الله ~~تعالى: {قد غفرت لكم} وفي قوله: {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: لا ~~أؤاخذكم ربنا ولا تحمل علينا إصرا قال: لا أحمل عليكم {ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به} قال: لا أحملكم {واعف عنا} إلخ.. قال: قد عفوت عنكم وغفرت لكم ~~ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين وكان معاذ إذا ختم سورة البقرة قال: ~~آمين. # وروى مسلم وغيره أنه «صلى الله ms0320 عليه وسلم لما دعا بهذه الدعوات قيل له ~~عقب كل كلمة: قد فعلت» وعن عبد الله أنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما ~~يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها، ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها ~~قال: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} (النجم، 16) قال: فراش من ذهب قال: وأعطي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة ~~البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات» وروي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «أنزل الله تعالى آيتين أولهما آمن الرسول من كنوز ~~الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد ~~الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل» والكتابة باليد تمثيل وتصوير لإثباتهما ~~وتقديرهما بألفي سنة تصوير لقدمهما؛ لأن مثل هذا يقال لطول الزمان لا ~~للتحديد. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز ~~تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي» . وروي عنه أنه قال: # PageV01P192 # «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» أي: عن قيام الليل أو ~~عن كل ما يسوءه وهذا يرد قول من استنكر أن يقال سورة البقرة، وقال: ينبغي ~~أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة كما قال عليه الصلاة والسلام: ~~«السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها، فإن تعلمها بركة ~~وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة» قيل: وما البطلة؟ قال: «السحرة» أي: أنهم ~~مع حذقهم لا يوفقون لتعليمها أو التأمل في معانيها أو العمل بما فيها، ~~وسموا بطلة لانهماكهم في الباطل أو لبطالتهم عن أمر الدين، والفسطاط الخيمة ~~أو المدينة الجامعة سميت به السورة لاشتمالها على معظم أصول الدين وفروعه ~~والإرشاد إلى كثير من مصالح العباد ونظام المعاش ونجاة المعاد. وعن ابن ~~مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه رمى الجمرة ثم قال: من ههنا والذي لا إله ~~إلا هو رمى الذي أنزلت ms0321 عليه سورة البقرة ولا فرق بين هذا وبين قولك سورة ~~الزخرف والممتحنة والمجادلة. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن ~~يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا ~~يقرآن في دار ثلاث ليال فلا يقربها شيطان» انتهى. ### | سورة آل عمران # مدنية # باتفاق وآياتها مائتان أو إلا آية وثلاثة آلاف وأربعمائةوثمانون كلمة ~~وأربعة عشر ألفا وخمسمائة وعشرون حرفا # {بسم الله} الذي له صفات الكمال فاستحق التفرد بالألوهية {الرحمن} الذي ~~سرت رحمته خلال الوجود فشملت كل موجود بالكرم والجود {الرحيم} لمن توكل ~~عليه بالعطف إليه وقوله تعالى: # {ألم} تقدم الكلام عليه في أول سورة البقرة. # {الله لا إله إلا هو} لم يقطع أحد من القراء السبعة هذه الهمزة التي في ~~الله في الوصل، وإذا وقف على ألم يبدأ بالهمزة، ولكل من القراء مد على ~~الميم ووصل في الوصل وإنما فتح الميم لالتقاء الساكنين كما هو مذهب سيبويه ~~وجمهور النحاة. # فإن قيل: أصل التقاء الساكنين الكسر فلم عدل عنه؟ أجيب: بأنهم لو كسروا ~~لكان ذلك مفضيا إلى ترقيق لام الجلالة والمقصود تفخيمها للتعظيم فأوثر ~~الفتح لذلك كما حركوها في نحو من الله، وأيضا فقبل الميم ياء وهي أخت ~~الكسرة وقبل هذه الياء كسرة، فلو كسرنا الميم الأخيرة لالتقاء الساكنين ~~لتوالى ثلاث متجانسات فحركوها بالفتح، وأما سقوط الهمزة فواضح وبسقوطها ~~التقى الساكنان وقيل: إن هذه الفتحة ليست لالتقاء الساكنين بل هي حركة نقل ~~أي: نقلت حركة الهمزة التي قبل لام التعريف على الميم الساكنة نحو {قد ~~أفلح} في قراءة ورش وهذا مذهب الفراء وجرى عليه الزمخشري وأطال الكلام فيه ~~ورده أبو حيان بما يطول ذكره وقوله تعالى {ا} مبتدأ وما بعده خبره وقوله ~~تعالى: {الحي القيوم} نعت له والحي هو الفعال الدراك والقيوم هو القائم ~~بذاته والقائم بتدبير خلقه. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور في ~~البقرة {الله لا إله إلا هو الحي ms0322 القيوم} (البقرة، 255) وفي آل عمران {الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم} وفي طه {وعنت الوجوه # PageV01P193 # للحي القيوم} (طه، 111) ونقل البندنيجي عن أكثر العلماء أن الإسم الأعظم ~~هو الله قال الكلبي والربيع بن أنس وغيرهما: نزلت هذه الآية في وفد نصارى ~~نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم ~~أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم ~~العاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد ~~المسيح والسيد صاحب رحلهم واسمه الأيهم وأبو حارثة بن علقمة حبرهم دخلوا ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات ~~والحارث بن كعب يقول من ورائهم: ما رأينا وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم، ~~فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «دعوهم يصلوا إلى المشرق» فكلم السيد والعاقب، فقال لهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «أسلما قالا قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما ~~يمنعكما من الإسلام ثلاثة أشياء دعاؤكما لله ولدا وعبادتكما للصليب وأكلكما ~~الخنزير» قالوا: إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه وخاصموه جميعا في عيسى، ~~فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو ~~يشبه أباه؟» قالوا: بلى قال: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى ~~يأتي عليه الفناء؟» قالوا: بلى قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء ~~يحفظه ويرزقه؟» قالوا: بلى قال: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟» قالوا: لا ~~قال: «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» ~~قالوا: بلى قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علمه الله؟» قالوا: لا قال: ~~«فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب» # قالوا: بلى قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم ~~وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي ms0323 كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ~~ويحدث» قالوا: بلى قال: «وكيف يكون هذا كما زعمتم؟» فسكتوا فأنزل الله ~~تعالى صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها» . # {نزل عليك} يا محمد {الكتاب} أي: القرآن متلبسا {بالحق} أي: بالصدق في ~~أخباره أو بالحجج المحققة أنه من عند الله وهو في موضع الحال أي: محقا ~~{مصدقا لما بين يديه} أي: قبله من الكتب. # فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟ أجيب: بأن تلك الأخبار لغاية ~~ظهورها وكونها موجودة سماها بهذا الاسم {وأنزل التوراة} جملة على موسى عليه ~~الصلاة والسلام {والإنجيل} جملة على عيسى عليه الصلاة والسلام. # {من قبل} أي: قبل تنزيل القرآن، واختلف الناس في هذين اللفظين هل يدخلهما ~~الاشتقاق والتصريف أو لا يدخلانهما لكونهما أعجميين فلا يناسب كونهما ~~مشتقين، ورجح هذا الزمخشري وقال: قالوا لأن هذين اللفظين اسمان عبرانيان ~~لهذين الكتابين الشريفين وقوله تعالى: {هدى} حال بمعنى هاديين من الضلالة ~~ولم يثنه؛ لأنه مصدر {للناس} أي: على العموم إن قلنا: متعبدون بشرع من ~~قبلنا وهو رأي وإلا فالمراد بالناس قومهما وإنما عبر في التوراة والإنجيل ~~بأنزل وفي القرآن بنزل المقتضى للتكرير؛ لأنهما أنزلا دفعة واحدة بخلافه. ~~وقيل: إن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة ومن ~~سماء الدنيا منجما في ثلاث وعشرين سنة فحيث عبر فيه بأنزل أريد الأول أو ~~ينزل أريد الثاني. # فإن قيل: يرد الأول بقوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} وبقوله ~~تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} (البقرة، 4) # PageV01P194 # وبقوله تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} (الكهف، 1) وبقوله ~~تعالى: {وبالحق أنزلناه} (الإسراء، 105) ويرد الثاني بقوله تعالى: {وقال ~~الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} (الفرقان، 32) أجيب: بأن ~~القول بذلك جرى على الغالب {وأنزل الفرقان} أي: الكتب الفارقة بين الحق ~~والباطل وذكره بعد الكتب الثلاثة ليعم ما عداها، فكأنه قال: وأنزل سائر ما ~~يفرق به بين الحق والباطل ولم يجمع؛ لأنه مصدر بمعنى الفرق كالغفران ~~والكفران وقيل: القرآن وكرر ms0324 ذكره بما هو نعت له مدحا وتعظيما وإظهارا لفضله ~~من حيث أنه يشاركهما في كونه وحيا منزلا وتمييز بأنه معجز يفرق به بين ~~المحق والمبطل. # وقيل: أراد الكتاب الرابع وهو الزبور كما قال تعالى: {وآتينا داود زبورا} ~~(النساء، 163) قال الزمخشري: وهو ظاهر ولما قرر سبحانه جميع ما يتعلق ~~بمعرفة الإله أتبع ذلك بالوعيد زجرا للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة فقال: ~~{إن الذين كفروا بآيات الله} من القرآن وغيره {لهم عذاب شديد} بسبب كفرهم ~~{وا عزيز} أي: غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده {ذو ~~انتقام} ممن عصاه والنقمة عقوبة المجرم أي: يعاقبه عقوبة شديدة لا يقدر على ~~مثلها أحد. # {إن الله لا يخفى عليه شيء} كائن {في الأرض ولا في السماء} لعلمه بما يقع ~~في العالم من كلي وجزئي. # فإن قيل: لم خصهما بالذكر مع أنه عالم بجميع الأشياء أجيب: بأنه تعالى ~~إنما خصهما؛ به لأن البصر لا يتجاوزهما. # فإن قيل: لم قدم الأرض على السماء؟ أجيب: بأنها إنما قدمت ترقيا من ~~الأدنى إلى الأعلى وهذه الآية كالدليل على كونه حيا وقوله تعالى: # {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} أي: من ذكورة وأنوثة، وبياض وسواد، ~~وحسن وقبح، وتمام ونقص، وغير ذلك كالدليل على القيومية والاستدلال على أنه ~~تعالى عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره، وفي هذا رد على وفد نجران ~~من النصارى حيث قالوا: عيسى ولد الله واستدلوا على ذلك بأمور منها: العلم، ~~فإنه كان يخبر عن الغيوب، ويقول لهذا إنك أكلت في دارك كذا، ويقول لذاك إنك ~~صنعت في دارك كذا، ومنها القدرة وهي أن عيسى كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه ~~والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا، فكأنه تعالى ~~يقول: كيف يكون ولد الله وقد صوره في الرحم والمصور لا يكون أب المصور ثم ~~إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد زجرا للنصارى عن قولهم ~~التثليث فقال: {لا إله إلا هو العزيز} في ملكه وفيه إشارة إلى ms0325 كمال القدرة، ~~فقدرته تعالى أكمل من قدرة عيسى على الإماتة والإحياء {الحكيم} في صنعه. ~~وفيه إشارة إلى كمال العلم فعلمه أكمل من علم عيسى بالغيوب، وأن علم عيسى ~~ببعض الصور، وقدرته على بعض الصور لا يدل على كونه إلها بل على أن الله ~~أكرمه بذلك إظهارا لمعجزته وعجزه عن الإحياء في بعض الصور يوجب قطعا عدم ~~الإلهية؛ لأن الإله هو الذي يكون قادرا على كل الممكنات عالما بجميع ~~الجزئيات والكليات. # قال عبد الله بن مسعود: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق ~~المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك أو قال: يبعث إليه ~~الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد وقال: وإن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق الكتاب فيعمل ~~بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه ~~وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في ~~الرحم أربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب شقي أم سعيد فيكتبان ~~فيقول: أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان فيكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف ~~فلا يزاد فيها ولا ينقص» . # فإن قيل: لم خصهما بالذكر مع أنه عالم بجميع الأشياء أجيب: بأنه تعالى ~~إنما خصهما؛ به لأن البصر لا يتجاوزهما. # فإن قيل: لم قدم الأرض على السماء؟ أجيب: بأنها إنما قدمت ترقيا من ~~الأدنى إلى الأعلى وهذه الآية كالدليل على كونه حيا وقوله تعالى: # {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} أي: من ذكورة وأنوثة، وبياض وسواد، ~~وحسن وقبح، وتمام ونقص، وغير ذلك كالدليل على القيومية والاستدلال على أنه ~~تعالى عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره، وفي هذا رد على وفد نجران ~~من النصارى حيث قالوا: عيسى ms0326 ولد الله واستدلوا على ذلك بأمور منها: العلم، ~~فإنه كان يخبر عن الغيوب، ويقول لهذا إنك أكلت في دارك كذا، ويقول لذاك إنك ~~صنعت في دارك كذا، ومنها القدرة وهي أن عيسى كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه ~~والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا، فكأنه تعالى ~~يقول: كيف يكون ولد الله وقد صوره في الرحم والمصور لا يكون أب المصور ثم ~~إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد زجرا للنصارى عن قولهم ~~التثليث فقال: {لا إله إلا هو العزيز} في ملكه وفيه إشارة إلى كمال القدرة، ~~فقدرته تعالى أكمل من قدرة عيسى على الإماتة والإحياء {الحكيم} في صنعه. ~~وفيه إشارة إلى كمال العلم فعلمه أكمل من علم عيسى بالغيوب، وأن علم عيسى ~~ببعض الصور، وقدرته على بعض الصور لا يدل على كونه إلها بل على أن الله ~~أكرمه بذلك إظهارا لمعجزته وعجزه عن الإحياء في بعض الصور يوجب قطعا عدم ~~الإلهية؛ لأن الإله هو الذي يكون قادرا على كل الممكنات عالما بجميع ~~الجزئيات والكليات. # قال عبد الله بن مسعود: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق ~~المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك أو قال: يبعث إليه ~~الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد وقال: وإن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق # PageV01P195 # عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~الجنة فيدخلها» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في ~~الرحم أربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب شقي أم سعيد فيكتبان ~~فيقول: أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان فيكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف ~~فلا يزاد ms0327 فيها ولا ينقص» . # {هو الذي أنزل عليك} يا محمد {الكتاب} أي: القرآن {منه آيات محكمات} ~~أحكمت عبارتها بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه فهي واضحات الدلالة {هن أم ~~الكتاب} أي: أصله المعتمد عليه في الأحكام ويحمل المتشابهات عليها وترد ~~إليها ولم يقل أمهات الكتاب؛ لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية ~~الواحدة وكلام الله واحد. وقيل: كل آية منهن أم الكتاب كما قال تعالى: ~~{وجعلنا ابن مريم وأمه آية} (المؤمنون، 50) أي: كل واحد منهما آية وقوله ~~تعالى: {وأخر} نعت لمحذوف تقديره وآيات أخر {متشابهات} أي: محتملات لا يتضح ~~مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص والنظر. # فإن قيل: لم جعل بعضه متشابها وهلا كان كله محكما؟ أجيب: بأن في المتشابه ~~من الإبتلاء حكمة عظيمة وهي التمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ~~وليظهر فيها فضل العلماء ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبرها وتحصيل ~~العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها فينالوا بها، وبإتعاب القرائح في ~~استخراج معانيها والتوفيق بينها وبين المحكمات الدرجات العلى عند الله. # فإن قيل: لم فرق هنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل كل القرآن محكما في ~~موضع آخر فقال {الر كتاب أحكمت آياته} (هود، 1) وجعل كله متشابها في موضع ~~آخر فقال {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} (الزمر، 23) أجيب: بأنه حيث ~~جعل الكل محكما فمعناه أن آياته حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ. وحيث ~~جعل الكل متشابها فمعناه أن آياته يشبه بعضها بعضا في صحة المعنى وجزالة ~~اللفظ. # تنبيه: أخر جمع أخرى وإنما لم ينصرف؛ لأنه وصف معدول عن الأخريات ففيه ~~الوصف والعدل وهما علتان يمنعان الصرف {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي: ميل ~~عن الحق كالمبتدعة {فيتبعون ما تشابه منه} أي: فيتعلقون بظاهره أو بتأويل ~~باطل {ابتغاء الفتنة} أي: طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ~~ومناقضة المحكم بالمتشابه {وابتغاء تأويله} أي: وطلب أن يؤولوه على ما ~~يشتهونه {وما يعلم تأويله} أي: الذي يجب أن يحمل عليه {إلا الله والراسخون ~~في العلم} أي: الذين ثبتوا وتمكنوا ms0328 فيه وسئل مالك بن أنس عن الراسخين في ~~العلم قال: العالم العامل بما علم المتبع. وقال غيره: هو من وجد في علمه ~~أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله تعالى، والتواضع بينه وبين الخلق، ~~والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. # تنبيه: اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم: الواو في قوله ~~{والراسخون} واو العطف أي: أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون ~~في العلم وهم مع علمهم # PageV01P196 # {يقولون آمنا به} وهذا قول مجاهد والربيع وعلى هذا يكون قوله: {يقولون} ~~حالا معناه والراسخون في العلم قائلين: آمنا به، وذهب الأكثرون إلى أن ~~الواو في قوله: والراسخون واو الاستئناف وتم الكلام عند قوله: {وما يعلم ~~تأويله إلا الله} وهو قول أبي بن كعب وعائشة وغيرهما وقالوا: لا يعلم تأويل ~~المتشابه إلا الله ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه لم يطلع ~~عليه أحدا من خلقه كما استأثر بعلم الساعة ووقت طلوع الشمس من مغربها، ~~وخروج الدجال، وعدد الزبانية، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ونحوها ~~والخلق متعبدون في المتشابه بالإيمان به، وفي المحكم بالإيمان به والعمل. ~~وقال عمر بن عبد العزيز في هذه انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن ~~إلى أن قالوا: آمنا به قال في «الكشاف» : والأول هو الأوجه اه. # ووجهه شيخنا القاضي زكريا بقوله: لأن المتشابه على الثاني يصير الخطاب به ~~كالخطاب بالمهملات اه. # ومع هذا فالوجه هو الثاني؛ لأنه أشبه بظاهر الآية ويدل له وجوه: أحدها ~~أنه ذم طالب المتشابه بقوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} الآية ~~وثانيها: أنه مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون: آمنا به وقال في أول ~~البقرة: {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم} (البقرة، 26) فهؤلاء ~~الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان لهم في ~~الإيمان به مدح؛ لأن كل من عرف شيئا على سبيل التفصيل فلا بد أن يؤمن به ~~وثالثها: لو كان قوله والراسخون معطوفا لصار قوله: يقولون آمنا به ابتداء ~~وهو بعيد عن الفصاحة، ms0329 وكان الأولى أن يقال وهم يقولون أو يقال ويقولون. # فإن قيل: في تصحيحه وجهان: الأول: أن يقولون خبر مبتدأ والتقدير هؤلاء ~~العالمون بالتأويل يقولون آمنا. الثاني: أن يكون يقولون حالا من الراسخون. ~~أجيب: بأن الأول مدفوع بأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى ~~إضمار أولى، والثاني أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره وهم الراسخون فوجب أن ~~يكون قوله: آمنا به حالا من الراسخون لا من الله وذلك ترك للظاهر، ورابعها: ~~قوله تعالى: {كل} أي: من المحكم والمتشابه {من عند ربنا} معناه أنهم آمنوا ~~بما عرفوا تفصيله وبما لم يعرفوا تفصيله ولو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل ~~لم يبق لهذا الكلام فائدة، وخامسها: نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ~~أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يسع أحدا جهله، وتفسير ~~تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ~~تعالى، وسئل مالك بن أنس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى: {الرحمن على ~~العرش استوى} (طه، 5) فقال: الإستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به ~~واجب والسؤال عنه بدعة. # فإن قيل: ما الفائدة في لفظ عند، ولو قال كل من ربنا لحصل المقصود؟ أجيب: ~~بأن الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد. # فإن قيل: لم حذف المضاف إليه من كل؟ أجيب: بأن دلالته على المضاف إليه ~~قوية فالأمن من اللبس بعد الحذف حاصل {وما يذكر} بإدغام التاء في الأصل في ~~الذال أي: ما يتعظ بما في القرآن {إلا أولو الألباب} أي: أصحاب العقول.I # تنبيه: وجه اتصال هذه الآية وأولها {هو الذي أنزل عليك الكتاب} بما قبلها ~~وأولها {هو الذي يصوركم في الأرحام} أنه لما بين أنه قيوم وهو القائم ~~بمصالح الخلق والمصالح قسمان: جسماني وروحاني، # PageV01P197 # فالجسماني أشرفها تعديل البنية على أحسن شكل وهو المراد بقوله تعالى: {هو ~~الذي يصوركم في الأرحام} وأما الروحاني فأشرفها العلم وهو المراد بقوله: ~~{هو الذي أنزل عليك الكتاب} ولما حكى سبحانه وتعالى عن الراسخين في العلم ~~أنهم يقولون: ms0330 آمنا به حكى أنهم يقولون: # {ربنا لا تزغ} أي: لا تمل {قلوبنا} عن طريق الحق إلى اتباع المتشابه ~~بتأويل لا ترتضيه {بعد إذ هديتنا} وفقتنا لدينك والإيمان بالحكم والمتشابه. ~~قال عليه الصلاة والسلام: «قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء ~~أقامه أي: القلب على الحق وإن شاء أزاغه عنه» رواه الشيخان وغيرهما، وقيل: ~~لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا وعلى هذا اقتصر الزمخشري ووجه بأن ما ذكر ~~كناية أو مجاز إذ لا تحسن من الله الإزاغة ليشمل نفيها وهذا بناء على مذهبه ~~من الإعتزال، وأما مذهب أهل السنة فالزيغ والهداية خلق الله تعالى وكان صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك» ~~وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا وبطنا» {وهب لنا} أي: ~~أعطنا {من لدنك} أي: من عندك {رحمة} أي: توفيقا وتثبيتا للذي نحن عليه من ~~الإيمان والهدى أو مغفرة للذنوب {إنك أنت الوهاب} لكل سؤل وفيه دليل على أن ~~الهدى والضلال من الله تعالى وأنه متفضل بما ينعم على عباده لا يجب عليه ~~شيء ما. # {ربنا إنك جامع الناس} أي: تجمعهم {ليوم} أي: في يوم {لا ريب} أي: لا شك ~~{فيه} أي: في وقوعه وما فيه من الحشر والجزاء وهو يوم القيامة فتجازيهم ~~بأعمالهم كما وعدت وقوله تعالى: {إن الله لا يخلف الميعاد} أي: موعده ~~بالبعث يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، وأن يكون من كلام الراسخين فيكون ~~فيه التفات عن الخطاب وكأنهم لما طلبوا من ربهم الصون عن الزيغ وأن يخصهم ~~بالهداية والرحمة قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا ~~فإنها منقضية، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع ~~الناس للجزاء في يوم القيامة ووعدك حق فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد ~~الآباد ومن وفقته وهديته ورحمته بقي هناك في السعادة ms0331 والكرامة أبد الآباد. # تنبيه: احتج الوعيدية بهذه الآية على القطع بوقوع وعيد الفساق قالوا: لأن ~~الوعيد داخل تحت لفظ الوعد لقوله تعالى: {قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا} (الأعراف، 44) والوعد والميعاد واحد وقد أخبر في ~~هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد. وأجيب: بأنا لا نسلم القول بالقطع بوقوع ~~وعيد الفساق مطلقا بل ذلك مشروط بعدم العفو كما هو مشروط بعدم التوبة ~~بالإتفاق فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم ~~العفو بدليل منفصل سلمنا أنه توعدهم ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ ~~الوعد ويكون قوله: {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا} كقوله تعالى: {فبشرهم بعذاب ~~أليم} (آل عمران، 21) وكقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان، ~~49) فيكون من باب التهكم، وذكر الواحدي في «البسيط» أنه يجوز أن يحمل هذا ~~على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء؛ لأن خلف الوعيد كرم عند العرب لأنهم ~~يمدحون بذلك كما قال القائل: # PageV01P198 # *إذا وعد السراء أنجز وعده ... وإن وعد الضراء فالعفو مانعه* # وقال الآخر أيضا: # *وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي* # ولما حكى الله سبحانه وتعالى دعاء المؤمنين وتضرعهم حكى كيفية حال ~~الكافرين وشدة عقابهم بقوله تعالى: # {إن الذين كفروا} وهو عام في الكفرة، وقيل: المراد بهم وفد نجران أو ~~اليهود أو مشركو العرب {لن تغني} أي: لن تنفع ولن تدفع {عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا} أي: من عذابه وقيل: من رحمته أو من طاعته على معنى ~~البدلية قاله البيضاوي: أي: على أن من للبدل والمعنى لن تغني عنهم من رحمة ~~الله أو من طاعته شيئا أي: بدل رحمته وطاعته. قال أبو حيان: وإثبات البدلية ~~جمهور النحاة تأباه {وأولئك هم وقود النار} أي: حطبها وفي ذلك كمال العذاب؛ ~~لأن كماله أن يزول عنه ما ينتفع به ثم يجتمع عليه الأسباب المؤلمة، فالأول ~~هو المراد بقوله تعالى: {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم} فإن المرء عند ~~الشدة يفزع إلى ms0332 المال والولد؛ لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها في دفع ~~النوائب، فبين تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا وإذا تعذر عليه ~~الإنتفاع بالمال والولد وهما أقرب الطرق فما عداه بالتعذر أولى ونظيره {يوم ~~لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء، 89) ، وأما ~~الثاني من أسباب كمال العذاب وهو اجتماع الأسباب المؤلمة فهو المراد بقوله ~~تعالى: {وأولئك هم وقود النار} وهذا هو النهاية في العذاب، فإنه لا عذاب ~~أعظم من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس وقوله تعالى: # {كدأب آل فرعون} إما استئناف مرفوع المحل خبر لمبتدأ مضمر تقديره دأبهم ~~في ذلك كدأب آل فرعون، وإما متصل بما قبله أي: لن تغني عنهم كما لم تغن عن ~~أولئك أو توقد النار بهم كما توقد النار بآل فرعون وقوله تعالى: {والذين من ~~قبلهم} عطف على آل فرعون فيكون في محل جر وقيل: استئناف فيكون في محل رفع ~~على الإبتداء والخبر، وقوله تعالى: {كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم} ~~وعلى الأول تكون هذه الجملة مفسرة لما قبلها وقوله تعالى: {وا شديد العقاب} ~~فيه تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف للكفرة. # «ولما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر ورجع إلى المدينة ~~جمع اليهود في سوق قينقاع وقال: يا معشر اليهود احذروا من الله تعالى أن ~~ينزل بكم مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، ~~فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك ~~لقيت أقواما أغمارا أي: جهالا جمع غمر لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة ~~وإنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس» نزل. # {قل} يا محمد {للذين كفروا ستغلبون} في الدنيا بالقتل والأسر وضرب ~~الجزية، وقد وقع ذلك بقتل قريظة وإجلاء النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على ~~من عداهم {وتحشرون} في الآخرة {إلى جهنم وبئس المهاد} أي: الفراش والمخصوص ~~بالذم محذوف أي: بئس المهاد جهنم. وفي هذه الآية إخبار عن ms0333 أمر يحصل في ~~المستقبل وقد وقع خبره على موافقته فكان هذا إخبارا بالغيب فكان معجزة ~~ولهذا لما نزلت هذه الآية قال لهم صلى الله عليه وسلم «إن الله غالبكم ~~وحاشركم إلى جهنم» وقرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما على # PageV01P199 # الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب. # فإن قيل: أي فرق بين القراءتين من جهة المعنى؟ أجيب: بأن معنى قراءة ~~التاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم فهو ~~إخبار بما سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه ~~اللفظ ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكى لهم ما أخبره به من وعيد بلفظه ~~كأنه قال: أد إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون. # {قد كان لكم آية} أي: عبرة ودلالة على صدق ما أقول لكم إنكم ستغلبون. # فإن قيل: لم لم يقل قد كانت؛ لأن الآية مؤنثة؟ أجيب: بأنه إنما ذكر الفعل ~~للفصل بينه وبين الإسم المؤنث بلكم فإن الفصل مسوغ لذلك مع المؤنث الحقيقي ~~كقوله: # *إن امرأ غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور* # قال الفراء: وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه والخطاب لمشركي قريش ~~وقيل: لليهود وقيل: للمؤمنين {في فئتين} أي: فرقتين {التقتا} يوم بدر {فئة} ~~مؤمنة {تقاتل في سبيل الله} أي: طاعته وهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، سبعة وسبعون ~~رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار، وصاحب راية ~~المهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وصاحب راية الأنصار سعد بن ~~عبادة، وكان فيهم سبعون بعيرا وفرسان فرس للمقداد بن عمرو وفرس لمرثد بن ~~أبي مرثد وأكثرهم رجالة وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف {و} فئة ~~{أخرى كافرة} تقاتل في سبيل الشيطان وهم مشركو مكة وقوله تعالى: {يرونهم ~~مثليهم} قرأ نافع بالتاء على الخطاب أي: ترى المؤمنون المشركين مثلي ~~المؤمنين وكانوا ثلاثة أمثالهم ليثبتوا لهم ويوقنوا بالنصر الذي وعدهم به ~~في قوله: {إن ms0334 تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} (الأنفال، 66) بعدما ~~كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين} (الأنفال، 65) والباقون بالياء على الغيبة أي: يرى المشركون ~~المؤمنين مثلي عدد المشركين وكانوا تسعمائة وخمسين أو مثلي عدد المسلمين ~~وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر. # فإن قيل: هذا مناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال {ويقللكم في أعينهم} ~~(الأنفال، 44) أجيب: بأنه قللهم أولا حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا ~~إمدادا من الله تعالى للمؤمنين في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير ~~في حالين مختلفين {رأي} أي: في رأي {العين} أي: رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس ~~فيها معاينة كسائر المعاينات وقد نصرهم الله تعالى مع قلتهم {وا يؤيد} أي: ~~يقوي {بنصره من يشاء} نصره كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدو {إن في ~~ذلك} المذكور {لعبرة} أي: عظة {لأولي الأبصار} أي: لذوي البصائر أفلا ~~تعتبرون بذلك فتؤمنون. # {زين للناس حب الشهوات} أي: ما تشتهيه النفس، وتدعو إليه، والمزين هو ~~الله تعالى للإبتلاء كقوله تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ~~لنبلوهم} (الكهف، 7) أو لأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع الإنساني أو لأنه ~~يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله وقيل: ~~الشيطان هو المزين، وذهب إليه المعتزلة واستدلوا بقول الحسن: الشيطان والله ~~زينها لأنا لا نعلم أحدا أذم لها من خالقها، وإنما سميت شهوات مبالغة ~~وإيماء إلى أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحيوا شهواتها كقوله تعالى: # PageV01P200 # {أحببت حب الخير} (ص، 32) والشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها ~~شاهد على نفسه بالبهيمية ثم بين ذلك بقوله تعالى: {من النساء} إنما بدأ بهن ~~لأنهن حبائل الشيطان {والبنين والقناطير} جمع قنطار وهو المال الكثير قيل: ~~ملء مسك ثور أي: ملء جلده وعن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه: القنطار ~~مائة ألف دينار. وقال ابن عباس والضحاك: ألف ومائتا مثقال {المقنطرة} أي: ~~المجمعة. وقال السدي: المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير. وقال ~~الفراء: المضعفة فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة {من ms0335 الذهب والفضة} قيل: ~~سمي الذهب ذهبا؛ لأنه يذهب ولا يبقى والفضة فضة؛ لأنها تنفض أي: تتفرق ~~{والخيل المسومة} أي: الحسان، وقال سعيد بن جبير: هي الراعية يقال: أسام ~~الخيل وسومها والخيل جمع لا واحد له من لفظه واحدها فرس كالقوم والنساء ~~{والأنعام} جمع النعم وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه ~~{والحرث} أي: الزرع {ذلك} أي: ما ذكر من النساء وما بعده {متاع الحياة ~~الدنيا} أي: يتمتع به فيها ثم يفنى {وا عنده حسن المآب} أي: المرجع وهو ~~الجنة فينبغي الرغبة فيما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية دون غيره من ~~الشهوات الناقصة الفانية. # فإن قيل: المآب قسمان: الجنة وهي في غاية الحسن والنار وهي خالية عن ~~الحسن كما قال تعالى: {إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا} (النبأ، 21) ~~أجيب: بأن المقصود بالذات هو الجنة، وأما النار فمقصودة بالعرض والمقصود ~~بالآية الترهيب في الدنيا والترغيب في الآخرة. # {قل} يا محمد لقومك {أؤنبئكم} أأخبركم {بخير من ذلكم} أي: المذكور من ~~الشهوات وهذا استفهام تقريري. # تنبيه: هنا همزتان مختلفتان من كلمة: الأولى مفتوحة والثانية مضمومة، قرأ ~~قالون بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وأدخل بينهما ألفا وورش يسهل الثانية ~~من غير إدخال ألف وينقل حركة الهمزة الأولى إلى اللام من قل فتصير اللام ~~مفتوحة والثانية مضمومة، وابن كثير كورش إلا أنه لا ينقل الحركة إلا في لفظ ~~القرآن وقرآن، وأبو عمرو يسهل الثانية ويدخل بينهما ألفا كقالون وله وجه ~~آخر وهو عدم إدخال ألف بينهما، والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى: {للذين ~~اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي: مقدرين الخلود ~~فيها إذا دخلوها كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم كما ~~تقول: هل أدلك على رجل عالم عندي رجل عالم من صفته كيت وكيت ويجوز أن تتعلق ~~اللام بخير وترتفع جنات على هو جنات {وأزواج مطهرة} من الحيض وغيره مما ~~يستقذر من النساء وقوله تعالى: {ورضوان من الله} قرأه شعبة بضم الراء، ~~والباقون بكسرها وهما لغتان: ms0336 الكسر لغة الحجاز والضم لغة تميم. وقيل: ~~بالكسر اسم وبالضم مصدر وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا ~~أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير، في يديك فيقول: هل رضيتم؟ ~~فيقولون: ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ~~ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل ~~عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» . # تنبيه: قد نبه سبحانه وتعالى في هذه الآية على نعمه فأدناها متاع الحياة ~~الدنيا وأعلاها رضوان الله لقوله # PageV01P201 # تعالى: {ورضوان من الله أكبر} (التوبة، 72) وأوسطها الجنة ونعيمها {وا ~~بصير} أي: عالم {بالعباد} أي: بأعمالهم فيجازي كلا منهم بعمله أو بأحوال ~~الذين اتقوا فلذلك أعد لهم جنات وقوله تعالى: # {س3ش16/ش22 الذين يقولون ربنآ إننآءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب ~~النار * الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين با?سحار * شهد ~~الله أنه? ? اله إs هو والملا???كة وأولوا? العلم قآ??م?ابالقسط? ? اله إs ~~هو العزيز الحكيم * إن الدين عند الله ا?سلام? وما اختلف الذين أوتوا? ~~الكتاب إs من? بعد ما جآءهم العلم بغي?ابينهم? ومن يكفر ب?ايات الله فإن ~~الله سريع الحساب * فإن حآجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن? وقل للذين ~~أوتوا? الكتاب وا?مي?نءأسلمتم? فإن أسلموا? فقد اهتدوا?? وإن تولوا? فإنما ~~عليك البلاغ? والله بصير? بالعباد * إن الذين يكفرون ب?ايات الله ويقتلون ~~النبي?ن بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم * ~~أو?لا???ك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا وا?خرة وما لهم من ناصرين} # {الذين} نعت للذين اتقوا أو للعباد أو بدل من الذين قبله {يقولون} يا ~~{ربنا إننا آمنا} أي: صدقنا {فاغفر لنا ذنوبنا} أي: استرها علينا وتجاوز ~~عنا {وقنا عذاب النار} . # تنبيه: في ترتيب سؤال المغفرة وما عطف عليها وسيلة على مجرد الإيمان دليل ~~على أن مجرد الإيمان كاف في استحقاق المغفرة والإستعداد لأسبابها وأسباب ما ~~عطف عليها ms0337 وقوله تعالى: {الصابرين} أي: على الطاعة وعن المعصية وعلى ~~البأساء والضراء نعت {والصادقين} أي: في إيمانهم وأقوالهم قال قتادة: هم ~~قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية ~~{والقانتين} أي: المطيعين لله {والمنفقين} أي: المتصدقين {والمستغفرين ~~بالأسحار} أي: أواخر الليل كأن يقولوا: اللهم اغفر لنا خصت بالذكر؛ لأنها ~~وقت الغفلة ولذة النوم، وفي هذا كما قال البيضاوي: حصر لمقامات السالك على ~~أحسن الترتيب أي: الذكرى فإن معاملته مع الله إما توسل وإما طلب، والتوسل ~~إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما، وإما ~~بالبدن وهو إما قولي وهو الصدق وإما فعلي وهو القنوت الذي هو ملازمة ~~الطاعة، وإما بالمال وهو الإنفاق في سبيل الخير وإما الطلب فالاستغفار؛ لأن ~~المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها انتهى. # وتوسيط الواو بين الصابرين وما بعده للدلالة على استقلال كل واحد منها ~~وكما لهم فيها أو لتغاير الموصوفين بالصفات. وتخصيص الأسحار؛ لأن الدعاء ~~فيها أقرب من الدعاء في غيرها إلى الإجابة؛ لأن العبادة حينئذ أشق والنفس ~~أصفى والعقل أجمع لمعاني الألفاظ التي ينطق بها لا سيما للمتهجد قيل: إنهم ~~كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون، وعن الحسن كانوا يصلون في أول ~~الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والإستغفار فذا نهارهم وهذا ~~ليلهم. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ينزل الله إلى سماء الدنيا أي: أمره كل ليلة حين يبقى ثلث الليل ~~الأخير فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا ~~الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له» . # وحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه: يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك يصوت ~~في الأسحار وأنت نائم على فراشك. وعن زيد بن أسلم أنه قال: هم الذين يصلون ~~الصبح في جماعة. وعبر بالسحر لقربه من الصبح. # {شهد الله} أي: بين لخلقه بالدلائل وإنزال الآيات {أنه لا إله} أي: لا ~~معبود بحق ms0338 في الوجود {إلا هو} قال الكلبي: «قدم حبران من أحبار الشام على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه ~~هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان، ~~فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم قالا له: وأنت ~~أحمد؟ قال: أنا محمد وأحمد قالا: فإنا نسألك عن شيء، فإن أخبرتنا به آمنا ~~بك وصدقناك فقال لهما: سلا قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز ~~وجل، فأنزل الله هذه الآية فأسلم الرجلان» . وقال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الله الأرزاق ~~قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، # PageV01P202 # فشهد لنفسه بنفسه قبل أن يخلق الخلق حين كان ولم يكن سماء ولا أرض ولا بر ~~ولا بحر فقال: شهد الله أنه لا إله إلا هو {و} شهد بذلك {الملائكة} أي: ~~أقروا بذلك {و} شهد بذلك {أولو العلم} أي: بالإيمان بذلك والاحتجاج عليه. # فإن قيل: ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم الله تعالى هذا التعظيم حيث ~~جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ أجيب: بأن المراد ~~بهم أنهم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة ~~وهم علماء العدل والتوحيد من الأنبياء والمؤمنين وفيه دليل على فضل علم ~~أصول الدين وشرف أهله وقوله تعالى: {قائما} أي: بتدبير مصنوعاته حال من ~~الله وإنما جاز إفراده تعالى بها لعدم اللبس، وإن اختلف في جاءني زيد وعمرو ~~راكبا فقد منعه الزمخشري وتبعه البيضاوي وجوزه أبو حيان وقال: يحمل على ~~الأقرب كما في الوصف في نحو جاءني زيد وعمرو الطويل أو حال من هو والعامل ~~فيها معنى الجملة أي: تفرد {بالقسط} أي: بالعدل وقوله تعالى: {لا إله إلا ~~هو} كرر للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد والحكم به بعد إقامة ~~الحجة وليبنى عليه قوله تعالى: {العزيز} أي: في ملكه {الحكيم} أي: في صنعه ~~فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدم العزيز؛ لأن العزة ms0339 تلائم الوحدانية والحكمة ~~تلائم القيام بالقسط فأتى بهما لتقرير الأمرين على ترتيب ذكرهما ورفعهما ~~على البدل من الضمير الأول أو الثاني أو على الخبر المحذوف. # وعن أبي غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش، ~~وكنت أختلف إليه، فلما كنت ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة فقام من ~~الليل يتهجد فمر بهذه الآية، أي: شهد الله إلى آخرها ثم قال الأعمش: وأنا ~~أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة إن ~~الدين عند الله الإسلام قالها مرارا قلت: لقد سمع فيها فصليت معه وودعته ثم ~~قلت: إني سمعتك ترددها فما بلغك فيها؟ قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة ~~فمكثت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد ~~مضت السنة فقال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عندي عهدا ~~وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة» ، روى هذا الحديث الطبراني ~~والبيهقي لكن بسند ضعيف وقوله تعالى: # l # {إن الدين} أي: المرضي {عند الله} هو {الإسلام} جملة مستأنفة مؤكدة ~~للأولى أي: لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام وهو الشرع المبعوث به الرسل ~~كما قال تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة، 3) وقال تعالى: {ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران، ~~85) وقرأ الكسائي بفتح الهمزة إن قيل على أنه بدل من أنه إلخ.. بدل اشتمال ~~وضعفه أبو حيان؛ لأن فيه فصلا بين البدل والمبدل منه بأجنبي قال: والصواب ~~أنه معمول للحكيم بإسقاط الجار أي: الحكيم بأن الدين، والباقون بكسرها على ~~الإستئناف {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} أي: من اليهود والنصارى وقيل: من ~~أرباب الكتب المتقدمة في دين الاسلام فقال قوم: إنه حق. وقال قوم: إنه ~~مخصوص بالعرب ونفاه آخرون مطلقا أو في التوحيد فثلثت النصارى. وقالت ~~اليهود: عزير ابن الله ms0340 وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوة فينا من قريش؛ ~~لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب {إلا من بعد ما جاءهم العلم} # PageV01P203 # بالتوحيد أنه الحق الذي لا محيد عنه {بغيا} أي: ما كان الاختلاف وتظاهر ~~هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسدا {بينهم} وطلبا للرياسة. وقيل: هو اختلاف ~~في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما جاءهم العلم ببيان بعثته في ~~كتبهم حيث آمن به بعض وكفر به بعض وقيل: هو إختلافهم في الإيمان بالأنبياء ~~فمنهم من آمن بموسى ومنهم من آمن بعيسى ولم يؤمن ببقية الأنبياء وقوله ~~تعالى: {ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} أي: المجازاة له وعيد ~~لمن كفر منهم. # {فإن حاجوك} أي: جادلك الذين كفروا يا محمد في الدين {فقل} لهم {أسلمت ~~وجهي} أي: أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيهما لغيره شركا بأن أعبده ~~ولا أدعو إلها معه يعني: أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبت ~~عندكم صحته كما ثبت عندي، وما جئت بشيء مبتدع حتى تجادلوني فيه وخص الوجه ~~بالذكر لشرفه فهو تعبير عن جملة الشخص بأشرف أجزائه الظاهرة وقوله تعالى: ~~{ومن اتبعن} عطف على التاء في أسلمت وحسن للفاصل ويجوز كما قال في «الكشاف» ~~أن تكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولا معه أي: نظرا إلى أن المشاركة بين ~~المتعاطفين في مطلق الإسلام أي: الإخلاص لا فيه بقيد وجهه حتى يمتنع ذلك ~~لاختلاف وجهيهما {وقل للذين أوتوا الكتاب} وهم اليهود والنصارى {والأميين} ~~أي: الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب {أأسلمتم} أي: فهل أسلمتم ما أسلمت ~~أنا فقد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة، أم أنتم ~~بعد على الكفر وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان ~~والكشف طريقا إلا سلكته هل فهمتها؟ وفي هذا الإستفهام استقصار وتعيير ~~بالمعاندة وقلة الإنصاف؛ لأن المنصف إذا انجلت له الحجة لم يتوقف إذعانا ~~للحق وكذلك في هل فهمتها؟ توبيخ بالبلادة. وقيل: المراد بالإستفهام هنا ~~الأمر أي: أسلموا ms0341 كما قال تعالى: {فهل أنتم منتهون} (المائدة، 91) أي: ~~انتهوا {فإن أسلموا فقد اهتدوا} أي: نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى ~~الهدى، ومن الظلمة إلى النور فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ~~فقال أهل الكتاب: أسلمنا فقال لليهود: «أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ~~ورسوله؟ فقالوا: معاذ الله. وقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله ~~فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدا» فقال عز وجل {وإن تولوا} أي: عن ~~الإسلام لم يضروك {فإنما عليك البلاغ} أي: فإنك رسول منبه ما عليك إلا أن ~~تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى وقد # بلغت وليس إليك الهداية {وا بصير بالعباد} أي: عالم بمن يؤمن، وبمن لا ~~يؤمن فيجازي كلا منهم بعمله، وهذا قبل الأمر بالقتال. # {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط} أي: بالعدل {من الناس} وهم اليهود قتل أولهم الأنبياء ~~وقتلوا أتباعهم، ومن في عصره صلى الله عليه وسلم كفروا به وقصدوا قتله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين لكن الله تعالى عصمهم. # وعن أبي عبيدة بن الجراح قلت: «يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم ~~القيامة؟ قال رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عنه» . وروي أنهم قتلوا ~~ثلاثة وأربعين نبيا فنهاهم مائة وسبعون من عبادهم فقتلوهم من يومهم وخبر إن ~~{فبشرهم} أي: أعلمهم {بعذاب أليم} أي: مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم. # فإن قيل: لم أدخل الفاء في خبر إن مع أنه # PageV01P204 # لا يقال أن زيدا فقائم أجيب: بأن الموصول متضمن معنى الشرط فكأنه قيل: ~~الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من يكفر فبشرهم. # {أولئك الذين حبطت أعمالهم} أي: ما عملوه من خير كصدقة وصلة رحم {في ~~الدنيا والآخرة} فلا يعتد بها لعدم شرطها {وما لهم من ناصرين} أي: مانعين ~~عنهم العذاب. # {ألم تر} أي: تنظر {إلى الذين أوتوا نصيبا} أي: حظا {من الكتاب} أي: ~~التوراة أو جنس الكتب السماوية ومن للتبعيض أو البيان، قال البيضاوي: ~~وتنكير النصيب يحتمل التعظيم والتحقير انتهى. ms0342 أما التعظيم فظاهر وهو ما ~~اقتصر عليه الزمخشري، وأما التحقير ففيه نظر إذ النصيب المراد به الكتاب أو ~~بعضه لا حقارة فيه وقد يقال: إن تحقيره بالنسبة إليهم حيث لم يعملوا به ~~{يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم} الداعي هو محمد صلى الله عليه وسلم ~~وكتاب الله القرآن أو التوراة واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فروى سعيد ~~بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيت المدراس أي: موضع صاحب دراسة كتبهم على جماعة من اليهود ~~فدعاهم إلى الله عز وجل فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين ~~أنت؟ قال: دين إبراهيم فقالا له: إن إبراهيم كان يهوديا، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية» . # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رجلا ~~وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم ~~فرفعوا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورجوا أن تكون عنده رخصة فحكم ~~عليهما بالرجم، فقال له النعمان بن أوفى وعدي بن عمرو: جرت علينا يا محمد ~~ليس عليهما الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بيني وبينكم ~~التوراة» قالوا: قد أنصفتنا قال: «فمن أعلمكم بالتوراة؟» قالوا: رجل يقال ~~له عبد الله بن صوريا فأرسلوا إليه فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ~~من التوراة فيها الرجم مكتوب فقال له: اقرأ فلما أتى على آية الرجم وضع كفه ~~عليها وقرأ ما بعدها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن سلام: ~~يا رسول الله قد جاوزها وقام فرفع كفه عنها ثم قرأ على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى اليهود أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة ~~رجما، وإن كانت حبلى تتربص حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول الله صلى الله ms0343 ~~عليه وسلم باليهوديين فرجما فغضب اليهود وانصرفوا فأنزل الله عز وجل هذه ~~الآية {ثم يتولى فريق منهم} » وأتى بثم لاستبعاد توليهم مع علمهم بأن ~~الرجوع إلى كتاب الله تعالى واجب لا للتراخي في الزمان إذ لا تراخي فيه. ~~وقوله تعالى: {وهم معرضون} أي: عن قبول حكمه جملة حالية من فريق وإنما ساغ ~~لتخصيصه بالصفة. # {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من التولي والإعراض {بأنهم قالوا} أي: بسبب قولهم ~~{لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} أي: قالوا ذلك بسبب تسهيلهم أمر العقاب ~~على أنفسهم لهذا الإعتقاد المائل والطمع الفارغ عن حصول المطموع فيه وهو ~~الخروج من النار بعد أيام قليلة وهي أربعون يوما مدة عبادة آبائهم العجل ثم ~~تزول عنهم {وغرهم في دينهم} والغرور هو الإطماع فيما لا يحصل منه شيء {ما ~~كانوا يفترون} أي: من أن النار لن تمسهم إلا أياما قلائل أو أن آبائهم ~~الأنبياء يشفعون لهم، # PageV01P205 # أو أنه تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم. # تنبيه: في دينهم متعلق بغرهم ولا يصح تعلقه بيفترون خلافا للسيوطي؛ لأن ~~ما قبل الموصول لا يتعلق بما بعده. # {فكيف} حالهم أو فكيف صنعهم {إذا جمعناهم ليوم} أي: في يوم {لا ريب} أي: ~~لا شك {فيه} وهو يوم القيامة وفي ذلك استعظام لما يحيق بهم في الآخرة. # روي أن أول راية أي: علم ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود ~~فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد ثم يؤمر بهم إلى النار {ووفيت كل نفس} ~~أي: من أهل الكتاب وغيرهم جزاء {ما كسبت} أي: عملت من خير أو شر وفي ذلك ~~دليل على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار وإن دخلها؛ لأن ~~توفية إيمانه وعمله لا يكون في النار ولا قبل دخولها فإذا هي بعد الخلاص إن ~~دخلها؛ {وهم لا يظلمون} أي: بنقص حسنة أو زيادة سيئة. # تنبيه: ذكر ضمير وهم لا يظلمون وجمعه باعتبار معنى كل نفس؛ لأنه في معنى ~~كل إنسان، ولما فتح النبي صلى ms0344 الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس ~~والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم ~~أولم يكف محمدا مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم فأنزل الله ~~سبحانه وتعالى. # {قل اللهم} أي: يا الله والميم عوض عن ياء النداء ولذلك لا يجتمعان، ~~والتعويض من خصائص هذا الإسم كما اختص بدخولها عليه مع لام التعريف وقطع ~~همزته وكما اختص بدخول تا القسم عليه وأما قولهم: ترب الكعبة فنادر {مالك ~~الملك} أي: مالك العباد وما ملكوا قال الله تعالى في بعض الكتب المنزلة: ~~أنا الله ملك الملوك ومالك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد ~~أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب ~~الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ~~«كما تكونوا يولى عليكم» {تؤتي} أي: تعطي {الملك} أي: في الدنيا {من تشاء} ~~من خلقك {وتنزع الملك ممن تشاء} منهم، وقيل: المراد بالملك النبوة ونزعها ~~نقلها من قوم إلى قوم، وقال الكلبي: تؤتي الملك لمحمد وأصحابه وتنزعه من ~~أبي جهل وصناديد قريش، وقيل: تؤتيه لآدم وذريته وتنزعه من إبليس وجنوده ~~{وتعز من تشاء} من خلقك، وقيل: محمدا وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ~~ظاهرين عليها {وتذل من تشاء} منهم وقيل: أبا جهل وأصحابه حزت رؤوسهم وألقوا ~~في القليب، وقيل: تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، وقيل: تعز من ~~تشاء بالقناعة وتذل من تشاء بالحرص والطمع، وقيل: تعز من تشاء بالتهجد وتذل ~~من تشاء بتركه {بيدك} أي: بقدرتك {الخير} أي: والشر، واقتصر على الأول ~~لمسارعة الأدب في الخطاب أو اكتفى بذكر أحد المقابلين كما في قوله تعالى: ~~{سرابيل تقيكم الحر} (النحل، 81) أي: والبرد أو؛ لأن الكلام وقع فيه إذ روى ~~البيهقي وغيره: «أنه صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق وقطع لكل عشر أربعين ~~ذراعا وأخذوا يحفرون فظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول فوجهوا ~~سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0345 يخبره فجاء وأخذ المعول منه فضربها ~~ضربة فصدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لا بتيها أي: المدينة فكأن بها ~~مصباحا جاء في جوف بيت # مظلم فكبر وكبر المسلمون وقال: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها # PageV01P206 # أنياب الكلاب أي: في بياضها وصفرتها وانضمام بعضها إلى بعض، واللابتان ~~حرتان يكتنفانها والحرة كل أرض ذات حجارة سوداء كأنها محترقة من الحر ثم ~~ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب ~~الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة على كلها ~~أي: الأراضي التي أضاءت فأبشروا، فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم أيها ~~المؤمنون ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب أي: المدينة قصور الحيرة ~~وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق أي: الخوف فنزلت» . ونبه ~~أيضا على أن الشر بيده بقوله: {إنك على كل شيء قدير} والشر شيء ثم عقب ذلك ~~ببيان قدرته على تعاقب الليل والنهار والموت والحياة وسعة فضله فقال: # {تولج} أي: تدخل {الليل في النهار} حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل ~~تسع ساعات {وتولج} أي: تدخل {النهار في الليل} حتى يكون الليل خمس عشرة ~~ساعة، والنهار تسع ساعات فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر {وتخرج الحي من ~~الميت} كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة {وتخرج الميت من الحي} ~~كالنطفة من الإنسان والبيضة من الطائر، وقال الحسن وعطاء: تخرج المؤمن من ~~الكافر، وتخرج الكافر من المؤمن فالمؤمن حي الفؤاد والكافر ميت الفؤاد قال ~~الله تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه} (الأنعام، 122) وقال الزجاج: تخرج ~~النبات الغض الطري من الحب اليابس وتخرج الحب اليابس من النبات الحي ~~النامي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة: {الميت} بسكون الياء ~~والباقون بكسر الياء مشددة. # {وترزق من تشاء بغير حساب} أي: رزقا واسعا. عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن فاتحة الكتاب وآية ~~الكرسي والآيتين من آل عمران شهد الله إلى قوله: ms0346 {إن الدين عند الله ~~الإسلام} ، {وقل اللهم مالك الملك} إلى قوله {بغير حساب} معلقات ما بينهن ~~وبين الله عز وجل حجاب قلن يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله ~~عز وجل بي حلفت لا يقرأكن أحد دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان ~~فيه ولأسكننه حظيرة قدسي ولأنظرن إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين مرة ~~ولأقضين له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ولأعيذنه من كل عدو وحاسد ~~ولأنصرنه منه» . # {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} يوالونهم. عن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون ~~اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار يرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية ونهى المؤمنين أن يوالوا الكافرين ~~لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ~~ويتعاشر وقوله تعالى: {من دون} أي: غير {المؤمنين} إشارة إلى أنهم الأحقاء ~~بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة والمحبة في الله والبغض ~~في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان {ومن يفعل ذلك} أي: يوالي الكفرة ~~{فليس من الله} أي: من ولاية الله {في شيء} يصح أن يسمى ولاية شرعية فإن ~~ولاية المتعاديين لا يجتمعان لما بينهما من التضاد كما قال القائل: # *فليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني في المغايب* # PageV01P207 # *تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب* # بعين مهملة وزاي أي: بغائب والنوك بضم النون الحمق والجنون ثم استثنى ~~فقال: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي: إلا أن تخافوا منهم مخافة فلكم ~~موالاتهم باللسان دون القلب كما قال عيسى عليه الصلاة والسلام: كن وسطا أي: ~~في معاشرتهم ومخالفتهم وامش جانبا أي: من موافقتهم فيما يأمرون ويذرون وهذا ~~قبل عزة الإسلام ويجري في بلد ليس قويا فيها، قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت ~~التقية في بدء الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين وأما اليوم ms0347 فقد أعز ~~الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم {ويحذركم الله} ~~أي: يخوفكم {نفسه} أن يغضب عليكم إن واليتموهم {وإلى الله المصير} أي: ~~المرجع فيجازيكم فلا تتعرضوا للسخط بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه وهو ~~تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي عنه في القبح وذكر النفس ليعلم أن المحذر ~~منه عقاب يصدر منه فلا يبالي عنده بما يحذر من الكفرة. # {قل} لهم يا محمد {إن تخفوا ما في صدوركم} أي: قلوبكم من موالاة الكفار ~~أو غيرها بما لا يرضى الله {أو تبدوه} أي: تظهروه {يعلمه الله} ويحفظه ~~عليكم حتى يجازيكم به وقال الكلبي: إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من التكذيب أو تظهروه بحربه وقتاله يعلمه الله {و} هو الذي ~~{يعلم ما في السموات وما في الأرض} لا يخفى عليه منه شيء قط فلا يخفى عليه ~~سركم وعلانيتكم {وا على كل شيء قدير} فهو قادر على عقوبتكم إن لم تنتهوا ~~عما نهيتم عنه وهذا بيان لقوله تعالى: {ويحذركم الله نفسه} لأن نفسه متصفة ~~بعلم ذاتي يحيط بالمعلومات كلها وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها فلا ~~تعصوه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها لا محالة قادر على العقاب بها ولو ~~علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الإطلاع على أحواله بأن يوكل من يتجسس عن ~~مواطن أموره لأخذ حذره منه كل الحذر فما بال من علم أن العالم الذي يعلم ~~السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن. اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك ~~ونسألك اليقظة من سنة الغفلة. # {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا} نصب يوم بمضمر نحو اذكر وقوله ~~تعالى: {وما عملت} أي: عملته {من سوء} مبتدأ خبره {تود لو أن بينها} أي: ~~النفس {وبينه} أي: السوء {أمدا بعيدا} أي: غاية في نهاية البعد فلا يصل ~~إليها، وكرر سبحانه وتعالى: {ويحذركم الله نفسه} ، قال البيضاوي: للتأكيد ~~والتذكير وقال التفتازاني: الأحسن ما قيل أن ذكره أولا للمنع من موالاة ~~الكافرين وثانيا للحث على ms0348 عمل الخير والمنع من عمل الشر وقوله تعالى: {وا ~~رؤف بالعباد} إشارة إلى أنه تعالى: إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم ومراعاة ~~إصلاحهم. وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه. وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة ~~والكسائي رؤوف بقصر الهمزة والباقون بالمد وورش على أصله في المد والتوسط ~~والقصر ونزل في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. # {قل} لهم يا محمد {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وقال الضحاك ~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش ~~وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وهم ~~يسجدون لها فقال: «يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم ~~وإسمعيل» فقال له قريش: إنما نعبدها # PageV01P208 # حبا لله تعالى ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد ~~إن كنتم تحبون الله وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه فاتبعوني يحببكم الله ~~فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم أي: اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله، فحب ~~المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته وحب الله للمؤمنين ~~ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: {ويغفر لكم ذنوبكم وا ~~غفور} لمن اتبعني ما سلف من ذنبه قبل ذلك {رحيم} به. وعن الحسن زعم أقوام ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل ~~لقولهم تصديقا من عملهم، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فهو كذاب وكتاب الله يكذبه، وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيديه ~~مع ذكره ويطرب وينعر ويصعق فلا شك أنه لا يعرف ما الله ولا يدري ما محبة ~~الله، وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا؛ لأنه تصور في نفسه الخبيثة صورة ~~مستملحة معشقة فسماها الله بجهله وادعائه ثم صفق وطرب ونعر وصعق عند تصورها ~~وربما رأيت المني قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته وحمقى العامة حواليه قد ~~ملؤوا أذقانهم بالدموع لما رأوه من حاله. # ولما نزلت هذه الآية ms0349 قال عبد الله بن أبي لأصحابه: إن محمدا يجعل طاعته ~~كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى نزل قوله تعالى: # {قل} لهم {أطيعوا الله والرسول} فيما يأمركم به من التوحيد {فإن تولوا} ~~أي: أعرضوا عن الطاعة {فإن الله لا يحب الكافرين} أي: لا يرضى فعلهم ولا ~~يغفر لهم وإنما أتى بالظاهر ولم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أن ~~التولي كفر وأنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأن محبته مخصوصة ~~بالمؤمنين، ولما أوجب الله سبحانه وتعالى طاعة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ~~وبين أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضا على الطاعة ~~فقال تعالى: # {إن الله اصطفى} أي: اختار {آدم ونوحا وآل إبراهيم} وهم إسمعيل وإسحق ~~وأولادهما الرسل وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم {وآل ~~عمران} موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر {على العالمين} بالرسالة والخصائص ~~الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم وبهذه الآية ~~استدل على فضل الرسل على الملائكة وقيل: آل عمران عيسى وأمه مريم بنت عمران ~~بن ماثان وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة وقيل: آل إبراهيم وآل عمران ~~أنفسهما وقوله تعالى: # {ذرية} بدل من آل إبراهيم وآل عمران {بعضها من} ولد {بعض} منهم وقيل: ~~بعضها من بعض في الدين والذرية تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى {وا ~~سميع} لأقوال الناس {عليم} بأحوالهم فيصطفي من كان منهم مستقيم القول ~~والحال، واذكر. # {إذ قالت امرأت عمران} وهي حنة بنت فاقوذ أم مريم، وعمران هو عمران بن ~~ماثان رئيس بني إسرائيل وليس هو عمران أبا موسى وهرون إذ كان بين العمرانين ~~ألف وثمانمائة سنة كما مر وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم ~~وملوكهم. # فائدة: رسمت امرأة بالتاء المجرورة ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ~~بالهاء، والباقون بالتاء، ووقف الكسائي بالفتح والإمالة وإذا وقف حمزة سهل ~~الهمزة. # وروي أن حنة كانت عاقرا عجوزا فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائرا يطعم ~~فرخه فحنت إلى الولد ms0350 وتمنته فقالت: اللهم إن لك علي نذرا شكرا إن رزقتني ~~ولدا أن أتصدق به على بيت # PageV01P209 # المقدس فيكون من خدمه فحملت، فلما أحست بالحمل قالت: يا {رب إني نذرت} أن ~~أجعل {لك ما في بطني محررا} أي: عتيقا خالصا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك ~~المقدس، وكان هذا النذر مشروعا في عهدهم في الغلمان فقال لها زوجها: ويحك ~~ما صنعت أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك فوقعا جميعا في هم من ~~ذلك وهلك عمران وحنة حامل بمريم {فتقبل مني} ما نذرته {إنك أنت السميع} ~~لقولي {العليم} بنيتي. # {فلما وضعتها} أي: ولدتها جارية والضمير لما في بطنها، وإنما أنث على ~~المعنى؛ لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله أو على تأويل النفس أو ~~النسمة ولم يكن يحرر إلا الغلمان وكانت ترجو أن يكون غلاما ولذلك نذرت ~~تحريره {قالت} معتذرة يا {رب إني وضعتها أنثى} . # فإن قيل: كيف جاز انتصاب أنثى حالا من الضمير في وضعتها وهو كقوله وضعت ~~الأنثى أنثى؟ أجيب: بأن الأصل وضعته أنثى وإنما أنث لتأنيث الحال؛ لأن ~~الحال وصاحبها بالذات واحد وأما على تأويل النفس أو النسمة فهو ظاهر كأنها ~~قالت: إني وضعت النفس أو النسمة أنثى {وا أعلم} أي: عالم {بما وضعت} قرأ ~~ابن عامر وشعبة بسكون العين وضم التاء فيكون من كلامها قالته تسلية لنفسها ~~أي: ولعل لله فيه سرا وحكمة ولعل هذه الأنثى خير من الذكر، وقرأ الباقون ~~بفتح العين وسكون التاء فيكون من كلام الله تعالى تعظيما لموضوعها وتجهيلا ~~لها بقدر ما وهب لها منه ومعناه والله أعلم بالأنثى التي وضعت وما علق به ~~من عظائم الأمور وأن يجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم ~~منه شيئا فلذلك تحسرت. وقرأ أبو عمرو والله أعلم بسكون الميم وإخفائها عند ~~الباء بخلاف عنه، والباقون بالإظهار وقوله تعالى: {وليس الذكر كالأنثى} ~~بيان لما في قوله: {وا أعلم بما وضعت} من التعظيم للموضوع والرفع منه ~~ومعناه وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى ms0351 التي وهبت لها واللام فيهما للعهد أما ~~معهود لام الأنثى ففي قولها إني وضعتها أنثى وأما معهود لام الذكر ففي ~~قولها محررا ويجوز أن يكون معنى قولها وليس الذكر كالأنثى أي: وليس الذكر ~~والأنثى سيين فيما نذرت لما يعتري الأنثى من الحيض والنفاس فتكون اللام ~~للجنس وقوله تعالى: {وإني سميتها مريم} عطف على {إني وضعتها أنثى} وما ~~بينهما جملتان معترضتان كقوله تعالى: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} (الواقعة، ~~76) وإنما ذكرت ذلك لربها تقربا إليه وطلبا؛ لأن يعصمها ويصلحها حتى يكون ~~فعلها مطابقا لاسمها فإن مريم في لغتهم بمعنى العابدة. # تنبيه: في قوله تعالى: حكاية عنها {سميتها مريم} دليل على أن الإسم ~~والمسمى والتسمية أمور متغايرة أو معنى سميتها مريم جعلت اسم المولود مريم ~~{وإني أعيذها} أي: أجيرها {بك} أي: بحفظك {وذريتها} أي: أولادها {من ~~الشيطان الرجيم} أي: المطرود. روى الشيخان: «ما من مولود يولد إلا مسه ~~الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها» ولا يبعد كما قال الطيبي ~~اختصاص عيسى وأمه بهذه الفضيلة دون الأنبياء لجواز أن يمكن الله تعالى ~~الشيطان من مسهم مع عصمتهم من الإغواء ولا يمتنع كما قال التفتازاني: أن ~~يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما ترى وتسمع وليست تلك المسة ~~للإغواء ليدفع أنه لا يتصور في حق المولود حيث يولد وحينئذ فقول البيضاوي ~~معناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود أي: # PageV01P210 # لا يمسه فيه إخراج الحديث عن ظاهره، وتبع فيه الزمخشري وهو ما سلكه ~~المعتزلة حيث أنكروا هذا الحديث وقدحوا في صحته؛ لأن الشيطان إنما يدعو إلى ~~الشر من له تمييز. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «كل بني آدم يطعنه الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد غير ~~عيسى بن مريم ذهب يطعنه فطعنه في الحجاب» . # {فتقبلها ربها} أي: قبل مريم من أمها ورضي بها في النذر مكان الذكر ~~{بقبول حسن} وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها ~~أنثى {وأنبتها ms0352 نباتا حسنا} أي: أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ~~ينبت المولود في العام {وكفلها زكريا} قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتشديد ~~الفاء وقصروا زكريا غير عاصم في رواية ابن عياش على أن الفاعل هو الله ~~تعالى وزكريا مفعول أي: جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها فلا بد من تقدير ~~مضاف في الآية وهو مصالح؛ لأن كفالة البدن لا معنى لها، وقرأ الباقون ~~بتخفيف الفاء ومدوا زكريا مرفوعا على الفاعلية. # روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد الأقصى ~~ووضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت ~~إمامهم الأعظم في العلم والصلاح فقال زكريا: أنا أحق بها؛ لأن خالتها عندي، ~~فقالت الأحبار: لا تقل ذلك فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ~~ولدتها لكنا نقترع فيها فتكون عند من خرج سهمه وكانوا تسعة وعشرين رجلا ~~فانطلقوا إلى نهر الأردن وألقوا فيه أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء ~~وصعد فهو أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا ~~شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها غرفة في المسجد وجعل بابها في وسطه لا يرقى ~~إليه إلا بالسلم ولا يصعد إليها غيره. # وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف ~~وفاكهة الصيف في الشتاء كما قال تعالى: {كلما دخل عليها زكريا المحراب} أي: ~~الغرفة والمحراب أشرف المجالس ومقدمها وكذلك هو من المسجد ويقال أيضا ~~للمسجد محراب قال المبرد: لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرج {وجد ~~عندها رزقا} قال الربيع بن أنس: كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب، ~~فإذا دخل عليها غرفتها وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في ~~الصيف فإذا وجد عندها ذلك. # {قال يا مريم أنى لك هذا} أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه ~~والأبواب مغلقة عليك {قالت} وهي صغيرة {هو من عند الله} يأتيني به من الجنة ~~قيل: تكلمت في المهد وهي صغيرة ms0353 كما تكلم ابنها عيسى وهو صغير في المهد ولم ~~ترضع ثديا قط، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة وفي هذا دليل وأي دليل على ~~كرامة الأولياء وليس ذلك معجزة لزكريا كما زعمه جماعة؛ لأن ذلك مدفوع ~~باشتباه الأمر عليه حتى قال لها: أنى لك هذا؟ ولو كان معجزة له لادعاها ~~وقطع بها؛ لأن النبي شأنه ذلك ويدل عليها غير ذلك كقصة أصحاب الكهف ولبثهم ~~في الكهف سنين عددا بلا طعام ولا شراب وقصة آصف من إتيانه بعرش بلقيس قبل ~~ارتداد الطرف ورؤية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو على المنبر جيشه ~~بنهاوند حين قال: يا سارية الجبل وسماع سارية ذلك وكان بينهما مسافة شهر، ~~وشرب خالد رضي الله تعالى عنه السم من غير أن يضره، وبالجملة فكرامات ~~الأولياء حق ثابتة بالكتاب والسنة # PageV01P211 # وليس بعجيب إنكارها من أهل البدع والأهواء إذا لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم ~~ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شيء، فوقعوا في أولياء ~~الله تعالى أصحاب الكرامات يمزقونهم ويسمونهم بالجملة المتصوفة ولم يعرفوا ~~أن مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة ونقاء السريرة واقتفاء الطريقة واصطفاء ~~الحقيقة، وإنما العجب من بعض فقهاء أهل السنة حيث قال فيما روي عن إبراهيم ~~بن أدهم أنهم رأوه بالبصرة يوم التروية وفي ذلك اليوم بمكة أن من اعتقد ~~جواز ذلك يكفر والإنصاف ما ذكره الإمام النسفي حين سئل عما يحكى أن الكعبة ~~كانت تزور بعض الأولياء هل يجوز القول به؟ فقال: نقض العادة على سبيل ~~الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي ~~الله تعالى عنها رغيفين وبضعة لحم في طبق مغطى آثرته به فرجع بذلك إليها ~~وقال: «هلمي يا بنية» فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما فبهتت وعلمت ~~أن ذلك نزل من عند الله فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنى لك ~~هذا؟» قالت: هو من عند الله إن ms0354 الله يرزق من يشاء بغير حساب فقال لها عليه ~~الصلاة والسلام: «الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل» ثم ~~جمع صلى الله عليه وسلم عليا والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا حتى ~~شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت فاطمة على جيرانها» . فهذه كرامة لفاطمة ~~رضي الله تعالى عنها وفي هذه الرواية دليل على أن قوله تعالى: {إن الله ~~يرزق من يشاء بغير حساب} أي: رزقا واسعا بلا تبعة من كلام مريم رضي الله ~~تعالى عنها ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى. # ولما رأى زكريا كرامة مريم ومنزلتها عند الله قال: إن الذي قدر على أن ~~يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب قادر على أن يصلح زوجتي ويهب ~~لي ولدا في غير حينه على الكبر فطمع في الولد وذلك أن أهل بيته كانوا قد ~~انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد قال الله عز وجل: # {هنالك دعا زكريا ربه} أي: في ذلك المكان أو الوقت، قال الزمخشري: قد ~~تستعار هنا، وثم وحيث للزمان أي: لمشابهة الزمان للمكان في الظرفية فاستعير ~~له فدخل زكريا المحراب وناجى ربه في جوف الليل {قال} يا {رب هب لي} أي: ~~أعطني {من لدنك} أي: من عندك {ذرية طيبة} كما وهبتها لحنة العجوز العاقر ~~أي: ولدا مباركا تقيا صالحا رضيا، والذرية يكون واحدا وجمعا ذكرا وأنثى وهو ~~هنا واحد بدليل قوله: {فهب لي من لدنك وليا يرثني} (مريم، 6) وإنما قال ~~طيبة لتأنيث لفظ الذرية {إنك سميع} أي: مجيب {الدعاء} لمن دعاك فلا تردني ~~خائبا {فنادته الملائكة} أي: جنسهم كقولهم: فلان يركب الخيل فإن المنادى ~~كان هو جبريل وحده، وقرأ حمزة والكسائي فناداه بالإمالة والتذكير، والباقون ~~بالتاء {وهو قائم يصلي في المحراب} أي: المسجد وذلك أن زكريا كان هو الحبر ~~الكبير الذي يقرب القربان ويفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في ~~الدخول فبينما هو قائم يصلي في المحراب والناس ينتظرون أن يؤذن لهم في ~~الدخول، فإذا هو برجل شاب ms0355 عليه ثياب بيض، ففزع منه فناداه وهو جبريل. # وقرأ {إن الله يبشرك بيحيى} ابن عامر وحمزة بكسر الهمزة على إرادة القول، ~~أو لأن النداء نوع من القول، والباقون بالفتح على بأن، وقرأ حمزة والكسائي ~~بفتح الياء من يبشرك وسكون الباء الموحدة وضم الشين # PageV01P212 # مخففة، والباقون بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين المشددة، ~~واختلفوا في أنه لم سمي يحيى قال ابن عباس: لأن الله أحيا به عقر أمه وقال ~~قتادة: لأن الله أحيا قلبه بالإيمان وقيل: لأن الله تعالى أحيا قلبه ~~بالطاعة حتى أنه لم يهم بمعصية وهو اسم أعجمي منع صرفه للتعريف والعجمة ~~كموسى وعيسى وقيل: عربي ومنع صرفه للتعريف ووزن الفعل كينسى، وجمعه يحيون ~~كموسون وعيسون {مصدقا بكلمة} كائنة {من الله} أي: بعيسى أنه روح الله وسمي ~~كلمة؛ لأنه خلق بكلمة كن وقيل: لأن الله أخبر الأنبياء بكلامه في كتابه أنه ~~يخلق نبيا بلا أب فسماه بكلمة لحصول ذلك الوعد، وكان يحيى أول من آمن بعيسى ~~وصدقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى ~~عليهما الصلاة والسلام، وقول البيضاوي وكان يحيى وعيسى ابن خالة من الأب ~~فيه تجوز إذ يحيى ابن خالة أم عيسى لا ابن خالته وعيسى ابن بنت خالة يحيى ~~لا ابن خالته {وسيدا} أي: يسود قومه فيصير متبوعا. وقال الضحاك: السيد ~~الحسن الخلق. وقال سعيد بن جبير: السيد الذي يطيع ربه وقال سعيد بن المسيب: ~~السيد الفقيه العالم {وحصورا} أي: مبالغا في حبس النفس على الشهوات ~~والملاهي. # روي أنه مر وهو طفل بصبيان فدعوه للعب فقال: ما للعب خلقت. وقال سعيد بن ~~المسيب: الحصور هو المعسر الذي لا مال له فيكون الحصور بمعنى المحصور كأنه ~~ممنوع من النساء وقيل: كان له مثل هدبة الثوب، وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض ~~لبصره، وقيل: هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه واختار قوم هذا القول ~~لوجهين: أحدهما أن الكلام خرج مخرج الثناء وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء، ~~والثاني أنه أبعد ms0356 من إلحاق الآفة بالأنبياء {ونبيا} ناشئا {من الصالحين} ~~لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائنا من جملة الصالحين فمن على هذا للتبعيض ~~كقوله تعالى: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} (البقرة، 130) . # {قال رب أنى} أي: كيف {يكون لي غلام} أي: ابن {وقد بلغني الكبر} أي: ~~أدركني كبر السن وأثر في وكان عمره مائة وعشرين سنة وقيل: تسعا وتسعين سنة ~~{وامرأتي عاقر} أي: لا تلد من العقر وهو القطع؛ لأنها ذات عقر من الأولاد ~~وكانت بنت ثمان وتسعين سنة. # فإن قيل: كيف قال زكريا بعدما وعده الله تعالى أن يكون له غلام أنى يكون ~~لي غلام أكان شاكا في وعد الله وفي قدرته؟ أجيب: بأنه قال ذلك استبعادا من ~~حيث العادة كما قالت مريم أو استعظاما وتعجبا أو استفهاما عن كيفية حدوثه ~~أي: أتجعلني وامرأتي شابين أوترزقنا ولدا على الكبر منا أو ترزقني امرأة ~~أخرى؟ وقيل: إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال: يا زكريا ~~إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان، ولو كان من الله ~~لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور، فقال ذلك دفعا للوسوسة {قال} ~~الأمر {كذلك} أي: من خلق غلام منكما {الله يفعل ما يشاء} لا يعجزه عنه شيء ~~ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه الله السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه ~~إلى سرعة المبشر به. # {قال رب اجعل لي آية} أي: علامة أعرف بها حمل امرأتي لأتلقى النعمة إذا ~~جاءت بالشكر {قال آيتك} عليه {أن لا تكلم الناس} أي: تمتنع من كلامهم ~~{ثلاثة أيام} أي: بلياليها كما في سورة مريم ثلاث ليال {إلا رمزا} أي: ~~إشارة بيد أو رأس والاستثناء منقطع وقيل: متصل والمراد بالكلام حينئذ # PageV01P213 # ما دل على ما في الضمير وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن ~~القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذلك قال: ~~{واذكر ربك كثيرا وسبح} أي: صل {بالعشي} وهو من حين تزول الشمس إلى أن تغيب ~~{والإبكار} ms0357 وهو من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. # فإن قيل: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ أجيب: بأنه إنما فعل به ذلك لتخلص ~~المدة المذكورة لذكر الله تعالى لا يشغل لسانه بغيره توفرا منه على قضاء حق ~~تلك النعمة الجسيمة وشكرها التي طلب الآية من أجله كأنه لما طلب الآية من ~~أجل الشكر قيل له: آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب وأوقعه ~~ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا منه وقال قتادة: أمسك لسانه عن الكلام ~~عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة ~~أيام. # {و} اذكر {إذ قالت الملائكة} أي: جبريل قال لها شفاها: {يا مريم إن الله ~~اصطفاك} أي: اختارك بأن تقبلك من أمك ولم يقبل قبلك أنثى وفرغك للعبادة ~~وأغناك برزق الجنة عن الكسب وتكليمه لها شفاها كرامة لها. وقيل: كان معجزة ~~لزكريا، وقيل: كان إرهاصا أي: تأسيسا لنبوة عيسى صلى الله عليه وسلم بطريق ~~الخوارق قبل البعثة كإظلال الغمام لنبينا صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ~~بطريق الشام وإنما حمل على هذا التأويل؛ لأنها ليست بنبية على الأصح بل حكى ~~البيضاوي الإجماع على أنه تعالى لم ينبىء امرأة لقوله تعالى: {وما أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا} (الأنبياء، 7) لكن نوزع في دعوى الإجماع؛ لأن الخلاف ثابت ~~في نبوة نسوة خصوصا مريم إذ القول بنبوتها مشهور {وطهرك} أي: مسيس الرجال ~~ومما يستقذر من النساء {واصطفاك} ثانيا {على نساء العالمين} بهدايتك وإرسال ~~الملائكة إليك وتخصيصك بالكرامات السنية كالولد من غير أب ولم يكن لأحد من ~~النساء. # فائدة: أفضل نساء العالمين مريم كما في الآية إذ قيل بنوتها ثم فاطمة بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خديجة أمها ثم عائشة ثم آسية امرأة فرعون. # فإن قيل: روى الطبراني: «خير نساء العالمين مريم بنت عمران ثم خديجة بنت ~~خويلد ثم فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ثم آسية امرأة فرعون» أجيب: ~~بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة. # {يا مريم ms0358 اقنتي لربك} أي: أطيعيه {واسجدي واركعي مع الراكعين} أي: وصلي ~~مع المصلين في الجماعة أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في ~~عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. # فإن قيل: لم قدم السجود على الركوع؟ أجيب: باحتمال أنه كان كذلك في تلك ~~الشريعة وقيل: بل كان السجود قبل الركوع في الشرائع كلها أو للتنبيه على أن ~~الواو لا تقتضي الترتيب. # {ذلك} أي: ما قصصناه عليك يا محمد من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى {من ~~أنباء الغيب نوحيه إليك} أي: من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي {وما كنت ~~لديهم} أي: عندهم {إذ يلقون أقلامهم} في الماء أي: سهامهم التي طرحوها فيه ~~وعليها علامة على القرعة وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة ~~اختاروها للقرعة تبركا بها ليعلموا {أيهم يكفل مريم} أي: يحضنها ويربيها، ~~فأي متعلق بمحذوف كما علم من التقدير {وما كنت لديهم إذ يختصمون} في ~~كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته # PageV01P214 # من جهة الوحي. # فإن قيل: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم من غير شبهة وترك نفي استماع ~~الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ أجيب: بأنه كان معلوما عندهم علما يقينا أنه ~~ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ~~ولا قراءة ومثل ذلك قوله تعالى: {وما كنت بجانب الغربي} (القصص، 44) {وما ~~كنت بجانب الطور} (القصص، 26) {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم} (يوسف، 102) ~~واذكر. # {إذ قالت الملائكة} أي: جبريل {يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} أي: ~~بابن {اسمه المسيح عيسى بن مريم} وإنما خاطبها بنسبته إليها تنبيها على ~~أنها تلده بلا أب إذ عادة الأبناء نسبتهم إلى آبائهم لا إلى أمهاتهم ~~وبنسبته إليها فضلت واصطفيت على نساء العالمين. # فإن قيل: هذه ثلاثة أشياء: الإسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب ~~وصفة أجيب: بأن الإسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز عن غيره فكأنه قيل: ~~الذي يعرف به ويتميز عمن سواه مجموع هذه الثلاثة، والمسيح لقب من الألقاب ~~المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحا ms0359 بالعبرانية ومعناه المبارك لقوله: ~~{وجعلني مباركا أينما كنت} واشتقاقه من المسح؛ لأنه مسح بالبركة أو بما ~~طهره من الذنوب أو مسح الأرض ولم يقم في موضع، أو لأنه خرج من بطن أمه ~~ممسوحا بالدهن، أو لأن جبريل مسحه بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل، أو ~~لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له. وقال ابن عباس: سمي مسيحا لأنه ما مسح ذا ~~عاهة إلا برىء، ويسمى الدجال مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين وعيسى معرب ~~إيشوع وهو بالشين المعجمة السيد. قال البيضاوي اشتقاقه من العيس وهو بياض ~~تعلوه حمرة وهو تكلف لا طائل تحته وقوله تعالى: {وجيها} أي: ذا جاه حال ~~مقدرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة. # فإن قيل: لم ذكر ضمير الكلمة أجيب: بأن المسمى بها مذكر {في الدنيا} أي: ~~بالنبوة والتقدم على الناس {و} في {الآخرة} بالشفاعة والدرجات العلى {ومن ~~المقربين} عند الله تعالى لعلو درجته في الجنة ورفعه إلى السماء وصحبته ~~للملائكة. # {ويكلم الناس في المهد} أي: صغيرا قبل أوان الكلام كما ذكر في سورة مريم ~~قال: {إني عبد الله آتاني الكتاب} (مريم، 30) الآية. وحكي عن مجاهد قال: ~~قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته فإذا شغلني عنه إنسان سبح ~~في بطني وأنا أسمع. والمهد ما يمهد للصبي من مضجعه وقوله تعالى: {وكهلا} ~~عطف على في المهد أي: ويكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير ~~تفاوت بين حال الطفولية وحال الكهولية التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها ~~الأنبياء، وقد رفع بعد كهولته، وقيل: إنه رفع شابا وعلى هذا المراد كهلا ~~بعد نزوله وذكر تعالى أحواله المختلفة المتنافية إرشادا إلى أنه بمعزل عن ~~الألوهية. # فإن قيل: فما فائدة البشارة بكلامه كهلا والناس في ذلك سواء؟ أجيب: بأنه ~~بشرها بأنه يبقى إلى أن يتكهل وبعدم التفاوت بين الحالين كما مر وقوله ~~تعالى: {ومن الصالحين} أي: من عباد الله الصالحين حال من كلمة أو من ضميرها ~~الذي في يكلم. # فإن قيل: لم ختم الصفات ms0360 المذكورة بقوله: {ومن الصالحين} بعد كونه وجيها ~~في الدنيا وفسرت بالنبوة ولا شك أن النبوة أرفع من منصب الصلاح بل كل واحدة ~~من الصفات المذكورة أشرف من كونه صالحا؟ أجيب: بأنه لا يكون كذلك إلا ويكون ~~في جميع الأفعال والتروك مواظبا على المنهج الأصلح وذلك يتناول جميع # PageV01P215 # المقامات في الدين والدنيا في أفعال القلوب وفي أفعال الجوارح ولهذا قال ~~نبي الله سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام بعد النبوة {وأدخلني برحمتك ~~في عبادك الصالحين} (النمل، 19) فلما عدد صفات عيسى عليه الصلاة والسلام ~~أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع الدرجات. # {قالت رب} أي: يا سيدي فقولها لله عز وجل وقيل: قالته لجبريل قاله البغوي ~~وقال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن قولها رب نداء لجبريل بمعنى يا سيدي ~~{أنى} أي: كيف {يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} أي: ولم يصبني رجل بتزوج ولا ~~غيره، قالت ذلك تعجبا إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد مولود بلا أب أو ~~استفهاما عن أن يكون بتزوج أو بغيره {قال} الأمر {كذلك} من خلق ولد منك بلا ~~أب {الله يخلق ما يشاء} القائل جبريل أو الله وجبريل حكى لها وقوله تعالى ~~{إذا قضى أمرا} أي: أراد كون شيء {فإنما يقول له كن} صر وقرأ {فيكون} ابن ~~عامر بفتح النون، والباقون بضمها أي: فهو يكون؛ لأنه تعالى كما يقدر أن ~~يخلق الأشياء مدرجا بأسباب ومواد يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك، فنفخ ~~جبريل في جيب درعها فحملت وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم وسيأتي إن شاء ~~الله تعالى الكلام عليه هناك وقوله تعالى: # {ونعلمه الكتاب} أي: الكتابة {والحكمة} أي: العلم المقترن بالعمل ~~{والتوراة والإنجيل} كلام مستأنف ذكر تطييبا لقلبها وإزاحة لما همها من خوف ~~اللوم حين علمت أنها تلد من غير زوج وقيل: المراد بالكتاب جنس الكتب ~~المنزلة وخص الكتابان لفضلهما، وقرأ نافع وعاصم بالياء والباقون بالنون. # {و} نجعله {رسولا إلى بني إسرائيل} إما في الصبا أو بعد البلوغ وتخصيص ~~بني إسرائيل لخصوص بعثه ms0361 إليهم وللرد على من زعم أنه مبعوث إلى غيره. # فائدة: كان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب وآخرهم عيسى عليهم ~~الصلاة والسلام، ولما بعث إليهم قال لهم: إني رسول الله إليكم {أني} أي: ~~بأني {قد جئتكم بآية} أي: علامة {من ربكم} تصدق قولي، وإنما قال بآية وقد ~~أتى بآيات؛ لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة. # ولما قال ذلك لبني إسرائيل قالوا: وما هي؟ قال: هي {إني} قرأ نافع وحده ~~بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتح الياء من إني نافع وأبو عمرو، وسكنها ~~الباقون {أخلق} أي: أصور {لكم من الطين كهيئة الطير} أي: مثل صورته فيصير ~~طيرا كسائر الطيور وحيا طيارا، والكاف اسم مفعول وقرأ ورش بالمد على الياء ~~من هيئة والتوسط كما تقدم في شيء {فأنفخ فيه} الضمير للكاف أي: في ذلك ~~المماثل للطير أي: في فيه {فيكون طيرا بإذن الله} أي: بإرادته نبه بذلك على ~~أن إحياءه من الله تعالى لا منه، وقرأ نافع بألف بعد الطاء بعدها همزة ~~مكسورة ورقق ورش الراء على أصله والباقون بياء ساكنة بعد الطاء من غير ألف ~~فقراءة الجمع نظرا إلى أنه خلق طيرا كثيرا وقراءة المفرد نظرا إلى أنه نوع ~~واحد من الطير؛ لأنه لم يخلق غير الخفاش وإنما خص الخفاش؛ لأنه أكمل الطير ~~خلقا؛ لأن له أسنانا وللأنثى ثديا وتحيض، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ~~ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الله ~~وليعلم أن الكمال لله عز وجل. # {وأبرىء} أي: أشفي {الأكمه} وهو الذي ولد أعمى أو ممسوح العينين. قال ~~الزمخشري: ويقال لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب ~~«التفسير» ولعل هذا على التفسير # PageV01P216 # الثاني {والأبرص} وهو الذي به برص وهو بياض شديد يبقع الجلد ويذهب دمويته ~~وإنما خص هذين المرضين بالذكر؛ لأنهما أعييا الأطباء وكان الغالب في زمن ~~عيسى الطب فأراهم المعجزة من جنس ذلك، قال وهب: ربما اجتمع على عيسى من ms0362 ~~المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه أتاه ومن لم يطق ~~أتاه عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده على شرط الإيمان. # وإنما قال ثانيا {وأحيي الموت بإذن الله} وكرر بإذن الله دفعا لتوهم ~~الألوهية، فإن الإحياء ليس من جنس الأفعال البشرية، قال ابن عباس: قد أحيا ~~عيسى أربعة أنفس: عازر وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح عليه السلام، ~~فأما عازر فكان صديقا له فأرسلت أخته إلى عيسى عليه السلام إن أخاك عازر ~~يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتى هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ~~ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره فانطلقت معهم إلى قبره فدعا ~~الله سبحانه وتعالى فقام وخرج من قبره وبقي وولد له، وأما ابن العجوز فمر ~~به ميتا على عيسى يحمل على سرير فدعا الله تعالى عيسى فجعل على سريره ونزل ~~عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد ~~له، وأما ابنة العاشر فكان رجلا يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس فدعا الله ~~تعالى فأحياها فبقيت وولد لها، وأما سام بن نوح فإن عيسى عليه السلام جاء ~~إلى قبره ودعا فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة وما ~~كانوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت القيامة؟ فقال: لا ولكن قد دعوت ~~الله تعالى فأحياك، ثم قال له: مت فقال: بشرط أن يعيذني الله تعالى من ~~سكرات الموت فدعا الله تعالى ففعل به ما قال. # {وأنبئكم} أي: أخبركم {بما تأكلون} بما لم أعاينه {وما تدخرون} أي: ~~تخبئون {في بيوتكم} حتى تأكلوه فكان يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما أكل ~~اليوم وبما ادخره للعشاء، وقال السدي: كان عيسى في الكتاب يحدث الغلمان بما ~~تصنع آباؤهم، ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا ورفعوا لك كذا ~~وكذا قال: فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون: من ~~أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا لهم: ms0363 لا تلعبوا مع هذا ~~الساحر فجمعوهم في بيت فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا ههنا قال: فما في ~~هذا البيت؟ قالوا: خنازير قال عيسى: كذلك يكونوا ففتحوا عنهم فإذا هم ~~خنازير ففشا ذلك في بني إسرائيل فهمت به بنو إسرائيل فلما خافت عليه أمه ~~حملته على حمار لها وخرجت هاربة إلى مصر، وقال قتادة: إنما هذا في المائدة ~~وكان خوانا ينزل عليهم أينما كانوا كالمن والسلوى وأمروا أن لا يخونوا ولا ~~يخبئوا لغد فخانوا وخبؤوا فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وادخروا ~~منها فمسخهم الله خنازير {إن في ذلك} الذي ذكرته لكم {لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين} أي: مصدقين للحق غير معاندين وقوله تعالى: # {ومصدقا} منصوب بإضمار فعل يدل عليه قد جئتكم أي: وجئتكم مصدقا {لما بين ~~يدي} أي: قبلي {من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} فيها في شريعة ~~موسى عليه الصلاة والسلام فأحل لهم أكل الشحوم والثروب وهو شحم رقيق يغشى ~~الكرش والسمك ولحوم الإبل والعمل في السبت وقيل: أحل الجميع فبعض بمعنى كل ~~كقول لبيد: # PageV01P217 # *تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها* # يعني كل النفوس. # فإن قيل: كيف يكون مصدقا للتوراة والإحلال يدل على أن شرعه كان ناسخا ~~لشرع موسى؟ أجيب: بأنه لا تناقض كما لا يعود نسخ القرآن بعضه ببعض عليه ~~بالتناقض والتكاذب، فإن النسخ في الحقيقة بيان وتخصيص في الأزمان وإنما كرر ~~{وجئتكم بآية من ربكم} للتأكيد وليبني عليه {فاتقوا الله} أي: في مخالفة ~~أمره أي: جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من خلق الطير والإبراء والإحياء ~~والإنباء بالخفيات وبغيره من ولادتي من غير أب ومن كلامي في المهد وغير ~~ذلك، فهي في الحقيقة آيات وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على ~~رسالته {وأطيعون} فيما أدعوكم إليه من توحيد الله وطاعته، ثم شرع في الدعوة ~~وأشار إليها بالقول المجمل فقال: # {إن الله ربي وربكم} لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه ~~{فاعبدوه} أي: لازموا طاعته ms0364 التي هي الإتيان بالأوامر والإنتهاء عن المناهي ~~{هذا} الذي دعوتكم إليه {صراط} أي: طريق {مستقيم} أي: هو المشهود له ~~بالإستقامة. # روى الإمام أحمد وغيره أن رجلا قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام ~~لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» . ولما قال لهم ذلك ~~كذبوه ولم يؤمنوا به كما قال تعالى: # {فلما أحس عيسى} أي: علم {منهم} علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس ~~{الكفر قال من أنصاري} قرأ نافع بفتح الياء والباقون بالسكون أي: أعواني ~~وقوله: {إلى الله} متعلق بمحذوف حال من الياء أي: من أنصاري ذاهبا إلى الله ~~تعالى ملتجئا إليه تعالى لأنصر دينه وقيل: إلى هنا بمعنى مع أو في أو اللام ~~{قال الحواريون نحن أنصار الله} أي: أعوان دينه واختلفوا في الحواريين، ~~فقال السدي: لما بعث الله تعالى عيسى إلى بني إسرائيل كذبوه وأخرجوه فخرج ~~هو وأمه يسبحان في الأرض فنزلا في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما، ~~وكان لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوما مهتما حزينا فدخل منزله ~~ومريم عند امرأته فقالت لها مريم: ما شأن زوجك أراه كئيبا؟ قالت: لا ~~تسأليني قالت: أخبريني لعل الله يفرج كربته قالت: إن لنا ملكا يجعل على كل ~~رجل منا يوما أن يطعمه وجنوده ويسقيهم خمرا فإن لم يفعل عاقبه واليوم ~~نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة قالت: فقولي له لا تهتم فإني آمر ابني فيدعو له ~~فيكفي ذلك، فقالت مريم لعيسى في ذلك قال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شر قالت: ~~فلا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا. قال عيسى: قولي له إذا اقترب ذلك ~~فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ففعل ذلك فدعا الله عيسى فتحول ماء ~~القدور مرقا ولحما وماء الخوابي خمرا لم ير الناس مثله قط، فلما جاء الملك ~~أكل فلما شرب الخمر قال: من أين هذا الخمر؟ قال: من أرض كذا قال: فإن خمري ~~من تلك الأرض وليست مثل هذه قال: هي من أرض أخرى فلما ms0365 خلط على الملك شدد ~~عليه قال: فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه ~~وإنه دعا الله فجعل الماء خمرا، فلما أحضره وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه ~~فمات قبل ذلك بأيام وكان أحب الخلق إليه فقال: إن رجلا دعا الله تعالى فجعل ~~الماء خمرا ليجأ به إلي حتى يحيي ابني فدعي بعيسى إليه فكلمه في ذلك فقال ~~عيسى: لا أفعل فإنه إن عاش # وقع شر. قال الملك: لا عليك. # PageV01P218 # قال عيسى: إن أحييته تتركني أنا وأمي نذهب حيث نشاء؟ قال: نعم فدعا الله ~~تعالى فعاش الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح وقالوا: ~~أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا ~~أبوه فاقتتلوا، وذهب عيسى وأمه فمروا بالحواريين وهم يصطادون السمك فقال: ~~ما تصنعون؟ قالوا: نصطاد السمك قالوا: ومن أنت؟ قال: عيسى بن مريم عبد الله ~~ورسوله فقالوا: {آمنا} أي: صدقنا {با واشهد} يا عيسى {بأنا مسلمون} لتشهد ~~لنا يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم. # {ربنا آمنا بما أنزلت} من الإنجيل {واتبعنا الرسول} عيسى {فاكتبنا مع ~~الشاهدين} لك بالوحدانية أو مع النبيين الذين يشهدون لأتباعهم أو مع أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم شهداء على الناس وقال الحسن: كانوا قصارين ~~سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يحورون الثياب أي: يبيضونها، وعلى الأول سموا ~~حواريين لبياض ثيابهم. وقال عطاء: سلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى فكان آخر ~~ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قصارين وصباغين فدعته إلى رئيسهم ليتعلم منه ~~فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر فقال: يا عيسى إنك قد تعلمت هذه الحرفة وأنا ~~خارج في سفر لا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب مختلفة الألوان وقد علمت على ~~كل واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فيجب أن تكون فارغا منها عند ~~قدومي، وخرج فطبخ عيسى جبا واحدا على لون واحد وأدخل فيه جميع الثياب وقال: ~~كوني بإذن الله تعالى على ما أريد منك فقدم الحواري ms0366 والثياب كلها في الجب ~~فقال: ما فعلت؟ قال: فرغت منها قال: أين هي؟ قال: في الجب قال: كلها؟ قال: ~~نعم قال: لقد أفسدت تلك الثياب فقال: قم فانظر فأخرج عيسى ثوبا أصفر وثوبا ~~أخضر وثوبا أحمر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها، فجعل الحواري ~~يتعجب وعلم أن ذلك من الله تعالى، فقال للناس: تعالوا فانظروا فآمن هو ~~وأصحابه وهم الحواريون وقال الكلبي وعكرمة: الحواريون الأصفياء وهم كانوا ~~أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر من الحور وهو البياض الخاص، ~~وحواري الرجل صفوته وخالصته. وقيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ~~ونظافتهن قال القائل: # *فقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح* # قال الله تعالى: # {ومكروا} أي: كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر به، وذلك أن ~~عيسى عليه الصلاة والسلام بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين ~~وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به ووكلوا به من يقتله ~~غيلة وهي بالكسر أن يخدع غيره فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله فذلك ~~مكرهم إذ المكر من المخلوق الخبث والخديعة والحيلة، وأما من الخالق وهو ~~قوله تعالى: {ومكر الله} أي: بهم {والله خير الماكرين} أي: أعلمهم به، فقال ~~الزجاج: مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الإبتداء؛ لأنه في مقابلته ~~كقوله تعالى: {الله يستهزىء بهم} (البقرة، 15) وهو خادعهم ومكر الله تعالى ~~بهم في هذه الآية بأن ألقى شبهه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى حتى قتل. # روي أن عيسى استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن ~~الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه، فلما سمع ذلك عيسى دعا عليهم ~~ولعنهم فمسخهم الله خنازير، فلما رأى ذلك # PageV01P219 # يهودا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على ~~قتل عيسى وساروا إليه ليقتلوه فبعث الله تعالى إليه جبريل فأدخله في خوخة ~~في سقفها كوة فرفعه الله تعالى إلى السماء من تلك الكوة فأمر يهودا رأس ~~اليهود رجلا من أصحابه أن يدخل ms0367 الخوخة ويقتله فلما دخل لم ير عيسى فأبطأ ~~عليهم فظنوا أنه يقاتله فيها فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى فلما خرج ظنوا ~~أنه عيسى فقتلوه وصلبوه، فلما صلب جاءت أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها ~~فأبرأها الله تعالى من الجنون يبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى فقال لهما: ~~على من تبكيان؟ إن الله تعالى رفعني ولم يصبني إلا خير وإن هذا شبه لهم، ~~فلما كان بعد سبعة أيام قال الله تعالى لعيسى: اهبط إلى مريم فإنه لم يبك ~~عليك أحد بكاها ولم يحزن حزنها، ثم لتجمع لك الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ~~إلى الله عز وجل، فأهبطه الله تعالى إليها فاشتعل حين أهبط نور فجمعت له ~~الحواريين، فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله تعالى إليه وتلك الليلة هي ~~التي تدخن فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون تحدث كل واحد منهم بلغة من ~~أرسله عيسى عليه الصلاة والسلام إليهم. # وروي أن الله تعالى أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت فقال لها: ~~إن القيامة تجمعنا وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة، ~~وقالت أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشر سنة وولدته لمضي خمس ~~وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، فأوحى الله تعالى إليه على رأس ~~ثلاثين سنة ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث ~~وثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين وقوله ~~تعالى: # {إذ قال الله} ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو لمضمر مثل اذكر {يا ~~عيسى إني متوفيك} أي: مستوفي أجلك ومعناه إني عاصمك من أن يقتلك الكافر ~~ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم أو قابضك من ~~الأرض. من توفيت مالي أي: قبضته أو متوفيك نائما كما قال تعالى: {وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل} (الأنعام، 60) أي: يميتكم، إذ روي أنه رفع نائما أو مميتك ~~عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت {ورافعك إلي} أي: إلى ms0368 محل ~~كرامتي ومقر ملائكتي، إذ روي أن الله تعالى رفعه وكساه الريش وألبسه النور ~~وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش وكان ~~إنسيا سماويا أرضيا، وقال محمد بن إسحاق: النصارى يزعمون أن الله تعالى ~~توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه. وقال الضحاك: إن في الآية ~~تقديما وتأخيرا معناه إني رافعك إلي {ومطهرك من الذين كفروا} أي: مخرجك من ~~بينهم ومنجيك منهم ومتوفيك بعد إنزالك من السماء. # روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يكسر الصليب ~~ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» . # وروى الشيخان حديث: «أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا ويقتل ~~الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية» وفي حديث مسلم أنه يمكث سبع ~~سنين، وفي حديث عند أبي داود والطيالسي «أربعين سنة» ثم يتوفى ويصلي عليه ~~المسلمون، فيحمل على أن مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده أربعون، وقيل ~~للحسين بن الفضل: هل تجد نزول # PageV01P220 # عيسى في القرآن؟ قال: نعم قوله تعالى: {ويكلم الناس في المهد وكهلا} (آل ~~عمران، 46) وهو لم يتكهل في الدنيا وإنما معناه كهلا بعد نزوله من السماء ~~انتهى. وهذا إنما يأتي على القول بأنه رفع شابا، وأما على القول بأنه رفع ~~بعد ثلاث وثلاثين فلا دليل فيه إذ الكهولة من الثلاثين إلى الأربعين {وجاعل ~~الذين اتبعوك} أي: صدقوا بنبوتك من النصارى ومن المسلمين؛ لأنه متبعوه في ~~أصل الإسلام، وإن اختلفت الشرائع {فوق الذين كفروا} بك من اليهود والنصارى ~~أي: يغلبونهم بالحجة والسيف {إلى يوم القيامة} وقيل: المراد بالذين اتبعوه ~~النصارى وبالذين كفروا اليهود إذ لم نسمع غلبة اليهود عليهم ولم يتفق لهم ~~ملك ودولة وملك النصارى قائم إلى قريب من قيام الساعة وعلى هذا يكون ~~الإتباع بمعنى الإدعاء في المحبة لا اتباع الدين {ثم إلي مرجعكم} الضمير ~~لعيسى ومن آمن معه ومن كفر به وغلب المخاطب ms0369 على الغائبين {فأحكم بينكم فيما ~~كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين ثم بين الحكم بقوله: # {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا} بالقتل والسبي والجزية ~~والذلة {و} أعذبهم في {الآخرة} بالنار. # فإن قيل: الحكم مرتب على الرجوع إلى الله تعالى وذلك في القيامة فكيف يصح ~~في تبيينه العذاب في الدنيا؟ أجيب: بأن المقصود التأييد من غير نظر إلى ~~الدنيا والآخرة كما في قوله: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض {وما لهم ~~من ناصرين} أي: مانعين منه. # {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم} أي: أجور أعمالهم، ~~وقرأ حفص بالياء، والباقون بالنون {وا لا يحب الظالمين} أي: لا يرحم ~~الكافرين ولا يثني عليهم بالجميل وقوله تعالى: # {ذلك} إشارة إلى ما سبق من خبر عيسى ومريم وامرأة عمران وهو مبتدأ خبره ~~{نتلوه} أي: نقصه {عليك} يا محمد وقوله تعالى: {من الآيات} خبر بعد خبر أو ~~خبر مبتدأ محذوف أو حال من الهاء {والذكر الحكيم} أي: القرآن وصف بصفة من ~~هو سببه أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. وقيل: هو اللوح المحفوظ وهو معلق ~~بالعرش من درة بيضاء. ولما قال وفد نجران للرسول صلى الله عليه وسلم مالك ~~سببت صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد قال: أجل هو عبد الله ~~ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط ~~من غير أب، نزل. # {إن مثل عيسى} أي: شأنه وحالته الغريبة {عند الله كمثل آدم} أي: كشأنه في ~~خلقه من غير أب وقوله تعالى: {خلقه} أي: آدم {من تراب} جملة مفسرة لما له ~~شبه عيسى بآدم أي: خلق آدم من تراب ولم يكن ثم أب ولا أم فكذلك حال عيسى. # فإن قيل: كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب وآدم بغير أب وأم؟ أجيب: بأن ~~مثله في أحد الطرفين ولا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيه به؛ لأن ~~المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجودا خارجا عن ~~العادة المستمرة وهما ms0370 في ذلك نظيران، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق ~~للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم ~~لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. وعن بعض العلماء أنه أسر ~~بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له قال: فآدم أولى؛ ~~لأنه لا أبوين له قالوا: كان يحيي الموتى قال فخر قيل أولى؛ لأن عيسى أحيا ~~أربعة أنفس؟ قيل ثمانية آلاف فقالوا: كان يبرىء # PageV01P221 # الأكمه والأبرص قال: فجرجيس أولى؛ لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالما. ومعنى ~~خلق آدم من تراب أي: صور جسده من تراب {ثم قال له كن} أي: أنشأه بشرا بأن ~~نفخ فيه الروح كقوله تعالى: {ثم أنشأناه خلقا آخر} (المؤمنون، 14) وقوله ~~تعالى: {فيكون} حكاية حال ماضية أي: فكان وكذلك عيسى قال له: كن من غير أب ~~فكان ويجوز أن تكون ثم لتراخي الخبر لا لتراخي المخبر عنه وقوله تعالى: # {الحق من ربك} خبر مبتدأ محذوف أي: أمر عيسى وقوله تعالى: {فلا تكن من ~~الممترين} أي: الشاكين خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره فحاشا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ممتريا. # {فمن حاجك} أي: جادلك من النصارى {فيه} أي: عيسى {من بعد ما جاءك من ~~العلم} أي: من البينات الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله {فقل} لهم ~~{تعالوا} أي: هلموا بالرأي والعزم {ندع} جزم في جواب الأمر وعلامة جزمه ~~سقوط الواو {أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أي: ليدع ~~كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وإنما قدمهم على النفس؛ لأن الرجل يخاطر ~~بنفسه لأجلهم ويحارب دونهم فنجمعهم {ثم نبتهل} أي: نتضرع في الدعاء ونبالغ ~~فيه {فنجعل لعنت الله على الكاذبين} بأن نقول: اللهم إلعن الكاذب بأمر ~~عيسى، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ~~ودعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا، فخلا ~~بعضهم ببعض وقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد ms0371 المسيح ما ترى؟ فقال: ~~والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من ~~أمر صاحبكم والله ما بأهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن ~~فعلتم لنهلكن، فإن أبيتم إلا الإقامة على دينكم وعلى ما أنتم عليه من القول ~~في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد غدا محتضنا للحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي ~~خلفها رضي الله عنها وهو صلى الله عليه وسلم يقول لهم: «إذا أنا دعوت ~~فأمنوا» فقال أسقف نجران وهو اسم سرياني لرئيس النصارى وعاملهم وهو غير ~~العاقب: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلا ~~من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى ~~يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأيت أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك ~~ونثبت على ديننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإن أبيتم المباهلة ~~فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فأبوا فقال: «إني أنابذكم» ~~فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على # أن لا تغزونا ولا تحنفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ~~ألفي حلة ألف في صفر وألف في رجب تؤديها للمسلمين وعارية ثلاثين درعا ~~وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، ~~والمسلمون ضامنون لها حتى يؤدوها، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده إن العذاب تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا ~~لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله تعالى نجران ~~وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر» ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا ~~كلهم. # وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~وعليه # PageV01P222 # مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم فاطمة ~~ثم علي ثم قال: {إنما يريد الله ms0372 ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} » (الأحزاب، ~~33) ، وفي ذلك دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم وعلى فضل أهل الكساء رضي ~~الله تعالى عنهم وعن بقية الصحابة أجمعين. # فائدة: رسمت لعنة هنا بالتاء المجرورة، ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ~~عليها بالهاء، والباقون بالتاء. # {إن هذا} أي: الذي قص عليك من نبأ عيسى {لهو القصص} أي: الخبر {الحق} ~~الذي لا شك فيه، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء من لهو ~~والباقون بالرفع حيث جاء وهو إما فصل بين اسم إن وخبرها وإما مبتدأ والقصص ~~الحق خبره والجملة خبران. # فإن قيل: لم جاز دخول اللام على الفصل؟ أجيب: بأنه إذا جاز دخولها على ~~الخبر كان دخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ وأصلها أن تدخل ~~على المبتدأ {وما من إله إلا الله} إنما صرح فيه بمن المزيدة للإستغراق ~~تأكيدا للرد على النصارى في تثليثهم {وإن الله لهو العزيز} في ملكه ~~{الحكيم} في صنعه فلا أحد يساويه في القدرة التامة والحكمة البالغة فلا ~~يشاركه في الألوهية. # {فإن تولوا} أي: أعرضوا عن الإيمان {فإن الله عليم بالمفسدين} فيجازيهم ~~وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن ~~التوحيد إفساد للدين والإعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم. # ولما قدم وفد نجران المدينة والتقوا مع اليهود واختصموا في إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وهم على دينه وأولى الناس ~~به، وقالت اليهود: بل كان يهوديا وهم على دينه وأولى الناس به، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم «كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم ~~حنيفا مسلما وأنا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام» فقالت اليهود: يا محمد ما ~~تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمد ما ~~تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير، نزل. # {قل يا أهل الكتاب} وهو يعم أهل الكتابين وهم اليهود والنصارى {تعالوا ~~إلى كلمة} العرب تسمي كل قصة لها ms0373 شرح كلمة ومنها سميت القصيدة كلمة، وقوله ~~تعالى: {سواء} مصدر بمعنى مستو أمرها لا تختلف فيها الرسل والكتب {بيننا ~~وبينكم} هو نعت الكلمة؛ لأن المصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، فإذا فتحت ~~السين مدت وإذا كسرت أو ضمت قصرت كقوله تعالى: {مكانا سوى} (طه، 58) ثم فسر ~~الكلمة بقوله: {أن لا نعبد إلا الله} أي: نوحده بالعبادة ونخلص له فيها ~~{ولا نشرك به شيئا} أي: ولا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة ولا ~~نراه أهلا؛ لأن يعبد {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} أي: ولا ~~نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من ~~التحريم والتحليل، لأنهم بشر مثلنا. # روى الترمذي لما نزل قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله} قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال: «أليس كانوا يحلون ~~لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم قال: هو ذلك» أي: أخذكم بقولهم {فإن ~~تولوا} أي: أعرضوا عن التوحيد {فقولوا} أنتم لهم {اشهدوا بأنا مسلمون} أي: ~~موحدون دونكم فقد لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا بذلك، كما يقول ~~الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو نحو ذلك: # PageV01P223 # اعترف بأني الغالب وسلم لي الغلبة. # قال البيضاوي: تنبيه: انظر ما راعى أي: الله سبحانه وتعالى في هذه القصة ~~من المبالغة والإرشاد وحسن التدرج في الحجاج أولا لأحوال عيسى وما تعاور ~~عليه من الأطوار المنافية للإلهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح أي: يزيل ~~شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم ~~لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الإنقياد عاد إليهم بالإرشاد وسلك طريقا أسهل ~~وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإنجيل وسائر الأنبياء والكتب ثم ~~لما لم يجد أي: ينفع ذلك أيضا عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم ~~أعرض عن ذلك، وقال: اشهدوا بأنا مسلمون. # {يا أهل الكتاب} وقد مر أنه يعم أهل الكتابين اليهود والنصارى {لم ~~تحاجون} أي: تخاصمون {في إبراهيم} ms0374 بزعمكم أنه على دينكم {وما أنزلت ~~التوراة} على موسى {والإنجيل} على عيسى {إلا من بعده} أي: بزمن طويل إذ كان ~~بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة وبعد نزول التوراة ~~حدثت اليهودية وبعد نزول الإنجيل حدثت النصرانية {أفلا تعقلون} بطلان قولكم ~~حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. # {ها أنتم} يا {هؤلاء} ها للتنبيه وأنتم مبتدأ خبره {حاججتم} أي: جادلتم ~~{فيما لكم به علم} من أمر موسى وعيسى وزعمتم أنكم على دينهما {فلم تحاجون ~~فيما ليس لكم به علم} من شأن إبراهيم وليس له ذكر في كتابكم {وا يعلم} ما ~~حاججتم فيه {وأنتم لا تعلمون} أي: جاهلون به، ثم قال تعالى تبرئة لإبراهيم: # {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا} أي: مائلا عن ~~الأديان كلها إلى الدين القيم {مسلما} أي: موحدا منقادا لله تعالى وليس ~~المراد أنه كان على دين الإسلام وإلا لاشترك الإلزام؛ لأنهم يقولون: ملة ~~الإسلام حدثت بعد نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وكان إبراهيم ~~قبله بمدة طويلة فكيف يكون على ملة الإسلام الحادثة بنزول القرآن، فعلم أن ~~المراد يكون إبراهيم مسلما أنه كان على ملة التوحيد لا على هذه الملة {وما ~~كان من المشركين} كما لم يكن منكم أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى ~~لإشراكهم عزيرا والمسيح. # {إن أولى الناس} أي: أحقهم {بإبراهيم} من أمته {للذين اتبعوه} من أمته ~~{وهذا النبي والذين آمنوا وا ولي المؤمنين} أي: ناصرهم وحافظهم ولما دعا ~~اليهود معاذا وحذيفة وعمارا إلى دينهم نزل. # {ودت} أي: تمنت {طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم} عن دينكم ويردونكم إلى ~~الكفر {وما يضلون إلا أنفسهم} أي: أمثالهم أو إن أثم إضلالهم عليهم ~~والمؤمنون لا يطيعونهم فيه {وما يشعرون} بذلك. # {يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت ~~على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وأنتم تشهدون} أنها آيات الله عز وجل أو ~~بالقرآن العزيز وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق. # {يأهل ms0375 الكتاب لم تلبسون الحق} أي: القرآن المشتمل على نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم {بالباطل} أي: بالتحريف والتزوير {وتكتمون الحق} أي: نعت محمد ~~صلى الله عليه وسلم {وأنتم تعلمون} أنه حق. # {وقالت طائفة من أهل الكتاب} أي: اليهود قالوا لجماعة منهم {آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا} أي: القرآن أي: أظهروا الإيمان به {وجه النهار} أي: ~~أوله وإنما سمي أوله وجها لأنه أحسنه ولأنه أول ما يرى # PageV01P224 # بعد الليل {واكفروا} به {آخره لعلهم} أي: المؤمنين {يرجعون} عن دينهم إذا ~~رأوكم رجعتم واختلف في هذه الطائفة، فقال الحسن والسدي: هي اثنا عشر من ~~يهود خيبر وقيل: قريظة تواطؤوا، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول ~~النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك ~~فظهر لنا كذبه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه واتهموه وقالوا: إنهم أهل ~~كتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم. وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: هم كعب ~~بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما تحولت القبلة وشق ذلك على ~~اليهود آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم ~~اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار وصلوا إلى الصخرة لعلهم يقولون هؤلاء ~~أهل كتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا. # {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع} أي: وافق {دينكم} أي: ولا تقروا عن تصديق قلب ~~إلا لأهل دينكم أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار إلا لمن كان على دينكم فإن ~~رجوعهم أولى وأهم فأطلع الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على ~~سرهم. # تنبيه: قال البغوي: اللام في لمن صلة أي: لا تصدقوا إلا من تبع دينكم ~~اليهودية كقوله تعالى: {عسى أن يكون ردفا لكم} (النمل، 72) أي: ردفكم {قل} ~~يا محمد {إن الهدى هدى الله} الذي هو الإسلام وما عداه ضلال وقوله تعالى: ~~{أن يؤتى} بمعنى الجحد أي: ما يؤتى {أحد مثل ما أوتيتم} يا أمة محمد {أو ~~يحاجوكم} أي: إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل منكم ms0376 وقوله ~~تعالى: {عند ربكم} أي: عند فعل ربكم بكم ذلك، وهذا معنى قول سعيد بن جبير ~~والكلبي ومقاتل والحسن وهو حسن، وقال الفراء: ويجوز أن تكون أو بمعنى حتى ~~كما يقال تعلق به أو يعطيك حقك أي: حتى يعطيك حقك ويكون معنى الآية ما أعطى ~~أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم أي ~~يوم القيامة. # وقال مجاهد قوله: {قل إن الهدى هدى الله} كلام معترض بين كلامين وما بعد ~~متصل بالكلام الأول إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض أي: ولا تؤمنوا إلا لمن ~~تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة والكتاب ~~والآيات من المن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الكرامات ولا تؤمنوا أن ~~يحاجوكم عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم، وقرأ ابن كثير وحده بهمزة واحدة، ~~وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون هدى الله بدلا من الهدى وأن يؤتى أحد خبر أن ~~على معنى قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم ~~عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم، قال: ويجوز أن ينتصب أن يؤتى ~~بفعل مضمر يدل عليه قوله: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} كأنه قيل: قل إن ~~الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأن قولهم: ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم إنكار، لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا قال تعالى: {قل ~~إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} من عباده {وا واسع} أي: كثير الفضل ~~{عليم} بمن هو أهله {يختص برحمته} أو نبوته {من يشاء وا ذو الفضل العظيم} ~~ففي ذلك رد وإبطال لما زعموه بالحجة الواضحة. # {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار} أي: بمال كثير {يؤده إليك} كعبد ~~الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية # PageV01P225 # ذهبا فأداه إليه {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} كفنحاص بن ~~عازوراء استودعه رجل آخر من قريش دينارا فجحده {إلا ما دمت ms0377 عليه قائما} أي: ~~إلا إن أودعته واسترجعته منه وأنت قائم على رأسه لم تفارقه رده إليك وإن ~~فارقته وأخرته نكل ولم يرده، وقيل: المأمون على الكثير النصارى لغلبة ~~الأمانة عليهم، والخائنون في القليل اليهود لغلبة الخيانة عليهم، وقرأ حمزة ~~وأبو عمرو وشعبة يؤده ولا يؤده إليك بإسكان الهاء فهو وصل بنية الوقف فهو ~~سكون وقف بالنية لا بالفعل وقالون باختلاس حركة الهاء، وحفص والكسائي ~~بالحركة الكاملة والألف في قنطار ودينار بالإمالة لأبي عمرو والدوري عن ~~الكسائي وورش بين بين والباقون بالفتح {ذلك} أي: ترك الأداء المدلول عليه ~~بقوله تعالى لا يؤده {بأنهم قالوا} أي: بسبب قولهم {ليس علينا في الأميين} ~~أي: العرب {سبيل} أي: إثم لاستحلالهم ظلم من خالفهم ونسبوا ذلك إلى الله ~~تعالى قالوا: لن يجعل الله لهم في التوراة حرمة فكذبهم الله عز وجل بقوله ~~عز من قائل {ويقولون على الله الكذب} أي: في نسبة ذلك إليه {وهم يعلمون} ~~أنهم كاذبون وقال الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجلا من المسلمين في ~~الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حق ولا ~~عندنا قضاء؛ لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم وادعوا أنهم ~~وجدوا ذلك في كتابهم، فكذبهم الله تعالى في ذلك. # روى الطبراني وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه «كذب أعداء ~~الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي» أي: منسوخ متروك إلا الأمانة ~~فإنها مؤداة إلى البر والفاجر أي: والديون من الأمانة؛ لأن المراد من ~~الأمانة الرضا بالذمة وقوله تعالى: # {بلى} إثبات لما نفوه أي: بلى على اليهود في الأميين سبيل ثم ابتدأ فقال: ~~{من أوفى بعهده} أي: ولكن من أوفى بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأداء الأمانة {واتقى} الله بترك ~~المعاصي وفعل الطاعات {فإن الله يحب المتقين} فيه وضع الظاهر موضع المضمر ~~أي: يحبهم بمعنى يثيبهم. # فإن قيل: فأين الضمير الراجع من الخبر إلى من؟ أجيب: بأن ms0378 عموم المتقين ~~قام مقام رجوع الضمير. # ونزل في أحبار من اليهود حرفوا التوراة وبدلوا نعت محمد صلى الله عليه ~~وسلم وحكم الأمانة وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة. # {إن الذين يشترون} أي: يستبدلون {بعهد الله} إليهم في الإيمان للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والوفاء بأداء الأمانة {وإيمانهم} أي: حلفهم به تعالى كاذبا ~~من قولهم: والله لنؤمنن ولننصرنه {ثمنا قليلا} من الدنيا {أولئك لا خلاق} ~~أي: لا نصيب {لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله} أي: بما يسرهم أو بشيء أصلا ~~وأن الملائكة يسألونهم يوم القيامة {ولا ينظر إليهم} أي: ولا يرحمهم {يوم ~~القيامة ولا يزكيهم} أي: ولا يثني عليهم بالجميل ولا يطهرهم من الذنوب ~~{ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد ~~اشتراها بما لم يشترها به وقيل: نزلت في جماعة من اليهود جاؤوا إلى كعب بن ~~الأشرف في سنة أصابتهم ممتارين فقال لهم: أتعلمون أن هذا الرجل رسول الله ~~قالوا: نعم قال: لقد هممت أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله خيرا كثيرا ~~فقالوا: لعله اشتبه علينا فرويدا حتى نلقاه فانطلقوا فكتبوا صفة غير صفته ~~ثم رجعوا إليه # PageV01P226 # وقالوا: لقد غلطنا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا ففرح ومارهم، وعن الأشعث ~~بن قيس: «نزلت في كان بيني وبين رجل خصومة في بئر وأرض، فاختصمنا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: شاهداك أو يمينه فقلت: إذا يحلف ولا يبالي ~~فقال: من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه ~~غضبان فأنزل الله تصديق ذلك هذه الآية» . # وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة ~~لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» ~~قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر: خابوا ~~وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف ~~الكاذب» وفي رواية المسبل إزاره، وعن أبي هريرة عن النبي ms0379 صلى الله عليه ~~وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولهم عذاب ~~أليم رجل حلف على يمين على مال مسلم فاقتطعه، ورجل حلف يمينا بعد صلاة ~~العصر أنه أعطى بسلعته أكثر مما أعطى وهو كاذب ورجل منع فضل ماء، فإن الله ~~تعالى يقول: «اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» . # أي: أهل الكتاب {لفريقا} أي: طائفة ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي ~~بن أخطب {يلوون ألسنتهم بالكتاب} أي: يقتلونها بقراءته عن المنزل إلى ما ~~حرفوه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك يقال: لوى ~~لسانه عن كذا أي: غيره {لتحسبوه} أي: المحرف المدلول عليه بقوله تعالى: ~~{يلوون} {من الكتاب} الذي أنزل الله {وما هو من الكتاب} قرأ ابن عامر وعاصم ~~بفتح السين والباقون بكسرها، وقوله تعالى: {ويقولون هو من عند الله وما هو ~~من عند الله} تأكيد لقوله {وما هو من الكتاب} وزيادة تشنيع عليهم به وبيان ~~لأنهم يزعمون ذلك تصريحا لا تعريضا أي: ليس هو نازلا من عنده. # فإن قيل: نفى الله تعالى كون التحريف من عنده وهو فعل العبد فلا يكون فعل ~~العبد مخلوقا لله تعالى وإلا لما صح نفيه عنه تعالى أجيب: بأن المنفي هو ~~الإنزال كما تقرر ولا كون التحريف غير مخلوق لله تعالى بكسب العبد وقوله ~~تعالى: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} تأكيد أيضا وتسجيل عليهم ~~بالكذب والتعمد فيه واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {ما كان} أي: ما ينبغي {لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم} أي: الفهم ~~للشريعة {والنبوة} أي: المنزلة الرفيعة بالإنباء {ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله} فقال مقاتل والضحاك: نزلت في نصارى نجران كانوا ~~يقولون: إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا فقال تعالى: {ما كان لبشر} أي: عيسى ~~{أن يؤتيه الله الكتاب} أي: الإنجيل، وقال ابن عباس وعطاء: ما كان لبشر أي: ~~محمد أن يؤتيه الله الكتاب أي: القرآن وذلك «أن أبا رافع القرظي من ms0380 اليهود ~~والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتريد أن نعبدك ~~ونتخذك ربا؟ فقال: «معاذ الله أن نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني الله ~~ولا بذلك أمرني» فنزلت. # وقيل: «قال رجل: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا ~~نسجد لك؟ قال: «ما ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم ~~واعرفوا الحق لأهله» والبشر جميع بني آدم لا واحد له من لفظه كالقوم ويوضع ~~موضع الجمع والواحد {ولكن} يقول: {كونوا ربانيين} أي: علماء عاملين منسوب ~~إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيما كما يقال رقباني # PageV01P227 # ولحياني وهو الشديد التمسك بدين الله تعالى وطاعته، وقيل: الرباني هو ~~الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقيل: الربانيون فوق الأحبار ~~والأحبار العلماء والربانيون الذين جمعوا مع العلم البصارة لسياسة الناس. ~~وعن الحسن: ربانيين علماء فقهاء، وحكي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: ~~هو الذي يربي علمه بعمله. وقال محمد بن الحنفية: يوم مات ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهم: اليوم مات رباني هذه الأمة {بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون} أي: بسبب كونكم تعلمون الكتاب وبسبب كونكم دارسين له، فإن فائدة ~~التعليم والتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد والعمل فيكتفي بذلك دليلا على ~~خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جميع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، ~~فكان مثله كمثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ويجوز أن ~~يكون معناه: تدرسونه على الناس كقوله تعالى: {لتقرأه على الناس} وفيه أن من ~~علم ودرس العلم ولم يعمل، فليس من الله في شيء وأن السبب بينه وبين الله ~~تعالى منقطع حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته. وقرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو بفتح التاء وسكون العين وفتح اللام مخففة، والباقون بضم ~~التاء وفتح العين وكسر اللام مشددة. # {ولا يأمركم} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب الراء عطفا على يقول أي: ~~البشرط والباقون برفع الراء على أنه ms0381 استئناف أي: الله {أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا} كما اتخذت الصابئة الملائكة واليهود عزيرا والنصارى عيسى ~~وقوله تعالى: {أيأمركم بالكفر} إنكار والضمير فيه للبشر أو لله على الوجهين ~~السابقين وقوله تعالى: {بعد إذ أنتم مسلمون} دليل على أن الخطاب للمسلمين ~~وهم المستأذنون على أن يسجدوا له. # {و} اذكر {إذ} أي: حين {أخذ الله ميثاق النبيين} أي: عهدهم {لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة} . # قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام من لما فتكون متعلقة بأخذ، والباقون بالفتح ~~على الإبتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق، وما موصولة على ~~الوجهين أي: للذي آتيتكموه لتؤمنن به، وقرأ نافع: آتيناكم بالنون مفتوحة ~~بعد الياء بعدها ألف، والباقون بتاء مضمومة {ثم جاءكم} تقدم أن حمزة وابن ~~ذكوان يميلان الألف محضة، والباقون بالفتح {رسول مصدق لما معكم} من الكتاب ~~والحكمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {لتؤمنن به ولتنصرنه} ~~جواب القسم أي: إن أدركتموه وأممهم تبع لهم في ذلك. وقيل: المراد أولاد ~~النبيين على حذف المضاف وهم بنو إسرائيل أو سماهم نبيين تهكما لأنهم كانوا ~~يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد؛ لأنا أهل كتاب والنبيون كانوا منا {قال} ~~الله تعالى لهم: {أأقررتم} بذلك قرأ قالون وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية ~~وألف بينها وبين الهمزة الأولى وابن كثير كذلك إلا أنه لا يدخل ألفا ~~بينهما، ولورش وجهان: أحدهما كابن كثير والثاني أنه يبدل الثانية حرف مد ~~ولهشام في الهمزة التحقيق والتسهيل مع دخول ألف بينهما، والباقون بتحقيق ~~الهمزتين من غير دخول ألف بينهما {وأخذتم} أي: قبلتم تقدم أن ابن كثير ~~وحفصا يظهران الذال المعجمة عند التاء من أخذتم والباقون بالإدغام {على ~~ذلكم إصري} أي: عهدي سمي به؛ لأنه مما يؤصر أي: يشد ويعقد ومنه الآصار الذي ~~يعقد به {قالوا أقررنا قال فاشهدوا} على أنفسكم وأتباعكم بذلك {وأنا معكم # PageV01P228 # من الشاهدين} عليكم وعليهم وهو توكيد وتحذير عظيم من الرجوع إذا علموا ~~بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض، وقيل: الخطاب للملائكة. # {فمن تولى} أي: أعرض {بعد ذلك} أي: ms0382 الميثاق والتوكيد بالإقرار والشهادة ~~{فأولئك الفاسقون} أي: المتمردون من الكفرة. # روي «أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكل واحد من الفريقين ادعى ~~أنه أولى به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلا الفريقين بريء من دين ~~إبراهيم» فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ دينك فنزل. # {أفغير دين الله يبغون} » وهذه الجملة معطوفة على الجملة المتقدمة وهي ~~{فأولئك هم الفاسقون} والهمزة متوسطة بينهما للإنكار ويجوز أن تعطف على ~~محذوف تقديره أيتولون فغير دين الله يبغون وقدم المفعول الذي هو غير دين ~~الله على فعله؛ لأنه أهم من حيث أن الإنكار الذي معنى الهمزة متوجه إلى ~~المعبود الباطل، وقرأ أبو عمرو وحفص بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء ~~على الخطاب على تقدير وقل لهم: {وله} سبحانه وتعالى: {أسلم} أي: خضع وانقاد ~~{من في السموات والأرض طوعا} أي: بالنظر في الأدلة واتباع الحجة والإنصاف ~~من نفسه {وكرها} بالسيف ومعاينة ما يلجىء إلى الإسلام كنتق الجبل على بني ~~إسرائيل وإدراك الغرق فرعون وقومه والإشراف على الموت لقوله تعالى: {فلما ~~رأوا بأسنا قالوا آمنا با وحده} (غافر، 84) وقال الحسن: أسلم أهل السموات ~~طوعا وأهل الأرض بعضهم طوعا وبعضهم كرها خوفا من السيف والسبي وقيل: هذا ~~يوم الميثاق حين قال: {ألست بربكم؟ قالوا: بلى} (الأعراف، 172) فقال بعضهم ~~طوعا وبعضهم كرها قال قتادة: المسلم أسلم طوعا فنفعه، والكافر كرها في وقت ~~البأس فلم ينفعه قال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} (غافر، ~~15) وانتصب طوعا وكرها على الحال بمعنى الطائعين ومكروهين {وإليه ترجعون} ~~قرأ حفص بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. # {قل} لهم يا محمد {آمنا با وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسمعيل ~~وإسحق ويعقوب والأسباط} أي: أولاده {وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم ~~لا نفرق بين أحد منهم} بالتصديق والتكذيب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يخبر عن نفسه وعمن تبعه بالإيمان، فلذلك وحد الضمير ms0383 في قل وجمعه في آمنا ~~وعلينا؛ لأن القرآن كما هو منزل عليه منزل على متابعيه بتوسط تبليغه إليهم ~~أو بأن يتكلم عن نفسه بالجمع على طريقة الملوك إجلالا له. # فإن قيل: لم عدي أنزل في هذه الآية بعلى وفيما تقدم من مثلها في سورة ~~البقرة بإلى؟ أجيب: بأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فعدي تارة ~~بإلى؛ لأنه ينتهي إلى الرسل وتارة بعلى؛ لأنه من فوق وما قيل: من أنه إنما ~~خص ما هنا بعلى وما هناك بإلى؛ لأن ما هنا خطاب للنبي وكان واصلا إليه من ~~الملأ الأعلى بلا واسطة بشرية فناسب الإتيان بعلى المختصة بالعلو، وما هناك ~~خطاب للأمة وقد وصل إليهم بواسطة النبي الذي هو من البشر فناسب الإتيان ~~بإلى المختصة بالإتصال. قال الزمخشري: فيه تعسف ألا ترى إلى قوله: {بما ~~أنزل إليك} و {أنزلنا إليك الكتاب} (النساء، 105) وإلى قوله تعالى: {آمنوا ~~بالذي أنزل على الذين آمنوا} (آل عمران، 72) . # فإن قيل: لم قدم المنزل عليه على المنزل على سائر الرسل؟ أجيب: بأنه إنما ~~قدم؛ لأن المنزل عليه هو المعرف للمنزل على سائر الرسل، ولأنه أفضل الكتب # PageV01P229 # المنزلة {ونحن له مسلمون} أي: موحدون مخلصون له في العبادة لا نجعل له ~~شريكا فيها. ونزل فيمن ارتد ولحق بالكفار وهم اثنا عشر رجلا ارتدوا عن ~~الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفارا منهم الحارث بن سويد الأنصاري. # {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} أي: غير التوحيد والإنقياد لحكم الله فهو ~~مشتمل على الإيمان بهذا التقدير ودينا تمييز مبين للإسلام والدين يشتمل على ~~التصديق والأعمال الصالحة فالإسلام كذلك؛ لأن المبين لا يخالف المبين وعلى ~~هذا حمل الإسلام على الدين في قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل ~~عمران، 199) والدين هو الوضع الإلهي السائق لكل خير {فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين} لمصيره إلى النار المؤبدة عليه وقوله تعالى: # {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} لفظه استفهام ومعناه جحد أي: لا ~~يهديهم الله لما علم من تصميمهم على ms0384 كفرهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم {و} ~~بعدما {شهدوا أن الرسول حق و} قد {جاءهم البينات} أي: الحجج الظاهرة على ~~صدق النبي صلى الله عليه وسلم {وا لا يهدي القوم الظالمين} أي: الكافرين. # {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} والمراد ~~بالناس المؤمنون أو العموم، فإن الكافر يلعن منكر الحق والمرتد عنه ولكن لا ~~يعرف الحق بعينه. # تنبيه: دلت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم المذكورين وبمفهومها ~~على نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم. قال ~~البيضاوي: ولعل الفرق أنهم أي: هؤلاء مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدي ~~مايوسون عن الرحمة بخلاف غيرهم أي: فلا يلعن الكافر الأصلي المعين حيا ولا ~~ميتا ما لا يعلم موته على الكفر، وكالأصلي المرتد وأما لعن الكافر على ~~العموم فيجوز. # {خالدين فيها} أي: اللعنة أو النار أو العقوبة المدلول باللعنة عليها {لا ~~يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} أي: يمهلون. # {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} عملهم تصديقا لتوبتهم {فإن الله ~~غفور} لهم يقبل توبتهم {رحيم} بهم يتفضل عليهم وذلك «أن الحرث بن سويد لما ~~ارتد ولحق بالكفار ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هل لي من توبة، فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية فأقبل إلى المدينة فتاب ~~وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبته» . # ونزل في اليهود. # {إن الذين كفروا} بعيسى والإنجيل {بعد إيمانهم} بموسى والتوراة {ثم ~~ازدادوا كفرا} بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقيل: كفروا بمحمد بعدما ~~آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرا بالإصرار والعناد والطعن فيه والصد عن ~~الإيمان ونقض الميثاق {لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} أي: الثابتون على ~~الضلال. # فإن قيل: قد وعد الله تعالى قبول توبة من تاب فما معنى قوله تعالى: {لن ~~تقبل توبتهم} ؟ أجيب: بأن محل القبول إذا كان قبل الغرغرة وهؤلاء توبتهم ~~كانت بعدها وإنهم لم يتوبوا أصلا فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها أو أن ~~توبتهم لا تكون إلا ms0385 نفاقا. # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء} أي: مقدار ما ~~يملؤها من {الأرض} شرقها إلى غربها {ذهبا} تغليظا في شأنهم وإبراز حالهم في ~~صورة حال الآيسين من الرحمة. # فإن قيل: لم قال في الآية الأولى لن تقبل بغير فاء وفي هذه بقوله: فلن ~~يقبل بالفاء أجيب: # PageV01P230 # بأن الفاء إنما دخلت في خبر إن لشبه الذين بالشرط وإيذانا بتسبب امتناع ~~الفدية على الموت على الكفر بخلافه في الآية الأولى لا دليل فيه على السبب ~~كما تقول: الذي جاءني له درهم لم تجعل المجيء سببا لاستحقاق الدرهم بخلاف ~~قولك: فله درهم ونصب ذهبا على التمييز كقولهم: عشرون درهما وقوله تعالى: ~~{ولو افتدى به} محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو ~~افتدى بملء الأرض ذهبا أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا لو تقرب به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة، ويجوز ~~أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله تعالى: {ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه} والمثل يحذف كثيرا في كلامهم كقوله: ضربته ضرب زيد وأبو ~~يوسف أبو حنيفة تريد مثله {أولئك لهم عذاب أليم} أي: مؤلم {وما لهم من ~~ناصرين} أي: مانعين عنهم العذاب ومن مزيدة للإستغراق. # روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله لأهون أهل ~~النار عذابا يوم القيامة: لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به ~~فيقول: نعم فيقول: أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي ~~شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي» {لن تنالوا البر} أي: لن تبلغوا حقيقة البر ~~الذي هو كمال الخير أو لن تنالوا بر الله تعالى الذي هو الرحمة والرضا ~~والجنة {حتى تنفقوا مما تحبون} من أموالكم أو ما يعمها وغيرها كبذل الجاه ~~في معاونة الناس والبدن في طاعة الله تعالى والنفس في سبيله، وقال الحسن: ~~لن تكونوا أبرارا. # روي أنه صلى ms0386 الله عليه وسلم قال: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، ~~وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند ~~الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى ~~النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» وكان ~~السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئا جعلوه لله. # روي لما نزلت هذه الآية جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي ~~إلي بيرحاء وهو بفتح الباء الموحدة وكسرها وبفتح الراء وضمها مع المد ~~والقصر ضيعة بالمدينة وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «بخ بخ ذاك مال رابح أو قال رائح وإني أرى أن ~~تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله فقسمها في أقاربه» ~~قوله صلى الله عليه وسلم بخ بخ كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرر ~~للمبالغة وهي مبنية على السكون، فإن وصلت كسرت ونونت وربما شددت وقوله: ~~رابح أو رائح يقال لضيعة الإنسان: مال رائح بالياء أي: يروح نفعه إليه ~~ورابح بالباء الموحدة أي: ذو ربح كقولك لابن وتامر أي: ذو لبن وذو تمر. # وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: هذه في سبيل الله فحمل عليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة فكأن زيدا وجد في نفسه ~~وقال: إنما أردت أن أتصدق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما إن ~~الله قد قبلها منك» وكتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري أن ~~يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما جاءت أعجبته فقال: ~~إن الله قال: # {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران، 92) # PageV01P231 # فأعتقها وقال: لولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها {وما تنفقوا من ~~شيء} أي: من ms0387 أي شيء تحبونه أو غيره ومن بيان لما {فإن الله به عليم} ~~فيجازيكم بحسبه. # ولما قالت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك تزعم أنك على ملة ~~إبراهيم، وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها فلست أنت ~~على ملته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «كان ذلك حلالا لإبراهيم» فقالوا: ~~كل ما نحرمه اليوم كان حراما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا» نزل. # {كل الطعام} أي: المطعومات أو كل أنواع الطعام {كان حلا} أي: حلالا أكله ~~{لبني إسرائيل} والحل مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والمفرد ~~والجمع قال تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} (الممتحنة، 10) {إلا ما ~~حرم إسرائيل} وهو يعقوب صلى الله عليه وسلم {على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة} أي: ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على ~~إبراهيم بل كان الكل حلالا له ولبني إسرائيل وإنما حرمها إسرائيل على نفسه ~~قبل نزول التوراة فليس في التوراة حرمتها. واختلفوا في الطعام الذي حرمه ~~إسرائيل على نفسه وفي سببه، فقال مقاتل والكلبي: كان ذلك الطعام لحمان ~~الإبل وألبانها وسبب ذلك أنه مرض مرضا شديدا وطال سقمه فنذر لئن عافاه الله ~~من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه وكان ذلك أحب إليه فحرمه، وقال ابن ~~عباس والضحاك: هي العروق وسبب ذلك أنه اشتكى عرق النسا وهو بفتح النون ~~والقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ وكان أصل وجعه أنه كان نذر إن وهبه ~~الله اثني عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم فتلقاه ملك من ~~الملائكة فقال: يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع فعالجه فلم يصرع ~~واحد منهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا ثم قال له: أما إني ~~لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة؛ لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت ~~المقدس صحيحا ذبحت ولدك فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجا فكان لا ~~ينام بالليل من الوجع ms0388 فحلف يعقوب لئن عافاه الله تعالى أن لا يأكل عرقا ولا ~~طعاما فيه عرق، فحرمه على نفسه وكان بنوه بعد ذلك يتتبعون العروق يخرجونها ~~من اللحم. # وقال ابن عباس: لما أصاب يعقوب عرق النسا وصف له الأطباء أن يجتنب لحمان ~~الإبل فحرمها يعقوب على نفسه، ثم اختلفوا في حال هذا الطعام المحرم على بني ~~إسرائيل بعد نزول التوراة فقال السدي: حرم الله عليهم في التوراة ما كانوا ~~يحرمونه قبل نزولها. وقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك حراما عليهم وإنما ~~حرموا على أنفسهم اتباعا لأبيهم ثم أضافوا تحريمه إلى الله عز وجل وأكذبهم ~~الله تعالى فقال تعالى: {قل} لهم يا محمد {فأتوا بالتوراة فاتلوها} ليتبين ~~صدق قولكم {إن كنتم صادقين} فيه فبهتوا ولم يأتوا بها وفي إخباره صلى الله ~~عليه وسلم عما في التوراة دليل على نبوته قال الله تعالى: # {فمن افترى} أي: ابتدع {على الله الكذب من بعد ذلك} أي: ظهور الحجة بأن ~~التحريم إنما كان من جهة يعقوب لا على عهد إبراهيم {فأولئك هم الظالمون} ~~أي: المتجاوزون الحق إلى الباطل وقوله تعالى: # {قل} أي: لهم {صدق الله} تعريض بكذبهم أي: ثبت أن الله صادق في هذا كجميع ~~ما أخبر به وأنتم الكاذبون {فاتبعوا ملة إبراهيم} أي: ملة الإسلام التي أنا ~~عليها التي هي في الأصل ملة # PageV01P232 # إبراهيم حتى تخلصوا من اليهودية التي وطنتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث ~~اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله تعالى لتسوية أغراضكم وألزمتكم تحريم الطيبات ~~التي أحلها الله تعالى لإبراهيم عليه السلام ومن تبعه {حنيفا} أي: مائلا عن ~~كل دين إلى دين الإسلام وقوله تعالى: {وما كان من المشركين} فيه إشارة إلى ~~أن اتباع إبراهيم صلى الله عليه وسلم واجب في التوحيد الصرف، والاستقامة في ~~الدين والتجنب عن الإفراط وهو تحريف التوراة وعن التفريط وهو ترك العمل ~~وفيه إشارة إلى التعريض بشرك اليهود.d # ولما قالت اليهود للمسلمين: بيت المقدس قبلتنا وهو أفضل من الكعبة وأقدم ~~وهو مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل نزل. ms0389 # {إن أول بيت وضع للناس} أي: جعله الله متعبدا لهم وهو أول بيت ظهر على ~~وجه الماء عند خلق السماء والأرض خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكان ~~زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض تحته بناه الملائكة قبل خلق آدم ووضع ~~بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين. ولما أهبط آدم قالت ~~له الملائكة: طف حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام وقيل: أول من بناه ~~آدم فانطمس في الطوفان ثم بناه إبراهيم وقيل: كان في موضعه قبل آدم بيت ~~يقال له الضراح بضاد معجمة وحاء مهملة سمي بذلك؛ لأنه ضرح من الأرض أي: بعد ~~ويطوف به الملائكة، فلما أهبط أمر بأن يحجه ويطوف حوله، ورفع في الطوفان ~~إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات. # قال البيضاوي: وهذا القول لا يلائم ظاهر الآية وقيل: أول من بناه إبراهيم ~~ثم هدم فبناه قوم من جرهم ثم العمالقة ثم قريش {للذي} أي: للبيت الذي ~~{ببكة} بالباء لغة في مكة سميت بذلك؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة أي: تدقها ~~فلم يرمها جبار بسوء إلا وقسمه الله وسميت مكة بالميم لقلة مائها من قول ~~العرب: مك الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وتدعى أم ~~رحم؛ لأن الرحمة تنزل بها وقوله تعالى: {مباركا} حال من الذي أي: ذا بركة ~~لأنه كثير الخير والنفع لما يحصل لمن حجوا واعتمره واعتكف عنده أو طاف حوله ~~من الثواب وتكفير الذنوب {وهدى للعالمين} لأنه قبلتهم ومتعبدهم ولأن فيه ~~آيات عجيبة كما قال تعالى: # {فيه آيات بينات} كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار فلا ~~تعلو فوقه وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرض لها، وإذا ~~قصدت الجارحة صيدا فدخلت الحرم كفت عنه وأنه بلد صار إليه الأنبياء ~~والمرسلون والأولياء والأبرار، وإن الصلاة فيه تضاعف بمائة ألف وإن كان ~~جبار قصده بسوء قهره الله تعالى كأصحاب الفيل، وجملة فيه آيات بينات مفسرة ~~لهدى أو حال كمباركا وهدى وقوله ms0390 تعالى: {مقام إبراهيم} مبتدأ حذف خبره أي: ~~منها مقام إبراهيم أو خبر مبتدأ محذوف أي: أحدها أو بدل من آيات بدل بعض من ~~كل وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكان أثر قدميه ~~فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي ولعل الذي اندرس بعضه فإني رأيت أثر ~~القدمين فيه، وفي هذا دلالة على قدرة الله تعالى وبنوة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام؛ لأن تأثير القدم في الصخرة الصماء وغوصه فيها إلى الكعبين، ولأنه ~~بعض الصخرة دون بعض وإبقاءه دون سائر آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~وحفظه # PageV01P233 # مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنين معجزة ~~عظيمة، واختلف في سبب هذا الأثر على قولين: أحدهما أنه لما ارتفع بنيان ~~الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر، فغاصت به قدماه ~~وهذا هو المشهور، والقول الثاني أنه لما جاز إبراهيم من الشام إلى مكة قالت ~~له امرأة إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته ~~على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر ~~حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه. قال البيضاوي: وقيل عطف بيان ورد ~~هذا القول بأن آيات نكرة ومقام إبراهيم معرفة ولا يجوز التخالف في عطف ~~البيان بإجماع البصريين والكوفيين وقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} جملة ~~ابتدائية أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام لأنه في معنى أمن من دخله ~~أي: ومنها أمن من دخله وذلك بدعوة # إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {رب اجعل هذا البلد آمنا} (إبراهيم، 35) ، ~~وفي الإقتصار على ذكر هاتين الآيتين وطي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات ~~كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما، ونحوه ~~في طي الذكر قول جرير: # *كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت ~~قرة عيني في الصلاة، والأمن من العذاب يوم القيامة» قال عليه ms0391 الصلاة ~~والسلام: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا» رواه أبو داود ~~والدارقطني وغيرهما. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الحجون والبقيع يؤخذا بأطرافهما ~~وينثران في الجنة» والحجون مقبرة مكة والبقيع مقبرة المدينة. وعند الإمام ~~أبي حنيفة رحمه الله تعالى: من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما لم يتعرض ~~له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج ~~فيقتل، وكان عمر بن الخطاب يقول: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى ~~يخرج منه، وعند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لا يلجأ إلى الخروج بل ~~يقتل للأمر في خبر الشيخين بقتل ابن خطل وقد كان ارتد وتعلق بأستار الكعبة ~~وأما قوله: ومن دخله كان آمنا وخبر من دخل المسجد فهو آمن فمعناه جمعا بين ~~الأدلة أن من دخله بغير استحقاق قتل كان آمنا، ومن دخله بعد استحقاق قتل ~~قتل، وأما إذا ارتكب الجريمة في الحرم فيستوفى منه بالإتفاق {وعلى الناس حج ~~البيت} أي: قصده للزيارة على وجه مخصوص وهو أحد أركان الإسلام، قال صلى ~~الله عليه وسلم «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» وقرأ حفص وحمزة ~~والكسائي بكسر الحاء وهي لغة نجد وقرأ الباقون بالفتح وهي لغة أهل الحجاز ~~وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد وقوله تعالى: {من استطاع إليه} أي: الحج ~~أو البيت {سبيلا} أي: طريقا بدل من الناس مخصص له «وفسر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الإستطاعة بالزاد والراحلة» رواه الحاكم وغيره {ومن كفر} أي: بما ~~فرضه الله من الحج أو كفر بالله {فإن الله غني عن العالمين} أي: الإنس ~~والجن والملائكة وعن عبادتهم وقيل: وضع كفر موضع لم يحج تأكيدا لوجوبه ~~وتشديدا على تاركه # PageV01P234 # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ~~ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» رواه الترمذي وضعفه ونحوه في ms0392 ~~التغليظ: «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر» . # تنبيه: في هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد على طلب الحج منها قوله ~~تعالى: {وعلى الناس حج البيت} أي: أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون ~~عن أدائه والخروج عن عهدته ومنها أنه ذكر الناس ثم أنه أبدل منه من استطاع ~~إليه سبيلا وفيه ضربان من التوكيد: أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير ~~له، والثاني أن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في ~~صورتين مختلفتين ومنها ذكر الإستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط ~~والخذلان ومنها قوله: عن العالمين ولم يقل عنه وفيه من الدلالة على ~~الإستغناء عنه ببرهان؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الإستغناء لا ~~محالة ولأنه يدل على الإستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط الذي وقع ~~عبارة عنه وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود فإنهم قالوا: الحج إلى مكة ~~غير واجب. # وروي أنه لما نزل قوله تعالى: {وعلى الناس حج البيت} جمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: «إن الله تعالى كتب عليكم ~~الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل وهم المشركون ~~واليهود والنصارى والصابئون والمجوس، قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا ~~نحجه فنزل: ومن كفر إلخ» . وعنه صلى الله عليه وسلم «حجوا قبل أن لا تحجوا ~~فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة» . # وروي: «حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه» ، وعن ابن ~~مسعود رضي الله تعالى عنه: «حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا ~~تأكل منها دابة إلا نفقت» أي: ماتت. # {قل يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} الدالة على صدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل ~~على أن كفرهم أقبح وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم ~~كافرون بهما {وا شهيد} أي: والحال إن الله تعالى شهيد {على ما تعملون} ms0393 ~~فيجازيكم عليه {قل يأهل الكتاب لم تصدون} أي: تصرفون {عن سبيل الله} أي: ~~دينه الحق المأمور بسلوكه وهو الإسلام {من آمن} بتكذيبكم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكتمكم نعته، وكانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون في صدهم عن دين ~~الله ويمنعون من أراد الدخول فيه جهدهم وقيل: أتت اليهود الأوس والخزرج ~~فذكروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العدوان والحروب ليعودوا لمثله، وإنما ~~كرر الخطاب والإستفهام مبالغة في التوبيخ ونفي العذر لهم وإشعارا بأن كل ~~واحد من الأمرين مستقبح في نفسه مستقل باستجلاب العذاب وقوله تعالى: ~~{تبغونها} أي: السبيل {عوجا} حال من الواو أي: باغين طالبين لها اعوجاجا ~~أي: ميلا عن القصد والإستقامة بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أن في دين ~~الإسلام عوجا عن الحق بمنع النسخ وبتغيير صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحوهما. # فائدة: قال أبو عبيدة: العوج بالكسر في الدين والقول والعمل وبالفتح في ~~الجدار وكل شخص قائم {وأنتم شهداء} أي: عالمون بأن الدين المرضي هو دين ~~الإسلام كما في كتابكم {وما الله بغافل عما تعملون} من الكفر # PageV01P235 # والتكذيب وإنما يؤخركم لوقتكم فيجازيكم. # فإن قيل: لم ختمت الآية الأولى بقوله تعالى: {وا شهيد على ما تعملون} ~~وهذه الآية بقوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} ؟ أجيب: بأنه لما كان ~~المنكر في الآية الأولى كفرهم وهم يجهرون به ختمها بقوله تعالى: {وا شهيد ~~على ما تعملون} ولما كان في هذه الآية صدهم المؤمنين عن الإسلام كانوا ~~يخفونه ويحتالون فيه قال: {وما الله بغافل عما تعملون} . # ولما مر شاس بن قيس اليهودي وكان شيخا عظيم الكفر شديد الطعن على ~~المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مسجد لهم ~~يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من ~~العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شابا من اليهود أن ~~يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وهو موضع بالمدينة وينشدهم بعض ما قيل فيه من ~~الأشعار وكان يوما اقتتلت فيه الأوس ms0394 والخزرج وكان الظفر فيه للأوس ففعل ~~فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال: ~~«أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ كرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم ~~أمر الجاهلية وألف به بينكم؟» فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من ~~عدوهم فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سامعين مطيعين» نزل. # {يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب} أي: شاسا ~~وأصحابه {يردوكم بعد إيمانكم كافرين} قال جابر: ما رأيت يوما قط أقبح أولا ~~وأحسن آخرا مثل ذلك اليوم، ثم قال الله تعالى على وجه التعجب والتوبيخ. # {وكيف تكفرون} أي: ولم تكفرون {وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} ~~محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال إن آيات ~~الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم غضة ~~طرية وبين أظهركم رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم ~~{ومن يعتصم با} أي: ومن يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في مجامع أموره {فقد ~~هدى} أي: فقد حصل له الهدى لا محالة كما تقول: إذا جئت فلانا فقد أفلحت كان ~~الهدي قد حصل فهو يخبر عنه حاصلا ومعنى التوقع في قد ظاهر لأن المعتصم ~~بالله متوقع للهدي كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده {إلى صراط} أي: ~~طريق {مستقيم} أي: واضح. # {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} أي: واجب تقواه وما يحق منها ~~وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم. وقال ابن مسعود: بأن يطاع فلا يعصى ~~ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى. # وروي مرفوعا لما نزلت هذه الآية «قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا ~~رسول الله من يقوى على هذا؟ فنسخ بقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} . ~~وقال مقاتل: ليس في آل عمران منسوخ إلا هذه الآية {ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} أي: ms0395 موحدون والمعنى: لا تكونن على حال سوى حالة الإسلام إذا أدرككم ~~الموت، فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات إلى القيل تارة ~~وإلى المقيد أخرى وإلى المجموع منهما وهو هنا إلى المقيد كما تقول لمن ~~تستعين به على لقاء العدو ولا تأتني إلا وأنت على حصان بكسر الحاء فلا تناه ~~عن الإتيان # PageV01P236 # ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان، فالنهي هما ~~متوجه إلى القيد وحده، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، الآية ~~فلو أن قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم فكيف ~~بمن هو طعامهم وليس لهم طعام غيره» . # {واعتصموا بحبل الله} أي: بدينه وهو دين الإسلام استعار له الحبل من حيث ~~إن التمسك به سبب للنجاة من الردى كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة من ~~التردي أو بكتابه وهو القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم «القرآن حبل الله ~~المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به ~~رشد ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» وقوله تعالى: {جميعا} حال أي: ~~مجتمعين عليه {ولا تفرقوا} أي: ولا تتفرقوا بعد الإسلام بوقوع الإختلاف ~~بينكم كأهل الكتاب أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم ~~بعضا ويحاربه. # {واذكروا نعمة الله} أي: إنعامه {عليكم} التي من جملتها الهداية والتوفيق ~~للإسلام المؤدي إلى التآلف {إذ كنتم أعداء} في الجاهلية بينكم الإحن ~~والعداوات والحروب المتواصلة {فألف بين قلوبكم} بالإسلام وقذف فيها المحبة ~~{فأصبحتم بنعمته إخوانا} متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد وهو ~~الأخوة في الله وقيل: هم الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم فوقعت بينهما ~~العداوة بسبب قتيل وتطاولت الحروب والعداوة بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن ~~أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم {وكنتم ~~على شفى} أي: طرف {حفرة من النار} أي: حفرة ms0396 ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا ~~أن تموتوا كفارا {فأنقذكم منها} بالإسلام والضمير للحفرة أو النار أو الشفى ~~وأنثه لتأنيث ما أضيف إليه كقول الشاعر: # *كما شرقت صدر القناة من الدم* # {كذلك} أي: مثل ذلك البيان البليغ {يبين الله لكم آياته} أي: دلائله ~~{لعلكم تهتدون} إرادة أن تزدادوا هدى. # {ولتكن منكم أمة} أي: طائفة {يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر} فمن للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض ~~الكفايات ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر ~~في إقامته وكيف يباشره، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر وقد يغلظ ~~في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وعلى هذا فالمخاطب به الكل على الأصح ~~ويسقط بفعل البعض الحرج عن الباقين وهكذا كل ما هو فرض كفاية، فإن تركوه ~~أصلا أثموا جميعا وقيل: من زائدة وقيل: للتبيين بمعنى وكونوا أمة تأمرون ~~بالمعروف كقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} ~~{وأولئك} أي: الداعون الآمرون الناهون {هم المفلحون} أي: الفائزون بكمال ~~الفلاح. # روى الإمام أحمد وغيره «أنه صلى الله عليه وسلم سئل وهو على المنبر: من ~~خير الناس؟ قال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم ~~للرحم» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو ~~خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن ~~لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي # PageV01P237 # بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم ~~عذابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم» . # وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: أيها الناس إنكم تقرؤون ~~هذه الآية {يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} ~~(المائدة، 105) وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ms0397 الناس ~~إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعذابه» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المداهن في حدود الله والواقع ~~فيها كمثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها ~~فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذي في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأسا ~~فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك فقال: تأذيتم بي ولا بد لي من ~~الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا ~~أنفسهم» وعن حذيفة: يأتي على الناس زمان يكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم ~~من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وعن سفيان الثوري: إذا كان ~~الرجل محببا في جيرانه محمودا عند إخوانه فاعلم أنه مداهن. والأمر بالمعروف ~~تابع للمأمور به إن كان واجبا فواجب، وإن كان مندوبا فمندوب، وأما النهي عن ~~المنكر أي: الحرام فواجب كله لأن جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح ~~والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه؛ لأنه يجب عليه تركه ~~وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. وعن السلف مروا بالخير وإن لم ~~تفعلوا وإنما يجب الأمر والنهي على المكلف إذا لم يخش ضررا ويجب أن يدفع ~~بالأخف فالأخف كدفع الصائل. # فإن قيل: الدعاء للخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك فهو شامل ~~للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما فائدة ذكر ذلك؟ أجيب: بأنه من عطف ~~الخاص على العام إيذانا بفضله كقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى} (البقرة، 238) # {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} عن دينهم {واختلفوا} فيه وهم اليهود والنصارى ~~{من بعدما جاءهم البينات} أي: الآيات والحجج الموجبة للإتفاق على كلمة ~~واحدة وهي كلمة الحق، وقيل: هم مبتدعة هذه الأمة وهم المشبهة والجبرية ~~والحشوية وأشباههم وقوله تعالى: {وأولئك لهم عذاب عظيم} وعيد للذين تفرقوا ~~وتهديد للمتشبه بهم. # {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} هو يوم القيامة ونصب يوم بالظرف وهو لهم لما ~~فيه من معنى الفعل أو بإضمار اذكروا والبياض من النور والسواد من الظلمة ~~فمن كان ms0398 من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته ~~وأشرقت وسعى النور بين يديه ويمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد ~~اللون وكسوفه واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب نعوذ بالله ~~وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله {فأما الذين اسودت وجوههم} فهم الكافرون ~~فيلقون في النار ويقال لهم توبيخا {أكفرتم بعد إيمانكم} واختلفوا في كيف ~~كفروا بعد إيمانهم فقال أبي بن كعب: أراد به الإيمان يوم الميثاق حين قال ~~لهم: {ألست بربكم؟ قالوا: بلى} (الأعراف، 72) يقول: أكفرتم بعد إيمانكم يوم ~~الميثاق؟ وعلى هذا هم جميع الكفرة وقال الحسن: هم المنافقون تكلموا ~~بالإيمان بألسنتهم وأنكروا بقلوبهم. وعن عكرمة أنهم أهل الكتابين آمنوا ~~بأنبيائهم وبمحمد صلى # PageV01P238 # الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به. وقال قتادة: هم أهل ~~البدع. وقال أبو أسامة: هم الخوارج، ولما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ثم ~~قال كلاب: أهل النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء وخير قتلى تحت أديم ~~الأرض الذين قتلهم هؤلاء، فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غير مرة قال: فما شأنك دمعت عيناك قال: رحمة لهم كانوا من أهل ~~الإسلام فكفروا ثم قرأ هذه الآية ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيرا ~~فأعاذك الله تعالى منهم وقوله تعالى: {فذوقوا العذاب} أمر إهانة {بما كنتم ~~تكفرون} أي: بسبب كفركم أو جزاء كفركم فالباء متعلقة بذوقوا على الأول ~~وبمحذوف على الثاني. # {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله} أي: جنته عبر عنها بالرحمة ~~تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى لا يدخل الجنة ~~إلا برحمته وفضله. # فإن قيل: كان حق الترتيب أن يقدم ذكرهم أجيب: بأن القصد أن يكون مطلع ~~الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم. # فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {هم فيها خالدون} بعد قوله {ففي رحمة ~~الله} ms0399 أجيب: بأن فائدته أنه أخرج مخرج الإستئناف والتأكيد كأنه قيل: كيف ~~يكونون فيها؟ فقال: هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون. # {تلك} أي: هذه الآيات الواردة في الوعد والوعيد {آيات الله نتلوها عليك} ~~يا محمد {بالحق} أي: متلبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء {وما الله ~~يريد ظلما للعالمين} إذ يستحيل الظلم منه تعالى؛ لأنه لا يجب عليه شيء بل ~~هو المالك على الإطلاق كما قال تعالى: # {ولله ما في السموات وما في الأرض} ملكا وخلقا {وإلى الله ترجع} أي: تصير ~~{الأمور} فيجازي كلا بما وعد له وأوعد. # {كنتم} يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم في علم الله تعالى {خير أمة ~~أخرجت} أي: أظهرت {للناس} وقيل: كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة ~~موصوفين به. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي ~~خيرها وأكرمها على الله تعالى» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير ~~أم آخره» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى ~~أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون من ~~هذه الأمة» وقوله تعالى: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} استئناف بين ~~به كونهم خير أمة كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم أو ~~خبر ثان لكنتم وقوله تعالى: {وتؤمنون با} يتضمن الإيمان بكل ما يجب أن يؤمن ~~به؛ لأن من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو ~~عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتد بإيمانه فكأنه غير مؤمن بالله. # فإن قيل: لم أخر تؤمنون بالله وحقه أن يقدم؟ أجيب: بأنه إنما أخر؛ لأنه ~~قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيمانا بالله ~~تعالى وتصديقا به وإظهارا لدينه. # تنبيه: استدل بهذه الآية على أن إجماع هذه الأمة ms0400 حجة؛ لأنها تقتضي كونهم ~~آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر إذ اللام فيها للإستغراق فلو أجمعوا على ~~باطل كتحريم شيء هو في نفس الأمر معروف كان أمرهم على خلاف ذلك {ولو آمن # PageV01P239 # أهل الكتاب} بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم {لكان} الإيمان {خيرا لهم} ~~مما هم عليه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة واستتباع ~~العوام {منهم المؤمنون} كعبد الله بن سلام وأصحابه {وأكثرهم الفاسقون} أي: ~~المتمردون في الكفر. # {لن يضروكم} أي: اليهود يا معشر المسلمين بشيء {إلا أذى} أي: ضررا يسيرا ~~كسب وطعن في الدين وتهديد ونحو ذلك {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} منهزمين ~~ولا يضروكم بقتل أو أسر {ثم لا ينصرون} عليكم بل لكم النصر عليهم. وفي هذا ~~تثبيت لمن أسلم منهم؛ لأنهم كانوا يؤذونهم بأنهم لا يقدرون أن يتجاوزوا ~~الأذى إلى ضرر يبالي به مع أنه تعالى وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم ~~وأن عاقبة أمرهم الخذلان والذل. # فإن قيل: هلا جزم المعطوف في قوله: {ثم لا ينصرون} ؟ أجيب: بأنه عدل به ~~عن حكم الجزاء؛ إلى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون ~~والفرق بين رفعه وجزمه في المعنى أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيدا ~~بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا كأنه قال: ثم ~~شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها أو أبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون ~~منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر كما أخبر ~~عن حال بني قريظة والنضير ويهود خيبر. # فإن قيل: ما معنى التراخي في ثم أجيب: بأن معناه التراخي في الرتبة؛ لأن ~~الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار. # {ضربت عليهم الذلة} أي: هدر النفس والمال والأهل أو ذل التمسك بالباطل ~~والجزية {أينما ثقفوا} أي: حيثما وجدوا فلا عز لهم ولا اعتصام في سائر ~~أحوالهم {إلا} في حال اعتصامهم {بحبل من الله} أي: بذمة الله أو كتابه ~~{وحبل من الناس} أي: بذمة المسلمين أو بدين الإسلام واتباع ms0401 سبيل المؤمنين ~~أي: لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوا من ~~الجزية أو دين الإسلام {وباؤا} أي: رجعوا {بغضب من الله} أي: مستوجبين له ~~{وضربت عليهم المسكنة} كما يضرب البيت على أهله فهم ساكنون في المسكنة غير ~~ظاعنين عنها يظهرون الفقر والمسكنة. وفسر أكثر المفسرين المسكنة بالجزية ~~وهم اليهود عليهم لعنة الله وغضبه قال البيضاوي: واليهود في غالب الأمر ~~فقراء مساكين اه. {ذلك} أي: ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب كائن {بأنهم} ~~أي: بسبب أنهم {كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك} أي: ~~الكفر والقتل {بما عصوا وكانوا يعتدون} أي: كائن بسبب عصيانهم واعتدائهم ~~حدود الله تعالى فإن الإصرار على الصغائر يقضي إلى الكبائر والإصرار على ~~الكبائر يقضي إلى الكفر والعياذ بالله تعالى. # {ليسوا} أي: أهل الكتاب {سواء} أي: مستوين، وقوله تعالى: {من أهل الكتاب ~~أمة قائمة} أي: مستقيمة ثابتة على الحق استئناف لبيان نفي الإستواء وهم ~~الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وأصحابه. قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: لما أسلم عبد الله بن سلام قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا ~~أشرارنا ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله هذه الآية {يتلون آيات ~~الله} أي: يقرؤون كتاب الله {آناء الليل} أي: في ساعاته وقوله تعالى: {وهم ~~يسجدون} حال أي: يصلون؛ لأن التلاوة لا تكون في السجود، واختلفوا في معناها ~~فقال # PageV01P240 # بعضهم: هي قيام الليل. وقال ابن مسعود: هي صلاة العتمة؛ لأن أهل الكتاب ~~لا يصلونها لما روي: «أنه عليه الصلاة والسلام أخرها ثم خرج إلى المسجد، ~~فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: أما إنه أي: الشأن ليس من أهل الأديان أحد ~~يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم» رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما ~~وقوله: غيركم بالنصب خبر ليس ومن أهل الأديان حال من أحد قاله التفتازاني. ~~ثم وصف الله تعالى تلك الأمة القائمة بصفات أخر فقال: # {يؤمنون با واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في ~~الخيرات وأولئك} أي: الموصوفون ms0402 بما ذكر {من الصالحين} أي: ممن صلحت أحوالهم ~~عند الله واستحقوا رضاه وثناه أي: والأمة الأخرى غير قائمة بل منحرفون عن ~~الحق غير متعبدين بالليل مشركون بالله ملحدون في صفاته واصفون لليوم الآخر ~~بغير صفته متباطئون عن الخيرات فترك هذه اكتفاء بذكر أحد الفريقين. # {وما تفعلوا من خير فلن تكفروه} أي: تعدموا ثوابه بل تجازون عليه، وقرأ ~~حفص وحمزة والكسائي بالياء فيهما أي: الأمة القائمة والباقون بالتاء على ~~الخطاب أي: أيها الأمة القائمة وقوله تعالى: {وا عليم بالمتقين} بشارة لهم ~~وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير وحسن العمل وأن الفائز عند الله هو أهل ~~التقوى. # {إن الذين كفروا لن تغني} أي: تدفع {عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله} ~~أي: من عذابه {شيئا} وخص الأموال والأولاد بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه ~~تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد {وأولئك أصحاب النار} أي: ~~ملازموها {هم فيها خالدون مثل} أي: صفة. # {ما ينفقون} أي: الكفار {في هذه الحياة الدنيا} في عداوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ونحوها {كمثل ريح فيها صر} قال أكثر المفسرين: فيها برد شديد ~~وحكي عن ابن عباس أنها السموم الحارة التي تقتل وقيل: فيها صر أي: صوت ~~{أصابت حرث} أي: زرع {قوم ظلموا أنفسهم} بالكفر والمعاصي {فأهلكته} عقوبة ~~لهم؛ لأن الإهلاك عن سخط أشد وأبلغ والمعنى مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ~~ريح الزرع فلم ينتفعوا به فكذلك نفقة هؤلاء ذاهبة لا ينتفعون بها {وما ~~ظلمهم الله} بضياع نفقاتهم {ولكن أنفسهم يظلمون} بالكفر الموجب لضياعها ~~ويجوز أن يعود الضمير لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم أي: وما ظلمهم الله ~~تعالى بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة} أي: أصفياء تطلعونهم على سركم ثقة ~~بهم شبهوا ببطانة الثوب كما شبهوا بالشعار قال عليه الصلاة والسلام: ~~«الأنصار شعار والناس دثار» رواه الشيخان والشعار ما يلي الجسد والدثار ~~فوقه وقوله تعالى: {من دونكم} أي: من دون المسلمين متعلق بلا تتخذوا أو ~~بمحذوف هو صفة بطانة ms0403 أي: كائنة من دونكم أي: غيركم من الكفار المنافقين {لا ~~يألونكم خبالا} أي: لا يقصرون لكم في الفساد والألو التقصير وأصله أن يعدى ~~بالحرف وعدي إلى مفعولين كقولهم: لا آلوك نصحا على تضمين معنى المنع أو ~~النقص والمعنى لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه {ودوا} أي: تمنوا {ما عنتم} أي: ~~عنتكم وهو شدة الضرر وما مصدرية أي: تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد ~~الضرر وأبلغه {قد بدت} أي: ظهرت {البغضاء من أفواههم} أي: في كلامهم ~~بالوقيعة فيكم وإطلاع المشركين # PageV01P241 # على سركم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم، وعن قتادة: قد بدت البغضاء ~~لأوليائهم من المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم بعضا على ذلك {وما تخفي ~~صدورهم} من العداوة والغيظ {أكبر} أي: أعظم مما بدا؛ لأن بدوه ليس عن روية ~~واختيار {قد بينا لكم الآيات} الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة ~~المؤمنين ومعاداة الكافرين {إن كنتم تعقلون} ما بين لكم فلا توالوهم. # فإن قيل: كيف موقع هذه الجمل وهي لا يألونكم وودوا ما عنتم وقد بدت ~~البغضاء وقد بينا لكم الآيات أجيب: بأنها مستأنفات على وجه التعليل بمعنى ~~إن كلا علة للنهي عن اتخاذهم بطانة. # {ها أنتم أولاء} ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين وأولاء اسم للمشار إليهم ~~وهم المؤمنون وقوله تعالى: {تحبونهم} أي: هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن ~~مباطنتهم للأسباب التي منكم من القرابة والرضاع والمصاهرة {ولا يحبونكم} ~~لمخالفتهم لكم في الدين بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل ~~البغضاء {وتؤمنون بالكتاب كله} أي: بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم، وفي ~~هذا توبيخ شديد للمؤمنين بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم ونحو هذا قوله ~~تعالى: {فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} (النساء، ~~104) . # {وإذا لقوكم قالوا آمنا} أي: نفاقا وتغريرا {وإذا خلوا} أي: خلا بعضهم ~~ببعض {عضوا عليكم الأنامل} أي: أطراف الأصابع {من الغيظ} أي: شدة الغضب لما ~~يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ويعبر عن شدة الغضب بعض الأنامل ~~مجازا، وإن لم يكن ثم عض فيوصف المغتاظ ms0404 والنادم بعض الأنامل والبنان ~~والإبهام. قال الحارث بن ظالم المري: # *فأقتل أقواما لئاما أذلة ... يعضون من غيظ رؤوس الأباهم* # {قل موتوا بغيظكم} أي: ابقوا إلى الممات بغيظكم فلن تروا ما يسركم وقوله ~~تعالى: {إن الله عليم بذات الصدور} أي: بما في القلوب ومنه ما يضمره هؤلاء ~~يحتمل أن يكون من المقول أي: وقل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى مما تخفونه ~~من عض الأنامل غيظا وأن يكون خارجا عنه بمعنى قل لهم ذلك ولا تتعجب من ~~إطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. # {إن تمسسكم} أي: تصبكم أيها المؤمنون {حسنة} أي: نعمة كنصر وغنيمة وخصب ~~في معاشكم وتتابع الناس في دينكم {تسؤهم} أي: تحزنهم {وإن تصبكم سيئة} أي: ~~إساءة كهزيمة وجدب واختلاف يكون بينكم {يفرحوا بها} وجملة الشرط متصلة ~~بالشرط، قيل: وما بينهما اعتراض والمعنى إنهم متناهون في عداوتكم فلم ~~توالونهم فاجتنبوهم. # فإن قيل: كيف وصفت الحسنة بالمس والسيئة بالإصابة؟ أجيب: بأن المس مستعار ~~بمعنى الإصابة فكان المعنى واحد ألا ترى إلى قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} (النساء، 79) {وإن تصبروا} على أذاهم ~~{وتتقوا} الله في موالاتهم وغيرها {لا يضركم كيدهم شيئا} بفضل الله وحفظه ~~الموعود للصابرين والمتقين وهذا تعظيم من الله تعالى وإرشادا إلى أنه ~~يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى، وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكيد ~~من يحسدك فازدد فضلا في نفسك، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بكسر الضاد ~~وسكون الراء من ضاره يضيره، والباقون بضم الضاد وضم الراء مشددة للإتباع # PageV01P242 # كضمة مد وهي ضمة الأمر المضاعف وكل مجزوم من المضاعف المضموم العين، فإنه ~~يجوز ضمه للإتباع كما يجوز فتحه للخفة وكسر لأجل تحريك الساكن {إن الله بما ~~تعملون محيط} أي: عالم فيجازيكم به. # {و} اذكر يا محمد {إذ غدوت من أهلك} أي: من حجرة عائشة رضي الله تعالى ~~عنها {تبوىء} أي: تنزل {المؤمنين مقاعد} أي: مراكز يقفون فيها {للقتال وا ~~سميع} لأقوالكم {عليم} بأحوالكم. ms0405 # روي «أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبي ابن سلول ولم يدعه قط قبلها ~~واستشاره، فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا ~~تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا ~~إلا أصبنا منه فكيف وأنت فينا فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس أي: بكسر ~~الباء وهو مكان لا ماء فيه ولا طعام وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ~~ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين فأعجب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي وقال بعض أصحابه: اخرج بنا إلى ~~هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم وضعفنا. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني رأيت في منامي بقرا مذبحة حولي ~~فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي ~~في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم» فقال ~~رجال من المسلمين قد فاتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا ~~إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل، فلبس لأمته أي: درعه فلما رأوه قد لبس ~~لأمته ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والوحي يأتيه وقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت فقال: «لا ينبغي لنبي أن ~~يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب ~~من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة ونزل في عدوة الوادي ~~أي: بالعين المهملة وهي جانبه وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوى صفوفهم وأجلس ~~خمسين من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير بسفح الجبل وقال: انضحوا ~~علينا بالنبل لا يأتون من ورائنا ولا تبرحوا غلبنا أو نصرنا» . # {إذ} بدل من إذ قبله {همت طائفتان منكم} بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة ~~من الأوس وهما جناحا العسكر {أن تفشلا} أي: تجبنا عن القتال ms0406 وترجعا. # روي «أنه صلى الله عليه وسلم خرج في زهاء ألف رجل ووعدهم النصر إن صبروا ~~وكان المشركون ثلاثة آلاف فلما بلغوا عند جبل أحد بالمدينة انعزل ابن أبي ~~المنافق في ثلاثمائة وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم ~~الأنصاري وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم فقال ابن أبي: لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم فهم الحيان باتباعه فثبتهم الله ومضوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال الزمخشري: إنها ما كانت إلا همة وحديث نفس وكما لا تخلو ~~النفس عند الشدة من بعض الهلع ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها ~~على احتمال المكروه كما قال عمرو بن الإطنابة: # *أقول لها إذا جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي* # {وا وليهما} أي: ناصرهما فما لهما تفشلان {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ~~أي: ليثقوا به دون # PageV01P243 # غيره فينصرهم كما نصرهم ببدر، ونزل لما هزموا من أحد تذكرة لهم بنعمة ~~الله تعالى. # {ولقد نصركم الله ببدر} وهو ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدرا ~~فسمي به وقوله تعالى: {وأنتم أذلة} أي: بقلة العدد والسلاح والمال حال من ~~الضمير. # فإن قيل: قال الله تعالى: {وأنتم أذلة} وقد قال تعالى: {والعزة ولرسوله ~~وللمؤمنين} أجيب: بأنه بمعنى القلة وضعف الحال وقلة السلاح والمال كما مر ~~فإن نقيض ذلك العز وهو القوة والغلبة. # روي أن المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ولم يكن فيهم إلا فرس ~~واحد وأكثرهم كانوا رجالة وربما كان الجمع منهم يركبون جملا واحدا والكفار ~~كانوا قريبا من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدة ~~الكاملة {فاتقوا الله} في الثبات وعدم المخالفة {لعلكم تشكرون} أي: بتقواكم ~~نعمه التي أنعم بها عليكم من نصرته وقوله تعالى: # {إذ تقول للمؤمنين} أي: توعدهم تطمينا ظرف لنصركم وقوله تعالى: {ألن ~~يكفيكم أن يمدكم} أي: يعينكم {ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} إنكار ~~أن لا يكفيهم ذلك وإنما جيء بلن إشعارا بأنهم كانوا كالآيسين من النصر ~~لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم. وقرأ ابن عامر بفتح ms0407 النون وتشديد الزاي، ~~والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي وقوله تعالى: # {بلى} إيجاب لما بعد لن أي: بلى يكفيكم. # فإن قيل: قد قال تعالى في سورة الأنفال: {إني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين} فكيف قال هنا بثلاثة آلاف؟ أجيب: بأنه مدهم أولا بألف ثم صارت ~~ثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى: {إن تصبروا} أي: على لقاء العدو ~~{وتتقوا} الله في المخالفة {ويأتوكم} أي: المشركون {من فورهم} أي: من وقتهم ~~{هذا} والفور العجلة والسرعة ومنه فارت القدر اشتد غليانها وسارع ما فيها ~~إلى الخروج {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} أي: معلمين وقد ~~صبروا واتقوا وأنجز الله وعده بأن قاتل معهم الملائكة على خيل يلف عليهم ~~عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم، وعن عرفة بن الزبير: كانت عمامة ~~الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك، وعن الضحاك معلمين بالصوف ~~الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها، وعن مجاهد مجزوزة أذناب خيلهم. قال أكثر ~~المفسرين: إن الملائكة لم تقاتل في غير يوم بدر. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «تسوموا فإن الملائكة قد تسومت ~~بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم» وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر ~~الواو والباقون بفتحها. # {وما جعله الله} أي: الإمداد {إلا بشرى} أي: بشارة {لكم} أي: بالنصر ~~{ولتطمئن} أي: ولتسكن {قلوبكم به} فلا تجزعوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم كما ~~كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم {وما النصر إلا ~~من عند الله} لا من العدة والعدد وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى ~~مدد الملائكة وإنما أمدهم ووعدهم به بشارة لهم وربطا على قلوبهم من حيث إن ~~نظر العامة إلى الأسباب أكثر {العزيز} الذي لا يغالب {الحكيم} الذي ينصر ~~ويخذل من يشاء بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة والمصلحة وقوله تعالى: # {ليقطع} متعلق بنصركم أي: ليهلك {طرفا} أي: طائفة {من الذين كفروا} ~~بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش ~~وصناديدهم # PageV01P244 # {أو يكبتهم} أي: لم ms0408 ينالوا ما راموه وأو للتنويع لا للترديد. # ونزل لما كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وشج وجهه يوم أحد وقال: «كيف ~~يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم» . # {ليس لك من الأمر شيء} بل الأمر كله لله فاصبر إنما أنت عبد مبعوث ~~لإنذارهم ومجاهدتهم، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: «اللهم العن الحارث بن هشام اللهم ~~إلعن صفوان بن أمية» فنزلت هذه الآية، وقال قوم: نزلت في أهل بئر معونة وهم ~~سبعون رجلا من القراء بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة في ~~صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن ~~والعلم أميرهم المنذر بن عمرو فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجدا شديدا وقنت شهرا في الصلوات كلها يدعو على جماعة ~~من تلك القبائل باللعن والسنين وقوله تعالى: {أو يتوب عليهم أو يعذبهم} عطف ~~على قوله أو يكبتهم وليس لك من الأمر شيء اعتراض، والمعنى أن الله تعالى ~~مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم ~~إن أصروا {فإنهم ظالمون} بالكفر، وقيل: إن أو يتوب عليهم بمعنى إلى أن يتوب ~~عليهم.H # {وما في السموات وما في الأرض} ملكا وخلقا فله الأمر كله والمقصود من هذا ~~تأكيد ما ذكره أولا من قوله: {ليس لك من الأمر شيء} والمعنى: إنما يكون ذلك ~~لمن له الملك وليس هو لأحد إلا لله تعالى. # فإن قيل: ظاهر ما ذكر يدل على أن ذلك ورد للمنع من أمر كان صلى الله عليه ~~وسلم يريد أن يفعله وذلك الفعل إن كان بأمر الله تعالى فكيف يمنعه منه وإن ~~كان بغير أمره فكيف يصح مع قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} (النجم، 3) ~~أجيب: بأن ذلك كان من باب ترك الأفضل والأولى فلا جرم أرشده الله تعالى إلى ~~اختيار الأولى نظيره قوله ms0409 تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ~~ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبروا وما صبرك إلا با} (النحل، 127) فكأنه ~~تعالى قال أولا: إن كان ولا بد أن تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل، ثم قال ~~ثانيا وإن تركته كان ذلك أولى. ثم أمره أمرا جازما بتركه فقال: واصبر وما ~~صبرك إلا بالله {يغفر لمن يشاء} مغفرته {ويعذب من يشاء} تعذيبه. ولما كان ~~له فعل ذلك إلا أن جانب المغفرة والرحمة غالب لا على سبيل الوجوب بل على ~~سبيل التفضل والإحسان قال: {وا غفور} لأوليائه {رحيم} بعباده فلا تبادر ~~بالدعاء عليهم. ولما شرح سبحانه وتعالى عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق ~~بإرشادهم إلى الأصلح في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر ~~والنهي والترغيب والتحذير فقال: # {يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا} وهو جمع ضعف. ولما كان جمع ~~قلة والمقصود الكثرة أتبعه بما يدل على ذلك وهو الوصف بقوله: {مضاعفة} بأن ~~تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب والتخصيص بحسب الواقع، إذ ~~كان الرجل منهم يرابي إلى أجل ثم يزيد في الدين زيادة أخرى حتى يستغرق ~~بالشيء اللطيف مال الديون وإلا فالربا حرام بلا مضاعفة بل هو من الكبائر ~~مطلقا، وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد العين ولا ألف قبلها، والباقون ~~بتخفيف العين وألف قبلها {واتقوا الله} بترك ما نهيتم عنه # PageV01P245 # {لعلكم تفلحون} أي: تفوزون ثم خوفهم فقال تعالى: # {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي أفعالهم، ~~كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: هذه أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله ~~المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه باجتناب محارمه وفي الآية ~~تنبيه على أن النار بالذات للكفار وبالعرض للعصاة. # {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد ترهيبا ~~عن المخالفة وترغيبا في الطاعة على عادته تعالى المستمرة في القرآن، قال ~~محمد بن إسحاق بن يسار هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم يوم ms0410 أحد ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل على ~~عزة التوصل إلى ما جعل خيرا لهما ومن تأمل هذه الآيات وأمثالها لم يحدث ~~نفسه بالأطماع الفارغة والتمني على الله تعالى. # {وسارعوا} أي: بادروا وأقبلوا {إلى مغفرة من ربكم} أي: إلى ما تستحق به ~~المغفرة كالإسلام والتوبة وأداء الفرائض والهجرة والجهاد والتكبيرة الأولى ~~والأعمال الصالحات. وقرأ نافع وابن عامر بغير واو قبل السين والباقون بواو ~~قبلها {و} إلى {جنة عرضها السموات والأرض} أي: عرضها كعرضهما كقوله تعالى: ~~{عرضها كعرض السماء والأرض} (الحديد، 21) وإنما جمعت السماء وأفردت الأرض ~~لأنها أنواع قيل: بعض فضة وبعض غير ذلك، والأرض نوع واحد وذكر العرض ~~للمبالغة في وصف الجنة بالسعة؛ لأن العرض دون الطول كما دل عليه قوله ~~تعالى: {بطائنها من إستبرق} (الرحمن، 54) على أن الظهارة أعظم يقول: هذه ~~صفة عرضها فكيف طولها؟ قال الزهري: إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه ~~إلا الله تعالى وهذا على سبيل التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير بل ~~معناه كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله تعالى: {خالدين ~~فيها ما دامت السموات والأرض} (هود، 107) أي: عند ظنكم وإلا فهما زائلتان. # وعن ابن عباس: الجنة كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض. وعنه أيضا ~~إن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة. # وروي أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إذا ~~كانت الجنة عرضها ذلك فأين تكون النار؟ فقال لهم: أرأيتم إذا جاء الليل ~~فأين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار فأين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في ~~التوراة، ومعناه أنه حيث شاء الله. وسئل أنس بن مالك عن الجنة: أفي السماء ~~أم في الأرض وأي أرض وسماء تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات ~~السبع تحت العرش، وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السموات السبع وأن ~~جهنم تحت الأرضين السبع. # فإن قيل: قال تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} وأراد بالذي وعدنا ~~الجنة فإذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون عرضها ms0411 ما ذكر؟ أجيب: بأن باب ~~الجنة في السماء وعرضها كما أخبر تعالى: {أعدت} هيئت {للمتقين} الله بعمل ~~الطاعات وترك المعاصي وفي ذلك دليل على أن الجنة مخلوقة الآن وقيل: إن ~~الجنة والنار يخلقان بعد قيام الساعة. # ثم وصف الله تعالى المتقين بصفات فقال: # {الذين ينفقون} أي: في طاعة الله {في السراء والضراء} أي: في العسر ~~واليسر أو الأحوال كلها؛ لأن الإنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة أي: لا يخلون ~~عن حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير كما يحكى عن بعض السلف أنه ~~ربما تصدق ببصلة، وعن # PageV01P246 # عائشة رضي الله تعالى عنها أنها تصدقت بحبة عنب. فأول ما ذكر من أوصافهم ~~الموجبة للجنة ذكر السخاء. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «السخي ~~قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد عن النار والبخيل بعيد من ~~الله قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله من العالم البخيل» {والكاظمين ~~الغيظ} أي: الممسكين عليه الكافين عن إمضائه مع القدرة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه ~~دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء» . # وروي: «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» . # وروي: «ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب» {والعافين عن ~~الناس} أي: التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت ~~أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا» وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد ~~غضب على رجل فخلاه. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم ~~الله» وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت وهذا الإستثناء يحتمل أن يكون ~~منقطعا وهو ظاهر وأن يكون متصلا لما في القلة من معنى العدم كأنه قيل: إن ~~هؤلاء في أمتي لا يوجدون إلا من عصم ms0412 الله فإنه يوجد في أمتي وقوله تعالى: ~~{وا يحب المحسنين} يجوز أن تكون اللام فيه للجنس فيتناول كل محسن ويدخل ~~تحته هؤلاء المذكورون وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء وقوله تعالى: # {والذين إذا فعلوا فاحشة} أي: ذنبا قبيحا كالزنا {أو ظلموا أنفسهم} أي: ~~بما دون الزنا كالقبلة وقيل: الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك ~~{ذكروا الله} أي: ذكروا وعيده أو حكمه أو حقه العظيم {فاستغفروا لذنوبهم} ~~بالندم والتوبة عطف على المتقين أو على الذين ينفقون. واختلف في سبب نزول ~~هذه الآية فقال عطاء: نزلت في أبي سعيد التمار؛ أتته إمرأة حسنة تبتاع منه ~~تمرا فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى ~~بيته وضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك ثم أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية. # وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما ~~من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله ~~فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها ~~وقبل يدها ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع ~~الثقفي لم يستقبله الأنصاري، فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في ~~الإخوان مثله ووصفت له الحال والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، ~~فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا، وقال ~~الأنصاري: هلكت وذكر القصة، فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى ~~يغار للغازي ما لا يغار للمقيم ثم أتيا عمر، فقال عمر: مثل ذلك ثم أتيا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مثل مقالهما فنزلت هذه الآية وقوله تعالى: ~~{ومن} أي: أحد {يغفر الذنوب إلا الله} استفهام بمعنى النفي معترض بين ~~المعطوفين والمراد به وصفه سبحانه وتعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة والحث ~~على الإستغفار والوعد بقبول # PageV01P247 # التوبة {ولم ms0413 يصروا على ما فعلوا} أي: ولم يقيموا على قبيح فعلهم بل ~~أقلعوا عنه مستغفرين. # روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم ~~سبعين مرة» . # وروي: «لا كبيرة مع الإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» وقوله تعالى: {وهم ~~يعلمون} حال من يصروا أي: ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به وقوله تعالى: # {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار} إشارة إلى ~~الفريقين ويجوز أن يكون والذين مبتدأ وأولئك خبره وقوله تعالى: {خالدين ~~فيها} حال مقدرة أي: مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها. # تنبيه: لا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم أن لا يدخلها ~~المصرون كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم، ~~فقول الزمخشري في «الكشاف» وفي هذه الآيات بيان قاطع على أن الذين آمنوا ~~على ثلاث طبقات: متقون وتائبون ومصرون وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم ~~دون المصرين ومن خلف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه جار على طريق الإعتزال ~~من أن مرتكب الكبيرة إذا مات مصرا لا يدخل الجنة ونعوذ بالله من ذلك بل كل ~~من مات على الإسلام يدخل الجنة وهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه، وإن شاء ~~عفا عنه وقوله تعالى: {ونعم أجر العاملين} المخصوص فيه بالمدح محذوف تقديره ~~ونعم أجر العاملين ذلك أي: المغفرة والجنات. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد مؤمن أذنب ذنبا فيحسن الطهور ~~ثم يقوم فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» . # وروي: «أي عبد أذنب ذنبا فقال: يا رب أذنبت ذنبا فاغفر لي فقال ربه: علم ~~عبدي أن له ربا يغفر الذنوب ويؤاخذ بها فغفر له فمكث ما شاء الله ثم أذنب ~~ذنبا آخر فقال: يا رب أذنبت ذنبا آخر فاغفر لي قال ربه: علم عبدي أن له ربا ~~يغفر الذنب ويؤاخذ به قد غفرت له فليعمل ما شاء أي: ويستغفر فأغفر له» . # وروي أنه تبارك وتعالى قال: «يا ابن ms0414 آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ~~على ما كان منك، ابن آدم إنك إن تلقني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها ~~مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئا، ابن آدم إنك إن تذنب ذنبا حتى يبلغ ذنبك ~~عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك» . # وروي أن الله تبارك وتعالى قال: «من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب ~~غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا» قال ثابت البناني: بلغني أن إبليس ~~بكى حين نزلت هذه {والذين إذا فعلوا فاحشة} إلى آخرها. # وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام: «ما أقل حياء من ~~يطمع في جنتي بغير عمل كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي» . وعن شهر بن ~~حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من ~~الغرور وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة، وعن الحسن يقول الله تعالى ~~يوم القيامة: «جوزوا الصراط بعفوي وادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها ~~بأعمالكم» ، وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد: # *ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس* # ونزل في هزيمة أحد. # {قد خلت} أي: مضت {من قبلكم سنن} جمع سنة وهي الطريقة التي يكون عليها ~~الإنسان ويلازمها ومنه سنة الأنبياء عليه الصلاة والسلام أي: قد مضت من ~~قبلكم # PageV01P248 # طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم {فسيروا} أيها المؤمنون {في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر {المكذبين} الرسل من الهلاك فلا تحزنوا ~~لغلبتهم فأنا أمهلهم لوقتهم. # {هذا} أي: القرآن {بيان للناس} عامة {وهدى} من الضلالة {وموعظة للمتقين} ~~خاصة {ولا تهنوا} أي: تضعفوا عن قتال الكفار بما نالكم من القتل والجراح ~~يوم أحد. # {ولا تحزنوا} على ما أصابكم وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة: منهم ~~حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وقتل من الأنصار سبعون رجلا {وأنتم ~~الأعلون} أي: وحالكم أنكم أعلى شأنا منهم فإنكم على الحق وقتالكم لله ~~وقتلاكم في الجنة، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار أو ms0415 ~~لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم أو هي بشارة لهم ~~بالعلو والغلبة أي: وأنتم الأعلون في العاقبة {وإن جندنا لهم الغالبون} ~~(الصافات، 173) وقوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} متعلق بالنهي بمعنى لا تهنوا ~~إن صح إيمانكم على أن صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بالله تعالى وقلة ~~المبالاة بأعدائه أو متعلق بالأعلون أي: إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ~~ويبشركم به من الغلبة. # {إن يمسسكم قرح} جهد من جرح ونحوه يوم أحد {فقد مس القوم} الكفار {قرح ~~مثله} يوم بدر ثم إنهم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى أن لا تضعفوا فإنكم ~~ترجون من الله ما لا يرجون، وقيل: كلا المسين كان يوم أحد، فإن المسلمين ~~نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ أبو بكر ~~وشعبة وحمزة والكسائي بضم قاف قرح في الموضعين، والباقون بالفتح وهما لغتان ~~بمعنى، وقال الفراء: القرح بالفتح الجرح وبالضم آلمه {وتلك الأيام} تلك ~~مبتدأ أو الأيام صفته وقوله تعالى: {نداولها} خبره ويصح أن تلك الأيام ~~مبتدأ وخبر كما تقول هي الأيام تبلي كل جديد والمراد بالأيام أوقات الظفر ~~والغلبة أي: نصرفها {بين الناس} قال البغوي: فيوما عليهم ويوما لهم. قال في ~~«الكشاف» كقوله وهو من أبيات الكتاب: # *فيوم علينا ويوما لنا ... ويوم نساء ويوما نسر* # تقديره فيوما يكون الأمر علينا أي: بالأضرار ويوما لنا أي: بالنفع فيكون ~~يوما ظرفا ملائما لقوله: ويوما نساء ويوما نسر قاله الشيخ سعد الدين. أي: ~~أديل تارة للمسلمين على المشركين وهو يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين، وأسروا ~~سبعين وأديل تارة للكافرين على المسلمين وهو يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين ~~وقتلوا خمسا وسبعين. # روي أنه صلى الله عليه وسلم جعل عبد الله بن جبير على الرجالة يوم أحد ~~وكانوا خمسين رجلا، فقال: «إن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا ~~حتى أرسل إليكم فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن ~~وسوقهن رافعات ثيابهن» فقال أصحاب عبد الله بن جبير: ms0416 الغنيمة الغنيمة فما ~~تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت ~~وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يثبت مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا فأصابوا منا سبعين وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة وسبعين ~~أسيرا وسبعين # PageV01P249 # قتيلا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث مرات فنهاهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم قال: ~~أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه وهو يقول: أما هؤلاء ~~فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله إن الذين عددت ~~لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال إنكم ~~ستجدون في القوم مثلة ثم أخذ يرتجز: # *اعل هبل اعل هبل* # فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ألا تجيبوه؟» فقالوا: يا رسول الله ما ~~نقول قال: قولوا الله أعلى وأجل قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم «ألا تجيبوه» فقالوا: يا رسول الله ما نقول؟ فقال: ~~قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» . وفي حديث ابن عباس: قال أبو سفيان: يوم ~~بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله تعالى عنه لا سواء ~~قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» وإنما كانت الدولة يوم أحد للكفار على ~~المسلمين لمخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم {وليعلم الله الذين ~~آمنوا} أي: أخلصوا إيمانهم من غيرهم. # فإن قيل: ظاهر هذه الآية أن الله تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا ~~العلم وذلك في حقه تعالى محال ونظير هذا الإشكال قوله تعالى: {أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} (آل عمران، 142) # وقوله تعالى: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين ms0417 صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين} (،) # وقوله: {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا} (الكهف، 12) # وقوله: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم} (محمد، 31) # وقوله: {إلا لنعلم من يتبع الرسول} (البقرة، 143) # وقوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (الملك، 2) # فظاهر هذه الآيات يدل على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء ~~عند حدوثها، وأجاب المتكلمون عنها بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى ~~يعلم الحوادث قبل وقوعها، فثبت أن التغير في العلم محال إلا أن إطلاق لفظ ~~العلم على المعلوم والقدرة على المقدرة مجاز مشهور يقال: هذا علم فلان ~~والمراد معلومه، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد ~~العلم فالمراد تجدد المعلوم وإذا عرف هذا فهذه الآية محتملة لوجوه أحدها: ~~ليظهر المخلص من المنافق والمؤمن من الكافر وثانيها: ليعلم أولياء الله ~~وأضاف إلى نفسه تفخيما وثالثها: ليحكم بالإمتياز فأوقع العلم مكان الحكم ~~بالامتياز؛ لأن الحكم لا يحصل إلا بعد العلم ورابعها: ليعلم ذلك واقعا كما ~~كان يعلم أنه سيقع؛ لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لا يوجد ~~{ويتخذ منكم شهداء} ويكرم ناسا منكم بالشهادة وهم المتشهدون يوم أحد أو ~~وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما وجد منهم من الثبات ~~والصبر على الشدائد كما قال تعالى: لتكونوا شهداء على الناس وقوله تعالى: ~~{وا لا يحب الظالمين} قال ابن عباس أي المشركين كقوله تعالى: {إن الشرك ~~لظلم عظيم} وهو اعتراض بين بعض التعاليل وبعض وفيه تنبيه على أنه تعالى لا ~~ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يظفرهم أحيانا استدراجا لهم وابتلاء ~~للمؤمنين. # {وليمحص الله الذين آمنوا} أي: ليطهرهم من الذنوب بما أصابهم {ويمحق} أي: ~~يهلك {الكافرين} أي: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والإستشهاد ~~والتمحيص وغير ذلك مما هو أصلح لهم، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو ~~آثارهم. # {أم} منقطعة مقدرة ببل ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي: بل أ {حسبتم # PageV01P250 # أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} في ~~الشدائد وقد مر معنى يعلم. # تنبيه: قال البيضاوي: والفرق ms0418 بين لما يعلم ولم أن في لما توقع الفعل فيما ~~يستقبل لكن قال أبو حيان: لا أعلم أحدا من النحويين ذكره بل ذكروا أنك إذا ~~قلت لما يخرج زيد دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلا نفيه إلى وقت ~~الإخبار، وأما أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا انتهى. لكن قال الفراء: ~~لما لتعريض الوجود بخلاف لم. # {ولقد كنتم تمنون} فيه حذف إحدى التاءين في الأصل أي: تتمنون {الموت} أي: ~~الحرب فإنها من أسباب الموت أو الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا ~~بدرا وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا لينالوا ما ~~نال شهداء بدر من الكرامة فألحوا يوم أحد على الخروج {من قبل أن تلقوه} أي: ~~تشاهدوه وتعرفوا شدته {فقد رأيتموه} أي: الحرب أو الموت حتى قتل دونكم من ~~قتل من إخوانكم {وأنتم تنظرون} أي: بصراء تتأملون الحال كيف هم فلم ~~انهزمتم. # {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} فسيخلو كما خلوا بالموت أو ~~القتل ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد؛ لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكافل ~~والتحيمد فوق الحمد فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال وأكرم ~~الله تعالى نبيه وصفيه صلى الله عليه وسلم باسمين مشتقين من اسمه جل وعلا ~~محمد وأحمد وفيه يقول حسان بن ثابت: # *وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد* # وقوله تعالى: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} إنكار لارتدادهم ~~وانقلابهم على أعقابهم عن الدين لخلوه صلى الله عليه وسلم بموت أو قتل بعد ~~علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به. # فإن قيل: قوله تعالى: {أفإن مات أو قتل} شك وهو على الله محال؟ أجيب: بأن ~~المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجود الإرتداد، ~~قال ابن عباس وأصحاب المغازي: لما رأى خالد بن الوليد الرماة يوم أحد ~~اشتغلوا بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين ثم حمل على ~~أصحاب النبي صلى الله ms0419 عليه وسلم من خلفهم، فهزموهم وقتلوهم ورمى عبد الله ~~ابن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في ~~وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة ~~ليعلوها وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى ~~عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أوجب طلحة» ووقعت هند والنسوة ~~معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان ~~والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد وأعطتها وحشيا وبقرت عن كبد حمزة ~~فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها وأقبل عبد الله بن قمئة يريد قتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذب مصعب بن عمير وهو صاحب راية النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم فرجع ~~وقال: إني قتلت محمدا وصاح صارخا، ألا إن محمدا قد قتل فقيل: إن ذلك الصارخ ~~كان إبليس فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: ~~«إلي عباد الله إلي عباد الله» فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا ~~عنه المشركين، ورمى سعد # PageV01P251 # بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كنانته فقال: «ارم فداك أبي وأمي» . # وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، فكان ~~الرجل يمر ومعه جعبته من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة وكان إذا رمى يشرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله ~~فيبست وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيبت عين قتادة بن النعمان ~~يومئذ حتى وقعت على وجنته فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها، ~~فعادت كأحسن ما كانت، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي ~~بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت، لا نجوت، فقال القوم: يا رسول الله ألا ~~يعطف عليه رجل ms0420 منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوه حتى إذا دنا ~~منه وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: عندي رمكة ~~أعلفها يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بل ~~أنا أقتلك إن شاء الله» فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده عن ~~فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول: قتلني محمد واحتمله أصحابه وقالوا: ~~ليس عليك بأس قال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال ~~لي: أقتلك فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني فلم يلبث إلا يوما حتى مات ~~بموضع يقال له سرف» . # قال ابن عباس: اشتد غضب الله على من قتله نبي، واشتد غضب الله على من رمى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وفشا في الناس أن محمدا قد قتل، فقال ~~بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي ~~سفيان وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم وقال أناس من أهل النفاق: إن كان ~~محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن مالك بن النضر: يا قوم إن ~~كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون في الحياة بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وموتوا على ما مات عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء يعني ~~المسلمين وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المنافقين ثم شد بسيفه فقاتل ~~حتى قتل ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو ~~الناس، فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وقال: عرفت ~~عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «فأشار إلي أن ms0421 أمسك» فانحازت إليه طائفة من ~~أصحابه فلامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفرار، فقالوا: يا نبي ~~الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا ~~فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # فإن قيل: إنه تعالى بين في آيات كثيرة أنه عليه الصلاة والسلام لا يقتل ~~فقال: {إنك ميت وإنهم ميتون} (الزمر، 30) # وقال: {وا يعصمك من الناس} (المائدة، 67) # وقال: {ليظهره على الدين كله} (التوبة، 33) # وإذا علم أنه لا يقتل فلم قال أو قتل؟ أجيب: بأن هذا ورد على سبيل ~~الإلزام، فإن موسى عليه الصلاة والسلام مات ولم ترجع أمته عن دينه، ~~والنصارى زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام قتل ولم يرجعوا عن دينه فكذا ~~ههنا {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا} بارتداده وإنما يضر نفسه ~~{وسيجزي الله الشاكرين} على نعمة الإسلام بالثبات عليه # PageV01P252 # كأنس وأضرابه. # {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} أي: بقضائه ومشيئته أو بإذنه لملك ~~الموت في قبضه روحه وقوله تعالى: {كتابا} مصدر أي: كتب الله ذلك {مؤجلا} ~~أي: مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات ~~لا يقطع الحياة. # ونزل في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة {ومن يرد} أي: بعمله ~~{ثواب الدنيا نؤته منها} ما نشاء مما قدرناه له كما قال تعالى: {من كان ~~يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} وفي الذين ثبتوا مع أميرهم ~~عبد الله بن جبير حتى قتلوا {ومن يرد} أي: بعمله {ثواب الآخرة نؤته منها} ~~أي: من ثوابها {وسنجزي الشاكرين} أي: الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء ~~عن الجهاد. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه ~~في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا ~~جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له» ~~وقال صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما ms0422 نوى فمن ~~كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى ~~دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» وقوله تعالى: # {وكأين} أصله أي: دخلت الكاف عليها فصارت مركبة من كاف التشبيه ومن أي: ~~وحدث فيهما بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم الخبرية ومثلها في ~~التركيب وإفهام التكثير كذا في قولهم: عندي كذا كذا درهما وأصله كاف ~~التشبيه، وذا الذي هو إسم إشارة فلما ركبا حدث فيهما معنى التكثير فكم ~~الخبرية وكأين وكذا كلها بمعنى واحد، والنون تنوين في المعنى أثبت في الخط ~~على غير قياس. قال البغوي: لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف ~~خاصة وقرأ ابن كثير بألف بعد الكاف بعدها همزة مكسورة، والباقون بهمزة بعد ~~الكاف مفتوحة بعدها ياء مشددة، ووقف أبو عمرو على الياء والباقون على النون ~~وسهل حمزة الهمزة وحققها الباقون وقوله تعالى: {من نبي} تمييز لكأين لأنها ~~مثل كم الخبرية وقوله تعالى: {قتل} قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم ~~القاف وكسر التاء ولا ألف بين القاف والتاء والباقون بفتح القاف والتاء ~~وألف بين القاف والتاء وقوله تعالى: {معه} خبر مبتدؤه {ربيون} وهم جمع ربي ~~وهو العالم المتقي منسوب إلى الرب، وإنما كسرت راؤه تغييرا في النسب وقيل: ~~لا تغيير فيه وهو منسوب إلى الربة وهي الجماعة للمبالغة وقوله تعالى: ~~{كثير} صفة لربيون وإن كان بلفظ الإفراد لأن معناه جمع {فما وهنوا} أي: ~~ضعفوا {لما أصابهم في سبيل الله} من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم {وما ~~ضعفوا} عن الجهاد {وما استكانوا} أي: خضعوا لعدوهم كما فعلتم حين قيل: قتل ~~نبيكم {وا يحب الصابرين} على الشدائد فيثيبهم ويعظم أجرهم. # {وما كان قولهم} عند قتل نبيهم مع ثباتهم وصبرهم وكونهم ربانيين {إلا أن ~~قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا} أي: تجاوزنا الحد وقولهم: {في أمرنا} ~~إيذان بأن ما أصابهم لسوء فعلهم وهضما لأنفسهم {وثبت أقدامنا} أي: بالقوة ~~على الجهاد {وانصرنا على القوم الكافرين} أي: فهلا قلتم وفعلتم ms0423 مثل ذلك يا ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم # {فآتاهم الله ثواب الدنيا} أي: بالنصر والغنيمة والعز وحسن الذكر {وحسن ~~ثواب الآخرة} أي: بالجنة والنعيم المقيم وخص ثوابها # PageV01P253 # بالحسن إشعارا بفضله وأنه المعتد به عند الله {وا يحب المحسنين} أي: ~~فيكثر لهم الثواب. # {س3ش149/ش153 يا?أيها الذينءامنو?ا? إن تطيعوا? الذين كفروا? يردوكم على? ~~أعقابكم فتنقلبوا? خاسرين * بل الله مول?اكم? وهو خير الناصرين * سنلقى فى ~~قلوب الذين كفروا? الرعب بمآ أشركوا? بالله ما لم ينزل به? سلطانا? ومأواهم ~~النار? وبئس مثوى الظالمين * ولقد صدقكم الله وعده?? إذ تحسونهم بإذنه?? ~~حتى? إذا فشلتم وتنازعتم فى ا?مر وعصيتم من? بعد مآ أراكم ما تحبون? منكم ~~من يريد الدنيا ومنكم من يريد ا?خرة? ثم صرفكم عنهم ليبتليكم? ولقد عفا ~~عنكم? والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تصعدون وتلو?ن على? أحد والرسول ~~يدعوكم فى? أخر?اكم فأثابكم غم?ابغم لكي تحزنوا? على ما فاتكم ومآ أصابكم? ~~والله خبير? بما تعملون} # {يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} أي: اليهود والنصارى فيما ~~يأمرونكم به وقال علي: يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ~~ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم ولو كان محمد نبيا لما قتل {يردوكم ~~على أعقابكم} أي: إلى الكفر {فتنقلبوا خاسرين} الدنيا والآخرة أما خسران ~~الدنيا فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الإنقياد إلى العدو وإظهار ~~الحاجة إليه وأما خسران الآخرة، فالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في ~~العقاب المخلد. # {بل الله مولاكم} أي: ناصركم وحافظكم على دينكم {وهو خير الناصرين} ~~فاستغنوا به عن ولاية غيره ونصره. # {سنلقي} أي: سنقذف {في قلوب الذين كفروا الرعب} أي: الخوف وذلك أن الكفار ~~لما هزموا المسلمين في أحد أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم ~~من غير سبب، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل ونادى يا محمد موعدنا موسم بدر ~~القابل إن شئت، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن شاء الله» وقيل: لما ذهبوا ~~متوجهين إلى مكة، فلما كانوا في بعض الطريق ندموا وقالوا: ما صنعنا شيئا ~~قتلنا أكثرهم ms0424 ولم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ارجعوا حتى نستأصلهم ~~بالكلية، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم. وقرأ ابن عامر ~~والكسائي بضم العين والباقون بالسكون {بما أشركوا} أي: بسبب إشراكهم {با ما ~~لم ينزل به سلطانا} أي: حجة على عبادته وهو الأصنام وهذا كقوله: ولا ترى ~~الضب بها ينحجر، أي: ليس بها ضب فلا ينحجر فكذلك هؤلاء ليس لهم حجة أصلا، ~~وأصل السلطنة القوة ومنه السليط لقوة اشتعاله والسلاطة بحدة اللسان ~~{ومأواهم النار وبئس مثوى} أي: مأوى {الظالمين} أي: الكافرين هي. # {ولقد صدقكم الله وعده} قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد وقد أصابهم ما أصابهم قال ناس ~~من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله هذه الآية؛ ~~لأن النصر كان للمسلمين في الابتداء كما قال تعالى: {إذ تحسونهم} أي: ~~تقتلونهم من حسه إذا أبطل حسه وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار ~~ذال إذ عند التاء والباقون بالإدغام {بإذنه} أي: بإرادته {حتى إذا فشلتم} ~~أي: جبنتم عن القتال {وتنازعتم} أي: اختلفتم {في الأمر} أي: أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالمقام في سفح الجبل للرمي حين انهزم المشركون، فقال ~~بعضكم: نذهب فقد نصر أصحابنا وقال آخرون: لا تخالفوا أمر النبي فاثبتوا ~~مكانكم، فثبت عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة ونفر الباقون ~~للنهبى وهو المعنى بقوله تعالى: وعصيتم أي: أمر النبي وتركتم المركز لطلب ~~الغنيمة {من بعدما أراكم} أي: الله {ما تحبون} من الظفر والغنيمة وانهزام ~~العدو وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله أي: منعكم نصره ويجوز أن يكون ~~المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن ~~يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا سواء كانت الدولة للمسلمين أو عليهم، فلما ~~أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف ms0425 حتى ~~انهزموا # PageV01P254 # والمسلمون على آثارهم، ثم اشتغل بعضهم بالغنيمة كما قال تعالى: {منكم من ~~يريد الدنيا} وهم التاركون المركز للغنيمة {ومنكم من يريد الآخرة} وهم ~~الثابتون مع عبد الله بن جبير حتى قتلوا. # فإن قيل: فإذا كان البعض هو المخالف فكيف جاء العتاب عاما بقوله: ~~{وعصيتم} أجيب: بأن اللفظ وإن كان عاما فقد جاء المخصص بعده وهو قوله: ~~{منكم} وقوله تعالى: {ثم صرفكم} أي: ردكم بالهزيمة {عنهم} أي: الكفار عطف ~~على ما قبله والجملتان من قوله منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ~~اعتراض بين المتعاطفين وقيل: عطف على جواب إذا المقدر {ليبتليكم} أي: ~~ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره {ولقد عفا عنكم} ما ارتكبتموه من مخالفة أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وميلكم إلى الغنيمة تفضلا منه تعالى. # فإن قيل: إن ظاهر الآية يدل على أن الذنب من الصغائر لصحة العفو عنه من ~~غير توبة لقيام الدليل على أن أصحاب الكبائر إذا لم يتوبوا لم يكونوا من ~~أهل العفو والمغفرة أجيب: بأن هذا الذنب لا شك أنه كبيرة لأنهم خالفوا صريح ~~نص الرسول صلى الله عليه وسلم وصارت تلك المخالفة سببا لانهزام المسلمين ~~فلا بد من إضمار توبتهم {وا} أي: المتفضل المنعم {ذو فضل على المؤمنين} أي: ~~يتفضل عليهم بالعفو أو في الأحوال كلها سواء أجعلت الدولة لهم أم عليهم إذ ~~الإبتلاء أيضا رحمة وقوله تعالى: # {إذ} العامل فيها مضمر أي: اذكر إذ {تصعدون} أي: تبعدون في الأرض هاربين ~~{ولا تلوون} أي: تعرجون {على أحد} أي: لا يقف أحد لأحد ولا ينتظره {والرسول ~~يدعوكم} أي: يقول: إلي عباد الله إلي عباد الله أنا رسول الله من يكر فله ~~الجنة {في أخراكم} أي: من ورائكم {فأثابكم} أي: جازاكم {غما} بالهزيمة ~~{بغم} أي: بسبب غمكم الرسول بالمخالفة. وقيل: الباء بمعنى على أي: مضاعفا ~~على غم فوت الغنيمة. # والغموم كانت هناك كثيرة أحدها: غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس ~~والأموال وثانيها: غمهم بما وقع منهم من المعصية وخوف عقابها وثالثها: غمهم ms0426 ~~بما وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ورابعها: غمهم بسبب التوبة التي ~~صارت واجبة عليهم؛ لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك ~~الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الإنهزام وذلك من أشق الأشياء؛ لأن ~~الإنسان بعد انهزامه يضعف قلبه ويجبن فإذا أمر بالمعاودة فإن فعل خاف ~~القتل، وإن لم يفعل خاف عقاب الآخرة وخامسها: غمهم حين سمعوا أن محمدا قد ~~قتل وسادسها: غمهم حين أشرف عليهم خالد بن الوليد بخيل المشركين وسابعها: ~~غمهم حين أشرف عليهم أبو سفيان. # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى ~~إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه وأراد أن يرميه فقال: ~~«أنا رسول الله» ففرحوا حين وجدوه وفرح صلى الله عليه وسلم حين رأى من ~~يمتنع به فأقبلوا على المشركين يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم ~~الذين قتلوا، فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر ~~المسلمون إليهم همهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم، فيقتلونهم فأنساهم هذا ~~ما نالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس لهم أن يعلونا اللهم إن ~~تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض» ثم بدت أصحابه فرموهم بالحجارة حتى ~~أنزلوهم، وإذا عرفت ذلك فلا يضر اختلاف المفسرين، فإن بعضهم # PageV01P255 # فسر هذين الغمين بغمين من هذه وبعضهم بخلافه وقال القفال: وعندي أن الله ~~تعالى ما أراد بقوله غما بغم اثنين وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها أي: إن ~~الله تعالى عاقبكم بغموم كثيرة مثل قتل إخوانكم وأقاربكم ونزول المشركين من ~~فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم، فكأنه تعالى قال: أثابكم ~~هذه الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زجرا لكم عن الإقدام على المعصية والإشتغال ~~بما يخالف أمر الله تعالى. والغم التغطية ومنه غم الهلال إذا لم ير وقوله ~~تعالى {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي: من الغنيمة متعلق بعفا أو بأثابكم ~~فلا زائدة {ولا ما أصابكم} أي: من القتل والهزيمة {وا خبير بما ms0427 تعملون} أي: ~~عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها. # {ثم أنزل عليكم} يا معشر المسلمين {من بعد الغم أمنة} أي: أمنا والأمن ~~والأمنة بمعنى واحد وقيل: الأمن يكون مع زوال سبب الخوف، والأمنة مع بقاء ~~سبب الخوف وكان سبب الخوف ههنا قائما وقوله تعالى: {نعاسا} بدل من أمنة، ~~وأمنة مفعول أو نعاسا هو المفعول وأمنة حال منه متقدمة {يغشى طائفة منكم} ~~وهم المؤمنون. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على التأنيث ردا إلى الأمنة ~~والباقون بالياء على التذكير ردا إلى النعاس {وطائفة} وهم المنافقون {قد ~~أهمتهم أنفسهم} أي: حملتهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إلا إنجاءها دون النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يناموا، فإن الذين كانوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم أحد فريقان أحدهما: الجازمون بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فهؤلاء كانوا قاطعين بأن الله ينصر هذا الدين وأن هذه الوقعة لا تؤدي ~~إلى الاستئصال فلا جرم كانوا آمنين وبلغ ذلك الأمن إلى أن غشيهم النعاس فإن ~~النوم لا يجيء مع الخوف، قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم ~~أحد فكان السيف يسقط من أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه، وقال ثابت عن أنس عن ~~أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا وهو يميل ~~تحت حجفته من النعاس. قال الزبير: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~اشتد الخوف، فأرسل الله علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن بشير ~~والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم يقول: {لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا ههنا} . والفريق الثاني: هم المنافقون كانوا شاكين في نبوته صلى الله ~~عليه وسلم وما حضروا إلا لطلب الغنيمة فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم. قال ~~ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان وذلك لأنه ~~في القتال لا يكون إلا من الوثوق بالله والفراغ من الدنيا، ولا يكون في ~~الصلاة إلا من غاية البعد عن الله. # فإن قيل: ما فائدة هذا ms0428 النعاس؟ أجيب: بأن له فوائد: الأولى: أن السهر ~~يوجب الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوة والنشاط والثانية: أن الكفار لما ~~اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله تعالى النوم على الباقين لئلا يشاهدوا قتل ~~غيرهم فيشتد خوفهم والثالثة: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم ~~فبقاؤهم في النوم مع السلامة في تلك المعركة من أدل الدلائل على أن الله ~~تعالى يحفظهم ويعصمهم وذلك مما يزيل الخوف من قلوبهم ويورثهم الأمن. # تنبيه: قوله تعالى: {وطائفة} مبتدأ والخبر {قد أهمتهم أنفسهم} . # فإن قيل: كيف جاز الإبتداء بالنكرة؟ أجيب: بأنه جاز لأحد # PageV01P256 # أمرين: إما للإعتماد على واو الحال وقد عده بعضهم مسوغا وإن كان الأكثر ~~لم يذكروه وأنشد: # *سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كل شارق* # وإما لأن الموضع موضع تفصيل، فإن المعنى يغشى طائفة وطائفة لم يغشاهم فهو ~~كقوله: # *إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وشق عندنا لم يحول* # وقوله تعالى: {يظنون با غير الحق} أي: أن لا ينصر الله محمدا صفة أخرى ~~لطائفة وغير الحق نصب على المصدر أي: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يحق ~~أن يظن به {ظن} أي: كظن {الجاهلية} حيث اعتقدوا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قتل أو لا ينصر وقوله تعالى: {يقولون} أي: لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بدل من يظنون {هل لنا} أي: ما لنا لفظه استفهام ومعناه جحد {من الأمر} ~~أي: النصر الذي وعدناه {من شيء} أي: شيء ومن صلة زيدت للتأكيد وهو إما ~~مبتدأ خبره لنا وإما فاعل للنا لاعتماده على الإستفهام ومن الأمر حال من ~~المبتدأ أو الفاعل وهو شيء لكونه مرفوعا حقيقة لا مجرورا، وقيل: إن عبد ~~الله بن أبيا بن سلول لما شاوره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوقعة ~~أشار إليه بأن لا يخرج من المدينة ثم إن بعض الصحابة ألحوا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم فغضب ابن أبي من ذلك، فقال: عصاني وأطاع ~~الولدان ثم لما ms0429 كثر القتل في بني الخزرج ورجع ابن أبي فقيل له: قتل بنو ~~الخزرج فقال: هل لنا من الأمر من شيء يعني أن محمدا لم يقبل قولي حين أمرته ~~بأن لا يخرج من المدينة والمعنى: هل لنا أمر يطاع فهو استفهام على سبيل ~~الإنكار {قل} لهم يا محمد {إن الأمر كله} أي: الغلبة الحقيقية لله ~~ولأوليائه، فإن حزب الله هم الغالبون أو القضاء له يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد، وقرأ أبو عمرو برفع اللام بعد الكاف على أنه مبتدأ والخبر لله ~~والباقون بالنصب على أنه توكيد.l # تنبيه: هذه الآية تدل على أن جميع المحدثات خلق الله تعالى بقضائه وقدره؛ ~~لأن المنافقين قالوا: لو أن محمدا قبل منا رأينا ونصحنا لما وقع في هذه ~~المحنة، فأجابهم الله تعالى بأن الأمر كله لله. وهذا إنما ينتظم إذا كانت ~~أفعال العباد بقضائه وقدره، إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب ~~رافعا لشبهة المنافقين وقوله تعالى: {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون} أي: ~~يظهرون {لك} حال من ضمير يقولون، وقل إن الأمر كله لله اعتراض بين الحال ~~وذي الحال أي: يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار ~~والتكذيب وقوله تعالى: {يقولون} بيان لما قبله {لو كان لنا من الأمر شيء} ~~أي: كما وعد محمد وزعم أن الأمر كله لله ولأوليائه أو لو كان الإختيار ~~إلينا لم نخرج كما كان رأي ابن أبي وغيره {ما قتلنا ههنا} أي: لما غلبنا ~~ولما قتل من قتل منا في هذه المعركة. # {قل} لهم {لو كنتم في بيوتكم} وفيكم من كتب الله تعالى عليه القتل {لبرز} ~~أي: خرج {الذين كتب} أي: قضى {عليهم القتل} منكم {إلى مضاجعهم} أي: مصارعهم ~~فيقتلوا ولم ينجهم قعودهم؛ لأن قضاء الله تعالى كائن لا محالة فإنه قدر ~~الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه وقرأ أبو عمرو وحفص وورش بضم ~~الباء في بيوتكم والباقون بالكسر قوله تعالى: {وليبتلي} أي: ليختبر {الله ~~ما في صدوركم} أي: قلوبكم من الإخلاص والنفاق ms0430 # PageV01P257 # علة فعل محذوف تقديره فرض الله عليكم القتال ولم ينصركم يوم أحد ليبتلي ~~وقيل: معطوف على علة محذوفة تقديره ليقضي الله أمره وليبتلي وقوله تعالى: ~~{وليمحص ما في قلوبكم} فيه وجهان: أحدهما: إن هذه الواقعة تخرج ما في ~~قلوبكم من الوساوس والشبهات وتظهرها والثاني: إنها تصير كغارة لذنوبكم ~~فيمحصكم من تبعات المعاصي والسيئات. # فإن قيل: قد سبق ذكر الإبتلاء في قوله تعالى: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} ~~فلم أعاده؟ أجيب: بأنه أعيد إما لطول الكلام بينهما وإما لأن الإبتلاء ~~الأول هزيمة للمؤمنين والإبتلاء الثاني بسائر الأحوال {وا عليم بذات ~~الصدور} أي: بما في القلوب قبل إظهارها وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه ~~تعالى: غني عن الإبتلاء وإنما يبتلي ليظهر للناس حال المؤمنين من حال ~~المنافقين. # {إن الذين تولوا منكم} عن القتال {يوم التقى الجمعان} أي: جمع المسلمين ~~وجمع المشركين يوم أحد وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلا: ستة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي ~~وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص {إنما استزلهم الشيطان} أي: طلب ~~منهم الزلل بوسوسته {ببعض ما كسبوا} من الذنوب بترك المركز والحرص على ~~الغنيمة ومخالفة النبي صلى الله عليه وسلم فأطاعوه فمنعوا التأييد وقوة ~~القلب حتى تولوا {ولقد عفى الله عنهم} لتوبتهم واعتذارهم {إن الله غفور} ~~للذنوب {حليم} لا يعاجل بعقوبته المذنب كي يتوب. # {يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} أي: المنافقين وهم ابن أبي ~~وأصحابه {وقالوا لإخوانهم} أي: في شأنهم ومعنى إخوانهم اتفاقهم في النفاق ~~والكفر وقيل: في النسب {إذا ضربوا في الأرض} أي: سافروا فيها لتجارة أو ~~غيرها فماتوا {أو كانوا غزا} أي: غزاة جمع غاز فقتلوا {لو كانوا عندنا ما ~~ماتوا وما قتلوا} أي: لا تقولوا كقولهم {ليجعل الله ذلك} القول في عاقبة ~~أمرهم {حسرة في قلوبهم} أي: لأنهم إذا ألقوا تلك الشبهة على المؤمنين لم ~~يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم. وقيل: إن ~~اجتهادهم ms0431 في تكثير الشبهات وإلقاء الضلالات يعمي قلوبهم فيقعون عند ذلك في ~~الحسرة والخيبة وضيق الصدر وهو المراد بقوله تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا} (الأنعام، 125) # فإن قيل: كيف قيل إذا ضربوا مع قالوا؟ أجيب: بأن ذلك هي حكاية الحال ~~الماضية قال التفتازاني معناه: إنك تقدر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان ~~الماضي، أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن وهذا كقولك: قالوا ذلك حين ~~يضربون والمعنى: حين ضربوا إلا أنك جئت بلفظ المضارع استحضارا لصورة ضربهم ~~في الأرض وقوله تعالى: {وا يحيي ويميت} رد لقولهم. أي: هو المؤثر في الحياة ~~والممات لا الإقامة والسفر، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والمغازي ويميت ~~المقيم والقاعد {وا بما تعملون بصير} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء ~~على الغيبة ردا على الذين كفروا، والباقون بتاء الخطاب ردا على قوله: ولا ~~تكونوا وهو خطاب للمؤمنين وفيه تهديد لهم على أن يماثلوهم. # {ولئن قتلتم} اللام هي الموطئة لقسم محذوف {في سبيل الله} أي: الجهاد {أو ~~متم} أي: أتاكم الموت في سبيل الله وجواب القسم قوله تعالى: {لمغفرة} كائنة ~~{من الله} وحذف جواب الشرط # PageV01P258 # لسد جواب القسم مسده لكونه دالا عليه {ورحمة} أي: من الله فحذف صفتها ~~لدلالة الأولى عليها ولا بد من حذف آخر مصحح للمعنى تقديره لمغفرة من الله ~~لكم ورحمة منه لكم. # فإن قيل: المغفرة هي الرحمة فلم كررها ونكرها؟ أجيب: بأنه إنما نكرها ~~إيذانا بأن أدنى خير وأقل شيء خير من الدنيا وما فيها وهو المراد بقوله: ~~{خير مما تجمعون} من الدنيا وأما التكرير فغير مسلم؛ لأن المغفرة مترتبة ~~على الرحمة فيرحم ثم يغفر. # فإن قيل: كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما يجمعون ولا خير فيما ~~يجمعون أصلا؟ أجيب: بأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من الحلال الذي يعد ~~خيرا وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات فقيل: ~~المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات. # {ولئن متم أو قتلتم} على أي وجه اتفق ms0432 هلاككم {لا إلى الله} لا غيره ~~{تحشرون} في الآخرة فيجازيكم وقرأ نافع وحمزة {متم} بكسر الميم والباقون ~~بالضم، وقرأ حفص {يحشرون} بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب ورسمت لا إلى ~~الله بألف بعد اللام. # فإن قيل: هنا ثلاثة مواضع فقدم الموت على القتل في الأول والأخير وقدم ~~القتل على الموت في المتوسط فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأن الأول لمناسبة ما ~~قبله من قوله: {إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا} فرجع الموت لمن ضرب في ~~الأرض والقتل لمن غزا، وأما الثاني فلأنه محل تحريض على الجهاد فقدم الأهم ~~الأشرف، وأما الأخير فلأن الموت أغلب. # {فبما رحمة} أي: فبرحمة {من الله لنت لهم} فما مزيدة للتأكيد والجار ~~والمجرور مقدم للدلالة على أن لينه صلى الله عليه وسلم ما كان إلا برحمة من ~~الله، ومعنى الرحمة توفيقه للرفق بهم حتى اغتم لهم بعد أن خالفوه {ولو كنت ~~فظا} أي: سيىء الخلق {غليظ القلب} أي: جافيا {لانفضوا} أي: تفرقوا {من ~~حولك} أي: عنك وذلك؛ لأن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله ~~تعالى إلى الخلق وذلك لا يتم إلا بميل قلوبهم إليه وسكون نفوسهم لديه وهذا ~~المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما بهم كريما يتجاوز عن ذنوبهم ويعفو عن ~~سيئاتهم ويخصهم بالبر والشفقة فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن ~~سوء الخلق وغلظ القلب ويكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء كثير القيام ~~بإعانة الفقراء. وحمل القفال هذه الآية على واقعة أحد قال: فبما رحمة من ~~الله لنت لهم يوم أحد حين عادوا إليك بعد الإنهزام، ولو كنت فظا غليظ القلب ~~فشافهتهم بالملامة على ذلك الإنهزام لانفضوا من حولك هيبة منك وحياء بسبب ~~ما كان منهم من الإنهزام، فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم {فاعف} أي: ~~تجاوز {عنهم} أي: ما أتوه {واستغفر لهم} ذنوبهم حتى أشفعك فيهم فأغفر لهم. # واختلفوا في معنى قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} على وجوه أحدها: إن ذلك ~~يقتضي شدة محبته لهم فلو لم يفعل ذلك ms0433 لكان ذلك إهانة لهم فيحل سوء الخلق ~~والفظاظة وثانيها: إنه عليه الصلاة والسلام وإن كان أكمل الناس عقلا إلا أن ~~عقول الخلق غير متناهية، فقد يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر ~~ببال آخر لا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: «أنتم ~~أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم» ولهذا السبب قال صلى الله عليه ~~وسلم «ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم» وثالثها: قال الحسن # PageV01P259 # وسفيان بن عيينة: إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة وتصير سنة ~~ورابعها: أنه عليه الصلاة والسلام شاورهم في وقعة أحد أشاروا عليه بالخروج ~~وكان ميله أن لا يخرج، فلما خرج وقع ما وقع فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ~~ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم شيء، فأمر الله تعالى ~~بمشاورتهم بعد تلك الواقعة ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة ~~وخامسها: أمره بالمشاورة لا ليستفيد منهم رأيا ولكن ليعلم مقادير عقولهم ~~ومحبتهم له. وذكروا أيضا وجوها أخر، وفي هذا القدر كفاية واتفقوا على أن كل ~~ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه؛ لأن النص ~~إذا جاء بطل الرأي {فإذا عزمت} أي: قطعت الأمر على إمضاء ما تريد بعد ~~المشاورة {فتوكل على الله} أي: ثق به لا بالمشاورة فليس التوكل إهمال ~~التدبير بالكلية بل بمراعاة الأسباب مع تفويض الأمر إلى الله تعالى {إن ~~الله يحب المتوكلين} عليه فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح. # {إن ينصركم الله} أي: يعنكم على عدوكم كيوم بدر {فلا غالب لكم} أي: فلا ~~يغلبكم أحد {وإن يخذلكم} بترك نصركم كيوم أحد {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} ~~أي: من بعد خذلانه أي: لا أحد ينصركم. وفي هذا تنبيه على المقتضي للتوكل ~~وتحريض على ما يستحق به النصر من الله وتحذير عما يستجاب خذلانه {وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون} أي: فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه؛ ~~لأن إيمانهم يوجب ms0434 ذلك ويقتضيه. # {وما كان لنبي أن يغل} أي: ما صح لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة ~~تنافي الخيانة واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس: نزلت في ~~قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض المنافقين لعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخذها، وقال مقاتل: نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز وطلبوا ~~الغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا ~~فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم تقسم يوم بدر، فقال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم «ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟» فقالوا: ~~تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال لهم صلى الله عليه وسلم «بل ظننتم أنا نغل ~~ولا نقسم لكم؟» وقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذا في الوحي يقول ما كان لنبي ~~أن يكتم شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة، كان صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ القرآن وفيه سب دينهم وسب آلهتهم فسألوا أن يترك ذلك فنزلت. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم وتأخرت ~~القسمة لبعض الموانع، فجاء قوم وقالوا: ألا نقسم غنائمنا؟ فقال عليه الصلاة ~~والسلام: «لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عليكم منه درهما أتحسبون أني ~~أغلكم مغنمكم» فنزلت وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين ~~على البناء للفاعل والباقون بضم الياء وفتح الغين على البناء للمفعول ~~والمعنى على هذا وما صح لنبي أن يوجد غالا أو ينسب إلى الغلول {ومن يغلل ~~يأت بما غل يوم القيامة} قال أكثر المفسرين: إن هذه الآية على ظاهرها، ~~قالوا: وهي نظير قوله تعالى في مانعي الزكاة {يوم يحمى عليها في نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} (التوبة، 35) # ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم «لا ألقين أحدكم يجيء على رقبته يوم ~~القيامة ببعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها نغاء فينادي: يا محمد ~~فأقول: لا أملك ms0435 لك # PageV01P260 # من الله شيئا قد بلغتك» قال المحققون: وفائدته أنه إذا جاء يوم القيامة ~~وعلى رقبته ذلك المغلول ازدادت فضيحته. وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك ~~الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: انزل إليه فخذه فينزل إليه فإذا انتهى إليه ~~حمله على ظهره، فإذا بلغ موضعه وقع في النار ثم يكلف أن ينزل إليه فيخرجه ~~ففعل ذلك به. وعن أبي هريرة: قتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبد فقال ~~الناس: هنيئا له الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلا والذي نفسي ~~بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم تشتعل ~~عليه نارا» فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «شراك من النار أو ~~شراكان من نار» وقال أبو مسلم: ليس المقصود من الآية ظاهرها بل المقصود ~~تشديد الوعيد على سبيل التمثيل كقوله تعالى: {إنها إن تك مثقال حبة من خردل ~~فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله} (لقمان، 16) # فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر بل المقصود إثبات أن الله تعالى لا يعزب ~~عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فكذا ههنا المقصود ~~تشديد الوعيد والمعنى أن الله تعالى يحفظ عليه هذا المغلول ويقرره عليه يوم ~~القيامة ويجازيه به؛ لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية. وعن أبي حميد الساعدي ~~قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أسد على الصدقة، فلما ~~قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ~~فقال: «ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، ~~فهلا جلس في بيت أمه أو في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا فوالذي نفسي ~~بيده لا يأخذ منها أحد شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان ~~بعيرا له ms0436 رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تثغو» ثم رفع يديه حتى رؤيت عفرة ~~إبطه ثم قال: «اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت» {ثم توفى كل نفس} أي: تعطى ~~جزاء {ما كسبت} أي: عملت وافيا الغال وغيره. # فإن قيل: هلا قيل: ثم يوفى أي: الغال ما كسب؟ أجيب: بأنه عم الحكم ليكون ~~كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه فإنه إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله ~~فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى {وهم لا يظلمون} شيئا فلا ينقص ثواب مطيعهم ~~ولا يزاد في عقاب عاصيهم وقوله تعالى: # {أفمن اتبع رضوان الله} الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف ~~والتقدير أفمن اتقى فاتبع رضوان الله {كمن باء} أي: رجع {بسخط من الله} ~~بسبب المعاصي {ومأواه جهنم وبئس المصير} أي: المرجع هي أي: ليس مثله واختلف ~~في المراد من هذه الآية، فقال الكلبي والضحاك: فمن اتبع رضوان الله في ترك ~~الغلول كمن باء بسخط من الله في فعل الغلول، وقال الزجاج: لما حل المشركون ~~على المسلمين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى أن يحملوا على ~~المشركين ففعله بعضهم وتركه آخرون فقوله: {أفمن اتبع رضوان الله} هم الذين ~~امتثلوا أمره كمن باء بسخط من الله هم الذين لم يقبلوا قوله. # وقيل: {أفمن اتبع رضوان الله} بالإيمان به والعمل بطاعته كمن باء بسخط من ~~الله بالكفر به والإشتغال بمعصيته، قال القاضي: وكل واحد من هذه الوجوه ~~صحيح ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه؛ لأن اللفظ عام فيجب أن يتناول الكل وإن ~~كانت الآية نزلت في واقعة معينة لكن عموم اللفظ لا يبطل # PageV01P261 # بخصوص السبب. # تنبيه: الفرق بين المصير والمرجع أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ~~ولا كذلك المرجع فإنه قد يوافق المبدأ، وقرأ شعبة {رضوان} بضم الراء ~~والباقون بالكسر وقوله تعالى: # {هم درجات} مبتدأ وخبر أي: الفريقان درجات ولا بد من تأويل في الأخبار ~~بالدرجات عن هم؛ لأنها ليست إياهم فيجوز أن يكون جعلوا نفس الدرجات مبالغة، ~~والمعنى: إنهم متفاوتون في الجزاء على ms0437 كسبهم كما أن الدرجات متفاوتة فهو ~~تشبيه بليغ بحذف الأداة أي: هم مثل الدرجات في التفاوت ويجوز أن يكون على ~~حذف مضاف أي: ذوو درجات أي: أصحاب منازل ورتب في الثواب والعقاب {عند الله} ~~فلمن اتبع رضوانه الثواب ولمن باء بسخطه العقاب {وا بصير بما يعملون} أي: ~~عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها. # {لقد من الله على المؤمنين} أي: أنعم على من آمن مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم ووجه هذه المنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما يخلصهم من ~~عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه كقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين} (الأنبياء، 107) # فإن قيل: لم خصهم بالنعمة مع أن البعثة عامة؟ أجيب: بأنهم هم المنتفعون ~~بها كقوله تعالى: {هدى للمتقين} {إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} أي: من ~~جنسهم عربيا مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على أحواله في ~~الصدق والأمانة، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به ويشرفوا به لا ~~ملكا ولا عجميا وقرىء شاذا من أنفسهم بفتح الفاء أي: من أشرفهم؛ لأنه كان ~~من أشرف قبائل العرب وبطونهم وقد خطب أبو طالب لما تزوج صلى الله عليه وسلم ~~خديجة رضي الله تعالى عنها وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر، فقال: الحمد ~~لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسمعيل وضئضىء معد وعنصر مضر وجعلنا ~~حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على ~~الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله من لا يوزن به فتى من قريش ~~الإرجح به، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل. ولم أذكر في التفسير ~~قراءة شاذة إلا هذه لكونها في شرف الرسول صلى الله عليه وسلم وقراءة السيدة ~~فاطمة رضي الله تعالى عنها {يتلو عليهم آياته} أي: القرآن بعدما كانوا ~~جهالا لم يسمعوا الوحي {ويزكيهم} أي: ويطهرهم من دنس الطباع وسوء العقائد ~~والأعمال {ويعلمهم الكتاب} أي: القرآن {والحكمة} أي: السنة من بعدما كانوا ~~من أجهل الناس ms0438 وأبعدهم من دراسة العلوم كما قال تعالى: {وإن كانوا من قبل} ~~أي: قبل بعثته صلى الله عليه وسلم {لفي ضلال مبين} أي: بين ظاهر. # {أو لما} أي: حين {أصابتكم مصيبة} بأحد بقتل سبعين منكم {قد أصبتم ~~مثليها} ببدر بقتل سبعين وأسر سبعين {قلتم} متعجبين {أنى} أي: من أين لنا ~~{هذا} القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، ~~والجملة الأخيرة محل الإستفهام الإنكاري {قل} لهم {هو من عند أنفسكم} أي: ~~هو مما اقترفته أنفسكم من مخالفة الأمر بترك المركز، فإن الوعد كان مشروطا ~~بالثبات في المركز والمطاوعة في الأمر، وعن علي رضي الله تعالى عنه لأخذكم ~~الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم. # روى عبيدة السلماني عن علي رضي الله تعالى عنه قال: جاء جبريل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله قد كره ما صنع قومك من أخذهم # PageV01P262 # الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا أي: الأسارى فتضرب ~~أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عددهم، فذكر ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم للناس فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا لا بل ~~نأخذ منهم فداهم فنتقوى به على قتال أعدائنا ويستشهد منا عدتهم، فقتل منهم ~~يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر» وهذا معنى قوله: {قل هو من عند أنفسكم} أي: ~~بأخذكم الفداء واختياركم للقتل {إن الله على كل شيء قدير} فيقدر على النصر ~~وعلى منعه وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى. # {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} أي: جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد ~~من القتل والجرح والهزيمة {فبإذن الله} أي: فهو كائن بقضائه وإرادته ودخلت ~~الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط نحو الذي يأتيني فله درهم {وليعلم ~~المؤمنين} وقد تقدم أن معنى وليعلم الله كذا أي: يميز أو يظهر للناس ما كان ~~في علمه. # {وليعلم الذين نافقوا} قال الواحدي: يقال نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر ~~كلمة الإيمان وأضمر خلافها. قال أبو عبيدة: مشتق من ms0439 نافقاء اليربوع؛ لأن ~~جحر اليربوع له بابان القاصعاء والنافقاء فإن طلب من أيهما كان يخرج من ~~الآخر فقيل للمنافق: إنه منافق وهم اسم إسلامي؛ لأنه صنع لنفسه طريقين ~~إظهار الإسلام وإضمار الكفر فمن أيهما طلب خرج من الآخر وقوله تعالى: {وقيل ~~لهم} عطف على نافقوا أي: وليعلم الذين قيل لهم لما انصرفوا عن القتال ~~وقالوا: لم نلقي أنفسنا في القتل فرجعوا، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه ~~وكانوا ثلاثمائة من جملة الألف الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {تعالوا قاتلوا في سبيل الله} الكفار {أو ادفعوا} عنا أي: إن كان في ~~قلبكم حب الإيمان فقاتلوا للدين، وإن لم تكونوا كذلك فقاتلوا دفعا عن ~~أنفسكم وأهليكم وأموالكم، وقال السدي وابن جريج: ادفعوا عنا العدو بتكثير ~~سوادنا إن لم تقاتلوا معنا؛ لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة. # روي عن سهل بن سعد الساعدي وقد كف بصره: لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر ~~من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوهم قيل: وكيف وقد ذهب بصرك؟ قال: ~~لقوله تعالى: {أو ادفعوا} أراد أكثروا سوادهم واختلفوا في القائل فقال ~~الأصم: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى القتال وقيل: أبو ~~جابر الأنصاري قال لهم: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو ~~{قالوا لو نعلم} أي: نحسن {قتالا لاتبعناكم} فيه قال تعالى تكذيبا لهم: {هم ~~للكفر يومئذ} أي: يوم إذ قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم {أقرب منهم ~~للإيمان} أي: لانقطاعهم وارتدادهم وكلامهم، فإن ذلك أول إمارات ظهرت منهم ~~مؤذنة بكفرهم. وقيل: المعنى على حذف مضاف أي: هم لأهل الكفر أقرب منهم لأهل ~~الإيمان بما أظهروه من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل أقرب إلى الإيمان من ~~حيث الظاهر. # تنبيه: فضلوا هنا على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين، ولولا ذلك لم يجز ~~تقول زيد قاعدا أفضل منه قائما أو زيد قاعدا اليوم أفضل منه قاعدا غدا ولو ~~قلت: زيد اليوم قاعدا أفضل منه اليوم قاعدا لم يجز {يقولون بأفواههم ما ليس ~~في قلوبهم} أي: ms0440 يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطىء قلوبهم ألسنتهم بالإيمان ~~فهم وإن كانوا يظهرون الإيمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر. # تنبيه: # PageV01P263 # إضافة القول إلى الأفواه تصوير لنفاقهم، فإن إيمانهم موجود في أفواههم ~~فقط وبهذا انتفى كونه للتأكيد، كما قيل به لتحصيل هذه الفائدة وقال ابن ~~عادل: والظاهر أن القول يطلق على اللساني وعلى النفساني فتقييده بأفواههم ~~تقييد لأحد محمليه اللهم إلا أن يقال إطلاقه على النفساني مجاز {وا أعلم ~~بما يكتمون} أي: عالم بما في ضمائرهم وبما يخلو به بعضهم إلى بعض فإنه يعلم ~~ذلك مفصلا بعلم واجب وأنتم تعلمونه مجملا بإمارات وجوزوا في موضع. # {الذين قالوا} ألقاب الإعراب الثلاثة: الرفع والنصب والجر، فالرفع من ~~ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مرفوعا على خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين، ~~الثاني: أنه بدل من واو يكتمون، الثالث: إنه مبتدأ والخبر قوله {قل فادرؤا} ~~ولا بد من حذف عائد تقديره قل لهم فادرؤا، والنصب من ثلاثة أوجه أيضا: ~~أحدها: النصب على الذم أي: أذم الذين قالوا، الثاني: أنه بدل من الذين ~~نافقوا، الثالث: إنه صفة لهم، والجر من وجهين: أحدهما أنه بدل من الضمير في ~~بأفواههم، والثاني: أنه بدل من الضمير في قلوبهم. كقول الفرزدق: # *على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده لضن بالماء حاتم* # بجر حاتم على أنه بدل من الهاء في جوده وضن مبني للمفعول وهو بالماء أي: ~~ولو أن حاتما مستقرا في القوم كائنا على جوده، وهم بتلك الحالة لبخل بالماء ~~{لإخوانهم} أي: لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو ~~إخوانهم في النسب أو في سكنى الدار أو في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقوله تعالى: {وقعدوا} حال مقدرة بقد أي: قالوا: قاعدين عن القتال {لو ~~أطاعونا} في القعود {ما قتلوا} كما لم نقتل. واختلف في قائل ذلك، فقال أكثر ~~المفسرين: هو ابن أبي وأصحابه، وقول الأصم هذا لا يجوز؛ لأن ابن أبي خرج مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد يوم أحد وهذا ms0441 القول واقع ممن تخلف فيه ~~نظر لاحتمال أن المراد بالقعود القعود عن القتال لا عن الخروج إلى القتال ~~{قل:} لهم {فادرؤا} أي: ادفعوا {عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} في أن ~~القعود ينجي منه لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت لم تقدروا ~~على دفع سائر أسبابه المبثوثة ولا بد لكم أن يتعلق بكم بعضها. # وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة: سبعون منافقا. # فإن قيل: ما وجه هذا الاستدلال فإن التحرز عن القتل ممكن وأما التحرز عن ~~الموت فغير ممكن؟ أجيب: بأن الكل بقضاء الله وقدره فلا فرق بين الموت ~~والقتل وفي قوله تعالى: {فادرؤا عن أنفسكم الموت} استهزاء بهم أي: إن كنتم ~~رجالا دفاعين لأسباب الموت فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا، ونزل في ~~شهداء أحد كما رواه الحاكم: وكانوا سبعين رجلا: أربعة من المهاجرين حمزة بن ~~عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شاس وعبد الله بن جحش وسائرهم من ~~الأنصار. # {ولا تحسبن} أي: ولا تظنن {الذين قتلوا في سبيل الله} أي: لأجل دينه ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد {أمواتا بل} هم {أحياء عند ~~ربهم} أي: ذوو زلفى منه فليس المراد القرب المكاني لاستحالته ولا بمعنى في ~~علمه وحكمه لعدم مناسبة المقام له بل بمعنى القرب شرفا ورتبة. # قال البيضاوي وقيل: نزلت في شهداء بدر أي: وكانوا أربعة عشر رجلا ثمانية ~~من الأنصار وستة من المهاجرين، قال شيخنا القاضي زكريا: وهو غلط إنما نزل ~~فيهم آية البقرة # PageV01P264 # {يرزقون} من ثمار الجنة. # روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أرواح الشهداء في أجواف طيور ~~خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش» ~~. # وروي أن الله تعالى يطلع عليهم ويقول: سلوني ما شئتم فيقولون: يا رب كيف ~~نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا؟ فلما رأوا أن لا يتركوا من أن ~~يسألوا شيئا قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا نقتل في ~~سبيلك ms0442 لما رأوا من النعيم، كما قال تعالى: # {فرحين بما آتاهم الله من فضله} وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية ~~والقرب من الله والتمتع بنعيم الجنة {ويستبشرون} أي: ويفرحون {بالذين لم ~~يلحقوا بهم} من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان ~~والجهاد لعلمهم أنهم إذا استشهدوا لحقوا بهم ونالوا من الكرامة ما نالوا ~~فلذلك يستبشرون {من خلفهم} أي: الذين من خلفهم زمانا أو رتبة وأبدل من ~~الذين {أن} أي: بأن {لا خوف عليهم} أي: الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم {ولا ~~هم يحزنون} في الآخرة والمعنى: إنهم يستبشرون بما تبين لهم من أمر الآخرة ~~وحال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة لا ~~يكدرون بخوف وقوع محذور ولا بحزن فوات محبوب وفي ذكر حال الشهداء ~~واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على ازدياد الطاعة والجد في الجهاد ~~والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم وإحماد لحال من يرى نفسه في خير ~~فيتمنى مثله لإخوانه؛ لأن الله تعالى مدحهم على ذلك. # {يستبشرن بنعمة من الله وفضل} لما بين تعالى أنهم يستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم بين هنا أنهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم لذلك أعاد ~~لفظ الإستبشار. # فإن قيل: أليس ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الإستبشار فلزم ~~التكرار؟ أجيب: بأن الإستبشار هو الفرح التام فلا يلزم التكرار بأن المراد ~~حصول الفرح بما حصل في الحال وحصول الإستبشار بما عرفوا أن النعمة العظيمة ~~تحصل لهم في الآخرة والفرق بين النعمة والفضل أن النعمة هي الثواب والفضل ~~هو التفضل الزائد. # فإن قيل: لم قال يستبشرون من غير عطف؟ أجيب: بأنه تأكيد للأول؛ لأنه قصد ~~بالنعمة والفضل بيان متعلق الإستبشار الأول {وأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين} لما ذكر إيصال الثواب العظيم إلى الشهداء بين أن ذلك ليس مخصوصا ~~بهم بل كل مؤمن يستحق شيئا من الأجر والثواب، فإن الله تعالى يوصل ثوابه ~~إليه ولا يضيعه وقوله تعالى: # {الذين استجابوا والرسول} أي: دعاءه مبتدأ {من بعد ما ms0443 أصابهم القرح} بأحد ~~وخبر المبتدأ {للذين أحسنوا منهم} بطاعته {واتقوا} مخالفته {أجر عظيم} هو ~~الجنة. # روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا ~~بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من ~~نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان وقال: «لا يخرجن ~~معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فخرج صلى الله عليه وسلم مع جماعة حتى ~~بلغوا حمراء الأسد» وهي من المدينة على ثمانية أميال وكان بأصحابه القرح ~~فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر. # PageV01P265 #خطأ # روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر ~~القابل إن شئت، فقال صلى الله عليه وسلم «إن شاء الله» فلما كان القابل خرج ~~أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له ~~أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال: يا نعيم إني ~~واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى ~~فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن لا أخرج إليه، وأكره أن يخرج محمد ~~ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جراءة، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من أن ~~يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أني في جمع كثير ولا طاقة لهم ~~بنا ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يد سهل بن عمرو ويضمنها، فقال له ~~نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي ذلك وأنطلق إلى محمد وأثبطه؟ قال: نعم، فخرج ~~نعيم حتى أتى المدينة، فوجد الناس يجهزون لميعاد أبي سفيان فقال: أين ~~تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها، فقال: ~~بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم أحد إلا شريدا ~~فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم والله لا يفلت منكم أحد، فكره ~~بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج، فقال رسول ms0444 الله صلى الله ~~عليه وسلم «والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي ولو لم يخرج معي أحد» فخرج في ~~سبعين راكبا وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل ولم يلتفتوا إلى ذلك القول ~~كما قال تعالى: {فزادهم} ذلك القول {إيمانا} أي: تصديقا بالله ويقينا ~~{وقالوا حسبنا الله} أي: كافينا أمرهم {ونعم الوكيل} أي: المفوض إليه الأمر ~~هو حتى وافوا بدرا الصغرى فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش ~~فيقولون: قد جمعوا لكم يريدون أن يرهبوا المسلمين فيقول المسلمون: حسبنا ~~الله ونعم الوكيل وهذه هي الكلمة التي قالها إبراهيم صلوات الله وسلامه ~~عليه حين ألقي في النار، حتى بلغوا بدرا # وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام، ~~فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان ثمان ليال ولم ~~يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين ووافوا السوق ~~وكان معهم تجارات فباعوها واشتروا # PageV01P266 # أدما وزبيبا وأصابوا الدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ~~كما قال تعالى: # أي: انصرفوا {بنعمة من الله} أي: بعافية لم يلقوا عدوا {وفضل} أي: تجارة ~~وربح وهو ما أصابوا في السوق {لم يمسسهم سوء} أي: لم يصبهم أذى ولا مكروه، ~~ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق قالوا: إنما خرجتم ~~لتشربوا السويق. # تنبيه: الناس الأول المثبطون والآخرون أبو سفيان وأصحابه. # فإن قيل: المثبط هو أبو نعيم فكيف قيل: الناس؟ أجيب: بأنه من جنس الناس ~~كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس البرد وماله إلا فرس واحد، وبرد واحد ~~ولأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يثبطون مثل تثبيطه بل قيل: ~~إنهم كانوا جماعة فقد مر بأبي سفيان ركب من عبد القيس يريدون المدينة ~~للميرة فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم. # فإن قيل: كيف زادهم القول إيمانا؟ أجيب: بأنهم لما سمعوا ذلك وأخلصلوا ~~عنده النية والعزم على الجهاد وأظهروا حمية الإسلام كان ذلك أثبت ليقينهم ~~وأقوى لاعتقادهم كما يزداد الإيمان ms0445 والإيقان بتناصر الحجج، ولأن خروجهم على ~~أثر التثبيط إلى وجه العدو طاعة عظيمة والطاعات تزيد الإيمان فعن ابن عمر ~~رضي الله تعالى عنهما قلنا: يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص قال: «نعم ~~يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار» . وعن عمر رضي الله ~~تعالى عنه أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: قم بنا نزدد إيمانا، وعنه رضي ~~الله تعالى عنه: «لو وزن إيمان أبي بكر رضي الله تعالى عنه بإيمان هذه ~~الأمة لرجح به» {واتبعوا رضوان الله} الذي هو مناط الفوز بخير الدارين ~~بجراءتهم وخروجهم {وا ذو فضل عظيم} قد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان ~~والتوفيق للمبادرة إلى الجهاد والتصلب في الدين وإظهار الجراءة على العدو ~~بالحفظ على كل من يسوءهم وإصابة النفع من ضمان الأجر حتى انقلبوا بنعمة من ~~الله وفضل وفيه تحسر المتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به. # {إنما ذلكم} أي: المثبط أو أبو سفيان {الشيطان يخوف أولياءه} أي: ~~القاعدين عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم أو يخوفكم أولياءه وهم أبو ~~سفيان وأصحابه، ويدل على ذلك قوله تعالى: {فلا تخافوهم وخافون} في مخالفة ~~أمري فجاهدوا مع رسولي {إن كنتم مؤمنين} حقا فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف ~~الله على خوف الناس، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء وصلا وحذفها وقفا، ~~والباقون بالحذف وقفا ووصلا. # {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} أي: يقعون فيه وقوعا سريعا حرصا ~~عليه، وهم المنافقون من المتخلفين أو قوم ارتدوا عن الإسلام أي: لا تهتم ~~لكفرهم {إنهم لن يضروا الله شيئا} بفعلهم وإنما يضرون به أنفسهم، وقرأ نافع ~~يحزنك بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع ما خلا قوله تعالى في الأنبياء {لا ~~يحزنهم الفزع الأكبر} (الأنبياء، 103) # فإنه على فتح الياء وضم الزاي فيه والباقون كذلك في الكل من حزنه لغة في ~~أحزنه {يريد الله أن لا يجعل لهم حظا} أي: نصيبا {في الآخرة} أي: الجنة ~~فلذلك خذلهم وهو يدل على تمادي طغيانهم وموتهم على الكفر {ولهم} مع ms0446 حرمان ~~الثواب {عذاب عظيم} في النار. # {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} أي: أخذوه بدله {لن يضروا الله} بكفرهم ~~{شيئا ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم وكرر ذلك للتأكيد أو هو تعميم للكفرة بعد ~~تخصيص من نافق # PageV01P267 # من المتخلفين أو ارتدوا من الأحزاب. # ونزل في مشركي مكة كما قاله مقاتل أو في قريظة أو النضير كما قاله عطاء: # {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي} أي: نمهل {لهم} بتطويل الأعمار {خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} بكثرة المعاصي {ولهم عذاب مهين} أي: ~~ذو إهانة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن ~~عمله» قيل: فأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله» وقرأ حمزة: {ولا ~~تحسبن الذين كفروا} و {لا تحسبن الذين يبخلون} بالتاء فيهما على الخطاب، ~~والباقون بالياء على الغيبة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة. # {ما كان الله ليذر} أي: ليترك {المؤمنين على ما أنتم عليه} أيها الناس من ~~اختلاط المسلم بغيره {حتى يميز} أي: يفصل {الخبيث} أي: المنافق {من الطيب} ~~، واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال الكلبي: قالت قريش: يا محمد تزعم أن ~~من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو في ~~الجنة والله عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن؟ فنزلت وقال السدي: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عرضت علي أمتي في صورتها في الطين كما ~~عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن ومن يكفر» فبلغ ذلك المنافقين، فقالوا ~~استهزاء: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم يخلق بعده ونحن معه ~~وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر وحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام طعنوا في علمي لا تسألوني عن شيء ~~فيما بينكم وبين الساعة إلا نبأتكم به» فقام عبد الله بن حذافة السهمي ~~فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: «حذافة» فقام عمر رضي الله تعالى ms0447 عنه ~~فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبك ~~نبيا فاعف عنا عفا الله تعالى عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «فهل ~~أنتم منتهون؟» ثم نزل عن المنبر فنزلت. # فإن قيل: لمن الخطاب في أنتم؟ أجيب: بأنه للمصدقين جميعا من أهل النفاق ~~والإخلاص كأنه قيل: ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم ~~عليها من اختلاط بعضكم ببعض، وأنه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على ~~التصديق جميعا حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم أو ~~بالتكاليف الشاقة التي لا يصبر عليها ولا يذعن لها إلا الخلص المخلصون منكم ~~كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله فيختبر بها بواطنكم ويستدل بها على ~~عقائدكم ففعل ذلك يوم أحد حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقرأ حمزة والكسائي يميز بضم الياء وفتح الميم وتشديد الياء بعد ~~الميم مع كسرها، والباقون بفتح الياء وكسر الميم وسكون الياء بعد الميم ~~{وما كان الله ليطلعكم على الغيب} فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز ~~{ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات أو ~~ينصب له ما يدل عليها {فآمنوا با ورسله} أي: بصفة الإخلاص أو بأن تعلموا أن ~~الله وحده مطلع على الغيب وتعلموا أنهم عباد مجتبون لا يعلمون إلا ما علمهم ~~الله تعالى ولا يقولون إلا ما يوحى إليهم. # روي أن الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن ومن يكفر ~~فنزلت الآية {وإن تؤمنوا} حق الإيمان {وتتقوا} النفاق {فلكم أجر عظيم} أي: ~~لا يقادر قدره. # {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو} أي: بخلهم {خيرا لهم ~~بل هو} أي: بخلهم {شر لهم} لاستجلاب # PageV01P268 # العقاب إليهم، واختلفوا في المراد بهذا البخل، فقال أكثر العلماء: المراد ~~به منع الواجب واستدلوا بوجوه: أحدها: أن الآية دالة على الوعيد الشديد ~~وذلك لا يليق إلا بالواجب وثانيها: أن الله تعالى ذم البخل، والتطوع لا يذم ~~على تركه وثالثها: قال ms0448 عليه الصلاة والسلام: «وأي داء أدوأ من البخل» ، ~~وتارك التطوع لا يليق به هذا الوصف وإنفاق الواجب على أقسام منها: إنفاقه ~~على نفسه وعلى أقاربه الذين تلزمه مؤنتهم ومنها: الزكوات ومنها ما إذا ~~احتاج المسلمون إلى دفع عدو يقصد أنفسهم وأموالهم فيجب عليهم إنفاق الأموال ~~على من يدفعهم عنهم ومنها: دفع ما يسد رمق المضطر. # {سيطوقون} أي: سوف يطوقون {ما بخلوا به يوم القيامة} اختلفوا في هذا ~~الوعيد، فقال ابن عباس وابن مسعود: يجعل ما منعه من الزكاة حية يطوقها في ~~عنقه يوم القيامة تنهشه من فرقه إلى قدمه وتنقر رأسه تقول: أنا مالك. وعن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له ~~زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول: أنا مالك ~~أنا كنزك ثم تلا: {ولا يحسبن الذين يبخلون} الآية» ، وعن أبي ذر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده أو الذي لا إله غيره أو كما ~~حلف ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتى بها يوم ~~القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت عليه ~~أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس» وقال مجاهد: معنى سيطوقون ~~سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة أي: يؤمرون بأداء ما منعوا فلا ~~يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخا وقيل: إن هذه الآية نزلت في أحبار ~~اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وأراد بالبخل كتمان ~~العلم كما في سورة النساء: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما ~~آتاهم الله من فضله} (النساء، 37) # ومعنى قوله: على هذا سيطوقون أي: يحملون وزره وإثمه كقوله تعالى: {يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم} (الأنعام، 31) # وقوله تعالى: {وميراث السموات والأرض} في معناه وجهان أحدهما: أن له ما ~~فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال ms0449 وغيره فهو الباقي الدائم بعد فناء خلقه ~~وزوال أملاكهم فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله ونحوه قوله ~~تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} (الحديد، 7) # والثاني: وبه قال الأكثرون: إن معناه أنه يفنى أهل السموات والأرض ويفنى ~~الأملاك ولا مالك لها إلا الله فجرى هذا مجرى الوراثة، قال ابن الأنباري: ~~يقال: ورث فلان علم فلان إذا انفرد به بعد أن كان مشاركا فيه، وقال تعالى: ~~{وورث سليمان داود} (النمل، 16) # لأنه انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركا له فيه. # {وا بما تعملون} من المنع والإعطاء {خبير} فيجازيكم به، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب. # {س3ش181//ش186 لقد سمع الله قول الذين قالو?ا? إن الله فقير ونحن أغنيآء? ~~سنكتب ما قالوا? وقتلهم ا?ن?بيآء بغير حق ونقول ذوقوا? عذاب الحريق * ذالك ~~بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد * الذين قالو?ا? إن الله عهد ~~إلينآ أs نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار? قل قد جآءكم رسل من ~~قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين * فإن كذبوك فقد ~~كذب رسل من قبلك جآءو بالبينات والزبر والكتاب المنير * كل نفس ذآئقة ~~الموت? وإنما توفون أجوركم يوم القيامة? فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد ~~فاز? وما الحياة الدنيآ إs متاع الغرور * لتبلون فى? أموالكم وأنفسكم ~~ولتسمعن من الذين أوتوا? الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركو?ا? أذى كثيرا? ~~وإن تصبروا? وتتقوا? فإن ذالك من عزم ا?مور} # {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} قال الحسن ~~ومجاهد لما نزل قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} (البقرة، ~~245) # قالت اليهود: إن الله فقير ويستقرض منا ونحن أغنياء، وذكر الحسن: أن قائل ~~هذه المقالة حيي بن أخطب، وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحق: «كتب ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قينقاع يدعوهم ~~إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة # PageV01P269 # وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، ms0450 فدخل أبو بكر ذات يوم بيت مدارسهم فوجد أناسا ~~كثيرا من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من ~~علمائهم ومعه حبر آخر يقال له أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم ~~فوالله إنك لتعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بالحق من عند الله ~~تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة، فآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك ~~الجنة ويضاعف لك الثواب، فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرض من ~~أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني، فإن كان ما تقول حقا فإن الله إذن ~~لفقير ونحن أغنياء وإنه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنيا ما أعطانا ~~الربا يعني في قوله: {فيضاعفه له أضعافا كثيرة} (،) # فغضب أبو بكر رضي الله تعالى عنه وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي ~~نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال: ~~يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما زعم أن الله فقير وهم أغنياء ~~فغضبت لله فضربت وجهه. فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله عز وجل ردا على فنحاص ~~وتصديقا لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: {لقد سمع الله} الآية» . # وهذا لا يدل على أن غيره لم يقل ذلك؛ لأن الآية دالة على أن القائل جماعة ~~لقوله تعالى: الذين قالوا: {سنكتب} أي نأمر بكتب {ما قالوا} من الإفك ~~والفرية في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه ونحوه وإنا له كاتبون أو سنحفظه في ~~علمنا لا نهمله؛ لأنه كلمة عظيمة إذ هو كفر بالله واستهزاء بالله والرسول ~~ولذلك نظمه مع قتل الأنبياء كما قال تعالى: {وقتلهم} أي: وسنكتب قتلهم ~~{الأنبياء بغير حق} وفي نظمه به تنبيه على أنه ليس أول جريمة ارتكبوها وأن ~~من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد ms0451 منه أمثال هذا القول {ويقول} أي: الله ~~لهم في الآخرة على لسان الملائكة {ذوقوا عذاب الحريق} أي: النار وهي بمعنى ~~المحرق كما يقال عذاب أليم أي: مؤلم وقرأ حمزة: سيكتب بالياء المثناة تحت ~~بعد السين مضمومة وفتح التاء بعد الكاف وضم اللام من قتلهم وبالياء في ~~ويقول والباقون بالنون بعد السين مفتوحة وضم التاء بعد الكاف ونصب اللام من ~~قتلهم وبالنون في ونقول ويقال لهم: إذا ألقوا في النار. # {ذلك} أي: العذاب {بما قدمت أيديكم} من الإفتراء وقتل الأنبياء وغير ذلك ~~من المعاصي وعبر بالأيدي عن الأنفس؛ لأن أكثر أعمالها بهن {وأن الله ليس ~~بظلام} أي: بذي ظلم {للعبيد} فيعذبهم بغير ذنب. # فإن قيل: ظلام للمبالغة المقتضية للتكثير فهو أخص من ظالم ولا يلزم من ~~نفي الأخص نفي الأعم أجيب: بأنه لما قوبل بالعبيد وهم كثيرون ناسب أن يقابل ~~الكثير بالكثير وبأنه إذا نفي الظلم الكثير ينفى القليل؛ لأن الذي يظلم ~~إنما يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه فيمن يجوز عليه ~~النفع والضر كان لقليله مع قلة نفعه أترك وبأن ظلام للنسب كما قدرته في ~~الآية الكريمة، كما في بزاز وعطار أي: لا ينسب إليه ظلم البتة وقوله تعالى: # {الذين} نعت للذين قبله {قالوا} لمحمد صلى الله عليه وسلم تزعم أن الله ~~بعثك بالحق رسولا وأنزل عليك كتابا وأن نؤمن بك أي: وقالوا {إن الله} قد ~~{عهد إلينا} أي: أمرنا # PageV01P270 # وأوصانا في كتبه {أن لا نؤمن لرسول} أي: لا نصدق رسولا أنه قد جاء من عند ~~الله {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} أي: حتى يأتينا بهذه المعجزة الخاصة ~~التي كانت لأنبياء بني إسرائيل، فيكون دليلا على صدقه والقربان كل ما يتقرب ~~به العبد إلى الله من نسيكة وعمل صالح وكانوا إذا قربوا قربانا أو غنموا ~~غنيمة جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وهفيف فتأكل ذلك ~~القربان وتأكل الغنيمة. ومعنى أكلها أن تحيل ذلك إلى طبعها بالإحراق فيكون ~~ذلك علامة القبول وإذا لم يتقبل ms0452 بقي على حاله وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم؛ ~~لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات ~~في ذلك سواء، وقال السدي: هذا الشرط جاء في التوراة ولكنه مع شرط آخر وهو ~~أن الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى ~~يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا ~~بهما فإنهما يأتيان بغير قربان قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم {قل} لهم ~~يا محمد {قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} أي: بالمعجزات {وبالذي قلتم} من ~~القربان كزكريا ويحيى فقتلتموهم {فلم قتلتموهم} والخطاب لمن في زمن نبينا ~~وإن كان الفعل لأجدادهم لرضاهم به {إن كنتم صادقين} في أنكم تؤمنون بالرسل ~~عند الإتيان بذلك. # ثم قال الله تعالى تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه ~~واليهود: # {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات} أي: المعجزات {والزبر} ~~أي: الصحف كصحف إبراهيم {والكتاب} أي: التوراة والإنجيل {المنير} أي: ~~الواضح فاصبر كما صبروا، وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند ~~الجيم والباقون بالإدغام، وقرأ ابن عامر وبالزبر بالباء الموحدة والباقون ~~بغير باء بعد الواو، وقرأ هشام وبالكتاب بالباء الموحدة بعد الواو والباقون ~~بغير باء وقوله تعالى: # {كل نفس ذائقة الموت} زيادة تأكيد في تسليته صلى الله عليه وسلم ومبالغة ~~في إزالة الحزن عن قلبه، فإن من علم أن عاقبته إلى الموت زالت عن قلبه ~~الغموم والأحزان. # روي أن الله تعالى لما خلق آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها فوعدها ~~أن يرد فيها ما أخذ منها فما من أحد إلا يدفن في التربة التي أخذ منها، ~~ولأن بعد هذه الدار دارا يتميز فيها المحسن من المسيء والمحق من المبطل ~~ويجازى كل بما يستحقه كما قال تعالى: {وإنما توفون أجوركم} أي: جزاء ~~أعمالكم {يوم القيامة} إن خيرا فخير وإن شرا فشر {فمن زحزح} أي: بعد {عن ~~النار وأدخل الجنة فقد فاز} بالنجاة ونيل المراد والفوز بالظفر بالبغية ms0453 ~~بالنظر إلى وجه الله تعالى الكريم {وما الحياة الدنيا} أي: العيش فيها {إلا ~~متاع الغرور} أي: الباطل يتمتع به قليلا ثم يفنى. # روي أن الله تعالى يقول: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر» اقرؤوا إن شئتم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} (السجدة، 17) # وإن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرؤوا إن ~~شئتم {وظل ممدود} (الواقعة، 30) # ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها واقرؤوا إن شئتم {فمن زحزح ~~عن النار} الآية» . # وروي: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ويؤتي الناس ما يحب أن يؤتى # PageV01P271 # إليه» أي: يفعل بهم ما يحب أن يفعل به. # وقوله تعالى: {لتبلون} جواب قسم محذوف تقديره والله لنبلون وحذف منه نون ~~الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع وحذفت واو الرفع لالتقاء الساكنين ~~أي: لتختبرن {في أموالكم} بالفرائض فيها والجوائح {و} في {أنفسكم} ~~بالعبادات والبلاء والأسر والجراح وغير ذلك {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم} أي: اليهود والنصارى {ومن الذين أشركوا} أي: مشركي العرب {أذى ~~كثيرا} وذلك أنهم كانوا يقولون: عزير ابن الله والمسيح ابن الله وثالث ~~ثلاثة وكانوا يطعنون في النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما يقدرون عليه وهجاه ~~كعب بن الأشرف وكانوا يحرضون الناس على مخالفته صلى الله عليه وسلم ويجمعون ~~العساكر لمحاربته ويثبطون المسلمين عن نصرته {وإن تصبروا} على ذلك {وتتقوا} ~~الله {فإن ذلك من عزم الأمور} أي: من صواب التدبير والرشد الذي ينبغي لكل ~~عاقل أن يقدم عليه، واختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن جريج والكلبي ~~ومقاتل: نزلت في أبي بكر وفنحاص وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ~~أبا بكر إلى فنحاص اليهودي ليستمده وكتب إليه كتابا لا تفتاتن علي بشيء حتى ~~ترجع إلي فجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهو متوشح بالسيف ms0454 فأعطاه الكتاب ~~فلما قرأه قال: احتاج ربك إلى أن نمده فهم أبو بكر أن يضربه بالسيف فتذكر ~~أبو بكر قول النبي صلى الله عليه وسلم وكف عنه، فنزلت وقال الزهري: نزلت في ~~كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعره ويسب ~~المسلمين ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه في شعره ~~ويتشبب بنساء المسلمين. # تنبيه: في الآية تأويلان: أحدهما: المراد بالمصابرة أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بالصبر على الإبتلاء في النفس والمال وتحمل الأذى وترك المعارضة ~~والمقاتلة وذلك لأنه أقرب إلى دخول المخالف في الدين كقوله تعالى: {فقولا ~~له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} (طه، 44) # وقال تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} (الجاثية، ~~14) # وقال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} (الفرقان، 72) # وقال تعالى: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} (الأحقاف، 35) # وقال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم} (فصلت، 34) ، قال الواحدي: وهذا قبل نزول آية السيف، وقال القفال: ~~والذي عندي أن هذا ليس بمنسوخ والظاهر أنها نزلت عقب قصة أحد والمعنى أنهم ~~أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول عليه الصلاة والسلام من طريق الأقوال ~~الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال والأمر بالقتال ~~لا ينافي الأمر بالمصابرة. التأويل الثاني: إن المراد الصبر على مجاهدة ~~الكفار ومنابذتهم والإنكار عليهم، فالصبر عبارة عن احتمال المكروه والتقوى ~~عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي. # اذكر {إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} أي: العهد عليهم في التوراة ~~أي: على علمائهم {ليبيننه} أي: الكتاب {للناس ولا يكتمونه} قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وشعبة بالياء في الفعلين على الغيبة؛ لأن أهل الكتاب المخاطبين ~~بذلك غيب، والباقون بالتاء على الخطاب حكاية لمخاطبتهم {فنبذوه} أي: طرحوا ~~الميثاق {وراء ظهورهم} أي: لم يعملوا به ولم يلتفتوا إليه ونقيض هذا جعله ~~نصب عينيه {واشتروا به} أي: أخذوا بدله {ثمنا قليلا} من حطام # PageV01P272 # الدنيا وأعراضها من ms0455 سفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوتها عليهم ~~وقوله تعالى: {فبئس ما يشترون} العائد محذوف تقديره يشترونه، قال قتادة رضي ~~الله تعالى عنه: «هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم شيئا فليعلمه ~~وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة» ، وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: لولا ~~ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية وقال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام ~~من نار» وقال أبو الحسن بن عمارة رضي الله تعالى عنه: أتيت الزهري بعد أن ~~ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني فقال: أما علمت أني ~~قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك فقال: حدثني فقلت: حدثني ~~الحكم بن عيينة عن يحيى بن الخراز قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله ~~تعالى عنه يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل ~~العلم أن يعلموا قال: فحدثني أربعين حديثا. # {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} أي: فعلوا من إضلال الناس {ويحبون أن ~~يحمدوا} بما أوتوا من علم التوراة و {بما لم يفعلوا} من التمسك بالحق وهم ~~على ضلال وهذا أيضا من جملة أذاهم، لأنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع ~~الخبث والتلبيس على ضعفة المسلمين ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل البر والصدق ~~والتقوى ولا شك أن الإنسان يتأذى بمشاهدة مثل هذه الأحوال فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالصبر عليها. # روي أنه صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا ~~الحق وأخبروه بخلافه، وأروه أنهم قد صدقوا وفرحوا بما فعلوا فأطلع الله ~~تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي: لا ~~تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب وقيل: هم قوم ~~تخلفوا عن الغزو ثم ms0456 اعتذروا بأنهم رأوا المصلحة في التخلف واستحمدوا به، ~~وقيل: هم المنافقون فإنهم يفرحون بمنافقتهم ويستحمدون إلى المسلمين ~~بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة ويجوز أن يكون شاملا لكل من يأتي ~~بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة ~~والزهد بما ليس فيه وقوله تعالى: {فلا تحسبنهم} تأكيد {بمفازة} أي: مكان ~~ينجون فيه {من العذاب} في الآخرة بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم {ولهم ~~عذاب أليم} أي: مؤلم فيها وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب ~~والباقون بالياء على الغيبة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة والباقون ~~بالكسر، ومفعولا تحسب الأولى دل عليهما مفعولا الثانية على قراءة التحتانية ~~وعلى الفوقانية حذف الثاني فقط، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فلا يحسبنهم ~~بالياء على الغيبة وضم الباء الموحدة والباقون بالتاء على الخطاب وفتح ~~الباء الموحدة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة كما تقدم. # {وملك السموات والأرض} فهو يملك أمرهما وما فيهما من خزائن المطر والرزق ~~والنبات وغير ذلك {وا على كل شيء قدير} ومنه تعذيب الكافرين وإنجاء ~~المؤمنين. # {إن في خلق السموات والأرض} وما فيهما من العجائب {واختلاف الليل ~~والنهار} بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان {لآيات} أي: دلالات واضحة على ~~قدرته تعالى: وباهر حكمته {لأولي الألباب} # PageV01P273 # لذوي العقول الذين يفتحون بصائرهم للنظر والإستدلال والإعتبار ولا ينظرون ~~إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر، وفي النصائح الصغار: ~~املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلها في جملة هذه العجائب متفكرا في ~~قدرة مقدرها متدبرا حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر ويحال بينك وبين ~~النظر. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: ~~أخبريني بأعجب ما رأيت من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وأطالت ثم ~~قالت: كل أمره عجب أتاني ليلة فدخل في لحافي حتى التصق جلده بجلدي ثم قال: ~~«يا عائشة هل لك أن تأذني الليلة في عبادة ربي؟» فقلت: يا رسول الله إني ~~لأحب قربك وأحب هواك قد ms0457 أذنت لك فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم ~~يكثر من صب الماء ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع ~~حقويه ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه، فجعل يبكي حتى ~~رأيت دموعه قد بلت الأرض فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال: يا ~~رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: «يا بلال ~~أفلا أكون عبدا شكورا؟» ثم قال: «وما لي لا أبكي وقد أنزل الله علي في هذه ~~الليلة {إن في خلق السموات والأرض} ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» ~~. # وروي: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها» ، وعن علي رضي الله تعالى ~~عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر إلى ~~السماء ثم يقول: إن في خلق السموات والأرض، وحكي أن الرجل من بني إسرائيل ~~كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله، ~~فقالت أمه: لعل فرطة فرطت منك في مدتك فقال: ما أذكر؟ قالت: لعلك نظرت مرة ~~إلى السماء ولم تعتبر قال: لعل، قالت: فما أوتيت إلا من ذاك. وقوله تعالى: # {الذين} نعت لما قبله أو بدل {يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} أي: ~~مضطجعين أي: يذكرونه دائما على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين؛ لأن ~~الإنسان قل أن يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث. # وروى الطبراني وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يرتع في ~~رياض الجنة فليكثر ذكر الله» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه هذا في ~~الصلاة يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب، وعن عمران ~~بن حصين قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض فقال: ~~«يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب» . # تنبيه: قياما وقعودا حالان من فاعل يذكرون وعلى جنوبهم حال أيضا فيتعلق ~~بمحذوف، ms0458 والمعنى يذكرون قياما وقعودا ومضطجعين فعطف الحال المؤولة على ~~الصريحة عكس الآية الأخرى وهي قوله: دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما حيث عطف ~~الصريحة على المؤولة {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} وما أبدع فيهما ~~ليدلهم ذلك على قدرة الله تعالى ويعرفون أن لهما مدبرا حكيما. قال بعض ~~العلماء: الفكرة تذهب الغفلة، وتحدث في القلب الخشية كما يحدث الماء للزرع ~~النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم «لا تفضلوني على يونس بن متى» أي: تفضيلا ~~يؤدي إلى تنقيصه وإلا فهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم فإنه كان يرفع له ~~كل يوم مثل عمل أهل الأرض. قالوا: وإنما كان ذلك # PageV01P274 # التفكر في أمر الله تعالى الذي هو عمل القلب، لأن أحدا لا يقدر أن يعمل ~~بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض، وقال صلى الله عليه وسلم «لا عبادة ~~كالتفكر» أي: لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق لكن الحديث رواه ~~البيهقي وغيره وضعفوه وقال صلى الله عليه وسلم «بينما رجل مستلق على فراشه ~~إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال: أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم ~~اغفر لي فنظر الله تعالى إليه فغفر له» رواه الثعلبي بسند فيه من لا يعرف ~~قال البيضاوي: وهذا دليل واضح على شرف علم أصول الدين وفضل أهله وقوله ~~تعالى: {ربنا ما خلقت هذا باطلا} على إرادة القول أي: يتفكرون قائلين ذلك، ~~وهذا إشارة إلى الخلق بمعنى المخلوق من السموات والأرض أو إلى السموات ~~والأرض؛ لأنهما في معنى المخلوق والمعنى ما خلقته عبثا وضائعا من غير حكمة ~~بل خلقته لحكم عظيمة من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإنسان وسببا لمعاشه ~~ودليلا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة ~~السرمدية في جوارك. # تنبيه: نصب باطلا على الحال من هذا وهي حال لا يستغنى عنها لو حذفت لاختل ~~الكلام وهي كقوله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين} ~~(الدخان، 38) # وقيل: على إسقاط حرف ms0459 الخفض وهو الباء والمعنى ما خلقتهما بباطل بل بحق ~~وقدرة {سبحانك} أي: تنزيها لك عن العبث وهو معترض بين قوله {ربنا} وبين ~~قوله {فقنا عذاب النار} أي: للإختلال بالنظر في خلق السموات والأرض والقيام ~~بما يقتضيه قال أبو البقاء: ودخلت الفاء لمعنى الجزاء والتقدير إذا نزهناك ~~أو وحدناك فقنا قال ابن عادل: ولا حاجة إليه بل التسبب فيها ظاهر تسبب عن ~~قولهم {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} طلبهم وقاية النار. # {ربنا إنك من تدخل النار} أي: للخلود فيها {فقد أخزيته} أي: أهنته {وما ~~للظالمين} أي: للكافرين فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بتخصيص الخزي ~~بهم {من أنصار} أي: أنصار فمن زائدة زيدت لتأكيد النفي. # {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي} أي: يدعو الناس {للإيمان} أي: إليه وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن العظيم {أن} أي: بأن {آمنوا بربكم ~~فآمنا} به. # فإن قيل: أي فائدة في الجمع بين مناديا وينادي؟ أجيب: بأنه ذكر المبدأ ~~مطلقا ثم مقيدا بالإيمان تفخيما لشأن المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ~~ينادي للإيمان ونحوه قولك: مررت بهاد يهدي للإسلام وذلك أن المنادي إذا ~~أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب أو لإغاثة المكروب أو نحو ذلك وكذا الهادي ~~قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد الرأي وغير ذلك، فإذا قلت: ينادي ~~للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته ويقال: دعاه ~~لكذا وإلى كذا {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي: الكبائر منها {وكفر عنا سيآتنا} ~~أي: الصغائر منها أو يكون ذلك من باب التعميم والإستيعاب كقوله: {الرحمن ~~الرحيم} ولأن الإلحاح والمبالغة في الدعاء أمر مطلوب {وتوفنا مع الأبرار} ~~أي: مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم وهم الأنبياء والصالحون وفيه تنبيه ~~على إنهم يحبون لقاء الله تعالى «ومن أحب لقاء الله تعالى أحب الله لقاءه» ~~، رواه الشيخان. # {ربنا وآتنا} أي: أعطنا {ما وعدتنا} به {على} ألسنة {رسلك} من الرحمة ~~والفضل وسؤالهم ذلك، وإن كان وعده تعالى لا يتخلف سؤال أن يجعلهم من ~~مستحقيه؛ # PageV01P275 # لأنهم ms0460 لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة، فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها ~~وتكرير ربنا مبالغة في التضرع. وفي الآثار: من جزبه أي أصابه أمر فقال: ~~ربنا خمس مرات أنجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد {ولا تخزنا} أي: ~~ولا تعذبنا ولا تفضحنا ولا تهنا {يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} أي: ~~الموعد بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، وعن ابن عباس: الميعاد البعث بعد ~~الموت. # فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى? بعضكم من? ~~بعض? فالذين هاجرواوأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا ~~لأكفرن عنهم سي?اتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ثوابا من عند ~~الله? والله عنده? حسن الثواب *لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد * متاع ~~قليل ثم مأواهم جهنم? وبئس المهاد * لاكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجرى ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله? وما عند الله خير للأبرار ~~* وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين ~~لله لا يشترون ب?ايات الله ثمنا قليلا أولا?ئك لهم أجرهم عند ربهم? إن الله ~~سريع الحساب * يا?أيها الذينءامنوااصبروا وصابرواورابطوا واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون} # دعاءهم وهو أخص من أجاب؛ لأنه يفيد حصول جميع المطلوب لكثرة مبانيه؛ لأن ~~كثرة المباني تدل على كثرة المعاني ويتعدى بنفسه وباللام {أني} أي: بأني ~~{لا أضيع عمل عامل منكم} وقوله تعالى: {من ذكر أو أنثى} بيان عامل {بعضهم ~~من بعض} أي: يجمع ذكركم وأنثاكم أصل واحد فكل واحد منكم من الآخر أي: ~~الذكور من الإناث والإناث من الذكور وقيل: المراد وصلة الإسلام وهذه الجملة ~~وهي بعضكم من بعض معترضة بين عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى وما فصل به عمل ~~عامل من قوله: {فالذين هاجروا} إلخ.. بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما ~~وعد الله تعالى عباده العاملين. # روي أن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «يا رسول الله أسمع الله يذكر ~~الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت» وقوله تعالى: ms0461 {فالذين هاجروا} أي: ~~من مكة إلى المدينة {وأخرجوا من ديارهم} تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل ~~التعظيم له والتفخيم كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة ~~وهي المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله تعالى بدينهم من دار الفتنة ~~واضطروا إلى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشؤوا {وأوذوا في سبيلي} ~~أي: ديني {وقاتلوا} الكفار {وقتلوا} في الجهاد، وقرأ حمزة والكسائي بتقديم ~~قتلوا وتأخير قاتلوا وشدد ابن كثير وابن عامر التاء من قتلوا للتكثير ~~{لأكفرن عنهم سيئاتهم} أي: أسترها بالمغفرة {ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ثوابا} أي: أثيبهم بذلك إثابة {من عند الله} أي: تفضلا منه تعالى ~~فهو مصدر مؤكد لما قبله؛ لأن قوله تعالى: {لأكفرن عنهم ولأدخلنهم} في معنى ~~لأثيبنهم {وا عنده حسن الثواب} أي: الجزاء. # ولما كان المشركون في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون، وقال بعض ~~المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد نزل. # {لا يغرنك تقلب} أي: تصرف {الذين كفروا في البلاد} للتجارات وأنواع ~~المكاسب والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره وقوله تعالى: # {متاع قليل} خبر مبتدأ محذوف أي: ذلك التقلب متاع قليل يتمتعون به في ~~الدنيا يسيرا ويغني فهو قليل في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة أو في جنب ما ~~أعد الله للمؤمنين من الثواب قال صلى الله عليه وسلم «ما الدنيا في الآخرة ~~إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» رواه مسلم، وعن عمر ~~بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ~~ليف فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال: «ما يبكيك؟» فقلت: يا رسول الله ~~إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله فقال: «أما ترضى أن تكون لهم ~~الدنيا ولنا الآخرة؟» {ثم مأواهم} أي: مصيرهم {جهنم وبئس المهاد} أي: ~~الفراش هي. # {لكن الذين اتقوا ربهم لهم ms0462 جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين} أي: ~~مقدرين الخلود {فيها نزلا من عند الله} وهو ما يعد للضيف ونصبه # PageV01P276 # على الحال من جنات لتخصيصها بالوصف والعامل فيها معنى الظرف {وما} أي: ~~والذي {عند الله} من الثواب لكثرته ودوامه {خير للأبرار} مما يتقلب فيه ~~الكفار من متاع الدنيا لقلته وسرعة زواله، واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن با} فقال جابر وابن عباس وأنس: نزلت في ~~النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه ~~جبريل عليه الصلاة والسلام للنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات ~~فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اخرجوا فصلوا على أخ لكم ~~مات بغير أرضكم» فقالوا: ومن هو؟ قال: «النجاشي» فخرج إلى البقيع وكشف له ~~إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر عليه أربع تكبيرات ~~واستغفر له، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم ~~يره قط وليس على دينه، فأنزل الله تعالى هذه الآية» ، وقال عطاء: نزلت في ~~أربعين رجلا من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم ~~وكانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج: نزلت ~~في عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب {وما ~~أنزل إليكم} أي: القرآن {وما أنزل إليهم} أي: التوراة والإنجيل وقوله ~~تعالى: {خاشعين} حال من ضمير يؤمن مراعى فيه معنى من لأنها في معنى الجمع ~~أي: متواضعين {لا يشترون} أي: لا يستبدلون {بآيات الله} التي عندهم في ~~التوراة والإنجيل من نعت النبي صلى الله عليه وسلم {ثمنا قليلا} من الدنيا ~~بأن يكتموها خوفا على الرياسة كما فعل غيرهم من اليهود {أولئك لهم أجرهم} ~~أي: ثواب أعمالهم {عند ربهم} وهو ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في ~~قوله تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} وقوله تعالى: {يؤتكم كفلين من ~~رحمته} {إن الله سريع الحساب} لنفوذ علمه في كل ms0463 شيء فهو عالم بما يستوجبه ~~كل عامل من الأجر بحساب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا. # {يأيها الذين آمنوا اصبروا} على مشاق الطاعة وما يصيبكم من الشدائد وعن ~~المعاصي {وصابروا} أي: غالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الحرب فلا ~~يكونوا أشد صبرا منكم {ورابطوا} أي: أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها ~~مترصدين للغزو قال الله تعالى: {ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} ~~(الأنفال، 60) # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان ~~كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة» ~~{واتقوا الله} في جميع أحوالكم {لعلكم تفلحون} أي: تفوزون بالجنة وتنجون من ~~النار وقال بعض العلماء: اصبروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار ~~الأعداء واتقوا له الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء. # روى الطبري لكن بإسناد ضعيف: من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم ~~الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تحجب الشمس أي: تغيب وما رواه البيضاوي ~~تبعا للزمخشري وتبعهما ابن عاد من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم» فهو من الأحاديث ~~الموضوعة على أبي بن كعب في فضائل السور فليتنبه لذلك ويحذر منه، وقد نبه ~~أئمة الحديث قديما وحديثا على ذلك وعابوا على من أورده من المفسرين في ~~تفاسيرهم والله تعالى أعلم. # PageV01P277 ### | سورة النساء # مدنية # مائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية وثلاثة آلافوخمس وأربعون كلمة وستة ~~عشر ألف حرف وثلاثون حرفا # {بسم الله} الظاهر الملك العلام {الرحمن} الذي عم عباده بالأنعام ~~{الرحيم} الذي خص أهل ولايته بدار السلام وقوله تعالى: # {يأيها الناس} خطاب يعم المكلفين من أولاد آدم من الذكور والإناث ~~الموجودين منهم في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم، وقيل: ~~يختص بالعرب منهم لقوله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون ms0464 به والأرحام} إذ ~~المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم فيقولون: أنشدك بالله وبالرحم، ~~وأجيب بأن خصوص آخر الآية لا يمنع عموم أولها {اتقوا ربكم} أي: عذابه بأن ~~تطيعوه {الذي خلقكم من نفس واحدة} أي: فرعكم من أصل واحد، وهو نفس آدم ~~أبيكم. # وقوله تعالى: {وخلق منها زوجها} معطوف على «خلقكم» أي: خلقكم من شخص واحد ~~هو آدم، وخلق منها أمكم حواء بالمد من ضلع من أضلاعه اليسرى، أو معطوف على ~~محذوف كأنه قيل: من نفس واحدة أنشأها وابتدأها وخلق منها زوجها، وإنما حذف ~~لدلالة المعنى عليه، والمعنى: شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهي أنه أنشأها ~~من تراب وخلق منها زوجها حواء، وهو تقرير لخلقكم من نفس واحدة، وقوله ~~تعالى: {وبث منهما} أي: من آدم وحواء {رجالا كثيرا ونساء} أي: كثيرا بيان ~~لكيفية تولدهم منهما. # والمعنى: وبث أي: نشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات ~~كثيرة، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن ~~يكن أكثر إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة بخلاف المرأة، وذكر كثيرا ~~حملا على الجمع ولا تكرار في الآية؛ لأن خلقكم من نفس واحدة مغاير لخلق ~~حواء منها؛ لأنها خلقت من ضلعه وهم من مائهما ولبث الرجال والنساء؛ لأنه ~~بين به أن خلقهم من نفس واحدة معناه من نفس آدم وحواء مع زيادة التصريح ~~بالرجال والنساء {واتقوا الله الذي تساءلون} فيه إدغام التاء في الأصل في ~~السين أي: تتساءلون {به} فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله، ~~وأنشدك بالله. # فإن قيل: الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقب الأمر بالتقوى ~~بما يوجبها أو يدعو إليها ويبعث عليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة ~~على التفصيل الذي ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها؟ أجيب: بأن ذلك مما يدل ~~على القدرة العظيمة، ومن قدر على ذلك كان قادرا على كل شيء، ومن المقدورات ~~عقاب العصاة، فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه؛ ولأنه ~~يدل ms0465 على النعمة السابقة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها، والتفريط فيما ~~يلزمهم من القيام بشكرها، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف السين والباقون ~~بتشديدها {و} اتقوا {الأرحام} أي: بأن تصلوها ولا تقطعوها، وكانوا يتناشدون ~~بالرحم، وقد نبه سبحانه وتعالى إذ قرن الأرحام باسمه على أن صلتها بمكان ~~منه تعالى. # روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الرحم معلقة # PageV01P278 # بالعرش تقول: ألا من وصلني وصله الله تعالى ومن قطعني قطعه الله تعالى» ، ~~وقرأ غير حمزة بالنصب عطفا على الله تعالى فالعامل فيه اتقوا كما قدرته أو ~~معطوف على محل الجار والمجرور كقولك: مررت بزيد وعمرا، وأما حمزة فقرأه ~~بالجر عطفا على الضمير المجرور، وقول البيضاوي: وهو ضعيف أي: كما هو مذهب ~~البصريين ممنوع، والحق أنه ليس بضعيف فقد جوزه الكوفيون، وكيف يكون ضعيفا ~~والقراءة به متواترة؟ فيجب أن يضعف كلام البصريين ويرجع إلى كلام رب ~~العالمين، وتعليلهم عدم الجواز بكونه كبعض كلمة لا يقتضي إلحاقه به في عدم ~~جواز العطف إذ حذف الشيء مع القرينة جائز ومنه: # *رسم دار وقفت في طلله* # أي: ورب رسم دار وقول الشاعر: # *اذهب فما بك والأيام من عجب # {إن الله كان عليكم رقيبا} أي: حافظا لأعمالكم فيجازيكم بها أي: لم يزل ~~متصفا بذلك {وآتوا اليتامى} أي: بعد البلوغ والرشد {أموالهم} وسموا اليتامى ~~بعد البلوغ مع أن اليتيم في عرف الشرع صغير لا أب له على معنى أنهم كانوا ~~يتامى، وإن كان اليتيم في اللغة الانفراد، ومنه الدرة اليتيمة، وقيل: ~~اليتيم في الإناس من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات وفي الطير من ~~قبلهما، والخطاب للأولياء والأوصياء. # روي أن رجلا كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب المال ~~من عمه فمنعه فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فلما ~~سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير ~~فدفع إليه ماله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ومن يوق شح نفسه ويطع ربه ~~هكذا ms0466 فإنه يحله داره» أي: جنته، وسيأتي تفسير الحوب الكبير، فلما قبض الفتى ~~ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ثبت الأجر وبقي ~~الوزر» فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر وهو ~~ينفق في سبيل الله؟ فقال: «ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده» أي: ~~ولعله كان لا يخرج زكاته {ولاتتبدلوا الخبيث} أي: الحرام {بالطيب} أي: ~~الحلال أي: لا تأخذوه بدله كما تفعلون في أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل ~~الرديء من مالكم مكانه. # قال الزمخشري: وهذا ليس بتبدل، وإنما هو تبديل، قال التفتازاني: لأن معنى ~~تبدلت هذا بذاك أنك أخذت هذا وتركت ذاك وكذا استبدلت؛ لأن معنى بدلت هذا ~~بذاك أخذت ذاك وأعطيت هذا قال تعالى: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} (البقرة، ~~108) # فإذا أعطى الرديء وأخذ الجيد فقد أعطى الخبيث وأخذ الطيب كما لو أخذ ~~الخبيث وترك الطيب؛ ليكون تبدل الخبيث بالطيب، فالحاصل أن في التبدل ما ~~دخلته الباء متروك، وما تعدى إليه الفعل بنفسه مأخوذ وفي التبديل بالعكس ~~اه. وقد أوضحت ذلك في «شرح المنهاج» {ولا تأكلوا أموالهم إلى} أي: مع ~~{أموالكم} كقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} (آل عمران، 52) # أي: مع الله، أي: لا تنفقوهما معا، ولا تسووا بينهما، فأكلكم أموالكم ~~حلال لكم، وأكلكم أموالهم حرام عليكم، فلا يحل لكم من أموالهم ما زاد على ~~قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم. # فإن قيل: قد حرم الله عليهم أكل مال اليتيم وحده ومع أموالهم فلم ورد ~~النهي عن أكله معها؟ أجيب: بأنهم كانوا يفعلون كذلك فأنكر عليهم فعلهم وسمع ~~بهم ليكون أزجر لهم؛ ولأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم ~~الله من مال حلال، وهم مع ذلك يطمعون فيها، كان القبح أبلغ والذم # PageV01P279 # أحق {إنه} أي: أكلها {كان حوبا} أي: ذنبا {كبيرا} أي: عظيما ولما نزلت ~~هذه الآية في اليتامى، وما كان في أكل أموالهم من الحوب الكبير خاف ~~الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك العدل في حقوق اليتامى، وأخذوا يتحرجون ms0467 من ~~ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج والثمان والست ~~ولا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن نزل. # {وإن خفتم} أي: خشيتم {أن لا تقسطوا} أي: تعدلوا {في اليتامى} فتحرجتم من ~~أمورهم فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء وقللوا عدد المنكوحات {فانكحوا ما ~~طاب} أي: حل {لكم من النساء} ؛ لأن منهن ما حرم كاللاتي في آية التحريم ~~{مثنى وثلاث ورباع} أي: تزوجوا اثنتين أو ثلاثا أو أربعا؛ لأن من تحرج من ~~ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج ولا تائب؛ لأنه إنما وجب أن ~~يتحرج من الذنب ويتاب عنه لقبحه، والقبح قائم في كل ذنب وإنما عبر عنهن بما ~~ومن يعقل إنما يعبر عنه بمن ذاهبا إلى الصفة؛ لأنه إنما يفرق بين من وما في ~~الذوات لا في الصفات أو أجراهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن، وقيل: كانوا ~~لا يتحرجون من الزنا وهم يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم الحوب في ~~حق اليتامى، فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تجولوا حول ~~المحرمات، وقيل: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال فيتزوجها ضنا أي: ~~بخلا بها فربما يجتمع عنده منهن عدد ولا يقدر على القيام بحقوقهن. # فإن قيل: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، ~~فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع حتى إن بعض الرافضة قال: للشخص أن ~~يتزوج بثمانية عشر؟ أجيب: بأن الخطاب للجمع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح ~~يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا ~~المال، وهو ألف درهم، درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ولو أفردت ~~لم يكن له معنى. # فإن قيل: لم جاء العطف بالواو دون أو حتى قال بعض الرافضة: إن له أن ~~يتزوج بتسعة؟ أجيب: بأنه لو عطف بأو لذهب معنى تجويز أنواع الجمع بين أنواع ~~القسمة التي دلت عليها الواو {فإن خفتم أن لا تعدلوا} بين هذه الأعداد أيضا ~~بالقسم والنفقة ms0468 {فواحدة} أي: فانكحوا واحدة وذروا الجمع {أو ما ملكت ~~أيمانكم} أي: اقتصروا على ذلك سواء بين الواحدة من الأزواج والعدد من ~~السراري؛ لخفة مؤنتهن وعدم وجوب القسم بينهن. # تنبيه: هذا في حق الحر أما من فيه رق فلا يتزوج أكثر من ثنتين بإجماع ~~الصحابة وقد يعرض للحر عوارض لا يزاد فيها على واحدة كجنون أو سفه {ذلك} ~~أي: نكاح الأربعة فقط أو الواحدة أو التسري {أدنى} أقرب إلى {أن لا تعولوا} ~~أي: تجوروا، يقال: عال الحاكم في حكمه إذا جار. # وروي أن أعرابيا حكم عليه حاكم فقال له: أتعول علي وقد ورد عن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن لا تعولوا، أن لا ~~تجوروا» ، وحكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه فسر «أن لا تعولوا» بأن ~~لا تكثروا عيالكم قال البغوي: وما قاله أحد إنما يقال: من كثرة العيال أعال ~~يعيل إعالة إذا كثرت عياله، وقال الزمخشري: ووجهه أن يجعل من قولك عال ~~الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم؛ لأن من كثر عياله ~~لزمه أن يعولهم، ثم قال: وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس ~~المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظن # PageV01P280 # به تحريف تعيلوا إلى تعولوا فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى ~~عنه: لا تظنن بكلمة خرجت من في أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا. ~~وكان الشافعي رحمه الله تعالى أعلى كعبا وأطول باعا في علم كلام العرب من ~~أن يخفى عليه مثل هذا اه. # {وآتوا} أي: أعطوا {النساء صدقاتهن} جمع صدقة أي: مهورهن {نحلة} أي: عطية ~~يقال: نحله كذا نحلة أي: أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض، ونصبها على ~~المصدر؛ لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، فكأنه قيل: وأنحلوا النساء ~~صدقاتهن نحلة، قال الكلبي وجماعة: والخطاب للأولياء، وذلك أن ولي المرأة ~~كان إذا زوجها، فإن كان معهم في العشيرة فلم يعطها من مهرها شيئا، وإن ~~زوجها غريبا حملوها ms0469 إليه على بعير ولا يعطوها من مهرها غير ذلك، فنهاهم ~~الله تعالى عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله {فإن طبن لكم عن شيء ~~منه} أي: الصداق وقوله تعالى: {نفسا} محول عن الفاعل أي: إن طابت نفسهن لكم ~~عن شيء من الصداق فوهبنه لكم {فكلوه} أي: فخذوه وأنفقوه {هنيئا} أي: طيبا ~~{مريئا} أي: محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة. # روي أن ناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساقه إلى امرأته، ~~فقال الله تعالى: إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة فكلوه هنيئا ~~مريئا. # قال الزمخشري وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط حيث ~~بني الشرط على طيب النفس فقيل: «فإن طبن» ، ولم يقل: فإن وهبن أو سمحن ~~إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة، وعن الشعبي: إن رجلا ~~أتى مع امرأته شريحا في عطية أعطتها إياه، وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: رد ~~عليها، فقال الرجل: أليس الله تعالى قد قال: {فإن طبن لكم} ؟ قال: لو طابت ~~نفسها عنه لما رجعت فيه. # وحكي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه، ~~فلبث شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتني ~~طيبة بها نفسها فقال عبد الملك: فأين الآية التي بعدها {ولا تأخذوا منه ~~شيئا} أردد عليها. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته: إن ~~النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. # {ولا تؤتوا} أيها الأولياء {السفهاء} أي: المبذرين من الرجال والنساء ~~{أموالكم} أي: أموالهم وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء؛ لأنها في تصرفهم ~~وتحت ولايتهم وقيل: نهي إلى كل أحد أن يعمد إلى ما خوله الله من المال ~~فيعطيه امرأته وأولاده، ثم ينظر إلى ما في أيديهم وإنما سماهم سفهاء ~~استخفافا بعقلهم واستهجانا لجعلهم قواما وهذا أوفق لقوله تعالى: {التي جعل ~~الله لكم قياما} أي: تقوم بمصالحكم ومصالح أولادكم ms0470 فيضعوها في غير وجهها، ~~وعلى القول الأول يؤول بأن أموال السفهاء التي من جنس ما جعل الله لكم ~~قياما، وسمى الله ما به القيام قياما للمبالغة. # وقرأ نافع وابن عامر «قيما» بغير ألف بعد الياء والقيم جمع قيمة ما يقوم ~~به الأمتعة، والباقون بالألف مصدر قام و {وارزقوهم} أي: أطعموهم {فيها ~~واكسوهم} فيها، وإنما قال تعالى: «فيها» لجعله الأموال ظروفا للرزق، فيكون ~~الإنفاق من الربح لا من الأموال التي هي الظروف بأن يتجروا فيها ويحصلوا من ~~ربحها ما يحتاجون إليه، ولو قيل: منها لكان الإنفاق من نفس الأموال {وقولوا ~~لهم قولا # PageV01P281 # معروفا} أي: عدوهم عدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا وكل ما سكنت ~~إليه النفس وأحبته لحسنه عقلا أو شرعا من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته ~~ونفرت منه لقبحه فهو منكر، وعن عطاء: إذا ربحت أعطيتك وإذا غنمت في غزاتي ~~جعلت لك حظا، وقيل: إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل له: عافانا الله ~~وإياك بارك الله فيك. وقيل: لا يختص ذلك بالأولياء بل هو أمر لكل أحد أن لا ~~يخرج ماله إلى أحد من السفهاء قريب أو أجنبي رجل أو امرأة يعلم أنه يضيعه ~~فيما لا ينبغي ويفسده. # {وابتلوا} أي: اختبروا {اليتامى} في دينهم وتصرفهم بأن تختبروا ولد ~~التاجر بالبيع والشراء والمماكسة فيهما، وولد الزراع بالزراعة والنفقة على ~~القوام بها، والمرأة فيما يتعلق بالغزل والقطن وصون الأطعمة عن الهرة ~~ونحوها وحفظ متاع البيت، وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدة في خبز وماء ولحم ~~ونحوها، كل ذلك على العادة في مثله، ويشترط تكرار الاختبار مرتين أو أكثر ~~بحيث يفيد غلبة الظن برشده، ووقت الاختبار قبل البلوغ ولا يصح عقده بل ~~يمتحن في المماكسة فإذا أراد العقد عقد الولي {حتى إذا بلغوا النكاح} أي: ~~صاروا أهلا له إما بالسن وهو استكمال خمس عشرة سنة تحديدية لخبر ابن عمر ~~رضي الله تعالى عنه: «عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن ~~أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم ms0471 يرني بلغت وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس ~~عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت» ، رواه ابن حبان وأصله في الصحيحين وابتداؤها ~~من انفصال جميع الولد، قيل: عرض عليه صلى الله عليه وسلم سبعة عشر من ~~الصحابة وهم أبناء أربع عشرة فلم يجزهم وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة ~~فأجازهم. # وإما بخروج المني في وقت إمكانه وأقله تسع سنين قمرية تحديدية سواء أخرج ~~في نوم أم يقظة بجماع أو غيره وتزيد المرأة على هذين الأمرين الحيض لوقت ~~إمكانه وأقله تسع سنين قمرية تقريبية فيغتفر فيها زمن لا يسع حيضا وطهرا، ~~والولادة لأنها يسبقها الإنزال ويحكم بالبلوغ قبلها بستة أشهر وشيء وإنبات ~~شعر العانة الخشن دليل للبلوغ في حق الكفار لا في حق المسلمين ولا عبرة ~~بإنبات شعر الإبط واللحية. # {فإن آنستم} أي: أبصرتم {منهم رشدا} وهو صلاح الدين والمال، أما صلاح ~~الدين فلا يرتكب محرما يسقط العدالة من كبيرة أو إصرار على صغيرة ويعتبر في ~~رشد الكافر دينه، وأما صلاح المال فلا يضيعه بإلقائه في بحر أو يصرفه في ~~محرم، أو باحتمال الغبن الفاحش في المعاملة ونحوها، وليس صرفه في الخير ~~بتبذير ولا صرفه في الثياب والأطعمة النفيسة وشراء الجواري والاستمتاع بهن؛ ~~لأن المال يتخذ لينتفع به، نعم إن صرفه في ذلك بطريق الاقتراض له حرم عليه ~~{فادفعوا إليهم أموالهم} من غير تأخير {ولا تأكلوها} أيها الأولياء وقوله ~~تعالى: {إسرافا} أي: بغير حق {وبدارا} حالان أي: مسرفين ومبادرين إلى ~~إنفاقها مخافة {أن يكبروا} رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم {ومن كان} من ~~الأولياء {غنيا فليستعفف} أي: يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله {ومن كان ~~فقيرا فليأكل} منه {بالمعروف} أي: بقدر الأقل من حاجته وأجرة سعيه كما مر، ~~ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعر بأن الولي له حق في مال الصبي. # وروى النسائي وغيره أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن في حجري ~~يتيما أفآكل من ماله؟ قال: «بالمعروف» . # PageV01P282 # تنبيه: إيراد هذا التقسيم بعد قوله: {ولا تأكلوها} يدل على أنه نهي ~~للأغنياء ms0472 منهم أن لا يأخذوا لأنفسهم من أموال اليتامى شيئا، وللفقراء منهم ~~أن لا يأخذوا منها شيئا بغير المعروف، كما أن قوله: {ولا تأكلوها إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا} يدل على أنه نهي للفريقين عن أكلها إسرافا ومبادرة ~~لكبرهم {فإذا دفعتم إليهم} أي: اليتامى {أموالهم فأشهدوا} ندبا {عليهم} ~~بأنهم قبضوها، فإن الإشهاد أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة فتحتاجون إلى ~~البينة وهذا يدل على أن القيم لا يصدق في دعواه الدفع ولو أبى إلا ببينة ~~وهو مذهب الشافعي ومالك خلافا لأبي حنيفة {وكفى با حسيبا} أي: حافظا ~~الأعمال خلقه ومحاسبتهم. # {للرجال} أي: الذكور {نصيب} أي: حظ {مما ترك الوالدان والأقربون} أي: ~~المتوفون {وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه} أي: المال ~~{أو كثر} جعله الله {نصيبا مفروضا} أي: مقطوعا بتسليمه إليهم. # روي أن أوس بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه توفي وترك امرأته أم كحة ~~بضم الكاف والحاء المشددة وثلاث بنات له منها فقام رجلان هما ابنا عم الميت ~~ووصياه سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا، وكان أهل ~~الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغار وإن كان الصغير ذكرا إنما كانوا ~~يورثون الرجال ويقولون: لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كحة ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ وهو بالضاد والخاء ~~المعجمتين، موضع بالمدينة، قيل: لعله المسجد الذي كان يسكنه أصحاب الصفة؛ ~~لأنهم كانوا يرضخون فيه النوى فشكت إليه فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ~~ثابت مات وترك علي ثلاث بنات، وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن وقد ترك ~~أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة لم يعطياني ولا بناته شيئا، وهن في ~~حجري لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا ~~رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلأ ولا ينكي عدوا، فنزلت هذه ~~الآية، فأثبتت لهن الميراث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تقربا من ~~مال أوس شيئا فإن ms0473 الله جعل لبناته نصيبا مما ترك ولم يبين كم هو حتى أنظر ~~ما ينزل فيهن» فأنزل الله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} فأعطى صلى الله ~~عليه وسلم أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم» وهذا دليل على ~~جواز تأخير البيان عن الخطاب {وإذا حضر القسمة} للميراث {أولو القربى} أي: ~~ذوو القرابة ممن لا يرث {واليتامى والمساكين فارزقوهم} أي: أعطوهم {منه} ~~أي: المقسوم شيئا قبل القسمة تطييبا لقلوبهم وتصدقا عليهم، وهو أمر ندب ~~للبلغ من # الورثة، وقيل: أمر وجوب. # واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم: هي منسوخة بآية المواريث ~~كالوصية، وعن سعيد بن جبير: إن ناسا يقولون: نسخت والله ما نسخت ولكنها مما ~~تهاون بها الناس {وقولوا لهم قولا معروفا} وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما ~~أعطوهم ولا يمنوا عليهم. وعن الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على ~~القرابات والمساكين واليتامى من العين يعنيان الذهب والورق فإذا قسم الذهب ~~والورق وصارت القسمة إلى الأقربين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولا ~~معروفا كأن يقولون: بورك فيكم. # {وليخش} أي: وليخف على اليتامى {الذين لو تركوا} أي: قاربوا أن # PageV01P283 # يتركوا {من خلفهم} أي: بعد موتهم {ذرية ضعافا} أي: أولادا صغارا {خافوا ~~عليهم} أي: الضياع {فليتقوا الله} في أمر اليتامى وغيرهم، وليأتوا إليهم ما ~~يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم {وليقولوا} أي: للمريض {قولا سديدا} أي: ~~عدلا وصوابا بأن يأمروه أن يتصدق بدون ثلثه، ويترك الباقي لورثته، ولا ~~يتركهم عالة، وذلك أنه كان إذا حضر أحدهم الموت يقول له من بحضرته: انظر ~~لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا قدم لنفسك أعتق وتصدق وأعط ~~فلانا كذا وفلانا كذا حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله عز وجل وأمرهم ~~أن يأمروه أن ينظر لولده، ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف بورثته. # {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} أي: بغير حق {إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا} أي: ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه. قال ~~الشاعر: # *كلوا ms0474 في بعض بطنكم تعفوا* # ومعنى يأكلون نارا يأكلون ما يجر إلى النار، فكأنه نار في الحقيقة. # روي «أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه ~~وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر ~~كمشافر الإبل إحداهما ### | .... # على منخريه والأخرى على بطنه وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها فقلت: ~~يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما» . {وسيصلون ~~سعيرا} أي: نارا شديدة يحترقون فيها، وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الياء ~~والباقون بالفتح. # {يوصيكم الله} أي: يأمركم {في أولادكم} أي: في شأن ميراثهم بما هو العدل ~~والمصلحة، وهذا إجمال تفصيله {للذكر} منهم {مثل حظ} أي: نصيب {الأنثيين} ~~إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف، فإن كان معه واحدة فلها الثلث ~~وله الثلثان وإنما فضل الذكر على الأنثى لاختصاصه بلزوم ما لا يلزم الأنثى ~~من الجهاد وتحمل الدية وغيرهما، وله حاجتان: حاجة لنفسه وحاجة لزوجته، ~~والأنثى حاجة واحدة لنفسها بل هي غالبا مستغنية بالتزويج عن الإنفاق من ~~مالها، ولكن لما علم الله تعالى احتياجها إلى النفقة وأن الرغبة تقل فيها ~~إذا لم يكن لها مال جعل لها حظا من الإرث وأبطل حرمان الجاهلية لها. # فإن قيل: هلا قيل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر؟ أجيب: ~~بأنه إنما بدأ ببيان حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك؛ ولأن قوله {للذكر ~~مثل حظ الأنثيين} قصد إلى بيان فضل الذكر وقولك: للأنثيين مثل حظ الذكر قصد ~~إلى بيان نقص الأنثى وما كان قصدا إلى بيان فضله كان أدل على فضله من القصد ~~إلى بيان نقص غيره عنه؛ ولأنهم كانوا يورثون الرجال دون النساء والصبيان، ~~وكان في ابتداء الإسلام بالمحالفة قال تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم} (النساء، 33) # ثم صارت الوراثة بالهجرة قال الله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~مالكم من ولايتهم من شيء} (الأنفال، 72) # ثم نسخ ذلك ms0475 كله بالآية الكريمة، واختلف في سبب نزولها، فعن جابر أنه قال: ~~«جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب علي ~~من وضوئه فعقلت فقلت: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة» فنزلت، ~~وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة امرأة أوس بن ثابت وبناته. وقال عطاء: ~~استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد، وترك # PageV01P284 # امرأة وبنتين وأخا، فأخذ الأخ المال، فأتت امرأة سعد إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بابنتي سعد فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد وإن سعدا قتل ~~يوم أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما، ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال صلى ~~الله عليه وسلم «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك» فنزلت، فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عمهما وقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي ~~فهو لك» فهذا أول ميراث قسم في الإسلام، وكأنه قيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم ~~نصيب الإناث، ولا يضارون في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن مع القرابة مثل ما ~~يدلون به. # فإن قيل: حظ الأنثيين الثلثان فكأنه قيل للذكر الثلثان؟ أجيب: بأن المراد ~~حالة الاجتماع كما مر أما في حالة الانفراد فالابن يأخذ المال كله، ~~والبنتان يأخذان الثلثين والدليل على أن الغرض حكم الاجتماع أنه اتبعه حكم ~~الانفراد بقوله تعالى: {فإن كن} أي: إن كان الأولاد {نساء} خلصا ليس معهن ~~ذكر، وأنث الضمير باعتبار الخبر أو على تأويل المولودات وقوله تعالى: {فوق ~~اثنتين} خبر ثان أو صفة لنساء أي: نساء زائدات على اثنتين. # فإن قيل: قوله تعالى: للذكر مثل حظ الأنثيين كلام مسوق لبيان حظ الذكر من ~~الأولاد لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف صح أن يردف قوله: {فإن كن نساء} وهو ~~لبيان حظ الإناث؟ أجيب: بأنه وإن كان مسوقا لبيان حظ الذكر إلا أنه لما علم ~~منه حظ الأنثيين مع أخيهما كان كأنه مسوق للأمرين جميعا فلذلك صح أن يقال: ~~فإن كن نساء {فلهن ثلثا ما ترك} أي: المتوفى منكم ms0476 ويدل عليه المعنى {وإن ~~كانت} أي: المولودة {واحدة فلها النصف} وقرأ نافع واحدة بالرفع على كان ~~التامة، والباقون بالنصب على كان الناقصة. # واختلف في ميراث الأنثيين فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: حكمهما حكم ~~الواحدة؛ لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما، وقال الباقون: حكمهما حكم ما ~~فوقهما؛ لأنه تعالى لما بين أن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى، ~~وهو الثلثان، اقتضى ذلك أن فرضهما الثلثان ثم لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب ~~بزيادة العدد رد ذلك بقوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين} ويؤيد ذلك أن ~~البنت الواحدة لما استحقت الثلث مع أخيها فبالأولى والأحرى أن تستحقه مع ~~أخت مثلها، ويؤيده أيضا إن البنتين أمس رحما من الأختين وقد فرض لهما ~~الثلثين بقوله: {فلهما الثلثان مما ترك} وقيل: فوق صلة وقيل: لدفع توهم ~~زيادة النصيب بزيادة العدد لما أفهم استحقاق البنتين من جعل الثلث للواحدة ~~مع الذكر {ولأبويه} أي: الميت وقوله تعالى: {لكل واحد منهما السدس مما ترك} ~~بدل بعض من كل فالسدس مبتدأ ولأبويه خبر وفائدة البدل دفع توهم أن يكون ~~للأب ضعف ما للأم أخذا من قوله تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين} وبهذا اندفع ~~كما قال التفتازاني إن البدل ينبغي أن يكون بحيث لو أسقط استقام الكلام ~~معنى، وهنا لو قيل: لأبويه السدس لم يستقم هذا {إن كان له} أي: الميت {ولد} ~~ذكر أو غيره وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجد {فإن لم يكن له ولد وورثه ~~أبواه} أي: فقط بقرينة المقام {فلأمه الثلث} مما ترك وإنما لم يذكر حصة ~~الأب؛ لأنه لما فرض أن الوارث أبواه فقط، وعين نصيب الأم علم أن الباقي ~~للأب، وكأنه قال: فلهما ما ترك أثلاثا، ولو كان معهما أحد الزوجين كان لها ~~ثلث ما بقي بعد فرضه كما قال الجمهور # PageV01P285 # لا ثلث المال كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فإنه يفضي إلى تفضيل ~~الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب، وهو كما قال البيضاوي خلاف ms0477 ~~وضع الشرع {فإن كان له إخوة} أي: اثنان فصاعدا ذكور أو إناث كما عليه ~~الجمهور {فلأمه السدس} والباقي للأب ولا شيء للإخوة. # وقال ابن عباس: لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس إلا ثلاثة إخوة ذكور، ~~أخذا بظاهر اللفظ، وإطلاق اللفظ يدل على أن الإخوة يردونها من الثلث إلى ~~السدس وإن كانوا لا يرثون مع الأب شيئا، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ~~أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم. # وقرأ حمزة والكسائي في الوصل فلأمه بكسر الهمزة فرارا من ضمة إلى كسرة ~~لثقله في الموضعين، والباقون بضمها، وقوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين} متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها أي: هذه الأنصباء للورثة من ~~بعد وصية أو وفاء دين، وإنما عبر بأو دون الواو للدلالة على أنهما متساويان ~~في الوجوب مقدمان على القسمة مجموعين ومفردين. # فإن قيل: لم قدمت الوصية في الذكر على الدين مع أنها متأخرة في حكم الشرع ~~عنه؟ أجيب: بأنها لما كانت شاقة على الورثة لكونها مأخوذة بلا عوض وهي ~~مستحبة لكل مكلف بخلاف الدين فإنه: لا يكون على كل مكلف فقدمت لذلك، وقرأ ~~ابن كثير وابن عامر وشعبة (يوصى) بفتح الصاد ووافقهم حفص على فتح الصاد في ~~الحرف الثاني، والباقون بكسر الصاد فيهما، وقوله تعالى: {آباؤكم وأبناؤكم} ~~مبتدأ خبره {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممن ~~يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم فمنكم من يظن أن الأب أنفع له، ~~فيكون الابن أنفع له، ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له، ~~وإنما العالم بذلك هو الله تعالى، وقد دبر أمركم على ما فيه المصلحة ~~فاتبعوه، وقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم ~~القيامة، والله يشفع المؤمنين بعضهم في بعض فإن كان الوالد أرفع درجة في ~~الجنة رفع إليه ولده، وإن كان الولد أرفع درجة من الآخر في الجنة سأل الله ~~أن يرفع إليه فيرفع بشفاعته {فريضة} ms0478 أي: ما قدر من المواريث فرض فريضة {من ~~الله إن الله كان عليما} بأمور عباده {حكيما} فيما قضى وقدر أي: لم يزل ~~متصفا بذلك. # {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد} ذكر أو غيره منكم أو من ~~غيركم {فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين} ~~وولد الابن في ذلك كالولد إجماعا {ولهن} أي: الزوجات تعددن أو لا {الربع ~~مما تركتم إن لم يكم لكن ولد فإن كان لكم ولد} منهن أو من غيرهن {فلهن ~~الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} وولد الابن كالولد في ذلك ~~إجماعا، فقد فرض للرجل بحق العقد الصحيح ضعف ما للمرأة كما في النسب وهكذا ~~قياس كل رجل وامرأة وارثين اشتركا في الجهة والقرب من الميت ولا يستثنى من ~~ذلك إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة {وإن كان رجل} أي: الميت {يورث} أي: ~~منه من ورث، صفة رجل وخبر كان {كلالة،} أو يورث خبر كان وكلالة حال من ~~الضمير في يورث واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أنها من لا ولد ~~له ولا والد، قال الشعبي: سئل أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن الكلالة فقال: ~~إني سأقول فيها برأيي فإن كان # PageV01P286 # صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد، والولد ~~فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: إني لأستحي من الله أن ~~أرد شيئا قاله أبو بكر. # وذهب طاوس أن الكلالة من لا ولد له وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس وأحد ~~القولين عن عبد الله بن عمر، وسأل رجل عقبة عن الكلالة فقال: ألا تعجبون من ~~هذا؟ سألني وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم ~~الكلالة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ثلاث لأن يكون النبي ~~بينهن لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها الكلالة والخلافة وأبواب الربا. ~~وقال سعيد بن أبي طلحة: ms0479 خطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: إني لا ~~أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ فيه حتى طعن ~~بإصبعه في صدري وقال: «يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ~~وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن» ~~وقوله: «ألا يكفيك آية الصيف» أراد أن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين ~~إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء، والأخرى في الصيف وهي التي ~~في آخرها، وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء، فلذلك أحاله عليها. # وقوله تعالى: {أو امرأة} عطف على رجل أي: أو امرأة تورث كلالة {وله} أي: ~~الرجل {أخ أو أخت} واكتفى بحكم الرجل عن حكم المرأة لدلالة العطف على ~~تشاركهما فيه، ويصح أن يعود الضمير على الموروث الكلالة فيشمل الرجل ~~والمرأة {فلكل واحد منهما السدس} وقد أجمعوا على أن المراد به الأخ والأخت ~~من الأم {فإن كانوا} أي: الأخت والأخوات من الأم {أكثر من ذلك} أي: من واحد ~~{فهم شركاء في الثلث} يستوي فيه ذكورهم وإناثهم؛ لأن الإدلاء بمحض الأنوثة ~~{من بعد وصية يوصى بها أو دين} وقوله تعالى: {غير مضار} حال من ضمير يوصى ~~أي: غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصى بأكثر من الثلث، وعن قتادة: كره ~~الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه. # وعن الحسن المضارة في الدين أن يوصي بدين ليس عليه، ومعناه الإقرار، ~~وقوله تعالى: {وصية من الله} مصدر مؤكد ليوصيكم أي: يوصيكم بذلك وصية ~~كقوله: {فريضة من الله} (النساء، 11) # {وا عليم} بما دبره لخلقه من الفرائض {حليم} بتأخير العقوبة عمن خالفه. # تنبيه: خصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو ~~رق.u # {تلك} أي: الأحكام المذكورة في أمر اليتامى والوصايا والمواريث {حدود ~~الله} أي: شرائعه التي حدها ms0480 لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها {ومن يطع الله ~~ورسوله} فيما حكما به {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} وقوله تعالى: ~~{خالدين فيها} حال مقدرة كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا {وذلك ~~الفوز العظيم} . # {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده} أي: الله {يدخله نارا} وقوله تعالى: ~~{خالدا فيها} حال كما مر، ولا يجوز أن يكون (خالدين) و (خالدا) صفتين لجنات ~~ونار؛ لأنهما جريا على غير من هما له، فلا بد من الضمير وهو قولك: خالدين ~~هم فيها وخالدا هو فيها هذا على مذهب البصريين، أما على مذهب الكوفيين فهو ~~جائز عندهم عند أمن اللبس كما هنا، وهو الراجح كما جرى عليه ابن مالك وغيره ~~{وله عذاب مهين} # PageV01P287 # أي: ذو إهانة، وروعي في الضمائر في الآيتين لفظ من وفي خالدين معناها. ~~وقرأ نافع وابن عامر (ندخله جنات) و (ندخله نارا) بالنون فيهما على ~~الالتفات، والباقون بالياء. # {واللاتي يأتين الفاحشة} أي: الزنا {من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم} أي: من رجال المسلمين، وهذا خطاب للحكام أي: فاطلبوا عليهن أربعة من ~~الشهود، وفيه بيان أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود {فإن شهدوا} ~~عليهن بها {فأمسكوهن} أي: احبسوهن {في البيوت} واجعلوها سجنا لهن وامنعوهن ~~عن مخالطة الناس، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء والباقون بكسرها {حتى ~~يتوفاهن الموت} أي: ملائكته {أو} إلى أن {يجعل الله لهن سبيلا} أي: طريقا ~~إلى الخروج منها أمروا بذلك أول الإسلام، ثم جعل لهن سبيلا بجلد البكر مئة ~~وتغريبها عاما ورجم المحصنة، وفي الحديث، لما بين الحد قال: «خذوا عني خذوا ~~عني قد جعل الله لهن سبيلا» . رواه مسلم {واللذان} أي: الزاني والزانية، ~~وقرأ ابن كثير بتشديد النون والباقون بالتخفيف {يأتيانها} أي: فاحشة الزنا ~~{منكم} أي: الرجال {فآذوهما} بالسب والضرب بالنعال {فإن تابا} أي: منها ~~{وأصلحا} أي: العمل {فأعرضوا عنهما} ولا تؤذوهما {إن الله كان توابا} على ~~من تاب {رحيما} به، وهو علة الأمر بالإعراض وترك المذمة وهذا منسوخ بالحد. # روى ابن مسعود عن أبي ms0481 هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما أخبراه أن رجلين ~~اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض ~~بيننا بكتاب الله، فقال الآخر وكان أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا ~~بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى ~~بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة وبجارية لي، ثم ~~إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مئة وتغريب سنة وإنما ~~الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده ~~لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك» وجلد ابنه مئة وغربه ~~عاما. أي: لأنه كان غير محصن وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن ~~اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها. # وروى ابن عباس عن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن الله بعث محمدا ~~بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ~~ورعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال ~~بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا ~~بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من ~~الرجال والنساء إذا قامت البينة أو الاعتراف. وجملة حد الزنا أن الزاني إذا ~~كان محصنا وهو الذي اجتمع فيه أربعة أوصاف: العقل والبلوغ والحرية والإصابة ~~بالنكاح الصحيح، فحده الرجم مسلما كان أو ذميا، وعند أبي حنيفة أن الإسلام ~~من شرائط الإحصان فلا يرجم عنده الذمي، ويرده ما صح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «أنه رجم يهوديين زنيا وكانا قد أحصنا» وإن كان الزاني غير محصن ~~بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نظر إن كان غير بالغ أو مجنونا فلا حد عليه ~~وإن كان حرا عاقلا بالغا غير أنه لم يصب بنكاح صحيح فعليه جلد مئة وتغريب ~~عام وإن كان رقيقا فعليه جلد خمسين وتغريب نصف عام. ومثل الزنا ms0482 # PageV01P288 # اللواط عند الشافعي رضي الله تعالى عنه لكن المفعول به لا رجم عليه وإن ~~كان محصنا بل يجلد ويغرب، وقيل: نزلت آية {واللاتي يأتين الفاحشة} في ~~المساحقات وآية {واللذان يأتيانها منكم} في اللواطين. # {إنما التوبة على الله} أي: إن قبول التوبة كالمحتوم على الله تفضلا منه ~~بمقتضى وعده؛ لأنه تعالى وعد بقبول التوبة فإذا وعد شيئا لا بد أن ينجز ~~وعده؛ لأن الخلف في وعده سبحانه وتعالى محال {للذين يعملون السوء} أي: ~~المعصية وقوله تعالى: {بجهالة} في موضع الحال أي: يعملون السوء جاهلين أي: ~~سفها فإن ارتكاب الذنب مما يدعو إليه السفه والشهوة لا ما تدعو إليه الحكمة ~~والعقل، وعن مجاهد: من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع أي: يخرج من جهالته، ~~وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي به ~~الله فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن، وكل من عصى الله تعالى فهو جاهل {ثم ~~يتوبون من} زمن {قريب} أي: قبل أن يغرغروا لقوله تعالى: {حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت} وقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» ~~رواه الترمذي وحسنه. وعن عطاء ولو قبل موته بفواق ناقة، وعن الحسن إن إبليس ~~قال حين أهبط إلى الأرض: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده فقال: ~~وعزتي وجلالي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر. والغرغرة تردد الروح في ~~الحلق. # تنبيه: معنى (من) في قوله تعالى {من قريب} التبعيض أي: يتوبون بعض زمان ~~قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمنا قريبا؛ لأن أمد ~~الحياة قريب لقوله تعالى: {قل متاع الدنيا قليل} (النساء، 77) # ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من ~~بعيد {فأولئك يتوب الله عليهم} أي: يقبل توبتهم. # فإن قيل: ما فائدة ذلك بعد قوله تعالى: {إنما التوبة على الله} ؟ أجيب: ~~بأن ذلك وعد بالوفاء بما وعد به وكتبه على نفسه ms0483 كما يعد العبد الوفاء بما ~~عليه {وكان الله عليما} بخلقه {حكيما} في صنعه بهم. # {وليست التوبة للذين يعملون السيآت} أي: الذنوب {حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت} أي: أخذ في النزع {قال} عند مشاهدة ما هو فيه {إني تبت الآن} حين لا ~~يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة قال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا} (غافر، 85) # ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق {ولا الذين يموتون وهم كفار} ~~أي: إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا ينفعهم ذلك، ولا تقبل ~~توبتهم، فسوى سبحانه وتعالى بين الذين سوفوا توبتهم إلى حضور الموت وبين ~~الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم؛ لأن حضور الموت أول أحوال ~~الآخرة، فكما أن المصرين على الكفر قد فاتتهم التوبة على اليقين فكذلك ~~المسوف إلى حضور الموت لمجاوزة كل منهما أوان التكليف والاختيار وقوله ~~تعالى: {أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} أي: مؤلما تأكيد لعدم قبول توبتهم ~~وبيان أن العذاب أعده لهم لا يعجزه عذابهم متى شاء والاعتداد التهيئة من ~~العتاد وهو العدة، وقيل: أصله أعددنا أبدلت الدال الأولى تاء. # {يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء} أي: ذواتهن {كرها} نزلت ~~في أهل المدينة كانوا في الجاهلية، وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وله ~~امرأة وللرجل عصبة وألقى ثوبه على امرأة الميت أو على خبائها صار أحق بها ~~من نفسها ومن غيره، ثم إن شاء تزوجها بصداقها الأول وإن # PageV01P289 # شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها ~~لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت هي فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى ~~أهلها قبل أن يلقي عليها عصبة الميت ثوبه فهي أحق بنفسها، وكانوا على هذا ~~حتى توفي أبو القيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته، فقام ابن له من غيرها ~~فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها ~~لتفدي نفسها منه، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ms0484 إن ~~أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه، فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي ~~سبيلي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقعدي في بيتك حتى يأتي أمر ~~الله» فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقرأ حمزة والكسائي بضم الكاف، والباقون بفتحها قال الكسائي: وهما لغتان، ~~وقال الفراء: الكره بالفتح ما أكره عليه، وبالضم المشقة، وقوله تعالى: {ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} عطف على (أن ترثوا) أي: لا تمنعوا ~~أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهن ولا رغبة لكم فيهن ضرارا لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن من المهر، وقيل: هذا خطاب لأولياء الميت، والصحيح كما قال البغوي: ~~إنه خطاب للأزواج، قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون له المرأة وهو كاره ~~صحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر فنهى ~~الله تعالى عن ذلك. # قال الزمخشري: والعضل الحبس والضيق ومنه عضلت المرأة بولدها إذا اختنقت ~~رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} كالزنا والنشوز ~~وسوء العشرة، فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم قال عطاء: كان الرجل إذا ~~أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحدود، وقرأ ~~ابن كثير وشعبة بفتح الياء المثناة تحت والباقون بالكسر وقوله تعالى: ~~{وعاشروهن بالمعروف} قال الحسن: رجع إلى أول الكلام يعني وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة وعاشروهن بالمعروف وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في ~~القول وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له {فإن كرهتموهن} فاصبروا ولا ~~تفارقوهن {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} أي: فربما كرهت ~~النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير وأحبت ما هو بضد ذلك ~~وليكن نظركم ما هو أصلح للدين وأدنى إلى الخير فلعل أن يرزقكم الله تعالى ~~منهن ولدا صالحا أو يعطفكم الله عليهن وقد بينت الآية جواز إمساك المرأة مع ~~الكراهة لها ونبهت على معنيين: # أحدهما أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح: # والثاني أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبا ms0485 ليس فيه ما يكره فليصبر على ما ~~يكره لما يحب وأنشدوا في هذا المعنى: # *ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عائب* # *ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ... يجدها ولم يسلم له الدهر صاحب* # ولما كان الرجل إذا طمحت عينه إلى استظراف امرأة بهت بالتي تحته ورماها ~~بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى زوج غيرها نزل. # {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} أي: أخذها بدلها بأن طلقتموها {و} قد ~~{آتيتم إحداهن} أي: الزوجات {قنطارا} أي: مالا كثيرا صداقا {فلا تأخذوا ~~منه} أي: القنطار {شيئا} وقوله تعالى: {أتأخذونه بهتانا} # PageV01P290 # أي: ظلما {وإثما مبينا} أي: بينا حال أي: أتأخذونه باهتين وآثمين، وعن ~~عمر رضي الله تعالى عنه أنه قام خطيبا فقال: أيها الناس لا تغالوا بصداق ~~النساء فلو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول ~~الله ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية فقامت إليه امرأة ~~فقالت له: يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقا جعله الله لنا والله تعالى يقول: ~~{وآتيتم إحداهن قنطارا} فقال عمر رضي الله تعالى عنه: كل أحد أعلم من عمر ~~ثم قال لأصحابه: تسمعونني أقول مثل هذا القول ولا تنكرونه علي حتى ترد علي ~~امرأة ليست من أعلم النساء. # وقوله تعالى: # {وكيف تأخذونه} استفهام توبيخ وإنكار أي: تأخذونه بأي وجه {وقد أفضى} أي: ~~وصل {بعضكم إلى بعض} بالجماع المقرر للمهر وكنى الله تعالى عن الجماع ~~بالإفضاء وهو الوصول إلى الشيء من غير واسطة تعليما لعباده؛ لأنه مما ~~يستحيا منه {وأخذن منكم ميثاقا} أي: عهدا {غليظا} أي: شديدا وهو ما أخذه ~~الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله» . وقد قيل: صحبة عشرين يوما قرابة فكيف بما ~~جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج. ولما توفي أبو قيس وكان من صالحي ~~الأنصار خطب ابنه ms0486 قيس امرأة أبيه وكان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم ~~فقالت: إني أعدك ولدا وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أستأمره فأتته وأخبرته بذلك فنزل. # {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} وإنما عبر بما دون من؛ لأنه أريد ~~به صفة ذات معينة وهي كونهن منكوحات الآباء، وقيل: ما مصدرية على إرادة ~~المفعول من المصدر وقوله تعالى: {إلا ما قد سلف} استثناء من المعنى اللازم ~~للنهي فكأنه قيل: تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف أو من ~~اللفظ للمبالغة في التحريم، والمعنى: لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا ما قد سلف ~~إن أمكنكم أن تنكحوه ولا يمكن ذلك والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق ~~إلى إباحته كما يعلق بالمحال في التأبيد في نحو قوله تعالى: {حتى يلج الجمل ~~في سم الخياط} (الأعراف، 40) # أو منقطع أي: لكن ما قد سلف من فعلكم ذلك فإنه معفو عنه وقوله تعالى: ~~{إنه} أي: نكاحهن {كان فاحشة ومقتا} علة للنهي أي: إنه فاحشة فكان مزيدة ~~أي: قبيحا عند الله تعالى ما رخص فيه لأمة من الأمم ممقوتا عند ذوي ~~المروءات من الجاهلية وغيرهم وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه: ~~المقتى ويسمي به الرجل المذكور أيضا قال في «القاموس» : نكاح المقت أن ~~يتزوج امرأة أبيه بعده فالمقتى ذلك المتزوج أو ولده أي: ومن ثم قيل: ومقتا ~~كأنه قيل: هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح قبيح ممقوت في المروءة ولا ~~مزيد على ما يجمع القبحين {وساء} أي: بئس {سبيلا} أي: طريقا ذلك، روي عن ~~البراء بن عازب أنه قال: «مر بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ فقال: ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه» . # واعلم أن أسباب التحريم المؤبد ثلاثة: قرابة ورضاع ومصاهرة وضابط ~~المحرمات بالنسب والرضاع أن يقال: محرم نساء القرابة إلا من دخلت تحت ولد ~~العمومة أو ولد الخؤولة وقد بدأ الله بالسبب الأول وهو القرابة ms0487 فقال: # {حرمت عليكم # PageV01P291 # أمهاتكم} أي: العقد عليهن وكذلك يقدر في الباقي؛ لأن تحريم نكاحهن هو ~~الذي يفهم من تحريمهن كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها ومن تحريم لحم ~~الخنزير تحريم أكله. # والأمهات جمع أم وأصلها أمهة، قاله الجوهري. وضابط الأم هي كل من ولدتك ~~فهي أمك حقيقة أو ولدت من ولدك ذكرا كان أو أنثى كأم الأب وإن علت وأم الأم ~~كذلك فهي أمك مجازا، وإن شئت قلت: هي كل أنثى ينتهي إليها نسبك {وبناتكم} ~~جمع بنت وضابطها هو كل من ولدتها فهي بنتك حقيقة أو ولدت من ولدها ذكرا كان ~~أو أنثى كبنت ابن وإن نزل وبنت بنت وإن نزلت فبنتك مجازا وإن شئت قلت: كل ~~أنثى ينتهي إليك نسبها، وخرج بالبنت المخلوقة من ماء زنا الرجل فإنها تحل ~~له؛ لأنها أجنبية عنه بدليل منع الإرث بالإجماع فلا تتبعض الأحكام ويحرم ~~على المرأة ولدها من زنا بالإجماع كما أجمعوا على أنه يرثها. # والفرق أن الابن كالعضو منها وانفصل منها إنسانا ولا كذلك النطفة التي ~~خلقت منها البنت بالنسبة للأب {وأخواتكم} جمع أخت وضابطها هو كل من ولدها ~~أبواك أو أحدهما فهي أختك {وعماتكم} جمع عمة، وضابطها: هو كل من هي أخت ذكر ~~ولدك بلا واسطة فعمتك حقيقة أو بواسطة كعمة أبيك فعمتك مجازا وقد تكون ~~العمة من جهة الأم كأخت أبي الأم {وخالاتكم} جمع خالة وضابطها هو كل من هي ~~أخت أنثى ولدتك بلا واسطة فخالتك حقيقة، أو بواسطة كخالة أمك فخالتك مجازا، ~~وقد تكون الخالة من جهة الأب كأخت أم الأب {وبنات الأخ وبنات الأخت} من ~~جميع الجهات وبنات أولادهم وإن سفلن. # ثم ثنى بالسبب الثاني وهو الرضاع فقال: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} وضابط ~~أمك من الرضاع هو: كل من أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو صاحب اللبن أو أرضعت ~~من ولدك بواسطة أو غيرها أو ولدت مرضعتك بواسطة أو غيرها أو صاحب لبنها وهو ~~الفحل بواسطة أو غيرها فأم رضاع {وأخواتكم من الرضاعة} وضابط أخت الرضاع هو ms0488 ~~كل من أرضعتها أمك أو ارتضعت بلبن أبيك أو ولدتها مرضعتك أو ولدها الفحل ~~ويلحق بذلك بالسنة باقي السبع لخبر الصحيحين: «يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~الولادة» ، وفي رواية: «حرموا من الرضاعة ما يحرم من الولادة» ، وفي رواية: ~~«حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب» . # وضابط بنت الرضاع هو كل أنثى ارتضعت لبنك أو لبن من ولدته بواسطة أو ~~غيرها أو أرضعتها امرأة ولدتها بواسطة أو غيرها وكذا بناتها من نسب أو رضاع ~~وإن سفلن، وضابط عمة الرضاع هو كل أخت للفحل أو أخت ذكر ولد الفحل بواسطة ~~أو غيرها من نسب أو رضاع. # وضابط خالة الرضاع هو كل أخت للمرضعة أو أخت أنثى ولدت المرضعة بواسطة أو ~~غيرها من نسب أو رضاع، وضابط بنات الإخوة وبنات الأخوات من الرضاع: كل أنثى ~~من بنات أولاد المرضعة والفحل من الرضاع والنسب، وكذا كل أنثى أرضعتها أختك ~~أو ارتضعت بلبن أخيك وبناتها وبنات أولادها من نسب أو رضاع، وإنما تثبت ~~حرمة الرضاع بشرطين: # أحدهما أن يكون قبل استكمال المولود حولين لقوله تعالى: {والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين} (البقرة، 233) # ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء» ، وعن ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P292 # «لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم» وإنما يكون هذا في حال الصغر، ~~وعند أبي حنيفة مدة الرضاع ثلاثون شهرا لقوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا} (الأحقاف، 15) # وهي عند الأكثرين لأقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع وأقل مدة الحمل ستة ~~أشهر وابتداء الحولين من تمام انفصاله. والشرط الثاني: أن توجد خمس رضعات ~~متفرقات، لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: فيما أنزل الله ~~في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن أي: يقرؤهن من لم يبلغه نسخهن ~~فقد نسخت تلاوتهن وبقي حكمهن، وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وذهب أكثر أهل ~~العلم إلى أن ms0489 قليل الرضاع وكثيره محرم، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن ~~المسيب، وإليه ذهب سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأبو ~~حنيفة، ويقوي الأول قوله صلى الله عليه وسلم «لا تحرم المصة من الرضاع ~~والمصتان» . # ثم ثلث بالسبب الثالث وهو النكاح فقال تعالى: {وأمهات نسائكم} أي: بواسطة ~~أو بغيرها من نسب أو رضاع سواء أدخل بزوجته أم لا لإطلاق الآية {وربائبكم} ~~جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره وسميت ربيبة؛ لأنه يربيها كما يربي ولده ~~في غالب الأمر، ثم اتسع فيه وسميت بذلك وإن لم يربها وقوله تعالى: {اللاتي ~~في حجوركم} أي: تربونها صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها {من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن} أي: جامعتموهن سواء أكان ذلك بعقد صحيح أم فاسد لإطلاق الآية ~~{فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} أي: في نكاح بناتهن إذا ~~فارقتموهن. # فإن قيل: لم أعيد الوصف إلى الجملة الثانية ولم يعد إلى الجملة الأولى ~~{وهي وأمهات نسائكم} مع أن الصفات عقب الجمل تعود إلى الجميع؟ أجيب: بأن ~~نساءكم الثاني مجرور بحرف الجر، ونساءكم الأول مجرور بالإضافة، وإذا اختلف ~~العامل لم يجز الإتباع وتعين القطع واعترض بأن المعمول الجر وهو واحد. # تنبيه: قضية كلام الشيخ أبي حامد وغيره أنه يعتبر في الدخول أن يقع في ~~حياة الأم فلو ماتت قبل الدخول ووطئها بعد موتها لم تحرم بنتها؛ لأن ذلك لا ~~يسمى دخولا وإن تردد فيه الروياني. # فإن قيل: لم لم يعتبر الدخول في تحريم أصول البنت واعتبر في تحريمها ~~الدخول؟ أجيب: بأن الرجل يبتلى عادة بمكالمة أمها عقب العقد لترتيب أموره ~~فحرمت بالعقد ليسهل ذلك عليه بخلاف بنتها واستدخال الماء المحترم يثبت ~~المصاهرة كالوطء، وتحرم البنت المنفية باللعان وإن لم يدخل بأمها؛ لأنها لا ~~تنتفي عنه قطعا {وحلائل} أي: أزواج {أبنائكم} واحدتها حليلة والذكر حليل ~~سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، وقيل: سميا بذلك؛ لأن كل واحد ~~يحل إزار صاحبه من الحل وهو ضد العقد وقوله تعالى: {الذين ms0490 من أصلابكم} ~~احتراز عن حليلة المتبنى فإنها لا تحرم على الرجل الذي تبناه، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة زيد بن حارثة وكان تبناه صلى الله عليه وسلم ~~لا عن حليلة ولده من الرضاع فإنها تحرم عليه، ولا عن حلائل أبناء الولد وإن ~~سفلوا.x # تنبيه: كل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين والوطء ~~بشبهة النكاح، فإذا وطىء امرأة بشبهة أو جارية بملك اليمين حرم على الواطىء ~~أمها وبنتها، وتحرم الموطوءة على أبي الواطىء وابنه، # PageV01P293 # ولو زنى بامرأة لم تحرم أمها ولابنتها على الزاني ولا تحرم الزانية على ~~أبي الزاني وابنه كما قاله ابن عباس، وإليه ذهب مالك والشافعي، وذهب قوم ~~إلى التحريم. # يروي ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة وهو قول أصحاب الرأي. وهل المباشرة ~~بشهوة كلمس وقبلة كالوطء في تحريم الربيبة؟ فيه قولان: # أحدهما: وهو الأصح من مذهب الشافعي لا؛ لأن ذلك لا يوجب العدة، فكذا لا ~~يوجب الحرمة. # والثاني: نعم؛ لأن ذلك كالوطء بجامع التلذذ بالمرأة؛ ولأنه استمتاع يوجب ~~الفدية على المحرم فكان كالوطء وبهذا قال جمهور العلماء. # ثم ذكر سبحانه وتعالى تحريم الجمع بقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} ~~أي: ولا يجوز للرجل أن يجمع بين أختين في نكاح سواء كانتا من نسب أم رضاع ~~سواء أنكحهما معا أم مترتبا، فإذا نكح امرأة، ثم طلقها بائنا جاز له نكاح ~~أختها، وخرج بالجمع في النكاح الجمع بملك اليمين، فإنه جائز لكن لا يجوز أن ~~يجمع بينهما في الوطء فإذا وطىء إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرم ~~الأولى على نفسه، ويلحق بالأختين بالسنة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ~~من نسب أو رضاع ولو بواسطة، قال صلى الله عليه وسلم «لا تنكح المرأة على ~~عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت ~~أختها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى» ، رواه الترمذي وغيره ~~وصححوه؛ ولما فيه من قطيعة الرحم، وإن رضيت بذلك، فإن ms0491 الطبع يتغير وإليه ~~أشار صلى الله عليه وسلم في خبر النهي عن ذلك بقوله: «إنكم إذا فعلتم ذلك ~~قطعتم أرحامهن» . كما رواه ابن حبان وغيره، وضابط تحريم الجمع ابتداء ~~ودواما هو كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع ولو فرضت إحداهما ذكرا حرم ~~الجمع بينهما بنكاح أو وطء بملك اليمين، وقوله تعالى: {إلا ما قد سلف} ~~استثناء عن لازم المعنى وهو المؤاخذة، فكأنه قال تعالى: تؤاخذون بذلك إلا ~~ما قد سلف قبل النهي فلا تؤاخذون به أو منقطع أي: لكن ما قد سلف من نكاح ~~بعض ما ذكر فإنه مغفور لكم ويؤيد هذا قوله تعالى: {إن الله كان غفورا} لما ~~سلف منكم قبل النهي {رحيما} بكم في ذلك، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر من ~~رواية ابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند السين والباقون بالإدغام. # {و} حرمت {المحصنات} أي: ذوات الأزواج {من النساء} أن تنكحوهن قبل مفارقة ~~أزواجهن سواء أكن حرائر أم لا، مسلمات أم لا، قال أبو سعيد الخدري: نزلت في ~~نساء كن هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج، فتزوجهن بعض ~~المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهى الله المسلمين عن نكاحهن، ثم ~~استثنى فقال: {إلا ما ملكت أيمانكم} أي: من الإماء بالسبي فلكم وطؤهن وإن ~~كان لهن أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء؛ لأن بالسبي يرتفع النكاح بينها ~~وبين زوجها، قال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~حنين جيشا إلى أوطاس، فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهن ~~وتحرجوا فأنزل الله هذه الآية. # فائدة: قرأ الكسائي جميع ما في القرآن من لفظ المحصنات ومحصنات بكسر ~~الصاد إلا هذا الحرف فإنه فتح الصاد موافقة للجميع، ووجه تسميتهن بذلك؛ ~~لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج فهن محصنات، ومحصنات بالكسرة في غير هذه الآية ~~وقوله تعالى: {كتاب الله} مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي # PageV01P294 # قبله وهي حرمت عليكم إلخ.. أي: كتب الله {عليكم} تحريم هؤلاء كتابا وقوله ~~تعالى: {وأحل لكم} عطف على الفعل المضمر الذي ms0492 نصب كتاب الله إذا قرىء ~~بالبناء للفاعل كما قرأه غير حفص وحمزة والكسائي، وأما هم فقرؤوه بالبناء ~~للمفعول عطفا على حرمت {ما وراء ذلكم} أي: سوى ما حرم عليكم من النساء ~~وقوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} مفعول له والمعنى ~~أحل لكم ما وراء ذلك إرادة أن تبتغوا أي: تطلبوا النساء بأموالكم التي جعل ~~الله لكم قياما في حال كونكم محصنين أي: متزوجين غير مسافحين أي: زانين؛ ~~لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم ~~ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. # والإحصان: العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام والمسافح الزاني من ~~السفح وهو صب المني، وكان الفاجر يقول للفاجرة: سافحيني ماذيني من المذي. ~~والأموال المهور وما يخرج في المناكح. # تنبيه: يجوز أن يكون مفعول تبتغوا مقدرا وهو النساء كما قدرته لك، قال ~~الزمخشري: والأجود أن لا يقدر وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم ويجوز أن يكون ~~أن تبتغوا بدلا مما وراء ذلكم بدل اشتمال؛ لأن المبدل منه ذات والمبدل معنى ~~والذات مشتملة عليه {فما} أي: فمن {استمتعتم} أي: تمتعتم {به منهن} أي: ممن ~~تزوجتم بالوطء {فآتوهن أجورهن} أي: مهورهن، فإن المهر في مقابلة الاستمتاع، ~~وقوله تعالى: {فريضة} حال من الأجور بمعنى مفروضة أو صفة مصدر محذوف أي: ~~إيتاء مفروضا أو مصدر مؤكد {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم} أنتم وهن {به من ~~بعد الفريضة} فيما يزاد على المسمى أو يحط عنه بالتراضي، أو فيما تراضيا به ~~من نفقة أو مقام أو فراق. # وقيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخت كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ليلة ~~أو ليلتين أو أسبوعا بثوب أو غير ذلك ويقضي منها وطره ثم يسرحها سميت متعة ~~لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه أباحها ثم أصبح يقول: «يأيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه ~~النساء إلا أن ms0493 الله حرم ذلك إلى يوم القيامة» . وعن عمر رضي الله تعالى عنه ~~أنه قال: «لا أوتى برجل تزوج بامرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة» . وعن ~~ابن عباس أنه قال: هي محكمة أي: تنسخ وكان يقرأ: فما استمتعتم به إلى أجل ~~مسمى، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهم إني أتوب إليك من قولي ~~بالمتعة، وقيل: إنها أبيحت مرتين وحرمت مرتين {إن الله كان عليما} بخلقه ~~{حكيما} فيما دبره لهم. # {ومن لم يستطع منكم طولا} أي: غنى وأصل الطول الفضل يقال: لفلان على فلان ~~طول أي: زيادة فضل وقد طاله طولا فهو طائل كما قال القائل: # *لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرىء غير طائل* # ومنه قولهم: هذا أمر ما تحته طائل أي: شيء يعتد به مما له فضل وخطر، ومنه ~~الطول في الجسم؛ لأنه زيادة فيه كما أن القصر قصور فيه ونقصان، والمعنى: ~~ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة {أن ينكح المحصنات} أي: الحرائر وقوله ~~تعالى: {المؤمنات} جرى على الغالب، فلا مفهوم له فإن الحرائر الكتابيات ~~كذلك {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} أي: إمائكم المؤمنات # PageV01P295 # أي: ومن لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة أي: أو الكتابية كما مر فليتزوج ~~الأمة المؤمنة، وظاهر الآية حجة للشافعي رضي الله تعالى في تحريم نكاح ~~الأمة على من ملك ما يجعله صداق حرة ومنع نكاح الأمة الكتابية مطلقا، وأول ~~أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه طول المحصنات بأن يملك فراشهن على أن النكاح ~~هو الوطء وحمل قوله: (من فتياتكم المؤمنات) على الأفضل كما حمل عليه قوله: ~~(المحصنات المؤمنات) . # ومن أصحابنا من حمله أيضا على التقييد وجوز نكاح الأمة لمن قدر على الحرة ~~والكتابية دون المؤمنة حذرا من مخالطة الكفار وموالاتهم، والمحذور في نكاح ~~الأمة رق الولد؛ ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة، وذلك كله نقصان راجع ~~إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين، وأما وطؤها بملك اليمين فجائز ~~باتفاق. # فائدة: قوله تعالى: {فمن ما ملكت} من مقطوعة عن ms0494 ما {وا أعلم بإيمانكم} ~~أي: بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، ~~وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، والمرأة أفضل في الإيمان من ~~الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب ~~والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه فإنه العالم ~~بالسرائر {بعضكم من بعض} أي: أنتم وإماؤكم سواء في النسب والدين نسبكم من ~~آدم ودينكم الإسلام فلا تستنكفوا من نكاحهن {فانكحوهن بإذن أهلهن} أي: ~~مواليهن {وآتوهن أجورهن} أي: أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلهن فحذف بإذن لتقدم ~~ذكره، أو أدوا إلى مواليهن فحذف المضاف للعلم بأن المهر للسيد؛ لأنه عوض ~~حقه فيجب أن يؤدى إليه، وقال مالك: المهر للأمة ذاهبا إلى ظاهر الآية ~~{بالمعروف} أي: من غير مطل ولا ضرار وقوله تعالى: {محصنات} أي: عفيفات حال ~~من ضمير فانكحوهن وهو محمول على الندب بناء على المشهور من جواز نكاح ~~الزواني {غير مسافحات} أي: زانيات جهرا {ولا متخذات أخدان} أي: أخلاء يزنون ~~بها سرا جمع خدن وهو الصديق في السر، وقيل: المسافحات اللاتي يزنين مع أي ~~رجل، وذوات الأخدان اللاتي يزنين مع معين وذلك بحسب ما كان في الجاهلية. # {فإذا أحصن} قرأ شعبة وحمزة والكسائي أحصن بفتح الهمزة والصاد على البناء ~~للفاعل أي: تزوجن والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول أي: ~~زوجن، {فإن أتين بفاحشة} أي: زنا {فعليهن نصف ما على المحصنات} أي: الحرائر ~~الأبكار إذا زنين {من العذاب} أي: الحد فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة، ويقاس ~~عليهن العبد. # فإن قيل: ما فائدة وجوب تنصيف الحد عليهن بتقييده بتزوجهن إذ تنصيف ~~العذاب لازم للأمة الزانية تزوجت أم لا؟ أجيب: بأن فائدة ذلك بيان أن لا ~~رجم عليهن أصلا وبأنه إنما ذكر لبيان جواب سؤال إذ الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم عرفوا مقدار حد الأمة قبل التزوج دون مقداره بعده، فسألوا عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وذهب بعضهم إلى أنه لا حد على من لم يتزوج ~~من ms0495 المماليك إذا زنا أخذا بظاهر الآية. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها ~~فليجلدها الحد ولا يثربن عليها ثم إن عادت فليجلدها الحد ولا يثربن عليها، ~~فإن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر» {ذلك} أي: نكاح ~~الإماء عند عدم الطول {لمن # PageV01P296 # خشي} أي: خاف {العنت} أي: الزنا، وأصله المشقة سمي به الزنا؛ لأنه سببها ~~بالحد في الدنيا أو العقوبة في الأخرى {منكم} أيها الأحرار بخلاف من لم ~~يخفه أما العبيد فيجوز لهم نكاح الإماء مطلقا لكن إن كان العبد مسلما فلا ~~بد أن تكون الأمة مسلمة {وإن تصبروا} عن نكاح الإماء متعففين {خير لكم} ~~لئلا يصير الولد رقيقا، وعن النبي صلى الله عليه وسلم «الحرائر صلاح البيت ~~والإماء هلاك البيت» {وا غفور} لمن لم يصبر {رحيم} بأن وسع له في ذلك {يريد ~~الله ليبين لكم} شرائع دينكم ومصالح أموركم {ويهديكم} أي: يرشدكم {سنن} أي: ~~شرائع {الذين من قبلكم} من الأنبياء في التحريم والتحليل فتتبعوهم {ويتوب ~~عليكم} أي: ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم {وا عليم} بكم {حكيم} ~~فيما دبره لكم. # {والله يريد أن يتوب عليكم} إن وقع منكم تقصير في دينه {ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات} قال السدي: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: هم المجوس؛ ~~لأنهم يستحلون نكاح الأخوات وبنات الأخ والأخت فلما حرمهن الله قالوا: ~~فإنكم تحلون بنات الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم حرام فانكحوا بنات ~~الأخ والأخت، فنزلت، وقال مجاهد: هم الزناة {أن تميلوا} أي: تعدلوا عن الحق ~~{ميلا عظيما} بارتكاب ما حرم عليكم فتكونوا مثلهم. # {يريد الله أن يخفف عنكم} أي: يسهل عليكم أحكام الشرع، وقد سهل كما قال ~~تعالى: {ويضع عنهم إصرهم} (الأعراف، 157) # وقال صلى الله عليه وسلم «بعثت بالحنيفية السمحة» أي: السهلة {وخلق ~~الإنسان ضعيفا} لا يصبر على الشهوات وعلى مشاق الطاعات، وعن سعيد بن ~~المسيب: ما أيس الشيطان من أحد قط إلا أتاه من قبل النساء فقد أتى علي ~~ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني ms0496 وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف علي فتنة ~~النساء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ثمان آيات في سورة النساء خير ~~لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، (يريد الله ليبين لكم) (والله يريد ~~أن يتوب عليكم) (يريد الله أن يخفف عنكم) (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيآتكم) (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) (إن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة) (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه) (ما يفعل الله بعذابكم) . # {يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} أي: بما لم تبحه ~~الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار والربا، وقوله تعالى: {إلا ~~أن تكون تجارة} استثناء منقطع أي: لكن أن تقع تجارة على قراءة الرفع وهي ~~قراءة غير عاصم وحمزة والكسائي وأما هؤلاء فقرؤوا بالنصب على كان الناقصة ~~وإضمار الاسم أي: إلا أن تكون الأموال تجارة {عن تراض منكم} أي: فلكم أن ~~تأكلوها {ولا تقتلوا أنفسكم} أي: بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها في الدنيا ~~والآخرة، وقال الحسن: يعني إخوانكم أي: لا يقتل بعضكم بعضا أو لا يقتل ~~الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل نفسه بشيء في الدنيا ~~عذب به يوم القيامة» . # وروي أن الله تعالى يقول: «بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة» . # وعن عمرو بن العاص أنه تأوله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه صلى ~~الله عليه وسلم {إن الله كان بكم} يا أمة محمد {رحيما} حيث أمر بني إسرائيل ~~بقتل الأنفس ونهاكم عنه. # {ومن يفعل ذلك} أي: ما نهى عنه من قتل النفس وغيره من المحرمات، # PageV01P297 # وقوله تعالى: {عدوانا} حال أي: متجاوزا للحلال وقوله تعالى: {وظلما} ~~تأكيد وقيل: أراد بالعدوان التعدي على الغير وبالظلم ظلم الشخص نفسه ~~بتعريضها للعقاب {فسوف نصليه} أي: ندخله {نارا} يحترق فيها {وكان ذلك على ~~الله يسيرا} أي: هينا لا عسر عليه فيه. # {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} أي: كلا منها ms0497 وفسر جماعة الكبيرة بأنها ~~ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وقال جماعة: هي المعصية الموجبة ~~للحد، والأول أولى؛ لأنهم عدوا الربا وأكل مال اليتيم وشهادة الزور ونحوها ~~من الكبائر ولا حد فيها، وقال الإمام: هي كل جريمة تؤذن أي: تعلم بقلة ~~اكتراث مرتكبها بالدين، وقال سفيان الثوري: الكبائر ما كان بينك وبين ~~العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم ~~«ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة: يا أمة محمد إن الله قد عفا عنكم ~~جميعا المؤمنين والمؤمنات تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي» . # وهي أشياء كثيرة، قال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب، وقال سعيد بن جبير: ~~هي إلى السبعمائة أقرب أي: باعتبار أصناف أنواعها {نكفر عنكم سيآتكم} أي: ~~الصغائر وهي ما عدا الكبائر أي: نكفر بفعل الطاعات كالصلاة والصوم. عن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما ~~اجتنبت الكبائر» . # ولا بأس بذكر شيء من النوعين فمن الأول تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها ~~بلا عذر، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ~~ونسيان القرآن، واليأس من رحمة الله وأمن مكره تعالى، والقتل عمدا أو شبه ~~عمد، والكفر، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والإفطار في ~~رمضان من غير عذر، وعقوق الوالدين والزنا، واللواط، وشهادة الزور، وشرب ~~الخمر وإن قل، والسرقة، والغصب وقيده جماعة بما يبلغ ربع مثقال كما يقطع به ~~في السرقة، وكتمان الشهادة بلا عذر، وضرب المسلم بغير حق، وقطع الرحم، ~~والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسب الصحابة، وأخذ الرشوة، ~~والنميمة، وأما الغيبة فإن كانت في أهل العلم أو حملة القرآن فهي من ~~الكبائر، وإلا فهي صغيرة، ومن الصغائر النظر المحرم، وكذب لا حد فيه ولا ~~ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، وكثرة الخصومات إلا ~~إن راعى حق الشرع ms0498 فيها، والضحك في الصلاة والنياحة وشق الجيب في المصيبة، ~~والتبختر في المشي، والجلوس بين الفساق إيناسا لهم، وإدخال مجانين وصبيان ~~يغلب تنجيسهم ونجاسة المسجد، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع ~~الاستغفار، وقيل: الكبائر الشرك وما عداه من الصغائر قال الله تعالى: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء، 48 116) # {وندخلكم مدخلا} قرأ نافع بفتح الميم أي: موضعا {كريما} أي: حسنا وهو ~~الجنة، وقرأ الباقون بضمها على المصدر بمعنى الإدخال مع الكرامة. # {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} من جهة الدنيا والدين؛ لئلا ~~يؤدي إلى التحاسد والتباغض؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة ~~وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح للمقسوم له من بسط في الرزق وقبض {ولو ~~بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} (الشورى، 27) # فعلى كل # PageV01P298 # أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ما قسم له هو المصلحة ولو كان خلافه ~~لكان مفسدة له ولا يحسد أخاه على حظه. # قال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله إن الرجال يغزون ولا نغزو ولهم ~~ضعف ما لنا من الميراث فلو كنا رجالا غزونا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا ~~فنزلت هذه الآية، وقيل: لما جعل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين في ~~الميراث قالت النساء: نحن أحوج إلى الزيادة من الرجال، فإنا ضعفاء وهم ~~أقوياء وأقدر في طلب المعاش منا فنزلت. # وقال قتادة والسدي: لما أنزل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين قال ~~الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من ~~أجر النساء كما فضلنا عليهن في الميراث فأنزل الله تعالى {للرجال نصيب} أي: ~~ثواب {مما اكتسبوا} أي: بسبب ما عملوا من الجهاد {وللنساء نصيب ما اكتسبن} ~~أي: من حفظ فروجهن وطاعة الله وطاعة أزواجهن، فالرجال والنساء في الأجر في ~~الآخرة سواء، وذلك أن الحسنة ms0499 تكون بعشر أمثالها يستوي في ذلك الرجال ~~والنساء، وفضل الرجال على النساء إنما هو في الدنيا {واسألوا الله من فضله} ~~أي: لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله ما احتجتم إليه يعطكم من خزائنه التي ~~لا تنفد، فنهى الله عن التمني لما فيه من دواعي الحسد والحسد، أن يتمنى ~~الشخص زوال النعمة عن صاحبها سواء تمناها لنفسه أم لا، والغبطة أن يتمنى ~~لنفسه مثل ما لصاحبه وهو جائز، قال صلى الله عليه وسلم «لا حسد أي: لا غبطة ~~إلا في اثنتين» الحديث {إن الله كان بكل شيء عليما} فهو يعلم ما يستحقه كل ~~إنسان فيفضل عن علم وتبيان. # {ولكل} من الرجال والنساء {جعلنا موالي} أي: عصبة يعطون {مما ترك ~~الوالدان والأقربون} لهم من المال فالوالدان والأقربون هم المورثون، وقيل: ~~معناه ولكل جعلنا موالي أي: ورثة مما ترك أي: من الذين تركهم فتكون ما ~~بمعنى من، ثم فسر الموالي فقال: الوالدان والأقربون أي: هم الوالدان ~~والأقربون، فعلى هذا القول الوالدان هم الوارثون {والذين عاقدت أيمانكم} ~~والمعاقدة المعاهدة والمحالفة، والأيمان جمع يمين بمعنى القسم أو اليد وذلك ~~أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ~~ومحالفتهم أن الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وثأري ثأرك ~~وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل ~~عنك، فيكون للحليف السدس من مال الحليف وكان ذلك ثابتا في ابتداء الإسلام، ~~فذلك قوله تعالى: {فآتوهم نصيبهم} (النساء، 109) # أي: أعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} (الأنفال/ 75.w # وسورة الأحزاب، 6) # وقال مجاهد: أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث، وعلى هذا ~~الآية غير منسوخة لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} (المائدة، 1) # وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة: «لا تحدثوا حلفا في ~~الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلا ~~شدة» قال الزمخشري: وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ms0500 لو أسلم رجل على يد رجل ~~وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح عنده وورث بحق الموالاة خلافا للشافعي ~~رحمه الله تعالى اه. # وقرأ غير عاصم وحمزة والكسائي: عاقدت بألف بين العين والقاف، وأما هؤلاء ~~الثلاثة فقرأوا: (عقدت) بغير ألف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم فحذف العهود ~~وأقيم الضمير المضاف # PageV01P299 # إليه مقامه، ثم حذف كما حذف في القراءة الأولى {إن الله كان على كل شيء ~~شهيدا} أي: مطلعا فخافوه {الرجال قوامون على النساء} أي: يقومون عليهن قيام ~~الولاة على الرعية وعلل ذلك بأمرين: أحدهما وهبي والآخر كسبي، وقد ذكر ~~الأول بقوله تعالى: {بما فضل الله بعضهم على بعض} أي: بسبب تفضيله الرجال ~~على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ~~ولذلك خصوا بالنبوة والأمانة والولاية، وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع ~~القضايا، ووجوب الجهاد، والجمعة، والتعصيب وزيادة السهم في الميراث ~~والاستبداد بالفراق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى ~~والعمائم، ثم ذكر الثاني بقوله تعالى: {وبما أنفقوا من أموالهم} في نكاحهن ~~كالمهر والنفقة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~الزوجة أن تسجد لزوجها» . # وروي أن سعيد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه زوجته حبيبة بنت زيد ~~بن أبي زهير فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: أفرشته كريمتي فلطمها فقال: «لتقتص منه» فنزلت فقال: «أردنا أمرا ~~وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير» ورفع القصاص {فالصالحات} منهن ~~{قانتات} أي: مطيعات لأزواجهن {حافظات للغيب} أي: لما يجب عليهن حفظه في ~~حال غيبة أزواجهن من الفروج والبيوت والأموال، وعن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير النساء امرأة إذا ~~نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها» ~~{بما حفظ الله} أي: بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج في كتابه، وأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «استوصوا بالنساء خيرا» أو بما حفظهن ms0501 ~~الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على ~~حفظ الغيب وأوعدهن بالعذاب الشديد على الخيانة {واللاتي تخافون} أي: تعلمون ~~{نشوزهن} كما في قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} (البقرة، 182) # {فعظوهن} أي: خوفوهن كأن يقول لزوجته: اتقي الله في الحق الواجب لي عليك ~~واحذري العقوبة ويبين لها أن النشوز يسقط النفقة والقسم {واهجروهن في ~~المضاجع} أي: اعتزلوهن في الفراش {واضربوهن} وإن لم يتكرر النشوز إن أفاد ~~الضرب وإلا فلا يضرب كما لا يضرب ضربا مبرحا ولا وجها ولا مهالك ومع ذلك ~~فالأولى له العفو، وخرج بالعلم بالنشوز ما إذا ظهرت أماراته فقط إما بقول ~~كأن صارت تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين، وإما بفعل كأن يجد منها إعراضا ~~وعبوسا بعد تلطف وطلاقة وجه، فإنه يعظها بلا هجر وبلا ضرب لعلها تبدي عذرا ~~أو تتوب عما وقع منها بغير عذر، وخرج بالمضجع الهجر بالكلام، فلا يجوز ~~الهجر فوق ثلاثة أيام ويجوز فيها للخبر الصحيح: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه ~~فوق ثلاث» إن قصد بهجرها ردها لحظ نفسه فإن قصد به ردها عن المعصية وإصلاح ~~دينها فلا تحريم إذ النشوز حينئذ عذر شرعي، والهجر له في الكلام جائز ~~مطلقا، ومنه هجره صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه ونهيه الصحابة عن ~~كلامهم {فإن أطعنكم} فيما يراد منهن {فلا تبغوا} أي: لا تطلبوا {عليهن ~~سبيلا} أي: طريقا إلى ضربهن ظلما # PageV01P300 # واجعلوا ما كان بينهن كأن لم يكن، «فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ، ~~رواه الطبراني وابن ماجة وغيرهما {إن الله كان عليا كبيرا} فاحذروه أن ~~يعاقبكم إن ظلمتموهن فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم. # {وإن خفتم} أي: علمتم {شقاق} أي: خلاف {بينهما} أي: بين المرء وزوجه ~~وذكرهما بضميرهما وإن لم يجر ذكرهما لجري ما يدل عليهما وهو الرجال ~~والنساء، وإضافة الشقاق إلى الظرف إما لإجرائه مجرى المفعول به كقوله: يا ~~سارق الليلة أهل الدار، أو الفاعل كقولهم نهارك صائم ms0502 {فابعثوا} أي: أيها ~~الحكام متى اشتبه عليكم حالهما إليهما لكن برضاهما {حكما من أهله} أي: ~~أقاربه {وحكما} آخر {من أهلها} أي: أقاربها لينظرا في أمرهما بعد اختلاء ~~حكمه به وحكمها بها ومعرفة ما عندهما في ذلك ويصلحا بينهما، أو يفرقا إن ~~عسر الإصلاح على ما يأتي، فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح. # تنبيه: بعث الحكمين على سبيل الوجوب، وكونهما من الأقارب على سبيل الندب ~~وهما وكيلان لهما فاشترط رضاهما لا حكمان من جهة الحاكم؛ لأن الحال يؤدي ~~إلى الفراق، والبضع حق الزوج، والمال حق الزوجة، وهما رشيدان فلا يولي ~~عليهما في حقهما، فيوكل هو حكمه بطلاق أو خلع، وتوكل هي حكمها ببذل عوض ~~وقبول طلاق، ويشترط فيهما إسلام وحرية وعدالة واهتداء إلى المقصود من ~~بعثهما، له وإنما اشترط فيهما ذلك مع أنهما وكيلان لتعلق وكالتهما بنظر ~~الحاكم كما في أمينه، ويسن كونهما ذكرين ولا يكفي حكم واحد {إن يريدا} أي: ~~الحكمان {إصلاحا يوفق الله بينهما} أي: الزوجين أي: إن قصدا إصلاح ذات ~~البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى بورك في وساطتهما ~~وأوقع الله بطيب أنفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والإلفة، وألقى في ~~نفوسهما المودة والرحمة، وقيل: الضمير الأول للزوجين، والثاني للحكمين أي: ~~إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين اختلافهما حتى يعملا بالصلاح، ~~وقيل: الضميران للحكمين أي: إن قصدا الإصلاح يوفق الله بينهما لتتفق ~~كلمتهما ويحصل مقصودهما، وقيل: للزوجين أي: إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق: ~~أوقع الله بينهما الإلفة والوفاق، وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما ~~يتحراه أصلح الله تعالى مبتغاه، وإن لم يرضيا ببعثهما ولم يتفقا على شيء ~~أدب الحاكم الظالم واستوفى للمظلوم حقه {إن الله كان عليما} بكل شيء ~~{خبيرا} بالبواطن كالظواهر، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق قال تعالى: ~~{لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} ~~(الأنفال، 63) . # {واعبدوا الله} أي: وحدوه وأطيعوه {ولا تشركوا به شيئا} أي: شيئا من ~~الإشراك جليا كان ms0503 أو خفيا، وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه قال: ~~كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هل تدري يا معاذ ما حق الله ~~على الناس؟» قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله تعالى إذا فعلوا ذلك؟» ~~قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم» قال قلت: ~~يا رسول الله ألا أبشر الناس؟ قال: «دعهم يعملون» {و} أحسنوا {بالوالدين ~~إحسانا} أي: برا ولين جانب {وبذي القربى} أي: صاحب القرابة {واليتامى ~~والمساكين} ويدخل في المساكين # PageV01P301 # الفقراء. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة» وفي رواية: ~~«من مسح رأس يتيم ولم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمر عليها يداه حسنات، ~~ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وقرن بين ~~أصبعيه» {والجار ذي القربى} أي: القريب منك في النسب أو الجوار {والجار ~~الجنب} أي: البعيد عنك في النسب أو الجوار. # روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: يا رسول الله إن لي جارين ~~فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابا» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو ~~أن تلقى أخاك بوجه طلق وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت ~~أنه يورثه» . {والصاحب بالجنب} أي: الرفيق في السفر كما قاله ابن عباس ~~ومجاهد، أو المرأة تكون معه إلى جنبه كما قاله علي والنخعي، أو الذي يصحبك ~~رجاء نفعك في تعلم علم أو حرفة أو نحو ذلك كما قاله ابن جريج وابن زيد ~~{وابن السبيل} أي: المسافر؛ لأنه يلازم السبيل، أو الضيف كما عليه الأكثر. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن ~~إلى جاره، ومن ms0504 كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» . وفي رواية: «من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة» ، ~~والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده ~~حتى يخرجه {وما ملكت أيمانكم} أي: من الأرقاء من عبيد وإماء. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن ~~جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه من ~~العمل ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه» ، وفيه رواية أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول في مرضه: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» فجعل يتكلم وما ~~يفيض بها لسانه {إن الله لا يحب من كان مختالا} أي: متكبرا على الناس من ~~أقاربه وأصحابه وجيرانه وغيرهم ولا يلتفت إليهم {فخورا} أي: يتفاخر عليهم ~~بما آتاه الله. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته ~~نفسه خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» . وفي رواية: «لا ينظر ~~الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء» . وقوله تعالى: {الذين} مبتدأ ~~{يبخلون} أي: بما يجب عليهم {ويأمرون الناس بالبخل} بذلك {ويكتمون ما آتاهم ~~الله من فضله} من العلم والمال وهم اليهود بخلوا ببيان صفته صلى الله عليه ~~وسلم وكتموها وكانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخالطونهم فيقولون: لا تنفقوا ~~أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وخبر المبتدأ محذوف ~~تقديره لهم وعيد شديد ويصح أن يكون (الذين) بدلا من قوله: من كان، أو ~~منصوبا على الذم أو مرفوعا عليه أي: هم الذين، وقرأ حمزة والكسائي (بالبخل) ~~بفتح الباء والخاء، والباقون بضم الباء وسكون الخاء {وأعتدنا للكافرين} ~~بذلك وبغيره {عذابا مهينا} أي: ذا إهانة وضع الظاهر فيه موضع المضمر إظهارا ~~بأن من هذا ms0505 شأنه فهو كافر بالله لكتمانه صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكافر بنعمة الله عليه. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أنعم الله على عبد نعمة # PageV01P302 # أحب أن ترى نعمته على عبده» . وبنى عامل للرشيد قصرا حذاء قصره فنم به ~~عنده فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، ~~فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه، وقوله تعالى: # {والذين} عطف على الذين قبله {ينفقون أموالهم رئاء الناس} أي: مرائين لهم ~~{ولا يؤمنون با ولا باليوم الآخر} أي: كالمنافقين ومشركي مكة المنفقين ~~أموالهم في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم {ومن يكن الشيطان له قرينا} أي: ~~صاحبا يعمل بأمره كهؤلاء {فساء} أي: فبئس {قرينا} هو حيث حملهم على البخل ~~والرياء وكل شر وزينه لهم كقوله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} ~~(الإسراء، 27) # والمراد: إبليس وأعوانه الداخلة في باطن الإنسان والخارجة عنه، ويجوز أن ~~يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار. # {وماذا عليهم لو آمنوا با واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله} أي: أي ~~ضرر عليهم في ذلك والاستفهام للإنكار، ولو مصدرية أي: لا ضرر فيه، وإنما ~~الضرر فيما هم عليه وقوله تعالى: {وكان الله بهم عليما} وعيد لهم فيجازيهم ~~بما عملوا. # {إن الله لا يظلم} أحدا {مثقال} أي: وزن {ذرة} وهي أصغر نملة، ويقال: لكل ~~جزء من أجزاء الهباء في الكوة، أي: لا ينقص قدر ذلك من حسناته ولا يزيده في ~~سيئاته كما قال تعالى: {إن الله لا يظلم الناس شيئا} (يونس، 44) ، وفي ذكر ~~المثقال إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه. وعن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعها ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من ~~هؤلاء ذرة {وإن تك حسنة} أي: وإن يك المثقال حسنة {يضاعفها} أي: ثوابها من ~~عشر إلى أكثر من سبعمائة، وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة: بلغني ~~عنك أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ms0506 وسلم يقول: «إن الله يعطي عبده ~~المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة» قال أبو هريرة: لا بل سمعته يقول «إن ~~الله يعطيه ألفي ألف حسنة» . ثم تلا هذه الآية. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب ~~عليها الرزق في الدنيا ويجزيه بها في الآخرة» قال: وأما الكافر فيطعم ~~بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا. ~~وفي رواية: «إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في ~~الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين ~~أدخلوا النار، قال: يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ~~ويحجون معنا فأدخلتهم النار قال: فيقول اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم ~~فيأتون فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم من أخذته النار إلى ~~أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى ركبتيه فيخرجونهم فيقولون: ربنا قد أخرجنا ~~من أمرتنا قال: ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار ثم من كان في ~~قلبه وزن نصف دينار حتى يقول من كان في قلبه مثقال ذرة، قال أبو سعيد: فمن ~~لم يصدق فليقرأ هذه {إن الله} إلخ.. قال: فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا ~~فلم يبق أحد في النار فيه خير ثم يقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفعت ~~الأنبياء وشفعت المؤمنون وبقي أرحم الراحمين قال: فيقبض قبضة من النار أو ~~قال قبضتين ناسا لم يعملوا خيرا حتى احترقوا حتى صاروا حمما فيؤتى بهم إلى ~~ماء يقال له: ماء الحياة فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ~~وهي بكسر # PageV01P303 # الحاء المهملة وتجمع على حبب قال: فتخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم ~~الخاتم عتقاء الله فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو ~~لكم قال: فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين قال: فيقول ~~الله تعالى: فإن لكم عندي أفضل منه فيقولون: ربنا وما أفضل من ذلك؟ فيقول: ~~رضائي عنكم ms0507 فلا أسخط عليكم أبدا» . # فإن قيل: لم أنث الضمير مع أنه راجع للمثقال وهو مذكر؟ أجيب: بأنه أنثه ~~لتأنيث الخبر أو لإضافة المثقال إلى مؤنث، وقيل: إن الضمير راجع إلى ذرة ~~وهي مؤنثة لا إلى مثقال وحذفت النون تشبيها بحروف العلة، وقرأ نافع وابن ~~كثير: حسنة برفع التاء على كان التامة والباقون بنصبها على كان الناقصة، ~~وقرأ ابن كثير وابن عامر (يضعفها) بتشديد العين ولا ألف قبلها والباقون ~~بتخفيف العين وألف قبلها {ويؤت} أي: يعط صاحب الحسنة {من لدنه} أي: من عند ~~الله على سبيل التفضل زائدا على ما وعد في مقابلة العمل {أجرا عظيما} أي: ~~عطاء جزيلا وإنما سماه أجرا؛ لأنه تابع للأجر مزيد عليه لا يثبت إلا ~~بثباته. # {فكيف} حال الكفار؟ {إذا جئنا من كل أمة بشهيد} يشهد عليها بعملها وهو ~~نبيها لقوله تعالى: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} (المائدة، 117) # {وجئنا بك} يا محمد {على هؤلاء} الشهداء {شهيدا} أي: شاهدا تشهد على ~~صدقهم لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك على مجامع قواعدهم، وقيل: هؤلاء إشارة ~~إلى المؤمنين لقوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا} (البقرة، 143) # وقيل: إلى الكافرين المستفهم عن حالهم. # وعن ابن مسعود أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~بلغ قوله: {وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: «حسبك» . # {يومئذ} أي: المجيء وهو يوم القيامة {يود} أي: يتمنى {الذين كفروا وعصوا ~~الرسول لو} أي: أن {تسوى بهم الأرض} كالموتى أو لم يبعثوا أو لم يخلفوا ~~وكانوا هم والأرض سواء، وقال الكلبي يقول الله عز وجل للبهائم والوحوش ~~والطيور والسباع: كونوا ترابا فتسوى بهن الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر أنه ~~لو كان ترابا كما قال تعالى: {ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} (النبأ، ~~40) # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: تسوى بضم التاء للبناء للمفعول، والباقون ~~بالفتح بالبناء للفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل، وشدد السين نافع وابن ~~عامر، وخففها الباقون. # {ولا يكتمون الله ms0508 حديثا} أي: مما عملوه؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم، وقال ~~الحسن: إنها مواطن ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا، وفي موطن ~~يتكلمون ويكذبون ويقولون: ما كنا مشركين وما كنا نعمل من سوء، وفي موطن ~~يسألون الرجعة، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم وهو ~~قوله تعالى: {ولا يكتمون الله حديثا} وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن ~~عباس: إني أجد في القرآن شيئا يختلف علي فقال: هات ما اختلف عليك قال: قال ~~الله تعالى: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} (المؤمنون، 101) # وقال تعالى: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} (الطور، 25) # وقال تعالى: {ولا يكتمون الله حديثا} (النساء، 42) # وقال: {وا ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام، 23) # فقد كتموا، وقال تعالى: {أم السماء بناها} إلى قوله: {والأرض بعد ذلك ~~دحاها} (النازعات، 30) # فذلك خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ~~في يومين} إلى {طائعين} (فصلت، 11) # فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال # PageV01P304 # تعالى: {وكان الله غفورا رحيما} (الفتح، 14) # وقال: {وكان الله عزيزا حكيما} (الفتح، 19) # فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون في النفخة الأولى قال: {ونفخ في الصور فصعق من في ~~السموات ومن في الأرض} {فلا أنساب} عند ذلك {ولا يتساءلون} ثم نفخ فيه أخرى ~~فإذا هم قيام ينظرون في النفخة الآخرة {ثم أقبل بعضهم على بعض يتساءلون} ~~(المؤمنون، 101) # وأما قوله: والله ربنا ما كنا مشركين، ولا يكتمون الله حديثا، فإن الله ~~يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فقال المشركون: تعالوا نقل: لم نك مشركين، فيختم ~~على أفواههم فتنطق أيديهم وأرجلهم فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم حديثا، ~~وعنده يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض، وخلق الأرض في ~~يومين، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا ~~الأرض في يومين ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وما ~~بينهما في يومين آخرين، فقال: خلق الأرض في ms0509 يومين فخلقت الأرض وما فيها من ~~شيء في أربعة أيام وخلقت السموات في يومين، وكان الله غفورا رحيما أي: لم ~~يزل كذلك، فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله. # {يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة} أي: لا تغشوها ولا تقوموا إليها ~~واجتنبوها {وأنتم سكارى} من الشراب {حتى تعلموا ما تقولون} بأن تصحوا منه ~~كقوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا} (الإسراء، 32) # {ولا تقربوا الفواحش} (الأنعام، 151) . # روي أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين كان الخمر مباحا فأكلوا وشربوا فلما سكروا جاء وقت ~~صلاة المغرب فقدموا أحدهم يصلي بهم فقرأ: قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون ~~بحذف لا هكذا إلى آخر السورة فنزلت، فكانوا لا يشربونها في أوقات الصلاة، ~~فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما ~~يقولون، ثم نزل تحريمها.v # وقيل: أراد بالصلاة مواضعها وهي المساجد. وقيل: أراد بالسكر سكر النوم ~~ونهى عن الصلاة عند غلبة النوم قال صلى الله عليه وسلم «إذا نعس أحدكم وهو ~~يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ~~يستغفر فيسب نفسه» . # وقوله تعالى: {ولا جنبا} منصوب على الحال أي: ولا تقربوا الصلاة وأنتم ~~جنب بإيلاج أو إنزال، يقال: رجل جنب وامرأة جنب ورجال ونساء جنب؛ لأنه يجري ~~مجرى المصدر لا أنه مصدر بل هو اسم مصدر؛ لأنه لم يستوف حروف الفعل؛ لأن ~~فعله أجنب فمصدره إجنابا لا جنبا، وأصل الجنابة البعد وسمي جنبا؛ لأنه ~~يجتنب موضع الصلاة أو لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل {إلا عابري} أي: ~~مجتازي {سبيل} أي: طريق أو مسافرين {حتى تغتسلوا} أي: فلكم أن تصلوا، ~~واستثناء المسافر له حكم آخر سيأتي. # وفي هذا دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه غياه بقوله: (حتى ~~تغتسلوا) ومن فسر الصلاة بمواضعها فسر عابري سبيل بالمجتازين فيها وجوز ~~للجنب عبور المسجد، وبه قال الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقال أبو ms0510 حنيفة: ~~لا يجوز له المرور إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق إلى الماء {وإن كنتم ~~مرضى} أي: مرضا يخاف معه من استعمال الماء فإن الواجد كالفاقد {أو على سفر} ~~أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون {أو جاء أحد منكم من الغائط} أي: أحدثتم # PageV01P305 # بخروج الخارج من أحد السبيلين، والغائط المكان المطمئن من الأرض تقضي فيه ~~الحاجة سمي باسمه الخارج للمجاورة {أو لامستم النساء} ، قرأ حمزة والكسائي ~~بغير ألف بين اللام والميم والباقون بألف، واختلف في معنى اللمس والملامسة ~~فقال قوم: هما التقاء البشرتين سواء أكان بجماع أم بغيره، وهو قول ابن ~~مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي وبه استدل الشافعي رضي الله تعالى عنه أن ~~اللمس ينقض الوضوء، وقال قوم: هما المجامعة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وقتادة كني باللمس عن الجماع؛ لأن باللمس يوصل إلى الجماع {فلم تجدوا ماء} ~~تطهرون به للصلاة بعد الطلب؛ لأنه لا يسمى غير واجد إلا بعد الطلب وهذا ~~راجع إلى ما عدا المرض {فتيمموا} أي: بعد دخول الوقت {صعيدا طيبا} أي: ~~ترابا طاهرا أي: طهورا أما المرضى فيتيممون مع حضور الماء؛ لأن وجوده ~~بالنسبة إليهم كالعدم {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} مع المرفقين منه بضربتين ~~كما ثبت في الحديث وقال الزجاج: الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره وإن ~~كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره، وإلى ~~هذا ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأجاب عن قوله تعالى في آية المائدة: ~~{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} أي: بعضه وهو لا يتأتى في الصخر الذي لا ~~تراب عليه بأن من لابتداء الغاية، قال الزمخشري: وقولهم: إنها لابتداء ~~الغاية فيه تعسف ولا يفهم أحد من العرب من # قول القائل: مسحت برأسي من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض، ~~قال: والإذعان للحق أحق من المراء، والتيمم من خصائص هذه الأمة. # روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «فضلنا على الناس بثلاث ms0511 جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض ~~كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» وكان بدء التيمم ما ~~روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي ~~فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا ~~على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة ~~أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ~~ماء؟ فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد ~~نام فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ماء وليس معهم ~~ماء؟ فعاتبني أبو بكر وقال: ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرته ~~ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية ~~التيمم، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي ~~بكر، فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته» . # وفي رواية أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما ~~أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت، فقال أسيد بن حضير: ~~جزاك الله خيرا فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل ~~للمسلمين فيه بركة، وقوله تعالى: # PageV01P306 # {إن الله كان عفوا غفورا} كناية عن الترخيص والتيسير؛ لأن من كانت عادته ~~أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم آثر ما كان ميسورا غير معسر. # {ألم تر} أي: تنظر {إلى الذين أوتوا نصيبا} أي: حظا يسيرا {من الكتاب} ~~أي: من علم التوراة وهم أحبار اليهود {يشترون} أي: يختارون ms0512 {الضلالة} على ~~الهدى {ويريدون أن تضلوا} أيها المؤمنون {السبيل} أي: تخطئون طريق الحق ~~لتكونوا مثلهم. # {والله أعلم} منكم {بأعدائكم} فيخبركم بهم لتجتنبوهم ولا تستصحبوهم فإنهم ~~أعداؤكم {وكفى با وليا} أي: حافظا {وكفى با نصيرا} أي: مانعا لكم من كيدهم ~~وقوله تعالى: # {من الذين هادوا} بيان للذين أوتوا نصيبا من الكتاب؛ لأنهم يهود ونصارى ~~وقوله تعالى: {وا أعلم بأعدائكم وكفى با وليا وكفى با نصيرا} جمل توسطت بين ~~البيان والمبين على سبيل الاعتراض أو بيان لأعدائكم وما بينهما اعتراض أو ~~صلة لنصيرا أي: ينصركم من الذين هادوا كقوله تعالى: {ونصرناه من القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا} (الأنبياء، 77) # أو خبر مبتدأ محذوف صفته {يحرفون الكلم عن مواضعه} أي: ومن الذين هادوا ~~قوم يحرفون أي: يغيرون الكلم الذي أنزل في التوراة من نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم عن مواضعه التي وضع عليها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها، وفي ~~المائدة {من بعد مواضعه} (المائدة، 41) # والمعنيان متقاربان، قال ابن عباس: كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيسألونه عن الأمر فيخبرهم ويرى أنهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا ~~من عنده حرفوا كلامه {ويقولون} للنبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم {سمعنا} ~~قولك {وعصينا} أمرك {واسمع غير مسمع} بمعنى الدعاء أي: لا سمعت بصمم أو ~~بموت، أو بمعنى اسمع منا ولا نسمع منك، أو بمعنى اسمع غير مسمع كلاما ترضاه ~~{و} يقولون له: {راعنا} يريدون به النسبة إلى الرعونة وقد نهى عن خطابه صلى ~~الله عليه وسلم بها وهي كلمة سب بلغتهم {ليا} أي: تحريفا {بألسنتهم} أي: ~~يحرفون ما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير ~~نفاقا {وطعنا} أي: قدحا {في الدين} أي: الإسلام {ولو أنهم قالوا سمعنا ~~وأطعنا} بدل وعصينا {واسمع} أي: فقط {وانظرنا} أي: انظر إلينا بدل راعنا ~~{لكان خيرا لهم} مما قالوه {وأقوم} أي: أعدل وأصوب {ولكن لعنهم الله} أي: ~~أبعدهم عن رحمته {بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} أي: إيمانا قليلا لا يعبأ ~~به وهو الإيمان ببعض الآيات والرسل ms0513 ويجوز أن يراد بالقلة العدم أو إلا نفرا ~~قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه. # {ياأيها الذين أوتوا الكتاب} يخاطب اليهود {آمنوا بما نزلنا} أي: القرآن ~~{مصدقا لما معكم} أي: التوراة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم أحبار ~~اليهود عبد الله بن صوريا وأصحابه وكعب بن أسد وقال: «يا معشر اليهود اتقوا ~~الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» قالوا: ما نعرف ~~ذلك وانصرفوا على الكفر فنزلت {من قبل أن نطمس وجوها} أي: نمحو تخطيط صورها ~~من عين وحاجب وأنف وفم {فنردها على أدبارها} أي: فنجعلها كالأقفاء مطموسة ~~مثلها أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة. # روي أن عبد الله بن سلام لما سمع هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يأتي أهله ويده على وجهه وأسلم وقال: يا رسول الله ما كنت أرى ~~أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي وكذلك # PageV01P307 # كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فقال: ~~يا رب آمنت يا رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيد هذه الآية. # فإن قيل: قد أوعدهم الله بالطمس إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ~~ذلك؟ أجيب: بأن هذا الوعيد باق ويكون طمس ومسخ في اليهود قبل قيام الساعة، ~~أو أن هذا كان وعيدا بشرط فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع ذلك عن ~~الباقين، وقيل: أراد به في القيامة، وقال مجاهد: أراد بقوله: نطمس وجوها ~~أي: نتركهم في الضلالة، فيكون المراد طمس وجه القلب والرد عن بصائر الهدى ~~على أدبارها في الكفر والضلالة {أو نلعنهم} أي: نمسخهم قردة وخنازير {كما ~~لعنا} أي: مسخنا {أصحاب السبت} منهم قردة وخنازير {وكان أمر الله} أي: ~~قضاؤه {مفعولا} أي: نافذا وكائنا فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا. # {إن الله لا يغفر أن يشرك به} أي: لا يغفر الإشراك به، قال عمر رضي الله ~~تعالى عنهما: لما نزل {يا ms0514 عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} (الزمر، 53) # قالوا: يا رسول الله والشرك فنزلت. ولما أخبر بعدله أخبر تعالى بفضله ~~فقال: {ويغفر ما دون ذلك} الأمر الكبير العظيم من كل معصية سواء أكانت ~~صغيرة أم كبيرة سواء أتاب فاعلها أم لا، ورهب بقوله: إعلاما بأنه مختار لا ~~يجب عليه شيء {لمن يشاء} . # وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في وحشي بن حرب وأصحابه وذلك أنه لما قتل ~~حمزة وذهب إلى مكة ندم هو وأصحابه وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنا قد ندمنا على ما صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول ~~وأنت بمكة: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} (الفرقان، 68) # الآيات وقد دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله قتلها ~~وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا} (مريم، 60) # الآيتين فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما قرؤوهما ~~كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فنزلت: {إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فبعث بها إليهم فبعثوا إليه ~~إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل: {يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر، 53) # الآية فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقبل منهم ثم قال لوحشي «أخبرني كيف قتلت حمزة؟» فلما أخبره قال: ~~«ويحك غيب وجهك عني» فلحق وحشي بالشأم فكان بها إلى أن مات {ومن يشرك با ~~فقد افترى} أي: ارتكب {إثما عظيما} أي: كبيرا فالافتراء كما يطلق على القول ~~يطلق على الفعل وكذا الاختلاق. # روي أن رجلا قال: يا رسول الله ما الموجبات؟ قال: «من مات لا يشرك بالله ~~شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار» . # وروى أبو ذر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ms0515 عبد قال: لا إله إلا ~~الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى ~~وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: «وإن زنى وإن ~~سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر» وكان أبو ذر إذا حدث بهذا ~~قال: وإن رغم أنف أبي ذر {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} قال الحسن ~~وقتادة: نزلت في اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه {وقالوا: ~~لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} (البقرة، 111) ، وقال الكلبي: ~~نزلت في رجال من اليهود جاؤوا إلى رسول الله # PageV01P308 # صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا: هل على هؤلاء ذنب؟ قال: «لا» قالوا: ~~والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل وما عملنا ~~بالليل كفر عنا بالنهار. # ويدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى ~~والزلفى عند الله إلا إذا كان لغرض صحيح وطابق الواقع كقول سيدنا يوسف صلى ~~الله عليه وسلم {اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم} (يوسف، 55) ، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم «إني أمين في السماء أمين في الأرض» حين قال له ~~المنافقون: اعدل في القسمة إكذابا لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، ولكن ~~شتان بين من شهد الله له بالتزكية ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم {بل ~~الله} الذي له صفات الكمال {يزكي من يشاء} أي: بماله من العلم التام ~~والقدرة الشاملة والحكمة البالغة، وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلا أو قولا ~~{ولا يظلمون} أي: ينقصون من أعمالهم {فتيلا} أي: قدر ما يكون في شق النواة ~~قاله عكرمة عن ابن عباس، فهو اسم لما في شق النواة، والقطمير اسم للقشرة ~~التي على النواة، والنقير اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة، وقيل: ~~الفتيل من الفتل وهو ما يحصل بين الإصبعين من الوسخ عند الفتل. # ولما أخبر سبحانه وتعالى أن التزكية إنما هي إليه ms0516 قال لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم # {انظر} متعجبا {كيف يفترون} أي: يتعمدون {على الله} الذي لا يخفى عليه ~~شيء ولا بعجزه شيء {الكذب} من غير خوف منهم لذلك عاقبة ذلك {وكفى به} أي: ~~بهذا الكذب {إثما مبينا} أي: بينا واضحا. # {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} وهما ~~صنمان بمكة لقريش وذلك أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكبا من اليهود إلى ~~مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا ~~العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على أبي ~~سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ~~ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم فاسجدوا لآلهتنا حتى ~~نطمئن إليكم، ففعلوا فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت؛ لأنهم سجدوا للأصنام ~~وأطاعوا إبليس فيما فعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب ~~وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقا نحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا ~~علي دينكم فقال أبو سفيان: نحن ولاة البيت نسقي الحجاج الماء، ونقري الضيف، ~~ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد ~~فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث، ~~فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد فأنزل الله تعالى: {ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا} أي: حظا من الكتاب وهم كعب بن الأشرف وأصحابه ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت إي الصنمين {ويقولون للذين كفروا} وهم أبو سفيان ~~وأصحابه {هؤلاء} أي: أنتم {أهدى من الذين آمنوا} وهم محمد وأصحابه {سبيلا} ~~أي: أقوم دينا وأرشد طريقا. # {أولئك الذين لعنهم الله} أي: طردهم وأبعدهم من رحمته {ومن يلعن الله فلن ~~تجد له نصيرا} أي: مانعا يمنع العذاب عنه بشفاعة أو غيرها. # تنبيه: في {هؤلاء أهدى} همزتان من كلمتين الأولى مكسورة والثانية مفتوحة، ~~قرأ نافع وابن كثير # PageV01P309 # وأبو عمرو بإبدال الثانية ياء خالصة، والباقون بالتحقيق. ms0517 # {أم} منقطعة أي: بل {لهم نصيب} أي: حظ {من الملك} ومعنى الهمزة إنكار أن ~~يكون لهم شيء من الملك وجحد لما زعمت اليهود من أن الملك سيصير لهم ولو كان ~~لهم نصيب منه {فإذا} أي: فيتسبب عن ذلك أنهم {لا يؤتون الناس} أي: واحدا ~~منهم {نقيرا} ومر أنه النقرة في ظهر النواة، وهو مثل في القلة كالفتيل ~~والقطمير، والمراد بالملك إما ملك الدنيا وإما ملك الله كقوله تعالى: {قل ~~لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق} وهذا مبالغة في ~~شحهم فإنهم بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا أذلاء منقادين ~~ويصح أن يكون معنى الهمزة في أم لإنكار أنهم قد أوتوا نصيبا من الملك ~~وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كما تكون أحوال الملوك وإنهم لا ~~يؤتون أحدا مما يملكون شيئا. # {أم} أي: بل {يحسدون الناس} أي: محمدا صلى الله عليه وسلم الذي جمع فضائل ~~الناس الأولين والآخرين {على ما آتاهم الله من فضله} أي: من النبوة والكتاب ~~والنصرة والإعزاز وكثرة النساء أي: يتمنون زواله عنه ويقولون: لو كان نبيا ~~لاشتغل عن النساء {فقد آتينا آل إبراهيم} وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومن آل إبراهيم موسى وداود وسليمان {الكتاب} أي: ما أنزل إليهم {والحكمة} ~~أي: النبوة {وآتيناهم ملكا عظيما} فلا يبعد أن يؤتيه الله تعالى مثل ما ~~آتاهم فكان لداود تسع وتسعون امرأة وكان لسليمان ألف وثلاثمائة حرة ~~وسبعمائة سرية. # وقيل: المراد بالناس الناس جميعا، وقيل: العرب. وحسدوهم لأن النبي ~~الموعود منهم وقيل: النبي وأصحابه لأن من حسد على النبوة فكأنما حسد الناس ~~كلهم على كمالهم ورشدهم. # {فمنهم} أي: اليهود {من آمن به} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم كعبد الله ~~بن سلام وأصحابه {ومنهم من صد} أي: أعرض {عنه} فلم يؤمن به {وكفى بجهنم ~~سعيرا} أي: عذابا لمن لم يؤمن وقوله تعالى: # {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم} أي: ندخلهم {نارا} كالبيان والتقرير ~~لذلك {كلما نضجت} أي: احترقت {جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} ms0518 بأن يعاد ذلك ~~الجلد بعينه على صورة أخرى. # روي أن هذه الآية قرئت عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال عمر ~~للقارىء: أعدها فأعادها وكان عنده معاذ بن جبل فقال معاذ: عندي تفسيرها: ~~يبدله الله تعالى في ساعة مائة مرة قال عمر: هكذا سمعت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم ~~قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا. # فإن قيل: كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعص؟ أجيب: بأن المعاد إنما ~~هو الجلد الأول وإنما قال: جلودا غيرها لتبدل صفتها كما تقول: صنعت من ~~خاتمي خاتما غيره فالخاتم الثاني هو الأول لا أن الصناعة والصفة تبدلت. # روي أن ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع. # وروي أن ضرسه أو نابه مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث {ليذوقوا العذاب} أي: ~~ليقاسوا شدته، وقيل: يخلق مكان ذلك الجلد جلد آخر والمعذب في الحقيقة على ~~كل حال هي النفس العاصية القائمة بالبدن؛ لأنها المدركة دونه {إن الله كان} ~~ولم يزل {عزيزا} أي: لا يعجزه شيء {حكيما} في خلقه يعاقب على وفق حكمته. # {والذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان {وعملوا الصالحات سندخلهم} أي: بوعد ~~لا خلف # PageV01P310 # فيه، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف كما في الكافرين أنهم أقصر ~~الأمم مدة أو أنهم أقصرهم أعمارا راحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء ~~وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف {جنات} أي: ~~بساتين ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال: {تجري من تحتها ~~الأنهار} أي: إن أرضها في غاية الري كل موضع صالح لأن يجري منه نهر. # ولما ذكر قيامها وما به دوامها أتبعه بما تهواه النفوس من استمرار ~~الإقامة بها فقال {خالدين فيها أبدا} وإنما قدم تعالى ذكر الكفار ووعيدهم؛ ~~على ذكر المؤمنين ووعدهم لأن الكلام فيهم وذكر المؤمنين بالعرض، ولما وصف ~~تعالى حسن الدار ذكر حسن الجار فقال تعالى: {لهم فيها ms0519 أزواج مطهرة} أي: من ~~الحيض والقذر. # فإن قيل: المطرد في وصف جمع القلة لمن يعقل أن يكون بالألف والتاء فيقال ~~مطهرات، أجيب: بأنه عدل عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في ~~الطهر كذات واحدة {وندخلهم} أي: فيها {ظلا} عظيما وأكده تعالى بقوله: ~~{ظليلا} أي: متصلا لا فرج فيه منبسطا لا ضيق معه دائما لا تصيبه الشمس يوما ~~ما لا حر فيه ولا برد بل هو في غاية الاعتدال، وهو ظل الجنة، جعلنا الله ~~تعالى ومن يحبنا ونحبه من أهلها السابقين مع النبيين والصديقين. وقوله ~~تعالى: # {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} خطاب يعم المكلفين، ~~والأمانات وإن نزلت يوم الفتح في عثمان بن طلحة بن عبد الدار لما أغلق باب ~~الكعبة وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح ليدخلها فأبى ~~وقال: لو علمت أنه رسول لم أمنعه المفتاح فلوى علي رضي الله تعالى عنه يده ~~وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت ~~وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له بين ~~السقاية والسدانة، فأنزل الله هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر ففعل ذلك وقال: هاك خالدة ~~تالدة، فعجب من ذلك وقال عثمان: أكرهت وأذيت، ثم جئت ترفق؟ فقال: قد أنزل ~~الله في شأنك قرآنا، وقرأ عليه فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله فهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة ~~تكون في أولاد عثمان أبدا فلما مات عثمان دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح ~~والسدانة في أيديهم إلى اليوم وإلى يوم القيامة، فالآية، وإن وردت في سبب ~~خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع {وإذا حكمتم بين الناس} أي: قضيتم بين من ~~ينفذ عليه أمركم أو يرضى بحكمكم {أن تحكموا بالعدل} أي: بالسواء بأن تأمروا ~~من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له فإن ذلك من أعظم ms0520 الصالحات الموجبة لحسن ~~المقيل في الظل الظليل، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل ~~إلا ظله: إمام عادل» ، الحديث. # وروي: «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل ~~وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر» . ولما ~~أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله: {إن الله نعما} فيه إدغام ميم نعم في ما ~~النكرة الموصوفة أي: نعم شيئا {يعظكم به} وهو تأدية الأمانة والحكم بالعدل، ~~وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون، وكسرها الباقون، واختلس كسر ~~العين قالون # PageV01P311 # وأبو عمرو وشعبة {إن الله كان} أي: ولم يزل ولا يزال {سميعا} لكل ما يقال ~~{بصيرا} بكل ما يفعل. # {يأيها الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان، وبدأ بما هو العمدة في الحمل ~~على ذلك فقال: {أطيعوا الله} أي: فيما أمركم به {وأطيعوا الرسول} أي: فيما ~~بينه لكم {و} أطيعوا {أولي} أي: أصحاب {الأمر} أي: الولاة {منكم} أي: إذا ~~أمروكم بإطاعة الله ورسوله، وسواء كان ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أم بعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره ~~ما لم يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله وصلوا ~~رحمكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا إذا أمركم ~~تدخلوا جنة ربكم» . وقيل: «المراد بأولي الأمر أبو بكر وعمر لقوله صلى الله ~~عليه وسلم «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقال عطاء هم المهاجرون ~~والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى: {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} (التوبة، 100) # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل أصحابي وأمتي كالملح في الطعام ولا ~~يصلح الطعام إلا بالملح» ، قال الحسن: فقد ذهب ملحنا فكيف نصلح وقيل: ~~المراد علماء الشرع لقوله ms0521 تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستبطونه منهم} (النساء، 83) # {فإن تنازعتم} أي: اختلفتم {في شيء فردوه إلى الله} أي: كتابه {والرسول} ~~أي: مدة حياته وبعد وفاته إلى سنته أي: اكشفوا عليه منهما والرد إلى الكتاب ~~والسنة واجب إن وجد فيهما، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد. وقيل: الرد إلى ~~الله والرسول أن يقول لما لا يعلم: الله ورسوله أعلم {إن كنتم تؤمنون با ~~واليوم الآخر} أي: فإن الإيمان يوجب هذا {ذلك} أي: من الرد إليهما {خير} ~~لكم من التنازع والقول بالرأي {وأحسن تأويلا} أي: تأويلكم بلا رد أو عاقبة. # {س4ش60/ش65 ألم تر إلى الذين يزعمون أنهمءامنوا? بمآ أنزل إليك ومآ أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكمو?ا? إلى الطاغوت وقد أمرو?ا? أن يكفروا? به? ~~ويريد الشيطان أن يضلهم ضلا? بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا? إلى مآ أنزل ~~الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذآ أصابتهم ~~مصيبة? بما قدمت أيديهم ثم جآءوك يحلفون بالله إن أردنآ إ? إحسانا وتوفيقا ~~* أو?لا???ك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى? ~~أنفسهم قو? بليغا * ومآ أرسلنا من رسول إs ليطاع بإذن الله? ولو أنهم إذ ~~ظلمو?ا? أنفسهم جآءوك فاستغفروا? الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا? الله ~~توابا رحيما * ف وربك يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم يجدوا? فى? ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا? تسليما} # {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا} أي: أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها ~~في أنفسهم {بما أنزل إليك} أي: القرآن {وما أنزل من قبلك} أي: التوراة ~~والإنجيل، قال الأصبهاني: ولا يستعمل أي: الزعم في الأكثر إلا في القول ~~الذي لا يتحقق يقال: زعم فلان كذا إذا شك فيه فلا يعرف كذبه أو صدقه ~~{يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} أي: الباطل المغرق في البطلان، وقيل: هو ~~كعب بن الأشرف. # روي عن ابن عباس أن بشرا المنافق خاصم يهوديا فقال اليهودي: ننطلق إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقال المنافق: بل إلى كعب ms0522 بن الأشرف فأبى اليهودي ~~أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المنافق ذلك أتى ~~معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: انطلق بنا إلى عمر رضي الله ~~تعالى عنه فأتيا عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه ~~فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم ~~فقال لهما عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه ثم خرج فضرب عنق ~~المنافق، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه الآية، ~~وقال جبريل عليه السلام: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم «أنت الفاروق» . # والطاغوت على هذا هو كعب بن الأشرف سمي بذلك # PageV01P312 # لفرط طغيانه أو لتشبيهه بالشيطان، أو لأن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان ~~من حيث إنه الحامل عليه {وقد} أي: والحال إنهم قد {أمروا} ممن له الأمر في ~~كل ما أنزل إليك من كتاب ما قبله {أن يكفروا به} أي: بالشيطان فمتى تحاكموا ~~إليه كانوا مؤمنين كافرين بالله وهو معنى قوله: {ويريد الشيطان} أي: ~~بإرادتهم ذلك التحاكم إليه {أن يضلهم} أي: المتحاكم إليه {ضلالا بعيدا} أي: ~~بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى، ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في ~~التحاكم إلى الطاغوت ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # {وإذا قيل لهم} أي: من أي قائل كان، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف ~~والباقون بالكسر وتقدم ذكر الإدغام لأبي عمرو {تعالوا} أي: أقبلوا رافعين ~~أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم {إلى ما أنزل الله} أي: الذي عنده كل ~~شيء {وإلى الرسول} أي: الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع إنه أكمل الرسل الذين ~~هم أكمل الخلق رسالة {رأيت المنافقين يصدون} أي: يعرضون {عنك} إلى غيرك ~~وأكد ذلك بقوله: {صدودا} أي: هو أعلى طبقات الصدود. ms0523 # {فكيف} يكون حالهم {إذا أصابتهم مصيبة} أي: عقوبة كقتل عمر رضي الله ~~تعالى عنه المنافق {بما قدمت أيديهم} أي: من التحاكم إلى غيرك وعدم الرضا ~~بحكمك من الكفر بغير ذلك أي: أيقدرون على الإعراض والفرار منها؟ لا وتم ~~الكلام ههنا، وقوله تعالى: {ثم جاؤك} أي: حين يصابون للاعتذار معطوف على ~~يصدون وما بينهما اعتراض {يحلفون با إن} أي: ما {أردنا} أي: بالمحاكمة إلى ~~غيرك {إلا إحسانا} أي: صلحا {وتوفيقا} أي: تأليفا بين الخصمين ولم نرد ~~مخالفتك، وقيل: جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا: ما أردنا بالتحاكم ~~إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه بالتقريب في الحكم ~~دون الحمل على مر الحق. # {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} أي: من النفاق والبغض للإسلام ~~وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه وكذبهم في حلفهم وعذرهم {فأعرض عنهم} أي: عن ~~عتابهم بالصفح؛ لأنهم أقل من أن يحسب لهم حساب {و} لكن {عظهم} أي: خوفهم ~~الله القادر على استئصالهم {وقل لهم في أنفسهم} أي: في شأنها أو خاليا بهم ~~فإن النصح في السر أنجع {قولا بليغا} أي: مؤثرا فيهم أي: ازجرهم ليرجعوا عن ~~كفرهم، وقيل: هذا منسوخ بآية القتال. # ولما أمر الله تعالى بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذم من حاكم إلى ~~غيره وهدده وختم تهديده بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنه والوعظ ~~له، فكان التقدير فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا للرفق بالأمة والصفح عنهم ~~والدعاء لهم على غاية الجهد والنصيحة عطف عليه قوله: # {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع} أي: فيما يأمر به ويحكم؛ لأن منصبه ~~الشريف يقتضي ذلك {بإذن الله} أي: بإرادته من أنه يطاع فلا يعصي ولا يخالف ~~{ولو أنهم إذ} أي: حين {ظلموا أنفسهم} أي: بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره ~~{جاؤك} أي: تائبين {فاستغفروا الله} بالتوبة والإخلاص {واستغفر} أي: شفع ~~{لهم الرسول} أي: اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا، وإنما عدل عن الخطاب ~~تفخيما لشأنه {لوجدوا الله توابا} عليهم {رحيما} بهم، وقرأ ms0524 أبو عمرو بإدغام ~~الراء في اللام بخلاف عنه. # {فلا وربك} أي: فوربك ولا مزيدة لتأكيد القسم {لا يؤمنون} أي: يوجدون هذا # PageV01P313 # الوصف ويجدونه {حتى يحكموك} أي: يجعلوك حكما {فيما شجر} أي: اختلف واختلط ~~{بينهم} من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى كانوا كأغصان الشجرة في التداخل ~~والتضايق {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا} أي: نوعا من الضيق {مما قضيت} به ~~عليهم {ويسلموا تسليما} أي: وينقادوا لك انقيادا بظواهرهم وبواطنهم، وفي ~~الصحيح: إن الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار وقد شهد بدرا في شراج ~~من الحرة كانا يستقيان بها النخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: ~~«اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك» فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله: أن كان ~~ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «اسق يا زبير ثم ~~احبس حتى يبلغ الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك» وقيل: نزلت في بشر ~~المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى عمر. # {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} كما أمرنا بني إسرائيل، أو ~~تعرضوا بها للقتل بالجهاد، وإن مصدرية أو مفسرة؛ لأن (كتبنا) في معنى ~~أمرنا، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بكسر النون في الوصل، والباقون ~~بالضم {أو اخرجوا من دياركم} أي: التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم توبة ~~لربكم {ما فعلوه} أي: المكتوب عليهم أي: إنا ما كتبنا عليهم إلا طاعة الله ~~ورسوله والرضا بحكمه ولو كتبنا عليهم القتل والخروج من الديار ما كان يفعله ~~{إلا قليل منهم} قال الحسن ومقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال عمر وعمار بن ~~ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ~~القليل والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك فقال: «إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال ~~الرواسي» ، وقرأ ابن عامر قليلا بالنصب على الاستثناء والباقون بالرفع على ~~البدل {ولو أنهم} أي: هؤلاء المنافقين {فعلوا ما يوعظون به} ms0525 من طاعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم {لكان خيرا لهم} في عاجلهم وآجلهم مما اختاروه لأنفسهم ~~{وأشد تثبيتا} أي: تحقيقا لإيمانهم. # {وإذا} أي: لو ثبتوا {لآتيناهم من لدنا} أي: من عندنا {أجرا عظيما} وهو ~~الجنة {ولهديناهم صراطا مستقيما} يصلون بسلوكه جنات القدس وتفتح لهم أبواب ~~الغيب قال صلى الله عليه وسلم «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» ~~رواه أبو نعيم في حليته. # روي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل ~~جسمه يعرف الحزن في وجهه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما غير ~~لونك؟» فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت ~~وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك؛ لأنك ترفع مع ~~النبيين وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل ~~الجنة لا أراك أبدا فأنزل الله تعالى # {ومن يطع الله} في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره {والرسول} أي: في كل ~~ما أراده فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك لا سيما من بلغ نهايتها {فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم} أي: معدود من حزبهم، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو ~~رؤيتهم وصل إليهم بسهولة، وقوله تعالى: {من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين} بيان للذين حال منه أو من ضميره، قسمهم أربعة أقسام بحسب ~~منازلهم في العلم والعمل وحث كافة الناس على # PageV01P314 # أن لا يتأخروا عنهم، وهم الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل ~~المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل، ثم الصديقون الذين صعدت نفوسهم ~~تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى ~~أوج العرفان حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليه، ثم ~~الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد في إظهار الحق حتى بذلوا ~~مهجتهم في إعلاء كلمة الله تعالى، ثم الصالحون الذين صرفوا ms0526 أعمارهم في ~~طاعته وأموالهم في مرضاته {وحسن} أي: وما أحسن {أولئك} أي: العالون الأخلاق ~~السابقون {رفيقا} من الرفق وهو لين الجانب ولطافة الفعل، وهو مما يستوي ~~واحده وجمعه أي: رفيقا في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم ورؤيا ربهم ~~والحضور معهم وإن كان مقرهم في درجات عالية بالنسبة إلى غيرهم. # روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال: يا رسول الله الرجل يحب قوما ~~ولم يلحق بهم قال النبي صلى الله عليه وسلم «المرء مع من أحب» . # وروي أيضا أن رجلا قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟» ~~فلم يذكر كثيرا إلا أنه يحب الله ورسوله قال: «فأنت مع من أحببت» وقوله ~~تعالى: # {ذلك} أي: كونهم مع من ذكر مبتدأ خبره {الفضل من الله} أي: تفضل به عليهم ~~لا إنهم نالوه بطاعتهم {وكفى با عليما} أي: بجزاء من أطاعه أو بمقادير ~~الفضل واستحقاق أهله. # روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«قاربوا وسددوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله» قالوا: ولا أنت يا ~~رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» . # {يأيها الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان {خذوا حذركم} من عدوكم أي: ~~احترزوا منه، وتيقظوا له والحذر الحذر كالأثر الأثر {فانفروا} أي: اخرجوا ~~إلى قتاله مسرعين {ثبات} أي: جماعات متفرقين سرية في أثر سرية جمع ثبة، وهي ~~الجماعة من الرجال فوق العشرة {أو انفروا جميعا} أي: مجتمعين كوكبة واحدة، ~~قال البيضاوي: والآية وإن نزلت في الحرب لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب ~~المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات. # {وإن منكم} الخطاب لعسكر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين منهم ~~والمنافقين {لمن ليبطئن} أي: ليتأخرن وليتثاقلن عن القتال وهم المنافقون ~~كعبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وإنما قال منكم لاجتماعهم مع أهل ~~الإيمان في الجنسية والنسب وإظهار الإسلام لا في حقيقة الإيمان {فإن ~~أصابتكم مصيبة} كقتل وهزيمة {قال} هذا المتبطىء جهلا منه وغلظة ms0527 {قد أنعم ~~الله علي إذ} أي: حين {لم أكن معهم شهيدا} أي: حاضرا فأصاب. # {ولئن} لام قسم {أصابكم فضل} أي: فتح وظفر وغنيمة {من الله} الذي كل شيء ~~بيده {ليقولن} نادما على ما فاته من الأغراض الدنيوية، وأكده تنبيها على ~~فرط تحسره وقوله تعالى: {كأن} مخففة واسمها محذوف أي: كأنه {لم تكن بينكم ~~وبينه مودة} أي: معرفة وصداقة رجع إلى قوله: {قد أنعم الله علي} اعتراض بين ~~القول ومقوله وهو {يا} للتنبيه {ليتني كنت معهم فأفوز} أي: بمشاركتهم في ~~ذلك {فوزا عظيما} أي: آخذ حظا وافرا من الغنيمة، وقرأ ابن كثير وحفص بالتاء ~~في تكن على التأنيث والباقون بالياء على التذكير، ولما بين أن محط رحال ~~القاعد عن الجهاد الدنيا علم أن قصد المجاهد الآخرة فقال تعالى: # {فليقاتل في سبيل الله} أي: لإعلاء # PageV01P315 # دينه {الذين يشرون} أي: يبيعون برغبة {الحياة الدنيا بالآخرة} وهم ~~المؤمنون، والمعنى: إن تباطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المجاهدون الباذلون ~~أنفسهم في طلب الآخرة ويشرون أي: يأخذون وهم المتباطئون فيختارونها على ~~الآخرة، والمعنى: حثهم على ترك ما حكي عنهم، وفي هذا استعمال للمشترك في ~~مدلوليه {ومن يقاتل في سبيل الله} لإعلاء دينه {فيقتل} أي: يستشهد {أو ~~يغلب} أي: يظفر بعدوه {فسوف نؤتيه أجرا عظيما} أي: ثوابا جزيلا، وإنما وعد ~~له الأجر العظيم غلب أو غلب ترغيبا في القتال وتكذيبا لقول المتبطىء {قد ~~أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا} وإنما قال: فيقتل أو يغلب تنبيها على ~~أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعد نفسه بالشهادة أو الدين ~~بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل بل إلى إعلاء كلمة الحق ~~وإظهار الدين. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله ~~لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو ~~يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المجاهد ms0528 في سبيل الله كمثل القانت ~~الصائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجعه الله إلى أهله إنما يرجعه ~~من غنيمة وأجر أو يتوفاه فيدخله الجنة» وقوله تعالى: # {وما لكم لا تقاتلون} استفهام توبيخ أي: لا مانع لكم من القتال {في سبيل ~~الله} لإعلاء دينه وقوله تعالى: {والمستضعفين} عطف على إسم الله أي: وفي ~~سبيل المستضعفين وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدو وقوله تعالى: {من ~~الرجال والنساء والولدان} بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين حبسهم الكفار ~~عن الهجرة وآذوهم قال ابن عباس: كنت أنا وأمي منهم وإنما ذكر الوالدان ~~مبالغة في الحث وتنبيها على تناهي المشركين بحيث بلغ أذاهم الولدان وإن ~~دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء حتى يشاركوا في استنزال الرحمة ~~واستدفاع البلية. وقيل: المراد بهم العبيد والإماء وهم جمع وليد {الذين ~~يقولون} أي: داعين يا {ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} أي: بالكفر ~~{واجعل لنا من لدنك} أي: من عندك {وليا} يتولى أمرنا {واجعل لنا من لدنك ~~نصيرا} يمنعنا منهم وقد استجاب الله تعالى دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج إلى ~~المدينة، وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة له صلى الله عليه وسلم فتولاهم ~~ونصرهم، ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين فحماهم ~~ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها، وكان حينئذ ابن ثمان عشرة سنة، والقرية مكة، ~~والظالم صفتها، وتذكيره لتذكير ما أسند إليه، فإن إسم الفاعل أو المفعول ~~إذا جرى على غير من هو له كان كالفعل يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه. # {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله} أي: في طاعته الله {والذين كفروا ~~يقاتلون في سبيل الطاغوت} أي: في طاعة الشيطان {فقاتلوا} أيها المؤمنون ~~{أولياء الشيطان} أي: حزبه وجنوده وهم الكفار {إن كيد الشيطان} أي: مكره ~~بالمؤمنين {كان ضعيفا} بالإضافة إلى كيد الله تعالى بالكافرين لا يعتد به، ~~فلا تخافوا أولياءه فإن اعتمادهم على أضعف شيء أوهنه كما فعل الشيطان يوم ~~بدر لما رأى الملائكة خاف أن تأخذه فهرب وخذلهم. # {ألم تر ms0529 إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} أي: عن قتال الكفار، وهم جماعة ~~من الصحابة كانوا يلقون # PageV01P316 # من المشركين أذى كثيرا قبل أن يهاجروا ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في ~~قتالهم فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «كفوا ~~أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم» {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} . فلما هاجروا ~~إلى المدينة وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم كما قال ~~تعالى: {فلما كتب} أي: فرض {عليهم القتال} قرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم ~~في الوصل وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم في الوصل، وأما الوقف فالجميع ~~يسكنون الميم، وحمزة بضم الهاء على أصله، وكسرها الباقون {إذا فريق منهم ~~يخشون} أي: يخافون {الناس كخشية الله} أي: كخشيتهم من الله {أو أشد خشية} ~~من خشيتهم له. # تنبيه: نصب أشد على الحال، وجواب لما دل عليه إذا وما بعدها أي: فاجاءتهم ~~الخشية {وقالوا} جزعا من الموت {ربنا لم كتبت علينا القتال لولا} أي: هلا ~~{أخرتنا إلى أجل قريب} وهو الموت أي: هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ~~واختلفوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك فقيل: قاله قوم من المنافقين؛ لأن قوله: ~~{لم كتبت علينا القتال} لا يليق بالمؤمنين؟ وقيل: قاله جماعة من المؤمنين ~~لم يكونوا راسخين في العلم قالوه خوفا وجبنا لا اعتقادا، ثم تابوا، وأهل ~~الإيمان يتفاضلون فيه، وقيل: هم قوم كانوا مؤمنين فلما كتب عليهم القتال ~~نافقوا من الجبن وتخلفوا عن الجهاد، وقرأ البزي في الوقف (لمه) بهاء بعد ~~الميم بخلف عنه، والباقون بالميم بغير هاء والهاء ساقطة في الوصل للجميع ~~{قل} لهم يا محمد {متاع الدنيا} أي: ما يتمتع به فيها والاستمتاع بها ~~{قليل} أي: آيل إلى الزوال {والآخرة} أي: ثوابها وهو الجنة والنظر إلى الله ~~تعالى {خير لمن اتقى} عقاب الله بترك معاصيه. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل ~~أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» {ولا تظلمون} أي: تنقصون من أعمالكم ~~{فتيلا} أي: قدر ما ms0530 يكون في شق النواة كما مر عن عكرمة. وقرأ ابن كثير ~~وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب، ونزل في ~~المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} ~~(آل عمران، 156) . # {أينما تكونوا} أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم {يدرككم الموت} أي: فإنه ~~طالب لا يفوته هارب. # واختلف كتاب المصاحف في رسم أينما هنا فمنهم من كتب ما مقطوعة من أين ~~ومنهم من وصلها {ولو كنتم في بروج} أي: حصون برج داخل برج أو كل واحد منكم ~~داخل برج {مشيدة} أي: مرتفعة كل واحد منها شاهق في الهواء منيع فلا تخشوا ~~القتال خوف الموت. # ونزل في اليهود لما قالوا حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة: ما ~~زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه {وإن ~~تصبهم} أي: اليهود {حسنة} أي: خصب ورخص في السعر {يقولون هذه من عند الله} ~~لنا لا مدخل لك فيها {وإن تصبهم سيئة} أي: جدب وغلاء في الأسعار {يقولون ~~هذه من عندك} أي: من شؤم محمد وأصحابه وقيل: المراد بالحسنة الظفر والغنيمة ~~يوم بدر، والسيئة القتل والهزيمة يوم أحد، يقولون: هذه من عندك أي: أنت ~~الذي حملتنا عليه يا محمد فعلى هذا يكون هذا قول المنافقين {قل} لهم يا ~~محمد {كل} أي: الحسنة والسيئة {من عند الله} ثم عيرهم بالجهل فقال: {فما ~~لهؤلاء القوم} أي: اليهود أو المنافقين {لا يكادون # PageV01P317 # يفقهون} أي: لا يقاربون أن يفهموا {حديثا} يوعظون به وهو القرآن؛ لأنهم ~~لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أن الكل من عند الله، أو حديثا ما يلقى ~~إليهم كبهائم لا أفهام لهم، وما استفهام تعجب من فرط جهلهم ونفي مقاربة ~~الفعل أشد من نفيه. # {ما أصابك} أي: أيها الإنسان {من حسنة} أي: نعمة دنيوية أو أخروية {فمن ~~الله} أتتك تفضلا منه والإيمان أحسن المحسنات، قال الإمام: إنهم اتفقوا على ~~أن قوله: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله} (فصلت، 33) # المراد به كلمة الشهادة {وما أصابك من ms0531 سيئة} أي: بلية وأمر تكرهه {فمن ~~نفسك} أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب. # فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: {قل كل من عند الله} وبين قوله {فمن ~~نفسك} ؟ أجيب: بأن قوله: {قل كل من عند الله} أي: الخصب والجذب والنصر ~~والهزيمة كلها من عند الله وقوله: {فمن نفسك} أي: ما أصابك من سيئة من الله ~~فبذنب نفسك عقوبة لك كما قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم} (الشورى، 30) ، وقيل: إن هذه الآية متصلة بما قبلها، والقول فيه ~~مضمر تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا يقولون: {ما أصابك ~~من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قل كل من عند الله} ~~{وأرسلناك} يا محمد {للناس} أي: كافة وقوله تعالى: {رسولا} حال قصد بها ~~التأكيد {وكفى با شهيدا} على إرسالك بنصب المعجزات، ولما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله» فقال بعض ~~المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن تتخذوه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ~~ابن مريم» نزل. # {من يطع الرسول فقد أطاع الله} لأنه في الحقيقة مبلغ والآمر هو الله ~~تعالى {ومن تولى} أي: أعرض عن طاعتك فلا يهمنك {فما أرسلناك} يا محمد ~~{عليهم حفيظا} أي: حافظا لأعمالهم وتحاسبهم عليها إنما عليك البلاغ وعلينا ~~الحساب فنجازيهم، وهذا قبل الأمر بالقتال. # {ويقولون} أي: المنافقون إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك {طاعة} أي: ~~أمرنا وشأننا طاعة أي: نطيعك فيما تأمرنا به {فإذا برزوا} أي: خرجوا {من ~~عندك بيت طائفة منهم} أي: أضمرت {غير الذي تقول} لك في حضورك من الطاعة أي: ~~عصتك، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الطاء فإنها عندهما ساكنة أي: ~~التاء فإذا سكنت التاء قبل الطاء وجب إدغامها فيها، والباقون بالإظهار فإن ~~التاء عندهم مفتوحة {وا يكتب} أي: يأمر بكتب {ما يبيتون} أي: ما يسرون من ~~النفاق في صحائفهم ليجازوا عليها {فأعرض عنهم} أي: قلل المبالاة بهم {وتوكل ~~على الله} أي: ms0532 ثق به فإنه كافيك معرتهم وينتقم لك منهم {وكفى با وكيلا} أي: ~~مفوضا إليه. # {أفلا يتدبرون} أي: يتأملون {القرآن} وما فيه من المعاني البديعة {ولو ~~كان من عند غير الله} أي: ولو كان من كلام البشر كما زعم الكفار {لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا} أي: تناقضا في معانيه وتباينا في نظمه، فكان بعضه فصيحا ~~وبعضه ركيكا وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل وتخلفا عن الصدق في الإخبار عن ~~الغيب بما كان وما يكون، أفلا يتفكرون فيه؟ فيعرفون عدم التناقض فيه وصدق ~~ما يخبرهم به إنه كلام الله ولأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض ~~واختلاف، والمراد من التقييد بالكثير المبالغة في إثبات الملازمة أي: لو ~~كان من عند غير الله للزم أن يكون فيه اختلاف كثير فضلا عن # PageV01P318 # القليل لكنه من عند الله فليس فيه اختلاف لا كثير ولا قليل. # {وإذا جاءهم} أي: المنافقين {أمر} أي: خبر عن سرايا النبي صلى الله عليه ~~وسلم {من الأمن} أي: الغنيمة {أو الخوف} أي: القتل والهزيمة {أذاعوا به} ~~أي: أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة، والباء مزيدة أو لتضمن الإذاعة معنى ~~التحدث، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا ~~بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيفشونه ويتحدثون به قبل أن يحدث به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين ويتأذى النبي صلى الله ~~عليه وسلم {ولو ردوه} أي: ذلك الخبر {إلى الرسول} أي: لم يحدثوا به حتى ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به {وإلى أولي الأمر منهم} أي: ~~ذوي الرأي من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ~~{لعلمه} على أي: وجه يذكر أي: {الذين يستنبطونه منهم} أي: يستخرجون تدابيره ~~بتجاربهم وأنظارهم هل ينبغي أن يكتم أو يفشى {ولولا فضل الله عليكم} ~~بالإسلام {ورحمته} لكم بإرسال الرسل وإنزال القرآن {لاتبعتم الشيطان} فيما ~~يأمركم به من الكفر والمعاصي {إلا قليلا} أي: منكم فإنهم لا يتبعونه حفظا ~~من الله بما وهبهم ms0533 الله من صحيح العقل، والعصمة تقال في حق غير الأنبياء ~~أيضا؛ لأنها المنع من المعصية ولكن الشائع أن يقال في حق النبي معصوم، وفي ~~حق غيره محفوظ. # {فقاتل} يا محمد {في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} فلا تهتم بتخلفهم عنك ~~أي: قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر من الله وليس النصر إلا بيده وما كان ~~ليأمرك بشيء إلا وأنت كفؤ، فأنت كفؤ لمقاتلة الكفار وإن كانوا أهل الأرض ~~كلهم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد حرب أحد ~~موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد ودعا الناس إلى الخروج ~~فكرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية. # تنبيه: الفاء في قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله} قال البغوي: جواب عن ~~قوله تعالى: {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} ~~فتأمل انتهى.. # {وحرض المؤمنين} أي: حثهم على القتال ورغبهم فيه إذ ما عليك في شأنهم إلا ~~التحريض {عسى الله أن يكف بأس} أي: حرب {الذين كفروا} وعسى في كلام الله ~~وعد واجب الوقوع بخلافها في كلام المخلوق {وا أشد بأسا} أي: صولة منهم ~~{وأشد تنكيلا} أي: عقوبة منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي ~~بيده لأخرجن ولو وحدي» فخرج بسبعين راكبا إلى بدر الصغرى فكف الله بأس ~~الذين كفروا بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبا سفيان من الخروج كما تقدم في ~~ورة آل عمران. # {من يشفع شفاعة حسنة} راعى بها حق مسلم بأن دفع عنه بها ضررا أو جلب إليه ~~نفعا ابتغاء وجه الله، ومنها الدعاء للمسلم قال صلى الله عليه وسلم «من دعا ~~لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك: ولك مثله» أي: مثل ذلك ~~أي: ودعاء الملك لا يرد {يكن له نصيب} أي: أجر {منها} أي: بسببها قال أبو ~~موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ~~إذ جاءه رجل يسأل أو يطلب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال: ms0534 اشفعوا تؤجروا وليقض ~~الله على لسان نبيه ما شاء» {ومن يشفع شفاعة سيئة} مخالفة للشرع {يكن له ~~كفل} أي: نصيب من الوزر {منها} أي: بسببها {وكان الله على كل شيء مقيتا} ~~قال ابن # PageV01P319 # عباس مقتدرا مجازيا قال الشاعر: # وذي ضغن (أي: رب صاحب حقد) كففت الضغن عنه # وكنت على إساءته (أي: إساءتي لذي الضغن) مقيتا # أي: مقتدرا وقال مجاهد: شاهدا وقال قتادة: حفيظا، وقيل: معناه على كل ~~حيوان مقيتا أي: يوصل القوت إليه، وجاء في الحديث: «كفى بالمرء إثما أن ~~يضيع من يقوت» . # {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} التحية هي دعاء الحياة، ولكن جمهور ~~المفسرين على أن ذلك في السلام أي: إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوه بأحسن مما ~~سلم فإذا قال: السلام عليكم، فيزيد الراد: ورحمة الله، فإذا قال: ورحمة ~~الله، فيزيد الراد: وبركاته {أو ردوها} أي: بأن ترد عليه بمثل ما سلم. # روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليك فقال: «وعليك ~~السلام ورحمة الله» وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله فقال: «وعليك السلام ~~ورحمة الله وبركاته» وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال: ~~«وعليك أي: السلام ورحمة الله وبركاته فقال الرجل: نقصتني أي: الفضل على ~~سلامي، فأين ما قال الله أي: من الفضل؟ وتلا الآية فقال: «لم تترك لي فضلا ~~فرددت عليك مثله» لأن ذلك هو النهاية لاستجماعه أقسام المطالب وهي السلامة ~~من المضار وحصول المنافع وثبوتها، وظاهر الآية إنه لو رد عليه بأقل مما سلم ~~عليه به إنه لا يكفي، وظاهر كلام الفقهاء إنه يكفي، وتحمل الآية على أنه ~~الأكمل وابتداء السلام على المسلم سنة عين من المنفرد وكفاية من الجماعة، ~~ورده فرض عين إذا كان المسلم عليه واحدا، وكفاية من الجماعة، ويشترط في ~~الرد الفور، والجوب مستفاد من الأمر، والفور من الفاء، وأما كونه كفاية ~~فلخبر أبي داود «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزىء عن الجلوس ~~أن يرد أحدهم» والراد منهم هو المختص بالثواب ويسقط الحرج عن ms0535 الباقين، وإن ~~أجابوا كلهم كانوا مؤدين للفرض سواء أكانوا مجتمعين أم متفرقين كصلاة ~~الجنازة، ولا يسقط الفرض برد الصبي المميز. # فإن قيل: قد سقط به فرض الصلاة عن الجنازة، أجيب: بأن المقصود من الصلاة ~~الدعاء والصبي أقرب إلى الإجابة والمقصود من السلام الأمان والصبي ليس من ~~أهله، ولا يسقط أيضا برد من لم يسمع، ولو سلم على امرأة إن كان يباح له ~~النظر إليها كمحرمة وزوجته يسن له السلام عليها، ووجب عليها الرد وإلا كره ~~له ابتداء وردا وحرم عليها ابتداء ورد هذا إذا كانت مشتهاة، فإن كانت عجوزا ~~أو جماعة نسوة لم يكره، ويجب الرد لانتفاء خوف الفتنة، ولا يسن ابتداؤه على ~~قاضي حاجة ولا على آكل ولا على من في حمام ولا على مصل ومؤذن وخطيب وملب ~~ومستغرق القلب بالدعاء، ولا يجب الجواب عليهم، ويحرم ابتداؤه على الكافر، ~~ويرد عليه إذا سلم بعليك فقط، وهذا باب طويل قد بينته السنة وقد أكثرت منه ~~في شرح المنهاج {إن الله كان} أي: أزلا وأبدا {على كل شيء حسيبا} أي: ~~محاسبا فيجازي عليه، وقال مجاهد: حفيظا، وقال أبو عبيدة: كافيا، يقال: حسبي ~~هذا أي: كفاني وقوله تعالى: # {الله لا إله إلا هو} مبتدأ وخبر وقوله تعالى: {ليجمعنكم} اللام لام ~~القسم أي: والله ليجمعنكم الله من قبوركم {إلى} في {يوم القيامة} وسميت ~~بذلك؛ لأن الناس يقومون من قبورهم قال تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث # PageV01P320 # سراعا} (المعارج، 43) # وقيل: لقيامهم إلى الحساب قال تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} ~~(المطففين، 6) # {لا ريب} أي: لا شك {فيه} أي: في ذلك اليوم أو في الجمع {ومن أصدق من ~~الله حديثا} أي: قولا. # فإن قيل: الصدق لا يتفاوت كالعلم إذ لا يقال: هذا الصدق أصدق من هذا ~~الصدق كما لا يقال: هذا العلم أعلم من هذا المعلم، أجيب: بأن الصدق صفة ~~للقائل لا صفة للحديث أي: لا أحد غير الله أصدق منه؛ لأن غيره يتطرق إلى ~~خبره الكذب، وذلك مستحيل في حقه تعالى، والأنبياء مخبرون عن الله ms0536 تعالى، ~~وقرأ حمزة والكسائي بإشمام الصاد أي: بحرف متولد بين الصاد والزاي {فما ~~لكم} أي: فما شأنكم صرتم {في المنافقين} أي: في أمرهم {فئتين} أي: فرقتين ~~ولم تتفقوا على كفرهم وذلك أن ناسا منهم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين ~~مرحلة مرحلة حتى لحقوا المشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم، وقال مجاهد: ~~هم قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا، ثم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا ~~بمكة، واختلف المسلمون فيهم فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم ~~مؤمنون، وقال قوم: في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين، فلما رجعوا قال ~~بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلهم فإنهم منافقون، وقال ~~بعضهم: اعف عنهم فإنهم تكلموا بالإسلام. # {وا أركسهم} أي: نكسهم بأن صيرهم إلى النار أو ردهم إلى حكم الكفرة {بما ~~كسبوا} من الكفر والمعاصي {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} أي: أتعدونهم من ~~جملة المهتدين والاستفهام في الموضعين للإنكار {ومن يضلل الله} أي: ومن ~~يضله الله {فلن تجد له سبيلا} أي: طريقا إلى الهدى. # {ودوا} أي: تمنوا {لو تكفرون كما كفروا فتكونون} أنتم وهم {سواء} في ~~الكفر. # تنبيه: قوله تعالى: {فتكونون} لم يرد به جواب التمني؛ لأن جوابه بالفاء ~~منصوب وإنما أراد النسق أي: ودوا لو تكفرون وودوا لو تكونون سواء مثل قوله: ~~{ودوا لو تدهن فيدهنون} (القلم، 9) # أي: ودوا لو تدهن وودوا لو يدهنون {فلا تتخذوا منهم أولياء} أي: فلا ~~توالوهم وإن أظهروا الإيمان {حتى يهاجروا في سبيل الله} معكم هجرة صحيحة ~~تحقق إيمانهم، قال عكرمة: هي هجرة أخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة ~~المؤمنين في أول الإسلام وهي قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} وقوله تعالى: ~~{ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} (النساء، 100) # ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صابرا محتسبا لا لأغراض الدنيا وهي ms0537 المرادة ههنا، وهجرة عن ~~جميع المعاصي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المهاجر من هجر ما نهى ~~الله عنه» {فإن تولوا} أي: أعرضوا عن التوحيد والهجرة وأقاموا على ما هم ~~عليه {فخذوهم} أي: بالأسر {واقتلوهم حيث وجدتموهم} أي: في حل أو في حرم ~~كسائر الكفرة {ولا تتخذوا منهم وليا} توالونه {ولا نصيرا} تنتصرون به على ~~عدوكم أي: بل جانبوهم مجانبة كلية، وقوله تعالى: {إلا الذين يصلون} استثناء ~~من قوله: {فخذوهم واقتلوهم} أي: إلا الذين يصلون أي: ينتهون {إلى قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق} أي: عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقت خروجه إلى مكة هلال بن عمير الأسلمي على أن لا يعينه ولا ~~يعين عليه، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ما له، وقوله تعالى: # PageV01P321 # {أو جاؤكم} عطف على الصلة أي: أو الذين جاؤوكم، وقوله تعالى: {حصرت} أي: ~~ضاقت حال بإضمار قد أي: وقد ضاقت {صدورهم أن يقاتلوكم} أي: عن قتالكم مع ~~قومهم {أو يقاتلوا قومهم} معكم أي: ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرضوا ~~لهم بأخذ ولا قتل، وهذا وما بعده منسوخ بآية القتال. # وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار تاء تأنيث حصرت عند الصاد وأدغمها ~~الباقون {ولو شاء الله} تسليطهم عليكم {لسلطهم عليكم} بأن يقوي قلوبهم ~~ويبسط صدورهم ويزيل الرعب {فلقاتلوكم} ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب ~~{فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم} أي: بأن لم يتعرضوا لكم {وألقوا إليكم السلم} ~~أي: الاستسلام والانقياد {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} أي: طريقا بالأخذ ~~أو القتل. # {ستجدون} أي: عن قريب بوعد لا شك فيه {آخرين} أي: من المنافقين. روي عن ~~ابن عباس أنه قال: هم أسد وغطفان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإسلام رياء ~~وهم غير مسلمين وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: آمنت ~~بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء، وإذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم قالوا: إنا على دينكم يريدون بذلك الأمن من الفريقين كما قال تعالى: ~~{يريدون أن ms0538 يأمنوكم} بإظهار الإيمان عندكم {ويأمنوا قومهم} بإظهار الكفر ~~إذا رجعوا إليهم {كلما ردوا} أي: دعوا {إلى الفتنة} أي: الكفر {اركسوا} أي: ~~انقلبوا منكوسين {فيها} أي: الفتنة أقبح قلب {فإن لم يعزلوكم} أي: بترك ~~قتالكم {ويلقوا} أي: ولم يلقوا {إليكم السلم ويكفوا} أي: ولم يكفوا ~~{أيديهم} عن قتالكم {فخذوهم} أي: بالأسر {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: ~~وجدتموهم {وأولئكم} أي: أهل هذه الصفة {جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} أي: ~~حجة واضحة في التعرض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم. # {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا} أي: ما ينبغي أن يصدر منه قتل له بغير حق ~~{إلا خطأ} أي: مخطئا في قتله من غير قصد، نزلت في عياش بن ربيعة، وذلك إنه ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وأسلم ثم خاف أن يظهر ~~الإسلام لأهله فخرج هاربا إلى المدينة وتحصن في أطم من آطامها فجزعت أمه ~~لذلك جزعا شديدا وقالت لإبنيها الحارث وأبي جهل ابني هشام وهما أخواه لأمه: ~~والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتيا به، فخرجا في طلبه ~~وخرج معهما الحارث بن زيد حتى أتوا المدينة فأتوا عياشا وهو في الأطم ~~وقالوا له: انزل فإن أمك لم يأوها سقف بيت بعدك وقد حلفت أن لا تأكل طعاما ~~ولا تشرب شرابا حتى ترجع إليها ولك والله علينا عهد أن لا نكرهك على شيء ~~ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له ذلك أي: جزع أمه وأوثقوا بالله نزل ~~إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه وجلده كل واحد منهم مئة جلدة ثم قدموا ~~به إلى أمه فلما أتاها قالت له: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي ~~آمنت به، ثم تركوه موثوقا مطروحا في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا ~~فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي أنت عليه؟ فوالله لئن كان هدى ~~لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقالته وقال: ~~والله لا ألقاك خاليا ms0539 أبدا إلا قتلتك، ثم إن عياشا بعد ذلك أسلم وهاجر، ثم ~~أسلم الحارث بن زيد بعده، وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ~~عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينما عياش بظهر قباء إذ لقي الحارث، ~~فقتله، فقال # PageV01P322 # الناس: ويحك أي شيء صنعت إنه قد أسلم فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال له: قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت وإني لم أشعر ~~بإسلامه حتى قتلنه فنزلت الآية. # تنبيه: قوله تعالى: {إلا خطأ} إما منصوب على الحال أي: وليس من شأن ~~المؤمن أن يقتل مؤمنا في حالة من الأحوال إلا حال الخطأ، وإما مفعول لأجله ~~أي: لا يقتله لعلة إلا للخطأ، وقيل: إلا بمعنى ولا، أي: ليس له قتله في حال ~~من الأحوال ولا خطأ نظير قوله تعالى: {إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ~~ظلم} (النمل، 10 11) # وقوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة إلا الذين ظلموا منهم} (النساء، ~~165) # {ومن قتل مؤمنا خطأ} كأن قصد رمي غيره كصيد أو شجر فأصابه {فتحرير رقبة} ~~أي: فعليه أي: فواجبه تحرير رقبة كاملة الرق فلا يجزىء مكاتب كتابة صحيحة ~~ولا أم ولد والتحرير الإعتاق ويعبر عن النسمة بالرقبة كما يعبر عنها بالرأس ~~{مؤمنة} أي: محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة ولو كان إسلامها بتبعية الدار ~~أو السابي سليمة عما يخل بالعمل {ودية مسلمة} أي: مؤداة {إلى أهله} أي: ~~ورثة المقتول يقتسمونها كسائر المواريث {إلا أن يصدقوا} أي: يتصدقوا بها ~~عليه بأن يعفوا عنها، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها على فضله، قال ~~صلى الله عليه وسلم «كل معروف صدقة» . # وبينت السنة أن دية الخطأ مئة من الإبل عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون ~~وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة، وإن عاقلة القاتل تتحملها عنه وهم ~~عصبيته لا أصله وفرعه موزعة عليهم على ثلاث سنين على الغني منهم نصف دينار ~~والمتوسط ربع دينار كل سنة فإن لم يفوا فمن بيت المال، فإن تعذر فعلى ms0540 ~~الجاني {فإن كان} أي: المقتول: {من قوم عدو لكم} أي: محاربين {وهو} أي: ~~والحال أنه {مؤمن} أي: ولم يعلم القاتل إيمانه {فتحرير} أي: فالواجب على ~~القاتل تحرير {رقبة مؤمنة} ولا دية تسلم إلى أهله إذ لا وراثة بينه وبينهم؛ ~~لأنهم محاربون {وإن كان} أي: المقتول {من قوم} أي: كفرة أيضا عدو لكم ~~{بينكم وبينهم ميثاق} أي: عهد كأهل الذمة وهو كافر مثلهم {فدية} أي: ~~فالواجب فيه دية {مسلمة} أي: مؤداة {إلى أهله} وهي ثلث دية المؤمن إن كان ~~نصرانيا أو يهوديا تحل مناكحته، وثلثا عشرها إن كان مجوسيا أو كتابيا لا ~~تحل مناكحته {وتحرير رقبة مؤمنة} على قاتله {فمن لم يجد} أي: الرقبة بأن ~~فقدها وما يحصلها به {فصيام} أى: فالواجب عليه صيام {شهرين متتابعين} حتى ~~لو أفطر يوما واحدا لغير حيض أو نفاس وجب الاستئناف، ولم يذكر تعالى ~~الانتقال إلى الطعام كالظهار، وبه قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في أصح ~~قوليه وقوله تعالى: {توبة من الله} نصب على المصدر أي: وتاب عليكم توبة، أو ~~على المفعول له أي: وشرع لكم ذلك توبة مأخوذة من تاب الله عليه إذا قبل ~~توبته {وكان الله} أي: ولم يزل {عليما} أي: بأحوالكم وبما يصلحكم في الدنيا ~~والآخرة {حكيما} فيما دبره لكم من نصب الزواجر بالكفارات أو غيرها فالزموا ~~أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة. # {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} بأن يقصد قتله بما يقتل غالبا عالما بإيمانه ~~{فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} أي: أبعده من رحمته {وأعد ~~له عذابا عظيما} في النار وهذا مخصوص بالمستحل له كما قاله عكرمة وغيره، ~~ويؤيده أن الآية نزلت في نفيس بن ضبابة وجد أخاه هشاما قتيلا في بني # PageV01P323 # النجار ولم يظهر قاتله فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا ~~إليه ديته فدفعوا إليه، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتدا والمراد ~~من الآية التغليظ كقوله تعالى: {وعلى الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~ومن كفر فإن الله غني عن ms0541 العالمين} (آل عمران، 97) # تفسير من كفر بمن لم يحج، وكقوله صلى الله عليه وسلم للمقداد: «لا تقتله ~~فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن تقول الكلمة التي ~~قال» أو إن هذا جزاؤه إن جوزي ولا بدع في خلف الوعيد لقوله تعالى: {ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء، 48) # أو المراد بالخلود المكث الطويل فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة ~~المسلمين لا يدوم عذابهم ولهذا لم يذكر في الآية أبدا، وما روي عن ابن عباس ~~أنه قال: «لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمدا» كما رواه الشيخان أراد به ~~التشديد كما قاله البيضاوي إذ روي عنه خلافه رواه البيهقي في سننه، وبينت ~~آية البقرة إن قاتل العمد يقتل به وإن عليه الدية إن عفي عنه وسبق قدرها ~~وبينت السنة أن بين العمد والخطأ قتلا يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا ~~يقتل غالبا، فلا قصاص فيه بل فيه دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل ~~والحمل وهو أي: العمد أولى بالكفارة من الخطأ. # {يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم} أي: سافرتم للجهاد {في سبيل الله فتبينوا} ~~. # روي أن سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غزت أهل فدك فهربوا وبقي رجل ~~يقال له: مرداس، لأنه كان على دين المسلمين فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا ~~من غير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ~~وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فلما سمع التكبير علم ~~إنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر ونزل وهو يقول: لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق ~~غنمه فنزلت، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه فوجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا وقد كان سبقهم قبل ذلك الخبر ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قتلتموه إرادة ما معه» ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه ms0542 وسلم هذه الآية على أسامة بن زيد فقال: يا رسول الله ~~استغفر لي فقال: «وكيف بلا إله إلا الله؟» قال أسامة: فما زال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يكررها علي حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي ثلاث مرات وقال: أعتق رقبة» ، وقال ~~عكرمة عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم قالوا: ما سلم عليكم إلا ليعوذ منكم ~~فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه وأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. # وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة مكان الباء الموحدة وبالباء الموحدة ~~مكان الياء المثناة تحت وبالتاء المثناة فوق مكان النون فهو من التثبت ~~والباقون من البيان {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} أي: لمن حياكم ~~بتحية الإسلام، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة بغير ألف بعد اللام من السلام ~~أي: الاستسلام والانقياد والباقون بالألف {لست مؤمنا} وإنما فعلت ذلك ~~متعوذا {تبتغون عرض الحياة الدنيا} أي: تطلبون ماله الذي هو حطام سريع ~~النفاد {فعند الله مغانم كثيرة} تغنيكم عن قتل مثله لماله {كذلك كنتم من ~~قبل} أي: أول ما دخلتم في الإسلام تفوهتم بكلمة الشهادة فحصنتم بها أموالكم ~~ودماءكم من غير أن تعلم # PageV01P324 # مواطأة قلوبكم ألسنتكم {فمن الله عليكم} أي: بالاشتهار بالإيمان ~~والاستقامة في الدين {فتبينوا} أي: وافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل ~~الله بكم ولا تبادروا إلى قتلهم ظنا إنهم دخلوا اتقاء وخوفا، فإن بقاء ألف ~~كافر أهون عند الله من قتل امرىء مسلم، وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر ~~بالتبيين وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم {إن الله كان} ولم يزل {بما ~~تعملون خبيرا} أي: عالما به وبالغرض منه فيجازيكم به فلا تتساهلوا في القتل ~~واحتاطوا فيه. # {لا يستوي القاعدون} أي: عن الجهاد حال كونهم {من المؤمنين} روي أن زيد ~~بن ثابت أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه ms0543 لا يستوي القاعدون ~~من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي ~~فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلا أعمى، فأنزل الله ~~تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ~~ترض فخذي أي: تكسر ثم سري عنه أي: أزيل وكشف ما به من برحاء الوحي {غير ~~أولى الضرر} أي: من زمانة أو عمى أو نحوه فقال: اكتب (لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر) ، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصب الراء على ~~الحال من القاعدين أو الاستثناء، والباقون بالرفع صفة للقاعدين؛ لأنه لم ~~يقصد به قوم بأعيانهم بل أراد به الجنس كما في قوله: # *ولقد أمر على اللئيم يسبني* # فصح جعل غير صفة للقاعدين {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} ~~أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. # تنبيه: فائدة ذكر قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون} إلخ.. تذكير ما بينهما ~~من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعا لرتبته واتقاء عن انحطاط منزلته. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة ~~قال: «إن في المدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا ~~معكم فيه» قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة قال: «نعم وهم بالمدينة حبسهم ~~العذر» {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين} لضرر {درجة} ~~أي: فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة {وكلا} من ~~القاعدين لضرر والمجاهدين {وعد الله الحسنى} أي: الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص ~~نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب {وفضل الله ~~المجاهدين على القاعدين} لغير ضرر {أجرا عظيما} ويبدل منه. # {درجات منه} أي: منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، وقوله تعالى: {ومغفرة ~~ورحمة} منصوبان بفعلهما المقدر {وكان الله} أي: ولم يزل {غفورا} لأوليائه ~~{رحيما} بأهل طاعته. # وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا سعيد ~~من رضي بالله ربا ms0544 وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة» قال: فعجب بها ~~أبو سعيد فقال: أعدها يا رسول الله ففعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين ~~السماء والأرض» فقال: وما هي يا رسول الله قال: «الجهاد في سبيل الله» وعن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقا على الله أن ~~يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا ~~رسول الله أفلا ننذر الناس بذلك؟ فقال: «إن في الجنة مئة درجة # PageV01P325 # أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ~~فإذا سألتموه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش ~~الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» وإنما يجب الجهاد على كل مسلم مكلف حر ذكر ~~مستطيع له وهو فرض كفاية للآية المتقدمة إذا كان الكفار ببلادهم ويجب على ~~الإمام أن يغزوهم في كل عام مرة بنفسه أو بنائبه أو بشحن الثغور بما يقاوم ~~العدو، وأما إذا دخلوا بلادنا والعياذ بالله تعالى تعين على أهل البلدة ~~وعلى من دون مسافة القصر حتى على فقير وولد ومدين ورقيق بلا إذن، ويجب على ~~من هو في مسافة القصر بقدر الكفاية وإن أسروا مسلما لزمنا النهوض لخلاصه إن ~~رجى وإن لم يدخلوا بلادنا. # *ولقد أمر على اللئيم يسبني* # فصح جعل غير صفة للقاعدين {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} ~~أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. # تنبيه: فائدة ذكر قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون} إلخ.. تذكير ما بينهما ~~من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعا لرتبته واتقاء عن انحطاط منزلته. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة ~~قال: «إن في المدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم ms0545 من واد إلا كانوا ~~معكم فيه» قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة قال: «نعم وهم بالمدينة حبسهم ~~العذر» {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين} لضرر {درجة} ~~أي: فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة {وكلا} من ~~القاعدين لضرر والمجاهدين {وعد الله الحسنى} أي: الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص ~~نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب {وفضل الله ~~المجاهدين على القاعدين} لغير ضرر {أجرا عظيما} ويبدل منه. # {درجات منه} أي: منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، وقوله تعالى: {ومغفرة ~~ورحمة} منصوبان بفعلهما المقدر {وكان الله} أي: ولم يزل {غفورا} لأوليائه ~~{رحيما} بأهل طاعته. # وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا سعيد ~~من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة» قال: فعجب بها ~~أبو سعيد فقال: أعدها يا رسول الله ففعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين ~~السماء والأرض» فقال: وما هي يا رسول الله قال: «الجهاد في سبيل الله» وعن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقا على الله أن ~~يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا ~~رسول الله أفلا ننذر الناس بذلك؟ فقال: «إن في الجنة مئة درجة أعدها الله ~~للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتموه ~~فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر ~~أنهار الجنة» وإنما يجب الجهاد على كل مسلم مكلف حر ذكر مستطيع له وهو فرض ~~كفاية للآية المتقدمة إذا كان الكفار ببلادهم ويجب على الإمام أن يغزوهم في ~~كل عام مرة بنفسه أو بنائبه أو بشحن الثغور بما يقاوم العدو، وأما إذا ~~دخلوا بلادنا والعياذ بالله تعالى تعين على أهل ms0546 البلدة وعلى من دون مسافة ~~القصر حتى على فقير وولد ومدين ورقيق بلا إذن، ويجب على من هو في مسافة ~~القصر بقدر الكفاية وإن أسروا مسلما لزمنا النهوض لخلاصه إن رجى وإن لم ~~يدخلوا بلادنا. # ونزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فلما خرجوا إلى بدر رجعوا معهم فقتلوا ~~مع الكفار. # {إن الذين توفاهم الملائكة} أي: ملك الموت وأعوانه أو ملك الموت وحده كما ~~قال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة، 11) # والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع {ظالمي أنفسهم} أي: في حال ظلمهم ~~أنفسهم بترك الهجرة وموافقة الكفرة بالمقام في دار الشرك فإن الهجرة كانت ~~واجبة قبل فتح مكة ثم نسخ الوجوب بعد فتحها فقال صلى الله عليه وسلم «لا ~~هجرة بعد الفتح» وقرأ البزي بتشديد التاء المثناة فوق من توفاهم في الوصل، ~~والباقون بالتخفيف، وأدغم أبو عمرو التاء في الظاء بخلاف عنه، والباقون ~~بغير إدغام {قالوا} أي: الملائكة لهم {فيم كنتم} أي: في أي شيء كنتم من أمر ~~دينكم، وقرأ البزي (فيمه) بالهاء بعد الميم في الوقف بخلاف عنه {قالوا} ~~معتذرين مما وبخوا به {كنا مستضعفين} أي: عاجزين عن إظهار الدين وإعلاء ~~كلمته {في الأرض} أي: في أرض مكة {قالوا} أي: الملائكة تكذيبا لهم وتوبيخا ~~{ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} من أرض الكفر إلى بلد أخرى كما فعل ~~غيركم من المهاجرين إلى المدينة والحبشة، قال تعالى: {فأولئك مأواهم جهنم} ~~أي: لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار {وساءت مصيرا} أي: جهنم، وفي الآية ~~دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه، وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم «من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان ما بينهما شبرا ~~استوجبت أي: وجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم. ثم استثنى أهل العذر منهم فقال: # {إلا المستضعفين} أي: الذين وجد ضعفهم في نفس الأمر وعدوا ضعفاء وتقوى ~~عليهم غيرهم {من الرجال والنساء والولدان} ثم بين ضعفهم بقوله: {لا ms0547 ~~يستطيعون حيلة} أي: لا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة لهم {ولا يهتدون سبيلا} ~~أي: طريقا إلى أرض الهجرة. # {فأولئك عسى الله أن يعفو} أي: يتجاوز {عنهم} وعسى من الله واجب للإطماع ~~والله تعالى إذا أطمع عبده بشيء أوصله إليه ولكن في ذكر الإطماع والعفو ~~إيذان بأن أمر الهجرة مضيق لا توسعة فيه حتى أن المضطر البين الاضطرار من ~~حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني فكيف بغيره {وكان الله عفوا غفورا} قال ~~ابن عباس: كنت أنا وأمي ممن عذر الله أي: من المستضعفين وكان صلى الله عليه ~~وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين في كل صلاة، قال أبو هريرة: كان إذا قال: سمع ~~الله لمن حمده في الركعة الأخيرة من صلاة العشاء قنت يقول: «اللهم أنج عياش ~~بن ربيعة اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج سلمة بن هشام # PageV01P326 # اللهم أنج المستضعفين من المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم ~~اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» . # {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا} أي: متحولا يتحول ~~إليه، وقيل: طريقا يراغم بسلوكه قومه أي: يفارقهم على رغم أنوفهم مأخوذ من ~~الرغام، والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب يقال: ~~راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك {و} يجد {سعة} ~~في الرزق كما قال صلى الله عليه وسلم «صوموا تصحوا وسافروا تغنموا» أخرجه ~~الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه «واغزوا تغنموا وهاجروا ~~تفلحوا» ولما سمع هذه الآية رجل من بني قيس يقال له: جندب بن ضمرة قال: ما ~~أنا ممن استثنى الله عز وجل وإني لأجد حيلة ولي من المال ما يبلغني المدينة ~~وأبعد منها والله لا أبيت الليلة بمكة اخرجوني فخرجوا به يحملونه على سرير ~~حتى أتوا به التنعيم فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال: اللهم هذه ~~لك وهذه لرسولك أبايعك على ما يبايعك عليه رسولك فمات، قال التفتازاني: ~~الظاهر أن هذه إشارة إلى اليمين وهذه إلى الشمال لا ms0548 قصد إسناد الجارحة إلى ~~الله تعالى بل على سبيل التصوير وتمثيل مبايعة الله تعالى على الإيمان ~~والطاعة بمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه، وقيل: إشارة إلى ~~البيعة والصفقة، والمعنى: أن بيعته كبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~بيعة كبيعة الناس فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لو ~~وافى المدينة كان أتم وأوفى أجرا وضحك المشركون وقالوا: ما أدرك هذا ما طلب ~~فنزل {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت} أي: في ~~الطريق قبل مقصده {فقد وقع أجره على الله} أي: ثبت أجره عنده تعالى ثبوت ~~الأجر الواجب تفضلا منه ورحمة {وكان الله غفورا} لتقصيره إن كان {رحيما} ~~يكرم بعد المغفرة بأنواع الكرامات. # ولما أوجب الله السفر للجهاد والهجرة وكان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف ~~بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء ذكر تخفيف الصلاة ~~بالقصر بقوله تعالى: # {وإذا ضربتم} أي: سافرتم {في الأرض} سفرا طويلا لغير معصية، والطويل عند ~~الشافعي رحمه الله تعالى أربعة برد وهي مرحلتان كما ثبت ذلك بالنسبة، وعند ~~أبي حنيفة رحمه الله تعالى ثلاثة أيام ولياليهن بسير الإبل ومشي الأقدام ~~على القصد، وقوله تعالى: {فليس عليكم جناح} أي: إثم وميل في {أن تقصروا من ~~الصلاة} أي: من أربع إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء يدل ~~على جواز القصر دون وجوبه، ويؤيده أنه عليه الصلاة والسلام أتم في السفر ~~كما رواه الشافعي وغيره. # وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت ~~وأتممت وصمت وأفطرت فقال: «أحسنت يا عائشة وما عاب علي» رواه الدارقطني ~~وحسنه البيهقي وصححه، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه: يتم ويقصر، وأوجب ~~القصر أبو حنيفة لقول عمر رضي الله تعالى عنه: صلاة السفر ركعتان تمام غير ~~قصر على لسان نبيكم، رواه النسائي وابن ماجة، ولقول ms0549 عائشة رضي الله تعالى ~~عنها: «أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في ~~الحضر» رواه الشيخان. # فإن قيل: ظاهرهما يخالف الآية؟ أجيب: بأن # PageV01P327 # الأول مؤول بأن القصر كالتمام في الصحة والإجزاء، ومعنى الثاني لمن أراد ~~الاقتصار عليهما جمعا بين الأدلة، وقوله تعالى: {إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا} أي: ينالوكم بمكروه بيان باعتبار الغالب في ذلك الوقت فلا مفهوم له، ~~قال يعلى بن أمية: قلت لعمر: إنما قال الله تعالى: {إن خفتم} وقد أمن الناس ~~قال: قد عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقة ~~تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه مسلم {إن الكافرين كانوا} أي: ~~جبلة وطبعا {لكم عدوا مبينا} أي: بين العداوة وقوله تعالى: # {وإذا كنت} أي: يا محمد حاضرا {فيهم} أي: وأنتم تخافون العدو {فأقمت لهم ~~الصلاة} تمسك بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعامة الفقهاء على أنه تعالى علم نبيه صلى الله عليه وسلم كيفيتها ليقتدي ~~به الأئمة بعده فإنهم نواب عنه فيكون حضورهم كحضوره. # روي أن المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا ~~إلى الظهر يصلون جميعا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقال بعضهم لبعض: ~~دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي صلاة العصر ~~فإذا قاموا فيها فشدوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبريل فقال: يا محمد إنها صلاة ~~الخوف وإن الله يقول: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} فعلمه صلاة الخوف ~~وهي أنواع: # الأول: إذا كان العدو في جهة القبلة وسائر والمسلمون كثيرون فيصلي بهم ~~الإمام ثم يسجد بصف أول ويحرس صف ثان، فإذا قاموا سجد من حرس ولحقه وسجد ~~معه بعد تقدمه وتأخر الأول بلا كثرة أفعال في الركعة الثانية، وحرس الآخرون ~~فإذا جلس للتشهد جلس الآخرون وتشهد وسلم بالجميع، روى هذا النوع مسلم، وقد ~~صلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، وهي قرية على مرحلتين من مكة ~~بقرب ms0550 خليص سميت بذلك لعسف السيول فيها وجاز عكس هذه الكيفية. # والنوع الثاني: إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو فيها، وثم ساتر، ~~فيصلي الإمام بهم ركعتين مرتين كل مرة بفرقة كما قال تعالى: {فلتقم طائفة ~~منهم معك} أي: وتتأخر طائفة {وليأخذوا} أي: الطائفة التي قامت معك ~~{أسلحتهم} معهم {فإذا سجدوا} أي: صلوا {فليكونوا} أي: هذه الطائفة الأخرى ~~{من ورائكم} يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة وتذهب هذه الطائفة الأخرى تحرس ~~{ولتأت طائفة أخرى} تحرس {لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} ~~معهم إلى أن يقضوا الصلاة «وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك ببطن نخل» ، ~~رواه الشيخان وهذه الصلاة وإن جازت في غير الخوف سنت فيه عند كثرة ~~المسلمين، وقلة عدوهم، وخوف هجومهم عليهم في الصلاة. # فإن قيل: أخذ الحذر وهو الخوف مع التحفظ مجاز، وأخذ الأسلحة حقيقة، فلا ~~يجمع بينهما أجيب: بأن أخذ الحذر حقيقة أيضا تنزيلا له منزلة الآلة على ~~سبيل الاستعارة بالكناية، فالجمع إنما هو بين حقيقتين على أن الجمع بين ~~الحقيقتين على أن الجمع بين الحقيقة، والمجاز جائز كما عليه الشافعي رضي ~~الله تعالى عنه. # فإن قيل: لم ذكر أخذ الحذر في الثانية دون الأولى؟ أجيب: بأن الكفار ~~يتنبهون للثانية ما لا يتنبهون للأولى. # والنوع الثالث: صلاة ذات الرقاع رواها الشيخان أيضا، وهي والعدو في غير ~~جهة القبلة أو فيها، وثم ساتر أن تقف فرقة في وجه العدو، ويصلي الإمام ~~بفرقة ركعة، ثم عند قيامه للثانية تفارقه وتتم بقية صلاتها، وتقف في وجه ~~العدو، وتجيء تلك والإمام # PageV01P328 # ينتظر لها فيصلي بها ثانية، فإذا جلس للتشهد قامت وأتت بركعة وتلحقه، ~~ويسلم بها ويصلي الثلاثية بفرقة ركعتين وبالثانية ركعة، وهو أفضل من عكسه ~~ويصلي الرباعية بكل فرقة ركعتين. # وبقي نوع رابع: تقدم عند قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} ~~(البقرة، 239) # {ود} أي: تمنى {الذين كفروا لو تغفلون} إذا قمتم إلى الصلاة {عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم وهذه علة ~~الأمر بأخذ السلاح. ms0551 # ولما كان الله تعالى قد تفضل على هذه الأمة ورفع عنها الحرج وكان المطر ~~والمرض يشقان قال: {ولا جناح} أي: حرج {عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو ~~كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} ؛ لأن حمل السلاح في المطر يكون سببا لبله، ~~وفي المرض يزيد حملها المريض وهنا، وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر ~~وهو أحد قولي الشافعي، والثاني: أنه سنة ورجح بشرط أن لا يؤذي ولا يحصل ~~بترك حمله خطر ولا يمنع صحة الصلاة، فإن أذى كرمح وسط الصف كره حمله بل إن ~~غلب على ظنه ذلك حرم، وإن حصل بتركه خطر وجب حمله ويمكن حمل الآية على هذه ~~الحالة وكحمله وضعه بين يديه إن سهل مد يده إليه بل يتعين إن منع حمله ~~الصحة من نجس أو غيره {وخذوا حذركم} من العدو أي: احترزوا منه ما استطعتم ~~كيلا يهجم عليكم. # فإن قيل: كيف طابق الأمر بالحذر قوله تعالى: {إن الله أعد للكافرين ~~عذابا} أي: قتلا وأسرا ونهبا في الدنيا {مهينا} أي: ذا إهانة؟ أجيب: بأن ~~الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واغتراره فنفى عنهم ذلك الإيهام ~~بإخبارهم أن الله تعالى يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه لتقوى قلوبهم ~~ويعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك وإنما هو تعبد من الله تعالى كما قال ~~تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة، 195) . # ولما أعلمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف اتبع ذلك ما يفعلون بعدها ~~لئلا يظن أنها تغني عن مجرد الذكر فقال مشيرا إلى تعقيبه. # {فإذا قضيتم الصلاة} أي: فرغتم من فعلها وأديتموها على حالة الخوف أو ~~غيرها {فاذكروا الله} أي: بالتهليل والتسبيح والتحميد والتمجيد {قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم} أي: مضطجعين أي: اذكروه في كل حال، وعن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل ~~أحيانه» وقيل: صلوا قياما في حال الصحة وقعودا في حال المرض وعلى جنوبكم ~~عند الحرج والزمانة {فإذا اطمأننتم} أي: أمنتم بما كنتم فيه من الخوف ms0552 ~~{فأقيموا الصلاة} أي: أدوها بحقوقها على الحالة التي كنتم تفعلونها قبل ~~الخوف {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا} أي: مكتوبا أي: مفروضا {موقوتا} ~~أي: مقدرا وقتها لا تؤخر عنه ولا تقدم عليه، قال صلى الله عليه وسلم «أمني ~~جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، والعصر حين كان ظله ~~أي الشيء مثله، والمغرب حين أفطر الصائم أي: دخل وقت إفطاره، والعشاء حين ~~غاب الشفق الأحمر، والفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان ~~الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله والعصر حين كان ظله مثليه والمغرب حين ~~أفطر الصائم والعشاء إلى ثلث الليل، والفجر فأسفر وقال: هذا وقت الأنبياء ~~من قبلك» ، رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم وغيره، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم «فصلى الظهر حين صار ظله مثله» أي: فرغ منها حينئذ كما شرع في العصر ~~في اليوم الأول حينئذ قاله # PageV01P329 # الشافعي رضي الله تعالى عنه نافيا به إشتراكهما في وقت ويدل له خبر مسلم ~~وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر، ونزل لما بعث صلى الله عليه ~~وسلم طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد فشكوا الجراحات: # {ولا تهنوا} أي: تضعفوا {في ابتغاء القوم} أي: في طلب أبي سفيان وأصحابه ~~{إن تكونوا تألمون} أي: تتوجعون من ألم الجراح {فإنهم يألمون} أي: يتوجعون ~~من الجراح {كما تألمون} ولم يجبنوا عن قتالكم فلا تجبنوا عن قتالهم ~~{وترجون} أنتم {من الله} من النصر والثواب على جهادكم {ما لا يرجون} هم ~~فأنتم تزيدون عليهم بذلك فيجب أن تكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها ~~{وكان الله عليما} بأعمالكم وضمائركم {حكيما} أي: فيما يأمر وينهى. # {إنا أنزلنا إليك الكتاب} أي: القرآن وقوله تعالى: {بالحق} متعلق بأنزل ~~{لتحكم بين الناس بما أراك} الله أي: عرفك وأوحى به إليك وليس أرى من ~~الرؤية بمعنى العلم وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل، وعن عمر رضي الله تعالى عنه ~~لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم ms0553 يجعل ذلك إلا لنبيه ولكن ~~ليجتهد رأيه؛ لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا؛ لأن ~~الله تعالى كان يريه إياه وهو منا الظن والتكليف. # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من ~~الأنصار يقال له طعمة بكسر الطاء وفتحها، والأول أفصح ابن أبيرق من بني ظفر ~~بن الحارث سرق درعا من جار له يقال له: قتادة بن النعمان وكانت الدرع في ~~جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه حتى انتهى إلى الدار، ثم ~~أخبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين فالتمست الدرع عند طعمة ~~فلم توجد وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى ~~انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلي طعمة وشهد له ناس من ~~اليهود فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واسألوه أن يجادل عن صاحبهم فقالوا: إن لم تفعل افتضح صاحبنا فهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يفعل؛ لأنه بريء بحلفه وأن يعاقب اليهودي لثبوت ~~المال عنده، وقيل: هم أن يقطع يده فقال تعالى: {ولا تكن للخائنين} كطعمة ~~{خصيما} أي: مخاصما مدافعا عنهم. # {واستغفر الله} أي: مما هممت به أي: من الذب عنه وهذا الاستغفار لا عن ~~ذنب إذ هو منزه عن ذلك معصوم، ولكن عن مقام عال سام للارتقاء إلى أعلى منه ~~وأتم {إن الله كان غفورا رحيما} لمن يستغفره. # {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} أي: يخونونها بالمعاصي؛ لأن وبال ~~خيانتهم عليهم. # فإن قيل: لم قال {للخائنين} و {يختانون} أنفسهم والخائن واحد فقط؟ أجيب: ~~بأنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته أو ليتناوله وقومه فإنهم شاركوه ~~في الإثم حين شهدوا على براءته وخاصموا عنه، وقيل: إن هذا خطاب مع صلى الله ~~عليه وسلم والمراد به غيره كقوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} ~~(يونس، 94) # والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد وجوه ثلاثة: ms0554 إما الذنب ~~تقدم على النبوة، أو لذنوب أمته، أو لمباح جاء الشرع بتحريمه، فيتركه ~~بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه السمع والطاعة لحكم الشرع {إن الله لا ~~يحب} أي: يعاقب {من كان خوانا} أي: كثير الخيانة {أثيما} أي: منهمكا فيه. # روي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطا ليسرق متاع أهله # PageV01P330 # فسقط الحائط عليه فقتله. # فإن قيل: لم قال خوانا أثيما على المبالغة؟ أجيب: بأن الله تعالى كان ~~عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المأثم، ومن كانت تلك خلقة أمره ~~لم يشك في حاله، وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات، وعن ~~عمر رضي الله تعالى عنه إنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه ~~أول سرقة سرقها فاعف عنه فقال: كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. # {يستخفون} أي: طعمة وقومه يستترون ويستحيون ويخافون {من الناس ولا ~~يستخفون} أي: ولا يستحيون ولا يخافون {من الله} وهو أحق أن يستحيا ويخاف ~~منه {وهو معهم} بعلمه لا يخفى عليه سرهم {إذ يبيتون} أي: يدبرون ليلا على ~~طريق الإمعان في الكفر والإتقان للرأي {ما لا يرضى من القول} أي: من رمي ~~اليهودي بالسرقة وشهادة الزور عليه والحلف الكاذب على نفيها. # فإن قيل: لم سمى التدبير قولا، وإنما هو معنى في النفس؟ أجيب: بأنه لما ~~حدث بذلك نفسه سمي قولا مجازا. قال في الكشاف: ويجوز أن يراد بالقول الحلف ~~الكاذب الذي حلف به بعد أن بينه {وكان الله بما يعملون محيطا} أي: علما ~~وقدرة لا يفوت عنه شيء وقوله تعالى: # {ها أنتم هؤلاء} خطاب لقوم طعمة أي: يا هؤلاء {جادلتم} أي: خاصمتم {عنهم} ~~أي: عن طعمة وذويه {في الحياة الدنيا} أي: بما جعل لكم من الأسباب {فمن ~~يجادل الله عنهم يوم القيامة} إذا عذبهم {أم من يكون عليهم وكيلا} يتولى ~~أمرهم ويذب عنهم أي: لا أحد يفعل ذلك. # فائدة: اتفق كتاب المصاحف على قطع (أم) عن (من) # {ومن يعمل سوءا} أي: ذنبا يسوء به غيره ms0555 كرمي طعمة اليهودي {أو يظلم نفسه} ~~أي: يعمل ذنبا يختص به لا يتعداه، وقيل: المراد بالأول الصغيرة والثاني ~~الكبيرة {ثم يستغفر الله} أي: يطلب من الله تعالى غفرانه بالتوبة بشروطها ~~{يجد الله غفورا} أي: محاء للزلات {رحيما} أي: مبالغا في إكرام من يقبل ~~إليه كما في الحديث عن الله: «من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب ~~مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» ، وعن أبي الدرداء ~~رضي الله تعالى عنه إن هذه الآية نسخت من {يعمل سوأ يجز به} (النساء، 123) ~~. # {ومن يكسب إثما} أي: ذنبا {فإنما يكسبه على نفسه} أي: لأن وباله راجع ~~عليه إذ الله له بالمرصاد فهو مجازية عليه فلا يتعداه وباله قال تعالى: ~~{وإن أسأتم فلها} (الإسراء، 7) # {وكان الله عليما} بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله فلا يترك شيئا منه ~~{حكيما} في صنعه فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه. # {ومن يكسب خطيئة} أي: ذنبا صغيرا أو ما لا عمد فيه {أو إثما} أي: كبيرة ~~أو ما كان عن عمد {ثم يرم به بريئا} أي: ينسبه إلى من لم يعمله كما فعل ~~طعمة باليهودي {فقد احتمل} أي: تحمل {بهتانا} أي: خطر كذب ببهت المرمي به ~~{وإثما} أي: ذنبا كبيرا {مبينا} أي: بينا يكسبه بسبب رمي البريء. # {ولولا فضل الله عليك} يا محمد {ورحمته} بالعصمة {لهمت طائفة منهم} أي: ~~من قوم طعمة أي: هما مؤثرا عندك {أن يضلوك} أي: عن القضاء بالحق مع علمهم ~~بالحال بتلبيسهم عليك فلا ينافي ذلك أنهم قد هموا بذلك؛ لأن الهم المؤثر لم ~~يوجد {وما يضلون إلا أنفسهم} إذ وبال ذلك عليهم {وما يضرونك من شيء} فإن ~~الله عصمك وما خطر ببالك كان اعتمادا منك على ظاهر الأمر لا ميلا في الحكم. # تنبيه: (من شيء) في موضع نصب على المصدر أي: شيئا من الضر فمن مزيدة ~~{وأنزل الله عليك # PageV01P331 # الكتاب} أي: القرآن {والحكمة} أي: السنة فإنها ليست قرآنا يتلى وفسرت ~~أيضا بأنها علم الشرائع وكل كلام وافق الحق {وعلمك ما لم ms0556 تكن تعلم} أي: من ~~المشكلات وغيرها غيبا وشهادة من أحوال الدين والدنيا {وكان فضل الله عليك ~~عظيما} أي: بهذا وبغيره من أمور لا تدخل تحت الحصر، وفي هذا دليل على أن ~~العلم من أشرف الفضائل. # {لا خير في كثير من نجواهم} أي: الناس قوم طعمة فإنهم ناجوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الدفع عنه وكذا غيرهم {إلا} نجوى {من أمر بصدقة} واجبة ~~أو مندوبة {أو معروف} أي: عمل بر، وقيل: المراد بالصدقة الواجبة، وبالمعروف ~~صدقة التطوع {أو إصلاح بين الناس} وسواء إصلاح ذات البين وغيرهم قال صلى ~~الله عليه وسلم «كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو ~~نهي عن منكر أو ذكر الله» ، وسمع سفيان رجلا يقول: ما أشد هذا الحديث فقال: ~~ألم تسمع الله يقول: {لا خير في كثير من نجواهم} فهو هذا بعينه أو ما سمعته ~~يقول: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} فهو هذا بعينه. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام ~~والصدقة والصلاة؟» قلنا: بلى يا رسول الله قال: «إصلاح ذات البين، وإفساد ~~ذات البين هي الحالقة» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال «ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال: ~~خيرا أو أثنى خيرا» {ومن يفعل ذلك} أي: هذا المذكور {ابتغاء} أي: طلب ~~{مرضاة الله} أي: لا غيره من أمور الدنيا؛ لأن الأعمال بالنيات {فسوف ~~يؤتيه} أي: الله في الآخرة بوعد لا خلف فيه {أجرا عظيما} هو الجنة والنظر ~~إلى وجهه الكريم، وفي هذه الآية دلالة على أن المطلوب من أعمال الظاهر ~~رعاية أحوال الباطن في إخلاص النية وتصفية القلب من الالتفات إلى غرض ~~دنيوي، وقرأ أبو عمرو وحمزة (يؤتيه) بالياء، والباقون بالنون. # {ومن يشاقق الرسول} أي: يخالفه فيما جاء به مأخوذ من الشق، فإن كلا من ~~المتخالفين في شق غير شق الآخر {من بعدما تبين} أي: ظهر {له الهدى} أي: ~~الدليل الذي هو سببه {ويتبع} طريقا {غير سبيل المؤمنين} أي: طريقهم ms0557 الذي هم ~~عليه من الدين بأن يتبع غير دين الإسلام {نوله ما تولى} أي: نجعله واليا ~~لما تولاه بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا {ونصله} أي: ندخله في الآخرة ~~{جهنم} يحترق فيها {وساءت مصيرا} أي: مرجعا هي، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة ~~(نوله) و (نصله) بسكون الهاء، واختلس كسرة الهاء قالون ولهشام وجهان: ~~الإختلاس كقالون، وإشباع الحركة كباقي القراء. # فإن قيل: ما الحكمة في فك الإدغام في قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول} ~~والإدغام في سورة الحشر في قوله: {ومن يشاق الله} (الحشر، 4) # أجيب: بأن أل في لفظ الجلالة لازم بخلافه في الرسول واللزوم يقتضي الثقل، ~~فخفف بالإدغام فيما صحبته الجلالة بخلاف ما صحبه لفظ الرسول. # فإن قيل: يرد هذا قوله تعالى في سورة الأنفال: {ومن يشاقق الله ورسوله} ~~(الأنفال، 13) # أجيب: أنه لما انضم الرسول إلى الله صار المعطوف والمعطوف عليه كالشيء ~~الواحد {إن الله لا يغفر أن يشرك به} أي: وقوع الشرك به من أي شخص كان وبأي ~~شيء كان {ويغفر ما} أي: كل شيء هو {دون ذلك} أي: من سائر المعاصي لكن {لمن ~~يشاء} لأن جميع الأمور بمشيئته. # روي «أن شيخا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني ~~شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم # PageV01P332 # أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا ولم أوقع ~~المعاصي جراءة وما توهمت طرفة عين إني أعجز الله هربا وإني لنادم تائب ~~مستغفر فما ترى حالي عند الله فنزلت {ومن يشرك با فقد ضل ضلالا بعيدا} » عن ~~الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ~~ذكر في الآية الأولى (فقد افترى) ؛ لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ ~~شركهم نوع افتراء، وهو دعوى التبني على الله. # {إن} أي: ما {يدعون} أي: يعبد المشركون {من دونه} أي غير الله {إلا ~~إناثا} وهي اللات والعزى ومناة، وعن الحسن لم يكن حي من أحياء العرب إلا ~~ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان، وقيل: كانوا ms0558 يقولون في أصنامهم هن ~~بنات الله، وقيل: المراد الملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله {وإن} أي ما ~~{يدعون} أي يعبدون بعبادتها {إلا شيطانا مريدا} أي: خارجا عن الطاعة وهو ~~إبليس؛ لأنه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها، فكانت طاعته في ذلك عبادة ~~له. # {لعنه الله} أي أبعده عن رحمته {وقال} الشيطان المذكور {لأتخذن من عبادك ~~نصيبا} أي: حظا {مفروضا} أي: مقطوعا أدعوهم فيه إلى طاعتي قال الحسن: من كل ~~ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار {ولأضلنهم} أي عن طريقك السوى بما ~~سلطتني به من الوسواس وتزيين الأباطيل {ولأمنينهم} أي بكل ما أقدر عليه من ~~الباطل من عدم البعث والحساب ولا جنة ولا نار وغيره، وألقي في قلوبهم طول ~~الأعمار وبلوغ الآمال من الدنيا والآخرة بالرحمة والحنو والإحسان ونحوه مما ~~هو سبب للتسويف بالتوبة {ولآمرنهم فليبتكن} أي: يقطعن {آذان الأنعام} كما ~~كانت العرب تفعله بالبحائر والسوائب التي حرموها على أنفسهم كانوا يشقون ~~آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، وجاء الخامس ذكرا حرموا على أنفسهم ~~الانتفاع بها {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} أي: فطرة الله التي هي دين ~~الإسلام بالكفر وإحلال ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، ويدخل في ذلك ~~اللواط والسحر والوشم، وهو أن يغرز الجلد بإبرة ويحشى بنحو نيلة، والوشر ~~وهو أن تحد المرأة أسنانها وترققها ونحو ذلك، وكالخصاء وهو حرام في بني ~~آدم، قال الزمخشري: وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم؛ ~~لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم، وأما في البهائم فيجوز في المأكول الصغير ~~ويحرم في غيره. # وقيل للحسن رحمه الله تعالى: إن عكرمة يقول: المراد هنا هو الخصاء فقال: ~~كذب عكرمة هو دين الله وعن ابن مسعود هو الوشم {ومن يتخذ الشيطان وليا} أي: ~~يتولاه ويطيعه {من دون الله} أي: غيره {فقد خسر خسرانا مبينا} بينا لمصيره ~~إلى النار المؤبدة عليه. # {يعدهم} ما لا ينجزه بأن يخيل إليهم بما يصل إلى قلوبهم بالوسوسة في شيء ~~من الأباطيل، إنه قريب الحصول فيسعون في تحصيله فيضيع عليهم في ذلك الزمان ms0559 ~~ويرتكبوا ما لا يحل من الأهوال والهوان {ويمنيهم} نيل الآمال في الدنيا ولا ~~بعث ولا جزاء {وما} أي: والحال إنه ما {يعدهم الشيطان} بذلك {إلا غرورا} ~~أي: باطلا، وهو إظهار النفع فيما فيه الضر وهذا الوعد إما بالخواطر أو ~~بلسان أوليائه. # {أولئك} أي: الشيطان وأولياؤه {مأواهم} أي: مقرهم {جهنم} يحترقون فيها ~~{ولا يجدون عنها محيصا} أي: معدلا ومهربا. # ولما ذكر ما للكافر # PageV01P333 # ترهيبا اتبعه ما لغيرهم ترغيبا فقال: # {والذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان {وعملوا الصالحات} أي: الطاعات تصديقا ~~لإقرارهم {سندخلهم} بوعد لا خلف فيه {جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: لري ~~أرضها فحيثما أجرى منها نهر جرى {خالدين فيها} ولما كان الخلود يطلق على ~~المكث الطويل دفع ذلك بقوله تعالى: {أبدا} أي: لا إلى آخر {وعد الله حقا} ~~أي: وعدهم الله ذلك وهو قوله تعالى: سندخلهم وحقه حقا {ومن} أي: لا أحد ~~{أصدق من الله قيلا} أي: قولا، وأكثر سبحانه وتعالى من التأكيد هنا؛ لأنه ~~في مقابلة وعد الشيطان، ووعد الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس، ~~فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد. # ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فقال أهل ~~الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال ~~المسلمون: نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب وقد آمنا بكتابكم ~~ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى. # {ليس} أي: الأمر منوطا {بأمانيكم} أيها المسلمون {ولا أماني أهل الكتاب} ~~بل بالإيمان والعمل الصالح {من يعمل سوأ يجز به} قال ابن عباس لما نزلت هذه ~~شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله أينا لم يعمل سوأ غيرك فكيف الجزاء؟ ~~قال: منه ما يكون في الدنيا أي: بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث: «فمن ~~يعمل حسنة فله عشر أمثالها ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقي له ~~تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره» وأما ما كان جزاء في الآخرة فيقابل ~~بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل فيعطي الجزاء ~~في الجنة فيؤتي ms0560 كل ذي فضل فضله، وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: كنت ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه {من يعمل سوأ يجز به} {ولا ~~يجد له من دون الله} أي: غيره {وليا} أي: يحفظه {ولا نصيرا} أي: يمنعه منه ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت علي؟» ~~قلت: بلى يا رسول الله قال: فأقرأنيها قال: ولا أعلم أني قد وجدت انفصاما ~~في ظهري حتى تمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك يا أبا بكر ~~فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءا وإنا لمجزيون بكل سوء ~~عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما أنت يا أبا بكر وأصحابك ~~المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا» أي: بالبلاء والمحن كما مر حتى تلقوا الله ~~وليس لكم ذنوب، «وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة» . # {ومن يعمل} شيئا {من الصالحات} فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفا ~~بها وقوله تعالى: {من ذكر أو أنثى} في موضع الحال من المستكن في يعمل ومن ~~للبيان أو من الصالحات أي: كائنة من ذكر أو أنثى ومن للابتداء وقوله تعالى: ~~{وهو مؤمن} حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيها على ~~أنه لا اعتداد بالعمل الصالح دون اقتران بها {فأولئك} أي: العالو الرتبة ~~{يدخلون} أي: ندخلهم {الجنة} أي: الموصوفة {ولا يظلمون نقيرا} قدر نقرة ~~النواة من ثواب أعمالهم وإن لم ينقص ثواب المطيع فبالحرى أن لا يزاد عقاب ~~العاصي؛ لأن المجازي هو أرحم الراحمين، ولذلك اقتصر على ذكره عقب الثواب، ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء وفتح الخاء، والباقون بفتح الياء ~~وضم الخاء. # {ومن} أي: لا أحد {أحسن دينا ممن أسلم وجهه} # PageV01P334 # أي: انقاد وأخلص عمله {} فلا حركة ولا سكون إلا فيما يرضاه، وفي هذا ~~الاستفهام تنبيه على أن ذلك منتهى ما تبلغه القوة البشرية {وهو} أي: والحال ~~أنه {محسن} أي: ms0561 مؤمن مراقب آت بالحسنات تارك للسيآت، لأنه يعبد الله كأنه ~~يراه، وقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلا وفرعا مع الترغيب ~~بالمدح الكامل لمتبعه وإفهام الذم الكامل لغيره {واتبع ملة إبراهيم} أي: ~~الموافقة لملة الإسلام وقوله تعالى: {حنيفا} حال أي: مائلا عن الأديان كلها ~~إلى الدين القيم {واتخذ إبراهيم خليلا} أي: صفيا خالص المحبة له، وإنما ~~أعاد ذكره، ولم يضمره تفخيما له، وتنصيصا على أنه الممدوح، والخلة من ~~الخلال فإنه ود تخلل النفس وخالطها، قال الزجاج: الخليل الذي ليس في محبته ~~خلل، والخلة الصداقة فسمي خليلا؛ لأن الله تعالى أحبه واصطفاه. # روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يسمى أبا الضيفان وكان منزله على ~~ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس فأصاب الناس سنة فحشروا إلى باب إبراهيم ~~يطلبون الطعام وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر فبعث غلمانه بالإبل ~~إلى الخليل الذي بمصر فقال خليله لغلمانه: لو كان إبراهيم يريده لنفسه ~~لفعلت ولكن يريده للأضياف وقد أصباننا ما أصاب الناس من الشدة، فرجع غلمانه ~~فمروا ببطحاء أي: بأرض ذات حصى فقالوا: لو أنا حملنا من هذه البطحاء ليرى ~~الناس أنا قد جئنا بميرة فإنا نستحيي أن نمر بهم وإبلنا فارغة فملؤا تلك ~~الغرائر ثم أتوا إبراهيم فلما أخبروه بذلك وسارة نائمة ساءه الخبر فغلبته ~~عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار فقالت: سبحان الله ما جاء ~~الغلمان قالوا: بلى فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هو أجود حواري أي: وهو ~~بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء، الدقيق الذي نخل مرة بعد أخرى، ~~فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم فوجد رائحة الخبز ~~فقال: من أين هذا لكم؟ فقالت: من خليلك المصري فقال: بل من عند خليلي الله ~~عز وجل، فسماه الله خليلا. # {وما في السموات وما في الأرض} خلقا وملكا يفعل فيهما ما يشاء {وكان الله ~~بكل شيء محيطا} علما وقدرة أي: ولم يزل متصفا بذلك فمهما أراد كان في وعد ~~وعيد للمطيع والعاصي ms0562 لا يخفى عليه أحد منهم ولا يعجزه شيء. # {ويستفتونك} أي: يطلبون منك الفتوى {في} شأن {النساء} أي: في شأن اليتامى ~~{قل الله يفتيكم} أي: يبين لكم حكمه {فيهن} والإفتاء تبيين المبهم {و} ~~يفتيكم أيضا في {ما يتلى عليكم في الكتاب} أي: القرآن من آية الميراث {في ~~يتامى النساء} أي: في شأن اليتامى {اللاتي لاتؤتونهن ما كتب} أي: فرض {لهن} ~~أي: من الميراث {وترغبون} أيها الأولياء {أن} أي: في أن أو عن أن {تنكحوهن} ~~لجمالهن أو دمامتهن، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: هي اليتيمة تكون في ~~حجر الرجل وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من سنة ~~صداقها وإن كانت مرغوبا عنها في قلة المال والجمال تركها. # وفي رواية: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب عنها أن ~~يتزوجها لدمامتها، ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها حتى ~~تموت فيرثها، فنهاهم الله تعالى عن ذلك {و} يفتيكم في {المستضعفين} أي: ~~الصغار {من الولدان} أي: أن تعطوهم حقوقهم؛ لأن العرب كانوا لا يورثونهم ~~كما لا يورثون النساء # PageV01P335 # وقوله تعالى: {وأن تقوموا} في محل نصب بإضمار فعل أي: ويأمركم أن تقوموا ~~{لليتامى} بالقسط أي: العدل من الميراث وغيره، والخطاب للأئمة في أن ينظروا ~~لهم ويستوفوا حقهم أو للقوام بالنصفة في شأنهم {وما تفعلوا من خير} أي: في ~~ذلك أو غيره {فإن الله كان به عليما} أي: فيجازيكم عليه فإنه أكرم الأكرمين ~~فطيبوا نفسا وقروا عينا، قال سعيد بن جبير: كان رجل له امرأة قد كبرت وله ~~منها أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوج غيرها فقالت له: لا تطلقني ودعني على ~~ولدي واقسم لي من كل شهرين إن شئت وإن شئت فلا تقسم لي فقال: إن كان يصلح ~~ذلك فهو أحب إلي فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى. # {وإن امرأة} مرفوع بفعل يفسره {خافت} أي: توقعت {من بعلها} أي: زوجها ~~{نشوزا} أي: تجافيا عنها وترفعا عن صحبتها كراهة لها ومنعا ms0563 لحقوقها {أو ~~إعراضا} بأن يقل محادثتها ومجالستها {فلا جناح عليهما} أي: الزوج والزوجة ~~{أن يصلحا بينهما صلحا} أي: في القسم # PageV01P336 # والنفقة وهو أن يقول الزوج لها: إنك قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوج ~~امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في القسم ليلا ونهارا فإن رضيتي بهذا فأقيمي ~~وإن كرهت خليت سبيلك، فإن رضيت كانت هي المحسنة، ولا تجبر على ذلك وإن لم ~~ترض بدون حقها كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم والنفقة، أو يسرحها ~~بإحسان، فإن أمسكها ووفاها حقها مع كراهته فهو المحسن، وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي بضم الياء وسكون الصاد ولا ألف من أصلح بين المتنازعين، والباقون ~~بفتح الياء وفتح الصاد مع التشديد وألف بعدها وفتح اللام وفيه إدغام التاء ~~في الأصل في الصاد، وغلظ ورش اللام من يصالحا بخلاف عنه {والصلح} بأن يترك ~~كل منهما حقه أو بعض حقه {خير} من الفرقة والنشوز والإعراض. # كما «يروى أن سودة كانت امرأة كبيرة أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يفارقها فقالت: لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في نسائك وقد جعلت نوبتي لعائشة ~~فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» ~~ثم بين سبحانه وتعالى ما جبل عليه الإنسان بقوله: {وأحضرت الأنفس الشح} أي: ~~جبلت عليه فكأنها حاضرة لا تغيب عنه، فلا تكاد المرأة تسمح بالإعراض عنها ~~والتقصير في حقها ولا بنفسه بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما بنبغي إذ الزوج ~~لا يكاد يسمح بنفسه إذا كرهها وخصوصا إذا أحب غيرها، والشح أقبح البخل ~~وحقيقته الحرص على منع الخير {وإن تحسنوا} أي: في عشرة النساء وإن كنتم ~~كارهين {وتتقوا} أي: النشوز والإعراض ونقص الحق {فإن الله كان} أزلا وأبدا ~~{بما تعملون} أي: من الإحسان والخصومة {خبيرا} أي: عليما به وبالغرض منه ~~فيجازيكم عليه. # {ولن تستطيعوا} أي: توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة {إن تعدلوا} أي: ~~تسووا بين {النساء} أي: في المحبة؛ لأن العدل أن لا يقع ميل البتة وهو ~~متعذر، ولذلك ms0564 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ~~ويقول: «هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» رواه أبو داود ~~وغيره وصححه الحاكم {ولو حرصتم} على تحري ذلك وبالغتم فيه {فلا تميلوا} أي: ~~إلى التي تحبونها {كل الميل} في القسم والنفقة فإن ما لا يدرك كله لا يترك ~~كله {فتذروها} أي: تتركوا المرأة الممال عنها {كالمعلقة} أي: التي لا هي ~~أيم ولا ذات بعل. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «من كان له امرأتان يميل إلى إحداهما جاء ~~يوم القيامة وإحدى شقيه مائل» رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم. # وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمال فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إلى كل أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث عمر مثل هذا قالوا: لا بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهن ~~بغيره فقالت: ارفع رأسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا ~~في القسمة بماله ونفسه فرجع الرسول فأخبره فأتم لهن جميعا، وكان لمعاذ رضي ~~الله تعالى عنه امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ~~فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد {وإن تصلحوا} أي: ما كنتم تفسدون من ~~أمورهن {وتتقوا} فيما يستقبل {فإن الله كان غفورا} أي: لما في قلوبكم من ~~الميل {رحيما} بكم في ذلك وغيره فإنه أرحم الراحمين. # {وإن يتفرقا} أي: يفترق كل من الزوجين من صاحبه بالطلاق {يغن الله كلا} ~~منهما عن الآخر ببدل بأن يرزقها زوجا ويرزقه غيرها أو سلوا {من سعته} أي: ~~من فضله وكرمه {وكان الله واسعا} أي: واسع الفضل والرحمة بخلقه {حكيما} أي: ~~فيما دبره لهم، وفي قوله تعالى: # {وما في السموات وما في الأرض} أي: ملكا وعبيدا تنبيه على كمال سعته ~~وقدرته {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب} أي: جنس الكتب {من قبلكم} أي: ~~اليهود والنصارى ومن قبلهم وقوله تعالى: {وإياكم} عطف على الذين وهو خطاب ~~لأهل القرآن {أن اتقوا ms0565 الله} أي: بأن اتقوا الله أي: خافوا عقابه بأن ~~تطيعوه، وقوله تعالى: {وإن تكفروا} أي: بما وصيتم به {فإن ما في السموات ~~وما في الأرض} على إرادة القول. قال التفتازاني: لأن الجملة الشرطية لا تصح ~~أن تقع بعد أن المصدرية فلا يصح عطفها على الواقع بعدها أي: وقلنا لهم ولكم ~~إن تكفروا فإن الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفع ~~بشكركم وتقواكم وإنما يوصيكم لرحمته لا لحاجته. ثم قرر ذلك بقوله تعالى: ~~{وكان الله غنيا} عن الخلق وعبادتهم {حميدا} في ذاته حمد أو لم يحمد. # {وما في السموات وما في الأرض وكفى با وكيلا} أي: شهيدا بأن ما فيهما له. # فإن قيل: ما فائدة تكرير لله ما في السموات وما في الأرض؟ أجيب: بأن لكل ~~واحدة منها وجها أما الأول: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وهو ~~يوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيته، وأما الثاني: فمعناه لله ما في السموات وما ~~في الأرض وكان الله غنيا حميدا أي: هو الغني المطلق فاطلبوا منه ما تطلبون ~~فإنه لا ينفد ما عنده، وأما الثالث: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض ~~وكفى بالله وكيلا ولا تتوكلوا على غيره فذكرت كل مرة دليلا على شيء غير ~~الذي قبله، وكررت؛ لأن الدليل الواحد إذا كان دالا على مدلولات يحسن أن ~~يستدل به على كل واحد منها وإعادته مع كل واحد أولى من الاكتفاء بذكره مرة ~~واحدة؛ لأن إعادته تحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول فيكون العلم ~~الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل، وفي ختم كل جملة بصفة من الصفات الحسنى ~~تنبيه الذهن بها إلى أن هذا الدليل محتو على أسرار شريفة ومطالب جليلة لا ~~تنحصر، # PageV01P337 # فيجتهد السامع في التفكر لإظهار الأسرار والاستدلال على صفات الكمال؛ لأن ~~الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى ~~الاستغراق في معرفته سبحانه وتعالى، وهذا التكرير مما يفيد حصول هذا ~~المطلوب ويؤكده. # {إن يشأ يذهبكم} أي: يفنكم {أيها الناس} ms0566 كما أوجدكم {ويأت بآخرين} أي: ~~ويوجد قوما آخرين مكانكم أو خلقا آخرين مكان الإنس {وكان الله على ذلك} أي: ~~الإعدام والإيجاد {قديرا} أي: بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده. وقيل: ~~هذا خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب إن يشأ ~~يمتكم ويأت بناس آخرين يوالونه. # وروي أنه لما نزلت {إن يشأ يذهبكم} الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ظهر سلمان وقال: «إنهم قوم هذا» أي: سلمان وهم بنو فارس. # {من كان يريد ثواب الدنيا} الخسيسة الفانية كالمجاهد يجاهد للغنيمة لقصور ~~نظره على الخسيس الحاضر مع خسته كالبهائم {فعند الله ثواب الدنيا} الخسيسة ~~الفانية {والآخرة} النفيسة الباقية لا عند غيره فما له يطلب الخسيس ~~فليطلبهما منه كمن يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أو ~~ليطلب الأشرف منهما فإن من غلب همته فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه جمع له ~~سبحانه وتعالى بينهما كمن يجاهد لله خالصا يجمع له بين الآخرة والمغنم ~~{وكان الله سميعا} أي: بالغ السمع لكل قول وإن خفي {بصيرا} أي: بالغ البصر ~~لكل ما يبصر وإن خفي. # أي: قائمين قياما بليغا مواظبا عليه مجتهدا فيه {بالقسط} أي: بالعدل ~~{شهداء} بالحق أي: تقيمون شهادتكم لوجه الله {ولو} كانت الشهادة {على ~~أنفسكم} فاشهدوا عليها بأن تقروا بالحق ولا تكتموه {أو الوالدين والأقربين} ~~أي: ولو كانت الشهادة على والديكم وأقاربكم {إن يكن} أي: المشهود عليه ~~{غنيا} فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلبا لرضاه {أو فقيرا} فلا تمنع ترحما ~~عليه {فا أولى بهما} أي: الغني والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة ~~لهما أو عليهما صلاحا لما شرعها. # تنبيه: الضمير في (بهما) راجع إلى ما دل عليه المذكور وهو جنس الغني ~~والفقير لا إليهما وإلا لوحد الضمير لكون العطف بأو، فكأنه قال: فالله أولى ~~بجنس الغني والفقير أي: بالأغنياء والفقراء {فلا تتبعوا الهوى} أي: في ~~شهادتكم بأن تحابوا الغني لرضاه أو الفقير رحمة له {أن تعدلوا} أي: إرادة ~~أن تعدلوا ms0567 فقد بان لكم أن لا عدل في ذلك، أو لئلا تعدلوا أي: تميلوا عن ~~الحق {وإن تلووا} أي: ألسنتكم لتحرفوا الشهادة {أو تعرضوا} أي: عن أدائها ~~{فإن الله كان بما تعملون خبيرا} فيجازيكم به. وقرأ ابن عامر وحمزة بضم ~~اللام وحذف الواو الأولى، والباقون بسكون اللام وواوين الأولى مضمومة. # {يأيها الذين آمنوا آمنوا} أي: داوموا على الإيمان {با ورسوله والكتاب ~~الذي نزل على رسوله} محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن {والكتاب الذي ~~أنزل من قبل} على الرسل بمعنى الكتب أي: آمنوا بجميع كتب الله المنزلة ~~وقيل: إن الخطاب في ذلك لأهل الكتاب. # روي أن ابن سلام وأصحابه قالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى ~~والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «بل ~~آمنوا بالله ورسوله محمد والقرآن وبكل كتاب كان قبله» فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # PageV01P338 # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم النون من (نزل) ، وضم الهمزة من ~~(أنزل) وكسر الزاي فيهما، والباقون بفتح النون والهمزة وفتح الزاي فيهما ~~{ومن يكفر با وملائكته وكتبه} التي أنزل على أنبيائه {ورسله} أي: من ~~الملائكة والبشر {واليوم الآخر} أي: الذي أخبرت به رسله وهو يوم القيامة ~~أي: ومن يكفر بشيء من ذلك {فقد ضل ضلالا بعيدا} عن الحق بحيث لا يكاد يعود ~~إليه، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار دال قد عند الضاد والباقون ~~بالإدغام. # {إن الذين آمنوا} أي: بموسى وهم اليهود {ثم كفروا} حين عبدوا العجل {ثم ~~آمنوا} بعد عود موسى إليهم {ثم كفروا} بعيسى {ثم ازدادوا كفرا} بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم {لم يكن الله ليغفر لهم} أي: ما داموا على هذه الحالة؛ لأنه ~~لا يغفر أن يشرك به {ولا ليهديهم سبيلا} أي: طريقا إلى الحق {بشر ~~المنافقين} يا محمد {بأن لهم عذابا أليما} أي: مؤلما هو النار. # تنبيه: وضع بشر مكان أنذر تهكما بهم، وقوله تعالى: # {الذين} بدل أو نعت للمنافقين {يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} ~~لما يتوهمون فيهم ms0568 من القوة وقوله تعالى: {أيبتغون} أي: أيطلبون {عندهم ~~العزة} استفهام إنكاري أي: لا يجدونها عندهم {فإن العزة جميعا} في الدنيا ~~والآخرة ولا ينالهما إلا أولياؤه قال الله تعالى: {والعزة ولرسوله ~~وللمؤمنين} (المنافقون، 8) . # {وقد} أي: تتخذونهم والحال أنه قد {نزل عليكم} أي: أيتها الأمة الصادقين ~~منكم والمنافقين {في الكتاب} أي: القرآن في سورة الأنعام النازلة بمكة ~~المشرفة النهي عن مجالستهم فضلا عن ولايتهم {أن} أي: إنه فهي مخففة واسمها ~~محذوف {إذا سمعتم آيات الله} أي: القرآن {يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم} أي: الكافرين والمستهزئين {حتى يخوضوا في حديث غيره} أي: حتى يأخذوا ~~في حديث غير ذلك، قال الضحاك عن ابن عباس: دخل في هذه الآية كل محدث في ~~الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة، وقرأ عاصم: (نزل) بفتح النون والزاي، ~~والباقون بضم النون وكسر الزاي {إنكم إذا} أي: إن قعدتم معهم {مثلهم} أي: ~~في الإثم؛ لأنكم قادرون على الإعراض عنهم والإنكار عليهم أو الكفر إن رضيتم ~~به، وقيل: كان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون ~~فقيل لهم: إنكم إذا مثل الأحبار في الكفر، ويدل عليه قوله تعالى: {إن الله ~~جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} أي: القاعدين والمقعود معهم كما ~~اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء، وقوله تعالى: # {الذين} إما بدل من الذين قبله، وإما صفة للمنافقين، وإما نصب على الذم ~~منهم {يتربصون} أي: ينتظرون وقوع أمر {بكم فإن كان لكم فتح من الله} أي: ~~ظفر وغنيمة {قالوا} لكم {ألم نكن معكم} أي: في الدين والجهاد فاجعلوا لنا ~~نصيبا من الغنيمة {وإن كان للكافرين نصيب} أي: من الظفر، فإن الحرب سجال، ~~وعبر بنصيب تحقيرا لظفرهم بالنسبة لما حصل للمسلمين من الفتح {قالوا} لهم ~~{ألم تستحوذ} أي: نستول {عليكم} ونقدر على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم ~~{ونمنعكم من المؤمنين} أي: من تسلطهم عليكم بما كنا نخادعهم به ونشيع فيهم ~~من الإرجافات والأمور المرعبات الصارفة لهم عن كثير من المقاصد لتصديقهم ~~لنا لإظهارنا الإيمان، ومراد المنافقين بذلك إظهار المنة ms0569 على الكافرين {فا ~~يحكم بينكم} وبينهم {يوم القيامة} بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار {ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} أي: طريقا بالاستئصال، واحتج ~~أصحابنا بهذه الآية عدلى فساد شراء الكافر العبد المسلم. # {إن المنافقين يخادعون الله} أي: بإظهارهم خلاف ما يبطنونه من الكفر ~~ليدفعوا عنهم أحكامهم الدنيوية {وهو خادعهم} أي: مجازيهم على خداعهم ~~فيفضحهم في الدنيا باطلاع نبيه على ما أبطنوه ويعاقبهم في الآخرة {وإذا ~~قاموا إلى الصلاة} مع المؤمنين {قاموا كسالى} أي: متثاقلين كالمكرهين على ~~الفعل {يراؤن الناس} بصلاتهم ليظنوهم مؤمنين {ولا يذكرون الله} أي: ولا ~~يصلون {إلا قليلا} أي: حين يتعين ذلك طريقا لمخادعتهم ولا يصلون غائبين قط ~~عن عيون الناس وما يجهرون به أيضا إلا قليلا؛ لأنهم ما وجدوا مندوحة عن ~~تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه ويجوز أن يراد بالقلة العدم. # فإن قيل: أما معنى المراآة وهي مفاعلة من الرؤية؟ أجيب: بأن المرائي ~~يريهم عمله وهم يرون استحسانه، وقوله تعالى: # {مذبذبين} حال من واو يراؤن أي: مترددين {بين ذلك} أي: الكفر والإيمان ~~{لا} منسوبين {إلى هؤلاء} أي: الكفار {ولا إلى هؤلاء} أي: المؤمنين {ومن ~~يضلل الله} أي: يضله {فلن تجد له سبيلا} أي: طريقا إلى الهدى ونظيره قوله ~~تعالى: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} (النور، 40) # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين} أي: المجاهرين بالكفر {أولياء من ~~دون المؤمنين} فإنه صنيع المنافقين وديدنهم فلا تتشبهوا بهم {أتريدون أن ~~تجعلوا عليكم} أي: بموالاتهم {سلطانا} أي: دليلا على كفركم باتباعهم غير ~~سبيل المؤمنين {مبينا} أي: واضحا على نفاقكم. # {إن المنافقين في الدرك} أي: البطن {الأسفل من النار} أي: لأن ذلك أخفى ~~ما في النار وأستره وأخبثه كما أن كفرهم أخفى الكفر وأخبثه وأستره وسميت ~~طبقات النار دركات؛ لأنها متداركة متتابعة إلى أسفل كما إن الدرج متراقية ~~إلى فوق. # فإن قيل: لم كان المنافق أشد عذابا من الكافر؟ أجيب: بأنه مثله في الكفر ~~وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ms0570 بسكون ~~الراء والباقون بفتحها {ولن تجد لهم نصيرا} أي: مانعا يمنعهم من عذاب الله ~~تعالى فيخرجهم {إلا الذين تابوا} أي: رجعوا عما كانوا عليه من النفاق ~~{وأصلحوا} أي: أعمالهم {واعتصموا} أي: وثقوا {با وأخلصوا دينهم} من الرياء ~~فلا يريدون بطاعتهم إلا وجهه تعالى {فأولئك مع المؤمنين} في الجنة {وسوف ~~يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} فيشاركونهم ويساهمونهم. # فإن قيل: من المنافق؟ أجيب: بأنه في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن ~~الكفر، وأما تسمية من ارتكب ما يفسق به منافقا فللتغليظ كقوله صلى الله ~~عليه وسلم «من ترك الصلاة متعمدا فهو كافر» ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ~~«ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب ~~وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» وقيل لحذيفة رضي الله تعالى عنه: من ~~المنافق؟ قال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به، وقيل لابن عمر رضي الله تعالى ~~عنهما: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه فقال: كنا ~~نعده من النفاق. # فائدة: اتفق كتاب المصاحف على حذف الياء من {يؤت الله} ولا سبب لحذفها. # {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم} نعماءه {وآمنتم به} أي: لينفي به غيظا ~~أو يدفع ضرا # PageV01P339 # أو يستجلب به نفعا، وهو الغني المطلق المتعالي عن النفع والضر، ~~والاستفهام بمعنى النفي أي: لا يعذبكم. # فإن قيل: لم قدم الشكر على الإيمان مع أنه لا ينفع مع عدم الإيمان؟ أجيب: ~~بأن الناظر يدرك النعمة أولا فيشكر شكرا مبهما فإذا انتهى إلى معرفة المنعم ~~آمن به، ثم شكر شكرا مفصلا، فكان الشكر متقدما على الإيمان، وكأنه أصل ~~التكليف ومداره فيؤمن به، والشكر ضد الكفر، فالكفر ستر النعمة، والشكر ~~إظهارها {وكان الله شاكرا} لأعمال المؤمنين بالإثابة يقبل اليسير ويعطي ~~الجزيل {عليما} بخلقه. # {لا يحب الله الجهر بالسوء} أي: القبيح {من القول} من أحد أي: يعاقب عليه ~~{إلا من} أي: جهر من {ظلم} وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما هو فيه من ~~السوء فلا يؤاخذ به قال الله ms0571 تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم ~~من سبيل} (الشورى، 41) # قال الحسن البصري: دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعني عليه اللهم استخرج حقي ~~منه، وقيل: إن شئتم أجاز له أن يشتم بمثله لا يزيد عليه، وقال مجاهد: هذا ~~في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله أن يشكو ويذكر ما ~~صنع به. # روي أن رجلا أضاف قوما أي: نزل بهم ضيفا فلم يطعموه فأصبح شاكيا فعوتب ~~على الشكاية فنزلت، وعن عقبة بن عامر قال: قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا ~~فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن ~~نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم ~~حق الضيف الذي ينبغي لهم» {وكان الله سميعا} لكل ما يقال ومنه دعاء المظلوم ~~{عليما} بكل ما يفعل ومنه فعل الظالم. # {إن تبدوا} أي: تظهروا {خيرا} من أعمال البر {أو تخفوه} أي: تعملوه سرا ~~{أو تعفوا عن سوء} أي: عن مظلمة {فإن الله كان} أي: دائما أزلا وأبدا {عفوا ~~قديرا} أي: يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى ~~بذلك وهو حث للمظلوم على تمهيد العفو بعدما رخص له في الانتصار حملا على ~~مكارم الأخلاق وقوله تعالى: # {إن الذين يكفرون با ورسله} نزل في اليهود وذلك أنهم آمنوا بموسى ~~والتوراة وعزير وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ~~{ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله ~~{ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} أي: نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم ~~{ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} أي: طريقا وسطا بين اليهودية والإسلام، ~~ولا واسطة إذ الحق لا يختلف، فإن الإيمان بالله إنما يتم بالإيمان برسله ~~وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلا وإجمالا، والكفر ببعض ذلك كالكافر بالكل في ~~الضلال قال تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (يونس/ 32) .B # {أولئك هم الكافرون} أي: الكاملون في الكفر وقوله تعالى: {حقا} مصدر ~~مؤكدا لمضمون الجملة قبله {وأعتدنا ms0572 للكافرين عذابا مهينا} أي: ذا إهانة وهو ~~عذاب النار. # ولما بين سبحانه وتعالى ما أعده للكافرين بين ما أعده للمؤمنين بقوله ~~تعالى: # {والذين آمنوا با ورسله} كلهم {ولم يفرقوا بين أحد منهم} بأن كفروا ببعض ~~وآمنوا ببعض كما فعل الأشقياء منهم وإنما أدخل بين على أحد وهو يقتضي ~~متعددا لعمومه من حيث إنه وقع في سياق النفي {أولئك} أي: العالو الرتبة في ~~رتب السعادة {سوف نؤتيهم} بوعد لا خلف فيه وإن تأخر {أجورهم} الموعودة لهم ~~بإيمانهم بالله وكتبه ورسله، وقرأ حفص بالياء على الغيبة، والباقون # PageV01P341 # بالنون {وكان الله غفورا} لما يريد من الزلات {رحيما} أي: لمن يريد ~~إسعاده بالجنات، ونزل لما قال أحبار اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم إن ~~كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى. # {يسئلك} يا محمد {أهل الكتاب} أي: أحبار اليهود {أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء} جملة كما أنزل على موسى وقيل: كتابا محرزا أي: مجلدا مصونا بخط ~~سماوي على ألواح كما كانت التوراة، وقيل: كتابا نعاينه حين ينزل أو كتابا ~~إلينا بأعياننا بأنك رسول الله قالوا ذلك تعنتا، قال الحسن: لو سألوا لكي ~~يتبينوا الحق لأعطاهم وفيما آتاهم كفاية. وقوله تعالى: {فقد سألوا} أي: ~~آباؤهم {موسى} جواب شرط مقدر معناه: إنك إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا ~~موسى {أكبر} أي: أعظم {من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} أي: عيانا وإنما أسند ~~السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى عليه الصلاة والسلام وهم ~~النقباء السبعون؛ لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في ~~التعنت {فأخذتهم الصاعقة} أي: عقب هذا السؤال، وهي نار جاءت من السماء ~~فأهلكتهم {بظلمهم} أي: بسببه وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك الحال ~~التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقا {ثم} بعد العفو عنهم ~~وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة {اتخذوا العجل} أي: تكلفوا أخذه وجعلوه إلها ~~{من بعدما جاءتهم البينات} المعجزات على وحدانية الله تعالى، وليس المراد ~~التوراة؛ لأنها لم تأتهم ms0573 فيما مضى بل أتتهم بعد {فعفونا عن ذلك} أي: الذنب ~~العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصالهم {وآتينا موسى سلطانا} تسليطا ~~واستيلاء {مبينا} أي: ظاهرا، فإنه أمرهم بقتل أنفسهم توبة من عبادة العجل ~~فبادروا إلى الامتثال. # {ورفعنا فوقهم الطور} أي: الجبل العظيم {بميثاقهم} أي: بسبب أخذ الميثاق ~~عليهم ليخافوا فيقبلوه {وقلنا لهم} على لسان موسى صلى الله عليه وسلم ~~والطور مظلل عليهم {ادخلوا الباب} أي: الذي لبيت المقدس {سجدا} أي: سجود ~~انحناء {وقلنا لهم} أي: على لسان داود {لا تعدوا} أي: لا تتجاوزوا ما ~~حددناه لكم {في السبت} أي: لا تعملوا فيه عملا من الأعمال تسمية للشيء باسم ~~سببه سمي عدوا؛ لأن العامل للشيء يكون لشدة إقباله عليه كأنه يعدو، ويحتمل ~~أن يكون ذلك على لسان موسى حين ظلل عليهم الجبل، فإنه شرع السبت أي: ترك ~~العمل فيه ولكن كان الاعتداء في السبت، والمسخ به في زمن داود. وقرأ ورش ~~بفتح العين مع تشديد الدال وقرأ قالون باختلاس حركة العين مع تشديد الدال، ~~والباقون بسكون العين وتخفيف الدال، {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} على ذلك ~~وهو قولهم سمعناه وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يقيموا عليه، ثم نقضوه بعد، كما ~~قال تعالى: # أي: فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد، والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي: لعناهم ~~بسبب نقضهم {ميثاقهم وكفرهم بآيات الله} أي: القرآن أو بما في كتابهم ~~{وقتلهم الأنبياء بغير حق} فإنهم معصومون من كل نقيصة ومبرؤن من كل ريبة لا ~~يتوجه عليهم حق {وقولهم قلوبنا غلف} أي: أوعية للعلوم أو في أكنة مما ~~تدعونا إليه فلا نعي كلامك {بل طبع الله} أي: ختم {عليها بكفرهم} فلا تعي ~~وعظا {فلا يؤمنون إلا قليلا} منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه أو إيمانا ~~قليلا لا عبرة به بأن يؤمنوا وقتا يسيرا # PageV01P342 # كوجه النهار ويكفروا في غيره، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، وقوله تعالى: # {وبكفرهم} معطوف على (فبما نقضهم) ويجوز عطفه على (بكفرهم) وقد تكرر منهم ~~الكفر؛ لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فعطف بعض ms0574 ~~كفرهم على بعض وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه {وقولهم على مريم} ~~أي: بعدما ظهر على يديها من الكرامات الدالة على براءتها وإنها ملازمة ~~للعبادة بأنواع الطاعات {بهتانا عظيما} وهو نسبتها إلى الزنا. # فإن قيل: كان مقتضى الظاهر أن يقول: في مريم. أجيب: بأنه ضمن القول معنى ~~الافتراء وهو يتعدى بعلى. # {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله} أي: بمجموع ذلك ~~عذبناهم. # فإن قيل: كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر بن ~~الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم ~~رسول الله؟ أجيب: بأنهم قالوه بزعم عيسى عندهم أو إنهم قالوه على وجه ~~الاستهزاء كقول فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} (الشعراء، 27) # قال الزمخشري: ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في ~~الحكاية عنهم رفعا لعيسى عليه الصلاة والسلام عما كانوا يذكرونه به اه. # قال الله تعالى تكذيبا لهم في قتله {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} ~~أي: المقتول والمصلوب. # روى النسائي عن ابن عباس: «أن رهطا من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم ~~فمسخهم الله قردة وخنازير فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله تعالى بأنه ~~يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى ~~الله عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا فألقى الله ~~عليه شبهه فقتل وصلب» . وقيل: كان رجلا ينافق عيسى أي: يظهر له الإسلام ~~ويخفي الكفر فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه فدخل في بيت عيسى فرفع ~~عيسى عليه الصلاة والسلام، وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه ~~وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. # وقيل: إنهم حبسوا عيسى عليه الصلاة والسلام في بيت وجعلوا عليه رقيبا ~~فألقى الله شبه عيسى على الرقيب فقتلوه، {وإن الذين اختلفوا فيه} أي: في ~~شأن عيسى، فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس، فقال بعض اليهود: إنه ~~كان كاذبا فقتلناه حقا، وتردد آخرون، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى، ms0575 فأين ~~صاحبنا؟ وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وكان الله ألقى شبه ~~وجه عيسى عليه ولم يلق على جسده، وقال: من سمع من عيسى إن الله يرفعني إلى ~~السماء إنه رفعه إلى السماء: وقال قوم: صلب الناسوت أي: الإنسانية وصعد ~~اللاهوت أي: الألوهية {لفي شك منه} أي: من قتله {ما لهم به} أي: بقتله {من ~~علم} وقوله تعالى: {إلا إتباع الظن} استثناء منقطع أي: لكن يتبعون فيه الظن ~~الذي تخيلوه. # فإن قيل: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين ثم وصفوا بالظن ~~والظن أن يترجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟ أجيب: بأن الشك كما يطلق ~~على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد وعلى ما يقابل العلم فيشمل ~~الاعتقاد {وما قتلوه} أي: انتفى قتلهم له انتفاء {يقينا} أي: انتفاؤه على ~~سبيل القطع ويجوز أن يكون حالا من واو قتلوه أي: ما فعلوا القتل متيقنين ~~أنه عيسى عليه الصلاة والسلام بل فعلوه شاكين، فيه والحق إنهم لم يقتلوا ~~إلا الرجل الذي ألقى عليه # PageV01P343 # شبهه. قال البقاعي: والوجه الأول أولى لقوله تعالى: # {بل رفعه الله إليه} أي: إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي، وعن وهب: إنه ~~أوحي إليه وهو ابن ثلاثين سنة ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، فكانت رسالته ~~ثلاث سنين {وكان الله عزيزا} أي: في ملكه لا يغلب عما يريد {حكيما} في صنعه ~~لا يطمع أحد في نقص شيء منه. # {وإن من أهل الكتاب} أي: وما من أهل الكتاب أحد {إلا ليؤمنن به} أي: ~~بعيسى عليه الصلاة والسلام هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم {قبل موته} ~~اختلف في عود هذا الضمير، فقال عكرمة ومجاهد والضحاك: يعود للكتابي أي: إن ~~الكتابي يؤمن بعيسى حين يعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه سواء احترق أو ~~غرق أو تردى أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة، فقيل لابن عباس: ~~أرأيت من خر من فوق بيت؟ فقال: يتكلم به في الهوي، فقيل: أرأيت إن ضرب عنق ms0576 ~~أحدهم؟ قال: يتلجلج بها لسانه، وذهب قوم إلى عود الضمير إلى عيسى أي: وما ~~من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء في ~~آخر الزمان، فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة ملة الإسلام. # روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«يوشك أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكما عدلا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ~~ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا ~~الإسلام، ويقتل الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه ~~المسلمون» . # قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب} الآية ثم أعادها أبو ~~هريرة ثلاث مرات ولا يعارض هذا ما في مسلم في قصة الدجال إن الله يبعث عيسى ~~بن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين إثنين عداوة؛ ~~لأن قوله: ثم يلبث الناس بعده أي: بعد موته فلا معارضة، أو لأن السبع محمول ~~على مدة إقامته بعد نزوله ويكون ذلك مضافا إلى مكثه فيها قبل رفعه إلى ~~السماء وكان عمره إذ ذاك ثلاثا وثلاثين سنة على المشهور. # وروى عكرمة: إن الهاء في قوله تعالى: {ليؤمنن به} كناية عن محمد صلى الله ~~عليه وسلم يقول: لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل: ~~الهاء راجعة إلى الله عز وجل يقول: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالله عز ~~وجل قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانه {ويوم القيامة يكون} أي: ~~عيسى على القول الأول {عليهم شهيدا} إنه قد بلغهم رسالة ربه وأقر بالعبودية ~~على نفسه كما قال تعالى مخبرا عنه: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} ~~(المائدة/ 117) . وكل نبي شاهد على أمته قال تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} (النساء، 41) . # {فيظلم من الذين هادوا} وهو ما تقدم ذكره من نقضهم الميثاق وبكفرهم بآيات ~~الله وبهتانهم على ms0577 مريم، وقولهم: {إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم} (النساء، ~~157) # {حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} أي: كان وقع إحلالها لهم في التوراة، ثم ~~حرمت عليهم وهي التي في قوله تعالى في سورة الأنعام: {وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر} (الأنعام، 146) # الآية {وبصدهم} أي: الناس {عن سبيل الله} أي: دينه، وقوله تعالى: {كثيرا} ~~صفة مصدر محذوف أي: صدا كثيرا بالإضلال عن الطريق، فمنعوا مستلذات تلك ~~المآكل بما منعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة الإيمان. # {وأخذهم الربا وقد} أي: والحال إنهم قد {نهوا عنه} في التوراة، فكان ~~محرما عليهم كما هو محرم علينا؛ لأنه قبيح في نفسه مزر بصاحبه، وفي الآية ~~دليل على أن النهي # PageV01P344 # للتحريم {وأكلهم أموال الناس بالباطل} أي: من الرشا في الحكم والمآكل أي: ~~التي كانوا يصيبونها من عوامهم عاقبناهم بأن حرمنا عليهم طيبات، فكانوا ~~كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيء من الطيبات التي كانت حلالا لهم قال ~~تعالى: {ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} (الأنعام، 146) # {وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما} أي: مؤلما دون من تاب وآمن. # ولما بين سبحانه وتعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من ~~العقاب بين ما لنيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال: # {لكن الراسخون} أي: الثابتون المتمكنون {في العلم منهم} أي: من أهل ~~الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه {والمؤمنون} أي: من المهاجرين والأنصار ~~{يؤمنون بما أنزل إليك} أي: القرآن {وما أنزل من قبلك} أي: من سائر الكتب ~~المنزلة وقوله تعالى: {والمقيمين الصلاة} نصب على المدح؛ لأن الصلاة لما ~~كانت أعظم دعائم الدين ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر نصبت على المدح ~~من بين هذه المرفوعات إظهارا لفضلها. # وحكي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأبان بن عثمان أن ذلك غلط من الكاتب ~~ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة، وكذلك قوله في سورة المائدة: {إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى} وقوله تعالى: {إن هذان لساحران} ~~(طه، 63) # قالا: ذلك خطأ من الكاتب، وقال عثمان: إن في المصحف لحنا وستقيمه العرب ~~بألسنتها، فقيل له: ms0578 ألا تغيره فقال: دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ~~وعامة الصحابة وأهل العلم على إنه صحيح كما قدمناه، وقيل: نصب بإضمار فعل ~~تقديره: أعني المقيمين الصلاة، وقوله تعالى: {والمؤتون الزكاة والمؤمنون با ~~واليوم الآخر} رجوع إلى النسق الأول {أولئك سنؤتيهم} بوعد لا خلف فيه على ~~جمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح {أجرا عظيما} وهو الجنة والنظر إلى ~~وجهه الكريم، وقوله تعالى: # {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} جواب لأهل الكتاب ~~عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء، ~~واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا، ~~وبدأ بذكر نوح عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه ~~الصلاة والسلام قال الله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} (الصافات، 77) # ؛ ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة وأول نذير على الشرك وأول من عذبت ~~أمته لردهم دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه، وكان أطول الأنبياء عمرا، وجعلت ~~معجزته في نفسه؛ لأنه عمر ألف سنة فلم ينقص له سن ولم يشب له شعرة ولم تنقص ~~له قوة ولم يصبر أحد على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره {و} كما {أوحينا ~~إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق} بني إبراهيم {ويعقوب} بن إسحق {والأسباط} أولاد ~~يعقوب وظاهر هذا أنهم كلهم أنبياء وهو أحد قوليه، والقول الآخر: أن يوسف هو ~~النبي فقط وعلى هذا فالمراد المجموع {وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان ~~وآتينا} أباه {داود زبورا} قرأ حمزة بضم الزاي مصدر بمعنى مزبورا أي: ~~مكتوبا، والباقون بالنصب على إنه إسم للكتاب المؤتى، وكان فيه التحميد ~~والتمجيد والثناء على الله عز وجل. # كان داود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور ويقوم معه علماء بني ~~إسرائيل، فيقومون خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، ويقوم الجن خلف الناس ~~الأعظم فالأعظم، والشياطين خلف الجن، وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن ~~بين # PageV01P345 # يديه تعجبا لما يسمعن منه، والطير ترفرف على رؤوسهم، فلما قارف الذنب لم ~~ير ذلك فقيل ms0579 له: ذاك أنس الطاعة وهذا وحشة المعصية، قال السيوطي في شرح ~~التنبيه: إن الزبور مئة وخمسون سورة ما بين قصار وطوال، والطويلة منها قدر ~~ربع حزب، والقصيرة قدر سورة النصر اه. # وعن أبي موسى قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو رأيتني ~~البارحة وأنا أسمع لقراءتك لقد أعطيت مزمارا من مزامير داود» وكان عمر إذا ~~رآه قال: ذكرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده، وإنما خص هؤلاء بالذكر مع اشتمال ~~النبيين عليهم تعظيما لهم، وقوله تعالى: {ورسلا} أي: غير هؤلاء نصب بمضمر ~~دل عليه أوحينا إليك مثل أرسلنا {قد قصصناهم} أي: تلونا ذكرهم {عليك من ~~قبل} أي: قبل إنزال هذه السورة أو هذه الآية {ورسلا لم نقصصهم عليك} أي: ~~إلى الآن. # روي أنه سبحانه وتعالى بعث ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف من بني إسرائيل ~~وأربعة آلاف من سائر الناس، قاله الجلال المحلي في سورة غافر، وقوله تعالى: ~~{وكلم الله موسى تكليما} هو منتهى مراتب الوحي أي: كلمه على التدريج شيئا ~~فشيئا بحسب المصالح بغير واسطة ملك، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة ~~وبين ما كان بلا واسطة وخص به موسى من بين سائر الأنبياء غير نبينا، وأما ~~نبينا صلى الله عليه وسلم فقد فضله الله بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد ~~منهم وقوله تعالى: # {رسلا} بدل من رسلا قبله {مبشرين} أي: بالثواب من آمن {ومنذرين} أي: ~~مخوفين بالعذاب من كفر وقوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة} متعلق ~~بأرسلنا أو بمبشرين ومنذرين أي: حجة فقال: {بعد} إرسال {الرسل} فيقولوا: ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين، فبعثناهم لقطع ~~عذرهم. # فإن قيل: كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل وهم محجوجون بما نصبه ~~الله تعالى من الأدلة التي النظر فيها يوصل إلى المعرفة؟ أجيب: بأن الرسل ~~ينبهون عن الغفلة وباعثون على النظر في الأدلة فإرسالهم ضروري {وكان الله ~~عزيزا} في ملكه لا يغلب فيما يريده {حكيما} في صنعه. # روي أن سعد ms0580 بن عبادة قال: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتعجبون من غيرة سعد والله ~~لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين ~~والمبشرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد بالجنة» ، قال ~~ابن عباس: إن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ~~إنا سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم، فزعموا أنهم لا يعرفونك، ودخل ~~عليهم جماعة من اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «والله إنكم ~~لتعلمون أني رسول الله» فقالوا: والله ما نعلم ذلك أنزل الله عز وجل: # {لكن الله يشهد} أي: يبين نبوتك {بما أنزل إليك} أي: من القرآن المعجز ~~الدال على نبوتك إن جحدوك وكذبوك {أنزله} متلبسا {بعلمه} الخاص به وهو ~~العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ. # وروي أنه لما نزل {إنا أوحينا إليك} قالوا: ما نشهد لك فنزلت {والملائكة ~~يشهدون} لك أيضا {وكفى با شهيدا} على ذلك بما قام من الحجج على صحة نبوتك ~~عن الاستشهاد بغيره {إن الذين كفروا وصدوا} الناس # PageV01P346 # {عن سبيل الله} أي: دين الإسلام بكتمهم دين محمد صلى الله عليه وسلم وهم ~~اليهود {قد ضلوا ضلالا بعيدا} عن الحق؛ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ~~ولأن المضل يكون أعرق في الضلال وأبعد من الانقلاع عنه. # {إن الذين كفروا} بالله {وظلموا} نبيه بكتمان نعته {لم يكن الله ليغفر ~~لهم} لكفرهم وظلمهم {ولا ليديهم طريقا} من الطرق. # {إلا طريق جهنم} أي: الطريق المؤدي إليها {خالدين} أي: مقدرين الخلود ~~{فيها} إذا دخلوها وأكد ذلك بقوله: {أبدا} لأن الله لا يغفر أن يشرك به ~~{وكان ذلك على الله يسيرا} أي: هينا لا يصعب عليه ولا يستعظمه. # {يأيها الناس قد جاءكم الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم {بالحق من ربكم} ~~لما قرر ms0581 من أمر النبوة وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ووعيد من أنكرها ~~خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعد بالإجابة والوعيد على الرد ~~{فآمنوا} بالله وقوله تعالى: {خيرا لكم} وكذلك قوله تعالى فيما يأتي ~~{انتهوا خيرا لكم} (النساء، 171) # منصوب بمضمر وذلك إنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث ~~علم أنه يحملهم على أمر فقال خيرا لكم أي: اقصدوا أمرا خيرا لكم مما أنتم ~~فيه من الكفر والتثليث، وهو الإيمان والتوحيد، وقيل: تقديره يكن الإيمان ~~خيرا لكم. قال البيضاوي: ومنعه البصريون؛ لأن كان لا يحذف مع اسمه إلا فيما ~~لا بد منه، ولأنه يؤدي إلى حذف الشرط وجوابه اه. # {وإن تكفروا} بالله {فإن ما في السموات والأرض} ملكا وخلقا، فهو غني عنكم ~~فلا يضره كفركم كما لا ينفعه إيمانكم، ونبه على غناه بقوله تعالى: {ما في ~~السموات والأرض} وهو يعم ما اشتملتا عليه وما تركبتا منه {وكان الله عليما} ~~بأحوالكم {حكيما} أي: فيما دبره لهم. # {يا أهل الكتاب لا تغلوا} أي: تجاوزوا الحد {في دينكم} الخطاب للفريقين ~~غلت اليهود في حط عيسى حتى رموه بالزنا، والنصارى في رفعه حتى اتخذوه إلها، ~~وقيل: للنصارى خاصة، والمراد بالكتاب الإنجيل، فإنه أوفق لقوله تعالى: {ولا ~~تقولوا على الله إلا} القول {الحق} أي: من تنزيهه عن الشريك والولد {إنما ~~المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها} أي: أوصلها {إلى مريم} ~~وجعلها فيها {وروح} أي: ذو روح {منه} لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة ~~له، وسمى عيسى كلمة الله وكلمة منه؛ لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير من غير ~~واسطة أب ولا نطفة، وقيل له: روح الله وروح منه؛ لأنه ذو روح وجسد من غير ~~جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحي، وإنما اخترع اختراعا من عند ~~الله وقدرته بأن أمر جبريل، فنفخ في جيب درعها، فحملت به فأضيف إلى الله ~~تعالى تشريفا له، وليس كما زعمتم أنه ابن الله، أو إله معه، أو ثالث ثلاثة؛ ~~لأن الروح مركب، والإله ms0582 منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه. # PageV01P347 ### | سورة المائدة # مدنية # مائة وعشرون آية أو اثنتان أو ثلاث وكلماتها ألفان وثمانمائة وأربع كلمات ~~وحروفها أحد عشر ألفا وسبعمائة وثلاثة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الذي له الأمر كله فلا يسئل عما يفعل {الرحمن} الذي عم بنعمة ~~إيجاده وبيانه فنعمته أتم نعمة وأشمل {الرحيم} الذي خص خلص عباده بتوفيقه ~~وأتم نعمته عليهم وأكمل. # {يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} أي: التي عقدها الله تعالى على عباده ~~وألزمها إياهم من مواجب التكليف وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ~~والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسن إن حملنا الأمر على المشترك ~~بين الوجوب والندب والعقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه قول الحطيئة: # *قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا* # والعناج حبل يشد في أسفل الدلو ثم يشد إلى العراقي ليكون عونا له، والكرب ~~الحبل الذي يشد في وسط العراقي والعرقوتان الخشبتان المعترضتان على الدلو ~~كالصليب وقوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} تفصيل للعقود لأن العقود ~~مجملة فهو شامل لجميع العقود لأن ذلك أمهات التكاليف وجميع ما في هذه ~~السورة من الأحكام تفصيل لذلك. # فائدة: روي عن ابن مسعود قال: أنزل الله تعالى في هذه السورة ثمانية عشر ~~حكما لم ينزلها في غيرها قوله تعالى: {والمنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا ~~بالأزلام} {وما عملتم من الجوارح مكلبين} {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ~~لكم} {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وتمام الطهر في قوله ~~تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} {والسارق والسارقة} {ولا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم} الآية {وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} وقوله ~~تعالى: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} وزيد عليها تاسع عشر وهو قوله ~~تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة} ليس للآذان ذكر في القرآن إلا في هذه ~~السورة وأما في سورة الجمعة فهو مخصوص بالجمعة وهو في هذه السورة عام في ~~جميع الصلوات والبهيمة ms0583 كل حي لا يميز أي: من شأنه أنه لا يميز فلا يدخل في ~~ذلك المجنون ونحوه، والأنعام: الإبل والبقر والغنم وهي الأزواج الثمانية ~~وألحق بها الظباء وبقر الوحش. # تنبيه: إضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان كقولك: ثوب خز ومعناه البهيمة ~~من الأنعام. # فإن قيل: لم أفرد البهيمة وجمع الأنعام؟ أجيب: بإرادة الجنس وقوله تعالى: ~~{إلا ما يتلى عليكم} أي: تحريمه في قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} الآية ~~استثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا والتحريم عرض من الموت ونحوه وقوله ~~تعالى: {غير محلي الصيد} حال من ضمير لكم وقوله تعالى: {وأنتم حرم} مبتدأ ~~وخبر في محل نصب على الحال من الضمير # PageV01P350 # في محل جمع حرام وهو المحرم {إن الله يحكم ما يريد} من تحليل وتحريم ~~وغيرهما على سبيل الإطلاق لا يجب عليه مراعاة مصلحة ولا حكمة كما تقوله ~~المعتزلة، فلا يسئل عن تخصيص ولا تفصيل فما فهمتم حكمته فذاك ومالا فكلوه ~~إليه وارغبوا في أن يلهمكم حكمته. # {يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} جمع شعيرة: وهي اسم ما أشعر أي: ~~جعل شعارا وعلما للنسك من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى ~~والأفعال التي هي علامات الحاج، يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق ~~والنحر، وقيل: معالم دينه، وقيل: فرائضه التي حدها لعباده {ولا} تحلوا ~~{الشهر الحرام} أي: بالقتال فيه قال تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا ~~عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} (التوبة، ~~36) وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فيجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ~~جميع هذه الأشهر كما يطلق اسم الواحد على الجنس لأن الأشهر كلها في الحرمة ~~سواء، ولكن قال الزمخشري: والشهر الحرام شهر الحج {ولا} تحلوا {الهدى} أي: ~~بالتعرض له وهو ما أهدى إلى الحرم من النعم {ولا} تحلوا {القلائد} أي: صاحب ~~القلائد من الهدى، وعبر بها مبالغة في تحريمها أو القلائد أنفسها، والنهي ~~عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرض للهدى، والقلائد جمع قلادة وهي ما ~~قلد به الهدى ms0584 من نعل أو غيره ليعلم به أنه هدى فلا يتعرض له {ولا} تحلوا ~~{آمين} أي: قاصدين {البيت الحرام} لزيارته أي: بأن تقاتلوهم. # {يبتغون فضلا من ربهم} وهو الثواب {ورضوانا} أي: وأن يرضى عنهم والجملة ~~في موضع الحال من المستكن في آمين، أي: لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيما ~~لهم واستنكارا أن يتعرض لمثلهم، وقيل: معناه يبتغون من الله رزقا بالتجارة ~~ورضوانا بزعمهم لأنهم كانوا يظنون ذلك فوصفوا به بناء على ظنهم ولأن الكافر ~~لا نصيب له في الرضوان كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان، ~~49) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان المسلمون والمشركون يحجون ~~جميعا فنهى الله تعالى المسلمين أن يمنعوا أحدا عن حج البيت بقوله تعالى: # {لا تحلوا شعائر الله} فعلى الأول الآية محكمة قال الحسن: ليس في المائدة ~~منسوخ، وعلى الثاني قال البيضاوي: فالآية منسوخة أي: لما فيها من حرمة ~~القتال في الشهر الحرام، ومن حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام والأول ~~منسوخ بقوله تعالى: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة، 5) والثاني ~~بقوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} (التوبة، 28) ~~فقوله: منسوخ منزل على هذا، لكن إذا قلنا بشمول آمين للمسلمين والمشركين ~~إنما يكون النسخ في حق المشركين خاصة وهو في الحقيقة تخصيص لا نسخ ففي ~~تسميته نسخا تسمح، وقرأ شعبة بضم الراء والباقون بالكسر. # {وإذا حللتم} أي: من الإحرام وقوله تعالى: {فاصطادوا} أمر إباحة أباح لهم ~~الاصطياد بعد حظره عليهم كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا ~~كما في قوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} (الجمعة، 10) ~~{ولا يجرمنكم} أي: يحملنكم أو يكسبنكم {شنآن قوم} أي: شدة بغضهم، وقرأ ابن ~~عامر وشعبة بسكون النون بعد الشين والباقون بنصبها وقوله تعالى: {أن صدوكم} ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أن الشرطية والباقون بفتحها أي: ~~لأجل أن صدوكم في عام الحديبية أو غيره # PageV01P351 # {عن المسجد الحرام} وقوله تعالى: {أن تعتدوا} أي: يشتد عدوكم عليهم بأن ~~تنتقموا منهم بالقتل وغيره، ثاني ms0585 مفعولي يجرمنكم فإنه يتعدى إلى واحد وإلى ~~اثنين ككسب {وتعاونوا على البر والتقوى} أي: بفعل ما أمرتم به {ولا ~~تعاونوا} فيه حذف إحدى التاءين في الأصل {على الإثم} أي: المعاصي للتشفي ~~{والعدوان} أي: التعدي في حدود الله للانتقام {واتقوا الله} أي: خافوا ~~عقابه بأن تطيعوه {إن الله شديد العقاب} لمن خالفه فانتقامه أشد. # وقوله تعالى: # {حرمت عليكم الميتة} أي: أكلها بيان ما يتلى عليكم والميتة ما فارقته ~~الروح من غير ذكاة شرعية {والدم} أي: المسفوح قال تعالى: {أو دما مسفوحا} ~~وكان أهل الجاهلية يصبونه في الأمعاء ويشوونها {ولحم الخنزير} قال العلماء: ~~الغذاء يصير جزءا من جوهر المتغذي ولا بد أن يحصل للمتغذي أخلاق وصفات من ~~جنس ما كان حاصلا في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في ~~المنهيات فحرم أكله على الإنسان لئلا يتكيف بتلك الكيفية، ولذلك إن الفرنج ~~لما واظبوا على أكل لحم الخنزير أورثهم الحرص العظيم والرغبة الشديدة في ~~المنهيات، وأورثهم عدم الغيرة فإن الخنزير يرى الذكر من الخنازير ينزو على ~~الأنثى التي له ولا يتعرض له لعدم الغيرة. # {وما أهل لغير الله به} أي: رفع الصوت به لغير الله بأن ذبح على اسم ~~غيره، والإهلال: رفع الصوت ومنه يقال: فلان أهل بالحج إذا لبى وكانوا ~~يقولون عند الذبح: باسم اللات والعزى، قال ابن عادل: وقدم هنا لفظ الجلالة ~~في قوله لغير الله به وأخرت في البقرة لأنها هناك فاصلة أو تشبه الفاصلة ~~بخلافها هنا لأن بعدها معطوفات {والمنخنقة} وهي التي ماتت بالخنق سواء أفعل ~~بها ذلك آدمي أم اتفق لها ذلك {والموقوذة} وهي التي وقذت أي: ضربت حتى ماتت ~~ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات {والمتردية} أي: الساقطة من علو بان ~~سقطت من جبل أو مشرف أو في بئر فماتت، ولو رمى صيدا في الهواء بسهم فأصابه ~~فسقط على الأرض ومات حل لأن الوقوع على الأرض من ضرورته وإن سقط على جبل أو ~~شجر ثم تردى منه فمات لم يحل لأنه من المتردية إلا ms0586 أن يكون السهم ذبحه في ~~الهواء فيحل كيفما وقع لأن الذبح قد حصل قبل التردية. # تنبيه: دخلت الهاء في هذه الكلمات لأن المنخنقة هي الشاة المنخنقة كأنه ~~قيل: حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية وخصت الشاة لأنها من ~~أعم ما يأكل الناس والكلام يخرج على الأعم ويكون المراد الكل وأما الهاء في ~~قوله تعالى: {والنطيحة} وهي التي تنطحها أخرى فتموت فللنقل من الوصفية إلى ~~الاسمية وإلا فكان من حقها أن لا تدخلها تاء التأنيث كقتيل وجريح، وما في ~~قوله تعالى: {وما أكل السبع} بمعنى الذي وعائده محذوف أي: وما أكله السبع ~~ولا بد من حذف، ولهذا قال الزمخشري: وما أكل بعضه السبع وهذا يدل على أن ~~جوارح الصيد إذا أكلت ما اصطادته لم يحل أكله. # وقوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} استثناء متصل أي: إلا ما أدركتم ذكاته وصار ~~فيه حياة مستقرة من ذلك فهو حلال، وقيل: الاستثناء مخصوص بما أكل السبع ~~وقيل: الاستثناء منقطع أي: ولكن ما ذكيتم من غيرها فحلال أو فكلوه، وكأن ~~هذا القائل رأى أنها وصلت بهذه الأسباب إلى الموت أو إلى حالة قريبة منه ~~فلم تفد تذكيتها عنده شيئا، وقيل: الاستثناء # PageV01P352 # من التحريم لا من المحرمات أي: حرم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم ~~حلال فيكون الاستثناء منقطعا أيضا، وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه ~~قطع الحلقوم والمريء وكمالها أن يقطع الودجين معهما، وهما عرقان في صفحتي ~~العنق ويجوز بكل محدد يجرح من حديد أو قصب أو زجاج أو غيره إلا السن والظفر ~~لقوله صلى الله عليه وسلم «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن ~~والظفر» . # وقوله تعالى: {وما ذبح على النصب} في محل رفع عطفا على الميتة أي: وحرم ~~عليكم ذلك والنصب واحد الأنصاب، وهي حجارة، كانت حول الكعبة يذبح عليها ~~تقربا إليها وتعظيما لها، وقيل: هي الأصنام لأنها تنصب لتعبد، وعلى: بمعنى ~~اللام أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأنصاب، وقيل: هو جمع والواحد ~~نصاب ويدل للأول ms0587 قول الأعشى: # *وذا النصب المنصوب لا تعبدنه ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا* # وقوله تعالى: {وأن تستقسموا بالأزلام} في محل رفع أيضا فكان عطفا على ~~الميتة أي: وحرم عليكم ذلك والأزلام جمع زلم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام ~~قدح بكسر القاف صغير وهو سهم لا ريش له ولا نصل، وذلك إنهم كانوا إذا قصدوا ~~فعلا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على أحدها أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، ~~والثالث غفل أي: لا سمة عليه فإن خرج الأمر مضوا على ذلك وإن خرج الناهي ~~تجنبوا عنه وإن خرج الغفل أداروها ثانيا، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم ~~لهم دون ما لم يقسم بالأزلام، وقيل: هو قسمة الجزور بالأقداح على الأنصباء ~~المعلومة. # وقوله تعالى: {ذلكم فسق} إشارة إلى ما ذكر تحريمه أي: خروج عن الطاعة، ~~وقيل: إشارة إلى الاستقسام وكونه فسقا؛ لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر ~~بعلمه علام الغيوب، وقد قال تعالى: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب ~~إلا الله} (النمل، 65) وضلال باعتقاد إن ذلك طريق إليه وقوله: أمرني ربي ~~ونهاني ربي افتراء على الله عز وجل إن كان أراد بربي الله وما يدريه إن ~~الله أمره أو نهاه، فالكهنة والمنجمون بهذه المثابة، وجهالة وشرك إن أراد ~~به الصنم. # وقوله تعالى: {اليوم} لم يرد به يوما بعينه وإنما أراد الحاضر وما يتصل ~~به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، وقيل: الألف واللام للعهد، قيل: ~~أراد يوم نزولها، وقيل: نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة ~~الوداع، وقيل: هو يوم دخوله صلى الله عليه وسلم مكة سنة تسع، وقيل: ثمان، ~~وقوله تعالى: {يئس الذين كفروا من دينكم} فيه قولان أحدهما: يئسوا من أن ~~يحلوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله تعالى محرمة، والثاني: يئسوا من أن ~~يغلبوكم على دينكم فترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك، لما رأوا من قوته؛ لأنه ~~تعالى كان وعد بإعلاء هذا الدين على كل الأديان بقوله تعالى: {ليظهره على ~~الدين كله} (التوبة، 33) فحقق ذلك ms0588 النصر وأزلل الخوف {فلا تخشوهم} أن ~~يظهروا عليكم {واخشون} أجمع القراء السبعة على حذف الياء بعد النون لحذفها ~~في الرسم أي: واخلصوا الخشية لي وحدي فإن دينكم قد اكتمل بدره وجل عن ~~انمحاق محله وقدره ورضي به الآمر ومكنه على رغم أنوف الأعداء وهو قادر وذلك ~~قوله تعالى مسوقا مساق التعليل: # {اليوم أكملت لكم دينكم} أي: الذي أرسلت به أكمل خلقي محمدا صلى الله ~~عليه وسلم # PageV01P353 # نزلت هذه الآية يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع والنبي صلى ~~الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة تندق من ~~ثقلها فبركت، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أن رجلا من اليهود قال له: يا ~~أمير المؤمنين آية من كتابكم تقرأونها لو علينا معاشر اليهود نزلت لاتخذنا ~~ذلك اليوم عيدا قال: أي أية؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي ~~أنزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة، أشار ~~عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيدا، قال ابن عباس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد ~~جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل ~~في يوم قبله ولا بعده. # وروي أنها لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله تعالى عنه فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم «ما يبكيك يا عمر؟» قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ~~ديننا فإذا كمل فلم يكمل شيء إلا نقص قال: «صدقت» ، فكانت هذه الآية نعي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بعدها أحدا وثمانين يوما ومات يوم ~~الإثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من ~~الهجرة. وقيل: توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول وكانت هجرته في ~~الثاني عشر منه، فقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} أي: الفرائض والسنن ~~والحدود والجهاد والحلال والحرام فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ms0589 ولا ~~شيء من الفرائض وهذا معنى قول ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وقتادة: اليوم ~~أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك، وقيل: أظهرت دينكم وأمتكم من عدوكم. # فإن قيل: قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} يقتضي أن الدين كان ناقصا ~~قبل ذلك وذلك يوجب أن الدين الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم أكثر ~~عمره كان ناقصا، وإنما وجد الدين الكامل في آخر عمره مدة قليلة. أجيب: بأن ~~الدين لم يكن ناقصا بل كان أبدا كاملا وكانت الشرائع النازلة من عند الله ~~في كل وقت كافية في ذلك الوقت، إلا أنه تعالى كان عالما في أول وقت المبعث ~~بأن ما هو بعد العدم وأما في آخر زمان المبعث فأنزل شريعة كاملة وحكم ~~ببقائها إلى يوم القيامة فالشرع أبدا كان كاملا إلا أن الأول كمال إلى زمان ~~مخصوص، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلهذا قال: اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي بإكماله، وقيل: بدخول مكة آمنين ورضيت أي: اخترت لكم ~~الإسلام دينا من بين الأديان، وهو الذي عند الله لا غير قال الله تعالى: ~~{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} (آل عمران، 85) . # وقوله تعالى: {فمن اضطر} متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب ~~التجنب عنها وهو إن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة ~~التامة والإسلام المرضي، والمعنى: فمن اضطر إلى تناول شيء من هذه المحرمات ~~{في مخمصة} أي: مجاعة {غير متجانف} أي: مائل {لإثم} أي: معصية بأن يأكل ذلك ~~تلذذا ومجاوزا حد الرخصة كقوله تعالى: {غير باغ ولا عاد} (البقرة، 173) ~~{فإن الله غفور} له ما أكل {رحيم} به في إباحته فلا يؤاخذه ومن المائل إلى ~~الإثم قاطع الطريق ونحوه فلا يحل له الأكل مما ذكر قرأ أبو عمرو وعاصم ~~وحمزة بكسر # PageV01P354 # نون فمن اضطر في الوصل والباقون بالضم. # {يسئلونك} يا محمد {ماذا أحل لهم} من الطعام وإنما أتى بقوله لهم بلفظ ~~الغيبة لتقديم ضمير الغيبة في قوله تعالى: {يسئلونك} ولو قيل في الكلام: ms0590 ~~ماذا أحل لنا لكان جائزا على حكاية الجملة كقولك: أقسم زيد ليضربن ولأضربن ~~بلفظ الغيبة والتكلم، إلا أن ضمير المتكلم يقتضي حكاية ما قالوه كما أن ~~لأضربن يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها وماذا مبتدأ وأحل لهم خبره كقولك: ~~أي شيء أحل لكم منها؟ فقال تعالى: {قل} لهم {أحل لكم الطيبات} أي: ما ليس ~~بخبيث منها وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد ولا ~~مستقذر من ذي الطباع السليمة، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما ~~كانوا يحرمونه على أنفسهم من السائبة وما معها وكل ما أذن فيه من غير ذبح ~~كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم. # وقوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح} معطوف على الطيبات أي: أحل لكم ~~الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف للعلم به والجوارح جمع جارحة من سباع ~~البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والباز والشاهين، ~~والهاء للمبالغة سميت؛ بذلك؛ لأن الجرح الكسب لأنها تكسب الصيد، ومنه قوله ~~تعالى: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} (الأنعام، 60) أي: كسبتم أو لأنها تجرح ~~الصيد غالبا، وقوله تعالى: {مكلبين} حال من ضمير علمتم أي: حال كونكم ~~معلمين هذه الكواسب الصيد والمكلب المؤدب الجوارح ومغريها مأخوذ من الكلب ~~بسكون اللام وهو الحيوان النابح؛ لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فأخذ ~~من لفظه لكثرته في جنسه أو لأن السبع يسمى كلبا ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم في عتبة بن أبي لهب حين أراد سفر الشام فغاظ النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال النبي: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» فأكله الأسد، وقوله تعالى: ~~{تعلمونهن} حال ثانية من ضمير علمتم أو استئناف. # فإن قيل: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ أجيب: بأن فائدتها ~~أن يكون من يعلم الجوارح فقيها عالما بالشرائط المعتبرة في الشرع لحل ~~الصيد، وفي هذا فائدة جليلة وهي أن على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من ~~أجل العلماء به وأشدهم دراية له وأغوصهم على ms0591 لطائفه وحقائقه، وإن احتاج في ~~ذلك إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل فكم من أخذ من غير متقن قد ضيع أيامه وعض ~~عند لقاء التحارير أنامله {مما علمكم الله} أي: من علم التكليب لأنه إلهام ~~من الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه أو مما علمكم الله أن ~~تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساك ~~الصيد عليه وأن لا يأكل منه. {فكلوا مما أمسكن} أي: الجوارح مستقرا إمساكها ~~{عليكم} أي: على تعليمكم وإن قتلته بأن لم تأكل منه بخلاف غير المعلمة فلا ~~يحل صيدها وشروط التعليم فيها ثلاثة أشياء: إذا أرسلت استرسلت، وإذا زجرت ~~انزجرت، وإذا أخذت الصيد أمسكته ولم تأكل منه، وأقل ما يعرف به ذلك ثلاث ~~مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبها فلا يحل أكله كما في حديث ~~الصحيحين، وإن أكل منه فلا تأكل، منه إنما أمسك على نفسه. وعن علي رضي الله ~~تعالى عنه: إذا أكل البازي فلا تأكل وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء وبعضهم لا ~~يشترط ذلك في سباع الطير؛ لأن تأدبها إلى هذا الحد متعذر وقال آخرون: لا ~~يشترط مطلقا وفي هذا # PageV01P355 # الحديث إن صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلم من ~~الجوارح. # {واذكروا اسم الله عليه} في هذه الكناية ثلاثة أوجه أحدها: أنها تعود إلى ~~المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل كأنه قيل: واذكروا اسم الله عليه على ~~الأكل ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «سم الله وكل مما يليك» الثاني: إنها ~~تعود إلى ما علمتم أي: اذكروا اسم الله على الجوارح عند إرسالها على الصيد ~~ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه» ~~الثالث: إنها تعود إلى ما أمسكن أي: اذكروا اسم الله تعالى على ما أدركتم ~~ذكاته مما أمسكت عليكم الجوارح {واتقوا الله} أي: في محرماته {إن الله سريع ~~الحساب} فيؤاخذكم بما جل ودق، وقوله تعالى: # {اليوم} الكلام فيه كالكلام فيما قبله {أحل لكم الطيبات} ms0592 أي: المستلذات ~~{وطعام الذين أوتوا الكتاب} أي: ذبائح اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم ~~قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم {حل} أي: حلال {لكم} فأما من دخل في ~~دينهم بعد المبعث فلا تحل ذبيحتهم، ولو ذبح يهودي أو نصراني على اسم غير ~~الله تعالى كالنصراني يذبح على اسم المسيح لم تحل ذبيحته، وأما المجوس فقد ~~سن بهم سنة أهل الكتاب في تقريرهم بالجزية دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، ~~قال صلى الله عليه وسلم «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا ~~آكلي ذبائحهم» رواه الإمام مالك {وطعامكم} إياهم {حل لهم} فلا عليكم أن ~~تطعموهم ولا تبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك. # {والمحصنات من المؤمنات} أي: الحرائر {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم} وهم اليهود والنصارى أي: حل لكم أن تنكحوهن وإن كن حربيات. وقال ~~أبي عباس: لا تحل الحربيات وأما الإماء المسلمات فيحل نكاحهن في الجملة ~~بخلاف الإماء الكتابيات فلا يحل نكاحهن عندنا ويحل عند أبي حنيفة رحمه الله ~~تعالى. # {إذا آتيتموهن أجورهن} أي: مهورهن فتقييد الحل بإتيانها لتأكيد وجوبها ~~والحث على الأولى وإن من تزوج امرأة وعزم أن لا يعطي صداقها كان في صورة ~~الزاني، وورد فيه حديث وتسميته بالأجر يدل على أنه لا حد لأقله كما إن أقل ~~الأجر في الإجارة لا يتقدر {محصنين} أي: قاصدين الإعفاف والعقاب. وقيل: ~~متزوجين {غير مسافحين} أي: معلنين بالزنا بهن {ولا متخذي أخدان} أي: مسرين ~~بالزنا منهن، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى قال الشعبي: الزنا ~~ضربان: السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان واتخاذ الخدن وهو الزنا سرا ~~والله تعالى حرمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الإحصان ~~وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} (البقرة، ~~221) فبقي على التحريم ما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهن ~~من جميع المشركات، حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين ~~الإسلام، وقرأ الكسائي بكسر صاد المحصنات والباقون بنصبها. # وقوله تعالى: {ومن يكفر ms0593 بالإيمان} اختلف المفسرون في معناه فقال ابن عباس ~~ومجاهد: ومن يكفر بالإيمان أي: بالله الذي يجب الإيمان به وإنما حسن هذا ~~المجاز؛ لأنه يقال: رب الإيمان ورب الشيء على سبيل المجاز، وقال الكلبي: ~~ومن يكفر بالإيمان أي: بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله لأن ~~الإيمان من لوازمها وإطلاق الشيء على لازمه مجاز مشهور، وقال قتادة: إن ~~ناسا من المسلمين قالوا: كيف # PageV01P356 # نتزوج نساءهم مع كونهم على غير ديننا؟ فأنزل الله هذه الآية: {ومن يكفر} ~~بما أنزل الله في القرآن فهو كذا وكذا فسمي القرآن إيمانا؛ لأنه مشتمل على ~~بيان كل ما لا بد منه في الإيمان، والمراد من ذلك أن يأتي بشيء يصير به ~~مرتدا {فقد حبط} أي: فسد {عمله} الصالح قبل ذلك إن اتصل ذلك بالموت بدليل ~~قوله تعالى: {وهو في الآخرة من الخاسرين} وقوله تعالى في آية أخرى: {فيمت ~~وهو كافر} (البقرة، 217) أما من أسلم قبل الموت فإن ثوابه يفسد دون عمله ~~فلا يجب عليه إعادة حج قد فعله ولا صلاة قد صلاها قبل الردة. # {ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} أي: أردتم القيام إليها كقوله ~~تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ با} (النحل، 98) عبر عن إرادة الفعل ~~بالفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن ~~يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، وظاهر الآية الكريمة يوجب ~~الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا، لكن صد عنه الإجماع لما ~~روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال له عمر: ~~صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال: «عمدا فعلته» ، فقيل: هو مطلق أريد به ~~التقييد والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وقيل: الأمر فيه للندب وقيل: ~~كان ذلك أول الأمر ثم نسخ قال البيضاوي: وهو ضعيف لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» {فاغسلوا ~~وجوهكم} أي: أمروا الماء عليها، ولا يجب الدلك خلافا لمالك رضي الله تعالى ms0594 ~~عنه {و} اغسلوا {أيديكم إلى المرافق} أي: معها إن وجدت وقدرها إن فقدت، لما ~~روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في ~~العضد» إلخ.. وللإجماع أوان إلى في الآية بمعنى مع كما في قوله تعالى: {من ~~أنصاري إلى الله} (آل عمران، 52) ويزدكم قوة إلى قوتكم أو يجعل اليد التي ~~هي حقيقة إلى المنكب مجازا إلى المرفق مع جعل إلى غاية للغسل الداخلة هنا ~~في المغيا بقرينة الإجماع والاحتياط للعبادة، والمعنى اغسلوا أيديكم من ~~رؤوس الأصابع إلى المرافق، أو تجعل باقية على حقيقتها إلى المنكب مع جعل ~~إلى غاية للترك المقدر فتخرج الغاية والمعنى اغسلوا أيديكم واتركوا منها ~~إلى المرافق، والمرافق جمع مرفق بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة ~~وهو مفصل ما بين العضد والمعصم ولو قطع بعض ما يجب غسله وجب غسل الباقي؛ ~~لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، وإن # قطع # من المرفق فإن سل عظم الذراع وبقي العظمان المسميان برأس العضد وجب غسل ~~رأس عظم العضد؛ لأنه من المرفق وهو مجموع العظمين والإبرة الداخلة بينهما ~~وإن قطع من فوق المرفق ندب غسل باقي عضده. # {وامسحوا برؤسكم} أي: ببعضها. لما روى مسلم «إنه صلى الله عليه وسلم مسح ~~بناصيته وعلى عمامته» واكتفى بمسح البعض لأنه المفهوم من المسح عند إطلاقه ~~ولم يقل أحد بوجوب خصوص الناصية وهي الشعر الذي بين النزعتين والاكتفاء بها ~~يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع وجوب التقدير بالربع أو أكثر لأنها دونه والباء ~~إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض أو على غيره كما في قوله ~~تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} (الحج، 29) تكون للالصاق. # فإن قيل: صيغة الأمر بمسح الرأس والوجه في التيمم واحدة فهلا أوجبتم ~~التعميم أيضا؟ أجيب: بأن المسح ثم بدل للضرورة فاعتبر ببدله # PageV01P357 # ومسح الرأس أصل فاعتبر لفظه. # فإن قيل: المسح على الخف بدل فهلا وجب تعميمه كمبدله؟ أجيب: بقيام ms0595 ~~الإجماع على عدم وجوبه، ولا فرق بين أن يمسح على بشرة الرأس أو شعرها ولو ~~شعرة واحدة في حد الرأس؛ لأن ذلك يصدق عليها مسمى الرأس عرفا إذ الرأس اسم ~~لما رأس وعلا وقوله تعالى: {وأرجلكم} قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي ~~بنصب اللام عطفا على وجوهكم. وقيل: على أيديكم والباقون بالكسر على الجوار ~~ومنهم من عطف على المجرور على قراءة الجر والممسوح ليفيد مسح الخف، وعطف ~~على المنصوب على قراءة النصف على المغسول ليفيد غسل الرجل المتجردة منه ~~فيفيد كل من القراءتين غير ما أفادته الأخرى وقوله تعالى: {إلى الكعبين} ~~وهم العظمان الناتئان في كل رجل من جانبين عند مفصل الساق والقدم دل على ~~دخولهما في الغسل ما دل على دخول المرفقين فيه وقد مر. # تنبيه: الفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح فيه دليل على ~~وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعي رضي الله تعالى عنه ولو ~~قطع بعض القدم وجب غسل الباقي وإن قطع فوق الكعب فلا فرض عليه، وندب غسل ~~الباقي كما مر في اليد ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات. # {وإن كنتم جنبا} من جماع وغيره {فاطهروا} أي: بالغسل لجميع البدن؛ لأنه ~~أطلق ولم يخص الأعضاء كما في الوضوء {وإن كنتم مرضى} أي: مرضا يضره الماء ~~{أو على سفر} أي: مسافرين سفرا مباحا طويلا أو قصيرا {أو جاء أحد منكم من ~~الغائط} أي: الموضع المطمئن من الأرض الذي يقضي فيه حاجته الإنسان التي لا ~~بد منها سمي باسمه الخارج للمجاورة. قيل: وفي ذلك حكمة وهي شدة عجز الإنسان ~~ليكف عن إعجابه وكبره وترفعه وفخره كما حكي أن بعض الأمراء لقي بعض البله ~~فلم يفسح له فغضب وقال: كأنك لم تعرفني فقال: بلى والله إني لأعرفك أولك ~~نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، وقرأ قالون ~~والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر وسهل ورش وقنبل ~~الهمزة الثانية وحقق الباقون الهمزتين معا. # {أو لامستم النساء} بالذكر ms0596 أو غيره أمنيتم أم لا وقرأ حمزة والكسائي بغير ~~ألف بين اللام والميم والباقون بالألف {فلم تجدوا ماء} بعد طلبه لفقده حسا ~~أو معنى بالعجز عن استعماله للمرض بجرح أو غيره {فتيمموا} أي: اقصدوا ~~{صعيدا} أي: ترابا {طيبا} أي: طهورا خالصا {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} مع ~~المرفقين {منه} بضربتين والباء للإلصاق وبينت السنة أن المراد استيعاب ~~العضوين بالمسح وتقدم مثل هذه الآية في النساء في البيضاوي، ولعل تكريره ~~ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة. # {ما يريد الله ليجعل عليكم} في الدين {من حرج} أي: ضيق بما فرض عليكم من ~~الوضوء والغسل والتيمم {ولكن يريد ليطهركم} من الأحداث والذنوب فإن الوضوء ~~يكفر الذنوب {وليتم نعمته عليكم} ببيان شرائع الدين {لعلكم تشكرون} نعمه ~~فيثيبكم، قال البيضاوي: والآية مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى طهارتان أصل ~~وبدل والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ~~ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود وإن آلتيهما مائع وجامد # PageV01P358 # وموجبهما حدث أصغر أو أكبر، وإن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وإن ~~الموعود عليه تطهير الذنوب وإتمام النعمة. # {واذكروا نعمة الله عليكم} أي: في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم ~~على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، وفي غير ذلك من جميع النعم ليذكركم ~~المنعم ويرغبكم في شكره، لأن كثرة النعم توجب على المنعم عليه الاشتغال ~~بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وقال تعالى: {نعمة الله} ولم يقل ~~نعم الله؛ لأن هذا الجنس لا يقدر عليه إلا الله لأن نعمة الحياة والصحة ~~والعقل والهداية والصون من الآفات وإيصال الخيرات في الدنيا والآخرة لا ~~يعلمه إلا الله تعالى وإن المراد التأمل في هذا النوع من حيث إنه ممتاز عن ~~نعمة غيره. # فإن قيل: قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله} يشعر بسبق النسيان وكيف يعقل ~~نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات؟ أجيب: ~~بأنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد فصار غاية ظهورها وكثرتها سببا ~~لوقوعها في محل النسيان {و} اذكروا {ميثاقه} أي: عقده الوثيق {الذي ms0597 واثقكم ~~به} أي: بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايعكم ليلة العقبة على ~~السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره والمنشط مفعل من النشاط وهو ~~الأمر الذي ينشط له والمكره مفعل من الكره وهو الأمر الذي تكرهه النفس ~~وأضاف الميثاق الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسه كقوله: {إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} وأكد ذلك بأنكم التزمتموه {إذا} أي: حين ~~{قلتم سمعنا وأطعنا} وفي ذلك تذكير بما أوجب الله له صلى الله عليه وسلم ~~عليكم من الشكر بهدايته لكم إلى الإسلام ثم حذركم عن نقض تلك العهود بقوله: ~~{واتقوا الله} أي: في ميثاقه أن تنقضوه {إن الله} الذي له صفات الكمال ~~{عليم} أي: بالغ العلم {بذات الصدور} أي: بما في القلوب فبغيره أولى ~~فيجازيكم عليها فضلا عن جليات أعمالكم، وقيل: المراد بالميثاق هو الذي أخذه ~~الله منهم حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: ~~بلى قاله مجاهد وقيل: المراد به الدلائل العقلية والشرعية التي نصبها الله ~~على التوحيد والشرائع قاله السدي، وأدغم أبو عمرو القاف في واثقكم في الكاف ~~بخلاف عنه. # {ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين} أي: مجتهدين في القيام بحقوقه تعالى ~~{شهداء} أي: متيقظين محضرين إفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يشذ عنها شيء مما ~~تريدون الشهادة به {بالقسط} أي: العدل {ولا يجرمنكم} أي: ولا يحملنكم ~~{شنآن} أي: شدة بغض {قوم} أي: الكفار {على أن لا تعدلوا} فتعتدوا عليهم ~~بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيا مما في ~~قلوبكم {اعدلوا} أي: تحروا العدل واقصدوه في كل شيء {هو} أي: العدل {أقرب} ~~من تركه {للتقوى} لكونه لطفا فيه وفيه تنبيه عظيم على أن وجوب العدل مع ~~الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة فما الظن بوجوبه مع ~~المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه. # تنبيه: يؤخذ من هذا أن التكاليف مع كثرتها محصورة في نوعين: التعظيم لأمر ~~الله والشفقة على خلق الله فقوله تعالى: {كونوا قوامين} ms0598 إشارة إلى التعظيم ~~لأمر الله ومعنى القيام هو أن تقوم لله بالحق في كل ما يلزمك وقوله تعالى: ~~{شهداء بالقسط} إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان، الأول: قال ~~عطاء: # PageV01P359 # لا تخاف في شهادتك أهل ودك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك. ~~الثاني: أمرهم بالصدق في أفعالهم وأقوالهم، وتقدم نظير هذه الآية في ~~النساء، إلا أن هناك قدم لفظة القسط وهنا أخرها، قال ابن عادل: فكان الغرض ~~من ذلك والله أعلم إن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه ~~وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ولا والد ولا ~~قرابة والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ بالأمر بالقيام؛ به لأنه ~~أردع للمؤمنين ثم ثني بالشهادة بالعدل فجيء في كل معرض بما يناسبه. وقال ~~البيضاوي: وتكرير هذا الحكم إما لاختلاف السبب كما قيل: إن الأولى نزلت في ~~المشركين وهذه في اليهود ولمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة ~~الغيظ {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} فيجازيكم به. # {وعد الله الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان بألسنتهم {وعملوا} تصديقا ~~لهذا الإقرار {الصالحات} وحذف ثاني مفعولي وعد استغناء بقوله: {لهم مغفرة ~~وأجر عظيم} فإنه استئناف يبينه. وقيل: الجملة في موضع المفعول فإن الوعد ~~ضرب من القول؛ لأنه لا ينعقد إلا به فكأنه قال: وعدهم هذا القول والأجر ~~العظيم هو الجنة. # {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} أي: النار التي اشتد ~~توقدها فاشتد احمرارها فلا يراها أحد إلا أحجم عنها فيلقون فيها ثم ~~يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب وهذا من عادة الله سبحانه ~~وتعالى إنه يتبع حال أحد الفريقين حال الفريق الآخر وفاء بحق الدعوة وفيه ~~مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم. # {يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم} رسمت نعمت هنا بالتاء فوق ~~فوقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي والهاء والباقون بالتاء وفي الوصل ~~الجميع بالتاء. # روي أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا ms0599 إلى ~~صلاة الظهر يصلون معا وذلك بعسفان وهو واد بينه وبين مكة مرحلتان في غزوة ~~ذي أنمار فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا: إن لهم بعدها ~~صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا ~~بهم إذا قاموا إليها فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف، رواه مسلم وغيره ~~والآية إشارة إلى ذلك. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الخلفاء ~~الأربعة يستقرضهم أي: يطلب منهم مالا قرضا لدية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية ~~الضمري خطأ يحسبهما مشركين، لكن في رواية البيهقي أن المقتولين كانا ~~معاهدين لا مسلمين وأن الخروج كان لبني النضير لا إلى قريظة فقالوا: نعم يا ~~أبا القاسم وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى ~~أن يعينوه في الديات فقالوا: قد آن لك أن تأتينا أو تسألنا حاجة اجلس حتى ~~نطعمك ونعطيك الذي تسألنا فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلا ~~بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا ~~البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحش: أنا، فجاء إلى رحا ~~عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده فنزل جبريل عليه السلام فأخبره ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة ثم دعا عليا وقال: ~~«لا تبرح مقامك فمن خرج عليك من أصحابي فسأل عني فقل: توجه إلى المدينة» ~~ففعل ذلك حتى # PageV01P360 # تناهوا إليه ثم تبعوه، وقيل: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا ~~وتفرق الناس في العضاء يستظلون بها فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سلاحه بشجرة فجاء أعرابي فسل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل ~~عليه فقال: من يمنعك مني؟ قال: «الله» فأسقطه جبريل من يده فأخذه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: «من منعك مني؟» فقال: لا أحد أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله فنزلت. # {إذ ms0600 هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} ليفتكوا بكم يقال: بسط إليه لسانه ~~إذا شتمه وبسط إليه يده إذا بطش به قال تعالى: {ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء} (الممتحنة، 2) ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به، ألا ~~ترى إلى قولهم: فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى {فكف أيديهم عنكم} أي: ~~منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم {واتقوا الله} في جميع أموركم {وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون} فإنه الكافي لإيصال الخير ودفع الشر. # {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} أي: العهد الموثق بما أخذ عليكم من ~~السمع والطاعة {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} أي: شاهدا على كل سبط نقيب ~~يكفلهم بالوفاء بما عليهم الوفاء به كما بعثنا منكم ليلة العقبة اثني عشر ~~نقيبا وأخذنا منكم الميثاق على ما به كمال الإسلام والنقيب الذي ينقب عن ~~أحوال القوم كما قيل له: عريف لأنه يتعرفها ومن ذلك المناقب وهي الفضائل ~~لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها. # روي أن بني إسرائيل لما استقروا بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله تعالى ~~بالمسير إلى أريحاء بالمد أرض الشام وكان سكنها الكنعانيون الجبابرة وقال: ~~إني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرجوا إليها وجاهدوا فيها، وإني ناصركم وأمر ~~موسى صلوات الله وسلامه عليه أن يأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه ~~بالوفاء بما أمروا به يوثقه عليهم واختار النقباء وأخذ الميثاق على بني ~~إسرائيل وتكفل له بهم النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء ~~يتجسسون فرأوا إجراما عظيما وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم، وقد ~~نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من ~~سبط يهودا ويوشع بن نون من سبط افراثيم بن يوسف وكانا من النقباء {وقال} ~~لهم {الله إني معكم} أي: بالعون والنصرة {لإن} لام قسم {أقمتم الصلاة} التي ~~هي وصلة العبد والخالق بجميع شروطها وأركانها وآتيتم الزكاة التي تقرب ~~العبد إلى الله عز وجل {وآمنتم برسلي} أي: بجميع الرسل {وعزرتموهم} أي: ~~نصرتموهم وقيل: التعزير التعظيم وقيل: هو الثناء ms0601 بخير قاله يونس وهو قريب ~~من الثاني. # فإن قيل: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه ~~مقدم عليهما؟ أجيب: بأن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول النجاة من ~~إقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر ~~أن بعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة لا بد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل ~~المقصود وإلا لم يكن لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون ~~الإيمان بجميع الرسل. # فإن قيل: قوله تعالى: {وأقرضتم الله قرضا حسنا} داخل تحت إيتاء الزكاة ~~فما فائدة إعادته؟ أجيب: بأن المراد بالزكاة الواجبة وبالقرض الصدقة ~~المندوبة وخصها تنبيها على شرفها وقرضا يحتمل المصدر والمفعول به، # PageV01P361 # ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في ~~صلاح العمل قال: سد الجواب القسم المدلول عليه باللام في لئن مسد جواب ~~الشرط {لأكفرن} أي: لأسترن {عنكم سيآتكم} أي: فعلكم الذي من شأنه أن يسوء ~~{ولأدخلنكم} فضلا ورحمة مني {جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: من شدة الري ~~{فمن كفر بعد ذلك} الميثاق {منكم فقد ضل} أي: ترك وضيع {سواء السبيل} أي: ~~أخطأ طريق الحق والسواء في الأصل الوسط. # فإن قيل: من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل سواء السبيل، أجيب: بأن الضلال بعد ~~أظهر وأعظم لأنه الكفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره لأنه قد يكون له ~~قبل ذلك شبهة يتوهم له معذرة، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار دال قد ~~عند الضاد والباقون بالإدغام وقد تقدم ولما نقضوا الميثاق مرة بعد مرة ~~بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء وكتمهم صفة النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم ~~في سورة البقرة. # قال تعالى: {فبما} ما مزيدة للتأكيد {نقضهم ميثاقهم لعناهم} قال عطاء: ~~أبعدناهم من رحمتنا، وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم قردة وخنازير وقال ابن ~~عباس: ضربنا الجزية عليهم {وجعلنا قلوبهم قاسية} أي: لا تلين لقبول الإيمان ~~وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بعد القاف وتشديد الياء بمعنى ms0602 رديئة من قولهم ~~درهم قسي إذا كان مغشوشا وهو أيضا من القسوة فإن المغشوش فيه يبس وصلابة ~~والباقون بألف بعد القاف وتخفيف الياء وقوله تعالى: {يحرفون الكلم عن ~~مواضعه} استئناف لبيان قسوة قلوبهم فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله ~~تعالى والافتراء عليه {ونسوا حظا} أي: نصيبا نافعا {مما ذكروا به} أي: من ~~التوراة على أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام تركوه ترك الناسي ~~للشيء لقلة مبالاتهم به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه وقيل معناه: إنهم حرفوها ~~فزلت لشؤمهم أشياء منها عن حفظهم وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه ~~قال: ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية وقيل: تركوا نصيب ~~أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته {ولا ~~تزال} أي: بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~{تطلع} أي: تظهر {على خائنة} أي: خيانة {منهم} بنقض العهد وغيره لأن ذلك من ~~عادتهم وعادة أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم {إلا قليلا منهم} لم يخونوا وهم ~~الذين آمنوا منهم {فاعف عنهم} أي: امح ذنبهم ذلك {واصفح} أي: أعرض عن ذلك ~~أصلا ورأسا إن تابوا وآمنوا وعاهدوا والتزموا الجزية وقيل: مطلق ونسخ بآية ~~السيف وقوله تعالى: {إن الله يحب المسحنين} تعليل للأمر بالصفح وحث عليه ~~وتنبيه على أن العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلا عن العفو عن غيره. # روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم. # وفي رواية البخاري أنه رجل من بني زريق حليف لليهود وكان منافقا حتى كان ~~يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن وذلك أشد السحر، ثم إن الله تعالى ~~شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها: ~~أفلا أخرجته؟ فقال: «لا أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس ~~شرا فأمرت به فدفنته» وهو في ms0603 معجم الطبراني الكبير وهذا لفظه، وعن زيد بن ~~أرقم رضي الله تعالى عنه قال: # PageV01P362 # «كان رجل يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فعقد له عقدا فجعله في بئر ~~رجل من الأنصار فأتاه ملكان يعوذانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ~~فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال فلان الذي يدخل عليه عقد له عقدا فألقاه ~~في بئر فلان الأنصاري فلو أرسل رجلا لوجد الماء أصفر فبعث رجلا فأخذ العقد ~~فحلها فبرىء، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~يذكر له شيئا منه ولم يعاتبه» ، وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن امرأة ~~يهودية سمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك ~~فقال: «ما كان الله ليسلطك على ذلك أو قال علي» قالوا: أفلا نقتلها؟ قال: ~~«لا» قال أنس: فما زلت أعرفها في لهوات النبي صلى الله عليه وسلم فانظر إلى ~~عفوه صلى الله عليه وسلم واقتد به» ، وفي ذلك غاية العفو والإحسان امتثالا ~~لأمر ربه تعالى، وقيل: فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم. # {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} أي: وأخذنا من النصارى ~~ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم. # فإن قيل: هلا قال من النصارى؟ أجيب: بأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء ~~لنصرة الله تعالى لقولهم لعيسى: {نحن أنصار الله} (آل عمران، 52) وليسوا ~~موصوفين به قال الحسن: فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله ~~تعالى {فنسوا} أي: تركوا ترك الناسي {حظا} أي: نصيبا عظيما يتنافس في مثله ~~{مما ذكروا به} أي: في الإنجيل من الإيمان ومن أوصاف محمد صلى الله عليه ~~وسلم وغير ذلك ونقضوا الميثاق {فأغرينا} أي: أوقعنا {بينهم} أي: النصارى ~~بعد أن جعلناهم فرقا متباينين وهم نسطورية ويعقوبية وملكانية وكذا بينهم ~~وبين اليهود {العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} أي: بتفرقهم واختلاف ~~أهوائهم فكل فرقة تكفر الأخرى وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير بتحقيق الهمزة ~~الأولى وتسهيل الثانية والباقون بتحقيقهما {وسوف ينبئهم الله} أي: ms0604 يجزيهم ~~في الآخرة {بما كانوا يصنعون} فيجازيهم عليه. # وقوله تعالى: {يا أهل الكتاب} خطاب لليهود والنصارى ووحد الكتاب لأنه ~~للجنس {قد جاءكم رسولنا} وهو أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم {يبين ~~لكم} أي: يوضح إيضاحا شافيا {كثيرا مما كنتم تخفون} أي: تكتمون {من الكتاب} ~~أي: التوراة والإنجيل كنعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ~~وبشارة عيسى وأحمد في الإنجيل {ويعفو عن كثير} أن مما تخفونه فلا يبينه إذا ~~لم يكن فيه مصلحة في أمر ديني أو عن كثير منكم فلا يؤاخذه بجرمه {قد جاءكم ~~من الله نور} هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي جلا ظلمات الشك والشرك ~~{وكتاب} هو القرآن العظيم {مبين} أي: بين في نفسه مبين لما كان خافيا على ~~الناس من الحق. # {يهدي به الله} أي: بالكتاب وقيل: بهما ووحد الضمير لأن المراد بهما واحد ~~لأنهما كواحد في الحكم {من اتبع رضوانه} أي: رضاه بأن آمن {سبل} أي: طرق ~~{السلام} أي: السلامة من العذاب أو الله باتباع شرائع دينه {ويخرجهم من ~~الظلمات} أي: أنواع الكفر والوساوس الشيطانية {إلى النور} أي: الإسلام ~~{بإذنه} أي: بإرادته أو بتوفيقه {ويهديهم إلى صراط مستقيم} أي: طريق هي ~~أقرب الطرق إلى الله تعالى ومؤد إليه لا محالة وهو الدين الحق. # {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} وذلك حيث جعلوه إلها ~~وهم اليعقوبية فرقة من النصارى، وقيل: ما صرحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه ~~حيث # PageV01P363 # اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم {قل} لهم يا محمد {فمن ~~يملك} أي: يدفع {من} عذاب {الله شيئا} أي: من الأشياء التي يتوهم أنها قد ~~تمنعه مما يريد {إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} ~~أي: لا أحد يملك ذلك ولو كان المسيح إلها لقدر عليه فدل ذلك على أنه بمعزل ~~من الألوهية وإنه مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات، وأراد بعطف من ~~في الأرض على المسيح وأمه إنهما من جنسهم لا تفاوت ms0605 بينهم وبينهما في ~~البشرية {وملك السموات والأرض وما بينهما} أي: بين النوعين وبين أفرادهما ~~مما به تمام أمرهما {يخلق ما يشاء} أي: على أي كيف أراد {وا على كل شيء ~~قدير} أي: قادر على الإطلاق يخلق من غير أصل كما خلق السموات والأرض ومن ~~أصل كما خلق ما بينهما وينشىء من أصل ليس من جنسه كآدم وكثير من الحيوانات ~~ومن أصل يجانسه أما من ذكر وحده كما خلق حواء من آدم أو من أنثى وحدها ~~كعيسى بن مريم أو منهما كسائر الناس. # {وقالت اليهود والنصارى} أي: كل طائفة قالت على حدتها {نحن أبناء الله ~~وأحباؤه} اختلف المفسرون في معنى ذلك على أربعة أوجه، أحدها: أن هذا من باب ~~حذف المضاف أي: نحن أبناء رسل الله كقوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله} (البقرة، 10) الثاني: إن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب ~~قد يطلق أيضا على من اتخذ ابنا بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة، فالقوم ~~لما ادعوا عناية الله بهم ادعوا أنهم أبناء الله. الثالث: إن اليهود زعموا ~~أن العزير ابن الله، والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله ثم زعموا أن العزير ~~والمسيح كانا منهم فصار كأنهم قالوا: نحن أبناء الله ألا ترى أن أقارب ~~الملك إذا فاخروا أحدا يقولون: نحن ملوك الدنيا والمراد كونهم مختصين ~~بالشخص الذي هو الملك فكذا هنا، الرابع: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم ~~من عقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعذاب الله ونحن أبناء الله تعالى وأحباؤه ~~فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة، وأما النصارى فإنهم يتلون في ~~الإنجيل أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وقيل: أرادوا أن الله ~~كالأب لنا في الحنو والعطف ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة، وقال ~~إبراهيم النخعي: إن اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري فبدلوه بيا ~~أبناء أبكاري فمن ذلك قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. # وجملة الكلام: إن ms0606 اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلا على سائر ~~الخلق بسبب أسلافهم من الأنبياء إلى أن ادعوا ذلك. # {قل} لهم يا محمد {فلم يعذبكم بذنوبكم} أي: فإن صح ما زعمتم فلم يعذبكم ~~بذنوبكم ولا يعذب الأب ولده ولا الحبيب حبيبه وقد عذبكم في الدنيا بالقتل ~~والأسر والمسخ واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أياما معدودة، وقرأ البزي في ~~الوقف فلمه بخلاف عنه {بل أنتم بشر من} جملة {من خلق} ه الله تعالى من ~~البشر لكم ما لهم وعليكم ما عليهم {يغفر لمن يشاء} أي: ممن خلقه منكم ومن ~~غيركم تفضلا منه تعالى {ويعذب من يشاء} كذلك كما تشاهدونه يكرم ناسا منكم ~~في هذه الدار ويهين آخرين لا اعتراض عليه، وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في ~~اللام من يغفر والياء في الميم من يعذب بخلاف عنه ورقق ورش الراء على أصله ~~{وملك السموات والأرض وما بينهما} # PageV01P364 # أي: وأنتم مما بينهما فمن كان هكذا وقدرته هكذا كيف يستحق عليه البشر ~~الضعيف حقا واجبا وكيف يملك عليه الجاهل بعبادته الناقصة دينا لازما {كبرت ~~كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} (الكهف، 5) ثم قال: {وإليه ~~المصير} أي: المرجع فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. # {يا أهل الكتاب} أي: من الفريقين {قد جاءكم رسولنا} محمد صلى الله عليه ~~وسلم {يبين لكم} أي: ما كتمتم وحذف لتقدم ذكره أو الدين وحذف لظهوره ويجوز ~~أن لا يقدر مفعول على معنى ويبذل لكم البيان وجملة يبين لكم في موضع الحال ~~أي: جاءكم رسولنا مبينا لكم وقوله تعالى: {على فترة من الرسل} متعلق بجاءكم ~~أي: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي، قال ابن عباس: ~~يريد على انقطاع من الأنبياء فشبه فقدهم وبعد العهد بهم ونسيان أخبارهم ~~وبلاء رسومهم وآثارهم وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء كان يغلي ففتر ولم يبق ~~من وصفه المقصود منه إلا أثر خاف ورسم دارس. # يقال: فتر الشيء يفتر فتورا إذا سكنت حركته وصار أقل مما كان عليه وسميت ~~المدة بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في ms0607 العمل بترك الشرائع واختلفوا في ~~مدة الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فقال أبو عثمان النهدي: ~~ستمائة سنة، وقال قتادة: خمسمائة وستون سنة وقال معمر والكلبي: خمسمائة ~~وستة وأربعون سنة وعن الكلبي: بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، ~~وبين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أربعة من الأنبياء ثلاثة من بني ~~إسرائيل وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي، وفي الآية امتنان عليهم ~~بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكون إليه قال ~~البقاعي: ولعله عبر بالمضارع في يبين إشارة إلى أن دينه وبيانه لا ينقطع ~~أصلا بحفظ كتابه فكلما درست سنة منح الله تعالى بعالم يرد الناس إليها ~~بالكتاب العزيزالمعجز القائم أبدا فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبي مجدد إلا ~~عند الفتنة التي لا تطيقها العلماء وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج. # ثم علل ذلك بقوله تعالى: {أن} أي: كراهة أن {تقولوا} أي: إذا حشرتم ~~وسئلتم عن إهمالكم {ما جاءنا من بشير} أي بشير فمن زائدة لتأكد النفي أي: ~~يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز {ولا نذير} أي: يحذرنا لنرهب فنترك ما ~~يشقينا فنسلم وقوله تعالى: {فقد جاءكم بشير ونذير} متعلق بمحذوف أي: لا ~~تعتذروا بما جاءنا من بشير ولا نذير فلا جاءكم بشير ونذير {وا على كل شيء ~~قدير} أي: فيقدر على الإرسال تترا واحدا بعد واحد على التعاقب كما فعل بين ~~موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وعلى الإرسال على فترة كما فعل بين عيسى ~~ومحمد عليهما الصلاة والسلام. # {وإذ قال موسى لقومه} أي: من اليهود {يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم} أي: ~~إنعامه فذكرهم بثلاثة أمور، أولها: قوله تعالى: {إذ} أي: حين {جعل فيكم} ~~أي: منكم {أنبياء} فأرشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث في أمة ما بعث في بني ~~إسرائيل من الأنبياء، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي ~~بإظهار ذال «إذ» عند الجيم وأدغمها أبو عمرو وهشام، وثانيها: قوله تعالى: ~~{وجعلكم ملوكا} أي: وجعل منكم أو فيكم فقد ms0608 تكاثر فيهم الملوك تكاثر ~~الأنبياء بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهموا بقتل عيسى وقال ابن عباس: وأصحاب ~~خدم وحشم، قال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم ولم يكن قبلهم خدم. # وعن أبي سعيد الخدري # PageV01P365 # عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: «كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم ~~خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا» وقال أبو عبد الرحمن الجيلي: سمعت عبد الله ~~بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المسلمين المهاجرين؟ فقال ~~عبد الله له: يا هذا ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم قال: ألك مسكن تسكنه؟ ~~قال: نعم قال: فأنت غني من الأغنياء قال: ألك خادم؟ قال: نعم قال: أنت من ~~الملوك. وقال السدي: وجعلكم أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي ~~القبط يستعبدونكم، وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن ~~كان مسكنه واسعا وفيه نهر جار فهو ملك. # وثالثها: قوله تعالى: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} وذلك، لأنه ~~تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام كفلق البحر لهم وأهلك عدوهم وأورثهم ~~أموالهم وأنزل عليهم المن والسلوى وأخرج لهم المياه الغزيرة من الحجر وأظل ~~فوقهم الغمام، ولم يجتمع الملك والنبوة لقوم كما اجتمعا لهم، وكانوا في تلك ~~الأيام هم العلماء بالله تعالى وهم أحباب الله وأنصار دينه، وقيل: المراد ~~بالعالمين عالمو زمانهم. وقال الكلبي: إن جعلت العالمين عاما وجب تخصيص ~~«ما» لئلا يلزم أنهم أوتوا ما لم تؤت هذه الأمة من الكرامة والفضل وغير ذلك ~~وإن خصصته بعالمي زمانهم ف «ما» باقية على عمومها إذ لا محذور. # ولما ذكرهم هذه النعم وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بجهاد العدو فقال: # {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} أي: المطهرة وهي أرض بيت المقدس سميت بذلك ~~لأنها كانت مسكن الأنبياء والمؤمنين وقال مجاهد: هي الطور وما حوله. وقال ~~الكلبي: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن وهو بضم الدال وتشديد النون اسم نهر ~~أو كورة بالشأم قاله الجوهري، وقال قتادة: هي الشأم كلها {التي كتب الله ~~لكم} أي: في ms0609 اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن وقال السدي: أمركم بدخولها. # فإن قيل: على القول الأول: كيف كتبها لهم بعد قوله تعالى بعد {فإنها ~~محرمة عليهم} ؟ أجيب: بأجوبة أولها: قال ابن عباس: إنها كانت هبة ثم حرمها ~~عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم، ثانيها: اللفظ وإن كان عاما لكم المراد به ~~الخصوص فكأنها كتبت لبعضهم وحرمت على بعضهم، ثالثها: إن الوعد بقوله تعالى: ~~{كتب الله لكم} مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط، ~~رابعها: إنها محرمة عليهم أربعين سنة فلما مضت الأربعون حصل ما كتب {ولا ~~ترتدوا على أدباركم} أي: ولا ترجعوا مدبرين خوفا من العدو {فتنقلبوا ~~خاسرين} أي: في سعيكم، وذلك أن قوم موسى لما أخرجوا من مصر وعدهم الله ~~تعالى إسكان أرض الشأم. # قال الكلبي: صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له: انظر ما أدرك ~~بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك، وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشأم أرض ~~الموعد، ثم بعث موسى عليه السلام اثني عشر نقيبا ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك ~~الأرض فلما دخلوا تلك الأماكن رأوا أجساما عظيمة، قال ابن عادل: قال ~~المفسرون فأخذهم أحد أولئك الجبارين وجعلهم في كمه مع فاكهة قد حملها، من ~~بساتينه، وأتى بهم للملك ونثرهم بين يديه وقال تعجيبا للملك: هؤلاء يريدون ~~قتالنا فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه بما شاهدتم، ثم انصرف هؤلاء ~~النقباء إلى موسى عليه السلام فأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه ~~فلم يقبلوا قوله إلا رجلين منهم وهما يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف فتى ~~موسى وكالب بن يوفنا فتى موسى وكان من سبط يهوذا فإنهما # PageV01P366 # سهلا الأمر وقالا: هي بلاد طيبة كثيرة النعم والأقوام وإن كانت أجسامهم ~~عظيمة إلا أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية من النقباء فإنهم أوقعوا ~~الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ~~يا ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا الله ~~أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، ويقولون لأصحابهم: ms0610 قالوا: ~~نجعل علينا رؤساء وننصرف إلى مصر فذلك قوله تعالى: # {قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين} أي: عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين ~~لغيرهم على ما يريدون {وإنا لن ندخلها} خوفا منهم {حتى يخرجوا منها} أي: ~~بأي وجه كان {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} لها وأصل الجبار المتعظم ~~الممتنع عن القهر يقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي ~~إليها وسمي هؤلاء القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوة أجسادهم، وكانوا من ~~العمالقة وبقية قوم عاد فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى ~~مصر خر موسى وهارون عليهما السلام ساجدين وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما ~~اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله: # {قال رجلان من الذين يخافون} أي: مخالفة أمر الله تعالى {أنعم الله ~~عليهما} أي: بالتوفيق والعصمة {ادخلوا عليهم الباب} أي: باب قرية الجبارين ~~ولا تخشوهم فإنا رأيناهم وأجسادهم عظيمة بلا قلوب {فإذا دخلتموه فإنكم ~~غالبون} أي: لأن الله تعالى منجز وعده {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} ~~به ومصدقين بوعده فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوا أمرهما. # ثم {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا} نفوا دخولهم على التأبيد والتأييد ~~وقوله تعالى: {ما داموا فيها} بدل من أبدا بدل البعض {فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا} هم {إنا ههنا قاعدون} عن القتال لا القعود الذي هو ضد القيام قالوا ~~ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما وقيل: وربك أي: هارون لأنه أكبر ~~منه وقيل: تقديره اذهب أنت وربك يعينك فلما سمع من قومه ذلك. # {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} أي: لا أملك التصرف ولا ينفذ أمري ~~إلا في نفسي وأخي؛ لأن الإنسان لا يملك نفسه في الحقيقة إنما المراد به ~~التصرف وإني أفعل ما أمرتني به وأخي هارون قاله لشكوى بثه وحزنه إلى الله ~~عز وجل لما خالفه قومه وأيس منهم ولم يبق معه موافق يثق به غير هارون عليه ~~السلام والرجلان المذكوران وإن كانوا يوافقانه لم يثق بهما مما كابد من ~~تلون قومه أو ms0611 إن المراد بأخي من يواخيني في الدين فيدخلان فيه وأظهر وجوه ~~الإعراب في أخي أنه منصوب عطفا على نفسي والمعنى: ولا أملك إلا أخي مع ملكي ~~نفسي دون غيرنا {فافرق} أي: فافصل {بيننا وبين القوم الفاسقين} بأن تحكم ~~لنا بما نستحقه ونحكم عليهم بما يستحقونه أو بالتبعيد بيننا وبينهم. # {قال} تعالى: {فإنها} أي: الأرض المقدسة {محرمة عليهم} أن يدخلوها وقوله ~~تعالى: {أربعين سنة يتيهون} أي: يتحيرون {في الأرض} اختلف في العامل في ~~أربعين فقيل: محرمة فيكون التحريم مؤقتا غير مؤبد فلا يخالف ظاهر قوله ~~تعالى: {التي كتب الله لكم} (المائدة، 21) وقيل: هو يتيهون أي: يسيرون فيها ~~متحيرين، قال الزجاج: والأول خطأ لأنه جاء في التفسير أنها محرمة عليهم ~~أبدا فنصبها بيتيهون أي: فيكون التحريم مطلقا قال البغوي: لم يرد به تحريم ~~تعبد وإنما أراد تحريم منع وأوحى الله # PageV01P367 # تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام: بي حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض ~~المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ولأتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كل ~~يوم من الأيام التي تجسسوا فيها سنة، ولألقين جيفهم في هذه القفار وأما ~~بنوهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلونها فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ، ~~وقيل: تسعة فراسخ قال ابن عباس: وهم ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون كل يوم ~~جادين فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه وكان الغمام يظلهم من ~~الشمس وعمود نور يطلع بالليل فيضيء لهم وكان طعامهم المن والسلوى وماؤهم من ~~الحجر الذي يحملون فإذا ولد لأحدهم مولود كان عليه ثوب مثل الظفر في رأي ~~العين يطول بطوله ويتسع بقدرة الله والله أعلم بما يحكى من ذلك. # فإن قيل: كيف ينزل المن والسلوى في حال العقوبة؟ أجيب: بأنه سبب البقاء ~~وهو أبقى للعقوبة فهو كإقامة الحدود مع بقاء الخطاب، واختلفوا هل كان موسى ~~وهارون عليهما السلام فيهم أو لا؟ قال البغوي: الأصح أنهما كانا فيهم إلا ~~أنه كان ذلك راحة لهما وزيادة في درجتهما وعقوبة لهم، وهو أبلغ في الإجابة ~~أن يشاهدوهما في ms0612 حال العقوبة فلا يصيبهما ما أصابهم ولم يدخل الأرض المقدسة ~~أحد ممن قال لن ندخلها بل هلكوا في التيه، وإنما قاتل الجبابرة أولادهم ~~واختلفوا هل مات موسى وهارون في التيه أم لا؟ قال البيضاوي: الأكثرون إنهما ~~كانا معهم في التيه وإنهما ماتا فيه، مات هارون قبل موسى وموسى بعده بسنة، ~~قال عمرو بن ميمون: مات هارون قبل موسى وكانا خرجا إلى بعض الكهوف فمات ~~هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل فقالوا: قتله لحبنا إياه وكان ~~محببا في بني إسرائيل فتضرع موسى إلى ربه فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق ~~بهم إلى هارون فإني باعثه فانطلق بهم إلى قبره فناداه يا هارون فخرج من ~~قبره ينفض رأسه فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا ولكن مت قال: فعد إلى مضجعك ~~وانصرفوا وعاش موسى صلى الله عليه وسلم بعده سنة. # روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «جاء ملك الموت إلى موسى فقال له: أجب أمر ربك فلطم موسى عين ملك ~~الموت ففقأها فقال ملك الموت: يا رب إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وقد ~~فقأ عيني قال: فرد الله عينه وقال: ارجع إلى عبدي وقل له: الحياة تريد؟ فإن ~~كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها ~~سنة قال: ثم مه قال: ثم تموت قال: الآن من قريب؟ قال: رب أدنني من الأرض ~~المقدسة رمية حجر» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو أني عنده لأريتكم ~~قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» قال وهب: خرج موسى ليقضي حاجة فمر ~~برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير شيئا أحسن منه ولا مثل ما فيه من ~~الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر ~~فقالوا: لعبد كريم على ربه فقال: إن هذا العبد لمن الله بمنزلة ما رأيت ~~كاليوم أحسن منه مضجعا فقالت الملائكة: يا صفي الله تحب أن ms0613 يكون لك؟ قال: ~~وددت قالوا: فانزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك قال: فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ~~ثم تنفس أسهل نفس فقبض الله تعالى روحه ثم سوت عليه الملائكة التراب وقيل: ~~إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض الله روحه وكان عمر موسى ~~مائة وعشرين سنة، # PageV01P368 # فلما مات موسى عليه السلام وانقضت الأربعون سنة بعث الله تعالى يوشع عليه ~~السلام نبيا فأخبرهم أن الله تعالى قد أمرهم بقتال الجبابرة فصدقوه وبايعوه ~~فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق وأحاط بمدينة أريحاء ستة ~~أشهر وفتحوها في الشهر السابع ودخلوها فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا ~~عليهم يقتلونهم وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل ~~يضربونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ~~ليلة السبت فقال: اللهم اردد الشمس علي وقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا ~~في طاعة # الله فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل دخول ~~السبت فردت عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين. # وروى الإمام أحمد في مسنده حديثا: «إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ~~ليالي سار إلى بيت المقدس» ثم تتبع ملوك الشأم فاستباح منهم أحدا وثلاثين ~~ملكا حتى غلب على جميع أرض الشأم وصارت الشأم كلها لبني إسرائيل وفرق عماله ~~في نواحيها وجمع الغنائم فلم تنزل النار فأوحى الله تعالى إلى يوشع إن فيها ~~غلولا فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: هلم ما عندك ~~فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر، وكان قد غله فجعله في ~~القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان ثم مات يوشع ودفن ~~في جبل إبراهيم وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة وتدبر أمر بني إسرائيل بعد ~~موسى سبعا وعشرين سنة فسبحان الباقي بعد فناء خلقه. # ولما ندم موسى عليه السلام على الدعاء عليهم قال تعالى: {فلا تأس على ~~القوم الفاسقين} فبين تعالى أنهم أحقاء بذلك لفسقهم. # {واتل عليهم ms0614 نبأ ابني آدم} وهما هابيل وقابيل وقوله تعالى: {بالحق} صفة ~~مصدر محذوف أي: تلاوة متلبسة بالحق. وقصتهما: أن الله تعالى أوحى إلى آدم ~~أن يزوج كل واحد منهما توأم الآخر وكانت حواء تلد لآدم كل بطن غلاما وجارية ~~وظاهر كلام المؤرخين أن آدم لا يحل له أن يتزوج بواحدة من بناته ولا من ~~بنات أولاده، ولهذا ألغز بعضهم بقوله: ماتت زوجة رجل فحرم عليه نساء الدنيا ~~وكان جميع ما ولدته أربعين ولدا في عشرين بطنا أولهم قابيل وتوأمته اقليما ~~وثانيهم هابيل وتأومته يلودا وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أم المغيث، ثم بارك ~~الله تعالى في نسل آدم عليه السلام، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم ~~يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا فأراد آدم أن ينكح قابيل يلودا ~~أخت هابيل وينكح هابيل اقليما وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل فذكر ذلك ~~لولده فرضي هابيل وسخط قابيل وقال: هي أختي وأنا أحق بها فقال له أبوه: ~~إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ذلك وقال: إن الله لم يأمر بهذا وإنما هو من ~~رأيك فقال لهما آدم: قربا قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها وكانت ~~القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها وإذا لم تكن ~~مقبولة لم تنزل النار وأكله الطير والسباع فخرجا ليقربا وكان قابيل صاحب ~~زرع فقرب صبرة من طعام من أردأ زرعه وأضمر في نفسه ما أبالي تقبل مني أم لا ~~لا يتزوج أختي أبدا وكان هابيل صاحب غنم فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقربه، ~~وأضمر في نفسه رضا الله عز وجل فوضعا # PageV01P369 # قربانهما على الجبل ثم دعا آدم فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل ~~ولم تأكل قربان قابيل كما قال تعالى: {إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما} وهو ~~هابيل {ولم يتقبل من الآخر} وهو قابيل لأنه سخط حكم الله ولم يخلص النية في ~~قربانه وقصد إلى أخس ما عنده فغضب قابيل لرد قربانه وأضمر الحسد في نفسه ms0615 ~~إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت الحرام فلما # غاب آدم أتى قابيل لهابيل وهو في غنمه {قال لأقتلنك} قال: ولم؟ قال: لأن ~~الله تعالى قبل قربانك ورد قرباني وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة ~~فيتحدث الناس أنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي {قال} هابيل وما ذنبي؟ ~~{إنما يتقبل الله من المتقين} . # فإن قيل: كيف كان قول هابيل إنما يتقبل الله من المتقين جوابا لقوله ~~لأقتلنك؟ أجيب: بأنه لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على ~~توعده بالقتل قال له: إنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا ~~من قبلي فلم تقتلني ومالك لا تعاقب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى ~~التي هي السبب في القبول فأجابه بكلام حليم مختصر جامع لمعان وفيه إشارة ~~إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما صار به ~~المحسود محظوظا لا في إزالة حظ المحسود فإن ذلك مما يضره ولا ينفعه وأن ~~الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متق، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته ~~الوفاة فقيل له: ما يبكيك وقد كنت وكنت فقال: إني أسمع الله يقول: {إنما ~~يتقبل الله من المتقين} . # {لئن} لام قسم {بسطت} أي: مددت {إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى ~~عنهما: وأيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط ~~إلى أخيه يده خوفا من الله عز وجل لأن الدفع لم يبح بعد أو تحريا لما هو ~~الأفضل، قال عليه الصلاة والسلام: «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله ~~القاتل» وإنما قال: ما أنا بباسط في جواب لئن بسطت للتبري عن هذا الفعل ~~الشنيع رأسا والتحرز من أن يوصف به ويطلق عليه ولذلك أكد النفي بالباء. ~~وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص بفتح الياء من يدي والباقون بالسكون، واتفق ~~القراء السبعة على بقاء صفة الطاء ms0616 في بسطت وإدغام الطاء في التاء لأن مخرج ~~الطاء والتاء واحد ولكن الصفة مختلفه فالطاء منطبقة والتاء منفتحة والطاء ~~مستعلية والتاء مستقلة والطاء مجهورة والتاء مهموسة ويقال في ذلك: إدغام ~~الحرف وإبقاء الصفة. # {إني أريد أن تبوء} أي: ترجع {بإثمي} أي: بإثم قتلي {وإثمك} الذي ارتكبته ~~من قبل {فتكون من أصحاب النار} ولا أريد أن أبوء بإثمك إذا قتلتك فأكون ~~منهم. # فإن قيل: كيف قال: أريد أن تبوء بإثمي وإثمك وإرادة القتل والمعصية لا ~~تجوز؟ أجيب: بأن ذلك ليس بحقيقة إرادة، لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ~~ووطن نفسه على الاستسلام طلبا للثواب فكأنه صار مريدا لقتله مجازا وإن لم ~~يكن مريدا حقيقة {وذلك جزاء الظالمين} أي: الراسخين في وصف الظلم وأكون أنا ~~من أصحاب الجنة جزاء لي بإحساني في إيثاري حياتك على حياتي وذلك جزاء ~~المحسنين. # {فطوعت} قال قتادة: فزينت {له نفسه قتل أخيه فقتله} قال ابن جريج: تمثل ~~له إبليس وأخذ له طائرا ووضع رأسه على حجر وشدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر ~~إليه فعلمه القتل فرضخ قابيل # PageV01P370 # رأس هابيل بين حجرين وقتله وهو مستسلم وقيل: اغتاله في النوم وهو نائم ~~فشدخ رأسه فقتله {فأصبح} أي: فصار {من الخاسرين} بقتله ولم يدر ما يصنع به ~~لأنه أول ميت على وجه الأرض من بني آدم وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة ~~فحمله بعد قتله في جراب أربعين يوما وقال ابن عباس: سنة حتى أروح وعكف عليه ~~الطير والسباع تنظر متى يرمي فتأكله فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما ~~صاحبه ثم حفر له بمنقاره ورجليه حتى مكنه ثم ألقاه في الحفرة وواراه وقابيل ~~ينظر إليه فذلك قوله تعالى: # {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه} أي: الله أو ليريه الغراب أي: ~~ليعلمه؛ لأنه لما كان سبب تعليمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز {كيف ~~يواري} أي: يستر {سوأة} أي: جيفة {أخيه} وقيل: عورته لأنه كان سلبه ثيابه ~~فلما رأى قابيل ذلك {قال يا ويلتي} كلمة جزع وتحسر والألف فيها ms0617 بدل من ياء ~~المتكلم والمعنى: يا ويلتي احضري فهذا أوانك والويل والويلة الهلكة {أعجزت} ~~أي: مع ما جعل الله لي من القوة الناطقة {أن} أي: عن أن {أكون} مع مالي من ~~الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك {مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} أي: لأهتدي ~~إلى ما اهتدى إليه وقوله تعالى: {فأواري} عطف على أكون وليس جواب الاستفهام ~~إذ ليس المعنى لو عجزت لواريت {فأصبح} أي: بسبب قتله {من النادمين} أي: على ~~ما فعل لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه وما انتفع من قتله بشيء، قال المطلب ~~بن عبد الله بن حنطب: لما قتل ابن آدم أخاه رجت الأرض بما فيها سبعة أيام ~~وعن ابن عباس لما قتله، وكان آدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر وتغيرت ~~الأطعمة وحمضت وأمر الماء واغبرت الأرض فقال آدم عليه السلام: قد حدث في ~~الأرض حدث. # وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض وشربت الأرض الدم فسأله آدم عليه ~~السلام بعد مجيئه من مكة عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلا فقال: بل قتلته ~~ولذلك اسود جسدك قال: فأين دمه إن كنت قتلته فحرم الله عز وجل على الأرض من ~~يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا، وعن الواقدي: أن السودان كلهم من ولده وعن ~~محمد بن إسحاق: كان نوح نائما فرآه ابنه حام عريانا فلم يستره فاسود في ~~الوقت فالسودان من ولده ورآه ابنه سام فستره. # وروي أن آدم صلوات الله وسلامه عليه مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه ~~لما أتى من مكة إلى الهند رثاه بشعر وهو: # *تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح* # *تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح* # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: من قال إن آدم قال شعرا فقد ~~كذب إن محمدا والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام في النهي عن الشعر سواء. # وروي أنه رثاه فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يقول الشعر ~~فنظر إلى المرثية فإذا ms0618 هي سجع فقال: إن هذا يقوم منه شعر فرد المقدم إلى ~~المؤخر والمؤخر إلى المقدم فوزنه شعرا وزيد فيه أبيات منها: # *أرى طول الحياة علي غما ... فهل أنا من حياتي مستريح* # *ومالي لا أجود بسكب دمع ... وهابيل تضمنه الضريح* # PageV01P371 # فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة ~~ولدت له حواء شيئا وتفسيره هبة الله أي: إنه خلف الله من هابيل علمه الله ~~ساعات الليل والنهار وأعلمه الله عبادة الخلق في كل ساعة منها وأنزل عليه ~~خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده. وأما قابيل فقيل له: اذهب طريدا شريدا ~~فزعا مرعوبا لا يأمن من يراه، فأخذ بيد أخته أقليما وهرب بها إلى عدن من ~~أرض اليمن فأتاه إبليس لعنه الله تعالى وقال له: إنما أكلت النار قربان ~~أخيك لأنه كان يعبد النار فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت النار ~~فهو أول من عبد النار، قال مجاهد: واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع ~~والطبول والمزامير والعيدان والطنابير وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة ~~النار والزنا والفواحش حتى أغرقهم الله تعالى بالطوفان أيام نوح عليه ~~السلام، وبقي نسل شيث عليه السلام، قال البقاعي في تفسيره: والله أعلم بما ~~يروى من ذلك ولا يعتمد على مثل هذه الأحاديث، وقد أحسن الطبري بقوله: أخبر ~~الله تعالى بقتله ولا خبر يقطع العذر بصفة قتله على ما ذكرنا منه في مثله ~~ولا فائدة في طلب الصحيح منه في الدين اه. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم ~~الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل» . # {من أجل ذلك} أي: الذي فعله قابيل {كتبنا} أي: قضينا {على بني إسرائيل} ~~في التوراة لأنهم كانوا أشد الناس جراءة على القتل ولذلك كانوا يقتلون ~~الأنبياء {إنه} أي: الشأن {من قتل نفسا} أي: من بني آدم {بغير نفس} أي: ~~بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص {أو} قتلها بغير {فساد} أتاه {في الأرض} كالشرك ms0619 ~~والزنا بعد الإحصان وقطع الطريق وكل ما يبيح إراقة الدم {فكأنما قتل الناس ~~جميعا} أي: من حيث هتك حرمة الدماء وسن القتل وجراءة الناس عليه أو من حيث ~~أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استحلال غضب الله والعذاب العظيم. # {ومن أحياها} أي: بسبب من الأسباب كإنقاذ من هلكة أو غرق أو دفع من يريد ~~أن يقتلها ظلما {فكأنما أحيا الناس جميعا} قال ابن عباس: من حيث عدم انتهاك ~~حرمتها وصونها قال سليمان بن علي: قلت للحسن يأبا سعيد أهي لنا أي: هذه ~~الآية كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي، والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني ~~إسرائيل أكرم على الله من دمائنا اه. ومما يحسن إيراده هنا ما ينسب لأمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقيل: إنه للشافعي رحمه الله ~~تعالى: # *الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء* # *نفس كنفس وأرواح مشاكلة ... وأعظم خلقت فيهم وأعضاء* # *فإن يكن لهم في أصلهم حسب ... يفاخرون به فالطين والماء* # *ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء* # *وقدر كل امرىء ما كان يحسنه ... وللرجال على الأفعال أسماء* # *وضد كل امرىء ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء* # *ففز بعلم تعش حيا به أبدا ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء* # {ولقد جاءتهم} أي: بني إسرائيل {رسلنا بالبينات} أي: المعجزات وقرأ أبو ~~عمرو بسكون السين # PageV01P372 # والباقون بضمها {ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك} أي: بعدما كتبنا عليهم هذا ~~التشديد العظيم وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيدا للأمر وتجديدا ~~للعهد {في الأرض لمسرفون} أي: مجاوزون الحد بالكفر والقتل وغير ذلك ولا ~~يبالون به وبهذا اتصلت القصة بما قبلها. # ونزل في العرنيين «لما قدموا المدينة وهم مرضى أتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها وأبوالها فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا ~~الإبل» . # {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} أي: يحاربون أولياءهما وهم ms0620 ~~المسلمون جعل محاربتهم محاربتهما تعظيما {ويسعون في الأرض فسادا} أي: بقطع ~~الطريق {أن يقتلوا} أي: إن قتلوا {أو يصلبوا} أي: مع ذلك إن قتلوا وأخذوا ~~المال أي: والصلب ثلاثا بعد القتل {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} أي: ~~أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال {أو ينفوا من ~~الأرض} أي: إن أرعبوا ولم يأخذوا شيئا أي: ينفوا من بلد إلى بلد إن رأى ~~الإمام ذلك وإن رأى حبسهم فله ذلك ولو في بلدهم، هكذا فسر الآية ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما فحمل كلمة أو على التنويع لا التخيير كما في قوله ~~تعالى: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى} (البقرة، 135) أي: قالت اليهود: كونوا ~~هودا وقالت النصارى: كونوا نصارى إذ لم يخير أحد منهم بين اليهودية ~~والنصرانية {ذلك} أي: الجزاء العظيم {لهم خزي} أي: ذل وإهانة {في الدنيا ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم} هو عذاب النار واحتج أكثر أهل العلم على أن هذه ~~الآية نزلت في قطاع الطريق بقوله تعالى: # {إلا الذين تابوا} أي: رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفا من الله ~~تعالى {من قبل أن تقدروا عليهم} أي: فإن حقوقه تعالى تسقط عنهم كالقطع ~~والصلب وتحتم القتل ويبقى القصاص والمال لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة ~~{فاعلموا أن الله غفور} لهم ما أتوه {رحيم} بهم، ولو كانت نزلت في الكفار ~~لكانت توبتهم بالإسلام وهو رافع للعقوبة قبل القدرة وبعدها. # {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي: خافوا عقابه بأن تطيعوه {وابتغوا ~~إليه الوسيلة} أي: اطلبوا ما تتوسلون به إلى ثوابه، والزلفى منه من فعل ~~الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا إذا تقرب إليه قال لبيد: # *أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... ألا كل ذي لب إلى الله واسل* # وفي الحديث «الوسيلة منزلة في الجنة» {وجاهدوا في سبيله} بمحاربه أعدائه ~~لتكون كلمة الله هي العليا {لعلكم تفلحون} بالوصول إلى الله عز وجل والفوز ~~بكرامته. # {إن الذين كفروا لو} ثبت {أن لهم ما في الأرض} من صنوف الأموال ms0621 وأكده ~~بقوله: {جميعا ومثله معه ليفتدوا به} أي: ليجعلوه فدية لأنفسهم {من عذاب ~~يوم القيامة ما تقبل منهم} أي: لأن المدفوع إليه ذلك تام القدرة وله الغنى ~~المطلق {ولهم} بعد ذلك {عذاب أليم} أي: مؤلم. # {يريدون أن يخرجوا} أي: أن يكون لهم الخروج في وقت ما إذا رفعهم اللهب ~~إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجا {من النار} ثم نفى خروجهم على وجه التأكيد ~~فقال: {وما هم بخارجين منها} أي: ما يثبت لهم خروج أصلا {ولهم} خاصة دون ~~عصاة المؤمنين {عذاب مقيم} أي: دائم تارة بالبرد وتارة بالحر وتارة ~~بغيرهما. # فإن قيل: # PageV01P373 # قال تعالى: {لا يذوقون فيها بردا} (النبأ، 24) فهو ينافي ما ذكر أجيب: ~~بأن المراد بالبرد في الآية النوم فلا منافاة وأن في قوله تعالى: # {والسارق والسارقة} موصولة مبتدأ أي: والذي سرق والتي سرقت ولشبهه بالشرط ~~دخلت الفاء في خبره وهو {فاقطعوا أيديهما} أي: يمين كل واحد منهما من الكوع ~~كما بينته السنة كما بينت أنه لا بد أن يكون المسروق ربع دينار فصاعدا من ~~حرز مثله من غير شبهة له فيه، وأنه إذا عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ~~ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى ثم بعد ذلك يعزر. # ثم علل تعالى ذلك بقوله: {جزاء بما كسبا} أي: فعلا من ذلك ثم علل تعالى ~~هذا الجزاء بقوله: {نكالا} أي: عقوبة لهما {من الله} وأعاد الاسم الأعظم ~~تعظيما للأمر فقال: {وا عزيز} أي: غالب على أمره {حكيم} أي: بالغ الحكم ~~والحكمة في خلقه. # {فمن تاب} أي: من السراق {من بعد ظلمه} أي: سرقته {وأصلح} أمره بالتخلص ~~من التبعات والعزم على أن لا يعود إليها {فإن الله يتوب عليه} أي: يقبل ~~توبته تفضلا منه تعالى {إن الله غفور رحيم} فلا يعذبه في الآخرة، وأما ~~القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما ~~سرق من المال عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم ~~عليه وبالاتفاق إن كان المسروق قائما عنده يسترد ms0622 وتقطع يده لأن القطع حق ~~الله عز وجل والغرم حق العبد ولا يمنع أحدهما الآخر وقوله تعالى: # {ألم تعلم} الاستفهام للتقرير والخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: ~~معناه ألم تعلم أيها الإنسان فيكون خطابا لكل أحد من الناس {أن الله له ملك ~~السموات والأرض} أي: أن الملك خالص له عن جميع الشوائب {يعذب من يشاء} ~~تعذيبه {ويغفر لمن يشاء} المغفرة له {وا على كل شيء قدير} أي: ومنه التعذيب ~~والمغفرة فليس هو كغيره من الملوك الذين قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه ~~وتبعيد أعدا عدوه. # {يأيها الرسول} أي: المبلغ لما أرسل به وقوله تعالى: {لا يحزنك} قرأ نافع ~~بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي {الذين يسارعون في ~~الكفر} أي: يقعون فيه بسرعة بأن يظهروه إذا وجدوا منه فرصة وقوله تعالى: ~~{من الذين قالوا آمنا} للبيان وقوله تعالى: {بأفواههم} أي: بألسنتهم متعلق ~~بقالوا {ولم تؤمن قلوبهم} وهم المنافقون وقوله تعالى: {ومن الذين هادوا} ~~عطف على من الذين قالوا وقوله تعالى: {سماعون للكذب} خبر مبتدأ محذوف أي: ~~هم سماعون والضمير في سماعون للفريقين أو للذين يسارعون ويجوز أن يكون ~~مبتدأ ومن الذين خبره أي: ومن اليهود قوم سماعون للكذب الذي افترته أحبارهم ~~سماع قبول {سماعون} منك {لقوم} أي: لأجل قوم {آخرين} من اليهود {لم يأتوك} ~~أي: لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرا وإفراطا في البغضاء {يحرفون الكلم} ~~أي: الذي في التوراة كآية الرجم {من بعد مواضعه} أي: التي وضعها الله عليها ~~أي: يبدلونه {يقولون} أي: الذين يحرفونه لمن يرسلونهم للنبي صلى الله عليه ~~وسلم {إن أوتيتم هذا} أي: المحرف أي: أفتاكم به محمد صلى الله عليه وسلم ~~{فخذوه} أي: فاقبلوه منه واعلموا أنه الحق واعملوا به {وإن لم تؤتوه} أي: ~~بأن أفتاكم بخلافه {فاحذروا} أن تقبلوه منه فإنه الباطل والضلال. # روي أن شريفا في خيبر زنا بشريفة وكانا محصنين وحدهما الرجم في التوراة # PageV01P374 # فكرهوا رجمهما لشرفهما وقالوا: إن هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه ~~الرجم ولكن ms0623 الضرب فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عنه وقالوا: إن أمركم بالجلد والتحميم أي: تسويد الوجه ~~من الحمة بالضم والتشديد وهي السواد فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تأتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية ~~إذا أحصنا ما حدهما في كتابك؟ فقال: «هل ترضون بقضائي؟» فقالوا: نعم، فنزل ~~جبريل عليه السلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل: ~~اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟» قالوا: نعم ~~فقال: هو أي رجل فيكم؟ فقالوا: هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل ~~الله على موسى بن عمران في التوراة، قال: «فأرسلوا إليه» ففعلوا فأتاهم ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «أنت ابن صوريا؟» قال: نعم قال: «أعلم ~~اليهود» قال: كذلك يزعمون قال: «تجعلونه بيني وبينكم؟» قالوا: نعم فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق ~~البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم ~~كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟» قال: نعم فوثب عليه ~~سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبت أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده وقال: «اللهم إني ~~أول من أحيا أمرك إذا ما أتوه فأنزل الله عز وجل {يأيها الرسول} الآية. # وروي أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن ~~رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تجدون في ~~التوراة في شأن الرجم؟» ms0624 فقالوا: نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام: ~~كذبتم إن فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهما يده على آية ~~الرجم وقرأ ما بعدها فقال له عبد الله: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية ~~الرجم قالوا: صدقت يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فرجما قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: فرأيت الرجل ~~يقي بيده عن المرأة الحجارة» . # فائدة: كانت آية الرجم في القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها، روى البيهقي ~~عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال في خطبته: إن الله بعث ~~محمدا وأنزل عليه كتابا وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها ~~الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ~~وسيأتي الكلام في سورة الأحزاب أن هذه الآية كانت فيها. # {ومن يرد الله فتنته} أي: إضلاله أو فضيحته {فلن تملك} أي: لن تستطيع {له ~~من الله شيئا} في دفعها إذا لم تملك أنت، وأنت أقرب الخلق إلى الله تعالى ~~فمن يملك {أولئك} أي: البعداء من الهدى {الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} ~~أي: من الكفر ولو أراده لكان وهذا كما ترى نص على فساد قول المعتزلة بأنه ~~أراد ذلك {لهم في الدنيا خزي} أي: ذل بالفضيحة والجزية والخوف من المؤمنين ~~{ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وهو الخلود في النار والضمير للذين # PageV01P375 # هادوا إن استأنفت بقوله تعالى: {ومن الذين} وإلا فللفريقين. وقوله تعالى: # {سماعون للكذب} كرره للتأكيد {أكالون للسحت} وهو كل ما لا يحل كسبه وهو ~~من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة كما قال الله تعالى: {يمحق الله ~~الربا} (البقرة، 276) والربا باب منه وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام ~~وتحليل الحرام، وعن الحسن رحمه الله تعالى: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا ~~أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه فأراه إياها وتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ~~ينظر إلى خصمه فيأكل الرشوة ويسمع الكذب وعنه صلى الله عليه وسلم «كل لحم ms0625 ~~أنبته السحت فالنار أولى به» وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بضم الحاء ~~والباقون بالسكون. # {فإن جاؤك} أي: لتحكم فيهم {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} هذا تخيير لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا هل نسخ هذا التخيير أم لا؟ فقال أكثر أهل ~~العلم: هو محكم ثابت وليس في سورة المائدة منسوخ، وحكام المسلمين بالخيار ~~في الحكم بين أهل الكتاب إن شاءوا حكموا وإن شاءوا لم يحكموا بحكم الإسلام ~~وهو قول النخعي والشعبي وعطاء وقتادة وقال قوم: يجب على حكام المسلمين أن ~~يحكموا بينهم والآية منسوخة نسخها قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله} (المائدة، 49) وهو قول مجاهد وعكرمة ومروي ذلك أيضا عن ابن عباس ~~وقال: لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله تعالى: {لا تحلوا شعائر الله} ~~(المائدة، 2) نسخها قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} (التوبة، 5) وقوله ~~تعالى: {فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} (المائدة، 42) نسخها قوله ~~تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} (المائدة، 49) ومذهب الشافعي رضي ~~الله تعالى عنه أن الذميين وإن اختلفت ملتهما كيهودي ونصراني يجب الحكم ~~بينهما عند الترافع، وكذا الذمي مع المعاهد بخلاف المعاهدين فإن الحكم لا ~~يجب بينهما؛ لأنهم لم يلتزموا بأحكامنا ولا التزمنا دفع بعضهم عن بعض فيحمل ~~التخيير على هذا، والآية الأخرى على أهل الذمة ويعلم من ذلك أن الحكم بين ~~الحربيين لا يجب بطريق الأولى ولو ترافع إلينا ذميان في شرب خمر لم نحدهما ~~وإن رضيا بحكمنا لأنهما لا يعتقدان تحريمه ولو ترافع إلينا مسلم وذمي وجب ~~الحكم بينهما إجماعا {وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا} بأن يعادوك لإعراضك ~~عنهم فإن الله تعالى يعصمك من الناس {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} أي: ~~بالعدل الذي أمر الله تعالى به {إن الله يحب} أي: يثيب {المقسطين} أي: ~~العادلين في الحكم وقوله تعالى: # {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} استفهام تعجيب من تحكيمهم ~~من لا يؤمنون به والحال أن الحكم منصوص عليه في كتابهم الذي هو عندهم، ~~وتنبيه على أنهم ما قصدوا ms0626 بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع وإنما طلبوا ~~منه ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم {ثم يتولون} ~~أي: يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم {من بعد ذلك} التحكيم وهذا داخل في حكم ~~التعجب فإنه معطوف على يحكمونك {وما أولئك} أي: السعداء من الله ~~{بالمؤمنين} أي: بكتابهم لإعراضهم عنه أولا أو بك وبه. # {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى} يهدي من الضلالة إلى الحق {ونور} يكشف ما ~~اشتبه عليهم من الأحكام {يحكم بها النبيون} أي: من بني إسرائيل وقوله ~~تعالى: {الذين أسلموا} ذكر على وجه الصفة للأنبياء للتنويه بشأن الصفة دون ~~التخصيص والتمييز؛ لأنهم كلهم بهذه الصفة منقادون لله تعالى وللتنبيه على ~~عظم قدرها # PageV01P376 # حيث وصف بها عظيم كما وصف الأنبياء بالصلاح والملائكة بالإيمان فإن أوصاف ~~الأشراف أشراف الأوصاف وقوله تعالى: {للذين هادوا} متعلق بأنزل أو بيحكم ~~أي: يحكمون بها في تحاكمهم وهو يدل على أن النبيين أنبياؤهم وقوله تعالى: ~~{والربانيون} أي: الزهاد الذين انسلخوا من الدنيا وبالغولوا فيما يوجب ~~النسبة إلى الرب {والأحبار} أي: العلماء السالكون طريقة أنبيائهم عطف على ~~النبيون {بما} أي: بسبب الذي {استحفظوا} أي: استودعوه {من كتاب الله} أي: ~~استحفظهم الله تعالى إياه بأن يحفظوه من التضييع والتحريف أو بأن يحفظ فلا ~~ينسى وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتاب الله من هذين الوجهين معا: أحدهما: ~~أن يحفظ في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم والثاني: أن لا يضيعوا أحكامه ولا ~~يهملوا شرائعه والراجع إلى ما محذوف، ومن للتبيين والضمير في استحفظوا ~~للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا وكذلك الضمير في قوله تعالى: {وكانوا ~~عليه شهداء} أي: رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون مراعاته أصلا وقوله ~~تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} نهي للحكام أن يخشوا غير الله تعالى في ~~حكوماتهم خوفا من سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من الأقرباء والأصدقاء، وقرأ ~~أبو عمرو بإثبات الياء في الوصل دون الوقف والباقون بحذفها وصلا ووقفا {ولا ~~تشتروا} أي: تستبدلوا {بآياتي} أي: بأحكامي التي أنزلتها {ثمنا قليلا} أي: ~~من الرشا ms0627 وغيرها لتكتموا أو تبدلوها كما فعل أهل الكتاب وقوله تعالى: {ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال عكرمة: معناه ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله # جاحدا له فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق فحمل الآيات على ~~هذا وهو ظاهر، وقال الضحاك وقتادة: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون ~~من أساء من هذه الأمة وقيل: أولئك هم الكافرون في المسلمين لاتصالها ~~بخطابهم والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى. # {وكتبنا} أي: فرضنا {عليهم} أي: اليهود {فيها} أي: التوراة {أن النفس} ~~تقتل {بالنفس} إذا قتلتها {والعين} تفقأ {بالعين} أي: بعين من فقأها ~~{والأنف} تجدع {بالأنف} أي: بأنف من جدعه {والأذن} تقطع {بالأذن} أي: بأذن ~~من قطعها {والسن} تقلع {بالسن} أي: بسن من قلعها {والجروح قصاص} أي: يقتص ~~فيها إذا أمكن كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وما لا يمكن فيه القصاص فيه ~~الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مفروض في شرعنا. # وقرأ الكسائي هذه الألفاظ الخمسة وهي: العين بالعين إلى آخرها بالرفع على ~~أنها جمل معطوفة على «أن» وما في حيزها باعتبار المعنى، وكأنه قيل: كتبنا ~~عليهم النفس بالنفس والعين بالعين فإن الكتابة والقراءة يقعان على الجمل ~~كالقول أو مستأنفة ووافق الكسائي ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في الجروح ~~فقط والباقون بالنصب في الجميع وسكن نافع الذال من الأذن وقرأ الباقون ~~برفعها. # {فمن تصدق به} أي: القصاص بأن مكن من نفسه {فهو} أي: التصدق بالقصاص ~~{كفارة له} أي: لما أتاه فلا يعاقب ثانيا في الآخرة وقيل: فمن تصدق به من ~~أصحاب الحق فالتصدق به كفارة للمتصدق يكفر الله تعالى به من سيآته ما ~~تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: ~~تهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به. وقيل: فهو كفارة للجاني إذا تجاوز عنه ~~صاحب الحق سقط عنه ما لزمه {ومن لم يحكم بما أنزل الله} أي: # PageV01P377 # في القصاص وغيره {فأولئك هم الظالمون} أي: الذين تركوا العدل ms0628 فضلوا ~~فصاروا كمن يمشي في الظلام فإن كان تدينا بالترك كان نهاية للظلم وهو الكفر ~~وإلا كان عصيانا لأن الله تعالى أحق أن يخشى ويرجى. # {وقفينا} أي: أتبعنا {على آثارهم} أي: النبيين الذين يحكمون بالتوراة ~~{بعيسى بن مريم} صلى الله عليه وسلم ونسبه تعالى إلى أمه إشارة إلى أنه لا ~~والد له تكذيبا لليهود وإلى أنه عبد مربوب تكذيبا للنصارى {مصدقا لما بين ~~يديه} أي: قبله مما أتى به موسى عليه السلام {من التوراة} وأشار تعالى ~~بقوله: {وآتيناه الإنجيل} أي: أنزلناه عليه كما أنزلنا التوراة على موسى ~~عليهما الصلاة والسلام إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها {فيه هدى} من الضلالة ~~{ونور} أي: بيان للأحكام وقوله تعالى: {ومصدقا} أي: الإنجيل حال {لما بين ~~يديه} أي: قبله. # ولما كان الذي نزل قبله كثيرا بين المراد بقوله: {من التوراة} أي: لما ~~فيها من الأحكام فالأول: صفة لعيسى عليه الصلاة والسلام والثاني: صفة ~~لكتابه أي: فهو والتوراة والإنجيل يتصادقون فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو ~~يصدقهما لم يتخالفوا في شيء بل هو متخلق بجميع ما أتى به {وهدى وموعظة ~~للمتقين} أي: كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به. # {وليحكم أهل الإنجيل} وهم اتباع عيسى عليه الصلاة والسلام {بما أنزل الله ~~فيه} أي: من الأحكام، وقرأ حمزة بكسر اللام ونصب الميم عطفا على معمول ~~آتيناه والباقون بكسر اللام وسكون الميم على الأمر أي: فلينته أهل التوراة ~~عما نسخ منها وليحكم أهل الإنجيل إلخ.. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الفاسقون} أي: المختصون بكمال الفسق فإن كان تدينا كان كفرا وإن كان ~~لاتباع الشهوات كان مجرد معصية لأن الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج من ~~دائرة الشرع مرة بعد أخرى. # {وأنزلنا إليك} يا محمد خاصة {الكتاب} أي: الكامل في جمعه لكل ما يطلب ~~منه وهو القرآن وقوله تعالى: {بالحق} متعلق بأنزلنا {مصدقا لما بين يديه} ~~أي: قبله. # لما كانت الكتب السماوية من شدة تصادقها كالشيء الواحد عبر تعالى بالمفرد ~~فقال: {من الكتاب} ms0629 أي: الكتب المنزلة التي جاء بها الأنبياء من قبل، فاللام ~~الأولى في الكتاب للعهد؛ لأنه عني به القرآن والثانية للجنس لأنه عني به ~~جنس الكتب المنزلة {ومهيمنا عليه} أي: رقيبا على سائر الكتب أي: يحفظها من ~~التغيير والتبديل ويشهد لها بالصحة والثبات {فاحكم بينهم} أي: بين جميع أهل ~~الكتاب إذا ترافعوا إليك {بما أنزل الله} إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم ~~المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من ~~أوصافك {ولا تتبع أهواءهم} فيما خالفه عادلا {عما جاءك من الحق} بالانحراف ~~عنه إلى ما يشتهونه. # {لكل جعلنا منكم} أيها الأمم {شرعة} أي: دينا موصلا إلى الحياة الأبدية ~~والشرعة هي الطريقة إلى الماء، شبه بها الدين لأنها موصلة إلى الماء الذي ~~به الحياة الدنيوية {ومنهاجا} أي: طريقا واضحا في الدين ناسخا لما قبله، ~~وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع وأمثاله مما يدل على أنا لسنا متعبدين ~~بالشرائع المتقدمة وأن كل رسول غير متعبد بشرع من قبله وهو محمول على ~~الفروع وما دل على الاجتماع كآية شرع لكم من الدين محمول على الأصول. # {ولو شاء الله لجعلكم أمة} # PageV01P378 # أي: جماعة {واحدة} أي: متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ ~~وتحويل {ولكن} لم يشأ ذلك بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة {ليبلوكم} أي: ~~ليختبركم {فيما آتاكم} من الشرائع المختلفة ليبرز إلى الوجود المطيع منكم ~~والعاصي {فاستبقوا الخيرات} أي: ابتدروها انتهازا للفرصة بغاية الجهد فقل: ~~من يسابق شخصا يخشى العار بسبقه، وقوله تعالى: {إلى الله مرجعكم جميعا} أي: ~~بالبعث استئناف فيه تعليل للأمر بالاستباق، ووعد للمبادرين ووعيد للمقصرين ~~{فينبئكم} أي: يخبركم {بما كنتم فيه تختلفون} أي: من أمر الدين ويجزي كلا ~~منكم بعمله. وقوله تعالى: # {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} عطف على الكتاب أي: أنزلنا إليك الكتاب ~~والحكم أو على الحق أي: أنزلناه بالحق وبأن أحكم، وقرأ أبو عمرو وعاصم ~~وحمزة بكسر نون وأن احكم والباقون بضمها {ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن} أي: ~~لئلا ms0630 يفتنوك أي: يضلوك ويصرفوك {عن بعض ما أنزل الله إليك} . # روي أن أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ~~فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ~~كلهم وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ~~ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {فإن تولوا} أي: عن ~~الحكم المنزل وأرادوا غيره {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم} أي: بالعقوبة ~~في الدنيا {ببعض ذنوبهم} أي: التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها ~~في الآخرة {وإن كثيرا من الناس} أي: هم وغيرهم {لفاسقون} أي: خارجون عن ~~دائرة الطاعات ومعادن السعادات. # {أفحكم الجاهلية} أي: خاصة مع إن أحكامها لا يرضى بها عاقل لكونها لم يدع ~~إليها كتاب بل هي مجرد أهواء وهم أهل الكتاب {يبغون} أي: يريدون بإعراضهم ~~عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتباعك وشهد كتابك المعجز عن معارضته من ~~وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق وهذا استفهام إنكاري، وقرأ ابن عامر بالتاء ~~على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وهو أدل على الغضب، والباقون بالياء على ~~الغيبة. وقيل: نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يحكم بما كان يحكم به الجاهلية من التفاضل بين القتلى أي: بين ديات ~~بعضهم على بعض {ومن} أي: لا أحد {أحسن من الله حكما لقوم} أي: عند قوم ~~{يوقنون} به خصوا بالذكر؛ لأنهم الذين يتدبرون الأمور ويتخيلون الأشياء ~~بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكما من الله جلا وعلا. # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} أي: توالونهم ~~وتوادونهم وتعاشرونهم معاشرة الأحباب وقوله تعالى: {بعضهم أولياء بعض} فيه ~~إيماء إلى علة النهي أي: فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضا ~~لاتحادهم في الدين وإجماعهم على مضارتكم {ومن يتولهم منكم} أي: ومن والاهم ~~منكم {فإنه منهم} أي: من جملتهم وهذا تشديد في وجوب مجانبتهم أو لأن ~~الموالين كانوا منافقين {إن الله لا يهدي القوم ms0631 الظالمين} أي: الذين ظلموا ~~أنفسهم بموالاة الكفار، ومن لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه.k # تنبيه: اختلف في سبب نزول هذه الآية فقال قوم: نزلت في عبادة بن الصامت ~~وعبد الله بن أبي بن سلول المنافق وذلك أنهما اختصما فقال عبادة: إن لي ~~أولياء من # PageV01P379 # اليهود كثيرا عددهم شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ~~موالاتهم ولا مولى لي إلا الله ورسوله فقال عبد الله: لكني لا أبرأ من ~~ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وقال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس وتخوفوا أن ~~تدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي آخذ منه ~~أمانا إني أخاف أن تدال علينا اليهود وقال الآخر: أما أنا فألحق بفلان ~~النصراني من أهل الشأم وآخذ منه أمانا فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال ~~عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن المنذر بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني ~~قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا نزلنا ~~فجعل إصبعه على حلقه يعني أنه الذبح أي: يقتلكم فنزلت # {فترى الذين في قلوبهم مرض} أي: ضعف اعتقاد كعبد الله بن أبي {يسارعون ~~فيهم} أي: في مولاتهم {يقولون} معتذرين عنها {نخشى} أي: نخاف خوفا بالغا ~~{أن تصيبنا دائرة} أي: مصيبة تحيط بنا ويدور بها الدهر علينا من جدب أو ~~غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا {فعسى الله أن يأتي بالفتح} أي: بإظهار ~~الدين على الأعداء {أو أمر من عنده} أي: بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم ~~{فيصبحوا} أي: هؤلاء المنافقون {على ما أسروا في أنفسهم} أي: على ما ~~استبطنوه من الكفر والشك في أمر الرسول فضلا عما أظهروه مما أشعر به نفاقهم ~~{نادمين} أي: ثابت لهم غاية الندم في الصباح وغيره وقوله تعالى: # {ويقول الذين آمنوا} قرأه عاصم وحمزة والكسائي بالرفع على أنه كلام مبتدأ ~~ويؤيده قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعا بغير واو ms0632 على أنه جواب قائل ~~يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ وقرأ بالنصب أبو عمرو عطفا على يأتي ~~باعتبار المعنى وكأنه قال: عسى الله أن يأتي بالفتح، ويقول الذين آمنوا ~~{أهؤلاء الذين أقسموا با جهد أيمانهم} أي: غاية اجتهادهم فيها {إنهم لمعكم} ~~في الدين أي: يقوله المؤمنون بعضهم لبعض تعجبا من حال المنافقين وتبجعا بما ~~من الله تعالى عليهم من الإخلاص، أو يقولون لليهود: فإن المنافقين حلفوا ~~لهم بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: {وإن قوتلتم لننصرنكم} ~~(الحشر آية: 11) {حبطت} أي: بطلت {أعمالهم} أي: الصالحة {فأصبحوا} أي: ~~فصاروا {خاسرين} الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب. # {يأيها الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان {من يرتدد} أي: يرجع {منكم عن ~~دينه} إلى الكفر وهذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها في القرآن قبل ~~وقوعها وكان أهل الردة إحدى عشرة فرقة ثلاثة في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # الأولى: بنو مدلج وكان رئيسهم ذو الحمار بالحاء المهملة، قال التفتازاني: ~~كان له حمار يقول له: قف فيقف وسر فيسير وكانت النساء أي: نساء أصحابه ~~يتعطرون بروث حماره، وقيل: يعقدون روثه بخمرهن فسمي ذو الخمار أيضا بالخاء ~~المعجمة، وذو هنا وفيما قبله بالواو وعلى الحكاية وهو العنسي بفتح العين ~~وسكون النون منسوب إلى عنس وهو يزيد بن مذحج بن أدد بن كعب العنسي ويلقب ~~بالأسود كان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلادها وأخرج عمال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل رضي ~~الله تعالى عنه وإلى سادات اليمن وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم ~~والنهوض إلى حرب الأسود، فقتله # PageV01P380 # فيروز الديلمي على فراشه قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: وأتى الخبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك» قيل: ومن هو؟ ~~قال: «فيروز» فسر المسلمون فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك ~~الأسود وقبض رسول ms0633 الله صلى الله عليه وسلم من الغد وأتى خبر مقتل العنسي ~~المدينة في آخر شهر ربيع الأول وكان ذلك أول فتح جاء إلى أبي بكر رضي الله ~~تعالى عنه وأرضاه. # والفرقة الثانية: بنو حنيفة باليمامة ورئيسهم مسليمة الكذاب وكان تنبأ في ~~حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر وزعم أنه اشترك مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في النبوة وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: أما بعد فإن الأرض نصفها لي ~~ونصفها لك، وبعثه إليه مع رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» ثم أجاب من محمد رسول ~~الله إلى مسيلمة الكذاب: «أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ~~والعاقبة للمتقين» ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي فبعث أبو بكر ~~رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد في جيش كبير حتى أهلكه الله تعالى على ~~يد وحشي غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد حرب شديد وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية ~~وشر الناس في الإسلام أراد في جاهليتي وإسلامي. # الفرقة الثالثة: بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة أحد من ارتد ~~وادعى النبوة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من قوتل بعد وفاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الردة فبعث أبو بكر رضي الله تعالى عنه ~~خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إليه فهزمهم خالد بن الوليد رضي الله ~~تعالى عنه بعد قتال شديد وأفلت طليحة فمر على وجهه هاربا نحو الشأم، ثم إنه ~~أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وسبع في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، الأولى: ~~فزارة قوم عيينة بن حصن، والثانية: غطفان قوم قرة بن سلمة، والثالثة: بنو ~~سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، ms0634 والرابعة: بنو يربوع قوم مالك بن نويرة، ~~والخامسة: بعض تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوجت نفسها لمسيلمة ~~الكذاب وفيها يقول أبو العلاء المعري: # *أمت سجاج ووالاها مسليمة ... كذابة في بني الدنيا وكذاب* # والسادسة: كندة قوم الأشعث بن قيس والسابعة بنو بكر بن وائل بالبحرين قوم ~~الحطم بن زيد وكفى الله تعالى أمرهم على يد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ~~وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله تعالى عنه وهي غسان قوم جبلة بن الأيهم ~~تنصر وسار إلى الشأم، والجمهور أنه مات على ردته وذكرت طائفة أنه عاد إلى ~~الإسلام. وقرأ نافع وابن عامر يرتدد بدالين الأولى مكسورة مخففة والثانية ~~ساكنة والباقون بدال مفتوحة مشددة. # واختلف في القوم في قوله تعالى: {فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال ~~قتادة بن غنم الأزدي: لما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«قوم هذا» وأشار إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وكانوا من اليمن، ~~وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الإيمان يمان والحكمة يمانية» وقال الكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من ~~النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من # PageV01P381 # أفناء أي: لم يعلم ممن هم قاله الجوهري: فجاهدوا في سبيل الله يوم ~~القادسية. وقيل: هم الأنصار وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ~~فضرب على عاتق سلمان رضي الله تعالى عنه فقال: «هذا وذووه» ، ثم قال: «لو ~~كان الإيمان معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس» والراجع إلى من محذوف ~~تقديره: فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم أو ما أشبه ذلك ومحبة ~~الله تعالى لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ~~ويرضى عنهم ومحبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعلوا ما يوجب ~~سخطه وعقابه {أذلة على المؤمنين} أي: عاطفين عليهم متذللين لهم جمع ذليل، ~~وأما ذلول فجمعه ذلل ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض ms0635 الصعوبة فقد غبي عنه ~~لأنه ذلولا لا يجمع على أذلة. # فإن قيل: هلا قال أذلة للمؤمنين؟ أجيب: بأنه تضمن معنى الحنو والعطف كأنه ~~قال: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع وأنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم ~~وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم أو للمقابلة في قوله تعالى: {أعزة ~~على الكافرين} أي: شداد متغلبين عليهم من عزه إذا غلبه، وقوله تعالى: ~~{يجاهدون في سبيل الله} حال من الضمير في أعزة أو صفة أخرى لقوم، وقوله ~~تعالى: {ولا يخافون لومة لائم} يحتمل أن تكون الواو للحال على أنهم يجاهدون ~~وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود فإذا ~~خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئا مما يعلمون ~~أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم، وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا ~~يخافون لومة لائم قط، وإن يكون للعطف على يجاهدون بمعنى: إنهم الجامعون بين ~~المجاهدة في سبيل الله والتصلب في دينه واللومة المرة من اللوم وفيها وفي ~~تنكير لائم مبالغتان {ذلك} إشارة إلى الأوصاف المذكورة وقوله تعالى: {فضل ~~الله يؤتيه من يشاء} أي: يمنحه ويوفق له فيبذل الإنسان جهده في طاعته لينظر ~~إليه هذا النظر برحمته {وا واسع} أي: كثير الفضل {عليم} أي: بمن هو أهله، ~~ونزل لما قال ابن سلام رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله إن قومنا هجرونا. # {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} وإنما قال: وليكم ولم يقل: ~~أولياؤكم للتنبيه على أن الولاية لله على الأصالة، ولرسوله وللمؤمنين على ~~التبع إذ التقدير: إنما وليكم الله وكذا رسوله والمؤمنون. ولو قيل: إنما ~~أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ثم وصف ~~المؤمنين بقوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} أي: ~~متخشعون في صلاتهم وزكاتهم وقيل: يصلون صلاة التطوع. # {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا} أي: ومن يتخذهم أولياء وقيل: من ~~يعنهم وينصرهم {فإن حزب الله هم الغالبون} أي: فإنهم هم الغالبون ولكن وضع ~~الظاهر موضع المضمر إظهارا لما شرفهم به ms0636 ترغيبا لهم في ولايته وتشريفا لهم ~~بهذا الاسم فكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فإنهم حزب الله وحزب الله هم ~~الغالبون وتعريضا بمن يوالي هؤلاء بأنه حزب الشيطان وأصل الحزب القوم ~~يجتمعون لأمر حزبهم. # ونزل في رفاعة بن زيد وسويد بن حارث اللذين أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان ~~رجال من المسلمين يوادونهما. # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم} أي: شرفكم الله به ~~{هزوا} أي: مهزوا به {ولعبا} # PageV01P382 # ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله تعالى: {من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} أي: اليهود. ولما خصص عمم بقوله: {والكفار} أي: من عبدة الأوثان ~~وغيرهم {أولياء} أي: فإن الفريقين اجتمعوا على حسدكم وازدرائكم فلا تصح لكم ~~مولاتهم، وقرأ أبو عمرو والكسائي بخفض الراء والباقون بالنصب عطفا على ~~الذين اتخذوا على أن النهي عن موالاة من ليس على الحق رأسا سواء من كان ذا ~~دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كأهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين ~~{واتقوا الله} أي: بترك المناهي {إن كنتم مؤمنين} أي: صادقين في إيمانكم ~~فإن الإيمان حقا يقتضي ذلك وقوله تعالى: # {وإذا ناديتم} معطوف على الذين قبله أي: ولا تتخذوا الذين إذا ناديتم أي: ~~دعوتم {إلى الصلاة} بالأذان {اتخذوها} أي: الصلاة {هزوا ولعبا} بأن يستهزؤا ~~بها ويتضاحكوا ويقولوا: صاحوا كصياح العير، وفي هذا دليل على أن الأذان ~~مشروع للصلوات المكتوبات. # روى الطبراني أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن ~~محمدا رسول الله قال: أحرق الله الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله ~~نيام فتطاير شرره في البيت فأحرقه وأهله {ذلك} أي: الاتخاذ {بأنهم} أي: ~~بسبب إنهم {قوم لا يعقلون} أي: فإن السفه يؤدي إلى الجهل بالحق والهزء به ~~والعقل يمنع منه ونزل لما سأل نفر من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عمن ~~يؤمن به من الرسل فقال: أومن بالله وما أنزل إلينا الآية، فقالوا حين سمعوا ~~ذكر عيسى ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من ~~دينكم. # {قل ms0637 يأهل الكتاب هل تنقمون} أي: تنكرون {منا} وتعيبون يقال: نقم منه كذا ~~أنكره وانتقم إذا كافأه {إلا أن آمنا با وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل} ~~أي: إلى الأنبياء وقوله تعالى: {وأن أكثركم فاسقون} عطف على أن آمنا ~~والمعنى ما تنكرون منا إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبول الإيمان المعبر ~~عن عدم قبوله بالفسق اللازم عن عدم القبول وليس هذا مما ينكر. # {قل} لهم يا محمد {هل أنبئكم} أي: أخبركم {بشر من ذلك} أي: الذي تنتقمونه ~~{مثوبه عند الله} نصب مثوبة على التمييز أي: ثوابا بمعنى جزاء. # فإن قيل: المثوبة مختصة بالإحسان كما أن العقوبة مختصة بالشر أجيب: بأن ~~ذلك على سبيل التهكم كما في قوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران، ~~21) وقوله تعالى: {من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير} ~~(المائدة، 60) بدل من بشر على حذف مضاف قبل لفظ ذلك أو قبل لفظ من لعنه ~~وتقديره: بشر من أهل ذلك من لعنه الله أو بشر من ذلك دين من لعنه الله لأن ~~الدين المشار إليه غير مطابق لقوله: من لعنه الله في معنى يشترك فيه لفظ شر ~~فيقدر أهل قبل ذلك أو دين قبل من ليطابق. # فإن قيل: هذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوما عليهم بالشر ومعلوم ~~إنه ليس كذلك أجيب: بأنه إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم، فإنهم ~~حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك لكن لعنة الله ~~وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك والذين لعنهم الله في هذه الآية هم اليهود ~~أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح ~~الآيات ومسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت وبعضهم خنازير وهم كفار أهل # PageV01P383 # مائدة عيسى، وقيل: كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة ومشايخهم ~~خنازير. # روي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون: يا إخوة القردة ~~والخنازير فينكسون رؤوسهم وقوله تعالى: {وعبد الطاغوت} عطف على صلة من كأنه ~~قيل: ومن عبد الطاغوت وقرأ ms0638 حمزة بضم باء عبد وكسرتاه الطاغوت على أنه اسم ~~جمع لعبد عطف على من والباقون بنصب الباء من عبد والتاء من الطاغوت ~~والطاغوت الشيطان أو العجل لأنه معبود من دون الله ولأن عبادتهم للعجل مما ~~زينه لهم الشيطان فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت، وعن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: الطاغوت الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله ~~تعالى. # تنبيه: روعي في منهم معنى من وفيما قبلها لفظها وهم اليهود {أولئك} أي: ~~الملعونون الممسوخون {شر مكانا} لأن مأواهم النار وجعلت الشرارة للمكان وهي ~~لأهله وفيه مبالغة ليست في قولك أولئك شر ومكانا تمييز {وأضل عن سواء ~~السبيل} أي: طريق الحق وأصل السواء الوسط. # فإن قيل: ذكر شر وأضل يقتضي مشاركة المؤمنين والكفار في الشر والضلال وإن ~~الكفار أشر وأضل مع أن المؤمنين لم يشاركوا الكفار في شيء من ذلك أجيب: بأن ~~مكان هؤلاء في الآخرة شر وأضل من مكان المؤمنين في الدنيا لما يلحقهم فيها ~~من الشر والضلال الحاصل لهم بالهموم الدنيوية كسماع الأذى وغيره، أو إن ذلك ~~على سبيل التنزل والتسليم للخصم على زعمه إلزاما بالحجة وهذا أولى. # ونزل في يهود نافقوا النبي صلى الله عليه وسلم. # {وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد} أي: قالوا ذلك والحال إنهم قد {دخلوا} إليكم ~~متلبسين {بالكفر وهم قد خرجوا} من عندكم متلبسين {به} أي: الكفر كما دخلوا ~~لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات الله ومواعظك {وا أعلم بما ~~كانوا يكتمون} من الكفر وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم وفي هذا ~~وعيد لهم. # {وترى كثيرا منهم} أي: اليهود أو المنافقين {يسارعون} أي: يقعون سريعا ~~{في الإثم} أي: الكذب بدليل قوله تعالى عن قولهم الإثم {والعدوان} أي: ~~الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم والعدوان ما يتعدى إلى غيرهم {وأكلهم السحت} ~~أي: الحرام كالرشا {لبئس ما كانوا يعملون} عملهم هذا. # {لولا} هلا {ينهاهم} أي: يجدد لهم النهي {الربانيون} أي: المدعون للتخلي ~~من الدنيا إلى سبيل الرب {والأحبار} أي: العلماء ms0639 {عن قولهم الإثم} أي: ~~الكذب {وأكلهم السحت} أي: الحرام هذا تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك فإن ~~لولا إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإذا دخل على المضارع المستقبل أفاد ~~التحضيض {لبئس ما كانوا يصنعون} ترك نهيهم. # فإن قيل: لم عبر في الأول ب # [يعملون] وفي الثاني ب # [يصنعون] ؟ أجيب: بأن كل عامل لا يسمى صانعا ولا كل عمل يسمى صناعة حتى ~~يتمكن فيه ويتدرب ولذلك ذم بهذا خواصهم ولأن ترك الإنكار على المعصية أقبح ~~من مواقعة المعصية لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها، ولا كذلك ترك الإنكار ~~عليها فكان جديرا بأبلغ الذم فيدخل في الذم كل من كان قادرا على النهي عن ~~المنكر من العلماء أو غيرهم وتركه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي ~~أشد آية نزلت في القرآن، وعن الضحاك ما في القرآن آية أخوف عندي منها. # {وقالت اليهود} مما ضيق عليهم # PageV01P384 # بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية ~~{يد الله مغلولة} أي: هو ممسك يقتر بالرزق، وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل ~~والجود ومنه قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل ~~البسط} (الإسراء، 29) ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط، ولو ~~أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا ما أبسط يده بالنوال؛ لأن بسط ~~اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود وقد استعملوها حيث لا ~~تصح اليد كقولهم بسط اليأس كفيه في صدري فجعلت لليأس الذي هو معنى من ~~المعاني لا من الأعيان كفان. # فإن قيل: قد تقدم أن قوله: {يد الله مغلولة} عبارة عن البخل فما تفعل في ~~قوله تعالى: {غلت أيديهم} ومن حقه أن يطابق ما تقدمه؟ أجيب: بأنه يجوز أن ~~يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله تعالى ~~وأنكدهم والمطابقة على هذا ظاهرة ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي ~~حقيقة يغلون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم كما قال تعالى: ~~{إذ ms0640 الأغلال في أعناقهم والسلاسل} (غافر، 71) وعلى هذا تكون المطابقة حاصلة ~~من حيث لفظ مغلولة وغلت من حيث ملاحظة أن الأصل في القول الشنيع أن يقابل ~~بالدعاء على قائله {ولعنوا} أي: أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم {بما ~~قالوا} فمن لعنهم أنهم مسخوا قردة وخنازير ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: ~~{بل يداه مبسوطتان} مشيرا بالتثنية إلى غاية الجود وإن غاية ما يبذله السخي ~~من ماله أن يعطي بيديه جميعا {ينفق كيف يشاء} أي: هو مختار في إنفاقه يضيق ~~تارة ويوسع أخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته لا اعتراض عليه وقيل: القائل ~~هذه المقالة فنحاص بن عازوراء فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله: أشركهم ~~الله تعالى فيها. # {وليزيدن كثيرا منهم} أي: ممن أراد الله فتنته ثم ذكر فاعل الزيادة فقال: ~~{ما أنزل إليك من ربك} من القرآن {طغيانا} أي: تماديا في الجحود {وكفرا} ~~بآيات الله فيزدادون على كفرهم وطغيانهم طغيانا وكفرا مما يسمعون من القرآن ~~كما يزداد المريض مرضا من تناول الغذاء الصالح للأصحاء {وألقينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} فكل فرقة منهم تخالف الأخرى فلا تتوافق ~~قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم. # {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} أي: كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا ~~وقهروا لم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك ~~المجوس، وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط ~~الله عليهم فطرس بالفاء الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس ثم أفسدوا ~~فسلط الله عليهم المسلمين وقيل: كلما حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نصر عليهم، وعن قتادة: لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس ~~{ويسعون في الأرض فسادا} أي: ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من كتبهم وإثارة الحرب والفتن وهتك المحارم {وا لا يحب ~~المفسدين} أي: فلا يجازيهم إلا شرا.b # {ولو أن أهل الكتاب آمنوا} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ~~{واتقوا} أي: الكفر {لكفرنا ms0641 عنهم سيآتهم} أي: التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها ~~{ولأدخلناهم جنات النعيم} مع المسلمين، وفي هذا إعلام بعظم معاصي اليهود ~~والنصارى وكثرة سيآتهم ودلالة على سعة رحمة الله تعالى # PageV01P385 # وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيآت اليهود ~~والنصارى وإن الإسلام يجب ما قبله وإن جل، وإن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم ~~يسلم. # {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} أي: أقاموا أحكامهما وحدودهما وما ~~فيهما من نعت محمد صلى الله عليه وسلم {وما أنزل إليهم} أي: من الكتب ~~المنزلة {من ربهم} لأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم وقيل: ~~هو القرآن وقوله تعالى: {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} عبارة عن التوسعة ~~أي: لوسع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم من بركات السماء والأرض أو أن تكثر ~~الأشجار المثمرة والزروع المغلة أو أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار ~~فيجنونها من رأس الثمر والشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم ~~بين سبحانه وتعالى بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا بقصور الفيض ~~ولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين {منهم ~~أمة} أي: جماعة {مقتصدة} أي: عادلة غير غالية ولا مقصرة وهم عبد الله بن ~~سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: متوسطة في عداوته {وكثير منهم ساء} أي: بئس {ما} أي: شيئا {يعملون} ~~فيه معنى التعجب كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم وقيل: هو كعب بن ~~الأشرف وأصحابه والروم. # روى مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: من حدثك أن محمدا كتم ~~شيئا مما أنزل الله فقد كذب وهو يقول: # {يأيها الرسول بلغ} جميع {ما أنزل إليك من ربك} أي: لا تكتم شيئا منه ~~خوفا أن تنال بمكروه {وإن لم تفعل} أي: وإن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك {فما ~~بلغت رسالته} أي: لأن كتمان بعضها ككتمان كلها أي: ولأن بعضها ليس بالأولى ~~بالأداء من بعض فإذا لم تؤد بعضها فكأنك ms0642 أغفلت أداءها جميعا، كما أن من لم ~~يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن ~~كتمت آية لم تبلغ رسالتي واختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل: نزلت في عتب ~~اليهود وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام فقالوا: أسلمنا ~~قبلك وجعلوا يستهزؤون به ويقولون: تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى ~~عيسى حنانا فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك نزلت هذه الآية وقيل: ~~نزلت في الجهاد وذلك أن المنافقين كانوا يكرهونه فكان يمسك أحيانا من حثهم ~~على الجهاد وقيل: لما نزلت آية التخيير وهي قوله تعالى: {يأيها النبي قل ~~لأزواجك} (الأحزاب، 28) فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا فنزلت ~~وقيل غير ذلك وقرأ نافع وابن عامر وشعبة بألف بعد اللام وكسر التاء ~~والباقون بغير ألف ونصب التاء {وا يعصمك من الناس} أي: يحفظك ويمنعك منهم. # فإن قيل: أليس قد شج وجهه وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وأوذي بضروب ~~من الأذى؟ أجيب: بأن معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك، وفي هذا ~~تنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلايا فما أشد ~~تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه ~~لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. # وروى إسحاق بن راهويه في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعا فأوحى الله إلي إن لم تبلغ رسالاتي ~~عذبتك وضمن لي العصمة فقويت» وعن أنس # PageV01P386 # رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت ~~فأخرج رأسه من قبة أدم فقال: «انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من ~~الناس» قال البيضاوي وظاهر الآية يوجب تبليغ كل ما أنزل ولعل المراد ~~بالتبليغ ما يتعلق به مصالح العباد وقصد بإنزاله اطلاعهم عليه فإن من ~~الأسرار الإلهية ما يحرم إفشاؤه اه. # قال بعض العارفين: ولهذا قال ms0643 تعالى: {بلغ ما أنزل إليك} ولم يقل ما ~~تعرفنا به إليك، واعلم أن المراد من الناس ههنا الكفار بدليل قوله تعالى: ~~{إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أي: لا يمكنهم مما يريدون. # وروي «أنه عليه الصلاة والسلام نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه ~~عليها فأتاه أعرابي وهو نائم وأخذ سيفه واخترطه وقال: من يمنعك مني يا ~~محمد؟ قال: «الله تعالى» فرعدت يد الأعرابي وسقط من يده وضرب رأسه الشجرة ~~حتى انتثر دماغه» . # {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء} أي: دين يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده ~~وبطلانه كما تقول هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه، وفي أمثالهم أقل ~~من لا شيء {حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} أي: بأن ~~تعملوا بما فيها ومن إقامتهما الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والإذعان ~~لحكمه فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقته المعجزة ناطقة ~~بوجوب الطاعة له والمراد إقامة أصولها وما ينسخ من فروعها {وليزيدن كثيرا ~~منهم ما أنزل إليك من ربك} أي: من القرآن {طغيانا وكفرا} لكفرهم به {فلا ~~تأس} أي: تحزن {على القوم الكافرين} إن لم يؤمنوا بك أي: لا تهتم بهم فإن ~~ضرر ذلك لا حق بهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة عنهم لك. # {إن الذين آمنوا والذين هادوا} هم اليهود {والصابئون} فرقة منهم ~~{والنصارى} وقد سبق تفسير هذه الآية في سورة البقرة. # فإن قيل: بم رفع الصابئون وكان حقه والصابئين؟ أجيب: بأنه رفع على ~~الابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في خبر إن مع اسمها وخبرها ~~كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك ~~وأنشد سبيويه شاهدا له: # *وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق* # والشاهد في أنتم فإنه مبتدأ حذف خبره والتقدير وإلا فإنا بغاة وأنتم ~~كذلك. # فإن قيل: ما فائدة هذا التقديم والتأخير؟ أجيب: بأن الصابئين أشد العرب ~~المذكورين في هذه الآية ضلالا وما سموا صابئين إلا لأنهم صبأوا عن الأديان ~~كلها ms0644 أي: خرجوا فكأنه قال: هؤلاء الفرق الذين آمنوا وأتوا بالعمل الصالح ~~قبل الله توبتهم حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضا كذلك، وقيل: منصوب ~~بالفتحة فكما جوز بالفتحة مع الياء في بنين وسنين جوز مع الواو كما هنا ~~وقوله تعالى: {من آمن با واليوم الآخر وعمل صالحا} في محل رفع بالابتداء ~~وخبره {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في الآخرة والفاء لتضمن المبتدأ معنى ~~الشرط والجملة خبر إن. # فإن قيل: كيف قيل: الذين آمنوا من آمن؟ أجيب: بأن المراد بالذين آمنوا ~~الذين آمنوا بألسنتهم وهو المنافقون أو إن المراد من من ثبت على الإيمان ~~واستقام ولم تخالجه ريبة فيه. # {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} أي: على الإيمان بالله ورسوله {وأرسلنا ~~إليهم رسلا} أي: ولم نكتف بهذا العهد بل # PageV01P387 # أرسلنا رسلا ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم {كلما جاءهم رسول بما لا ~~تهوى أنفسهم} أي: بما يخالف هواهم من الشرائع ومشاق التكاليف {فريقا} أي: ~~من الرسل {كذبوا} أي: كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل كعيسى {وفريقا} منهم ~~{يقتلون} كزكريا ويحيى وإنما جيء بيقتلون موضع قتلوا على حكاية الحال ~~الماضية استحضارا لتلك الحالة الشنيعة للتعجب منها وتنبيها على أن ذلك ~~دينهم ماضيا ومستقبلا ومحافظة على رؤوس الآي. # {وحسبوا} أي: ظن بنو إسرائيل {أن لا تكون} أي: توجد {فتنة} أي: لا يصيبهم ~~بها عذاب في الدنيا ولا في الآخرة بل استخفوا بأمرها فلا تعجب أنت من ~~جرأتهم في ادعائهم إنهم أبناء الله وأحباؤه، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ~~برفع النون تنزيلا للحساب منزلة العلم فتكون مخففة من الثقيلة وأصله أنه لا ~~تكون فتنة والباقون بالنصب على أن الحساب على بابه {فعموا} أي: عن الحق فلم ~~يبصروه وهذا العمى هو الذي لا عمى في الحقيقة سواه وهو انطماس البصائر ~~{فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (الحج، 46) ~~{وصموا} عنه فلم يسمعوه أي: عموا وصموا بعد موسى ويوشع عليهما السلام، ~~والصمم أضر من العمى فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل أصلا؛ لأنه لا ms0645 بصر له ~~بعين ولا قلب ولا سمع {ثم تاب الله عليهم} ببعث عيسى بن مريم فرفعوه إلى ~~الحق {ثم عموا وصموا} كرة أخرى بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وقوله ~~تعالى: {كثير منهم} بدل من الضمير {والله بصير بما يعملون} أي: وإن دق ~~فيجازيهم به وفق أعمالهم. # {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} وهم اليعقوبية منهم ~~القائلون بالاتحاد {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} أي: ~~إني عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم {إنه من يشرك با} أي: يشرك في ~~العبادة غيره {فقد حرم الله عليه الجنة} أي: منعه من دخولها منعا متحتما ~~فإنها دار الموحدين {ومأواه النار} أي: محل سكناه فإنها المعدة للمشركين ~~{وما للظالمين من أنصار} أي: وما لهم أحد ينصرهم من النار لا بفداء ولا ~~بشفاعة ولا بغيرهما فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا على أنهم ظلموا ~~بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق وهو يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، نبه ~~على أنهم عدلوا عن سبيل الحق فيما تقولوا على عيسى عليه السلام فلذلك لم ~~يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم، ورده وأنكره وإن كانوا معظمين له بذلك ~~ورافعين من مقداره، وأن يكون من كلام عيسى عليه السلام على معنى ولا ينصركم ~~أحد مني فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن العقول أو لا ~~ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله. # {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} أي: أحد ثلاثة وهو حكاية عما ~~قاله النسطورية والملكانية وفيه إضمار معناه ثالث ثلاثة الآلهة لأنهم ~~يقولون: الإلهية مشتركة بين الله ومريم وعيسى ولك واحد من هؤلاء إله فهم ~~ثلاثة آلهة، بين هذا قوله تعالى للمسيح: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله} (المائدة، 116) ومن قال إن الله تعالى ثالث ثلاثة ~~بالعلم ولم يرد به الآلهة لم يكفر فإن الله يقول: {ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «ما ظنك باثنين ~~الله ms0646 ثالثهما» ثم قال الله تعالى ردا عليهم: {وما من إله إلا إله واحد} أي: ~~وما في الموجودات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات إلا ~~إله واحد موصوف بالوحدانية متعال # PageV01P388 # عن الشركة ومن مزيدة للاستغراق {وإن لم ينتهوا} أي: الكفرة بجميع أصنافهم ~~{عما يقولون} أي: من هاتين المقالتين وما داناهما {ليمسن} أي: مباشرة من ~~غير حائل {الذين كفروا} أي: داوموا على الكفر {منهم عذاب أليم} أي: مؤلم لم ~~ينقطع عنهم لعدم توبتهم ولذلك عقبه بقوله تعالى: # {أفلا يتوبون} أي: يرجعون بعد هذا الكفر الذي لا أوضح من بطلانه ولا أبين ~~من فساده {إلى الله ويستغفرونه} أي: يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه من ~~تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد ~~والحلول بعد هذا التقريع والتهديد {وا غفور} أي: بالغ المغفرة يمحو الذنوب ~~فلا يعاقب عليها ولا يعاتب {رحيم} أي: بالغ الإكرام لمن أقبل عليه فيغفر ~~لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا وفي هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم. # {ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت} أي: مضت {من قبله الرسل} أي: ليس هو ~~بإله كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة وما من خارقة له إلا وقد كان مثلها ~~أو أعجب منها لمن كان قبله فإن كان قد أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا ~~وجعلها حية تسعى على يد موسى وهو أعجب وإن كان قد خلقه من غير أب فقد خلق ~~آدم من غير أب وأم وهو أغرب {وأمه صديقة} أي: بليغة الصدق في نفسها كسائر ~~النساء اللاتي يلازمن الصدق أو يصدقن الأنبياء كما قال تعالى في وصفها ~~{وصدقت بكلمات ربها} (التحريم، 12) وهذه الآية من أدلة من قال إن مريم ~~عليها السلام لم تكن نبية فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الرد على من ~~قال بإلهيتها إشارة إلى ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات فإن ~~أعظم صفات عيسى عليه السلام الرسالة وأكمل صفات أمه عليها السلام الصديقية. # فائدة: مريم من أزواج ms0647 نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. ولما بين ~~سبحانه وتعالى أقصى ما لهما من الكمالات بين أن ذلك لا يوجب لهما الألوهية ~~بقوله: {كانا يأكلان الطعام} لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه ~~من الهضم لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك، ~~مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام فكيف يكون إلها، وخص ~~الأكل بالذكر لأنه أصل الحاجات والإله لا يكون محتاجا وقيل: هذا كناية عن ~~الحدث لأن من أكل وشرب لا بد له من البول والغائط ومن كانت هذه صفته كيف ~~يكون إلها؟ ثم لما أوضح الله تعالى لهم الأدلة في أمرهما حتى ظهر كالشمس ~~بعدهما عما ادعوا فيهما اتبعه التعجب بقوله: {انظر} متعجبا {كيف نبين لهم ~~الآيات} على وحدانيتنا {ثم انظر أنى} أي: كيف {يؤفكون} أي: يصرفون عن الحق ~~مع قيام البرهان. # فإن قيل: ما معنى التراخي في قوله تعالى: {ثم انظر} ؟ أجيب: بأن معناه ~~التفاوت بين العجبين أي: أن بياننا للآيات عجب وإعراضهم عنها أعجب. # {قل أتعبدون من دون الله} أي: غيره يعني عليه السلام {ما لا يملك لكم ضرا ~~ولا نفعا} أي: لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضر الله تعالى به من البلايا ~~والمصائب في الأنفس والأموال ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به من صحة ~~الأبدان والسعة والخصب وكل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبإقدار ~~الله تعالى وتمكينه وكأنه لا يملك شيئا وهذا دليل قاطع على أن أمر عيسى ~~مناف للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضرا ولا نفعا وصفة الرب تعالى أن يكون ~~قادرا # PageV01P389 # على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته تعالى. # فإن قيل: إذا كان المراد السيد عيسى فلم عبر بما دون من مع أن المراد من ~~يعقل؟ أجيب: بأنه أتى بما نظر إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة ~~عنه رأسا وتنبيها على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة ~~والمشاركة فبمعزل ms0648 عن الألوهية أو أن المراد كل ما عبد من دون الله تعالى ~~سواء كان ممن يعقل أم لا {وا هو السميع} لأقوالكم {العليم} بأحوالكم فيجازي ~~عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر والاستفهام للإنكار. # {قل يأهل الكتاب} أي: عامة {لا تغلوا} أي: تجاوزوا الحد {في دينكم} وقوله ~~تعالى: {غير الحق} صفة للمصدر أي: لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق أي: ~~غلوا باطلا؛ لأن الغلو في الدين غلوان: حق وهو أن يجتهد في تحصيل حججه كما ~~يفعل المتكلمون، وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة ~~فيرفعوا عيسى عليه السلام إلى أن يدعوا له الإلهية أو يضعوه ويرتابوا فيه، ~~وقيل: الخطاب للنصارى خاصة. # {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} في غلوهم وهم أسلافهما الذين قد ~~ضلوا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في شريعتهم {وأضلوا كثيرا} أي: ~~من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظن حقا {وضلوا} أي: بعد ~~مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم {عن سواء السبيل} أي: طريق الحق وهو ~~الإسلام والسواء في الأصل الوسط والأهواء ههنا المذاهب التي تدعو إليها ~~الشهوة دون الحجة، قال أبو عبيدة: لم يذكر الهوى إلا في موضع الشر لا يقال: ~~فلان يهوى الخير إنما يقال: يريد الخير ويحبه وقيل: سمي الهوى هوى لأنه ~~يهوي بصاحبه إلى النار وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هواي على ~~هواك فقال: كل هوى ضلالة. # {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} أي: لعنهم الله في ~~الزبور على لسان داود وإن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود عليه ~~السلام: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة وخنازير وقوله تعالى {وعيسى ~~بن مريم} عطف على داود أي: لعنهم الله في الإنجيل على لسان عيسى بن مريم ~~وهم أصحاب المائدة ما لم يؤمنوا قال عيسى عليه السلام: اللهم العنهم ~~واجعلهم آية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي، ~~قال بعض العلماء: ms0649 إن اليهود كانوا يفتخرون بأناس من أولاد الأنبياء فذكر ~~الله تعالى هذه الآية ليدل على أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء {ذلك} أي: ~~اللعن المذكور {بما} أي: بسبب ما {عصوا وكانوا يعتدون} ثم فسر المعصية ~~والاعتداء بقوله تعالى: # {كانوا لا يتناهون} أي: لا ينهى بعضهم بعضا {عن منكر} أي: معاودة منكر ~~{فعلوه} أو عن مثل منكر أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤا له وإنما قدر ما ذكر ~~لأن التناهي عن منكر قد مضى محال {لبئس ما كانوا يفعلون} أي: يفعلونه ~~والمخصوص بالذم محذوف أي: فعلهم هذا قال بعض المفسرين: فيا حسرتا على ~~المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبثهم به كأنه ليس من ~~ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا ~~الباب. # {ترى كثيرا منهم} أي: من أهل الكتاب {يتولون الذين كفروا} أي: يوالون ~~المشركين بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين {لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم} من العمل لمعادهم {أن سخط الله عليهم} أي: غضب عليهم {وفي العذاب ~~هم خالدون} أي: دائما. # PageV01P390 # {ولو كانوا يؤمنون با والنبي} محمد صلى الله عليه وسلم {وما أنزل إليه} ~~من عند الله تعالى أعم من القرآن وغيره إيمانا خالصا من غير نفاق {ما ~~اتخذوهم} أي: المشركين {أولياء} إذ الإيمان يمنع ذلك {ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون} أي: خارجون عن الإيمان، وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى ~~كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يولهم المسلمون. # {لتجدن} يا محمد {أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} من ~~أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى وفي جعل اليهود ~~قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين دلالة على شدة عداوتهم لهم، بل نبه ~~على تقدم قدمهم فيها على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله تعالى: {ولتجدنهم ~~أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا} (البقرة، 96) وعنه صلى الله عليه ~~وسلم «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله» {ولتجدن أقربهم} أي: الناس ~~{مودة للذين ms0650 آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} إنما أسند تسميتهم نصارى إليهم ~~دون تسمية اليهود لأنهم الذين سموا أنفسهم نصارى حين قال لهم عيسى عليه ~~السلام: {من أنصاري إلى الله} (آل عمران، 52) الآية، أو لأنهم كانوا يسكنون ~~قرية يقال لها: ناصرة وكلهم لم يكونوا ساكنين فيها، وعلى التقديرين ~~فتسميتهم نصارى ليست حقيقة بخلاف تسمية اليهود يهودا فإنها حقيقة سواء سموا ~~بذلك لكونهم أولاد يهودا بن يعقوب أو لكونهم تابوا عن عبادة العجل بقولهم: ~~إنا هدنا إليك أو لتحركهم في دراستهم. # ثم علل سبحانه وتعالى سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بقوله ~~تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين} أي: علماء {ورهبانا} أي: عبادا {وأنهم لا ~~يستكبرون} عن اتباع الحق كما استكبر اليهودو المشركون من أهل مكة، نزلت في ~~وفد النجاشي القادمين من الحبشة لا في كل النصارى لأنهم في عداوتهم ~~للمسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب ديارهم وهدم مساجدهم ~~وحرق مصاحفهم، قال أهل التفسير: ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم ~~فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن ~~وعصم الله تعالى منهم من شاء ومنع الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم ~~يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال: ~~«إن ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحدا فاخرجوا إليه حتى يجعل الله ~~للمسلمين فرجا» وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وإنما ~~النجاشي اسم الملك كقولهم: قيصر وكسرى فخرج إليه سرا أحد عشر رجلا وأربع ~~نسوة من جملتهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في شهر ~~رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الهجرة ~~الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب وتتابع المسلمون إليهما فكان ~~جميع من هاجر ms0651 إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء ~~والصبيان فلما علمت قريش بذلك أرسلوا إلى النجاشي بالهدايا ليردهم إليهم ~~فعصهم الله تعالى وانصرفوا خائبين، وأقام المسلمون هناك بحسن دار وخير جوار ~~إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا دينه في سنة ست من الهجرة ~~كتب # PageV01P391 # رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ~~ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد # هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية تخبرها ~~بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستسرت بذلك وأذنت لخالد بن سعيد أن ~~يزوجها وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي فأنفذ إليها ~~أربعمائة دينار، قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم ووافى جعفر بن ~~أبي طالب وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب ~~الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشأم فقرأ عليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فبكوا وأسلموا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل ~~على عيسى. # قال تعالى: # {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} من القرآن {ترى أعينهم تفيض من الدمع} ~~أي: جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنهم تفيض بأنفسها {مما عرفوا من الحق} من ~~الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا من الحق أو التبعيض فإنه بعض ~~الحق والمعنى: إنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله، وقال ابن ~~عباس: يريد النجاشي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعث إليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بكتابه فقرىء عليهم ثم دعا بجعفر بن أبي طالب والمهاجرين ~~معه وأحضر الرهبان والقسيسين وأمر جعفرا أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ عليهم ~~كهيعص فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة قالوا: آمنا كما قال تعالى: ~~{يقولون ربنا آمنا} أي: صدقنا نبيك وكتابك {فاكتبنا مع الشاهدين} أي: أمة ~~محمد صلى الله ms0652 عليه وسلم الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة دليله قوله ~~تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} (البقرة، 143) وإذا نظرت مكاتبات النبي ~~صلى الله عليه وسلم ازددت بصيرة في صدق هذه الآية فإنه ما كاتب نصرانيا إلا ~~آمن أو كان لينا ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهودة بن علي وغيرهم وغايتهم ~~أنهم ضنوا بملكهم وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية في الفظاظة ككسرى ~~فإنه مزق كتابه صلى الله عليه وسلم ولم يجز رسوله بشيء قال البقاعي: السر ~~في ذلك أنه لما كان عيسى عليه الصلاة والسلام أقرب الأنبياء زمنا من زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم ~~مودة لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم # وقالوا في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود. # {وما لنا لا نؤمن با وما جاءنا من الحق} وهو القرآن لا مانع لنا من ~~الإيمان مع وجود مقتضيه وقوله تعالى: {ونطمع} معطوف على نؤمن {أن يدخلنا ~~ربنا مع القوم الصالحين} أي: المؤمنين الجنة. # {فأثابهم الله بما قالوا} أي: جعل ثوابهم على هذا القول المسند إلى خلوص ~~النية الناشىء عن حسن الطوية {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وذلك} أي: الجزاء العظيم {جزاء المحسنين} أي: بالإيمان. # {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} أي: الذين لا ينفكون ~~عنها لا غيرهم من عصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم وعطف التكذيب بآيات الله ~~على الكفر وهو ضرب منه لأن القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم في معرض ~~المصديقين بها جمعا بين الترغيب والترهيب. # {يأيها الذين آمنوا لا تحرموا} أي: # PageV01P392 # لا تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غير ذلك {طيبات} أي: مستلذات {ما أحل ~~الله لكم} كمنع التحريم أي: لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في ~~العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا {ولا تعتدوا} حدود ما أحل الله لكم إلى ~~ما حرم عليكم {إن الله لا يحب المعتدين} أي: لا يفعل فعل المحب من الإكرام ~~للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت ولا للمفرطين ms0653 فيه الذين يحللون ما ~~حرمت أن يفعلوا فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول فالآية ناهية ~~عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم داعية إلى القصد بينهما. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف يوم القيامة لأصحابه فبالغ ~~وأشبع في الكلام في الإنذار فرق الناس وبكوا واجتمع عشرة من الصحابة رضي ~~الله تعالى عنهم في بيت عثمان بن مظعون وهم: أبو بكر الصديق وعلي بن أبي ~~طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي ~~حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن وعثمان بن مظعون ~~رضي الله تعالى عنهم وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ~~ويرفضوا الدنيا ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا ~~على الفراش ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا في ~~الأرض فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟» قالوا: بلى يا رسول الله ~~ما أردنا إلا الخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني لم أومر بذلك» ~~ثم قال: «إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم ~~وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس ~~مني» ثم جمع الناس وخطبهم وقال: «ما بال أقوام يحرمون النساء والطعام ~~والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا ~~فإنه ليس في ديني ترك اللحم ولا النساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي ~~الصوم ورهبانيتهم الجهاد اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا ~~وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة صوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من ~~كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في ~~الديارات والصوامع» فأنزل الله تعالى هذه الآية فقالوا: يا رسول الله فكيف ~~نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا فأنزل ~~الله تعالى لا {يؤاخذكم الله ms0654 باللغو في أيمانكم} (البقرة، 225) ، الآية. # وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوز وكان ~~يعجبه الحلواء والعسل وقال: «المؤمن حلو يحب الحلاوة» وعن ابن مسعود رضي ~~الله تعالى عنه أن رجلا قال له: إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال: نم ~~على فراشك وكفر عن يمينك» وعن الحسن: أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجي ~~وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج والفالوز وغير ذلك ~~فاعتزل فرقد ناحية فسأل الحسن أهو صائم فقالوا: لا ولكنه يكره هذه الألوان ~~فقال: يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم، وعنه ~~أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوز يقول: لا أؤدي شكره قال: أفيشرب الماء ~~البارد؟ قال: نعم قال: إنه جاهل إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من ~~نعمته عليه في الفالوز، وعنه أن الله تعالى أدب عباده # PageV01P393 # فأحسن أدبهم قال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} (الطلاق، 7) ما عاب الله ~~قوما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوه ولا عذر قوما ذواها عنهم فعصوه. # وروي أن عثمان بن مظعون أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذن لي في ~~الاختصاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس منا من خصى ولا من اختصى ~~إن خصاء أمتي الصيام» فقال: يا رسول الله ائذن لي بالسياحة فقال: «إن سياحة ~~أمتي الجهاد في سبيل الله» قال: يا رسول الله ائذن لي في الترهب قال: «إن ~~ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة» . # وروي أن رجلا قال: يا رسول الله إني أصبت من اللحم فانتشرت فأخذتني شهوة ~~فحرمت اللحم فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولا تعارض بين الخبرين لأن الشيء ~~الواحد قد يكون له أسباب جمة بعضها أقرب من بعض. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل نهيا شديدا وقال: «تزوجوا ~~الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» . # {وكلوا مما رزقكم الله} ولما كان الرزق يقع على الحرام قيده بعد القيد ~~بالتبعيض بقوله: {حلالا ms0655 طيبا} وهو مفعول كلوا ومما حال منه تقدمت عليه لأنه ~~نكرة وقوله تعالى: {واتقوا الله} تأكيد للتوصية بما أمر الله به وزاده ~~تأكيدا بقوله: {الذي أنتم به مؤمنون} لأن الإيمان به يوجب التقوى في ~~الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه. # {لا يؤاخذكم الله باللغو} الكائن {في أيمانكم} هو ما يبدو من المرء بلا ~~قصد كقول الإنسان: لا والله وبلى والله وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى، ~~وقيل: هو الحلف على ما يظن أنه كذلك ولم يكن وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله ~~تعالى {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم} أي: وثقتم {الأيمان} عليه بأن حلفتم عن ~~قصد. # روي أن الحسن سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال: يا أبا سعيد ~~دعني أجب عنك فقال: # *ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم* # والمعنى: ولكن يؤاخذكم الله بما عقدتم إذا حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف ~~التقدير بأحد الأمرين للعلم به، وقرأ ورش يؤاخذكم بإبدال الهمزة واوا ~~مفتوحة، وقرأ ابن ذكوان عاقدتم بألف بعد العين وتخفيف القاف والباقون بغير ~~ألف مع تشديد القاف {فكفارته} أي: اليمين إذا حنثتم فيه التي تذهب إثمه ~~وتزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم. # {إطعام عشرة مساكين} أي: لكل مسكين مد عندنا ونصف صاع عند أبي حنيفة رحمه ~~الله {من أوسط} أي: أعدل {ما تطعمون أهليكم} من بر أو غيره لا من أعلاه ولا ~~من أدناه {أو كسوتهم} بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار وسراويل ومقنعة من ~~صوف وقطن وكتان وحرير ولو لرجل وإن لم يجز له لبسه لوقوع اسم الكسوة عليه ~~رديئا كان أو جيدا ويجزىء لبد أوفروة اعتبر في البلد لبسهما ولا يكفي دفع ~~ما ذكر لمسكين واحد وعليه الشافعي ولا يكفي المكعب والنعل والخف والقلنسوة ~~والتبان وهو سراويل قصيرة لا تبلغ الركبة ونحو ذلك مما لا يسمى كسوة {أو ~~تحرير رقبة} أي: مؤمنة كما في كفارتي القتل والظهار حملا للمطلق على المقيد ~~وجوز أبو حنيفة عتق الكافرة في كل كفارة إلا ms0656 القتل، وخرج بالتخيير بين هذه ~~الثلاثة أنه لا يجزىء أن يطعم خمسة ويكسو خمسة كما لا يجزىء إعتاق نصف رقبة ~~وإطعام خمسة {فمن لم يجد} أي: بأن عجز عن أحد ما ذكر # PageV01P394 # {فصيام ثلاثة أيام} أي: فكفارته صيام ثلاثة أيام ولا يجب تتابعها. # فإن قيل: قرىء شاذا متتابعات والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العلم ~~كما أوجبنا قطع يد السارق اليمنى بالقراءة الشاذة في قوله تعالى: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيمانهما} (المائدة، 38) ولأن من عادة الشافعي رحمه الله ~~تعالى حمل المطلق على المقيد من جنسه وهو الظهار والقتل أجيب: بأن اليمين ~~نسخ فيها متتابعات تلاوة وحكما فلا يستدل بها بخلاف آية السرقة فإنها نسخت ~~تلاوة لا حكما وبأن المطلق ههنا متردد بين أصلين يجب التتابع في أحدهما وهو ~~كفارة الظهار والقتل ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان فلم يكن أحد الأصلين ~~في التتابع بأولى من الآخر ويسن تتابعها خروجا من خلاف أبي حنيفة فإنه شرط ~~تتابعها. # تنبيه: المراد بالعجز أن لا يقدر على المال الذي يصرفه في الكفارة كمن ~~يجد كفايته وكفاية من تلزمه مؤنته فقط ولا يجد ما يفضل عن ذلك وضابط ذلك: ~~أن من جاز له أن يأخذ سهم الفقراء والمساكين من الزكاة والكفارات جاز له أن ~~يكفر بالصوم لأنه فقير في الأخذ فكذا في الإعطاء {ذلك} أي: المذكور {كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} أي: وحنثتم {واحفظوا أيمانكم} أي: من أن تنكثوها ما لم ~~تكن من فعل بر أو إصلاح بين الناس كما مر في سورة البقرة {كذلك} أي: مثل ما ~~بين لكم ما ذكر {يبين الله لكم آياته} أي: أعلام شريعته {لعلكم تشكرون} أي: ~~يحصل منكم شكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية. # {يأيها الذين آمنوا إنما الخمر} أي: المسكر الذي خامر العقل سواء فيه ~~كثيره وقليله {والميسر} أي: القمار {والأنصاب} أي: الأصنام {والأزلام} أي: ~~قداح الاستقسام {رجس} أي: خبيث مستقذر وإنما وحد الخبر للنص على الخمر ~~والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت لأنها أهل لأن يقال في كل ms0657 واحدة ~~منها على حدتها كذلك ولا يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع ثم زاد في ~~التنفير عنها تأكيدا لرجسيتها بقوله تعالى: {من عمل الشيطان} الذي يزينه ~~{فاجتنبوه} أي: الرجس المعبر به عن هذه الأشياء أن تفعلوه {لعلكم تفلحون} ~~أي: تظفرون بجميع مطالبكم. # واعلم أنه سبحانه وتعالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بأن صدر ~~الجملة بإنما وقرنهما بالأصنام والأزلام وسماهما رجسا وجعلهما من عمل ~~الشيطان تنبيها على أن الاشتغال بهما شر خالص أو غالب وأمر بالاجتناب عن ~~عينهما وجعل الاجتناب سببا يرجى منه الفلاح ثم قرر ذلك بأن بين ما فيهما من ~~المفاسد الدينية والدنيوية المقتضية للتحريم بقوله تعالى: # {إنما يريد الشيطان} أي: بتزيين الشرب والقمار لكم {أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} أي: إذا أتيتموهما لما يحصل فيهما من ~~الشر والفتن، أما العداوة في الخمر فإن الشارب إذا سكر عربد كما فعل ~~الأنصاري الذي شج رأس سعد بن أبي وقاص بلحى الجمل، وأما العداوة في الميسر ~~فقال قتادة: كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل ~~والمال مغتاظا على حرفائه {ويصدكم} بالاشتغال بهما {عن ذكر الله وعن ~~الصلاة} وذلك لأن من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله وشوش ~~عليه صلاته كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف، تقدم رجل منهم يصلي بهم صلاة ~~المغرب بعدما ما شربوا فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد بحذف لا، وإنما # PageV01P395 # خصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما المقصودان ~~بالبيان وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة ~~والشرارة لقوله صلى الله عليه وسلم «شارب الخمر كعابد الوثن» رواه البزار ~~ورواه ابن حبان بلفظ «مدمن الخمر كعابد الوثن» قال: ويشبه أن يكون فيمن ~~يستحلها وهو كذلك وخص الصلاة بالذكر للإفراد بالتعظيم والإشعار بأن الصاد ~~عنها كالصاد عن الإيمان من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر ثم ~~أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبا على ما تقدم من أنواع ms0658 ~~الصوارف بقوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} إيذانا بأن الأمر في المنع ~~والتحذير بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت فلفظه الاستفهام ومعناه أمر ~~كقوله تعالى: {فهل أنتم شاكرون} (الأنبياء، 480) {وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول} فيما أمراكم به من اجتناب ذلك {واحذروا} مخالفتهما فيما ينهياكم ~~عنه {فإن توليتم} أي: عن الطاعة {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} ~~أي: فلا يضره توليكم فإنما عليه الإبلاغ البين، وقد أدى وإنما ضررتم ~~أنفسكم. # ولما نزل تحريم الخمر قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله ~~فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر نزل. # {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تصديقا لإيمانهم {جناح} أي: حرج ~~{فيما طعموا} أي: من مال الميسر وشربوا من الخمر قبل التحريم {إذا ما ~~اتقوا} أي: المحرمات {وآمنوا وعملوا الصالحات} أي: ثبتوا على الإيمان ~~والأعمال الصالحة {ثم اتقوا} ما حرم عليهم بعد الخمر {وآمنوا} بتحريمه {ثم ~~اتقوا} أي: استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي {وأحسنوا} أي: وتحروا الأعمال ~~الجميلة واشتغلوا بها أو أن التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة الماضي والحال ~~والاستقبال التي تقع فيها الأفعال المذكورة وباعتبار الحالات الثلاث ~~استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه ~~وبين الله عز وجل ولأجل استعمال الإنسان التقوى بينه وبين الله أبدل ~~الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام ~~في تفسير الإحسان من قوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك» أو باعتبار المراتب الثلاثة: المبدأ والوسط والمنتهى أو ~~باعتبار ما يتقي به فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقيا من العقاب والشبهات ~~تحزرا للنفس عن الوقوع في الحرام وبعض المباحات صونا لها عن الخسة وتهذيبا ~~لها عن دنس الطبيعة {وا يحب المحسنين} أي: يثيبهم. # ونزل عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد فكانت الوحوش تغشى ~~رحالهم فهموا بأخذها. # {يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله} أي: ليختبرنكم {بشيء} يرسله لكم {من ~~الصيد} وإنما بعض لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة وفائدة الابتلاء إظهار ~~المطيع من ms0659 العاصي وإلا فلا حاجة به إلى البلوى {تناله أيديكم} أي: ما لا ~~يقدر أن يفر من الصيد لصغر أو غيره {ورماحكم} أي: ما يقدر على الفرار لكبر ~~أو غيره {ليعلم الله} أي: علم ظهور فإنه تعالى يعلم ما تخفى الصدور {من ~~يخافه بالغيب} أي: ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآخرة ~~فيجتنب الصيد، والمعنى: أنه سبحانه وتعالى يخرج بالامتحان ما كان من أفعال ~~العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة فيصير تعلق العلم به تعلقا شهوديا ~~كما كان تعلقا غيبيا # PageV01P396 # ليقوم بذلك على الفاعل الحجة في مجاري عاداتكم {فمن اعتدى} أي: فاصطاد ~~{بعد ذلك} أي: الابتلاء بالصيد {فله عذاب أليم} أي: مؤلم وإن من لا يملك ~~نفسه في مثل ذلك ولا يراعي حكم الله فيه فكيف به فيما تكون فيه النفس أميل ~~إليه وأحرص عليه. # {يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} أي: محرمون بنسك أو في ~~الحرم والنهي عما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفا وأما غير المؤكول فيحل ~~قتله فإنه لا حظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه ويؤيده قوله صلى الله ~~عليه وسلم «خمس يقتلن في الحل والحرم: الحداء والغراب والعقرب والفأرة ~~والكلب» وفي رواية أخرى الحية بدل العقرب مع ما فيه من التنبيه على جواز ~~قتل كل مؤذ وإنما ذكر القتل دون الذبح والذكاة للتعميم فإن مذبوح المحرم ~~ميتة {ومن قتله منكم متعمدا} أي: قاصدا للصيد ذاكرا للاحرام إن كان محرما ~~والحرم إن كان فيه عالما بالتحريم وذكر العمد ليس لتقييد وجوب الجزاء فإن ~~إتلاف العامد والمخطىء واحد في إيجاب الضمان بل لقوله تعالى: {ومن عاد ~~فينتقم الله منه} ولأن الآية نزلت فيمن تعمد إذ روي أنه عن لهم في عمرة ~~الحديبية حمار وحش فطعنه أبو قتادة برمحه فقتله فنزلت، وعن الزهري نزل ~~الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ، وعن سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئا ~~باشتراط العمد في الآية، وعن الحسن روايتان وقوله تعالى: {فجزاء} منون في ~~قراءة عاصم ms0660 وحمزة والكسائي وما بعده مرفوع أي: فعليه جزاء هو {مثل ما قتل ~~من النعم} أي: شبهه في الخلقة لا التساوي في القيمة، وقرأ الباقون بغير ~~تنوين في جزاء وخفض لام مثل {يحكم به} أي: المثل رجلان {ذوا عدل منكم} أي: ~~لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به فيحكمان به وقد ذهب إلى إيجاب المثل ~~جماعة من الصحابة حكموا في بلدان مختلفة بالمثل من النعم فحكم ابن عباس ~~وعمر وعلي في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة وعمر في الضبع بكبش وهو لا ~~يساوي كبشا وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة، ابن عمر وابن ~~عوف في الظبي بشاة وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنه يشبهها ~~في العب، والحمام كل ما عب وهدر من الطير كالفواخت والقمري والدبسي فدل ذلك ~~على أنهم ينظرون إلى ما يقرب من # الصيد شبها من حيث الخلقة لا من حيث القيمة. # وقوله: {هديا} حال من جزاء وقوله تعالى: {بالغ الكعبة} أي: يبلغ به الحرم ~~فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه ولا يجوز أن يذبح حيث كان وهو نعت لما ~~قبله وإن أضيف إلى معرفة لأن إضافته لفظية لا تفيد تعريفا فإن لم يكن للصيد ~~مثل من النعم كالعصفور والجراف فعليه قيمته {أو} عليه {كفارة طعام مساكين} ~~في الحرم من غالب قوت البلد مما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مد، وقرأ نافع ~~وابن عامر كفارة بغير تنوين وخفض ميم طعام والباقون بالتنوين ورفع ميم طعام ~~أي: هي طعام {أو} عليه {عدل} أي: مثل {ذلك} أي: الطعام {صياما} يصومه في كل ~~موضع يتيسر له عن كل مد يوما، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها، قال البقاعي: ~~والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل. # وقوله تعالى: {ليذوق وبال أمره} متعلق بمحذوف أي: فعليه الجزاء أو الطعام ~~أو الصوم ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام والوبال المكروه والضرر الذي ~~يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى: {فأخذناه أخذا ~~وبيلا} (المزمل، 16) أي: # PageV01P397 # ثقيلا والطعام ms0661 الوبيل الذي ينقل على المعدة ولا يستمر {عفا الله عما سلف} ~~أي: من قتل الصيد قبل تحريمه فلا يؤاخذكم به {ومن عاد} إلى تعمد شيء من ذلك ~~بعد النهي وقوله تعالى: {فينتقم الله منه} خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ~~ينتقم الله منه ولذلك دخلت الفاء ونحو ذلك قوله تعالى: {فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف بخسا ولا رهقا} (الجن، 13) أي: ينتقم الله تعالى منه في الآخرة وإذا ~~تكرر من المحرم قتل الصيد تعددت عليه الكفارة عند عامة العلماء.f # وعن ابن عباس وشريح: لا كفارة عليه تعلقا بظاهر الآية فإنه لم يذكر ~~الكفارة قالا: لأن الانتقام من العائد يمنع وجوب الكفارة {وا} الذي له صفات ~~الكمال {عزيز} أي: غالب على أمره {ذو انتقام} أي: ممن أصبر على عصيانه. # ولما كان هذا عاما في كل صيد بين الله تعالى أنه خاص بصيد البر فقال: # {أحل لكم} أيها الناس حلالا كنتم أو محرمين {صيد البحر} أي: ما صيد منه ~~وهو ما لا يعيش إلا في الماء كالسمك بخلاف ما يعيش فيه وفي البر عند ~~الشافعي رحمه الله تعالى وذهب قوم إلى أن جميع ما في البحر حلال وظاهر ~~الآية حجة له. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا يحل منه إلا السمك، ~~وقوله تعالى: {وطعامه} عطف على صيد البحر أي: وأحل لكم طعام البحر وهو ما ~~يقذفه من السمك ميتا قال صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته» رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وصححوه وقال قتادة: صيده طريه ~~وطعامه مالحه، وقيل: الضمير للصيد وطعامه أكله وعلى هذا فالصيد بمعنى ~~الاصطياد والمعنى: أحل لكم اصطياد الصيد وأكل المصيد من الأنهار والبرك ~~وغيرهما من جميع المياه كالبحر. # وقوله تعالى: {متاعا} مفعول أي: أحل {لكم} تمتيعا لكم تأكلونه طريا ~~{وللسيارة} أي: المسافرين منكم يتزودونه قديدا كما تزود موسى صلى الله عليه ~~وسلم في مسيره إلى الخضر الحوت {وحرم عليكم صيد البر} أي: اصطياده وأكل ما ~~صيد منه لكم وهو ما لا يعيش إلا ms0662 فيه وما يعيش فيه وفي البحر فإن صيد الحلال ~~حل للمحرم أكله لقوله صلى الله عليه وسلم «لحم الصيد حلال لكم ما لم ~~تصطادون أو يصد لكم» {ما دمتم حرما} أي: محرمين وقد ذكر تعالى تحريم الصيد ~~على المحرم في ثلاث مواضع من هذه السورة قوله تعالى: {غير محلى الصيد وأنتم ~~حرم} (المائدة، 1) إلى قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} (المائدة، 2) ~~وقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} (المائدة، 95) وقوله تعالى: ~~{وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} (المائدة، 96) تشديدا على المحرم أنه ~~لا يتعاطى ذلك وأكد ذلك بقوله تعالى: {واتقوا الله} أي: في ذلك الاصطياد ~~وغيره {الذي إليه تحشرون} فإنه مجازيكم بأعمالكم. # {جعل الله الكعبة} أي: صيرها وسمى البيت كعبة لتكعبه أي: تربعه وقال ~~مجاهد: سميت كعبة لترفعها والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة وقال مقاتل: سميت ~~كعبة لانفرادها من البناء وقوله تعالى: {البيت الحرام} أي: المحترم عطف ~~بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح كما تجيء الصفة كذلك {قياما للناس} ~~أي: يقوم به أمر دينهم بالحج أو العمرة إليه ودنياهم بأمن داخله وعدم ~~التعرض له وجبي ثمرات كل شيء إليه قال الرازي: والمراد بعض الناس وهم العرب ~~وإنما حسن هذا المجاز؛ لأن أهل كل بلد إذا قالوا: الناس فعلوا كذا وصنعوا ~~كذا فهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق ~~عادتهم. وقرأ ابن عامر قيما بغير ألف مصدر قام غير معل والباقون بالألف. # PageV01P398 # {والشهر الحرام} أي: الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ~~أي: صير الأشهر الحرم قياما للناس يأمنون فيها من القتال {والهدي} أي: الذي ~~لم يقلد {والقلائد} أي: الهدى الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء ومر ~~الكلام عليه في أول السورة {ذلك} أي: الجعل المذكور وهو الأربعة الأشياء ~~التي جعلها الله قياما للناس {لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في ~~الأرض} فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة ~~عليها دليل على علمه بما في ms0663 الوجود وما هو كائن وقوله تعالى: {وإن الله بكل ~~شيء عليم} تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق وقوله تعالى: # {اعلموا أن الله شديد العقاب} فيه وعيد لأعدائه ممن انتهك محارمه وقوله ~~تعالى: {وإن الله غفور} فيه وعد لأوليائه ممن حافظ عليها {رحيم} بهم وقوله ~~تعالى: # {ما على الرسول إلا البلاغ} فيه تشديد على إيجاب القيام بما أمر به وأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم ~~الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط {وا يعلم ما تبدون} أي: ~~تظهرون من العمل {وما تكتمون} أي: تخفون منه فيجازيكم به. # وقوله تعالى: # {قل لا يستوي الخبيث والطيب} حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين ~~الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيدها رغب به في صالح العمل وحلال ~~المال {ولو أعجبك كثرة الخبيث} إذ لا عبرة بالقلة والكثرة بل بالجودة ~~والرداءة فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير، والخطاب لكل معتبر ~~ولذلك قال تعالى: {فاتقوا الله} أي: في ترك الخبيث وإن كثر في الحس لنقصه ~~في المعنى وآثروا الطيب وإن قل في الحس لكثرته في المعنى {يا أولي الألباب} ~~أي: أصحاب العقول السليمة {لعلكم تفلحون} أي: لتكونوا على رجاء من أن ~~تفوزوا بجميع المطالب. # ونزل لما أكثروا سؤاله صلى الله عليه وسلم # {يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد} أي: تظهر {لكم تسؤكم} أي: ~~لما فيها من المشقة فقيل: سبب نزولها ما في الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى ~~عنه إنهم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه المسألة أي: بالغوا ~~في السؤال فغضب وصعد المنبر وقال: «لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم» ~~وشرع يكرر ذلك وإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه فقال: يا رسول ~~الله من أبي؟ فقال: «حذافة» فقال عمر رضي الله تعالى عنه: رضينا بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا نعوذ بالله من الفتن فقال ~~رسول الله صلى ms0664 الله عليه وسلم «ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه قد ~~صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط في آخره» فنزلت هذه الآية. # وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله أنا حديث عهد بجاهلية ~~اعف عنا يعف الله عنك فسكن غضبه، وللبخاري في التفسير عن أنس أيضا قال: خطب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط قال: «لو تعلمون ما ~~أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وجوههم لهم حنين فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان فنزلت هذه الآية. وللبخاري ~~أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ يقول الرجل تضل ناقته أين ~~ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله # PageV01P399 # عليه وسلم كان يخطب ذات يوم وهو غضبان من كثرة ما يسألون عنه مما لا ~~يعنيهم فقال صلى الله عليه وسلم «لا أسأل عن شيء إلا وأجيب» فقال رجل: أين ~~أنا؟ قال: «في النار» وقال آخر: من أبي؟ قال: «حذافة» وكان يدعى لغيره ~~فنزلت هذه الآية. وقيل غير ذلك ولا تعارض بين هذه الأخبار ولو تعذر ردها ~~إلى شيء واحد لما مر عند قوله تعالى: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~(المائدة، 87) من أن الأمر الواحد قد تتعدد أسبابه. وقرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية مع تحقيق الأولى والباقون بتحقيقهما. ولما ~~كان ربما وقع في وهم متعنت أن هذا الزجر إنما هو لقصد راحة المسؤول عن ~~السؤال خوفا من عواقبه قال تعالى: {وإن تسألوا عنها} أي: تلك الأشياء التي ~~تتوقع مساءتكم عند إبدائها {حين ينزل القرآن تبد لكم} المعنى: إذا سألتم عن ~~أشياء في زمنه صلى الله عليه وسلم ينزل القرآن بإبدائها ومتى أبداها ساءتكم ~~فلا تسألوا. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ms0665 تعالى قد فرض فرائض فلا ~~تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها ثم عفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا ~~عنها» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخيف الزاي والباقون بفتح ~~النون وتشديد الزاي وقوله تعالى: {عفا الله عنها} استئناف أي: عفا الله عما ~~سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مسألتها أو صفة أخرى أي: عن أشياء عفا الله ~~عنها ولا يكلف بها. # روي أنه لما نزل {وعلى الناس حج البيت} (آل عمران، 97) قال سراقة بن ~~مالك: ألكل عام فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى أعاد ثلاثا فقال: «لا ولو ~~قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم فاتركوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان ~~قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما ~~استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» . # {وا غفور} يمحو الزلات عينا وأثرا ويعقبها بالإكرام {حليم} لا يعجل على ~~العاصي بالعقوبة وقوله تعالى: # {قد سألها قوم} الضمير فيه للمسألة التي دل عليها تسألوا ولذلك لم يعد ~~بعن أو الأشياء بحذف الجار وقوله تعالى: {من قبلكم} قال البيضاوي: متعلق ~~بسألها وليس صفة لقوم فإن ظرف الزمان لا يكون صفة لجثة ولا حالا منها ولا ~~خبرا عنها اه. قال أبو حيان: هذا محله في ظرف الزمان المجرد من الوصف أما ~~إذا لم يتجرد عنه فيصح أن يكون صفة للجثة أو حالا منها أو خبرا عنها، وقبل ~~وبعد وصفان في الأصل فإذا قلت: جاء زيد قبل عمرو فالمعنى جاء في زمان قبل ~~زمان مجيئه أي: تقدم عليه ولذا صح وقوعه صلة للموصول ولو لم يلحظ فيه الوصف ~~ولو كان ظرف زمان مجردا لم يجز أن يقع صلة قال تعالى: {والذين من قبلكم} ~~(البقرة، 21) ولا يجوز والذين اليوم وممن سألها قبلهم ثمود سألوا صالحا ~~الناقة وسأل قوم عيسى المائدة {ثم أصبحوا} أي: صاروا {بها} أي: بسببها ~~{كافرين} حيث لم يأتمروا بما سألوا جحودا وقوله تعالى: # {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} رد وإنكار ms0666 لما ~~ابتدعته أهل الجاهلية. # روي أن أهل الجاهلية كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر يجزوا ~~أذنها أي: شقوها وتركوا الحمل عليها وركوبها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها ~~الماء والكلأ وقيل: إنهم كانوا ينظرون إلى خامس ولدها فإن كان ذكرا نحروه ~~فأكله الرجال والنساء وإن كان أنثى يجزوا أذنها أي: شقوها وتركوها، وحرم ~~على النساء لبنها ومنافعها وكانت منافعها خاصة للرجال وإذا # PageV01P400 # ماتت حلت للرجال والنساء. # وأما السائبة فكان الرجل منهم يقول: إن شفيت أو رد غائبي فناقتي سائبة ثم ~~يسيبها فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا تركب ويجعلها كالبحيرة في تحريم ~~الانتفاع بها وقيل: كانت الناقة إذا تابعت ثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم ~~يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فإن نتجت بعد ذلك أثنى شق ~~أذنها ثم يخلى سبيلها مع أمها في الإبل فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يشرب ~~لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها فهي البحيرة بنت السائبة. # وأما الوصيلة فمن الغنم كانت إذا ولدت سبعة أبطن نظر فإن كان السابع ذكرا ~~ذبحوه فأكل منه الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وقيل: إذا ~~ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم فإن ولدت ذكرا وأنثى ~~قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وكان ابن الأنثى حراما على ~~النساء فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا. # وأما الحام فهو الفحل إذا ركب ولد ولده ويقال: إذا نتجت من صلب الفحل ~~عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا ~~مرعى. وإذا مات أكله الرجال والنساء. # وروي «أنه صلى الله عليه وسلم قال لأكثم الخزاعي: يا أكثم رأيت عمرو بن ~~لحى يجر قصبه في النار فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ولا به منك وذلك ~~أنه أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل ~~الوصيلة وحمى الحامي ولقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ms0667 بريح قصبه» فقال ~~أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: «لا إنك مؤمن وهو كافر» ومعنى {ما ~~جعل الله} أي: ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير ولا التسيب ولا غير ذلك {ولكن ~~الذين كفروا يفترون على الله الكذب} في قولهم: إن الله أمرنا بها {وأكثرهم ~~لا يعقلون} أن ذلك افتراء لأنهم قلدوا فيه آباءهم كما قال تعالى: # {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا} أي: ~~كافينا {ما وجدنا عليه آباءنا} إذ لا مستند لهم سوى ذلك قال الله تعالى: ~~{أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} أي: إلى الحق والاستفهام ~~للإنكار أي: أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين. وقرأ هشام ~~والكسائي قيل بضم القاف قبل الياء والباقون بالكسر. # {يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} أي: احفظوها والزموا إصلاحها {لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم} أي: لا يضركم الضال إذا كنتم مهتدين ومن الاهتداء أن ~~ينكر المنكر حسب طاقته كما قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكرا واستطاع ~~أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» . # وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم ~~تقرأون هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} الآية وتضعونها غير ~~موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ~~الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعذابه» . وفي رواية ~~«لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم ~~فيسومونكم سوء العذاب ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لهم» . # قال أبوعبيدة: خاف الصديق رضي الله تعالى عنه أنه يتأول الناس الآية غير ~~متأولها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف فأعلمهم أنها ليست كذلك، قال أبو ~~ثعلبة الخشني: سألت عن هذه الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بل ~~ائتمروا بالمعروف # PageV01P401 # وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب ~~كل ذي رأي ms0668 برأيه ورأيت الأمر لا بد لك منه فعليك نفسك ودع أمر العامة وإن ~~وراءكم أيام الصبر فمن صبر فيهن قبض على الجمر وإن وراءكم أياما للعامل ~~فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله» قال ابن المبارك وزادني غيره ~~قال: «أجر خمسين منكم» . # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآية قرئت عنده فقال: إن هذا ~~ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل ~~منكم فحينئذ عليكم أنفسكم فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه ~~وبسط لعذره وعنه ليس هذا زمان تأويلها قيل: فمتى؟ قال: إذا حال دونها السيف ~~والسوط والحبس. # وروي: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ~~احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني ~~فعلت كان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان ولكن قل قدر الله وما شاء فعل» ~~. وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت: عليكم ~~أنفسكم وعليكم من أسماء الفعل بمعنى الزموا أنفسكم ولذلك نصب أنفسكم {إلى ~~الله مرجعكم جميعا} الضال والمهتدي {فينبئكم بما كنتم تعملون} فيجازيكم به، ~~وفي ذلك وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بذنب أحد غيره. # {يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم} أي: فيما أمرتم شهادة بينكم فشهادة ~~مبتدأ خبره محذوف، قيل: هذه الآية وما بعدها من أشكل آي القرآن حكما ~~وإعرابا وتفسيرا والمراد بالشهادة الإشهاد بالوصية. # وقيل: المراد بها اليمين بمعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، قال ~~القرطبي: ورد لفظ الشهادة في القرآن على أنواع مختلفة بمعنى الحضور قال ~~تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (البقرة، 185) وبمعنى قضى قال تعالى: ~~{شهد الله أنه لا إله إلا هو} (ال عمران، 18) وبمعنى أقر قال تعالى: ~~{والملائكة يشهدون} (النساء، 166) وبمعنى حكم قال تعالى: {وشهد شاهد من ~~أهلها} (يوسف، 26) وبمعنى حلف قال تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهادات} ~~(النور، 6) وبمعنى وصى قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا ms0669 شهادة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت} أي: أسبابه {حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} وهذا خبر بمعنى ~~الأمر أي: ليشهد وإضافة شهادة ل «بين» على الاتساع وحين بدل من إذا أو ظرف ~~لحضر واثنان فاعل شهادة أو خبر مبتدأ محذوف أي: الشاهد اثنان ومن فسر الغير ~~بأهل الذمة جعله منسوخا فإن شهادته على المسلم لا تسمع إجماعا، وقد اتفق ~~الأكثرون على أنه لا نسخ في سورة المائدة، وعن مكحول نسخها قوله تعالى: ~~{وأشهدوا ذوي عدل منكم} (الطلاق، 2) وإنما جازت في أول الإسلام لقلة ~~المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر. # {إن أنتم ضربتم} أي: سافرتم {في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} أي: قاربتم ~~الأجل وقوله تعالى: {تحبسونهما} أي: توقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران {من ~~بعد الصلاة} أي: صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل ~~وملائكة النهار. وقيل: أي صلاة كانت {فيقسمان} أي: يحلفان {با} وعن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن اليمين إنما تكون إذا كانا من غيرنا فإن كانا ~~مسلمين فلا يمين، وعن غيره: إن كان الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ ~~تحليفهما، وإن كانا الوصيين # PageV01P402 # فلا إثم شرط لهذا الحلف شرطا فقال اعتراضا بين القسم والمقسم عليه {إن ~~ارتبتم} أي: شككتم فيما أخبرا به عن الواقعة ثم ذكر المقسم عليه بقوله: {لا ~~نشتري به ثمنا} أي: بهذا الذي ذكرناه ثمنا أي: لم نذكره ليحصل لنا به غرض ~~دنيوي وإن كان في نهاية الجلالة وليس قصدنا به إلا إقامة الحق {ولو كان} ~~أي: القسم له {ذا قربى} أي: لنا {ولا نكتم شهادة الله} أي: التي أمرنا ~~بإقامتها {إنا إذا} أي: إذا كتمناها {لمن الآثمين} . # {فإن عثر} أي: اطلع بعد حلفهما {على أنهما استحقا إثما} أي: فعلا ما ~~يوحيه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندها مثلا ما اتهما به وادعيا ~~أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به {فآخران} أي: فشاهدان آخران {يقومان ~~مقامهما} أي: في توجيه اليمين عليهما {من الذين استحق عليهم} الوصية وهم ~~الورثة على قراءة ms0670 غير حفص بضم التاء وكسر الحاء على البناء للمفعول وعلى ~~البناء للفاعل فهو الأوليان ويبدل من آخران {الأوليان} بالميت أي: الأقربان ~~إليه، وقرأ حمزة وشعبة بتشديد الواو وكسر اللام وبسكون الياء وفتح النون ~~على الجمع على أنه صفة للذين أو بدل منه أي: من الأولين الذين استحق عليهم ~~والباقون بسكون الواو وفتح اللام والياء وألف بعد الياء وكسر النون على ~~التثنية على أنه بدل من آخران كما مر أو خبر محذوف أي: هما الأوليان ~~{فيقسمان} أي: هذان الآخران {با} ويقولان {لشهادتنا} أي: يميننا {أحق} أي: ~~أصدق {من شهادتهما} أي: يمينهما {وما اعتدينا} أي: تجاوزنا الحق في اليمين ~~{إنا إذا} أي: إذا وقع منا اعتداء {لمن الظالمين} أي: الواضعين الشيء في ~~غير موضعه. # ومعنى الآيتين: أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي ~~نسبه أو دينه على وصيته أو يوصي إليهما احتياطا فإن لم يجدهما بأن كان في ~~سفر فآخران من غيرهم ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان ~~بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة حلف آخران من ~~أولياء الميت والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإن الشاهد لا يحلف ولا ~~تعارض يمينه بيمين الوارث، وثابت إن كانا وصيين ورد اليمين إلى الورثة إما ~~لظهور خيانة الوصيين فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى ~~وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها، ~~وهي ما روي أن رجلا من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن زيد إلى الشام ~~للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلما ~~فلما قدموا الشام مرض بديل فدون ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم ~~يخبرهما بها وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ومات ففتشاه وأخذا منه ~~إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشا بالذهب ثم قضيا حاجتهما وانصرفا إلى ~~المدينة ودفعا المتاع إلى أهل الميت ففتشوا فأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما ~~كان ms0671 معه فجاءوا تميما وعديا فقالوا: هل باع صاحبنا شيئا؟ قالا: لا قالوا: ~~هل اتجر تجارة قالا: لا قالوا: فهل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا لا ~~قالوا: فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا فقدنا منها إناء ~~من فضة مموها بالذهب ثلثمائة مثقال من فضة قالا: ما ندري إنما أوصى لنا ~~بشيء وأمرنا أن ندفعه لكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء فاحتصموا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فاجترآ على الإنكار وحلفا فأنزل تعالى الله: ~~{يأيها الذين آمنوا} الآية فلما نزلت هذه # PageV01P403 # الآية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا تميما وعديا ~~فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئا # مما دفع إليهما فحلفا على ذلك وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سبيلهما، ثم وجد الإناء في أيديهما، فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك ~~فقالا: إنا كنا قد اشتريناه منه فقالوا: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا ~~من متاعه؟ قالا: لم يكن عندنا بينة وكرهنا أن نقر لكم فكتمنا لذلك فرفعوهما ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فإن عثر فقام عمرو بن العاص ~~والمطلب بن أبي رفاعة السهميان وحلفا وتقدم أن تخصيص الحلف في الآية باثنين ~~من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها.f # {ذلك} أي: الحكم المذكور من رد اليمين على الورثة {أدنى} أي: أقرب {أن} ~~أي: إلى أن {يأتوا} أي: الذين شهدوا أولا {بالشهادة} أي: الواقعة في نفس ~~الأمر {على وجهها} أي: الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة {أو} أقرب ~~إلى أن {يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} أي: على الورثة المدعين فيحلفون ~~على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون فلا يكذبوا وإنما جمع الضمير؛ لأنه ~~حكم يعم الشهود كلهم {واتقوا الله} بترك الخيانة والكذب {واسمعوا} ما ~~تؤمرون به سماع قبول {وا لا يهدي القوم الفاسقين} أي: الخارجين عن طاعته لا ~~يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة. # وقوله تعالى: # {يوم ms0672 يجمع الله الرسل} أي: يوم القيامة منصوب بإضمار اذكر. وقيل: بدل من ~~مفعول واتقوا بدل اشتمال {فيقول} لهم توبيخا لقومهم كما أن سؤال الموءودة ~~لتوبيخ الوائد {ماذا} أي: الذي {أجبتم} به حين دعوتم إلى التوحيد {قالوا لا ~~علم لنا} أي: لا علم لنا بما أنت تعلمه {إنك أنت علام الغيوب} فتعلم ما ~~أجابونا وأظهروا لنا وما لم نعلم مما أضمروا في قلوبهم وقوله تعالى: # {إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} أي: اشكرها ~~منصوب بإضمار اذكر، وقيل: بدل من يوم يجمع وهو على طريقة: ونادى أصحاب ~~الجنة، والمعنى أنه تعالى يوبخ الكفرة يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم وتعديد ~~ما أظهروا عليهم من الآيات فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة وغلا آخرون فاتخذوهم ~~آلهة وقوله تعالى: {إذ أيدتك} أي: قويتك ظرف لنعمتي أو حال منه {بروح ~~القدس} أي: جبريل عليه السلام فكان له في الصغر حفظ لم يكن لغيره وقوله ~~تعالى: # {تكلم الناس} حال من الكاف في أيدتك {في المهد} أي: طفلا {وكهلا} أي: ~~تكلمهم في الطفولية والكهولة على السواء والمعنى: إلحاق حاله في الطفولية ~~بحال الكهول في كمال العقل والتكلم به، وبه استدل على أنه ينزل قبل الساعة؛ ~~لأنه رفع قبل الكهولة كما سبق في آل عمران {وإذ علمتك الكتاب} أي: الخط ~~الذي هو مبدأ العلم {والحكمة} أي: الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو ~~إليه العلم {والتوراة} أي: المنزلة على موسى صلى الله عليه وسلم {والإنجيل} ~~أي: المنزل عليك {وإذ تخلق من الطين} أي: هذا الجنس {كهيئة} أي: كصورة ~~{الطير} والكاف اسم بمعنى مثل مفعول {بإذني} أي: بأمري {فتنفخ فيها} أي: في ~~الصورة المهيأة {فتكون} تلك الصورة التي هيأتها {طيرا بإذني} أي: بإرادتي، ~~وقرأ نافع بالمد بعد الطاء وبعد الألف همزة مكسورة وورش يرقق الراء على ~~أصله والباقون بياء ساكنة بعد الطاء {وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني} وسبق ~~تفسيرهما في سورة آل # PageV01P404 # عمران {وإذ تخرج الموتى} أي: من قبورهم أحياء {بإذني وإذ كففت بني ~~إسرائيل} أي: اليهود {عنك} ms0673 أي: حين هموا بقتلك وقوله تعالى: {إذ جئتهم} ظرف ~~لكففت {بالبينات} أي: المعجزات {فقال الذين كفروا منهم أن} أي: ما {هذا} ~~الذي جئت به {إلا سحر مبين} أي: بين ظاهر، وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين ~~وألف بعدها وكسر الحاء إشارة إلى عيسى عليه السلام، والباقون بكسر السين ~~وسكون الحاء ولا ألف بعدها إشارة إلى ما جاء به. # {وإذا أوحيت} أي: بالإلهام باطنا وبإيصال الأوامر على لسانك ظاهرا {إلى ~~الحواريين} أي: الأنصار {أن} أي: بأن {آمنوا بي وبرسولي} عيسى صلى الله ~~عليه وسلم {قالوا آمنا} بهما {واشهد بأننا مسلمون} أي: منقادون أتم انقياد ~~وقوله تعالى: # {إذ قال الحواريون} منصوب باذكر. وقيل: ظرف لقالوا فيكون تنبيها على أن ~~ادعاءهم الإخلاص مع قولهم: {يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك} قرأ الكسائي ~~بالتاء على الخطاب وإدغام لام هل فيها على أصله، وفتح الباء الموحدة من ربك ~~أي: هل تستطيع ربك أي: سؤال ربك والمعنى: هل تسأل ذلك من غير صارف؟ وقرأ ~~الباقون بالياء على الغيبة ورفع الباء أي: يجيبك ربك إذا سألته {أن ينزل ~~علينا مائدة} وهي الطعام ويقال أيضا للخوان إذا كان عليه الطعام، والخوان: ~~شيء يوضع عليه الطعام للأكل هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع فيه طعام ~~المسافر بالخصوص، وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين أي: ~~تميل، وقال أهل البصرة فاعلة بمعنى مفعولة أي: تميد أيدي الآكلين إليها ~~كقولهم: عيشة راضية أي: مرضية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف ~~الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي وقولهم: {من السماء} أي: لا صنع ~~للآدميين فيها لنختص بها عمن تقدمنا من الأمم لم يكن بعد عن تحقيق واستحكام ~~معرفة {قال} عيسى عليه الصلاة والسلام مجيبا لهم {اتقوا الله} أن تسألوه ~~شيئا لم تسأله الأمم من قبلكم {إن كنتم مؤمنين} بكمال قدرته تعالى وصحة ~~نبوتي أو صدقتكم في ادعائكم الإيمان فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان. # {قالوا نريد} أي: بسؤالنا من أجل {أن نأكل منها} تبركا لا أكل حاجة ~~وقولهم: ms0674 {وتطمئن} أي: تسكن {قلوبنا} بانضمام علم المشاهدة إلى علم ~~الاستدلال بكمال قدرته بيان لما دعاهم إلى السؤال وتمهيد عذرهم وقولهم: ~~{ونعلم} أي: نزداد علما {أن} مخففة أي: إنك {قد صدقتنا} في ادعاء النبوة ~~وإن الله يجيب دعوتنا، وقيل: إن عيسى عليه السلام أمرهم أن يصوموا ثلاثين ~~يوما فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئا إلا أعطاهم ففعلوا وسألوا المائدة ~~وقالوا: ونعلم إن قد صدقتنا في قولك إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله ~~تعالى شيئا إلا أعطانا {ونكون عليها من الشاهدين} إذا استشهدتنا أو من ~~الشاهدين للعين دون السامعين للخبر. # {قال عيسى بن مريم} لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك وأنهم لا يقلعون ~~عنه فأراد إلزامهم الحجة بكمالها {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة} وحقق موضع ~~الإنزال بقوله: {من السماء تكون} هي أو يوم نزولها {لنا عيدا} نعظمه ونشرفه ~~وقال سفيان: نصلي فيه. # وروي أنها نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيدا، وقيل: إن عيسى عليه ~~السلام اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى ثم قال: ~~اللهم ربنا إلخ.. وقيل: العيد السرور العائد ولذلك سمي # PageV01P405 # يوم العيد عيدا وقوله: {لأولنا وآخرنا} بدل من لنا بإعادة العامل أي: ~~عيدا لأهل زماننا ولمن جاء بعدنا وقال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما ~~أكل أولهم وقوله: {وآية} عطف على عيدا وقوله: {منك} صفة لها أي آية كائنة ~~منك دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتي {وارزقنا} المائدة والشكر عليها {وأنت ~~خير الرازقين} أي: من يرزق؛ لأنه تعالى خالق الرزق ومعطيه بلا غرض. # {قال الله} تبارك وتعالى مجيبا لعيسى عليه السلام {إني منزلها عليكم} أي: ~~المائدة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون وتشديد الزاي والباقون ~~بسكون النون وتخفيف الزاي {فمن يكفر بعد} أي: بعد نزولها {منكم فإني أعذبه ~~عذابا} أي: تعذيبا أو مفعولا به على السعة والضمير في {لا أعذبه} للمصدر ~~ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء {أحدا من العالمين} أي: ~~عالمي زمانهم أو ms0675 العالمين مطلقا فإنهم مسخوا قردة وخنازير ولم يعذب بمثل ~~ذلك غيرهم، قال عبد الله بن عمران: أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ~~ومن كفر من أصحاب المائدة وقوم فرعون. # واختلف العلماء هل نزلت المائدة أو لا؟ فقال مجاهد والحسن: لم تنزل فإن ~~الله تعالى لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم ~~فاستغفروا وقالوا: لا نريدها فلم تنزل، وقوله تعالى: {إني منزلها عليكم} ~~أي: إن سألتم والصحيح الذي عليه الأكثرون أنها نزلت لقوله تعالى: {إني ~~منزلها عليكم} ولتواتر الأخبار في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واختلفوا في صفتها فقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي: لما سأل ~~الحواريون المائدة لبس عيسى عليه السلام مسحا وبكى وقال: {اللهم ربنا أنزل ~~علينا مائدة} الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من ~~تحتها وهم ينظرون إليها وهي منقضة حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه ~~السلام وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها ~~عقوبة، فقام فتوضأ وصلى وكشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين فإذا ~~سمكة مشوية بلا فلوس أي: بلا قشر كالفلوس ولا شوك تسيل دهنا وعند رأسها ملح ~~وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على ~~واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى ~~الخامس قديد، فقال شمعون الصفار وهو رأس الحواريين: يا روح الله أمن طعام ~~الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس شيئا مما ترون من طعام الدنيا ولا ~~من طعام الآخرة ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بقدرته، كلوا مما سألتم ~~واشكروا يمددكم ويزدكم من فضله فقال: يا روح الله كن أول من يأكل منها ~~فقال: معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها، من سألها فخافوا أن يأكلوا ~~منها فدعا أهل الفاقة والمرض وأهل البرص والجذام والمقعدين وقال: كلوا من ~~رزق الله لكم الهناء ولغيركم البلاء، فأكلوا وصدروا عنها وهم ألف وثلثمائة ~~رجل ms0676 وامرأة من فقير وزمن ومريض ومبتلى كلهم شبعان والسمكة كهيئتها حين ~~نزلت، ثم طارت المائدة صعودا وهم ينظرون إليها حتى توارت # فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي ولا فقير إلا استغنى، ~~وندم من لم يأكل فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحا فإذا نزلت اجتمعت الأغنياء ~~والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء # PageV01P406 # ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء أي: زالت الشمس طارت وهم ~~ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل يوما ~~كناقة ثمود، وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن ~~والسلوى لبني إسرائيل، وقال وهب بن منبه: أنزل الله تعالى أقراصا من شعير ~~وحيتانا فكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم، ~~وقال عطية العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء، وقال الكلبي: كان ~~عليها خبز أرز وبقل، وقال قتادة: كان عليها ثمر من ثمار الجنة، وقال سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم، وقال كعب ~~الأحبار: نزلت منكسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل الطعام ~~ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنها كانت تنزل تارة كذا وتارة كذا. # قيل: لما نزلت قالوا: يا رسول الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى ~~فقال: يا سمكة إحيي بإذن الله تعالى فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنت فعادت ~~مشوية، ثم طارت المائدة ثم عصوا بعدها فمسخوا فمسخ منهم ثلثمائة وثلاثون ~~رجلا من ليلتهم على فراشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون، وبكوا فلما ~~أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطوف بعيسى وجعل عيسى يدعوهم ~~بأسمائهم فيشيرون برؤوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة أيام ~~ثم هلكوا. # وفي حديث: «أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما فأمروا أن لا يخونوا ولا ~~يدخروا لغد فخانوا وادخروا فمسخوا قردة وخنازير» . # {و} اذكر {إذ قال الله} أي: يقول لعيسى في القيامة توبيخا لقومه وإنما ~~عبر بالماضي لتحقق وقوعه ms0677 كقوله تعالى: {أتى أمر الله} (النمل، 1) {يا عيسى ~~بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} أي: غيره، وقال ~~السدي: قال الله هذا القول لعيسى حين رفعه إلى السماء؛ لأن حرف إذ يكون ~~للماضي وسائر المفسرين على الأول، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل ~~الهمزة الثانية وأدخل ألفا بينهما قالون وأبو عمرو وورش وابن كثير لم يدخلا ~~ألفا بينهما والباقون بتحقيق الهمزتين ولا ألف بينهما وقرأ نافع وأبو عمرو ~~وابن عامر وحفص أمي بفتح الباء والباقون بالسكون. # فإن قيل: ما وجه هذا السؤال مع علم الله عز وجل أن عيسى عليه السلام لم ~~يقله؟ أجيب: بأنه ذكر لتوبيخ قومه كما مر، ولتعظيم أمر هذه المقالة كما ~~يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا فيما يعلم أنه لم يفعله إعلاما واستعظاما ~~لا استخبارا واستفهاما، وأيضا أراد الله عز وجل أن يقر عيسى على نفسه ~~بالعبودية فيسمع قومه ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك. قال أبو روق إذا ~~سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب ارتعدت فرائصه ومفاصله وانفجرت من أصل كل ~~شعرة من جسده عين من دم ثم {قال} وهو يرعد مجيبا لله {سبحانك} أي: أنزهك عن ~~أن يكون لك شريك {ما يكون} أي: ما ينبغي {لي أن أقول ما ليس لي بحق} خبر ~~ليس «ولي» للتبيين، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو لي الأولى بفتح الياء ~~والباقون بالسكون {إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما} أخفيه {في نفسي ولا أعلم ~~ما في نفسك} أي: ما أخفيته عني من الأشياء وقوله: في نفسك للمشاكلة. وقيل: ~~المراد بالنفس الذات وقوله: # PageV01P407 # {إنك أنت علام الغيوب} تقرير لجملتي {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في ~~نفسك} باعتبار منطوق {إنك أنت علام الغيوب} ومفهومه لأنه يدل بمنطوقه على ~~أنه تعالى لا يعلم الغيب غيره فيكون تقريرا لقوله تعالى: {ولا أعلم ما في ~~نفسك} وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين والباقون بالضم. # {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} وهو {أن اعبدوا الله ربي ms0678 وربكم} أي: فأنا ~~وإياهم في العبودية سواء {وكنت عليهم شهيدا} أي: رقيبا أمنعهم مما يقولون ~~{ما دمت فيهم فلما توفيتني} بالرفع إلى السماء لقوله تعالى: {إني متوفيك ~~ورافعك إلي} (آل عمران، 55) والتوفي أخذ الشيء وافيا والموت نوع منه قال ~~الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} (الزمر، ~~42) {كنت أنت الرقيب} أي: الحفيظ {عليهم} أي: لأعمالهم {وأنت على كل شيء} ~~من قولي وقولهم وغير ذلك {شهيد} أي: مطلع عالم به. # {إن تعذبهم} أي: من أقام على الكفر منهم {فإنهم عبادك} وأنت مالكهم تتصرف ~~فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك {وإن تغفر لهم} أي: لمن آمن منهم {فإنك أنت ~~العزيز} أي: الغالب على أمره {الحكيم} في صنعه فإن عذبت فعدل، وإن عفوت ~~ففضل. # {قال الله} تعالى {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} أي: في الدنيا كعيسى فإن ~~النافع ما كان حال التكليف لا صدقهم في الآخرة، وقرأ نافع بنصب الميم على ~~أنه ظرف لقال وخبر هذا محذوف، والمعنى: هذا الذي من كلام عيسى عليه السلام ~~واقع يوم ينفع، والباقون بالرفع على الخبر، وقيل: أراد بالصادقين النبيين، ~~وقال الكلبي: ينفع المؤمنين إيمانهم، وقال قتادة: متكلمان يخطبان يوم ~~القيامة عيسى عليه الصلاة والسلام وهو ما قص الله تعالى وعدو الله إبليس، ~~وهو قوله تعالى: وقال الشيطان لما قضي الأمر فصدق عدو الله يومئذ، وكان ~~كاذبا فلم ينفعه صدقه. # قال: ولما كان عيسى صادقا في الدنيا والآخرة نفعه صدقه. ثم بين تعالى ~~ثوابهم فقال: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} وأكد معنى ذلك ~~بقوله تعالى: {أبدا} ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا الله تعالى قال: {رضي ~~الله عنهم} بطاعته {ورضوا عنه} بثوابه {ذلك} أي: هذا الأمر العلي لا غيره ~~{الفوز العظيم} وأما الكاذبون في الدنيا فلا ينفعهم صدقهم في ذلك اليوم ~~كالكفار لما يؤمنون عند رؤية العذاب. # {ملك السموات والأرض} أي: خزائن المطر والنبات والرزق وغيرها {وما فيهن} ~~من إنس وجن وملك وغيرهم ملكا وخلقا، وأتى بما دون ms0679 من تغليبا لغير العاقل ~~{وهو على كل شيء قدير} ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب، قال السيوطي: وخص ~~العقل ذاته فليس عليها بقادر، وقوله البيضاوي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~«من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له ~~عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا» حديث موضوع. ### | سورة الأنعام # مكية # روي أنها نزلت بمكة جملة واحدة ليلا ونزل معها سبعون ألف ملك قد سدوا ما ~~بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتمجيد فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «سبحان ربي العظيم» وخر # PageV01P408 # ساجدا، والزجل بفتح الزاي والجيم: القوة، قال البغوي: وروي مرفوعا «من ~~قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره» ، وقال ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت سورة الأنعام بمكة ~~إلا قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى قوله تعالى: {لعلكم ~~تتقون} فهذه الست آيات مدنيات. # ويروى أنه صلى الله عليه وسلم دعا بالكتاب فكتبوها من ليلتهم إلا الست ~~آيات، قال بعض العلماء: واختصت هذه السورة بنوعين من الفضيلة أحدهما: أنها ~~نزلت دفعة واحدة، والثاني: أنها شيعها سبعون ألفا من الملائكة والسبب فيها ~~أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب ~~المبطلين والملحدين وهي مائة وخمسة وستون آية وعدد كلماتها ثلاثة آلاف ~~واثنتان وخمسون كلمة وعدد حروفها اثنا عشر ألفا وأربعمائة واثنان وعشرون ~~حرفا. # {بسم الله} الذي تعالت عظمته عن كل شائبة نقص فكان له كل كمال {الرحمن} ~~الذي عمت نعمته المحسن والمسيء فغمر الكل بالنوال {الرحيم} الذي خص أولياءه ~~بإتمام النعمة فهداهم بنعمة الإيصال. # {الحمد} هو الوصف بالجميل ثابت {} وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به أو ~~الثناء به أو هما احتمالات قال الجلال المحلى في سورة الكهف: أفيدها ~~الثالث، وتقدم الكلام على الحمد لغة واصطلاحا في أول الفاتحة، وقال كعب ~~الأحبار: هذه الآية أول آية في التوراة وآخر آية في التوراة {وقل الحمد ~~الذي لم ms0680 يتخذ ولدا} (الإسراء، 111) إلى آخر الآية. وفي رواية أن آخر آية في ~~التوراة آخر سورة هود، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: افتتح الله الخلق ~~بالحمد فقال: {الحمد} {الذي خلق السموات والأرض} وختم بالحمد فقال تعالى: ~~{وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد رب العالمين} (الزمر، 75) وقال أهل المعاني: ~~لفظ الحمد لله خبر ومعناه الأمر أي: احمدوا الله وإنما جاء على صيغة الخبر ~~وفيه معنى الأمر لأنه أبلغ في البيان من حيث أنه جمع الأمرين، ولو قيل: ~~احمدوا الله لم يجمع الأمرين فكان قوله: {الحمد} أبلغ وإنما خص السموات ~~والأرض بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما ترى العباد لأن السماء بغير عمد ~~ترونها فيها العبر والمنافع والأرض مسكن الخلائق وفيها أيضا العبر ~~والمنافع، وجمع السموات دون الأرض وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة الذات ~~متفاوتة الآثار والحركات بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطء ~~واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرر عند أهله وقدمها ~~لشرفها قدرا وعظما، وإن كانت الأرض أشرف من حيث أنها مسكن الأنبياء {وجعل} ~~أي: خلق {الظلمات والنور} أي: كل ظلمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها ~~والأجرام الحاملة لها إذ ما من جرم إلا وله ظل وظلمة بخلاف النور فإنه من ~~جنس واحد وهو النار ولا ترد الأجرام المنيرة كالكواكب لأن مرجع كل نير إلى ~~النار على ما قيل: إن الكواكب أجرام نورانية نارية وإن الشهب منفصلة من نار ~~الكواكب فصح أن النور من جنس النار وأن المراد بالظلمة الضلال وبالنار ~~الهدى والهدى واحد والضلال متعدد وتقديمها # لتقدم الإعدام على الملكات وقوله تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} ~~عطف على قوله: {خلق} أي: إنه تعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ثم الذين ~~كفروا يعدلون بربهم الأوثان # PageV01P409 # أي: يسوونها به في العبادة وعلى هذا فيعدلون من العدل وهو التسوية، ~~والباء متعلقة بيعدلون أو على قوله: الحمد لله على معنى أن الله تعالى حقيق ~~بالحمد على ما خلقه وأنعمه من العباد ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فيكفرون ms0681 ~~نعمته، وعلى هذا فيعدلون من العدول، والباء متعلقة بكفروا ومعنى ثم استبعاد ~~عدولهم بعد وضوح آيات قدرته.n # هو الذي خلقكم من طين} أي: ابتدأ خلقكم منه فإنه المادة الأولى، وإن آدم ~~الذي هو أصل البشر خلق منه أو خلق أباكم فحذف المضاف، قال السدي: بعث الله ~~جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها فقالت الأرض: إني أعوذ ~~بالله منك أن تنقص مني فرجع جبريل عليه السلام ولم يأخذ قال: يا رب عاذت بك ~~فبعث ميكائيل عليه السلام فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت عليه السلام فعاذت ~~بالله منه فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض فخلط ~~الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء ~~العذب والملح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت: رحم ~~جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم اجعل أرواح الخلق من هذا الطين ~~بيدك. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه: خلق الله تعالى آدم عليه السلام من تراب ~~وجعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا ثم خلقه وصوره وتركه حتى كان صلصالا ~~كالفخار ثم نفخ فيه من روحه {ثم قضى أجلا} أي: أجلا لكم تموتون عند انتهائه ~~{وأجل مسمى} أي: مضروب {عنده} أي: وهو أجل القيامة، وقال الحسن: الأول: بين ~~وقت الولادة إلى وقت الموت والثاني: من وقت الموت إلى البعث فإن كان الرجل ~~برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر وإن كان فاجرا ~~قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث وذلك قوله تعالى: {وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} (فاطر، 11) وقيل: الأول: ~~النوم، والثاني: الموت وقيل: الأول: لمن مضى، والثاني: لمن بقي ولمن يأتي ~~{ثم أنتم} أيها الكفار {تمترون} أي: تشكون في البعث بعد علمكم أنه ابتدأ ~~خلقكم ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر ومعنى ثم استبعاد أيضا ~~كما مر لأن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم. ms0682 # {وهو الله} الضمير لله والله خبره وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون ~~الهاء من وهو والباقون بالضم وقوله تعالى: {في السموات وفي الأرض} متعلق ~~بمعنى اسم الله كأنه قيل: هو مستحق العبادة فيهما ومنه قوله تعالى: {وهو ~~الذي في السماء إله وفي الأرض إله} (الزخرف، 84) أو هو المعروف بالإلهية أو ~~المتوحد بالإلهية فيهما، وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره: وهو الله ~~{يعلم سركم} أي: ما تسرون {وجهركم} أي: ما تجهرون به بينكم في السموات ~~والأرض، وقيل: معناه وهو إله السموات والأرض كقوله تعالى: {وهو الذي في ~~السماء إله وفي الأرض إله} (الزخرف، 84) {ويعلم ما تكسبون} أي: ما تعملون ~~من خير أو شر فيثيب عليه أو يعاقب. # فإن قيل: الأفعال إما أفعال القلوب وهي المسماة بالسر وإما أفعال الجوارح ~~وهي المسماة بالجهر والأفعال لا تخرج عن السر والجهر فقوله تعالى: {ويعلم ~~ما تكسبون} يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو غير جائز أجيب: بأن المراد بالسر ~~ما يخفى وبالجهر ما يظهر من أحوال الأنفس # PageV01P410 # وبالمكتسب أعمال الجوارح فهو كما يقال: هذا المال كسب فلان أنه مكتسبه ~~فلا يحمل على نفس الكسب وإلا لزم عطف الشيء على نفسه. # {وما تأتيهم} أي: الكفار {من آية من آيات ربهم} من الأولى مزيدة ~~للاستغراق والثانية للتبعيض أي: ما يظهر لكم دليل قط من الأدلة أو معجزة من ~~المعجزات أو آية من آيات القرآن {إلا كانوا عنها معرضين} أي: تاركين لها ~~وبها مكذبين. # {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} أي: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما ~~أتى به من المعجزات {فسوف يأتيهم أنباء} أي: عواقب {ما كانوا به يستهزؤن} ~~بنزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة أو عند ظهور الإسلام وارتفاع أمره. # {ألم يروا} أي: في أسفارهم إلى الشام وغيرها {كم} خبرية بمعنى كثيرا ~~{أهلكنا من قبلهم من قرن} أي: أمة من الأمم الماضية، وعلى هذا القرن ~~الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان قيل: إنها عشرة ~~أعوام، وقيل: عشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: أربعون، وقيل: ms0683 خمسون، وقيل: ستون، ~~وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: تسعون، وقيل: مائة. # لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بشر المازني: ~~«تعيش قرنا» فعاش مائة سنة وقيل: مائة وعشرون فيكون معناه على هذه الأقاويل ~~من أهل قرن {مكناهم في الأرض} أي: جعلنا لهم فيها مكانا بالقوة والسعة ~~وقررناهم فيها {ما لم نمكن لكم} أي: ما لم نجعل لكم من السعة والقوة فيه ~~التفات عن الغيبة، والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادا وثمودا ~~وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا ~~{وأرسلنا السماء} هي المطر {عليهم مدرارا} أي: متتابعا {وجعلنا الأنهار ~~تجري من تحتهم} أي: تحت مساكنهم {فأهلكناهم بذنوبهم} أي: بسبب ذنوبهم ~~بتكذيبهم الأنبياء فلم يغن ذلك عنهم شيئا {وأنشأنا} أي: أحدثنا {من بعدهم ~~قرنا آخرين} بدلا منهم. # فإن قيل: ما فائدة ذكر أنشأنا قرنا آخرين بعدهم؟ أجيب: بأنه ذكر للدلالة ~~على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرنا ويخرب بلاده منهم فإنه قادر على أن ~~ينشىء مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده فهو قادر على أن يفعل ذلك بكم. # ونزل لما قال النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد: يا محمد ~~لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون ~~عليه أنه من عند الله وأنك رسوله {ولو نزلنا عليك كتابا} أي: مكتوبا {في ~~قرطاس} أي: رق كما اقترحوه {فلمسوه بأيديهم} أبلغ من عاينوه لأنه أنفى للشك ~~{لقال الذين كفروا أن} أي: ما {هذا إلا سحر مبين} أي: تعنتا وعنادا كما ~~قالوا في انشقاق القمر. # {وقالوا لولا} أي: هلا {أنزل عليه} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {ملك} ~~يكلمنا أنه نبي كقوله تعالى: {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} ~~(الفرقان، 7) {ولو أنزلنا ملكا بحيث} عاينوه كما اقترحوا فلم يؤمنوا {لقضي ~~الأمر} أي: لحق إهلاكهم فإن سنة الله تعالى جرت فيمن قبلهم أنهم إذا جاءهم ~~مقترحهم فلم يؤمنوا به يهلكهم {ثم لا ينظرون} ms0684 أي: لا يمهلون لتوبة أو ~~معذرة. # {س6ش9/ش18 ولو جعلناه ملكا لجعلناه رج? وللبسنا # PageV01P411 # عليهم ما يلبسون * ولقد استهزى? برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا? منهم ما ~~كانوا? به? يستهزءون * قل سيروا? فى ا?رض ثم انظروا? كيف كان عاقبة ~~المكذبين * قل لمن ما فى السماوات وا?رض? قل لله? كتب على نفسه الرحمة? ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة ريب فيه? الذين خسرو?ا? أنفسهم فهم يؤمنون * وله? ~~ما سكن فى اليل والنهار? وهو السميع العليم * قل أغير الله أتخذ وليا فاطر ~~السماوات وا?رض وهو يطعم ويطعم? قل إنى? أمرت أن أكون أول من أسلم? وتكونن ~~من المشركين * قل إنى? أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم * من يصرف عنه ~~يوم??ذ فقد رحمه?? وذالك الفوز المبين * وإن يمسسك الله بضر ف كاشف له?? إs ~~هو? وإن يمسسك بخير فهو على كل شىء قدير * وهو القاهر فوق عباده?? وهو ~~الحكيم الخبير} # {ولو جعلناه} أي: المنزل إليهم {ملكا لجعلناه} أي: الملك {رجلا} أي: على ~~صورته ليتمكنوا من رؤيته إذ لا قوة للبشر على رؤية الملك في صورته وإنما ~~رآه كذلك الأفراد من الأنبياء لقوتهم القدسية وقوله تعالى: {وللبسنا عليهم ~~ما يلبسون} جواب محذوف أي: ولو أنزلناه وجعلناه رجلا للبسنا أي: لخلطنا ~~عليهم بجعلنا إياه رجلا ما يخلطون على أنفسهم وعلى غيرهم فيقولون: ما هذا ~~إلا بشر مثلكم وإنما كان تلبيسا لأنهم لبسوا على ضعفتهم في أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: إنما هو بشر مثلكم ولو رأوا الملك رجلا للحقهم من ~~اللبس مثل ما لحق الضعفاء منهم فيكون اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم على ما ~~كان منهم من التخليط في السؤال واللبس على الضعفاء. # وقوله تعالى: # {ولقد استهزىء برسل من قبلك} فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما ~~يرى من قومه {فحاق} قال الربيع بن أنس: فنزل، وقال عطاء: فحل، وقال الضحاك: ~~فأحاط {بالذين سخروا منهم} أي: من أولئك الرسل {ما كانوا به يستهزؤن} وهو ~~العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك. # {قل} لهم ms0685 {سيروا في الأرض} أي: أوقعوا السير للاعتبار فيها ولا تغتروا ~~بإمهالكم وتمكينكم {ثم انظروا كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر {المكذبين} الرسل ~~من هلاكهم بالعذاب فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل لكم الاعتبار بهم. # {قل} لهم {لمن ما في السموات والأرض} خلقا وملكا وهو سؤال تبكيت {قل} إن ~~لم يقولوه لا جواب غيره لأنه المتعين للجواب بالاتفاق إذ لا يمكنهم أن ~~يذكروا غيره {كتب} أي: قضى {على نفسه الرحمة} تفضلا منه وإحسانا، فالرحمة ~~تعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته والعلم بتوحيده بنصب الأدلة وإنزال ~~الكتب والإمهال على الكفرة والعصاة والمذنبين ولو شاء لسلط عليهم المضار ~~وجعل عيشهم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي تعيش فيها ~~الحيوانات. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لما قضى الله الخلق كتب كتابا عنده فوق ~~عرشه: إن رحمتي غلبت غضبي» وفي رواية «سبقت غضبي» وفي رواية «إن لله تعالى ~~مئة رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها ~~يتراحمون وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها ~~عباده يوم القيامة» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قدم عليه سبي فإذا امرأة من السبي قد غلب ~~ثديها إذ وجدت صبيا في السبي أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا ~~تطرحه» فقلنا: لا والله يا رسول الله فقال: «الله أرحم بعباده من هذه ~~بولدها» وقوله تعالى: {ليجمعنكم} استئناف واللام لام القسم أي: والله ~~ليجمعنكم {إلى يوم القيامة} أي: في يوم القيامة وإلى بمعنى في أو ليجمعنكم ~~في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم، وقيل: بدل من الرحمة ~~بدل البعض فإن من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم {لا ريب} أي: لا شك {فيه} ~~أي: اليوم أو الجمع، وقوله تعالى: {الذين خسروا أنفسهم} في موضع نصب على ~~الذم أو رفع على الخبر أي: وأنتم الذين خسروا أنفسهم بتضييع رأس مالهم وهو ~~الفطرة الأصلية أو مبتدأ ms0686 خبره {فهم لا يؤمنون} . # فإن قيل: الفاء تدل على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم مع أن الأمر على ~~العكس؟ أجيب: بأن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد ~~وإغفال النظر أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان وقوله ~~تعالى: # {وله ما سكن} أي: حل {في الليل والنهار} عطف على لله أي: له كل شيء من ~~حيوان وغيره لأنه خالقه ومالكه وقيل له: ما سكن # PageV01P412 # فيهما أو تحرك واكتفى بأحد الضدين عن الآخر {وهو السميع} أي: لكل ما يقال ~~{العليم} أي: بكل ما يفعل فلا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. # ونزل لما دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه: # {قل} لهم {أغير الله أتخذ وليا} أي: ربا ومعبودا وناصرا ومعينا وهو ~~استفهام ومعناه الإنكار أي: لا أتخذ غير الله وليا {فاطر السموات والأرض} ~~أي: خالقهما ابتداعا من غير سبق، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما ~~عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: إني ~~فطرتها أي: ابتدأتها {وهو يطعم} أي: يرزق {ولا يطعم} أي: ولا يرزق، وصف ~~سبحانه وتعالى ذاته بالغني عن الخلق باحتياجهم إليه لأن من كان من صفته أن ~~يطعم الخلق لاحتياجهم إليه ولا يطعم لاستغنائه عنهم وجب أن يتخذ ربا وناصرا ~~ووليا {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} لله من هذه الأمة لأن النبي سابق ~~أمته في الدين والدين وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة بسبب اختيارهم ~~المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات {ولا تكونن من المشركين} أي: وقيل لي: يا ~~محمد لا تكونن من المشركين أي: في عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم، وهذا ~~التأكيد لقطع أطماعهم عنه صلى الله عليه وسلم في سؤالهم أن يكون على دين ~~آبائه وقوله تعالى: # {قل إني أخاف إن عصيت ربي} بعبادة غيره {عذاب يوم عظيم} مبالغة أخرى في ~~قطع أطماعهم وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب وقوله تعالى: # {من يصرف عنه} العذاب {يومئذ} أي: يوم ms0687 القيامة، قرأه أبو بكر وحمزة ~~والكسائي بفتح الياء وكسر الراء على البناء للفاعل والضمير لله تعالى ~~والمفعول محذوف، وقرأه الباقون بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول ~~فالضمير للعذاب {فقد رحمه} ربه تعالى أي: أراد به الخير {وذلك} أي: الصرف ~~أو الرحمة {الفوز المبين} أي: النجاة الظاهرة. # {وإن يمسسك الله بضر} أي: ببلاء كمرض وفقر والضر اسم جامع لما ينال ~~الإنسان من ألم ومكروه وغير ذلك مما هو في معناه {فلا كاشف} أي: لا رافع ~~{له إلا هو} لا غيره {وإن يمسسك بخير} أي: بصحة وغنى والخير إسم جامع لكل ~~ما ينال الإنسان من لذة وفرح وسرور وغير ذلك {فهو على كل شيء قدير} من ~~الخير والضر وهذه الآية وإن كانت خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فهي عامة ~~لكل أحد والمعنى وإن يمسسك الله بضر أيها الإنسان فلا كاشف لذلك الضر إلا ~~هو وإن يمسسك بخير أيها الإنسان فهو على كل شيء قدير من رفع الضرر وإيصال ~~الخير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: أهدي للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه فسار بي ~~مليا ثم التفت إلي فقال لي: «يا غلام» فقلت: لبيك يا رسول الله قال: «أعلمك ~~كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك إذا سألت فاسأل الله وإذا ~~استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ~~ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك ~~إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» . وفي رواية: «اعلم ~~أن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا» «ولن يغلب عسر ~~يسرين» . وفي رواية: «فقد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الخلق أن ينفعوك ~~بما لم يقضه لك الله لم يقدروا عليه ولو جهدوا أن # PageV01P413 # يضروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه» . # {وهو القاهر} أي: القادر الذي لا ms0688 يعجزه شيء مستعليا {فوق عباده} فهم ~~مقهورون تحت قدرته وكل من قهر شيئا فهو مستعل عليه بالقهر والغلبة {وهو ~~الحكيم} في خلقه {الخبير} ببواطنهم كظواهرهم ونزل لما قالت قريش للنبي صلى ~~الله عليه وسلم يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك ~~عندهم ذكر ولا صفة فأرنا ما يشهد لك. # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون نبوتك من قومك {أي ~~شيء} بيني وبينكم {أكبر شهادة} تمييز محول عن المبتدأ {قل الله} أكبر شهادة ~~إن لم تقولوه لا جواب غيره ثم ابتدأ {شهيد بيني وبينكم} أي: هو شهيد بيني ~~وبينكم ويحتمل أن يكون الله شهيدا هو الجواب لأنه تعالى إذا كان هو الشهيد ~~كان أكبر شيء شهادة {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم} يا أهل مكة {به} أي: ~~القرآن واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة وقوله تعالى: {ومن بلغ} عطف على ~~ضمير المخاطبين أي: لأنذركم به يا أهل مكة ومن بلغه من الإنس والجن إلى يوم ~~القيامة وهو دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم ~~وأنه لا يؤاخذ بها من لم يبلغه قال محمد بن كعب القرطبي: من بلغه القرآن ~~فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أنس بن مالك: لما نزلت هذه الآية ~~كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله ~~تعالى. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني ~~إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» . وفي رواية ~~«نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرب مبلغ أوعى من سامع» . ~~وفي رواية «فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وقال ~~مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له وقوله تعالى: {أئنكم ~~لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى} إستفهام إنكاري قل: يا محمد لهؤلاء المشركين ~~الذين جحدوا نبوتك واتخذوا آلهة غيري إنكم أيها المشركون لتشهدون ms0689 أن مع ~~الله آلهة أخرى وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها {قل} لهم {لا أشهد} بما ~~تشهدون به أن مع الله آلهة أخرى بل أجد ذلك وأنكره {قل إنما هو إله واحد} ~~لا شريك له وبذلك أشهد {وإنني بريء مما تشركون} معه من الأصنام، وفي الآية ~~دليل على إثبات التوحيد ونفي الشريك لأن كلمة إنما تفيد الحصر فثبت بذلك ~~إيجاب التوحيد والتبري من كل معبود سوى الله تعالى. # {الذين آتيناهم الكتاب} أي: التوراة والإنجيل وهم علماء اليهود والنصارى ~~{يعرفونه} أي: محمدا صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته {كما يعرفون أبناءهم} ~~من بين الصبيان. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام ~~قال عمر رضي الله تعالى عنه: إن الله تعالى أنزل على نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم بمكة هذه الآية فكيف هذا؟ فقال عبد الله بن سلام: قد عرفته حين ~~رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم من ابني ~~فقال له عمر: كيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول الله حقا ولا أدري ما تصنع ~~النساء {الذين خسروا أنفسهم} من أهل الكتاب والمشركين {فهم لا يؤمنون} به ~~لما سبق لهم من الفضاء بالشقاء. # {ومن} أي: لا أحد {أظلم ممن افترى على الله كذبا} كقولهم: الملائكة بنات ~~الله # PageV01P414 # واتخذ الله ولدا {أو كذب بآياته} الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره من ~~المعجزات {إنه} أي: الشأن {لا يفلح الظالمون} أي: لا ينجح القائلون على ~~الله الكذب والمفترون عليه الباطل. # {و} اذكر {يوم نحشرهم جميعا} أي: أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم ~~وهو يوم القيامة {ثم نقول} توبيخا {للذين أشركوا} أي: سموا شيئا من دوننا ~~إلها وعبدوه من الأصنام أو عزيرا أو المسيح أو الظلمة أو النور أو غير ذلك ~~{أين شركاؤكم} أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله تعالى: وأضافها إلى ~~ضميرهم لتسميتهم لها بذلك وقوله تعالى: {الذين كنتم تزعمون} معناه كنتم ~~تزعمونهم شركاء وإنها تشفع لكم عند الله فحذف المفعولان. # {ثم لم تكن ms0690 فتنتهم} أي: معذرتهم {إلا أن قالوا} أي: قولهم {وا ربنا ما ~~كنا مشركين} فيختم على أفواههم وتشهد جوارحهم عليهم بالشرك، وقرأ حمزة ~~والكسائي يكن بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث، وقرأ ابن ~~كثير وابن عامر وحفص فتنتهم بضم التاء والباقون بالنصب، وقرأ حمزة والكسائي ~~ربنا بنصب الباء على النداء أو المدح والباقون بالكسر. # قال الله تعالى: # {انظر} يا محمد {كيف كذبوا على أنفسهم} باعتذارهم الباطل وتبريهم من ~~الأصنام والشرك الذي كانوا عليه واستعمالهم الكذب مثل ما كانوا عليه في دار ~~الدنيا وذلك لا ينفعهم {وضل} أي: غاب {عنهم ما كانوا يفترون} أي: يكذبون ~~وهو قولهم: إن الأصنام تشفع لهم وتنصرهم فبطل ذلك كله في ذلك اليوم. # فإن قيل: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور وعلى أن الكذب ~~والجحود لا وجه لمنفعته؟ أجيب: بأن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه ~~من غير تمييز بينهما حيرة ودهشة إلا تراهم يقولون: {ربنا أخرجنا منها فإن ~~عدنا فإنا ظالمون} وقد أيقنوا الخلود ولم يشكوا فيه وقالوا: {ليقض علينا ~~ربك} (الزحرف، 77) وقد علموا أنه لا يقضي عليهم. # {ومنهم من يستمع إليك} حين تتلو القرآن. # روي أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم ~~يستمعون القرآن فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته يعني ~~الكعبة ما أدري ما يقول إلا أنه يحرك لسانه فيقول أساطير الأولين مثل ما ~~كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية ~~وأخبارها فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقا فقال أبو جهل: كلا لا ~~تقر بشيء من هذا فأنزل الله تعالى {ومنهم من يستمع إليك} {وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة} أي: أغطية {أن} أي: كراهة أن {يفقهوه} أي: يفهموا القرآن {و} ~~جعلنا {في آذانهم وقرا} أي: صمما فلا يسمعونه سماع قبول ووجه إسناد الفعل ~~إلى ذاته تعالى وهو قوله تعالى: {وجعلنا} للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا ~~يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه أو هي حكاية ms0691 لما كانوا ينطقون به من قولهم: ~~{وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} (فصلت، 5) {وإن يروا كل آية} أي: ~~معجزة من المعجزات الدالة على صدقك {لا يؤمنوا بها} لفرط عنادهم واستحكام ~~التقليد فيهم {حتى إذا جاؤوك يجادلونك} أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم ~~جاؤوك يجادلونك ويناكرونك وحتى هي التي تقع بعدها الجمل لا عمل لها والجملة ~~إذا وجوابها وهو {يقول الذين كفروا إن} أي: ما {هذا إلا أساطير} أي: أكاذيب ~~{الأولين} أي: # PageV01P415 # أحاديثهم من الأمم الماضية وأخبارهم وأقاصيصهم وما سطروا بمعنى كتبوا ~~والأساطير جمع أسطورة بالضم قال البخاري عن ابن عباس: وهي الترهات. # {وهم ينهون} الناس {عنه} أي: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن ~~{وينأون} أي: يتباعدون عنه فلا يؤمنون به، قال محمد بن الحنفية والسدي ~~والضحاك: نزلت في كفار مكة وقال ابن عباس ومقاتل في أبي طالب: كان ينهى ~~الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به أي: ~~يبعد حتى روي أنه اجتمع له رؤوس المشركين وقالوا: خذ شابا من أحسن أصحابنا ~~وجها وادفع إلينا محمدا فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي ~~لتقتلوه وأربي ولدكم. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان فقال: لولا أن تعيرني قريش ~~لأقررت بها عينك ولكن أذب عنك ما حييت. # وروي أنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سوأ فقال: # *والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا* # *فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقر منه عيونا* # *ودعوتني وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا* # *وعرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا* # *لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا* # {وإن} أي: ما {يهلكون} بالنأي عنه {إلا أنفسهم} لأن ضرره عليهم {وما ~~يشعرون} أن ضررهم لا يتعداهم إلى غيرهم وقوله تعالى: # {ولو ترى} يا محمد {إذ وقفوا} أي: عرضوا {على النار} جوابه محذوف أي: لو ~~تراهم حين يقفون على النار ms0692 فيعرفون مقدار عذابها لرأيت أمرا شنيعا {فقالوا} ~~أي: الكفار {يا} للتنبيه {ليتنا نرد} أي: إلى الدنيا {ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين} تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكذبوا بآيات ربهم، وقرأ ~~حفص وحمزة بنصب الياء من يكذب على جواب التمني والباقون بالرفع على ~~الاستئناف، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة بفتح النون من تكون على جواب التمني ~~والباقون بالضم على العطف وقوله تعالى: # {بل بدا لهم} أي: ظهر لهم {ما كانوا يخفون من قبل} للإضراب عن إرادة ~~الإيمان المفهوم من التمني والمعنى: أنهم ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم ~~وقبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجرا لا عزما على أنهم لو ردوا لآمنوا كما قال ~~تعالى: {ولو ردوا} إلى الدنيا أي: لو فرض ذلك بعد الوقوف والظهور {لعادوا ~~لما نهوا عنه} من الكفر والمعاصي {وإنهم لكاذبون} في قولهم: لو رددنا إلى ~~الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين. # {وقالوا إن} أي: ما {هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} كما كانوا ~~يقولون قبل معاينة القيامة، ويجوز أن يعطف على قوله: وإنهم لكاذبون على ~~معنى وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء وهم الذين قالوا: إن هي إلا حياتنا وكفى ~~به دليلا على كذبهم. # {ولو ترى} يا محمد {إذ وقفوا} أي: عرضوا {على ربهم} لرأيت أمرا عظيما ~~{قال} لهم على لسان الملائكة توبيخا {أليس هذا} البعث والحساب {بالحق} ~~وقوله تعالى: {قالوا بلى وربنا} إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الأمر غاية ~~الانجلاء {قال فذوقوا العذاب} أي: الذي كنتم به توعدون {بما كنتم # PageV01P416 # تكفرون} أي: بسبب كفركم وجحودكم البعث. # {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي: بالبعث واستمر تكذيبهم {حتى إذا ~~جاءتهم الساعة} أي: القيامة {بغتة} أي: فجأة وسميت القيامة ساعة لأنها تفجأ ~~الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى، وقيل: لسرعة الحساب ~~فيها لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة واحدة وأقل من ذلك {قالوا ~~يا حسرتنا} أي: يا ندامتنا والحسرة التلهف على الشيء الفائت وشدة التألم ~~ونداؤها مجاز ms0693 أي: هذا أوانك فاحضري {على ما فرطنا} أي: قصرنا {فيها} أي: ~~الحياة الدنيا جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة لأنها موضع ~~التفريط في الأعمال الصالحة ويجوز أن يكون للساعة على معنى قصرنا في شأنها ~~والإيمان بها كما تقول: فرطت في فلان ومنه فرطت في جنب الله وقوله تعالى: ~~{وهم يحملون أوزارهم} أي: أثقالهم وآثامهم {على ظهورهم} تمثيل لاستحقاقهم ~~آصار الآثام، وقال السدي وغيره: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن ~~شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح ~~فاركبني فقد طال ما ركبتك في الدنيا فذلك قوله تعالى: {يوم نحشر المتقين ~~إلى الرحمن وفدا} (مريم، 85) أي: ركبانا، وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء ~~صورة وأنتنه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طال ~~ما ركبتني في الدنيا واليوم أركبك فهو معنى قوله تعالى: {وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم} {ألا ساء} أي: بئس {ما يزرون} أي: ما يحملون حملهم ~~ذلك، وقوله تعالى: # {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} جواب لقولهم: {إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا} أي: وما أعمالها إلا لعب ولهو يلهى الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة ~~دائمة ولذة حقيقية وقيل: معناه أن أمر الدنيا والعمل فيها لعب ولهو فأما ~~فعل الخير والعمل الصالح فهو من فعل الآخرة {وللدار الآخرة} أي: الجنة، ~~واللام فيه لام القسم {خير} أي: من الدنيا وأفضل لأن الدنيا سريعة الزوال ~~والانقطاع {للذين يتقون} أي: الشرك، وقيل: اللهو واللعب {أفلا يعقلون} أي: ~~إن الآخرة خير من الدنيا فيعملوا لها، وقرأ ابن عامر: ولدار، بتخفيف الدال ~~وجر التاء من الآخرة، والباقون: وللدار، بتشديد الدال ورفع التاء، وقرأ ~~نافع وابن عامر وحفص: تعقلون، على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة. # {قد} للتحقيق {نعلم أنه} أي: الشأن {ليحزنك الذي يقولون} من التكذيب، ~~وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي {فإنهم لا ~~يكذبونك} أي: بقلوبهم ولكن يجحدون بألسنتهم أو إنهم لا يكذبونك لأنك عندهم ~~الصادق الموسوم بالصدق ms0694 {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي: يكذبون، وعن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى ~~الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون، قال السدي: التقى ~~الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم ~~أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري؟ فقال ~~أبو جهل: والله إن محمدا لصادق ما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصي ~~باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية، وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «أن أبا ~~جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لا نكذبك ولكنا نكذب الذي جئت به ~~فأنزلت» # PageV01P417 # ووضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم والباء ~~لتضمن الجحود معنى التكذيب، وقرأ نافع والكسائي: يكذبونك، بسكون الكاف ~~وتخفيف الذال من أكذبه إذا وجده كاذبا أو نسبه للكذب، والباقون بفتح الكاف ~~وتشديد الذال من التكذيب وهو أن ينسبه إلى الكذب وقوله تعالى: # {ولقد كذبت رسل من قبلك} تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا دليل على ~~أن قوله: {فإنهم لا يكذبونك} ليس بنفي لتكذيبه مطلقا وإنما هو من قولك ~~لغلامك: ما أهانوك ولكنهم أهانوني {فصبروا على ما كذبوا} أي: على تكذيبهم ~~لهم {وأوذوا} أي: وصبروا على إيذائهم لهم {حتى أتاهم نصرنا} بإهلاك من ~~كذبهم فتأس بهم واصبر حتى يأتيك النصر بإهلاك من كذبك وفي ذلك إيماء بوعد ~~النصر للصابرين {ولا مبدل لكلمات الله} أي: لمواعيده من قوله تعالى: {ولقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} (الصافات، 171) الآيات {ولقد جاءك من نبأ ~~المرسلين} أي: من قصصهم وما كابدوا من قومهم مما يسكن به قلبك قيل: من ~~مزيدة، وقيل: للتبعيض ويدل له قوله تعالى: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك} (غافر، 78) . # {وإن كان كبر} أي: عظم وشق {عليك إعراضهم} عنك وعن الإيمان بما جئت به ~~{فإن استطعت أن ms0695 تبتغي} أي: تطلب بجهدك وغاية طاقتك {نفقا} أي: منفذا {في ~~الأرض} تنفذ فيه إلى ما عساك تقدر إلى الانتهاء إليه {أو سلما في السماء} ~~أي: جهة العلو لترتقي فيه إلى ما تقدر عليه {فتأتيهم بآية} أي: مما اقترحوه ~~عليك فافعل لتشاهد أنهم لا يزدادون عند إتيانك بها إلا إعراضا كما أخبرناك ~~لأن الله تعالى شاء ضلال بعضهم والمقصود بهذا بيان شدة حرصه صلى الله عليه ~~وسلم على هدايتهم وأنه لو قدر أن يتكلف النزول إلى تحت الأرض أو فوق السماء ~~فيأتيهم بما يؤمنون به لفعل {ولو شاء الله} هدايتهم {لجمعهم على الهدى} أي: ~~لوفقهم له ولكن لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا والمعتزلة أولوا {لو شاء الله} بأنه ~~لو شاء لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكن لم يفعل لخروجه عن ~~الحكمة، وجرى على هذا الزمخشري في كشافه. # والمعنى: أن أسناد مشيئة الجمع إلى الله تعالى ظاهر في أنه هو المهدي ~~والمضل والمعتزلة لما قالوا: إنه بفعل العبد احتاجوا إلى التأويل {فلا ~~تكونن من الجاهلين} أي: لا يشتد تحسرك على تكذيبهم ولا تجزع من إعراضهم عنك ~~فتقارب حال الجاهلين الذين لا صبر لهم وإنما نهاه عن هذه الحالة وغلظ عليه ~~الخطاب تبعيدا له عن هذه الحالة. # {إنما يستجيب} دعاءك إلى الإيمان {الذين يسمعون} سماع تفهم واعتبار كقوله ~~تعالى: {أو ألقى السمع وهو شهيد} (ق، 37) وهم المؤمنون الذين فتح الله ~~تعالى لهم أسماع قلوبهم فهم يسمعون الحق ويستجيبون له ويتبعونه دون من ختم ~~الله على سمع قلبه وهو قوله: {والموتى} أي: الكفار لشبههم بهم في عدم ~~السماع {يبعثهم الله} في الآخرة {ثم إليه يرجعون} أي: يردون فيجازيهم ~~بأعمالهم. # {وقالوا} أي: رؤساء قريش {لولا} أي: هلا {نزل عليه آية} مما اقترحوا {من ~~ربه} المحسن إليه كالناقة والعصا والمائدة أو آية تضطرهم إلى الإيمان كنتق ~~الجبل أو آية إن جحدوها هلكوا {قل} لهم {إن الله قادر على أن ينزل آية} مما ~~اقترحوه أو آية تضطرهم إلى الإيمان أو آية إن جحدوها هلكوا لا ms0696 يعجزه شيء ~~{ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي: ماذا عليهم في إنزالها من العذاب إن لم يؤمنوا ~~بها # PageV01P418 # ولهم فيما أنزل مندوحة عن غيره، وقرأ ابن كثير: ينزل، بسكون النون وتخفيف ~~الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي والمعنى واحد. # {وما من دابة في الأرض} أي: تدب على وجهها {ولا طائر بطير بجناحيه} في ~~الهواء وهو بالمد ما بين السماء والأرض وهو المراد هنا وأما الهوى بالقصر ~~فهوى النفس وليس مرادا وإنما قال: {بجناحيه} مع أن الطيران لا يكون إلا ~~بهما قطعا لمجاز السرعة ونحوها كما تقول: كتبت بيدي ونظرت بعيني {إلا أمم ~~أمثالكم} أي: محفوظة أحوالها مقدرة أرزاقها وآجالها، قال العلماء: جميع ما ~~خلق الله تعالى لا يخرج عن هاتين الحالتين حتى ما في البحر لأن سيرها في ~~الماء إما أن يكون دبيبا أو طيرانا مجازا وإنما خص ما في الأرض بالذكر دون ~~ما في السماء وإن كان ما في السماء مخلوقا له لأن الاحتجاج بالمشاهد أظهر ~~وأولى مما لا يشاهد. # واختلف العلماء في وجه هذه المماثلة فقال مجاهد: أصناف مصنفة تعرف ~~بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم يريد أن كل جنس من الحيوان أمة ~~فالطير أمة والدواب أمة والسباع أمة وقال ابن قتيبة: أمم أمثالكم في الغذاء ~~وابتغاء الرزق وتوقي المهالك. وقال عطاء: أمثالكم في التوحيد والمعرفة، ~~وقيل غير ذلك، والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة ~~تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية {ما فرطنا} أي: ما ~~تركنا أو ما أغفلنا {في الكتاب} أي: اللوح المحفوظ {من شيء} فلم نكتبه فإنه ~~مشتمل على ما يجري في العالم من الجليل والدقيق ولم يهمل فيه أمر حيوان، ~~وقيل: المراد بالكتاب القرآن فإنه قد دون فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين ~~مفصلا ومجملا، ومن مزيدة وشيء في موضع المصدر لا المفعول به فإن فرط لا ~~يتعدى بنفسه، وقد عدي بفي إلى الكتاب {ثم إلى ربهم يحشرون} قال ابن عباس ~~والضحاك: حشرها موتها، وقال أبو هريرة: ms0697 يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة ~~الدواب والطير وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا ~~فحينئذ يتمنى الكافر ويقول: {يا ليتني كنت ترابا} (النبأ، 4) . # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم ~~القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء» . # {والذين كذبوا بآياتنا} أي: القرآن {صم} عن سماعها سماع قبول {وبكم} عن ~~النطق بالحق {في الظلمات} أي: في ضلالات الكفر {من يشأ الله} إضلاله {يضلله ~~ومن يشأ} هدايته {يجعله على صراط مستقيم} هو دين الإسلام وهو دليل واضح ~~لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد كما مر. # {قل} يا محمد لأهل مكة، وقوله تعالى: {أرأيتكم} استفهام تعجيب والكاف حرف ~~خطاب أي: أخبروني {إن أتاكم عذاب الله} أي: في الدنيا كما أتى من قبلكم من ~~الغرق أو الخسف والمسخ والصواعق ونحو ذلك من العذاب {أو أتتكم الساعة} أي: ~~القيامة المشتملة على العذاب {أغير الله تدعون} في كشف العذاب عنكم {إن ~~كنتم صادقين} أن الأصنام آلهة وجواب الاستفهام محذوف أي: فادعوه وهو تبكيت ~~لهم. # {بل إياه تدعون} أي: تخصونه بالدعاء كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في موضع ~~كما في قوله تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما} ~~(يونس، 12) الآية {فيكشف ما تدعون إليه} أي: ما تدعون إلى كشفه {إن شاء} ~~كشفه في الدنيا تفضلا عليكم كما هو عادته معكم في وقت شدائدكم ولكنه # PageV01P419 # لا يشاء كشفه في الآخرة لأنه لا يبدل القول لديه وإن كان له أن يفعل ما ~~يشاء {وتنسون} أي: تتركون في تلك الأوقات دائما {ما تشركون} معه من الأصنام ~~فلا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع. # {ولقد أرسلنا} رسلا {إلى أمم من قبلك} أي: قبلك ومن مزيدة فكذبوهم ~~{فأخذناهم بالبأساء} أي: شدة الفقر {والضراء} أي: الأمراض والأوجاع وهما ~~صفتا تأنيث لا مذكر لهم {لعلهم يتضرعون} أي: يتذللون ويتوبون عن ذنوبهم ~~فيؤمنون. # {فلولا} أي: فهلا {إذ جاءهم بأسنا} أي: عذابنا {تضرعوا} أي: لم يفعلوا ms0698 ~~ذلك مع قيام المقتضى له {ولكن قست قلوبهم} فلم تلن للإيمان {وزين لهم ~~الشيطان} أي: بما أدخل عليهم من باب الشهوات {ما كانوا يعملون} من المعاصي ~~فأصروا عليها. # {فلما نسوا} أي: تركوا {ما ذكروا} أي: وعظوا وخوفوا {به} وإنما كان ~~النسيان بمعنى الترك لأن التارك للشيء معرضا عنه كأنه قد صيره بمنزلة ما قد ~~نسي {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أي: من الخيرات والأرزاق والملاذ التي كانت ~~مغلقة عنهم فنقلناهم من الشدة إلى الرخاء استدراجا لهم، وقرأ ابن عامر ~~بتشديد التاء والباقون بالتخفيف {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} أي: فرح بطر ~~{أخذناهم} بالعذاب {بغتة} أي: فجأة {فإذا هم مبلسون} أي: متحسرون آيسون من ~~كل خير. # أي: آخرهم بأن استؤصلوا {والحمد رب العالمين} أي: على نصر الرسل وإهلاك ~~الكافرين والعصاة فإن إهلاكهم من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم ~~وأعمالهم نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها. # {قل} أي: لأهل مكة {أرأيتم} أي: أخبروني {إن أخذ الله سمعكم} أي: أصمكم ~~{وأبصاركم} أي: أعماكم {وختم} أي: طبع {على قلوبكم} أي: بأن يغطي عليها ما ~~يزول به عقلكم وفهمكم فلا تعرفون شيئا {من إله غير الله يأتيكم به} أي: ~~بذلك أو بما أخذ منكم وختم عليه لأن الضمير في به يعود على معنى الفعل أو ~~بأحد هذه المذكورات ويجوز أن يعود إلى السمع الذي ذكره أولا ويندرج غيره ~~تحته كقوله تعالى: {وا ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة، 62) فالهاء راجعة إلى ~~الله تعالى ورضا رسول الله صلى الله عليه وسلم يندرج في رضا الله تعالى ~~{انظر} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره أي: انظر يا محمد ~~{كيف نصرف} أي: نبين لهم الآيات أي: العلامات الدالة على التوحيد والنبوة ~~ونكررها تارة من جهة المقدمات العقلية وتارة من جهة الترغيب والترهيب وتارة ~~بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين {ثم هم يصدفون} أي: يعرضون عنها فلا ~~يؤمنون. # {قل} لهم {أرأيتكم} أي: أخبروني {إن أتاكم عذاب الله بغتة} أي: فجأة {أو ~~جهرة} أي: معاينة ترونه عند ms0699 نزوله، وقال ابن عباس والحسن: ليلا ونهارا {هل ~~يهلك} أي: ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب {إلا القوم الظالمون} أي: المشركون ~~لأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك. # {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} من آمن بالجنة {ومنذرين} من كفر بالنار ~~أي: ليس في إرسالهم أن يأتوا الناس بما يقترحون عليهم من الآيات إنما ~~أرسلوا بالبشارة والنذارة {فمن آمن} أي: بهم {وأصلح} أي: عمله {فلا خوف ~~عليهم} أي: من العذاب {ولا هم يحزنون} في الآخرة بفوات الثواب. # {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب} أي: يصيبهم {بما كانوا يفسقون} أي: ~~بسبب خروجهم عن # PageV01P420 # الطاعة. # {قل} لهم {لا أقول لكم عندي خزائن الله} نزلت حين اقترحوا عليه الآيات ~~فأمره الله تعالى أن يقول لهم: إنما بعثت بشيرا ونذيرا ولا أقول لكم عندي ~~خزائن الله جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء ~~إحرازه بحيث لا تناله الأيدي خزائن رزقه أو مقدوراته فأعطيكم منها ما ~~تريدون لأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت رسولا من الله ~~فاطلب منه أن يوسع علينا ويغني فقرنا فأخبر أن ذلك بيد الله لا بيدي {ولا} ~~أقول لكم إني {أعلم الغيب} أي: فأخبركم بما مضى وما هو آت وذلك أنهم قالوا ~~له: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع ~~المضار فأجابهم بقوله: ولا أعلم الغيب فأخبركم بذلك {ولا أقول لكم إني ملك} ~~وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج ~~النساء؟ فأجابهم بذلك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر ويشاهد ما ~~لا يشاهدونه أي: لا أقول لكم شيئا من ذلك فتنكرون وتجحدون. # فإن قيل: قد يستدل بهذا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء لأن معنى ~~الكلام لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي ولولا أن الملائكة أفضل لم يصح ذلك؟ ~~أجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك تواضعا لله تعالى واعترافا ~~بالعبودية حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح وبأن المراد بما ~~قاله نفي ms0700 قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة وذلك لا يدل على أنهم ~~أفضل من الأنبياء {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} تبرأ صلى الله عليه وسلم من ~~دعوى الألوهية والملكية وادعى النبوة مع الرسالة التي هي أعلى كمالات البشر ~~ردا لاستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدعاه وظاهر هذه الآية يدل على أنه ~~صلى الله عليه وسلم ما كان يجتهد في شيء من الأحكام بل جميع أوامر الله ~~ونواهيه إنما كانت بوحي ولكن المرجح أنه يجتهد {قل} لهم {هل يستوي الأعمى ~~والبصير} أي: هل يكونون سواء من غير مزية فإن قالوا: نعم كابروا الحس، وإن ~~قالوا: لا، قيل: فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ومن أعرض فهو ~~الأعمى. وقيل: المراد بالأول الكافر وبالثاني المؤمن، وقيل: الضال ~~والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم {أفلا تتفكرون} في أنهما لا يستويان ~~فتؤمنوا. # {وأنذر} أي: خوف إذ الإنذار إعلام مع تخويف {به} أي: القرآن وقوله تعالى: ~~{الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} إما قوم داخلون في الإسلام ومقرون ~~بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل وأما أهل الكتاب لأنهم مقرون بالبعث وإما ~~ناس من المشركين علم من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون ~~حقا فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار دون المتمردين منهم وقوله ~~تعالى: {ليس لهم من دونه} أي: غير الله تعالى {ولي} أي: ينصرهم {ولا شفيع} ~~أي: يشفع لهم حال من ضمير يحشرون بمعنى يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا ~~مشفوعا لهم ولا بد من هذه الحال لأن كلا منهم محشور فإن المخوف هو الحشر ~~على هذه الحالة. , # فإن قيل: إذا فسر ما ذكر بالمؤمنين كان مشكلا لأنه قد ثبت بصحيح النقل ~~شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم للمذنبين من أمته وكذلك تشفع الملائكة ~~والأنبياء والمؤمنون بعضهم لبعض أجيب: بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله ~~تعالى كما قال: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (البقرة، 255) وإذا كانت ~~الشفاعة لا تكون # PageV01P421 # إلا بإذن الله صح قوله: ليس لهم ms0701 من دونه ولي ولا شفيع حتى يؤذن لهم ~~بالشفاعة فإذا أذن فيها كان للمؤمنين ولي وشفيع {لعلهم يتقون} الله ~~بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات. # {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} بعدما أمر الله تعالى نبيه ~~عليه الصلاة والسلام بإنذار غير المتقين ليتقوا أمره بإكرام المتقين ~~وتقريبهم وأن لا يطردهم ترضية لقريش. # روي أن رؤساءهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو طردت هؤلاء الأعبد ~~يعنون الفقراء المسلمين وهم عمار وصهيب وخباب وسلمان وأضرابهم وكانت عليهم ~~جباب من صوف جلسنا إليك وحادثناك فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أنا بطارد ~~المؤمنين» فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت قال: ~~«نعم طمعا في إيمانهم» . # وروي أن عمر رضي الله عنه قال له: لو فعلت حتى تنظر إلى ماذا يصيرون ~~قالوا: فاكتب بذلك كتابا فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه فنزلت ~~فرمى بالصحيفة واعتذر عمر رضي الله تعالى عنه من مقالته قال سلمان وخباب ~~فينا نزلت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ~~ركبتنا ركبته فكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزل {واصبر نفسك مع الذين ~~يدعون ربهم} (الكهف، 28) فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال لنا: «الحمد ~~لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ~~ومعكم الممات» وقال الكلبي: قالوا له اجعل لنا يوما ولهم يوما قال: «لا ~~أفعل» قالوا: فاجعل واحدا وأقبل علينا وولهم ظهرك فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وقال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم معبد لبايعنا محمدا فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} يعني ~~صلاة الصبح وصلاة العصر» . # ويروى عنه أن المراد منه الصلوات الخمس وذلك أن ناسا من الفقراء كانوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال ناس من الأشراف: إذا صلينا فأخر هؤلاء ~~فليصلوا خلفنا فنزلت هذه الآية وقوله تعالى: {يريدون وجهه} حال من يدعون ~~أي: يدعون ربهم مخلصين ms0702 فيه قيد الدعاء بالإخلاص تنبيها على أنه ملاك الأمر ~~{ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} أي: ليس عليك حساب ~~في اختبار بواطنهم وإخلاصهم لما اتسموا بسيرة المتقين وإن كان لهم باطن غير ~~مرضي كما ذكره المشركون وطعنوا في دينهم فحسابهم عليهم لا يتعداهم إليك كما ~~أن حسابك لا يتعداك إليهم كقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعام، ~~164) . # فإن قيل: هلا اكتفى بقوله: {ما عليك من حسابهم من شيء} عن {وما من حسابك ~~عليهم من شيء} ؟ أجيب: بأن الجملتين جعلتا بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما ~~مؤدى واحد وهو المعنى في قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعاك، ~~164) ولا يفيد هذا المعنى إلا الجملتان جميعا. # كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، وقيل: الضمير للمشركين ~~والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد ~~المؤمنين طمعا فيه وقوله تعالى: {فتطردهم} أي: فتبعدهم جواب النفي وقوله ~~تعالى: {فتكون من الظالمين} جواب النهي وهو ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة، واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية ~~فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما هم بطرد الفقراء عن مجلسه لأجل ~~أشراف قريش عاتبه الله تعالى به على ذلك ونهاه عن طردهم وذلك قدح في العصمة ~~وقوله # PageV01P422 # تعالى: {فتطردهم فتكون من الظالمين} وأجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم ما ~~طردهم ولا هم به لأجل استخفاف بهم وإنما كان هذا الهم لمصلحة وهي التلطف ~~بهؤلاء الأشراف في إدخالهم في الإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى وهو ~~اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم فأعلمه الله تعالى أن تقريب هؤلاء الفقراء ~~أولى من الهم بطردهم فقربهم منه وأدناهم والظلم في اللغة وضع الشيء في غير ~~محله أي: فلا تهم بطردهم عنك فتضع الشيء في غير معوضه فهو من باب ترك ~~الأفضل والأولى لا من باب ترك الواجبات. # {وكذلك فتنا} أي: ابتلينا {بعضهم ببعض} أي: الشريف بالوضيع والغني ~~بالفقير بأن قدمناه بالسبق ms0703 للإيمان {ليقولوا} أي: الشرفاء والأغنياء ~~{أهؤلاء} الفقراء {من الله عليهم من بيننا} بالهداية أي: لو كان ما هم عليه ~~هدى ما سبقونا إليه ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء قال الله ~~تعالى: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} أي: بمن يقع منهم الإيمان والشكر ~~فيوفقه وبمن لا يقع منه فيخذله. # {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} وقوله تعالى: {فقل} لهم {سلام عليكم} ~~إما أن يكون أمرا بتبليغ سلام الله تعالى إليهم وإما أن يكون أمرا بأن ~~يبدأهم بالسلام إكراما لهم وتطييبا لقلوبهم {كتب} أي: قضى {ربكم على نفسه ~~الرحمة} . # روي أنها نزلت في الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طردهم ~~فوصفهم الله تعالى بالإيمان بالقرآن واتباع الحجج بعدما وصفهم بالمواظبة ~~على العبادة وأمره بأن يبدأ بالتسليم أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم ~~ويبشرهم بسعة رحمته وفضله بعد النهي عن طردهم إيذانا بأنهم الجامعون ~~لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد ويعز ولا يذل ~~ويبشر من الله تعالى بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة، وقال عطاء: ~~نزلت في الخلفاء الأربع وجماعة من الصحابة، وقيل: الآية على إطلاقها في كل ~~مؤمن، وقيل: لما جاء عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته التي تقدمت وقال: ما ~~أردت إلا الخير فنزلت، وقيل: إن قوما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إنا أصبنا ذنوبا عظاما فلم يرد عليهم شيئا فانصرفوا فنزلت {إنه من ~~عمل منكم سوأ} أي سوء كان ملتبسا {بجهالة} أي: عمله وهو جاهل وفيه معنيان: ~~أحدهما: إنه فاعل فعل الجهلة لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو ~~عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه والجهل لأن من أهل الحكمة والتدبير ومنه ~~قول الشاعر: # *على أنها قالت عشية زرتها ... جهلت على عمد ولم تك جاهلا* # والثاني: إنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة ومن حق الحكيم أن لا ~~يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته، وقيل: إنها نزلت في عمر رضي الله ~~تعالى عنه ms0704 حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوه ولم يعلم أنها مفسدة، وقرأ ~~نافع وابن عامر وعاصم إنه بفتح الهمزة على أنه بدل من الرحمة، والباقون ~~بالكسر على أنه ضمير الشان {ثم تاب} أي: رجع {من بعده} أي: من بعد ارتكابه ~~ذلك السوء {وأصلح} عمله {فإنه} أي: الله {غفور} له {رحيم} به، وقرأ ابن ~~عامر وعاصم بفتح الهمزة على تقدير: أن المغفرة له والباقون بالكسر. # {وكذلك} أي: ومثل ذلك التفصيل الواضح وهو تفصيل أحوال الطوائف الأربع: ~~الأولى: المطبوع على قلوبهم وهم من في آية {والذين كذبوا بآياتنا} ~~(الأنعام، 39) والثانية: # PageV01P423 # المرجو إسلامهم وهم من في آية {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم} (الأنعام، 51) والثالثة: المطيعون وهم من في آية {ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي} (الأنعام، 52) والرابعة: الداخلون في الإسلام ~~لكنهم لا يحفظون حدوده وهم من في آية {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} ~~(الأنعام، 54) {نفصل الآيات} أي: نبين آيات القرآن في صفة المطيعين ~~والمجرمين المصرين منهم والأوابين {ولتستبين سبيل} أي: طريق {المجرمين} قرأ ~~أبو بكر وشعبة وحمزة والكسائي بالياء بعد اللام على التذكير أي: وليظهر ~~ويتضح سبيل المجرمين يوم القيامة إذا صاروا في النار والباقون بالتاء على ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: وليظهر لك الحق يا محمد ويتبين لك ~~سبيلهم فتعامل كلا منهم بما يحق له، وقرأ نافع سبيل بنصب، اللام، والباقون ~~بالرفع. # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين {إني نهيت أن أعبد الذين تدعون} أي: تعبدون ~~{من دون الله} وهي الأصنام التي يعبدونها أو ما تدعونها آلهة أي: تسمونها ~~لأن الجمادات أخس من أن تدعى وقوله تعالى: {قل لا أتبع أهواءكم} تأكيد لقطع ~~أطماعهم وبيان لمبدأ ضلالهم وأن ما هم عليه هوى وليس بهدى {قد ضللت إذا} ~~أي: إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال {وما أنا من المهتدين} أي: وما أنا من ~~المهديين في شيء أي: لأنكم كذلك. # {قل إني على بينة} أي: بيان {من ربي} أي: معرفة وإنه لا معبود سواه {و} ~~قد {كذبتم به} أي: بربي ms0705 حيث أشركتم به غيره {ما عندي ما تستعجلون به} أي: ~~العذاب الذي استعجلوه بقولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء {إن} أي: ما ~~{الحكم} في ذلك وغيره {إلا الله} فهو يفصل بين المختلفين ويقضي بإنزال ~~العذاب متى شاء {يقص الحق} قرأ نافع وابن كثير وعاصم بضم القاف وصاد مهملة ~~مشددة مع الرفع ومعناه: يقول الحق، لأن كل ما أخبر به فهو حق، والباقون ~~بسكون القاف وضاد معجمة مخففة مع الكسر أي: إنه تعالى يقضي القضاء الحق ~~{وهو خير الفاصلين} أي: الحاكمين {قل} لهم {لو أن عندي} أي: في قدرتي ~~ومكنتي {ما تستعجلون به} أي: من العذاب {لقضي الأمر بيني وبينكم} أي: ~~لانفصل ما بيني وبينكم بأن أهلككم عاجلا بما تستعجلون به من العذاب غضبا ~~لربي ولكنه عند الله تعالى {وا أعلم بالظالمين} أي: ما تستحقونه من العذاب ~~والوقت الذي يستحقون فيه. # {وعنده} سبحانه وتعالى {مفاتح الغيب} أي: خزائنه جمع مفتح بفتح الميم وهو ~~المخزن أو ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتيح الذي هو جمع مفتح ~~بالكسر وهو المفتاح {لا يعلمها إلا هو} وهي الخمسة التي في قوله: {إن الله ~~عنده علم الساعة} (لقمان، 34) الآية كما رواه البخاري فيعلم أوقاتها وما في ~~تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته ~~وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها {ويعلم ما} يحدث {في البر ~~والبحر} قدم البر لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن ~~والمفاوز والجبال والحيوان والنبات والمعادن وغير ذلك، وأخر البحر لأن ~~إحاطة العقل بأحواله أقل، وقال مجاهد: البر: المفاوز والقفار، والبحر: ~~القرى والأمصار التي على الأنهار وقوله تعالى: {وما تسقط من ورقة} أي: ورقة ~~من يد {إلا يعلمها} مبالغة في إحاطة علمه تعالى بالجزئيات، وقوله تعالى: ~~{ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس} عطف على ورقة # PageV01P424 # واختلف في الحبة فقيل: هي من هذا الحب المعروف تكون في بطن الأرض قبل أن ~~تنبت، وقيل: هي الحبة التي تنبت في ms0706 الصخرة التي في أسفل الأرض، واختلف في ~~معنى الرطب واليابس فقال ابن عباس: الرطب: الماء، واليابس: البادية، وقال ~~عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت وقيل: المراد بالرطب: الحي، وباليابس: ~~الميت، وقيل: هو عبارة عن كل شيء لأن جميع الأشياء إما رطبة وإما يابسة. # فإن قيل: جميع هذه الأشياء داخلة تحت قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو} فلم أفرد هذه الأشياء بالذكر؟ أجيب: بأنه تعالى ذكرها أولا ~~مجملة ثم فصل بعضا من ذلك الإجمال ليدل بها على غيرها وقوله تعالى: {إلا في ~~كتابه مبين} فيه قولان: أحدهما: إنه علم الله الذي لا يغير ولا يبدل، ~~والثاني: إنه اللوح المحفوظ لأن الله تعالى كتب فيه علم ما يكون وما قد كان ~~قبل أن يخلق السموات والأرض فهو على الأول بدل من الاستثناء الأول بدل الكل ~~وعلى الثاني بدل الاشتمال. # {وهو الذي يتوفاكم بالليل} أي: يقبض أرواحكم عند النوم {ويعلم ما جرحتم} ~~أي: كسبتم {بالنهار ثم يبعثكم} أي: يوقظكم برد أرواحكم {فيه} أي: النهار. # فإن قيل: لم خص الليل بالنوم والنهار بالكسب مع أن ذلك يقع في غير هذا؟ ~~أجيب: بأن ذلك جرى على الغالب {ليقضي أجل مسمى} أي: ليبلغ المستيقظ آخر ~~أجله المسمى له في الدنيا {ثم إليه مرجعكم} بالموت والبعث {ثم ينبئكم بما ~~كنتم تعملون} فيجازيكم به. # {وهو القاهر} مستعليا {فوق عباده} لأن من قهر شيئا وغلبه فهو مستعل عليه ~~أما قهره للمعدوم فبالتكوين والإيجاد وأما قهره للموجود فبالإفناء والإفساد ~~بنقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى ويقهر ~~النور بالظلمة والظلمة بالنور والنهار بالليل والليل بالنهار إلى غير ذلك ~~من ضروب الكائنات وصنوف الممكنات {ويرسل عليكم} من ملائكته {حفظة} أي: تحفظ ~~أعمالكم وهم الكرام الكاتبون، وعن أبي حاتم السختياني أنه كان يكتب عن ~~الأصمعي كل شيء تلفظ به من فوائد العلم حتى قال فيه: أنت شبيه الحفظة تكتب ~~لفظ اللفظة فقال أبو حاتم: وهذا أيضا مما يكتب. # فإن قيل: الله تعالى غني ms0707 عن كتابة الملائكة فما فائدتها؟ أجيب: بأن فيها ~~لطفا للعباد لأنهم إذا علموا أن الله رقيب عليهم والملائكة موكلون بهم ~~يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف ~~القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد عن السوء {حتى إذا جاء أحدكم ~~الموت توفته رسلنا} أي: ملك الموت وأعوانه {وهم لا يفرطون} أي: لا يقصرون ~~فيما يؤمرون، وقيل: ملك الموت وحده فذكر الواحد بلفظ الجمع وجاء في الأخبار ~~أن الله تعالى جعل الدنيا بين يدي الموت كالمائدة الصغيرة فيقبض من ههنا ~~ومن ههنا فإذا كثرت عليه الأرواح يدعوها فتستجيب له. # فإن قيل: قال الله تعالى في آية أخرى {الله يتوفى الأنفس حين موتها} ~~(الزمر، 42) وفي أخرى {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة، 11) ~~وقال هنا: {توفته رسلنا} فكيف الجمع؟ أجيب: بأن المتوفى في الحقيقة هو الله ~~تعالى فإذا حضر أجل العبد أمر الله تعالى ملك الموت أن يقبض روحه ولملك ~~الموت أعوان من الملائكة يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده فإذا وصلت إلى ~~الحلقوم تولى قبضها ملك الموت بنفسه فحصل الجمع بين الآيات، وقال # PageV01P425 # مجاهد: ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطوف بهم كل يوم مرتين، ~~وقرأ حمزة بعد فاء توفته بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء على ~~التأنيث وسكن السين من رسلنا أبو عمرو ورفعها الباقون. # {ثم ردوا} أي: الخلق {إلى الله} أي: إلى حكمه وجزائه {مولاهم} أي: سيدهم ~~ومدبر أمورهم كلها {الحق} أي: الثابت الولاية وكل ولاية غير ولايته تعالى ~~عدم {ألا له الحكم} أي: القضاء النافذ فيهم فلا حكم عليه {وهو أسرع ~~الحاسبين} يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك ~~لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد فيحاسب خلقه بنفسه لا يشغله حساب ~~بعضهم عن بعض. # {قل} يا محمد لأهل مكة {من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} أي: من الخسف في ~~البر والغرق في البحر أو من شدائدهما استعيرت الظلمة للشدة ms0708 لمشاركتهما في ~~الهول وإبطال الأبصار فقيل: لليوم الشديد يوم مظلم ولغيره يوم ذو كواكب، ~~وقيل: حمله على الحقيقة أولى وظلمات البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل ~~وظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب ~~وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح ~~العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضا الخوف الشديد من الوقوع في ~~المهالك والمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع ~~الإنسان فيها إلا إلى الله تعالى لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة ~~الشدائد وهو المراد من قوله: {تدعونه تضرعا} أي: علانية {وخفية} أي: سرا ~~وقوله تعالى: {لئن} اللام لام القسم على إرادة القول أي: يقولون والله لئن ~~{أنجيتنا من هذه} أي: الظلمات والشدائد {لنكونن من الشاكرين} لك على هذه ~~النعمة، والشكر: هو معرفة النعمة مع القيام بحقها لمن أنعم بها أي: فنكون ~~من المؤمنين، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: أنجانا، بحذف التاء وألف بعد الجيم ~~بدل الياء ليوافق قوله تعالى: {تدعونه} وأمالها حمزة والكسائي والباقون ~~بالتاء بعد الياء. # {قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب} أي: غم سوى ذلك {ثم أنتم تشركون} أي: ~~تعودون إلى شركة الأصنام معه التي لا تضر ولا تنفع ولا توفون بالعهد وإنما ~~وضع تشركون موضع لا تعبدون تنبيها على أن من أشرك في عبادة الله تعالى ~~فكأنه لم يعبده {قل} لهم {هو القادر على أن يبعث} في كل وقت يريده {عليكم} ~~في كل حالة {عذابا من فوقكم} بإرسال الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما ~~فعل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الفيل {أو من تحت أرجلكم} بالغرق ~~أو الخسف كما فعل بفرعون وقارون، وعن ابن عباس ومجاهد: عذابا من فوقكم: ~~السلاطين الظلمة، أو من تحت أرجلكم: العبيد السوء، وقال الضحاك: من فوقكم ~~أي: من قبل كباركم أو من تحت أرجلكم أي: من أسفل منكم {أو يلبسكم} أي: ~~يخلطكم {شيعا} أي: فرقا وينشب فيكم الأهوال المختلفة بقتل بعضكم بعضا. # روي ms0709 لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم} قال صلى الله عليه وسلم «أعوذ بوجهك» {ومن تحت أرجلكم} قال: «أعوذ ~~بوجهك» {أو يلبسكم شيعا} {ويذيق بعضكم بأس بعض} أي: بالقتال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «هذا أهون أو أيسر» . # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: «سألت ربي طويلا أن لا يهلك أمتي ~~بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يهلك # PageV01P426 # أمتي بالسنين فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» . # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى ثلاثا فأعطاه اثنتين ~~ومنعه واحدة «سأله أن لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ~~ذلك وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأس بعضهم على ~~بعض فمنعه ذلك» {انظر} يا محمد {كيف نصرف} أي: نبين لهم {الآيات} الدالة ~~على قدرتنا {لعلهم يفقهون} أي: يعلمون أن ما هم عليه باطل فيرجعوا عنه. # {وكذب به} أي: القرآن أو العذاب {قومك} أي: الذين من حقهم أن يقوموا ~~بجميع أمرك ويسروا بسيادتك فإن القبيلة إذا ساد أحدهم عزت به فإن عزه عزها ~~وشرفه شرفها ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة وإذا سفل أحدها ~~اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبها مهما أمكنها فإن عاره لاحق لها فهو من ~~عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع لهم وزاد ذلك بقوله: {وهو} أي: والحال أنه ~~{الحق} أي: الثابت الذي لا يضره التكذيب به ولا يمكن زواله {قل} لهم {لست ~~عليكم بوكيل} أي: حفيظ وكل إلي أموركم فأجازيكم أو أمنعكم من التكذيب إنما ~~أنا منذر والله الحفيظ {لكل نبأ} أي: خبر أخبركم به من هذه الأخبار {مستقر} ~~أي: وقت يقع فيه ويستقر ومنه عذابكم {وسوف تعلمون} صحة ذلك عند وقوعه، إما ~~في الدنيا وإما في الآخرة وفي ذلك تهديد لهم. # {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} أي: القرآن بالاستهزاء والتكذيب ~~{فأعرض عنهم} أي: فاتركهم ولا تجالسهم {حتى يخوضوا في حديث غيره} أي: ms0710 حتى ~~يكون خوضهم في غير الآيات والاستهزاء بها، وذكر الضمير على معنى الآيات ~~لأنها القرآن والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ليكون أردع أو ~~لغيره أي: وإذا رأيت أيها الإنسان {وإما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما ~~المزيدة {ينسينك الشيطان} أي: فقعدت معهم ثم تذكرت {فلا تقعد بعد الذكرى} ~~أي: التذكير لهذا النهي {مع القوم الظالمين} أظهر موضع الإضمار تفهما ~~ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض. # وروي أن المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن ~~نجلس بالمسجد ونطوف فنزل: # d # {وما على الذين يتقون} الله {من حسابهم} أي: الخائضين {من شيء} أي: شيء ~~مما يحاسبون عليه إذا جالسوهم فمن مزيد للتأكيد {ولكن} عليهم {ذكرى} أي: ~~تذكرة لهم ووعظ ويمنعوهم من الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها وقال ~~سعيد بن جبير ومقاتل: هذه الآية منسوخة بالآية التي في سورة النساء وهي ~~قوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله} (النساء، ~~14) الآية، وذهب الجمهور إلى أنها محكمة لا نسخ فيها لأنها خبر والخبر لا ~~يدخله النسخ ولأنه إنما أباح لهم القعود معهم بشرط التذكرة والموعظة {لعلهم ~~يتقون} الخوض في الآيات. # {وذر الذين اتخذوا دينهم} أي: الذي كلفوه {لعبا ولهوا} باستهزائهم به ~~{وغرتهم الحياة الدنيا} أي: خدعتهم وغلب حبها على قلوبهم فأعرضوا عن دين ~~الحق أي: فاتركهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم وهذا يقتضي الإعراض عنهم ~~وهو قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك الإعراض بآية السيف {وذكر} أي: وعظ {به} ~~أي: القرآن الناس {أن} أي: كراهة أن {تبسل نفس} أي: تسلم إلى الهلاك {بما ~~كسبت} أي: بسبب ما عملت وأصل الإبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأن ~~فريسته # PageV01P427 # لا تفلت منه والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي: حرام ~~{ليس لها من دون الله} أي: غيره {ولي} أي: ناصر {ولا شفيع} يمنع عنها ~~العذاب {وإن تعدل} أي: تلك النفس لأجل التوصل إلى الفكاك {كل عدل} أي: وإن ~~تفد كل فداء ms0711 والعدل الفدية لأنها تعادل المفدي {لا يؤخذ منها} ما تفدى به ~~{أولئك} أي: الذين عملوا هذه الأعمال البعيدة عن الخير {الذين أبسلوا} أي: ~~سلموا إلى العذاب {بما كسبوا} أي: بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة ~~{لهم شراب من حميم} أي: ماء هو في غاية الحرارة {و} لهم {عذاب أليم} أي: ~~مؤلم {بما} أي: بسبب ما {كانوا يكفرون} أي: هم بين ماء يغلي يتجرجر في ~~بطونهم ونار تشعل في أبدانهم بسبب كفرهم. # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى دين آبائهم {أندعو} أي: ~~نعبد {من دون الله} أي: غيره {ما لا ينفعنا} أي: بعبادته {ولا يضرنا} أي: ~~بتركها وهم الأصنام {ونرد على أعقابنا} أي: نرجع إلى الشرك {بعد إذ هدانا ~~الله} تعالى إلى التوحيد ودين الإسلام {كالذي استهوته} أي: أضلته {الشياطين ~~في الأرض} حالة كونه {حيران} تائها ضالا لا يهتدي لوجه ولا يدري كيف يسلك. ~~وقرأ حمزة بعد الواو في استهوته بألف ممالة على التذكير، والباقون بالتاء ~~على التأنيث، ورقق ورش راء حيران بخلاف عنه {له} أي: المستهوي {أصحاب} أي: ~~رفقة {يدعونه إلى الهدى} أي: إلى الطريق المستقيم وسماه هدى تسمية للمفعول ~~بالمصدر يقولون له: {إئتنا} فلا يجيبهم فيهلك والاستفهام للإنكار وجملة ~~التشبيه للحال من ضمير نرد وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو إلى عبادة ~~الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ومن يدعو إلى عبادة الله عز وجل الذي يضر ~~وينفع يقول مثلهما كمثل رجل في رفقته ضل به الغيلان والشياطين عن الطريق ~~المستقيم فجعل أصحابه من أهل رفقته يدعونه إليهم يقولون هلم إلى الطريق ~~المستقيم وجعل الغيلان يدعونه إليهم فبقي حيران لا يدري أين يذهب فإن أجاب ~~الغيلان ضل وهلك وإن أجاب أصحابه اهتدى وسلم {قل} لهم {إن هدى الله} الذي ~~هو الإسلام {هو الهدى} وحده وما عداه ضلال {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} أي: ~~بأن نخلص العبادة له لأنه المستحق العبادة لا غيره وقوله تعالى: # {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} عطف على لنسلم أي: للإسلام ولإقامة الصلاة ~~لأن فيهما ما ms0712 يقرب إلى الله. # وروي أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان فنزلت، فإن ~~قيل: إذا كان هذا واردا في شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه فكيف قيل للرسول ~~صلى الله عليه وسلم قل أندعو؟ أجيب: بأن ذلك إظهار للاتحاد الذي كان بينه ~~صلى الله عليه وسلم وبين المؤمنين خصوصا الصديق رضي الله تعالى عنه {وهو ~~الذي إليه} لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت {تحشرون} يوم القيامة فيجزيكم ~~بأعمالكم. # {وهو الذي خلق السموات والأرض} على عظمهما {بالحق} أي: بسبب إقامة الحق، ~~وقيل: خلقهما بكلامه الحق الذي هو قوله تعالى: {كن} وهو دليل على أن كلام ~~الله تعالى ليس بمخلوق لأنه لا يخلق مخلوق بمخلوق {و} اذكر {يوم يقول} الله ~~للخلق {كن فيكون} أي: فهو يكون وهو يوم القيامة يقول بمخلق قوموا أحياء ~~{قوله} تعالى: {الحق} أي: الصدق الواقع لا محالة {وله الملك يوم ينفخ في ~~الصور} أي: # PageV01P428 # النفخة الثانية من إسرافيل عليه الصلاة والسلام وإنما أخبر سبحانه وتعالى ~~عن ملكه يومئذ وإن كان الملك له سبحانه وتعالى في كل وقت في الدنيا والآخرة ~~لأنه لا منازع له يومئذ فإن من كان يدعي الملك من الجبابرة والفراعنة وسائر ~~الملوك الذين كانوا في الدنيا قد زال ملكهم فاعترفوا أن الملك لله الواحد ~~القهار وأنه لا منازع له تعالى فيه وعلموا أن الذي كانوا يدعونه من الملك ~~في الدنيا غرور وباطل. # تنبيه: اختلف العلماء في الصور المذكور في الآية فقال قوم: هو قرن ينفخ ~~فيه وهو لغة أهل اليمن، وقال مجاهد: الصور قرن كهيئة البوق ويدل على صحة ~~هذا القول ما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما ~~الصور؟ قال: «قرن ينفخ فيه» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كيف أنتم وقد التقم صاحب القرن القرن ~~وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ» فكان ذلك ثقل على الصحابة ~~فقالوا: كيف نعمل يا رسول الله أو كيف نقول؟ قال: «قولوا حسبنا الله ms0713 ونعم ~~الوكيل على الله توكلنا» وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة والنفخ فيها ~~إحياؤها والأول أصح لما مر في الحديث ولإجماع أهل السنة أن المراد بالصور ~~هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل نفختين: نفخة الصعق ونفخة البعث للحساب ~~{عالم الغيب والشهادة} أي: ما غاب وما شوهد فلا يغيب عن علمه تعالى شيء ~~{وهو الحكيم} أي: في جميع أفعاله وتدبير خلقه {الخبير} بباطن الأشياء ~~كظاهرها بكل ما يعملونه من خير أو شر. # {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} اختلف العلماء في لفظة آزر فقال مجاهد: آزر ~~اسم أبي إبراهيم وهو تارح ضبطه بعضهم بالحاء المهملة وبعضهم بالخاء ~~المعجمة، وقال البخاري في تاريخه الكبير: إبراهيم بن آزر وهو في التوراة ~~تارخ فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم اسمان: آزر وتارخ مثل يعقوب وإسرائيل ~~إسمان لرجل واحد فيحتمل أن يكون اسمه آزر وتارخ لقب له وبالعكس، فالله سماه ~~آزر وإن كان عند النسابين والمؤرخين اسمه تارح ليعرف بذلك وكان آزر أبو ~~إبراهيم من كوثى وهي قرية من سواد الكوفة وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر ~~اسم صنم كان والد إبراهيم يعبده وإنما سماه بهذا الاسم لأن من عبد شيئا أو ~~أحبه جعل اسم ذلك المعبود أو المحبوب اسما له فهو كقوله تعالى: {يوم ندعو ~~كل أناس بإمامهم} (الإسراء، 71) وقيل: معناه وإذا قال إبراهيم لأبيه: يا ~~عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والأول أصح لأن آزر اسم أبي ~~إبراهيم لأن الله تعالى سماه به وأخرج البخاري في أفراده أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «يلقى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه آزر يوم القيامة ~~على وجهه» أي: آزر فترة وغبرة الحديث سماه النبي صلى الله عليه وسلم آزر ~~أيضا ولم يقل أباه تارح كما نقل عن النسابين والمؤرخين فثبت بهذا أن اسمه ~~الأصلي آزر لا تارح وكان أهل تلك البلاد وهم الكنعانيون يعتقدون إلهية ~~النجوم في السماء والأصنام في الأرض فيجعلون لكل نجم صنما فإذا أرادوا ~~التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع ms0714 لهم عند ذلك النجم فقال ~~إبراهيم منكرا عليهم منبها لهم على ظهور فساد ما هو مرتكبه {أتتخذ} أي: ~~أتكلف نفسك إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى بأن تجعل {أصناما آلهة} ~~أي: تعبدها وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر {إني أراك وقومك} أي: في إتفاقكم ~~على هذا # PageV01P429 # {في ضلال} أي: بعد عن الصراط المستقيم {مبين} أي: ظاهر جدا ببديهة العقل ~~مع مخالفته لكل نبي نباه الله # تعالى من آدم عليه السلام فمن بعده، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح ~~الياء والباقون بالسكون. # {وكذلك} أي: ومثل هذا التبصير العظيم الشأن {نري إبراهيم} أي: نبصر وهي ~~حكاية حال ماضية {ملكوت السموات والأرض} أي: عجائبهما وبدائعهما والملكوت ~~أعظم الملك والتاء فيه للمبالغة كالرهبوت والرغبوت والرحموت من الرغبة ~~والرهبة والرحمة، وقال ابن عباس: خلق السموات والأرض، وقال مجاهد وسعيد بن ~~جبير: يعني آيات السموات والأرض وذلك إنه أقيم على صخرة وكشف له عن السموات ~~حتى رأى العرش والكرسي وما في السموات من العجائب وحتى رأى مكانه في الجنة ~~فذلك قوله تعالى: {وآتيناه أجره في الدنيا} (العنكبوت، 27) # معناه: أريناه مكانه في الجنة وكشف له عن الأرض حتى نظر أسفل الأرضين ~~ورأى ما فيها من العجائب. # وروي عن سلمان ورفعه بعضهم عن علي قال: «لما رأى إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه ~~فقال الرب تبارك وتعالى: يا إبراهيم إنك رجل مجاب الدعوة فلا تدعو على ~~عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه وإما ~~أن أخرج منه نسمة تعبدني وإما أن يبعث إلي فإن شئت عفوت عنه وإن شئت ~~عاقبته» وفي رواية: «فإن تولى فإن جهنم من ورائه» . # وقال قتادة: ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال ~~والشجر والبحار. وقيل: إن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة لأن ذلك لا يدرك ~~إلا بالعقل فأريناه ذلك ليستدل به على توحيدنا {وليكون من الموقنين} : ~~واليقين عبارة عن علم ms0715 يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة لأن الإنسان في أول ~~الحال لا ينفك عن شبهة فإذا كثرت الدلائل وتوافقت صارت سببا لحصول اليقين ~~والطمأنينة في القلب وزالت الشبهة عند ذلك قال ابن عباس في وليكون من ~~الموقنين {: جلي له الأمر سره وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق ~~فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله تعالى إنك لا تستطيع هذا فرده الله ~~تعالى كما كان قبل ذلك. # فلما جن عليه الليل} أي: دخل فيه {رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل} أي: ~~غاب {قال لا أحب الآفلين} وذلك إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولد في زمن ~~نمروذ بن كنعان وكان النمروذ أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى ~~عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام ~~يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، ويقال: إنهم وجدوا ~~ذلك في كتب الأنبياء، وقال السدي: إن النمروذ رأى في منامه كأن كوكبا طلع ~~فذهب بضوأي الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع من ذلك فزعا شديدا ودعا ~~السحرة والكهنة فسألهم فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة فيكون ~~هلاكك وهلاك ملكك وأهل بيتك على يديه فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في ~~تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشرة رجلا فإذا حاضت ~~المرأة خلى بينها وبين زوجها لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض فإذا طهرت ~~حيل بينهما فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت فواقعها فحملت بإبراهيم. # قال محمد بن # PageV01P430 # إسحاق: بعث نمروذ إلى كل امرأة حبلى بقربه يحسبها عنده إلا ما كان من أم ~~إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت صغيرة لم يعرف الحبل ببطنها، وقال ~~السدي: خرج نمروذ بالرجال إلى العسكر ونحاهم عن النساء خوفا من ذلك ثم بدت ~~له حاجة إلى المدينة ولم يأمن عليها أحدا من قومه إلا آزر فبعث إليه وأقسم ~~عليه أن لا يدنو من أهله ms0716 فقال آزر: أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته ~~فدخل المدينة وقضى حاجته ثم قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر ~~إلى أم إبراهيم لم يتمالك حتى واقعها فحملت إبراهيم، قال ابن عباس: لما ~~حملت أم إبراهيم به قال الكهان لنمروذ: إن الغلام الذي أخبرناك عنه قد ~~حملته أمه الليلة فأمر نمروذ بذبح الغلمان. # قال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة وكانت ~~قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأصلحت من شأنه ما يصنع ~~بالمولود ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تختلف إليه فتنظر ما ~~فعل فتجده يمص من إصبع ماء ومن إصبع لبنا ومن إصبع عسلا ومن إصبع تمرا ومن ~~إصبع سمنا، وقال محمد بن إسحاق: كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها فقالت: ~~ولدت غلاما فمات فصدقها وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر ~~كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه: ~~أخرجيني، فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض وقال: إن الذي ~~خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي ما لي إله غيره، ثم نظر في السماء فرأى ~~كوكبا فقال: هذا ربي ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب فلما أفل قال: لا أحب ~~الآفلين. # {فلما رأى القمر بازغا} أي: مبتدئا في الطلوع {قال هذا ربي} فأتبعه بصره ~~{فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} ، وقيل: إنه كان ~~في السرب سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، قال بعض أهل ~~التفسير: فلما شب إبراهيم وهو في السرب قال لأمه: من ربي؟ قالت: أنا، قال: ~~فمن ربك؟ قالت: أبوك قال: فمن رب أبي؟ قالت: اسكت، فسكت ثم رجعت إلى زوجها ~~فقالت: الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم أخبرته ~~بما قال فأتاه أبوه فقال له إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن ~~رب أمي؟ قال: أنا، ms0717 قال: فمن ربك؟ قال: نمروذ قال: فمن رب نمروذ؟ فلطمه ~~وقال: اسكت، فلما أخرج من السرب وجن عليه الليل رأى المشتري قد طلع وقيل: ~~الزهرة وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فتأخر القمر فيها فرأى الكوكب فقال ~~ذلك. # وهل ذلك جار على ظاهره أو مؤول جرى بعضهم على الأول، وقال: كان إبراهيم ~~مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله تعالى فلم يضره ذلك وأيضا كان ذلك في ~~طفوليته قبل قيام الحجة عليه فلم يكن كفرا والأصح الثاني إذ لا يجوز أن ~~يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه ~~عارف ومن كل معبود سواه بريء، ثم قال: في تأويله أوجه: أحدها وهو الأصح: أن ~~إبراهيم ذكر ذلك على وجه الاحتجاج عليهم بقوله: هذا ربي أي: في زعمكم فلما ~~غاب قال: لو كان إلها لما غاب كما قال تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} ~~(الدخان، 49) # أي: عند نفسك وبزعمك وكما أخبر عن موسى أنه قال: {وانظر إلى إلهك} (طه، ~~97) # أي: في زعمك فلما أفل قال: لا أحب الآفلين فضلا عن عبادتهم فإن الانتقال ~~والاحتجاج يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية فلم # PageV01P431 # ينجح فيهم ذلك {فلما رأى القمر بازغا} قال لهم: هذا ربي فلما أفل أي: غاب ~~قال: {لئن لم يهدني ربي} أي: يثبتني على الهدى لا إنه لم يكن مهتديا ~~والأنبياء لم يزالوا يسألون الله تعالى الثبات على الإيمان وكان إبراهيم ~~عليه السلام يقول: وأجنبني وبني أن نعبد الأصنام. # {فلما رأى الشمس بازغة} أي: عند طلوع النهار {قال} لهم {هذا ربي هذا ~~أكبر} أي: من الكواكب والقمر ولم يقل هذه مع أن الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا ~~الطالع أو رده إلى المعنى وهو الضياء والنور لأنه رآه أضوأ من النجم والقمر ~~أو ذكره لتذكير خبره {فلما أفلت} أي: غربت وقويت عليهم الحجة فلم يرجعوا ~~{قال يا قوم إني بريء مما تشركون} أي: بالله من الأصنام والأجرام المحدثة ~~المحتاجة إلى محدث التي تجعلونها شركاء لخالقها، والوجه الثاني: ms0718 من التأويل ~~أنه قال ذلك على وجه الاستفهام تقديره: أهذا ربي؟ كقوله تعالى: {أفائن مت ~~فهم الخالدون} (الأنبياء، 34) # أي: أفهم الخالدون وذكره على وجه التوبيخ منكرا لفعلهم، والوجه الثالث: ~~إنه أراد أن يستدرجهم بهذا القول ويعرفهم خطأهم وجهلهم ومثل هذا مثل من ورد ~~على قوم يعبدون صنما فأظهر تعظيمه فأكرموه حتى صدروا في كثير من الأمور عن ~~رأيه إلى أن دهمهم عدو فشاوروه في أمره فقال: الرأي أن ندعو هذا الصنم حتى ~~ينكشف عنا ما أصابنا فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا ~~يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله تعالى فدعوه فصرف عنهم ما كانوا يجدون ~~فأسلموا. # فإن قيل: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى ~~حال؟ أجيب: بأن الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب ولما ~~ظهر خلاف قومه واستمروا في شركهم وقالوا له: من تعبد أنت؟ أظهر لهم ما هو ~~عليه من الحق بقوله: # {إني وجهت وجهي} أي: أخلصت قصدي وصرفت عبادتي {للذي فطر السموات والأرض} ~~أي: خلقهما وابتدعهما وهو الله تعالى {حنيفا} أي: مائلا إلى الدين القويم ~~عن كل دين يخالفه وأصل الحنيف الميل وهو عن طريق الضلال إلى طريق ~~الاستقامة، وقيل: الحنيف هو الذي يستقبل الكعبة بصلاته {وما أنا من ~~المشركين} تبرأ من الشرك الذي كان عليه قومه أي: وما أنا منكم ولا أعد في ~~عدادكم بشيء أقاربكم به. # {وحاجه قومه} أي: خاصموه في التوحيد وهددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن لم ~~يرجع عن الكلام فيها {قال} لهم {أتحاجوني} أي: أتجادلونني {في الله} أي: في ~~وحدانيته، وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف النون وهي نون الرفع عند النحاة ونون ~~الوقاية عند الفراء، والباقون بالتشديد {وقد} أي: والحال إنه قد {هداني} ~~إلى توحيده ومعرفته {ولا أخاف ما تشركون به} شيئا وذلك إن إبراهيم لما رجع ~~إلى أبيه وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين أي: ذباحي نمروذ وضمه ~~آزر إلى نفسه وجعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها لإبراهيم ليبيعها فيذهب ms0719 بها ~~إبراهيم وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ فلا يشتريها أحد فإذا بارت ~~عليه ذهب بها إلى نهر فصوب رؤوسها وقال: اشربي استهزاء بقومه وما هم عليه ~~حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته فقالوا له: احذر الأصنام فإنا ~~نخاف أن تمسك بخبل أو جنون بعيبك إياها فقال: إنما يكون الخوف ممن يقدر على ~~النفع والضر وهو قوله تعالى: {إلا أن يشاء ربي شيئا} وهذا # PageV01P432 # استثناء منقطع معناه لكن إن شاء ربي شيئا من المكروه يصيبني فيكون لأنه ~~قادر على النفع والضر وإنما قال إبراهيم ذلك لاحتمال إن الإنسان قد يصيبه ~~في بعض حالاته وأيام عمره وما يكرهه فلو أصابه مكروه نسبوه إلى الأصنام ~~فنفى هذه الشبهة بذلك {وسع ربي كل شيء علما} أي: أحاط علمه بكل شيء من ~~معلومه {أفلا تتذكرون} أي: يقع منكم تذكر فتميزوا بين الحق والباطل والقادر ~~والعاجز. # {وكيف أخاف ما أشركتم} به أي: الأصنام وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا ~~تنفع {ولا تخافون} أنتم {أنكم أشركتم با} وهو تعالى حقيق بأن يخاف منه كل ~~الخوف لأنه إشراك للمصنوع مع الصانع وتسوية بين المقدور العاجز والقادر ~~الضار النافع {ما لم ينزل به} أي: بعبادته {عليكم سلطانا} أي: حجة وبرهانا ~~وهو القادر على كل شيء {فأي الفريقين} أي: حزب الله وحزب ما أشركتم ولم يقل ~~فأينا تعميمها للمغني {أحق بالأمن} أهم الموحدون أو المشركون {إن كنتم ~~تعلمون} من الأحق أي: إن كان لكم علم فأخبروني عما سألتكم عنه والأحق بذلك ~~هم الموحدون فاتبعوهم قال تعالى قاضيا بينهما: # {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك. # روي أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فقالوا: «يا رسول الله ~~فأينا لم يظلم نفسه فقال: «ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى ما قال ~~لقمان لابنه: {يا بني لا تشرك با إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان، 13) # » {أولئك} أي: الموصوفون بما ذكر {لهم الأمن} أي: من العذاب المؤبد {وهم ~~مهتدون} وقوله ms0720 تعالى: # k # {وتلك} مبتدأ ويبدل منه {حجتنا} وهي ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله ~~تعالى: {فلما جن عليه الليل} إلى قوله: {وهم مهتدون} أو من قوله تعالى: ~~{أتحاجوني} إليه والخبر {آتيناها إبراهيم} أي: أرشدناه لها حجة {على قومه} ~~ثم إنه سبحانه وتعالى لما تفضل على خليله صلى الله عليه وسلم برفعه على ~~قومه قال تعالى: {نرفع درجات من نشاء} في العلم والحكمة، وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي بتنوين التاء، والباقون بغير تنوين {إن ربك حكيم} في صنعه فيرفع ~~من يشاء ويخفض من يشاء {عليم} بخلقه فهو الفعال لما يريد. # {ووهبنا له} أي: إبراهيم {إسحق} أي: ابنا له {ويعقوب} أي: ابنا لإسحاق ~~فهو ابن ابنه {كلا} منهما ومن أبيهما {هدينا} إلى سبيل الرشاد ووفقناه إلى ~~طريق الحق والصواب {ونوحا هدينا} {من قبل} أي: قبل إبراهيم {ومن ذريته} أي: ~~نوح لا إبراهيم لأنه تعالى ذكر في جملتهم يونس ولوطا ولم يكونا من ذرية ~~إبراهيم، وقيل: الضمير لإبراهيم ويكون ذلك من باب التغليب فإن التغليب سائغ ~~شائع في انتساب العرب {داود} وهو ابن إيشا هديناه وكان ممن آتاه الله الملك ~~والنبوة {وسليمان} هو ابن داود وهما اللذان بنيا بيت المقدس بأمر الله ~~تعالى داود بخطه وتأسيسه وسليمان بإكماله وتشييده {وأيوب} هو ابن أموص بن ~~رزاح بن روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم {ويوسف} هو ابن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم. # فإن قيل: لم قدم أيوب على يوسف مع أن يوسف أقرب منه؟ أجيب: بأنه قدمه ~~للمناسبة بينه وبين سليمان لأن كلا منهما ابتلي بأخذ كل ما في يده ثم رده ~~الله تعالى إليه {وموسى} هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ~~{وهرون} هو أخو موسى أكبر منه بسنة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين {وكذلك} ~~كما جزينا إبراهيم على توحيده وصبره على أذى قومه # PageV01P433 # بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولادا أنبياء {نجزي المحسنين} على إحسانهم. # {وزكريا} هو ابن أدن بن بركيا، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بغير همز، ~~والباقون ms0721 بالهمز {ويحيى} هو ابن زكريا {وعيسى} هو ابن مريم بنت عمران ~~{وإلياس} قال ابن مسعود: هو إدريس وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل قال ~~البغوي: والصحيح أنه غيره لأن الله تعالى ذكره في ولد نوح وإدريس جد أبي ~~نوح وهو إلياس بن ياسين بن فنحاس بن العيزار بن هارون بن عمران {كل} منهم ~~{من الصالحين} أي: الكاملين في الصلاح وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز عما ~~لا ينبغي {وإسمعيل} هو ابن إبراهيم وإنما أخر ذكره إلى هنا لأنه ذكر إسحاق ~~وذكر أولاده من بعده على نسق واحد فلهذا السبب أخر ذكر إسماعيل إلى هنا ~~{واليسع} هو أخطوب بن العجوز، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد اللام وسكون الياء ~~والباقون بسكون اللام وفتح الياء {ويونس} هو ابن متى {ولوطا} هو ابن هاران ~~أخي إبراهيم {وكلا} منهم {فضلنا على العالمين} أي: بالنبوة وفيه دليل على ~~فضلهم على من عداهم من الخلق من أنس وملك ويستدل بهذه الآية من يقول إن ~~الأنبياء أفضل من الملائكة وقوله تعالى: # {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} عطف على كلا أو نوحا ومن للتبعيض أي: ~~وفضلنا بعض آبائهم وبعض ذرياتهم وإخوانهم لأن آباء بعضهم كانوا مشركين ~~وعيسى ويحيى لم يكن لهما ولد وكان في ذرية بعضهم من كان كافرا كابن نوح ~~وقوله تعالى: {واجتبيناهم} أي: اخترناهم، عطف على فضلنا أو هدينا ~~{وهديناهم} أي: وأرشدناهم {إلى صراط مستقيم} هو الدين الحق. # {ذلك} أي: الذي هدوا إليه {هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} سواء كان ~~له أب يعلمه أو كان له من يحمله على الضلال أم لا فهو سبحانه وتعالى هو ~~المتفضل بالهداية {ولو أشركوا} أي: ولو فرض إشراك هؤلاء الأنبياء بعد علو ~~درجتهم وفضلهم {لحبط عنهم} أي: لفسد وسقط {ما كانوا يعملون} أي: لكانوا ~~كغيرهم في حبوط أعمالهم بسقوط ثوابها. # {أولئك الذين آتيناهم الكتاب} أي: أولئك الذين سميناهم من الأنبياء وهم ~~ثمانية عشر نبيا أعطيناهم الكتاب فالمراد بالكتاب الجنس {والحكم} أي: العمل ~~المتقن بالعلم {والنبوة} أي: وشرفناهم بالنبوة والرسالة {فإن يكفر بها} ms0722 أي: ~~بهذه الثلاثة {هؤلاء} أي: أهل مكة الذين أنت بين أظهرهم {فقد وكلنا بها} ~~أي: وفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها {قوما ليسوا بها بكافرين} كما يوكل ~~الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه، واختلف في ذلك القوم فقال ابن ~~عباس: هم الأنصار وأهل المدينة، وقال الحسن وقتادة: هم الأنبياء الثمانية ~~عشر الذين تقدم ذكرهم واختاره الزجاج، قال: والدليل عليه قوله تعالى: # {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ، وقال عطاء العطاردي: هم الملائكة ~~ونظر فيه لأن اسم القوم لا يطلق إلا على بني آدم، وقيل: الفرس، وقيل: هم ~~المهاجرون والأنصار، واستظهر وقال ابن زيد: كل من لم يكفر فهو منهم سواء ~~أكان ملكا أم نبيا أم صحابيا أم تابعيا، والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من ~~التوحيد وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها فإنها ليست هدى مضافا إلى ~~الكل ولا يمكن التأسي بهم جميعا فليس فيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ~~متعبد بشرع من قبله، واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أنه صلى الله عليه ~~وسلم أفضل الأنبياء عليهم الصلاة # PageV01P434 # والسلام قال: وبيانه أن جميع الخصال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم فكان ~~نوح صاحب احتمال على أذى قومه وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل مجاهدة في الله ~~عز وجل وكان إسحاق ويعقوب من أصحاب الصبر على البلاء والمحن وكان داود ~~وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة كما قال تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} ~~(سبأ، 13) # وكان أيوب صاحب صبر على البلاء كما قال تعالى: {إنا وجدناه صابرا نعم ~~العبد إنه أواب} (ص، 44) # وكان يوسف قد جمع بين الحالتين أي: الصبر والشكر وكان موسى صاحب الشريعة ~~الظاهرة والمعجزات الباهرة وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد ~~في الدنيا وكان إسماعيل صاحب صدق وكان يونس صاحب تضرع وإحسان ثم إن الله ~~تعالى أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم وجمع له جميع الخصال ~~المحمودة والمتفرقة فثبت بهذا البيان أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء ~~لما اجتمع فيه من الخصال ms0723 التي كانت متفرقة في جميعهم، اه. # وقرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء في الوصل وحرك الهاء بحركة مختلسة ابن ~~عامر ومد على الهاء ابن ذكوان بخلاف عنه وسكن الهاء الباقون في الوصل وأما ~~في الوقف فجميع القراء يثبتون الهاء ويسكنونها {قل} يا محمد لأهل مكة {لا ~~أسألكم عليه} أي: القرآن أو التبليغ {أجرا} أي: لا أطلب على ذلك جعلا {إن ~~هو} أي: القرآن أو التبليغ {إلا ذكرى} أي: عظة {للعالمين} أي الإنس والجن. # {وما قدروا} أي: اليهود {الله حق قدره} أي: ما عرفوه حق معرفته أو ما ~~عظموه حق عظمته {إذ قالوا} للنبي صلى الله عليه وسلم وقد خاصموه في القرآن ~~{ما أنزل الله على بشر من شيء} قال سعيد بن جبير جاء رجل من اليهود يقال له ~~مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على ~~موسى أما تجد في التوراة أن الله تعالى يبغض الحبر السمين وكان حبرا سمينا» ~~والحبر بالفتح والكسر وهو أفصح العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه، قاله ~~الجوهري فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له قومه: ويلك ~~ما هذا الذي بلغنا عنك، فقال: إنه أغضبني، فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن ~~الأشرف. وقال السدي: نزلت في فنحاص بن عازوراء وهو قائل هذه المقالة، وقال ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قالت اليهود: يا محمد أنزل الله تعالى عليك ~~كتابا، قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا. قال الله ~~تعالى: {قل} لهم {من أنزل الكتاب} أي: التوراة {الذي جاء به موسى} أي: الذي ~~أنتم تزعمون التمسك بشرعه حال كون الكتاب {نورا} أي: ذا نور أي: ضياء من ~~ظلمة الضلالة {وهدى} أي: ذا هدى {للناس} أي: يفرق بين الحق والباطل من ~~دينهم وذلك قبل أن يبدل ويغير {يجعلونه قراطيس} أي: يكتبونه في دفاتر مقطعة ~~{يبدونها} أي: يظهرون ما يحبون إظهاره منها {ويخفون كثيرا} ms0724 أي: مما كتبوه ~~في القراطيس وهو ما عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومما أخفوه أيضا ~~آية الرجم وكانت مكتوبة عندهم في التوراة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء ~~في المواضع الثلاثة على الغيبة حملا على قالوا وما قدروا، والباقون بالتاء ~~على الخطاب وتضمن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم للتوراة وذمهم على تجزئتها # PageV01P435 # بإبداء بعض انتخبوه وكتبوه في ورقات متفرقة وإخفاء بعض لا يشتهونه. وقوله ~~تعالى: # {وعلمتم} أي: على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {ما لم تعلموا أنتم ولا ~~آباؤكم} خطاب لليهود أي: علمتم زيادة على ما في التوراة وبيانا لما التبس ~~عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم، ونظيره أن هذا القرآن يقص على ~~بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون يذكرهم النعمة فيما عليهم على لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش. وقوله تعالى: {قل ~~الله} أنزله راجع إلى قوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} ~~أي: فإن أجابوك بأن الله أنزله فذاك وإلا فقل أنت الله أنزله إذ لا جواب ~~غيره {ثم ذرهم} أي: اتركهم {في خوضهم} أي: باطلهم {يلعبون} أي: يستهزؤن ~~ويسخرون، وفيه وعيد تهديد للمشركين وقال بعضهم: هذا منسوخ بآية السيف # وهذا} أي: القرآن {كتاب أنزلناه مبارك} أي: كثير الخير والبركة دائم ~~النفع يبشر المؤمنين بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية، وأصل ~~البركة النماء والزيادة وثبوت الخير {مصدق الذي بين يديه} أي: قبله من ~~الكتب الإلهية المنزلة من السماء على الأنبياء لأنها مشتملة على التوحيد ~~والتنزيه لله تعالى وعلى البشارة والنذارة فثبت بذلك كون القرآن مصدقا ~~لجميع الكتب المنزلة، وقوله تعالى: {ولينذر} قرأه شعبة بالياء على الغيبة ~~أي: لينذر الكتاب، والباقون بالتاء على الخطاب أي: ولتنذر يا محمد {أم ~~القرى} أي: أهل مكة وسميت أم القرى لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم ~~وأعظم القرى شأنا ولبعض المجاورين: # *فمن يلق في بعض القريات رحله ... فأم القرى ملقى رحالي ومنتابي* # وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها ms0725 أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس {ومن ~~حولها} أي: جميع البلاد والقرى التي حولها شرقا وغربا {والذين يؤمنون ~~بالآخرة يؤمنون به} لأن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ولا يزال الخوف يحمله ~~على النظر والتدبر حتى يؤمن بالنبي والكتاب والضمير يحتملهما ويحافظ على ~~الطاعة، وتخصيص الصلاة في قوله تعالى {وهم على صلاتهم يحافظون} لأنها عماد ~~الدين وعلم الإيمان ومن حافظ عليها كانت لطفا له في المحافظة على أخواتها. # {ومن} أي: لا أحد {أظلم ممن افترى} أي: اختلق {على الله كذبا} فزعم أن ~~الله بعثه نبيا كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي، أو اختلق عليه أحكاما كعمرو ~~بن لحي ومتابعيه {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} قال قتادة: نزلت في ~~مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وكان يسجع ويتكهن فادعى النبوة وزعم أن الله ~~تعالى أوحى إليه وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتشهدان أن مسيلمة نبي» قالا: نعم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» ~~وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«بينا أنا نائم إذا أوتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا علي ~~وأهماني فأوحى الله تعالى إلي أن أنفحهما فنفحتهما فطارا فأولتهما الكذابين ~~اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب» وفي لفظ ~~الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأيت في المنام كان في يدي ~~سوارين فأولتهما # PageV01P436 # كذابين يخرجان بعدي يقال لأحدهما مسيلمة صاحب اليمامة والعنسي صاحب ~~صنعاء» وقوله صلى الله عليه وسلم «فأوحى الله إلي أن أنفحهما» بالحاء ~~المهملة ومعناه الرمي والدفع من نفحت الدابة برجلها ويروى بالخاء المعجمة ~~من النفخ وهو قريب من الأول فأما مسيلمة الكذاب فإنه ادعى النبوة في ~~اليمامة وتبعه قوم من بني حنيفة وقتل في خلافة أبي بكر قتله وحشي قاتل حمزة ~~رضي الله تعالى عنهما وكان يقول: قتلت خير ms0726 الناس يعني: حمزة، وقتلت شر ~~الناس يعني: مسيلمة الكذاب، قتل الأول وهو كافر وقتل الثاني وهو مسلم، وأما ~~الأسود العنسي بالنون ويقال له: ذو الحمار، ادعى النبوة باليمن في آخر عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل في حياته صلى الله عليه وسلم قبل موته ~~بيومين وأخبر صلى الله عليه وسلم أصحابه بقتله، قتله فيروز الديلمي فقال ~~صلى الله عليه وسلم # «فاز فيروز بقتل الأسود العنسي» {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قال ~~السدي: نزلت في عبد الله بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فكان إذا أملى عليه صلى الله عليه وسلم سميعا بصيرا كتب عليما ~~حكيما وإذا أملى عليه عليما حكيما كتب غفورا رحيما فلما نزلت {ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين} (المؤمنين، 12) # أملاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان ~~فقال تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم «اكتبها هكذا ~~نزلت» فشك عبد الله بن سرح وقال لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي مثل ما ~~أوحي إليه فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام ~~فأسلم قبل فتح مكة حين نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقال ~~ابن عباس: ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله يريد المستهزئين وهو جواب ~~لقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا، قال العلماء: وقد دخل في حكم هذه الآية كل ~~من افترى على الله كذبا في ذلك الزمان وبعده لأن خصوص السبب لا يمنع عموم ~~الحكم # {ولو ترى} يا محمد {إذ الظالمون} حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه، أي: ولو ~~ترى الظالمين المذكورين {في غمرات} أي: شدائد {الموت} من غمره الماء إذا ~~غشيه فاستعير للشدة الغالبة {والملائكة باسطو أيديهم} أي: لقبض أرواحهم ~~كالمتقاضي الملازم لغريمه لا يفارقه، أو بالعذاب أو الضرب يضربون وجوههم ~~وأدبارهم يقولون لهم تعنيفا: {أخرجوا أنفسكم} إلينا لنقبضها. # فإن قيل: إنه لا قدرة لأحد على ms0727 إخراج روحه من بدنه فما فائدة هذا؟ أجيب: ~~بأنهم يقولون لهم: أخرجوها كرها لأن المؤمن يحب لقاء الله بخلاف الكافر، ~~وقيل: يقولون لهم: خلصوا أنفسكم من هذا العذاب إن قدرتم على ذلك فيكون هذا ~~القول توبيخا لهم لأنهم لا يقدرون على خلاص أنفسهم من العذاب في ذلك الوقت ~~{اليوم تجزون عذاب الهون} أي: الهوان {بما كنتم تقولون على الله غير الحق} ~~أي: كادعاء الولد والشريك له تعالى ودعوى النبوة والإيحاء كذبا {وكنتم عن ~~آياته تستكبرون} أي: تتكبرون عن الإيمان بها وجواب لو محذوف تقديره لرأيت ~~أمرا فظيعا. # {و} يقال لهم إذا بعثوا للحساب والجزاء {لقد جئتمونا فرادى} أي: منفردين ~~عن الأهل والمال والولد وسائر ما آثرتموه من الدنيا أو عن الأعوان والأوثان ~~التي زعمتم أنها شفعاؤكم وهو جمع فرد والألف للتأنيث ككسالى وفي هذا تقريع # PageV01P437 # وتوبيخ لهم لأنهم صرفوا هممهم في الدنيا إلى تحصيل المال والولد والجاه ~~وأفنوا أعمارهم في عبادة الأصنام فلم يغن عنهم ذلك شيئا يوم القيامة فبقوا ~~فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا {كما خلقناكم أول مرة} أي: حفاة عراة، ~~غرلا، روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قرأت هذه الآية فقالت يا رسول ~~الله واسوأتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا ~~ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال» وروي عنها أنها سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس حفاة عراة غرلا» أي: غير ~~مختونين، وفي رواية زيادة على ذلك بهما، قال الجوهري وغيره: أي: ليس معهم ~~شيء، قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت: الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى ~~بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأمر أشد أن يهمهم ذلك» {وتركتم ~~ما خولناكم} أي: ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة {وراء ~~ظهوركم} أي: في الدنيا فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكثرون {و} يقال لهم ~~توبيخا ms0728 {ما نرى معكم شفعاءكم} أي: الأصنام {الذين زعمتم أنهم فيكم} أي: في ~~استحقاق عبادتكم {شركاء} أي: لله وقوله تعالى: {لقد تقطع بينكم} قرأه نافع ~~وحفص والكسائي بنصب النون أي: لقد تقطع ما بينكم من الوصل، والباقون بالرفع ~~أي: لقد تقطع وصلكم والبين من الأضداد يستعمل للوصل والفصل {وضل} أي: ذهب ~~{عنكم ما كنتم تزعمون} أي: من أنها شفعاؤكم أو أن لا بعث ولا جزاء. # {إن الله فالق} أي: شاق {الحب} أي: عن النبات {والنوى} أي: عن النخل ~~وقيل: المراد الشق الذي في الحنطة والنواة، والحب جمع الحبة وهو اسم لجميع ~~البزور والحبوب من البر والشعير والذرة وكل مالم يكن له نوى والنوى جمع ~~نواة وهي كل ما لم يكن حبا كالتمر والمشمس وغيرهما، وقال الضحاك: فالق الحب ~~والنوى يعني خالق الحب والنوى {يخرج الحي من الميت} أي: كالإنسان من النطفة ~~والطائر من البيضة {ومخرج الميت من الحي} كالنطفة من الإنسان والبيضة من ~~الطائر. # تنبيه: مخرج معطوف على فالق كما قاله الزمخشري ويصح عطفه على يخرج لأن ~~عطف الاسم المشابه للفعل على الفعل صحيح كعكسه وهو عطف الفعل على الاسم ~~الشبيه بالفعل كقوله تعالى: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا} (الحديد، 18) # فأقرضوا معطوف على المصدقين لشبهه بالفعل لكونه اسم فاعل ومخرج شبيه ~~بالفعل لكونه اسم فاعل، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بتشديد الياء، ~~والباقون بالتخفيف {ذلكم} المحيي والمميت، هو {ا} الذي تحق له العبادة ~~{فأنى} أي: فكيف {تؤفكون} أي: تصرفون عن الحق فتعبدون غير الله الذي هو ~~خالق الأشياء، كلها، وقوله تعالى: # {فالق الإصباح} مصدر بمعنى الصبح أي: شاق عمود الصبح وهو أول ما يبدو من ~~النهار عن ظلمة الليل أو شاق ظلمة الأصباح وهو الغبش الذي عليه في آخر ~~الليل {وجاعل الليل سكنا} أي: يسكن فيه الخلق راحه لهم، قال ابن عباس: إذ ~~كل ذي روح يسكن فيه لأن الإنسان قد أتعب نفسه فاحتاج إلى زمان يستريح فيه ~~ليسكن فيه عن الحركة وذلك هو الليل، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ms0729 بنصب العين ~~واللام ولا ألف قبل العين على الماضي حملا على معنى المعطوف عليه # PageV01P438 # فإن فالق بمعنى فلق، والباقون بكسر العين ورفع اللام وألف قبل العين ~~وقوله تعالى: {والشمس والقمر} منصوبان بإضمار فعل دل عليه جاعل الليل أي: ~~وجعل الشمس والقمر {حسبانا} أي: حسابا للأوقات أو الباء محذوفة وهو حال من ~~مقدر أي: يجريان بحسبان كما في آية الرحمن وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى ما ~~تقدم ذكره في هذه الآية من الأشياء التي خلقها بقدرته وكمال علمه وهو ~~المراد بقوله: {تقدير العزيز العليم} فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم ~~إشارة إلى كمال علمه {وهو الذي جعل} أي: خلق {لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر} أي: في ظلمات الليل في البر والبحر وإضافتها إليهما ~~للملابسة أو في مشتبهات الطرق وسماها ظلمات على الاستعارة وهو إفراد لبعض ~~منافعها بالذكر بعدما أجملها بقوله: لكم، ومن منافعها أنها زينة للسماء كما ~~قال تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} ومنها رمي الشياطين كما قال ~~تعالى: {وجعلناها رجوما للشياطين} (الملك، 5) # {قد فصلنا} أي: بينا {الآيات} أي: الدالات على قدرتنا وتوحيدنا {لقوم ~~يعلمون} أي: يتدبرون فإنهم المنتفعون به # {وهو الذي أنشأكم} أي: خلقكم {من نفس واحدة} أي: من آدم عليه الصلاة ~~والسلام فهو أبو البشر كلهم وحواء مخلوقة منه وعيسى أيضا لأن ابتداء خلقه ~~من مريم وهي من بنات آدم فثبت أن جميع البشر من آدم عليه السلام {فمستقر ~~ومستودع} أي: فمستقر في الرحم ومستودع في القبر إلى أن يبعث أو فمستقر في ~~أرحام الأمهات ومستودع في أصلاب الآباء، قال سعيد بن جبير: قال لي ابن ~~عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: أما إنه ما كان مستودعا في ظهرك فسيخرجه ~~الله عز وجل أو مستقر في الرحم ومستودع فوق الأرض قال تعالى: {ونقر في ~~الأرحام ما نشاء} أو فمستقر على وجه الأرض ومستودع عند الله في الآخرة أو ~~فمستقر في القبر ومستودع في الدنيا وكان الحسن يقول: يا ابن آدم أنت وديعة ~~في أهلك يوشك ms0730 أن تلحق بصاحبك أو فمستقر في القبر ومستودع في الجنة أو النار ~~قال تعالى في صفة الجنة: حسنت مستقرا وفي صفة النار وساءت مستقرا، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بكسر القاف على اسم الفاعل والمستودع مفعول أي: فمنكم قار ~~ومنكم مستودع لأن الاستقرار من الله تعالى دون الاستيداع لأن الاستقرار في ~~الأصلاب أو فوق الأرض، لا صنع للعبد فيه بخلاف الاستيداع في الأرحام أو تحت ~~الأرض، والباقون بالنصب {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} أي: يفهمون ما يقال ~~لهم ذكر مع ذكر النجوم يعلمون لأن أمرها ظاهر وذكر مع تخليقه بني آدم ~~يفقهون لأن إنشاءهم من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض ~~يحتاج إلى استعمال فطنة وتدقيق نظر {وهو الذي أنزل من السماء ماء} أي: مطرا ~~وهو من السحاب أو من جانب السماء، وقيل: إن الله تعالى ينزله من السماء إلى ~~السحاب ثم من السحاب إلى الأرض {فأخرجنا به} أي: بالماء وفي ذلك التفات حيث ~~لم يقل فأخرج على وفق أنزل {نبات كل شيء} أي شيء ينبت وينمو من جميع أصناف ~~النبات فالسبب واحد وهو الماء والمسيبات صنوف متفرقة كما قال تعالى: {يسقى ~~بماء واحد # ونفضل بعضها على بعض في الأكل} (الرعد، 4) # {فأخرجنا منه} أي: من النبات أو الماء {خضرا} أي: شيئا أخضر يقال: أخضر ~~وخضر مثل أعور وعور والأخضر هو جميع البقول والزروع والبقول الرطبة {نخرج ~~منه} # PageV01P439 # أي: الخضر {حبا متراكبا} أي: يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة والشعير ~~والأرز والذرة وقوله تعالى: {ومن النخل} خبر مقدم ويبدل منه {من طلعها} وهو ~~أول ما يخرج منها والمبتدأ {قنوان} أي: عراجين {دانية} أي: قريبة من ~~التناول يتناولها النائم والقاعد أو قريب بعضها من بعض وإنما اقتصر على ~~ذكرها عن مقابلها وهي البعيدة لدلالتها عليها كقوله تعالى {سرابيل تقيكم ~~الحر} (النحل، 81) # أي: والبرد واكتفى بذكر أحدهما وحكمة تخضيص دانية بالذكر زيادة النعمة ~~فيها وقوله تعالى: {وجنات} عطف على نبات كل شيء أي: وأخرجنا به بساتين {من ~~أعناب} وقوله تعالى: {والزيتون والرمان} ms0731 عطف أيضا على نبات أي: وأخرجنا به ~~شجر الزيتون والرمان {مشتبها وغير متشابه} قال قتادة: معناه مشتبها ورقها ~~مختلفا ثمرها لأن ورق الزيتون يشتبه ورق الرمان، وقيل: مشتبها في النظر ~~مختلفا في الطعم والله سبحانه ذكر في هذه الآية أربعة أنواع من الشجر بعد ~~ذكر الزرع وقدم الزرع على سائر الأشجار لأن الزرع غذاء وثمار الأشجار فواكه ~~والغذاء مقدم على الفواكه وقدم النخل على غيرها لأن ثمرها يجري مجرى الغذاء ~~وفيها من المنافع والخواص ما ليس في غيرها من الأشجار قال بعضهم وليس لنا ~~أنثى من الشجر تحتاج إلى ذكر غير النخل أي: في تطييب ثمرها وذكر العنب عقب ~~النخل لأنه من أشرف أنواع الفواكه ثم ذكر عقبه الزيتون لما فيه من البركة ~~والنفع ثم ذكر بعده الرمان لما فيه من المنافع أيضا {انظروا} أيها ~~المخاطبون نظر اعتبار {إلى ثمره} قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم، ~~والباقون بالنصب، وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب {إذا أثمر} أي: حين ~~يبدو من أكمامه ضعيفا قليل النفع أو عديمه {و} انظروا إلى {ينعه} أي: إلى ~~إدراكه إذا أدرك وحان قطفه كيف يصير ذا نفع ولذة والمعنى انظروا نظر ~~استدلال واعتبروا كيف أخرج الله هذه الثمرة اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة ~~اليابسة وهو قوله تعالى: {إن في ذلكم لآيات} أي: دلالات على قدرته تعالى ~~على البعث وغيره فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المفننة من أصل واحد ~~ونقلها من حال إلى حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها ويرجح ما ~~تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه أو ضد ~~يعانده وخص المؤمنين بالذكر بقوله: {لقوم يؤمنون} لأنهم المنتفعون بها ~~بخلاف الكافرين ولذلك عقبه بتوبيخ من # أشرك به والرد عليه فقال تعالى: # {وجعلوا شركاء الجن} أي: الشياطين لأنهم أطاعوهم في عبادة الأوثان ~~فجعلوها شركاء الله. # فإن قيل: لله مفعول ثان لجعلوا وشركاء مفعول أول ويبدل منه الجن فما ~~فائدة التقديم؟ أجيب: بأن فائدته استعظام أن يتخذ لله شريك من ms0732 جن أو إنس أو ~~ملك فلذلك قدم اسم الله تعالى على الشركاء، وقيل: المراد بالجن الملائكة ~~بأن عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله وسماهم جنا لاجتنانهم تحقيرا ~~لشأنهم، وقال الكلبي: نزلت في الزنادقة أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق ~~فقالوا: الله خالق النور والناس والدواب والأنعام وإبليس خالق الظلمة ~~والسباع والحيات والعقارب فيقولون: هو شريك الله في تدبير هذا العالم فما ~~كان من خير فمن الله وما كان من شر فمن إبليس تعالى الله عن قولهم علوا ~~كبيرا وقوله تعالى: {وخلقهم} حال بتقدير قد والضمير إما أن يعود إلى الجن ~~فيكون المعنى والله خلق الجن فكيف # PageV01P440 # يكون شريك الله عز وجل محدثا مخلوقا وإما أن يعود إلى الجاعلين لله شركاء ~~فيكون المعنى وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون شيئا وهذا كالدليل ~~القاطع بأن المخلوق لا يكون شريكا لله وكل ما في الكون محدث مخلوق والله ~~تعالى خالق لجميع ما في الكون فامتنع أن يكون لله شريك في ملكه {وخرقوا} ~~قرأه نافع بتشديد الراء، والباقون بالتخفيف، أي: اختلقوا {له بنين وبنات ~~بغير علم} وهو قول أهل الكتابين في المسيح وعزير وقول قريش في الملائكة ~~يقال: خلق الإفك وخرقه واختلقه واخترقه بمعنى وسئل الحسن عنه فقال: كلمة ~~غريبة كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له ~~بعضهم: قد خرقها والله {سبحانه} تنزيها له {وتعالى عما يصفون} بأن له شريكا ~~أو ولدا # {بديع السموات والأرض} أي: مبتدعهما من غير سبق مثال ورفع بديع على الخبر ~~والمبتدأ محذوف أي: هو بديع أو على الابتداء والخبر {أنى يكون له ولد} أي: ~~من أين يكون له ولد {ولم تكن له صاحبة} يكون منها الولد لأن الولد لا يكون ~~إلا من صاحبة أنثى {وخلق كل شيء} أي: من شأنه أن يخلق {وهو بكل شيء عليم} ~~لا تخفى عليه خافية، وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: الأول: إنه ~~مبدع السموات والأرض وهي أجسام عظيمة من جنس ما يوصف بالولادة لكونها ~~مخلوقة لا ms0733 يستقيم أن توصف بالولادة لاستمرارها وطول مدتها ومخترع الأجسام ~~لا يكون جسما حتى يكون والدا، الثاني: أن الولادة لا تكون إلا من ذكر وأنثى ~~مجانسين وهو متعال عن مجانس فلم يصح أن تكون له صاحبة فلم تصح الولادة، ~~والثالث: أنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به ومن كان بهذه الصفة كان ~~غنيا عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج، وقوله تعالى: # {ذلكم} إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات وهو مبتدأ وقوله تعالى: ~~{الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء} أخبار مترادفة ويجوز أن يكون البعض ~~في غير الله تعالى بدلا أو صفة لأن الله تعالى أول وليس بصفة والبعض خبرا ~~وقوله تعالى: {فاعبدوه} مسبب عن مضمون ذلك فإن من استجمع هذه الصفات استحق ~~العبادة {وهو على كل شيء وكيل} أي: وهو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من ~~الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال فيجازي عليها {لا تدركه الأبصار} جمع بصر ~~وهي حاسة النظر وقد يقال للعين من حيث إنها محلها والإدراك إحاطة بكنه ~~الشيء وحقيقته وتمسك بظاهر هذه الآية قوم من أهل البدع وهم الخوارج ~~والمعتزلة وبعض المرجئة وقالوا: إن الله تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه ~~وإن رؤيته مستحيلة عقلا لأن الله تعالى أخبر أن الأبصار لا تدركه وإدراك ~~البصر عبارة عن الرؤية إذ لا فرق بين قولك أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت ~~بذلك أن لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار وهذا يفيد العموم ومذهب ~~أهل السنة إن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة واستدلوا لمذهبهم ~~بأشياء من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من السلف فمن الكتاب ~~قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة 22، 23) # ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وقال تعالى: ~~{كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} (المطفقين، 15) # قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: حجب قوما بالمعصية وهي الكفر فثبت أن ~~قوما يرونه بالطاعة وهي الإيمان، وقال مالك # PageV01P441 # رضي الله تعالى عنه: ms0734 لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله ~~تعالى الكفار بالحجاب وقال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس، 26) # وهذه الزيادة مفسرة بالنظر إلى الله تعالى يوم القيامة ومن السنة ما روي ~~عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم عيانا كما ~~ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها} (طه، 13) # ومنها أن ناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل تضامون في القمر ليلة البدر أي: هل ~~تشكون؟» قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإنكم ترونه كذلك» ~~وعن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه ~~مخليا به يوم القيامة؟ قال: «نعم» قلت: وما آية ذلك من خلقه؟ قال: «يا أبا ~~رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به؟» قلت: بلى، قال: «فالله ~~أعظم إنما هو خلق من خلق الله أي: القمر فالله أعظم وأجل» واحتج أهل السنة ~~أيضا على جواز رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة بقول كليم الله موسى عليه ~~السلام: {رب أرني أنظر إليك} (الأعراف، 143) # إذ لا يسأل نبي ما لا يجوز أو يمتنع وقد علق الله تعالى الرؤية على ~~استقرار الجبل بقوله تعالى: {فإن استقر مكانه فسوف تراني} (الأعراف، 143) # واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز وأما قول المتمسكين بظاهر ~~الآية وإن الإدراك بمعنى الرؤية فممنوع لأن الإدراك هو الوقوف على كنه ~~الشيء والإحاطة به والرؤية المعاينة وقد تكون المعاينة بلا إدراك قال الله ~~تعالى في قصة موسى عليه السلام: {قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا} ~~(الشعراء، 61) # وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم فنفى موسى عليه السلام ~~الإدراك ms0735 مع ثبوت الرؤية فالله تعالى يصح أن يرى من غير إدراك ولا إحاطة كما ~~يعرف في الدنيا ولا يحاط به قال تعالى: {ولا يحيطون به علما} فنفي الإحاطة ~~مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار وقال عطاء: كلت ~~أبصار، المخلوقين عن الإحاطة به، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~ومقاتل: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة، وظاهر هذا التسوية ~~بين الإدراك والرؤية ويدل على هذا التخصيص قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة ~~إلى ربها ناظرة} (القيامة، 22، 23) # فقوله: ناظرة مقيد بيوم القيامة ويكون هذا جمعا بين الآيتين {وهو يدرك ~~الأبصار} أي: يراها أو يحيط بها علما فلا يخفى عليه شيء ولا يفوته شيء {وهو ~~اللطيف الخبير} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اللطيف بأوليائه الخبير ~~بهم، # وقال الزهري: اللطيف الرفيق بعباده، وقيل: اللطيف الموصل الشيء بالرفق ~~واللين، وقيل: اللطيف الذي ينسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا. # {قد جاءكم بصائر} جمع بصيرة أي: حجج {من ربكم} تبصرون بها الهدى من ~~الضلالة والحق من الباطل {فمن أبصر} أي: عمل بالأدلة {فلنفسه} أي: خاصة ~~إبصاره لأنه خلصها من الضلال إلى الهدى {ومن عمي} أي: لم يهد بالأدلة ~~{فعليها} أي: خاصة عماه لأنه يضل فلا يضر إلا نفسه {وما أنا عليكم بحفيظ} ~~أي: برقيب لأعمالكم وإنما أنا منذر والله تعالى هو الرقيب عليكم يحفظ ~~أعمالكم ويجازيكم عليها. # {وكذلك} أي: كما بينا ما ذكر {نصرف} أي: نبين {الآيات} من حال # PageV01P442 # إلى حال في المعاني المتنوعة سالكين من وجوه البراهين بما يفوت القوى ~~ويعجز القدر ليعتبروا {وليقولوا} اعتذارا عند ظهور عجزهم {دارست} قرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بألف بين الدال والراء أي: ذاكرت أهل الكتاب، والباقون بغير ~~ألف أي: درست كتب الماضين وجئت بهذا منها، وقرأ ابن عامر بفتح السين وسكون ~~التاء من الدروس أي: هذه الآيات التي تتلوها علينا قديمة قد درست وانمحت ~~كقولهم: أساطير الأولين، وقيل: اللام فيه لام العاقبة أي: عاقبة أمرهم أن ~~يقولوا: دارست أي: قرأت ms0736 على غيرك، وقيل: قرأت كتب أهل الكتاب كقوله تعالى: ~~{فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص، 8) # {ولنبينه} أي: الآيات وذكر الضمير لأنها في معنى القرآن كأنه قيل: وكذلك ~~نصرف القرآن أو القرآن وإن لم يجر له ذكر لكونه معلوما أو إلى التبيين الذي ~~هو مصدر الفعل كقولهم: ضربته زيدا {لقوم يعلمون} فإنهم المنتفعون به. # وقوله تعالى: # {اتبع} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: اتبع يا محمد {ما أوحي إليك} ~~أي: القرآن فالزم العمل به، ثم أكد مدحه بقوله: {من ربك} أي: المحسن إليك ~~بهذا البيان، وقوله تعالى: {لا إله إلا هو} اعتراض أكد به إيجاب الاتباع ~~لما في كلمة التوحيد من التمسك بحبل الله والاعتصام به والإعراض عما سواه، ~~وقول البيضاوي: أو حال مؤكدة من ربك بمعنى منفردا في الألوهية مبني على ~~جواز تأكيد الجملة الفعلية بالإسمية وهو نادر {وأعرض عن المشركين} ولا ~~تحتفل بأقوالهم ولا تلتفت إلى رأيهم، ومن جعله منسوخا بآية السيف حمل ~~الإعراض على ما يعم الكف عنهم. # {ولو شاء الله} إيمانهم وعدم إشراكهم {ما أشركوا} وهذا نص صريح في أن ~~شركهم كان بمشيئة الله تعالى خلافا للمعتزلة في قولهم: لم يرد الله من أحد ~~الكفر والشرك والآية رد عليهم {وما جعلناك عليهم حفيظا} أي: رقيبا فتجازيهم ~~بأعمالهم {وما أنت عليهم بوكيل} أي: فتجبرهم على الإيمان وهذا قبل الأمر ~~بالقتال. # {ولا تسبوا الذين يدعون} أي: يعبدون {من دون الله} وهي الأصنام أي: ولا ~~تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح {فيسبوا الله عدوا} أي: ~~اعتداء وظلما {بغير علم} أي: جهلا منهم بالله وبما يجب أن يذكر به. # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يطعن في آلهتهم فقالوا: لتنتهين عن سب ~~آلهتنا أو لنهجون إلهك فنزلت وقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت ~~قريش: انطلقوا فلندخلن على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا ~~نستحيي أن نقتله بعد موته فتقول العرب: كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه، ~~فانطلق أبو سفيان وأبو ms0737 جهل وأبي بن خلف ومعهم جماعة إلى أبي طالب فقالوا: ~~يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد أذانا وآلهتنا فنحب أن تدعوه ~~وتنهاه عن ذكر آلهتنا وندعه وإلهه، فطلبه وقال: هؤلاء قومك وبنو عمك ~~يقولون: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك وقد أنصفك قومك فاقبل منهم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم «أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن ~~تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم» فقال أبو جهل: نعم وأبيك ~~لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟ قال: «قولوا لا إله إلا الله» فأبوا ~~ونفروا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فقال: «يا عم ما أنا بالذي ~~أقول غيرها» فقالوا: لتكفن عن سبك آلهتنا أو لنشتمنك ومن يأمرك، فنزلت. ~~وقيل: كان المسلمون يسبونها # PageV01P443 # فنهوا لئلا يكون سبهم سببا لسب الله تعالى وفيه دليل على أن الطاعة إذا ~~أدت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شر {كذلك} أي: كما ~~زينا لهؤلاء ما هم عليه من عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان ~~{زينا لكل أمة عملهم} أي: من الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم ~~عليه توفيقا وتخذيلا، وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث ~~قالوا: لا يحسن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه فهو الفعال لما يريد لا ~~يسئل عما يفعل {ثم إلى ربهم مرجعهم} في الآخرة {فينبئهم بما كانوا يعملون} ~~في الدنيا فيجازيهم به. # {واقسموا} أي: كفار مكة {با جهد أيمانهم} أي: غاية اجتهادهم فيها {لئن ~~جائتهم آية} أي: مما اقترحوه {ليؤمنن بها} . # روي أن قريشا قالوا: يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها ~~الحجر فينفجر منه الماء اثنتي عشرة عينا وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى ~~فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «أي شيء ~~تحبون؟» قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا وتبعث لنا بعض أمواتنا حتى نسأله عنك ~~أحق ما تقول أم باطل؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك ms0738 فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟» قالوا: نعم والله لئن فعلت ~~لنتبعنك أجمعين وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها ~~عليهم حتى يؤمنوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يجعل ~~الصفا ذهبا فجاء جبريل عليه السلام فقال: يا رسول الله لك ما شئت إن شئت ~~أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوا ليعذبنهم الله وإن شئت تركتهم حتى يتوب ~~تائبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بل يتوب تائبهم» فنزلت، قال ~~الله تعالى: {قل} لهم {إنما الآيات عند الله} ينزلها كيف يشاء وإنما أنا ~~نذير {وما يشعركم} أي: وما يدريكم أيها المسلمون بإيمانهم إذا جاءت فإنهم ~~كانوا يتمنون مجيء الآية طمعا في إيمانهم أي: أنتم لا تدرون ذلك {إنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون} لما سبق في علمي. # وقرأ أبو عمرو بسكون الراء، وروي عن الدوري اختلاس الضم وكسر الهمزة من ~~إنها ابن كثير وأبو عمرو على الابتداء وقالا: تم الكلام عند قوله تعالى: ~~{وما يشعركم} والباقون بالفتح فهي بمعنى لعل وهو شائع في كلام العرب: ائت ~~السوق أنك تشتري لنا شيئا، بمعنى لعلك، ومنه قول عدي بن زيد: # *أعاذل ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد* # أي: لعل منيتي. وقرأ ابن عامر وحمزة: لا تؤمنون، بالتاء خطابا للكفار، ~~والباقون بالياء على الغيبة. # {ونقلب أفئدتهم} أي: ونحول قلوبهم عن الحق فلا يفقهونه {و} نقلب ~~{أبصارهم} عن الحق فلا يبصرونه فلا يؤمنون لأن الله تعالى إذا صرف القلوب ~~والأبصار عن الإيمان بقيت على الكفر {كما لم يؤمنوا به} أي: بما أنزل من ~~الآيات {أول مرة} أي: التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ~~انشقاق القمر وغيره من المعجزات الباهرات. وقيل: معجزات موسى وغيره من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كقوله تعالى: {أولم يكفروا بما أوتي موسى من ~~قبل} (القصص، 48) . # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المرة الأولى دار الدنيا ms0739 أي: لوردوا ~~من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في ~~الدنيا قبل مماتهم كما قال تعالى: {ولو ردوا لعادوا # PageV01P444 # لما نهوا عنه} (الأنعام، 28) # {ونذرهم} أي: نتركهم {في طغيانهم} أي: ضلالهم {يعمهون} أي: يترددون ~~متحيرين لا نهديهم هداية المتقين. # {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى} كما اقترحوا {وحشرنا} أي: ~~جمعنا {عليهم كل شيء قبلا} قرأ نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء أي: ~~معاينة فشهدوا بصدقك، والباقون بضم القاف والباء جمع قبيل أي: فوجا فوجا ~~{ما كانوا ليؤمنوا} لما سبق في علم الله، وقوله تعالى: {إلا أن يشاء الله} ~~استثناء منقطع أي: لكن إن شاء الله إيمانهم فيؤمنون أو استثناء من أعم ~~الأحوال أي: لا يؤمنون في حال إلا حال مشيئة الله تعالى إيمانهم {ولكن ~~أكثرهم يجهلون} أي: إنهم لو أتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون بالله جهد ~~أيمانهم على ما لا يشعرون ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم لأن بعضهم معاند مع ~~أن مطلق الجهل يعمهم فيشمل المعاند أو لكن أكثر المسلمون يجهلون أنهم لا ~~يؤمنون فيتمنون نزول الآية طمعا في إيمانهم. # {وكذلك} أي: ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار الإنس والجن {جعلنا لكل نبي} ~~أي: ممن كان قبلك {عدوا} ويبدل منه {شياطين} أي: مردة {الإنس والجن} وفي ~~هذا دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الله ~~تعالى وخلقه {يوحي} أي: يوسوس {بعضهم} أي: الشياطين من النوعين {إلى بعض ~~زخرف القول} أي: مموهه من الباطل {غرورا} أي: لأجل أن يغروهم بذلك {ولو شاء ~~ربك} إيمانهم {ما فعلوه} أي: هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع عليها ~~وفي هذا دليل أيضا {فذرهم} أي: اترك الكفرة على أي حالة اتفقت {وما يفترون} ~~من الكفر وغيره مما زين لهم وهذا قبل الأمر بالقتال، وقوله تعالى: # {ولتصغى} عطف على غرورا إن جعل علة أي: ولتميل ميلا قويا {إليه} أي: ~~الزخرف الباطل {أفئدة} أي: قلوب {الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: ليس في ~~طبعهم الإيمان بها ms0740 لأنها غيب واهم لبلادتهم واقفون مع وهمهم ولذلك استولت ~~عليهم الدنيا التي هي من أصل الغرور أو متعلق بمحذوف أي: وليكون ذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا، والمعتزلة لما اضطروا فيه قالوا: اللام لام العاقبة وهو قول ~~الزمخشري في كشافه إن اللام للصيرورة {وليرضوه} أي: الزخرف الباطل لأنفسهم ~~{وليقترفوا} أي: يكتسبوا {ما هم مقترفون} من الآثام فيعاقبوا عليها ونزل ~~لما قال مشركوا قريش للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا وبينك حكما من ~~أحبار اليهود وإن شئت من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من ~~أمرك. # {أفغير الله} أي: قل لهم يا محمد أفغير الله {أبتغي} أي: أطلب {حكما} أي: ~~قاضيا بيني وبينكم {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب} أي: الأكمل المعجز وهو هذا ~~القرآن الذي هو تبيان لكل شيء {مفصلا} أي: مبينا فيه الحق من الباطل ~~{والذين آتيناهم الكتاب} أي: المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور ~~{يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} لما عندهم به من البشارة في كتبهم ولما له ~~من موافقتهم في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على ~~وجوه ترقق القلوب وتفيض الدموع وتصدع الصدور مع ما يزيد به على ما في كتبهم ~~من التفصيل بما يفهم المعارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام ~~السياسية وإنما وصف جميعهم بالعلم لأن أكثرهم يعلمون ومن لم يعلم فهو متمكن ~~بأدنى تأمل. وقيل: المراد مؤمنوا أهل الكتاب كعبد # PageV01P445 # الله بن سلام وأصحابه. وقرأ ابن عامر وحفص بفتح النون وتشديد الزاي، ~~والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي {فلا تكونن} يا محمد {من الممترين} أي: ~~الشاكين في أن علماء أهل الكتاب يعلمون أن هذا القرآن حق وأنه منزل من عند ~~الله، وقيل: فلا تكونن في شك مما قصصنا فيكون من باب التحريض فإنه صلى الله ~~عليه وسلم لم يشك قط، وقيل: الخطاب وإن كان في الظاهر للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا أن المراد به غيره أي: فلا تكونن أيها الإنسان السامع لهذا القرآن ~~في شك إنه منزل من عند الله ms0741 لما فيه من الإعجاز الذي لا يقدر على مثله إلا ~~الله تبارك وتعالى: # {وتمت كلمات ربك} أي: بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده، وقرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي بغير ألف بين الميم والتاء، والباقون بالألف {صدقا} في ~~الأخبار والمواعيد لا يقدر أحد أن يبدي في شيء منها خدشا بتخلف ما عن ~~مطابقة الواقع {وعدلا} أي: في الأقضية والأحكام ونصبهما على التمييز ويحتمل ~~الحال والمفعول له {لا مبدل لكلماته} بنقض أو خلف بل كل ما أخبرت به فهو ~~كائن لا محالة رضي من رضي وسخط من سخط، وقيل: المراد بالكلمات القرآن لا ~~مبدل له لا يزيد فيه المغيرون ولا ينقصون {وهو السميع} لكل ما يقال ~~{العليم} بكل ما يفعل. # {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} أي: دينه وأكثر أهل الأرض ~~كانوا على الضلالة، وقيل: الأرض مكة وذلك أن المشركين جادلوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة فقالوا للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم ~~تعبدون الله فكيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فنزلت، وقيل: لا ~~تطعهم في اعتقاداتهم الفاسدة فإنك إن تطعهم يضلوك عن سبيل الله أي: يضلوك ~~عن طريق الحق ومنهج الصدق ثم علل ذلك بقوله: {إن} أي: لأنهم ما {يتبعون} في ~~مجادلتهم لك {إلا الظن} وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق {وإن} أي: ما ~~{هم إلا يخرصون} أي: يكذبون على الله عز وجل فيما ينسبون إليه كاتخاذ الولد ~~وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه وتحليل الميتة وتحريم البحائر ونحو ذلك.F # {إن ربك هو} أي: لا غيره {أعلم} أي: عالم {من يضل عن سبيله وهو} أي: لا ~~غيره {أعلم} أي: عالم {بالمهتدين} فيجازي كلا منهم بما يستحقه. # وقوله تعالى: # {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحرمون ~~الحلال ويحللون الحرام والمعنى: كلوا مما ذكر اسم الله تعالى على ذبحه ولا ~~تأكلوا مما ذكر عليه اسم غيره تعالى أو مات حتف أنفه {إن كنتم بآياته ~~مؤمنين} أي: إن كنتم محققين الإيمان ms0742 فكلوا مما ذكر اسم الله عليه فإن ~~الإيمان يقتضي استباحة ما أحله الله تعالى واجتناب ما حرمه. # {وما لكم} أي: أي غرض لكم في {أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} من ~~الذبائح {وقد فصل} أي: بين {لكم ما حرم عليكم} أي: مما لم يحرم في آية حرمت ~~عليكم الميتة تفصيلا واضح البيان ظاهر البرهان، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر بضم الفاء وكسر الصاد والباقون بفتحهما، وقرأ نافع وحفص بفتح ~~الحاء والراء والباقون بضم الحاء وكسر الراء {إلا ما اضطررتم إليه} أي: مما ~~حرم عليكم فإنه أيضا حلال حال الضرورة {وإن كثيرا} من الذين يجادلونكم في ~~أكل الميتة ويحتجون عليكم في ذلك بقولهم: كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ~~ما قتل ربكم {ليضلون بأهوائهم} أي: بما تهوى أنفسهم من تحليل الميتة ~~وغيرها، وقرأ # PageV01P446 # عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء والباقون بفتحها {بغير علم} يعتمدونه في ~~ذلك، وقيل: المراد بذلك عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من بحر ~~البحائر وسيب السوائب وأباح الميتة وغير دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~{إن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي: الذين تجاوزوا الحق إلى الباطل والحرام إلى ~~الحلال. # {وذروا} أي: اتركوا {ظاهر الإثم وباطنه} أي: ما أعلنتم به وما أسررتم به ~~من الذنوب كلها، وقيل: المراد بظاهر الإثم أفعال الجوارح وبباطنه أفعال ~~القلوب فيدخل فيه الحسد والكبر والعجب وإرادة الشر للمسلمين ونحو ذلك، ~~وقيل: ظاهر الإثم الزناة في الحوانيت وباطنه المرأة يتخذها الرجل صديقة ~~فيأتيها سرا {إن الذين يكسبون الإثم} في الدنيا بارتكاب المعاصي {سيجزون} ~~في الآخرة {بما كانوا يقترفون} أي: يكسبون وظاهر هذا النص يدل على عقاب ~~المذنب ومذهب أهل السنة إنه إذا لم يتب فهو في خطر المشيئة إن شاء عاقبه ~~وإن شاء عفا عنه بفضله أما إذا تاب من الذنب توبة صحيحة لم يعاقب فإن ~~التائب من الذنب كمن لا ذنب له. # {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال ابن عباس: الآية في تحريم ~~الميتات ms0743 وما في معناها من المنخنقة وغيرها، وقال عطاء: الآية في تحريم ~~الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام، واختلف أهل العلم في ذبيحة ~~المسلم إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليها فذهب قوم إلى تحريمها سواء أتركت ~~التسمية عمدا أم نسيانا وهو قول ابن سيرين والشعبي واحتجوا بظاهر الآية ~~وذهب قوم إلى حلها مطلقا، ويروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الشافعي وأحمد ~~وذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامدا لم تحل أو ناسيا حلت وهو مذهب مالك، ~~ومن قال بالإباحة مطلقا قال المراد من الآية الميتات وما ذبح على غير اسم ~~الله بدليل قوله تعالى: {وإنه لفسق} أي: ما ذكر عليه اسم غير الله كما قال ~~تعالى في آخر السورة: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} إلى قوله: {أو فسقا ~~أهل لغير الله به} (الأنعام، 145) # والضمير لما ويجوز أن يكون للأكل الذي دل عليه لا تأكلوا واحتجوا أيضا في ~~إباحتها بما روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ~~قالوا: يا رسول الله إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان فلا ~~ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: «اذكروا أنتم اسم الله وكلوا» فلو ~~كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا من أكلها كالشك في ~~أصل الذبح {وإن الشياطين ليوحون} أي: يوسوسون {إلى أوليائهم} من الكفار ~~{ليجادلوكم} في تحليل الميتة بقولهم: تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ~~ما قتله الله وهذا يؤيد التأويل بالميتة {وإن أطعتموهم} أي: باستحلال ما ~~حرم {إنكم لمشركون} أي: مثلهم في الشرك، قال الزجاج: فيه دليل على أن كل من ~~أحل شيئا مما حرم الله أو حرم شيئا مما أحل الله فهو مشرك. # {أو من كان ميتا} أي: بالكفر {فأحييناه} أي: بالإيمان وإنما جعل الكفر ~~موتا لأنه جعل الإيمان حياة لأن الحي صاحب بصر يهتدي به إلى رشده، ولما كان ~~الإيمان يهدي إلى الفوز العظيم والحياة الأبدية شبه بالحياة، وقرأ نافع ~~بتشديد الياء والباقون بالتخفيف {وجعلنا ms0744 له نورا يمشي به في الناس} أي: ~~يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان، وقال قتادة: هو كتاب الله القرآن بينة ~~من الله مع المؤمن بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي {كمن مثله} أي: كمن هو # PageV01P447 # {في الظلمات} فمثل زائدة {ليس بخارج منها} وهو الكافر أي: ليس مثله. نزلت ~~هذه الآية في حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وأبي جهل بن هشام وذلك ~~إن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث فأخبر حمزة بما فعل أبو ~~جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد فأقبل غضبان حتى علا أبا ~~جهل بالقوس وهو يقول: يا أبا يعلى ما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسفه آلهتنا ~~وخالف آباءنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وقيل: في عمر بن الخطاب أو ~~عمار بن ياسر وأبي جهل. {كذلك} أي: كما زين للمؤمنين إيمانهم {زين للكافرين ~~ما كانوا يعملون} أي: من الكفر والمعاصي، قال أهل السنة: المزين هو الله ~~تعالى ويدل عليه قوله تعالى: زينا لهم أعمالهم وقالت المعتزلة: المزين هو ~~الشيطان ورد بالآية المذكورة. # {وكذلك} أي: كما جعلنا فساق أهل مكة أكابرها {جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها} أي: عظماءها، وأكابر جمع أكبر كأفضل وأفاضل وأسود وأساود وذلك سنة ~~الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم كما قال في قصة نوح: ~~{أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} (الشعراء، 111) # وجعل فساقهم أكابرهم {ليمكروا فيها} بالصد عن الإيمان وذلك أنهم أجلسوا ~~على طرق مكة أربع نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~يقولون لكل من يقدم: إياكم وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب فكان هذا مكرهم ~~{وما يمكرون إلا بأنفسهم} لأن وباله يحيق بهم {وما يشعرون} أي: وما لهم نوع ~~شعور بذلك. # {وإذا جاءتهم} أي: أهل مكة {آية} على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ~~{قالوا لن نؤمن} ms0745 به {حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي: من النبوة وذلك أن ~~الوليد بن المغيرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم لو كانت النبوة حقا لكنت ~~أولى بها منك لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا فنزلت، وقال مقاتل: نزلت في ~~أبي جهل حين قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان ~~قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه. # وقوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} استئناف للرد عليهم بأن ~~النبوة ليست بالنسب والمال وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله بها من يشاء ~~من عباده فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها وحيث مفعول به لفعل محذوف دل ~~عليه أعلم لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به أي: يعلم الموضع الصالح ~~لوضعها فيه فيضعها وهؤلاء ليسوا أهلا لها، وقرأ ابن كثير وحفص بنصب التاء ~~ورفع الهاء ولا ألف قبل التاء على التوحيد، والباقون بكسر التاء والهاء ~~وألف قبل التاء على الجمع {سيصيب الذين أجرموا} بقولهم ذلك {صغار} أي: ذل ~~وهوان {عند الله} يوم القيامة، وقيل: تقديره من عند الله {وعذاب} أي: مع ~~الصغار {شديد} أي: في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالنار {بما} أي: ~~بسبب ما {كانوا يمكرون} من صدهم الناس عن الإيمان وطلبهم ما لا يستحقونه. # بأن يقذف في قلبه نورا فينفسح له ويقبله. # ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر ~~فقال: «نور يقذفه الله في قلب المؤمن ينشرح له قلبه وينفسخ» قيل: فهو لذلك ~~أمارة، قال: «نعم الإنابة إلى # PageV01P448 # دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقي الموت» {ومن ~~يرد} أي: الله {أن يضله يجعل صدره ضيقا} أي: عن قبول الإيمان حتى لا يدخله، ~~وقرأ ابن كثير بسكون الياء، والباقون بتشديدها مع الكسر، وقوله تعالى: ~~{حرجا} قرأه نافع وأبو بكر بكسر الراء أي: شديد الضيق، والباقون بالفتح ~~وصفا للمصدر، وفي الآية دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة ms0746 الله وإرادته حتى ~~إيمان المؤمن وكفر الكافر {كأنما يصعد في السماء} أي: يشق عليه الإيمان كما ~~يشق عليه صعود السماء شبه مبالغته في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، ~~وقرأ ابن كثير بسكون الصاد وتخفيف العين من غير ألف بعد الصاد، وقرأ شعبة ~~بتشديد الصاد وتخفيف العين وألف بعد الصاد بمعنى يتصاعد {كذلك} أي: مثل ما ~~جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من أهل هذا الزمان {يجعل الله الرجس} أي: ~~العذاب أو الشيطان أي: يسلطه {على الذين لا يؤمنون} وقال الزجاج: الرجس في ~~الدنيا اللعنة وفي الآخرة العذاب. # {وهذا} أي: الدين الذي أنت عليه يا محمد {صراط} أي: طريق {ربك مستقيما} ~~لا عوج فيه ونصبه على الحال المؤكدة للجملة والعامل فيها معنى الإشارة {قد ~~فصلنا} أي: بينا {الآيات لقوم يذكرون} فيه إدغام التاء في الأصل في الذال ~~أي: يتعظون فيعلمون أن القادر على كل شيء هو الله عز وجل وأن كل ما يحدث من ~~خير أو شر فهو بقضائه وقدره وخلقه وإنه تعالى عالم بأحوال العباد حكيم عادل ~~فيما يفعل بهم وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون. # {لهم} أي: المتذكرين {دار السلام} هي الجنة وأضافها لنفسه في قول جميع ~~المفسرين فإن السلام كما قال الحسن هو الله تعالى تشريفا لهم أو {تحيتهم ~~فيها سلام} (يونس، 10) # أو أراد بها دار السلامة {عند ربهم} أي: ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنهها ~~غيره {وهو وليهم} أي: المتكفل بتولي أمورهم ولا يكلهم إلى أحد سواه {ما} ~~أي: بسبب ما {كانوا يعملون} من الأعمال الصالحة التي كانوا يتقربون بها ~~إليه في الدنيا. # {و} اذكر يا محمد {يوم نحشرهم} أي: الخلق {جميعا} أي: لا نترك منهم أحدا، ~~وقرأ حفص بالياء والباقون بالنون، وقوله تعالى: {يا معشر الجن} فيه حذف ~~تقديره ويقال لهم: يا معشر الجن، والمعشر الجماعة والمراد من الجن الشياطين ~~{قد استكثرتم من الإنس} أي: من إضلالهم وإغوائهم حتى صار أكثرهم أتباعكم ~~{وقال أولياؤهم} أي: الذين أطاعوهم {من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} أي: ms0747 ~~انتفع الإنس بتزيين الجن لهم الشهوات والجن بطاعة الإنس لهم {وبلغنا أجلنا ~~الذي أجلت لنا} أي: إن ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين ووقت محدود ثم ذهب ~~وبقيت الحسرة والندامة قال الحسن: الأجل الموت، وقيل: هو وقت البعث للحساب ~~في القيامة {قال} الله تعالى على لسان الملائكة لهؤلاء الذين استمتع بعضهم ~~ببعض من الجن والإنس {النار مثواكم} أي: مأواكم {خالدين فيها} أي: إلى ما ~~لا آخر له فإن الجزاء من جنس العمل {إلا ما شاء الله} أي: من الأوقات التي ~~ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير. # فقد روي أنهم يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض ~~فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم، وقيل: إلا ما شاء الله قبل الدخول قدر ~~مدة بعثهم ووقوفهم للحساب وقال ابن عباس: الاستثناء يرجع إلى قوم سبق في ~~علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار، قال البغوي: فما بمعنى من # PageV01P449 # على هذا التأويل {إن ربك حكيم} في صنعه {عليم} بعواقب أمور خلقه وما هم ~~صائرون إليه. # {وكذلك} أي: كما متعنا عصاة الإنس والجن بعضهم ببعض {نولى} من الولاية ~~{بعض الظالمين بعضا} أي: على بعض. # روي عن ابن عباس في تفسيرها: هو أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى ~~أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم {بما} أي: بسبب ما ~~{كانوا يكسبون} من الكفر والمعاصي. # {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} أي: من مجموعكم وهم الإنس إذ ~~الرسل منهم خاصة ولكن لما جمع الجن مع الإنس في الخطاب صح ذلك ونظيره قوله ~~تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن، 22) # فإن ذلك يخرج من الملح دون العذب أو إن رسل الجن نذرهم الذين يسمعون كلام ~~الرسول فيبلغون قومهم كما قال تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} ~~(الأحقاف، 29) # الآية وتعلق بظاهر الآية قوم فقالوا: بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم ~~{يقصون عليكم آياتي} أي: يخبرون بما أوحي إليهم من آياتي الدالة على توحيدي ~~وتصديق رسلي {وينذرونكم لقاء يومكم ms0748 هذا} أي: ويحذرونكم لقاء عذابي في يومكم ~~هذا وهو يوم القيامة {قالوا شهدنا على أنفسنا} أي: اعترفوا بأن الرسل قد ~~أتتهم وبلغتهم رسالات ربهم وأنذرتهم لقاء يومهم هذا وإنهم كذبوا الرسل ولم ~~يؤمنوا بهم وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر قال الله تعالى: ~~{وغرتهم الحياة الدنيا} أي: إنما كان ذلك بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا ~~ومالوا إليها {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} أي: في الدنيا. # فإن قيل: كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية وجحدوا في آية أخرى ~~وهي قولهم: {وا ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام، 23) # أجيب: بتفاوت الأحوال والمواطن في ذلك اليوم المتطاول فيقرون في بعضها ~~ويجحدون في بعض آخر. # فإن قيل: لم كرر شهادتهم على أنفسهم؟ أجيب: بأن الأولى حكاية لقولهم: كيف ~~يقولون وكيف يعترفون؟ والثانية ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم فإنهم ~~اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى ~~كان عاقبة إمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام ~~للعذاب المخلد تحذيرا للسامعين عن مثل حالهم. # {ذلك} أي: إرسال الرسل {أن} أي: لأجل أن {لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} ~~أي: بسبب ظلم ارتكبوه {وأهلها غافلون} أي: لم يتنبهوا برسول يبين لهم. # {س6ش132/ش137 ولكل درجات مما عملوا?? وما ربك بغافل عما يعملون * وربك ~~الغنى ذو الرحمة? إن يشأ يذهبكم ويستخلف من? بعدكم ما يشآء كمآ أنشأكم من ~~ذرية قومءاخرين * إن ما توعدون ?ت? ومآ أنتم بمعجزين * قل ياقوم اعملوا? ~~على مكانتكم إنى عامل? فسوف تعلمون من تكون له? عاقبة الدار? إنه? يفلح ~~الظالمون * وجعلوا? لله مما ذرأ من الحرث وا?نعام نصيبا فقالوا? هاذا لله ~~بزعمهم وهاذا لشركآ??نا? فما كان لشركآ??هم ف يصل إلى الله? وما كان لله ~~فهو يصل إلى شركآ??هم? سآء ما يحكمون * وكذالك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركآؤهم ليردوهم وليلبسوا? عليهم دينهم? ولو شآء الله ما فعلوه? ~~فذرهم وما يفترون} # {ولكل} أي: من العاملين بطاعة أو معصية {درجات} أي: جزاء {مما عملوا} أي: ~~من خير ms0749 وشر إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر وإنما سميت درجات لتفاضلها في ~~الارتفاع والانخفاض كتفاضل الدرج {وما ربك بغافل عما يعملون} أي: عن شيء ~~يعمله أحد من الفريقين بل هو عالم بكل شيء من ذلك وبما يستحقه العامل من ~~ثواب أو عقاب، وقرأ ابن عامر بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة، والباقون ~~بالياء على الغيبة. # {وربك الغني} أي: الغنى المطلق عن كل عابد وعبادته فليعمل العامل لنفع ~~نفسه أو ضرها {ذو الرحمة} أي: التجاوز عن خلقه فمن رحمته إرسال الرسل ~~وتأخير العذاب عن المذنبين لعلهم يتوبون ويرجعون {إن يشأ يذهبكم} يا أهل ~~مكة بالإهلاك ففيه وعيد وتهديد لهم {ويستخلف من بعدكم} أي: بعد إهلاككم {ما ~~يشاء} أي: خلقا غيركم أمثل وأطوع منكم {كما أنشأكم من ذرية} أي: نسل {قوم # PageV01P450 # آخرين} أذهبهم لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام ~~ولكنه أبقاكم رحمة بكم. # {إنما توعدون} من مجيء الساعة والبعث بعد الموت والحشر للحساب يوم ~~القيامة {لآت} لا محالة {وما أنتم بمعجزين} أي: فائتين عذابنا. # {قل} يا محمد لقومك من كفار قريش {يا قوم اعملوا على مكانتكم} أي: حالتكم ~~التي أنتم عليها {إني عامل} على حالتي التي أنا عليها والمعنى: اثبتوا على ~~كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والتهديد بصيغة ~~الأمر مبالغة في الوعيد {فسوف تعلمون} غدا في القيامة {من} موصولة مفعول ~~العلم {تكون له عاقبة الدار} أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أنحن أم ~~أنتم {إنه لا يفلح} أي: يسعد {الظالمون} أي: الكافرون. # {وجعلوا} أي: كفار مكة {مما ذرأ} أي: خلق {من الحرث} أي: الزرع {والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا بزعمهم وهذا لشركائنا} وذلك أن المشركين كانوا يجعلون لله ~~من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا وللأوثان نصيبا فما جعلوه ~~لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام ~~وخدمها فإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان ~~وقالوا: إنها محتاجة وكان إذا هلك وانتقص شيء مما ms0750 جعلوه لله لم يبالوا به ~~وإذا هلك شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله فذلك قوله تعالى: {فما ~~كان لشركائهم} أي: ما جعلوه لها من الحرث والأنعام {فلا يصل إلى الله} أي: ~~لجهته فلا يعطونه للمساكين ولا ينفقونه على الضيفان {وما كان فهو يصل إلى ~~شركائهم} وفي قوله تعالى: {مما ذرأ} تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا مع ~~الخالق تعالى في خلقه جمادا لا يقدر على شيء ثم رجحوه عليه بأن جعلوا ~~الزاكي له. وفي قوله تعالى: {بزعمهم} تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه لم ~~يأمرهم الله تعالى به، وقرأ الكسائي برفع الزاي والباقون بالنصب {ساء} أي: ~~بئس {ما يحكمون} حكمهم هذا. # {وكذلك} أي: ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم ~~شركاؤهم {زين لكثير من المشركين قتل أولادهم} أي: بالوأد خشية الإملاق ~~{شركاؤهم} من الجن أو من السدنة أي: الخدمة، وقرأ غير ابن عامر بفتح الزاي ~~والياء ونصب لام قتل وكسر دال أولادهم وشركاؤهم بالواو مضمومة الهمزة على ~~أنه فاعل، وقرأ ابن عامر بضم الزاي وكسر الياء ورفع لام قتل ونصب دال ~~أولادهم وشركائهم بالياء مكسورة الهمزة بإضافة القتل إليه مفصولا بينهما ~~بمفعوله قال البيضاوي تبعا للزمخشري: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورة ~~الشعر. اه. # وقد أنكر جماعة على الزمخشري في ذلك بأن القراءة المذكورة صحيحة متواترة ~~وتركيبها صحيح في العربية فلا يجوز الطعن فيها ولا في ناقلها. قال ~~التفتازاني: وهذا على عادته يطعن في متواتر القراآت السبع ويسند الخطأ تارة ~~إليهم كما هنا وتارة إلى الرواية عنهم وكلاهما خطأ لأن القراآت متواترة، ~~وكذا الروايات عنهم، وأطال في بيان ذلك وقال ابن مالك في كافيته: إضافة ~~المصدر إلى الفاعل مفصولا بينهما بمفعول المصدر جائزة في الاختيار إذ لا ~~محذور فيها مع أن الفاعل كجزء من عامله فلا يضر فصله وإضافة القتل إلى ~~الشركاء لأمرهم {ليردوهم} أي: ليهلكوهم بذلك الفعل الذي أمروهم به، ~~والإرداء في اللغة الإهلاك، وقال ابن عباس: ليردوهم، # PageV01P451 # في النار {وليلبسوا} أي: وليخلطوا {عليهم ms0751 دينهم} قال ابن عباس: ليدخلوا ~~عليهم الشك في دينهم وكان على دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ~~فوضعوا لهم هذه الأصنام وزينوها لهم {ولو شاء الله} عصمة هؤلاء من ذلك ~~القبيح الذي زين لهم {ما فعلوه} فجميع الأشياء بمشيئته وإرادته {فذرهم} أي: ~~اتركهم يا محمد {وما يفترون} أي: وما يختلقون من الكذب على الله فإن الله ~~لهم بالمرصاد، وفي ذلك تهديد لهم كما مر. # أي: المشركون سفها وجهلا {هذه} إشارة إلى قطعة من أموالهم عينوها لآلهتهم ~~{أنعام وحرث حجر} أي: حرام محجور عليه لا يصل أحد إليه وهو وصف يستوي فيه ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات {لا ~~يطعمها} أي: لا يأكل منها {إلا من نشاء} أي: من خدمة الأوثان والرجال دون ~~النساء {بزعمهم} أي: لا حجة لهم فيه {وأنعام حرمت ظهورها} أي: فلا يركبونها ~~كالبحائر والسوائب والحوامي {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} أي: عند ~~ذبحها وإنما كانوا يذكرون عليها اسم الأصنام، وقيل: لا يحجون عليها ولا ~~يركبونها لفعل خير لأن العادة لما جرت بذكر الله على الخير ذم هؤلاء على ~~ترك فعل الخير ونسبوا ما فعلوه إلى الله تعالى {افتراء عليه} أي: اختلافا ~~وكذبا إنه أمرهم بها {سيجزيهم} أي: بوعد صادق لا خلف فيه {بما} أي: بسبب ما ~~{كانوا يفترون} .u # {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام} أي: أجنة البحائر والسوائب وقوله تعالى: ~~{خالصة} حلال {لذكرونا} أي: خاصة بهم دون الإناث كما قال تعالى: {ومحرم على ~~أزواجنا} أي: النساء، وحذف الهاء من محرم إما حملا على اللفظ أو تخفيفا لأن ~~المراد بخالصة المبالغة {وإن يكن} أي: ما في بطونها {ميتة فهم فيه شركاء} ~~أي: الذكور والإناث فيه سواء أي: أن ما ولد منها حيا فهو للذكور دون الإناث ~~وما ولد منها ميتا أكله الذكور والإناث جميعا، وقرأ ابن عامر وشعبة ~~بالتأنيث في تكن والباقون بالتذكير، وقرأ ابن كثير وابن عامر ميتة بالرفع ~~على أن تكن تامة والباقون بالنصب على أنها ناقصة {سيجزيهم} الله {وصفهم} ms0752 ~~أي: سيكافئهم على وصفهم بالكذب على الله تعالى بالتحليل والتحريم {إنه} أي: ~~الله {حكيم} في صنعه {عليم} بخلقه. # {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها} أي: جهلا {بغير علم} نزلت في ربيعة ~~ومضر وبعض من العرب من غيرهم كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي ~~والفقر، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك وسبب حصول هذه السفاهة هو قلة العلم ~~بل عدمه بأن الله هو رازق أولادهم لا هم لأن الجهل كان غالبا عليهم قبل ~~بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا سموا جاهلية، وسبب هذا الخسران أن ~~الولد نعمة عظيمة أنعم الله تعالى بها على الوالد فإذا تسبب في إزالة هذه ~~النعمة وإبطالها فقد استوجب الذم وخسر في الدنيا والآخرة، أما خسارته في ~~الدنيا فقد سعى في نقص عدده وإزالة ما أنعم الله تعالى به عليه وأما خسارته ~~في الآخرة فقد استوجب بذلك العذاب العظيم، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بتشديد ~~التاء والباقون بالتخفيف {وحرموا ما رزقهم الله} وتفضل به عليهم رحمة لهم ~~من تلك الأنعام والغلات بغير شرع ولا نفع بوجه {افتراء} أي: تعمدا للكذب ~~{على الله} وهذا أيضا من أعظم الجهالة لأن الجراءة على الله والكذب عليه من ~~أعظم الذنوب والكبائر ولهذا قال تعالى: {قد ضلوا} أي: في فعلهم عن # PageV01P452 # الحق والرشاد {وما كانوا مهتدين} أي: إلى طريق الحق والصواب في فعلهم. # روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إذا سرك أن تعلم جهل ~~العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام {قد خسر الذين قتلوا ~~أولادهم سفها} إلى قوله: {وما كانوا مهتدين} . # وروي عن مهدي بن ميمون أنه قال: سمعت بأرجاء العطاردي يقول: كنا نعبد ~~الحجر فإذا وجدنا حجرا أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر وإذا لم نجد حجرا ~~جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به فإذا دخل شهر ~~رجب قلنا: منصل الأسنة فلا ندع رمحا فيه حديدة ولا سهما فيه حديدة إلا ~~نزعناه فألقيناه في رجب. # {وهو الذي أنشأ} ms0753 أي: خلق {جنات} أي: بساتين {معروشات} أي: مبسوطات على ~~الأرض كالبطيخ والقثاء {وغير معروشات} بأن ارتفعت على ساق كالنخل وشجر ~~الرمان، وقال الضحاك: كلاهما في الكرم خاصة لأن منه ما يعرش بأن يبقى على ~~وجه الأرض منبسطا ومنه ما لم يعرش بأن يرتفع على ساق، وقيل: المعروشات ما ~~عرشه الناس في البساتين، واهتموا به فعرشوه من كرم وغيره، وغير المعروشات ~~هو ما أنبته الله تعالى في البراري والجبال من كرم أو شجر {و} أنشأ {النخل ~~والزرع مختلفا أكله} أي: ثمره وحبه في الهيئة والطعم منها الحلو والحامض ~~والجيد والرديء، والضمير للزرع والباقي مقيس عليه، أو للنخل والزرع داخل في ~~حكمه لكونه معطوفا عليه، أو للجميع على تقدير كل ذلك أو كل واحد منها، ~~ومختلفا حال مقدرة لأنه لم يكن كذلك عند الإنشاء، وقرأ نافع وابن كثير بجزم ~~الكاف، والباقون بالرفع {والزيتون والرمان متشابها} أي: ورقهما {وغير ~~متشابه} أي: في طعمهما، وقيل: متشابهين في المنظر مختلفين في الطعم. # ولما ذكر الله تعالى ما أنعم به على عباده من خلق هذه الجنات المحتوية ~~على أنواع الثمار ذكر ما هو المقصود الأصلي وهو الانتفاع بها فقال تعالى: ~~{كلوا من ثمره} أي: كل واحد من ذلك {إذا أثمر} أي: ولو قبل نضجه وهذا أمر ~~إباحة وأما قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} فالأمر فيه للوجوب والآية ~~مدنية والحق هو الزكاة المفروضة والأمر بإتيانها يوم الحصاد ليهتم به حينئذ ~~حتى لا يؤخره عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء وليعلم أن الوجوب بالإدراك لا ~~بالتنقيه، وقيل: الآية مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة فالحق ما كان يتصدق ~~به على المساكين يوم الحصاد وكان ذلك واجبا حتى نسخه افتراض العشر ونصف ~~العشر، وقرأ حمزة والكسائي برفع الثاء والميم من ثمره والباقون بنصبهما، ~~وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح حاء حصاده والباقون بكسرها ومعناهما ~~واحد {ولا تسرفوا} أي: بإعطاء كله فلا يبقى لعيالكم شيء. # روي أن ثابت بن قيس صرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك ms0754 لأهله ~~شيئا فنزلت {إنه لا يحب المسرفين} أي: المتجاوزين ما حد لهم، وفي ذلك وعيد ~~وزجر عن الإسراف في كل شيء، قال مجاهد: الإسراف ما قصرت به عن حق الله ~~تعالى وقالوا: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل أنفقه في طاعة الله تعالى لم يكن ~~مسرفا، ولو أنفق درهما واحدا أو مدا في معصية كان مسرفا وقوله تعالى: # {ومن الأنعام} عطف على جنات أي: وأنشأ من الأنعام {حمولة} أي: صالحة ~~للحمل عليها كالإبل الكبار والبغال {وفرشا} أي: تصلح للحمل كالإبل الصغار ~~والعجاجيل والغنم سميت فرشا لأنها كالفرش للأرض لدنوها منها، وقيل: هو ما ~~ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش {كلوا مما رزقكم الله} أي: # PageV01P453 # مما أحله لكم من هذه الأنعام والحرث {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي: ~~طرائقه في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية، وقرأ قنبل ~~وابن عامر وحفص والكسائي بضم الطاء والباقون بالسكون {إنه} أي: الشيطان ~~{لكم عدو مبين} أي: بين العداوة. # وقوله تعالى: # {ثمانية أزواج} أي: أصناف بدل من حمولة وفرشا والزوج لغة الفرد إذا كان ~~معه آخر من جنسه لا ينفك عنه فيطلق لفظ الزوج على الواحد كما يطلق على ~~الاثنين فيقال للذكر: زوج، وللأنثى: زوج {من الضأن} زوجين {اثنين} أي: ذكر ~~وأنثى والضأن ذوات الصوف من الغنم والذكر ضائن والأنثى ضائنة والجمع ضوائن ~~{ومن المعز} زوجين {اثنين} أي: ذكر وأنثى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ~~عامر بفتح العين والباقون بالسكون والمعز والمعزى جمع لا واحد له من لفظه ~~وهي ذوات الشعر من الغنم، وقال البغوي: جمع الماعز معيز وجمع الماعزة مواعز ~~{قل} يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ~~ذكورا أو إناثا أو مختلطة تارة ونسبوا ذلك لله تعالى {الذكرين} من الضأن ~~والمعز {حرم} الله عليكم {أم الأنثيين} منهما {أما} أي: أم حرم ما {اشتملت} ~~أي: انضمت {عليه أرحام الأنثيين} ذكرا كان أو أنثى {نبئوني} أي: أخبروني ~~{بعلم} عن كيفية ذلك بأمر معلوم من جهة الله تعالى ms0755 على تحريم ما حرمتم {إن ~~كنتم صادقين} في دعواكم والاستفهام للإنكار والمعنى: من أين جاء التحريم ~~فإن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام وإن كان من قبل الأنوثة فجميع ~~الإناث حرام أو من قبل اشتمال الرحم فالزوجان حرام فمن أين التخصيص. # تنبيه: اتفق القراء على أن في همزة الوصل وهي التي بين همزة الاستفهام ~~ولام التعريف وجهين وهما البدل والتسهيل والبدل هو مدها مبدلة والتسهيل هو ~~أن تقصرها مسهلة. # {ومن الإبل اثنين} ذكرا أو أنثى {ومن البقر اثنين} كذلك {قل} يا محمد ~~لهؤلاء الذين اختلفوا جهلا وسفها {آلذكرين حرم} الله عليكم {أم الأنثيين} ~~منهما {أما} أي: أم حرم ما {اشتملت} أي: انضمت {عليه أرحام} الأنثيين ذكرا ~~كان أو أنثى {أم كنتم} أي: بل أكنتم {شهداء} أي: حاضرين {إذ وصاكم الله ~~بهذا} أي: حين وصاكم بهذا التحريم إذا أنتم لا تؤمنون بي فلا طريق لكم إلى ~~معرفة أمثال ذلك إلا بالمشاهدة والسماع فكيف تثبتون هذه الأحكام وتنسبونها ~~إلى الله تعالى. # ولما احتج عليهم بهذه الحجة وبين أنه لا سند لهم في ذلك قال تعالى: {فمن} ~~أي: لا أحد {أظلم ممن افترى} أي: تعمد {على الله كذبا} كعمرو بن لحي فإنه ~~أول من بحر البحائر وسيب السوائب وغير دين إبراهيم عليه السلام ويدخل في ~~هذا الوعيد كل من كان على طريقته أو ابتدأ شيئا لم يأمر الله به ولا رسوله ~~ونسب ذلك إلى الله تعالى لأن اللفظ عام فلا وجه للتخصيص فكل من أدخل في دين ~~الله ما ليس منه فهو داخل في هذا الوعيد {ليضل الناس بغير علم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين} أي: لا يرشد ولا يوفق من كذب عليه وأضاف إليه ما لم ~~يشرع لعباده. # ولما بين سبحانه وتعالى فساد طريقة أهل الجاهلية وما كانوا عليه من ~~التحريم والتحليل من عند أنفسهم واتباع أهوائهم فيما أحلوه وحرموه من ~~المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في ذلك وبين أن التحريم والتحليل لا يكون ~~إلا بوحي سماوي وشرع نبوي فقال # PageV01P454 # تعالى: ms0756 # {قل} يا محمد لهؤلاء الجهلة الذين يحللون ويحرمون من عند أنفسهم {لا أجد ~~في ما أوحي إلي محرما} أي: طعاما محرما مما حرمتموه. # فائدة: في ما أوحي إلي في مقطوعة من ما في الرسم {على طاعم} أي طاعم كان ~~من ذكر أو أنثى {يطعمه} أي: يتناوله أكلا أو شربا أو داء أو غير ذلك {إلا ~~أن يكون} أي: ذلك الطعام {ميتة} وهي كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية، ~~وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة تكون بالتأنيث والباقون بالتذكير ورفع ميتة ~~ابن عامر على أن كان هي التامة، وعلى هذه القراءة يكون قوله تعالى: {أو دما ~~مسفوحا} عطفا على أن مع ما في حيزه أي: إلا وجود ميتة أو دما مسفوحا أي: ~~مصبوبا كالدم في العروق لا كالكبد والطحال {أو لحم خنزير فإنه} أي: الخنزير ~~{رجس} أي: نجس فالضمير يعود على المضاف إليه لأن اللحم دخل في قوله {ميتة} ~~وحينئذ ففي الآية دلالة على نجاسة الخنزير وهو حي فلحمه وكذا سائر أجزائه ~~بطريق الأولى ثم إني رأيت البقاعي في تفسيره جرى على ذلك وقوله تعالى: {أو ~~فسقا أهل لغير الله به} أي: ذبح على اسم غيره عطف على لحم خنزير وما بينهما ~~اعتراض للتعليل. # تنبيه: ظاهر الآية أن المحرمات محصورة في هذه الأربعة وأنه لا يحرم شيء ~~من سائر المطعومات والحيوانات غيرها وهي الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير ~~وما ذبح على اسم غير الله تعالى، ويروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وسعيد بن ~~جبير رضي الله تعالى عنهم لأنه ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات إلا ~~بوحي وثبت أن الله تعالى نص في هذه الآية على هذه الأربعة أشياء وقال تعالى ~~في (البقرة، 173) # {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله} وإنما ~~تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة للآية المكية في الحكم ولكن ~~الذي ذهب إليه جمهور العلماء أن التحريم لا يختص بهذه فقط بل المحرم ما كان ~~بنص كتاب أو سنة، وقد وردت ms0757 السنة بتحريم أشياء غير ذلك منها تحريم الحمر ~~الأهلية وكل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطيور وورد النهي عن أكل الهر ~~وأكل ثمنه ويحرم أيضا كل ما أمر بقتله كالحدأة والغراب الأبقع أو نهي عن ~~قتله كالهدهد والخفاش وما لا نص فيه بتحريم أو تحليل أو بما يدل على أحدهما ~~كالأمر بالقتل والنهي عنه إن استطابته عرب ذوو يسار وطباع سليمة حال رفاهية ~~حل وإن استخبثوه فلا يحل فإن اختلفوا في استطابته اتبع الأكثر فإن استووا ~~فقريش لأنهم قطب العرب وفيهم الفتوة فإن اختلفت أو لم تحكم بشيء اعتبر ~~الأشبه به من الحيوانات فإن استوى الشبهان أو لم يوجد ما يشبهه فحلال لهذه ~~الآية وما جهل اسمه عمل بتسمية العرب له مما هو حلال أو حرام. # ولما حرم الله تعالى هذه الأشياء أباح أكلها عند الاضطرار بقوله تعالى: ~~{فمن اضطر} أي: حصل له جوع خشي منه التلف {غير باغ} أي: على مضطر مثله {ولا ~~عاد} أي: ولا متجاوز قدر الضرورة، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي ~~بضم النون في الوصل والباقون بالكسر {فإن ربك غفور} لا يؤاخذه بالأكل ~~{رحيم} به حيث أباح له ذلك. # {وعلى الذين هادوا} أي: اليهود واليهود علم على قوم موسى عليه الصلاة ~~والسلام وسموا به اشتقاقا من هادوا أي: مالوا إما عن عبادة العجل وإما عن ~~دين موسى عليه السلام أو من هاد إذا رجع من خير إلى شر أو من شر إلى خير ~~لكثرة انتقالهم عن مذاهبهم وقيل: لأنهم يتهودون أي: # PageV01P455 # يتحركون عند قراءة التوراة وقيل: معرب من يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة ~~ثم نسب إليه فقيل: يهودي ثم حذف الياء في الجمع فقيل: يهود {حرمنا} أي: ~~بسبب ظلمهم عليهم {كل ذي ظفر} أي: ما هو كالإصبع للآدمي من دابة أو طير ~~وكان بعض ذوات الظفر حلالا لهم فلما ظلموا حرم عليهم فعم التحريم كل ذي ظفر ~~بدليل قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} ~~(النساء، 160) # {ومن البقر ms0758 والغنم} أي: التي هي ذوات الأظلاف {حرمنا عليهم شحومهما} أي: ~~الصنفين والمراد شحم الجوف وهو الثروب قال الجوهري: هو شحم قد غشي الكرش ~~والأمعاء رقيق ثم استثنى من الشحوم ما ذكره بقوله: {إلا ما حملت ظهورهما} ~~أي: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما {أو الحوايا} أي: ما حملته ~~الحوايا وهي الأمعاء التي هي متعاطفة ملوية جمع حوية فوزنها فعائل كسفينة ~~وسفائن، وقيل: جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء فهو فواعل {أو ما اختلط} أي: من ~~الشحوم {بعظم} مثل شحم الإلية فإن ذلك لا يحرم عليهم. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح وهو بمكة: «إن الله ورسوله حرم ~~بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم ~~الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال: «لا ~~هو حرام» أي: بيعها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قاتل الله ~~اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومهما أجملوه أي: أذابوه ثم باعوه ~~وأكلوا ثمنه» {ذلك} أي: التحريم العظيم وهو تحريم الطيبات {جزيناهم} به ~~{ببغيهم} أي: بسبب مجاوزتهم الحدود {وإنا لصادقون} أي: في الإخبار عما ~~حرمنا عليهم وعن بغيهم. # {فإن كذبوك} أي: اليهود يا محمد فيما أخبرناك به عنهم {فقل} لهم {ربكم ذو ~~رحمة واسعة} أي: بتأخير العذاب عنكم فلم يعاجلكم بالعقوبة في ذلك تلطفا ~~بدعائهم إلى الإيمان {ولا يرد بأسه} أي: عقابه {عن القوم المجرمين} إذا جاء ~~وقته وقيل: ذو رحمة واسعة للمطيعين وذو بأس شديد للمجرمين. # وقوله تعالى: # {سيقول الذين أشركوا} إخبار عن مستقبل وقوع مخبره يدل على إعجازه، ولما ~~لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم ~~يحرمه الله قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} ~~أرادوا أن يجعلوا قولهم: لو شاء الله ما أشركنا حجة لهم على إقامتهم على ~~الشرك وقالوا: إن الله قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن فيه حتى لا ~~نفعله فلولا ms0759 أنه رضي ما نحن فيه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك ~~فقال الله تعالى تكذيبا: لهم: {كذلك كذب الذين من قبلهم} أي: من كفار الأمم ~~الماضية {حتى ذاقوا بأسنا} أي: عذابنا ويستدل أهل القدر بهذه الآية يقولون: ~~إنهم لما قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا} كذبهم الله ورد عليهم فقال: {كذلك ~~كذب الذين من قبلهم} وأجاب أهل السنة بأن التكذيب ليس في قولهم لو شاء الله ~~ما أشركنا بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم: إن الله أمرنا بها ورضي ما نحن ~~عليه كما أخبر تعالى عنهم في سورة الأعراف {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها آباءنا وا أمرنا بها} (الأعراف، 28) # فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} ~~(الأعراف، 28) # والدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم: {لو شاء الله ما ~~أشركنا} قوله تعالى: {كذب الذين من قبلهم} بالتشديد ولو كان كذلك خبرا من ~~الله عن كذبهم في قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} لقال: كذب الذين من # PageV01P456 # قبلهم بالتخفيف وكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب، وقال الحسين بن ~~الفضل: لو ذكروا هذه المقالة تعظيما وإجلالا لله تعالى ومعرفة منهم لما ~~عابهم بذلك لأن الله تعالى قال: {ولو شاء الله ما أشركوا} (الأنعام، 107) # وقال تعالى: {وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} (الأنعام، 111) # والمؤمنون يقولون ذلك ولكن المشركين قالوا تكذيبا وتحريضا وجدلا من غير ~~معرفة بالله وبما يقولون نظيره قوله تعالى: {وقالوا لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم} (الزخرف، 20) # قال الله تعالى: {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} (الزخرف، 20) # وقد علم من ذلك أن أمر الله تعالى بمعزل عن مشيئته وإرادته فإن مريد ~~لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن ~~يتعلق بمشيئته فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد. # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين ما ذكر {هل عندكم} أيها الجهلة ~~{من علم} أي: من أمر معلوم يصح الاحتجاج به ms0760 على ما زعمتم من تحريم ما حرمتم ~~وإن الله راض بشرككم {فتخرجوه لنا} أي: فتنظروه لنا وتبينوه لنا كما بينا ~~لكم خطأكم {إن} أي: ما {تتبعون} في ذلك {إلا الظن} أي: فيما أنتم عليه ولا ~~علم عندكم {وإن أنتم إلا تخرصون} أي: وما أنتم في ذلك كله إلا تكذبون ~~وتقولون على الله تعالى الباطل. # {قل} لهم حين عجزوا عن إظهار الحجة {فلله الحجة البالغة} أي: التامة على ~~خلقه بإنزال الكتب وإرسال الرسل، قال الربيع بن أنس: لا حجة لأحد عصى الله ~~وأشرك به على الله ولكن لله الحجة البالغة على عباده {فلو شاء} الله ~~هدايتكم {لهداكم أجمعين} ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء هداية بعض وضلال بعض آخر ~~فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه لا يسئل عما يفعل. # {قل} لهم {هلم} أي: أحضروا {شهداءكم الذين يشهدون} لكم {إن الله حرم هذا} ~~أي: ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم ودعواهم أن الله أمرهم به، وهلم ~~اسم فعل لا يتصرف يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث عند ~~الحجازيين، وعند بني تميم فعل مؤنث ويثنى ويجمع {فإن شهدوا} أي: فإن تجرؤوا ~~على الشهادة كذبا {فلا تشهد معهم} أي: فاتركهم ولا تسلم لهم فإنهم على ضلال ~~وليست شهادتهم مستندة إلا إلى الهوى {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا} ~~إنما وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير ~~وإن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقا بها {و} لا تتبع أهواء {الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة} التي هي دار الجزاء فإنهم لو جوزوها ما اجترؤوا على ذلك {وهم ~~بربهم يعدلون} أي: يشركون فيجعلون له عديلا. # {قل} لهم {تعالوا} أي: أقبلوا علي {أتل} أي: أقرأ {ما حرم ربكم عليكم أن ~~لا تشركوا به شيئا} وذلك أنهم سألوا وقالوا: أي الذي حرم الله؟ فأمر الله ~~تعالى نبيه أن يبين لهم ذلك. # فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: {حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به} والمحرم ~~هو الشرك لا ترك الشرك؟ أجيب: بأن ms0761 موضع أن رفع أي: هو أن لا تشركوا، وقيل: ~~نصب واختلفوا في وجهه فقيل: معناه حرم عليكم أن تشركوا ولا صلة كقوله ~~تعالى: {ما منعك أن لا تسجد} (الأعراف، 12) # أي: ما منعك أن تسجد، وقيل: تم الكلام عند قوله: {حرم ربكم} ثم قال: ~~{عليكم أن لا تشركوا به شيئا} على وجه الإغراء، وقال الزجاج: يجوز أن يكون ~~هذا محمولا على المعنى أي: أتل عليكم تحريم الشرك وجائز أن يكون على معنى ~~أوصيكم أن لا تشركوا {وبالوالدين إحسانا} أي: فأحسنوا بهم إحسانا، وضعه ~~موضع النهي عن الإساءة إليهما للمبالغة وللدلالة # PageV01P457 # على أن ترك الإساءة في شأنهما غير كاف بخلاف غيرهما {ولا تقتلوا أولادكم ~~من إملاق} أي: من أجل فقر تخافونه، والمراد بالقتل وأد البنات وهن أحياء ~~وكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية فنهاهم الله تعالى عن ذلك وحرمه عليهم ~~وقوله تعالى: {نحن نرزقكم وإياهم} منع لموجبية ما كانوا يفعلونه لأجله ~~واحتجاج عليهم لأن الله تعالى إذا تكفل برزق الوالد والولد وجب على الوالد ~~القيام بحق الولد وتربيته والاتكال في أمر الرزق على الله {ولا تقربوا ~~الفواحش} أي: سائر المعاصي {ما ظهر منها وما بطن} أي: علانيتها وسرها، ~~وقيل: المراد الزنا علانيته وسره وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في ~~العلانية ولا يرون به بأسا في السر فحرم الله عز وجل الزنا في السر ~~والعلانية، وأجاب الأول بأن السبب إذا كان خاصا لا يمنع من حمل اللفظ على ~~العموم ثم صرح بالقتل لشدة أمره بالتخصيص بعد التعميم فقال: {ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله} عليكم قتلها {إلا بالحق} وهي التي أبيح قتلها بردة أو ~~قصاص أو زنا بعد إحصان وهو الذي يوجب الرجم أو نحو ذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم «لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ~~بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» ~~وقوله تعالى: {ذلكم} إشارة إلى ما ذكر مفصلا {وصاكم به} أي: أمركم به ~~وأوجبه عليكم {لعلكم تعقلون} ms0762 أي: تتدبرون ما في هذه التكاليف من الفوائد ~~والمنافع فإن كمال العقل هو التدبر.k # {ولا تقربوا مال اليتيم} أي: بنوع من أنواع عمل فيه أو غيره {إلا بالتي} ~~أي: بالخصلة التي {هي أحسن} بماله كحفظه وتنميته وتثميره ويستمر ذلك {حتى ~~يبلغ أشده} وهو سن يبلغ به أو إن حصول عقله عادة وهو البلوغ بالسن أو ~~الاحتلام أو عقل يحصل به رشده. # وقيل: الأشد من الثماني عشر إلى ثلاثين سنة، وقيل: إلى أربعين، وقيل: إلى ~~ستين {وأوفوا} أي: أتموا {الكيل والميزان بالقسط} أي: العدل من غير تفريط ~~ولا إفراط {لا نكلف نفسا إلا وسعها} أي: طاقتها في إيفاء الكيل والميزان لم ~~يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه ولا يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه حتى ~~لا تضيق نفسه عليه بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه، ~~وذكره عقب الأمر معناه: أن إيفاء الحق عسر فعليكم بما في وسعكم وما وراء ~~الوسع معفو عنه {وإذا قلتم} أي: في حكم، أو شهادة، أو غير ذلك {فاعدلوا} ~~فيه بالصدق {ولو كان} المقول له أو عليه {ذا قربى} أي: من ذوي قرابتكم ~~{وبعهد الله أوفوا} أي: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع ~~{ذلكم} أي: الذي ذكر في هذه الآيات {وصاكم} بالعمل {به لعلكم تذكرون} أي: ~~تتعظون فتأخذون بما أمرتكم به، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال ~~والباقون بالتشديد. # {وإن هذا} الذي وصيتكم به {صراطي مستقيما} والإشارة فيه إلى ما ذكر في ~~السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة، وقرأ ابن ~~عامر بتخفيف النون والباقون بالتشديد، وكسر الهمزة حمزة والكسائي على ~~الاستئناف وفتحها الباقون على تقدير اللام، وفتح الياء من صراطي ابن عامر ~~وسكنها الباقون، وتقدم مذهب قنبل في الصراط بالسين ومذهب خلف في إشمام ~~الصاد {فاتبعوه} أي: بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل ~~خير # PageV01P458 # {ولا تتبعوا السبل} أي: الطرق المخالفة لدين الإسلام {فتفرق} فيه حذف ~~إحدى التاءين أي: فتميل {بكم} ms0763 أي: هذه الطرق المضلة {عن سبيله} أي: طريقه ~~التي ارتضاها لعباده وبها أوصى {ذلكم} أي: الأمر العظيم من اتباعه {وصاكم ~~به لعلكم تتقون} الضلال والتفرق عن الحق. # روي «أنه صلى الله عليه وسلم خط خطا» ثم قال: «هذا سبيل الله» ثم خط ~~خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو ~~إليه، وقرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} » . # {ثم آتينا موسى الكتاب} أي: التوراة. # فإن قيل: ثم للترتيب وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء القرآن أجيب: بأن ~~ثم لترتيب الإخبار أي: ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب فدخل ثم لترتيب ~~الخبر لا لتأخير النزول، وقوله تعالى: {تماما} حال أي: لم ينقص الكتاب عما ~~يصلحهم شيئا {على} الوجه {الذي أحسن} أي: أتى بالإحسان فأثبت الحسن وجمعه ~~بما بين من الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك العام. # روي أن الله تعالى لم يهلك قوما هلاكا عاما بعد نزول التوراة، وقيل: ~~تماما على المحسنين من قوم موسى فيكون الذي بمعنى من أي: على من أحسن من ~~قومه وكان فيهم محسن ومسيء، وقيل: الذي أحسن هو موسى عليه السلام أي: ~~إتماما للنعمة عليه لإحسانه بالعبادة أو الذي بمعنى ما أي: ما أحسن، وقوله ~~تعالى: {وتفصيلا} عطف على تماما أي: وبيانا {لكل شيء} أي: يحتاج إليه في ~~الدين {وهدى} أي: فيه هدى من الضلالة {ورحمة} أي: إنزاله عليهم رحمة لهم ~~{لعلهم} أي: بني إسرائيل {بلقاء ربهم} أي: بالبعث والجزاء {يؤمنون} أي: ~~ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب لما يرون من حسن شرائعه وفخامة كلامه وجلالة ~~أمره حال من يرجو أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه وليذكروا ما أنعم به ~~عليهم من إخراجهم من مصر من العبودية والرق. # {وهذا} أي: القرآن {كتاب} أي: عظيم {أنزلناه} إليكم أي: بلسانكم حجة ~~عليكم {مبارك} أي: كثير الخير والنفع والبركة {فاتبعوه} أي: اتبعوا ما فيه ~~من الأوامر والنواهي والأحكام {واتقوا} الكفر {لعلكم ترحمون} أي: بواسطة ~~اتباعه وهو العمل بما فيه، ثم ms0764 بين تعالى المراد من إنزاله فقال: # {أن} أي: كراهة أن {تقولوا إنما أنزل الكتاب} أي: التوراة والإنجيل {على ~~طائفتين من قبلنا} أي: اليهود والنصارى {وإن كنا} أي: وقد كنا وإن هي ~~المخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة بينها وبين النافية في خبر ~~كان أي: وإنه كنا {عن دراستهم} قراءتهم لكتابهم قراءة مردودة {لغافلين} أي: ~~لا نعرف حقيقتها ولا ثبت عندنا حقيقتها ولا هي بلساننا. # {أو تقولوا} أي: أيها العرب لم نكن عن دراستهم غافلين بل كنا عالمين بها ~~ولكنه لا يجب اتباع الكتاب إلاعلى المكتوب إليه فلم نتبعه و {لو أنا} أهلنا ~~لما أهلوا له حتى {أنزل علينا الكتاب} أي: جنسه {لكنا أهدى منهم} أي: لما ~~لنا من الاستعداد بوفور العقل وحدة الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال ~~الأمزجة والإذعان للحق {فقد جاءكم بينة من ربكم} أي: القرآن فيه بيان وحجة ~~واضحة تعرفونها على لسان رجل منكم تعرفون أنه أولاكم بذلك {وهدى} من ~~الضلالة لمن تدبره {ورحمة} أي: وهو رحمة ونعمة أنعم بها عليكم فتأملوا فيه ~~واعملوا به {فمن} أي: لا أحد {أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف} أي: أعرض ~~{عنها} فضل وأضل {سنجزي الذين يصدفون # PageV01P459 # عن آياتنا} ولا يتوبون {سوء العذاب} أي: شدته {بما كانوا يصدفون} أي: ~~بسبب إعراضهم. # {هل ينظرون} أي: ما ينظر هؤلاء المكذبون {إلا أن تأتيهم الملائكة} أي: ~~لقبض أرواحهم أو بالعذاب، وقرأ حمزة والكسائي بالياء على التذكير والباقون ~~بالتاء على التأنيث {أو يأتي ربك} أي: أمره بالعذاب {أو يأتي بعض آيات} أي: ~~علامات {ربك} الدالة على الساعة كطلوع الشمس من مغربها، وعن حذيفة والبراء ~~بن عازب: «كنا نتذاكر الساعة إذ طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ما تتذاكرون؟ قلنا: كنا نتذاكر الساعة، فقال: «إنها لا تقوم حتى تروا ~~قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا ~~بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ~~ونارا تخرج من عدن» {يوم يأتي بعض آيات ربك} وهو طلوع الشمس من ms0765 مغربها كما ~~في حديث الصحيحين {لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل} صفة نفسا {أو} ~~نفسا لم تكن {كسبت في إيمانها خيرا} أي: طاعة لا ينفعها توبتها قال صلى ~~الله عليه وسلم «يدا الله مبسوطتان لمسيء الليل ليتوب بالنهار ولمسيء ~~النهار ليتوب بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها» وقال صلى الله عليه وسلم ~~«من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» وقال صلى الله عليه ~~وسلم «إن الله جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق ما ~~لم تطلع الشمس من قبله» وقال صلى الله عليه وسلم «ثلاث إذا أخرجن فلا ينفع ~~نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها» . # {قل انتظروا} بعض هذه الأشياء {إنا منتظرون} ذلك وحينئذ لنا الفوز عليكم ~~ولكم الويل {إن الذين فرقوا دينهم} أي: بددوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ~~وافترقوا فيه قال صلى الله عليه وسلم «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ~~كلها في الهاوية إلا واحدة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في ~~الهاوية إلا واحدة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا ~~واحدة» رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه وفي بعض الروايات قالوا: من ~~هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» وقرأ حمزة بتخفيف الراء وألف ~~قبلها والباقون بتشديدها ولا ألف {وكانوا شيعا} أي: فرقا مختلفة وهم اليهود ~~والنصارى في قول مجاهد وقتادة كأهل الكتاب فإنهم ابتدعوا في دينهم بدعا ~~أوصلتهم إلى تكفير بعضهم بعضا فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض وكالمجوس ~~الذين فرقوا دينهم باعتقاد أن إلا له إثنان النور والظلمة وعبدوا الأصنام ~~والنجوم وجعلوا لكل نجم قسما يتوسل به في زعمهم إليه، وقيل: هم أهل البدع ~~وأصحاب الأهواء من هذه الأمة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «يا عائشة إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا هم أهل البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمة» وعن العرباض بن ~~سارية قال: «صلى بنا رسول الله ms0766 صلى الله عليه وسلم الصبح فوعظنا موعظة ذرفت ~~منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع ~~فأوصنا قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإن من ~~يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل # PageV01P460 # بدعة ضلالة» . وروي: «إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى ~~الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها» {لست منهم في شيء} أي: من السؤال عنهم ~~فلا تتعرض لهم {إنما أمرهم إلى الله} يتولى جزاءهم {ثم ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون} فيجازيهم به وهذا منسوخ بآية السيف. # {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} أي: عشر حسنات أمثالها فضلا من الله ~~تعالى {ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها} أي: جزاءها قضية للعدل {وهم لا ~~يظلمون} أي: بنقص الثواب وزيادة العقاب، وما ذكر في أضعاف الحسنات هو أقل ~~ما عد من الأضعاف فقد قال صلى الله عليه وسلم «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل ~~حسنة يعملها تكتب له بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب ~~بمثلها حتى يلقى الله عز وجل» وقال صلى الله عليه وسلم «يقول الله عز وجل: ~~من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فله سيئة مثلها ~~وأغفر ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن لقيني بقراب أهل الأرض خطيئة ~~لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة» وقال صلى الله عليه وسلم «يقول الله ~~تبارك وتعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن ~~عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وإن عملها ~~فاكتبوها بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف» وقال ابن عمر رضي الله تعالى ~~عنهما: الآية في غير الصدقات من الحسنات، فأما الصدقات فإنها تضاعف سبعمائة ~~ضعف. # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} ~~بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج، وقرأ نافع ms0767 وأبو عمرو بفتح الياء ~~والباقون بالسكون، وقوله تعالى: {دينا} بدل من محل إلى صراط مستقيم، ~~والمعنى: وهداني صراطا كقوله تعالى: {ويهديكم صراطا مستقيما} (الفتح، 20) # {قيما} أي: مستقيما، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح القاف وكسر ~~الياء مشددة والباقون بكسر القاف وفتح الباء مخففة على أنه مصدر نعت به ~~وكان قياسه قوما فاعل لإعلال فعله كالقيام، وقوله تعالى: {ملة إبراهيم} عطف ~~بيان لدينا إذ الملة بالكسر لدين وإن فرق بينهما بأن الملة لا تضاف إلا إلى ~~النبي الذي تستند إليه، والدين لا تختص إضافته بذلك، وقوله تعالى: {حنيفا} ~~حال من إبراهيم أي: مائلا من الضلالة إلى الاستقامة والعرب تسمي كل مرجح أو ~~اختتن حنيفا تنبيها على أنه دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقوله تعالى: ~~{وما كان} إبراهيم صلى الله عليه وسلم {من المشركين} رد على كفار قريش ~~لأنهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم فأخبر الله تعالى أن إبراهيم لم يكن من ~~المشركين. # {قل} يا محمد {إن صلاتي ونسكي} أي: عبادتي من حج وغيره {ومحياي ومماتي} ~~أي: وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والطاعة أو طاعات الحياة ~~والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير أو الحياة والممات أنفسهما، ~~وقرأ نافع: ومحياي بسكون الياء بخلاف عن ورش إجراء للوصل مجرى الوقف ~~والباقون بالفتح، وفتح الياء من مماتي نافع وسكنها الباقون {رب العالمين} . # {لا شريك له} في ذلك {وبذلك} أي: وبهذا التوحيد {أمرت وأنا أول المسلمين} ~~أي: من هذه الأمة لأن إسلام كل نبي مقدم على إسلام أمته، وقرأ نافع بمد أنا ~~قبل الهمزة المفتوحة وقالون بالمد والقصر لأنها عنده مد منفصل والباقون لا ~~مد أصلا. # {قل} # PageV01P461 # يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك {أغير الله أبغي} أي: أطلب {ربا} أي: إلها ~~فأشركه في عبادتي وهذا جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم والهمزة للإنكار ~~أي: منكر أن أبغي ربا غيره {وهو رب كل شيء} فكل من دونه مربوب ليس في ~~الوجود من له الربوبية غيره كما قال تعالى: {قل أفغير الله ms0768 تأمروني أعبد ~~أيها الجاهلون} (الزمر، 64) # {ولا تكسب كل نفس} ذنبا {إلا عليها} أي: إثم الجاني عليه لا على غيره ~~وقوله تعالى: {ولا تزر} أي: ولا تحمل نفس {وازرة} أي: آثمة {وزر} نفس ~~{أخرى} جواب عن قولهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم {ثم إلى ربكم مرجعكم} ~~يوم القيامة {فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} في الدنيا فيتبين الرشد من ~~الغي والمحق من المبطل. # {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} جمع خليفة لأن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم أو يخلف بعضهم بعضا فيها أو هم خلفاء ~~الله تعالى في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} أي: ~~في الشرف والرزق {ليبلوكم} أي: ليختبركم {في ما آتاكم} أي: أعطاكم ليظهر ~~المطيع منكم والعاصي. # فائدة: في تكتب مقطوعة عن ما {إن ربك سريع العقاب} لمن عصاه لأن ما هو آت ~~قريب أو لأنه يسرع إذا أراده {وإنه لغفور} للمؤمنين {رحيم} بهم وصف الله ~~تعالى العقاب ولم يضفه إلى نفسه ووصف تعالى ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف ~~بالرحمة وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة تنبيها على إنه تعالى غفور ~~بالذات معاقب بالعرض كثير الرحمة مبالغ فيها قليل العقوبة مسامح فيها فنسأل ~~الله العظيم أن يسامحنا وأن يغفر زلاتنا ولا يؤاخذنا بسوء أفعالنا وأن يفعل ~~ذلك بوالدينا وأقاربنا وأحبابنا وأصحابنا وجميع المسلمين ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم. ### | سورة الأعراف # مكية # إلا ثمان آيات من قوله تعالى {واسئلهم عن القرية} إلى قوله تعالى: {وإذ ~~نتقنا الجبل} محكمة كلها وقيل: إلا قوله تعالى: {وأعرض عن الجاهلين} وعدد ~~آياتها مائتان وخمس آيات وكلماتها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة ~~وحروفها أربعة عشر ألفا وثلاثمائة وعشرة أحرف. # {بسم الله} الواحد الذي لا يقدر أحد قدره {الرحمن} الذي عم بنعمة البيان ~~من أوجب عليهم شكره {الرحيم} الذي خص أهل وده فاجتنبوا نهيه وامتثلوا أمره. # {المص} سبق الكلام على معاني الحروف المقطعة في أول سورة البقرة وقوله ~~تعالى: # {كتاب} خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو أو ms0769 هذا أو خبر المص والمراد بالكتاب ~~السورة أو القرآن وقوله تعالى: {أنزل إليك} صفة والخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم {فلا يكن في صدرك حرج} أي: ضيق {منه} أي: لا يضيق صدرك بالإبلاغ ~~وتأدية ما أرسلت به مخافة أن تكذب لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم ~~عنه وأذاهم كان يضيق صدره من الأذى ولا ينبسط له فأمنه الله ونهاه عن ~~المبالاة بهم، وقيل: الحرج الشك والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أمته وسمي الشك حرجا لأن الشاك ضيق الصدر كما أن المتيقن منشرح الصدر وقوله ~~تعالى: {لتنذر} متعلق بأنزل # PageV01P462 # أي: للإنذار به {وذكرى} أي: وتذكرة {للمؤمنين} به وحذف المفعول يدل على ~~عموم الرسالة لكل من أمكن إنذاره وتذكيره من العقلاء، قال بعض المفسرين: ~~وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم تقديره كتاب أنزلناه إليك لتنذر به، ~~وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه ويدل لهذا تعلق لتنذر بأنزل وقوله ~~تعالى: # {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} يعني القرآن والسنة لقوله تعالى: {وما ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} (النجم، الآيات: 2 3) # ولقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر، ~~7) # أي: قل لهم يا محمد اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وذروا ما أنتم عليه من ~~الشرك {ولا تتبعوا من دونه} أي: ولا تتخذوا من دون الله أي: غيره {أولياء} ~~تطيعونهم من شياطين الإنس والجن فيأمروكم بعبادة الأصنام واتباع البدع ~~والأهواء الفاسدة {قليلا ما تذكرون} أي: تتعظون، وقرأ ابن عامر بياء قبل ~~التاء وتخفيف الذال، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال ولا ياء قبل ~~التاء والباقون بتشديد الذال ولا ياء قبل التاء. # {وكم من قرية أهلكناها} أي: أهلكنا أهلها، وقيل: لا يحتاج إلى تقدير مضاف ~~لأن القرية تهلك كما يهلك أهلها وإنما يقدر في فجاءها لأجل قوله تعالى: {أو ~~هم قائلون} وكم خبرية مفعول أهلكنا وهي للتكثير والإهلاك على حقيقته أو ~~يقدر أردنا إهلاكها لقوله تعالى: {فجاءها} أي: أهلها {بأسنا} أي: عذابنا ~~فإن مجيء ms0770 البأس قبل الإهلاك فتقدر الإرادة، وقيل: الإهلاك الخذلان وعلى هذا ~~فلا حاجة إلى تقدير {بياتا} أي: وقت الاستكان في البيوت ليلا كما جاء قوم ~~لوط عليه السلام {أو هم قائلون} أي: نائمون وقت القائلة وهي نصف النهار أو ~~مستريحون من غير نوم كما أهلكنا قوم شعيب عليه السلام أي: مرة جاءها ليلا ~~ومرة نهارا وإنما خص هذين الوقتين لأنهما وقت دعة واستراحة فيكون مجيء ~~العذاب فيهما أفظع، وفي هذا وعيد وتخويف للكفار كأنه قيل: لا تغتروا بأسباب ~~الأمن والراحة فإن عذاب الله إذا نزل نزل دفعة واحدة. # {فما كان دعواهم} أي: قولهم {إذ جاءهم بأسنا} أي: عذابنا {إلا أن قالوا} ~~أي: إلا قولهم {إنا كنا ظالمين} أي: فيما كنا عليه حيث لم نتبع ما أنزل ~~إلينا من ربنا وذلك حين لا ينفعهم الاعتراف. # {فلنسئلن الذين أرسل إليهم} أي: المرسل إليهم وهم الأمم يسألهم الله ~~تعالى عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل {ولنسئلن المرسلين} أي: عما أجيبوا ~~به كما قال تعالى {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} (المائدة، 109) # وقيل: نسأل المرسلين عن الإبلاغ والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة ~~وتقريعهم والمنفي في قوله تعالى: {ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون} (القصص، ~~78) # سؤال الاستعلام الأول في موقف الحساب، وهذا عند حصولهم على العقوبة. # {فلنقصن عليهم} أي: الرسل والمرسل إليهم {بعلم} لنخبرنهم عن علم بما ~~فعلوه باطنا وظاهرا وبما قالوه سرا وعلانية {وما كنا غائبين} عنهم فيخفى ~~علينا شيء من أحوالهم وأقوالهم. # {والوزن} أي: لصحائف الأعمال بميزان له لسان وكفتان ينظر إليها الخلائق ~~إظهارا للعدل وقطعا للمعذرة كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم ~~وتشهد بها جوارحهم ويؤيده ما روي أن رجلا يؤتى به إلى الميزان فينشر عليه ~~تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة فتوضع ~~السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة والبطاقة رقعة ~~صغيرة # PageV01P463 # تجعل في طي الثوب يكتب فيها ثمنه، وقيل: توزن الأعمال. # روي عن ابن عباس: يؤتى بالأعمال الحسنة على صورة ms0771 حسنة وبالأعمال السيئة ~~على صورة قبيحة فتوضع في الميزان، وقيل: توزن الأشخاص لما روي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند ~~الله جناح بعوضة» وقوله تعالى: {يومئذ} أي: يوم السؤال المذكور وهو يوم ~~القيامة خبر المبتدأ الذي هو الوزن، وقوله تعالى: {الحق} أي: العدل السوي ~~صفته {فمن ثقلت موازينه} أي: رجحت على ما يعهد في الدنيا بصحائف الأعمال أو ~~حسناته أو به على الأقوال الماضية، وعن الحسن: وحق لميزان توضع فيه الحسنات ~~أن يرجح ويثقل وحق لميزان توضع فيه السيآت أن يخف. # فإن قيل: الميزان واحد فما وجه الجمع؟ أجيب: بأن العرب قد توقع لفظ الجمع ~~على الواحد وقيل: إنه ينصب لكل عبد ميزان، وقيل: إنما جمعه لأن الميزان ~~يشتمل على الكفتين واللسان والساهون ولا يتم الوزن إلا بذلك كله، وقيل: جمع ~~لاختلاف الموزونات وتعدد الجمع فهو جمع موزون أو ميزان {فأولئك هم ~~المفلحون} الفائزون بالنجاة والثواب. # {ومن خفت} أي: طاشت {موازينه} أي: السيآت أي: بسببها {فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم} أي: بتصييرها إلى النار {بما كانوا بآياتنا يظلمون} أي: يجحدون. # {ولقد مكناكم} يا بني آدم {في الأرض} أي: في مسكنها وزرعها والتصرف فيها ~~{وجعلنا لكم فيها معايش} جمع معيشة أي: أسبابا تعيشون بها أيام حياتكم من ~~أنواع التجارات والصنائع والمآكل والمشارب وذلك بفضل الله تعالى وإنعامه ~~على عبيده وكثرة الإنعام توجب الطاعة للمنعم بها والشكر له عليها ثم بين ~~تعالى أنه مع هذا الإفضال على عبيده وإنعامه عليهم لا يقومون بشكرها كما ~~ينبغي فقال تعالى: {قليلا ما تشكرون} أي: على ما صنعت إليكم وأنعمت به ~~عليكم وفيه دليل على أنهم قد يشكرون لأن الإنسان قد يذكر نعمة الله فيشكره ~~عليها فلا يخلو في بعض الأوقات من الشكر على النعم وحقيقة الشكر تصور ~~النعمة وإظهارها ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها. # {ولقد خلقناكم} أي: أباكم آدم {ثم صورناكم} أي: أباكم آدم والمراد يعني: ~~خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ثم صورناه فنزل ms0772 خلقه وتصويره منزلة خلق الكل ~~وتصويرهم، وقيل: خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء {ثم ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} . # فإن قيل: ثم للترتيب والتراخي وهي ظاهرة على القول الأول فما وجهه على ~~الثاني؟ أجيب: بأنها تكون بمعنى الواو أي: وقلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود ~~تحية بالانحناء {فسجدوا} أي: الملائكة كلهم لآدم {إلا إبليس} أبا الجن كان ~~بين الملائكة {لم يكن من الساجدين} أي: ممن سجد. # {قال} الله تعالى لإبليس {ما منعك أن لا تسجد} أي: أن تسجد {إذ أمرتك} ~~فلا زائدة للتأكيد كما في قوله تعالى: {لا أقسم} (البلد، 1) # أي: أقسم، وقوله تعالى: {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} ~~(الأنبياء، 95) # أي: يرجعون نعم إن حمل ما منعك على ما حملك لم تكن زائدة {قال} إبليس ~~مجيبا له تعالى: {أنا خير منه} . # فإن قيل: كيف يكون قوله: {أنا خير منه} جوابا لما منعك وإنما الجواب أن ~~يقول منعني كذا؟ أجيب: بأنه جواب من حيث المعنى استأنف به استبعادا لأن ~~يكون مثله مأمورا بالسجود # PageV01P464 # لمثله كأنه قال المانع: إني خير منه ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول ~~فكيف يحسن أن يؤمر به فهو الذي سن التكبر وقال: بالحسن والقبح العقليين ~~أولا وعلل الخيرية بقوله تعالى: {خلقتني من نار} فهي أغلب أجزائي وهي مشرقة ~~مضيئة عالية غالبة {وخلقته من طين} أي: هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم سافل ~~مغلوب فكل منهما مركب من العناصر الأربعة فالإضافة إلى ما ذكر باعتبار ~~الجزء الغالب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول من قاس إبليس فأخطأ فمن ~~قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله تعالى مع إبليس، قال ابن سيرين: ما عبدت ~~الشمس إلا بالقياس وإنما أخطأ إبليس لأنه رأى الفضل كله باعتبار العنصر ~~وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله تعالى: {ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدي} (ص، 75) # أي: بغير واسطة وباعتبار الصورة كما نبه عليه تعالى بقوله: {ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين} (الحجر، 29) # وباعتبار الغاية وهي ms0773 ملاكه ولذلك أمر الملائكة بالسجود لما تبين لهم أنه ~~أعلم منهم وإن له خواص ليست لغيره، وقال محمد بن جرير: ظن الخبيث أن النار ~~خير من الطين ولم يعلم أن المفضل ما جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين ~~عن النار بوجوه منها: أن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو ~~الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثته ~~الاجتباء والمنزلة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع ~~وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار ~~فأورثته اللعنة والشقاوة ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها ~~ولأن التراب سبب الحياة لأن حياة الأشجار والنبات لا تكون إلا مع الطين ~~والنار سبب الهلاك. # فإن قيل: لم سأله الله تعالى عن المانع من السجود وهو عالم بما منعه؟ ~~أجيب: بأنه للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه ~~أصل آدم عليه الصلاة والسلام. # {قال} الله تعالى لإبليس {فاهبط منها} أي: من الجنة، وقيل: من السماء إلى ~~الأرض، والهبوط الإنزال والانحدار من فوق على سبيل القهقري والهوان ~~والاستخفاف {فما يكون} أي: فما يصح {لك أن تتكبر فيها} عن أمري لأن الجنة ~~أو السماء مكان الخاشع المطيع لأمر الله تعالى وفيه تنبيه على أن التكبر لا ~~يليق بأهل الجنة والسماء وأنه تعالى إنما طرد إبليس لتكبره لا لمجرد ~~المعصية قال صلى الله عليه وسلم كما رواه البيهقي: «من تواضع لله رفعه الله ~~ومن تكبر وضعه الله» وعن عمر رضي الله عنه: من تواضع رفع الله حكمته، ومن ~~تكبر وعلا طوره هضمه الله إلى الأرض {فأخرج} منها {إنك من الصاغرين} أي: ~~الكفرة الأذلاء المهانين والصغار الذل والمهانة، قال الزجاج: استكبر عدو ~~الله إبليس فابتلاه الله تعالى بالصغار والذلة، وقيل: كان له ملك الأرض ~~فأخرجه الله منها إلى جزائر البحر الأخضر وعرشه عليه فلا يدخل الأرض إلا ~~خائفا كهيئة السارق مثل شيخ عليه إطمار رثة يروغ فيها حتى يخرج منها. # {قال} إبليس عند ذلك {أنظرني} ms0774 أي: أخرني ولا تمتني ولا تعجل عقوبتي {إلى ~~يوم يبعثون} أي: الناس وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، وهذا من جهالة ~~إبليس الخبيث لأنه سأل ربه الإمهال وقد علم إنه لا سبيل لأحد من الخلق إلى ~~البقاء في الدنيا ولكنه كره أن يذوق الموت فطلب البقاء والخلود # PageV01P465 # فلم يجب إلى ما سأل بل أجابه الله تعالى بقوله: {قال إنك من المنظرين} لا ~~إلى ذلك الوقت بل إلى الوقت المعلوم كما بينه تعالى في سورة الحجر بقوله ~~تعالى: {فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} (الحجر، 37 38) # وذلك هو النفخة الأولى التي يموت فيها الخلق. # فإن قيل: لم أجيب إلى الإنظار وإنما استنظر ليفسد عباده ويغويهم؟ أجيب: ~~بأنه أجابه لما في ذلك من ابتلاء العباد وفي مخالفته من عظيم الثواب وحكمة ~~ما خلق الله تعالى من صنوف الزخارف وأنواع الملاذ والملاهي وما ركب في ~~الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده. # {قال} أي: إبليس {فبما أغويتني} أي: فبإغوائك لي والباء للقسم أي: أقسم ~~بإغوائك وجوابه {لأقعدن لهم} أي: لبني آدم {صراطك المسقيم} أي: على الطريق ~~الموصل إليك وإنما أقسم بالإغواء لأنه كان تكليفا والتكليف من أحسن أفعال ~~الله تعالى لكونه تعريضا لسعادة الأبد فكان جديرا لأن يقسم به ويجوز أن ~~تتعلق الباء بفعل القسم المحذوف تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدن ~~أي: فبسبب إغوائك أقسم. # {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} أي: من ~~جميع الجهات الأربع ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين ~~رحمة ربه، وقيل: لم يقل من تحتهم لأن الإتيان منه يوحش، وعنه إنه قال: من ~~بين أيديهم من قبل الآخرة فيخبرهم أن لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم من ~~قبل الدنيا فيزينها، لهم وعن أيمانهم أي: من قبل حسناتهم أي: فيبطؤهم، ~~عنها، وعن شمائلهم من قبل سيآتهم أي: فيزين لهم المعاصي يدعوهم إليها. ~~وإنما ms0775 عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى ~~الآخرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عروضهم ~~ونظيره قوله: جلست عن يمينه وعن شقيق ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على ~~أربع مراصد من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي أما من بين يدي فيقول: ~~لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى} (طه، 82) ، وأما من خلفي فيخوفني الضيعة على من خلفي فأقرأ: {وما من ~~دابة في الأرض إلا على الله رزقها} (هود، 6) ، وأما من قبل يميني فيأتيني ~~من قبل النساء فأقرأ: {والعاقبة للمتقين} (القصص، 83) ، وأما من قبل شمالي ~~فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} (سبأ، 54) # {ولا تجد أكثرهم شاكرين} أي: مطيعين. # فإن قيل: كيف علم الخبيث ذلك؟ أجيب: بأنه إنما قال ذلك ظنا لقوله تعالى: ~~{ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} (سبأ، 20) # لما رأى فيهم مبدأ الشر متعددا وهو الشيطان والنفس والهوى ومبدأ الخير ~~واحدا وهو الملك الملهم، وقيل: سمع ذلك من الملائكة. # {قال} الله تعالى لإبليس حين طرده عن بابه، وأبعده عن جنابه بسبب عصيانه ~~ومخالفته {أخرج منها} أي: الجنة أو السماء كما مر فإنه لا ينبغي أن تسكن ~~فيها {مذؤما} أي: محقورا ممقوتا {مدحورا} أي: مبعدا مطرودا عن الرحمة وقوله ~~تعالى: {لمن تبعك منهم} أي: من الناس اللام فيه موطئة للقسم وجوابه {لأملأن ~~جهنم منكم أجمعين} وهو ساد مسد جواب الشرط وهو من تبعك أي: لأملأن جهنم منك ~~بذريتك ومن الناس وفيه تغليب الحاضر على الغائب. # {ويا آدم} أي: وقلنا يا آدم {اسكن} فهذه القصة معطوفة على قوله تعالى: ~~{قلنا للملائكة} # PageV01P466 # وقوله تعالى: {أنت} تأكيد للضمير في اسكن ليعطف عليه {وزوجك} أي: حواء ~~بالمد وذلك بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه وطرده من الجنة {الجنة فكلا من ~~حيث شئتما} من ثمار الجنة أي: من أي مكان شئتما. # فإن قيل: قال تعالى في سورة البقرة: {وكلا} (البقرة، 35) # بالواو وهنا ms0776 بالفاء فما الفرق؟ أجاب الفخر الرازي: بأن الواو تفيد الجمع ~~المطلق والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت ~~المفهوم من الواو ولا منافاة بين النوع والجنس ففي سورة البقرة ذكر الجنس ~~وهنا ذكر النوع {ولا تقربا هذه الشجرة} أي: بالأكل منها مشيرا إلى شجرة ~~بعينها أو نوعها وهي الحنطة، وقيل: شجرة الكرم، وقيل: غيرهما {فتكونا من ~~الظالمين} أي: بالأكل منها أي: فتصيرا بذلك من الذين ظلموا أنفسهم، وتكونا ~~يحتمل الجزم عطفا على تقربا والنصب على جواب النهي. # {فوسوس لهما الشيطان} أي: إبليس بما مكنه الله تعالى منه من أنه يجري من ~~الإنسان مجرى الدم ويلقي له في سره ما يميل به قلبه إلى ما يريد وهو أحقر ~~وأذل من أن يكون له فعل وإنما الكل بيد الله سبحانه وتعالى وهو الذي جعله ~~آلة لمراده منه ومنهم فإن {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم ~~الخاسرون} (الأعراف، 178) # ثم بين علة الوسوسة بقوله تعالى: {ليبدي} أي: ليظهر {لهما ما ووري} أي: ~~ستر وغطى {عنهما من سوآتهما} أي: عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا ~~أحدهما من الآخر وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوجة من غير ~~حاجة قبيح مستهجن في الطباع قالت عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت منه صلى ~~الله عليه وسلم ولا رأى مني» أي: الفرج. # {وقال} أي: إبليس لآدم وحواء {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة} أي: عن ~~الأكل منها {إلا أن} أي: كراهة أن {تكونا ملكين} أي: في عدم الشهوة وفي ~~القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم {أو تكونا من الخالدين} أي: ~~الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلا كما في آية أخرى، {هل أدلك على ~~شجرة الخلد وملك لا يبلى} (طه، 12) # {وقاسمهما} أي: أقسم لهما بالله على ذلك وأخرجه على زنة المفاعلة ~~للمبالغة، وقيل: أقسما له بالقبول، وقيل: أقسما عليه بالله إنه لهما لمن ~~الناصحين فأقسم لهما {أني لكما لمن الناصحين} فجعل ذلك مقاسمة ms0777 وقال قتادة: ~~حلف لهما بالله حين خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله تعالى فقال: إني خلقت ~~قبلكما وأنا أعلم فاتبعاني أرشدكما وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف وإن ~~الأغلب أن كل حلاف كاذب وأنه لا يحلف إلا عند ظنه أن سامعه لا يصدقه ولا ~~يظن ذلك إلا وهو معتاد للكذب، وقال بعض العلماء: من خادعنا بالله خدعنا له، ~~وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة ~~أعتقه وكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من ~~خدعنا بالله انخدعنا له وإبليس لعنه الله تعالى أول من حلف بالله تعالى ~~كاذبا فلما حلف ظن آدم أن أحدا لا يحلف بالله تعالى كاذبا فاغتر به. # {فدلاهما بغرور} أي: خدعهما، يقال: ما زال يدلي لفلان بالغرور يعني ما ~~زال يخدعه ويكلمه بزخرف القول الباطل وقيل: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة ~~المعصية والغرور إظهار النصح مع إبطان الغش {فلما ذاقا الشجرة} أي: أكلا من ~~ثمرها وفي ذلك دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصدا إلى # PageV01P467 # معرفة طعمه إذ الذوق يدل على الأكل اليسير. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قبل ازدرادهما أخذتهما العقوبة ~~والعقوبة هي قوله تعالى: {بدت} أي: ظهرت {لهما سوآتهما} أي: عوراتهما ~~وتجافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من سوأة صاحبه ~~بأن رأى قبل نفسه وقبل صاحبه ودبره وكانا لا يريان ذلك وسمى كل منهما سوأة ~~لأن انكشافه يسوء صاحبه، قال وهب: كان لباسهما من النور يحول بينهما وبين ~~النظر، وقال قتادة: كان ظفرا ألبسهما الله من الظفر لباسا فلما وقعا في ~~الذنب بدت لهما سوآتهما فاستحيا {وطفقا} أي: أقبلا وجعلا {يخصفان} أي: ~~يلزقان {عليهما من ورق الجنة} أي: من ورق التين قال البغوي: حتى صار كهيئة ~~الثوب، قال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما. # روي عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان آدم رجلا ms0778 ~~طوالا كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأته ~~وكان لا يراها فانطلق هاربا في الجنة فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته ~~بشعره فقال لها: أرسليني، فقالت: لست بمرسلتك، فناداه الله عز وجل: يا آدم ~~أمني تفر، فقال: لا يا رب ولكني استحييتك» {وناداهما} أي: خاطبهما {ربهما} ~~بقوله: {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} أي: عن الأكل من ثمرها {وأقل لكما إن ~~الشيطان لكما عدو مبين} أي: بين العداوة لكما وقد بان لكما عداوته بترك ~~السجود تعنتا وحسدا، وفي ذلك عتاب على مخالفة النهي وتوبيخ على الاغترار ~~بقول العدو ودليل على أن مطلق النهي للتحريم، قال محمد بن قيس: لما أكل آدم ~~من الشجرة ناداه ربه يا آدم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء ~~أمرتني، وقال لحواء: لم أطعمت آدم؟ قالت: أمرتني الحية، وقال للحية: لم ~~أمرتيها؟ قالت: أمرني إبليس، قال الله تعالى: أما أنت يا حواء فكما أدميت ~~الشجرة فتدمين في كل شهر، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين على وجهك ~~وسيشدخ رأسك من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون مدحور. وفي رواية لابن ~~عباس: إنه قال لحواء: فإني أعطيتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها. # {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} أي: ضررناها بمخالفة أمرك وطاعة عدونا وعدوك ~~فإن لم تتب علينا نستمر عاصين {وإن لم تغفر لنا} أي: فهو ما عملنا عينا ~~وأثرا {وترحمنا} أي: فتعلي درجاتنا {لنكونن من الخاسرين} في الأرض فأعربت ~~الآية أنهما فزعا إلى الإنصاف وبالاعتراف بذنبهما وإن كان إنما هو خلاف ~~الأولى لأنه بطريق النسيان كما في سورة طه قال قتادة: قال آدم أرأيت إن تبت ~~إليك واستغفرتك؟ قال: أدخلك الجنة، وأما إبليس فلم يسأل التوبة وسأل النظرة ~~فأعطى كل واحد منهما ما سأله، وقال الضحاك في قوله تعالى: {قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا} قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه تعالى: وقد استدل من يرى ~~صدور الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه ms0779 الآية، ورد بأن درجة ~~الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة بالله تعالى في أعلى الدرجات ولكن ~~يؤاخذون بما لم يؤاخذ به غيرهم وإنهم ربما عوتبوا بأمور صدرت منهم على سبيل ~~التأويل فهم بسبب ذلك خائفون وجلون وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ~~ومعاصي بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا إنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاص كمعاصي ~~غيرهم فكان ما صدر منهم مع طهارتهم ونزاهتهم # PageV01P468 # وعمارة بواطنهم بالوحي السماوي والذكر القدسي وعمارة ظواهرهم بالعمل ~~الصالح والخشية لله تعالى ذنوب بالنسبة إلى أحوالهم فقالا ذلك على عادة ~~المقربين في استعظام الصغير من السيئات وتحقير العظيم من الحسنات وقد تقدم ~~الكلام على ذلك في سورة البقرة ومن جملة ذلك أن آدم إنما أكل من الشجرة قبل ~~النبوة. # {قال} الله تعالى {اهبطوا} أي: آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذريتكما ~~ويدل لذلك قوله تعالى في سورة طه: {اهبطا} (طه، 123) # بضمير التثنية {بعضكم} أي: بعض الذرية {لبعض عدو} أي: من ظلم بعضهم بعضا، ~~وقيل: يعود الضمير لآدم وحواء وإبليس، وقيل: لآدم وحواء وإبليس والحية، ~~وعلى هذين فالعداوة ثابتة بين آدم وإبليس والحية وذرية كل واحد من آدم ~~وإبليس {ولكم في الأرض} أي: جنسها {مستقر} أي: موضع استقرار {و} لكم فيها ~~{متاع} أي: تمتع {إلى حين} أي: انقضاء آجالكم، وقيل: إلى انقطاع الدنيا، ~~وعن ثابت البناني رحمه الله تعالى لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به ~~الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني ~~الذي أصابني منك فلما توفي غسلته الملائكة بسرنديب بماء وسدر وترا وحنطته ~~وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا ~~لبنيه: هذه سنتكم من بعده. # {قال} الله تعالى {فيها} أي: الأرض {تحيون} أي: تعيشون أيام حياتكم ~~{وفيها تموتون} أي: وفيها وفاتكم وموضع قبوركم {ومنها تخرجون} أي: يوم ~~القيامة تخرجون للحشر والجزاء، وقرأ ابن ذكوان وحمزة والكسائي بفتح التاء ~~وضم الراء والباقون بضم التاء وفتح الراء. # {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا} أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماوية ms0780 ~~وأسباب نازلة من مطر ونحوه ونظيره قوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام} ~~(الزمر، 6) # وقوله تعالى: {وأنزلنا الحديد} (الحديد، 25) # وقيل: كل بركات الأرض منسوبة إلى السماء {يواري} أي: يستر {سوأتكم} أي: ~~عوراتكم. # روي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا ~~الله تعالى فيها وكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء يطوفون بالليل عراة ~~قال قتادة: كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول: # *اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله* # فنزلت، قال البيضاوي: ولعله سبحانه ذكر قصة آدم تقدمة لذلك حتى نعلم أن ~~انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان وإنه أغواهم في ذلك كما ~~أغوى أبويهم {وريشا} أي: ولباسا تتجملون به والريش للطائر معروف وهو لباسه ~~وزينته كالثياب للإنسان فاستعير للإنسان لأنه لباسه وزينته والمعنى: ~~وأنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ولباسا لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح. كما ~~قال تعالى: {لتركبوها وزينة} (النحل، 8) # وقال تعالى: {ولكم فيها جمال} (النحل، 6) # وقال صلى الله عليه وسلم «إن الله جميل يحب الجمال» وقال ابن عباس: وريشا ~~أي: مالا، يقال: تريش الرجل تمول، ولما ذكر سبحانه وتعالى اللباس الحسي ~~وقسمه إلى ساتر ومزين أتبعه اللباس المعنوي فقال: {ولباس التقوى} قال ابن ~~عباس: هو العمل الصالح ثم زاد الله تعالى في تعظيم المعنوي بقوله: {ذلك ~~خير} أي: ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب لكونه أهم اللباسين لأن نزعه ~~يكشف العورة الحسية # PageV01P469 # والمعنوية فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متق كان كله سوآت ولو ~~كان متقيا وليس عليه إلا خريقة ثوب تواري عورته كان في غاية الجمال والكمال ~~وأنشدوا في المعنى: # u # *إذا أنت لم تلبس ثيابا من التقى ... عريت وإن وارى القميص قميص* # وقال قتادة: لباس التقوى هو الإيمان، وقال الحسن: هو الحياء لأنه يبعث ~~على التقوى، وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: هو السمت الحسن، وقال ابن ~~الزبير: هو خشية الله تعالى والعمل الصالح يشمل هذه الأمور كلها، وقرأ نافع ~~وابن عامر والكسائي بنصب السين ms0781 عطفا على لباسا والباقون بالرفع على ~~الابتداء والخبر ذلك خير {ذلك} أي: إنزال اللباس {من آيات الله} الدالة على ~~فضله ورحمته {لعلهم يذكرون} فيعرفون نعمة الله فيتعظون ويتورعون عن القبائح ~~وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوآت وخصف الورق عليها ~~إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري وكشف العورة من المهانة ~~والفضيحة إظهارا وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى. # {يا بني آدم} أي: الذي خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي ثم أسكنته جنتي ~~وأنزلته منها إلى دار محنتي {لا يفتننكم} أي: يضلنكم {الشيطان} أي: البعيد ~~المحترق بالذنوب أي: لا تتبعوه فتفتتنوا فيمنعكم بذلك من دخول الجنة ~~ويدخلكم النار {كما أخرج أبويكم من الجنة} بفتنته بعد أن كانا سكناها ~~وتمكنا فيها وتوطناها وقد علمتم أن الدفع أسهل من الرفع وقوله تعالى: {ينزع ~~عنهما لباسهما} حال من أبويكم أو من فاعل أخرج وإنما أضاف نزع اللباس إلى ~~الشيطان وإن لم يباشر ذلك لأن نزع لباسهما بسبب وسوسة الشيطان وغروره فأسند ~~إليه واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقال ابن عباس وقتادة: كان لباسهما ~~الظفر فلما أصابا المصيبة نزع عنهما وبقيت الأظفار تذكرة وزينة ومنافع، ~~وقال وهب بن منبه: كان نورا يحول بينهما وبين النظر وتقدم بعض ذلك، وقال ~~مجاهد: كان لباسهما التقوى، وقيل: كان لباسهما من ثياب الجنة قال بعض ~~المفسرين: وهذا أقرب لأن إطلاق اللباس يطلق عليه وإن النزع لا يكون إلا بعد ~~اللبس، اه. وتقدم الكلام على قوله: {ليريهما سوآتهما إنه} أي: الشيطان ~~{يراكم هو وقبيله} أي: جنوده وقال ابن عباس: قبيله ولده، وقال أبو زيد: ~~نسله وإنما أعاد الكناية في قوله: هو ليحسن العطف والقبيل جمع قبيلة وهي ~~الجماعة المجتمعة التي يقابل بعضها بعضا {من حيث لا ترونهم} أي: للطافة ~~أجسامهم أو عدم ألوانهم، وعن ابن عباس أنه قال: إن الله تعالى جعلهم يجرون ~~من ابن آدم مجرى الدم، وجعل صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله تعالى ~~كما قال ms0782 تعالى: {الذي يوسوس في صدور الناس} (الناس، 5) # فهم يرون بني آدم وبنو آدم لا يرونهم، وعن مجاهد: قال إبليس: جعل لنا ~~أربعة نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى، وعن ابن دينار أن ~~عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله تعالى ومنع الرؤية إذا ~~كانوا على خلقتهم الأصلية وإلا فقد يرون وأعند تشكلهم بصورة حيوان أو طير ~~أو غير ذلك فإن للجن قوة التشكل وهذا أمر شائع ذائع، وقد رؤي إبليس على ~~صورة شيخ وتمثل لكثير من العباد على صورة حية بل قال شيخنا القاضي زكريا: ~~والحق جواز رؤيتهم حتى من تلك الجهة # PageV01P470 # كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة وتكون الآية مخصوصة بها فيكونون مرئيين في ~~بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض {إنا جعلنا الشياطين أولياء} أي: أعوانا ~~وقرناء {للذين لا يؤمنون} لما بينهم من التناسب في الطباع. # {وإذا فعلوا فاحشة} كالشرك وطوافهم بالبيت عراة فنهوا عنه {قالوا} معللين ~~لارتكابهم إياها بأمرين: أحدهما قولهم: {وجدنا عليها} أي: الفاحشة {آباءنا} ~~فاقتدينا بهم والثاني قولهم: {وا أمرنا بها} افتراء عليه سبحانه وتعالى ~~فأعرض الله تعالى عن الأول لظهور فساده ورد عن الثاني بقوله: {قل} لهم يا ~~محمد {إن الله لا يأمر بالفحشاء} لأن عادته سبحانه وتعالى جرت على الأمر ~~بمحاسن الأفعال والحث على مكارم الخصال {أتقولون على الله ما لا تعلمون} ~~أنه قاله فإنكم لم تسمعوا كلام الله من غير واسطة ولا أخذتموه عن الأنبياء ~~الذين هم وسائط بين الله وبين عباده وهو استفهام إنكاري يتضمن النهي عن ~~الافتراء على الله، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ~~في الوصل والباقون بالتحقيق. # {قل} يا محمد لهؤلاء الذين يقولون ذلك {أمر ربي بالقسط} أي: بالعدل وهو ~~الوسط من كلام المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط وقال ابن عباس: بلا إله ~~إلا الله {وأقيموا} أي: وقل لهم أقيموا {وجوهكم} لله {عند كل مسجد} أي: ~~أخلصوا له سجودكم. # فإن قيل: أمر ربي خبر وأقيموا وجوهكم أمر وعطف الأمر على ms0783 الخبر لا يجوز. ~~أجيب: بأن فيه إضمارا وحذفا تقديره: قل أمر ربي بالقسط، وقل: أقيموا كما ~~تقدم تقديره فحذف قل لدلالة الكلام عليه، وقيل: معنى الآية وجهوا وجوهكم ~~حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة وقيل: معناه صلوا في أي مسجد حضرتكم ~~الصلاة ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم {وادعوه} أي: اعبدوه {مخلصين له ~~الدين} أي: الطاعة ولا تشركوا به شيئا فإن إليه مصيركم و {كما بدأكم} أي: ~~كما أنشأكم ابتداء {تعودون} أي: يعيدكم أحياء يوم القيامة حالة كونكم ~~فريقين. # {فريقا هدى} أي: خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية {وفريقا حق} ~~أي: ثبت ووجب {عليهم الضلالة} أي: بمقتضى القضاء السابق، وقيل: إن الله ~~تعالى بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم ~~كافر ومنكم مؤمن} (التغابن، 2) # ثم يعيدكم يوم القيامة، كما خلقكم كافرا ومؤمنا وقيل: يبعثون على ما ~~كانوا عليه. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يبعث كل عبد على ما مات عليه» المؤمن ~~على إيمانه والكافر على كفره. وقيل: من ابتدأ الله خلقه على الشقوة صار ~~إليها وإن عمل عمل أهل السعادة كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم ~~صار إلى الشقاوة، ومن ابتدأ الله خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل عمل ~~أهل الشقاوة كما أن السحرة كانوا يعملون عمل أهل الشقاوة فصاروا إلى ~~السعادة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل ~~أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار ~~وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم» وانتصاب فريقا بفعل يفسره ما ~~بعده أي: وخذل فريقا وقوله تعالى: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله} أي: دونه تعليل لخذلانهم وتحقيق لضلالهم {ويحسبون} أي: يظنون {أنهم} ~~مع ضلالهم {مهتدون} أي: على هداية وحق وفيه دليل على أن # PageV01P471 # الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند في الكفر سواء. # {يا بني آدم خذوا زينتكم} أي: ما ms0784 يستر العورة والتجمل عند الاجتماع ~~للعبادة {عند كل مسجد} أي: كلما صليتم أو طفتم وكانوا يطوفون عراة، وعن ~~طاووس رحمه الله: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما أحدهم كان يطوف عريانا ~~ويضع ثيابه وراء المسجد وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا: لا ~~نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، وقيل: تفاؤلا ليتعروا من الذنوب كما تعروا ~~من الثياب، وقيل: الزينة المشط، وقيل: الطيب. والسنة أن يأخذ الرجل أحسن ~~هيئة للصلاة وكان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا ولا ~~يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: فإنا أحق أن نفعل فقيل لهم: ~~{وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} بتحريم الحلال أو بالتعري في الطواف أو بإفراط ~~الطعام أو الشره عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما شئت واشرب ما ~~شئت والبس ما شئت ما أخطاك خصلتان سرف ومخيلة. # وروي أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ~~ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان، ~~فقال له: لقد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابه، فقال: وما هي؟ ~~قال: قوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} (الأعراف، 31) # فقال النصراني: ولا يؤثر عن نبيكم شيء في الطب؟ فقال: جمع رسولنا صلى ~~الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة، قال: وما هي؟ قال قوله: «المعدة بيت ~~الداء والحمية رأس كل دواء فأعط كل بدن ما عودته» فقال النصراني: ما ترك ~~كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا» {إنه لا يحب المسرفين} أي: لا يرتضي فعلهم ~~ففي الآية الوعيد الشديد على الإسراف. # {قل} يا محمد لهؤلاء الجهلة من الذين يطوفون بالبيت عراة {من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده} من الثياب كل ما يتجمل به فيدخل تحته أنواع الملبوس ~~والحلي ولولا النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير للرجال لدخل في هذا ~~العموم ولكن ورد النص في تحريمه على الرجال دون النساء {و} قل أيضا لهؤلاء ~~الجهلة الذين كانوا لا ms0785 يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم من حرم {الطيبات من ~~الرزق} التي أخرج لعباده وخلقها لهم فيدخل تحت ذلك كل ما يستلذ ويشتهى من ~~سائر المطعومات إلا ما ورد نص بتحريمه وقد دلت الآية على أن الأصل في ~~الملابس وأنواع التجملات والمطاعم الإباحة إلا ما ورد النص بخلافه لأن ~~الاستفهام في من للإنكار {قل هي} أي: الزينة والطيبات {للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا} أي: بالأصالة والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع ولذا لم يقل ~~تعالى: للذين آمنوا وغيرهم {خالصة يوم القيامة} لا يشاركهم فيها غيرهم. ~~وقرأ نافع برفع التاء على أنها خبر بعد خبر والباقون بالفتح على الحال ~~{كذلك} أي: مثل هذا التفصيل البديع {نفصل الآيات} أي: نبين أحكامها ونميز ~~بعض المشتبهات من بعض {لقوم يعلمون} أي: يتدبرون فإنهم المنتفعون بها. # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يطوفون بالبيت عراة ويحرمون أكل ~~الطيبات من الرزق وغير ذلك مما أحل الله تعالى {إنما حرم ربي الفواحش} أي: ~~الكبائر والكبيرة ما توعد عليها بنحو لعن أو غضب بخصوصها في الكتاب أو ~~السنة غالبا كالزنا جمع فاحشة {ما ظهر منها وما بطن} أي: جهرها وسرها، وقرأ ~~حمزة بسكون الباء والباقون بفتحها # PageV01P472 # {و} حرم {الإثم} أي: الصغائر وهي ما عدا الكبائر كالنظر إلى بدن أجنبية ~~{و} حرم {البغي} على الناس أي: الظلم أو الكبر وأفرده بالذكر مع أنه من ~~الكبائر للمبالغة وقوله تعالى: {بغير الحق} متعلق بالبغي مؤكد له معنى {و} ~~حرم {أن تشركوا با ما لم ينزل به} أي: بالإشراك {سلطانا} أي: حجة وفي ذلك ~~تهكم بالمشركين وتنبيه على تحريم ما لم يدل عليه برهان، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو بالتخفيف والباقون بالتشديد {و} حرم {أن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} في تحريم ما لم يحرم وغيره. # {ولكل أمة أجل} أي: وقت معلوم وفي ذلك وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في ~~أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم الماضية {فإذا جاء أجلهم} أي: حان وقتهم ~~{لا يستأخرون ساعة} عنه {ولا يستقدمون} ساعة عليه وإنما ms0786 ذكرت الساعة وإن ~~كان دونها كذلك لأنها أقل اسم للأوقات في العرف وذلك حين سألوا نزول العذاب ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة ~~الأولى مع المد والقصر، وورش وقنبل سهلا الثانية وأبدلاها حرف مد والباقون ~~بالتحقيق فيهما. # {يا بني آدم إما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة {يأتينكم رسل ~~منكم} أي: من نوعكم من عند ربكم {يقصون عليكم آياتي} أي: يقرؤن عليكم كتابي ~~وأدلة أحكامي وشرائعي التي شرعت لعبادي وجواب الشرط قوله تعالى: {فمن اتقى} ~~الشرك ومخالفة رسلي {وأصلح} عمله الذي أمرته به رسلي فعمل بطاعتي وتجنب ~~معصيتي وما نهيت عنه {فلا خوف عليهم} حين يخاف غيرهم يوم القيامة من العذاب ~~{ولا هم يحزنون} أي: يتجدد لهم في وقت ما حزن على شيء فاتهم لأن الله ~~يعطيهم ما تقر به أعينهم {والذين كذبوا بآياتنا} أي: جحدوها وكذبوا رسلنا ~~{واستكبروا} أي: تكبروا {عنها} أي: عن الإيمان بها لأن كل مكذب وكافر متكبر ~~قال تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} (الصافات، ~~35) # {أولئك} هؤلاء البعداء البغضاء {أصحاب النار هم فيها خالدون} أي: لا ~~يخرجون منها أبدا وإدخال الفاء في خبر المبتدأ الأول دون خبر الثاني ~~للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد. # {فمن} أي: لا أحد {أظلم ممن افترى على الله كذبا} أي: بنسبة الشريك ~~والولد إليه أو قال عليه ما لم يقله {أو كذب بآياته} أي: القرآن {أولئك ~~ينالهم} أي: يصيبهم {نصيبهم} أي: حظهم {من الكتاب} أي: مما كتب لهم في ~~اللوح المحفوظ من الرزق والأجل وغير ذلك {حتى إذا جاءتهم} أي: هؤلاء الذين ~~يفترون على الله الكذب {رسلنا} أي: ملك الموت وأعوانه {يتوفونهم} بقبض ~~أرواحهم عند استكمال أعمارهم وأرزاقهم وقوله تعالى: {قالوا} جواب إذا أي: ~~قال الرسل لهم تبكيتا وتوبيخا وتقريعا {أين ما كنتم تدعون} أي: تعبدون {من ~~دون الله} أي: غيره ادعوهم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم، وقيل: إن هذا يكون في ~~الآخرة أي: إذا جاءتهم ملائكة العذاب ms0787 يتوفونهم أي: يستوفون عددهم عند حشرهم ~~إلى النار {قالوا} أي: الكفار مجيبين للرسل {ضلوا} أي: غابوا {عنا} وتركونا ~~عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا {وشهدوا على أنفسهم} أي: بالغوا في الاعتراف ~~عند الموت أو عند معاينة العذاب {أنهم كانوا كافرين} أي: جاحدين وحدانية ~~الله تعالى. # قال الله تعالى لهم يوم القيامة أو أحد من الملائكة {ادخلوا في أمم} أي: ~~في جملة جماعات وفرق أم بعضها بعضا {قد خلت} أي: مضت # PageV01P473 # وسلفت {من قبلكم من الجن والإنس} أي: كفار الأمم الماضية من الفريقين، ~~وقوله تعالى: {في النار} متعلق بادخلوا {كلما دخلت أمة} أي: جماعة النار ~~{لعنت أختها} أي: التي ضلت بالاقتداء بها {حتى إذا اداركوا} أي: تلاحقوا ~~واستقروا {فيها} أي: النار {جميعا قالت أخراهم} أي: منزلة أو دخولا وهم ~~الأتباع {لأولاهم} أي: لأجلهم وهم المتبعون إذ الخطاب مع الله تعالى لا ~~معهم {ربنا هؤلاء} أي: الأولون {أضلونا} أي: لأنهم أول من سن الضلال. وقرأ ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء في الوصل، والباقون ~~بالتحقيق {فآتهم} أي: أذقهم بسبب ذلك {عذابا ضعفا} أي: يكون بقدر عذاب ~~غيرهم مرتين لأنهم ضلوا وأضلوا ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة ومنه لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل ~~من دمها لأنه أول من سن القتل، ثم أكدوا شدة العذاب بقولهم: {من النار قال} ~~الله تعالى: {لكل} أي: منكم ومنهم {ضعف} أي: عذاب مضعف أما القادة فبكفرهم ~~وتضليلهم وأما الأتباع فبكفرهم وتقليدهم لهم {ولكن لا تعلمون} أي: ما أعد ~~الله تعالى لكل فريق من العذاب. وقرأ شعبة: يعلمون بالياء على الغيبة، ~~والباقون بالتاء على الخطاب. # {وقالت أولاهم} أي: في الكفر وهم القادة {لأخراهم} أي: الأتباع {فما كان ~~لكم علينا من فضل} أي: لأنكم لم تكفروا بسببنا فقد جاءتكم الرسل والنذر فما ~~رجعتم عن ضلالتكم وكفركم فنحن وأنتم سواء قال الله تعالى لهم: {فذوقوا ~~العذاب بما} أي: بسبب ما {كنتم تكسبون} أي: من الكفر ms0788 والأعمال الخبيثة. # {إن الذين كذبوا بآياتنا} أي: بدلائل التوحيد فلم يصدقوا ولم يتبعوا رسلي ~~{واستكبروا عنها} أي: وتكبروا عن الإيمان بها والانقياد لها والعمل ~~بمقتضاها {لا تفتح لهم أبواب السماء} لصعود أعمالهم ولا لدعائهم ولا ~~لأرواحهم ولا لنزول البركات عليهم لأنها طهارة عن الأرجاس الحسية والمعنوية ~~فإذا صعدت أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ~~ثم ألقيت من هناك إلى سجين بخلاف المؤمن فيفتح له ويصعد بروحه إلى السماء ~~السابعة كما ورد في حديث. # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بسكون الفاء وتخفيف التاء بعدها إلا أن أبا ~~عمرو يقرأ بالتاء على التأنيث وحمزة والكسائي بالياء على التذكير، وقرأ ~~الباقون بالتأنيث وفتح الفاء وتشديد التاء بعدها {ولا يدخلون الجنة} أي: ~~التي هي أطهر المنازل وأشرفها {حتى} يكون ما لا يكون بأن {يلج} أي: يدخل ~~{الجمل} على كبره {في سم الخياط} أي: ثقب الإبرة وهو غير ممكن فكذا دخولهم ~~الجنة فهو تعليق على محال، وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل فقال: زوج ~~الناقة استجهالا للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف {وكذلك} أي: ومثل ~~ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم الجنة محال عادة {نجزي المجرمين} أي: ~~الكافرين لأنه تقدم من صفتهم إنهم كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها وهذه ~~صفة الكفار فوجب حمل لفظ المجرمين على أنهم الكفار. # ولما بين تعالى أن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا بين أنهم من أهل النار ~~ووصف ما أعد الله لهم فيها فقال تعالى: # {لهم من جهنم مهاد} أي: فراش وأصل المهاد والمهد الذي يقعد عليه ويضطجع ~~عليه كالبساط {ومن فوقهم غواش} # PageV01P474 # أي: أغطية من النار جمع غاشية والتنوين فيه عوض عن الياء التي هي حرف ~~علة. # وقيل: عن حركتها {وكذلك نجزي الظالمين} عبر عنهم بالمجرمين تارة ~~وبالظالمين أخرى إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة ~~وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة والظلم مع التعذيب بالنار تنبيها على أنه ~~أعظم الإجرام. # وقوله تعالى: # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} مبتدأ وقوله تعالى: ms0789 {لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها} أي: طاقتها من العمل اعتراض بينه وبين خبره وهو {أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون} وإنما حسن وقوع ذلك بين المبتدأ والخبر لأنه من جنس هذا ~~الكلام لأن الله تعالى لما ذكر عملهم الصالح دل ذلك على أن ذلك العمل من ~~وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم ~~قدرها ومحلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل كلفة ولا مشقة صعبة ~~وأتبع الوعيد بالوعد على عادته فقال تعالى: # {ونزعنا ما في صدورهم من غل} أي: غش وعداوة كانت بينهم في الدنيا فمن كان ~~في قلبه على أخيه غل في الدنيا نزع فسلمت قلوبهم وطهرت ولم يكن بينهم إلا ~~التوادد والتعاطف، وعن علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ~~وطلحة والزبير منهم. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على ~~قنطرة بين الجنة والنار ليقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى ~~إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى ~~بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» وقال السدي في هذه الآية: إن ~~أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان ~~فشربوا من إحداهما فنزع ما في صدورهم من غل وهو الشراب الطهور واغتسلوا من ~~الآخر فجرت عليهم بنضرة النعيم فلا يشعثوا ولا يشحنوا بعدها أبدا، وقيل: إن ~~درجات الجنة متفاوتة في العلو والكمال فبعض أهل الجنة أعلى من بعض فأخرج ~~الله تعالى الغل والحسد من صدورهم وأزاله عنهم ونزعه من قلوبهم فلا يحسد ~~صاحب الدرجة النازلة صاحب الدرجة العالية {تجري من تحتهم الأنهار} أي: من ~~تحت قصورهم زيادة في لذتهم وسرورهم {وقالوا الحمد الذي هدانا لهذا} أي: إن ~~المؤمنين إذا دخلوا الجنة قالوا: الحمد لله الذي وفقنا وأرشدنا للعمل الذي ~~هذا ثوابه وتفضل علينا به رحمة منه وإحسانا وصرف عنا عذاب جهنم بفضله وكرمه ~~فله ms0790 الحمد على ذلك {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} أي: لولا هداية ~~الله وتوفيقه، واللام لتوكيد النفي وجواب لولا محذوف دل عليه قوله تعالى: ~~{وما كنا لنهتدي} وتقديره: لولا هداية الله لنا موجودة لشقينا أو ما كنا ~~مهتدين، وقرأ ابن عامر بحذف الواو قبل ما والباقون بالواو. # وإذا دخل أهل النعيم الجنة ورأوا ما أعد الله تعالى لهم من النعيم قالوا: ~~{لقد جاءت رسل ربنا بالحق} فاهتدينا بإرشادهم يقولون ذلك سرورا واعتباطا ~~بما نالوا وتلذذوا بالتكلم به وتبجحا بأن ما علموه يقينا في الدنيا صار لهم ~~عين اليقين في الآخرة، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال ~~والباقون بالإدغام {ونودوا} إذا رأوها من بعيد أو بعد دخولها والمنادي هو ~~الله تعالى أو الملائكة ينادون بأمر الله تعالى {أن تلكم الجنة} التي كانت ~~الرسل وعدتكم بها في الدنيا. # وروي أن رسول الله # PageV01P475 # صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إن لكم أن ~~تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تشبوا ~~فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا» فذلك قوله تعالى: ~~{ونودوا أن تلكم الجنة} {أورثتموها} أي: أعطيتموها {بما كنتم تعملون} أي: ~~بسبب أعمالكم الصالحة التي عملتموها لأن الجنة جعلت جزاء وثوابا لكم على ~~الأعمال الصالحة ولا يعارض هذا ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن ~~يدخل الجنة أحد بعمله إنما يدخلونها برحمة الله تعالى» فإن الباء في الحديث ~~للعوض وهي الداخلة على الأثمان نحو شريت الفرس بألف فلا تكون الجنة مشتراة ~~له بعمله فيكون عمله ثمنا لها أو إن دخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات ~~بالأعمال أو أن العمل الصالح لن يناله المؤمن ولن يبلغه إلا برحمة الله ~~وتوفيقه وإذا كان العمل الصالح بسبب الرحمة كان دخول الجنة في الحقيقة ~~برحمة الله وجعلها الله تعالى ثوابا وجزاء لهم على تلك الأعمال الصالحة ~~التي عملوها في دار الدنيا. # وروي أن رسول ms0791 الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد إلا وله منزل في ~~الجنة ومنزل في النار أما الكافر فيرث المؤمن منزله من الجنة والمؤمن يرث ~~الكافر منزله من النار» وأن في المواضع الخمسة التي فيها المناداة والتأذين ~~هي المخففة أو المفسرة لأن المناداة والتأذين من القول، وقرأ نافع وابن ~~كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الثاء عند التاء والباقون بالإدغام. # {ونادى أصحاب} أي: أهل {الجنة أصحاب} أي: أهل {النار} أي: يقول أهل الجنة ~~يا أهل النار {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا} أي: في الدنيا على لسان الرسل من ~~الثواب على الإيمان به وبرسله وطاعته {حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم} أي: من ~~العذاب على الكفر {حقا قالوا} أي: قال أهل النار مجيبين لأهل الجنة {نعم} ~~وجدنا ذلك حقا وهذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل ~~النار في النار. # فإن قيل: الجنة في السماء والنار في الأرض فكيف يصح أن يقع هذا النداء؟ ~~أجيب: بأن الله قادر على أن يقوي الأصوات والأسماع فيصير البعيد كالقريب. # فإن قيل: هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض؟ ~~أجيب: بأن ظاهر الآية العموم ويحتمل في كل واحد من أهل الجنة ينادي من كان ~~يعرف من الكفار في دار الدنيا والله أعلم بحقيقة ذلك، وقرأ الكسائي بكسر ~~العين والباقون بالفتح وهما لغتان {فأذن مؤذن} أي: وهو إسرافيل صاحب الصور ~~كما قاله ابن عباس، وقيل: واحد من الملائكة وأصل الأذان في اللغة الإعلام ~~والمعنى نادى مناد {بينهم} أي: الفريقين أسمعهم {أن لعنت الله على ~~الظالمين} وقرأ البزي وابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد أن ونصب التاء ~~والباقون بتخفيف أن ورفع التاء ثم فسر الظالمين منهم بقوله تعالى: # {الذين يصدون عن سبيل الله} أي: يمنعون الناس عن الدخول في دين الإسلام ~~{ويبغونها} أي: يطلبون السبيل {عوجا} أي: معوجة، قال ابن عباس: يصلون لغير ~~الله ويعظمون ما لم يعظمه الله، والعوج بكسر العين في الدين والأمر وكل ما ~~لم ms0792 يكن قائما وبالفتح في كل ما كان قائما كالحائط والرمح {وهم بالآخرة ~~كافرون} أي: بكون الآخرة واقعة جاحدون منكرون لها. # {وبينهما} أي: أهل الجنة # PageV01P476 # وأهل النار {حجاب} لقوله تعالى: {فضرب بينهم بسور} (الحديد، 13) # أو بين الجنة والنار ليمتنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى {وعلى الأعراف} ~~وهو سور الجنة جمع عرف وهو المكان المرتفع ومنه عرف الديك لارتفاعه على ما ~~سواه من جسده، وقال السدي: هي ذلك السور أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس ~~أي: أهل الجنة والنار {رجال} أي: طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيآتهم ~~كما في الحديث: «فقصرت بهم سيآتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار ~~فوقفوا هناك حتى يقضي الله تعالى فيهم ما يشاء ثم يدخلون الجنة بفضل الله ~~تعالى ورحمته وهم آخر من يدخل الجنة» ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ~~قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل ~~الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ قوله تعالى: ~~{فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم} ثم قال: إن الميزان تخف بمثقال حبة أو ترجح قال: ومن استوت حسناته ~~وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن ~~آبائهم فقتلوا فأعتقوا من النار بقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة ~~بمعصية آبائهم فهم آخر من يدخل الجنة، وقيل: هم الذين ماتوا في الفترة ولم ~~يبدلوا دينهم، وقيل: هم أطفال المشركين {يعرفون} أي: أصحاب الأعراف {كلا} ~~من أهل الجنة والنار {بسيماهم} أي: بعلاماتهم وهي بياض الوجوه للمؤمنين ~~وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم إذ موضعهم عال {ونادوا} أي: ونادى أصحاب ~~الأعراف {أصحاب الجنة أن سلام عليكم} إذا نظروا إليهم سلموا عليهم {لم ~~يدخلوها} أي: أصحاب الأعراف الجنة {وهم يطمعون} في دخولها، قال الحسن: لم ~~يطمعهم إلا لكرامة يريدها بهم. # وروى الحاكم عن حذيفة قال: بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال: قوموا ~~ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم، وقال مجاهد: ms0793 أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء ~~علماء وعلى هذا إنما يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة وليرى غيرهم ~~شرفهم وفضلهم. # وحكى ابن الأنباري أنهم أنبياء وعلى هذا إنما أجلسهم على ذلك العالي ~~تمييزا لهم على أهل القيامة وإظهارا لفضلهم وعلو مرتبتهم وليكونوا مشرفين ~~على أهل الجنة والنار ومطلعين على أحوالهم ومقادير ثواب أهل الجنة وعقاب ~~أهل النار، وقال أبو مخلد: هم ملائكة يرون في صورة الرجال، والأقوال الأول ~~تدل على أن أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن كانوا يدخلون الجنة ~~برحمة الله، والأقوال الأخيرة تدل على أنهم أفضل من أهل الجنة لأنهم أعلى ~~منهم منزلة وأفضل. # {وإذا صرفت أبصارهم} أي: أصحاب الأعراف {تلقاء} أي: جهة {أصحاب النار} ~~فنظروا لهم وإلى سواد وجوههم وما هم فيه من العذاب {قالوا ربنا لا تجعلنا ~~مع القوم الظالمين} أي: الكافرين في النار قال ابن عباس: إن أصحاب الأعراف ~~إذا نظروا إلى أصحاب النار وما هم فيه تضرعوا إلى الله تعالى وسألوه أن لا ~~يجعلهم منهم. وقرأ قالون وأبو عمرو والبزي بإسقاط الهمزة الأولى وأبدلها ~~ورش وقنبل حرف مد وسهلاها والباقون بالتحقيق. # {ونادى أصحاب الأعراف رجالا} أي: كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار ~~{يعرفونهم بسيماهم} # PageV01P477 # أي: بسيما أهل النار {قالوا} أي: أصحاب الأعراف لهؤلاء الذين عرفوهم في ~~النار {ما أغنى عنكم جمعكم} أي: ما كنتم تجمعون من الأموال في الدنيا أو ~~كثرتكم واجتماعكم فيها {وما كنتم تستكبرون} أي: وما أغنى عنكم تكبركم عن ~~الإيمان شيئا، قال الكلبي: ينادونهم على السور يا وليد بن المغيرة يا أبا ~~جهل بن هشام يا فلان ويا فلان ثم ينظرون إلى الجنة فيرون فيها الفقراء ~~والضعفاء ممن كانوا يستهزؤون بهم مثل سلمان الفارسي وخبيب وصهيب وبلال ~~وأشباههم فيقول أصحاب الأعراف لهؤلاء الكفار: # {أهؤلاء} لفظ استفهام أي: أهؤلاء الضعفاء {الذين أقسمتم} أي: حلفتم بالله ~~{لا ينالهم الله برحمة} أي: لا يدخلون الجنة، وقد قيل لهم: {ادخلوا الجنة ~~لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} وقيل: أصحاب الأعراف إذا قالوا ms0794 لأهل النار ~~ما قالوا قال لهم أهل النار: إن دخل هؤلاء فأنتم لم تدخلوها فيعيرونهم بذلك ~~ويقسمون أنهم لا يدخلون الجنة ولا ينالهم الله برحمة فتقول الملائكة الذين ~~حبسوا أهل الأعراف: ادخلوا الجنة برحمة الله لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، ~~وهذا ظاهر على الأقوال الأول، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر تنوين رحمة ~~في الوصل وابن ذكوان بوجهين الضم والكسر والباقون بالضم. # {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء} أي: صبوه وهو ~~دليل على أن الجنة فوق النار {أو مما رزقكم الله} أي: من سائر الأشربة ليلا ~~ثم الإفاضة لأن الإفاضة ملائمة للماء وسائر المائعات فحملت الإفاضة على ~~إفاضة جميع المائعات أو من سائر المشروب والمأكول بتضمين أفيضوا ألقوا ~~كقوله: # *علفتها تبنا وماء باردا ... حتى غدت همالة عيناها* # أي: فائضة عيناها. {قالوا} أي: أهل الجنة مجيبين لهم {إن الله حرمهما} ~~أي: منعهما {على الكافرين} أي: منعهم طعام الجنة وشرابها كما يمنع المكلف ~~ما يحرم عليه ويحظر كقوله: # *حرام على عيني أن تطعم الكرى* # وقيل: لما كانت شهواتهم في الدنيا في لذة الأكل والشرب وعذبهم الله في ~~الآخرة بشدة الجوع والعطش فسألوا ما كانوا يعتادونه في الدنيا من طلب الأكل ~~والشرب فأجيبوا بأن الله تعالى حرم طعام الجنة وشرابها على الكافرين ثم وصف ~~الله تعالى الكافرين بقوله: # {الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا} وهو ما زين لهم الشيطان من تحريم ~~البحيرة والتصدية حول البيت وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في ~~الجاهلية، وقيل: كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم وهزؤوا به، ~~واللهو هو صرف الهم بما لا يحسن أن يصرف له واللعب طلب الفرح بما لا يحسن ~~أن يطلب به {وغرتهم الحياة الدنيا} أي: وخدعهم عاجل ما هم فيه من رغد العيش ~~والدعة وشغلهم ما هم فيه من ذلك عن الإيمان بالله ورسوله ومن الأخذ بنصيبهم ~~في الآخرة حتى أتتهم المنية وهم على ذلك والغرة غفلة في اليقظة وهو طمع ~~الإنسان في طول العمر وحسن العيش ms0795 وكثرة المال، وقيل: الجاه ونيل الشهوات ~~فإذا حصل له ذلك صار محجوبا عن الدين وطلب الخلاص لأنه غريق في الدنيا ~~بلذاته وما هو فيه من ذلك ولما وصفهم الله تعالى بهذه الصفات الذميمة قال: ~~{فاليوم} أي: يوم القيامة {ننساهم} أي: نتركهم في النار ونعرض # PageV01P478 # عنهم فلا نجيب دعاءهم ولا نرحم ضعفهم {كما نسوا لقاء يومهم هذا} أي: كما ~~تركوا العمل للقاء يومهم هذا كفعل الناسين فلم يخطر ببالهم ولم يهتموا له ~~وأعرضوا عن الإيمان فقابل الله تعالى جزاء نسيانهم بالنسيان على المجاز لأن ~~الله تعالى لا ينسى شيئا فهو كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ~~(الشورى، 40) # {وما كانوا بآياتنا يجحدون} أي: وما كانوا منكرين أنها من عند الله ~~تعالى. # {ولقد جئناهم} أي: هؤلاء الكفار {بكتاب} أي: قرآن أنزلناه عليك يا محمد ~~{فصلناه} أي: بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة {على علم} ~~أي: عالمين وجه تفصيله، وقوله تعالى: {هدى ورحمة لقوم يؤمنون} أي: به حال ~~من منصوب فصلناه كما أن على علم حال من مرفوعه. # {هل ينظرون} أي: ما ينظرون {إلا تأويله} أي: إلا عاقبة أمره وما يؤول ~~إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد {يوم يأتي تأويله} ~~أي: يوم القيامة لأنه يوم الجزاء {يقول الذين نسوه من قبل} أي: تركوه ترك ~~الناسي {قد جاءت رسل ربنا بالحق} أي: قد تبين لهم واعترفوا يوم القيامة بأن ~~ما جاءت به الرسل من الإيمان والحشر والنشر والبعث والثواب والعقاب حق حين ~~لا ينفعهم ذلك الاعتراف. # ولما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا: {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} اليوم ~~{أو نرد} أي: أو هل نرد إلى الدنيا وقولهم: {فنعمل غير الذي كنا نعمل} فيها ~~فنبدل الكفر بالإيمان والتوحيد والمعاصي بالطاعة والإنابة جواب الاستفهام ~~الثاني {قد خسروا أنفسهم} أي: إذ صاروا إلى الهلاك لأنهم كانوا في الدنيا ~~أول مرة فلم يعملوا بطاعة الله ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما كانوا ~~عليه من الكفر والعصيان لسابق علم الله فيهم ms0796 {وضل} أي: ذهب {عنهم ما كانوا ~~يفترون} أي: من دعوى الشريك فلم ينفعهم. # {إن ربكم} أي: سيدكم ومولاكم ومصلح أموركم وموصل الخيرات إليكم ودافع ~~المكاره عنكم هو {الله الذي خلق السموات والأرض} أي: ابتدعهما وأنشأ خلقهما ~~على غير مثال سبق {في ستة أيام} أي: من أيام الدنيا، وقيل: من أيام الآخرة ~~كل يوم ألف سنة. # فإن قيل: اليوم من أيام الدنيا عبارة عن مقدار من الزمان وذلك المقدار من ~~طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن إذ ذاك شمس ولا قمر ولا سماء. أجيب: بأن ~~معنى ذلك في مقدار ستة أيام فهو كقوله تعالى: {لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} ~~(مريم، 62) # أي: على مقادير البكر والعشي في الدنيا لأن الجنة لا ليل فيها ولا نهار ~~قال سعيد بن جبير: كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض في لمحة ~~ولحظة فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور، وقد جاء ~~في الحديث: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» . واختلف العلماء في اليوم ~~الذي ابتدأ الله خلق الأشياء فيه فقيل: هو يوم السبت لخبر مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: «خلق ~~الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجرة يوم الإثنين ~~وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم ~~الخميس وخلق الله آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ~~النهار وفيما بين العصر إلى الليل» ، وقيل: يوم الأحد لقول بعضهم سمي يوم ~~الإثنين لأنه ثاني الأيام والخميس لأنه خامس الأيام قال الإسنوي: والصواب ~~الأول للخبر المذكور {ثم استوى على # PageV01P479 # العرش} أي: استوى أمره وقال أهل السنة: الاستواء على العرش صفة الله بلا ~~كيف يجب الإيمان به ونكل فيه العلم إلى الله تعالى والمعنى أن له سبحانه ~~وتعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزه عن الاستقرار والتمكن، ~~وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله تعالى: ms0797 {الرحمن على العرش استوى} (طه، 5) # فأطرق رأسه مليا وعلاه الرحضاء ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير ~~معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالا ثم أمر به ~~فأخرج. # وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم من علماء السنة في ~~هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة أمروها كما جاءت اقرؤها بلا كيف ~~وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية والعرش في اللغة ~~السرير، قال كعب: إن السموات في العرش كالقنديل معلقا بين السماء والأرض، ~~وقال الطائي: العرش ياقوتة حمراء، وشذ قوم فقالوا: العرش بمعنى الملك، وهذا ~~عدول عن الحقيقة إلى التجوز مع مخالفة الأثر ألم يسمعوا قوله تعالى: {وكان ~~عرشه على الماء} (هود، 7) # أتراه كان الملك على الماء وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء وبعضهم يقول: ~~استوى بمعنى استولى ويحتج بقول الشاعر: # *قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق* # وقال آخر: # *هما استويا بفضلهما جميعا ... على عرش الملوك بغير زور* # وهذا منكر عند أهل اللغة، قال ابن الأعرابي: لا يعرف استولى فلان على كذا ~~إلا إذا كان بعيدا منه غير متمكن منه ثم تمكن منه والله تعالى لم يزل ~~مستوليا على الأشياء، والبيتان قال ابن فارس اللغوي: لا يعرف قائلهما ولو ~~صحا لا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا نعوذ بالله من ~~تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة، وقيل: هو ما علا فأظل ومنه عرش الكرم {يغشي ~~الليل النهار} أي: يغطيه ولم يذكر عكسه، إما للعلم به وإما لأن اللفظ ~~يحتملهما بأن يكون المعنى بأنه يلحق الليل بالنهار والنهار بالليل، وقرأ ~~شعبة وحمزة والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين والباقون بسكون الغين وتخفيف ~~الشين {يطلبه} أي: يطلب كل منهما الآخر طلبا {حثيثا} أي: سريعا فهو صفة ~~مصدر محذوف ويحتمل أن يكون حالا من الفاعل بمعنى حاثا أو المفعول بمعنى ~~المحثوث {والشمس والقمر والنجوم مسخرات} أي: مذللات لما يراد منهن من طلوع ~~وأفول وسير على حسب إرادة المدبر لهن ms0798 {بأمره} أي: بقضائه وتصريفه. # وقرأ ابن عامر برفع الأربعة على الابتداء والخبر والباقون بالنصب عطفا ~~على السموات، ومسخرات منصوب بالكسرة {ألا له الخلق} جميعا {والأمر} كله ~~فإنه الموجد والمتصرف في ذلك، وفي هذا رد على من يقول: إن الشمس والقمر ~~والكواكب تخلق له الأمر المطلق وليس لأحد أمر غيره فهو الآمر والناهي الذي ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد من خلقه عليه، واستخرج سفيان، ~~بن عيينة من هذا أن كلام الله تعالى ليس بمخلوق فقال: إن الله تعالى فرق ~~بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر أي: إن جعل الأمر وهو كلامه من ~~جملة ما خلقه فهو كفر لأن المخلوق لا يقوم إلا بمخلوق {تبارك الله رب ~~العالمين} أي: تعالى بالوحدانية وتعظم بالتفرد في الربوبية، قال البيضاوي: ~~وتحقيق الآية والله # PageV01P480 # أعلم أن الكفرة كانوا متخذين أربابا فبين الله تعالى لهم أن المستحق ~~للربوبية واحد وهو الله تعالى لأنه الذي له الخلق والأمر فإنه تعالى خلق ~~العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك ثم زينها بالكواكب كما ~~أشار إليه بقوله تعالى: {فقضاهن سبع سموات في يومين} وعمد إلى إيجاد ~~الأجرام السفلية فخلق جسما قابلا للصور المتبدلة والهيآت المختلفة، ثم ~~قسمها بصور نوعية متضادة الآثار والأفعال وأشار إليه بقوله تعالى: {خلق ~~الأرض في يومين} (فصلت، 9) # أي: ما في جهة السفل في يومين ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة أي: وهي ~~النبات والحيوان والمعدن بتركيب موادها أولا وتصويرها ثانيا كما قال تعالى ~~بعد قوله: {خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيها أقواتها في أربعة أيام} (فصلت، 10) # أي: مع اليومين الأولين اللذين خلق فيهما السموات لقوله تعالى في سورة ~~السجدة: {الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} ثم لما ثم ~~له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة فدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي ~~والأيام ثم صرح بما هو نتيجة ذلك ms0799 فقال: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين} ، ثم أمرهم أن يدعوه متذللين مخلصين بقوله تعالى: # {ادعوا ربكم} لأن الدعاء هو السؤال والطلب وهو نوع من أنواع العبادة لأن ~~الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وهو ~~عاجز عن تحصيله وعرف أن ربه سبحانه وتعالى يسمع الدعاء ويعلم حاجته وهو ~~قادر على إيصالها إلى الداعي فعند ذلك يعرف العبد نفسه بالعجز والنقص ويعرف ~~ربه بالقدرة والكمال وهو المراد من قوله تعالى: {تضرعا} أي: ادعوا ربكم ~~تذللا واستكانة وهو إظهار الذل في النفس والخشوع يقال: ضرع فلان لفلان إذا ~~ذل له وخشع {وخفية} أي: سرا في أنفسكم وهو ضد العلانية والأدب في الدعاء أن ~~يكون خفيا لهذه الآية، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا إنكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم» قال أبو موسى: وأنا خلفه أقول لا ~~حول ولا قوة إلا بالله في نفسي، فقال: «يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على ~~كنز من كنوز الجنة؟» قلت: بلى، قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله» ، وقال ~~الحسن: بين دعوة السر والجهر سبعون ضعفا ولقد كان المسلمون يجهدون في ~~الدعاء لا يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله ~~تعالى يقول: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} فإن الله تعالى أثنى على زكريا عليه ~~الصلاة والسلام فقال: {إذ نادى ربه نداء خفيا} (مريم، 3) # وعن الحسن أيضا: إن الله يعلم التقي والدعاء الخفي إن كان الرجل لقد جمع ~~القرآن وما يشعر به جاره وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر ~~الناس به وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة وعنده الزوار وما يشعرون به، ~~ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يفعلوه في السر ms0800 ~~فيكون علانية أبدا {إنه} تعالى {لا يحب المعتدين} أي: المجاوزين ما أمروا ~~به في الدعاء وغيره نبه به على أن الداعي ينبغي له أن لا يطلب ما لا يليق ~~به كرتبة الأنبياء عليهم الصلاة # PageV01P481 # والسلام والصعود إلى السماء.n # روي أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن ~~يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بني إسأل الله الجنة وتعوذ به من النار ~~فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم ~~يعتدون في الطهور والدعاء» وقيل: أراد به الاعتداء في الجهر، قال ابن جريج: ~~من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح، وعنه صلى الله عليه وسلم ~~«سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسألك الجنة وما ~~قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل» ثم ~~قرأ: {إنه لا يحب المعتدين} . # {ولا تفسدوا في الأرض} أي: بالشرك والمعاصي {بعد إصلاحها} أي: ببعث الرسل ~~وشرع الأحكام، وقيل: لا تفسدوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث ~~بمعاصيكم وعلى هذا فمعنى قوله تعالى: {بعد إصلاحها} أي: بعد إصلاح الله ~~تعالى إياها بالمطر والخصب {وادعوه خوفا} منه ومن عذابه {وطمعا} أي: فيما ~~عنده من مغفرته وثوابه، وقال ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل {إن رحمت الله ~~قريب من المحسنين} أي: المطيعين، وفي ذلك ترجيح الطمع وتنبيه على ما يتوسل ~~به إلى الإجابة وتذكير قريب المخبر به عن رحمة لإضافتها إلى الله تعالى، ~~وقال سعيد بن جبير: الرحمة ههنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ، ~~وقيل: إن تأنيث الرحمة ليس بحقيقي وما كان كذلك جاز فيه التذكير والتأنيث ~~عند أهل اللغة، وقيل: ذكره للفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره حيث ~~يجب التأنيث في الأول فيقال فيه: فلانة قريبة مني ويجوز في الثاني فيقال: ~~فلانة قريبة وقريب مني في المكان وكون الرحمة قريبا من المحسنين لأن ~~الإنسان في كل ساعة من الساعات ms0801 في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة، وإذا ~~كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة وليس بينهم وبين رحمة الله التي هي ~~الثواب في الآخرة إلا الموت وهو قريب من الإنسان. # فائدة: رحمت تكتب بالتاء المجرورة فوقف عليها ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي بالهاء والباقون بالتاء وأمالها الكسائي في الوقف، وقوله تعالى: # {وهو الذي يرسل الرياح} عطف على ما قبله والمعنى: إن ربكم الله الذي خلق ~~السموات والأرض وهو الذي يرسل الرياح. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ~~بالتوحيد والباقون بالجمع {نشرا بين يدي رحمته} أي: متفرقة قدام المطر الذي ~~هو من أجل النعم وأحسنها أثرا. وقرأ عاصم بالباء الموحدة وسكون الشين أي ~~مبشرا، وحمزة والكسائي بالنون مفتوحة وسكون الشين على أنه مصدر في موضع ~~الحال بمعنى ناشرات أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان، وابن عامر ~~بالنون مضمومة وسكون الشين تخفيفا، والباقون بضم النون والشين جمع نشور ~~بمعنى ناشر {حتى إذا أقلت} أي: حملت الرياح {سحابا ثقالا} أي: بالمطر يقال: ~~أقل فلان الشيء إذا حمله واشتقاق الإقلال من القلة فإن من يرفع شيئا يراه ~~قليلا {سقناه} أي: السحاب وإفراد الضمير باعتبار اللفظ وفيه التفات عن ~~الغيبة ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث كما لو حمل على اللفظ على الوصف ~~لقيل: ثقيلا، والسحاب جمع سحابة وهو الغيم فيه ماء أو لم يكن فيه ماء سمي ~~سحابا لانسحابه في الهواء، قال السدي: إن الله سبحانه وتعالى يرسل الرياح ~~فتأتي # PageV01P482 # بالسحاب من بين الخافقين وهما طرفا السماء والأرض حيث يلتقيان فتخرجه ثم ~~تنشره فتبسطه في السماء كما يشاء ثم تفتح له أبواب السماء فيسيل الماء على ~~السحاب ثم يمطر السحاب بعد ذلك {لبلد ميت} لا نبات فيه أي: لإحيائه. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بتخفيف الياء والباقون بالتشديد {فأنزلنا ~~به} أي: بالبلد أو السحاب {الماء فأخرجنا به} أي: بذلك الماء لأن إنزال ~~الماء كان سببا لإخراج الثمرات {من كل الثمرات} أي: من كل أنواعها، قال ~~الأزهري: قال الليث بن سعد رحمه ms0802 الله تعالى: البلد هو كل موضع من الأرض ~~عامر أو غير عامر خال أو مسكون والطائفة منها بلدة والجمع بلاد {كذلك} أي: ~~مثل هذا الإخراج {نخرج الموتى} أحياء من قبورهم بعد فنائهم ودرس آثارهم ~~{لعلكم تذكرون} أي: لكي تعتبروا وتتذكروا والخطاب لمنكري البعث يقول: إنكم ~~شاهدتم الأشجار وهي مزهرة مورقة مثمرة في أيام الربيع والصيف ثم إنكم ~~شاهدتموها يابسة عارية من تلك الأوراق والثمار ثم إن الله أحياها مرة أخرى ~~فالقادر على إحيائها بعد موتها قادر على أن يحيي الأجساد بعد موتها. قال ~~أبو هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم: إذا مات الناس كلهم في النفخة ~~الأولى أرسل الله تعالى عليهم مطرا كمني الرجال من ماء تحت العرش فينبتون ~~في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح ثم يلقي ~~عليهم نومة فينامون في قبورهم ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم ~~النوم في رؤوسهم وأعينهم فعند ذلك يقولون: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} ~~(يس، 52) # وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد. # {والبلد الطيب} أي: والأرض الكريمة التربة السهلة السمحة {يخرج نباته ~~بإذن ربه} أي: بمشيئته وتيسيره عبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه ~~لأنها وقعت في مقابلة {والذي خبث} أي: والبلد الذي خبث أرضه فهي سبخة {لا ~~يخرج} نباته {إلا نكدا} أي: عسرا بمشقة وكلفة قال المفسرون: وهذا مثل ضربه ~~الله تعالى للمؤمن والكافر فشبه المؤمن بالأرض الطيبة وشبه نزول القرآن على ~~قلبه بنزول المطر على الأرض الطيبة فإذا نزل المطر عليها أخرجت أنواع ~~الأزهار والأثمار فكذلك المؤمن إذا سمع القرآن آمن به وانتفع به وظهر منه ~~الطاعات والعبادات وأنواع الأخلاق الحميدة وشبه الكافر بالأرض الرديئة ~~الغليظة السبخة التي لا ينتفع بها وإن أصابها المطر فكذلك الكافر إذا سمع ~~القرآن لا ينتفع به ولا يصدقه ولا يزيده إلا عتوا وكفرا وإن عمل الكافر ~~حسنة في الدنيا كانت بمشقة وكلفة ولا ينتفع بها في الآخرة، وقيل: هو مثل ~~ضربه الله تعالى لآدم وذريته كلهم ms0803 منهم طيب ومنهم خبيث {كذلك} أي: كما بينا ~~ما ذكر {نصرف} أي: نبين {الآيات} الدالة على التوحيد والإيمان آية بعد آية ~~وحجة بعد حجة {لقوم يشكرون} نعمة الله تعالى فيتفكرون فيها ويعتبرون بها ~~وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بسماع القرآن. # ولما ذكر الله تعالى في الآيات المتقدمة دلائل آثار قدرته الدالة على ~~توحيده وربوبيته وأقام الأدلة القاطعة على صحة البعث بعد الموت أتبع ذلك ~~بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما جرى لهم مع أممهم فقال: # {لقد} جواب قسم محذوف تقديره: والله لقد {أرسلنا نوحا} عليه السلام {إلى ~~قومه} ولا تكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد لأنها مظنة # PageV01P483 # التوقع فإن المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها ونوح هو ابن لمك بن ~~متوشلح بن أخنوخ وهو إدريس عليه السلام وهو أول نبي بعثه الله تعالى بعد ~~إدريس وكان نجارا بعثه الله تعالى إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: وهو ابن أربعين سنة، وقيل: وهو ابن مائة سنة، وقيل: ~~وهو ابن مائتين وخمسين سنة، وقال ابن عباس: سمي نوحا لكثرة ما ناح على ~~نفسه، واختلفوا في سبب نوحه فقال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: ~~لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان، وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ ~~يا قبيح فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني، أو أعبت الكلب. وفي ذكر القصص ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن إعراض قومه عن قبول الحق فقط ~~بل قد أعرض عنه غالب الأمم الخالية والقرون الماضية وفيه تنبيه على أن ~~عاقبة أولئك الذين كذبوا الرسل كانت للخسار والهلاك في الدنيا والآخرة ~~والعذاب الأليم فمن كذب محمدا صلى الله عليه وسلم من قومه كانت عاقبته مثل ~~أولئك الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة وفيه دليل على صحة نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولم يلق أحدا من علماء ~~زمانه وقد أتى بمثل هذه القصص ms0804 والأخبار عن القرون الماضية والأمم الخالية ~~مما لم ينكره عليه أحد فعلم بذلك أنه إنما أتى من عند الله وأنه أوحى إليه ~~بذلك فكان ذلك دليلا واضحا وبرهانا قاطعا على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم ~~{فقال} نوح حال إرساله لقومه {يا قوم اعبدوا الله} أي: اعبدوه وحده لقوله ~~تعالى: {مالكم من إله غيره} فإنه الذي يستحق العبادة لا غيره. وقرأ الكسائي ~~بكسر الراء والهاء على أنه صفة لإله والباقون برفعهما على البدل من محله ~~{إني أخاف عليكم} إن لم تقبلوا ما آمركم به من عبادة # الله تعالى واتباع أمره وطاعته {عذاب يوم عظيم} هو يوم القيامة أو يوم ~~نزول الطوفان وإهلاكهم فيه، وقال: أخاف، على الشك وإن كان يقينا من حلول ~~العذاب بهم إن لم يؤمنوا به لأنه لم يعلم وقت نزول العذاب بهم أيعاجلهم أم ~~يتأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح ~~الياء والباقون بالسكون. # {قال الملأ من قومه} أي: الأشراف منهم فإنهم يملؤون العيون منظرا {إنا ~~لنراك في ضلال} أي: خطأ وزوال عن الحق {مبين} أي: بين. # {قال} نوح مجيبا لهم: {يا قوم ليس بي ضلالة} أي: ليس بي شيء مما تظنون من ~~الضلال. # فإن قيل: لم لم يقل ليس بي ضلالة كما قالوا؟ أجيب: بأن الضلالة أخص من ~~الضلال فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه كما لو قيل: ألك ثمر فقلت: ما لي ~~ثمرة فقد بالغ في النفي كما بالغوا في الإثبات وقوله تعالى: {ولكني رسول من ~~رب العالمين} استدراك باعتبار ما يلزمه وهو كونه كأنه قال: ولكني على هدى ~~في الغاية لأني رسول الله. # {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم} والنصح إرادة الخير لغيره كما يريده ~~لنفسه، ويقال: نصحته ونصحت له كما يقال: شكرته وشكرت له وفي زيادة اللام ~~مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وإنما وقعت خالصة للمنصوح له مقصودا بها ~~جانبه لا غير فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فتقصد للنفعين جميعا ولا نصيحة ~~أمحض من نصيحة الله ورسوله ms0805 وقيل: حقيقة النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص ~~النية من شوائب المكروه، وقال بعض المفسرين: والفرق بين إبلاغ نصيحة ~~الرسالة وبين النصيحة # PageV01P484 # هو أن تبليغ الرسالة أن يعلمهم جميع أوامر الله تعالى ونواهيه وجميع ~~أنواع التكاليف التي أوجبها الله تعالى عليهم وأما النصيحة فهي أن يرغبهم ~~في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ويحذرهم عقابه إن عصوه وقرأ أبو ~~عمرو بسكون الباء وتخفيف اللام من الإبلاغ كقوله تعالى: {لقد أبلغتكم ~~رسالات ربي} وقرأ الباقون بفتح الباء وتشديد اللام من التبليغ كقوله تعالى: ~~{بلغ ما أنزل إليك من ربك} (النساء، 67) # {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي: من صفات الله وأحوال قدرته الباهرة ~~وشدة بطشه على أعدائه وإن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين، وقوله تعالى: # {أو عجبتم} الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف أي: أكذبتم وعجبتم {أن ~~جاءكم} أي: من أن جاءكم {ذكر} أي: موعظة {من ربكم على رجل} أي: على لسان ~~رجل {منكم} أي: من جنسكم أو من جملتكم تعرفون نسبه وذلك أنهم كانوا يتعجبون ~~من نبوة نوح عليه السلام ويقولون: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين يعنون ~~إرسال البشر ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة {لينذركم} أي: لأجل أن ينذركم عاقبة ~~الكفر والمعاصي {ولتتقوا} أي: ولأجل أن تتقوا الله {ولعلم ترحمون} بالتقوى ~~إن وجدت منكم لأن المقصود إرسال الرسل الإنذار والمقصود من الإنذار التقوى ~~عن كل ما لا ينبغي والمقصود بالتقوى الفوز بالرحمة في الدار الآخرة وفائدة ~~حرف الترجي التنبيه على أن التقوى غير موجبة والرحمة من الله تعالى محض ~~تفضيل وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب الله. # {فكذبوه} أي: نوحا {فأنجيناه والذين} آمنوا به {معه} من الغرق وكانوا ~~أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل: تسعة بنوه الثلاثة سام وحام ويافث وستة ~~ممن آمن به، وقوله تعالى: {في الفلك} متعلق بمعه كأنه قيل: والذين استقروا ~~معه في الفلك أو صحبوه في الفلك أو بأنجيناه أي: أنجيناهم في السفينة من ~~الطوفان {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان ms0806 {إنهم كانوا قوما عمين} ~~أي: عمي القلوب عن الحق غير مستبصرين يقال: رجل عم في البصيرة وأعمى في ~~البصر وأنشدوا قول زهير: # *وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم* # {وإلى عاد} أي: وأرسلنا إلى عاد وهو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح وهي ~~عاد الأولى {أخاهم هودا} أي أخاهم في النسب لا في الدين وهو هود بن عبد ~~الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وقيل: هو ابن ~~شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، واختلف في سبب الأخوة من أين ~~حصلت على وجهين: الأول: قال الزجاج: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من ~~الملائكة ويكفي هذا القدر في تسمية الأخوة، والمعنى: إنا أرسلنا إلى عاد ~~واحدا من جنسهم من البشر ليكون الفهم والأنس بكلامه أتم وأكمل ولم يبعث ~~إليهم من غير جنسهم مثل الملك والجن، والوجه الثاني: أن أخاهم بمعنى صاحبهم ~~والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم وكانت منازل عاد بالأحقاف باليمن والأحقاف ~~الرمل الذي عند عمان وحضرموت {قال يا قوم اعبدوا الله} أي: وحدوه ولا ~~تجعلوا معه إلها آخر {مالكم من إله غيره} . # فإن قيل: لم حذف العاطف من قوله: قال ولم يقل: فقال كما في قصة نوح؟ ~~أجيب: بأن هذا على تقدير سؤال # PageV01P485 # سائل قال: فما قال لهم هود، فقيل: قال: يا قوم، وقيل: إن نوحا كان مواظبا ~~على دعوته قومه غير متوان فيها لأن الفاء تدل على التعقيب وأما هود فلم يكن ~~كذلك بل كان دون نوح في المبالغة في الدعاء فأخبر الله تعالى عنه بقوله: ~~{يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره} {أفلا تتقون} الله أي: أفلا تخافون ~~عقابه فتؤمنون ولما كانت هذه القصة معطوفة على قصة نوح وقد علم ما حل بهم ~~من الغرق حسن قوله هنا: {أفلا تتقون} أي: أفلا تخافون ما نزل بهم من العذاب ~~ولما لم يكن قبل واقعة قوم نوح ms0807 شيء حسن تخويفهم من العذاب فقال هناك: {إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} (الأحقاف، 21) # {قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة} أي: في حمق وجهالة ~~وضلالة عن الصواب. # فإن قيل: لم قال قوم نوح: إنا لنراك في ضلال مبين، وقوم هود: إنا لنراك ~~في سفاهة؟ أجيب: بأن نوحا لما خوف قومه بالطوفان وطفق في عمل السفينة في ~~أرض ليس فيها من الماء شيء قال له قومه: إنا لنراك في ضلال مبين حيث تتعب ~~في إصلاح سفينة في هذه الأرض، وأما هود عليه السلام لما زيف عبادة الأصنام ~~ونسب من عبدها إلى السفه وهو قلة العقل قابلوه بمثله فقالوا: إنا لنراك في ~~سفاهة {وإنا لنظنك من الكاذبين} أي: في ادعائك أنك رسول من رب العالمين. # {قال} هود لهؤلاء الملأ الذين نسبوه إلى السفه {يا قوم ليس بي سفاهة} أي: ~~ليس الأمر كما تزعمون أن بي سفاهة {ولكني رسول من رب العالمين} . # {أبلغكم رسالات ربي} أي: أؤدي إليكم ما أرسلني به من أوامره ونواهيه ~~وشرائعه وتكاليفه {وأنا لكم ناصح} أي: فيما آمركم به من عبادة الله تعالى ~~{أمين} أي: مأمون على تبليغ الرسالة وأداء النصح والأمين الثقة على ما ~~إئتمن عليه. # فإن قيل: لم قال نوح: وأنصح لكم بصيغة الفعل وقال هود: وأنا لكم ناصح ~~بصيغة اسم الفاعل؟ أجيب: بأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة وكان ~~نوح يدعو قومه ليلا ونهارا كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: {رب إني دعوت ~~قومي ليلا ونهارا} (نوح، 5) # فلما كان ذلك من عادته ذكره بصيغة الفعل فقال: {وأنصح لكم} وأما هود فلم ~~يكن كذلك بل كان يدعوهم وقتا دون وقت فلهذا قال: {وأنا لكم ناصح أمين} . # فإن قيل: مدح الذات بأعظم صفات المدح غير لائق بالعقلاء؟ أجيب: بأنه فعل ~~هود ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام قومه بذلك ومقصوده الرد عليهم في قولهم: ~~{وإنا لنظنك من الكاذبين} فوصف نفسه بالأمانة وأنه أمين في تبليغ ما أرسل ~~به من عند الله ms0808 وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى ~~مدحها. # {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم} سبق تفسيره. # تنبيه: في إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا والإعراض ~~عن مقالتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة وهكذا ينبغي لكل ~~ناصح {واذكروا} نعمة الله عليكم {إذا جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} أي: ~~خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكا في الأرض فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة ~~الأرض من رمل عالج وهو موضع بالبادية بها رمل إلى شحر عمان وهو بفتح الشين ~~المعجمة وكسرها وبالحاء المهملة ساحل البحر بين عمان وعدن {وزادكم في الخلق ~~بسطة} أي: طولا وقوة قال الجلال المحلى في سورة الفجر: كان طول الطويل منهم ~~أربعمائة ذراع وقامة # PageV01P486 # القصير ستين ذراعا، وقال أبو حمزة اليماني: سبعون ذراعا، وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ثمانون ذراعا، وقال مقاتل: كان طول كل رجل اثني عشر ذراعا، ~~أخرج ابن عساكر عن وهب بذراعهم أي: على الأقوال كلها، وقال وهب: كان رأس ~~أحدهم مثل القبة العظمية وكان عين الرجل أي: بعد موته تفرخ فيها الضباع ~~وكذا مناخرهم، وقرأ نافع والبزي وشعبة والكسائي بالصاد وأبو عمرو وهشام ~~وقنبل وحفص وخلف بالسين وأما ابن ذكوان وخلاد فقرآ بالسين والصاد {فاذكروا ~~آلاء الله} أي: أنعمه أي: اعملوا بما يليق بذلك الإنعام وهو أن تؤمنوا به ~~وتتركوا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام {لعلم تفلحون} أي: تفوزون بالنعيم ~~المقيم في الآخرة. # {قالوا} أي: قوم هود مجيبين له {أجئتنا} يا هود {لنعبد الله وحده ونذر} ~~أي: نترك {ما كان يعبد آباؤنا} أي: من الأصنام استبعدوا اختصاص الله تعالى ~~بالعبادة والإعراض عما أشرك به آباؤهم ومعنى المجيء في أجئتنا إما لأن هودا ~~كان معتزلا عن قومه كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم بحراء قبل ~~البعثة فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم أو يريدون به الاستهزاء لأنهم كانوا ~~يعتقدون أن الله تعالى لا يرسل إلا الملائكة فكأنهم ms0809 قالوا: أجئتنا من ~~السماء كما يجيء الملك أو أن المقصود على المجاز كما تقول: ذهب يشتمني ولا ~~يراد حقيقة الذهاب {فأتنا بما تعدنا} أي: من العذاب {إن كنت من الصادقين} ~~أي: في قولك: إني رسول الله. # {قال} هود مجيبا لهم {قد وقع عليكم} أي: نزل عليكم {من ربكم رجس} عقاب ~~{وغضب} أي: سخط {أتجادلونني في أسماء سميتموها} أي: وضعتموها {أنتم ~~وآباؤكم} أي: من عند أنفسكم، والاستفهام للإنكار عليهم لأنهم سموا الأصنام ~~بالآلهة فعبدوها من دون الله {ما نزل الله بها} أي: بعبادتها {من سلطان} ~~أي: حجة وبرهان لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل وإنها لو استحقت ~~كان استحقاقها بجعله تعالى إما بإنزال آية أو نصب دليل {فانتظروا} أي: نزول ~~العذاب بسبب تكذيبكم لي {إني معكم من المنتظرين} ذلك فأرسلت عليهم الريح ~~العقيم. # {فأنجيناه} أي: هودا {والذين معه} أي: من المؤمنين {برحمة منا وقطعنا ~~دابر الذين كذبوا بآياتنا} أي: استأصلناهم وقوله تعالى: {وما كانوا مؤمنين} ~~عطف على كذبوا. روي أن قوم هود كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم ~~هودا فكذبوا وازدادوا عتوا فأمسك الله تعالى القطر عنهم ثلاث سنين حتى ~~جهدوا وكان الناس حينئذ مسلمهم وكافرهم إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت ~~الحرام وطلبوا من الله تعالى الفرج فجهزوا إلى الحرم قيل بن عنز ومرثد بن ~~سعد في سبعين من أعيانهم وكان بمكة إذ ذاك العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن ~~سام وسيدهم معاوية بن بكر فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم وأكرمهم ~~وكانوا أخواله وأصهاره فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان ~~قينتان له وكان اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة فتسميتهما جرادتين فيه ~~تغليب والقينة الأمة مغنية أو غير مغنية فلما رأى ذهولهم باللهو عما بعثوا ~~له أهمه ذلك واستحى أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه فذكر ~~ذلك للقينتين فقالتا: قل شعرا نغنيهم به ولا يدرون من قاله فعلم القينتين ~~معاوية: # v # *ألا يا قل ويحك قم فهينم* # والهينمة الصوت الخفي أي: ms0810 أخف # PageV01P487 # الدعاء. # *لعل الله يمنحنا غماما # والغمام هنا المطر. # *فيسقي أرض عاد إن عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما* # *من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما* # فلما غنتا به أزعجهم ذلك وقالوا: إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل ~~بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثد بن سعد: ~~والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله تعالى سقاكم ~~وأظهر إسلامه فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا مكة فإنه قد ~~اتبع دين هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت ~~تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد ~~من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك فقال: اخترت السوداء فإنها أكثر ماء ~~فخرجت على عاد من واد لهم يقال له: المغيث فاستبشروا به وقالوا: هذا عارض ~~ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود ومن معه من المؤمنين وأتوا ~~مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا. # يروى أن النبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذا هلك قومه ~~هاجر والصالحون معه إلى مكة يعبدون الله تعالى فيها حتى يموتوا، وروي عن ~~علي رضي الله تعالى عنه أن قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر. وقال عبد الرحمن ~~بن سابط: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا وأن قبر هود وصالح ~~وشعيب وإسماعيل في تلك البقعة. # {وإلى ثمود} أي: وأرسلنا إلى ثمود قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم ~~الأكبر وهو ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام، وقيل: سموا به ~~لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل وكان مسكنهم الحجر وهو بكسر الحاء ~~موضع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى واتفق القراء السبعة هنا على عدم ~~صرف ثمود مرادا به القبيلة وقرىء مصروفا في غير هذه السورة بتأويل الحي أو ~~باعتبار الأصل وهو أنه اسم لأبيهم الأكبر أو للماء القليل {أخاهم صالحا} ~~أي: أخاهم في النسب لا ms0811 في الدين وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد ~~بن حاذر بن ثمود {قال} لهم صالح حين أرسله الله تعالى إليهم {يا قوم اعبدوا ~~الله مالكم من إله غيره} أي: فلا يستحق أن يعبد سواه {قد جاءتكم بينة من ~~ربكم} أي: معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي وصدق ما أقول وأدعو إليه من ~~عبادة الله تعالى ثم فسر تلك البينة بقوله: {هذه ناقة الله لكم آية} أي: ~~علامة على صدقي أو آية نصبت على الحال عاملها ما دل عليه اسم الإشارة من ~~معنى الفعل كأنه قال: أشير إليها آية ولكم بيان لمن هي له آية موجبة عليه ~~الإيمان خاصة وهم ثمود لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا وليس الخبر ~~كالمعاينة كأنه قال لكم خصوصا وإنما أضيفت إلى الله تعالى تعظيما لها ~~وتفخيما لشأنها كما يقال: بيت الله ولأنها جاءت من عند الله تعالى بلا ~~وسائط وأسباب معهودة ولذلك كانت آية {فذروها} أي: أتركوها {تأكل في أرض ~~الله} أي: العشب فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات إنباتكم {ولا ~~تمسوها بسوء} أي: بشيء من أنواع الأذى لا بعقر ولا بغيره وقوله: {فيأخذكم ~~عذاب أليم} أي: بسبب أذاها جواب النهي. # {واذكروا إذ جعلكم خلفاء} في الأرض {من بعد عاد} أي: # PageV01P488 # إن الله تعالى أهلك عادا وجعلكم تخلفونهم في الأرض وتعمرونها {وبوأكم} ~~أي: أسكنكم وأنزلكم {في الأرض} أي أرض الحجر {تتخذون من سهولها قصورا} أي: ~~تبنون القصور من سهولة الأرض لأن القصور إنما تبنى من اللبن والآجر المتخذ ~~من الطين السهل اللين غالبا {وتنحتون الجبال بيوتا} أي: وتنقبون في الجبال ~~البيوت وكانوا في الصيف يسكنون بيوت الطين وفي الشتاء بيوت الجبال. وقرأورش ~~وأبو عمرو وحفص بضم الباء والباقون بخفضها {فاذكروا آلاء الله} أي: فاذكروا ~~نعمة الله عليكم واشكروه عليها فإنكم منعمون مرفهون بمساكن في الصيف ومساكن ~~في الشتاء {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} والعثو أشد الفساد، وقال قتادة: ~~معناه لا تسيروا مفسدين في الأرض، وقيل: أراد به النهي عن عقر ms0812 الناقة. # {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} أي: تكبروا عن الإيمان به {للذين ~~استضعفوا} أي: للذين استضعفوهم واستبذلوهم وقوله تعالى: {لمن آمن منهم} بدل ~~من الذين استضعفوا بدل الكل إن كان الضمير لقومه وبدل البعض إن كان للذين، ~~وقرأ ابن عامر: وقال الملأ بالواو والباقون بلا واو {أتعلمون أن صالحا مرسل ~~من ربه} أي: أن الله أرسله إلينا وإليكم قالوا: ذلك على الاستهزاء {قالوا} ~~أي: الضعفاء {إنا بما أرسل به} أي صالح من الدين والهدى {مؤمنون} أي: ~~مصدقون وإنما عدلوا عن الجواب السوي الذي هو نعم تنبيها على أن إرساله أظهر ~~من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي لب. # {قال} الملأ: {الذين استكبروا} عن أمر الله تعالى والإيمان به وبرسوله ~~صالح عليه السلام {إنا بالذي آمنتم به كافرون} أي: جاحدون متكبرون. # {فعقروا الناقة} أي: عقرها فدار بأمرها فأسند العقر إليهم والعقر قطع ~~عرقوب البعير ثم جعل النحر عقرا فإنه قتلها بالسيف فإن ناحر البعير يعقره ~~ثم ينحره {وعتوا عن أمر ربهم} أي: تكبروا عن أمر ربهم وعصوه وكذبوا نبيهم ~~صالحا عليه السلام {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا} أي: من العذاب {إن كنت ~~من المرسلين} أي: إن كنت تزعم أنك رسول الله فإن الله ينصر رسله على أعدائه ~~وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا مكذبين في كل ما أخبرهم به من العذاب. # {فأخذتهم الرجفة} أي: الزلزلة الشديدة من الأرض والصيحة من السماء ~~{فأصبحوا في دارهم جاثمين} أي: باركين على الركب ميتين. # روي أن عادا لما أهلكت عمرت ثمود بلادهم وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا ~~أعمارا طوالا حتى أن الرجل كان يبني البيت المحكم فينهدم في حياته فينحتون ~~البيوت من الجبال وكانوا في سعة ورخاء من العيش فعثوا وأفسدوا في الأرض ~~وعبدوا الأصنام فبعث الله تعالى إليهم صالحا عليه السلام من أشرافهم غلاما ~~شابا فدعاهم إلى الله تعالى حتى كبر لا يتبعه إلا قليل مستضعفون فلما ألح ~~عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر عليهم التحذير والتخويف سألوه آية فقال ~~لهم: أي ms0813 آية تريدون؟ فقالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم في ~~السنة فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا ~~اتبعتنا، قال لهم صالح: نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم وخرج صالح معهم ~~ودعوا أوثانهم وسألوهم الاستجابة فلم تجبهم ثم قال سيدهم جندع بن عمرو ~~وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها: الكاثبة: أخرج لنا من هذه ~~الصخرة ناقة # PageV01P489 # مخترجة جوفاء وبراء والمخترجة هي التي شاكلت البخت، والجوفاء ذات الجوف، ~~والوبراء ذات الوبر فإن فعلت ذلك صدقناك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت ~~لتؤمنن ولتصدقن فقالوا: نعم فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة أي: تحركت للولادة ~~تمخض النتوج بولدها فانصدعت أي: انشقت عن ناقة عشراء وهي التي مر عليها من ~~يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين ~~جنبيها إلا الله تعالى عظما وعظماؤهم ينظرون ثم نتجت ولدا مثلها في العظم ~~فآمن به جندح ورهط من قومه وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدقوه فنهاهم ~~ذؤاب بن عمرو بن أسد والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر كاهنهم وكانوا من ~~أشراف ثمود فلما خرجت الناقة قال لهم صالح: هذه ناقة الله لها شرب ولكم شرب ~~يوم معلوم فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد غبا ~~فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيها ثم ~~تتفحج وهو # بتقديم الحاء المهملة مثل التفسح وهو أن تفرج بين رجليها فيحلبون ما شاؤا ~~حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف أي: تقيم زمن الصيف بظهر ~~الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو أي: تقيم زمن الشتاء ببطنه ~~فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم وزين عقرها لهم امرأتان عنيزة بنت ~~غنم وصدقة بنت المختار لما أضرت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي ~~فعقروها واقتسموا لحمها فرقي سقبها وهو بفتح السين والقاف ولدها الذكر جبلا ~~اسمه قارة فرغا ثلاثا وكان صالح عليه السلام قال لهم: أدركوا الفصيل ms0814 عسى أن ~~يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه، وانفجت وهو بتشديد الجيم أي: انفتحت ~~الصخرة بعد رغائه فدخلها، فقال لهم صالح: تصبحون غدا وجوهكم مصفرة وبعد غد ~~وجوهكم محمرة واليوم الثالث وجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب فلما رأوا ~~العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين فلما كان اليوم ~~الرابع واشتد الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالإنطاع فأتتهم صيحة من السماء ~~فتقطعت قلوبهم وهلكوا. وسيأتي لهذه القصة زيادة إن شاء الله تعالى في سورة ~~النمل. # ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر في غزوة تبوك قال ~~لأصحابه: «لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على ~~هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم» وقال صلى ~~الله عليه وسلم لعلي: «أتدري من أشقى الأولين» قال: الله ورسوله أعلم، قال: ~~«عاقر ناقة صالح عليه السلام، أتدري من أشقى الآخرين» قال: الله ورسوله ~~أعلم، قال: «قاتلك» {فتولى} أي: أعرض صالح {عنهم} وفي هذا التولي قولان: ~~أحدهما: أنه تولى عنهم بعد أن ماتوا وهلكوا ويدل عليه قوله تعالى: {فأصبحوا # PageV01P490 # في دارهم جاثمين فتولى عنهم} والفاء للتعقيب فدل على أنه حصل هذا التولي ~~بعد جثومهم وهو موتهم. # والقول الثاني: أنه تولى عنهم وهم أحياء قبل هلاكهم ويدل عليه أنه خاطبهم ~~{وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} ~~وهذا الخطاب لا يليق إلا بالإحياء، وعلى هذا القول يحتمل أن في الآية ~~تقديما وتأخيرا تقديره فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم سالة ربي ونصحت ~~لكم ولكن لا تحبون الناصحين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. وأجيب ~~من جهة الأول: بأنه خاطبهم بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا كما خاطب نبينا صلى ~~الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقوا في القليب فجعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يناديهم بأسمائهم الحديث في الصحيحين وفيه فقال عمر: يا ~~رسول الله تكلم أمواتا قد جيفوا، فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول ms0815 منهم ولكن ~~لا يجيبون» وقيل: إنما خاطبهم صالح عليه السلام بذلك ليكون عبرة لمن يأتي ~~من بعدهم فينزجروا عن مثل تلك الطريقة. # وروي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت، وروي ~~أنه خرج في مائة وعشرين من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعا ~~فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفا وخمسمائة دار، وروي أنه رجع بمن معه من ~~المسملين فسكنوا ديارهم وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة وهو ابن ~~ثمان وخمسين سنة وأقام في قومه عشرين سنة. # {ولوطا} أي: وأرسلنا لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم {إذ قال ~~لقومه} أي: وقت قوله لهم، وقيل: معناه واذكر لوطا ويبدل منه إذ قال لقومه ~~وهم أهل سذوم، قال التفتازاني: هو بفتح السين قرية قوم لوط والذال المعجمة ~~في رواية الأزهري دون غيره، اه. وصوبه صاحب القاموس وغلط الجوهري في قوله: ~~إنها مهملة وذلك أن لوطا عليه السلام لما هاجر مع عمه إبراهيم عليه السلام ~~إلى الشام فنزل إبراهيم عليه السلام أرض فلسطين وأنزل لوطا الأردن وهو بضم ~~الهمزة والدال وتشديد النون نهر وكورة بأعلى الشام فأرسله الله تعالى إلى ~~أرض سذوم يدعوهم إلى الله تعالى وينهاهم عن فعلهم القبيح وهو قوله تعالى: ~~{أتأتون الفاحشة} أي: أتفعلون الفاحشة الخبيثة التي هي غاية القبح وكانت ~~فاحشتهم إتيان الذكر في أدبارهم كما سيأتي {ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين} أي: ما فعلها أحد قبلكم والباء للتعدية ومن الأولى زائدة لتوكيد ~~النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض والجملة استئناف مقرر ~~للإنكار وبخهم أولا بإتيان الفاحشة ثم باختراعها فإنه أسوأ، قال عمرو بن ~~دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان من قوم لوط. ثم بين الفاحشة ~~بقوله: # {أئنكم لتأتون الرجال} أي: في أدبارهم {شهوة من دون النساء} أي: إن أدبار ~~الرجال أشهى عندكم من فروج النساء. وقرأ نافع وحفص بكسر الهمزة ولا ياء ~~بينها وبين النون على الحبر وشهوة إما مفعول له وإما مصدر في ms0816 موضع الحال ~~وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن ~~يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع لا قضاء الوطر، وقرأ ~~ابن كثير بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة مسهلة ولا مد بينهما، وأبو ~~عمرو كذلك إلا أنه يمد بين الهمزتين وهشام بتحقيق الهمزتين بينهما مد ~~والباقون بتحقيقهما من غير مد بينهما وقوله: {بل أنتم} أيها القوم {قوم ~~مسرفون} أي: مجاوزون الحلال إلى الحرام إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم ~~بالحالة التي توجب ارتكاب القبائح وتدعو إلى اتباع الشهوات وإنما ذمهم الله ~~تعالى وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث لأن الله تعالى خلق الإنسان وركب ~~فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمارة الدنيا وجعل النساء محلا لتلك الشهوة ~~وموضع النسل فإذا تركهن ووضع الشيء في غير محله # PageV01P491 # الذي خلق له فقد أسرف وجاوز واعتدى لأن وضع الشيء في غير محله الذي وضع ~~له إسراف لأن أدبار الرجال ليست محلا للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة ~~المركبة في الإنسان. # روي أن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس لعنه الله تعالى لأن بلادهم أخصبت ~~بالزرع والثمار وانتجعها أهل البلدان فتمثل لهم إبليس لعنه الله تعالى في ~~صورة شاب ثم دعا إلى نفسه فكان أول من نكح في دبره، وقال محمد بن إسحاق: ~~كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فأذوهم فعرض لهم ~~إبليس لعنه الله تعالى في صورة شيخ، وقال لهم: إن فعلتم بهم كذا وكذا نجوتم ~~منهم فلما ألح عليهم قصدوهم فأصابوا غلمانا حسانا فاستخنثوا واستحكم ذلك ~~فيهم. # [وما كان جواب قومه] # له حين وبخهم على فعلهم القبيح وارتكابهم ما حرم الله تعالى عليهم من ~~العمل الخبيث {إلا أن قالوا} أي: قال بعضهم لبعض {أخرجوهم من قريتكم} أي: ~~ما جاؤوا بما يكون جوابا عما كلمهم به لوط عليه السلام من إنكار الفاحشة ~~وتعظيم أمرها ولكنهم جاؤوا بشيء آخر لا يتعلق بنصيحته وكلامه من الأمر ~~بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ضجرا بهم ms0817 وبما يسمعونه من وعظهم ~~ونصحهم وقولهم: {إنهم أناس يتطهرون} أي: يتنزهون عن فعلكم وعن أدبار الرجال ~~سخرية بهم وبتطهيرهم من الفواحش وافتخارا بما كانوا فيه من القاذورات كما ~~تقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من ~~هذا المتنزه. # {فأنجيناه} أي لوطا {وأهله} أي: من آمن به، وقوله تعالى: {إلا امرأته} ~~استثناء من أهله فإنها كانت تسر الكفر موالية لأهل سذوم {كانت من الغابرين} ~~أي: من الذين غبروا أي: بقوا في ديارهم فهلكوا. # وروي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت وإنما قال تعالى: {من الغابرين} ولم ~~يقل من الغابرات لأنها هلكت مع الرجال فغلب الذكور على الإناث. # {وأمطرنا عليهم مطرا} أي: نوعا من المطر عجيبا وهو مبين بقوله تعالى: ~~{وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل} (الحجر، 74) # أي: قد عجنت بالكبريت والنار، يقال: مطرت السماء وأمطرت، وقال أبو عبيدة: ~~يقال في العذاب: أمطر وفي الرحمة مطر، وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت ~~الحجارة على مسافريهم {فانظر} أي: أيها الإنسان {كيف كان عاقبة المجرمين} . # روي أن تاجرا منهم كان في الحرم فوقف الحجر أربعين يوما حتى قضى تجارته ~~وخرج من الحرم فوقع عليه، وقال مجاهد: نزل جبريل عليه السلام وأدخل جناحه ~~تحت مدائن قوم لوط فاقتلعها ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ~~ثم أتبعوا بالحجارة كما قال تعالى: {فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها ~~حجارة من سجيل} (الحجر، 74) . # {وإلى مدين} أي: وأرسلنا إلى ولد مدين بن إبراهيم خليل الرحمن عليه ~~السلام {أخاهم} في النسب لا في الدين {شعيبا} بن ميكيل بن يشجر بن مدين ~~وكان يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه عليه السلام وكان قومه أهل ~~كفر وبخس للمكيال والميزان {قال} أي: شعيب عليه السلام {يا قوم اعبدوا الله ~~مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة} أي: معجزة تدل على صدق ما جئت به {من ~~ربكم} أوجبت عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به. # فإن قيل: ما كانت معجزته إذ لم تذكر له معجزة؟ أجيب: بأنه قد وقع العلم ~~بأنه ms0818 كان له معجزة لقوله: {قد جاءتكم بينة من ربكم} ولأنه # PageV01P492 # لا بد لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه وإلا لم تصح دعواه وكان ~~متنبئا لا نبيا غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر أكثر معجزات ~~نبينا صلى الله عليه وسلم فيه ومن معجزات شعيب عليه السلام الواردة في غير ~~القرآن ما روي من محاربة عصا موسى التنين حين دفع إليه الغنم وولادة الغنم ~~الدرع حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها والدرع بوزن الصرد وهي الغنم ~~التي أوائلها سواد وأواخرها بياض ووقوع عصا آدم عليه السلام على يده في ~~المرات السبع وغير ذلك من الآيات لأن هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى ~~عليه السلام فكانت معجزة لشعيب وهذا أولى من جعله كرامة لموسى أو إرهاصا ~~وهو علامة تظهر قبل النبوة وقيل: أراد بالبينة الموعظة وهي قوله تعالى: ~~{فأوفو الكيل والميزان} أي: أتموهما {ولا تبخسوا} أي: تنقصوا {الناس ~~أشياءهم} فتطففوا الكيل والوزن يقال: بخس فلان الكيل والوزن إذا نقصه ~~وطففه. # فإن قيل: هلا قال المكيال والميزان كما في سورة هود؟ أجيب: بأنه أراد ~~بالكيل آلة الكيل وهو المكيال أو سمى ما يكال به بالكيل، أو أريد وأوفوا ~~كيل المكيال ووزن الميزان وإنما قال {أشياءهم} لأنهم كانوا يبخسون الناس كل ~~شيء في مبايعاتهم أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه كما يفعل أمراء ~~الجور {ولا تفسدوا في الأرض} أي: بالكفر والمعاصي {بعدإصلاحها} أي: بعدما ~~أصلح أمرها وأهلها الأنبياء وأتباعهم بالشرائع {ذلكم} أي: الذي ذكرت لكم ~~وأمرتكم به من الإيمان ووفاء الكيل والميزان وترك المظالم والبخس {خير لكم} ~~أي: مما أنتم عليه من الكفر وظلم الناس {إن كنتم مؤمنين} أي: مصدقين بما ~~أقول لكم ومعنى {خير لكم} أي: في الإنسانية وحسن ما يتحدث به وجمع المال ~~لأن الناس ترغب في متاجرتكم إذا عرفوا منكم الأمانة والتسوية. # {ولا تقعدوا بكل صراط} أي: طريق من طرف الدين {توعدون} أي: تمنعون الناس ~~من الدخول فيه وتهددونهم على ذلك وذلك ms0819 أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ~~فيخبرون من أتى عليهم أن شعيبا الذي تريدونه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم ~~وقيل: كانوا يقطعون الطريق على الناس أو يقعدون لأخذ المكس منهم وقوله ~~تعالى: {وتصدون} أي: تصرفون الناس {عن سبيل الله} أي: دينه {من آمن به} ~~دليل على أن المراد بالطريق سبيل الحق. # فإن قيل: صراط الحق واحد قال تعالى: {وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام، 153) # فكيف قيل: بكل صراط؟ أجيب: بأن صراط الحق وإن كان واحدا لكنه يتشعب إلى ~~معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة وكانوا إذا رأوا أحد يشرع في شيء منها ~~أوعدوه وصدوه {وتبغونها} أي: تطلبون الطريق {عوجا} أي: تصفونها للناس بأنها ~~سبيل معوجة عن الحق غير مستقيمة لتصدوهم عن سلوكها والدخول فيها أو يكون ~~ذلك تهكما بهم وإنهم يطلبون لها ما هو محال فإن طريق الحق لا يعوج ~~{واذكروا} نعمة الله عليكم وآمنوا به {إذ كنتم قليلا فكثركم} أي: كثر عددكم ~~بعد القلة أو كثركم بالغنى بعد الفقر وكثركم بالقدرة بعد الضعف قيل: إن ~~مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط عليهما السلام فولدت فرمى الله تعالى في ~~نسلهما بالبركة والنماء فكثروا ونموا {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} ~~قبلكم بتكذيبهم # PageV01P493 # رسلهم أي: آخر أمرهم من الهلاك وأقرب الأمم إليكم قوم لوط فانظروا كيف ~~أرسل الله تعالى عليهم حجارة من السماء لما عصوه وكذبوا رسوله. # {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا} به أي: وإن ~~اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين فرقة آمنت بي وصدقت برسالتي وفرقة كذبت ~~وجحدت برسالتي {فاصبروا} أي: فتربصوا {حتى يحكم الله بيننا} أي: بين ~~الفرقتين فيعز المؤمنين أي: المصدقين وينصرهم ويهلك المكذبين الجاحدين ~~ويعذبهم وفي هذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين {وهو خير الحاكمين} أي: لا ~~حيف في حكمه ولا معقب له لأنه تعالى منزه عن الجور والميل في حكمه وإنما ~~قال: {خير الحاكمين} لأنه قد يسمى بعض الأشخاص حاكما على سبيل المجاز والله ~~تعالى هو الحاكم في ms0820 الحقيقة. # أي: الجماعة {الذين استكبروا} أي: تكبروا {من قومه} عن الإيمان بالله ~~ورسوله وتعظموا عن اتباع شعيب عليه الصلاة والسلام {لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن} أي: ترجعن {في ملتنا} أي: لا بد من أحد ~~الأمرين إما إخراجك ومن اتبعك على دينك من بلدنا أو عودكم في الكفر. # فإن قيل: شعيب لم يكن قط على ملتهم حتى يرجع إلى ما كان عليه؟ أجيب: بأن ~~أتباع شعيب كانوا على ملة أولئك الكفار فخاطبوا شعيبا وأتباعه جميعا فدخل ~~هو في الخطاب وإن لم يكن على ملتهم قط لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر ~~مطلقا فاستعمل العود في حقهم على سبيل المجاز وجرى بعضهم على أن العود ~~يستعمل بمعنى صار كما يستعمل بمعنى رجع فلا يستلزم الرجوع إلى حالة سابقة ~~بل هو انتقال من حالة سابقة إلى حالة مستأنفة كما قال القائل: # *فإن تكن الأيام تحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب* # راد فقد صارت لهن دنوب ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان {قال} لهم ~~شعيب على سبيل الاستفهام الإنكاري {أولو كنا كارهين} أي: كيف نعود فيها ~~ونحن كارهون لها، وقيل: لا نعود فيها وإن أكرهتمونا وجبرتمونا على الدخول ~~فيها لا نقبل ولا ندخل. # {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها} ~~والجواب عن هذا مثل ما أجيب به عن الأول وهو أن نقول: إن الله نجى قومه ~~الذين آمنوا به من تلك الملة الباطلة إلا أن شعيبا نظم نفسه في جملتهم وإن ~~كان بريئا مما كانوا عليه من الكفر فأجرى الكلام على حكم التغليب {وما يكون ~~لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} أي: إلا أن يشاء خذلاننا ~~وارتدادنا فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا وفيه دليل على أن ~~الكفر بمشيئة الله تعالى، وقيل: أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ~~ما لا يكون {وسع ربنا كل شيء علما} أي: وسع علمه كل شيء فلا ms0821 يخفى عليه شيء ~~مما كان وما يكون منا ومنكم {على الله توكلنا} في أن يثبتنا على الإيمان ~~ويخلصنا من الأشرار ولما أيس شعيب من إيمان قومه دعا بهذا الدعاء فقال: ~~{ربنا افتح} أي: اقض وافصل واحكم {بيننا وبين قومنا بالحق} أي: بالعدل الذي ~~لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف {وأنت خير الفاتحين} أي: الحاكمين. # {وقال الملأ الذين كفروا من قومه} أي: قال جماعة من أشراف قوم شعيب ممن ~~كفر به لآخرين منهم {لئن اتبعتم شعيبا} أي: على دينه وتركتم دينكم وما أنتم ~~عليه {إنكم إذا لخاسرون} أي: مغبونون # PageV01P494 # لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف أو لاستبدال ضلالته بهداكم وجواب ~~القسم الذي وطأته اللام في لئن اتبعتم شعيبا وجواب الشرط قوله: {إنكم إذا ~~لخاسرون} فهو ساد مسد الجوابين. # {فأخذتهم الرجفة} أي: الزلزلة الشديدة {فأصبحوا في دارهم} أي: مدينتهم ~~{جاثمين} أي: باركين على الركب ميتين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فتح ~~الله عليهم بابا من جهنم فأرسل عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ~~ظل ولا ماء فدخلوا في الأسراب ليتبردوا فيها فوجدوها أشد حرا من الظاهر ~~فخرجوا إلى البرية فبعث الله تعالى عليهم سحابة فيها ريح طيبة باردة ~~فأظلتهم وهي الظلة فوجدوا لها بردا ونسيما فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا ~~تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم نارا ورجفت بهم ~~الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد وصاروا رمادا، وروي أن الله تعالى حبس ~~عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر سبعة أيام ثم رفع لهم جبل من بعيد ~~فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون فأتاهم وأخبرهم فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ~~ذلك الجبل عليهم فذلك قوله تعالى: {عذاب يوم الظلة} (الشعراء، 189) # وقال قتادة: بعث الله تعالى شعيبا إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين فأما ~~أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة وأما أصحاب مدين فأخذتهم الصيحة صاح بهم جبريل ~~عليه السلام فهلكوا جميعا، قال أبو عبدا الله البجلي: كان أبو جاد وهوز ~~وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن شعيب ms0822 يوم الظلة كلمن ~~فلما هلك قالت ابنته شعرا ترثيه وتبكيه: # *كلمن قد هدركني ... هلكه وسط المحله* # *سيد القوم أتاه ال ... حتف نار تحت ظله* # *جعلت نارا عليهم ... دارهم كالمضمحله* # وقوله تعالى: # {الذين كذبوا شعيبا} مبتدأ خبره {كأن} مخففة واسمها محذوف أي: كأنهم {لم ~~يغنوا} أي: لم يبقوا وينزلوا {فيها} أي: في ديارهم يوما من الدهر يقال: ~~غنيت بالمكان أي: أقمت به والمغاني المنازل التي بها أهلها واحدها مغني قال ~~الشاعر: # *ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد* # أراد أقاموا فيه وقيل: كأن لم يعيشوا فيها متنعمين يقال: غني الرجل إذا ~~استغنى وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر قال الشاعر: # *غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكل سقانا بكاسيهما الدهر* # *فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنى ولا أزرى بأحسابنا الفقر* # قال الزجاج: معنى غنينا عشنا والتصعلك الفقر يقال للفقير: صعلوك {الذين ~~كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} أي: دينا ودنيا دون الذين اتبعوه فإنهم ~~الرابحون في الدارين وأكد ذلك بإعادة الموصول وغيره للرد عليهم في قولهم ~~السابق. # {فتولى} أي: أعرض شعيب {عنهم} أي: عن قومه {وقال يا قوم لقد أبلغتكم ~~رسالات ربي ونصحت لكم} أي: قال ذلك لما تيقن نزول العذاب بهم تأسفا وحزنا ~~عليهم لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابة والإيمان ثم أنكر # PageV01P495 # على نفسه فقال: {فكيف آسى} أي: أحزن {على قوم كافرين} لأنهم ليسوا أهل ~~حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بسبب كفرهم، وقيل: قال ذلك اعتذارا عن عدم شدة ~~حزنه عليهم والمعنى: لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار وبذلت وسعي في النصح ~~فلم يصدقوا قولي فكيف أحزن عليهم وقوله تعالى: # {وما أرسلنا في قرية من نبي} فيه إضمار وحذف تقديره: فكذبوه {إلا أخذنا ~~أهلها بالبأساء والضراء} قال ابن مسعود: البأساء الفقر والضراء المرض، ~~وقيل: البأساء الشدة وضيق العيش والضراء سوء الحال {لعلهم يضرعون} أي: ~~فعلنا بهم ذلك لكي يتضرعوا ويتوبوا والتضرع التذلل والخضوع والانقياد لأمر ~~الله. # {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة} أي: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه ms0823 من البلاء ~~والشدة السلامة والسعة كقوله تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} ~~(الأعراف، 168) # فأخبر الله تعالى بهذه الآية أنه يأخذ أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة ~~وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج وهو قوله تعالى: {حتى عفوا} أي: كثروا ~~ونموا في أنفسهم وأموالهم يقال: عفا الشعر إذا كثر وطال ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم «وأعفوا اللحى» أي: وفروها وأكثروا شعرها {وقالوا} كفرا للنعمة ~~{قد مس آباءنا الضراء والسراء} وهذه عادة الدهر قديما وحديثا لنا ولآبائنا ~~ولم يكن ما مسنا من الشدة والضراء عقوبة لنا من الله تعالى على ما نحن عليه ~~فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم من قبل فإنهم لم يتركوا دينهم لما ~~أصابهم من الضراء والسراء قال الله تعالى: {فأخذناهم بغتة} أي: فجأة أينما ~~كانوا ليكون ذلك أعظم لحسرتهم {وهم لا يشعرون} أي: بنزول العذاب بهم ~~والمراد بذكر هذه القصة وغيرها من القصص اعتبار من سمعها لينزجر عما هو ~~عليه من الذنوب ويرجع إلى الله تعالى ويزداد الذين آمنوا إيمانا. # {ولو أن أهل القرى} أي: المكذبين {آمنوا} أي: بالله ورسوله {واتقوا} أي: ~~الشرك والمعاصي {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} أي: لأتيناهم بالخير ~~من كل جهة، وقيل: بركات السماء المطر وبركات الأرض النبات والثمار والأنعام ~~وجميع ما فيها من الخيرات وكل ذلك من فضل الله تعالى وإحسانه وإنعامه على ~~عباده. وقرأ ابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف {ولكن كذبوا} أي: ~~فعلنا بهم ذلك ليؤمنوا فما آمنوا ولكن كذبوا الرسل {فأخذناهم} أي: عاقبناهم ~~بأنواع العذاب {بما} أي: بسبب ما {كانوا يكسبون} من الكفر والمعاصي. # وقوله تعالى: # {أفأمن أهل القرى} عطف على قوله تعالى: {فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} ~~وما بينما اعتراض والمعنى: أبعد ذلك أمن أهل القرى {أن يأتيهم بأسنا} أي: ~~عذابنا {بياتا} أي: ليلا وقوله تعالى: {وهم نائمون} حال من ضمير هم البارز ~~أو المستتر في بياتا. # {أو أمن أهل القرى} هو استفهام بمعنى الإنكار وفيه وعيد وزجر وتهديد ~~والمراد بالقرى مكة وما حولها وقيل: هو عام في كل ms0824 أهل القرى الذين كفروا ~~وكذبوا. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بسكون الواو والباقون بفتح الواو ~~{أن يأتيهم بأسنا ضحى} أي: نهارا لأن الضحى صدر النهار {وهم يلعبون} أي: ~~وهم ساهون لاهون غافلون عما يراد بهم وقوله تعالى: # {أفأمنوا مكر الله} تقرير لقوله تعالى: {أفأمن أهل القرى} ومكر الله ~~استعارة لاستدراج العبد بالنعم في الدنيا وأخذه من حيث لا يحتسب {فلا يأمن # PageV01P496 # مكر الله إلا القوم الخاسرون} أي: إنه لا يأمن استدراجه إياهم بالنعم ~~وأخذهم بغتة إلا من خسر في أخراه وهلك مع الهالكين فعلى العاقل أن يكون في ~~خوفه من الله تعالى كالمحارب الذي يخاف من عدوه المتمكن البيات والغيلة، ~~وعن الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى أن ابنته قالت له: مالي أرى الناس ~~ينامون ولا أراك تنام؟ فقال: يا ابنتاه إن أباك يخاف البيات أراد قوله ~~تعالى: {أن يأتيهم بأسنا بياتا} : {أولم يهد} أي: يتبين {للذين يرثون ~~الأرض} أن يسكنونها {من بعد} هلاك {أهلها} الذين كانوا من قبلهم فورثوها ~~عنهم وخلفوهم فيها {أن لو نشاء أصبناهم} بالعذاب {بذنوبهم} كما أصبنا من ~~قبلهم والهمزة للتوبيخ وأن لو نشاء مرفوع بأنه فاعل يهد أي: أولم يهد للذين ~~يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن وهو أن لو نشاء ~~أصبناهم بذنوبهم أي: بسببها كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين منهم كما ~~أهلكنا المورثين وإنما عدى فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين كما مر. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية واوا في الوصل ~~والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى: {ونطبع} أي: نختم {على قلوبهم} معطوف على ~~ما دل عليه {أولم يهد} كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم أو ~~على يرثون الأرض أو يكون منقطعا بمعنى: ونحن نطبع على قلوبهم {فهم لا ~~يسمعون} موعظة أي: لا يقبلونها ومنه سمع الله لمن حمده قال الشاعر: # *دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول* # أي: يقبله ويستجيبه. # {تلك القرى} أي: القرى التي ذكرنا لك يا محمد ms0825 أمرها وأمر أهلها وهي قرى ~~قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب {نقص عليك} يا محمد {من أنبائها} ~~أي: نخبرك عنها وعن أهلها وما كان من أمرهم وأمر رسلهم الذين أرسلوا إليهم ~~لتعلم أننا ننصر رسلنا والذين آمنوا معهم على أعدائهم من أهل الكفر والعناد ~~وكيف أهلكناهم بكفرهم ومخالفتهم رسلهم وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وتحذير لكفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصابهم {ولقد جاءتهم} أي: أهل تلك ~~القرى {رسلهم بالبينات} أي: بالمعجزات الباهرات والبراهين الدالة على صدقهم ~~وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام وأمال ~~حمزة وابن ذكوان الألف وسكن السين أبو عمرو ورفعها الباقون {فما كانوا ~~ليؤمنوا} أي: عند مجيئهم بها {بما كذبوا} أي: كفروا به {من قبل} أي: قبل ~~مجيء الرسل بل استمروا على الكفر واللام لتأكيد النفي والدلالة على أنهم ما ~~صلحوا للإيمان لمنافاته لحالتهم في التصميم على الكفر والطبع على قلوبهم ~~{كذلك} أي: كما طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية وأهلكهم يطبع الله ~~على قلوب الكافرين الذين كتب عليهم أنهم لا يؤمنون من قومك. # {وما وجدنا لأكثرهم} أي: لأكثر الناس على الإطلاق أو لأكثر الأمم الخالية ~~والقرون الماضية الذين قصصنا خبرهم عليك، وأكد الاستغراق فقال: {من عهد} ~~أي: من وفاء بالعهد الذي عهدناه إليهم وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق، ~~والآية على الأول اعتراض وعلى الثاني من تتمة الكلام السابق {وإن} مخففة ~~أي: وإنا {وجدنا} أي: في علمنا في عالم الشهادة {أكثرهم لفاسقين} أي: ~~خارجين عن دائرة العهد طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب # PageV01P497 # وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه ~~بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم. # {ثم بعثنا من بعدهم} أي: الرسل المذكورين وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ~~عليهم الصلاة والسلام أو الأمم المهلكين {موسى} عليه السلام {بآياتنا} أي: ~~بحجتنا الدالة على صدقه كاليد والعصا {إلى فرعون} هو علم جنس لملوك مصر ~~ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم ms0826 والنجاشي لملوك الحبشة، وكان اسم فرعون ~~موسى: قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان وكان ملك القبط {وملائه} أي: ~~عظماء قومه وخصهم بالذكر لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم فكأنهم المقصودون ~~والإرسال إليهم إرسال إلى الكل {فظلموا} أي: كفروا {بها} أي: بسبب رؤيتها ~~خوفا على رياستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم {فانظر} أيها المخاطب ~~بعين البصيرة {كيف كان عاقبة المفسدين} أي: آخر أمرهم أي: كيف فعلنا بهم ~~وكيف أهلكناهم. # {وقال موسى} لما دخل على فرعون {يا فرعون} خاطبه بما يعجبه امتثالا لأمر ~~الله تعالى له أن يلين في خطابه وذلك لأن فرعون كان لقب مدح لمن ملك مصر ~~{إني رسول} أي: مرسل إليك وإلى قومك ثم بين مرسله بقوله تعالى: {من رب ~~العالمين} أي: الإله الذي خلق الخلق وهو سيدهم ومالكهم، وقوله تعالى: # {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} جواب لتكذيب فرعون إياه في دعوى ~~الرسالة وإنما لم يذكره لدلالة قوله تعالى: {فظلموا بها} (الأعراف، 103) # والحق هو الثابت الدائم والحقيق. مبالغة فيه وكأن المعنى: أنا ثابت مستمر ~~على أن لا أقول على الله إلا الحق قرأ نافع علي بالتشديد فحقيق مبتدأ خبره ~~أن وما بعدها والباقون بالسكون وعلى هذا تكون على بمعنى الباء أو يضمن حقيق ~~معنى حريص وأن لا مقطوعة في الرسم أي: النون من لام الألف {قد جئتكم ببينة} ~~أي: معجزة {من ربكم} على صدقي فيما أدعي من الرسالة وهي العصا واليد ~~البيضاء ثم إن موسى عليه السلام لما فرغ من تبليغ رسالته رتب على ذلك الحكم ~~قوله: {فأرسل معي بني إسرائيل} أي: فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة ~~التي هي وطن آبائهم وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة من ضرب ~~اللبن ونقل التراب ونحوهما {قال} فرعون لعنه الله مجيبا لموسى عليه السلام ~~{إن كنت جئت بآية} أي: علامة على صحة رسالتك {فأت بها إن كنت من الصادقين} ~~أي: في عداد أهل الصدق العريقين فيه لتصح دعواك عندي وتثبت. # {فألقى عصاه فإذا ms0827 هي} أي: العصا {ثعبان مبين} أي: ظاهر أمره لا شك فيه ~~أنه ثعبان، والثعبان الذكر العظيم من الحيات. # فإن قيل: أليس قال الله تعالى في موضع: {كأنها جان} (النمل، 10) # والجان الحية الصغيرة؟ أجيب: بأنها كانت كالجان في الخفة والحركة وهي في ~~جثتها حية عظيمة. روي أنه لما ألقاها صارت حية عظيمة صفراء شقراء فاغرة ~~فاها بين لحييها ثمانون ذراعا وارتفعت عن الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها ~~واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون ~~لتأخذه فوثب فرعون عن سريره هاربا وأحدث قيل: أخذته البطن في ذلك اليوم ~~أربعمائة مرة وقد قيل: إنه كان يأكل الموز حتى لا يتغوط وحملت على الناس ~~فانهزموا وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون ألفا ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى ~~أنشدك الله # PageV01P498 # الذي أرسلك أن تأخذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى ~~فعادت عصا كما كانت ثم قال: هل معك آية أخرى قال: نعم. # {ونزع يده} أي: أخرجها من جيبه، وقيل: من تحت إبطه بعد أن أراه إياها ~~محترقة أدما كما كانت وهي عنده {فإذا هي بيضاء} نورانية {للناظرين} لها ~~شعاع غلب شعاع الشمس قال ابن عباس: كان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء ~~والأرض له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم ثم ردها إلى جيبه فإذا ~~هي كما كانت ولما كان البياض المفرط عيبا في الجسد وهو البرص قال الله ~~تعالى في آية أخرى: {من غير سوء} (طه، 22) # أي: من غير برص. # فإن قيل: بم يتعلق قوله تعالى: {للناظرين} ؟ أجيب: بأنه يتعلق بقوله ~~تعالى: {بيضاء} والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة إلا ~~إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجتمع الناس للنظر إليه كما ~~تجتمع النظارة للعجائب. # فإن قيل: أحد هذين الأمرين إما العصا وإما اليد كان كافيا فما فائدة ~~الجمع بينهما؟ أجيب: بأن كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين وزوال الشك ~~وقول بعض الملحدين: المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد ms0828 وهو أن حجة ~~موسى عليه السلام كانت قوية ظاهرة قاهرة من حيث أنها أبطلت أقوال المخالفين ~~وأظهرت فسادها كانت كالثعبان العظيم الذي يتلقف حجج المبطلين ومن أنها كانت ~~ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال في العرف: لفلان يد بيضاء في ~~العلم الفلاني أي: قوة كاملة ومرتبة ظاهرة مردود إذ حمل هاتين المعجزتين ~~على هذا الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب الله ورسوله ولما أتى بالبيان ~~وأقام واضح البرهان. # {قال الملأ} أي: الأكابر {من قوم فرعون إن هذا} أي: موسى {لساحر عليم} ~~أي: عالم بالسحر ماهر فيه قد أخذ بأعين الناس ويريهم الشيء بخلاف ما هو ~~عليه حتى يخيل إليهم أن العصا صارت حية وأن الآدم أبيض كما أراهم يده بيضاء ~~وهو آدم اللون وإنما قالوا ذلك لأن السحر كان هو الغالب في ذلك الزمان. # فإن قيل: قد أخبر الله تعالى في هذه السورة أن هذا الكلام من قول الملأ ~~لفرعون وقال في سورة الشعراء وقال أي: فرعون للملأ حوله: {إن هذا لساحر ~~عليم} (الشعراء، 34) # فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: عن ذلك بجوابين: الأول: لا يمتنع أن يكون قاله ~~فرعون أولا ثم إنهم قالوه بعده فأخبر الله عنهم هنا وأخبر عن فرعون في سورة ~~الشعراء. الثاني: أن فرعون قال هذا القول ثم إن الملأ من قومه وهم خاصته ~~سمعوه منه ثم إنهم بلغوه إلى العامة فأخبر الله تعالى هنا عن الملأ وأخبر ~~هناك عن فرعون {يريد} أي: موسى {أن يخرجكم} أيها القبط {من أرضكم} أي: أرض ~~مصر {فماذا تأمرون} أي: أي شيء تشيرون أن نفعل به فقوله: {فماذا تأمرون} من ~~قول فرعون وإن لم يذكر، وقيل: من قول الملأ وتم كلام فرعون عند قوله: # {يريد أن يخرجكم من أرضكم} فقال الملأ مجيبين له: فماذا تأمرون وإنما ~~خاطبوه بلفظ الجمع وهو واحد على عادة الملوك في التعظيم والتفخيم، والمعنى: ~~فما تأمرون أن نفعل به والقول الأول أصح لسياق الآية التي بعدها وهي قوله ~~تعالى: {قالوا أرجئه} أي: موسى {وأخاه} هارون عليهما ms0829 السلام أي: أخر أمرهما ~~ولا تعجل فيه حتى ننطر فى أمرهما والإرجاء في اللغة التأخير وقيل: الحبس ~~أي: احبسه وأخاه ورد بأن فرعون ما كان يقدر على حبس موسى بعدما رأى من أمر ~~العصا ما رأى.v # PageV01P499 # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بهمزة ساكنة والباقون بغير همز {وأرسل ~~في المدائن} جمع مدينة واشتاقها من مدن بالمكان أي: أقام به أي: مدائن صعيد ~~مصر {حاشرين} أي: أرسل رجالا من أعوانك وهم الشرط بضم الشين وفتح الراء ~~طائفة من أعوان الولاة يحشرون إليك السحرة من جميع مدائن الصعيد، وكان ~~رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد فإن غلبهم موسى صدقناه واتبعناه وإن غلبوه ~~علمنا أنه ساحر فذلك قوله تعالى: # {يأتوك} أي: الشرط {بكل ساحر عليم} أي: ماهر بصناعته والباء يحتمل أن ~~تكون بمعنى مع ويحتمل أن تكون باء التعدية، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد ~~الحاء مفتوحة وألف بعدها ولا ألف قبلها والباقون بتخفيف الحاء مكسورة وألف ~~قبلها ولا ألف بعدها ولم يختلفوا في سورة الشعراء أنه سحار، قيل: الساحر ~~الذي يعلم السحر ولا يعلم والسحار من يديم السحر، روي أن فرعون لما رأى من ~~سلطان الله وقدرته في العصا ما رأى قال: إنا لا نقاتل موسى إلا بمن هو أقوى ~~منه فاتخذ غلمانا من بني إسرائيل وبعث بهم إلى مدينة يقال لها: الفرما ~~يعلمونهم السحر فعلموهم سحرا كثيرا وواعد فرعون موسى موعدا ثم بعث السحرة ~~الذين أرسلهم فجاؤوا ومعلمهم معهم فقال فرعون للمعلم: ما صنعت؟ فقال: ~~علمتهم سحرا لا تطيقه أهل الأرض إلا أن يأتي أمر من السماء فإنهم لا طاقة ~~لهم به ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحر إلا أتي به وهذا ~~يدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان وهو يدل على صحة ما يقوله ~~المتكلمون وهو أنه تعالى يجعل معجزة كل نبي من جنس ما كان غالبا على أهل ~~ذلك الزمان لما كان السحر غالبا على أهل زمان موسى كانت معجزته شبيهة ~~بالسحر وإن كانت مخالفة ms0830 للسحر في الحقيقة، ولما كان الطب غالبا على أهل ~~زمان عيسى عليه السلام كانت معجزته من جنس الطب، ولما كانت الفصاحة غالبة ~~على أهل زمان محمد صلى الله عليه وسلم كانت معجزته من جنس الفصاحة. ~~واختلفوا في عدد السحرة الذي جمعهم فرعون فمن مقل ومن مكثر وليس في الآية ~~ما يدل على المقدار والكيفية والعدد ولذلك اختلف في عددهم، فقال مقاتل: ~~كانوا اثنين وسبعين اثنان من القبط وهما رؤساء القوم وسبعون من بني ~~إسرائيل، وقال الكلبي: كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى بلدة ~~يونس عليه السلام وكانوا سبعين غير رئيسهم، وقال كعب الأحبار: كانوا اثني ~~عشر ألفا، وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفا، وقال # عكرمة: كانوا سبعين ألف، وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفا، وقال ~~مقاتل: كان رئيس السحرة شمعون، وقال ابن جريج: كان رئيسهم يوحنا. # {وجاء السحرة فرعون} أي: بعدما أرسل الشرط في طلبهم {قالوا أئن لنا ~~لأجرا} أي: جعلا وعطاء تكرمنا به {إن كنا نحن الغالبين} لموسى. # فإن قيل: هلا قيل: فقالوا بالفاء؟ أجيب: بأنه على تقدير: سائل سأل ما ~~قالوا إذا جاؤوا؟ فأجيب: بقوله: {أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين} وقرأ ~~ابن كثير وحفص بهمزة مكسورة ونون مشددة بعدها على الخبر والباقون بهمزتين ~~وسهل الثانية أبو عمرو وأدخل ألفا بينهما والباقون بتحقيقهما وأدخل بينهما ~~ألفا هشام والباقون بغير ألف بينهما. # {قال} لهم فرعون {نعم} أي: لكم الأجر والعطاء وقرأ الكسائي بكسر العين ~~والباقون بالفتح وقوله تعالى: {وإنكم لمن المقربين} # PageV01P500 # عطف على محذوف سد مسد الجواب كأنه قيل: جوابا لقولهم: {أئن لنا لأجرا} إن ~~لكم أجرا وإنكم لمن المقربين أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل أزيدكم ~~عليه وتلك الزيادة أني أجعلكم من المقربين عندي، قال الكلبي: تكونون أول من ~~يدخل وآخر من يخرج من عندي الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن ~~فرعون كان عبدا ذليلا مهينا عاجزا وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في ~~دفع موسى وتدل أيضا ms0831 على أن كل السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان وإلا ~~لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان ~~لقلبوا التراب ذهبا ولنقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولجعلوا أنفسهم ملوك ~~العالم ورؤساء الدنيا والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق ~~وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب. # {قالوا} أي: السحرة {يا موسى إما أن تلقى} أي: عصاك {وإما أن نكون نحن ~~الملقين} أي: عصينا وحبالنا فراعوا مع موسى عليه السلام حسن الأدب حيث ~~قدموه على أنفسهم في الإلقاء فعوضهم الله تعالى حيث تأدبوا مع نبيه عليه ~~السلام أن من عليهم بالإيمان والهداية ولما راعوا الأدب أولا وأظهروا ما ~~يدل على رغبتهم. # {قال} لهم موسى {اتقوا} أنتم فقدمهم على نفسه في الإلقاء. # فإن قيل: كيف جاز لنبي الله تعالى موسى عليه السلام أن يأمر بالإلقاء وقد ~~علم أنه سحر وفعل السحر حرام أو كفر؟ أجيب: عن ذلك بأجوبة: أحدها: إن معناه ~~إن كنتم محقين في فعلكم فألقوا وإلا فلا تلقوا، الثاني: أن القوم إنما ~~جاؤوا لإلقاء تلك الحبال والعصي وعلم موسى عليه السلام أنه لا بد وأن ~~يفعلوا ذلك ووقع التحير في التقديم والتأخير فعند ذلك أذن لهم في التقديم ~~ازدراء لشأنهم وقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده الله تعالى من التأييد ~~والتقوية وأن المعجزة لا يغلبها سحر أبدا، الثالث: أنه عليه السلام كان ~~يريد إبطال ما أتوا به من السحر وإبطاله ما كان يمكن إلا بتقديمهم فأذن لهم ~~في الإتيان بذلك السحر ليمكنه الإقدام على إبطاله فلهذا المعنى أمرهم ~~بالإلقاء أولا {لما ألقوا} حبالهم وعصيهم {سحروا} أي: صرفوا {أعين الناس} ~~عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه والتخييل وهذا هو الفرق بين السحر الذي ~~هو فعل البشر وبين معجزة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذي هو فعل الله ~~تعالى وذلك لأن السحر ليس فيه قلب الأعيان وإنما فيه صرف أعين الناس عن ~~إدراك ذلك الشيء بسبب التمويهات والمعجزة قلب ذلك الشيء حقيقة كقلب عصا ms0832 ~~موسى عليه السلام فإذا هي حية تسعى {واسترهبوهم} أي: أرهبوهم والسين زائدة ~~قاله المبرد، وقال الزجاج: استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس وذلك بأن ~~بعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ~~{وجاؤوا} أي: السحرة {بسحر عظيم} . # روي أن السحرة قالوا: قد عملنا سحرا لا تطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون ~~أمرا من السماء فإنه لا طاقة لنا به وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا ~~طوالا فإذا هي حيات تسعى كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا ~~ويقال: إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا داخل تلك العصى زئبقا ليضيء ~~وألقوها على الأرض فلما أثر حر الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض حتى ~~تخيل للناس أنها حيات تتحرك وتلتوي باختيارها، # PageV01P501 # ويقال: إن الأرض كان سعتها ميلا في ميل فصارت كلها حيات وأفاعي ففزع ~~الناس من ذلك وأوجس في نفسه خيفة موسى وهذه الخيفة لم تحصل لموسى عليه ~~السلام لأجل سحرهم لأنه كان على ثقة ويقين من الله تعالى أنهم لم يغلبوه ~~وهو غالبهم وكان عالما بأن ما أتوا به على وجه المعارضة لمعجزته فهو من باب ~~السحر والتخيل وذلك باطل ومع هذا الجزم يمتنع حصول الخوف لموسى عليه السلام ~~وإنما كان خوفه لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوه من أمر تلك الحيات فخاف ~~موسى عليه السلام أن يتفرقوا قبل ظهور معجزته وحجته فلذلك أوجس في نفسة ~~خيفة موسى. # {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك} فألقاها فصارت حية عظيمة قد سدت الأفق ~~قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالاسكندرية وقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحر ~~ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا {فإذا هي تلقف} بحذف إحدى التاءين من الأصل أي: ~~تبتلع {ما يأفكون} أي: ما يزورونه من الإفك وهو الصرف وقلب الشيء عن وجهه. # روي أنها ابتلعت كل ما أتوا به من السحر فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم واحدا ~~واحدا حتى ابتلعت الكل ثم أقبلت على الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع ~~الزحام عليهم فمات منهم بسبب ms0833 ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفا ثم أخذها موسى ~~عليه السلام فصارت في يده عصا كما كانت أول مرة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا ~~أنه أمر من السماء وليس بسحر وعرفوا أن ذلك ليس في قدرة البشر وقوتهم فعند ~~ذلك خروا سجدا وقالوا: آمنا برب العالمين وذلك قوله تعالى: {فوقع الحق} أي: ~~فظهر الحق الذي جاء به موسى {وبطل ما كانوا يعملون} أي: من السحر وذلك أن ~~السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا فلما فقدت ~~وتلاشت في عصا موسى علموا أن ذلك من أمر الله تعالى وقدرته وقرأ حفص: تلقف ~~بسكون اللام وتخفيف القاف والباقون بفتح اللام وتشديد القاف وشدد التاء ~~البزي. # {فغلبوا} أي: فرعون وجموعه {هنالك} أي: عند ذلك الأمر العظيم العالي ~~الرتبة {وانقلبوا صاغرين} أي: رجعوا إلى المدينة أذلاء مقهورين {وألقي ~~السحرة ساجدين} أي: أن الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه حتى ينكسر فرعون ~~بالذين أراد بهم كسر موسى وينقلب الأمر عليه، قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا ~~كأنهم ألقوا. # قال فرعون: إياي تعنون قالوا: لا بل. # {رب موسى} فقال: إياي تعنون لأني أنا الذي ربيت موسى فلما قالوا: ~~{وهارون} زالت الشبهة وعرف الكل أنهم كفروا بفرعون وآمنوا بإله السماء قال ~~مقاتل: قال موسى لكبير السحرة: أتؤمن بي إن غلبتك فقال: لآتين بسحر لا ~~يغلبه سحر ولئن غلبتني لأومنن بك وفرعون ينظر إليهما ويسمع كلامهما فهذا ~~قوله: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} ويقال: إن الحبال والعصي التي كانت ~~مع السحرة كانت حمل ثلثمائة بعير فلما ابتلعتها عصا موسى عليه السلام كلها ~~قال بعضهم لبعض: هذا أمر خارج عن هذا السحر وما هو إلا من أمر السماء ~~فآمنوا وصدقوا. # فإن قيل: كان يجب أن يأتوا بالإيمان قبل السجود فما فائدة تقديم السجود ~~على الإيمان؟ أجيب: بأن الله تعالى لما قذف في قلوبهم الإيمان والمعرفة ~~خروا سجدا لله تعالى شكرا على ما هداهم إليه وألهمهم من الإيمان بالله # PageV01P502 # تعالى وتصديق رسوله ثم أظهروا بعد ذلك ms0834 إيمانهم قال قتادة: كانوا أول ~~النهار كفارا سحرة وفي آخره شهداء بررة، وعن الحسن: نرى من ولد في الإسلام ~~ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا وكذا وهؤلاء الكفار نشؤوا في الكفر بذلوا ~~أنفسهم لله تعالى. # {قال فرعون} للسحرة منكرا عليهم موبخا لهم بقوله: {آمنتم} أي: صدقتم {به} ~~أي: بموسى أو بالله تعالى والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ. # فائدة: هنا ثلاث همزات جميع القراء بإبدال الثالثة ألفا وحقق الثانية ~~شعبة وحمزة والكسائي وسهلها نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر وأما حفص ~~فإنه أسقط الأولى وأبدلها قنبل في الوصل واوا {قبل أن آذن لكم} أي: قبل أن ~~آمركم بذلك وآذن لكم فيه {إن هذا لمكر مكرتموه} أي: إن هذا الصنيع لحيلة ~~احتلتموها أنتم وموسى {في المدينة} أي: مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع، ~~وذلك أن فرعون رأى موسى يحدث كبير السحرة فظن فرعون أن موسى وكبير السحرة ~~قد تواطؤوا عليه وعلى أهل مصر ليستولوا على مصر كما قال: {لتخرجوا منها ~~أهلها} أي: القبط وتخلص لكم ولبني إسرائيل وقوله تعالى: {فسوف تعلمون} فيه ~~وعيد وتهديد أي: فسوف تعلمون ما أفعل بكم ثم فسر ذلك الوعيد بقوله: # {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} أي: يخالف الطرف الذي تقطع منه اليد ~~الطرف الذي تقطع منه الرجل، قال الكلبي: لأقطعن أيديكم اليمنى وأرجلكم ~~اليسرى {ثم لأصلبنكم} أي: أعاقبكم ممددة أيديكم لتصير على هيئة الصليب أو ~~حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم {أجمعين} أي: لا أترك منكم أحدا ~~تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم قال ابن عباس: أول من صلب وقطع الأيدي والأرجل ~~فرعون أي: إنه أول من سن ذلك فشرعه الله تعالى للقطاع تعظيما لجرمهم ولذلك ~~سماه محاربة الله ورسوله ولكن على التعاقب لفرط رحمته. # {قالوا} أي: السحرة مجيبين لفرعون حين وعدهم بما ذكر {إنا إلى ربنا} بعد ~~موتنا على أي وجه كان {منقلبون} أي: راجعون إليه في الآخرة. # {وما تنقم} أي: تنكر {منا} أي: في فعلك ذلك بنا وتعيب علينا {إلا أن ~~آمنا} أي: إلا ما هو ms0835 أصل المفاخر كلها وهو الإيمان {بآيات ربنا لما جاءتنا} ~~لم نتأخر عن معرفة الصدق وهذا موجب الإكرام لا الإنتقام ثم فزعوا إلى الله ~~تعالى فقالوا: {ربنا أفرغ علينا صبرا} عندما توعدهم فرعون به أي: اصبب ~~علينا صبرا كاملا تاما ولهذا أتى بلفظ التنكير أي: صبرا وأي صبر عظيم ~~{وتوفنا مسلمين} أي: واقبضنا على دين الإسلام وهو دين خليلك عليه السلام ~~قال ابن عباس: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء، قال الطيبي: ~~إن فرعون قطع أيديهم وأرجلم وصلبهم، وقال غيره: إنه لم يقدر عليهم لقوله ~~تعالى: {بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} (القصص، 35) . # تنبيه: في الآية فوائد الأولى قولهم: {أفرغ علينا صبرا} أكمل من قولهم ~~أنزل علينا صبرا لأن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية فكأنهم طلبوا من ~~الله تعالى كل الصبر لا بعضه، الثانية: إن قولهم صبرا مذكور بصيغة التنكير ~~وذلك يدل على تمام الكمال أي: صبرا تاما كاملا، الثالثة: إن ذكر الصبر من ~~قبلهم ومن أعمالهم ثم إنهم طلبوه من الله تعالى وذلك يدل على أن فعل العبد ~~لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى وقضائه، الرابعة: احتج القاضي بهذه الآية ~~على أن الإيمان والإسلام واحد فقال: إنهم قالوا # PageV01P503 # أولا: آمنا بآيات ربنا، ثم قالوا ثانيا: وتوفنا مسلمين فوجب أن يكون ذلك ~~الإيمان هو ذلك الإسلام وذلك يدل على أن أحدهما هو الآخر واعلم أن فرعون ~~بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى لأنه كان كلما رأى موسى عليه السلام ~~خافه أشد الخوف فلهذا السبب لم يتعرض له إلا أن القوم لم يعرفوا ذلك فقالوا ~~له: {أتذر موسى وقومه} كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله تعالى: # {وقال الملأ} أي: الأشراف {من قوم فرعون} له {أتذر} أي: تترك {موسى ~~وقومه} من بني إسرائيل {ليفسدوا في الأرض} أي: أرض مصر وأراد بالفساد فيها ~~أنهم يأمرونهم بمخالفة فرعون وهو قولهم: {ويذرك وآلهتك} أي: معبوداتك أي: ~~فلا يعبدك ولا يعبدها، قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة حسنة يعبدها وكان إذا ms0836 ~~رأى بقرة حسنة أمرهم بعبادتها ولذلك أخرج لهم السامري عجلا، وقال السدي: ~~كان فرعون اتخذ لقومه أصناما وكان يأمرهم بعبادتها وقال لهم: أنا ربكم ورب ~~هذه الأصنام وذلك قوله: {أنا ربكم الأعلى} . # فإن قيل: إن فرعون إن لم يكن كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال ~~الرسل إليه وإن كان عاقلا لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالق السموات ~~والأرض لأن فساد معلوم بالضرورة؟ أجيب: بأن الأقرب أن يكون دهريا منكر ~~الوجود الصانع وكان يقول: مدبر هذا السفلي هو الكواكب واتخذ أصناما على ~~صورة الكواكب وكان يعبدها ويأمر بعبادتها وكان يقول في نفسه: إنه المطاع ~~المخدوم في الأرض ولهذا قال: {أنا ربكم الأعلى} {قال} فرعون مجيبا لملئه ~~حين قالوا له: أتذر موسى وقومه {سنقتل أبناءهم} أي: المولودين {ونستحيي ~~نساءهم} أي: نتركهم أحياء كما كنا نفعل من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه ~~من القهر والغلبة ولا يتوهم إنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ~~ملكك على يديه. وقرأ نافع وابن كثير بفتح النون وسكون القاف وضم التاء ~~مخففة والباقون بضم النون وفتح القاف وكسر التاء مشددة {وإنا فوقهم قاهرون} ~~أي: غالبون وهم مقهورون تحت أيدينا ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظرة ~~فأعادوا عليهم القتل فشكت بنو إسرائيل لموسى فأمرهم بالصبر كما قال تعالى: # {قال موسى لقومه} أي: بني إسرائيل {استعينوا بالله واصبروا} أي: استعينوا ~~بالله على فرعون وقومه فيما نزل بكم من البلاء فإن الله تعالى هو الكافي ~~لكم واصبروا على ما نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم {إن الأرض} أي: ~~أرض مصر وإن كانت الأرض كلها {} تعالى لأن الكلام فيها {يورثها من يشاء من ~~عباده} وفي هذا تسلية لهم وتقريرا للأمر بالاستعانة بالله عز وجل والتثبت ~~في الأمر وقوله تعالى: {والعاقبة} أي: المحمودة {للمتقين} لأن الله تعالى ~~وعدهم بالنصر وتذكير لما وعدهم به من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وتحقيق ~~له ولما سمع بنو إسرائيل ما قال فرعون من توعده لهم بالقتل مرة ثانية. ms0837 # {قالوا} لموسى {أوذينا من قبل أن تأتينا} أي: بالرسالة وذلك إن بني ~~إسرائيل كانوا مستضعفين في يد فرعون وقومه وكان يأخذ منهم الجزية وكان ~~يستعملهم في الأعمال الشاقة إلى نصف النهار ويمنعهم من الترفه والتنعم ~~ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم فلما جاء موسى بالرسالة وجرى له ما جرى شدد ~~فرعون في استعمالهم فكان يستعملهم جميع النهار بلا أجر وأراد أن يعيد القتل # PageV01P504 # عليهم فقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا {ومن بعد ما جئتنا} أي: بالرسالة. # فإن قيل: ظاهر هذا الكلام يوهم أن بني إسرائيل كرهوا مجيء موسى بالرسالة ~~وذلك كفر أجيب: عن هذا الإيهام بأن موسى عليه السلام كان قد وعدهم بزوال ما ~~كانوا فيه من الشدة والمشقة فظنوا أن ذلك يكون على الفور فلما رأوا أن ~~المشقة قد زادت عليهم قالوا ذلك أي: فمتى يكون ما وعدتنا به من زوال ما نحن ~~فيه {قال} موسى عليه السلام مجيبا لهم: {عسى ربكم أن يهلك عدوكم} أي: فرعون ~~وقومه {ويستخلفكم في الأرض} أي: يجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم، قال ~~البيضاوي: ولعله أتى بفعل الطمع أي: بعسى لعدم جزمه بأنهم المستخلفون ~~بأعيانهم أو أولادهم. # وقد روي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السلام ثم سبب عن ~~الاستخلاف قوله تعالى مذكرا لهم محذرا من سطواته تعالى: {فينظر} أي: وأنتم ~~خلفاء متمكنون {كيف تعملون} أي: يعاملكم معاملة المختبر وهو في الأزل أعلم ~~بما تعملون منكم بعد إبقاعكم للأعمال ولكنه يفعل ذلك لتقوم الحجة عليكم على ~~مجاري عاداته. # روي عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف ~~أو رغيفان فطلب زيادة لعمرو فلم يجد فقرأ عمرو هذه الآية ثم دخل عليه بعدما ~~استخلف فذكر له ذلك وقال: قد بقي فينظر كيف تعملون. # {ولقد أخدنا آل فرعون} أي: فرعون وقومه {بالسنين} أي: بالقحط والجوع سنة ~~بعد سنة فإن السنة تطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم «اللهم اجعلها عليهم كسني يوسف» ms0838 {ونقص من الثمرات} أي: ~~بالعاهات، قال قتادة: أما السنين فلأهل البوادي وأما نقص الثمرات فلأهل ~~الأمصار، وعن كعب يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة {لعلهم ~~يذكرون} أي: يتعظون فيؤمنون ويرجعون عما هم عليه من الكفر والمعاصي لأن ~~الشدة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله تعالى من الخيرات والدليل على ذلك ~~قوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} (الإسراء، 67) # وقوله تعالى: {وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} (فصلت، 51) # وقال سعيد بن جبير: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروها في نفسه ثلثمائة ~~وعشرين سنة ولو أصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية ثم ~~بين سبحانه وتعالى أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ما يزيد في ~~كفرهم ومعصيتهم فقال: # {فإذا جاءتهم الحسنة} قال ابن عباس: العشب والخصب والثمار والمواشي ~~والسعة في الرزق والعافية والسلامة {قالوا لنا هذه} أي: نحن مستحقوه على ~~العادة التي جرت من كثرة نعمتنا وسعة أرزاقنا ولم يعلموا أنه من الله تعالى ~~فيشكروه على أنعامه {وإن تصبهم سيئة} أي: قحط وجدب ومرض وبلاء ورأوا ما ~~يكرهونه في أنفسهم {يطيروا} يتشاءموا وأصله يتطيروا {بموسى ومن معه} من ~~المؤمنين، ويقولون: ما أصابنا إلا بشؤمهم وهذا إغراق في وصفهم في الغباوة ~~والقساوة فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك سيما بعد ~~مشاهدة الآيات وهي لم تؤثر فيهم بل زادوا عندها عتوا وانتهاكا في البغي ~~وإنما عرف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة ~~بأحداثها بالذات ونكر السيئة وأتى بها مع حرف الشك لندورها وعدم القصد إلا ~~بالتبع {ألا إنما # PageV01P505 # طائرهم عند الله} أي: سبب خيرهم وشرهم عنده تعالى وهو حكمه ومشيئته أو ~~سبب شؤمهم عند الله تعالى وهو أعمالهم المكتوبة عنده فإنها التي ساقت إليهم ~~ما يسوءهم {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي: إن ما يصيبهم من الله تعالى وذلك ~~لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة ويقطعونها عن قضاء ~~الله تعالى وتقديره: والحق ms0839 أن الكل من الله تعالى لأن كل موجود إما واجب ~~لذاته أو ممكن لذاته والواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته ~~لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته وبهذا الطريق يكون الكل من الله تعالى ~~فإسناده إلى غير الله تعالى يكون جهلا بكمال الله تعالى.H # {وقالوا} أي: فرعون وقومه القبط لموسى عليه السلام {مهما تأتنا به} وقوله ~~تعالى: {من آية} أي: من عند ربك بيان لمهما وإنما سموها آية على زعم موسى ~~لا لاعتقادهم ولذلك قالوا: {لتسحرنا بها} أي: لتصرفنا عما نحن عليه من ~~الدين {فما نحن لك بمؤمنين} أي: بمصدقين. # تنبيه: اختلف في أصل مهما فقيل: أصلها ما ما الأولى ما الشرطية والثانية ~~ما الزائدة ضمت إليها للتأكيد ثم قلبت ألفها هاء استثقالا لتكرير ~~المتجانسين فصارت مهما هذا قول الخليل والبصريين، وقيل: أصلها مه التي ~~بمعنى اكفف وما الجزائية كأنهم قالوا: اكفف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها ~~فهو كذا وكذا هذا قول الكسائي فهي مركبة على هذين القولين والمعتمد الذي ~~جرى عليه ابن هشام وغيره أنها بسيطة لأن دعوى التركيب لم يقم عليها دليل ~~ووزنها فعلى وألفها للإلحاق أو للتأنيث والضميران في به وبها راجعان لمهما ~~إلا أن أحدهما ذكر باعتبار اللفط والثاني أنث باعتبار المعنى لأنه في معنى ~~الآية ونحوه قول زهير: # *ومهما يكن عند امرىء من خليقة ... وإذ خالها تخفى على الناس تعلم* # قال في الكشاف: وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا يد له في ~~علم العربية فيضعها في غير موضعها ويحسب أنها بمعنى متى ما ويقول: مهما ~~جئتني أعطيتك قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا مهما تأتنا به من آية من ~~ربك فهي عندنا من باب السحر ونحن لا نؤمن بها البتة وكان موسى عليه السلام ~~رجلا حديدا فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله تعالى له فقال تعالى: # {فأرسلنا عليهم الطوفان} وقال سعيد بن جبير: لما آمنت السحرة ورجع فرعون ~~مغلوبا أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي ms0840 على الشر فتابع الله ~~تعالى عليهم الآيات فأخذهم أولا بالسنين وهو القحط ونقص الثمرات وأراهم قبل ~~ذلك من المعجزات اليد والعصا فلم يؤمنوا فدعا عليهم موسى وقال: يا رب إن ~~عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا العهد فخذهم بعقوبة ~~تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فبعث الله تعالى عليهم ~~الطوفان وهو الماء فأرسل الله تعالى المطر من السماء وبيوت بني إسرائيل ~~وبيوت القبط مشتبكة مختلطة فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى ~~تراقيهم ومن جلس منهم غرق ولم يدخل من ذلك الماء في بيوت بني إسرائيل شيء ~~وركب ذلك الماء على أرضهم فلم يقدروا أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا ودام ذلك ~~عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت حتى كان الرجل منهم لا يرى شمسا ولا ~~قمرا ولا يستطيع الخروج من داره فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به فأرسل إلى ~~موسى عليه # PageV01P506 # السلام فقال: اكشف عنا العذاب فقد صار بحرا واحدا فإن كشف هذا العذاب ~~آمنا بك فأزال الله تعالى عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض وخرج من ~~النبات ما لم ير مثله قط فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر ~~فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل، وقيل: المراد بالطوفان ~~الجدري وهو بضم الجيم وفتح الدال وبفتحهما قروح في البدن تنفط وتنضح، وقيل: ~~هو الموتان وهو بضم الميم موت في الماشية، وقيل: هو الطاعون فنكثوا العهد ~~{و} لم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية فأرسل الله تعالى عليهم {الجراد} فأكل ~~النبات والثمار وأرواق الشجر حتى كان يأكل الأبواب وسقوف البيوت ومسامير ~~الأبواب من الحديد وابتلي الجراد بالجوع فكانت لا تشبع ولم يصب بني إسرائيل ~~شيء من ذلك وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس ووقع بعضها ~~على بعض في الأرض ذراعا # فضجوا من ذلك وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ~~فأعطوه عهد الله وميثاقه فدعا موسى عليه السلام ms0841 فكشف الله عنهم الجراد ~~بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، وفي الخبر مكتوب على صدر ~~كل جرادة جند الله الأعظم، ويقال: إن موسى عليه السلام برز إلى الفضاء ~~وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت، وقيل: أرسل الله ~~تعالى ريحا فاحتمل الجراد فألقاه في البحر وكان قد # بقي من زرعهم وغلاتهم بقية فقالوا: قد بقي لنا ما يكفينا فما نحن بتاركي ~~ديننا {و} لم يؤمنوا وأقاموا أشهرا في عافية وعادوا إلى أعمالهم الخبيثة ~~فأرسل الله تعالى عليهم {القمل} واختلفوا في القمل، فعن ابن عباس أنه السوس ~~الذي يخرج من الحنطة، وعن قتادة أنه أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها. وعن ~~عكرمة أنه الحمنان وهو ضرب من القراد، وعن عطاء القمل المعروف فأكل ما ~~أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه، وكان ~~أحدهم يأكل طعاما فيمتلىء قملا، وكان أحدهم يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلا ~~يرد منها إلا شيئا يسير، وعن سعيد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه ~~به موسى عليه السلام بعصاه فصار قملا فأخذت أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم ~~وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري ومنعهم النوم والقرار فصاحوا وصرخوا هم ~~وفرعون إلى موسى عليه السلام وقال: إنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا هذا ~~البلاء فدعا موسى فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليه سبعة أيام من السبت ~~إلى السبت فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم وقالوا: ما كنا أحق أن نستيقن ~~أنه ساحر منا اليوم جعل الرمل دواب {و} لم يؤمنوا فدعا موسى عليه السلام ~~عليهم بعدما أقاموا شهرا في عافية فأرسل الله تعالى عليهم {الضفادع} ~~فامتلأت منها بيوتهم وأطعمتهم وآنيتهم فلا يكشف أحدهم عن ثوب ولا طعام ولا ~~شراب إلا وجد فيه الضفادع وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى رقبته ويهم أن ~~يتكلم فيثب الضفدع في فيه وكان يثب في قدورهم فيفسد عليهم طعامهم ويطفىء ~~نيرانهم وكان أحدهم يضطجع فيركبه الضفدع فيكون عليه ركاما حتى لا يستطيع ms0842 أن ~~ينصرف إلى شقه الآخر ويفتح فاه إلى أكلة فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه ولا ~~يعجن عجينا ولا يفتح قدرا إلا امتلأت ضفادع، وعن ابن عباس أن الضفادع كانت ~~برية فلما أرسلها الله تعالى # PageV01P507 # إلى آل فرعون سمعت فأطاعت فجعلت تلقي نفسها في القدور وهي تغلي وفي ~~التنانير # وهي تفور فأثابها الله تعالى بحسن طاعتها برد الماء فلقوا منها أذى شديدا ~~فشكوا إلى موسى عليه السلام وقالوا: ارحمنا هذه المرة فما بقي إلا أن نتوب ~~التوبة النصوح ولا نعود فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم ~~الضفادع بأن أماتها وأرسل الله المطر والريح فاحتملها إلى البحر بعدما أقام ~~عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ثم نكثوا العهد {و} لم يؤمنوا وعادوا ~~لكفرهم وأعمالهم الخبيثة فدعا عليهم موسى بعدما أقاموا شهرا في عافية فأرسل ~~الله تعالى عليهم {الدم} فصارت مياههم كلها دما فما يستقون من بئر ولا نهر ~~إلا وجدوه ماء عبيطا أحمر فشكوا إلى فرعون وقالوا: ليس لنا شراب، فقال: إنه ~~سحركم، فقالوا: من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما ~~عبيطا وكان فرعون لعنه الله تعالى يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء ~~الواحدة فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دما ويقومان إلى الجرة ~~فيها الماء فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دم حتى كانت المرأة من آل فرعون ~~تأتي للمرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول: اسقيني من مائك فتصب ~~لها من قربتها فيعود في الإناء دما حتى كانت تقول: اجعليه في فيك ثم مجيه ~~في في فتأخذ في فيها ماء وإذا مجته في فيها صار دما واعترى فرعون العطش حتى ~~أنه كان ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها دما فمكثوا على ~~ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم فأتوا موسى وشكوا إليه ما يلقونه وقالوا: ~~ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى ~~عليه السلام ربه فكشف عنهم، وقيل: الدم ms0843 الذي سلط عليهم هو الرعاف، وقوله ~~تعالى: {آيات} نصب على الحال {مفصلات} أي: مبينات لا تشكل على عاقل إنها ~~آيات الله تعالى ونقمته عليهم أو مفصلات لامتحان أحوالهم إذ كان بين كل ~~آيتين منها شهر وكان امتداد كل واحدة أسبوعا كما مرت الإشارة إلى # ذلك وقيل: إن # موسى عليه السلام لبث فيهم بعدما غلب السحرة وآمنوا به عشرين سنة يريهم ~~هذه الآيات على مهل {فاستكبروا} عن الإيمان فلم يؤمنوا {وكانوا} أي: فرعون ~~وقومه {قوما مجرمين} أي: كافرين. # ولما وقع عليهم الرجز} أي: نزل بهم العذاب وهو ما ذكره الله تعالى من ~~الطوفان وما بعده، وقال سعيد بن جبير: الرجز الطاعون وهو العذاب السادس بعد ~~الآيات الخمس التي تقدمت فنزل بهم الطاعون فمات به من القبط في يوم واحد ~~سبعون ألفا وتركوا غير مدفونين، قال الإمام الرازي: والقول الأول أقوى لأن ~~لفظ الرجز مفرد محلى بالألف واللام فينصرف إلى المعهود السابق وههنا ~~المعهود السابق هو الأنواع الخمسة التي تقدم ذكرها وأما غيرها فمشكوك فيه ~~فحمل اللفظ على المعلوم أولى من حمله على المشكوك فيه، وعن أسامة بن زيد: ~~الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم ~~به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه ~~{قالوا يا موسى ادع لنا ربك} ولم يقولوا ربنا كبرا وعتوا {بما عهد عندك} ~~أي: بعهده عندك وهو النبوة وسميت عهدا لأن الله تعالى عهد أن يكرم النبي ~~وهو عهد # PageV01P508 # أن يستقل بأعبائها أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك به ~~في آياتك والباء إما أن تتعلق بقوله: {ادع لنا ربك} على وجهين: أحدهما: ~~أسعفنا إلى ما نطلب منك من الدعاء لك بحق ما عندك من عهد الله وكرامته ~~بالنبوة أو ادع الله لنا متوسلا إليه بعهده عندك وإما أن يكون قسما مجابا ~~بقوله تعالى: {لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك} أي: أقسمنا بعهد الله تعالى ~~عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن ms0844 لك {ولنرسلن معك بني إسرائيل} أي: لنصدقنك ~~بما جئت به ولنخلين بني إسرائيل ليذهبوا حيث شاؤوا. # {فلما كشفنا عنهم الرجز} أي: بدعاء موسى عليه السلام {إلى أجل هم بالغوه} ~~أي: إلى حد من الزمان هم بالغوه لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدم ~~لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليم ~~وقوله تعالى: {إذا هم ينكثون} جواب لما أي: فلما كشفنا عنهم فاجؤا النكث من ~~غير توقف وتأمل فيه. # فإن قيل: إن الله تعالى علم من حال هؤلاء أنهم لا يؤمنون بتلك المعجزات ~~فما الفائدة في تواليها عليهم وإظهار الكثير منها؟ أجيب: بأن الله تعالى ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسئل عما يفعل قال تعالى: # {فانتقمنا منهم} أي: كافأناهم على سوء صنيعهم وأصل الانتقام في اللغة سلب ~~النعمة بالعذاب لأنه تعالى لما كشف عنهم العذاب مرات فلم يؤمنوا ولم يرجعوا ~~عن كفرهم وبلغوا الأجل الذي أجل لهم انتقم منهم بأن أهلكهم كما قال تعالى: ~~{فأغرقناهم في اليم} أي: في البحر الذي لا يدرك قعره، وقيل: هو لجة البحر ~~ومعظم مائه واشتقاقه من التيمم لأن المنتفعين به يقصدونه قال الأزهري: ويقع ~~اليم على البحر الملح والبحر العذب ويدل على ذلك قوله تعالى: {فاقذفيه في ~~اليم} (طه، 39) # والمراد نيل مصر وهو عذب، وإغراقهم {بأنهم} أي: بسبب أنهم {كذبوا ~~بآياتنا} الدالة على وحدانيتنا وصدق رسولنا {وكانوا عنها} أي: الآيات ~~{غافلين} أي: لا يتدبرونها، وقيل: الضمير في عنها يرجع للنقمة التي دل ~~عليها قوله تعالى: {انتقمنا} أي: وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين. # فإن قيل: الغفلة ليست من فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد ~~على الغفلة أجيب: بأن المراد بالغفلة هنا الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات ~~إليها فهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها. # فإن قيل: أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة فكيف يكون ~~الانتقام بهذين دون غيرهما؟ أجيب: بأنه ليس في بيان أنه تعالى انتقم منهم ~~بهذين دلالة على نفي ما ms0845 عداهما. قال الرازي: والآية تدل على أن الواجب في ~~الآيات النظر فيها فلذلك ذمهم بأنهم غفلوا عنها وذلك يدل على أن التقليد ~~طريق مذموم ولما بين تعالى إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة بين تعالى ~~ما فعله بالمؤمنين من الخيرات وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال ~~تعالى: # {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} أي: بالاستعباد وذبح الأبناء وأخذ ~~الجزية والأعمال الشاقة وهم بنو إسرائيل {مشارق الأرض ومغاربها} أي: أرض ~~الشأم وهي من الفرات إلى بحر سرف الموضع الذي خرجوا منه من البحر وغرق فيه ~~فرعون وآله كما نقله البقاعي في المائدة عن التوراة، وقيل: المراد جملة ~~الأرض لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود وسليمان عليهما السلام وقد ملكا ~~الأرض ويدل للأول قوله # PageV01P509 # تعالى: {التي باركنا فيها} أي: بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا ~~بأرض الشأم {وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل} أي: مضت عليهم واستمرت ~~من قولهم تم عليه الأمر إذا قضي وهي قوله تعالى: {ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض} (القصص، 5) # الخ.. والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة ومعنى تمت عليهم إنجاز الوعيد ~~الذي تقد بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض وإنما كان الإنجاز تماما للكلام ~~لأن الوعد بالشيء يبقى كالشيء المعلق فإذا حصل الموعود به فقد تم ذلك الوعد ~~وكمل. # فائدة: رسمت كلمة بالتاء المجرورة ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي ووقف الباقون بالتاء وإنما حصل لهم ما ذكر {بما صبروا} أي: بسبب ~~صبرهم وحسبك بها حاثا على الصبر ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله ~~الله تعالى إليه ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله تعالى له الفرج ~~{ودمرنا} أي: أهلكنا، قال الليث: الدمار الهلاك التام {ما كان يصنع فرعون ~~وقومه} في أرض مصر من القصور والعمارات {وما كانوا يعرشون} أي: من الجنان ~~وما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الراء ~~والباقون بالجر وهذا آخر ما قص الله تعالى من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم ~~بآيات الله ms0846 وظلمهم ومعاصيهم ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه ~~بعد إنقاذهم من مملكة فرعون واستعبادهم ومعاينتهم الآيات العظام بقوله ~~تعالى: # أي: قطعناه بهم. # روي أن جوازهم كان يوم عاشوراء وأن موسى عليه السلام صامه شكرا لله تعالى ~~على إنجائهم وإهلاك عدوهم ومع النعم التي أنعم الله تعالى بها عليهم لم ~~يراعوها حق رعايتها كما حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله تعالى: {فأتوا على ~~قوم} أي: مروا عليهم {يعكفون على أصنام لهم} أي: يقيمون على عبادتها، قال ~~ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل قيل: كانوا قوما من لخم ~~وكانوا نزولا بالرقة، وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم. ~~وقرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف والباقون بالضم {قالوا} أي: قال بعضهم لبعض: ~~لإنه كان مع موسى السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال ~~الباطل وهو قولهم: {يا موسى} سموه كما ترى باسمه جفاء وغلظة {اجعل لنا ~~إلها} أي: صنما نعتكف عليه وهذا يدل على غاية جهلهم وذلك أنهم توهموا أنه ~~يجوز عبادة غير الله تعالى بعدما رأوا الآيات الدالة على وحدانية الله ~~تعالى وكمال قدرته وهي الآيات التي توالت على قوم فرعون حتى أغرقهم الله ~~تعالى في البحر بكفرهم وهو عبادتهم غير الله سبحانه وتعالى فحملهم جهلهم ~~إلى أن قالوا لنبيهم موسى عليه السلام: اجعل لنا إلها {كما لهم آلهة} وفي ~~ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة تذكرة ~~لحال الإنسان وإنه ظلوم جهول كنود إلا من عصمه الله {وقليل من عبادي ~~الشكور} (سبأ، 13) # {قال} موسى ردا عليهم {إنكم قوم تجهلون} وصفهم بالجهل المطلق وأكده لبعد ~~ما صدر عنهم بعدما رأوا من الآيات العظمى والمعجزة الكبرى لأنه جهل أعظم ~~مما رأى منهم وأشنع. # {إن هؤلاء} أي: القوم {متبر} أي: هالك مدمر {ما هم فيه} أي: إن الله ~~تعالى يهدم دينهم الذي هم عليه ويحطم أصنامهم ويجعلها # PageV01P510 # رضاضا {وباطل} أي: مضمحل {ما كانوا يعملون} أي: من عبادتها وإن قصدوا بها ms0847 ~~التقرب إلى الله تعالى لأن الاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفة الله تعالى ~~من القلب، والمقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب، فكان هذا ~~ضدا للغرض ونقيضا للمطلوب. # {قال} موسى عليه السلام مجيبا لهم على سبيل الإنكار عليهم والتعجب {أغير ~~الله أبغيكم إلها} وأصله: أبغي لكم أي: أطلب لكم معبودا {وهو} أي: والحال ~~أنه هو وحده {فضلكم على العالمين} إذ الإله ليس شيئا يطلب ويلتمس ويتخذ بل ~~الإله هو الذي يكون قادرا على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة وجميع النعم ~~فهذا الموجود هو الإله الذي يجب على الخلق عبادته فكيف يجوز العدول عن ~~عبادته إلى عبادة غيره وفي تفضيلهم على العالمين قولان: الأول: أنه تعالى ~~فضلهم على عالمي زمانهم إلا ما يخصه العقل من الأنبياء والملائكة، والثاني: ~~أنه تعالى خصهم بتلك الآيات القاهرة ولم يحصل مثلها لأحد من العالمين وإن ~~كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال مثاله: رجل يعلم علما واحدا وآخر يعلم علوما ~~كثيرة سوى ذلك العلم فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك ~~العلم في الحقيقة. # {وإذ أنجيناكم من آل فرعون} أي: واذكروا صنعه معكم في هذا الوقت وقرأ ابن ~~عامر بحذف الياء والنون والباقون بإثباتهما وقوله تعالى: {يسومونكم} أي: ~~يكلفونكم ويذيقونكم {سوء العذاب} أي: أشده استئناف لبيان ما أنجاهم أو حال ~~من المخاطبين أو من آل فرعون أو منهما وقوله تعالى: {يقتلون أبناءكم ~~ويستحيون} أي: يستبقون {نساءكم} بدل من يسومونكم سوء العذاب {وفي ذلكم} أي: ~~الإنجاء أو العذاب {بلاء} أي: نقمة أو محنة {من ربكم عظيم} أي: أفلا تتعظون ~~وتنتهون عما قلتم. # {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} نكلمه عند انتهائها بأن يصوم أيامها، روي أن ~~موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من ~~الله تعالى فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما هلك سأل ربه فأمر بصوم ثلاثين ~~وهو شهر ذي القعدة فصامه فلما تمت أنكر خلوف فمه فتسوك فقالت الملائكة: كنا ~~نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك، وقيل: أوحى ms0848 الله تعالى إليه أما علمت ~~أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فأمره الله تعالى بعشرة أخرى ~~ليكلمه الله بخلوف فمه كما قال تعالى: {وأتممناها بعشر} أي: من ذي الحجة ~~{فتم ميقات ربه} أي: وقت وعده بتكليمه إياه {أربعين ليلة} وقيل: أمره أن ~~يتخلى ثلاثين بالصوم والعبادة ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها ~~ولقد أجمل ذكر الأربعين في سورة البقرة وفصلها هنا، وقرأ أبو عمرو وعدنا ~~بغير ألف قبل العين والباقون بألف. # فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} مع أن كل أحد ~~يعلم أن الثلاثين مع العشر تكون أربعين؟ أجيب: بأنه تعالى إنما قال: ~~{أربعين ليلة} إزالة لتوهم أن ذلك العشر من الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها ~~بعشر من الثلاثين كأنه كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين فأزال هذا ~~الإيهام. # تنبيه: الفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال ~~والوقت وقت للشيء قدره مقدر أم لا وقوله تعالى: {أربعين} نصب على الحال أي: ~~تم بالغا هذا العدد وليلة نصب على التمييز {وقال موسى لأخيه} وقوله: {هرون} ~~عطف بيان لأخيه أي: قال له عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة: {اخلفني} أي: كن # PageV01P511 # خيلفتي {في قومي وأصلح} أي: ما يجب أن يصلح من أمورهم أو كن مصلحا {ولا ~~تتبع سبيل المفسدين} أي: ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه. # فإن قيل: إن هارون كان شريك موسى عليهما السلام في النبوة فكيف جعله ~~خليفة لنفسه فإن شريك الإنسان أعلى حالا من خليفته، ورد الإنسان من منصبه ~~الأعلى إلى الأدون يكون إهانة له؟ أجيب: بأن الأمر وإن كان كما ذكر إلا أن ~~موسى عليه السلام كان هو الأصل في تلك النبوة. # فإن قيل: لما كان هارون نبيا والنبي لا يفعل إلا الإصلاح فكيف وصى إليه ~~بالإصلاح؟ أجيب: بأن المقصود من هذا الأمر التأكيد كقول الخليل: {ولكن ~~ليطمئن قلبي} (البقرة، 26) # {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي: للوقت الذي وعدناه للكلام فيه ms0849 {وكلمه ربه} ~~دلت الآية الكريمة على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في ~~كلام الله تعالى، قال الزمخشري في كشافه: وكلمه ربه من غير واسطة كما يكلم ~~الملك وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطا في ~~اللوح، اه. وهذا مذهب المعتزلة ولا شك في بطلانه وفساده لأن ذلك الجرم ~~كالشجرة لا يقول: أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري فثبت ~~بذلك بطلان ما قالوه وذهب بعض الحنابلة والحشوية إلى أن كلام الله تعالى ~~حروف وأصوات متقطعة وأنه قديم، قال الإمام الرازي: وهذا القول أخس من أن ~~يلتفت إليه العقل والذي عليه أكثر أهل السنة والجماعة أن كلام الله تعالى ~~صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات وأن موسى سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية، ~~قالوا: كما أنه لا يبعد رؤية ذاته مع أن ذاته ليست جسما ولا عرضا كذلك لا ~~يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفا ولا صوتا. # وفيما روي أن موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة تنبيه على ~~أن سماع كلامه تعالى القديم ليس من جنس كلام المحدثين وهل كان سبحانه ~~وتعالى كلم موسى وحده أو مع أقوام آخرين؟ ظاهر الآية يدل للأول لأن قوله ~~تعالى: {وكلمه ربه} يدل على تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص ~~بالذكر يدل على نفي الحكم عمن عداه، وقال القاضي: بل السبعون المختارون ~~سمعوا أيضا كلام الله تعالى، قال: لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى ~~عليه السلام عما يجري هناك وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكل وأيضا ~~فإن تكليم الله تعالى على هذا الوجه معجز وقد تقدمت نبوة موسى عليه السلام ~~فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره، ولما سمع عليه السلام كلام ربه اشتاق إلى ~~رؤيته سبحانه وتعالى {قال رب أرني أنظر إليك} قال في الكشاف: ثاني مفعولي ~~أرني محذوف أي: أرني نفسك أنظر إليك. # فإن قيل: الرؤية عين النظر فكيف قيل: أرني أنظر إليك؟ ms0850 أجيب: بأن معنى ~~أرني نفسك اجعلني متمكنا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك وفي هذا ~~دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء ~~محال خصوصا ما يقتضي الجهل بالله تعالى ولذلك رده بأن {قال} له {لن تراني} ~~دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إلي تنبيها على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها ~~على بعد في الرائي لم يوجد فيه بعد وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين: قالوا: ~~{أرنا الله جهرة} (النساء، 153) # كما قاله الزمخشري أشد خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلم # PageV01P512 # ويزيل شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا: اجعل لنا إلها والاستدلال بالجواب ~~وهو قوله تعالى: {لن تراني} على استحالتها أشد خطأ إذ لا يدل الإخبار عن ~~عدم رؤيته إياه على أنه لا يراه أبدا وأن لا يراه غيره أصلا فضلا عن أن يدل ~~على استحالته فإن أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة قالوا: لن ~~تكون لتأبيد النفي وهو خطأ لأنها لو كانت للتأبيد لزم التناقض بذكر اليوم ~~في قوله تعالى: {فلن أكلم اليوم إنسيا} (مريم، 26) # ولزم التكرار بذكر أبدا في قوله تعالى: {ولن يتمنوه أبدا} (البقرة، 95) # ولن تجتمع مع ما هو لانتهاء الغاية نحو قوله تعالى: {فلن أبرح الأرض حتى ~~يأذن لي أبي} (يوسف، 80) # وأما تأبيد النفي في قوله تعالى: {لن يخلقوا ذبابا} (الحج، 73) # فلأمر خارجي لا من مقتضيات لن ولا تقتضي تأكيد النفي أيضا خلافا للزمخشري ~~في كشافه بل قولك: لن أقوم، محتمل لأن تريد به أنك لا تقوم أبدا وأنك لا ~~تقوم في بعض الأزمنة المستقبلة وهو موافق لقولك: لا أقوم، في عدم إفادة ~~التأكيد وقوله تعالى: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} ~~استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيق الرؤية وفي تعليق الرؤية بالاستقرار ~~أيضا دليل على جوازها لأن استقرار الجبل عند التجلي ممكن بأن يجعل الله ~~تعالى له قوة على ذلك والمعلق على الممكن ممكن وتراني في الحرفين الياء ~~ثابتة وقفا ووصلا، ms0851 وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر النون والباقون بالضم، ~~قال وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق: لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب ~~والصواعق والرعد والبرق حتى أحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل ~~جانب وأمر الله تعالى ملائكة السموات أن يعرضوا على موسى عليه السلام فمرت ~~به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس ~~بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ثم مرت به ملائكة السماء الثانية كأمثال ~~الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس ففزع مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في ~~جسده ورأسه ثم قال: لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه ~~شيء؟ فقال له رئيس الملائكة: يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ~~ثم مرت به ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد ~~وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كلجب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ~~ففزع موسى عليه السلام واشتد فزعه وأيس من الحياة فقال له رأس الملائكة: ~~مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا صبر لك عليه ثم مرت به ملائكة السماء ~~الرابعة لا يشبههم شيء من الذين مروا به ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم ~~كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من الذين ~~مروا به قبلهم فاصطكت ركبتاه وأرعب # قلبه واشتد بكاؤه فقال له رأس الملائكة: يا ابن عمران اصبر لما سألت ~~فقليل من كثير ما رأيت ثم مرت به ملائكة السماء الخامسة لهم سبعة ألوان فلم ~~يستطع موسى أن يتبعهم بصره لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه ~~خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له رأس الملائكة: يا ابن عمران مكانك حتى ~~ترى بعض ما لا تصبر عليه ثم مرت به ملائكة السماء السادسة وفي يد كل واحد ~~منهم مثل النخلة الطويلة نور أشد ضوأ من الشمس ولباسهم كلهب النار إذا ~~سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات # PageV01P513 # كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس رب العزة أبدا ms0852 لا يموت في رأس كل ~~ملك منهم أربعة أوجه فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم وهو يبكي ويقول: يا ~~رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أنفلت مما أنا فيه أم لا إن خرجت احترقت ~~وإن مكثت احترقت، فقال له رأس الملائكة: قد أوشك يا ابن عمران أن يشتد خوفك ~~وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه ملائكة السماء ~~السابعة فلما بدا نور العرش انصدع نور الجبل من عظمة الله تعالى ورفعت ~~الملائكة أصواتهم جميعا يقولون: سبحان الملك القدوس رب العزة أبدا لا يموت ~~بشدة أصواتهم فارتج الجبل واندك وذلك قوله تعالى: {فلما تجلى ربه} أي: ~~«أظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر» كما في حديث صححه الحاكم {للجبل} أي: ~~جبل زبير بفتح الزاي والإضافة فيه بيانية لقول الجوهري: الزبير اسم للجبل ~~الذي كلم الله تعالى عليه السلام عليه {جعله دكا} أي: مدكوكا مفتتا، وحكي ~~عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر ~~الدرهم فجعل الجبل دكا مستويا بالأرض والدك والدق أخوان، وقال ابن عباس: ~~جعله ترابا، وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب ~~فيه، وقال الكلبي: كسر جبالا صغارا، قال البغوي: ووقع في بعض التفاسير صار ~~لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة # بالمدينة أحد # وورقان ورضوى ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحرا. # وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الكاف وهمزة مفتوحة من غير تنوين وصلا ووقفا ~~أي: مستويا ومنه ناقة دكاء للتي لا سنام لها والباقون بالتنوين بعد الكاف ~~والوقف على ألف التنوين {وخر} أي: وقع {موسى صعقا} أي: مغشيا عليه من هول ~~ما رأى غشية كالموت، وروي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشي عليه فجعلوا ~~يلكزونه بأرجلهم ويقولون له: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة ~~{فلما أفاق} من غشيته {قال} تعظيما لما رأى {سبحانك} أي: تنزيها لك من ~~النقائص كلها {تبت إليك} أي: من الجراءة والإقدام على السؤال بغير ms0853 إذن، ~~وقيل: لما كانت الرؤية مختصة بمحمد صلى الله عليه وسلم فمنعها قال: سبحانك ~~تبت إليك من سؤالي ما ليس لي، وقيل: لما سأل الرؤية ومنعها قال: تبت إليك ~~من هذا السؤال وحسنات الأبرار سيئات المقربين {وأنا أول المؤمنين} أي: في ~~زماني، وقيل: أنا أول من أمن إنك لا ترى في الدنيا أي: لكل الأنبياء وإلا ~~فالرؤية ثابتة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء على الصحيح ~~وللزمخشري هنا في كشافه على مذهبه الفاسد في عدم الرؤية مطلقا تأويلات ~~فلتحذر. # {قال يا موسى إني اصطفيتك} أي: اخترتك {على الناس} أي: الموجودين في ~~زمانك وهارون وإن كان نبيا مرسلا كان مأمورا باتباعه ولم يكن كليما ولا ~~صاحب شرع وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح ياء إني والباقون بالسكون وقوله ~~تعالى: {برسالاتي} أي: بأسفار التوراة، قرأه نافع وابن كثير بغير ألف بعد ~~اللام على التوحيد والباقون بالألف بعد اللام على الجمع {وبكلامي} أي: ~~وبتكليمي إياك {فخذ ما آتيتك} أي: ما أعطيتك من الرسالة {وكن من الشاكرين} ~~لأنعمي لأن موسى عليه السلام لما منع الرؤية عدد الله تعالى عليه وجوه نعمه ~~العظيمة التي له عليه وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له: إن كنت # PageV01P514 # منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا فلا يضيق صدرك بسبب ~~منع الرؤية وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها ~~والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علما وعملا والمقصود تسلية ~~موسى عليه السلام عن منع الرؤية قال الإمام الرازي: وهذا أيضا أحد ما يدل ~~على أن الرؤية جائزة على الله تعالى إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان ~~إلى ذكر هذا القدر حاجة. # وروي أن موسى عليه السلام كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه ~~لما غشي وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات وقالت له زوجته: أنا ~~لم أرك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها ~~على وجهها وخرت ms0854 ساجدة وقالت ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال: ذاك ~~إن لم تتزوجي بعدي لأن المرأة لآخر أزواجها {وكتبنا له} أي: لموسى {في ~~الألواح} أي: ألواح التوراة، قال البغوي: وفي الحديث: «كانت من سدر الجنة ~~طول اللوح اثنتا عشرة ذراعا» وجاء في الحديث: «خلق الله آدم بيده وكتب ~~التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده» والمراد بيده قدرته، وقيل: كانت من ~~زبرجدة خضراء، وقيل: من ياقوتة حمراء، وقيل: من صحرة صماء لينها الله تعالى ~~لموسى فقطعها بيده، وأما كيفية الكتابة فقال ابن جريج: كتبها جبريل بالقلم ~~الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور، وقال وهب: سمع موسى صرير القلم ~~بالكلمات العشر وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة، وقيل: إن موسى خر صعقا ~~يوم عرفة وأعطى التوراة يوم النحر وكانت الألواح عشرة على طول موسى، وقيل: ~~كانت تسعة، وقيل: سبعة، وقال مقاتل: وكتبنا له في الألواح كنقش الخاتم، ~~وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في ~~سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهم السلام أي: لم ~~يحفظها ويقرأها عن ظهر قلب إلا هؤلاء الأربعة، قال الإمام الرازي: وليس في ~~لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح وعلى كيفية تلك الكتابة فإن ثبت ~~ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه. # وأما قوله تعالى: {من كل شيء} فلا شبهة أنه ليس على العموم بل مما يحتاج ~~إليه موسى عليه السلام وقومه من أمر الدين وقوله تعالى: {موعظة وتفصيلا} ~~أي: تبيينا {لكل شيء} بدل من الجار والمجرور قبله أي: كتبنا كل شيء من ~~المواعظ وتفصيل الأحكام وقوله تعالى: {فخذها} على إضمار القول عطفا على ~~كتبنا أو بدلا من قوله: {فخذ ما آتيتك} (الأعراف، 144) # والهاء للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء أو الرسالة وعن كعب ~~الأحبار أن موسى عليه السلام نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة هي خير ~~الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون ms0855 عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول ~~والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال رب اجعلهم ~~أمتي قال: هي أمة محمد يا موسى، قال: يا رب إني أجد أمة هم الحامدون رعاة ~~الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا: نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي، ~~قال: هم أمة محمد، قال: يا رب إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم وكان ~~الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار وهم المستجابون والمستجاب لهم الشافعون ~~والمشفعون لهم فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد، قال: # PageV01P515 # يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا هبط واديا حمد ~~الله الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة ~~طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء غر محجلون من آثار ~~الوضوء فاجعلهم أمتي قال: هم أمة محمد، قال: يا رب إني أجد أمة إذا هم ~~أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له عشر أمثالها ~~إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد، قال: يا رب إني أجد أمة ~~مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات فلا أجد أحدا إلا مرحوما فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد، ~~قال: يا رب إني أجد أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة # يصطفون في صلاتهم كصفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل ~~النار أحد منهم إلا من برىء من الحسنات مثل ما برىء الحجر من ورق الشجر ~~فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد، فلما عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله ~~محمدا وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله تعالى إليه {إني ~~اصطفيتك} الخ فرضي موسى كل الرضا، ومعنى {بقوة} أي: بجد وعزيمة {وأمر قومك ~~يأخذوا بأحسنها} أي: بأحسن ما فيها. # فإن قيل: ظاهر هذا يقتضي أن فيها ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز لهم الأخذ به ~~وذلك متناقض وأجيب عن ذلك بأجوبة: الأول: أن تلك التكاليف منها ما هو ms0856 حسن ~~ومنها ما هو أحسن كالاقتصاد والعفو والانتصار والصبر فمرهم أن يحملوا ~~أنفسهم بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب كقوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما ~~أنزل إليكم من ربكم} (الزمر، 55) # وقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (الزمر، 18) # هذا ما أجاب به في الكشاف وتبعه البيضاوي والإمام الرازي لكن قال ~~التفتازاني: هذا ينافي ما تقرر من أن المكتوب على بني إسرائيل هو القصاص ~~قطعا والجواب بأنه مثال للحسن والأحسن لا لكونه في التوراة بعيد جدا. # فإن قيل: يلزم عليه أيضا منع الأخذ بالحسن وذلك يقدح في كونه حسنا. أجيب ~~عن هذا: بأن الأخذ بالحسن الثاني على سبيل الندب فلا يقدح في منع الأخذ ~~بالحسن، الثاني: أن الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح وأحسن هؤلاء ~~الثلاثة الواجب، الثالث: أن المراد بالأحسن البالغ في الحسن مطلقا لا ~~بالإضافة وهو المأمور به كقولهم: الصيف أحر من الشتاء أي: هو في حره أبلغ ~~من الشتاء في برده فكذا هنا المأمور به أبلغ في الحسن من المنهي عنه في ~~القبح {سأريكم دار الفاسقين} أي: دار فرعون وقومه وهي مصر كيف أقفرت منهم ~~ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل ما نكل بهم، ~~وقيل: منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممركم عليها في ~~أسفاركم، وقيل: المراد دارهم في الآخرة وهي جهنم. # {سأصرف عن آياتي} المنصوبات في الآفاق والأنفس كغلق السموات والأرض وما ~~بينهما {الذين يتكبرون في الأرض} أي: أصرفها عنهم بالطبع على قلوبهم فلا ~~يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، وقال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن، ~~وقوله تعالى: {بغير الحق} صلة يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل فإن ~~إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق فإن للمحق أن يتكبر # PageV01P516 # على المبطل وفي الكلام المشهور: التكبر على المتكبر صدقة {وإن يروا كل ~~آية} أي: منزلة أو معجزة {لا يؤمنوا بها} أي: لعنادهم وتكبرهم {وإن يروا ~~سبيل} أي: طريق {الرشد} أي: الهدى الذي جاء من عند الله {لا يتخذوه سبيلا} ~~أي: ms0857 طريقا يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد بل إن سلكوه فعن غير قصد. وقرأ ~~حمزة والكسائي بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين {وإن يروا ~~سبيل الغي} أي: الضلال {يتخذوه سبيلا} أي: بغاية الشهوة والتعمد والاعتماد ~~لسلوكه {ذلك} أي: هذا الصرف العظيم الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن ~~الإيمان واتخاذ الرسالة {بأنهم} أي: بسبب أنهم {كذبوا بآياتنا} أي: الدالة ~~على وحدانيتنا {وكانوا عنها غافلين} أي: كان دأبهم وديدنهم معاملتهم إيانا ~~بالإعراض عنها حتى كأنها مغفول عنها فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها غفلة ~~وانهماكا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم، وعن الفضيل بن عياض ذكر لنا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا ~~تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت عليهم بركة الوحي» . # {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي: وكذبوا بلقائهم الدار الآخرة ~~التي هي موعد الثواب فهو من إضافة المصدر إلى المفعول به ويجوز أن يكون من ~~إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى: ولقاء ما وعد الله في الدار الآخرة {حبطت} ~~أي: بطلت {أعمالهم} أي: ما عملوه في الدنيا من خير كصلة رحم وصدقة فلا ثواب ~~لهم لعدم شرطه {هل} أي: ما {يجزون إلا} جزاء {ما كانوا يعملون} أي: من ~~التكذيب والمعاصي. # {واتخذ قوم موسى من بعده} أي: بعد ذهابه إلى المناجاة {من حليهم} أي: ~~الذي استعاروه من القبط بسبب عرس فبقي عندهم. # فإن قيل: كيف قال: من حليهم وكان معهم معارا؟ أجيب: بأنه لما أهلك الله ~~تعالى قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم وصارت ملكا لهم كسائر أملاكهم ~~بدليل قوله تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا ~~فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين} (الدخان، الآيات: 25 26 27 28) # وقرأ حمزة والكسائي بكسر الحاء والباقون بضمها {عجلا} أي: صاغه لهم منه ~~السامري وقوله تعالى: {جسدا} بدل منه أي: صار جسدا ذا لحم ودم {له خوار} ~~أي: صوت البقر. # روي أن السامري لما صاغ العجل ألقي في ms0858 فمه قبضة من تراب أثر فرس جبريل ~~عليه السلام يوم قطع البحر فصار حيا له خوار، وقيل: صاغه بنوع من الحيل ~~فيدخل الريح جوفه ويصوت. وإنما نسب الاتخاذ إليهم وهو فعله إما لأنهم رضوا ~~به أو لأن المراد اتخاذهم إياه إلها، وقيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة، ~~وقيل: إنه كان يخور كثيرا فإذا خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم، وقال ~~وهب: كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرك، قال السدي: كان يخور ويمشي. # وقوله تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} تقريع على فرط ~~ضلالهم وإفراطهم بالنظر لأن هذا العجل لا يمكنه أن يتكلم بصواب ولا يهدي ~~إلى رشد ولا يقدر على ذلك ومن كان كذلك كان جمادا أو حيوانا ناقصا عاجزا ~~وعلى كلا التقديرين لا يصلح أن يعبد، ثم وصفهم الله تعالى بالظلم بقوله: ~~{اتخذوه} أي: العجل إلها {وكانوا ظالمين} أي: واضعين الأشياء في غير موضعها ~~فلم يكن اتخاذ العجل بدعا منهم ولا أول مناكيرهم واختلفوا هل كل قوم موسى ~~عبدوا العجل أو بعضهم؟ # PageV01P517 # قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون، واحتج عليه بوجهين: الأول: عموم ~~هذه الآية، والثاني: قول موسى عليه السلام في هذه القصة: {رب اغفر لي ~~ولأخي} (الأعراف، 151) # قال: خص نفسه وأخاه بالدعاء وذلك يدل على أن من كان مغايرا لهما ما كان ~~أهلا للدعاء ولو بقوا على الإيمان ما كان الأمر كذلك، وقال غيره: بل كان قد ~~بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه وإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم ~~مخصوصين والدليل عليه قوله: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} ~~(الأعراف، 159) . # {ولما سقط في أيديهم} أي: ولما ندموا على عبادة العجل، تقول العرب لكل ~~نادم على أمر قد سقط في يده، وذلك لأن من شأن من اشتد ندمه على أمر أن يعض ~~يده ثم يضرب فخذه فتصير يده ساقطة لأن السقوط عبارة عن النزول من أعلى إلى ~~أسفل {ورأوا} أي: علموا {أنهم قد ضلوا} عن الطريق الواضح ms0859 باتخاذ العجل ~~{قالوا} توبة ورجوعا إلى الله تعالى كما قال أبوهم آدم عليه السلام {لئن لم ~~يرحمنا ربنا} الذي لم يقطع قط إحسانه عنا فيكف غضبه ويديم إحسانه {ويغفر ~~لنا} أي: يمحو ذنوبنا عينا وأثرا لئلا ينتقم منا في المستقبل {لنكونن من ~~الخاسرين} أي: فينتقم منا بذنوبنا وهذا كلام من اعترف بعظيم ما قدم عليه من ~~الذنوب وندم على ما صدر منه ورغب إلى الله تعالى في إقالة عثرته وإنما ~~قالوا ذلك لما رجع موسى عليه السلام إليهم كما قال تعالى: # {ولما رجع موسى} أي: من مناجاته {إلى قومه غضبان} أي: من جهتهم {أسفا} ~~أي: لأن الله تعالى كان قد أخبره أنه قد فتن قومه وأن السامري قد أضلهم ~~فكان موسى في حال رجوعه غضبان أسفا، قال أبو الدرداء: الأسف أشد الغضب، ~~وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الأسف الحزن والأسيف الحزين، قال ~~الواحدي: والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب وقرأ حمزة ~~والكسائي بالخطاب في يرحمنا ويغفر لنا ونصب ربنا والباقون بالغيبة ورفع ~~الباء {قال} موسى لهم: {بئسما خلفتموني من بعدي} أي: بئس الفعل فعلكم بعد ~~فراقي إياكم وهذا الخطاب يحتمل أن يكون لعبدة العجل من السامري وأتباعه أي: ~~بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل وتركتم عبادة الله تعالى وأن يكون لهارون ~~والمؤمنين أي: بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى ~~والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. # فائدة: اتفقوا على وصل بئسما هنا في الرسم {أعجلتم أمر ربكم} أي: ~~أتركتموه غير تام كأنه ضمن عجل معنى سبق فعدي تعديته أو أعجلتم أمر ربكم ~~الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتي وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد ~~أنبيائهم. # روي أن السامري قال لهم حين أخرج لهم العجل وقال: هذا إلهكم وإله موسى إن ~~موسى لن يرجع وإنه قد مات. # وروي أنهم عدوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا ~~{وألقى الألواح} أي: ألواح التوراة أي: طرحها من شدة الغضب وفرط ms0860 الضجر أي: ~~عند استماعه حديث العجل حمية للدين وكان في نفسه حديدا شديد الغضب. # روي أن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفع ~~ستة أسباعها أي: ستة أسباع ما فيها لا ستة أسباعها نفسها لقوله بعد وأخذ ~~الألواح وكان فيها تفصيل كل شيء وبقي سبع فرفع ما كان من أخبار الغيب وبقي ~~ما فيه المواعظ والأحكام والحلال # PageV01P518 # والحرام قال الرازي: ولقائل أن يقول: ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح ~~فإما أنه ألقاها بحيث تكسرت فهذا ليس في القرآن وأنه جراءة عظيمة على كتاب ~~الله ومثله لا يليق بالأنبياء {وأخذ برأس أخيه} أي: بشعر رأسه بيمينه وشعر ~~لحيته بشماله {يجره} أي: أخاه {إليه} غضبا وكان هارون عليه السلام أكبر من ~~موسى بثلاث سنوات وأحب إلى بني إسرائيل من موسى لأنه كان ألين منه جانبا ف ~~{قال} هارون عند ذلك {ابن أم} قراءة ابن عامر وشعبة والكسائي بكسر الميم ~~وأصله يا ابن أمي فحذف الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفا كالمنادى المضاف إلى ~~الياء والباقون بالنصب زيادة في التخفيف لطوله أو تشبيها بخمسة عشر. # فإن قيل: هارون وموسى من أب وأم فلماذا ناداه بالأم فقط؟ أجيب: بأنه إنما ~~ذكرها لأنها كانت مؤمنة فاعتد بنسبها ولأنها هي التي قاست فيه المخاوف ~~والشدائد فذكره بحقها ليرققه عليه والطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون: أخذ ~~برأس أخيه يجره على سبيل الإهانة والاستحقاق والمثبتون لعمة الأنبياء ~~يقولون: أخذ برأس أخيه يجره على سبيل الإهانة والاستخفاف والمثبتون لعصمة ~~الأنبياء قالوا: جر رأس أخيه ليساره ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة. # فإن قيل: فلماذا قال يا ابن أم {إن القوم} الذين عبدوا العجل {استضعفوني} ~~أي: إني قد بذلت وسعي في كفهم فاستذلوني وقهروني {وكادوا} أي: قاربوا ~~{يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء} أي: فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله وأصل ~~الشماتة الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال: شمت فلان بفلان إذا سر بمكروه ~~نزل به أي: لا تسر الأعداء بما تنال مني من مكروه فكيف فعل بأخيه ms0861 ذلك؟ ~~أجيب: بأن هارون إنما قال ذلك خوفا من أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى ~~غضبان عليه كما هو غضبان على عبدة العجل أي: فلا تفعل بي ما تشمت به أعدائي ~~فهم أعداؤك فإن القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا على ~~الإكرام {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} أي: الذين عبدوا العجل مع براءتي ~~منهم بالمؤاخذة أو بنسبة التقصير ولما اعتذر له أخوه وذكر شماتة الأعداء. # {قال رب اغفر لي} أي: ما حملني عليه مما صنعت بأخي {ولأخي} أي: اغفر له ~~ما فرط في كفهم عن عبادة العجل إن كان وقع منه تفريط وضمه إلى نفسه في ~~الاستغفار ترضية له ودفعا للشماتة عنه {وأدخلنا في رحمتك} أي: بمزيد ~~الإنعام علينا {وأنت أرحم الراحمين} فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا قال الله ~~تعالى: # {إن الذين اتخذوا العجل} أي: إلها يعبدونه من دون الله تعالى فهذا هو ~~المفعول الثاني من مفعولي اتخذوا {سينالهم غضب} أي: عقوبة {من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا} وهي خروجهم من دارهم، وللمفسرين في هذه الآية طريقان الأول ~~أن المراد بالذين اتخذوا العجل الذين باشروا عبادة العجل. # فإن قيل: أولئك تاب الله عليهم بسبب أن قتلوا أنفسهم في معرض التوبة على ~~ذلك الذنب وإذا تاب الله عليهم فكيف ينالهم الغضب والذلة؟ أجيب: بأن ذلك ~~الغضب إنما حصل لهم في الدنيا وهو نفس القتل فكان ذلك القتل غضبا عليهم ~~والمراد بالذلة هو استسلامهم أنفسهم للقتل واعترافهم على أنفسهم بالضلال ~~والخطأ، وقيل: خروجهم من ديارهم لأن ذل الغربة مثل مضروب. # فإن قيل: السين في قوله: سينالهم للاستقبال فكيف تكون للماضي؟ أجيب: بأن ~~هذا إنما هو خبر عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين # PageV01P519 # أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ثم أخبره الله تعالى في ذلك الوقت أنه ~~سينالهم غضب من ربهم وذلة فكان هذا الكلام سابقا لوقته وهو القتل الذي ~~أمرهم الله تعالى به بعد ذلك، والطريق الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا ~~العجل الذين كانوا ms0862 في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فوصف اليهود الذين ~~كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ العجل وإن كان ما فعل ذلك ~~إلا آباؤهم لأنهم رضوا بفعلهم ولأن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء ~~كما يفعل ذلك في المناقب يقولون للأمم: أفعلتم كذا وكذا؟ وإنما فعله من مضى ~~من آبائهم. ثم حكم عليهم بأنهم سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في ~~الحياة الدنيا كما قال تعالى في صفتهم: {ضربت عليهم الذلة والمسكنة} ~~(البقرة، 61) # {وكذلك} أي: كما جزيناهم {نجزي المفترين} أي: كل مفتر في دين الله فجزاؤه ~~غضب الله في الآخرة والذلة في الدنيا، قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا ~~ويجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية لأن المبتدع مفتر في دين الله. # {والذين عملوا السيئات} أي: عملوا الأعمال السيئة ويدخل في ذلك كل ذنب ~~حتى الكفر {ثم تابوا} أي: رجعوا عنها إلى الله تعالى {من بعدها} أي: من بعد ~~أعمالهم السيئة {وآمنوا} أي: وصدقوا بالله تعالى بأنه لا إله غيره وأنه ~~يقبل توبة التائب ويغفر الذنوب وإن عظمت {إن ربك} أي: يا محمد أو يا أيها ~~الإنسان التائب {من بعدها} أي: التوبة {لغفور} أي: ستور عليهم محاء لما كان ~~منهم {رحيم} بهم أي: منعم عليهم بالجنة وفي الآية دليل على أن السيئات ~~بأسرها صغيرها وكبيرها مشتركة في التوبة وأن الله تعالى يغفرها جميعا بفضله ~~ورحمته فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح ~~للمذنبين التائبين، وتقدير الآية: أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب إلى الله ~~تعالى وأخلص التوبة فإن الله يغفرها له ويقبل توبته. # {ولما سكت} أي: سكن {عن موسى الغضب} أي: باعتذار هارون وبتوبتهم فعند ذلك ~~سكن غضبه وهو الوقت الذي قال: رب اغفر لي ولأخي، وفي هذا الكلام استعارتان ~~استعارة بالكناية في الغضب عن الشخص الناطق واستعارة تصريحية أو تخييلية في ~~السكوت عن طفء غضب موسى وسكون هيجانه وغليانه، وقال عكرمة: إن المعنى: سكت ~~موسى عن ms0863 الغضب فقلب كما قالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي والمعنى: أدخلت رأسي ~~في القلنسوة {أخذ الألواح} أي: وكما دعا لأخيه منبها بذلك على زوال غضبه ~~عليه فكذلك أخذ الألواح التي ألقاها منبها على زوال غضبه، قال الإمام ~~الرازي: وظاهر هذا يدل على أن شيئا منها لم ينكسر ولم يبطل وأن الذي قيل من ~~أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك اه. ومرت الإشارة إلى ~~ما يدل على الجمع بين ما هنا وبين ما مر {وفي نسختها} أي: ما نسخ فيها من ~~كتب والنسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا نسخت كتابا من كتاب حرفا بحرف فقد ~~نسخت ذلك الكتاب فهو نقلك ما في الأصل إلى الفرع لأن الألواح نسخت من اللوح ~~المحفوظ والنسخة فعلة بمعنى مفعولة كالخطبة، وقيل: إن موسى عليه السلام لما ~~ألقى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما فردت عليه في لوحين، وعلى قول من قال: ~~إن الألواح لم تكسر وأخذها موسى بعينها بعدما ألقاها يكون المعنى: وفي ~~نسختها أي: المكتوب فيها {هدى} أي: بيان للحق {ورحمة} أي: إرشاد إلى الصلاح # PageV01P520 # والخير، وقال ابن عباس: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب {للذين هم لربهم ~~يرهبون} أي: يخافون. # فإن قيل: التقدير: الذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله: ~~{لربهم} ؟ أجيب بأوجه: الأول: أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفا فدخلت ~~اللام للتقوية ونظيره قوله تعالى: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} (يوسف، 43) # الثاني: أنها لام الأجل والمعنى: للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا ~~سمعة، الثالث: أنه قد يزاد حرف الجر في المفعول وإن كان الفعل متعديا ~~كقولك: قرأت السورة وقرأت بالسورة. # {واختار موسى قومه} أي: من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل إليه فنصب يقال ~~اخترت من الرجال زيدا، واخترت الرجال زيدا، وأنشدوا قول الفرزدق: # *منا الذي اختير الرجال سماحة ... وجودا إذا هب الرياح الزعازع* # قال أبو علي: والأصل في هذا الباب أن في الأفعال ما يتعدى إلى المفعول ~~الثاني بحرف الجر ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى ms0864 إلى المفعول الثاني من ذلك ~~قولك: اخترت من الرجال زيدا ثم يتسع فيقال: اخترت الرجال زيدا، وأستغفر ~~الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر: # *أستغفر الله ذنبا لست محصيه* # ويقال أمرت زيدا بالخير وأمرت زيدا الخير قال الشاعر: # *أمرتك الخير فافعل ما أمرت به* # قال الرازي: وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: واختار موسى قومه ~~لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقا لاسم الخير على ما هو المقصود ~~منه وقوله: {سبعين رجلا لميقاتنا} عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ~~ذكر من التكلفات {فلما أخذتهم الرجفة} . # روي أن الله تعالى أمره أن يأتيه في سبعين رجلا من بني إسرائيل فاختار من ~~كل سبط ستة فزاد اثنان فقال: ليتخلف منكم رجلان، فتشاحوا فقال: لمن قعد أجر ~~من خرج، فقعد كالب ويوشع وذهب معه الباقون. # روي أنه لم يصب إلا ستين شيخا فأوحى الله تعالى إليه أن يختار من الشبان ~~عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخا، وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم ~~يتجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى عليه السلام أن ~~يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج إلى طور سينا لميقات ربه وكان أمره ~~أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من ~~الغمام حتى غشي الجبل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم: ادنوا وكان موسى ~~عليه السلام إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم ~~أن ينظر إليه فضرب دونه الحجاب ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام ووقعوا سجدا ~~فسمعوه يكلم موسى يأمره وينهاه وافعل لا تفعل فلما فرغ من أمره ونهيه ~~وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: له لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي الرجفة فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ~~{قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل} أي: من قبل خروجهم إلى الميقات {وإياي} ~~معهم فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني إذا ms0865 رجعت إليهم وما هم معي ~~وعنى بذلك: أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم ~~في البحر وغيرهما فترحمت عليهم بالإنقاذ منهما فإن ترحمت عليهم مرة أخرى لم ~~يبعد من عميم إحسانك، وقال وهب: لم تكن تلك الرجفة موتا ولكن القوم لما ~~رأوا تلك الهيبة # PageV01P521 # أخذتهم الرجفة حتى كادت أن تبين منهم مفاصلهم فلما رأى موسى ذلك رحمهم ~~وخاف عليهم الموت واشتد عليه فقدهم وكانوا له وزراء على الخير سامعين ~~مطيعين فعند ذلك دعا وبكا وناشد ربه فكشف الله تعالى عنهم تلك الرجفة ~~واطمأنوا وسمعوا كلام ربهم وذلك قوله تعالى: {قال} أي: موسى {رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل} أي: من قبل عبادة العجل وإياي بقتلي القبطي {أتهلكنا بما ~~فعل السفهاء منا} أي: عبدة العجل وظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل ~~العجل وقال هذا على طريق # السؤال، وقال المبرد: هو استفهام استعطاف أي: لا تهلكنا وقد علم موسى ~~عليه السلام أن الله تعالى أعظم من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره، وقيل: بما ~~فعل السفهاء من العناد والتجاسر على طلب الرؤية وكان ذلك قاله بعضهم {إن ~~هي} أي: ما هي {إلا فتنتك} قال الواحدي: الكناية في هي تعود إلى الفتنة كما ~~تقول: إن هو إلا زيد، والمعنى: أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن ~~إلا فتنتك أي: اختبارك وابتلاؤك وهذا تأكيد لقوله تعالى: {أتهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا} لأن معناه لا تهلكنا بفعلهم فإن تلك الفتنة كانت اختبارا منك ~~وابتلاء أضللت بها قوما فافتتنوا بأن أوجدت في العجل خوارا فزاغوا به ~~وأسمعتهم كلامك حتى طمعوا في الرؤية هديت قوما فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك ~~فذلك معنى قوله: {تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} ولما أثبت أن الكل بيده ~~تعالى استأنف سؤاله في أن يفعل لهم الأصلح فقال: {أنت} أي: وحدك {ولينا} ~~نعتقد أن لا يقدر على عمل مصالحنا غيرك وأنت لا نفع لك في شيء من الأمرين ~~ولا ضر بل الكل بالنسبة إليك على ms0866 حد سواء ونحن على بصيرة من أن أفعالك لا ~~تعلل بالأغراض وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك منا يضرنا ونحن في حضرتك قد ~~انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا لديك {فاغفر لنا} أي: امح ذنوبنا ~~{وارحمنا} أي: اشملنا برحمتك التي وسعت كل شيء {وأنت خير الغافرين} أي: لأن ~~غيرك يتجاوز عن الذنب طلبا للثناء أو للثواب أو دفعا للصفة الخسيسة وهي صفة ~~الحقد ونحوه وأنت منزه عن ذلك فتغفر السيئة وتبدلها حسنة. # أي: أوجب أو أثبت أو اقسم {لنا} أي: في مدة إحيائك لنا {في هذه الدنيا} ~~أي: الحاضرة والدنية {حسنة} أي: حسن معيشة وتوفيق طاعة {وفي الآخرة} أي: ~~واكتب لنا في الحياة الآخرة حسنة وهي الجنة ثم علل ذلك بقوله: {إنا هدنا} ~~أي: تبنا {إليك} أي: عما لا يليق بجنابك وأصل الهود الرجوع برفق والهود جمع ~~هائد وهو التائب ولبعضهم: # *يا راكب الذنب هدهد ... واسجد كأنك هدهد* # قال بعضهم: وبه سميت اليهود وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم ثم صار اسم ذم ~~بعد نسخها {قال} الله تعالى لموسى: {عذابي أصيب به من أشاء} من خلقي أذنب ~~أو لم يذنب لا اعتراض علي {ورحمتي وسعت} عمت وشملت {كل شيء} من خلقي في ~~الدنيا ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمتي وهذا ~~معنى حديث أبي هريرة في الصحيحين «إن رحمتي سبقت غضبي» وفي رواية «غلبت ~~غضبي» وأما في الآخرة فقال تعالى: {فسأكتبها للذين يتقون} الله {ويؤتون ~~الزكاة} وخصها بالذكر لنفعها المتعدي ولأنها كانت أشق عليهم، قال قتادة: ~~لما نزل {ورحمتي وسعت # PageV01P522 # كل شيء} قال إبليس: أنا من ذلك الشيء فقال تعالى: {فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة} {والذين هم بآياتنا يؤمنون} ولا يكفرون بشيء منها فأيس ~~إبليس منها وتمناها اليهود والنصارى وقالوا: نحن نتقي ونؤمن بآيات ربنا ~~فأخرجهما الله تعالى بقوله: # {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} وإنما سماه رسولا بإضافته إلى الله عز ~~وجل لأنه الواسطة بين الله تعالى وبين خلقه لرسالته وأوامره ونواهيه ~~وشرائعه إليهم ونبيا لأنه ms0867 رفيع الدرجة عند الله ثم وصفه بالأمي وهو الذي لا ~~يكتب ولا يقرأ وهي صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه ~~وسلم «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» والعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا ~~يقرؤون أي: الخط والنبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك، قال أهل التحقيق: ~~وكونه أميا بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه: # الأول: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوما ~~مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ~~ارتجل خطبة ثم أعادها فلا بد وأن يزيد فيها أو أن ينقص عنها بالقليل ~~والكثير ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع أنه ما كان يكتب ولا يقرأ يتلو كتاب ~~الله تعالى من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير فكان ذلك معجزة وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} (الأعلى، 6) # الثاني: أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لكان متهما في أنه ربما طالع كتب ~~الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم ~~المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة كان ذلك من المعجزات ~~وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون} (العنكبوت، 48) # الثالث: تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى ~~سعي فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ثم إنه تعالى آتاه علوم ~~الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من الخلق ~~ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل ~~تعلمه على أقل الخلق عقلا وفهما فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين ~~جاريا مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجارية مجرى ~~المعجزات وهذا الاتباع تارة يكون بالقوة فقط لمن تقدم موته على زمانه صلى ~~الله عليه وسلم وتارة يخرج من القوة إلى الفعل كمن لحق زمان ms0868 دعوته فمن علم ~~الله تعالى منه أنه لا يتبعه إذا أدركه لا يغفر له ولو عمل جميع الطاعات ~~غير ذلك وعرفه لهم بجميع خواصه حتى لا يتطرق إليه عند مجيئه ريب ولا يتعلل ~~في أمره بعلة ولذلك اتبعه. # {الذي يجدونه} أي: علماء بني إسرائيل {مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} ~~باسمه ونعته ولكنهم كتموا ذلك وبدلوه وغيروه حسدا منهم له وخوفا على زوال ~~رياستهم وقد حصل لهم ما كانوا يخافونه فقد زالت رياستهم ووقعوا في الذل ~~والهوان وعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله ~~عنهما فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: ~~أجل إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ~~ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن ~~يقبضه الله تعالى حتى # PageV01P523 # يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح به أعينا عميا ~~وآذانا صما وقلوبا غلفاء، انتهى.l # شرح غريب ألفاظه: الفظ: السيء الخلق، والغليظ: الجافي القاسي، والسخاب ~~بالسين والصاد: الكثير الصياح، والاعوجاج: ضد الاستقامة والملة العوجاء: ~~الكفر، والقلب الأغلف: الذي لا يصل إليه شيء ينفعه كأنه في غلاف. # وقوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف} قال الزجاج: يجوز أن يكون استئنافا ويجوز ~~أن يكون المعنى: يجدونه مكتوبا عندهم إنه يأمرهم بالمعروف قال الرازي: ~~ومجامع المعروف في قوله عليه الصلاة والسلام «التعظيم لأمر الله والشفقة ~~على خلق الله» وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن لذاته، ~~أما الواجب لذاته فهو الله تعالى ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته ~~وإظهار الخشوع والخضوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفا بصفات الكمال ~~مبرأ عن النقائص والآفات منزها عن الأضداد والأنداد، وأما الممكن لذاته فإن ~~لم يكن حيوانا فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة ~~ومع ذلك فإنه يجب النظر إلى كلها ms0869 بعين التعظيم من حيث إنها مخلوقة لله ومن ~~حيث إن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلا ظاهرا وبرهانا باهرا على ~~توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام ومن حيث إن لله سبحانه ~~وتعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسرارا عجيبة وحكما خفية فيجب النظر ~~إليها بعين الاحترام، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب ~~الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ويدخل فيه بر الوالدين وصلة ~~الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله صلى الله عليه وسلم «التعظيم لأمر الله ~~والشفقة على خلق الله» كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف {وينهاهم عن ~~المنكر} وهو ضد الأمور المذكورة، وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف بخلع الأنداد ~~وبمكارم الأخلاق وبصلة الأرحام وينهاهم عن المنكر أي: عبادة الأوثان وقطع ~~الأرحام {ويحل لهم الطيبات} أي: ما حرم عليهم في شرعهم كالشحوم {ويحرم ~~عليهم الخبائث} كالدم ولحم الخنزير والربا والرشوة {ويضع عنهم إصرهم} أي: ~~ثقلهم الذي كان يحمل عليهم، وقرأ ابن عامر بفتح الهمزة الممدودة والصاد ~~وألف بعد الصاد عى الجمع والباقون بكسر الهمزة وسكون الصاد ولا ألف بعدها ~~على التوحيد {والأغلال التي كانت # عليهم} أي: ويضع الأثقال والشدائد التي كانت عليهم من الدين والشريعة ~~وذلك مثل قتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض النجاسة من البدن ~~والثوب بالمقراض وغير ذلك من الشدائد التي كانت على بني إسرائيل شبهت ~~بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق كما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل فكذلك ~~لا تمتد إلى الحرام الذي نهيت عنه وكانت هذه الأثقال في شريعة موسى عليه ~~الصلاة والسلام فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم نسخ ذلك كله ويدل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» {فالذين آمنوا به} ~~أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم {وعزروه} أي: وقروه وعظموه وأصل التعزير ~~المنع والنصرة وتعزير النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله ودفع ~~الأعداء عنه {ونصروه} على أعدائه {واتبعوا النور الذي أنزل معه} أي: القرآن ~~سمي ms0870 نورا لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء # PageV01P524 # اليقين والعلم، وقيل: الهدى والبيان والرسالة، وقيل: الحق الذي بيانه في ~~القلوب كبيان النور. # فإن قيل: كيف يمكن حمل النور هنا على القرآن والقرآن ما أنزل مع محمد صلى ~~الله عليه وسلم وإنما أنزل مع جبريل عليه السلام؟ أجيب: بأن معناه أنه أنزل ~~مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات ~~قال: {أولئك هم المفلحون} أي: الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة. # ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي ~~الكريم حثا على الإيمان وإيجابا له على وجه يعلم منه أنه رسول الله إلى كل ~~مكلف تقدم زمانه أو تأخر قال تعالى: # {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم} الخطاب عام وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مبعوثا إلى كافة الثقلين بل وإلى الملائكة قاله السبكي ~~والبقاعي وغيرهما وهذا هو اللائق بمقامه صلى الله عليه وسلم وإن خالف في ~~ذلك بعضهم، وأما سائر الرسل فمبعوثون إلى أقوامهم فقط لقوله صلى الله عليه ~~وسلم «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي ~~الأرض طيبة مسجدا وطهورا ونصرت على عدوي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر وأطعمت ~~الغنيمة دون من قبلي وقيل لي سل تعطه وأخبأت شفاعتي لأمتي» . # فإن قيل: كان آدم عليه السلام مبعوثا إلى جميع أولاده ونوح عليه السلام ~~لما خرج من السفينة كان مبعوثا إلى الذين كانوا معه مع أن جميع الناس في ~~ذلك الزمان ما كانوا إلا ذلك القوم؟ أجيب: بأن ذلك لم يكن لعموم رسالتهما ~~بل للحصر المذكور فليس ذلك من باب عموم الرسالة، وقوله: {جميعا} حال من ~~إليكم أي: إن الكل يشترط عليهم الإيمان بي والإتباع لي وقد طار الخبر ~~بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى كل أفق وتغلغل في كل نفق ولم يبق الله ~~أهل مدر ولا وبر ولا سهل ولا جبل ولا بحر ms0871 ولا بر في مشارق الأرض ومغاربها ~~إلا وقد ألقاه إليهم وملأ به مسامعهم وألزمهم به الحجة وهو سائله عنهم يوم ~~القيامة وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه حين رفع إليه الذراع فنهش ~~منها فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة» ، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا قائدهم ~~إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وأنا مستشفعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا ~~يئسوا لواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» ، وعن أبي ~~بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم ~~القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» ، وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وأنا حبيب الله ولا ~~فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر وأنا أول ~~شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر» ، ~~وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا ~~سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وما ~~من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي» والفخر ادعاء العظمة والكبر ~~والشرف أي: لا أقول تبجحا ولكن شكرا وتحدثا بالنعمة وما اجتمع بهم في مجمع ~~إلا كان إمامهم قبل موته # وبعده اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس فصلى بهم إماما ثم اجتمع بهم ~~في السماء فصلى بجميع أهل السماء إماما وأما يوم # PageV01P525 # الجمع الأكبر والكرب الأعظم فيحيل الكل عليه وما أحال بعض الأكابر على ~~بعض إلا علما منهم بأن الختام يكون به ليكون أظهر للاعتراف بإمامته ~~والانقياد لطاعته لأن المحيل على المحيل على الشيء محيل على ذلك والحاصل ~~أنه صلى الله عليه وسلم تظهر في ذلك الموقف رسالته بالفعل إلى كافة الخلق ~~فيظهر سر هذه الآية {الذين ms0872 يتبعون الرسول} قال البقاعي: ولما دل بالإضافة ~~إلى اسم الذات ما يدل على جميع الصفات على عموم دعوته وشمول رسالته حتى ~~للجن والملائكة أيد ذلك بقوله: {الذي له ملك السموات والأرض} فيكون محله ~~جرا على الوصف وإن حيل بين الصفة والموصوف بقوله: {إليكم جميعا} لأنه متعلق ~~المضاف إليه فهو كالمتقدم عليه قال الزمخشري: والأحسن أن يكون محله نصبا ~~بإضمار أعني وهذا الذي يسمى النصب على المدح، قال البيضاوي: أو مبتدأ خبره ~~{لا إله إلا هو} أي: فالكل منقادون لأمره خاضعون له ثم علل ذلك بقوله: ~~{يحيي ويميت} أي: له هاتان الصفتان مختصا بهما ومن كان كذلك كان منفردا بما ~~ذكر، قال البقاعي: وإذا راجعت ما يأتي إن شاء الله تعالى في أول الفرقان مع ~~ما مضى في أوائل الأنعام لم يبق عندك شك في دخول الملائكة عليهم السلام في ~~عموم الدعوة اه. # وقد مرت الإشارة إلى ذلك ولما أمر الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بأن يقول للناس: {إني رسول الله إليكم جميعا} أمر الله تعالى جميع ~~خلقه بالإيمان به وبرسوله بقوله: {فآمنوا با ورسوله} وذلك أن الإيمان بالله ~~هو الأصل والإيمان برسوله فرع عليه فلهذا بدأ بالإيمان بالله ثم ثنى ~~بالإيمان برسوله ثم وصفه تعالى بقوله: {النبي الأمي} وتقدم معناهما {الذي ~~يؤمن با وكلماته} أي: بما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه ووحيه وقال ~~قتادة: المراد بكلماته القرآن، وقال مجاهد: عيسى بن مريم لأنه خلق بقوله: ~~كن فكان ولم يكن من نطفة تمنى، ولهذا سمي كلمة الله وقيل: هو الكلمة التي ~~تكون عنها عيسى وجميع خلقه وهي قوله: {كن} {واتبعوه} أي: واقتدوا به أيها ~~الناس فيما يأمركم به وينهاكم عنه {لعلكم تهتدون} أي: لكي تهتدوا وترشدوا ~~جعل تعالى رجاء الاهتداء أثر الإيمان والاتباع تنبيها على أن من صدقه ولم ~~يتابعه بالتزام شريعته فهو بعد في خطيئة الضلالة. # {ومن قوم موسى} أي: من بني إسرائيل {أمة} أي: جماعة {يهدون بالحق} أي: ~~يهدون الناس محقين أو بكلمة الحق ms0873 {وبه} أي: بالحق {يعدلون} أي: يحكمون ~~والمراد بتلك الأمة الثابتون على الإيمان القائلون بالحق من أهل زمان موسى ~~عليه السلام اتبع ذكر المرتابين الكافرين من بني إسرائيل بذكر أضدادهم كما ~~هو عادة القرآن تنبيها على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل ~~مستمر وقيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كعبد الله بن سلام وأصحابه {واعترض} بأنهم كانوا قليلين في العدد ولفظ ~~الأمة يقتضي الكثرة، وأجيب: بأنهم لما كانوا مخلصين في الدين جاز إطلاق لفظ ~~الأمة عليهم كما في قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة} (النحل، 12) # وقيل: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا ~~تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ~~ففتح الله تعالى لهم نفقا في الأرض فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء ~~الصين وهم # PageV01P526 # هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبريل عليه السلام: هل ~~تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، قال: هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به وقالوا: ~~يا رسول الله إن موسى عليه السلام أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني ~~عليه السلام فرد محمد على موسى صلى الله عليهما وسلم السلام ثم أقرأهم عشر ~~سور من القرآن أنزلت بمكة ولم تكن فريضة نزلت غير الصلاة والزكاة وأمرهم أن ~~يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت ولا يتظالموا ~~ولا يتحاسدوا ولا يصل إليهم منا أحد ولا إلينا منهم أحد قال بعض المحققين: ~~هذا القول ضعيف وإن كان البغوي صححه لوجوه: الأول: كونه أقرأهم عشر سور وقد ~~نزل عليه أكثر من ذلك وكان فرض الزكاة بالمدينة فكيف يأمرهم بها قبل فرضها، ~~الثاني: كون جبريل ذهب إليهم به ليلة الإسراء لم يرد بذلك نقل صحيح ولا ~~رواه أحد من أئمة الحديث، الثالث: أن أحدا منهم لا يصل إلينا ولا يصل إليهم ~~منا ms0874 أحد فمن الذي أوصل خبرهم إلينا فثبت بذلك بطلان هذا القول. # فإن قيل: إن يأجوج ومأجوج قد وصل خبرهم إلينا ولم يصل خبرنا إليهم أجيب: ~~بالمنع فمن أين يعرف أنه لم يصل خبرنا إليهم ثم قال: فالمختار في تفسير هذه ~~الآية أنها إما أن تكون قد نزلت في قوم كانوا متمسكين بدين موسى قبل ~~التبديل والتغيير ثم ماتوا وهم على ذلك وإما أن تكون قد نزلت فيمن أسلم من ~~اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه. # {وقطعناهم} أي: فرقنا بني إسرائيل وقوله تعالى: {اثنتي عشرة} حال وتأنيثه ~~حملا على الأمة {أسباطا} بدل منه ولذلك جمع قبائل والأسباط أولاد الولد ~~وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولدا من ولد يعقوب عليه السلام {أمما} ~~بدل بعد بدل أو نعت لأسباطا أي: وقطعناهم أمما لأن كل سبط كان أمة عظيمة ~~وجماعة كثيفة العدد وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى لا تكاد تأتلف ~~{وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه} أي: حين استسقوه في التيه {أن اضرب ~~بعصاك الحجر فانبجست} أي: انفجرت والمعنى واحد وهو الانفتاح بسعة وكثرة ~~يقال: بجست الماء فانبجس أي: فجرته فانفجر قاله الجوهري، وعلى هذا التقرير ~~فلا تباين بين الانبجاس المذكور هنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة، ~~وقال آخرون: الانبجاس خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة وطريق الجمع ~~أن الماء ابتدأ بالخروج قليلا ثم صار كثيرا وهذا الفرق مروي عن عمرو بن ~~العلاء. # فإن قيل: هلا قيل: فضربه فانبجست؟ أجيب: بأنه إنما حذف ذلك للإيماء على ~~أن موسى لم يتوقف في الامتثال وإن ضربه لم يكن مؤثرا يتوقف عليه الفعل في ~~ذاته {منه} أي: من الحجر {اثنتا عشرة عينا} أي: بعدد الأسباط {قد علم كل ~~أناس} أي: كل سبط منهم {مشربهم} أي: لا يدخل سبط على سبط في مشربهم {وظللنا ~~عليهم الغمام} أي: في التيه ليقيهم من حر الشمس {وأنزلنا عليهم المن} ~~الترنجبيل {والسلوى} أي: الطير السماني بتخفيف الميم والقصر ms0875 جعل الله تعالى ~~ذلك طعاما لهم في التيه، وقيل: المن الخبز والسلوى الإدام، وقال ابن يحيى: ~~السلوى طائر يشبه السماني وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية يموت ~~إذا سمع صوت # PageV01P527 # الرعد كما أن الخطاف يقتله البرد فيلهمه الله تعالى أن يسكن جزائر البحر ~~التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد فيخرج من ~~الجزائر وينتشر في الأرض {كلوا} أي: وقلنا لهم كلوا {من طيبات ما رزقناكم} ~~مما لم تعالجوه نوع معالجة وقوله تعالى: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون} فيه حذف ترك ذكره للاستغناء عنه ودلالة الكلام عليه تقديره كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم فامتنعوا من ذلك وسئموه وقالوا: لن نصبر على طعام واحد ~~وسألوه غير ذلك لأن المكلف إذا أمر بشيء فتركه وعدل عنه إلى غيره يكون ~~عاصيا بفعل ذلك فلهذا قال تعالى: {وما ظلمونا} أي: بفعل شيء مما قابلوا به ~~الإحسان بالكفران ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بمخالفتهم ما أمروا به وقد سبق ~~تفسير هذه الآية في سورة البقرة. # {وإذ قيل لهم} أي: واذكر يا محمد لقومك إذا قيل لبني إسرائيل {اسكنوا هذه ~~القرية} أي: بيت المقدس {وكلوا منها} أي: من القرية {حيث شئتم وقولوا} ~~أمرنا {حطة وادخلوا الباب} أي: باب القرية {سجدا} أي: سجودا نحناء وقوله ~~تعالى: {نفغر لكم} قرأه نافع وابن عامر بضم التاء وفتح الفاء على التأنيث ~~والباقون بنون مفتوحة وكسر الفاء وقوله تعالى: {خطاياكم} قرأه نافع بكسر ~~الطاء بعدها همزة مفتوحة ممدودة وبعد الهمزة تاء مضمومة على الجمع وابن ~~عامر كذلك إلا أنه يقصر الهمزة على التوحيد وأبو عمرو بفتح الخاء والطاء ~~وبعد الطاء ألف بعدها ياء وبعد الياء ألف على وزن قضاياكم والباقون بكسر ~~الطاء بعدها همزة مفتوحة ممدودة بعدها تاء مكسورة {سنزيد المحسنين} أي: ~~بالطاعة ثوابا. # {فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم} فقالوا حبة في شعرة ~~ودخلوا يزحفون على أستاههم أي: أدبارهم {فأرسلنا عليهم رجزا} أي: عذابا {من ~~السماء بما كانوا يظلمون} أي: وهذه القصة ms0876 أيضا تقدمت في سورة البقرة لكن ~~ألفاظ هذه الآية تخالف الآية المذكورة في (البقرة، 58) # من وجوه: الأول: أنه قال هناك: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} وهنا قال: ~~{وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية} والثاني: أنه قال هناك: {فكلوا} بالفاء ~~وقال هنا: {وكلوا} بالواو، والثالث: أنه قال هناك: {رغدا} وأسقطه هنا، ~~والرابع: أنه قال هناك: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} وقال هنا: على ~~التقديم والتأخير، والخامس: أنه قال هناك: {نغفر لكم خطاياكم} وقال هنا: ~~{نغفر لكم خطيئاتكم} والسادس: أنه قال هناك: {وسنزيد المحسنين} وهنا: حذف ~~الواو، والسابع: أنه قال هناك: {فأنزلنا على الذين ظلموا} وقال هنا: ~~{فأرسلنا عليهم} الثامن: أنه قال هناك: {بما كانوا يفسقون} وقال هنا: {بما ~~كانوا يظلمون} ولا منافاة بين هذه الألفاظ المختلفة أما الأول: وهو أنه قال ~~هناك: {ادخلوا هذه القرية} وقال هنا: {اسكنوا} فلا منافاة بينهما لأن كل ~~ساكن في موضع فلا بد من الدخول فيه، وأما الثاني: وهو قوله هناك: {فكلوا} ~~بالفاء، وقال هنا: {وكلوا} بالواو فالفرق بينهما أن للدخول حالة مقتضية ~~للأكل عقب الدخول فحسن دخول الفاء التي هي للتعقيب ولما كانت السكنى حالة ~~استمرار حسن دخول الواو عقب السكنى فيكون الأكل حاصلا متى شاؤوا فظهر ~~الفرق، وأما الثالث: وهو أنه ذكر هناك: {رغدا} وأسقطه هنا فلأن الأكل عقب ~~الدخول ألذ وأكمل والأكل مع السكنى والاستمرار ليس كذلك فحسن # PageV01P528 # دخول لفظ رغدا هناك: دون هنا، وأما الرابع: وهو قوله هناك: {ادخلوا الباب ~~سجدا وقولوا حطة} وقال هنا على التقديم والتأخير فلا منافاة في ذلك لأن ~~المقصود من ذلك تعظيم أمر الله تعالى وإظهار الخضوع والخشوع له فلم يتفاوت ~~الحال بحسب التقديم والتأخير، وأما الخامس: وهو أنه قال هناك: {خطاياكم} ~~وقال هنا: {خطيئاتكم} فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أم ~~كثيرة فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرع، وأما السادس: وهو قوله ~~تعالى هناك: {وسنزيد} بالواو وقال هنا بحذفها # فالفائدة في حذف الواو أنه تعالى وعد بشيئين بالغفران وبالزيادة للمحسنين ~~من الثواب ms0877 وإسقاط الواو لا يخل بذلك المعنى لأنه استئناف مرتب على تقدير ~~قول القائل: ماذا حصل بعد الغفران؟ فقيل: إنه سيزيد المحسنين، وأما السابع: ~~وهو الفرق بين أنزلنا وبين أرسلنا، فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال ~~يشعر بها فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل ثم جعله كثيرا وهو نظير ما ~~تقدم من الفرق بين انبجست وانفجرت. # وأما الثامن وهو الفرق بين قوله تعالى: {يفسقون} وبين قوله تعالى: ~~{يظلمون} فلأنهم لما ظلموا أنفسهم فيما غيروا وبدلوا فسقوا بذلك وخرجوا عن ~~طاعة الله فوصفوا بكونهم ظالمين لأجل أنهم ظلموا أنفسهم، وبكونهم فاسقين ~~لأنهم خرجوا عن طاعة الله فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول ~~هذين الأمرين هذا ملخص كلام الرازي رحمه الله تعالى ثم قال: وتمام العلم ~~بذلك عند الله تعالى. # {واسألهم} أي: اسأل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال توبيخ ~~وتقريع {عن القرية} أي: عن خبرها وما وقع بأهلها لا سؤال استفهام لأنه صلى ~~الله عليه وسلم كان قد علم حال هذه القرية بوحي من الله تعالى إليه وإخباره ~~إياه بحالهم وإنما القصد من هذا السؤال تقرير اعتداء اليهود وإقدامهم على ~~الكفر والمعاصي قديما، وأن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وإنكارهم نبوته ومعجزاته ليس بشيء قد حدث الآن في زمانه، بل إصرارهم على ~~الكفر كان حاصلا في قديم الزمان، وفي الإخبار بهده القصة معجزة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه كان أميا لم يقرأ الكتب القديمة ولم يعرف أخبار ~~الأولين ثم أخبرهم بما جرى لأسلافهم في قديم الزمان وأنهم بسبب مخالفتهم ~~لأمر الله تعالى مسخوا قردة، واختلفوا في هذه القرية فقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هي قرية يقال لها أيلة بين مدين والطور على شاطىء البحر، وقال ~~الزهري: هي طبرية الشام، وقيل: مدين والعرب تسمي المدينة قرية، وعن أبي ~~عمرو بن العلاء: ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، يعني: رجلين من أهل ~~المدن. {التي كانت حاضرة البحر} أي: مجاورة بحر القلزم على شاطئه والحضور ms0878 ~~نقيض الغيبة كقوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} ~~(البقرة، 196) # {إذ} أي: حين {يعدون} أي: يعتدون {في السبت} أي: يتجاوزون حدود الله ~~تعالى بالصيد فيه وقد نهوا عنه، وقوله تعالى: {إذ تأتيهم حيتانهم} ظرف ~~ليعدون {يوم سبتهم شرعا} أي: ظاهرة على الماء كثيرة جمع شارع، وقال الضحاك: ~~متتابعة، وعن الحسن تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض والحيتان السمك ~~وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة والسبت مصدر سبتت اليهود إذا ~~عظمت سبتها بترك الصيد # PageV01P529 # والاشتغال بالتعبد، فمعناه يعدون في تعظيم هذا اليوم وكذلك قوله: {يوم ~~سبتهم} معناه يوم تعظيمهم أمر السبت يدل عليه قوله تعالى: {ويوم لا يسبتون} ~~أي: لا يعظمون السبت أي: سائر الأيام {لا تأتيهم} أي: الحيتان ابتلاء من ~~الله تعالى {كذلك} أي: مثل ذلك البلاء الشديد {نبلوهم بما} أي: بسبب ما ~~{كانوا يفسقون} وقوله تعالى: # {وإذ} معطوف على إذ قبله {قالت أمة} أي: جماعة {منهم} أي: من أهل القرية ~~لم تصد ولم تنه لمن نهى {لم تعظون قوما الله مهلكهم} في الدنيا بعذاب من ~~عنده لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ {أو معذبهم عذابا ~~شديدا} في الآخرة لتماديهم في العصيان {قالوا} أي: الواعظون موعظتنا ~~{معذرة} نعتذر بها {إلى ربكم} أي: لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي فإن ~~النهي عن المنكر يجب وإن علم الناهي أن مرتكبه لا يقلع عن معصيته وقيل: إذا ~~علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه سقط النهي، وربما وجب الترك ~~لدخوله في باب العبث، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على ~~المآصر أو الجلادين المرتبين للتعذيب لتعظهم وتكفهم عما هم فيه كان ذلك ~~عبثا منك ولم يكن إلا سببا للتلهي بك {ولعلهم يتقون} أي: وجائز عندنا أن ~~ينتفعوا بالموعظة فيتقوا الله ويتركوا ما هم فيه من الصيد؛ إذ اليأس لا ~~يحصل إلا بالهلاك. # {فلما نسوا} أي: تركوا ترك الناسي {ما ذكروا} أي: وعظوا {به} ولم يرجعوا ~~{أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا ms0879 الذين ظلموا} أي: بالاعتداء ومخالفة ~~أمر الله تعالى {بعذاب بئيس} أي: شديد {بما} أي: بسبب ما {كانوا يفسقون} . # روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال أسمع الله تعالى يقول: ~~{أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} فلا أدري ما ~~فعلت الفرقة الساكتة وجعل يبكي، قال عكرمة: فقلت جعلني الله تعالى فداك ألا ~~تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، قالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم، وإن ~~لم يقل الله أنجيتهم لم يقل أهلكتهم، قال: فأعجبه قولي ورضي به وأمر لي ~~ببردين فألبسنيهما، وقال نجت الساكتة، وقال عمار بن زيان: نجت الطائفتان ~~الذين قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم، والذين قالوا معذرة، وأهلك الله ~~الذين أخذوا الحيتان وهذا قول الحسن. # فإن قيل: إن ترك الوعظ معصية والنهي أيضا عنه معصية فوجب دخول هؤلاء ~~التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله تعالى: {وأخذنا الذين ظلموا بعذاب ~~بئيس} ولهذا قال ابن زيد: نجت الناهية وهلكت الفرقتان. أجيب: بأن هذا غير ~~لازم لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية فإذا قام به البعض سقط عن ~~الباقين. # {فيما عتوا عما نهوا عنه} قال ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية ~~والعتو عبارة عن الإباء والعصيان أي: فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه ~~وتمردوا في العصيان من اعتدائهم في السبت واستحلالهم ما حرم الله تعالى ~~عليهم من صيد السمك في يوم السبت وأكله. {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} أي: ~~صاغرين فكانوها كقوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون} (النحل، 40) # وهذا يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم، ~~ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى. # وروي أن اليهود أمروا باليوم الذي أمرنا به وهو يوم الجمعة فتركوه ~~واختاروا # PageV01P530 # يوم السبت فابتلوا به وحرم الله عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه فكانت ~~الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها المخاض لا يرى الماء من ~~كثرتها، ويوم لا يسبتون لا ms0880 تأتيهم فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم جاءهم ~~إبليس فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضا تسوقون ~~الحيتان إليها يوم السبت فلا تقدر على الخروج منها، وتأخذونها يوم الأحد، ~~وأخذ رجل منهم حوتا وربط في ذنبه خيطا إلى خشبة في الساحل ثم شواه يوم ~~الأحد فوجد جاره ريح السمك فتطلع في تنوره فقال: إني أرى الله سيعذبك فلما ~~لم يره عذب أخذ في السبت القابل حوتين، فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم ~~صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا وكانوا نحوا من سبعين ألفا، فصار أهل القرية ~~أثلاثا ثلثا نهوا وكانوا نحوا من اثني عشر ألفا، وثلثا قالوا: لم تعظون ~~قوما؟ وثلثاهم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال المسلمون: إنا لا نساكنكم ~~فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، ولعنهم داود عليه السلام ~~فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن ~~للناس شأنا فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم ~~فعرفت القرود أنسباءها من الإنس والإنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود فجعل ~~القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي فيقول: ألم ننهك فيقول برأسه بلى، وقيل: ~~صار الشباب قردة والشيوخ خنازير. واختلفوا في أن الذين مسخوا هل بقوا قردة ~~وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا وانقطع نسلهم؟ لا دلالة في الآية على شيء ~~من ذلك، وعن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزيا في ~~الدنيا وأطولها عذابا في الآخرة، وعن جابر: بين العبد وبين رزقه حجاب فإن ~~صبر خرج إليه وإلا هتك الحجاب ولم ينل إلا ما قدر له. # قال الزمخشري: هاه وايم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من ~~قتل رجل مسلم، ولكن الله تعالى جعل موعدا والساعة أدهى وأمر وقوله تعالى: # {وإذا} عطف على واسألهم أي: واذكر لهم حين {تأذن} أي: اعلم {ربك} وأجري ~~مجرى القسم كعلم الله وشهد الله ولذلك أجيب بجوابه وهو {ليبعثن عليهم} أي: ~~اليهود {إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} ms0881 أي: بالإهانة والذل وأخذ ~~الجزية منهم فبعث الله تعالى عليهم سليمان وبعده بختنصر فقتلهم وسباهم وضرب ~~عليهم الجزية، وكانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله تعالى نبينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم ولا تزال مضروبة عليهم إلى آخر ~~الدهر حتى ينزل عيسى بن مريم فإنه لا يقبل الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. # فإن قيل: إنه يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته أخذ ~~الجزية أو الإسلام أجيب: بأن شريعته بذلك مغياة بنزول عيسى عليه السلام ~~وقوله تعالى: {إن ربك سريع العقاب} أي: لمن أقام على الكفر كهيئة الدليل ~~على أنه يجمع لهم مع ذل الدنيا عذاب الآخرة فيكون العذاب مستمرا عليهم في ~~الدنيا والآخرة، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وإنه لغفور} أي: لمن آمن ~~منهم ورجع عن الكفر واليهودية ودخل في دين الإسلام {رحيم} بهم. # {وقطعناهم} أي: فرقناهم {في الأرض أمما} أي: فرقا بحيث لا يكاد يخلو قطر ~~منهم تتمة لإدبارهم حتى لا تكون لهم شوكة قط و {أمما} مفعول ثان أو حال ~~وقوله تعالى: {منهم الصالحون} صفة أو بدل منه وهم الذين آمنوا # PageV01P531 # بالمدينة ونظراؤهم {ومنهم} أي: أناس {دون ذلك} أي: منحطون عن الصلاح فهم ~~كفرتهم وفسقتهم {وبلوناهم} أي: اختبرناهم جميعا الصالح وغيره {بالحسنات} ~~أي: بالخصب والعافية {والسيآت} أي: بالجور والشدة {لعلهم يرجعون} أي: كي ~~يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا إليه. قال أهل المعاني: وكل واحد من الحسنات ~~والسيآت يدعو إلى الطاعة أما النعم فلأجل الترغيب وأما النقم فلأجل ~~الترهيب. # {فخلف من بعدهم} أي: هؤلاء الذين وصفناهم {خلف} والخلف القرن الذي يجيء ~~من بعد وهو بسكون اللام شائع في الشر وبفتحها في الخير يقال: خلف صدق بفتح ~~اللام وخلف سوء بسكونها وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح قال حسان بن ثابت: # *لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع* # وقال لبيد في الذم: # *ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب* # فحرك اللام والخلف مصدر نعت به، ولذلك ms0882 يقع على الواحد والجمع والمراد به ~~الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {ورثوا الكتاب} أي: ~~التوراة من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها {يأخذون عرض هذا الأدنى} ~~أي: هذا الشيء الفاني الأدنى أي: الدنيا وما يتمتع به فيها وفي قوله: {هذا ~~الأدنى} تخسيس وتحقير، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب، ~~وإما من دون الحال وسقوطها وقلتها والعرض بالفتح جميع متاع الدنيا كما ~~يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، والعرض بسكون الراء جميع ~~المال سوى الدراهم والدنانير وجمعه عروض. والمعنى: أنهم يأخذون حطام الدنيا ~~وهو الشيء التافه الخسيس الحقير؛ لأن الدنيا بأسرها فانية حقيرة والراغب ~~فيها أحقر منها فاليهود ورثوا التوراة وعلموا ما فيها وضيعوا العمل بما ~~فيها وتركوه وأخذوا الرشا في الأحكام ويعلمون أنه حرام {و} مع إقدامهم على ~~هذا الذنب العظيم وإصرارهم عليه {يقولون سيغفر لنا} أي: لا يؤاخذهم الله ~~تعالى بذلك فيتمنون على الله الأماني الباطلة، وعن شداد بن أوس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز ~~من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» ؛ لأن اليهود كانوا يقومون على ~~الذنوب ويقولون: سيغفر لنا، وهذا هو التمني بعينه. وقوله تعالى: {وإن يأتهم ~~عرض مثله يأخذوه} الواو فيه للحال أي: يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى ~~مثل فعلهم غير تائبين وليس في التوراة وعد المغفرة مع الإصرار وقوله تعالى: ~~{ألم يؤخذ} استفهام تقرير {عليهم ميثاق الكتاب} أي: التوراة والإضافة بمعنى ~~في {أن لا يقولوا على الله إلا الحق} أي: المعلوم شأنه وليس من المعلوم ~~إثبات المغفرة على القطع بغير توبة، بل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وقوله ~~تعالى: {ودرسوا ما فيه} أي: ما في ذلك الميثاق الذي في الكتاب أو الكتاب ~~بتقرير القراءة للحفظ عطف على {ألم # يؤخذ} من حيث المعنى فإنه تقرير أو على ورثوا و {ألم يؤخذ} اعتراض ~~{والدار الآخرة خير} أي: وما في الدار الآخرة مما أعده الله ms0883 خير {للذين ~~يتقون} الله ويخافون # PageV01P532 # عقابه {أفلا يعقلون} أي: حين أخذوا ما يشقيهم ويفنى بدل ما يسعدهم ويبقى ~~أن الدار الآخرة خير، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب ويكون ~~المراد الإعلام بتناهي الغضب، والباقون بالياء على الغيبة. # {والذين يمسكون بالكتاب} يقال: مسكت بالشيء وتمسكت به وأمسكت به والتمسك ~~بالكتاب العمل بما فيه وإحلال حلاله وتحريم حرامه وإقامة حدوده والتمسك ~~بأحكامه وقرأ شعبة بسكون الميم وتخفيف السين والباقون بفتح الميم وتشديد ~~السين {وأقاموا الصلاة} أي: وداوموا على إقامتها في مواقيتها وإنما أفردها ~~بالذكر وإن كانت الصلاة داخلة في التمسك بالكتاب تنبيها على عظم قدرها ~~وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان بالله تعالى وهذه الآية نزلت في الذين ~~آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وقوله تعالى: {إنا لا نضيع ~~أجر المصلحين} الجملة خبر الذين وفيه وضع الظاهر موضع المضمر أي: أجرهم. # {وإذ} أي: إذ يا محمد {نتقنا} أي: رفعنا {الجبل فوقهم} أي: من أصله {كأنه ~~ظلة} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كأنه سقيفة والظلة كل ما أظلك من ~~سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط والجمع ظلل وظلال {وظنوا} أي: أيقنوا {أنه ~~واقع بهم} أي: ساقط عليهم بوعد الله بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة. # روي أنهم لم يقبلوا أحكام التوراة لعظمها وثقلها فرفع الله تعالى الطور ~~على رؤوسهم مقدار عسكرهم فكان فرسخا في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتموها بما ~~فيها وإلا ليقعن عليكم فلما نظروا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجدا على ~~حاجبه وهو ينظر بعينه اليمنى خوفا من سقوطه فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا ~~على حاجبه الأيسر ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة، وقوله ~~تعالى: {خذوا} هو على إضمار القول أي: قلنا لهم خذوا أو قائلين خذوا {ما ~~آتيناكم} أي: من الكتاب وقوله تعالى: {بقوة} أي: بجد وعزم على تحمل مشاقه ~~حال من واوخذوا {واذكروا ما فيه} أي: بالعمل به ولا تتركوه كالمنسي {لعلكم ~~تتقون} أي: فضائح الأعمال ورذائل الأخلاق ms0884 # {وإذ} أي: واذكر يا محمد حين {أخذ ربك من بني آدم} وقوله تعالى: {من ~~ظهورهم} بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار كما قاله السيوطي، أو بدل بعض ~~كما قاله البيضاوي {ذرياتهم} أي: بأن أخرج بعضهم من صلب بعض نسلا بعد نسل ~~كنحو ما يتوالدون كالذر، ونصب لهم دلائل على ربوبيته وركب فيهم عقلا عرفوا ~~به، كما جعل للجبال عقولا حين خوطبوا بقوله تعالى: {يا جبال أوبي معه ~~والطير} (سبأ، 10) # كما جعل تعالى للبعير عقلا حتى سجد للنبي صلى الله عليه وسلم وكذا للشجرة ~~حين سمعت لأمره وانقادت، وكذا للنملة حين قالت: {يا أيها النمل ادخلوا ~~مساكنكم} (النمل، 18) # . وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر بألف بعد الياء وكسر التاء على الجمع ~~والباقون بغير ألف وفتح التاء على التوحيد. {وأشهدهم على أنفسهم} قال: ~~{ألست بربكم قالوا بلى} # أنت ربنا، وعن مسلم بن يسار الجهني أنه قال: إن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل ~~عنها فقال: «إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج ~~منه ذرية» فقال: خلفت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره ~~فاستخرج منه ذرية، فقال: هؤلاء # PageV01P533 # إلى النار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة ~~استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به ~~الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من ~~أعمال أهل النار فيدخله به النار» وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما خلق الله تعالى آدم مسح ظهره فسقط من ~~ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان ~~وبيصا من نور، وعرضهم على آدم فقال: أي رب، من هؤلاء؟ قال: ذريتك، ms0885 فرأى ~~رجلا منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: يا رب من هذا؟ قال: داود، قال: ~~يا رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: يا رب زده من عمري أربعين سنة، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين سنة جاءه ~~ملك الموت، فقال آدم: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك ~~داود؟ فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته، وخطىء ~~فخطئت ذريته» أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أبصر آدم في ذريته قوما لهم نور، فقال: ~~يا رب من هم؟ فقال: الأنبياء، ورأى واحدا هو أشدهم نورا، فقال: يا رب من ~~هو؟ قال: داود، قال: فكم عمره؟ قال: ستون سنة، قال آدم: هو قليل، وكان عمر ~~آدم ألف سنة، فقال: يا رب زده من عمري أربعين سنة، فلما تم عمر آدم تسعمائة ~~وستين سنة أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فقال: بقي من أجلي أربعون سنة، فقال: ~~ألست قد وهبتها من ابنك داود؟ فقال: ما كنت لأجعل لأحد من أجلي شيئا، فعند ~~ذلك كتب لكل نفس أجلها» . # وعن مقاتل أن الله تعالى مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فخرج منه ذرية بيض ~~كهيئة الذر تتحرك، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى، فخرج منه ذرية سود كهيئة الذر، ~~فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم: ألست بربكم، قالوا: بلى، فقال ~~للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي، وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في ~~النار، ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة، ثم أعادهم جميعا في ~~صلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال ~~وأرحام النساء، وقال تعالى فيمن نقض العهد الأول {وما وجدنا لأكثرهم من ~~عهد} (الأعراف، 102) # وقال بعض المفسرين: إن أهل السعادة أقروا طوعا، وقالوا: بلى، وأهل ~~الشقاوة قالوا بغتة وكرها، وذلك معنى قوله تعالى: {وله أسلم من في السموات ~~والأرض طوعا وكرها} (آل عمران، 83) # واختلفوا في ms0886 موضع الميثاق، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ببطن نعمان، ~~وهو واد إلى جنب عرفة، وعنه أيضا أنه بدهناء من أرض الهند، وهو الموضع الذي ~~أهبط فيه آدم عليه السلام، وقال الكلبي: بين مكة والطائف. # فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: # {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم} وإنما أخرجه من ظهر آدم؟ أجيب: بأن ~~الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على ما يتوالدون فالأبناء من ~~الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا ~~من ظهره، فالمخرج من ظهورهم مخرج من ظهره. # وقوله: {شهدنا} أي: على أنفسنا بذلك وإنما أشهدهم على أنفسهم كراهة {أن ~~يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا} التوحيد {غافلين} أي: لعدم الأدلة، ~~فلذلك أشركنا، وقوله تعالى: # {أو يقولوا} أي: # PageV01P534 # لو لم ترسل إليهم الرسل، عطف على {أن يقولوا} ، وقرأ أبو عمرو بالياء على ~~الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب {إنما أشرك آباؤنا من قبل} أي: قبل أن ~~نوجد {وكنا ذرية من بعدهم} أي: فلم نعرف لنا مربيا غيرهم، فكنا لهم تبعا ~~فشغلنا اتباعهم عن النظر، ولم يأتنا رسول منبه، فيتسبب عن ذلك إنكارهم في ~~قولهم: {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي: من آبائنا، قال أبو حيان: والمعنى ~~أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول مذكر بما تضمن العهد من ~~توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان: إحداهما: كنا غافلين، والأخرى: كنا ~~تبعا لأسلافنا، فكيف والذنب إنما هو لمن طرق لنا وأضلنا، انتهى. # فإن قيل: كيف يكون ذكر الميثاق عليهم حجة فإنهم لما أخرجوا من ظهر آدم ~~ركب فيهم العقل، وأخذ عليهم الميثاق، فلما أعيدوا إلى صلبه بطل ما ركب فيهم ~~فتوالدوا ناسين لذلك الميثاق؟ أجيب: بأن التذكير به على لسان صاحب المعجزة ~~قائم مقام ذكره في النفوس، وبذلك قامت الحجة عليهم يوم القيامة لإخبار ~~الرسل إياهم بذلك الميثاق في الدنيا، فمن أنكره كان معاندا ناقضا للعهد، ~~ولزمتهم الحجة، ولا تسقط الحجة بنسيانهم وعدم حفظهم بعد إخبار ms0887 الصادق صاحب ~~الشرع والمعجزات الباهرات. # والمقصود من إيراد هذا الكلام هنا إلزام اليهود مقتضى الميثاق العام ~~بعدما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية ~~والعقلية، ومنعهم من التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال كما قال تعالى: # {وكذلك} أي: ومثل ذلك التفصيل البديع الجليل الرفيع {نفصل الآيات} أي: ~~كلها لئلا يواقعوا ما لا يليق بجنابنا جهلا لعدم الدليل {ولعلهم يرجعون} ~~أي: عن التقليد واتباع الباطل. # {واتل} أي: يا محمد {عليهم} أي: اليهود {نبأ} أي: خبر {الذي آتيناه ~~آياتنا فانسلخ منها} أي: خرج بكفره كما تخرج الحية من جلدها، وهو بلعم بن ~~باعوراء من علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين سئل أن يدعو على موسى، ~~وأهدي إليه شيء، فدعا فانقلبت عليه، واندلع لسانه على صدره {فاتبعه ~~الشيطان} أي: لحقه وأدركه وصيره لنفسه تابعا في معصية الله تعالى، فخالف ~~أمر ربه وأطاع الشيطان وهواه {فكان من الغاوين} أي: من الضالين الهالكين. # وقصته على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أن موسى عليه السلام ~~لما قصد حرب الجبارين، ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم، وكان ~~عنده اسم الله الأعظم، فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جند كثير، وإنه قد ~~جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة ~~فاخرج فادع الله تعالى أن يردهم عنا، فقال: ويلكم نبي الله ومعه الملائكة ~~والمؤمنون فكيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما لا تعلمون؟ وأني إن فعلت ~~هذا ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحوا عليه، فقال: حتى أوامر ربي، وكان لا ~~يدعو حتى ينظر ما يؤمر به في المنام، فوامر في الدعاء عليهم، فقيل له في ~~المنام: لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد وامرت ربي، وإني نهيت أن أدعو ~~عليهم، فأهدوا إليه هدية، فقبلها وراجعوه فقال: حتى أوامر ربي، فوامر فلم ~~يؤمر بشيء، فقال: قد وامرت ربي فلم يأمرني بشيء، فقالوا: لو كره ربك أن ~~تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى، فلم يزالوا يتضرعون إليه ms0888 حتى ~~فتنوه، فافتتن، فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر # PageV01P535 # بني إسرائيل يقال له: حسبان، فلما سار على أتانه غير بعيد ربضت، فنزل ~~عنها وضربها فقامت، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فضربها فأذن الله ~~تعالى لها في الكلام وأنطقها له فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين ~~تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي؟ ويحك أتذهب إلى نبي الله ~~والمؤمنين فتدعو عليهم؟ فلم ينزجر فخلى الله تعالى سبيل الأتان، فانطلقت به ~~حتى أشرف على جبل حسبان، فجعل يدعو عليهم فلا يدعو بشر إلا صرف الله تعالى ~~به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله تعالى به لسانه إلى ~~بني إسرائيل، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو ~~علينا، فقال: هذا ما لا أملكه هذا شيء قد غلب الله عليه، فاندلع لسانه فوقع ~~على صدره، فقال لهم: قد ذهب الآن مني الدنيا # والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، احملوا النساء ~~وزينوهن وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى عسكر بني إسرائيل يبعنها فيه، ~~ومروهن أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنه إن زنا رجل بواحدة ~~كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين على رجل ~~من عظماء بني إسرائيل وكان رأس سبط شمعون بن يعقوب فقام إلى المرأة وأخذ ~~بيدها حتى أعجبه جمالها ثم أقبل بها حتى وقف على موسى وقال: إني لأظنك أن ~~تقول هذه حرام عليك، قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها قال: فو الله لا ~~نطيعك، ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله تعالى عليهم الطاعون في ~~الوقت فهلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار # وقيل: الآية نزلت في أمية بن أبي الصلت كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله ~~تعالى يرسل رسولا في ذلك الزمان ورجا أن يكون هو فلما بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم حسده وكفر به. # وقيل: نزلت في منافقي أهل ms0889 الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما يعرفون أبناءهم، وقيل: إنها نزلت في البسوس وهو رجل من بني ~~إسرائيل وكان قد أعطى ثلاث دعوات مستجابات وكان له امرأة وكان له منها ~~أولاد فقالت له: اجعل لي منها دعوة فقال لها: لك منها واحدة فما تريدين؟ ~~قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا الله تعالى فصارت ~~أجمل النساء في بني إسرائيل فلما علمت أنه ليس في بني إسرائيل أجمل منها ~~رغبت عنه فغضب ودعا عليها فصارت كلبة نباحة فذهبت فيها دعوتان فجاء بنوها ~~وقالوا: ليس لنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة نباحة وقد عيرنا الناس ادع ~~الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها فدعا الله تعالى فعادت كما كانت ~~فذهب فيها الدعوات كلها وقيل غير ذلك، ويدل للقول الأول قوله تعالى: # {ولو شئنا لرفعناه} أي: منازل الأبرار {بها} أي: بسبب تلك الآيات {ولكنه ~~أخلد إلى الأرض} أي: مال إلى الدنيا، قال البيضاوي: أو السفالة، قال ~~الجوهري: السفالة بالضم نقيض العلو، وبالفتح النذالة {واتبع هواه} أي: في ~~آثار الدنيا، واسترضى قومه، وأعرض عن مقتضى الآيات، وإنما علق رفعه بمشيئة ~~الله تعالى، ثم استدرك عنه بفعل العبد تنبيها على أن المشيئة سبب لفعله ~~الموجب لرفعه، وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه، ~~وأن السبب الحقيقي هو المشيئة، وأن ما نشاهده من هذه الأسباب وسايط معتبرة ~~في حصول المسبب من حيث أن المشيئة تعلقت به كذلك. # PageV01P536 # وكان مقتضى ظاهر الكلام أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه أخلد إلى ~~الأرض، واتبع هواه مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه، وأن حب الدنيا رأس كل ~~خطيئة، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم، وذلك لأنه بعد أن خص هذا ~~الرجل بآياته، وعلمه الاسم الأعظم وخصه بالدعوات المستجابة لما اتبع الهوى ~~انسلخ من الدين، فصار في درجة الكلب، وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله ~~تعالى في حقه أكثر، فإذا أعرض ms0890 عن متابعة الهدى، وأقبل على متابعة الهوى كان ~~بعده عن الله أعظم، وإليه الإشارة بقوله: «من ازداد علما ولم يزدد هدى فلم ~~يزدد من الله إلا بعدا» {فمثله} أي: فصفته التي هي مثل في الخسة {كمثل ~~الكلب} أي: كمثله في أخس أوصافه وهو {إن تحمل عليه} أي: بالطرد والزجر ~~{يلهث} أي: يدلع لسانه {أو} إن {تتركه يلهث} فهو يلهث دائما سواء حمل عليه ~~بالزجر والطرد أو ترك، وليس غيره من الحيوان كذلك، قيل: كل شيء يلهث إنما ~~يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال والراحة؛ لأن ~~اللهث طبيعة أصلية فيه، فكذلك حال من كذب بآيات الله إن وعظته فهو ضال، وإن ~~تركته فهو ضال، وكذلك حال الحريص على الدنيا إن وعظته فهو حريص لا يقبل ~~الوعظ ولا ينجع فيه، وإن تركته ولم تعظه فهو حريص أيضا؛ لأن الحرص على طلب ~~الدنيا صار طبيعة له لازمة كما أن اللهث طبيعة لازمة للكلب. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو ~~لم يحمل عليه» ، ومحل الجملة الشرطية النصب على الحال كأنه قيل: كمثل الكلب ~~ذليلا دائم الذلة لاهثا في الحالتين. # وقيل: لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل ~~يلهث كما يلهث الكلب {ذلك} أي: المثل {مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} فعم ~~بهذا المثل جميع من كذب بآيات الله وجحدها، ووجه التمثيل بينهم وبين الكلب ~~اللاهث أنهم إذا جاءتهم الرسل ليهدوهم لم يهتدوا بل هم في ضلال على كل حال ~~{فاقصص القصص} أي: فأخبر يا محمد قومك بهذه الأخبار التي سبقت بها مواقع ~~الوقائع وآثار الأعيان حتى لم تدع في شيء منها لبسا على كل من يسمع لك من ~~اليهود وغيرهم {لعلهم يتفكرون} أي: يتدبرون فيها فيؤمنون. # {ساء} أي: بئس {مثلا القوم} أي: مثل القوم {الذين كذبوا بآياتنا} أي: بعد ~~قيام الحجة عليها وعلمهم بها {وأنفسهم كانوا يظلمون} أي: كان ذلك في طبعهم ~~جبلة لهم لا ms0891 يقدر غير الله تعالى على تغييره، وتقديم المفعول به للاختصاص، ~~كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعداها إلى غيرها. وقوله تعالى: # {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} تصريح بأن الهدى ~~والضلال من الله تعالى، وأن هداية الله تعالى تختص ببعض دون بعض، وأنها ~~مستلزمة للاهتداء، والإفراد في الأول والجمع في الثاني باعتبار اللفظ ~~والمعنى، تنبيه على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقتهم بخلاف الضالين، ~~والاقتصار في الإخبار عمن هدى الله بالمهتدي تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه ~~على أنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم لو لم يحصل له غيره لكفاه، وأنه ~~المستلزم للقول بالنعم الآجلة والعنوان له. # أي: خلقنا {لجهنم كثيرا من الجن والإنس} أخبر الله تعالى أنه خلق كثيرا ~~من الجن والإنس للنار، وهم الذين # PageV01P537 # حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن خلقه الله تعالى للنار فلا حيلة ~~له في الخلاص منها. # روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «دعي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من ~~عصافير الجنة لم يعمل السوء، ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة إن الله ~~خلق الجنة، وخلق لها أهلا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا، ~~وهم في أصلاب آبائهم» أخرجه مسلم. # قال النووي في «شرح مسلم» : أجمع من يعتد به من علماء المسلمين أن من مات ~~من أطفال المسلمين فهو في الجنة؛ لأنه ليس مكلفا، وتوقف فيه من لا يعتد به ~~لهذا الحديث، وأجاب العلماء عنه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله ~~نهانا عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عنها دليل قاطع كما أنكر على ~~سعد بن أبي وقاص قوله: أعطه فإني لأراه مؤمنا، فقال: أو مسلما، قال بعضهم: ~~ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في ~~الجنة، فلما علم ذلك أخبر به، قال: # وأما أطفال المشركين، ففيهم ثلاثة مذاهب، قال الأكثرون: هم في ms0892 النار تبعا ~~لآبائهم، وتوقف طائفة منهم، والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون: ~~أنهم من أهل الجنة، واستدلوا بأشياء منها حديث «إبراهيم الخليل عليه السلام ~~حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وحوله أولاد الناس، قالوا: يا ~~رسول الله وأولاد المشركين، قال: وأولاد المشركين» رواه البخاري في صحيحه ~~ومنها قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (الإسراء، 15) # ولا يتوجه على المولود التكليف، ولا يلزمه قبول قول المرسل حتى يبلغ، ~~وهذا متفق عليه. # وفي الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله تعالى خالق أفعال ~~العباد جميعها خيرها وشرها؛ لأنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيرا من ~~الجن والإنس للنار، ولا مزيد على بيان الله تعالى؛ ولأن العاقل لا يختار ~~لنفسه دخول النار، فلما عمل بما يوجب عليه دخول النار به علم أن له من ~~يضطره إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو الله تعالى. # وقالت المعتزلة: إن اللام في قوله: {لجهنم} ، لام العاقبة، واستدلوا لذلك ~~بآيات وأشعار، فمن الآيات قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا} (القصص، 8) # وهم ما التقطوه لهذا الغرض، ومنها قول موسى: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه ~~زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} (يونس، 88) # ومن الأشعار قول بعضهم: # *وللموت تغذ والوالدات سخالها ... كما لخراب الدهر تبنى المساكن* # وقال آخر: # *أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها* # وقال آخر: # *له ملك ينادي كل يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب* # وقال آخر: # *وأم شمال فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالدات* # وهذا مردود؛ لأن المصير إلى التأويل إنما يحسن إذا ثبت الدليل العقلي على ~~امتناع حمل اللفظ على ظاهره، فإذا لم يثبت كان المصير إلى التأويل في هذا ~~المقام عبثا، فالحق مذهب أهل الحق جعلنا الله تعالى وأهل مودتنا منهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وآله، ثم وصف الله تعالى هؤلاء الذين أضلهم بقوله ~~تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها} أي: لا يبصرون ~~بها ms0893 طريق الحق والهدى {ولهم آذان لا يسمعون بها} أي: الآيات والمواعظ سماع ~~تأمل وتذكر، # PageV01P538 # وقال أهل المعاني: إن الكفار لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة ~~بالدنيا، ولهم أعين يبصرون بها المرئيات، وآذان يسمعون بها الكلمات، وهذا ~~لا شك فيه، ولما وصفهم الله تعالى بأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون ~~مع وجود هذه الحواس الدراكة علم أن المراد من ذلك يرجع إلى مصالح الدين، ~~وما فيه نفعهم في الآخرة، والعرب تقول مثل ذلك لمن ترك استعمال بعض جوارحه ~~فيما لا يصلح له، ومنه قوله الشاعر: # *وعوراء الكلام صممت عنها ... وإني إن أشاء بها سميع* # فإنه أثبت له صمما مع وجود السمع ولما سلب عنهم هذه المعاني كانت النتيجة ~~{أولئك} أي: البعداء من المعاني الإنسانية {كالأنعام} في أنها لا تفهم ولا ~~تعقل ذلك؛ لأن الإنسان وسائر الحيوانات مشتركة في هذه الحواس الثلاث التي ~~هي القلب والبصر والسمع، وإنما فضل الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل ~~والإدراك والفهم المؤدي إلى معرفة الحق من الباطل والخير من الشر، فإذا كان ~~الكافر لا يعرف ذلك ولا يدركه كان لا فرق بينه وبين البهائم التي لا تدرك ~~شيئا، ولما كانوا قد زادوا على ذلك بفقد نفع هذه الحواس قال تعالى: {بل هم ~~أضل} سبيلا من الأنعام؛ لأن الأنعام تعرف ما يضرها وما ينفعها، فإذا رأت ~~نارا مثلا لا تقع فيها، وإذا رأت كلأ مثلا دخلت فيه، والكافر لا يعرف ذلك؛ ~~ولأن الحيوان لا قدرة له على تحصيل هذه الفضائل؛ والإنسان أعطي القدرة على ~~تحصيلها، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان ~~أخس حالا ممن لم يكتسبها مع العجز عنها؛ ولأن الأنعام مطيعة لله تعالى، ~~والكافر غير مطيع، ولأن الأنعام تعرف ربها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا ~~يذكرونه؛ ولأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد، فأما إذا كان معها مرشد فقل أن ~~تضل، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب، وهم يزدادون في ~~الضلالة. # ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {أولئك ms0894 هم الغافلون} قال عطاء: عما أعد ~~الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب. # {والأسماء الحسنى} ذكر ذلك في أربع سور أولها هذه السورة، وثانيها في آخر ~~سورة بني إسرائيل في قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعو فله الأسماء الحسنى} (الإسراء، 110) # وثالثها في أول طه وهو قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو له الأسماء ~~الحسنى} (طه، 8) # ورابعها في آخر الحشر في قوله تعالى: {هو الله الخالق البارىء المصور له ~~الأسماء الحسنى} (الحشر، 24) # والحسنى مؤنث الأحسن كالكبرى والصغرى {فادعوه بها} أي: فسموه بتلك ~~الصفات، وللدعاء شروط منها أن يعرف الداعي معاني الأسماء التي يدعو بها، ~~ومنها أن يستحضر في قلبه عظمة المدعو سبحانه وتعالى، ومنها أن يخلص إليه في ~~دعائه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إن لله تسعة وتسعين اسما مئة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب ~~الوتر» وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «يا الله يا رحمن» فقال المشركون: إن ~~محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو اثنين فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # والأسماء الحسنى كما في الحديث «الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ~~الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق # PageV01P539 # البارىء المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط ~~الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم ~~العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم ~~الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل ~~القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدىء المعيد المحيي المميت الحي ~~القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد الفرد الصمد القادر المقتدر المقدم ~~المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوال المتعال البر التواب المنتقم العفو ~~الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع ~~الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور» ، رواه ~~الترمذي. # قال النووي: اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس ms0895 فيه حصر لأسمائه تعالى ~~وليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وقوله: «من أحصاها ~~دخل الجنة» المراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر ~~الأسماء، ولهذا جاء في حديث آخر: «أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت ~~به في علم الغيب عندك» وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم: ~~«إن لله تعالى ألف اسم» قال ابن العربي: وهذا قليل وقوله صلى الله عليه ~~وسلم «من أحصاها دخل الجنة» قال البخاري: من حفظها، وهو قول أكثر المحققين، ~~وتعضده الرواية الأخرى من حفظها دخل الجنة، وقيل: من أحضر بباله عند ذكرها ~~معناها وتفكر في مدلولها، وقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله وتر يحب ~~الوتر» الوتر الفرد، ومعناه في وصف الله تعالى: الواحد الذي لا شريك له ولا ~~نظير واختلفوا هل الاسم الأعظم الله أو الحي القيوم وهل الاسم عين المسمى ~~أو غيره؟ وفي ذلك خلاف، وقد حققت ذلك في مقدمتي على البسملة والحمدلة ~~{وذروا} أي: اتركوا {الذين يلحدون} أي: يميلون عن الحق {في أسمائه} أي: حيث ~~اشتقوا منها أسماء لآلهتهم كاللات من الله والعزى من العزيز، ومنات من ~~المنان، وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسمائه تعالى هو أن تسميه بما لم يسم ~~الله به نفسه، ولم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة؛ لأن أسماءه تعالى كلها ~~توقيفية فيجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال: يا سخي، ويجوز أن يقال: ~~يا عالم، ولا يجوز أن يقال: يا عاقل، ويجوز أن يقال: يا حكيم، ولا يجوز أن ~~يقال: يا طبيب {سيجزون} أي: في الدنيا والآخرة {ما كانوا يعملون} في هذا ~~وعيد شديد لمن ألحد في أسمائه تعالى وهذا قبل الأمر بالقتال، وقرأ حمزة: ~~«يلحدون» بفتح الياء والحاء من لحد، والباقون بضم الياء وكسر الحاء من ~~ألحد. # ولما ذكر سبحانه وتعالى إنه خلق للنار طائفة ضالين مضلين ملحدين عن الحق ~~ذكر أنه خلق للجنة أمة هادين في الحق عادلين في الأمر بقوله تعالى: ms0896 # {وممن خلقنا أمة} أي: جماعة {يهدون بالحق وبه} أي: بالحق خاصة {يعدلون} ~~أي: يجعلون الأمور متعادلة لا زيادة في شيء منها على ما ينبغي ولا نقص؛ ~~لأنا وفقناهم فكشفنا عن أبصارهم حجاب الغفلة التي ألزمناها أولئك، واستدل ~~بذلك على صحة الإجماع؛ لأن المراد منه إن في كل قرن طائفة بهذه الصفة، ~~وأكثر المفسرين إنهم أمة محمد صلى الله عليه # PageV01P540 # وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم «لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن ~~يأتي أمر الله» رواه الشيخان، وعن معاوية رضي الله تعالى عنه قال وهو يخطب: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر ~~الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» إذ ~~لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة فإنه معلوم، وعن الكلبي هم ~~الذين آمنوا من أهل الكتاب، وقيل: هم العلماء والدعاة إلى الدين. # {والذين كذبوا بآياتنا} أي: القرآن أو غيره من أهل مكة أو غيرهم ~~{سنستدرجهم} أي: سنستدنيهم إلى الهلاك قليلا قليلا، وأصل الاستدراج ~~الاستبعاد والاستنزال درجة بعد درجة {من حيث لا يعلمون} أي: سنأخذهم قليلا ~~قليلا من حيث لا يحتسبون، وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من النعم ما ~~يغبطون به ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غرة أغفل ما يكونون. # وقيل: سنقربهم إلى ما يهلكهم ونضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد ~~بهم؛ لأنهم كانوا إذا أتوا بذنب فتح الله تعالى عليهم من أبواب الخير ~~والنعمة في الدنيا، فيزدادوا بذلك تماديا في الغي والضلالة ويتدرجوا في ~~الذنوب والمعاصي بسبب ترادف النعم يظنون أن تواتر النعم يقرب من الله ~~تعالى، وإنما هي خذلان منه وتبعيد، فهو استدراج الله تعالى فيأخذهم الله ~~تعالى أخذة واحدة أغفل ما يكونون عليه، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما ~~حمل إليه كنوز كسرى قال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإني سمعتك ~~تقول: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} . # {وأملي ms0897 لهم} أي: أمهلهم وأطيل مدة أعمارهم ليتمادوا في الكفر والمعاصي ~~ولا أعاجلهم بالعقوبة ولا أفتح لهم باب التوبة {إن كيدي} أي: أخذي {متين} ~~أي: شديد وإنما سماه كيدا؛ لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان. # {أو لم يتفكروا} فيعلموا {ما بصاحبهم} محمد صلى الله عليه وسلم {من جنة} ~~أي: جنون. # روي أنه صلى الله عليه وسلم صعد على الصفا فدعاهم فخذا فخذا يا بني فلان ~~يا بني فلان يحذرهم بأس الله تعالى فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون بات يهوت ~~إلى الصباح، فنزلت، ومعنى: يهوت: يصوت، يقال: هيت به وهوت به أي: صاح قاله ~~الجوهري، وإنما نسبوه إلى الجنون وهو بريء منه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ~~خالفهم في الأقوال والأفعال؛ لأنه كان معرضا عن الدنيا ولذاتها مقبلا على ~~الآخرة ونعيمها مشتغلا بالدعاء إلى الله تعالى وإنذارهم بأسه ونقمته ليلا ~~ونهارا من غير ملال ولا ضجر، فعند ذلك نسبوه إلى الجنون، فبرأه الله تعالى ~~من الجنون بقوله تعالى: {إن} أي: ما {هو إلا نذير مبين} أي: بين الإنذار ~~بحيث لا يخفى على ناظر {أولم ينظروا} أي: نظر اعتبار واستدلال {في ملكوت ~~السموات والأرض} أي: ملكهما البالغ {وما} أي: وفيما {خلق الله من شيء} أي: ~~غيرهما مما يقع عليه الشيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها ليدل لهم على ~~كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها؛ ليظهر لهم ~~صحة ما يدعوهم إليه، وقوله تعالى: {وأن عسى أن يكون قد اقترب} أي: دنا ~~{أجلهم} عطف على ملكوت، وأن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن وكذا اسم ~~يكون ولا يصح أن تكون أن مصدرية خلافا للبيضاوي قال التفتازاني: لأن ~~المصدرية لا تدخل الأفعال غير المتصرفة التي لا مصادر لها، والمعنى أولم # PageV01P541 # ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها، فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه ~~إلى ما ينجيهم قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب، فلعل أجلهم قد اقترب فيموتوا ~~على الكفر قبل أن يؤمنوا فيصيروا إلى النار، فيجب على العاقل المبادرة إلى ~~التفكر والاعتبار والنظر المؤدي إلى ms0898 الفوز والنعيم الدائم {فبأي حديث} أي: ~~كتاب {بعده} أي: الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {يؤمنون} أي: ~~يصدقون، وليس بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي ولا بعد كتابه كتاب؛ لأنه ~~خاتم الأنبياء، وكتابه خاتم # الكتب لانقطاع الوحي بعده صلى الله عليه وسلم # فإن قيل: قوله تعالى: {فبأي حديث بعده يؤمنون} يدل على أن القرآن حادث ~~كما تمسك به بعض المعتزلة أجيب: من جهة أهل السنة: بأن ذلك محمول على ~~الألفاظ من الكلمات ولا نزاع في حداثتها. # ثم ذكر تعالى علة إعراضهم عن الإيمان بقوله تعالى: # {من يضلل الله فلا هادي له} بوجه من الوجوه أي: إن إعراض هؤلاء عن ~~الإيمان لإضلال الله إياهم ولو هداهم لآمنوا {ويذرهم} أي: يتركهم {في ~~طغيانهم} أي: ضلالهم وتماديهم في الكفر {يعمهون} أي: يترددون متحيرين لا ~~يهتدون سبيلا، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر: «ونذرهم» بالنون والباقون ~~بالياء، وجزم حمزة والكسائي الراء قال سيبويه: إنه عطف على محل الفاء وما ~~بعدها من قوله تعالى: {فلا هادي له} ؛ لأن موضع الفاء وما بعدها جزم لجواب ~~الشرط، ورفعها الباقون استئنافا، وهو مقطوع عما قبله. # ولما بين تعالى التوحيد والنبوة والقضاء والقدر أتبعه المعاد لتكمل ~~المطالب الأربعة التي هي أمهات مطالب القرآن مبينا ما اشتمل عليه عامة ~~الكلام من تبلدهم في العمه وتلددهم في أشراك الشبه بقوله تعالى: # {يسألونك} يا محمد سؤال استهزاء {عن الساعة} أي: عن وقتها، واختلفوا في ~~ذلك السائل، فقال ابن عباس: إن قوما من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى ~~تقوم الساعة إن كنت نبيا كما تقول، فإنا نعلم متى هي، فنزلت هذه الآية، ~~وقال الحسن وقتادة: إن قريشا قالوا: يا محمد بيننا وبينك قرابة فاذكر لنا ~~متى الساعة؟ والساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، وسميت القيامة ~~بالساعة لوقوعها بغتة، أو لأن حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة فسميت ~~بالساعة لهذا السبب، أو لأنها على طولها عند الله تعالى كساعة واحدة، وقوله ~~تعالى: {أيان} سؤال استفهام عن الوقت الذي ms0899 تقوم فيه الساعة ومعناه متى ~~{مرساها} قال ابن عباس منتهاها والمرسى هنا مصدر بمعنى الإرساء كقوله ~~تعالى: {بسم الله مجراها ومرساها} (هود، 41) # أي: إجراؤها وإرساؤها، والإرساء الإثبات يقال: رسا يرسو إذا ثبت قال الله ~~تعالى: {والجبال أرساها} (النازعات، 32) # {قل} لهم يا محمد {إنما علمها} أي: متى تكون {عند ربي} أي: لا يعلم الوقت ~~الذي تقوم فيه الساعة إلا الله تعالى استأثر الله تعالى بعلمها، فلم يطلع ~~عليه أحدا من خلقه، ولهذا لما سأل جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: متى الساعة، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما المسؤول عنها ~~بأعلم من السائل» قال المحققون: والسبب في إخفاء الساعة عن العباد أنهم إذا ~~لم يعلموا متى تكون، كانوا على حذر منها، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر ~~عن المعصية، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال: {لا يجليها} أي: يظهرها ~~{لوقتها} أي: في وقتها المعين، فاللام بمعنى في وهو أولى من قول البيضاوي ~~إنها للتأقيت {إلا هو} # PageV01P542 # أي: لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو {ثقلت} أي: ~~عظمت {في السموات والأرض} أي: ثقل أمرها وخفي علمها على أهل السموات ~~والأرض، وكل شيء خفي فهو ثقيل شديد، وقال الحسن: إذا جاءت ثقلت وعظمت على ~~أهل السموات والأرض، وإنما ثقلت عليهم؛ لأن فيها فناءهم وموتهم، وذلك ثقيل ~~على القلوب وقوله تعالى: {لا تأتيكم إلا بغتة} تأكيد أيضا لما تقدم وتقرير ~~لكونها بحيث لا تجيء إلا فجأة على حين غفلة من الخلق. # وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن ~~الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة والرجل قد ~~رفع الأكلة إلى فيه فلا يطعمها، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي ~~فيه» اللقحة بفتح اللام وكسرها الناقة القريبة العهد بالنتاج وقوله: يليط ~~حوضه، ويروى: يلوط حوضه أي: يطينه ويصلحه، يقال: لاط حوطه يليطه ويلوطه إذا ~~طينه، ms0900 والأكلة بضم الهمزة اللقمة. وفي رواية «أن الساعة تهيج بالناس والرجل ~~يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم بسلعته في سوقه، والرجل يخفض ~~ميزانه ويرفعه» ، رواه بمعناه الشيخان. {يسألونك} أي: يسألك قومك عن الساعة ~~{كأنك حفي عنها} أي: عالم بها من قولهم: أحفيت في المسألة إذا بالغت في ~~السؤال عنها حتى علمتها، وقيل: الحفي البار اللطيف ومنه قوله سبحانه ~~وتعالى: {إنه كان بي حفيا} (مريم، 47) # أي: بارا لطيفا مجيب دعائي إذا دعوته أي: يسألونك كأنك بار بهم لطيف ~~العشرة معهم، وهذا قول الحسن ويؤيده ما روي في تفسيره: أن قريشا قالت لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم إن بيننا وبينك قرابة فاذكر لنا متى الساعة. # والمعنى يسألونك عنها كأنك حفي فتحفى بهم أي: فتخصهم لأجل قرابتك بتعليم ~~وقتها، وتروي علمها عن غيرهم ولو أخبرت بوقتها لمصلحة علمها الله تعالى في ~~إخبارك به لكنت مبلغه القريب والغريب من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك. # وقيل: كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره أي: إنك تكره السؤال عنها؛ لأنه ~~من علم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه ولم يؤته أحدا من خلقه كقوله ~~تعالى: {قل} يا محمد {إنما علمها عند الله} أي: استأثر الله تعالى بعلمها ~~فلا يعلم متى الساعة إلا هو. # فإن قيل: قوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} وقوله تعالى ~~ثانيا: {يسألونك كأنك حفي عنها} فيه تكرارا. أجيب: بأنه لا تكرار؛ لأن ~~السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والثاني عن كنه ثقل الساعة وشدتها ~~ومهابتها، فلا يلزم التكرار. # وقيل: ذكر الثاني للتأكيد ولما جاء به من زيادة قوله: {كأنك حفي عنها} ~~وعلى هذا تكرار العلماء الحذاق في كتبهم لا يحلون المكرر من فائدة، ومنهم ~~محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى. # فإن قيل: لم أجاب عن الأول بقوله: {إنما علمها عند ربي} وعن الثاني ~~بقوله: {إنما علمها عند الله} ؟ أجيب: بأن السؤال الأول لما كان واقعا عن ~~وقت قيام الساعة، والثاني كان واقعا عن مقدار شدتها ومهابتها عبر عن ms0901 الجواب ~~فيه بقوله: علم ذلك عند الله؛ لأنه أعظم أسمائه مهابة وعظمة ثم إنه تعالى ~~ختم هذه الآية بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: لا يعلمون السبب ~~الذي من أجله أخفيت معرفة علم وقت قيامها المغيب عن # PageV01P543 # الخلق، وقيل: لا يعلمون أن علمها عند الله وإنه استأثر بعلم ذلك حتى لا ~~يسألوا عنه. # وروي أن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا تخبرنا بالسعر الرخيصة قبل أن يغلو ~~فنشتريه ونربح فيه عند الغلاء، وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرحل عنها إلى ~~ما قد أخصبت، فأنزل الله تعالى: # لهم {لا أملك لنفسي نفعا} اجتلاب نفع بأن أربح فيما أشتريه {ولا ضرا} أي: ~~ولا أقدر أدفع عن نفسي ضرا نزل بها بأن أرتحل إلى الأرض الخصبة أو من الأرض ~~الجدبة {إلا ما شاء الله} من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له. # وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة بني المصطلق عصفت ريح في ~~الطريق ففرت الدواب منها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة ~~بالمدينة، وكان فيها غيظ للمنافقين وقال صلى الله عليه وسلم «انظروا أين ~~ناقتي» فقال عبد الله بن أبي المنافق مع قومه: ألا تعجبون من هذا الرجل ~~يخبر عن موت الرجل بالمدينة ولم يعرف أين ناقته؟ فقال صلى الله عليه وسلم ~~إن ناسا من المنافقين قالوا: كيت وكيت، وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها ~~بشجرة فوجدوها على ما قال صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~{ولو كنت} أي: من ذاتي {أعلم الغيب} أي: جنسه {لاستكثرت} أي: أوجدت لنفسي ~~كثيرا {من الخير وما مسني السوء} أي: ولو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه ~~من استكثار المنافع، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب واجتناب المضار حتى لا يمسني ~~سوء {إن} أي: ما {أنا إلا نذير} بالنار للكافرين {وبشير} بالجنة {لقوم ~~يؤمنون} أي: يصدقون، وقيل: لقوم يؤمنون متعلق بنذير وبشير؛ لأنهم المنتفعون ~~بهما {هو الذي خلقكم} أي: ولم تكونوا شيئا {من نفس واحدة} أي: خلقها ms0902 ابتداء ~~من تراب، وهي آدم عليه السلام {وجعل منها} أي: من جسدها من ضلع من أضلاعها، ~~وقيل: من جنسها لقوله تعالى: {جعل لكم من أنفسكم أزواجا} (الشورى، 11) # {زوجها} أي: حواء، قالوا: والحكمة في كونها خلقت منه أن الجنس إلى الجنس ~~أميل والجنسية علة الضم {ليسكن إليها} أي: ليأنس بها ويطمئن إليها إطمئنان ~~الشيء إلى جزئه أو جنسه، وإنما ذكر الضمير في يسكن بعد أن أنث في قوله ~~تعالى: {من نفس واحدة} ذهابا إلى معنى النفس ليناسب تذكير الضمير في قوله ~~تعالى: {فلما تغشاها} أي: جامعها، ولئلا يوهم لو أنثه نسبة السكون إلى ~~الأنثى، والأمر بخلافه إزالة لاستيحاشه، فكانت نسبة المؤانسة إليه أولى ~~{حملت حملا خفيفا} أي: خف عليها ولم تلق منه ما يلقى الحوامل غالبا من ~~الأذى، أو محمولا خفيفا وهو النطفة {فمرت به} أي: فعالجت به أعمالها وقامت ~~وقعدت ولم يعقها عن شيء من ذلك لخفته {فلما أثقلت} أي: صارت ذا ثقل بكبر ~~الولد في بطنها {دعوا الله} أي: آدم وحواء عليهما السلام {ربهما} مقسمين ~~{لئن آتيتنا صالحا} أي: ولدا سويا لا عيب فيه {لنكونن من الشاكرين} أي: نحن ~~وأولادنا على نعمتك علينا، وذلك أنهما جوزا أن يكون غير سوي لقدرة الله ~~تعالى على كل ما يريد لأنه الفاعل المختار. # فائدة: اتفق القراء على إدغام تاء التأنيث الساكنة في الدال. # {فلما آتاهما صالحا} أي: جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنا وقوة ~~وعقلا، فكثروا في الأرض وانتشروا في نواحيها ذكورا وإناثا {جعلا} أي: ~~النوعان من أولادهما الذكور والإناث؛ لأن صالحا صفة للولد وهو الجنس، فيشمل ~~الذكر والأنثى # PageV01P544 # والقليل والكثير، فكأنه قيل: فلما آتاهما أولادا صالحي الخلقة من الذكور ~~والإناث جعل النوعان {له شركاء} أي: بعضهم أصناما وبعضهم نارا وبعضهم شمسا ~~وبعضهم غير ذلك، وقيل: جعل أولادهما له شركاء {فيما آتاهما} أي: فيما آتى ~~أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ~~مقامه، ويدل عليه قوله تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} . # {أيشركون ما لا يخلق شيئا ms0903 وهم يخلقون} أي: الأصنام. # فإن قيل: كيف وحد {يخلق} ، ثم جمع فقال: {وهم يخلقون} ؟ أجيب: بأن لفظ ما ~~يقع على الواحد والاثنين والجمع، فوحد بحسب ظاهر اللفظ، وجمع باعتبار ~~المعنى. # فإن قيل: كيف جمع الواو والنون لمن لا يعقل وهو جمع من يعقل من الناس؟ ~~أجيب: بأنه لما اعتقد عابدوا الأصنام أنها تعقل وتميز ورد هذا الجمع على ما ~~يعتقدونه، وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما يدريك ~~ما في بطنك؟ ولعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج؟ فخافت من ذلك وذكرت ~~لآدم فهما منه، وهو بضم الهاء وتشديد الميم من الهم وهو هنا الحزن، ثم عاد ~~إليها وقال: إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله على أن يجعله خلقا مثلك، ~~ويسهل عليك خروجه فسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس حارثا في الملائكة، ~~ففعلت ولما ولدته سمته عبد الحرث. # فإن قيل: قد قال البيضاوي: وأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء، ويحتمل أن يكون ~~الخطاب في خلقكم لآل قصي من قريش، فإنهم خلقوا من نفس قصي وكان له زوج من ~~جنسها عربية قرشية فطلبا من الله تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم ~~عبد شمس وعبد مناف وعبد قصي وعبد الدار، ويكون الضمير في يشركون لهما ~~ولأعقابهما المقتدين بهما اه أجيب: بأنه نظر في ذلك إلى الظاهر وإلا فقد ~~روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا ~~يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحرث فإنه يعيش، فسمته فعاش فكان ذلك من وحي ~~الشيطان وأمره» رواه الحاكم وقال: صحيح، والترمذي وقال حسن غريب. # وروي عن ابن عباس أنه قال: كانت حواء تلد لآدم فتسميه: عبد الله وعبيد ~~الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إن سركما أن يعيش ~~لكما ولد فسمياه عبد الحرث، فسمياه فعاش، وجاء في حديث «خدعهما إبليس ~~مرتين: مرة في الجنة ومرة في الأرض» ، وهو قول كثير كمجاهد وسعيد بن المسيب ~~وهذا كما قال البغوي: ليس ms0904 إشراكا في العبادة، ولا أن الحرث ربهما فإن آدم ~~كان نبيا معصوما من الشرك ولكن قصد إلى أن الحرث كان سبب نجاة الولد وسلامة ~~أمه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به إنه مملوك كما يطلق اسم الرب ~~على من لا يراد به أنه معبود هذا كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبد ~~الضيف على وجه الخضوع لا على وجه أن الضيف يملكه قال الشاعر: # *وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا* # وتقول للغير: أنا عبدك، قال الرازي: ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان عبد ~~ودود فلان، وقال يوسف عليه السلام لعزيز مصر: {إنه ربي} (يوسف، 23) # ولم يرد به معبوده كذلك هذا فقوله تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} ~~ابتداء كلام، وأريد به إشراك أهل مكة، وقرأ نافع وشعبة: «شركا» بكسر الشين ~~وسكون الراء وألف منونة بعد الكاف في الوصل وفي الوقف بغير تنوين أي: شركة، # PageV01P545 # والباقون بضم الشين وفتح الراء وبعد الكاف ألف بعدها همزة مفتوحة. # فإن قيل: المطاع إبليس فكيف يعير بالجمع؟ أجيب: بأن من أطاع إبليس فقد ~~أطاع جميع الشياطين، هذا إن حملت هذه الآية على القصة المشهورة، أما إذا لم ~~نقل به فلا حاجة إلى التأويل. # {ولا يستطيعون} أي: الأصنام {لهم} أي: لعابديهم {نصرا} أي: لا تقدر على ~~النصر لمن أطاعها أو عبدها، ولا تضر من عصاها، والمعبود الذي تجب عبادته ~~يكون قادرا على إيصال النفع والضر، وهذه الأصنام ليست كذلك، فكيف يليق ~~بالعاقل أن يعبدها؟ {ولا أنفسهم ينصرون} أي: وهي لا تقدر أن تدفع عن نفسها ~~مكروها، فإن من أراد كسرها قدر عليه، وهي لا تقدر على دفعه عنها. ~~والاستفهام للتوبيخ. # ثم خاطب المؤمنين بقوله تعالى: {وإن تدعوهم} أي: المشركين {إلى الهدى} ~~أي: إلى الإسلام {لا يتبعوكم} أي: لأن الله تعالى حكم عليهم بالضلالة فلا ~~يقبلوا الهداية، وقرأ نافع بسكون التاء وفتح الباء الموحدة، والباقون بفتح ~~التاء مشددة وكسر الباء الموحدة {سواء عليكم أدعوتموهم} إلى الهدى {أم أنتم ms0905 ~~صامتون} أي: ساكتون عن دعائهم، فهم في كلا الحالتين لا يؤمنون. # وقيل: الضمير في تدعوهم للأصنام أي: إن هذه الأصنام التي يعبدها المشركون ~~معلوم من حالها أنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع من دعاها إلى خير وهدى، وذلك ~~أن المشركين كانوا إذا وقعوا في شدة وبلاء تضرعوا إلى أصنامهم، وإذا لم يكن ~~لهم إلى الأصنام حاجة سكتوا فقيل لهم: لا فرق بين دعائكم إلى الأصنام ~~وسكوتكم عنها، فإنها عاجزة في كل حال. # {إن الذين تدعون} أي: تعبدون {من دون الله عباد} أي: مملوكة {أمثالكم} ~~فهي لا تملك ضرا ولا نفعا. # فإن قيل: كيف وصفها بأنها عباد مع أنها جماد؟ أجيب: بأن المشركين لما ~~ادعوا أن الأصنام تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة، فوردت ~~هذه الألفاظ على وفق معتقدهم تبكيتا لهم وتوبيخا ولذلك قال: {فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} في كونها آلهة، ولم يقل: فادعوهن فليستجبن، ~~وقال: {إن الذين} ، ولم يقل: التي، وبأن هذا اللفظ إنما ورد في معرض ~~الاستهزاء بالمشركين؛ لأنهم لما نحتوها بصورة الإناسي قال لهم: إن قصارى ~~أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم، فلا يستحقون عبادتكم كما إنه لا ~~يستحق بعضكم عبادة بعض، فلم جعلتم أنفسكم عبيدا، وجعلتموها آلهة وأربابا. # ثم أبطل أن يكونوا عبادا أمثالكم بقوله تعالى: # {ألهم أرجل يمشون بها أم} أي: بل الله {لهم أيد يبطشون بها أم} أي: بل ~~الله {لهم أعين يبصرون بها أم} أي: بل الله {لهم آذان يسمعون بها} وهذا ~~الاستفهام إنكاري أي: ليس لهم شيء من ذلك مما هو لكم، فكيف تعبدونهم وأنتم ~~أتم حالا منهم؟ إذ لا يليق بالإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون ~~الأرذل، ونظير هذا قول إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه: {لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} (مريم، 42) # وقد تعلق بعض الجهال بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى، فقال: ~~إن الله تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلا على عدم إلهيتها، ~~فلو لم ms0906 تكن هذه الأعضاء موجودة لله لكان عدمها دليلا على عدم الإلهية، وذلك ~~باطل فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى. # أجيب: بأن المقصود من هذه الآية بيان أن الإنسان أفضل وأحسن حالا من ~~الصنم؛ لأن الإنسان له رجل # PageV01P546 # ماشية ويد باطشة وعين باصرة وأذن سامعة، والصنم رجله غير ماشية ويده غير ~~باطشة وعينه غير مبصرة وأذنه غير سامعة، فكان الإنسان أفضل وأكمل حالا من ~~الصنم، فاشتغال الأفضل الأكمل بحال الأخس ألادون جهل، فهذا هو المقصود من ~~ذكر هذا الكلام لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال {قل ادعوا} أي: قل يا محمد ~~لهؤلاء المشركين: ادعوا {شركاءكم} أي: إلى هلاكي {ثم كيدون} قال الحسن: ~~كانوا يخوفونه صلى الله عليه وسلم بآلهتهم فقال الله تعالى له: قل لهم ~~ادعوا شركاءكم ثم كيدون أي: ليظهر لكم أنها لا قدرة لها على إيصال المضار ~~إلي بوجه. # وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء وصلا ووقفا، وهشام له فيها وجهان: الإثبات ~~والحذف، وصلا ووقفا، والباقون يحذفونها وصلا ووقفا. ثم تهكم عليهم صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: {فلا تنظرون} أي: فأعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم، فإنكم ~~لا تقدرون على ذلك، وعلل عدم قدرتهم على ذلك بقوله: # {إن وليي الله} الذي يتولى حفظي ونصري هو الله {الذي نزل الكتاب} المشتمل ~~على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين وهو القرآن {وهو} أي: الله سبحانه ~~{يتولى الصالحين} أي: بنصره وحفظه، فلا يضرهم عداوة من عاداهم، قال ابن ~~عباس: يريد بالصالحين الذين لا يعدلون بالله شيئا ولا يعصونه، فمن عادته ~~تعالى أن يتولى الصالحين من عباده فضلا عن أنبيائه وفي هذا مدح للصالحين، ~~وأن من تولاه الله تعالى بحفظه لا يضره شيء، وعن عمر بن عبد العزيز أنه ما ~~كان يدخر لأولاده شيئا، فقيل له فيه، فقال: ولدي إما أن يكون من الصالحين ~~أو من المجرمين، فإن كان من الصالحين فوليه هو الله تعالى، ومن كان الله ~~تعالى له وليا فلا حاجة له إلى مالي، وإن كان من المجرمين فقد قال الله ms0907 ~~تعالى: {فلن أكون ظهيرا للمجرمين} ومن رده الله تعالى لم أكن مشتغلا ~~بمهماته {والذين تدعون من دونه} أي: الله {لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ~~ينصرون} أي: فكيف أبالي بهم؟ # فإن قيل: هذه الأشياء قد صارت مذكورة في الآيات المتقدمة فما الفائدة في ~~تكريرها؟ أجيب: بأن الأول مذكور على جهة التقريع، وهذا مذكور على جهة الفرق ~~بين من تجوز له العبادة وبين من لا تجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن ~~يكون بحيث يتولى الصالحين، وهذه الأصنام ليست كذلك، فلا تكون صالحة للإلهية ~~{وإن تدعوهم} أي: الأصنام {إلى الهدى لا يسمعوا} دعاءكم {وتراهم} يا محمد ~~{ينظرون إليك} أي: يقابلونك كالناظر {وهم لا يبصرون} لأنهم صوروا بصورة من ~~ينظر إلى من يواجهه، وقال الحسن: المراد بهذا المشركون، ومعناه إن تدعوا ~~أيها المؤمنون المشركين إلى الهدى لا يسمعوا دعاءكم؛ لأن آذانهم قد صمت عن ~~سماع الحق وتراهم ينظرون إليك يا محمد وهم لا يبصرون أي: ببصائر قلوبهم. # ولما بين تعالى أن الله هو الذي يتولاه، وإن الأصنام وعابديها لا يقدرون ~~على الإيذاء والإضرار بين ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة ~~الناس بقوله تعالى: {خذ العفو} أي: اقبل الميسور من أخلاق الناس وأعمالهم ~~من غير تجسس وذلك مثل قبول الاعتذار، ويدخل في ذلك ترك التشديد في كل ما ~~يتعلق بالحقوق المالية، ويدخل فيه أيضا التخلق مع الناس بالخلق الطيب وترك ~~الغلظة والفظاظة، قال تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل ~~عمران، 159) # وقال صلى الله عليه وسلم «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» وقال # PageV01P547 # الشاعر: # *خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب* # وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية: قال عليه الصلاة والسلام: يا جبريل ما ~~هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل، ثم رجع فقال: «إن الله تعالى يأمرك أن تصل من ~~قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك» {وأمر بالعرف} أي: بالمعروف قال عطاء: ~~بلا إله إلا الله {وأعرض عن الجاهلين} أي: فلا تقابلهم بالسفه، وذلك ms0908 مثل ~~قوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان، 63) # وذلك سلام المتاركة، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: ليس في القرآن ~~آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ~~«لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في ~~الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» ، وعن جابر رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله بعثني بمكارم الأخلاق ~~وتمام محاسن الأفعال» . # قال أبو زيد لما نزل قوله تعالى: {وأعرض عن الجاهلين} قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «كيف يا رب والغضب» فنزل {وإما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما ~~الزائدة {ينزغنك من الشيطان نزغ} أي: وسوسة وقوله تعالى: {فاستعذ} أي: ~~فاستنجد {با} جواب الشرط وجواب الأمر محذوف أي: يدفعه عنك. # تنبيه: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية، وقالوا: لولا أنه ~~يجوز من النبي الإقدام على المعصية والذنب لم يحتج إلى الاستعاذة، وأجيب عن ~~ذلك بأجوبة: الأول إن معنى هذا الكلام إن حصل في قلبك نزغ فاستعذ بالله كما ~~أنه تعالى قال: {لئن أشركت ليحبطن عملك} (الزمر، 65) # ولم يدل ذلك على أنه أشرك الثاني على تقدير أنه لو حصل وسوسة من الشيطان ~~لكن الله تعالى قد عصم قلب نبيه صلى الله عليه وسلم من قبولها وثباتها في ~~قلبه وإنما القادح لو قبل صلى الله عليه وسلم وسوسة والآية لا تدل على ذلك. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما من إنسان إلا ومعه شيطان» وفي ~~رواية: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» ~~قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه ~~فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» وفي رواية: «لكنه أسلم بعون الله فلقد أتاني ~~فأخذت بحلقه ولولا دعوة سليمان لأصبح في المسجد طريحا» قال النووي: يروى ~~بفتح الميم وضمها فمن ضمها معناه فأسلم أنا من شره وفتنته ومن ms0909 فتحها قال ~~معناه: إن القرين أسلم أي: صار مسلما فلا يأمرني إلا بخير الثالث: أن ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره أي: وإما ينزغنك أيها ~~الإنسان من الشيطان نزغ فاستعذ بالله كقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ با} (النحل، 98) # {إنه سميع} للقول {عليم} بالفعل، وفي الآية دليل على أن الاستعاذة ~~باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة فكأنه تعالى ~~قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع واستحضر معنى الاستعاذة بعقلك ~~وقلبك فإني عليم بما في ضميرك وفي الحقيقة القول اللساني بدون المعارف ~~القلبية عديم الفائدة والأثر {إن الذين اتقوا إذا مسهم} أي: أصابهم {طيف} ~~أي: شيء ألم بهم {من الشيطان تذكروا} عقاب الله وثوابه {فإذا هم مبصرون} ~~الحق من غيره، فيرجعون. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بياء ساكنة بعد الطاء والباقون بألف ~~بعد الطاء بعدها همزة # PageV01P548 # مكسورة {وإخوانهم} أي: وإخوان الشياطين من الكفار {يمدونهم} أي: يمدهم ~~الشياطين {في الغي} أي: يزيدونهم في الضلالة بالتزيين والحمل عليها {ثم لا ~~يقصرون} أي: لا يكفون عن الضلالة ولا يتركونها، وهذا بخلاف حال المؤمنين ~~المتقين؛ لأن المؤمن إذا أصابه طيف من الشيطان تذكر وعرف ذلك فنزع عنه وتاب ~~واستغفر، والكافر مستمر في ضلاله لا يتذكر ولا يرعوي {وإذا لم تأتهم} أي: ~~أهل مكة {بآية} أي: مما اقترحوها كقولهم: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا} (الإسراء، 90) # {قالوا لولا اجتبيتها} أي: هلا تقولتها من عند نفسك كسائر ما تقرؤه، ~~فإنهم كانوا يقولون: إن هذا الإفك مفترى، تقول العرب: اجتبيت الكلام ~~اختلقته وافتعلته وأنشأته من عندك، وهلا طلبتها من ربك منزلة عليك مقترحة؟ ~~قال الله تعالى: {قل} : يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوا الآيات {إنما ~~أتبع ما يوحى إلي من ربي} أي: ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من الأمور ~~إنما أنتظر الوحي، فكل شيء أكرمني به قلته، وإلا فالواجب السكوت وترك ~~الاقتراح. # ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها لا يقدح ms0910 في الغرض؛ ~~لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة باهرة، فإذا ظهرت هذه المعجزة ~~الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة، فكان طلب الزيادة من باب التعنت، فذكر ~~في وصف القرآن ألفاظا ثلاثة أولها قوله: {هذا بصائر من ربكم} أي: هذا ~~القرآن فيه حجة وبرهان، وأصل البصائر الأبصار وهو ظهور الشيء حتى يبصره ~~الإنسان، ولما كان القرآن سببا لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة ~~والمعاد أطلق عليه لفظ البصيرة فهو من باب تسمية السبب باسم المسبب. # وثانيها: {وهدى} أي: وهو هدى. # وثالثها: {ورحمة} أي: وهو رحمة {لقوم يؤمنون} . # فإن قيل: ما الفرق بين هذه المراتب الثلاث؟ أجيب: بأنهم متفاوتون في ~~درجات العلوم، فمنهم من بلغ الغاية في علم التوحيد حتى صار كالمشاهد، وهم ~~أصحاب عين اليقين، ومنهم من بلغ درجة الاستدلال والنظر، وهم أصحاب علم ~~اليقين، ومنهم المسلم المستسلم وهم عامة المؤمنين، وهم أصحاب حق اليقين، ~~فالقرآن في حق القسم الأول، وهم السابقون بصائر، وفي حق القسم الثاني وهم ~~المستدلون هدى، وفي حق القسم الثالث وهم عامة المؤمنين رحمة. # {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} أي: عن الكلام {لعلكم ترحمون} ~~أي: لكي يرحمكم ربكم باتباعكم ما أمرتم به من أوامره، واختلفوا في سبب نزول ~~هذه الآية فذهب قوم إلى أنها نزلت في الصلاة كانوا يتكلمون فيها فأمروا ~~باستماع قراءة الإمام والإنصات. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم ~~فأمروا بالسكوت والاستماع إلى قراءة القرآن، وقال قوم: نزلت في ترك الجهر ~~بالقراءة خلف الإمام. # وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في رفع ~~الأصعات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وقال الكلبي: ~~كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار، وعن ابن ~~مسعود أنه سمع ناسا يقرؤون مع الإمام فلما انصرفوا قال: أما آن لكم أن ~~تفقهوا وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم الله، وهو قول ~~الحسن والزهري: إن الآية نزلت ms0911 في القرآن في الصلاة. # وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد إن الآية نزلت في الخطبة أمروا بالإنصات ~~لخطبة الإمام يوم الجمعة، وقال عمر بن عبد # PageV01P549 # العزيز: الإنصات لكل واعظ، وقيل: معناه وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند ~~نزوله فاستمعوا له وأنصتوا، وقيل: معنى فاستمعوا له فاعملوا بما فيه ولا ~~تجاوزوه، قال البغوي: والأول أولاها وهو أنها في القراءة في الصلاة لأن ~~الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة، قال البيضاوي: وظاهر اللفظ يقتضي ~~وجوبهما حيث يقرأ القرآن مطلقا وعامة العلماء على استحبابهما خارج الصلاة ~~واحتج به من لا يرى وجوب القراءة على المأموم وهو ضعيف، اه. أي: مردود بخبر ~~الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» وقوله تعالى: # {واذكر ربك في نفسك} عام في الأذكار من القراءة والدعاء وغيرهما، والمراد ~~بالذكر في النفس أن يستحضر في قلبه عظمة الله تعالى جل جلاله؛ لأن الذكر ~~باللسان إذا كان عاريا عن ذكر القلب كان عديم الفائدة؛ لأن فائدة الذكر ~~حضور القلب وإشعاره عظمة المذكور تعالى، قال الرازي: سمعت بعض الأكابر من ~~أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحدا من المريدين بالخلوة والذكر أمره ~~أربعين يوما بالخلوة والتصفية، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول التصفية ~~الكاملة يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين، ويقول للمريد: اعتبر حال قلبك ~~عند سماع هذه الأسماء، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم تشوقه، ~~فاعلم أن الله تعالى إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ~~ذكر ذلك الاسم بعينه، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب، اه. # وقيل: ذلك أمر للمأموم بالقراءة سرا بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة ~~كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى {تضرعا} أي: تذللا {وخيفة} أي: خوفا ~~منه. # فائدة: إنما قال تعالى: {واذكر ربك} ولم يقل: واذكر إلهك ولا غيره من ~~الأسماء وإنما سماه في هذا المقام باسم كونه ربا، وأضاف نفسه إليه، وكل ذلك ~~يدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان، والمقصود منه أن يصير ~~العبد فرحا مسرورا مبتهجا ms0912 عند سماع هذا الاسم، لأن لفظ الرب مشعر بالتربية ~~والفضل، وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام إنعام الله تعالى عليه، ~~وبالحقيقة لا يصل عقله إلى أقل أقسامه كما قال تعالى: {وإن تعدوا نعم الله ~~لا تحصوها} (إبراهيم، 34) # فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء، فإذا سمع بعد ذلك قوله: ~~{تضرعا وخيفة} عظم الخوف وحينئذ يحصل في القلب موجبات الرجاء وموجبات ~~الخوف، وعنده يكمل الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام: «لو وزن خوف ~~المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» وهذا جرى عليه بعضهم في حالة الصحة، فيكون الخوف ~~والرجاء مستويان. # والذي جرى عليه الغزالي وهو التحقيق أنه إن قوي رجاؤه يقوى جانب الخوف ~~والعكس بالعكس، وأما حال المرض فيكون جانب الرجاء أرجح، وعن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال: ~~«كيف تجدك» ؟ قال: أرجو الله يا رسول الله وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لا يجتمعان في قلب مؤمن في مثل هذا الموطن إلا أعطاه ~~الله ما يرجو وأمنه مما يخاف» {ودون الجهر من القول} أي: ومتكلما كلاما فوق ~~السر ودون الجهر أي: قصدا بينهما، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص {بالغدو} ~~جمع غدوة، وقيل: إنه مصدر {والآصال} جمع أصيل، وهو ما بين صلاة العصر إلى ~~الغروب، وإنما خص هذين الوقتين بالذكر؛ لأن الإنسان يقوم بالغداة من النوم ~~الذي هو آخر الموت إلى # PageV01P550 # اليقظة التي هي كالحياة فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم، وهو ~~وقت الحياة من موت النوم بالذكر ليكون أول أعماله ذكر الله تعالى، وأما وقت ~~الآصال وهو آخر النهار فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت ~~فيستحب الذكر؛ لأنها حالة تشبه الموت، ولعله لا يقوم من تلك النومة، فيكون ~~موته على ذكر الله تعالى، وهو المراد من قوله تعالى: {ولا تكن من الغافلين} ~~عن ذكر الله. # وقيل: إنما خصا بالذكر؛ لأن الصلاة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر ~~مكروهة، ms0913 واستحب للعبد أن يذكر الله تعالى فيهما ليكون في جميع أوقاته ~~مشتغلا بما يقربه إلى الله تعالى من صلاة وذكر، وقيل: إن أعمال العباد تصعد ~~أول النهار وآخره، فيصعد عمل الليل عند صلاة الفجر، ويصعد عمل النهار بعد ~~العصر إلى الغروب، فاستحب له الذكر فيهما ليكون ابتداء عمله بالذكر وختامه ~~بالذكر. # {إن الذين عند ربك} أي: الملائكة المقربين بالفضل والكرامة {لا يستكبرون} ~~أي: لا يتكبرون {عن عبادته} لأنهم عبيده خاضعون لعظمته وكبريائه {ويسبحونه} ~~أي: وينزهونه عن جميع النقائص، ويقولون: سبحان الله ربنا {وله يسجدون} أي: ~~ويخضعون له بالعبادة والتذلل لا يشركون به غيره، وفي هذا إشارة إلى أن ~~الأعمال تنقسم إلى قسمين: أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فأعمال القلوب هي ~~تنزيه الله تعالى عن كل ما سواه، وهو الاعتقاد القلبي عبر عنه بقوله: ~~{ويسبحونه} وعبر عن أعمال الجوارح بقوله: {وله يسجدون} ليوافق الملائكة ~~المقربين في عبادتهم، وعن معدان قال: سألت ثوبان مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قلت: حدثني حديثا ينفعني الله به قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه ~~بها خطيئة» ، وفي رواية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك ~~بها خطيئة» ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه ~~حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة» ، وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قرأ ابن آدم السجدة ~~فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله ~~الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» والحديث الذي ذكره البيضاوي تبعا ~~للزمخشري وهو: «من قرأ سورة الأعراف جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس ~~سترا وكان ms0914 آدم شفيعا له يوم القيامة» حديث موضوع. ### | سورة الأنفال # مدنية # وقيل: إلا {وإذ يمكر بك الذين كفروا} الآيات السبع فمكية، وهي خمس أو ست ~~أو سبع وسبعون آية، وألف وخمس وسبعون كلمة، وخمسة آلاف وثمانون حرفا. # {بسم الله} الذي له العظمة الظاهرة والحكمة الباهرة {الرحمن} الذي عم ~~جميع خلقه بنعمه المتواترة {الرحيم} الذي خص من أراد من عباده بما يرضيه ~~فكان حامده وشاكره. # {يسألونك} يا أشرف الخلق يا محمد {عن الأنفال} أي: الغنائم لمن هي؟ وكيف ~~مصرفها؟ وإنما سميت الغنيمة # PageV01P551 # نفلا؛ لأنها عطية من الله تعالى وفضل منه كما يسمى به ما يشرطه الإمام ~~لمقتحم خطر عطية له وزيادة على سهمه {قل} يا محمد لهم {الأنفال والرسول} ~~يجعلانها حيث شاءا وأكثر المفسرين أن سبب نزولها اختلاف المسلمين في غنائم ~~بدر كيف تقسم؟ فقال الشبان: هي لنا؛ لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا ~~ردأ لكم ولو انكشفتم لفئتم إلينا، فنزلت، وقيل: شرط رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لمن كان له غنا وهو بفتح الغين المعجمة والمد النفع أن ينفله ~~فسار شبانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلهم، وكان المال ~~قليلا، فقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا ردأ أي: عونا لكم ~~وفئة تنحازون إلينا، فنزلت فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم على ~~السواء، رواه الحاكم في المستدرك، وعن عبادة بن الصامت: نزلت فينا معاشر ~~أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، ~~فجعله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين على السواء، وكان ~~في ذلك تقوى الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح ذات البين، ~~وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إنه قال: لما كان يوم بدر وقتل أخي عمير، ~~وقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واستوهبته منه فقال: هذا ليس لي ولا لك اطرحه في القبض، وهو بفتحتين: ما ~~قبض من الغنائم فطرحته، وبي ms0915 ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ ~~سلبي، فما جاوزت إلا قليلا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «سألتني السيف وليس لي وإنه قد صار لي # اذهب فخذه» وقيل: إنها نزلت فيما يصل من المشركين إلى المسلمين بغير قتال ~~من عبد أو أمة أو متاع، فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما يشاء. # واختلفوا هل هذه الآية منسوخة أو لا؟ فقال مجاهد وعكرمة: هي منسوخة بقوله ~~تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن خمسه وللرسول} (الأنفال، 41) # الآية فكانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم فنسخها الله تعالى ~~بالخمس، وقال بعضهم: هي ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه وذلك أن الغنائم كانت ~~حراما على الأمم الذين من قبلنا في شرائع أنبيائهم، وأباحها الله تعالى ~~بهذه الآية لهذه الأمة، وجعلها ناسخة لشرع من قبلنا، ثم نسخت بآية الخمس، ~~وقال عبد الله بن زيد بن أسلم: هي ثابتة غير منسوخة، ومعنى الآية: قل ~~الأنفال لله وللرسول يضعها حيث أمره الله تعالى، وقد بين الله تعالى ~~مصارفها في قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن خمسه} الآية. # فإن قيل: ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول؟ أجيب: بأن معناه أن حكم ~~الغنيمة مختص بالله ورسوله بأمر الله يقسمها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الله تعالى فيها وليس الأمر في قسمها مفوضا ~~إلى رأي أحد {فاتقوا الله} بطاعته، واتركوا مخالفته واتركوا المخاصمة ~~والمنازعة في الغنائم {وأصلحوا ذات بينكم} أي: وأصلحوا الحال فيما بينكم ~~بالمودة وترك النزاع وتسليم أمر الغنائم إلى الله ورسوله {وأطيعوا الله ~~ورسوله} فيما يأمركم به وينهاكم عنه {إن كنتم مؤمنين} حقا، فإن الإيمان ~~يقتضي ذلك. # {إنما المؤمنون} أي: الكاملون في الإيمان {الذين إذا ذكر الله} أي: وعيده ~~{وجلت} أي: خافت وخضعت ورقت {قلوبهم} أي: أن المؤمن إنما يكون مؤمنا كاملا ~~إذا كان خائفا من الله تعالى، ونظيره قوله # PageV01P552 # تعالى: {والذين هم من عذاب ربهم ms0916 مشفقون} (المعارج، 27) # وقوله تعالى: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون، 2) . # فإن قيل: إنه تعالى قال هنا: {وجلت قلوبهم} وفي آية أخرى {وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله} (الرعد، 28) # فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: بأنه لا منافاة بينهما؛ لأن الوجل هو خوف ~~العقاب، والاطمئنان إنما يكون من اليقين وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، وهذا ~~مقام الخوف والرجاء، وقد اجتمعا في آية واحدة وهي قوله تعالى: {تقشعر منه ~~جلود الذين يخشون ريهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} (الزمر، 23) # عند رجاء ثواب الله. # قال أهل التحقيق: الخوف على قسمين: خوف العقاب وهو خوف العصاة، وخوف ~~الجلال والعظمة، وهو خوف الخواص؛ لأنه تعالى غني بذاته عن كل الموجودات وما ~~سواه من المخلوقات محتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني هابه ~~وخافه، وليست تلك الهيبة من العقاب بل مجرد علمه بكونه غنيا عنه وكونه ~~محتاجا إليه يوجب تلك المهابة وذلك الخوف، وأما العصاة فيخافون عقابه، ~~والمؤمن إذا ذكر الله وجل قلبه وخافه على قدر مرتبته {وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا} أي: تصديقا ويقينا؛ لأن زيادة الإيمان بزيادة التصديق ~~وذلك على وجهين: # الوجه الأول: وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي إن كل من ~~كانت عنده الدلائل أكثر وأقوى كان أزيد إيمانا؛ لأن عند حصول كثرة الدلائل ~~وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين، فتكون معرفته بالله أقوى، فيزداد إيمانه، ~~وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان ~~أهل الأرض لرجح» . # الوجه الثاني: وهو أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، ولما كانت ~~التكاليف متوالية في زمنه صلى الله عليه وسلم فكلما تجدد تكليف كانوا ~~يزدادون تصديقا وإقرارا، ومن المعلوم أن من صدق إنسانا في شيئين كان أكثر ~~ممن يصدقه في شيء واحد، فقوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا} معناه: أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد، فكان ذلك ~~زيادة في الإيمان والتصديق. # فإن قيل: إن تلك الآيات لا توجب الزيادة وإنما الموجب هو سماعها أو ms0917 ~~معرفتها أجيب: بأن ذلك هو المراد من الآية، واختلفوا هل الإيمان يقبل ~~الزيادة والنقصان أو لا؟ فالذين قالوا: إن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي ~~قالوا: لا يقبل الزيادة ولا النقصان، والذين قالوا: إنه مجموع الاعتقاد ~~والإقرار والعمل قالوا: يقبل الزيادة والنقصان، واحتجوا بهذه الآية من ~~وجهين: # الأول: أن قوله تعالى: {زادتهم إيمانا} يدل على أن الإيمان يقبل الزيادة، ~~ولو كان عبارة عن التصديق فقط لما قبل الزيادة، وإذا قبل الزيادة فقد قبل ~~النقص. # الوجه الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أوصافا متعددة من أحوال ~~المؤمنين، ثم قال بعد ذلك: {أولئك هم المؤمنون حقا} وذلك يدل على أن تلك ~~الأوصاف داخلة في مسمى الإيمان، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» ففي ~~الحديث دليل على أن للإيمان أدنى وأعلى، فيكون قابلا للزيادة والنقص، وقال ~~عمير بن حبيب: إن للإيمان زيادة ونقصانا، قيل له: فما زيادته وما نقصانه ~~فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه، فذلك زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك ~~نقصانه، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن # PageV01P553 # للإيمان فرائض وشرائط وحدودا وسننا فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ومن ~~لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، ثم وصف الله تعالى المؤمنين الكاملين بصفة ~~أخرى ثالثة، وهي الاتكال عليه بقوله تعالى: {وعلى ربهم يتوكلون} أي: يفوضون ~~جميع أمورهم إليه لا يرجون غيره، ولا يخافون سواه؛ لأن المؤمن إذا كان ~~واثقا بوعد الله تعالى ووعيده كان من المتوكلين عليه لا على غيره، وهذا ~~الحال مرتبة عالية ودرجة شريفة، وهي أن الإنسان بحيث يصير لا يبقى له ~~اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله تعالى، وهذه الصفات الثلاث مرتبة على ~~أحسن صفات الترتيب، فإن المرتبة الأولى هي الوجل عند ذكر الله، والمرتبة ~~الثانية هي الانقياد لمقامات تكاليفه، والمرتبة الأخيرة الانقطاع بالكلية ~~عما سوى الله والاعتماد ms0918 بالكلية على فضل الله بل الغنى بالكلية عما سوى ~~الله، ثم إن هذه المراتب الثلاث أحوال معتبرة في القلوب والبواطن، ثم انتقل ~~منها إلى رعاية أحوال الظاهر فقال: # {الذين يقيمون الصلاة} أي: الذين يؤدونها بحقوقها {ومما رزقناهم} أي: ~~أعطيناهم {ينفقون} في طاعة الله؛ لأن رأس الطاعات المعتبرة في الظاهر ~~ورئيسها بذل النفس في الصلاة، وبذل المال في مرضاة الله، ويدخل في ذلك صلاة ~~الفرض والنفل والزكاة والصدقات والإنفاق في الجهاد والإنفاق على المساجد ~~والقناطر، ثم قال تعالى: # {أولئك} أي: الموصوفون بهذه الصفات الخمسة {هم المؤمنون حقا} لأنهم حققوا ~~إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل ~~ومحاسن أفعال الجوارح التي المعيار عليها، وهي الصلاة والصدقة و {حقا} مصدر ~~مؤكد للجملة التي هي {أولئك هم المؤمنون} كقوله: هو عبد الله حقا، أي: أحق ~~ذلك حقا. # تنبيه: اختلف العلماء في أنه هل للشخص أن يقول: أنا مؤمن حقا، أو لا؟ ~~فقال أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه: الأولى أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن ~~شاء الله تعالى، ولا يقول: أنا مؤمن حقا، وقال أصحاب أبي حنيفة رضي الله ~~تعالى عنه: الأولى أن يقول: أنا مؤمن حقا، ولا يجوز أن يقول: إن شاء الله ~~تعالى، واستدل للأول بوجوه: # الأول أن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى ليس على سبيل الشك، ولكن ~~الشخص إذا قال: أنا مؤمن فقد مدح نفسه بأعظم المدائح فربما حصل له بذلك ~~عجب، فإذا قال: إن شاء الله تعالى زال ذلك العجب، وحصل الانكسار له. # الثاني إن الله تعالى ذكر في أول الآية ما يدل على الحصر وهو قوله تعالى: ~~{إنما المؤمنون هم} كذا وكذا وكلمة إنما تفيد الحصر، وذكر في آخر الآية ~~قوله تعالى: {أولئك هم المؤمنون حقا} وهذا أيضا يفيد الحصر، فلما دلت هذه ~~الآية على هذا المعنى، ثم إن الإنسان لا يمكنه القطع على نفسه بحصول هذه ~~الصفات الخمس، فكان الأولى له أن يقول: إن شاء الله تعالى، وعن الحسن أن ~~رجلا سأله: ms0919 أمؤمن أنت؟ فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب، ~~فأنا مؤمن بها، وإن كنت تسألني عن قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم} الآية فلا أدري أنا منهم أم لا؟ وقال سفيان الثوري: ~~من زعم أنه مؤمن حقا عند الله، ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف ~~الآية، وهذا إلزام منه أي: كما لا نقطع أنه من أهل الجنة قطعا، فلا نقطع # PageV01P554 # أنه مؤمن حقا. # الثالث: أن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى للتبرك، فهو كقوله صلى الله ~~عليه وسلم «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» مع العلم القطعي بأنه لاحق بأهل ~~القبور. # الرابع: أن المؤمن لا يكون مؤمنا حقا إلا إذا ختم له بالإيمان، ومات ~~عليه، وهذا لا يحصل إلا عند الموت، فلهذا السبب حسن أن يقول: أنا مؤمن إن ~~شاء الله تعالى، فالمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة. # الخامس: أن ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم والقطع ألا ترى أنه تعالى ~~قال: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين} (الفتح، 27) # وهو تعالى منزه عن الشك والريب، فثبت أنه تعالى إنما ذكر ذلك تعليما منه ~~لعباده فالأولى ذكر هذه الكلمة الدالة على تفويض الأمور إلى الله تعالى حتى ~~يحصل ببركة هذه الكلمة دوام الإيمان، واستدل الثاني بوجهين: # الأول: أن المتحرك يجوز أن يقول: أنا متحرك، ولا يجوز أن يقول أنا متحرك ~~إن شاء الله تعالى، وكذا في القول في القائم والقاعد فكذا هنا. # الثاني: أنه تعالى قال: {أولئك هم المؤمنون حقا} فقد حكم الله لهم بكونهم ~~مؤمنين حقا، فكان قوله: إن شاء الله يوجب الشك فيما قطع الله تعالى لهم به، ~~وذلك لا يجوز، وأجاب الأول عن قولهم: المتحرك لا يجوز أن يقول: أنا متحرك ~~إن شاء الله تعالى بالفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمنا وبين وصفه بكونه ~~متحركا إذ الإيمان يتوقف حاله على ms0920 الخاتمة، والحركة فعل للإنسان نفسي، فحصل ~~الفرق بينهما، وعن قولهم: إنه تعالى قال: {أولئك هم المؤمنون حقا} فحكم لهم ~~بكونهم مؤمنين حقا إذا أتوا بتلك الأوصاف الخمسة على الحقيقة، ونحن لا نعلم ~~ذلك، فثبت حينئذ أن الصواب مع أصحاب القول الأول: {لهم} أي: للموصوفين بتلك ~~الصفات {درجات} أي: منازل في الجنة {عند ربهم} بعضها أعلى من بعض؛ لأن ~~المؤمنين تتفاوت أحوالهم في الأخذ بتلك الأوصاف المذكورة، فلهذا تتفاوت ~~منازلهم في الجنة على قدر أعمالهم. قال عطاء: درجات الجنة يرتفعون فيها ~~بأعمالهم، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام» ، وعن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة ~~مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم» {ومغفرة} أي: لما فرط ~~منهم {ورزق كريم} أعد لهم في الجنة لا ينقطع عدده ولا ينتهي أمده. # فإن قيل: أليس المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل، وحرمانه ~~منها فإنه يتألم قلبه ويتنغص عيشه وذلك يحيل كون الثواب رزقا حسنا؟ أجيب: ~~بأن استغراق كل أحد في سعادته الحاضرة تمنعه من حصول النظر إلى غيره، ~~وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم، وقوله تعالى: # {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج واختلفوا في ~~تقدير ذلك، فقال المبرد: تقديره الأنفال لله والرسول وإن كرهوا كما أخرجك # PageV01P555 # ربك من بيتك بالحق إلى القتال وإن كانوا كارهين له. # قال الرازي: وهذا الوجه أحسن الوجوه المذكورة في هذا الموضع، وقال عكرمة: ~~تقديره فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن ذلك خير لكم كما أن إخراج محمد ~~من بيته خير لكم، وإن كرهه فريق منكم، وقال الكسائي: الكاف متعلق بما بعده، ~~وهو قوله: {يجادلونك في الحق} ، والتقدير كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، على ~~كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه، وقيل: الكاف ~~بمعنى على ms0921 تقديره امض على الذي أخرجك ربك، وقيل: الكاف بمعنى إذ تقديره ~~واذكر إذ أخرجك ربك من بيتك بالحق {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} الخروج ~~والجملة حال من كاف أخرجك، وقيل: كما خبر مبتدأ محذوف أي: هذه الحالة في ~~كراهتهم لها مثل إخراجك في حال كراهتهم، وقد كان خيرا لهم، فكذلك هذه أيضا، ~~وذلك أن أبا سفيان قدم بعير من الشام في أربعين راكبا منهم عمرو بن العاص ~~ومخرمة بن نوفل الزهري، وفيها تجارة كثيرة، فأخبر جبريل عليه السلام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبر المسلمين فأعجبهم لقي العير لكثرة المال ~~وقلة العدو، فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليه ~~استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم ~~ويخبرهم أن محمدا وأصحابه قد خرجوا لعيرهم، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، وكانت ~~عاتكة أخت العباس بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رأت رؤيا ~~فقالت لأخيها العباس: إني رأيت عجبا رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف ~~بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى ~~الناس قد اجتمعوا عليه، ورأيت كأن ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ~~ثم حلق بها ورمى أي: رمى بها إلى فوق # فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة، فقال العباس: ~~اكتميها فلا تذكريها لأحد، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن ~~عبد شمس، وكان صديقا له، فذكرها له واستكتمه فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا ~~الحديث حتى تحدثت به قريش، قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام ~~في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا ~~الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل علينا قال: فلما فرغت من طوافي أقبلت حتى ~~جلست معهم فقال أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه الفتنة فيكم؟ قلت: ~~وما ذاك، قال: الرؤيا التي رأت ms0922 عاتكة، قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد ~~المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ قد زعمت عاتكة في ~~رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث فنتربص بكم الثلاث فإن بك ما قالت حقا ~~فسيكون وإن تمض الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل ~~بيت في العرب، قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير أمر إلا أني جحدت ~~ذلك وأنكرته أن لا تكون عاتكة رأت شيئا، ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبق ~~امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن ~~يقع في رجالكم، ثم تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما ~~سمعت، قال: قلت: والله ما كان مني إليه من شيء وأيم الله تعالى لأتعرضن له ~~فإن عاد لأكفينكنه، قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد ~~مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه قال: فدخلت المسجد، فرأيته ~~قال: فوالله إني لأمشي نحوه لأتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان أبو ~~جهل رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو باب المسجد ~~يشتد قال: قلت: ماله لعنه الله أكان هذا فرقا مني أن أشاتمه قال: فإذا هو ~~سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره، ~~وقد حول # PageV01P556 # رحله وشق # قميصه، وهو يقول: # يا معشر قريش هذه أموالكم مع أبي سفيان، وقد عرض لها محمد وأصحابه، فنادى ~~أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء، وهو بالمد: الإسراع منصوب ~~على الإغراء أي: الزموا الإسراع على كل صعب وذلول أي: أسرعوا مجتمعين ولا ~~تقفن لأن تختاروا للركوب ذلولا دون صعب عيركم أموالكم إن أصابها محمد لن ~~تفلحوا بعدها أبدا، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير في المثل لا في ~~العير ولا في النفير فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع ~~بالناس، فقال: والله لا ms0923 يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم ~~القينات والمعازف ببدر فيتسامع جميع العرب بمخرجنا وأن محمدا لم يصب العير ~~فإنا قد أعضضناه فمضى بهم إلى بدر، وبدر ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم ~~يوما في السنة، ونزل جبريل عليه السلام وقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى ~~الطائفتين إما العير وإما قريشا، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ~~وقال: ما تقولون؟ إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فالعير أحب ~~إليكم أم النفير؟ قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم ردد عليهم، وقال: إن العير قد مضت على ساحل ~~البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو ~~فقام عند غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~فأحسنا الكلام وأمالاه إلى المضي إلى العدو، ثم قام سعد بن عبادة، فقال: ~~انظر أمرك فاقض فوالله لو سرت إلى عدن أبين، وهي مدينة معروفة باليمن، ~~وأبين بوزن أبيض اسم رجل من حمير عدن بها أي: أقام، ما تخلف عنك رجل من ~~الأنصار. # ثم قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما ~~أحببت لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «أشيروا علي أيها الناس» وهو ~~يريد الأنصار؛ لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة: إنا برآء من ذمامك ~~حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلى ديارنا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع ~~منه أبناءنا ونساءنا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف أن تكون الأنصار ~~لا ترى عليهم نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة فقام سعد بن معاذ فقال: ~~لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «أجل» ، قال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا ~~أن ms0924 ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع ~~والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالله الذي بعثك بالحق نبيا لو ~~استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن ~~تلقي بنا عدونا وإنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله تعالى يريك ~~منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبسطه قول سعد رضي الله عنه، قال: سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا، ~~فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثه عن أهل ~~بدر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس ~~يقول: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء ~~الله تعالى» قال عمر فوالذي بعثه # PageV01P557 # بالحق نبيا ما أخطأ الحدود التي حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~فجعلوا في بئر بعضهم على بعض فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~انتهى إليهم فقال: «يا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقا فإني ~~وجدت ما وعدني الله حقا» فقال عمر: كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها، فقال: ~~«ما أنتم أسمع لما أقول لهم منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا» ~~. # وروي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ~~ليس دونها شيء، فناداه العباس وهو في وثاقه أي: قيده وكان العباس حينئذ ~~مأسورا مقيدا لا يصلح، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لم؟ قال: لأن الله ~~وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك فكانت الكراهة من بعضهم لقوله ~~تعالى: {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} . # {يجادلونك في الحق} أي: القتال {بعدما تبين} إنك لا تصنع شيئا إلا بأمر ~~ربك {كأنما يساقون إلى الموت ms0925 وهم ينظرون} إليه أي: يكرهون القتال كراهة من ~~يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالقتال ~~كرهوا ذلك، وقالوا: لم يعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد للقائهم، وإنما خرجنا ~~لطلب العير، إذ روي أنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان، وفيه إيماء ~~إلى أن مجادلتهم كانت لفرط فزعهم ورعبهم. # {وإذ} أي: واذكر إذ {يعدكم الله إحدى الطائفتين} أي: العير أو النفير، ~~وإحدى ثاني مفعولي «يعدكم» وقد أبدل منها {أنها لكم} بدل اشتمال {وتودون} ~~أي: تريدون {أن غير ذات الشوكة} أي: القوة والشدة والسلاح وهي العير {تكون ~~لكم} لقلة عددها وعددها إذ لم يكن فيها إلا أربعون فارسا بخلاف النفير ~~لكثرة عددهم وعددهم. # وقرأ أبو عمرو بادغام التاء في التاء بخلاف عنه {ويريد الله أن يحق الحق} ~~أي: يظهره {بكلماته} أي: بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر ~~الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر ~~{ويقطع دابر الكافرين} أي: يستأصلهم، والمعنى أنكم تريدون أن تصيبوا مالا، ~~ولا تلقوا مكروها والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق، وما يحصل لكم من فوز ~~الدارين {ليحق الحق} أي: يثبت الإسلام {ويبطل الباطل} أي: يمحق الكفر {ولو ~~كره المجرمون} أي: المشركون ذلك. # فإن قيل: قوله تعالى: {ليحق الحق} بعد قوله: {أن يحق الحق} يشبه التكرار ~~أجيب: بأن المعنيين متباينان وذلك أن الأول لبيان المراد وما بينه وبين ~~مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول على اختيار ذات ~~الشوكة على غيرها ونصره عليها. # {إذ} أي: واذكر إذ {تستغيثون ربكم} واستغاثتهم أنهم لما عملوا أن لا محيص ~~عن القتال أخذوا يقولون ربنا انصرنا على عدوك أغثنا يا غياث المستغيثين. # وعن عمر رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام نظر إلى المشركين وهم ألف ~~وإلى أصحابه وهم ثلاثمئة أي وبضعة عشر، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو اللهم ~~أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال ~~كذلك حتى سقط رداؤه، ms0926 وأخذه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فألقاه على منكبه ~~والتزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما ~~وعدك. # وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار ذال إذ عند التاء، والباقون ~~بالإدغام، {فاستجاب لكم أني} أي: بأني فحذف الجار وسلط عليه استجاب فغصب ~~محله # PageV01P558 # {ممدكم بألف من الملائكة مردفين} أي: متتابعين يردف بعضهم بعضا، وقرأ ~~نافع بفتح الدال، وقيل: بالفتح والكسر، والباقون بالكسر، وعدهم بالألف ~~أولا، ثم صارت ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف كما في آل عمران، فقيل: نزل جبريل ~~عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر رضي الله تعالى ~~عنه، وميكائيل عليه السلام على الميسرة، وفيها علي رضي الله تعالى عنه في ~~صور الرجال عليهم عمائم بيض وثياب بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم، ~~فقاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ويوم حنين. # وروي أن أبا جهل قال لابن مسعود من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا ~~نرى شخصا؟ قال: من الملائكة، فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم. # وروي أن رجلا من المسلمين بينما هو يشتد في طلب رجل من المشركين إذ سمع ~~صوت ضربة بالسوط فوقه، فنظر إلى المشرك وقد خر مستلقيا وشق وجهه، فحدث ~~الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقت ذاك من مدد السماء ~~الثالثة، فقتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين» ، وعن أبي داود المازني تبعت ~~رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي. # وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: «قال لقد رأيتنا يوم بدر وإن ~~أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف» . # وقيل: إنهم لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا ~~فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم، فإن جبريل عليه السلام أهلك بريشة ~~من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح عليه السلام بصيحة ~~واحدة، وقيل: ms0927 يدل على هذا قوله تعالى: # {وما جعله الله إلا بشرى} لكم أي: وما جعل الإرداف بالملائكة إلا بشرى ~~لكم {ولتطمئن به قلوبكم} فيزول ما بها من الوجل لقلتكم وذلتكم، والصحيح ~~أنهم قاتلوا يوم بدر، ولم يقاتلوا فيما سواه لما تقدم {وما النصر إلا من ~~عند الله} أي: لا من عند غيره، وأما إمداد الملائكة وكثرة العدد والأهب ~~ونحوها فهي وسايط لا تأثير لها، فلا تحسبوا أن النصر منها ولا تيأسوا منه ~~بفقدها، وفي ذلك تنبيه على أن الواجب على المسلم أن لا يتوكل إلا على الله ~~تعالى في جميع أحواله، ولا يثق بغيره، فإن الله تعالى بيده النصر والإعانة. ~~{إن الله عزيز} أي: إنه تعالى قوي منيع لا يقهره شيء ولا يغلبه غالب بل هو ~~يقهر كل شيء ويغلبه {حكيم} في تدبيره ونصره ينصر من يشاء ويخذل من يشاء من ~~عباده. # {إذ} أي: واذكر إذ {يغشاكم النعاس} وهو النوم الخفيف {أمنة} أي: أمنا مما ~~حصل لكم من الخوف من عدوكم {منه} أي: من الله تعالى؛ لأنهم لما خافوا على ~~أنفسهم لكثرة عددهم وعددهم وقلة المسلمين وقلة عددهم، وعطشوا عطشا شديدا ~~ألقى الله عليهم النوم حتى حصلت لهم الراحة وزال عنهم الكلال والعطش، ~~وتمكنوا من قتال عدوهم كان ذلك النوم نعمة في حقهم؛ لأنه كان خفيفا بحيث لو ~~قصدهم العدو لعرفوا وصوله إليهم وقدروا على دفعه عنهم. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: النعاس في القتال أمنة من الله ~~تعالى، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان، وقرأ نافع بضم الياء وكسر الشين مخففة ~~وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والشين مع التخفيف فيهما، والباقون بضم ~~الياء وكسر الشين مشددة، ورفع السين من النعاس ابن كثير وأبو عمرو ونصبها # PageV01P559 # الباقون على أن الله تعالى هو الفاعل {وينزل عليكم من السماء ماء} أي: ~~مطرا {ليطهركم به} أي: من الأحداث والجنابات، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي، وذلك أن ~~المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب رمل ms0928 أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، ~~فناموا فاحتلم أكثرهم، وكان المشركون قد سبقوهم على ماء بدر، فنزلوا عليه ~~وأصبح المسلمون على غير ماء وبعضهم محدث وبعضهم جنب وأصابهم العطش، فوسوس ~~إليهم الشيطان، أو قال لهم المنافقون: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم وأنتم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم ~~تصلون محدثين، فكيف ترجون أن تظهروا على عدوكم وما ينتظرون بكم إلا أن ~~يجهدكم العطش فإذا قطع العش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا ~~بقيتكم إلى مكة؟ فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا، فأنزل الله تعالى مطرا أسال ~~منه الوادي، فشرب منه المؤمنون واغتسلوا وتوضؤوا وسقوا الدواب وملؤوا ~~الأسقية وطفىء الغبار وعظمت النعمة من الله عليهم بذلك، وكان دليلا على ~~حصول النصر والظفر وزالت عنهم وسوسة الشيطان كما قال تعالى: {ويذهب عنكم ~~رجز الشيطان} أي: وسوسة الشيطان التي ألقاها في قلوبكم، وقيل: الجنابة؛ ~~لأنها من تخييله. # فإن قيل: يلزم على هذا التكرار فإن هذا تقدم في قوله تعالى: {ليطهركم به} ~~وأجيب عنه: بأن المراد من قوله تعالى: {ليطهركم به} حصول الطهارة الشرعية ~~ومن قوله تعالى {ويذهب عنكم رجز الشيطان} أن الرجز هو عين المني، فإنه شيء ~~مستخبث، وطابت أنفسهم كما قال تعالى: {وليربط} أي: يحبس {على قلوبكم} ~~باليقين والصبر ولبدت الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام كما قال تعالى: {ويثبت ~~به الأقدام} أي: أن تسوخ في الرمل، والضمير في «به» للماء ويجوز كما قال ~~الزمخشري أن يكون للربط؛ لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبتت ~~الأقدام في مواطن القتال وقوله تعالى: # {إذ يوحي ربك} متعلق بيثبت أو بدل من «إذ يعدكم» {إلى الملائكة} أي: ~~الذين أمد بهم المسلمين وقوله تعالى: {إني} أي بأني {معكم} أي: بالعون ~~والنصرة مفعول يوحي {فثبتوا الذين آمنوا} أي: قووا قلوبهم بأن تقاتلوا ~~المشركين معهم، وقيل: بالتبشير والإعانة، فكان الملك يمشي في صورة رجل أمام ~~الصف ويقول: أبشروا فإن الله تعالى ناصركم عليهم فإنكم تعبدونه وهؤلاء لا ~~يعبدونه، وقيل: بإلقاء الإلهام ms0929 في قلوبهم كما أن للشيطان قوة في إلقاء ~~الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر ويسمى ما يلقيه الشيطان وسوسة وما يلقيه ~~الملك إلهاما. # ثم بين تعالى المعية بقوله تعالى: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} أي: ~~الخوف فلا يكون لهم ثبات وكان ذلك نعمة من الله تعالى على المؤمنين حيث ~~ألقى الخوف في قلوب المشركين، وقرأ ابن عامر والكسائي برفع العين، والباقون ~~بالسكون وقوله تعالى: {فاضربوا} خطاب للمؤمنين وللملائكة {فوق الأعناق} أي: ~~أعاليها التي هي المذابح والمفاصل والرؤوس، فإنها فوق الأعناق وقيل: المراد ~~الأعناق، وفوق صلة، أو بمعنى على أي: اضربوا على الأعناق {واضربوا منهم كل ~~بنان} قال ابن عطية: يعني: كل مفصل، وقال ابن عباس: يعني: الأطراف، والبنان ~~جمع بنانة وهي أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، وقال ابن # PageV01P560 # الأنباري: كانت الملائكة لا تعلم كيف تقاتل بني آدم فعلمهم الله تعالى: ~~قيل: إنما خصت الرأس والبنان بالذكر؛ لأن الرأس أعلى الجسد وأشرف الأعضاء، ~~والبنان أضعف الأعضاء، فيدخل في ذلك كل عضو في الجسد. # وقيل: أمرهم بضرب الرأس وبه هلاك الإنسان وبضرب البنان وبه تبطل حركته عن ~~القتال؛ لأن بالبنان يتمكن من مسك السيف والسلاح وحمله والضرب به فإذا قطع ~~بنانه تعطل ذلك كله. # {ذلك} أي: التسليط العظيم الذي وقع من القتل والأسر يوم بدر، والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد {بأنهم} أي: الذين تلبسوا بالكفر ~~{شاقوا الله} الذي لا يطاق انتقامه {ورسوله} أي: خالفوهما في الأوامر ~~والنواهي والمشاقة المخالفة وأصلها المجانبة كأنهم صاروا في شق وجانب غير ~~الذي يرضيانه {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} له فإن الذي ~~أصابهم في ذلك اليوم من الأسر والقتل شيء قليل في جنب ما أعد الله تعالى ~~لهم من العقاب يوم القيامة، وقوله تعالى: # {ذلكم} خطاب للكفرة على طريق الالتفات من الغيبة في شاقوا أي: ذلكم الذي ~~عجل لكم ببدر من القتل والأسر {فذوقوه} عاجلا {وأن للكافرين} آجلا في ~~الآخرة {عذاب النار} ووضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على ms0930 أن الكفر سبب ~~للعاجل والآجل. # {يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي: مجتمعين كأنهم ~~لكثرتهم يزحفون أي: يدبون دبيبا من زحف الصبي إذا دب على استه قليلا قليلا ~~سمي به، وجمع على زحوف، وانتصابه على الحال وهو مصدر موصوف به كالعدل ~~والرضا ولذلك لم يجمع {فلا تولوهم الأدبار} أي: منهزمين منهم وإن كنتم أقل ~~منهم. # {ومن يولهم يومئذ} أي: يوم لقائهم {دبره} أي: يجعل ظهره إليهم منهزما ~~{إلا متحرفا} أي: منعطفا {لقتال} بأن يريهم أنه منهزم خداعا ثم يكر عليهم ~~وهو باب من مكايد الحرب {أو متحيزا} منضما وصائرا {إلى فئة} أي: جماعة أخرى ~~من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها على القرب يستنجد بها. # ومنهم من لا يعتبر القرب لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان ~~في سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففروا إلى المدينة فقلت: يا ~~رسول الله نحن الفرارون، فقال: «بل أنتم العكارون» وفي رواية «الكرارون» ~~أي: المتعاطفون إلى الحرب، وأنا فئتكم. # وانهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: ~~يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف، فقال عمر: أنا فئتك {فقد باء} أي: ~~رجع {بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} أي: المرجع هي، وعن ابن عباس ~~أن الفرار من الزحف من أكبر الكبائر هذا إذا لم يزد العدد على الضعف لقوله ~~تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} (الأنفال، 66) # وقيل: هذا في أهل بدر خاصة؛ لأنه ما كان يجوز لهم الانهزام يوم بدر؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم قاله مجاهد. ولما انصرف المسلمون من ~~قتال بدر كان الرجل يقول: أنا قتلت فلانا، ويقول الآخر: أنا قتلت فلانا، ~~فنزل قوله تعالى: # {فلم تقتلوهم} أي: بقوتكم {ولكن الله قتلهم} أى: بنصره إياكم بأن هزمهم ~~لكم. # قال البيضاوي تبعا للزمخشري: والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم ~~بقتلهم، فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، اه. ورده ابن هشام بأن الجواب المنفي ms0931 ~~بلم لا تدخل عليه الفاء، واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # PageV01P561 # {وما رميت} يا محمد {إذ رميت ولكن الله رمى} على ثلاثة أقوال: الأول وهو ~~قول أكثر المفسرين نزلت في يوم بدر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما ندب إلى قتال بدر نزلوا بدرا ووردت عليهم رواد قريش وفيهم أسلم غلام ~~أسود لبني الحجاج وأبو يسار غلام لبني العاصي بن سعد، فأتوا بهما إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: أين قريش؟ فقالا: هم وراء هذا الكثيب ~~الذي بالعدوة القصوى الكثيب العقنقل، وهو الكثيب العظيم المتداخل الرمل، ~~قاله الجوهري، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «كم القوم؟» قالا: ~~كثير، قال: ما عدتهم، قالا: لا ندري، قال: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يوما ~~عشرة ويوما تسعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القوم ما بين ~~التسعمائة إلى الألف، ثم قال لهما: «فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة ~~بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وأبو جهل بن هشام وعدا جماعة ~~أخرى، فقال صلى الله عليه وسلم «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» فلما ~~طلعت قريش من العقنقل قال عليه الصلاة والسلام: «هذه قريش جاءت بخيلائها ~~وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني» فأتاه جبريل عليه السلام، ~~وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان قال لعلي رضي ~~الله # عنه: «أعطني قبضة من حصباء الوادي» فرمى بها في وجوههم وقال: «شاهت ~~الوجوه» أي: قبحت، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخره، فانهزموا ~~وردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، والمعنى إن الرمية التي رميتها بلغ ~~أثرها إلى ما لا يبلغه أثر البشر لكونها كانت برمي الله حيث أثرت ذلك الأثر ~~العظيم؛ لأن كفا من الحصباء لا يملأ عيون # الجيش الكثير برمية البشر فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأن صورتها وجدت منه ونفاها عنه؛ لأن أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله ~~تعالى، فكان الله ms0932 تعالى هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أصلا. # القول الثاني: إنها نزلت يوم خيبر، روي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ قوسا ~~وهو على باب خيبر، فرمى سهما، فأقبل السهم حتى قتل لبابة بن أبي الحقيق وهو ~~على فرسه فنزلت. # القول الثالث: إنها نزلت في يوم أحد في قتل أبي بن خلف، وذلك إنه أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وفتته وقال: يا محمد من يحيي هذه وهي ~~رميم؟ فقال صلى الله عليه وسلم «يحييه الله، ثم يميتك، ثم يحييك ثم يدخلك ~~النار» فأسر يوم بدر، فلما افتدي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~عندي فرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» فلما كان يوم أحد أقبل ~~أبي يركض على ذلك الفرس حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترض له ~~رجال من المسلمين ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «استأخروا» ~~ورماه بحربة كسر ضلعا من أضلاعه، فمات ببعض الطريق فنزلت، والأصح الأول ~~وإلا أدخل في أثناء القصة كلاما أجنبيا عنها، وذلك لا يليق، وقال الرازي: ~~لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: {ولكن الله قتلهم} ، {ولكن الله رمى} ~~بكسر النون مخففة ورفع الهاء من اسم الله فيهما والباقون بفتح النون مشددة ~~ونصب الهاء وقوله تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} معطوف على قوله ~~تعالى: {ولكن الله # PageV01P562 # رمى} أي: ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة، ثم ختم الله تعالى ~~هذه الآية بقوله تعالى: {إن الله سميع} لأقوالكم {عليم} بأحوال قلوبكم وهذا ~~جرى مجرى التحذير والترهيب؛ لئلا يغتر العبد بظواهر الأمور ويعلم أن الخالق ~~تعالى يطلع على ما في الضمائر والقلوب، وقوله تعالى: # {ذلكم} إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع أي: الغرض ذلكم، وقوله ~~تعالى: {وإن الله ms0933 موهن كيد الكافرين} معطوف على «ذلكم» أي: المقصود إبلاء ~~المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الواو وتشديد الهاء وتنوين النون ~~ونصب الدال، وقرأ حفص بسكون الواو وتخفيف الهاء وعدم تنوين النون وخفض ~~الدال والباقون بسكون الواو وتخفيف الهاء مع تنوين النون ونصب الدال وقوله ~~تعالى: # {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} أكثر المفسرين على أنه خطاب للكفار. # روي أن أبا جهل لعنه الله قال يوم بدر: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأفجر ~~فأهلكه الغداة، وقال السدي: إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا ~~بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى القبيلتين وأكرم ~~الحزبين بأفضل الدين، فأنزل الله تعالى هذه الآية أي: «إن تستنصروا لأهدى ~~القبلتين وتستقضوا، فقد جاءكم النصر والقضاء بهلاك من هو كذلك، وهو أبو ~~جهل، ومن قتل معه دون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. # وقيل: خطاب للمؤمنين وذلك إنه صلى الله عليه وسلم لما رأى المشركين وكثرة ~~عددهم وعددهم استغاث بالله تعالى وطلب ما وعده الله تعالى به من إحدى ~~الطائفتين، وتضرع إلى الله تعالى، وكذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقال ~~تعالى: {إن تستفتحوا} أي: إن تطلبوا النصر الذي تقدم به الوعد فقد جاءكم ~~الفتح أي: حصل ما وعدتم فاشكروا الله تعالى والزموا الطاعة. # قال القاضي عياض: وهذا القول أولى؛ لأن قوله تعالى: {فقد جاءكم الفتح} لا ~~يليق إلا بالمؤمنين، اه. # وقال البيضاوي إنه خطاب لأهل مكة عن سبيل التهكم اه. ويدل له قوله تعالى: ~~{وإن تنتهوا} أي: عن الكفر ومعاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فهو خير ~~لكم} أي: لتضمنه سلامة الدارين وخير المنزلتين {وإن تعودوا} أي: لقتال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {نعد} أي: لنصرته عليكم {ولن تغني} أي: تدفع ~~{عنكم فئتكم} أي: جماعتكم {شيئا} ؛ لأن الله تعالى على الكافرين فيخذلهم ~~{ولو كثرت} فئتكم {وإن الله مع المؤمنين} بالنصر والمعونة، وقرأ نافع وابن ~~عامر وحفص بفتح الهمزة على ولأن الله تعالى والباقون بالكسر على الاستئناف. ms0934 # {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا} أي: تعرضوا {عنه} أي: ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره، فإن المراد من الآية الأمر بطاعته ~~والنهي عن الإعراض عنه، وذكر طاعة الله للتوطئة والتنبيه على أن طاعة الله ~~في طاعة الرسول لقوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء، 80) # وقيل: الضمير للجهاد {وأنتم تسمعون} أي: القرآن والمواعظ سماع فهم ~~وتصديق. # {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا} أي: بألسنتهم {وهم لا يسمعون} سمعا ~~ينتفعون به، وهذه صفة المنافقين. # {إن شر الدواب عند الله} أي: إن شر من دب على وجه الأرض من خلق الله عنده ~~{الصم} عن سماع الحق {البكم} عن النطق بالحق فلا يقولونه {الذين لا يعقلون} ~~أمر الله، وسماهم دواب # PageV01P563 # لقلة انتفاعهم بعقولهم كما قال تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل} ~~(الأعراف، 179) # قال ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار بن قصي كانوا يقولون: نحن صم بكم ~~عما جاء به محمد، فقتلوا جميعا بأحد وكانوا أصحاب اللواء، ولم يسلم منهم ~~إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة. # {ولو علم الله فيهم خيرا} أي: سعادة كتبت لهم أو انتفاعا بالآيات ~~{لأسمعهم} سماع تفهم {ولو أسمعهم} على سبيل الفرض، وقد علم أن لا خير فيهم ~~{لتولوا} عنه ولم ينتفعوا به وارتدوا عن التصديق والقبول {وهم معرضون} ~~لعنادهم وجحودهم الحق بعد ظهوره، وقيل: إنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحي لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا يشهد لك بالنبوة، فنؤمن ~~بك، فقال الله تعالى: ولو أسمعهم كلام قصي لتولوا وهم معرضون. # {ياأيها الذين آمنوا استجيبوا وللرسول} أي: أجيبوهما بالطاعة، ووحد ~~الضمير في قوله تعالى: {إذا دعاكم} ؛ لأن دعوة الله تعالى تسمع من الرسول ~~صلى الله عليه وسلم # روى الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب وهو يصلي فدعاه، ~~فعجل في صلاته ثم جاء، فقال له صلى الله عليه وسلم «ما منعك عن إجابتي؟» ~~قال: كنت أصلي، قال: «ألم تجد فيما أوحي إلي {استجيبوا ms0935 وللرسول} ؟ ويؤخذ من ~~ذلك أن إجابته صلى الله عليه وسلم بالقول: لا تقطع الصلاة، وهو كذلك، بل ~~ولا بالفعل الكثير كما قاله بعض أصحابنا، وهو ظاهر الحديث أيضا. # ولما كان اجتناء ثمرة الطاعة في غاية القرب منه نبه على ذلك باللام دون ~~إلى فقال: {لما يحييكم} من العلوم الدينية فإنها حياة القلوب والجهل موتها، ~~قال أبو الطيب: # *لا تعجبن الجهول حليته ... فذاك ميت وثوبه كفن* # أو مما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد، وقال السدي: ~~هو الإيمان؛ لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان، وقال ابن إسحق: هو الجهاد ~~أعزكم الله تعالى به بعد الذل، وقال العتبي: هو الشهادة لقوله تعالى: {بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران، 169) # {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} أي: إنه يميته فتفوته الفرصة ~~التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليما ~~كما يرده الله تعالى، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ~~ورسوله. # وقال الضحاك: يحول بين المرء المؤمن والمعصية وبين الكافر والطاعة، وقال ~~السدي: يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه، ~~وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه، فلا يعقل ولا يدري ما يعمل. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قالوا: يا رسول الله ~~آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: «القلوب بين إصبعين من أصابع ~~الله يقلبها كيف يشاء» {وإنه} أي: واعلموا أنه تعالى: {إليه تحشرون} لا إلى ~~غيره فلا تتركوا مهملين معطلين فيجازيكم بأعمالكم وفي هذا تشديد في العمل ~~وتحذير عن الكسل والغفلة. # {واتقوا فتنة} أي: ذنبا، قيل: هو إقرار المنكر بين أظهرهم، وقيل: افتراق ~~الكلمة، وقيل: فتنة عذابا، وقوله تعالى: {لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ~~جواب الأمر، والمعنى إن إصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة، ولكنها تعمكم، ~~كما يحكى إن علماء بني إسرائيل لم ينهوا عن ms0936 المنكر، فعمهم الله تعالى ~~بالعذاب. # فإن قيل: كيف جاز أن تدخل # PageV01P564 # النون المؤكدة في جواب الأمر؟ أجيب: بأن فيه معنى النهي كقولك: انزل عن ~~الدابة لا تطرحك ولا تطرحنك، وكقوله تعالى: {يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان} (النمل، 18) # {واعلموا أن الله شديد العقاب} لمن خالفه. # {واذكروا} يا معاشر المهاجرين {إذ أنتم} في أوائل الإسلام {قليل} أي: ~~عددكم {مستضعفون} أي: لا منعة لكم {في الأرض} أي: أرض مكة، وإطلاقها لأنها ~~لعظمها كأنها هي الأرض كلها، أو لأن حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها ~~أو قريبا من ذلك، ولهذا عبر بالناس في قوله تعالى: {تخافون أن يتخطفكم ~~الناس} أي: تأخذكم الكفار بسرعة كما تتخطف الجوارح الصيد {فآواكم} إلى ~~المدينة، أو جعل لكم مأوى تتحصنون فيه على أعدائكم {وأيدكم} أي: قواكم ~~{بنصره} أي: بإمداد الملائكة يوم بدر، وبمظاهرة الأنصار {ورزقكم من ~~الطيبات} أي: الغنائم أحلها لكم، ولم يحلها لأحد قبلكم {لعلكم تشكرون} هذه ~~النعم العظيمة. # {يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} أي: بأن تضمروا خلاف ما ~~تظهرون. # روي أنه صلى الله عليه وسلم حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، ~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير ~~على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من الشام فأبى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا ~~وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة واسمه رفاعة، أو مروان بن عبد المنذر وكان ~~مناصحا لهم؛ لأن ماله وعياله عندهم، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليهم، فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو ~~لبابة بيده إلى حلقه إنه الذبح أي: حكم سعد هو القتل، فلا تفعلوا، فقال أبو ~~لبابة: والله ما زالت قدماي من مكانهما حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، ~~ثم انطلق على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشد نفسه على ~~سارية من سواري المسجد ms0937 وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو ~~يتوب الله علي، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما لو جاءني ~~لاستغفرت له، وأما إذ فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب الله تعالى عليه، ~~فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله ~~عليه، فقيل له: قد تيب عليك فحل نفسك، فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده فقال: إن من ~~تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي، فقال ~~له صلى الله عليه وسلم «يجزيك الثلث أن تتصدق به» فنزلت هذه الآية. # وعن المغيرة نزلت في قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعن جابر بن عبد ~~الله أن أبا سفيان خرج من مكة، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم خروجه وعزم ~~الذهاب إليه، فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم، ~~فنزلت، وقيل: معنى لا تخونوا الله بأن لا تعطلوا فرائضه، ورسوله بأن لا ~~تستنوا به، وأصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء التمام، واستعماله في ضد ~~الأمانة لتضمنه إياه، وقوله تعالى: {وتخونوا أماناتكم} أي: ما إئتمنتم عليه ~~من الدين وغيره مجزوم بالعطف على الأول أي: ولا تخونوا، أو منصوب بأن مضمرة ~~بعد الواو على جواب النهي أي: لا تجمعوا بين الخيانتين كقوله: # *لا تنه عن خلق وتأتي مثله* # {وأنتم تعلمون} # PageV01P565 # أنكم تخونون أي: وأنتم علماء مميزون الحسن من القبيح. # {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي: محنة من الله تعالى ليبلوكم ~~فيهم، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة؛ لأنه يشغل القلب بالدنيا ~~ويصيره حجابا عن خدمة المولى. # ثم إنه تعالى نبه بقوله تعالى: {وإن الله عنده أجر عظيم} على أن سعادات ~~الآخرة خير من سعادات الدنيا؛ لأنها أعظم في الشرف، وأعظم في القوة، وأعظم ~~في المدة؛ لأنها تبقى بقاء لا نهاية له فهذا هو المراد ms0938 من وصف الله الأجر ~~الذي عنده بالعظم. # قال الرازي: ويمكن أن يتمسك بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل ~~أفضل من الاشتغال بالنكاح؛ لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند ~~الله، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد، ويوجب الحاجة إلى المال، وذلك فتنة، ~~ومعلوم أن ما يفضي إلى الأجر العظيم عند الله هو خير مما يفضي إلى الفتنة، ~~اه. لكن محله في غير المحتاج إلى النكاح الواجد أهبته، وإلا فالنكاح حينئذ ~~أفضل وأولى من التخلي للعبادة. # ولما حذر الله تعالى عن الفتنة بالأموال والأولاد رغب في التقوى التي ~~توجب ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد بقوله: # {يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله} أي: بالأمانة وغيرها {يجعل لكم ~~فرقانا} أي: هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل {ويكفر عنكم ~~سيآتكم} أي: يسترها ما دمتم على التقوى {ويغفر لكم} أي: يمح ما كان منكم ~~غير صالح عينا وأثرا، وقيل: السيآت الصغائر، والذنوب الكبائر، وقيل: المراد ~~ما تقدم وما تأخر؛ لأنها في أهل بدر، وقد غفر الله تعالى لهم، وقوله تعالى: ~~{وا ذو الفضل العظيم} تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه ~~وإحسان، وإنه ليس مما توجبه تقواهم عليه كالسيد إذا وعد عبده إنعاما على ~~عمله. # ولما ذكر سبحانه وتعالى المؤمنين بنعمه عليهم بقوله تعالى: {واذكروا إذ ~~أنتم قليل} إلى آخره، عطف عليه قوله تعالى: # {وإذ يمكر بك الذين كفروا} فذكر رسوله الله صلى الله عليه وسلم نعمه ~~عليه، وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين عنه، وهذه السورة مدنية، وهذا ~~المكر كان بمكة، ولكن الله تعالى ذكره بالمدينة مكر قريش به حين كان بمكة ~~ليشكر نعمة الله تعالى عليه في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم، وكان ذلك ~~المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من المفسرين إن قريشا لما أسلمت الأنصار ~~وبايعوه فرقوا أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعت رؤساؤهم ~~كأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي سفيان وهشام بن عمرو وطعيمة بن عدي ~~والنضر بن ms0939 الحرث وأبي البحتري بن هشام في دار الندوة متشاورين في أمره صلى ~~الله عليه وسلم فدخل عليهم إبليس لعنه الله تعالى في صورة شيخ، فلما رأوه ~~قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم ولن ~~تعدموا مني رأيا ونصحا قالوا: ادخل فدخل، فقال أبو البحتري: رأيي أن تحبسوه ~~في بيت وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ~~ريب المنون حتى يهلك مثل ما هلك من قبله من الشعراء، فصرخ عدو الله النجدي ~~وقال: بئس الرأي رأيتم والله لئن حبستموه في بيت ليأتينكم من يقاتلكم من ~~قومه ويخلصه من أيديكم قالوا: صدق الشيخ # PageV01P566 # النجدي، فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين ~~أظهركم، فلا يضركم ما صنع واسترحتم، فقال النجدي: بئس الرأي تعمدون إلى رجل ~~قد أفسد سفهاءكم، فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم، ألم تروا إلى حلاوة منطقه ~~وطلاوة لسانه وأخذ القلوب ما يسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ذلك فيذهب ~~ويستميل قلوب قوم، ثم يسير بهم إليكم ويخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق والله ~~الشيخ النجدي، فقال أبو جهل لعنه الله تعالى: والله لأشيرن عليكم برأي لا ~~رأي غيره، إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا وتعطوه سيفا صارما، ~~فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا تقوى بنو هاشم على # حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا، فقال إبليس الملعون: ~~صدق هذا الفتى هو أجودكم رأيا القول ما قال لا أرى غيره، فتفرقوا على قول ~~أبي جهل مجمعين على قتله، فأتى جبريل عليه الصلاة والسلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن ~~الله تعالى له عند ذلك بالخروج إلى المدينة فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عليا رضي الله عنه فنام في مضجعه، وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص ~~إليك أمر تكرهه، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ ms0940 قبضة من تراب، وأخذ ~~الله تعالى أبصارهم عنه، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ: {إنا ~~جعلنا في أعناقهم أغلالا} إلى قوله تعالى: {فهم لا يبصرون} (يس، 9) # ومضى إلى الغار هو وأبو بكر، وخلف عليا بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي ~~كانت بمكة عنده، وكانت الودائع تودع عنده لصدقه وأمانته، وبات المشركون ~~يحرسون عليا على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون إنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلما أصبحوا بادروا إليه فرأوا عليا، فقالوا له: وأين ~~صاحبك؟ فقال: لا أدري، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه، فلما بلغوا الغار، ~~رأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم تكن تنسج العنكبوت على ~~بابه فمكث فيه ثلاثا، ثم قدم المدينة وأبطل الله مكرهم، وهذا معنى قوله ~~تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} {ليثبتوك} أي: يوثقوك ويحبسوك {أو ~~يقتلوك} كلهم قتلة رجل واحد {أو يخرجوك} من مكة {ويمكرون} بك {ويمكر الله} ~~أي: يرد مكرهم عليهم بتدبير أمرك بأن أوحي إليك ما دبروه، وأمرك بالخروج ~~إلى المدينة، وأخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم ~~فقتلوا {وا خير الماكرين} أي: أعلمهم به، فلا ينفذ مكرهم دون مكره. # قال البيضاوي: وإسناد أمثال هذا إنما يحسن للمزاوجة، ولا يجوز إطلاقها ~~ابتداء لما فيه من إيهام الذم، اه. # واعترض عليه بأنه لا يتعين في مثل ذلك المشاكلة بل يجوز أن يكون ذلك ~~استعارة؛ لأن إطلاق المكر على إخفاء الله تعالى ما أوعده لمن استوجبه إن ~~جعل باعتبار أن صورته تشبه صورة المكر فاستعارة، أو باعتبار الوقوع في صحبة ~~مكر العبد فمشاكلة، وعلى هذا لا يحتاج كما قال الطيبي إلى وقوعه في صحبة ~~مكر العبد قال: ومنه قول علي رضي الله عنه: من وسع الله تعالى عليه في ~~دنياه ولم يعلم إنه مكر به فهو مخدوع في عقله. # {وإذا تتلى عليهم آياتنا} أي: القرآن {قالوا} أي: هؤلاء الذين ائتمروا في ~~أمره صلى الله عليه وسلم {قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} وهذا غاية ms0941 ~~مكابرتهم، وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا ذلك لفعلوه وإلا فما منعهم # PageV01P567 # لو كانوا مستطيعين، وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم ~~يعارضوا بسورة مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصا في باب البيان، ~~وقيل: قائله النضر بن الحرث المقتول صبرا؛ لأنه كان يأتي الحيرة يتجر ~~فيشتري كتب أخبار العجم ويحدث بها أهل مكة، وإسناده إلى الجميع إسناد ما ~~فعله رئيس القوم إليهم، فكأنه كان قاضيهم، وقد أسره المقداد يوم بدر، فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فقال المقداد: أسيري يا رسول الله؟ فقال: ~~«إنه كان يقول في كتاب الله تعالى ما يقول» فعاد المقداد لقوله، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم «اللهم أغن المقداد من فضلك» فقال: ذاك الذي أردت يا ~~رسول الله فقتله النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدت أخته: # *ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق* # فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه» ~~{إن} أي: ما {هذا} أي: القرآن {إلا أساطير الأولين} أي: أخبار الأمم ~~الماضية وأسماؤهم، وما سطر الأولون في كتبهم، والأساطير جمع أسطورة وهي ~~المكتوبة من قولهم سطرت أي: كتبت وقيل: أساطير جمع أسطور وأسطار جمع سطر. # {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا} أي: الذي يقرؤه محمد {هو الحق} المنزل {من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} أي: مؤلم على ~~إنكاره غير الحجارة قاله النضر وغيره، استهزاء وإيهاما أنه على بصيرة وجزم ~~ببطلانه. # وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا ~~عليهم امرأة قال: أجهل من قومي قومك قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك} الآية، وما قالوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه. # فإن قيل: قد حكى الله تعالى هذه المقالة عن الكفار، وهي من حسن نظم ~~القرآن، فقد حصلت المعارضة في هذا القدر، وأيضا حكي عنهم أنهم قالوا في ~~سورة بني إسرائيل، وقالوا: {لن نؤمن لك حتى ms0942 تفجر لنا من الأرض ينبوعا} ~~(الإسراء، 90) # الآية، وذلك أيضا كلام الكفار، فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ~~وذلك يدل على حصول المعارضة، أجيب: بأن الإتيان بهذا القدر لا يكفي في حصول ~~المعارضة؛ لأنه كلام قليل لا تظهر فيه وجوه المعارضة والفصاحة والبلاغة؛ ~~لأن أقل ما وقع به التحدي سورة أو قدرها قال الله تعالى: # {وما كان الله ليعذبهم} أي: بما سألوه {وأنت فيهم} أي: لأن العذاب إذا ~~نزل عم، ولم يعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها {وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون} أي: وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن ~~تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين. # وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كان في هذه الأمة أمانان أما النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقد مضى وأما الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم القيامة، ~~فاللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد بعضهم كما يقال قدم أهل البلدة الفلانية ~~على القتال والمراد بعضهم. # {وما لهم أن لا يعذبهم الله} بالسيف بعد خروجك والمستضعفين، فنفى تعالى ~~في الآية أنه لا يعذبهم ما دام الرسول والمؤمنون فيهم، وذكر في هذه الآية ~~أنه يعذبهم إذا خرجوا من بينهم، وقال الحسن: الآية الأولى منسوخة بهذه، ورد ~~بأن الأخبار لا يدخلها النسخ، واختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم: لحقهم ~~هذا العذاب المتوعد به يوم بدر، وقيل: يوم فتح مكة، وقال ابن عباس: هذا ~~العذاب هو عذاب # PageV01P568 # الآخرة، والعذاب الذي نفي عنهم هو عذاب الدنيا، ثم بين تعالى ما لأجله ~~يعذبهم، فقال: {وهم يصدون} أي: يمنعون النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ~~{عن المسجد الحرام} أن يطوفوا به وذلك عام الحديبية، ونبه تعالى على أنهم ~~يصدونهم لادعائهم أنهم أولياؤه، فكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، ~~فنصد من نشاء وندخل من نشاء، ثم بين تعالى بطلان هذه الدعوى بقوله تعالى: ~~{وما كانوا أولياءه} كما زعموا {إن} أي: ما {أولياؤه إلا المتقون} أي: ~~الذين يتحرزون عن المنكرات الذين لا يعبدون ms0943 فيه غيره، وقيل: الضميران لله ~~{ولكن أكثرهم} أي: الناس {لا يعلمون} أن لا ولاية لهم عليه وكأنه نبه ~~بالأكثر على أن منهم من يعلم ويعاند، أو أراد به الكل كما يراد بالقلة ~~العدم. # {وما كان صلاتهم عند البيت} أي: دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة، أو ما يضعون ~~موضعها {إلا مكاء} أي: صفيرا {وتصدية} أي: تصفيقا، قال ابن عباس: كانت قريش ~~يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون. # وقال مجاهد: كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الطواف ويستهزؤون به، ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون، ويخلطون عليه ~~طوافه وصلاته، فالمكاء جعل الأصابع في الشدق، والتصدية الصفير، وقال مقاتل: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد الحرام قام رجلان عن يمينه ~~ورجلان عن يساره يصفران ويصفقان ليخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلاته {فذوقوا العذاب} أي: عذاب القتل والأسر ببدر في الدنيا، وعذاب النار ~~في الآخرة {بما} أي: بسبب ما {كنتم تكفرون} اعتقادا وعملا. ولما ذكر تعالى ~~عبادة الكفار البدنية، وهي المكاء والتصدية، ذكر عقبه عبادتهم المالية التي ~~لا جدوى لها في الآخرة بقوله تعالى: # {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم} في حرب النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ليصدوا عن سبيل الله} أي: ليصرفوا عن دين الله تعالى نزلت في المطعمين يوم ~~بدر، وكانوا إثني عشر رجلا منهم: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ~~وكلهم من قريش، وكان يطعم كل واحد منهم أيام بدر عشر جزائر، أو في أبي ~~سفيان استأجر يوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش أي: اتخذه جيشا، وأنفق ~~عليهم أربعين أوقية، والأوقية اثنان وأربعون مثقالا، أو في أصحاب العير، ~~فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم: أعينوا بهذا المال على حرب محمد لعلنا ~~ندرك ثأرنا ففعلوا {فسينفقونها ثم تكون} أي: عاقبة الأمر {عليهم حسرة} أي: ~~ندامة لفواتها وفوات ما قصدوه {ثم يغلبون} أي: آخر الأمر وإن كان الحرب ~~بينهم سجالا قبل ذلك كما اتفق لهم في بدر، فإنهم أنفقوا ms0944 مع الكثرة والقوة، ~~ولم يغن عنهم شيء من ذلك بل كان وبالا عليهم فإنه كان سببا لجراءتهم حتى ~~قدموا فما كان في الحقيقة إلا قوة للمؤمنين {والذين كفروا} أي: ثبتوا على ~~الكفر {إلى جهنم يحشرون} أي: يساقون إليها يوم القيامة فهم في خزي في ~~الدنيا والأخرة. # فإن قيل: لم لم يقل تعالى: وإلى جهنم يحشرون؟ أجيب: بأنه أسلم منهم جماعة ~~كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وحكيم بن حزام، بل ذكر أن الذين ثبتوا ~~على الكفر يكونون كذلك. # {ليميز الله الخبيث} أي: الفريق الكافر {من الطيب} أي: من الفريق المؤمن ~~{ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا} أي: يجمعه متراكما بعضه على بعض # PageV01P569 # كقوله تعالى: {كادوا يكونون عليه لبدا} (الجن، 19) # أي: لفرط ازدحامهم، وقيل: ليميز المال الخبيث الذي أنفقه الكافر على ~~عداوة محمد صلى الله عليه وسلم من المال الطيب الذي أنفقه المؤمن في جهاد ~~الكفار كإنفاق أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما في نصرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيركمه جميعا {فيجعله في جهنم} في جملة ما يعذبون به كقوله تعالى: ~~{فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} (التوبة، 35) # الآية، واللام على هذا متعلقة بتكون من قوله تعالى: {ثم تكون عليهم حسرة} ~~وعلى الأول متعلقة بيحشرون أو يغلبون. # وقرأ {ليميز} حمزة والكسائي بضم الياء الأولى وفتح الميم وتشديد الياء ~~الثانية مع الكسر والباقون بفتح الياء الأولى وكسر الميم وسكون الياء ~~الثانية، وقوله تعالى: {أولئك} إشارة إلى الذين كفروا {هم الخاسرون} أي: ~~الكاملون في الخسران؛ لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم. # ولما بين تعالى ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى طريق ~~الصواب. # فقال: {قل} يا محمد {للذين كفروا} كأبي سفيان وأصحابه {إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف} أي: قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عن الكفر وقتال ~~النبي صلى الله عليه وسلم يغفر لهم ما قد سلف من ذلك ولو كان بمعنى خاطبهم ~~به لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم {وإن يعودوا} أي: إلى الكفر ومعاداة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms0945 {فقد مضت سنة الأولين} أي: بإهلاك أعدائه ونصر أنبيائه ~~وأوليائه وأجمع العلماء على أن الإسلام يجب ما قبله، واختلفوا هل الكافر ~~الأصلي مخاطب بفروع الشريعة؟ وهل يسقط عن المرتد ما مضى في حال ردته ~~كالكافر الأصلي كما هو ظاهر الآية؟ وهل الردة تحبط ما مضى من العبادات ~~قبلها، ذهب أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه إلى أنه مخاطب بدليل قوله ~~تعالى: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين} (المدثر، الآيات: 42 43) # الآية، وأن المرتد لا تسقط عنه العبادات الفائتة في الردة تغليظا عليه، ~~وأن الردة لا تحبط ما مضى، وقد تقدم الكلام على ذلك في المائدة، وعن يحيى ~~بن معاذ أنه قال: توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر أرجو أن لا يعجز عن ~~هدم ما بعده من ذنب. # ولما بين تعالى أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران، وإن ~~عادوا فهم متوعدون سنة الأولين أتبعه بالأمر بقتالهم إذا أصروا، فقال ~~تعالى: # {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي: شرك كما قاله ابن عباس، وقال الربيع: ~~حتى لا يفتن أحدكم عن دينه؛ لأن المؤمنين كانوا يفتنون عن دين الله في مبدأ ~~الدعوة، فافتتن من المسلمين بعضهم، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يخرجوا إلى الحبشة، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيعة العقبة توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم، ~~فأصاب المؤمنين جهد شديد، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة ~~{ويكون الدين كله} خالصا {} تعالى وحده لا يعبد غيره {فإن انتهوا} عن الكفر ~~{فإن الله بما يعملون بصير} أي: فيجازيهم به. # {وإن تولوا} عن الإيمان {فاعلموا أن الله مولاكم} أي: ناصركم ومتولي ~~أموركم {نعم المولى} هو فإنه لا يضيع من تولاه {ونعم النصير} أي: الناصر، ~~فلا يغلب من ينصره فمن كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته كان آمنا ~~من الآفات مصونا عن المخالفات. # {واعلموا أنما غنمتم} أي: أخذتم من الكفار ms0946 الحربيين # PageV01P570 # {من شيء} مما يقع عليه اسم شيء مما هو لهم ولو اختصاصا {فإن خمسه ~~وللرسول} . # واعلم أن الغنيمة والفيء إسمان لما يصيبه المسلمون من الحربيين والصحيح ~~أنهما مختلفان، فالفيء ما حصل لنا مما هو لهم بلا إيجاف كجزية وعشر تجارة ~~وما جلوا عنه ولو لغير خوف كضر أصابهم، وتركه مرتد وكافر معصوم بلا وارث، ~~وكذا الفاضل عن وارث له غير حائز وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى عند قوله ~~تعالى: {ما أفاء الله على رسوله} (الحشر، 7) ، وأما الغنيمة فهي ما حصل لنا ~~منهم مما هو لهم بإيجاف أو سرقة أو التقاط، وكذا ما انهزموا عنه عند التقاء ~~الصفين، ولو قبل شهر السلاح، أو أهداه الكافر لنا والحرب قائمة، ولم تحل ~~الغنائم لأحد قبل الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالا جمعوه، فتأتي ~~نار من السماء تأخذه، ثم أحلت للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت في صدر ~~الإسلام له خاصة؛ لأنه كالمقاتلين كلهم نصرة وشجاعة بل أعظم، ثم نسخ ذلك ~~واستقل الأمر على أنها تجعل خمسة أقسام متساوية، ويؤخذ خمس رقاع ويكتب على ~~واحدة لله أو للمصالح وعلى أربع للغانمين، ثم تدرج في بنادق مستوية، ويخرج ~~لكل خمس رقعة، فما خرج لله أو للمصالح جعل بين أهل الخمس على خمسة أصناف، ~~وهو النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه وذكر الله تعالى في الآية للتبرك، ~~وأما ما كان له صلى الله عليه وسلم فهو لمصالح المسلمين كسد الثغور وأرزاق ~~علماء بعلوم تتعلق بمصالحنا كتفسير وفقه وحديث، والصنف الثاني: ما ذكره ~~الله تعالى بقوله: {ولذي القربى} أي: قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من ~~بني هاشم وبني المطلب دون من عداهم لاقتصاره صلى الله عليه وسلم في القسم ~~عليهم مع سؤال غيرهم من بني عمهم نوفل وعبد شمس له لقوله صلى الله عليه ~~وسلم «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه» فيعطون ولو ~~أغنياء، ويفضل الذكر على الأنثى كالإرث؛ لأنه عطية من الله تعالى تستحق ~~بقرابة الأب كالإرث، ms0947 فلا يعطي أولاد البنات من بني هاشم والمطلب شيئا؛ لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبير وعثمان # مع أن أم كل واحد منهما كانت هاشمية. # والصنف الثالث: ما ذكره الله تعالى بقوله: {واليتامى} اليتيم صغير ولو ~~أنثى لخبر: «لا يتم بعد احتلام» لا أب له وإن كان له أم وجد، ومن فقد أمه ~~فقط يقال له: منقطع، واليتيم في البهائم من فقد أمه، وفي الطير من فقد أباه ~~وأمه. # والصنف الرابع: ما ذكره الله تعالى بقوله: {والمساكين} الصادقين بالفقراء ~~والمسكين من له مال أو كسب لائق به يقع موقعا من كفايته ولا يكفيه العمر ~~الغالب، وقيل: سنة كمن يملك أو يكسب سبعة أو ثمانية ولا يكفيه إلا عشرة، ~~والفقير من لا مال له أو له ذلك ولا يقع موقعا من كفايته كمن يحتاج إلى ~~عشرة، ولا يملك أو لا يكتسب إلا درهمين أو ثلاثة. والخامس: ما ذكره الله ~~تعالى بقوله: {وابن السبيل} وهو المسافر المحتاج، ولا معصية بسفره والأخماس ~~الأربعة الباقية للغانمين، وهم من حضر القتال ولو في أثنائه بنية القتال ~~وإن لم يقاتل أو حضر بلا نية وقاتل كأجير لحفظ أمتعة وتاجر ومحترف، وقوله ~~تعالى: {إن كنتم آمنتم با} متعلق بمحذوف دل عليه واعلموا أي: إن كنتم آمنتم ~~بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقنعوا بالأخماس الأربعة ~~الباقية، فإن العلم العملي إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرد؛ لأنه مقصود ~~بالعرض، والمقصود بالذات هو العمل وقوله تعالى: {وما} عطف على بالله ~~{أنزلنا على عبدنا} # PageV01P571 # محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات والملائكة والنصر {يوم الفرقان} أي: ~~يوم بدر، فإنه فرق به بين الحق والباطل {يوم التقى الجمعان} أي: جمع ~~المؤمنين وجمع الكافرين، وهو يوم بدر وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسعة عشر ~~أو لسبعة عشر من رمضان وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة ~~عشر رجلا والمشركون ما بين ms0948 الألف والتسعمائة فهزم الله تعالى المشركين، ~~وقتل منهم سبعون، وأسر منهم مثل # ذلك {وا # على كل شيء قدير} فيقدر على نصر القليل على الكثير، والدليل على العزيز ~~كما فعل ذلك بكم ذلك اليوم وقوله تعالى: # {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} أي: القربى من المدينة، بدل من يوم الفرقان أو ~~من يوم التقى الجمعان، أو منصوب باذكروا مقدرا، والعدوة الدنيا مما يلي ~~المدينة {وهم بالعدوة القصوى} أي: البعدى من المدينة، وهي مما يلي مكة وكان ~~الماء بها، وكان استظهار المشركين من هذا الوجه أشد. # والقصوى تأنيث الأقصى، وكان قياسه قلب الواو كالدنيا والعليا، ولكن لم ~~تغلب تفرقة بين الاسم والصفة، فإنها تقلب في الاسم دون الصفة على الأكثر ~~وقيل: بالعكس وعلى الأول القصوى وإن كان صفة للعدوة في الآية كالدنيا لكن ~~غلب عليها الاسمية لترك الوصف بها في أكثر الاستعمالات كما قاله ابن جني، ~~فالقصوى بالواو على القولين شاذ بالنظر إلى اسميتها في الأول وإلى وصفيتها ~~في الثاني، ومثال الصفة الخالصة حلوى تأنيث الأحلى فهي بالواو مقيسة على ~~الأول شاذة على الثاني، ومثال الاسم الخالص حزوى اسم مكان فهو بالواو شاذ ~~على الأول مقيس على الثاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو العدوة وهي شط الوادي ~~بكسر العين فيهما، والباقون بضم العين فيهما، وأما الدنيا والقصوى فأمالهما ~~حمزة والكسائي محضة، وأبو عمرو بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين {والركب} ~~أي: العير التي خرجوا لها التي يقودها أبو سفيان {أسفل منكم} أي: أسفل منكم ~~على ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر، وأسفل نصب على الظرفية معناه مكانا ~~أسفل من مكانكم، وهو مرفوع المحل؛ لأنه خبر المبتدأ {ولو تواعدتم} أنتم ~~والنفير للقتال {لاختلفتم في الميعاد} وذلك أن المسلمين خرجوا ليأخذوا ~~العير راغبين في الخروج، وخرج الكفار مرعوبين مما بلغهم من تعرض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأموالهم فيمنعوها من المسلمين، فالتقوا على غير ميعاد ~~لقلتهم وكثرة عدوهم {ولكن} جمع الله تعالى بينهم على هذه # الحالة من غير # ميعاد {ليقضي الله أمرا كان مفعولا} ms0949 في علمه وهو نصر أوليائه وإعزاز دينه ~~وإعلاء كلمته وقهر أعدائه، وقوله تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ~~عن بينة} بدل من ليقضي أو متعلق بقوله: {مفعولا} واستعير الهلاك والحياة ~~للكفر والإسلام أي: ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالطة شبهة حتى ~~لا يبقى له على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم أيضا عن يقين وعلم بأنه دين ~~الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة التي ~~من كفر بعدها كان مكابرا لنفسه مغالطا لها.f # وقرأ نافع والبزي وشعبة بياءين: الأولى مكسورة والثانية مفتوحة، والباقون ~~بياء واحدة مشددة، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وإن الله لسميع عليم} ~~أي: يسمع دعاءكم # PageV01P572 # ويعلم حاجتكم وضعفكم لا تخفى عليه خافية. # {إذ} أي: واذكر يا محمد نعمة الله عليك إذ {يريكهم الله} أي: المشركين ~~{في منامك} أي: نومك {قليلا} فأخبرت أصحابك فسروا وقالوا: رؤيا النبي صلى ~~الله عليه وسلم حق، وصار ذلك سببا لجرائتهم على عدوهم وقوة لقلوبهم. # فإن قيل: رؤيا الكثير قليلا غلط، فكيف يجوز على الله تعالى؟ أجيب: بأن ~~الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يسئل عما يفعل، أو أنه تعالى ~~أراه بعضهم دون بعض، فحكم صلى الله عليه وسلم على أولئك الذين رآهم بأنهم ~~قليلون، وقال الحسن: إن هذه الإراءة كانت في اليقظة قال: والمراد من المنام ~~العين التي هي موضع النوم {ولو أراكهم كثيرا لفشلتم} أي: ولو أراكم كثيرا ~~لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا أي: جبنوا {ولتنازعتم} أي: اختلفتم {في ~~الأمر} أي: أمر القتال وتفرقت آراؤكم بين الفرار والقتال {ولكن الله سلم} ~~أي: سلمكم من الفشل والتنازع فيما بينكم، وقيل: سلمكم من الهزيمة والقتل ~~{إنه} تعالى {عليم} أي: بالغ العلم {بذات الصدور} أي: بما في القلوب من ~~الجراءة والجبن والجزع وغير ذلك. # {وإذ يريكموهم} أي: المؤمنون {إذ التقيتم في أعينكم قليلا} أي: إن الله ~~تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين يوم التقوا في ms0950 القتال ليتأكد في ~~اليقظة ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، وأخبر به أصحابه، وتقوى ~~بذلك قلوب المؤمنين وتزداد جراءتهم ولا يجبنوا عن قتالهم. # قال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى اجنبي: أتراهم ~~سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا، ~~والضميران مفعولا يرى، وقليلا حال من الثاني {ويقللكم في أعينهم} أي: ~~ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم أي: المشركين؛ لئلا يهربوا وإذا ~~استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب لقتالهم، فيكون ذلك ~~سببا لظهور المؤمنين. # قال السدي: قال ناس من المشركين: إن العير قد انصرفت، فارجعوا، فقال أبو ~~جهل: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه، فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم إنما محمد ~~وأصحابه أكلة جزور يعني جمع آكل أي: قليل يشبعهم جزور واحد، يضرب مثلا في ~~القلة والأمر الذي لا يعبأ به، ثم قال: فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال، أراد ~~بقوله ذلك القدرة والقوة. # فإن قيل: كيف يمكن تقليل الكثير وتكثير القليل؟ أجيب: بأن ذلك ممكن في ~~قدرة الله تعالى، وإن الله تعالى على ما يشاء قدير، ويكون ذلك معجزة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمعجزة هي من خوارق العادات، فلا ينكر ذلك، أو أن ~~الله تعالى يستر عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في أعينهم ما يستقلون له الكثير ~~كما أحدث في عيون الحول ما يرون له الواحد اثنين، قيل لبعضهم: إن الأحول ~~يرى الواحد اثنين، وكان بين يديه ديك قال: فمالي أرى هذين الديكين أربعة، ~~وهذا قبل: التحام القتال فلما التحم أراهم إياهم مثليهم كما في آل عمران ~~{ليقضي الله أمرا كان مفعولا} أي: في علمه، وهو إعلاء كلمة الإسلام ونصر ~~أهله. # فإن قيل: قد تقدم ذلك في الآية المتقدمة، فكان ذكره هنا محض تكرار أجيب: ~~بأن المقصود من ذكره في الآية المتقدمة هو أنه تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل ~~استيلاء المؤمنين على الكافرين على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمقصود من ذكره ms0951 هنا ليس هو ذلك المعنى بل المقصود أنه ~~تعالى ذكر هنا أنه قلل عدد المؤمنين في أعين الكفار، فبين تعالى أنه # PageV01P573 # إنما فعل ذلك ليصير ذلك سببا؛ لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد ~~والحذر فيصير ذلك سببا لانكسارهم {وإلى الله ترجع الأمور} كلها فلا ينفذ ~~إلا ما يريد إنفاذه فلا تجري الأمور على ما يظنه العباد، وفي هذا تنبيه على ~~أن أمور الدنيا غير مقصودة وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاد اليوم ~~المعاد. # ولما ذكر تعالى أنواع نعمه على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين ~~يوم بدر علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين نوعين من الأدب ~~بقوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم} أي: قاتلتم؛ لأن اللقاء سبب للقتال ~~غالبا {فئة} أي: جماعة كافرة {فاثبتوا} لقتالهم كما ثبتم في بدر ولا تحدثوا ~~أنفسكم بفرار هذا هو النوع الأول {واذكروا الله كثيرا} بقلوبكم وألسنتكم ~~قال ابن عباس: أمر الله تعالى أولياءه بذكره في أشد أحوالهم تنبيها على أن ~~الإنسان لا يجوز له أن يخلو قلبه ولسانه عن ذكر الله، ولو أن رجلا أقبل من ~~المشرق إلى المغرب على أن ينفق الأموال سخاء والآخر من المغرب إلى المشرق ~~يضرب بسيفه في سبيل الله لكان الذاكر لله أعظم أجرا، وقيل: المراد من هذا ~~الذكر الدعاء بالنصر والظفر؛ لأن ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى {لعلكم ~~تفلحون} أي: تظفرون بمرادكم من النصر والثبوت. # فإن قيل: هذه الآية توجب الثبات على كل حال وذلك يوهم أنها ناسخة لآية ~~التحرف والتحيز. أجيب: بأن المراد من الثبات الجد في المحاربة بل كان ~~الثبات في هذا المقصود لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز. # ثم قال تعالى مؤكدا لذلك: # {وأطيعوا الله ورسوله} في سائر ما يأمران به؛ لأن الجهاد لا ينفع إلا مع ~~التمسك بسائر الطاعات {ولا تنازعوا} أي: تختلفوا فيما بينكم {فتفشلوا} أي: ~~تجبنوا {وتذهب ريحكم} أي: قوتكم ودولتكم، والريح مستعارة للدولة شبهها في ~~نفوذ أثرها بالريح، ثم أدخل المشبه في ms0952 جنس المشبه به ادعاء، وأطلق اسم ~~المشبه به على المشبه، وقيل: المراد بها الحقيقة؛ لأنه لم يكن قط نصر إلا ~~بريح يبعثها الله تعالى، وفي حديث الشيخين «نصرت بالصبا وأهلكت عاد ~~بالدبور» ، وعن النعمان بن مقرن قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكان إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب ~~الرياح وينزل النصر» أخرجه أبو داود {واصبروا} أي: عند لقاء العدو ولا ~~تنهزموا عنه {إن الله مع الصابرين} بالنصر والمعونة. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو ~~واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال ~~السيوف» ثم قال صلى الله عليه وسلم «اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم ~~الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم» . # {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم} أي: ليمنعوا غيرهم ولم يرجعوا بعد ~~نجاتها {بطرا} أي: فخرا وطغيانا في النعمة وذلك إن النعم إذا كثرت من الله ~~تعالى على العبد فإن صرفها في المفاخرة على الأقران وكاثر بها أبناء الزمان ~~وأنفقها في غير طاعة الرحمن، فذلك هو البطر في النعمة، وإن صرفها في طاعة ~~الله وابتغاء مرضاته فذلك شكرها {ورئاء الناس} أي: ليثنوا عليهم بالشجاعة ~~والسماحة وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة، وأتاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد ~~سلمت عيركم، فقال أبو جهل: لا والله حتى نقدم بدرا، وكان بدر موسما من ~~مواسم العرب يجتمع لهم فيها سوق في كل عام، # PageV01P574 # ونشرب بها الخمور وتعزف علينا القينات، والعزف اللعب بالمعازف، وهي ~~الدفوف وغيرها مما يضرب به قاله ابن الأثير وغيره، والقينات الجواري، ونطعم ~~بها من حضرنا من العرب، فذلك بطرهم ورياؤهم الناس بإطعامهم فوافوها فسقوا ~~المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القينات، فنهى الله تعالى ~~المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى ~~وإخلاص من حيث إن النهي عن الشيء أمر بضده {ويصدون عن سبيل الله} أي: ~~ويمنعون الناس الدخول في دين الله {وا بما يعملون محيط} لا ms0953 يخفى عليه شيء؛ ~~لأنه محيط بأعمال العباد كلها فيجازيهم بأعمالهم. # {وإذ} أي: واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم إذ {زين لهم} أي: ~~المشركين {الشيطان} أي: إبليس {أعمالهم} الخبيثة بأن شجعهم على لقاء ~~المسلمين لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر بن الحرث جاء إبليس وجند من ~~الشياطين معه راية فتمثل لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني ~~وكان من أشرافهم {وقال} غارا لهم في أنفسهم {لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم} أي: مجير لكم من كنانة {فلما تراءت الفئتان} أي: التقى ~~الفريقان رأى إبليس الملائكة قد نزلوا من السماء علم عدو الله إبليس أنهم ~~لا طاقة لهم بهم {نكص على عقبيه} قال الضحاك: ولى مدبرا وقال النضر بن ~~شميل: رجع القهقرى على قفاه هاربا {وقال إني بريء منكم} قال الكلبي: لما ~~التقى الجمعان كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة بن مالك، وهو آخذ ~~بيد الحرث بن هشام، فنكص عدو الله إبليس على عقبيه، فقال له الحرث: إلى أين ~~أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال له عدو الله إبليس: {إني أرى ما لا ترون} ودفع ~~في صدر الحرث، وانطلق فانهزموا قال الحسن: رأى إبليس جبريل بين يدي النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفي يده اللجام يقود الفرس ما ركب، قال قتادة: قال ~~إبليس: إني أرى ما لا ترون وصدق وقال: {إني أخاف الله} وكذب والله ما به ~~مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم، وذلك من ~~عادة عدو الله إبليس لعنه الله لمن أطاعه إذا التقى الحق والباطل أسلمهم ~~وتبرأ منهم، وقال عطاء: خاف إبليس أن يهلكه الله تعالى فيمن يهلك، وقيل: ~~أخاف الله عليكم، وقيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة ~~تنزل من السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، فقال ما قال ~~إشفاقا على نفسه. # ولما انهزموا وبلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغه ذلك فقال: والله ~~ما شعرت بمسيركم حتى ms0954 بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان، وقوله ~~تعالى: {وا شديد العقاب} يجوز أن يكون من كلام إبليس أي: إني أخاف الله؛ ~~لأنه شديد العقاب وأن يكون مستأنفا أي: والله شديد العقاب لمن خالفه وكفر ~~به. # فإن قيل: كيف يقدر إبليس أن يتصور بصورة البشر وإذا تشكل بصورة البشر ~~فكيف يسمى شيطانا؟ أجيب: بأن الله تعالى أعطاه قوة، وأقدره على فعل ذلك كما ~~أعطى الملائكة قوة وأقدرهم على أن يتشكلوا بصورة البشر لكن النفس الباطنية ~~لم تتغير، فلم يلزم من تغير الصورة تغير الحقيقة. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما رؤي إبليس يوما فيه أصغر ولا أدحر ~~ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة» وما ذاك إلا لما يرى من نزول الرحمة ~~وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما كان # PageV01P575 # من يوم بدر. # {إذ} أي: واذكر إذ {يقول المنافقون} أي: من أهل المدينة، والمنافق هو من ~~يظهر الإسلام ويخفي الكفر كما أن المرائي هو من يظهر الطاعة ويخفي المعصية ~~{والذين في قلوبهم مرض} أي: شك وارتياب، وهم قوم من أهل مكة تكلموا ~~بالإسلام ولم يقع الإسلام في قلوبهم ولم يتمكن، فلما خرج قريش إلى حرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خرجوا معهم إلى بدر، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ~~ارتابوا وارتدوا وقالوا: {غر هؤلاء} المسلمين {دينهم} إذ خرجوا مع قلتهم ~~يقاتلون الجمع الكثير توهما أنهم ينصرون بسببه، فقتلوا جميعا منهم قيس بن ~~الوليد بن المغيرة وعدي بن أمية بن خلف الجمحي والعاص بن أمية بن الحجاج، ~~قال تعالى في جوابهم: {ومن يتوكل على الله} أي: يثق به يغلب {فإن الله ~~عزيز} أي: غالب على أمره {حكيم} أي: في صنعه يفعل بحكمته البالغة ما ~~يستبعده العقل، ويعجز عن إدراكه. # ولما شرح تعالى أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل ~~إليهم في ذلك الوقت بقوله تعالى: # {ولو ترى} أي: عاينت وشاهدت يا محمد {إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} أي: ~~بقبض أرواحهم عند الموت {يضربون وجوههم وأدبارهم} أي: ms0955 ظهورهم وأستاههم، قال ~~البيضاوي: ولعل المراد تعميم الضرب أي: يضربون ما أقبل منهم وما أدبر ~~بمقامع من حديد {و} يقولون لهم: {ذوقوا عذاب الحريق} أي: النار. # قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا ~~وجوههم بالسيف، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم، فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت ~~نزع الروح، وجواب لو محذوف، والتقدير لرأيت منظرا هائلا وأمرا فظيعا وعقابا ~~شديدا، والملائكة مرفوع بالفعل ويضربون حال منهم ويجوز أن يكون في قوله: ~~يتوفى ضمير الله تعالى والملائكة مرفوعة بالابتداء ويضربون خبر. # {ذلك} أي: الذي نزل بكم من القتل والضرب والحريق {بما} أي: بسبب ما ~~{قدمت} أي: كسبت {أيديكم} من الكفر والمعاصي، وإنما عبر بالأيدي دون غيرها ~~لأن أكثر الأفعال تزاول بها والتحقيق إن الإنسان جوهر واحد وهو الفعال وهو ~~الدراك وهو المؤمن وهو الكافر وهو المطيع وهو العاصي وهذه الأعضاء آلة له ~~وأدوات في الفعل فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآلة وهو في الحقيقة مضاف إلى ~~جوهر ذات الإنسان {وأن الله ليس بظلام للعبيد} فلا يعذب أحدا من خلقه بغير ~~ذنب وظلام للتكثير لأجل العبيد أي: أنه بمعنى ذي ظلم. # {كدأب} أي: دأب هؤلاء الكفار بكفرهم مثل دأب {آل فرعون} وهو عادتهم ~~وعملهم الذي دأبوا فيه أي: داموا عليه فجوزي هؤلاء بالقتل والأسر يوم بدر ~~كما جوزي آل فرعون بالإغراق، وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال: فلان ~~دأب في كذا أي: داوم عليه وسميت العادة دأبا لأن الإنسان مداوم على عادته ~~مواظب عليها {والذين من قبلهم} أي: من قبل آل فرعون وقوله تعالى: {كفروا ~~بآيات الله} تفسير لدأب آل فرعون {فأخذهم الله بذنوبهم} أي: بسبب كفرهم كما ~~أخذ هؤلاء {الله الله قوي} أي: على ما يريده فينتقم ممن كفر وكذب رسله ~~{شديد العقاب} ممن كفر وكذب رسله وقوله تعالى: # {ذلك} إشارة إلى ما حل بهم من العقاب {بأن} أي: # PageV01P576 # بسبب أن {الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم} أي: مبدلا لها بالنقمة ~~{حتى يغيروا ما بأنفسهم} ms0956 أي: بأن يبدلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوأ منه. # فإن قيل: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غير الله تعالى نعمته ~~عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة أجيب: بأنه تعالى ~~كما يغير الحال المرضية إلى المسخوطة يغير الحال المسخوطة؟ إلى أسخط منها، ~~وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كفرة عبدة أوثان فلما بعث ~~إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه ~~غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت عليه فغير الله تعالى ما أنعم به عليهم من ~~الإمهال وعاجلهم بالعذاب {وإن الله سميع} لما يقولون {عليم} بما يفعلون. # {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم} أي: ~~أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالحجارة وبعضهم بالريح وبعضهم ~~بالمسخ، كذلك أهلكنا كفار قريش بالسيف {وأغرقنا آل فرعون} أي: هو وقومه. # فإن قيل: ما فائدة تكرير هذه الآية مرة ثانية؟ أجيب: بأن فيها فوائد: # منها: إن الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول؛ لأن الكلام ~~الأول فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل. # ومنها: أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله، وفي الآية ~~الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها ~~مع جحودهم لها وكفرهم بها. # ومنها: أن تكرير هذه القصة للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران ~~النعم بقوله: {بآيات ربهم} وبيان ما أخذ به آل فرعون. # ومنها: أن الأولى لسببية الكفر، والثانية لسببية التغيير، والنقمة بسبب ~~تغييرهم ما بأنفسهم {وكل} أي: من الفرق المكذبة أو من غرقى القبط وقتلى ~~قريش {كانوا ظالمين} أنفسهم بالكفر والمعاصي وغيرهم بالإضلال واضعين الآيات ~~في غير موضعها وهم يظنون بأنفسهم العدل، ولما وصف تعالى كل الكفار بقوله ~~تعالى: {وكل كانوا ظالمين} أفرد بعضهم بمزية في الشر والفساد فقال: # {إن شر الدواب عند الله} في حكمه وعلمه {الذين كفروا} أي: أصروا على ~~الكفر {فهم لا يؤمنون} أي: لا يتوقع ms0957 منهم إيمان وقوله تعالى: # {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة} بدل البعض من الذين كفروا، ~~وهم يهود قريظة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يمالئوا أي: ~~يساعدوا عليه فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح، وقالوا: نسينا وأخطأنا ~~ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوا معهم يوم الخندق وانطلق كعب بن الأشرف إلى أهل ~~مكة فحالفهم، وإنما جعلهم الله تعالى شر الدواب؛ لأن شر الناس الكفار، وشر ~~الكفار المصرون منهم وشر المصرين الناكثون العهود {وهم لا يتقون} الله في ~~حذرهم. # {فإما} فيه إدغام إن الشرطية في ما الزائدة {تثقفنهم} أي: تجدن هؤلاء ~~الذين نقضوا العهد وظفرت بهم {في الحرب فشرد} قال ابن عباس: فنكل {بهم} أي: ~~بهؤلاء الذين نقضوا العهد {من خلفهم} أي: من وراءهم من أهل مكة واليمن ~~وغيرهما، فيخافون أن تفعل بهم كفعل هؤلاء، وقال عطاء: أثخن فيهم القتل حتى ~~يخافك غيرهم {لعلهم} أي: الذين خلفهم {يذكرون} أي: يتعظون بهم. # {وإما تخافن} أي: تعلمن يا محمد {من قوم} عاهدتهم {خيانة} في العهد ~~بإمارات تلوح لك # PageV01P577 # كما ظهر من قريظة والنضير {فانبذ} أي: اطرح عهدهم {إليهم} ، وقوله تعالى: ~~{على سواء} حال أي: مستويا أنت وهم في العلم بنقض العهد، بأن تعلمهم به؛ ~~لئلا يتهموك بالغدر إذا نصبت الحرب معهم {إن الله لا يحب الخائنين} أي: في ~~نقض العهد أو غيره. # روي أن معاوية كان بينه وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا ~~انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله ~~أكبر وفاء لا غدرا، فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية يسأله فقال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا ~~ينبذ عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية، ~~قال الرازي: حاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بقتل من ينقض العهد ~~على أقبح الوجوه، وأمره أن يتباعد على أقصى الوجوه، من كل ما ms0958 يوهم نكث ~~العهد ونقضه، قال أهل العلم: إذا ظهرت آثار نقض العهد ممن عاهدهم الإمام من ~~المشركين بأمر ظاهر مستفيض، إما أن يظهر ظهورا محتملا أو ظهورا مقطوعا به، ~~فإن كان الأول وجب الإعلام عليه على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك أن ~~قريظة عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من ~~المشركين إلى مظاهرتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فحصل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم خوف الغدر به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على ~~سواء، ويعلمهم بالحرب، وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فههنا لا ~~حاجة إلى نبذ العهد بل يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة ~~لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~يرعهم إلا وجيش النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، وذلك على أربعة ~~فراسخ من مكة. # ولما بين تعالى ما يفعله صلى الله عليه وسلم في حق من يجده في الحرب ~~ويتمكن منه، وذكر أيضا ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد، بين أيضا ~~حال من فاته في يوم بدر وغيره لكي لا تبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من ~~بلغ في أذية النبي صلى الله عليه وسلم مبلغا عظيما بقوله تعالى: # {ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا} أي: خلصوا من القتل والأسر يوم بدر {إنهم ~~لا يعجزون} الله أي: لا يفوتونه بهذا السبق في الانتقام منهم، إما في ~~الدنيا، وإما في الآخرة بعذاب النار، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فيمن، فاته من المشركين ولم ينتقم منه، فأعلمه الله تعالى أنهم لا يعجزونه، ~~وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص يحسبن بالياء على الغيبة على أن الفعل للذين ~~كفروا، والباقون بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولما أمر الله ~~تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشرد من صدر منه نقض العهد إلى من خاف ~~منه النقص ms0959 واتفق لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قصدوا الكفار بلا ~~آلة ولا عدة أمرهم في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار بقوله تعالى: # {وأعدوا لهم} أي: لقتالهم {ما استطعتم من قوة} الإعداد اتخاذ الشيء لوقت ~~الحاجة إليه، وفي المراد بالقوة أقوال. # الأول: الرمي وقد جاءت مفسرة به عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ~~عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: ~~«وأعدوا لهم ما استطعتم ألا إن القوة الرمي ثلاثا» أخرجه مسلم، وعن أبي ~~أسيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين # PageV01P578 # صففنا لقريش وصفوا لنا: «إذا كبسوكم فعليكم بالنبل» ، وفي رواية: «ليس من ~~اللهو محمود إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبة أهله، ورميه بقوسه أي: ~~نبله، فإنهن من الحق ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه، فإنها نعمة تركها ~~أو كفرها» أخرجه الترمذي. # والثاني: إنها الحصون. # والثالث: إنها جميع الأسلحة والآلات التي تكون لكم قوة في الحرب على قتال ~~عدوكم وقوله تعالى: {ومن رباط الخيل} مصدر بمعنى حبسها في سبيل الله سواء ~~كانت ذكورا أو إناثا، وقال عكرمة: المراد الإناث. # وروي عن خالد بن الوليد أنه قال: لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة ~~صهيلها، وعن أبي محيريز أنه قال: كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند ~~الصفوف، وإناث الخيل عند البيات والغارات، وقيل: ربط الفحول أولى؛ لأنها ~~أقوى على الكر والفر، ويدل للأول ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا ~~بالله، وتصديقا بوعده، فإن شبعه وريه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة» ~~يعني حسناته، وعن عروة البارقي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم» ، وسئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال: «ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية ~~الجامعة الفاذة {فمن يعمل مثقال ms0960 ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ~~{ترهبون} أي: تخوفون {به} أي: بتلك القوة أو بذلك الرباط {عدو الله وعدوكم} ~~أي: الكفار من أهل مكة وغيرهم، وذلك إن الكفار إذا علموا أن المسلمين ~~متأهبون للجهاد مستعدون له مستكملون لجميع الأسلحة وآلات الحرب وإعداد ~~الخيل مربوطة للجهاد خافوهم، فلا يقصدون دخول دار الإسلام بل يصير ذلك سببا ~~لدخول الكفار في الإسلام أو بذل الجزية للمسلمين {و} ترهبون {آخرين من ~~دونهم} أي: غيرهم وهم المنافقون لقوله تعالى: {لا تعلمونهم} ؛ لأنهم معكم ~~يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم {الله يعلمهم} أي: إنهم منافقون. # فإن قيل: المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكر الإرهاب؟ أجيب: ~~بأن المنافقين إذا شاهدوا قوة المسلمين، وكثرة آلاتهم وأسلحتهم كان ذلك مما ~~يخوفهم ويقطع طمعهم من أن يصيروا غالبين، فيحملهم ذلك على أن يتركوا الكفر ~~من قلوبهم، وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان، وقيل: هم اليهود، وقيل: ~~الفرس {وما تنفقوا من شيء} وإن قل {في سبيل الله} أي: طاعته جهادا كان أو ~~غيره {يوف إليكم} قال ابن عباس: أجره، أي: لا يضيع في الآخرة أجره ويعجل ~~الله عوضه في الدنيا {وأنتم لا تظلمون} أي: لا تنقصون من الثواب، ولما سئل ~~ابن عباس عن هذا التفسير تلا قوله تعالى: {آتت أكلها ولم تظلم منه شيأ} ~~(الكهف، 33) # ولما بين تعالى ما يرهب به العدو من القوة، والاستظهار بين جواز الصلح ~~بقوله تعالى: # {وإن جنحوا} أي: مالوا {للسلم} أي: الصلح {فاجنح} أي: فمل {لها} وعاهدهم، ~~وتأنيث الضمير في لها لحمل السلم مع أنه مذكر على ضده وهو الحرب قال ~~الشاعر: # *السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع* # فأنث ضمير السلم، في تأخذ حملا على ضده وهو الحرب، وعن ابن عباس هذه ~~الآية منسوخة بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون با} (التوبة، 29) # وعن مجاهد بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة، 5) # PageV01P579 # وقال غيرهما: الصحيح إن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام، ~~وأهله من حرب ms0961 أو سلم وليس بحتم أن يقاتلوا أبدا أو يجابوا إلى الهدنة أبدا ~~وهذا ظاهر. # وقرأ شعبة بكسر السين، والباقون بالفتح {وتوكل على الله} أي: فوض أمرك ~~إليه فيما عقدته معهم؛ ليكون عونا لك في جميع أحوالك {إنه هو السميع} ؛ ~~لأقوالهم فهو يسمع كل ما أبرموه في ذلك، وفي غيره كما يسمعه علانية ~~{العليم} بنياتهم فهو يعلم كل ما أخفوه كما إنه يعلم كل ما أعلنوه. # {وإن يريدوا} أي: الكفار {أن يخدعوك} أي: بإظهار الصلح ليستعدوا لك {فإن ~~حسبك} أي: كافيك {الله هو الذي أيدك بنصره} في سائر أيامك، فإن أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أول حياته إلى وقت وفاته كان أمرا إلهيا وتدبيرا ~~علويا، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل {و} أيدك {بالمؤمنين} أي: الأنصار. # فإن قيل: فإذا كان الله تعالى مؤيده بنصره، فأي حاجة مع نصره تعالى إلى ~~المؤمنين؟ أجيب: بأن التأييد ليس إلا من الله تعالى دائما لكنه على قسمين: ~~أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة، والثاني ما يحصل بذلك ~~فالأول هو المراد من قوله تعالى: {أيدك بنصره} ، والثاني: هو المراد من ~~قوله تعالى: {وبالمؤمنين} والله تعالى هو مسبب الأسباب، وهو الذي أقامهم ~~بنصره ثم بين تعالى كيف أيده بالمؤمنين بقوله تعالى: # {وألف} أي: جمع {بين قلوبهم} وذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى ~~قوم أنفتهم شديدة، وحميتهم عظيمة حتى لو أن رجلا من قبيلة لطم لطمة واحدة، ~~قاتلت عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل ~~الرجل أباه وأخاه وابنه، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارا دعاة، فإزالة ~~تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية، مما لا يقدر عليها إلا الله ~~تعالى، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا ~~قال تعالى: {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم} أي: تناهت ~~عداوتهم إلى حد لو أنفقت في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم ~~تقدر على الإلفة ms0962 والصلاح بينهم {ولكن الله ألف بينهم} بقدرته البالغة، فإنه ~~تعالى المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء {إنه} أي: الله تعالى {عزيز} أي: غالب ~~على أمره لا يعصى عليه ما يريد {حكيم} لا يخرج شيء عن حكمته، وقيل: الآية ~~نزلت في الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ~~ورؤساءهم فأنساهم الله تعالى ذلك، وألف بين قلوبهم بالإسلام حتى تصادقوا ~~وصاروا أنصارا، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته. # {يأيها النبي حسبك} أي: كافيك {ا} . # فإن قيل: هذا مكرر، أجيب: بأنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء ~~وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقا على جميع التقديرات، فلا يلزم حصول ~~التكرار؛ لأن المعنى في الآية الأولى: إن أرادوا خداعك كفاك الله تعالى ~~أمرهم، والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين وقوله ~~تعالى: {ومن اتبعك من المؤمنين} إما في محل نصب على المفعول معه كقول ~~الشاعر: # *فحسبك والضحاك سيف مهند* # يروي الضحاك بالنصب على أنه مفعول معه، والمعنى: كفاك وكفى أتباعك ~~المؤمنين الله ناصرا، أو رفع عطفا على اسم الله تعالى أي: كفاك الله وكفى ~~المؤمنين، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، وعن سعيد بن # PageV01P580 # جبير أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ثم ~~أسلم عمر فتمم الله تعالى به الأربعين فنزلت هذه الآية. # {يأيها النبي حرض المؤمنين} أي: حثهم {على القتال} للكفار والتحريض في ~~اللغة، كالتحضيض، وهو الحث على الشيء {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين} منهم {وإن يكن منكم مائة} صابرة {يغلبوا ألفا من الذين كفروا} وهذا ~~خبر بمعنى الأمر أي: ليقاتل العشرون منكم المائتين والمائة الألف قتال عشرة ~~أمثالكم. # تنبيه: تقييد ذلك بالصبر يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط ~~كونه صابرا قادرا على ذلك، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء منها: أن ~~يكون شديد الأعضاء قويا جلدا، ومنها: أن يكون قوي القلب شديد البأس شجاعا ~~غير جبان، ومنها: ms0963 أن يكون غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة، فإن الله ~~تعالى استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشروط كان ~~يجب على الواحد أن يثبت للعشرة. # فإن قيل: حاصل هذه العبارة المطولة إن الواحد يثبت للعشرة فما الفائدة في ~~العدول إلى هذه العبارة المطولة؟ أجيب: بأن هذا إنما ورد على وفق الواقعة ~~فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا والغالب أن تلك السرايا ما ~~كان ينقص عددها عن العشرين، وما كانت تزيد على المائة فلهذا المعنى ذكر ~~الله تعالى هذين العددين. # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بالتاء على التأنيث والباقون بالياء على ~~التذكير {بأنهم} أي: بسبب أنهم {قوم لا يفقهون} أي: جهلة بالله تعالى ~~واليوم الآخر، فلا يقاتلوا لطلب ثواب وخوف عقاب إنما يقاتلون حمية، فإذا ~~صدقتموهم في القتال لا يثبتون معكم، وكان هذا يوم بدر فرض الله تعالى على ~~الرجل الواحد من المسلمين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين، قال ~~عطاء عن ابن عباس: لما نزل التكليف بهذه الآية صاح المهاجرون وقالوا: يا رب ~~نحن جياع وعدونا شباع، ونحن في غربة وعدونا في أهليهم ونحن قد أخرجنا من ~~ديارنا وأموالنا، وعدونا ليس كذلك فنسخها الله تعالى بقوله تعالى: # {الآن خفف الله عنكم} أيها المؤمنون {وعلم أن فيكم ضعفا} أي: في قتال ~~الواحد للعشرة {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} منهم {وإن يكن منكم ~~ألف يغلبوا ألفين} منهم {بإذن الله} أي: بإرادته تعالى، فردوا من العشرة ~~إلى اثنين، فإذا كان المسلمون على قدر النصف من عدوهم لا يجوز أن يفروا، ~~وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان ~~المسلمون قليلين، فلما كثروا خفف الله تعالى عنهم، وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر {وا مع ~~الصابرين} بالنصر والمعونة فكيف لا يغلبون، قال سفيان بن شبرمة: وأرى الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ذلك ونزل لما ms0964 أخذوا الفداء من أسرى بدر. # {ما كان} أي: ما صح وما استقام {لنبي أن تكون له أسرى} قرأ أبو عمرو ~~بالتاء على التأنيث، والباقون بالياء على التذكير {حتى يثخن في الأرض} أي: ~~يكثر قتل الكفار، ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ~~ويستولي أهله؛ لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل، قال الشاعر: # *لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم* # PageV01P581 # روي أنه صلى الله عليه وسلم أتي يوم بدر بسبعين أسيرا فيهم العباس عم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم، فقال أبو بكر ~~رضي الله عنه: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية ~~تقوي بها أصحابك، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: كذبوك وأخرجوك فقدمهم، ~~واضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء، مكن عليا ~~من عقيل، وحمزة من العباس، ومكني من فلان لنسيب له فلنضرب أعناقهم، وقال ~~عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم ~~أضرم عليهم نارا، فقال له العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يجبهم ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول ~~عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «إن الله لين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب ~~رجال حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: {من ~~تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} (إبراهيم، 36) # ومثل عيسى في قوله: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} (المائدة، ~~118) # ومثلك يا عمر مثل نوح قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} ~~(نوح، 26) # ومثل موسى حيث قال: {ربنا اطمس على أموالهم} (يونس، 88) # ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «يا أبا ms0965 حفص، وكان ذلك أول ما ~~كناه، أتأمرني أن أقتل العباس؟» فجعل عمر يقول: ويل لعمر ثلكته أمه، ثم قال ~~لأصحابه: أنتم اليوم عالة ولا يغلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق، فقال ~~ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واشتد خوفي فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة ~~من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إلا سهيل بن ~~بيضاء» ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقوم: «إن شئتم قتلتموهم، ~~وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم» فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا ~~بأحد وكان فداء الأسارى عشرين أوقية، والأوقية أربعون درهما، فيكون مجموع ~~ذلك ألفا وستمائة درهم، وقال قتادة: كان الفداء يومئذ لكل أسير أربعة آلاف. # قال عمر رضي الله تعالى عنه: فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يبكيان قلت: يا رسول الله ~~أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء ~~تباكيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبكي على أصحابك في أخذهم ~~الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة» لشجرة قريبة منه {تريدون} ~~أيها المؤمنون {عرض الدنيا} بأخذ فداء من المشركين، وإنما سمي منافع الدنيا ~~عرضا، لأنها لا ثبات لها ولا دوام، فكأنها تعرض ثم تزول بخلاف منافع الآخرة ~~{وا يريد} لكم {الآخرة} أي: ثوابها بقهركم المشركين ونصركم الدين {وا عزيز} ~~لا يقهر ولا يغلب {حكيم} أي: لا يصدر منه فعل إلا وهو في غاية الإتقان، قال ~~ابن عباس: كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد ~~سلطانهم، أنزل الله تعالى في الأسرى {فإما منا بعد وإما فداء} (محمد، 4) # فجعل الله تعالى نبيه والمؤمنين في أمر الأسرى بالخيار إن شاءوا قتلوهم، ~~وإن شاءوا فادوهم، وإن شاءوا # PageV01P582 # أعتقوهم أي: فهذه الآية نسخت تلك، قال ابن عباس ms0966 رضي الله عنهما: كانت ~~الغنائم حراما على الأنبياء والأمم، وكانوا إذا أصابوا مغنما جعلوه للقربان ~~وكانت تنزل نار من السماء فتأكله فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون وأخذوا ~~الفداء فأنزل الله تعالى. # {لولا كتاب من الله سبق} أي: لولا قضاء الله سبق في اللوح المحفوظ، بأنه ~~يحمل لكم الغنائم {لمسكم} أي: لنالكم {فيما أخذتم} أي: من الفداء {عذاب ~~عظيم} وقال الحسن ومجاهد: لولا كتاب من الله سبق إنه لا يعذب أحدا ممن شهد ~~بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحق: لم يكن من المؤمنين أحد ~~إلا أحب الغنائم، إلا عمر بن الخطاب، فإنه أشار على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا رسول الله كان الإثخان في ~~القتل أحب إلي من استبقاء الرجال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو ~~نزل من السماء عذاب ما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ» . # روي: لما نزلت هذه الآية كف رسول الله صلى الله عليه وسلم أيديهم أن ~~يأخذوا من الفداء فنزلت: # {فكلوا مما غنمتم} أي: من الفداء، فإنه من جملة الغنائم {حلالا طيبا} ~~فأحل الله الغنائم بهذه الآية لهذه الأمة وقال صلى الله عليه وسلم «أحلت لي ~~الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل ~~لنا الغنائم ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» . # فإن قيل: ما معنى الفاء في قوله تعالى: {فكلوا} ؟ أجيب: بأنها سببية ~~والمسبب محذوف تقديره أبحت لكم الغنائم فكلوا، وبنحوه تشبث من زعم أن الأمر ~~الوارد بعد الحظر للإباحة، وحلالا حال من المغنوم أو صفة للمصدر أي: أكلا ~~حلالا، وفائدته إزاحة ما وقع في نفوسهم منه بسبب تلك المعاتبة، ولذلك وصفه ~~بقوله: {طيبا} . {واتقوا الله} في مخالفته {إن الله غفور} غفر ذنوبكم ~~{رحيم} أباح لكم ما أخذتم، وقوله تعالى: {واتقوا الله} إشارة إلى المستقبل، ~~وقوله تعالى: {إن الله غفور رحيم} إشارة إلى الحالة ms0967 الماضية ولما أخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الفداء من الأسارى وثق عليهم أخذ أموالهم منهم ذكر ~~الله تعالى هذه الآية استمالا لهم، فقال عز من قائل: # {يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} قرأ أبو عمرو بضم الهمزة وفتح ~~السين بعدها ألف، والباقون بفتح الهمزة وسكون السين ولا ألف بعدها، وأمال ~~الألف بعد الراء أبو عمرو وحمزة والكسائي محضة، وورش بين بين {إن يعلم الله ~~في قلوبكم خيرا} أي: خلوص إيمان وصحة نية {يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} من ~~الفداء، قال ابن عباس: نزلت في العباس وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحرث ~~كان العباس أسيرا يوم بدر، ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس ~~فكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر، فلم تبلغه النوبة حتى أسر، ~~فقال العباس: كنت مسلما إلا أنهم ألزموني فقال صلى الله عليه وسلم «إن يكن ~~ما تذكره حقا فالله يجزيك وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا» قال العباس: وكلمت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يترك ذلك الذهب لي فقال: «أما شيء خرجت به ~~تستعين به علينا فلا» قال: فكلفني فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين ~~أوقية، وفداء نوفل بن الحارث فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فأين ما دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك ~~من مكة، وقلت لها ما أدري ما يصيبني، فإن # PageV01P583 # حدث بي ما حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم فقال العباس: ~~وما يدريك يا ابن أخي؟ قال: «أخبرني به ربي» فقال العباس: أنا أشهد أنك ~~صادق وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله والله لم يطلع عليه أحد ~~إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتابا في أمرك فأما إذ ~~أخبرتني بذلك فلا ريب، قال العباس: فأبدلني الله خيرا من ذلك لي الآن عشرون ~~عبدا وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا وأعطاني زمزم وما أحب أن ms0968 لي بها جميع ~~أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي» . # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا ~~فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمره العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ما ~~قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة من ربكم ~~يعني الدعوة بقوله تعالى: {ويغفر لكم وا غفور رحيم} واختلف المفسرون في أن ~~الآية نزلت في العباس خاصة أو في جملة الأسارى قال بعضهم: إنها نزلت في ~~الكل قال الرازي: وهذا أولى؛ لأن ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه: # أحدها: قوله تعالى: {قل لمن في أيديكم} . # وثانيها: قوله تعالى: {من الأسرى} . # وثالثها: قوله تعالى: {إن يعلم الله في قلوبكم خيرا} . # ورابعها: قوله تعالى: {يؤتكم خيرا} . # وخامسها: قوله تعالى: {مما أخذ منكم} . # وسادسها: قوله تعالى: {ويغفر لكم} فدلت هذه الألفاظ الستة على العموم فما ~~الموجب للتخصيص أقصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول هذه الآية هو العباس ~~إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # {وإن يريدوا} أي: الأسارى {خيانتك} أي: بما أظهروا من القول {فقد خانوا ~~الله} بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ بالعهد {من قبل} أي: قبل بدر {فأمكن ~~منهم} ببدر قتلا وأسرا فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا {وا عليم} بما في ~~بواطنهم وضمائرهم من إيمان وتصديق وخيانة {حكيم} أي: بالغ الحكمة فهو يتقن ~~كل ما يريده فهو يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة وكذا فعل ~~تعالى في ابن عزة الجمحي، فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في المن عليه ~~بغير شيء لفقره وعياله وعاهده على أنه لا يظاهر عليه أحدا، ثم خان فظفر به ~~في غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيرا، فاعتذر له وسأله العفو عنه فقال: ~~«لا، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين وأمر به فضربت عنقه. # {إن الذين آمنوا} أي: بالله ورسوله {وهاجروا} أي: وأوقعوا الهجرة من بلاد ~~الشرك وهم المهاجرون الأولون هجروا أوطانهم وعشائرهم ms0969 وأحبابهم حبا لله ~~تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم {وجاهدوا} أي: وأوقعوا الجهاد وهو بذل ~~الجهد في توهين الكفر {بأموالهم} وكانوا في غاية العزة في أول الأمر ~~{وأنفسهم} بإقدامهم على القتال مع شدة الأعداء وكثرتهم وقدم المال؛ لأنه ~~سبب قيام النفس أي: بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من ~~الديار، والنخيل وغيرها، وأخر قوله تعالى: {في سبيل الله} لذلك، وفي سببية ~~أي: جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد، ويسهل المرور فيه من غير قاطع ~~{والذين آووا} أي: من هاجر إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~فأسكنوهم في ديارهم وقسموا لهم من أموالهم وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن ~~بعض نسائهم ليتزوجوهن {ونصروا} أي: الله ورسوله والمؤمنين وهم الأنصار رضي ~~الله عنهم، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من هذين الجنسين ~~ولكن المهاجرين الأولون أعلى منهم # PageV01P584 # لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زمانا ~~طويلا وصبرهم على فرقة الأهل والأوطان. @ # وأشار تعالى إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم فقال: {أولئك} أي: ~~العالو الرتبة {بعضهم أولى ببعض} أي: دون أقاربهم من الكفار قال ابن عباس ~~في الميراث فكانوا يتوارثون بالهجرة فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ~~ذوي الأرحام وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح ~~مكة انقطعت الهجرة وتوارثوا بالأرحام حيث كانوا وصار ذلك منسوخا بقول تعالى ~~{وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} {والذين آمنوا ولم يهاجروا} ~~أي: آمنوا وأقاموا بمكة {ما لكم من ولايتهم من شيء} أي: فلا إرث بينكم ~~وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة {حتى يهاجروا} أي: إلى المدينة {وإن ~~استنصروكم في الدين} أي: ولم يهاجروا {فعليكم النصر} أي: فيجب عليكم أن ~~تنصروهم على المشركين {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي: عهد فلا ~~تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم {وا بما تعملون بصير} في ذلك ترغيب في العمل ~~بما حث عليه من الإيمان والهجرة وغير ذلك مما تقدم وترهيب من العمل ~~بأضدادها، وفي البصير ms0970 إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصا أو مشوبا، ~~ففيه مزيد حث على الإخلاص. # {والذين كفرا بعضهم أولياء بعض} أي: في النصر؛ لأن كفار قريش كانوا ~~معادين اليهود فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاونوا عليه جميعا ~~وفي الميراث، فيرث بعضهم بعضا ولا إرث بينكم وبينهم {ألا تفعلوه} أي: ما ~~أمرتم به من التواصل بينكم وتولى بعضكم لبعض حتى في الميراث وقطع العلائق ~~بينكم وبين الكفار {تكن} أي: تحصل {فتنة} أي: عظيمة {في الأرض} بضعف ~~الإيمان وقوة الكفر {وفساد كبير} في الدين، ولما تقدمت أنواع المؤمنين ~~المهاجر والناصر والقاعد وذكر أحكام موالاتهم أخذ يبين تفاوتهم في الفضل ~~بقوله تعالى: # {والذين آمنوا} أي: بالله ورسوله وما أتى به {وهاجروا} في الله تعالى من ~~يعادي نبيه صلى الله عليه وسلم سابقين {وجاهدوا في سبيل الله} بما تقدم من ~~المال والنفس وغيرهما، فبذلوا الجهد في إذلال الكفار ولم يذكر آلة الجهاد؛ ~~لأنها مع تقدم ذكرها لازمة {والذين أووا} أي: من هاجر إليهم {ونصروا} أي: ~~حزب الله {أولئك هم المؤمنون} أي: الكاملون في الإيمان {حقا} أي: لأنهم ~~حققوا إيمانهم بتحقيق مقتضاه من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحق ثم ~~وعدهم الموعد الكريم بقوله تعالى: {لهم مغفرة} أي: لزلاتهم وهفواتهم؛ لأن ~~مبنى الآدمي على العجز اللازم عند التقصير وإن اجتهد ولن يشاد الدين أحد ~~إلا غلبه. # ولما ذكر تطهيرهم بالمغفرة ذكر تزكيتهم بالرحمة بقوله تعالى: {ورزق} أي: ~~من الغنائم وغيرها في الدنيا والآخرة {كريم} أي: لا تبعة ولا منة فيه ثم ~~الحق بهم في الأمرين من يستلحق بهم ويتسم بسمتهم بقوله تعالى: # {والذين آمنوا من بعد} أي: بعد السابقين إلى الإيمان والهجرة {وهاجروا} ~~أي: لاحقين للسابقين، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم من هاجر بعد ~~الحديبية قال: وهي الهجرة الثانية {وجاهدوا معكم} أي: من تجاهدونه من حزب ~~الشيطان {فأولئك منكم} أي: من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار فلهم ما لكم ~~وعليهم ما عليكم من المواريث والمغانم وغيرها لأن الوصف الجامع هو ms0971 المدار ~~للأحكام وإن تأخرت رتبتهم عنكم بما # PageV01P585 # أفهمته أداة البعد {وأولوا الأرحام} أي: ذووا القرابات {بعضهم أولى ببعض} ~~قال ابن عباس: كانوا يتوارثون بالهجرة والإخاء حتى نزلت هذه الآية فبين ~~الله تعالى بها أن سبب القرابة أقوى وأولى من سبب الهجرة والإخاء ونسخ بها ~~ذلك التوارث وقوله تعالى: {في كتاب الله} أي: في حكمه في اللوح المحفوظ أو ~~القرآن وتمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى بهذه على توريث ذوي الأرحام ~~وأجاب عنه الشافعي رضي الله تعالى عنه بأنه لما قال في كتاب الله كان معناه ~~في حكم الله الذي بينه في سورة النساء، فصارت هذه السورة مقيدة بالأحكام ~~التي ذكرها في سورة النساء في قسمة المواريث وإعطاء أهل الفروض فروضهم وما ~~بقي فللعصبات فوجب أن يكون المراد من هذا هو ذاك فقط فلا يتعدى إلى توريث ~~ذوي الأرحام ثم قال تعالى في ختم السورة {إن الله بكل شيء عليم} أي: إن هذه ~~الأرحام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح وليس فيها شيء من العبث ~~والباطل لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب ونظيره أن ~~الملائكة لما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قال الله تعالى ~~مجيبا لهم: {إني أعلم ما لا تعلمون} أي: كما علمتم بكوني عالما بكل ~~المعلومات فاعلموا أن حكمي يكون منزها عن الغلط فكذا هنا وقول البيضاوي في ~~بعض النسخ تبعا للزمخشري، وعن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة ~~الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة وشاهد أنه بريء من النفاق وأعطي # عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام ~~حياته في الدنيا» حديث موضوع. ### | سورة التوبة # مدنية # إلا الآيتين من قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} وهي آخر ما نزلت ~~وآيها مائة وثلاثون وقيل: تسع وعشرون، وعدد كلماتها ألفان وأربعمائة وسبع ~~وتسعون كلمة وحروفها عشرة آلاف وثمانمائة وسبعة وثمانون حرفا، ولها عدة ~~أسماء: التوبة، براءة، المقشقشة، البحوثة، المبعثرة، المنقرة، المثيرة، ~~الحافرة، المخزية، الفاضحة، المنكلة، ms0972 المشردة، المدمدمة، سورة العذاب وإنما ~~سميت بذلك لما فيها من التوبة للمؤمنين والقشقشة من النفاق وهي التبرؤ منه ~~والبحث عن حال المنافقين وإثارتها والحفر عنها وما يخزيهم ويفضحهم وينكلهم ~~ويشردهم ويدمدم عليهم ولم تكتب فيها البسملة لأنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يأمر بذلك كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم وأخرج في معناه عن علي أن البسملة ~~أمان وهي نزلت لرفع الأمن بالسيف، وعن حذيفة إنكم تسمونها سورة التوبة وهي ~~سورة العذاب. # وروى البخاري عن البراء أنها آخر سورة نزلت، وقيل: كان صلى الله عليه ~~وسلم إذا نزل عليه سورة أو آية بين موضعها فتوفي ولم يبين موضعها وكانت ~~قصتها تشابه قصة الأنفال وتسامتها؛ لأن في الأنفال ذكر العهود وفي براءة ~~نبذها فضمت إليها، قال القاضي: يبعد أن يقال إنه عليه الصلاة والسلام لم ~~يبين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال لأن القرآن مرتب من قبل الله ~~تعالى ومن قبل رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي نقل ولو جوزنا في ~~بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله تعالى على سبيل الوحي لجوزنا مثله في ~~سائر السور، وفي آيات السورة الواحدة وذلك يخرجه عن كونه # PageV01P586 # حجة بل الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام أمر بوضع هذه السورة بعد سورة ~~الأنفال وحيا، وأنه عليه الصلاة والسلام حذف بسم الله الرحمن الرحيم من هذه ~~السورة وحيا، والقول بأن قصتها تشابه قصتها وتناسبها فضمت إليها إنما يتم ~~إذا قلنا: إنهم إنما وضعوا هذه السورة من قبل أنفسهم لهذه العلة. وقيل: إن ~~الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة براءة سورة واحدة ~~أم سورتان، فقال بعضهم: هما سورة واحدة؛ لأن كلتيهما نزل في القتال، ~~ومجموعهما هو السورة السابعة من الطوال وهي سبع، وما بعدها المؤن؛ لأنهما ~~معا مائتان وست آيات، فهما بمنزلة سورة واحدة. ومنهم من قال: سورتان، فلما ~~ظهر الاختلاف من الصحابة في هذا تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول: ~~هما سورة واحدة. وقال بعض أصحاب الإمام ms0973 الشافعي رضي الله عنه: لعل الله لما ~~علم من بعض الناس أنهم ينازعون في كون بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن ~~أمر أن لا تكتب ههنا ليدل ذلك على كونها آية من كل سورة، فإنها لما لم تكن ~~آية من هذه السورة وجب كونها آية من كل سورة، وقيل غير ذلك. والصحيح من هذه ~~الأقوال ما ذهب إليه القاضي من أن القرآن مرتب من قبل الله ومن قبل رسوله ~~صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي نقل، وأنه صلى # الله عليه وسلم حذف بسم الله الرحمن الرحيم من هذه السورة وحيا، وإنما ~~ذكرت هذه الأقوال تشحيذا للأذهان. وقوله تعالى: # {براءة} خبر مبتدأ محذوف أي: هذه براءة. وقوله تعالى: {من الله ورسوله} ~~من: ابتدائية متصلة بمحذوف تقديره: واصلة من الله ورسوله، ويجوز أن يكون: ~~براءة مبتدأ لتخصيصها بصفتها، والخبر {إلى الذين عاهدتم} أي: أوقعتم العهد ~~بينكم وبينهم {من المشركين} أي: وإن كانت معاهدتكم لهم إنما كانت بإذن من ~~الله ورسوله، فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعا لهما، ودل ~~سياق الكلام وما حواه من بديع النظام أن العهد إنما هو لأجل المؤمنين، ~~وإنما الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فغنيان عن ذلك، أما الله ~~فبالغنى المطلق، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فبالذي اختاره للرسالة؛ ~~لأنه ما فعل ذلك إلا وهو قادر على نصره بسبب وبغير سبب. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى تبوك كان المنافقون يرجفون ~~الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأمر الله تعالى بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى: {وإما تخافن من ~~قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} (الأنفال، 58) # الآية ونقض العهد بما يذكر في قوله تعالى {فسيحوا} أي: سيحوا آمنين أيها ~~المشركون {في الأرض أربعة أشهر} لا يتعرض لكم فيها ولا أمان لكم بعدها، ~~وكان ابتداء هذه الأشهر يوم الحج الأكبر وانقضاؤها إلى عشر من ربيع الآخر، ~~وقال الأزهري: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة ms0974 والمحرم؛ لأنها نزلت في شوال. ~~وقيل: في ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرين من شهر ربيع الآخر، ~~وكانت حرما لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم أو على التغليب؛ لأن ذا ~~الحجة والمحرم منها. قال البغوي: والأول هو الأصوب وعليه الأكثرون اه. ~~وقيل: العشر من ذي القعدة إلى عشر من شهر ربيع الأول؛ لأن الحج في تلك ~~السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ثم صار في السنة الثانية من ~~ذي الحجة # PageV01P587 # وكان نزولها في سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها ~~عتاب بن أسيد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه على ~~موسم الحج سنة تسع ثم أتبعه عليا رضي الله عنه راكب العضباء ناقة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليقرأها على أهل الموسم، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي ~~بكر، فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي من أبي بكر سمع أبو بكر ~~الرغاء فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصل ~~العضباء: المشقوقة الأذن، ولم تكن ناقته صلى الله عليه وسلم كذلك ولكن كان ~~ذلك علما عليها، والرغاء بالمد: صوت ذوات الخف قاله الجوهري، فلما لحقه قال ~~أمير أو مأمور. # وروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما كان ببعض الطريق هبط جبريل، وقال: يا ~~محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل عليا رضي الله عنه فرجع أبو بكر ~~رضي الله عنه وقال: يا رسول الله أشيء نزل، قال: نعم فسر وأنت على الموسم ~~وعلي ينادي بالآي، فلما كان قبل التروية بيوم خطب أبو بكر وحدثهم عن ~~مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: أيها الناس إني رسول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو ~~أربعين آية، وعن مجاهد ثلاث عشرة، ثم قال: أمرت بأربع آي بأن أخبروا نادى ~~بها أن لا يقرب البيت بعد هذا العام ms0975 مشرك، ولا يطوف به عريان، ولا يدخل ~~الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده، فقالوا عند ذلك: أبلغ ~~ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن ~~بالرماح وضرب بالسيوف ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة ~~الوداع. # فإن قيل: قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة لأن يؤدوا عنه كثيرا ~~ولم يكونوا من عترته، أجيب: بأن هذا ليس على العموم بل مخصوص بالعهود؛ لأن ~~العرب عاداتها أن لا يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل من الأقارب، ~~فلو تولاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه لجاز أن يقولوا: هذا خلاف ما يعرف ~~فينا من نقض العهود، فربما لم يقبلوا فلم يخف عليهم بتوليته عليا ذلك، ويدل ~~على ذلك أن في بعض الروايات لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، ~~وقيل: لما خص أبا بكر بتولية الموسم خص عليا بهذا التبليغ تطييبا للقلوب ~~ورعاية للجوانب، وقيل: قرر أبا بكر على الموسم وبعث عليا خليفة لتبليغ هذه ~~الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويكون ذلك جاريا مجرى تنبيه على إمامة أبي ~~بكر. # فإن قيل: ما وجه إطباق أكثر العلماء على جواز مقاتلة المشركين في الأشهر ~~الحرم وقد صانها الله تعالى عن ذلك؟ أجيب: بأنهم قالوا: قد نسخ وجوب ~~الصيانة وأبيح قتال المشركين فيها. # {واعلموا أنكم غير معجزي الله} أي: لا تفوتونه وإن أمهلكم {وأن الله مخزي ~~الكافرين} أي: مذلهم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب. # {وأذان} أي: إعلام واقع {من الله ورسوله إلى الناس} إذ الأذان في اللغة ~~الإعلام، ومنه الأذان للصلاة، فإنه إعلام بوقتها وارتفاعه كارتفاع براءة ~~على الوجهين. # فإن قيل: لم علقت البراءة بالذين عاهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس ~~أجيب: بأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأما الأذان فعام ~~لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث. # {يوم الحج الأكبر} أي: ms0976 يوم عيد النحر لأن فيه معظم أفعاله من طواف ونحر ~~وحلق ورمي يقع # PageV01P588 # فيه، ولأن الإعلام كان فيه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر ~~بين الجمرات في حجة الوداع فقال: أي يوم هذا؟ فقالوا: يوم النحر فقال: هذا ~~يوم الحج الأكبر. # وروي أن عليا رضي الله عنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة ~~فجاءه رجل فأخذ بلجام دابته وسأله عن يوم الحج الأكبر فقال: يومك هذا فخل ~~سبيلها، وقيل: يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة» ، وقيل: أيام ~~منى كلها؛ لأن اليوم قد يطلق ويراد به الحين والزمان كقوله يوم صفين ويوم ~~الجمل؛ لأن الحرب دامت في هذه الأيام ويطلق عليها يوم واحد. وقيل: هو الذي ~~حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد ~~اليهود وعيد النصارى وعيد المشركين ولم يجتمع مثل ذلك قبله ولا بعده ووصف ~~الحج بالأكبر؛ لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، وإنما قيل لها الأصغر لنقصان ~~أعمالها عن الحج. وقيل: وصف بذلك لموافقته حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة ~~الوداع، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة وودع الناس فيه وخطبهم وعلمهم مناسكهم. ~~وقيل: وصف بذلك لاجتماع أعياد الملل في ذلك اليوم. وقيل: لأنه ظهر فيه عز ~~المسلمين وذل المشركين. وقوله تعالى: {إن الله بريء من المشركين} أي: من ~~عهودهم فيه حذف تقديره وأذان من الله ورسوله بأن الله بريء من المشركين، ~~وإنما حذف الجار لدلالة الكلام عليه. وقوله تعالى: {ورسوله} مرفوع على أنه ~~مبتدأ حذف خبره أي: ورسوله. # كذلك وحكي أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: ورسوله بالجر، فقال: إن كان الله ~~بريء من رسوله فأنا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر رضي الله عنه، فحكى ~~الأعرابي الواقعة فحينئذ أمر عمر بتعليم العربية. # وحكي أيضا أن أعرابيا قدم في زمن عمر، فقال: من يقرئني مما أنزل الله ~~تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم فأقرأه رجل براءة، فقال: {إن الله بريء ~~من المشركين ورسول} ه ms0977 بالجر، فقال الأعرابي: أوقد برىء الله من رسوله إن ~~يكن الله بريء من رسوله فأنا بريء منه، فبلغ عمر رضي الله تعالى عنه مقالة ~~الأعرابي فدعاه فسأله فأخبره الأعرابي بذلك، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي ~~فقال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: {إن الله بريء من المشركين ورسوله} ~~بالرفع، فقال: وأنا والله أبرأ مما برىء الله ورسوله منه، فأمر عمر أن لا ~~يقرأ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود الدؤلي فوضع النحو. {فإن ~~تبتم} أي: عن الكفر والغدر {فهو} أي: ذلك الأمر العظيم وهو المتاب {خير ~~لكم} أي: من الإقامة على الشرك، وهذا ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن ~~الشرك الموجب لدخول النار. {وإن توليتم} أي: أعرضتم عن الإيمان والتوبة من ~~الشرك {فاعلموا أنكم غير معجزي الله} وذلك وعيد عظيم وإعلام بأن الله تعالى ~~قادر على إنزال أشد العذاب بهم كما قال تعالى: {وبشر الذين كفروا بعذاب ~~أليم} أي: مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا والنار في الآخرة ولفظ البشارة ~~هنا ورد على سبيل الإخبار أو على سبيل الاستهزاء كما يقال محبتهم الضرب ~~وإكرامهم الشتم، وقوله تعالى: # {إلا الذين عاهدتم من المشركين} استثناء من المشركين وهم بنو ضمرة حي من ~~كنانة أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم، ~~وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر، وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا كما قال ~~تعالى: {ثم لم ينقصوكم شيئا} أي: من عهودكم التي عاهدتموهم عليها {ولم ~~يظاهروا} أي: ولم يعاونوا {عليكم أحدا} من عدوكم {فأتموا # PageV01P589 # إليهم عهدهم إلى مدتهم} أي: إلى انقضائها، ولا تجروهم مجرى الناكثين. ~~وقوله تعالى: {إن الله يحب المتقين} تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من ~~باب التقوى. # {فإذا انسلخ} أي: انقضى وخرج {الأشهر الحرم} التي حرم الله تعالى عليهم ~~فيها قتالهم، وضربت أجلا لسياحتهم والتعريف مثله في {فأرسلنا إلى فرعون ~~رسولا فعصى فرعون الرسول} (المزمل، 16) # والمراد بكونها حرما أن الله تعالى حرم القتل والقتال فيها. وقيل: هي رجب ~~وذو ms0978 القعدة وذو الحجة والمحرم، قال البيضاوي: وهذا يخل بالنظم أي: نظم ~~الآية إذ نظمها يقتضي توالي الأشهر المذكورة. {فاقتلوا المشركين} أي: ~~الناكثين الذين ضربتم لهم هذا الأجل إحسانا وكرما {حيث وجدتموهم} أي: في حل ~~أو حرم أو في شهر حرام أو غيره. {وخذوهم} أي: بالأسر {واحصروهم} أي: بالحبس ~~عن إتيان المسجد الحرام والتصرف في بلاد الإسلام في القلاع والحصون حتى ~~يضطروا إلى الإسلام أو القتل {واقعدوا لهم} أي: لأجلهم خاصة، فإن ذلك من ~~أفضل العبادات {كل مرصد} أي: طريق يسلكونه لئلا ينبسطوا في البلاد. وانتصاب ~~كل على الظرفية كقوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} (الأعراف، 16) # وقيل: بنزع الخافض، قال الحسن بن الفضل: نسخت هذه الآية كل آية فيها ذكر ~~الإعراض عن المشركين والصبر على أذى الأعداء. {فإن تابوا} أي: عن الكفر ~~بالإيمان {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} تصديقا لتوبتهم وإيمانهم، فوصلوا ~~ما بينهم وبين الخالق وما بينهم وبين الخلائق. {فخلوا سبيلهم} أي: فدعوهم ~~ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك، وفي هذه الآية دليل على أن تارك الصلاة ومانع ~~الزكاة لا يخلى سبيله؛ لأنه إن كان جاحدا لوجوبهما فهو مرتد وإلا قتل بترك ~~الصلاة وأخذت منه الزكاة قهرا وقوتل على ذلك كما نقل عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أنه قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر كفر من ~~كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما: كيف تقاتل الناس وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله ~~إلا الله، محمد رسول الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ~~ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله» فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ~~الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية: عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن ms0979 ~~رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر إلى القتال، فعرفت أنه الحق. {إن الله غفور} ~~أي: بليغ المحو للذنوب التي تاب صاحبها عنها {رحيم} به. # {وإن أحد من المشركين} أي: الذين أمرت بقتالهم {استجارك} أي: طلب أن ~~تعامله في الإكرام معاملة الجار بعد انقضاء مدة السياحة {فأجره} أي: فأمنه ~~ودافع عنه من يقصده بسوء. {حتى يسمع كلام الله} أي: القرآن بسماع التلاوة ~~الدالة عليه فيعلم بذلك ما يدعى إليه من المحاسن ويتحقق أنه ليس من كلام ~~الخلق {ثم} إن أراد الانصراف ولم يسلم {أبلغه مأمنه} أي: الموضع الذي يأمن ~~فيه وهو دار قومه لينظر في أمره، ثم بعد ذلك يجوز لك قتلهم وقتالهم من غير ~~غدر ولا خيانة. قال الحسن: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة. # تنبيه: أحد: مرفوع بفعل مضمر يفسره الظاهر وتقديره: وإن استجارك أحد، ولا ~~يجوز أن # PageV01P590 # يرتفع بالابتداء؛ لأن إن من عوامل الفعل، فلا تدخل على غيره. {ذلك} أي: ~~الأمر بالإجارة للغرض المذكور {بأنهم} أي: بسبب أنهم {قوم لا يعلمون} أي: ~~لا علم لهم لأنهم لا عهد لهم بنبوة ولا رسالة ولا كتاب، فإذا علموا أوشك أن ~~ينفعهم العلم، وقوله سبحانه وتعالى: # {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} استفهام معناه الجحد أي: لا ~~يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله وهم يغدرون وينقضون العهد {إلا الذين ~~عاهدتم} أي: من المشركين {عند المسجد الحرام} يوم الحديبية وهم المستثنون ~~قبل {فما استقاموا لكم} أي: أقاموا على العهد ولم ينقضوه {فاستقيموا لهم} ~~أي: على الوفاء وهو كقوله تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} (التوبة، ~~4) # غير أنه مطلق وهذا مقيد، وما تحتمل الشرطية والمصدرية. {إن الله يحب ~~المتقين} أي: من اتقى يوفي بعده لمن عاهده، وقد استقام صلى الله عليه وسلم ~~على عهدهم حتى نقضوه بإعانة بني بكر على خزاعة. وقوله تعالى: # {كيف} تكرار للاستبعاد بثبات المشركين على العهد وحذف الفعل لكونه معلوما ~~أي: كيف يكون لهم عهد ثابت {وإن} أي: والحال أنهم مضمرون لكم الغدر ~~والخيانة، ms0980 فهم إن {يظهروا عليكم} أي: يعلو أمرهم على أمركم بأن يظفروا بكم ~~بعد العهد والميثاق {لا يرقبوا} أي: لا يراعوا {فيكم} أي: في أذاكم بكل ~~جليل وحقير {إلا} أي: قرابة محققة قال حسان: # *لعمرك إن إلك من قريش ... كإل السقب من رأل النعام* # السقب: ولد الناقة، والرأل: ولد النعامة، والخطاب في لعمرك لأبي سفيان، ~~أي: لا قرابة بينك وبين قريش كما لا قرابة بين ولد الناقة وولد النعامة. ~~وقيل: إلا إلها، وقيل: جبريل {ولا ذمة} أي: عهدا بل يؤذوكم ما استطاعوا ~~وقوله تعالى: {يرضونكم بأفواههم} أي: بكلامهم كلام مبتدأ في وصف حالهم من ~~مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد {وتأبى قلوبهم} ~~أي: عن الوفاء به لمخالفة ما فيها من الأضغان {وأكثرهم فاسقون} أي: راسخو ~~الأقدام في الفسق. # فإن قيل: الموصوفون بهذه الصفة كفار، والكفر أقبح وأخبث من الفسق، فكيف ~~يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم. وأيضا الكفار كلهم فاسقون فلا ~~يبقى لقوله: وأكثرهم فائدة؟ أجيب: بأن الكافر قد يكون عدلا في دينه، فلا ~~ينقض العهد، وقد يكون فاسقا خبيث النفس في دينه فينقضه، فالمراد بالفسق هنا ~~نقض العهد، وكان في المشركين من وفى بعهده، فلهذا قال: وأكثرهم أي: إن ~~هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهد أكثرهم فاسقون في دينهم وعند ~~أقوامهم وذلك يوجب المبالغة في الذم. وقال ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض ~~أولئك الكفار قد أسلم وتاب فلهذا السبب قال: {وأكثرهم فاسقون} حتى يخرج عن ~~هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام. # {اشتروا} أي: استبدلوا {بآيات الله} أي: القرآن {ثمنا قليلا} أي: عرضا ~~يسيرا من الدنيا، وهو اتباع الأهواء والشهوات مع مصاحبة الكفر، وذلك أن أبا ~~سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فنقض العهد ~~الذي بينهم بسبب تلك الأكلة {فصدوا} أي: فتسبب لهم ذلك وأداهم إلى أن صدوا ~~{عن سبيله} أي: منعوا الناس من الدخول في دينه {إنهم ساء} أي: بئس {ما ~~كانوا يعملون} أي: عملهم ms0981 # PageV01P591 # هذا، وما دل عليه قوله تعالى: # {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} فهو تفسير لا تكرير، وقيل: الأول عام في ~~المنافقين، وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والأعراب الذين جمعهم أبو ~~سفيان وأطعمهم. {وأولئك} أي: هؤلاء البعداء من كل خير {هم المعتدون} الذين ~~تعدوا ما حد الله لهم في دينه وما يوجبه العقد والعهد. # ولما بين تعالى حال من لا يرقب في الله إلا ولا ذمة وينقض العهد وينطوي ~~على النفاق ويتعدى ما حد الله تعالى له بين ما يصيرون به من أهل دينه بقوله ~~تعالى: # {فإن تابوا} أي: رجعوا عن الشرك إلى الإيمان وعن نقض العهد إلى الوفاء به ~~{وأقاموا الصلاة} أي: المفروضة عليهم بجميع حدودها وأركانها {وآتوا الزكاة} ~~المفروضة عليهم طيبة بها نفوسهم {فإخوانكم} أي: فهم إخوانكم {في الدين} لهم ~~ما لكم وعليهم ما عليكم. وقوله تعالى: {ونفصل الآيات لقوم يعلمون} اعتراض ~~للحث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين وخصال التائبين. # {وإن نكثوا} أي: نقضوا {أيمانهم} أي: عهودهم. {من بعد عهدهم} الذي ~~عاهدوكم عليه أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدا من أعدائكم {وطعنوا في ~~دينكم} أي: وعابوا دينكم الذي أنتم عليه وقدحوا فيه. {فقاتلوا أئمة الكفر} ~~أي: الكفار بأسرهم، وإنما خص الأئمة منهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يحرضون ~~الأتباع منهم على هذه الأعمال الباطلة، وقال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان ~~بن حرب والحارث بن هشام وأبي جهل وسائر رؤساء قريش، وهم الذين نقضوا عهودهم ~~وهموا بإخراج الرسول، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر، وقرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية المكسورة وحققها الباقون، وقول البيضاوي: ~~والتصريح بالياء لحن تبع فيه الكشاف التابع للفراء، وهو مردود، فالجمهور من ~~النحاة والقراء على جواز قلب الهمزة الثانية حرف لين، فبعضهم على جعلها بين ~~بين، وبعضهم على قلبها ياء خالصة، وقوله تعالى: {إنهم لا أيمان لهم} قرأ ~~ابن عامر بكسر الهمزة أي: لا تصديق لهم ولا دين وليس في ذلك دلالة على أن ~~توبة المرتد لا تقبل، ms0982 والباقون بالفتح جمع يمين أي: لا أيمان لهم على ~~الحقيقة، وأيمانهم ليست بأيمان، وإلا لما طعنوا في دينكم ولم ينكثوا، وفيه ~~دليل على أن الذمي إذا طعن في الإسلام فقد نكث عهده أي: إن شرط ذلك عليه ~~كما هو مذهبنا وتمسك أبو حنيفة رحمه الله تعالى بهذا على أن يمين الكافر لا ~~تكون يمينا وعند الشافعيرخمه الله تعالى يمينهم منعقدة، ومعنى هذه الآية ~~عنده أنهم لما لم يؤمنوا بها صارت أيمانهم # كأنها ليست بأيمان والدليل على أن يمينهم منعقدة أن الله تعالى وصفها ~~بالنكث في قوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم} ولو لم تكن منعقدة لما صح وصفها ~~بالنكث وقوله تعالى: {لعلهم ينتهون} متعلق بقاتلوا أي: ليكن غرضكم في ~~مقاتلتهم بعدما وجد منهم ما وجد من العظائم أن ينتهوا عما هم عليه من الكفر ~~والطعن في دينكم والمظاهرة عليكم، وهذا في غاية كرم الله تعالى وفضله على ~~الإنسان وليس الغرض إيصال الأذية لهم كما هو طريقة الموحدين. # ولما قال تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر} أتبعه بذكر ثلاثة أسباب تبعثكم على ~~مقاتلتهم، كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد، فكيف بها حال الاجتماع: ~~أحدها ما ذكره تعالى بقوله: # {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} أي: نقضوا عهودهم وهم الذين نقضوا # PageV01P592 # عقد الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكرة على خزاعة وهذا يدل على أن قتال ~~الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجرا لغيرهم وثانيها قوله ~~تعالى: {وهموا بإخراج الرسول} من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على ما ذكر ~~في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} . وقيل: هم اليهود نكثوا عهد ~~الرسول وهموا بإخراجه من المدينة وهذا من أوكد ما يجب القتال لأجله. ~~وثالثها قوله تعالى: {وهم بدؤوكم} أي: بالقتال {أول مرة} أي: هم الذين كانت ~~منهم البداءة بالمقاتلة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم بالكتاب ~~المنير وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال فهم ~~البادؤون بالقتال والبادىء أظلم، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله وأن ~~تصدموهم بالشر ms0983 كما صدموكم، وبخهم الله تعالى بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ثم ~~وصفهم بما يوجب الحض عليها، وتقرر أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد ~~وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب حقيق بأن لا تترك مصادمته، وأن ~~يوبخ من فرط فيها. {أتخشونهم} أي: أتخافونهم أيها المؤمنون فتتركون قتالهم ~~{فا أحق أن تخشوه} فقاتلوا أعداءه {إن كنتم مؤمنين} أي: مصدقين بوعد الله ~~تعالى ووعيده؛ لأن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا ~~يبالي بمن سواه كقوله تعالى: {ولا يخشون أحدا إلا الله} (الأحزاب، 39) # ولما وبخهم الله تعالى على ترك القتال جدد له الأمر به بقوله تعالى: # {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} أي: بالقتل والأسر واغتنام الأموال. # فإن قيل: قد قال الله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} (الأنفال، ~~33) # فكيف قال تعالى هنا: {يعذبهم الله بأيديكم} ؟ أجيب: بأن المراد بالعذاب ~~في الآية الأولى عذاب الاستئصال، وبهذه الآية القتل والأسر. والفرق: أن ~~عذاب الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب، وإنه في حقه لمزيد الثواب وعذاب ~~القتل مقصور على المذنب وهذا كالتصريح بأن هذا الفعل وما عطف عليه فعله ~~تعالى وإن كان جاريا على أيدي العباد كسبا لا يرد على ذلك أنه لا يقال يعذب ~~الله المؤمنين بأيدي الكافرين؛ لأن ذلك إنما امتنع لشناعة العبارة كما لا ~~يقال: يا خالق القاذورات والأبوال والعذرات وإن كان هو الخالق لها. ~~{ويخزهم} أي: بالذل والفضيحة في الدنيا والعذاب في الآخرة {وينصركم عليهم} ~~أي: يمكنكم من قتلهم وإذلالهم {ويشف صدور قوم مؤمنين} أي: طائفة من ~~المؤمنين وهم خزاعة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هم بطون من اليمن وسبأ ~~قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديدا فبعثوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب. # {ويذهب غيظ قلوبهم} أي: كربها ووجدها، وقد وفى الله تعالى بما وعد، ~~والآية من المعجزات. وقوله تعالى: {ويتوب الله على من يشاء} استئناف أي: إن ~~الله تعالى يهدي من يشاء إلى الإسلام ms0984 كما فعل بأبي سفيان بن حرب وعكرمة بن ~~أبي جهل وسهيل بن عمرو، فهؤلاء كانوا من أئمة الكفر ورؤساء المشركين ثم من ~~الله تعالى عليهم بالإسلام يوم فتح مكة فأسلموا وحسن إسلامهم. {وا عليم} ~~أي: يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان فهو عليم بكل شيء، فيعلم من يصلح ~~للتوبة ومن لا يصلح لها، أو يعلم ما في قلوبكم من الإقدام والإحجام {حكيم} ~~أي: أحكم جميع أموره. # {أم حسبتم} أي: أظننتم {أن تتركوا} فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا ليظهر ~~الصادق من # PageV01P593 # الكاذب، والخطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال، وقيل للمنافقين. وأم: ~~بمعنى همزة الإنكار. {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} أي: علما ظاهرا ~~تقوم به الحجة عليكم في مجاري عاداتكم على مقتضى عقولكم بأن يقع الجهاد في ~~الواقع بالفعل، وعبر تعالى بلما دون لم لدلالتها مع استغراق الزمان على أن ~~تبين ما بعدها متوقع كائن، وقوله تعالى: {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ~~ولا المؤمنين وليجة} عطف على جاهدوا داخل في حيز الصلة كأنه قيل: ولما يعلم ~~الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذي وليجة من دون الله. والوليجة: ~~فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل، وهي البطانة من المشركين يتخذونهم يفشون ~~إليهم أسرارهم، وقال قتادة: هي الخيانة. وقال عطاء: هي الأولياء. {وا خبير ~~بما تعملون} من مولاة المشركين وغيرها، فيجازيكم عليه. # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولما أسر العباس يوم بدر عيره ~~المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي رضي الله عنه عليه القول، فقال ~~العباس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟ فقال له علي: وهل لكم ~~محاسن؟ قال: نعم نحن أفضل منكم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي ~~الحجيج ونفك العاني يعني الأسير فأنزل الله تعالى ردا على العباس. # {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا ~~مسجد الله بدخوله والقعود فيه وخدمته، فإذا دخل بغير إذن مسلم عزر وإن دخل ~~بإذنه لم يعزر، لكن لا بد من حاجة فيشترط ms0985 للجواز الإذن والحاجة، ويدل على ~~جواز دخول الكافر المسجد بالإذن أن النبي صلى الله عليه وسلم شد ثمامة بن ~~أثال إلى سارية من سواري المسجد وهو كافر، وذهب جماعة إلى أن المراد منه ~~العمارة المعروفة من بناء المسجد وترميمه عند خرابه فيمنع منه الكافر، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بسكون السين ولا ألف بعدها على التوحيد، وفي هذا دلالة ~~على أن المراد المسجد الحرام. والباقون بفتح السين، وألف بعدها على الجمع. ~~وفيه دلالة على أن المراد جميع المساجد، وقيل: المراد على القراءتين المسجد ~~الحرام، وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر الجميع. وقوله ~~تعالى: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} حال من الواو في يعمروا، أي: ما استقام ~~لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله ~~وبعبادته ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ظهور كفرهم، قال الحسن: لم ~~يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، وذلك أن كفار قريش كانوا ~~نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف ~~بثياب قد عملنا فيها المعاصي وكلما طافوا أسبوعا سجدوا للأصنام فلم يزدادوا ~~من الله إلا بعدا. وقيل: هو قولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه ~~وما ملك، وقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل: من ~~أنت؟ فيقول: نصراني، واليهودي يقول: يهودي، والمشرك يقول: مشرك. {أولئك ~~حبطت} أي: بطلت {أعمالهم} أي: الأعمال التي عملوها من أعمال البر وافتخروا ~~بها مثل العمارة والحجابة والسقاية، وفك العناة مع الكفر لا تأثير لها {وفي ~~النار هم خالدون} لجعلهم الكفر # مكان الإيمان. # PageV01P594 # واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة من أهل الإيمان لا يبقى ~~مخلدا في النار من وجهين: الأول قوله تعالى: {وفي النار هم خالدون} يفيد ~~الحصر أي: هم فيها خالدون لا غيرهم، ولما كان هذا واردا في حق الكفار ثبت ~~أن الخلود لا يحصل إلا للكافر. الثاني: أنه تعالى جعل ms0986 الخلود في النار جزاء ~~للكفار عن كفرهم، فلو كان هذا الحكم جزاء لغير الكافر لما صح تهديد الكافر ~~به. وفي الكشاف: أن الكبيرة تهدم الأعمال وهو جار على مذهبه الفاسد، ولما ~~بين تعالى أن الكافر ليس له أن يعمر مساجد الله بين المستحق لعمارتها بقوله ~~تعالى: # {إنما يعمر مساجد الله من آمن با واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخش} أحدا {إلا الله} أي: إنما تتم عمارتها لهؤلاء الجامعين بين ~~الكمالات العملية والعلمية. # فإن قيل: لم لم يذكر الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم مع أن الإيمان به ~~شرط في صحة الإيمان؟ أجيب: بأنه تعالى لما ذكر الصلاة والصلاة لا تتم إلا ~~بالتشهد وهو مشتمل على ذكره كان ذلك كافيا، ومما علم من أن الإيمان بالله ~~تعالى قرينه وتمامه الإيمان به فكان الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~مذكورا بطريق أبلغ وهو طريق الكناية لما مر من مقارنتهما وعدم انفكاك ~~أحدهما عن الآخر. وقيل: إن المشركين كانوا يقولون: إن محمدا إنما ادعى ~~رسالة الله طلبا للرياسة والملك، فلذلك ترك ذكر النبوة فكأنه يقول مطلوبي ~~من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصلي ~~وحذف ذكر النبوة تنبيها للكفار على أنه لا مطلوب له من الرياسة. # فإن قيل: كيف قال تعالى: {ولم يخش إلا الله} والمؤمن يخاف الظلمة ~~والمفسدين؟ أجيب: بأن المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في أبواب الدين، ~~وأن لا يختار على رضا الله تعالى عنه رضا غيره لتوقع مخوف. وإذا اعترضه ~~أمران: أحدهما: حق الله تعالى، والآخر: حق نفسه؛ أن يخاف الله تعالى، فيؤثر ~~حق الله تعالى على حق نفسه. وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي ~~تلك الخشية عنهم. ومن عمارة المساجد: ترميمها وفرشها وتنويرها بالسرج التي ~~لا سرف فيها، وإدامة العبادة فيها والذكر. ومن الذكر درس العلم فيها، بل هو ~~أجله وأعظمه، وصيانتها مما لم تبن المساجد لأجله كحديث الدنيا. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي في آخر الزمان ناس من ms0987 أمتي يأتون ~~المساجد، فيقعدون حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم ~~حاجة» . وفي الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة ~~الحشيش» . وفي «الكشاف» : أنه صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: إن ~~بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم ~~زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره» . قال شيخ شيخنا ابن حجر: لم ~~أجده هكذا، وفي الطبراني عن سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على ~~المزور أن يكرم زائره» . # وروي عنه صلى الله عليه وسلم «من ألف المسجد ألفه الله تعالى» وقال صلى ~~الله عليه وسلم «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» . وعن ~~أنس رضي الله عنه: من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش ~~تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوءه. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من غدا إلى المسجد وراح أعد الله ~~تعالى له نزلا # PageV01P595 # من الجنة كلما غدا وراح» . وفي قوله تعالى: {فعسى أولئك} أي: الموصوفون ~~بهذه الصفات {أن يكونوا من المهتدين} تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء ~~وحسم أطماعهم والانتفاع بأعمالهم التي قد استعظموها وافتخروا بها وأملوا ~~عاقبتها، فإنه تعالى بين أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع ~~وضموا إليه الخشية من الله تعالى، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائرا بين ~~لعل وعسى، فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بخير ~~من عند الله ومنع للمؤمنين من أن يغتروا بأحوالهم ويتكلوا عليها، وذكر ~~المفسرون في سبب نزول قوله تعالى: # {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن با واليوم الآخر وجاهد ~~في سبيل الله} أقوالا، فعن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أسقي الحاج. ~~وقال آخر: ما أبالي أن ms0988 لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: ~~الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ~~ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة، ~~ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فنزلت. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال العباس حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا ~~بالإسلام وبالهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، فنزلت. ~~وقيل: إن المشركين قالوا لليهود: نحن علينا سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه، فقالت لهم اليهود: أنتم أفضل، فنزلت. ~~وقيل: إن عليا قال للعباس رضي الله عنهما: يا عم، ألا تهاجرون ألا تلحقون ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألست في أفضل من الهجرة أسقي حاج بيت ~~الله وأعمر المسجد الحرام، فلما نزلت قال العباس: ما أراني إلا تارك ~~سقايتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أقيموا على سقايتكم فإن لكم ~~فيها خيرا» وكان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم بيده سقاية الحاج وكان ~~يليها في الجاهلية فلما جاء الإسلام وأسلم العباس أقره صلى الله عليه وسلم ~~على ذلك. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم جاء السقاية فاستسقى، فقال العباس رضي الله ~~عنه لابنه الفضل: يا فضل، اذهب إلى أمك فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بشراب من عندها، فقال له صلى الله عليه وسلم «اسقني» قال: يا رسول الله ~~يجعلون أيديهم فيه، قال: «اسقني» فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون ~~فيها، فقال: «اعملوا فإنكم على عمل صالح» . وعن أبي بن عبد الله المزني رضي ~~الله عنه قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاه أعرابي، فقال: مالي ~~أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أمن حاجة بكم أم من ~~بخل؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل، ~~إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ms0989 راحلته وخلفه أسامة فاستسقى ~~فأتيناه بإناء من نبيذ فشربه وسقى فضله أسامة وقال: أحسنتم وأجملتم كذا ~~فاصنعوه، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيذ: ~~تمر ينقع في الماء غدوة وهو حلال، فإن غلا وخمر حرم. # تنبيه: السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية، فلا بد ~~من مضاف محذوف تقديره أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من ~~آمن بالله {لا يستوون عند الله} أي: لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله # PageV01P596 # وجاهدوا في سبيل الله بحال من سقى الحاج وعمر المسجد الحرام وهو مقيم على ~~كفره؛ لأن الله تعالى لا يقبل عملا إلا مع إيمان به وبين عدم تساويهم بقوله ~~تعالى: {وا لا يهدي القوم الظالمين} أي: الكفرة ظلمة بالشرك ومعاداة النبي ~~صلى الله عليه وسلم منهمكون في الضلال، فكيف يساوون الذين عاهدهم الله ~~تعالى ووفقهم للحق والصواب؟ وقيل: المراد بالظالمين الذين يسوون بينهم وبين ~~المؤمنين. # {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله} أي: أعلى مرتبة وأكثر كرامة ممن لم يستجمع هذه الصفات والمراد من ~~كون العبد عند الله بالاستغراق في عبوديته وطاعته، وليس المراد منه قطع ~~العندية بحسب الجهة والمكان؛ لأن الأرواح البشرية إذا تطهرت من دنس الأوصاف ~~البدنية أشرقت بأنوار الجلال وتجلى فيها أضواء عالم الكمال، وسرت من ~~العبودية إلى العندية. وقيل: أعظم درجة عند الله ممن افتخر بالسقاية وعمارة ~~المسجد الحرام. # فإن قيل: على هذا كيف قال في وصفهم أعظم درجة مع أنه ليس للكافر درجة؟ ~~أجيب: بأن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون؛ لأنفسهم من الدرجة والفضيلة ~~عند الله. ونظيره قوله تعالى: {الله خير أم ما يشركون} (النحل، 59) # وقوله تعالى: {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم} (الصافات، 62) # {وأولئك} من هذه صفتهم {هم الفائزون} أي: بسعادة الدنيا والآخرة. # {يبشرهم} أي: يخبرهم {ربهم} والبشارة الخبر السار الذي يفرح الإنسان عند ~~سماعه وتستبشر بشرة وجهه عند سماع ذلك الخبر السار، ثم ذكر سبحانه وتعالى ~~الذي ms0990 يبشرهم به بقوله تعالى: {برحمة منه ورضوان} ، فهذا أعظم البشارات؛ لأن ~~الرحمة والرضوان من الله تعالى سبحانه وتعالى على العبد نهاية مقصودة ~~{وجنات} أي: بساتين كثيرة الأشجار والثمار {لهم فيها} أي: الجنات {نعيم} ~~أي: جزاء خالص عن كدر ما {مقيم} أي: غير منقطع. وقوله تعالى: # {خالدين فيها} حال مقدرة وحقق الخلود بقوله تعالى: {أبدا} ، ولما ذكر ~~تعالى هذه الأحوال، قال: {إن الله عنده أجر عظيم} وناهيك بما يصفه الله ~~بالعظم وخص هؤلاء المؤمنين بهذا الثواب المعبر عن دوامه بهذه العبارات ~~الثلاث المقرونة بالعظم والاسم الأعظم، فكان أعظم الثواب؛ لأن إيمانهم أعظم ~~الإيمان. # وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى: # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء} أقوالا فقال ~~مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها نزلت في العباس وطلحة وامتناعهما من ~~الهجرة، وقال ابن عباس رضي الله تعنهما: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من تعلق به أهله وولده يقولون: ننشدك الله أن ~~لا تضيعنا، فيرق لهم فيقيم عندهم ويدع الهجرة فنزلت، فهاجروا فجعل الرجل ~~يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقربائه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ~~ينفق عليه حتى رخص لهم بعد ذلك. قال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ~~ولحقوا بمكة أي: لا تتخذوهم أولياء يمنعوكم عن الإيمان ويصدوكم عن الطاعة ~~لقوله تعالى: {إن استحبوا} أي: اختاروا {الكفر على الإيمان} أي: أقاموا ~~عليه، تركوا الإيمان بالله ورسوله {ومن يتولهم منكم} أي: ومن يختر المقام ~~معهم على الهجرة والجهاد {فأولئك هم الظالمون} أي: فقد ظلم نفسه بمخالفة ~~أمر الله تعالى واختيار الكفار على # PageV01P597 # المؤمنين. # ولما نزلت هذه الآية قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت ~~أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فنزل قوله تعالى: # {قل} يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة {إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} أي: أقرباؤكم مأخوذ من العشرة، وقيل: من ~~العشرة، فإن العشرة جماعة ترجع إلى عقد كعقد العشرة {وأموال اقترفتموها} ~~أي: ms0991 اكتسبتموها {وتجارة تخشون كسادها} أي: عدم نفاقها بفراقكم لها {ومساكن ~~ترضونها} أي: تستوطنونها راضين بسكناها {أحب إليكم من الله ورسوله} أي: ~~الهجرة إلى الله ورسوله {وجهاد في سبيله} فقعدتم لأجل ذلك عن الهجرة ~~والجهاد، أي: إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله ~~وطاعة رسوله، ومن المجاهدة في سبيل الله {فتربصوا} أي: انتظروا متربصين وهو ~~تهديد بليغ {حتى يأتي الله بأمره} . قال مجاهد بقضائه أي: عقوبة عاجلة أو ~~آجلة، وقال مقاتل بفتح مكة {وا لا يهدي القوم} أي: لا يخلق الهداية في قلوب ~~{الفاسقين} أي: الخارجين عن طاعته، وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين ~~مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح ~~الدنيا. # {لقد نصركم الله} النصرة المعونة على الأعداء بإظهار المسلمين عليهم {في ~~مواطن} أي: أماكن للحرب {كثيرة} كبدر وقريظة والنضير، والمراد بذلك غزواته ~~صلى الله عليه وسلم وسراياه وبعوثه، وكانت غزواته صلى الله عليه وسلم على ~~ما ذكر في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد بريدة في حديثه ~~قاتل في ثمان منها، وأما جميع غزواته وسراياه وبعوثه فقيل: سبعون، وقيل: ~~ثمانون {ويوم} أي: واذكر يوم {حنين} وهو واد بين مكة والطائف أي: يوم ~~قتالكم فيه هوازن وقوله تعالى: {إذ أعجبتكم كثرتكم} بدل من يوم حنين، وكانت ~~قصة حنين على ما نقله الرواة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ~~وقد بقي من شهر رمضان أيام، وخرج متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف، ~~واختلفوا في عدد عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عطاء عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: كانوا ستة عشر ألفا. وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف، وقال ~~قتادة: كانوا اثني عشر ألفا، عشرة آلاف الذين حضروا فتح مكة، وألفان انضموا ~~إليهم من الطلقاء، وهم الأسراء الذين أخذوا يوم فتح مكة وأطلقوا، وبالجملة ~~كانوا عددا كثيرا، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من ~~المسلمين: لن نغلب ms0992 اليوم من قلة إعجابا بكثرتهم، فساء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. وقيل: قائلها أبو بكر رضي الله ~~عنه، وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا القول بعيد جدا؛ لأنه صلى ~~الله عليه وسلم كان في أحواله كلها متوكلا على الله تعالى منقطع القلب عن ~~الدنيا وأسبابها ثم اقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم المشركون وتخلوا عن ~~الذراري ثم تنادوا: يا حماة السوادة اذكروا الفضائل فتراجعوا وانكشف ~~المسلمون حتى بلغ منهزمهم مكة وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مركزه ~~ليس معه إلا عمه العباس آخذا بلجام بغلته، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث ~~وناهيك بهذا شهادة لرسول الله صلى الله # عليه وسلم على تناهي شجاعته قال البراء بن عازب: كانت # PageV01P598 # هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم واستقبلونا ~~بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق معه إلا ~~العباس وأبو سفيان، قال البراء: والذي لا إله إلا هو ما ولي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دبره قط قد رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب والعباس أخذ بلجام ~~الدابة وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب فطفق يركض بغلته ~~نحو الكفار لا يولي ثم قال للعباس: «وكان صيتا صح يا عباس» فنادى: «يا عباد ~~الله يا أصحاب الشجرة» وهم أصحاب بيعة الرضوان المذكورون في قوله تعالى: ~~{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} (الفتح، 18) # يا أصحاب سورة البقرة قال الطيبي وهم المذكورون في قوله تعالى: {آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} (البقرة، 285) # وقيل: الذين أنزلت عليهم سورة البقرة فرجعوا جماعة واحدة يقولون: لبيك ~~لبيك ونزلت الملائكة فالتقوا مع المشركين فقال عليه الصلاة والسلام: «هذا ~~حين حمي الوطيس» أي: اشتد الحرب ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا ~~من تراب فرماهم ثم قال: «انهزموا ورب الكعبة» فانهزموا. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم أخذ قبضة من تراب ms0993 الأرض، ~~ثم استقبل بها وجوههم، ثم قال: «شاهت الوجوه» . قالت سلمة بن الأكوع: فما ~~خلق الله تعالى منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين ~~فهزمهم الله تعالى. {فلم تغن} أي: الكثرة. {عنكم شيأ وضاقت عليكم الأرض بما ~~رحبت} أي: برحبها أي: بسعتها لا تجدون فيها مقرا تطمئن إليه نفوسكم من شدة ~~الرعب، ولا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه. {ثم وليتم مدبرين} أي: الكفار ~~ظهوركم مدبرين أي: منهزمين، والإدبار الذهاب إلى خلف خلاف الإقبال. # {ثم أنزل الله سكينته} أي: رحمته التي سكنوا إليها وأمنوا. {على رسوله ~~وعلى المؤمنين} أي: على الذين انهزموا، فردوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما ناداهم العباس بإذنه صلى الله عليه وسلم وقيل: هم الذين ثبتوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين وقع الحرب. {وأنزل جنودا} أي: ملائكة {لم ~~تروها} بأعينكم قال سعيد بن جبير: مد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشرة ألفا. # وروي أن رجلا من بني النضير قال: للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، ~~والرجال الذين عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، وما ~~قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «تلك ~~الملائكة» {وعذب الذين كفروا} بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب المال. {وذلك ~~جزاء الكافرين} أي: ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا. # روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قسم ما أفاء الله عليه يوم حنين في ~~الناس، وفي المؤلفة قلوبهم، لم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ~~ما أصاب الناس، فخطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معاشر ~~الأنصار: ألم أجدكم ضلالا، فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، ~~وعالة فأغناكم الله بي» كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أن قال: «ما ~~يمنعكم أن تجيبوا رسول الله، لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا. أما ترضون أمن ~~يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي إلى ms0994 رحالكم، لولا الهجرة لكنت ~~امرأ من الأنصار، لو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، ~~الأنصار # PageV01P599 # شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على ~~الحوض» وعن رافع بن خديج أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن ~~حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة ~~من الإبل، وأعطي عباس بن مرداس دون ذلك فقال العباس بن مرداس: # *أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع* # *فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع* # *وما كنت دون امرىء منهما ... ومن يخفض اليوم لا يرفع* # قال: فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم له مائة. # {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} منهم بالتوفيق للإسلام {وا غفور ~~رحيم} فيتجاوز عنهم، ويتفضل عليهم. # روي أن ناسا منهم جاؤوا فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الإسلام وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس وقد سبي أهلونا ~~وأولادنا وأخذت أموالنا قيل: سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل ما لا ~~يحصى فقال: إن عندي ما ترون إن خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ~~ونساءكم وإما أموالكم قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، والحسب ما يعده ~~الإنسان من مفاخر آبائه، كنوا بذلك عن اختيار الذراري والنساء على استرجاع ~~الأموال لأن تركهم في ذل الأسر يفضي إلى الطعن في أحسابهم فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: «إن هؤلاء جاؤوا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري ~~والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يرده ~~فشأنه أي: فليلزم شأنه وأمره ومن لا تطب نفسه ليعطنا وليكن قرضا علينا أي: ~~بمنزلة القرض حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه فقالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني ~~لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا فرفعت إليه ~~العرفاء أن قد رضوا. # {يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} أي: ذوو نجس لأن معهم الشرك الذي ~~هو بمنزلة ms0995 النجس أو إنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات فهي ~~ملابسة لهم أو جعلوا كأنهم النجاسات بعينها مبالغة في وصفهم بها، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن رحمه الله ~~تعالى: من صافح مشركا توضأ وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين والنجس مصدر ~~يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع. # {فلا يقربوا المسجد الحرام} أي: لنجاستهم وإنما نهى عن الاقتراب للمبالغة ~~والمنع من دخول الحرم. قال العلماء: وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ~~ثلاثة أقسام: # أحدها: الحرم فلا يجوز للكافر أن يدخل المسجد بحال ذميا كان أو مستأمنا ~~لظاهر هذه الآية وإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام والإمام في الحرم ~~لا يؤذن له في دخول الحرم بل يخرج إليه الإمام أو يبعث إليه من يسمع رسالته ~~خارج الحرم وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم. # القسم الثاني: من بلاد الإسلام الحجاز فيجوز للكافر دخوله بالإذن ولا ~~يقيم فيه أكثر من ثلاثة أيام. لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة ~~العرب حتى # PageV01P600 # لا أدع إلا مسلما» فأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن قدم منهم تاجرا ثلاثا ~~وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول وأما في العرض فمن ~~جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشأم. # والقسم الثالث: سائر بلاد الإسلام يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة أو أمان ~~لكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم لحاجة. # وقوله تعالى: {بعد عامهم هذا} إشارة إلى العام الذي حج فيه أبو بكر رضي ~~الله تعالى عنه ونادى علي رضي الله عنه ببراءة وهو سنة تسع من الهجرة وقبل ~~سنة حجة الوداع ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أن يقرأ على ~~مشركي مكة أول براءة وينبذ إليهم عهدهم وأن الله بريء من المشركين ورسوله ~~قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون ms0996 من الشدة لانقطاع السبيل وفقد ~~الحمولات وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون ~~مكة بالطعام ويتجرون فلما امتنعوا من دخول الحرم خافوا الفقر وضيق العيش ~~فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {وإن خفتم ~~عيلة} أي: فقرا وحاجة بانقطاع تجارتهم عنكم {فسوف يغنيكم الله من فضله} أي: ~~من عطائه وتفضله من وجه آخر وقد أنجز الله تعالى وعده بأن أرسل المطر عليهم ~~مدرارا فكثر خيرهم وأسلم أهل جدة وصنعاء وتبالة وجرش وجلبوا الميرة الكثيرة ~~إلى مكة فكفاهم الله تعالى ما كانوا يخافون، وتبالة بفتح التاء وجرش بضم ~~الجيم وفتح الراء وشين معجمة قريتان من قرى اليمن وقيد ذلك بقوله تعالى: ~~{إن شاء} لتنقطع الآمال إليه تعالى ولينبه على أنه متفضل في ذلك وأن الغنى ~~الموعود يكون لبعض دون بعض وفي عام. دون عام {إن الله} أي: الذي له الإحاطة ~~الكاملة {عليم} أي: بوجوه المصالح {حكيم} أي: فيما يعطي ويمنع، وعن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال من أين ~~تأكلون فأمرهم الله تعالى بقتال أهل الكتاب كما قال تعالى: {قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون با ولا باليوم الآخر} (التوبة، 29) # فإن قيل: اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف ~~أخبر الله تعالى عنهم بذلك؟ أجيب: بأن من اعتقد أن العزير ابن الله وأن ~~المسيح ابن الله فليس بمؤمن بل هو مشرك وبأن من كذب رسولا من الرسل فليس ~~بمؤمن واليهود والنصارى يكذبون أكثر الأنبياء {ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله} من الشرك وأكل أموال الناس بالباطل وتبديل التوراة والإنجيل وغير ~~ذلك {ولا يدينون دين الحق} أي: الثابت الذي هو ناسخ لسائر الأديان وهو ~~الإسلام كما قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران، 19) # {من الذين أوتوا الكتاب} أي: اليهود والنصارى بيان للذين لا يؤمنون {حتى ~~يعطوا الجزية} وهي الخراج المضروب على رقابهم في نظير سكناهم في بلاد ~~الإسلام آمنين مأخوذ من المجازاة لكفنا عنهم. # وقيل من ms0997 الجزاء بمعنى القضاء قال الله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزى نفس ~~عن نفس شيئا} (البقرة، 48) # أي: لا تقضي وقوله تعالى: {عن يد} حال من الضمير أي: منقادين مقهورين ~~يقال لكل من أعطي شيئا كرها من غير طيب نفس أعطي عن يد، وقال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم وهل يجوز أن ~~يوكلوا مسلما في دفعها أو لا ينبغي على تفسير الصغار المذكور في قوله ~~تعالى: {وهم صاغرون} # PageV01P601 # أي: أذلاء منقادون لحكم الإسلام ويكفي في الصغار أن يجري عليهم الحكم بما ~~لا يعتقدون حله أن يجوز التوكيل على هذا تفسيره أن يجلس الآخذ ويقوم الكافر ~~ويطأطىء رأسه ويحني ظهره ويضع الجزية في الميزان ويقبض الآخذ لحيته ويضرب ~~لهزمتيه وهما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من الجانبين: مردود بأن هذه ~~الهيئة باطلة ودعوى سنيتها أو وجوبها أشد بطلانا ولم ينقل أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا أحدا من الخلفاء الراشدين فعل شيئا من ذلك وعلى تفسيرها ~~بما ذكر يمتنع التوكيل إذا قيل بوجوبه لا باستحبابه. # تنبيه: مفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب ولكن ألحق بهم المجوس ~~لأنه صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وقال: «سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب» وكذا من زعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داود صلى الله عليهما وسلم ~~ومن أحد أبويه كتابي والآخر وثني وأولاد من تهود أو تنصر قبل النسخ أو ~~شككنا في وقت التهود والتنصر أكان قبل النسخ أم بعده؟ فلا تعقد لأولاد من ~~تهود أو تنصر بعد النسخ في ذلك الدين ولا لعبدة الأوثان والشمس والملائكة ~~والسامرة والصابئون إن خالفوا اليهود والنصارى في أصول دينهم فليسوا منهم ~~وإلا فمنهم، وعن مالك تؤخذ الجزية من كل كافر إلا المرتد، وعن أبي حنيفة ~~إلا مشركي العرب، وأقل الجزية دينار لكل سنة عن كل واحد لقوله صلى الله ~~عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «خذ من كل حالم» أي: محتلم ~~دينارا صححه ابن حبان ms0998 والحاكم وتؤخذ من زمن وشيخ هرم وأعمى وراهب وأجير ~~وفقير عجز عن كسب فإذا تمت سنة وهو معسر ففي ذمته حتى يوسر، وقال أبو حنيفة ~~على الغني ثمانية وأربعون درهما وعلى المتوسط نصفها وعلى الفقير الكسوب ~~ربعها ولا شيء على فقير غير كسوب ولا بد أن يكون المأخوذ منه حرا ذكرا غير ~~صبي ومجنون وتلحق إفاقة مجنون كثرت فإن قل زمن الجنون كساعة من شهر فلا أثر ~~لها ولو بلغ ابن ذمي ولم يعط جزية ألحق بمأمنه وإن أعطاها عقد له. # وقيل: عليه كجزية أبيه ولا يحتاج إلى عقد له اكتفاء بعقد أبيه ومن مات ~~ممن عقدت له الجزية أو أسلم أو جن أو حجر عليه بفلس أو سفه بعد سنة فجزيته ~~كدين آدمي أو في أثنائها تقسط وتسقط بالإسلام والموت عند أبي حنيفة. # {وقالت اليهود عزير ابن الله} اختلفوا في قائل هذه المقالة على أقوال: ~~أحدها قال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص ~~بن عازوراء وهو الذي قال: إن الله فقير ونحن أغنياء وثانيها قال ابن عباس ~~في رواية سعيد بن جبير وعكرمة: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من ~~اليهود سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا: ~~كيف نتبع دينك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. وعلى هذين القولين القائل إنما هو بعض اليهود إلا أن الله ~~تعالى نسب ذلك إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على ~~اسم الواحد يقال: فلان ركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحدا منها، وفلان ~~يجالس السلاطين ولعله لم يجالس إلا واحدا. وثالثها: أن هذا المذهب لعله كان ~~ثابتا فيهم ثم انقطع فحكى الله تعالى ذلك عنهم ولا عبرة بإنكار اليهود لذلك ~~فإن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على # PageV01P602 # التكذيب واختلف في السبب الذي قالوا ذلك لأجله فقال ابن عباس رضي ms0999 الله ~~تعالى عنهما: إن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله ~~تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرع عزير إلى الله تعالى وابتهل إليه أن ~~يرد إليه الذي نسخ من صدورهم فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله تعالى نزل نور ~~من السماء فدخل جوفه فعادت إليه التوراة فأذن في قومه وقال: يا قوم قد ~~آتاني الله تعالى التوراة وردها إلي فعلقوا به يعلمهم ثم مكثوا ما شاء الله ~~تعالى ثم إن التابوت أنزل بعد ذهابه عنهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان ~~فيه على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله فقالوا: ما أوتي عزير هذا إلا ~~أنه ابن الله وقيل: لما رفع الله تعالى عنهم التوراة خرج عزير وهو غلام ~~يسيح في الأرض فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: أطلب ~~العلم، فحفظه التوراة وأملاها عليهم عن # ظهر قلبه لا يخرم منها حرفا، فقالوا: ما جمع الله التوراة في قلبه وهو ~~غلام إلا أنه ابنه، وقال الكلبي: إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وقتل ~~من قرأ التوراة وكان عزير إذ ذاك صغيرا فاستصغره فلم يقتله فلما رجع بنو ~~إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة فبعث الله تعالى عزيرا ~~ليجدد لهم التوراة ويكون لهم آية بعد ما أماته الله تعالى مائة سنة وأرسل ~~إليه ملكا بإناء فيه ماء فسقاه فمثلت التوراة في صدره فلما أتاهم وقال لهم: ~~أنا عزير كذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم فاتل علينا التوراة فكتبها لهم من ~~صدره ثم إن رجلا منهم قال: إن أبي حدثني أن التوراة جعلت في خابية ودفنت في ~~كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوا بها ما كتبه عزير فلم يجدوه غادر ~~حرفا فقالوا: إن الله تعالى لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا أنه ابنه فعند ~~ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله.u # وقرأ عاصم والكسائي عزير بالتنوين والباقون بغير تنوين، قال الزجاج: ~~الوجه إثبات التنوين فقوله: عزير مبتدأ، وقوله: ابن خبره، وإذا كان كذلك ~~فلا ms1000 بد من التنوين في حال السعة لأن عزيرا ينصرف سواء كان عربيا أم عجميا ~~وسبب كونه منصرفا أمران: أحدهما: أنه اسم خفيف فينصرف وإن كان أعجميا كهود ~~ولوط والثاني: أنه على صيغة التصغير وأن الأسماء الأعجمية لا تصغر. وأما ~~الذين تركوا التنوين فلهم فيه أوجه: أحدها أنه أعجمي معرفة فوجب أن لا ~~ينصرف. وثانيها: قال الفراء: نون التنوين ساكنة من عزير والباء من ابن الله ~~ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين فحذف التنوين للتخفيف، ورد هذا الوجه بأنه ~~مخالف لما تقرر من أن الوجه عند ملاقاة التنوين للساكن التحريك لا الحذف. ~~وثالثها: أن الابن وصف والخبر محذوف والتقدير عزير بن الله معبودنا، ورد ~~هذا أيضا بأنه يؤدي إلى تسليم النسب وإنكار الخبر المقدر لأن من أخبر عن ~~ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر توجه الإنكار إلى الخبر فكان ~~المقصود بالإنكار قولهم: عزير ابن الله معبودنا وحصل تسليم كونه ابن الله ~~ومعلوم أن ذلك كفر. # {وقالت النصارى المسيح} أي: عيسى {ابن الله} واختلف في السبب الذي قالوا ~~ذلك لأجله فقيل: إنما قالوه استحالة لأن يكون ولد بلا أب، وقيل: إن النصارى ~~كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى عليه الصلاة ~~والسلام يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب ~~وكان في اليهود رجل شجاع # PageV01P603 # يقال له بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام ثم قال بولص لليهود: ~~إن الحق مع عيسى وقد كفرنا ومصيرنا إلى النار ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ~~ودخلنا النار فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار وكان له فرس يقاتل عليه ~~يقال له العقاب فعرقبه وأظهر الندامة والتوبة ووضع التراب على رأسه وقال ~~للنصارى: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر وقد تبت وأتيتكم ~~فأدخلوه الكنيسة ونصروه ودخل بيتا فيها مكث فيه سنة لا يخرج منه ليلا ولا ~~نهرا حتى تعلم الإنجيل ثم خرج منه وقال: إنه نودي أن الله قبل توبتك فصدقوه ~~وأحبوه وعلا شأنه فيهم ثم ms1001 عمد إلى ثلاث رجال اسم واحد منهم نسطورا والآخر ~~يعقوب والآخر ملكا فعلم نسطورا أن عيسى ومريم والإله ثلاث وعلم يعقوب أن ~~عيسى ليس بإنسان ولا جسم ولكنه ابن الله وعلم ملكا أن عيسى هو الإله لم يزل ~~ولا يزال فلما اشتهر ذلك فيهم دعا كل واحد منهم وقال له: أنت خالصتي فادع ~~الناس لما علمتك، وأمره أن يذهب إلى ناحية من اليلاد ثم قال لهم: إني رأيت ~~عيسى في المنام وقد رضي عني، وقال لكل واحد منهم: سأذبح نفسي تقربا إلى ~~عيسى، ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه وتفرق أولئك الثلاثة فذهب واحد إلى ~~الروم وواحد إلى بيت المقدس وواحد إلى ناحية أخرى وأحكم كل واحد منهم ~~مقالته ودعا الناس إليها فتبعه على ذلك طوائف من الناس فتفرقوا واختلفوا ~~ووقع القتال فهذا هو السبب في وقوع الكفر في طوائف النصارى هذا ما حكاه ~~الواحدي رحمه الله تعالى قال الرازي عقب هذه الحكاية: والأقرب عندي أن يقال ~~ورد لفظ الابن في # الإنجيل على سبيل التشريف ثم إن القوم لأجل عداوة القوم بالغوا وفسروا ~~لفظ الابن بالبنوة الحقيقية والجهال قبلوا ذلك وفشا هذا المذهب الفاسد في ~~اتباع عيسى عليه السلام والله سبحانه وتعالى أعلم بالحقيقة {ذلك قولهم ~~بأفواههم} أي: لا مستند لهم عليه. # فإن قيل: كل قول يقال بالفم فما معنى بأفواههم؟ أجيب: بأنه قول لا يعضده ~~برهان فما هو إلا لفظ تفوهوا به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي ~~لا تدل على معان وذلك أن القول الدال على معنى لفظه مقول بالفم ومعناه مؤثر ~~في القلب وما لا معنى له مقول بالفم لا غير أو بأن يراد بالقول المذهب ~~كقولهم قول الشافعي رحمه الله تعالى يريدون مذهبه وما يقول به كأنه قيل: ~~ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم لأنه لا حجة معه ولا شبهة حتى تؤثر ~~في القلوب وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا صاحبة له ولا ولد لم تكن لهم شبهة ~~في انتفاء الولد قال أهل المعاني: لم ms1002 يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه ~~والألسن إلا كان ذلك زورا {يضاهون} قال ابن عباس: يشابهون، وقال مجاهد: ~~يواطئون، وقال الحسن: يوافقون {قول الذين كفروا من قبل} أي: من قبلهم ولا ~~بد من حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم قول الذين كفروا ثم حذف المضاف وأقيم ~~الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعا والمعنى أن الذين كانوا في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم ~~فالكفر قديم فيهم غير مستحدث أو يضاهي قول المشركين: الملائكة بنات الله، ~~وقيل: الضمير للنصارى أي: يضاهي قولهم: المسيح ابن الله قول اليهود عزير ~~ابن الله لأنهم أقدم منهم. وقرأ عاصم بكسر الهاء وبعدها همزة مضمومة ~~والباقون بضم الهاء ولا همز بعدها وقوله تعالى: {قاتلهم الله} دعاء # PageV01P604 # عليهم بالهلاك فإن من قاتله الله تعالى هلك أو تعجب من شناعة قولهم كما ~~يقال لمن فعل فعلا يتعجب منه قاتله الله ما أعجب فعله وقيل: لعنهم الله. # روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كل شيء في القرآن مثله ~~فهو لعن {أنى يؤفكون} أي: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل مع قيام الدليل ~~بأن الله تعالى واحد أحد فجعلوا له ولدا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذا ~~التعجب راجع إلى الخلق لأن الله تعالى لا يتعجب من شيء ولكن هذا الخطاب على ~~عادة العرب في مخاطباتهم فالله تعالى عجب نبيه صلى الله عليه وسلم من تركهم ~~الحق وإصرارهم على الباطل. # {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم} أي: اتخذ اليهود أحبارهم أي: علماءهم والحبر ~~في الأصل العالم من أي طائفة كان واختص في العرف بعلماء اليهود من ولد هرون ~~وكان أبو الهيثم يقول: واحد الأحبار حبر بالفتح وينكر الكسر، واتخذ النصارى ~~رهبانهم أي: عبادهم أصحاب الصوامع، والراهب في الأصل من تمكنت الرهبة من ~~قلبه فظهر آثارها على وجهه ولباسه واختص في العرف بعلماء النصارى أصحاب ~~الصوامع {أربابا من دون الله} لأنهم أطاعوهم في تحريم ما أحل الله تعالى ~~وتحليل ما حرم الله ms1003 تعالى كما تطاع الأرباب في أوامرهم ونحوه تسمية أتباع ~~الشيطان فيما يوسوس به عباده كما قال تعالى: {بل كانوا يعبدون الجن} (سبأ، ~~41) # وقال إبراهيم الخليل عليه السلام: {يا أبت لا تعبد الشيطان} ، وعن عدي بن ~~حاتم أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: ~~«يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك» فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ سورة ~~براءة فوصل إلى هذه الآية فقلت: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس يحرمون ما أحل ~~الله فتحرمونه ويحلون ما حرمه فتحلونه، قلت: بلى، قال: تلك عبادتهم» قال ~~عبد اللهبن المبارك: # *وهل بدل الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها* # فإن قيل: إنه تعالى كفرهم بسبب أن أطاعوا الأحبار والرهبان فالقاسق يطيع ~~الشيطان فوجب الحكم بكفره على ما هو قول الخوارج. أجيب: بأن الفاسق وإن كان ~~يقبل دعوى الشيطان إلا أنه لا يعظمه بل يلعنه ويستخف به وأما هؤلاء فكانوا ~~يقبلون قول الأحبار والرهبان ويعظمونهم وقد يبالغ بعض الجهال في تعظيم شيخه ~~بحيث يميل طبعه إلى القول بالحلول والاتحاد وذلك الشيخ إذا كان طالبا ~~للدنيا بعيدا عن الآخر بعيدا عن الدين قد يلقي إليهم أن الأمر كما يقولون ~~ويعتقدون، وعن الفضيل رضي الله تعالى عنه ما أبالي أطعت مخلوفا في معصية ~~الخالق أو صليت لغير القبلة {والمسيح بن مريم} أي: اتخذوه كذلك لكونهم ~~جعلوه ابنا فأهلوه للعبادة بذلك مع كونه ابن مريم فهو لا يصلح للإلهية بوجه ~~لمشاركته للآدميين في الحمل والولادة والأكل والشرب وغير ذلك من أحوال ~~البشر الموجبة للحاجة المنافية للإلهية {وما أمروا} أي: في التوراة ~~والإنجيل {إلا ليعبدوا} أي: ليطيعوا على وجه التعبد {إلها واحدا} أي: لا ~~يقبل القسمة بوجه لا بالذات ولا بالمماثلة وهو الله تعالى وأما طاعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمر الله بطاعته فهي في الحقيقة طاعة الله ~~تعالى وقوله تعالى: {لا إله إلا هو} صفة ثانية أو استئناف مقرر للتوحيد ~~{سبحانه عما يشركون} أي: تعالى وتنزه عن أن يكون ms1004 له # PageV01P605 # شريك في العبادة والأحكام وأن يكون له شريك في الإلهية يستحق التعظيم ~~والإجلال. # {يريدون} أي: رؤساء اليهود والنصارى {أن يطفئوا نور الله} أي: شرعه ~~وبراهينه الدالة على واحدانيته وتقديسه عن الولد أو القرآن أو نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم {بأفواههم} أي: بأقوالهم الكاذبة وشركهم وفي تسمية دينه ~~أو القرآن أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم نورا ومعاندتهم إطفاءه بأفواههم ~~تمثيل لحالهم في طلبهم أن يبطلوا نور الله بالتكذيب بالشرك بحال من يريد أن ~~ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى ~~في الإشراق والإضاءة ليطفئه بنفخه ويطمسه {ويأبى الله} أي: لا يرضى {إلا أن ~~يتم نوره} بإعلاء التوحيد وإعزاز الإسلام. # فإن قيل: كيف جاز أبى الله إلا كذا ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدا؟ ~~أجيب: بأنه أجرى أبى مجرى لم يرد ألا ترى كيف قوبل {يريدون أن يطفئوا} ~~بقوله: {ويأبى الله} وكيف أوقع موقع ولا يريد الله إلا أن يتم نوره وقوله ~~تعالى: {ولو كره الكافرون} محذوف الجواب لدلالة ما قبله أي: ولو كرهوا ~~غلبته. # {هو الذي أرسل رسوله} محمدا صلى الله عليه وسلم {بالهدى} أي: القرآن الذي ~~أنزله عليه وجعله هاديا له {ودين الحق} أي: دين الإسلام {ليظهره} أي: ~~ليعليه {على الدين كله} أي: جميع الأديان المخالفة له وهذا كالبيان لقوله ~~تعالى: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} ولذلك كرر {ولو كره المشركون} غير أنه ~~وضع المشركون موضع الكافرون للدلالة على أنهم ضمو الكفر بالرسول إلى الشرك ~~بالله تعالى. # فإن قيل: الإسلام لم يضم غالبا لسائر الأديان في أرض الصين والهند والروم ~~وسائر بلاد الكفر أجيب عن ذلك بأوجه: الأول: بأنه لا دين بخلاف الإسلام إلا ~~وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم في بعض المواضع وإن لم يكن ذلك في جميع ~~مواضعهم فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب وغلبوا النصارى على بلاد ~~الشأم وما والاها إلى ناحية الروم والمغرب وغلبوا المجوس على ملكهم وغلبوا ~~عباد الأصنام على كثير من بلادهم ms1005 مما يلي الهند والترك وكذا سائر الأديان ~~فثبت أن الذي أخبر الله تعالى عنه في هذه الآية قد وقع وحصل فكان ذلك ~~إخبارا عن الغيب فكان معجزا. # الوجه الثاني: ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: هذا وعد ~~من الله تعالى بجعل الإسلام غالبا على جميع الأديان وتمام هذا إنما يحصل ~~عند خروج عيسى عليه السلام فإنه لا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام، ~~وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدى ~~الخراج. # الوجه الثالث: أن المراد إظهاره في جزيرة العرب وقد حصل ذلك فإنه تعالى ~~ما أبقى فيها أحدا من الكفار، وقال ابن عباس: الهاء في {ليظهره} إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمعنى ليعلمه شرائع الدين كلها ويظهره عليها حتى لا ~~يخفى عليه شيء منها. # {يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار} أي: علماء اليهود {والرهبان} ~~أي: عباد النصارى {ليأكلون} أي: يتناولون {أموال الناس بالباطل} كالرشا ~~وإنما عبر بالأكل لأنه معظم المراد من المال وإشارة إلى تحقير الأحبار ~~والرهبان بأن يفعلوا ما ينافى مقامهم الذي أقاموا أنفسهم فيه بإظهار الزهد ~~والمبالغة في التدين قال الرازي: ولعمري من تأمل أحوال الناس في زماننا وجد ~~هذه الآيات كأنها # PageV01P606 # ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت ~~إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه في الطهارة والعظمة مثل ~~الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ~~ويحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله {ويصدون} الناس {عن سبيل الله} أي: ~~دينه ولما كان مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه بين تعالى في صفة ~~الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين أما المال فهو المراد بقوله ~~تعالى: {ليأكلون أموال الناس بالباطل} (التوبة، 34) # وأما الجاه فهو المراد بقوله: {ويصدون عن سبيل الله} فإنهم لو أقروا بأن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم على الحق لزمهم متابعته وحينئذ كان يبطل حكمهم ~~وتزول حرمتهم ولأجل الخوف ms1006 من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من ~~متابعته صلى الله عليه وسلم ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه ~~المكر والخديعة وفي منع الخلق من قبول دينه الحق {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} يحتمل أن يراد بقوله: {الذين} أولئك ~~الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس ~~بقوله تعالى: {ليأكلون أموال الناس بالباطل} ووصفهم أيضا بالبخل الشديد ~~والامتناع من إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله تعالى: {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة} وأن يراد المسلمون الذين يجمعون المال ولا يؤدون حقه ويكون ~~اقترانهم بالمرتشين من اليهود والنصارى تغليظا ودلالة على أن من يأخذ منهم ~~السحت ومن لا يعطي منكم بطيب زكاة ماله سواء في استحقاق البشارة بالعذاب ~~الأليم وأن يراد كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من ~~الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين. # لما روي عن زيد بن وهب قال مررت على أبي ذر بالربذة فقلت: ما أنزلت بهذه ~~الأرض فقال: كنا بالشأم فقرأت: {والذين يكنزون الذهب} الآية فقال معاوية: ~~ما هذا فينا ما هذا إلا في أهل الكتاب، فقلت: إنها فيهم وفينا فصار ذلك ~~سببا لوحشة بيني وبينه فكتب إلي عثمان أن أقبل إلي فلما قدمت المدينة انحرف ~~الناس عني كأنهم لم يروني من قبل فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي: تنح قريبا ~~فقلت: إني والله لن أدع ما كنت أقول وأصل الكنز في كلام العرب الجمع وكل ~~شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز يقال: هذا جسم مكتنزا الأجزاء إذا كان ~~مجتمع الأجزاء، واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم على ~~قولين: الأول: وهو ما عليه الأكثر أنه المال الذي لم تؤد زكاته لما روي عن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له ~~زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني: شدقيه ثم ms1007 يقول أنا مالك ~~أنا كنزك ثم تلا {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} (آل ~~عمران، 180) # الآية» ، والشجاع: الحية، والأقرع صفته لطول عمره لأن من طال عمره تمزق ~~شعره وذهب وهي صفة أخبث الحيات، والزبيبتان: الزائدتان في الشدقين. # وروي لما نزلت هذه الآية كبر على المسلمين فذكر عمر رضي الله عنه لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما ~~بقي من أموالكم» وقال ابن عباس في قوله تعالى: {ولا ينفقونها في سبيل الله} ~~يريد الذين # PageV01P607 # لا يؤدون زكاة أموالهم، قال القاضي عياض تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا ~~سبيل إليه بل الواجب أن يقال: الكنز هو الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه ولا ~~فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات وبين ما يلزم من نفقة الحج وبين ما ~~يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات ~~وأروش الجنايات فيجب في كل هذا الآثام وأن يكون داخلا في الوعيد والقول ~~الثاني: إن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم واحتج الذاهبون إلى هذا ~~القول بعموم الآية وبما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه ~~الآية: «تبا الذهب تبا للفضة» قالها ثلاثا فقالوا له: أي مال نتخذ قال: ~~«لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا وزوجة تعين أحدكم على دينه» وقال عليه الصلاة ~~والسلام: «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها» وتوفي شخص فوجد في مئزره دينار ~~فقال صلى الله عليه وسلم «كية» وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: ~~«كيتان» وأجاب القائلون بالأول بأن هذا كان قبل فرض الزكاة فأما بعد فرض ~~الزكاة فالله أعدل وأكرم أن يجمع عبده مالا من حيث أذن فيه ويؤدي ما أوجب ~~عليه فيه ثم يعاقبه. # وقد روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن هذه الآية فقال: ~~كانت قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله طهرة للأموال وقال ما أبالي ~~لو أن لي مثل أحد ذهبا ms1008 أعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» وقال ~~صلى الله عليه وسلم «ما أدي زكاته فليس بكنز» وكان في زمانه صلى الله عليه ~~وسلم جماعة معهم الأموال كعثمان وعبد الرحمن بن عوف وكان عليه الصلاة ~~والسلام يعدهم من أكابر الصحابة وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن ~~الإعراض اختيار للأفضل وإلا دخل في الورع والزهد في الدنيا والاقتناء مباح ~~موسع لا يذم صاحبه وكونه أدخل في الورع لأمور منها أن كسب المال شاق شديد ~~وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب ~~التحصيل وأخرى في طلب الحفظ ثم إنه لا ينتفع منها إلا بالقليل ومنها أن ~~كثرة المال والجاه تورث الطغيان كما قال تعالى: {إن الإنسان ليطغى أن رآه ~~استغنى} (العلق، آيتان: 6 7) # فالطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن ويوقع في الخذلان ~~والخسران ومنها أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال ولو كان ~~تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه. # فإن قيل: قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى» ~~أجيب: بأن اليد العليا إنما إفادته صفة الخيرية لأنه لما أعطى ذلك القليل ~~تسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليل فحصل له الخيرية وبسبب أنه حصل ~~للفقير بذلك الزيادة القليلة حصلت له المرجوحية. # فإن قيل: إنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة ثم قال: {ولا ينفقونها} ~~فلم أفرد الضمير؟ أجيب: بأن الضمير راجع إلى المعنى دون اللفظ لأن كل واحد ~~منهما جملة وافية وعدة كثيرة ودنانير ودراهم فهو كقوله تعالى: {وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا} (الحجرات، 9) # وقيل: ذهب به إلى المكنوز، وقيل: إلى الأموال، وقيل: التقدير ولا ينفقون ~~الفضة وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث أنهما معا يشتركان في ثمنية ~~الأشياء أو أن ذكر أحدهما يغنى عن الآخر كقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو ~~لهوا انفضوا إليها} (الجمعة، 11) # جعل # PageV01P608 # الضمير للتجارة ms1009 وقيل: التقدير والذهب كذلك كما أن قول القائل: فإني وقيار ~~بها لغريب أي: وقيار كذلك. # فإن قيل: ما السبب في كونه خصهما بالذكر من سائر الأموال؟ أجيب: بأنهما ~~خصا من دون سائر الأموال لأنهما أشرف الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز ~~ومن كنزا عنده لم يعدم سائر أجناس المال فكان ذكر كنزهما دليلا على ما ~~سواهما ثم إنه تعالى لما ذكر من يكنز الذهب والفضة قال تعالى: {فبشرهم} أي: ~~أخبرهم {بعذاب أليم} أي: مؤلم وعبر بالبشارة على سبيل التهكم. # {يوم يحمى عليها} أي: الكنوز بأن تدخل {في نار جهنم} فيوقد عليها {فتكوى} ~~أي: تحرق {بها} أي: بهذه الأموال {جباههم وجنوبهم وظهورهم} قال ابن مسعود ~~رضي الله عنه لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده ~~حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدته، وسئل أبو بكر الوراق لم خصت ~~الجباه والجنوب والظهور بالكي قال: لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير ~~قبض جبهته وإذا جلس الفقير بجنبه تباعد عنه وولى عليه ظهره، وقيل: المعنى ~~أنهم يكوون على الجهات الأربع أما من مقدمه فعلى الجبهة وأما من خلفه فعلى ~~الظهر وأما من يمينه ويساره فعلى الجنبين، وقيل: لأن جمعهم وإمساكهم المال ~~كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ~~من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحة له ~~صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره كلما ~~بردت عليه أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد ~~فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» وقوله تعالى: {هذا ما كنزتم} على ~~إرادة القول أي: يقال لهم هذا ما كنزتم {لأنفسكم} أي: لمنفعتها وكان عين ~~مضرتها وسبب تعذبيها {فذوقوا ما كنتم تكنزون} أي: تمنعون حقوق الله تعالى ~~في أموالكم، وعن أبي ذر رضي ms1010 الله عنه قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: «هم الأخسرون ورب الكعبة» فقلت ~~يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم قال: «هم؟ الأكثرون أموالا إلا من قال ~~هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم» . # {إن عدة الشهور} أي: عددها {عند الله اثنا عشر شهرا} وهي المحرم وصفر ~~وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني وجمادى الأول وجمادى الثاني ورجب وشعبان ~~وشهر رمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة، هذه شهور السنة القمرية التي هي ~~مبنية على سير القمر في المنازل وهي شهور العرب التي يعتد بها المسلمون في ~~صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم وأيام هذه الشهور ~~ثلثمائة وخمسة وخمسون يوما والسنة الشمسية عبارة عن دور الشمس في الفلك ~~دورة واحدة تامة وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم فتنقص السنة ~~الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام فبسبب هذا النقصان تدور السنة ~~الهلالية فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء وتارة في الصيف قال المفسرون: ~~وسبب نزول هذه الآية من أجل النسىء الذي كانت العرب تفعله في الجاهلية # PageV01P609 # فكان حجهم يقع تارة في وقته وتارة في المحرم وتارة في صفر وتارة في ~~غيرهما من الشهور فأعلم الله تعالى أن عدة الشهور سنة المسلمين التي يعتدون ~~بها اثنا عشر شهرا على منازل القمر وسيره فيها وهو قوله تعالى: {إن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} أي: في علمه وحكمه {في كتاب الله} أي: في ~~اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل وهو أصل ~~الكتب التي أنزلها الله تعالى على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل ~~فيما أثبته وأوجبه من حكمه ورآه حكمة وصوابا {يوم خلق السموات والأرض} أي: ~~إن هذا الحكم حكم به قضاه يومئذ أي: السنة اثنا عشر شهرا {منها} أي: الأشهر ~~{أربعة حرم} ثلاثة سواء ذو القعدة بفتح القاف وذو الحجة بكسر الحاء على ~~المشهور فيهما وسميا بذلك لقعودهم ms1011 عن القتال في الأول ولوقوع الحج في ~~الثاني، والمحرم بتشديد الراء المفتوحة سمي بذلك لتحريم القتال فيه وقيل: ~~لتحريم الجنة فيه على إبليس ودخلته اللام دون غيره من الشهور لأنه أولها ~~فعرفوه كأنه قيل: هذا الشهر الذي ابتدأ أول السنة # وواحد فرد وهو رجب ويجمع على أرجاب ورجاب ورجوب ورجبات، ويقال له: الأصم ~~والأصب، وقيل: لم يعذب الله أمة في شهر رجب ورد عليه بأن الله تعالى أغرق ~~قوم نوح فيه قاله الثعلبي، وهذا الترتيب الذي ذكرناه في عد الأشهر الحرم ~~وجعلها من سنتين هو الصواب كما قاله النووي في شرح مسلم ويؤيده قوله صلى ~~الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته ~~يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ~~ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» وعدها ~~الكوفيون من سنة واحدة فقالوا: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، قال ابن ~~دحية: وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا نذر صيامها مرتبة فعلى الأول يبتدىء بذي ~~القعدة وعلى الثاني بالمحرم ومعنى الحديث أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه ~~وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسىء الذي كان في الجاهلية وقد وافقت حجة ~~الوداع ذا الحجة وكانت حجة أبي بكر رضي الله عنه قبلها في ذي القعدة ومعنى ~~الحرم أن المعصية فيها أشد عقابا والطاعة فيها أكثر ثوابا والعرب كانوا ~~يعظمونها جدا حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له. # فإن قيل: أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة فما السبب في هذا التمييز؟ ~~أجيب: بأن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع فإن أمثلته كثيرة ألا ترى أنه ~~تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة وميز يوم الجمعة عن ~~سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة ~~المخصوصة وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم وميز ~~بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها وميز بعض الليالي عن ms1012 سائرها وهي ليلة ~~القدر وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلع الرسالة وإذا كانت هذه ~~الأمثلة ظاهرة مشهورة فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة {ذلك} ~~أي: تحريم الأشهر الأربعة {الدين القيم} أي: المستقيم وهو دين إبراهيم ~~وإسماعيل عليهما السلام والعرب ورثوه منهما، وقيل: المراد بالدين الحساب ~~يقال: الكيس من دان نفسه أي: حاسبها، والقيم معناه المستقيم فتفسير الآية ~~على # PageV01P610 # هذا التقدير ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدد المستوي وقال الحسن: ذلك ~~الدين القيم الذي لا يبدل ولا يغير فالقيم هنا بمعنى القائم الدائم الذي لا ~~يزول وهو الدين الذي فطر الناس عليه {فلا تظلموا فيهن} أي: الأشهر الحرم ~~{أنفسكم} بالمعاصي فإنها فيها أعظم وزرا لأن الله تعالى خص هذه الشهور ~~بمزيد احترام في آية أخرى وهو قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن ~~الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} (البقرة، 197) # فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضا إلا أنه تعالى أكد في المنع ~~منها في هذه الأيام تنبيها على زيادتها في الشرف وقال ابن عباس: إن المراد ~~فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم والمقصود منع الإنسان من الإقدام ~~على الفساد مطلقا في جميع العمر قال الفراء: والأول أولى لأن العرب تقول ~~فيما بين الثلاثة إلى العشرة فيهن فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها: والأصل ~~فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ويكنى عن جمع الكثرة ~~كما يكنى عن واحدة مؤنثة كما قال حسان: # *لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما* # قال: يلمعن ويقطرن لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ولو جمع جمع الكثرة ~~لقال: تلمع وتقطر هذا في الاختيار ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول ~~النابغة: # *ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب* # فقال: بهن، والسيوف جمع كثرة، وقيل: المراد بالظلم المقاتلة في هذه ~~الأشهر، وقيل: النسيء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الذي أمر الله ~~تعالى بإقامته فيه إلى ms1013 شيء آخر ويغيرون تكاليف الله تعالى والجمهور على أن ~~حرمة المقاتلة في الأشهر الحرم منسوخة، وعن عطاء لا يحل للناس أن يغزوا في ~~الحرم والأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا ويؤيد الأول ما روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوال وذي القعدة، وقوله تعالى: ~~{وقاتلوا المشركين كافة} أي: جميعا في كل الشهور {كما يقاتلونكم كافة ~~واعلموا أن الله مع المتقين} بالعون والنصرة ومن كان معه نصر لا محالة. # {إنما النسيء} أي: التأخير لحرمة شهر إلى آخر كما كانت الجاهلية تفعل ~~كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر ورفضوا ~~خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر ~~فيحرمون صفر ويستحلون المحرم فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ~~ربيع وهكذا شهر بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها وكانوا يحجون في ~~كل شهر عامين فحجوا في ذي القعدة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في ~~صفر عامين وكذا باقي شهور السنة فوافقت حجة أبي بكر رضي الله عنه في السنة ~~التاسعة في ذي القعدة قبل حجة الوداع بسنة ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم ~~في العام المقبل حجة الوداع فوافق حجه في شهر ذي الحجة وهو شهر الحج ~~المشروع فوقف بعرفة في اليوم التاسع وخطب بالناس في اليوم العاشر وأعلمهم ~~أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض الحديث المتقدم ~~وأمرهم بالمحافظة على ذلك لئلا يتبدل في مستأنف الأيام وقد رجع المحرم إلى ~~موضعه الذي وضعه الله تعالى وذلك بعد دهر طويل. # وروي عن أبي # PageV01P611 # بكر رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته ~~لنا: «أي شهر هذا» قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير ~~اسمه قال: «أليس ذا الحجة» قلنا: بلى قال: «أي بلد هذا» قلنا: الله ورسوله ~~أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس البلد الحرام» قلنا: ms1014 ~~بلى قال: «فأي يوم هذا» قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه ~~بغير اسمه قال: «أليس يوم النحر» قلنا: بلى قال: «فإن دماءكم وأموالكم ~~وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ~~ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ~~ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ~~ألا هل بلغت ألا هل بلغت ألا هل بلغت» قلنا: نعم قال: «اللهم اشهد» ~~واختلفوا في أول من نسأ النسيء فقال ابن عباس: بنو مالك بن كنانة وكان يليه ~~أبو ثمامة وجنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يقوم على جمل بالموسم فينادي ~~إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم ينادي في قابل إن آلهتكم قد حرمت ~~عليكم المحرم فحرموه وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له ~~نعيم بن ثعلبة، وقيل: أول من فعل ذلك عمرو بن لحي وهو أول من سيب السوائب ~~وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار» . ~~وقوله تعالى: {زيادة في الكفر} معناه أنه تعالى حكى عنهم أنواعا كثيرة من ~~الكفر فلما ضموا تحريم ما أحل الله تعالى وتحليل ما حرم الله تعالى وهو كفر ~~كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المتقدمة من الكفر زيادة في الكفر لأن ~~الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفرا فزادتهم رجسا إلى رجسهم كما أن المؤمن ~~كلما أحدث طاعة ازدادا إيمانا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وقرأ ورش النسي ~~بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء فيها فبقيت ياء مضمومة مشددة والباقون بهمزة # مضمومة هذا في الوصل وأما الوقف فورش يقف بياء مشددة ساكنة وحمزة كذلك ~~وله فيه الروم والاشمام والباقون بهمزة ساكنة {يضل به} أي: بهذا التأخير ~~الذي هو النسيء {الذين كفروا} قرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الياء وفتح الضاد ~~لقوله تعالى: {زين لهم سوء أعمالهم} والباقون بفتح الياء وكسر الضاد ms1015 على ~~معنى أنهم هم الضالون لقوله تعالى: {يحلونه} أي: يحلون النسيء من الأشهر ~~الحرم {عاما} ويحرمون مكانه شهرا آخر {ويحرمونه عاما} فيتركونه على حرمته ~~وإنما فعلوا ذلك {ليواطؤا} أي: ليوافقوا {عدة} أي: عدد {ما حرم الله} من ~~الأشهر فلا يزيدون على تحريم أربعة أشهر ولا ينقصون عنها ولا ينظرون إلى ~~أعيانها {فيحلوا ما حرم الله} بمواطأة العدة من غير مراعاة الوقت الذي ~~يحلون إليه الأشهر الحرم {زين لهم سوء أعمالهم} قال ابن عباس: زين لهم ~~الشيطان هذا العمل حتى حسبوا هذا القبيح حسنا {وا لا يهدي القوم الكافرين} ~~أي: هداية موصلة إلى الاهتداء لما سبق لهم في الأزل أنهم من أهل النار، ~~ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى المدينة وحث على غزوة ~~تبوك وكان ذلك الوقت زمان عسرة وشدة حر وطابت ثمار المدينة ولم يكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة ~~غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز ~~جلا للناس أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم # PageV01P612 # فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فنزل: # {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم} ~~بإدغام التاء في الأصل في المثلثة واجتلاب همزة الوصل إذ أصله تثاقلتم ~~ومعناه تباطأتم وملتم عن الجهاد {إلى الأرض} والقعود فيها والاستفهام ~~للتوبيخ، قال المحققون وإنما تثاقل الناس من وجوه: الأول: شدة الزمان في ~~الصيف والقحط، والثاني: بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد ~~على ما جرت به عادتهم في سائر الغزوات، والثالث: إدراك الثمار بالمدينة في ~~ذلك الوقت، والرابع شدة الحر في ذلك الوقت ثم قال لهم الله تعالى: {أرضيتم ~~بالحياة الدنيا} وغرورها {من الآخرة} بدل الآخرة ونعيمها {فما متاع الحياة ~~الدنيا في} جنب متاع {الآخرة إلا قليل} أي: حقير لأن متاع الدنيا يفقد عن ~~قريب ونعيم الآخرة باق على الدوام فلهدا السبب كان متاع الدنيا بالنسبة إلى ~~نعيم الآخرة قليلا وفي الآية دليل على وجوب الجهاد ms1016 في كل حال وفي كل وقت ~~لأن الله تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر فلو لم يكن الجهاد ~~واجبا لما عاتبهم الله على التثاقل ويؤكد هذا الوعيد المذكور في قوله ~~تعالى: # {إلا} أي: بإدغام نون إن الشرطية في لا في الموضعين {تنفروا} أي: تخرجوا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد {يعذبكم عذابا أليما} أي: مؤلما في ~~الآخرة لأن العذاب الأليم لا يكون إلا فيها أو بالإهلاك بسبب فظيع كقحط ~~وظهور عدو، وقيل: باحتباس المطر عنهم قال ابن عباس: استنفر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حيا من أحياء العرب فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر فكان ~~ذلك عذابهم {ويستبدل قوما غيركم} أي: يأت بهم بدلكم قال ابن عباس: هم ~~التابعون وقال سعيد بن جبير: أبناء فارس، وقال أبو روق: هم أهل اليمن، قال ~~الرازي: وهذه الوجوه ليست تفسيرا للآية لأن الآية ليس فيها إشعار بها بل ~~حمل لذلك المطلق على صورة معينة شاهدوها وقال في الكشاف بعد ذكره ذلك ~~والظاهر مستغن عن التخصيص {ولا تضروه شيئا} أي: لا يقدح تثاقلكم في نصردينه ~~شيئا فإنه الغني عن كل شيء وفي كل أمر وقيل: الضمير راجع إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أي: ولا تضروره لأن الله تعالى وعده أن ينصره ووعده كائن لا ~~محالة {وا على كل شيء قدير} أي: فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة ~~بلا عدد كما قال تعالى: {إلا تنصروه} أي: محمدا صلى الله عليه وسلم أيها ~~المؤمنون {فقد نصره الله} فإنه المتكفل بنصرة رسوله صلى الله عليه وسلم في ~~إعزاز دينه وإعلاء كلمته أعنتموه أو لم تعينوه فإنه قد نصره عند قلة ~~الأولياء وكثرة الأعداء فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد وقد ~~نصره {إذ} أي: حين {أخرجه الذين كفروا} من مكة حين مكروا به حيث تشاوروافي ~~قتله أو إخراجه أو إثباته في دار الندوة فكان ذلك لإذن الله له في الخروج ~~من بينهم حالة كونه {ثاني اثنين} أي: أحدهما أبو بكر ms1017 رضي الله عنه لا ثالث ~~لهما لم يبصرهما إلا الله تعالى وقوله تعالى: {إذ} بدل من إذ قبله {هما في ~~الغار} أي: غار ثور الذي في أعلى الجبل المواجه للركن اليماني بأسفل مكة ~~على مسيرة ساعة منها لما كمنا فيه ثلاث # ليال ليفتر عنهما الطلب وذلك قبل أن يصلا إليكم ويعولا في النصر عليكم ~~وقوله تعالى: {إذ} بدل ثان {يقول} صلى الله عليه وسلم {لصاحبه} أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه وثوقا بربه غير منزعج من شيء وقد قال له أبو بكر لما ~~رأى أقدام المشركين # PageV01P613 # لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا {لا تحزن} والحزن هم غليظ بتوجع يرق له ~~القلب وإنما كان خوفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهما لما وصلا ~~الغار نزل أبو بكر الغار أولا يلتمس ما في الغار فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم «ما لك» فقال: بأبي أنت وأمي الغار مأوى السباع والهوام فإن كان ~~فيه شيء كان بي لا بك وكان في الغار جحر فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر ~~خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم «لا ~~تحزن» {إن الله معنا} فقال له أبو بكر: وإن الله لمعنا فقال الرسول صلى ~~الله عليه وسلم «نعم» فجعل يمسح الدموع عن خده. # وروي لما طلع المشركون فوق الغار وأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال عليه الصلاة ~~والسلام: «ما طنك باثنين الله ثالثهما» . # وروي لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين باضتا في أسفله والعنكبوت ~~نسجت عليه فقال صلى الله عليه وسلم «اللهم أعم أبصارهم» فجعلوا يترددون حول ~~الغار ولا يرون أحدا ويقولون لو دخلا هذا الغار تكسر بيض الحمام وتفسخ بيت ~~العنكبوت. # تنبيه: دلت هذه الآية على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه من وجوه ms1018 منها أن ~~الهجرة كانت بإذن الله تعالى وكان في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جماعة من المخلصين وكانوا في النسبة إلى شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أقرب من أبي بكر رضي الله عنه فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحبه في تلك ~~الواقعة الصعبة الهائلة وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة وتخصيص ~~الله تعالى له بهذا التشريف دال على منصب عال له في الدين ومنها قوله صلى ~~الله عليه وسلم «لا تحزن إن الله معنا» ولا شك أن المراد من هذه المعية ~~المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة وقد شرك صلى الله عليه وسلم بين ~~نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية وكفى بها شرفا ومنها أن قوله: «لا تحزن» ~~نهى عن الحزن مطلقا والنهي يوجب الدوام والتكرار وذلك يقتضي أنه لا يحزن ~~أبو بكر رضي الله عنه بعد ذلك البتة قبل الموت وعند الموت وبعد الموت ومنها ~~إطباق الكل على أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعلى أن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا ~~يأتيانهما بالطعام. # وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لأبي بكر: «أنت صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض» قال الحسن بن ~~الفضل: من قال إن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهو كافر لإنكار نص القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون ~~مبتدعا لا كافرا واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: {فأنزل الله سكينته} ~~أي: طمأنينته {عليه} هل هو للنبي صلى الله عليه وسلم أو لأبي بكر رضي الله ~~عنه؟ رجح الثاني لوجوه: الأول: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات ~~وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر لأنه تعالى قال: {إذ ~~يقول لصاحبه} والتقدير إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن وعلى هذا ~~التقدير ms1019 فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر فوجب عود الضمير إليه. ~~والثاني: أن الحزن والخوف كانا حاصلين لأبي بكر لا للرسول صلى الله عليه ~~وسلم فإنه كان آمنا # PageV01P614 # ساكن القلب فيما وعده الله تعالى أن ينصره على قريش فلما قال لأبي بكر: ~~لا تحزن صار آمنا فصرف السكينة لأبي بكر ليصير ذلك سببا لزوال خوفه أولى من ~~صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه كان قبل ذلك ساكن النفس قوي ~~القلب. الثالث: إنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لوجب أن يقال: إن الرسول كان قبل ذلك خائفا ولو كان خائفا لما أمكنه ~~أن يقول لأبي بكر: «لا تحزن إن الله معنا» فمتى كان خائفا لم يمكنه أن يزيل ~~الخوف عن قلب غيره ولو كان راجعا إلى الرسول لوجب أن يقال: فأنزل الله ~~سكينته عليه فقال لصاحبه: «لا تحزن» فيكون ذلك مما يدل على فضيلة أبي بكر ~~رضي الله تعالى عنه ومنها حديث الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام عن ~~عائشة رضي الله عنها وعن أبويها قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ~~ولم يمر علينا يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينا طرفي النهار ~~بكرة وعشية فلما ابتلي # المسلمون قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «إني رأيت دار هجرتكم ~~سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان» فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع ~~عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر رضي الله عنه قبل ~~المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن ~~لي» فقال أبو بكر: وهل ترجون ذلك يا رسول الله قال: «نعم» فحبس أبو بكر ~~نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق ~~الشجر وهو الخبط أربعة أشهر، قالت عائشة: فبينما نحن جلوس في بيت أبي بكر ~~في حر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه ms1020 وسلم متقنعا ~~في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر: والله ما جاء به في هذه الساعة ~~إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أخرج من عندك» فقال أبو بكر: ~~إنما هم أهلك يا رسول الله، فقال: «قد أذن لي في الخروج» فقال أبو بكر: ~~الصحبة يا رسول الله، قال: «نعم» قال أبو بكر: فخذ إحدى راحلتي هاتين، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «بالثمن» قالت عائشة: فجهزناهما أحب الجهاز ~~ووضعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به ~~على فم الجراب فسميت بذلك ذات النطاقين قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد ~~الرحمن بن أبي بكر وهو غلام شاب فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة ~~كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط ~~الظلام وكان يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها ~~عليهما حين تذهب ساعة من العشاء يفعل ذلك كل ليلة من الليالي الثلاث ~~واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا ~~عارفا بالهداية وهو على # دين كفار قريش # فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما بعد ~~صبح ثلاث فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم طريق ~~الساحل فعلم بهم سراقة بن مالك المدلجي وكان كفار قريش جعلوا في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبي بكر كل واحد منهما لمن قتله أو أسره دية قال سراقة ~~فتبعتهم حتى دنوت فعثرت فرسي فخررت # PageV01P615 # عنها فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها ~~أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام فقربت بي حتى سمعت ~~قراءة رسول الله صلى الله ms1021 عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ~~فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم ~~تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل ~~الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم الآمان فوقفوا فركبت ~~فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك جعلوا فيك الدية وأخبرتهم ~~بما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا ~~أن قالا: أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمان فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي ~~رقعة من أدم ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقي الزبير في ركب من ~~المسلمين كانوا تجارا أقبلوا من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار ~~فخرجوا مسرعين فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة فأخذ بهم ذات ~~اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ~~فقام في بني عمرو بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته وصار يمشي معه الناس حتى بركت ~~عند مكان مسجد الرسول صلى الله عليه # وسلم بالمدينة وكان مربد # تمر لسهل وسهيل فساومهما صلى الله عليه وسلم ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه ~~لك يا رسول الله، ثم بناه مسجدا وصار صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن ~~في بنائه ويقول وهو ينقل اللبن: # *هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر* # ويقول أيضا: # *إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة* # قال ابن شهاب: لم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تمثل ببيت شعر تام غير هذا فإظهار خروجه صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي ~~الله ms1022 تعالى عنه مما يدل على فضيلته وفضائله رضي الله عنه وعن بقية الصحابة ~~أجمعين وفيما ذكرناه كفاية. وأما الضمير في قوله تعالى: {وأيده} فاتفقوا ~~أنه للنبي صلى الله عليه وسلم فهو معطوف على قوله تعالى: {فقد نصره الله} . # {بجنود لم تروها} أي: من الملائكة الكرام في الغار ويوم بدر والأحزاب ~~وحنين وجميع مواطن قتاله {وجعل كلمة} أي: دعوة {الذين كفروا} إلى الكفر ~~{السفلى} أي: المغلوبة فخيب سعيهم ورد كيدهم {وكلمة الله} أي: إلى الإسلام ~~{هي العليا} أي: الغالبة الظاهرة وقيل: كلمة الذين كفروا ما كانوا قدرها ~~بينهم من الكيد بالنبي صلى الله عليه وسلم وكلمة الله هي ما وعده بالنصر ~~والظفر بهم فكان ما وعده الله تعالى حقا وصدقا {وا عزيز} في ملكه {حكيم} في ~~أمره وتدبيره لا يمكن أن ينتقض شيء من مراده فلا محيص عن نفوذ ما أراده ~~ولما بلغت هذه المواعظ من القلوب الواعية مبلغا هيأها للقبول أقبل عليها ~~سبحانه وتعالى فقال: # {انفروا خفافا وثقالا} أي: على الصفة التي يخف عليكم الجهاد فيها وعلى ~~الصفة التي يثقل عليكم وهذان الوصفان يدخل تحتهما أقسام كثيرة ولهذا # PageV01P616 # اختلفت عبارات المفسرين فيها فقال ابن عباس: نشاطا وغير نشاط، وقال ~~الحسن: شبانا وشيوخا، وقال عطية العوفي: ركبانا ومشاة، وقال أبو صالح: ~~فقراء وأغنياء، وقال الحكم بن عيينة: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال حرة ~~الهمداني: أصحاء وأصحاب مرض، وعن صفوان بن عمرو كنت واليا على حمص فلقيت ~~شيخا كبيرا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم ~~لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه وقال: استنفرنا الله خفافا وثقالا ألا إنه ~~من يحبه الله يبتليه، وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت ~~إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب مرض فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل ~~فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. وعن ابن أم مكتوم أنه قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلي أن أنفر قال: «ما أنت إلا خفيف أو ~~ثقيل» فرجع إلى ms1023 أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه صلى الله عليه وسلم فنزل ~~قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج} (النو، 61) # أي: فهي منسوخة بذلك وقال ابن عباس: نسخت بقوله تعالى: {ليس على الضعفاء ~~ولا على المرضى} (التوبة، 91) # الآية، وقال السدي: لما نزلت اشتد شأنها على المسلمين فنسخها الله تعالى ~~وأنزل {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} وقال عطاء الخراساني: منسوخة بقوله ~~تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} (التوبة، 122) # وقوله تعالى: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} أمر إيجاب للجهاد ~~أي: ما أمكن لكم بهما كليهما أو أحدهما على حسب الحال والحاجة. # {ذلكم} أي: هذا الأمر العظيم {خير لكم} أي: خاص بكم ويجوز أن يكون أفعل ~~تفضيل، أي: عبادة المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغيره كما قال صلى ~~الله عليه وسلم لمن سأله هل يمكن بلوغ درجة المجاهد فقال: «هل تستطيع أن ~~تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر» ثم ختم تعالى الآية بقوله تعالى: {إن كنتم ~~تعلمون} أي: ما حصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ~~ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق وأن القول ~~بالثواب والعقاب صدق. # ونزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: {لو كان} ما تدعوهم إليه ~~{عرضا} أي: متاعا من الدينا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر ~~{قريبا} أي: سهل المأخذ وقوله تعالى: {وسفرا قاصدا} أي: وسطا فحذف اسم كان ~~وهو ما قدرته، قال الزجاج: لدلالة ما تقدم عليه وإنما سمي السفر قاصدا لأن ~~المتوسط بين الإفراط والتفريط يقال له: مقتصد قال تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد} (فاطر، 32) # لأن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد وقوله تعالى: {قاصدا} أي: ذا ~~قصد كقولهم: لابن وتامر {لاتبعوك} أي: وافقوك طلبا للغنيمة {ولكن بعدت ~~عليهم الشقة} أي: المسافة التي تقطع بمشقة {وسيحلفون} أي: المتخلفون {با} ~~إذا رجعت من تبوك معتذرين {لو استطعنا} أي: لو كان لنا استطاعة بالبدن أو ~~العدة {لخرجنا} أي: في هذه الغزاة {معكم يهلكون أنفسهم} ms1024 أي: بسبب هذه ~~الأيمان الكاذبة كما قال تعالى: {وا يعلم إنهم لكاذبون} في ذلك لأنهم كانوا ~~مستطيعين الخروج. # {عفى الله عنك لم أذنت لهم} أي: عفا الله تعالى عنك يا محمد ما كان منك ~~في ذلك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك، ~~واختلفوا هل في ذلك معاتبة للنبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فقال عمرو بن ~~ميمون: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه # PageV01P617 # وسلم لم يؤمر بهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من أسارى بدر فعاتبه الله ~~تعالى كما تسمعون، وقال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف بدأ الله ~~تعالى بالعفو قبل أن يعيره، وقال القاضي عياض في الشفاء: إن هذا أمر لم ~~يتقدم للنبي صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهي فيعد معصية ولأعده ~~الله تعالى معصية عليه بل لم يعده أهل العلم معاتبة وغلطوا من ذهب إلى ذلك ~~وليس عفا بمعنى غفر بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «عفا الله لكم عن ~~صدقة الخيل والرقيق» ولم تجب عليهم قط أي: لم يكن يلزمكم ذلك. ونحوه ~~للقشيري قال: وإنما يقول: العفو لا يكون إلا عن ذنب، من لا يعرف كلام ~~العرب. وقال مكي: هو استفتاح كلام مثل أصلحك الله وأعزك. وقال السمرقندي: ~~إن معناه عافاك الله، وقال الرازي: إن ذلك يدل على مبالغة الله في توقيره ~~وتعظيمه كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده عفا الله عنك ما جوابك عن ~~كلامي ورضي الله عنك ما صنعت في أمري فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا مزيد ~~التمجيد والتعظيم أي: كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن ~~يقولوا: أصلح الله الأمير والملك ونحو ذلك. {حتى يتبين لك الذين صدقوا} أي: ~~في اعتذارهم {وتعلم الكاذبين} أي: فيما أظهروا من الإيمان باللسان لو لم ~~يؤذن لهم لقعدوا بلا إذن غير مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه بالطاعة في ~~العسر واليسر والمنشط والمكره قال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى الله ms1025 ~~عليه وسلم يعرف المنافقين يؤمئذ حتى نزلت براءة. # {لا يستأذنك} أي: لا يطلب إذنك بغاية الرغبة فيه {الذين يؤمنون با واليوم ~~الآخر} أي: الذي يكون فيه الجزاء بالثواب والعقاب {أن} أي: في أن {يجاهدوا} ~~وإنما حسن هذا الحذف لظهوره {بأموالهم وأنفسهم} بل يبادرون إلى الجهاد عند ~~إشارتك إليه وبعثك عموما عليه فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه فإن الخلص ~~من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لا نستأذنه صلى الله عليه وسلم في ~~الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد مرة فأي فائدة في الاستئذان ولنجاهد ~~معه بأموالنا وأنفسنا وكانوا بحيث لو أمرهم صلى الله عليه وسلم بالقعود لشق ~~عليهم كما وقع لعلي رضي الله عنه في غزوة تبوك لما أمره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ولم يرض حتى قال له صلى الله عليه ~~وسلم «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» {وا عليم بالمتقين} أي: ~~الذين يتقون مخالفته ويسارعون إلى طاعته. # {إنما يستأذنك} يا محمد في التخلف عن الجهاد معك من غير عذر {الذين لا ~~يؤمنون با واليوم الآخر} وهم المنافقون لأنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون ~~عقابا {وارتابت} أي: شكت {قلوبهم} في الدين وإنما أضاف الشك والارتياب إلى ~~القلب لأنه محل المعرفة والإيمان فإذا داخله الشك كان ذلك نفاقا {فهم} أي: ~~فتسبب عن ذلك أنهم {في ريبهم يترددون} أي: المنافقون ويتحيرون لا مع الكفار ~~ولا مع المؤمنين. # تنبيه: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآيات فقيل إنها منسوخة ~~بالآية التي في سورة النور وهي قوله تعالى: {إن الذين يستأذنوك أولئك الذين ~~يؤمنون با ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} (النو، 62) # وقيل: إنها محكمات كلها ووجه الجمع بين هذه الآيات أن المؤمنين كانوا ~~يسارعون إلى طاعة الله تعالى وجهاد عدوهم من غير # PageV01P618 # استئذان فإذا عرض لأحدهم عذر استأذن في التخلف فكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مخيرا في الإذن لهم بقوله تعالى: {فأذن لمن شئت منهم} وأما ms1026 ~~المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم الله تعالى بهذا ~~الاستئذان لكونه بغير عذر. # {ولو أرادوا الخروج} إلى الغزو معك {لأعدوا له} أي: قبل حلوله {عدة} أي: ~~قوة وأهبة من المتاع والسلاح والكراع بحيث يكونون كالحاضرين في صلب الحرب ~~الواقفين في الصف قد استعدوا لها بجميع عدتها، ولما كان قوله تعالى: {ولو ~~أرادوا الخروج} يعطي معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو أتى تعالى بحرف ~~الاستدراك فقال تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم} أي: لم يرض خروجهم معك إلى ~~الغزو {فثبطهم} أي: حبسهم بالجبن والكسل {وقيل} لهم {اقعدوا مع القاعدين} ~~أي: مع النساء والصبيان والمرضى وأهل الأعذار ومعنى {قيل لهم} أي: قدر الله ~~تعالى عليهم ذلك بأن ألقى في قلوبهم القعود لما كره الله انبعاثهم مع ~~المؤمنين، وقيل القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استأذنوه في ~~القعود فقال لهم: اقعدوا مع القاعدين. # فإن قيل: خروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون فيه ~~مصلحة أو مفسدة فإن كان فيه مصلحة فلم قال تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم ~~فثبطهم} وإن فيه مفسدة فلم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {عفا ~~الله عنك لم أذنت لهم} في ترك الخروج؟ أجيب: بأن خروجهم فيه مفسدة عظيمة ~~بدليل قوله تعالى: # {لو خرجوا فيكم} أي: معكم {ما زادوكم} بخروجهم {إلا خبالا} أي: فسادا ~~وشرا بتخذيل المؤمنين وتقدم الكلام على قوله: {لم أذنت لهم} . # تنبيه: لا يصح أن يكون فيه الاستثناء منقطعا لأن الاستثناء المنقطع يكون ~~المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقوله: {ما زادوكم خيرا إلا خبالا} ~~والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور وإذا لم يذكر ووقع الاستثناء من أعم ~~العام كأنه قيل: ما زادوكم شيئا إلا خبالا {ولأوضعوا} أي: أسرعوا {خلالكم} ~~أي: بينكم فيما يخل بكم بالمشي بالنميمة {يبغونكم الفتنة} أي: يطلبون منكم ~~ما تفتتنون به وذلك أنهم يقولون للمؤمنين: لقد جمعوا لكم كذا وكذا ولا طاقة ~~لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم، ونحو ذلك ms1027 من الأحاديث الكاذبة ~~التي تجبنهم {وفيكم} أي: والحال أن فيكم {سماعون لهم} أي: عيون لهم يؤدون ~~لهم أخباركم وما يسمعون منكم وهم الجواسيس أو مطيعون لهم يسمعون كلام ~~المنافقين ويطيعونهم وذلك أنهم يلقون إليهم أنواعا من الشبهات الموجبة لضعف ~~القلب فيقبلونها منهم. # فإن قيل: كيف يكون في المؤمنين الخالصين من يطيع المنافقين؟ أجيب: بأنهم ~~ربما قالوا قولا أثر في قلوب ضعفة المؤمنين في بعض الأحوال وقوله تعالى: ~~{وا عليم بالظالمين} وعيد وتهديد للمنافقين الذين يلقون الفتن والشبهات بين ~~المؤمنين. # {لقد ابتغوا الفتنة} أي: العنت ونصب الغوائل والسعي في تشتيت شملك وتفريق ~~أصحابك عنك كما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد وحنين انصرف بمن معه وعن ابن ~~جريج وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا ~~عشر رجلا ليفتكوا به. {من قبل} أي: قبل غزوة تبوك {وقلبوا لك الأمور} أي: ~~ودبروا لك الحيل والمكايد ودوروا الآراء في إبطال أمرك {حتى جاء الحق} وهو ~~تأييدك ونصرك # PageV01P619 # {وظهر أمر الله} أي: غلب دينه وعلا شرعه {وهم كارهون} له أي: على رغم ~~منهم فدخلوا فيه ظاهرا، ولما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ~~تبوك قال للجد بن قيس وكان من المنافقين: «يا أبا وهب هل لك في جلاد بني ~~الأصفر يعني: الروم نتخذ منهم سراري ووصفاء» فقال الجد بن قيس: يا رسول ~~الله لقد علم قومي أني مغرم بالنساء وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن ~~لا أصبر عنهن ائذن لي بالقعود ولا تفتني وأعينك بمالي، قال ابن عباس: اعتل ~~الجد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله تعالى فيه: # {ومنهم} أي: المنافقين {من يقول أئذن لي} أي: في القعود في المدينة {ولا ~~تفتني} أي: ببنات بني الأصفر وقيل: لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا ~~تأذن لي فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم وقيل: لا ~~تلقني ms1028 في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها وقيل: لا تفتني ~~بسبب ضياع المال والعيال؛ إذ لا كافل لهم بعدي قال الله تعالى: {ألا في ~~الفتنة سقطوا} أي: إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف وظهور ~~النفاق لا ما أخبروا عنه {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أي: جامعة لهم لا ~~محيص لهم عنها يوم القيامة أو هي محيطة بهم الآن لأن أسباب الإحاطة معهم ~~فكأنهم في وسطها. # {إن تصبك} يا محمد في بعض الغزوات {حسنة} أي: نصرة وغنيمة {تسؤهم} أي: ~~تحزنهم لما في قلوبهم من الضعف والمرض {وإن تصبك مصيبة} أي: نكبة وإن صغرت ~~في بعض الغزوات كما وقع يوم أحد {يقولوا} أي: سرورا وتبجحا بحسن رأيهم {قد ~~أخذنا أمرنا} أي: بالجد والحزم في القعود عن الغزو {من قبل} أي: قبل هذه ~~المصيبة {ويتولوا وهم فرحون} أي: مسرورون بما نالك من المصيبة وسلامتهم ~~منها قال الله تعالى: # {قل} يا محمد لهؤلاء الذين يفرحون بما يصيبك من المصائب والمكروه {لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله} أي: قدره {لنا} في اللوح المحفوظ لأن القلم جف بما ~~هو كائن إلى يوم القيامة من خير وشر فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروها ~~نزل به أو يجلب لنفسه نفعا إن أراده ما لم يقدر له {هو} أي: الله {مولانا} ~~أي: ناصرنا وحافظنا وهو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة ذلك بأن الله ~~مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ~~في جميع أمورهم لأن حقهم أن لا يتوكلوا على غيره ليفعلوا ما هو حقهم. # {قل} يا محمد لهؤلاء المنافقين {هل تربصون} فيه حذف إحدى التاءين من ~~الأصل أي: تنتظرون أن يقع {بنا} أيها المنافقون {إلا إحدى الحسنيين} تثنية ~~حسنى تأنيث أحسن أي: إلا إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسنى ~~العواقب وهما النصر أو الشهادة، وذلك أن المسلم إذا ذهب إلى الجهاد في سبيل ~~الله إما أن يسلم ويغنم فيحصل له المال وإما ms1029 أن يقتل في سبيل الله فتحصل له ~~الشهادة وهي العاقبة القصوى وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد ~~في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ~~ما نال من أجر أو غنيمة» {ونحن نتربص بكم} أي: إحدى السوأيين من العواقب ~~إما {أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} لا سبب لنا فيه كأن ينزل عليكم قارعة ~~من السماء كما نزلت على عاد # PageV01P620 # وثمود {أو} بعذاب {بأيدينا} أي: بسببنا من قتل ونهب وأسر وغير ذلك ~~{فتربصوا} بنا ما ذكرنا من عواقبنا {إنا معكم متربصون} ما هو عاقبتكم ولا ~~بد أن يلقى كلنا ما يتربصه لا يتجاوزه. # {قل} يا محمد لهؤلاء المنافقين {أنفقوا طوعا أو كرها} أي: من غير إلزام ~~من الله ورسوله أو ملزمين. # وسمي الإلزام إكراها لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقا عليهم ~~كالإكراه أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم لأن رؤساء أهل النفاق كانوا ~~يحملون على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم {لن يتقبل ~~منكم} أي: لا تقبل منكم نفقاتكم على أي حال كان. # فإن قيل: كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال: {لن يتقبل منكم} ؟ أجيب: بأن هذا ~~أمر في معنى الخبر كقوله تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن ~~مدا} (مريم، 75) # وروي أنها نزلت في الجد بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هذا مالي أعينك به فاتركني. # ثم علل تعالى سبب منع القبول بقوله تعالى: {إنكم} أي: لأنكم {كنتم قوما ~~فاسقين} والمراد بالفسق هنا الكفر ويدل عليه قوله تعالى: # {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا با وبرسوله} أي: وما ~~منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم، وقرأ حمزة والكسائي: يقبل، بالياء على ~~التذكير لأن تأنيث النفقات غير حقيقي، والباقون بالتاء على التأنيث {ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} أي: ms1030 متثاقلون لا يأتونها قط بنشاط {ولا ~~ينفقون} أي: نفقة من واجب أو غيره {إلا وهم كارهون} أي: في حال الكراهة وإن ~~ظهر خلاف ذلك وذلك كله لعدم النية الصالحة وهذا لا ينافي طوعا لأن ذلك بحسب ~~الظاهر وهذا بحسب الواقع. # {فلا تعجبك} يا محمد {أموالهم} أي: وإن أنفقوها في سبيل الله وجهزوا بها ~~الغزاة فإن ذلك من غير إخلاص منهم ولا حسن نية ولا جميل طوية {ولا أولادهم} ~~الذين يتجملون بهم فإن ذلك استدراج ووبال كما قال تعالى: {إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} وإن كان يتراءى أنها لذيدة لأن ذلك من شأن ~~الحياة وتعذيبهم فيها بسبب ما يكابدون من جمعها وحفظها من المتاعب وما يرون ~~فيها من الشدائد والمصائب. # فإن قيل: هذا لا يختص بالمنافق فما فائدة تخصيصه به؟ أجيب: بأن المؤمن قد ~~علم أنه مخلوق للآخرة وأنه يثاب بالمصائب الحاصلة في الدنيا فلم يكن المال ~~والولد في حقه عذابا والمنافق لا يعتقد ذلك فبقي ما يحصل له في الدنيا من ~~التعب والمشقة والغم والحزن على المال والولد عذابا عليه في الدنيا {وتزهق} ~~أي: تخرج {أنفسهم} بسببها {وهم} أي: والحال أنهم {كافرون} أي: يموتون على ~~الكفر فتكون عاقبتهم بعد عذاب الدنيا عذاب الآخرة وهكذا كل من أراد الله ~~تعالى استدراجه في الغالب كثر ماله وولده فكثر إعجابه بماله وولده وبطره ~~وكفره نعمة الله تعالى. # والإعجاب السرور بالشيء مع نوع الافتخار به ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما ~~يساويه وهذه الحالة تدل على استغراق النفس بذلك الشيء وانقطاعه عن الله ~~تعالى فإنه لا يبعد في حكم الله تعالى أن يزيل ذلك الشيء عن ذلك الإنسان ~~ويجعله لغيره والإنسان متى كان متذكرا لهذا المعنى زال إعجابه بذلك الشيء ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء ~~بنفسه» وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «هلك المكثرون» ، وقال أيضا: «مالك ~~من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست # PageV01P621 # فأبليت أو تصدقت فأبقيت» . # وروي من كثر ms1031 ماله اشتد حسابه ومن أراد من السلطان قربا ازداد من الله ~~بعدا والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة والمقصود منها الزجر عن الإطناب ~~من الدنيا والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها لأن الإنسان خلق للآخرة ~~لا للدنيا فينبغي أن لا يشتد عجبه بالدنيا وأن لا يميل قلبه إليها فإن ~~المسكن الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا، ولما بين تعالى كون المنافقين ~~مستجمعين لكل مضار الدنيا والآخرة خالين عن جميع منافع الآخرة والدنيا عاد ~~إلى ذكر فضائحهم وقبائحهم فمنها إقدامهم على الأيمان الكاذبة كما قال ~~تعالى: # {ويحلفون} أي: المنافقون {با} للمؤمنين إذا جاؤوا معهم {إنهم لمنكم} أي: ~~على دينكم وملتكم {وما هم منكم} أي: لكفر قلوبهم {ولكنهم قوم يفرقون} أي: ~~يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلوا بالمشركين فيظهرون الإسلام تقية. # {لو يجدون ملجأ} أي: حصنا يلجؤن إليه وقيل: لو وجدوا مهربا هربوا إليه، ~~وقيل: لو يجدون قوما يأمنون عندهم على أنفسهم منكم لصاروا إليهم وفارقوكم ~~{أو مغارات} أي: سراديب جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان أي: ~~يستتر {أو مدخلا} أي: موضعا يدخلونه {لولوا إليه} والمعنى أنهم لو وجدوا ~~مكانا على أحد هذه الوجوه الثلاثة مع أنها شر الأمكنة لدخلوا إليه وتحرزوا ~~فيه {وهم يجمحون} أي: يسرعون في دخول ذلك المكان إسراعا لا يرد وجوههم شيء ~~ومن هذا يقال: جمح الفرس وهو فرس جموح وهو الذي إذا حمل لا يرده اللجام، ثم ~~ذكر تعالى نوعا آخر من قبائح المنافقين وهو طعنهم في رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بسبب أخذ الصدقات بقوله تعالى: # {ومنهم من يلمزك} أي: يعيبك {في الصدقات} قال أبو على الفارسي: ههنا ~~محذوف والتقدير يعيبك في تقسيم الصدقات واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال ~~أبو سعيد الخدري: بيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مالا إذ أتاه ذو ~~الخويصرة وهو رجل من بني تميم رأس الخوارج وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقسم غنائم حنين واستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم ms1032 فقال: يا ~~رسول الله اعدل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «ويلك إن لم أعدل ~~فمن يعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول ~~الله ائذن لي فيه أضرب عنقه فقال له صلى الله عليه وسلم «دعه فإن له أصحابا ~~يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤن القرآن لا يجاوز ~~تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» . وقال الكلبي: قال رجل ~~من المنافقين يقال له الجواظ المنافق: ألا ترون إلى صاحبكم يقسم صدقاتكم في ~~رعاة الغنم ويزعم أنه يعدل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا أبا لك ~~أما كان موسى راعيا أما كان داود راعيا» فلما ذهب قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون» ، وقال ابن زيد قال ~~المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرها إلا هواه فنزلت. # وروى أبو بكر الأصم في تفسيره أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل من ~~أصحابه: «ماعلمك بفلان» فقال: ما لي به علم إلا أنك تدنيه في المجلس وتجزل ~~له العطاء فقال صلى الله عليه وسلم «إنه منافق أداريه عن نفاقه وأخاف أن ~~يفسد على غيره» فقال: لو أعطيت فلانا بعض ما تعطيه فقال صلى الله عليه وسلم ~~«إنه مؤمن أكمل إيمانه وأما # PageV01P622 # هذا فمنافق أداريه خوف فساده» . # {فإن أعطوا منها} أي: من الصدقات {رضوا} أي: رضوا عنك في قسمتها {وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون} أي: وإن لم تعطهم عابوا عليك وسخطوا، قال أهل ~~المعاني: إن هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق المنافقين ودناءة طباعم وذلك ~~لأنه لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونسبوه إلى الجور في القسمة مع أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل إلى ~~الدنيا، وقال الضحاك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بينهم ما آتاه ~~الله تعالى من قليل المال وكثيره وكان المؤمنون يرضون بما ms1033 أعطوا ويحمدون ~~الله تعالى وأما المنافقون فإن أعطوا كثيرا فرحوا وإن أعطوا قليلا سخطوا ~~وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين، وكلمة إذا ~~للمفاجأة أي: وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط. # {ولو أنهم} أي: المنافقين {رضوا ما آتاهم الله ورسوله} أي: ما أعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم والصدقات أو غيرها وذكر الله ~~تعالى للتعظيم والتنبيه على أن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~بأمره {وقالوا} أي: مع الرضا {حسبنا الله} أي: كافينا الله من فضله ~~{سيؤتينا الله من فضله ورسوله} أي: من غنيمة أو صدقة أخرى ما يكفينا {إنا ~~إلى الله} أي: في أن الله تعالى يغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس ~~ويوسع علينا من فضله {راغبون} أي: عريقون في الرغبة ولذلك نكتفي بما يأتي ~~من قبله كائنا ما كان وجواب لو محذوف والتقدير لكان خيرا لهم، نقل عن عيسى ~~عليه السلام أنه مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال: ما الذي حملكم عليه؟ ~~فقالوا: الخوف من عقاب الله، فقال: أصبتم، ومر على قوم يشتغلون بالذكر ~~فسألهم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ~~ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بالألفاظ ~~الدالة على صفات قدسه، فقال: أنتم المحقون المحققون، ثم بين سبحانه وتعالى ~~مصارف الصدقات تحقيقا لما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فقال عز من قائل: # {إنما الصدقات} أي: الزكوات مصروفة {للفقراء} والفقير هو الذي لا يجد ما ~~يقع موقعا من كفايته كأنه يحتاج إلى عشرة دراهم وهو لا يجد إلا درهمين أو ~~ثلاثا مأخوذ من الفقار كأنه أصيب فقاره {والمساكين} جمع مسكين وهو الذي يجد ~~ما يقع موقعا من كفايته ولا يكفيه كأن يحتاج إلى عشرة وهو يجد سبعة أو ~~ثمانية مأخوذ من السكون كأن العجز أسكنه والمسكين أعلى من الفقير ويدل عليه ~~قوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين} (الكهف، 79) # وروي أنه صلى الله عليه وسلم تعوذ من الفقر ms1034 وقيل: الفقير أعلى لقوله ~~تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} والعبرة عند الجمهور في عدم كفاية الفقير ~~والمسكين بالعمر الغالب بناء على أنه يعطى كفاية ذلك {والعاملين عليها} أي: ~~الزكاة فيعطى العامل وإن كان غنيا ويدخل في اسم العامل الساعي وهو الذي ~~يبعثه الإمام لأخذ الزكاة والكاتب والحاشر والعريف وهو الذي يعرف أرباب ~~الاستحقاق والحاسب والحافظ للأموال والكيال والوزان والعداد عمال إن ميزوا ~~أنصباء الأصناف لا المميزون للزكاة من المال وجامعوه فإن أجرتهم على ~~المالك. {والمؤلفة قلوبهم} وهم إما ضعيف النية في الإسلام فيعطى ليقوى ~~إسلامه أو شريف في قومه يتوقع بإعطائه # PageV01P623 # إسلام غيره أو كاف لناشر من يليه من الكفار أو مانعي الزكاة فيعطى حيث ~~إعطاؤه أهون علينا من بعث جيش وأما مؤلفة الكفار لترغيبهم في الإسلام فلا ~~يعطون من الزكاة ولا من غيرها للإجماع ولأن الله تعالى أعز الإسلام وأهله ~~وأغنى عن التأليف. {وفي الرقاب} وهم المكاتبون كتابة صحيحة فيعطون ما يؤدون ~~من النجوم إن عجزوا عن الوفاء ولو لم يحل النجم لأن قوله تعالى: {وفي ~~الرقاب} كقوله تعالى: {وفي سبيل الله} وهناك يعطى المال للمجاهدين فيعطى ~~للرقاب فلا يشترى به رقاب للعتق كما قيل به: {والغارمين} وهم من لزمتهم ~~الديون وهم ثلاثة أضرب: دين لزمه لمصلحة نفسه، ودين لزمه بضمان لا لتسكين ~~فتنة، ودين لزمه لتسكينها وهو إصلاح ذات البين فمن استدان لمصلحة نفسه أعطى ~~لا إن استدان في معصية إلا إن تاب عنها فيعطى إذا احتاج وكان بحيث لو قضى ~~دينه مما معه تمسكن فيترك له ما يكفيه ويعطي ما يقضي به بقية دينه ويعطى ~~ولو قدر على قضائه بالكسب وكذا المكاتب ويشترط حلول الدين في إعطاء الغريم ~~وإن ضمن لا لتسكين فتنة وهو معسر ملتزم بمال على معسر أعطي ما يقضي به دينه ~~وإذا قضى به دينه لا يرجع على الأصيل وإن ضمن بإذنه وإنما يرجع إذا غرم من ~~عنده ويعطى معسر # ملتزم بمال على موسر بلا إذن من الأصيل لأنه إذا غرم لا يرجع عليه ms1035 بخلاف ~~ما إذا ضمن بإذنه ولا يعطى موسر ملتزم بمال على موسر وإن ضمن موسر ما على ~~معسر أعطي الأصيل دون الضامن والغارم لإصلاح ذات البين يعطى مع الغني ولو ~~في غير دم ويعطى المستدين لقرى ضيف وعمارة مسجد وبناء قنطرة وفك أسير ونحو ~~ذلك من المصالح العامة عند العجز عن النقد. # {وفي سبيل الله} وهم الغزاة المتطوعون أي: الذين لا رزق لهم في الفيء ~~ويعطون ولو أغنياء إعانة لهم على الغزو وتحرم الزكاة على الغازي المرتزق ~~ولو كان عاملا فإذا عدم الفيء واضطررنا إلى المرتزق ليكفينا شر الكفار ~~أعانه الأغنياء لا من الزكاة {وابن السبيل} أي: الطريق وهو من ينشىء سفرا ~~مباحا من محل الزكاة فيعطى ولو كان كسوبا أو كان مسافرا لنزهة ويعطى أيضا ~~المسافر الغريب المجتاز بمحل الزكاة وإنما يعطيان إن لم يجدا معهما شيئا ~~يكفيهما لسفرهما وقوله تعالى: {فريضة من الله} نصب بفعله المقدر أي: فرض ~~لهم الصدقات فريضة أو حال من الضمير المستكن في للفقراء. # {والله عليم} أي: بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب ~~المسلمين {حكيم} يضع الأشياء في مواضعها وإنما أضيفت الصدقات إلى الأصناف ~~الأربعة الأولى بلام الملك وإلى الأربعة الأخيرة بفي الظرفية للإشعار ~~بإطلاق الملك في الأربعة الأولى وتقييده في الأخيرة حتى إذا لم يحصل الصرف ~~في مصارفها استرجع بخلافه في الأولى ويجب تعميم الأصناف الثمانية في القسم ~~إن أمكن بأن قسم الإمام ولو بنائبة ووجدوا لظاهر الآية سواء في ذلك زكاة ~~الفطر وزكاة المال وإن لم يمكن بأن قسم المالك إذ لا عامل أو الإمام ووجد ~~بعضهم كأن جعل عاملا بأجرة من بيت المال فتعميم من وجد منهم وعلى الإمام ~~تعميم آحاد كل صنف من الزكاة الحاصلة عنده إذ لا يتعذر عليه ذلك أو على ~~المالك أيضا إن انحصر الآحاد بالبلد بأن سهل عادة ضبطهم ومعرفة عددهم ووفى ~~بهم المال فإن أخل أحدهما بصنف ضمن وإن لم ينحصر أو لم يف بهم المال ويجب # PageV01P624 # إعطاء ثلاثة فأكثر من كل ms1036 صنف لذكره في الآية بصيغة الجمع وهو المراد في ~~سبيل الله وابن السبيل الذي هو للجنس ولا عامل في قسم المالك ويجوز حيث كان ~~أن يكون واحدا إن حصلت به الكفاية كما يستغنى عنه فيما مر وتجب التسوية بين ~~الأصناف غير العامل لا بين آحاد الصنف إلا أن يقسم الإمام وتتساوى الحاجات ~~فتجب التسوية لأن عليه التعميم فعليه التسوية بخلاف المالك إذا لم ينحصروا ~~أو لم يف بهم المال ولا يجزيه نقل الزكاة من بلد وجوبها مع وجود المستحقين ~~فيه إلى بلد آخر أو حال الحول والمال ببادية فرقت الزكاة بأقرب البلاد إليه ~~أما الإمام ولو بنائبه فله نقلها ولو امتنع المستحقون من أخذها قوتلوا وشرط ~~أخذ الزكاة من هذه الثمانية حرية وإسلام وأن لا يكون هاشميا ولا مطلبيا ولا ~~مولى لهما كما بينته السنة هذا مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وقال ~~الرازي وغيره: لا دلالة في الآية على قول الشافعي في أنه لا بد من صرفها ~~إلى جميع الأصناف لأنه تعالى # جعل # جملة الصدقات لهؤلاء الأصناف وأما أن صدقة زيد بعينها يجب توزيعها على ~~الأصناف كلها فلا كما أن قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن خمسه} ~~(الأنفعال، 41) # الآية، يوجب قسم الخمس على الطوائف من غير توزيع بالاتفاق وما ذهب إليه ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه قول عكرمة وما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز ~~صرفها إلى صنف واحد هو قول عمر وحذيفة وابن عباس وجماعة من الصحابة ~~والتابعين وكل على هدى من ربهم. # فإن قيل: كيف وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ومكايدهم؟ أجيب: ~~بأنه تعالى ذكر ذلك ليدل على أن هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم ~~على أنهم ليسوا منهم حسما لأطماعهم وإشعارا باستحقاقهم الحرمان وأنهم بعداء ~~عنها وعن مصارفها فمالهم ومالها وما سلطهم على التكلم فيها وبمن قاسمها. # {ومنهم} أي: المنافقين {الذين يؤذون النبي} هذا نوع آخر من جهالات ~~المنافقين وهو أنهم كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويعيبونه وينقلون ~~حديثه ms1037 {ويقولون} إذا نهوا عن ذلك لئلا يبلغه {هو أذن} أي: يسمع كل ما يقال ~~له ويصدقه سمي بالجارحة للمبالغة كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة للسماع ~~كما يسمى الجاسوس عينا لذلك واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عباس: ~~نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~بعضهم لبعض: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس ~~بن سويد وهو من المنافقين: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف ~~له فيصدقنا فيما نقول فإن محمدا أذن أي: أذن سامعة يسمع كل ما يقال له ~~ويقبله، وقال محمد بن إسحاق: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبيل بن ~~الحرث وكان رجلا ثائر الشعر أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم «من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن ~~الحارث» وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا ~~تفعل ذلك فقال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه فنقول: ما شئنا ثم نأتيه ~~فنحلف له فيصدقنا، فنزلت. وقال الحسن: كان المنافقون يقولون: ما هذا الرجل ~~إلا أذن من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له. # ومقصود المنافقين بقولهم هو أذن ليس له ذكاء ولا بعد غور بل هو سليم ~~القلب # PageV01P625 # سريع الاغترار بكل ما يسمع فلهذا السبب سموه بأذن وقوله تعالى: {قل} يا ~~محمد لهؤلاء المنافقين {أذن خير لكم} تصديق لهم بأنه أذن لكن لا على الوجه ~~الذي ذموه به بل من حيث إنه يسمع الخير ويقبله ثم فسر تعالى ذلك بقوله ~~تعالى: {يؤمن با} أي: يصدق به لما قام عنده من الأدلة {ويؤمن للمؤمنين} أي: ~~ويصدقهم ويقبل قولهم ولا يقبل قول المنافقين. # فإن قيل: لم عدى فعل الإيمان بالباء إلى الله تعالى وإلى المؤمنين باللام ~~أجيب: بأن الإيمان المعدى إلى الله تعالى المراد التصديق الذي هو نقيض ~~الكفر، فعدي بالباء، والإيمان المعدي للمؤمنين ms1038 معناه الاستماع منهم ~~والتسليم لقولهم فعدي باللام كما في قوله تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا ولو ~~كنا صادقين} (يوسف، 17) # وقوله تعالى: {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} (يوسف، 83) # وقوله تعالى: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} (الشعراء، 111) # وقوله: {آمنتم له قبل أن آذن لكم} (طه، 71) # وقرأ نافع: أذن في الموضعين بتسكين الذال، والباقون بالرفع {ورحمة} أي: ~~وهو رحمة {للذين آمنوا منكم} أي: لمن أظهر الإيمان حيث يقبله ولا يكشف سره ~~وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلا بحالكم بل رفقا بكم وترحما عليكم ~~وقرأ حمزة ورحمة بالجر عطفا على خير، والباقون بالرفع، ولما بين سبحانه ~~وتعالى كونه سببا للخير بين أن كل من آذاه استوجب العذاب الأليم بقوله ~~تعالى: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} أي: مؤلم لأنه إذا كان يسعى ~~في إيصال الخير والرحمة إليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزي ثم أنهم مع ~~ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة وخيراته بالشرور فلا شك أنهم يستحقون العذاب ~~الشديد من الله تعالى ثم ذكر نوعا آخر من قبائح أفعال المنافقين بقوله ~~تعالى: # {يحلفون با لكم} أيها المؤمنون {ليرضوكم} أي: لترضوا عنهم واختلف في سبب ~~نزول هذه الآية فقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن ~~غزوة تبوك فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا يعتذرون إليهم ~~ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم. # وقال قتادة والسدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد ووديعة بن ~~ثابت فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقا ~~فنحن أشر من الحمير وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له: عامر بن قيس ~~فحقروه وقالوا هذه المقالة فغضب الغلام وقال والله ما يقول محمد حق وأنتم ~~أشر من الحمير ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاهم فسألهم ~~فحلفوا أن عامرا كذب وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فجعل عامر يدعو اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب فنزلت {وا ورسوله أحق أن ms1039 ~~يرضوه} أي: بالإرضاء بالطاعة والوفاق وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين ~~رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم لتلازمهما كقولك: إحسان زيد ~~وإجماله نعشني وجبر مني أو أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى ~~وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله تعالى ولهذا السبب خص الله تعالى نفسه ~~بالذكر أو لأن الكلام في إيذاء الرسول وإرضائه أو خبر الله أو رسوله محذوف ~~وفي كلام البيضاوي إشارة إلى أن المذكور خبر الأول لأنه المتبوع وفي كلام ~~سيبويه أنه للثاني لكونه أقرب مع السلامة من الفصل بين المبتدأ والخبر {إن ~~كانوا} أي: هؤلاء المنافقون {مؤمنين} أي: مصدقين بوعد الله ووعيده في ~~الآخرة. # PageV01P626 # {ألم يعلموا} قال أهل المعاني: هذا خطاب لمن علم شيئا ثم نسيه وتركه ~~فيقال له: ألم تعلم أنه كان كذا وكذا ولما طال مكث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين أظهر المؤمنين والمنافقين وعلمهم من أحكام الدين ما يحتاجون إليه ~~خاطب المنافقين بقوله تعالى: {ألم يعلموا} أن من شرائع الدين التي علمهم ~~رسولنا {أنه} أي: الشأن {من يحادد الله} أي: من يخالف الله {ورسوله} وأصل ~~المحادة في اللغة المخالفة والمجانبة والمعاداة واشتقاقه من الحد يقال: حاد ~~فلان فلانا أي: صار في حد غير حده، كقولك شاقه أي: صار في شق غير شقه، ~~ومعنى {يحادد الله} أي: يصير في حد غير حد أولياء الله تعالى بالمخالفة ~~وقوله تعالى: {فأن له نار جهنم} أي: على حذف الخبر أي: فحق أن له نار جهنم ~~لأن الفاء واقعة في جواب الشرط فتقتضي جملة و {فأن له نار جهنم} مفرد في ~~موضع رفع بالابتداء وقدر خبره مقدما لأن أن لا يبتدأ بها قال الرازي أو أن ~~معناه فله نار جهنم وأن تكررت للتوكيد واعترض بأن فيه الفصل بين المؤكد ~~والمؤكد بأجنبي ثم قال أو جواب من محذوف والتقدير ألم يعلموا أنه من يحادد ~~الله ورسوله يهلك فأن له نار جهنم {خالدا فيها} أي: دائما من غير انقضاء ~~كما كانت نيته المحادة أبدا، ثم ms1040 نبه على عظم هذا الجزاء بقوله تعالى: {ذلك} ~~أي: الأمر البعيد الوصف العظيم الشأن {الخزي العظيم} أي: الهلاك الدائم. # {يحذر} أي: يخاف {المنافقون أن تنزل عليهم} أي: المؤمنين {سورة تنبئهم} ~~أي: تخبرهم {بما في قلوبهم} أي: بما في قلوب المنافقين من النفاق والحسد ~~والعداوة للمؤمنين كانوا يقولون فيما بينهم ويستهزؤن ويخافون الفضيحة بنزول ~~القرآن في شأنهم قال قتادة: هذه السورة كانت تسمى الفاضحة والمبعثرة ~~والمثيرة أثارت مخازيهم ومثالبهم، قال ابن عباس: أنزل الله تعالى ذكر سبعين ~~رجلا من المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة على ~~المؤمنين لئلا يعير بعضهم بعضا لأن أولادهم كانوا مؤمنين {قل} يا محمد ~~لهؤلاء المنافقين {استهزؤا} أمر تهديد {إن الله مخرج} أي: مظهر {ما تحذرون} ~~إخراجه من نفاقكم، قال ابن كيسان: نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من ~~المنافقين وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة لما رجع من غزوة ~~تبوك ليفتكوا به إذا علاها ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه وتنكروا له في ليلة ~~مظلمة فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدروا ~~وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم وعمار بن ياسر يقود ناقة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحذيفة يسوقها فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم ~~فضربها حذيفة حتى نحاها عن الطريق فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم ~~قال: لم أعرف منهم أحدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنهم فلان ~~وفلان حتى عدهم كلهم» ، فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم فقال: أكره أن ~~تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيناهم الله. # {ولئن} اللام لام القسم {سألتهم} أي: المنافقين عن استهزائهم بك والقرآن ~~وهم سائرون معك إلى تبوك {ليقولن} معتذرين {إنما كنا نخوض ونلعب} في الحديث ~~لنقطع به الطريق ولم نقصد ذلك، قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين اثنان يستهزئان بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم والقرآن ms1041 والثالث يضحك قيل: كانوا يقولون: إن محمدا يغلب ~~الروم ويفتح # PageV01P627 # مدائنهم ما أبعده من ذلك وقيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل في ~~أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن وإنما هو قوله وكلامه فأطلع الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: «احبسوا الركب علي فدعاهم وقال لهم: ~~قلتم كذا وكذا فقال: {إنما كنا نخوض ونلعب} أي: كنا نتحدث ونخوض في الكلام ~~كما يفعل الركب لنقطع الطريق بالحديث واللعب» قال الله تعالى: {قل} يا محمد ~~لهؤلاء المنافقين {أبا} أي: بفرائضه وحدوده وأحكامه {وآياته} أي: القرآن ~~وسائر ما يدل على الدين الذي لا يمكن تبديله ولا يخفى على بصير ولا بصيرة ~~{ورسوله} محمد صلى الله عليه وسلم الذي عظمته من عظمته وهو مجتهد في ~~إصلاحكم وتشريفكم وإعلائكم {كنتم تستهزؤن} توبيخا وتقريعا لهم على ~~استهزائهم بما لا يصلح الاستهزاء به وإلزاما للحجة عليهم ولا يعبأ ~~باعتقادهم الكاذب، ولما كان الاستهزاء بذلك كفرا قال الله تعالى: # {لا تعتذروا} أي: لا تشتغلوا باعتذاراتكم الباطلة {قد كفرتم} أي: أظهرتم ~~الكفر بقولكم هذا {بعد إيمانكم} أي: بعد إظهار الإيمان. # فإن قيل: المنافقون لم يكونوا مؤمنين فكيف قال تعالى: {قد كفرتم بعد ~~إيمانكم} ؟ أجيب: بأنهم كانوا يكتمون الكفر ويظهرون الإيمان فلما حصل ذلك ~~الاستهزاء منهم وهو كفر فقد أظهروا الكفر بعدما أظهروا الإيمان كما تقرر ~~{إن نعف عن طائفة منكم} أي: بإحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق ~~{نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} أي: مصرين على النفاق والاستهزاء قال محمد ~~بن إسحاق: الذي عفا الله عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأشجعي يقال هو ~~الذي كان يضحك ولا يخوض وكان يمشي مجانبا لهم وكان ينكر بعض ما يسمع والعرب ~~توقع لفظ الجمع على الواحد فتقول خرج فلان إلى مكة على الجمال والله تعالى ~~يقول: {الذين قال لهم الناس} (آل عمران، 173) # يعني: نعيم بن مسعود فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال: اللهم إني ~~لا أزال أسمع آية تقرأ تقشعر منها الجلود وتخفق منها القلوب اللهم ms1042 اجعل ~~وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت فأصيب يوم ~~اليمامة فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه وقرأ عاصم نعف بالنون مفتوحة وضم ~~الفاء ونعذب طائفة بنون مضمومة وكسر الذال وطائفة بالنصب والباقون إن يعف ~~بياء مضمومة وتعذب بضم التاء وفتح الذال وطائلة بالرفع ثم بين تعالى نوعا ~~آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم والمقصود منه بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك ~~الأعمال المنكرة والأفعال الخبيثة بقوله تعالى: # {المنافقون والمنافقات بعضم من بعض} أي: متشابهة في النفاق والبعد عن ~~الإيمان كإبعاض الشيء الواحد كما يقول الإنسان لغيره أنا منك وأنت مني أي: ~~أمرنا واحد لا مباينة فيه {يأمرون بالمنكر} أي: يأمر بعضهم بعضا بالشرك ~~والمعصية وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم {وينهون عن المعروف ويقبضون ~~أيديهم} أي: عن الإنفاق في كل خير من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله، ~~والأصل في هذا أن المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء فقيل لمن منع وبخل قد قبض ~~يده فقبض اليد كناية عن الشح وقوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم} لا يمكن ~~إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملنا النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذما ~~لأن النسيان ليس في وسع البشر ولخبر: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» وأيضا ~~فهو في حق الله تعالى محال # PageV01P628 # فلا بد من التأويل وهو من وجهين: الأول: معناه أنهم تركوا أمره حتى صار ~~بمنزلة المنسي فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وجاء هذا ~~على مزاوجة الكلام كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى، 40) # الثاني: النسيان ضد الذكر فلما تركوا ذكر الله بالعبادة والثناء على الله ~~ترك الله تعالى ذكرهم بالرحمة والإحسان وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك ~~الذكر لأن من نسي شيئا لم يذكره فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم {إن ~~المنافقين هم الفاسقون} أي: الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر ~~والانسلاخ عن كل خير وكفى المسلم زاجرا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش ~~الذي وصف الله تعالى به ms1043 المنافقين حتى بالغ في ذمهم وقد كره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للمسلم أن يقول كرهت كسلت لأن المنافقين وصفوا بالكسل في ~~قوله تعالى: {إلا وهم كسالى فما ظنك بالفسق} ، ولما بين سبحانه وتعالى ~~كثيرا من أحوال المنافقين والمنافقات وأنه نسيهم أي: جازاهم على تركهم ~~التمسك بطاعة الله تعالى أكد هذا الوعيد وضم المنافقين إلى الكفار فيه ~~بقوله تعالى: # {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار} أي: المجاهرين في عنادهم يقال ~~وعده بالخير وعدا وأوعده بالشر وعيدا {نار جهنم خالدين فيها} أي: مقدرين ~~الخلود ولا شك أن النار المخلدة من أعظم العقوبات {هي حسبهم} أي: كافيتهم ~~في العذاب {ولعنهم الله} أي: أبعدهم مع من أبعدهم من رحمته، ولما كان ~~الخلود قد يتجوز به عن الزمن الطويل فيكون بعده فرج نفى ذلك بقوله تعالى: ~~{ولهم عذاب مقيم} أي: دائم لا ينقطع وقوله تعالى: # {كالذين من قبلكم} رجوع من الغيبة إلى خطاب الحضور والكاف في كالذين ~~للتشبيه والمعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم شبه فعل المنافقين بفعل ~~الكافرين الذين كانوا من قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض ~~الأيدي عن فعل الخير والطاعة ثم إنه تعالى وصف الكفار بأنهم كانوا أشد من ~~هؤلاء المنافقين قوة وأكثر أموالا وأولادا بقوله تعالى: {كانوا أشد منكم ~~قوة} أي: بطشا ومنعا {وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم} أي: تمتعوا ~~بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ورضوا بها عوضا عن الآخرة والخلاق: ~~النصيب، وهو ما خلق للإنسان وقدر له من خير وشر كما يقال: قسم له. ~~{فاستمتعتم بخلاقكم} أي: فتمتعتم أيها المنافقون والكافرون بخلاقكم فهو ~~خطاب للحاضرين {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} ذم الأولين باستمتاعهم ~~بما أوتوا من حظوظ الدنيا العاجلة وحرمانهم من سعادة الآخرة بسبب استغراقهم ~~في تلك الحظوظ العاجلة تمهيدا لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم، ولما ~~بين تعالى مشابهة هؤلاء المنافقين لأولئك المتقدمين في طلب الدنيا وفي ~~الإعراض عن طلب الآخرة بين حصول المشابهة بين الفريقين في تكذيب الأنبياء ~~وفي المكر والخديعة بقوله تعالى: {وخضتم} أي: ms1044 ودخلتم في الباطل والكذب على ~~الله تعالى وتكذيب رسله والاستهزاء بالمؤمنين {كالذي خاضوا} أي: كالذين ~~خاضوا أو كالفوج الذي خاضوا هذا كله إذا جعلنا الذي موصولا اسميا فإن ~~جعلناه موصولا حرفيا أول مع صلته بمصدر أي كخوضهم والفوج الجماعة. # فإن قيل: أي فائدة في قوله تعالى: {فاستمتعوا بخلاقهم} وقوله تعالى: {كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} مغن عنه كما أغنى # PageV01P629 # قوله تعالى: {كالذي خاضوا} عن أن يقال: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ أجيب: ~~بأن فائدة ذلك أن يذم الأولين بما مر ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم ~~فيكون ذلك نهاية في المبالغة كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على قبح ظلمه ~~بقولك: أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب من غير موجب وأما {خضتم ~~كالذي خاضوا} فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك ~~التقدمة {أولئك} أي: هؤلاء الأشقياء {حبطت} أي: بطلت {أعمالهم في الدنيا} ~~أي: بزوالها عنهم ونسيان لذاتها {والآخرة} أي: وفي الدار الآخرة لأنهم لم ~~يسعوا لها سعيها فلم تنفعهم أعمالهم في الدارين بل يعاقبون عليها وزاد في ~~التنبيه على بعدهما مما قصدوا لأنفسهم من النفع بقوله تعالى: {وأولئك هم ~~الخاسرون} أي: الذين خسروا الدنيا والآخرة والمعنى أنه كما بطل أعمال ~~الكفار الماضين وخسروا تبطل أعمالكم أيها المنافقون وتخسرون. # وفي الالتفات إلى مقام الخطاب إشارة إلى تحذير كل سامع عن مثل هذه ~~المقالة قال بعض كبراء التابعين: أدركت سبعين ممن أدرك النبي صلى الله عليه ~~وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه وذكر أن مالكا رحمه الله تعالى دخل المسجد ~~بعد العصر وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر فجلس ولم يركع فقال له صبي: يا ~~شيخ قم فاركع فقام وركع ولم يحاجه بما يراه مذهبا فقيل له في ذلك فقال: ~~خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بيننا وبين المنافقين شهود العتمة ~~والصبح لا يستطيعونهما» وقال تعالى: {لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} ms1045 ~~(التوبة، 54) # ينظر المنافق إلى ما يسقط فضائل أهل الفضل ويتعامى عن محاسنهم. # كما روي أن الله تعالى يبغض التارك لحسنة المؤمن الآخذ لسيئته والمؤمن ~~الصادق يتغافل عن مساوى أهل المساوى فكيف بمعايب أهل المحاسن والمنافق يأخذ ~~من الدين ما ينفع في الدنيا ولا يأخذ ما ينفع في العقبى ويجتنب في الدين ما ~~يضر في الدنيا ولا يجتنب ما يضر في العقبى مما لا يضر في الدنيا. # ويذكر أن رجلا من صلحاء المسلمين دخل كنيسة فقال لراهب فيها: دلني على ~~موضع طاهر أصلي فيه، فقال له الراهب: طهر قلبك مما سواه وقم حيث شئت، قال ~~المسلم: فخجلت منه. # وقوله عز من قائل: # {ألم يأتهم} فيه رجوع من الخطاب إلى الغيبة أي: ألم يأت هؤلاء المنافقين ~~والكفار وهو استفهام بمعنى التقرير أي: قد أتاهم {نبأ} أي: خبر {الذين من ~~قبلهم} من الأمم الماضية الذين خلوا من قبلهم كيف أهلكناهم حين خالفوا ~~أمرنا وعصوا رسلنا، ولما شبه تعالى المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة ~~في الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم لرسلهم بين منهم ستة ~~طوائف: # الأولى: {قوم نوح} أهلكوا بالطوفان. # {و} الثانية: {عاد} وهم قوم هود أهلكوا بالريح. # {و} الثالثة: {ثمود} ، وهم قوم صالح أهلكوا بالرجفة. # {و} الرابعة: {قوم إبراهيم} أهلكوا بسلب النعمة وأهلك نمروذ ببعوضة سلطها ~~الله تعالى على دماغه فقتلته. # {و} الخامسة: {أصحاب مدين} وهم قوم شعيب ويقال إنهم من ولد مدين بن ~~إبراهيم أهلكوا بعذاب يوم الظلة. # {و} السادسة: {المؤتفكات} وهم قوم لوط أي: أهلها أهلكوا بأن جعل الله ~~تعالى أعالي أرضهم سافلها وأمطر عليهم حجارة، وإنما ذكر الله تعالى هذه ~~الطوائف الستة لأن آثارهم باقية وبلادهم بالشام # PageV01P630 # والعراق واليمن وكل ذلك قريب من بلاد العرب فكانوا يمرون عليهم ويعرفون ~~أخبارهم وقوله تعالى: {أتتهم رسلهم} راجع إلى كل هؤلاء الطوائف {بالبينات} ~~أي: المعجزات الباهرات والحجج الواضحات الدالة على صدقهم فكذبوهم وخالفوا ~~أمرنا كما فعلتم أيها الكفار والمنافقون فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ~~فتعجل لكم النقمة كما عجلت لهم. ms1046 وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بالرفع ~~{فما كان الله ليظلمهم} بتعجيل العقوبة لهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} حيث ~~عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب، ولما بالغ سبحانه وتعالى في وصف المنافقين ~~بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة ثم ذكر عقبه أنواع الوعيد في حقهم في ~~الدنيا والآخرة ذكر بعده صفات المؤمنين بقوله تعالى: # {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} في الدين واتفاق الكلمة والعون ~~والنصرة وهذا في مقابلة قوله تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} ~~(التوبة، 67) # فإن قيل: لم قال تعالى في وصف المنافقين: {بعضهم من بعض} وقال في وصف ~~المؤمنين: {بعضهم أولياء بعض} ما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنه لما كان نفاق ~~الإتباع حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر لسبب مقتضى الهوى والطبيعة ~~والعادة قال فيهم: {بعضهم من بعض} ولما كانت الموافقة الخالصة بين المؤمنين ~~بتوفيق الله تعالى وهدايته لا بمقتضى الطبيعة وهوى النفس وصفهم بأن بعضهم ~~أولياء بعض فظهر الفرق بين الفريقين وظهرت الحكمة، وقوله تعالى: {يأمرون ~~بالمعروف} أي: بالإيمان بالله ورسوله واتباع أمره والمعروف كل ما عرف من ~~الشرع من خير وطاعة {وينهون عن المنكر} أي: الشرك والمعاصي، والمنكر كل ما ~~ينكره الشرع وينفر منه الطبع في مقابلة قوله تعالى في المنافقين: {يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف} {ويقيمون الصلاة} أي: المفروضة ويتمون أركانها ~~وشروطها {ويؤتون الزكاة} أي: الواجبة عليهم في مقابلة قوله تعالى في ~~المنافقين: {ويقبضون أيديهم} المعبر به عن البخل وقوله تعالى: {ويطيعون ~~الله ورسوله} أي: فيما يأمرهم به في مقابلة قوله تعالى في المنافقين: {نسوا ~~الله فنسيهم} ، ولما ذكر تعالى ما وعد به المنافقين من العذاب في نار جهنم ~~ذكر ما وعد به المؤمنين من الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة بقوله تعالى: ~~{أولئك} أي: المؤمنون والمؤمنات الموصوفون بهذه الصفات {سيرحمهم الله} بوعد ~~لا خلف فيه {إن الله عزيز} أي: غالب على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريده ~~{حكيم} أي: لا يقدر أحد على نقض ما يحكمه وحل ما يبرمه، ولما ذكر سبحانه ~~وتعالى الوعد على سبيل الإجمال ذكره على ms1047 سبيل التفصيل بقوله تعالى: # {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} فذكر في هذه ~~الآية أن الرحمة هي هذه الأنواع المذكورة في هذه الآية أولها قوله تعالى: ~~{جنات تجري من تحتها الأنهار} فهي لا تزال خضرة ذات بهجة نضرة، ولما كان ~~النعيم لا يكمل إلا بالدوام قال تعالى: {خالدين فيها} والمراد بالجنات التي ~~تجري من تحتها الأنهار البساتين التي يحير في حسنها الناظر لأنه تعالى قال: ~~{ومساكن طيبة في جنات عدن} أي: إقامة وخلود وهذا هو النوع الثاني فتكون ~~جنات عدن هي المساكن التي يسكنونها والجنات الأخر هي البساتين التي يتنزهون ~~فيها فهذه فائدة المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. # قد كثر كلام أصحاب الآثار # PageV01P631 # في صفة جنات عدن فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين عن قوله تعالى: ~~{ومساكن طيبة} فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قصر في ~~الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من ~~زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا على كل فراش ~~زوجة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من ~~الطعام وفي كل بيت سبعون وصيفة ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما ~~يأتي على ذلك أجمع» ، وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر» أي: دار الله ~~تعالى التي أعدها لأوليائه وأهل طاعته والمقربين من عباده، وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قلت: يا رسول الله حدثني عن الجنة ما بناؤها قال: «لبنة من ~~ذهب ولبنة من فضة وبلاطها المسك الإذفر وتربتها الزعفران وحصباؤها الدر ~~والياقوت فهي النعيم بلا بؤس والخلود بلا موت لا تبلى ثيابه ولا يفنى ~~شبابه» . وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة، قال الأزهري: بطنانها ~~وسطها، وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصر في الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي ~~المدينة التي فيها ms1048 الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى وسائر الجنان ~~حولها وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من ~~تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الإذفر، وقال عبد الله بن عمرو بن ~~العاصي رضي الله تعالى عنهما: إن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج ~~والمروج له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. # وقال عطاء بن السائب: عدن نهر في الجنة قبابه على حافتيه، وقال الرازي: ~~حاصل الكلام أن في جنات عدن قولين: أحدهما: أنه اسم علم لموضع معين في ~~الجنة وهذه الأخبار والآثار تقوي هذا القول، وقال في «الكشاف» : وعدن علم ~~بدليل قوله تعالى: {جنات عدن التي وعد الرحمن عباده} (مريم، 61) # والقول الثاني: أنه صفة الجنة. # قال الأزهري: مأخوذ من قولك: عدن بالمكان، إذا أقام به يعدن عدونا فبهذا ~~الاشتقاق قالوا الجنات كلها جنات عدن جعلنا الله تعالى ومن نحبه من أهلها ~~وأحل علينا رضوانه فإنه المقصود الأعظم كما قال تعالى: {ورضوان من الله ~~أكبر} لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة والمؤدي إلى نيل الوصول والفوز ~~باللقاء. # روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ~~وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم، يقولون: وما لنا لا نرضى وقد ~~أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: ~~وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال تعالى: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا» ~~وهذا هو النوع الثالث وقرأ شعبة ورضوان بضم الراء، والباقون بالكسر {ذلك} ~~أي: الرضوان أو جميع ما تقدم {هو الفوز العظيم} الذي تستصغر دونه الدنيا ~~وما فيها، ولما وصف الله تعالى المنافقين بالصفات الخبيثة وتوعدهم بأنواع ~~العقاب وكانت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم جارية بذكر الوعد مع ~~الوعيد لا جرم ذكر عقبه وصف المؤمنين بالصفات الشريفة الطاهرة الطيبة ~~ووعدهم بالثواب الرفيع والدرجة ms1049 العالية ثم عاد إلى شرح أحوال الكفار # PageV01P632 # والمنافقين بقوله تعالى: # {يأيها النبي جاهد الكفار} أي: المجاهرين {والمنافقين} أي: الساترين ~~كفرهم بظهور الإسلام. # فإن قيل: الآية تدل على وجوب مجاهدة المنافقين وهو غير جائز فإن المنافق ~~كما مر من يستر كفره ويقر بلسانه ومن كان كذلك لم تجز محاربته ومجاهدته ~~أجيب: بأن ليس في الآية ما يدل على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان أو ~~بطريق آخر وإنما تدل على وجوب الجهاد مع الفريقين وكيفية تلك المجاهدة إنما ~~تعرف من دليل آخر وقد دلت الدلائل المفصلة على أن المجاهدة مع الكفار يجب ~~أن تكون بالسيف ومع المنافقين بالحجة والبرهان وحمل الحسن جهاد المنافقين ~~على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها. # قال القاضي: وهذا ليس بشيء لأن إقامة الحدود واجبة على من ليس بمنافق فلا ~~يكون لها تعلق بالنفاق. ولما كان صلى الله عليه وسلم مطبوعا على الرفق وحسن ~~الخلق قال تعالى: {واغلظ عليهم} أي: بالانتهار والمقت في الجهادين لا ~~تعاملهم بمثل ما عاملتهم به من اللين عند استئذانهم في القعود وهذا بخلاف ~~ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم فقال: {المنافقون والمنافقات} فقدم في ~~كل سياق الأليق به {ومأواهم} أي: مسكنهم في الآخرة {جهنم وبئس المصير} أي: ~~المرجع هي. # {يحلفون} أي: المنافقون {با ما قالوا} أي: ما بلغك عنهم من السب ~~والمفسرون ذكروا في أسباب نزول هذه الآية وجوها. # الأول: روي أنه عليه الصلاة والسلام أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه ~~القرآن ويعيب المتخلفين فقال الجلاس بن سويد: لئن كان ما يقول محمد في ~~إخواننا الذين خلفناهم بالمدينة حقا لنحن شر من الحمير، فقال عامر بن قيس ~~الأنصاري للجلاس: أجل والله إن محمدا صادق وأنت شر من الحمار، فبلغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فاستحضره فحلف بالله عز وجل ما قاله فرفع عامر يده ~~وقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب فنزلت فقال ~~الجلاس: لقد ذكر الله تعالى التوبة في هذه الآية ولقد قلت هذا الكلام ms1050 وصدق ~~عامر ثم تاب وحسنت توبته. # الثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أبي لما قال: لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل. وأراد به الرسول صلى الله عليه وسلم فسمع زيد بن ~~أرقم ذلك فبلغه النبي صلى الله عليه وسلم فهم عمر رضي الله عنه بقتل عبد ~~الله بن أبي فجاء عبد الله بن أبي وحلف أنه لم يقل. # الثالث: روى قتادة أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار وكانت ~~جهينة حلفاء الأنصار فظهر الجهني على الغفاري فقال عبد الله بن أبي للأوس: ~~انصروا أخاكم فو الله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل سمن كلبك ~~يأكلك فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه ~~فسأله فحلف بالله ما قاله فنزلت {ولقد قالوا كلمة الكفر} وهي سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقيل: هي كلمة الجلاس بن سويد، وقيل: هي كلمة عبد الله بن ~~أبي {وكفروا بعد إسلامهم} أي: وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام {وهموا ~~بما لم ينالوا} أي: من قتل النبي صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من تبوك ~~توافق خمسة عشر منهم إذا تسنم العقبة أي: علاها بالليل فأخذ عمار بن ياسر ~~بخطام ناقته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها فبينما هم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع ~~أخفاف الإبل وبقعقعة # PageV01P633 # السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله، ~~فهربوا. # وقيل: هم المنافقون هموا بقتل عامر حين رد على الجلاس. # وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {وما نقموا} أي: وما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا {إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} فإن أكثر أهل المدينة كانوا قبل ~~قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ~~ولا يحرزون الغنيمة وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا ~~الدولة وذلك يوجب أن يكونوا محبين له مجتهدين في بذل النفس ms1051 والمال لأجله ~~وقتل للجلاس مولى فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ~~ألفا فاستغنى فالمنافقون عملوا بضد الواجب فوضعوا موضع شكره صلى الله عليه ~~وسلم أن نقموا منه. # وقال ابن قتيبة معناه ليس هناك شيء ينقمون منه ولا يعيبون من الله إلا ~~الصنيع وهذا كقول الشاعر: # *ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا* # وكقول النابغة: # *ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب* # أي: ليس فيها عيب {فإن يتوبوا} أي: من كفرهم ونفاقهم {يك خيرا لهم} في ~~العاجل والآجل من إصرارهم على ذلك وهذا الذي حمل الجلاس على التوبة والضمير ~~في يك للتوبة {وإن يتولوا} أي: يعرضوا عن الإيمان والتوبة ويصروا على ~~النفاق والكفر {يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا} بالقتل والأسر والإذلال ~~{والآخرة} بالعذاب الأكبر الذي لا خلاص لهم منه وهو خلودهم في النار {وما ~~لهم في الأرض} أي: التي لا يعرفون غيرها لسفول همتهم {من ولي} يحفظهم منه ~~{ولا نصير} يمنعهم وأما السماء فهم أقل من أن يطمعوا منها في شيء ناصر أو ~~غيره وأغلظ أكبادا من أن يرتقي فكرهم إلى ما بها من العجائب وما بها من ~~الجنود واعلم أن هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم ~~أقسام وأصناف فلهذا السبب يذكرهم الله تعالى على التفصيل فيقول تعالى: ~~{ومنهم الذين يؤذون النبي} (التوبة، 61) # {ومنهم من يلمزك في الصدقات} (التوبة، 58) # {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} (التوبة/ 49) # {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} فيه إدغام التاء في الأصل ~~في الصاد {ولنكونن من الصالحين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن ثعلبة بن ~~حاطب أبطأ عنه ماله بالشام فلحقه شدة فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس ~~الأنصار لئن آتانا الله من فضله لأصدقن ولأؤدين منه حق الله تعالى والمشهور ~~في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله ادع ~~الله أن يرزقني مالا فقال له رسول الله ms1052 صلى الله عليه وسلم يا ثعلبة قليل ~~تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. فراجعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«أما لك في رسول الله أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال ~~معي ذهبا وفضة لسارت» ثم أتاه بعد ذلك وقال: يا رسول الله ادع الله أن ~~يرزقني مالا والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزق ثعلبة مالا فاتخذ غنما # PageV01P634 # فنمت كما تنمى الدود حتى كثرت ونزل بها واديا من أودية المدينة واشتغل ~~بها حتى صار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر ويصلي في غنمه ~~باقي الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضا فصار لا يشهد إلا ~~الجمعة ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضا فصار لا يشهد لا جمعة ولا ~~جماعة فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار فذكره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبة» فقالوا: يا ~~رسول الله اتخذ غنما ما يسعها واد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ~~ويح ثعلبة ثلاثا» فنزلت آية الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلين لأخذ الصدقة» وكتب لهما أصناف الصدقة وكيف يأخذان وقال لهما: «مرا ~~بثعلبة وخذا صدقاته فأتياه وسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية انطلقا حتى # تفرغا ثم عودا إلي فانطلقا فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ثم رجعا إلى ثعلبة ~~فقال كمقالته الأولى ولم يدفع إليهما شيئا فرجعا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأخبراه بالذي صنع ثعلبة فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك ~~يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسأله أن يقبل ms1053 صدقته فقال: إن الله تعالى منعني من أن أقبل ~~صدقتك، فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال صلى الله عليه وسلم «لقد قلت لك ~~فما أطعتني» فرجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها ~~إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبلها ثم جاء بها إلى عمر أيام خلافته فلم ~~يقبلها فلما ولى عثمان أتاه بها فلم يقبلها وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي ~~الله عنه. # فإن قيل: العبد إذا تاب تاب الله عليه فلماذا منع الله تعالى من قبول ~~صدقته أجيب: بأن الله تعالى لما قال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها} (التوبة، 103) # وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه فلهذا السبب امتنع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أخذ تلك الصدقة ثم قال الله تعالى: # {فلما آتاهم من فضله بخلوا به} أي: منعوا حق الله تعالى منه {وتولوا} عن ~~طاعة الله تعالى {وهم معرضون} أي: عن طاعة الله تعالى. # {فأعقبهم} أي: صير عاقبتهم {نفاقا} متمكنا {في قلوبهم إلى يوم يلقونه} ~~أي: الله يوم القيامة {بما أخلفوا الله ما وعدوه} أي: بسبب إخلافهم ما ~~وعدوه من التصدق والصلاح لأن الجزاء من جنس العمل {وبما كانوا يكذبون} أي: ~~يجددون الكذب دائما مع الوعد ومنفكا عنه فقد استكملوا النفاق عاهدوا فغدروا ~~ووعدوا فأخلفوا وحدثوا فكذبوا وقد قال صلى الله عليه وسلم «آية المنافق أي: ~~علامته ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» . # {ألم يعلموا} أي: المنافقون {إن الله يعلم سرهم} أي: ما أسروا في أنفسهم ~~من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه {ونجواهم} أي: ما تناجوا بينهم من ~~المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها فكيف يجترؤن على النفاق ~~الذي الأصل فيه الاستمرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأن الله تعالى ~~يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر ~~{وإن الله علام الغيوب} والعلام مبالغة في العالم والغيب ما كان غائبا عن ~~الخلق # PageV01P635 # فكيف ms1054 يمكن الإخفاء عنه وقوله تعالى: # {الذين} مبتدأ {يلمزون} أي: يعيبون {المطوعين} المتنفلين {من المؤمنين} ~~أي: الراسخين في الإيمان {في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم} أي: ~~طاقتهم فيأتون به {فيسخرون منهم} أي: يستهزؤن بهم والخبر {سخر الله منهم} ~~أي: جازاهم على سخريتهم {ولهم عذاب أليم} على كفرهم وهذا نوع آخر من أعمال ~~المنافقين القبيحة وهو لمزهم لمن يأتي بالصدقات. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم وحث على الصدقة فجاء ~~عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ~~رسول الله مالي ثمانية آلاف درهم جئتك بأربعة آلاف درهم فاجعلها في سبيل ~~الله وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بارك ~~الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت» فبارك الله تعالى في مال عبد الرحمن حتى ~~أنه خلف امرأتين يوم مات بلغ ثمن ماله لهما مائة وتسعين ألف درهم، وجاء ~~عاصم بن عدي الأنصاري بسبعين وسقا من تمر وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة ~~وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل ~~لإرسال الماء إلى نخله فأخذت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لعيالي وأتيتك ~~بالآخر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعه في الصدقات فلمزهم ~~المنافقون وقالوا عبد الرحمن وعثمان ما يعطيان إلا رياء والله ورسوله ~~لغنيان عن صاع أبي عقيل ولكن أحب أن يذكر نفسه ليعطى من مال الصدقات فنزلت، ~~وقوله تعالى: # {أو لا تستغفر لهم} تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لهم ~~وتركه قال صلى الله عليه وسلم «إني خيرت فاخترته» يعني: الاستغفار رواه ~~البخاري {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} . # روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من المخلصين سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل فنزلت فقال عليه الصلاة ~~والسلام: «سأزيد على السبعين» وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم فهم من ms1055 السبعين ~~العدد المخصوص لأنه الأصل لجواز أن يكون ذلك حدا يخالفه حكم ما وراءه فبين ~~تعالى أن المراد التكثير دون التحديد وإنما خص السبعين من العدد بالذكر لأن ~~العرب كانت تستكثر السبعين ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه ~~حمزة رضي الله عنه سبعين تكبيرة ولأن آحاد السبعين سبع وهو عدد شريف فإن ~~السموات سبع والأرضين سبع والأيام سبع والأقاليم سبع والبحار سبع والنجوم ~~سبع وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير لاشتمال ~~السبعة على جملة أقسام العدد أي عدة مراتبه الأصلية والفرعية مع ذكر أول ~~فروع فروعه وهي سبعة آحاد عشرات مئين آحاد ألوف عشرات ألوف مئين ألوف آحاد ~~ألوف الألوف وقوله تعالى: {ذلك بأنهم كفروا با ورسوله} إشارة إلى أن اليأس ~~من المغفرة وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ولا قصور فيك بل لعدم قابليتهم ~~بسبب الكفر الصارف عنها {وا لا يهدي القوم الفاسقين} أي: المتمردين في ~~كفرهم وهو كالتنبيه على عذر النبي صلى الله عليه وسلم في استغفاره وهو عدم ~~يأسهم عن إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة والممنوع هو ~~الاستغفار بعد العلم لقوله تعالى: {ما كان # PageV01P636 # للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} (التوبة، 113) # {فرح المخلفون} عن غزوة تبوك {بمقعدهم} أي: بقعودهم فهو اسم للمصدر {خلاف ~~رسول الله} هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين وهو فرحهم بالقعود ~~وكراهتهم الجهاد والمخلف المتروك ممن مضى. # فإن قيل: إنهم احتالوا حتى تخلفوا فكانوا متخلفين. لا مخلفين أجيب: بأن ~~من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين ~~يوصف بأنه مخلف حيث لم ينهض وأقام. # تنبيه: قوله تعالى: {خلاف} فيه قولان: # الأول: وهو قول الزجاج بمعنى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~سار وأقاموا قال وهو منصوب لأنه مفعول له والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # والثاني: قال الأخفش: ms1056 إن خلاف بمعنى خلف ومعناه بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقوله تعالى: {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} ~~تعريض للمؤمنين بتحملهم المشاق لوجه الله تعالى بما فعلوا من بذل أنفسهم ~~وأموالهم وإيثارهم ذلك على السكون والراحة وكره ذلك المنافقون وكيف لا ~~يكرهون وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان {وقالوا} ~~أي: قال بعض المنافقين لبعض أو قالوا للمؤمنين تثبيطا {لا تنفروا} أي: لا ~~تخرجوا إلى الجهاد {في الحر} وكانت غزوة تبوك في شدة الحر فأجاب الله تعالى ~~عن هذا بقوله تعالى: {قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} أي: يعلمون أن ~~بعد هذه الدار دارا أخرى وأن بعد هذه الحياة حياة أخرى وأن هذه مشقة منقضية ~~وتلك مشقة باقية ما تخلفوا ولبعضهم # *مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... مساءة يوم اربها شبه الصابي* # *فكيف بأن تلقى مسرة ساعة ... وراء تقضيها مساءة أحقاب* # وقوله تعالى: # {فليضحكوا قليلا} أي: في الدنيا {وليبكوا كثيرا} أي: في الآخرة ورد بصيغة ~~الأمر ومعناه الإخبار بأنه ستحصل لهم هذه الحالة ودليل ذلك قوله تعالى: ~~{جزاء بما كانوا يكسبون} أي: أن ذلك البكاء في الآخرة جزاء لهم على ضحكهم ~~وأعمالهم الخبيث في الدنيا. # روي أن أهل النفاق يبكون في الآخرة في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ~~ولا يكتحلون بنوم ففرحهم وضحكهم طول أعمارهم في الدنيا قليل بالنسبة إلى ~~الآخرة لأن الدنيا فانية والآخرة باقية والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم ~~الباقي قليل. # روي عن أنس أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها ~~الناس ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم ~~في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتنفرغ العيون حتى لو ~~أن سفنا أجريت فيها لجرت» قال البيضاوي: ويجوز أن يكون الضحك والبكاء ~~كنايتين عن السرور والغم والمراد من القلة العدم. # {فإن رجعك} أي: ردك {ا} من غزوة تبوك {إلى طائفة منهم} أي: ممن تخلف ~~بالمدينة من المنافقين ms1057 وإنما قال: {إلى طائفة منهم} لأن منهم من تاب عن ~~النفاق وندم على التخلف أو اعتذر بعذر صحيح، وقيل: لم يكن المخلفون كلهم ~~منافقين وأراد بالطائفة المنافقين # PageV01P637 # منهم {فاستأذنوك للخروج} معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك {فقل} يا محمد ~~لهؤلاء الذين طلبوا الخروج معك وهم مقيمون على نفاقهم {لن تخرجوا معي أبدا} ~~أي: في سفر من الأسفار إن الله تعالى قد أغناني عنكم وأحوجكم إلي {ولن ~~تقاتلوا معي عدوا} إخبار بمعنى النهي للمبالغة وقوله تعالى: {إنكم رضيتم ~~بالقعود أول مرة} تعليل له وكان إسقاطهم من ديوان الغزاة عقوبة لهم على ~~تخلفهم وأول مرة هي الخرجة إلى غزوة تبوك {فاقعدوا مع الخالفين} أي: ~~المتخلفين عن الغزو من النساء والصبيان وغيرهم، قال الرازي: واعلم أن هذه ~~الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض إخوانه مكر وخداع ورآه مشددا فيه ~~مبالغا في تقرير موجباته فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه وأن ~~يحترز عن مصاحبته، ولما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بمنع ~~المنافقين من الخروج معه إلى الغزوات إذلالا لهم أمره بمنع الصلاة على من ~~مات منهم إذلالا لهم أيضا بقوله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} . # روي أن ابن أبي رأس المنافقين دعا النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي ~~مات فيه فلما دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم سأله أن يصلي عليه وإذا ~~مات يقوم على قبره ثم أرسل للنبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه قميصه ليكفن ~~فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه فقال ~~عمر رضي الله عنه: لم تعطي قميصك للرجس النجس؟ فقال صلى الله عليه وسلم «إن ~~قميصي لا يغني عنه من الله شيئا وإني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير ~~بهذا السبب» فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات جاء ابنه يعرفه وكان ابنه صحابيا ~~خالصا ms1058 صالحا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «صل عليه وادفنه» فقال: إن ~~لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي ~~عليه فقام عمر رضي الله عنه بينه وبين القبلة فنزلت هذه الآية وأخذ جبريل ~~عليه السلام بثوب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {لا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا} قال عمر: فعجبت من جراءتي على النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ وهذا ~~يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه وذلك أن الوحي ينزل وفق ~~قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفدية من أسارى بدر وقد سبق شرحه، ومنها ~~آية تحريم الخمر، ومنها آية تحويل القبلة، ومنها آية أمر النساء بالحجاب، ~~ومنها هذه الآية، فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصبا عاليا ودرجة ~~رفيعة له في الدارين ولهذا قال في حقه عليه الصلاة والسلام: «لو لم أبعث ~~لبعثت يا عمر نبيا» وإنما لم ينه صلى الله عليه وسلم عن التكفين في القميص ~~ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كانت تخل بالكرم وكان الله تعالى ~~أمره أن لا يرد سائلا بقوله تعالى: {وأما السائل فلا تنهر} (الضحى، 10) # ولأن ابنه كان بالوصف المتقدم فأكرمه النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ~~ابنه ولأن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه صلى الله عليه وسلم ولأنها كانت ~~مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين كان أسر ببدر والمراد من الصلاة الدعاء ~~للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر، قال الواحدي: مات في موضع جر ~~لأنه صفة للنكرة كأنه قيل: # PageV01P638 # على أحد منهم ميت، وقوله تعالى: {أبدا} متعلق بقوله: {ولا تصل} والتقدير ~~ولا تصل أبدا على أحد منهم منعا كليا دائما، وقال البيضاوي: مات أبدا يعني: ~~الموت على الكفر فإن إحياء الكافر للتعذيب لا للتمتع فكأنه لم يحيى واختلف ~~في تفسير قوله تعالى: {ولا تقم على قبره} فقال الزجاج: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له ms1059 فمنع ههنا منه قال ~~الكلبي: لا تقم لإصلاح مهمات قبره وهو من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا ~~كفاه أمره وتولاه، وقيل: لا تقم عند قبره لدفن أو زيارة والأول أولى لأن ~~النهي للتحريم ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره ~~بقوله تعالى: {إنهم كفروا با ورسوله وماتوا وهم فاسقون} أي: كافرون يعني: ~~لم يتوبوا قبل موتهم عن كفرهم فسقط بذلك ما قيل: إن الفسق أدنى من الكفر ~~فما الفائدة في وصفهم بعد ذلك بالفسق، وأجيب أيضا: بأن الكافر قد يكون عدلا ~~في دينه وقد يكون فاسقا فوصف الله تعالى المنافق بالفسق بعد أن وصفه بالكفر ~~تنبيها على أن طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العلم. # فإن قيل: كيف هم صلى الله عليه وسلم أن يصلي على هذا المنافق مع قيام ~~الكفر فيه وقيل: إنه صلى عليه؟ أجيب: بأن التكاليف مبنية على قوله صلى الله ~~عليه وسلم «نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر» فإنه كان ظاهره الإسلام ~~فلما أعلمه الله تعالى بذلك امتنع فلم يصل على منافق بعد ذلك ولا قام على ~~قبره حتى قبض. # {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون} سبق ذكر هذه الآية في هذه السورة بعينها ولكن حصل ~~بينهما تفاوت في ألفاظ أربعة: أولها: أن في الآية المتقدمة {فلا تعجبك} ~~بالفاء وههنا بالواو لأن الآية الأولى ذكرت بعد قوله تعالى: {ولا ينفقون ~~إلا وهم كارهون} وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق وإنما كرهوا ذلك الإنفاق ~~لكونهم معجبين بكثرة تلك الأموال والأولاد فلهذ المعنى نهاه الله تعالى عن ~~ذلك الإعجاب بفاء التعقيب وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء ~~بحرف الواو. ثانيها: أنه قال تعالى في الآية الأولى: {فلا تعجبك أموالهم ~~ولا أولادهم} وههنا كلمة لا محذوفه لأن مثل هذا الترتيب يبدأ فيه بالأدون ~~ثم يترقى إلى الأشرف فيقال: لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير وهذا يدل ~~على أنه كان إعجاب أولئك ms1060 الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم وهذه الآية ~~تدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم. ثالثها: أنه تعالى قال هناك: {إنما ~~يريد الله ليعذبهم} وههنا قال: {إنما يريد الله أن يعذبهم} فالفائذة فيه ~~التنبيه على أن التعليل في أحكام الله تعالى محال وإن ورد حرف التعليل ~~ومعناه أنه كقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله} وما أمروا إلا بأن ~~يعبدوا الله. رابعها: أنه ذكر في الآية الأولى {في الحياة الدنيا} وههنا ~~أسقط لفظ الحياة تنبيها على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة مبلغا إلى أنها ~~لا تستحق أن تسمى حياة بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيها ~~على كمال دناءتها، قال الرازي: فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ والعالم ~~بتحقيق القرآن هو الله تعالى. # فإن قيل: ما الحكمة في التكرير؟ أجيب: بأنه أشد الأشياء جذبا وطلبا ~~للخواطر الاشتغال بالدنيا وهي الأموال والأولاد وما كان كذلك يجب التحذير ~~عنه مرة بعد أخرى في المطلوبية والمرغوبية كما أعاد تعالى # PageV01P639 # قوله في سورة النساء: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لما ~~يشاء} (النساء، 48) # مرتين وقيل: إنما كرر هذا المعنى لأن الآية الأولى في قوم منافقين لهم ~~أموال وأولاد في وقت نزولها وهذه الآية في قوم آخرين والكلام الواحد إذا ~~احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة لم يكن ذكره مع بعضهم ~~مغنيا عن ذكره مع آخرين، وقوله تعالى: # {وإذا أنزلت سورة} يحتمل أن يراد بالسورة تمامها وأن يراد بعضها أي: ~~طائفة من القرآن وقيل: المراد بالسورة سورة براءة لأن فيها الأمر بالإيمان ~~والجهاد {أن آمنوا با} أي: بأن آمنوا ويجوز أن تكون أن المفسرة {وجاهدوا مع ~~رسوله} . # فإن قيل: كيف يأمر المؤمنين بالإيمان فإن ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل ~~وهو محال؟ أجيب: بأن معناه الدوام على الإيمان والجهاد في المستقبل، وقيل: ~~هذا الأمر وإن كان ظاهره العموم لكن المراد به الخصوص وهم المنافقون أي: ~~اخلصوا الإيمان بالله وجاهدوا مع رسوله صلى الله عليه وسلم ms1061 وإنما قدم الأمر ~~بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن الجهاد بغير الإيمان لا يفيد شيئا ثم حكى ~~الله تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون فقال تعالى: {استأذنك أولو ~~الطول منهم} قال ابن عباس يعني: أهل الغنى وهم أهل القدرة والثروة والسعة ~~من المال، وقيل: هم رؤساء المنافقين وكبراؤهم {وقالوا} أي: أولو الطول ~~{ذرنا نكن مع القاعدين} أي: الذين قعدوا لعذر كالمرضى والزمنى، وقيل: مع ~~النساء والصبيان ثم ذمهم الله تعالى بقوله: # {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} جمع خالفة أي: النساء اللاتي تخلفن في ~~البيوت، وقيل: الخوالف أدنياء الناس وسفلتهم يقال: فلان خالفه قومه إذا كان ~~دونهم وإنما خص أولو الطول بالذكر لأن الذم لهم لازم لكونهم قادرين على ~~السفر والجهاد وأما من لا مال له ولا قدرة له على السفر فلا يحتاج إلى ~~الاستئذان قال المفسرون: كان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف {وطبع} ~~أي: وختم {على قلوبهم} أي: هؤلاء المنافقين {فهم لا يفقهون} أي: لا يعلمون ~~ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الشقاوة والخذلان ولما ~~شرح الله سبحانه وتعالى حال المنافقين من الفرار عن الجهاد بين حال الرسول ~~والذين آمنوا معه بالضد منه بقوله تعالى: # {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي: بذلوا المال ~~والنفس في طلب رضوان الله تعالى والتقرب إليه وفي قوله تعالى: {لكن} فائدة ~~وهي تقرير أنه وإن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو فقد توجه إليه من هو خير ~~منهم وأخلص نية واعتقادا كقوله تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها ~~قوما} (الأنعام، 89) ، ولما وصفهم الله تعالى بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما ~~حصل لهم من الفوائد والمنافع وهو أنواع: أولها: ما ذكره تعالى بقوله ~~سبحانه: {وأولئك لهم الخيرات} أي: منافع الدارين النصرة والغنيمة في الدنيا ~~والجنة والكرامة في الآخرة، وقيل: الخيرات الحور العين لقوله تعالى: {فيهن ~~خيرات حسان} (الرحمن، 70) # ثانيها: ما ذكره الله تعالى بقوله: {وأولئك هم المفلحون} أي: الفائزون ~~بالمطالب المتخلصون من العقاب والعتاب وثالثها: ما ذكره بقوله ms1062 تعالى: # {أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم} ~~هذا بيان ما لهم من الخيرات الأخروية. # {وجاء المعذرون} بإدغام التاء في الأصل في الذال أي: المعتذرون بمعنى ~~المعذورين {من الأعراب} إلى # PageV01P640 # النبي صلى الله عليه وسلم {ليؤذن لهم} في القعود لعذرهم فأذن لهم واختلف ~~في هؤلاء المعذرين فقيل: هم أسد وغطفان قالوا: إن لنا عيالا وإن بنا جهدا ~~فائذن لنا في التخلف، وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك ~~أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وسلم «سيغنيني ~~الله عنكم» وقيل: نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله، وعن قتادة: اعتذروا ~~بالكذب والاعتذار في كلام العرب على قسمين: يقال: اعتذر إذا كذب في عذره ~~ومنه قوله تعالى: {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} (التوبة، 94) # فرد الله تعالى عيهم بقوله: {قل لا تعتذروا} (التوبة، 94) # فدل ذلك على فساد عذرهم وكذبهم فيه. ويقال: اعتذر إذا أتى بعذر صحيح كما ~~في قول لبيد: # *ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر* # يريد: فقد جاء بعذر صحيح. وقيل: هو التعذير الذي هو التقصير، يقال: عذر ~~يعذر إذا قصر ولم يبالغ فعلى هذا المعنى يحتمل أنهم كانوا صادقين في ~~اعتذارهم وأنهم كانوا كاذبين، ومن المفسرين من قال: إنهم كانوا صادقين ~~بدليل أنه تعالى لما ذكره قال بعده: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} أي: في ~~ادعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار فلما فصل بينهم وميزهم ~~عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا كاذبين. # ويروى عن عمرو بن العلاء أنه لما قيل له هذا الكلام فقال: إن أقواما ~~تكلفوا عذرا بباطل فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: {وجاء المعذرون} ~~وتخلف الآخرون لا لعذر ولا لشبه عذر جراءة على الله وهم المراد بقوله ~~تعالى: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} {سيصيب الذين كفروا منهم} أي: من ~~الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره {عذاب أليم} في ~~الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار. # ولما بين سبحانه وتعالى ms1063 الوعيد في حق من توهم العذر مع أنه لا عذر له ذكر ~~أصحاب الأعذار الحقيقة وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط ~~بقوله تعالى: {ليس على الضعفاء} كالشيوخ ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفا نحيفا ~~{ولا على المرضى} كالزمنى والعرج والعمي {ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون} في الجهاد {حرج} أي: إثم في التخلف عنه فنفى سبحانه وتعالى عن هذه ~~الأقسام الثلاثة الحرج فيجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو وليس في الآية بيان ~~أنه يحرم عليهم الخروج لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بقدر ~~قدرته إما لحفظ متاعهم أو لتكثير سوادهم بشرط أن لا يجعل نفسه كلا ووبالا ~~عليهم كان ذلك طاعة مقبولة ثم إنه سبحانه وتعالى شرط في جواز هذا التأخر عن ~~الغزو شرطا بقوله: {إذا نصحوا ورسوله} في حال قعودهم بالإيمان والطاعة في ~~السر والعلانية وأن يحترزوا عن إلقاء الإرجافات وعن إثارة الفتن ويسعوا في ~~إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا إما أن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم ~~وإما أن يسعوا إلى إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم فإن جملة هذه ~~الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد وقوله تعالى: {ما على المحسنين} في ~~موضع ما عليهم لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم {من سبيل} أي: طريق إلى ذمهم ~~أو لومهم والمعنى أنه سد بإحسانه طريق العتاب ومن أعظم الإحسان من شهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله مخلصا من قلبه فإن ما عليه من سبيل في ~~نفسه وماله لإباحة الشرع بدليل منفصل إذ العبرة # PageV01P641 # بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمحسن هو الآتي بالإحسان ورأس أبواب ~~الإحسان ورئيسها هو قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله {وا غفور} أي: ~~محاء للذنوب {رحيم} أي: بجميع عباده، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان محل ~~التقصير وإن اجتهد فلا يسعه إلا العفو ولما ذكر الله سبحانه وتعالى الضعفاء ~~والمرضى والفقراء وبين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط # أن يكونوا ناصحين لله ورسوله وهو كونهم ms1064 محسنين وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ~~ذكر قسما رابعا من المعذورين بقوله تعالى: # {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} إلى الغزو وهم البكاؤن سبعة من ~~الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة ~~بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلية بن زيد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: بدرنا بالخروج أي: أسرعنا فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال ~~المخصوفة نغزو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا أجد ما أحملكم عليه» ~~فتولوا وهم يبكون ولذلك سموا البكائين وقيل: هم بنو مقرن من مزينة وكانوا ~~ثلاثة أخوة معقل وسويد والنعمان وقيل: أبو موسى وأصحابه وقيل: نزلت في ~~العرباض بن سارية، ويحتمل أنها نزلت في كل من ذكر، وقوله تعالى: {قلت لا ~~أجد ما أحملكم عليه} حال من الكاف في أتوك بإضمار قد وقوله تعالى: {تولوا} ~~جواب إذا {وأعينهم تفيض} أي: تسيل {من الدمع} أي: دمعها فان، ومن للبيان ~~كقولك: أفديك من رجل، وهو أبلغ من يفيض دمعها لأنه يدل على أن العين صارت ~~دمعا فياضا وقوله تعالى: {حزنا} منصوب على العلة {أن لا يجدوا} أي: لئلا ~~يجدوا محله نصب على أنه مفعول له وناصبه المفعول له الذي هو حزنا {ما ~~ينفقون} في الجهاد ولما قال تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} قال تعالى في ~~حق من يعتذر: {ولا عذر له} . # {إنما السبيل} أي: إنما يتوجه الطريق بالعقوبة {على الذين يستأذنونك} يا ~~محمد في التخلف عنك والجهاد {وهم أغنياء} أي: قادرون على أهبة الخروج معك ~~وقوله تعالى: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} استئناف كأنه قيل: ما بالهم ~~استأذنوا وهم أغنياء فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف ~~وهم النساء والصبيان {وطبع الله على قلوبهم} فلأجل ذلك الطبع قال الله ~~تعالى: {فهم لا يعلمون} أي: ما في الجهاد من منافع الدارين، أما في الدنيا ~~فالفوز بالغنيمة والظفر بالعدو، وأما في الآخرة فالثواب والنعيم الدائم ~~الذي لا ينقطع. # {يعتذرون} أي: هؤلاء المنافقون {إليكم} ms1065 أي: في التخلف {إذا رجعتم} من ~~الغزو {إليهم} بالأعذار الباطلة والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما ~~ذكره بلفظ الجمع تعظيما له ويحتمل أن يكون له وللمؤمنين. # يروى أن الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من المنافقين كانوا بضعة وثلاثين رجلا ~~فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم جاؤوا يعتذرون إليه بالباطل قال تعالى: ~~{قل} لهم يا محمد {لا تعتذروا} بالمعاذير الباطلة {لن نؤمن لكم} أي: لن ~~نصدقكم فيما اعتذرتم به وقوله تعالى: {قد نبأنا} أي: أعلمنا {الله من ~~أخباركم} أي: بعض أحوالكم التي أنتم عليها من الشر والفساد علة لانتفاء ~~تصديقهم لأن الله تعالى إذا أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم الإعلام ~~بأحوالهم وما في ضمائرهم من الشر والفساد لم يستقم مع ذلك تصديقهم في ~~معاذيرهم {وسيرى الله علمكم ورسوله} أي: # PageV01P642 # أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه {ثم تردون} أي: بالبعث {إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} أي: الله المطلع على ما في ضمائركم من ~~الخيانة والكذب وإخلاف الوعد وغير ذلك من الخبائث التي أنتم عليها فيجازيكم ~~عليه. # {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم} أي: رجعتم {إليهم} من تبوك إنهم معذورون ~~في التخلف {لتعرضوا عنهم} أي: لتصفحوا عنهم فلا تعاتبوهم {فأعرضوا عنهم} ~~أي: فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، قال ابن عباس: يريد ترك الكلام ~~والسلام قال مقاتل: قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: «لا ~~تجالسوهم ولا تكلموهم» قال أهل المعاني: هؤلاء طلبوا إعراض الصفح فأعطوا ~~إعراض المقت ثم ذكر تعالى علة الإعراض بقوله: {إنهم رجس} أي: قذر لخبث ~~باطنهم فكما يجب الاحتراز عن الأنجاس الجسمانية يجب الاحتراز عن الأرجاس ~~الروحانية خوفا من سريانها إلى الإنسان وحذرا من أن يميل طبع الإنسان إلى ~~تلك الأعمال وقوله تعالى: {ومأواهم جهنم} من تمام العلة {جزاء بما كانوا ~~يكسبون} من الأعمال الخبيثة في الدنيا واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية ~~فقال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما كانوا ثمانين ~~رجلا من المنافقين فقال ms1066 النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: «لا ~~تجالسوهم ولا تكلموهم» وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي حلف للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها وطلب من النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يرضى عنه فأنزل الله تعالى هذه الآية ونزل. # {يحلفون لكم لترضوا عنهم} أي: يحلف لكم هؤلاء المنافقون لترضوا عنهم ~~بحلفهم فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم {فإن ترضوا عنهم} أي: فإن رضيتم ~~عنهم أيها المؤمنون بما حلفوا إليكم وقبلتم عذرهم {فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين} لأنه تعالى يعلم ما في قلوبهم من النفاق والشك فلا يرضى ~~عنهم والمقصود من الآية عدم الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم بعد الأمر ~~بالإعراض عنهم وعدم الالتفات نحوهم. # ونزل في سكان البادية: # {الأعراب} أي: أهل البدو {أشد كفرا ونفاقا} أي: من أهل الحضر لجفائهم ~~وغلظ طباعهم وبعدهم عن أهل العلم وقلة استماعهم الكتاب والسنة واستيلاء ~~الهواء الحار اليابس عليهم وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر ~~والطيش عليهم وليسوا تحت سياسة سائس ولا تأديب مؤدب ولا ضبط ضابط فنشؤوا ~~كما شاؤوا ومن كان كذلك خرج على أشد الجهات نفاقا ولو قابلت الفواكه ~~الجبلية بالفواكه البستانية لعرفت الفرق بين أهل الحضر وأهل البادية. # قال العلماء من أهل اللغة: يقال: رجل عربي إذا كان له نسب في العرب وجمعه ~~العرب كما يقال: مجوسي ويهودي ثم تحذف ياء النسب في الجمع فيقال: المجوس ~~واليهود ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدويا يطلب مساقط الغيث والكلأ وسواء ~~كان من العرب أم من مواليهم ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب. # والأعرابي إذا قيل له: يا عربي فرح والعربي إذا قيل له: يا أعرابي غضب له ~~فمن استوطن القرى العربية فهم عرب ومن نزل البادية فهم أعراب والذي يدل على ~~الفرق بينهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حب العرب من الإيمان» وأما ~~الأعراب فقد ذمهم الله تعالى في هذه الآية. # وقيل: سموا بالعرب لأن ألسنتهم معربة عما ms1067 # PageV01P643 # في ضمائرهم ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا ~~توجد في سائر الألسنة. # قال الرازي: ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في ~~أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، ~~وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة ~~العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألسنتهم وعذوبة عباراتهم ثم حكم الله تعالى ~~على الأعراب بحكم آخر بقوله تعالى: {وأجدر} أي: أحق وأولى {أن} أي: بأن {لا ~~يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} من الأحكام والشرائع فرائضها وسننها ~~{وا عليم} بما في قلوب عباده {حكيم} فيما فرض من فرائضه وأحكامه. # {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق} في سبيل الله تعالى {مغرما} أي: غرامة ~~وخسرانا والغرامة ما ينفقه الرجل وليس يلزمه لأنه لا ينفق إلا تقية من ~~المسلمين ورياء لا لوجه الله تعالى وابتغاء المثوبة عنده وهم أسد وغطفان ~~{ويتربص} أي: ينتظر {بكم الدوائر} أي: دوائر الزمان أن ينقلب عليكم فيموت ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويظهر المشركون قال الله تعالى: {عليهم دائرة ~~السوء} دعاء عليهم معترض، قال التفتازاني: بين كلامين لا في أثناء كلام ولا ~~في آخره دعا عليهم بنحو ما دعوا به قال الله تعالى: {وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة غلت أيديهم} (المائدة، 64) # أي: يدور عليهم البلاء والحزن ولا يرون في محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ~~وأصحابه إلا ما يسوءهم ويكيدهم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين والباقون ~~بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة كقولك: رجل سوء في نقيض قولك: رجل صدق {وا ~~سميع} لأقوالهم {عليم} بما تخفي ضمائرهم ولما بين سبحانه وتعالى أنه حصل في ~~الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرما بين أن فيهم قوما مؤمنين صالحين ~~مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنما بقوله تعالى: {ومن الأعراب من يؤمن ~~با واليوم الآخر} كبعض جهينة ومزينة فوصفهم الله تعالى بوصفين: كونهم ~~مؤمنين بالله واليوم الآخر والمقصود التنبيه على أنه لا بد ms1068 في جميع الطاعات ~~من تقديم الإيمان وفي الجهاد أيضا كذلك والثاني: ما ذكره بقوله تعالى: ~~{ويتخذ ما ينفق قربات} جمع قربة أي: يقربه {عند الله} الذي لا أشرف من ~~القرب عنده {و} وسيلة إلى {صلوات} أي: دعوات {الرسول} صلى الله عليه وسلم ~~لأنه كان يدعو للمصدقين عنده بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله صلى الله ~~عليه وسلم «اللهم صل على آل أوفى» قال تعالى: {وصل عليهم} أي: ادع لهم ولما ~~كان ما ينفق سببا لذلك قيل: يتخذ ما ينفق قربات وصلوات الرسول {ألا إنها} ~~أي: نفقاتهم {قربة لهم} عند الله وهذا شهادة من الله تعالى للمؤمن المتصدق ~~بصحة ما اعتقد من كون نفقاته قربات عند الله وصلوات الرسول وقد أكد تعالى ~~هذه الشهادة بحرف التنبيه وهو قوله تعالى: {ألا} وبحرف التحقيق وهو قوله ~~تعالى: {إنها} ثم زاد في التأكيد فقال تعالى: {سيدخلهم الله في رحمته} فإن ~~دخول السين توجب مزيد التأكيد وهذه النعمة هي أقصى مرادهم. وقرأ ورش: قربة ~~برفع الراء والباقون بالسكون والأصل هو الضم والإسكان تخفيف {إن الله غفور} ~~أي: بليغ الستر لقبائح من تاب {رحيم} بهم. # ولما ذكر تعالى فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وما ~~أعد لهم من الثواب بين تعالى أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم منها # PageV01P644 # بقوله تعالى: # {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} أما من المهاجرين فقال سعيد ~~بن المسيب: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل ~~بدر، وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان، وقال محمد بن كعب: هم جماهير ~~الصحابة، وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة. # واختلف في أول الناس إسلاما وأول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال بعض العلماء: أول من أسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب وهذا قول جابر ~~واختلفوا في سنه وقت إسلامه فقيل: كان ابن عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، ~~وقيل: أكثر، وقيل: كان بالغا، والأكثرون على أنه لم يكن بالغا وقت إسلامه، ~~وقال بعضهم: أول ms1069 من أسلم بعد خديجة أبو بكر الصديق وهذا قول ابن عباس، وقال ~~بعضهم: أول من أسلم بعد خديجة زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهذا قول عروة بن الزبير وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه ~~الروايات فيقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن ~~الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فهؤلاء أربعة سباق الخلق إلى الإسلام. # وأما من الأنصار فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~العقبة وهي الأولى وكانوا ستة نفر ثم العقبة الثانية من العام المقبل ~~وكانوا اثني عشر رجلا ثم أصحاب العقبة الثالثة وكانوا سبعين رجلا فهؤلاء ~~سباق الأنصار، وقيل: المراد بالسابقين الأولين من سبق إلى الهجرة والنصرة ~~ويدل على هذا أنه تعالى ذكر كونهم سابقين ولم يبين لهم أنهم سابقون في ماذا ~~فبقي اللفظ مجملا فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما قد صاروا به مهاجرين وأنصارا ~~وهو الهجرة والنصرة فوجب أن يكون المراد منه السابقين الأولين في الهجرة ~~والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ وأيضا فإن الهجرة طاعة عظيمة ومرتبة عالية ~~ومنقبة شريفة لأنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وآووه ~~وواسوه وآووا أصحابه وواسوهم فلذلك أثنى الله تعالى عليهم ومدحهم {والذين ~~اتبعوهم} أي: الفريقين إلى يوم القيامة {بإحسان} أي: في اتباعهم فلم يحولوا ~~عن شيء من طريقتهم. # وقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار ويترحمون عليهم ويدعون ~~لهم ويذكرون محاسنهم. # وقيل: بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين عن أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق ~~مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» والمد ربع الصاع والنصيف نصفه ~~والمعنى لو أن أحدا عمل مهما قدر عليه من أعمال البر والإنفاق في سبيل الله ~~ما بلغ هذا القدر الصغير من عمل الصحابة وإنفاقهم لأنهم أنفقوا وبذلوا ~~المجهود في وقت الحاجة، وعن ms1070 عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا ~~أدري أذكر بعده قرنين أم ثلاثا. والقرن الأمة من الناس يقارن بعضهم بعضا ~~واختلفوا في مدته من الزمان من عشر سنين إلى عشرين سنة، وقيل: من مائة إلى ~~مائة وهذا هو المشهور وقيل: من مائة إلى مائة وعشرين سنة ثم جمعهم الله ~~تعالى في الثواب فقال: {رضي الله عنهم} فالسابقون مرتفع بالابتداء وخبره ~~رضي الله عنهم أي: بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم {ورضوا عنه} بما أفاض ~~عليهم # PageV01P645 # من نعمه الجليلة في الدنيا والآخرة {وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار} ~~أي: هي كثيرة المياه فكل موضع أردته نبع منه ماء يجري منه نهر. وقرأ ابن ~~كثير بزيادة من تحتها وبجر التاء بعد الحاء والباقون بغير من وفتح التاء، ~~ثم نفى سبحانه الانقطاع بقوله تعالى: {خالدين فيها} وأكد المراد من الخلود ~~بقوله تعالى: {أبدا} ثم استأنف مدح هذا الذي أعده لهم بقوله تعالى: {ذلك} ~~أي: الأمر العالي الرتبة {الفوز العظيم} ولما شرح تعالى أحوال منافقي ~~المدينة ثم ذكر بعده أحوال منافقي الأعراب ثم بين أن في الأعراب من هو مؤمن ~~صالح مخلص ثم بين أن رؤساء المؤمنين من هم وهم السابقون والمهاجرون ~~والأنصار، ذكر أن جماعة من حول المدينة موصوفون بالنفاق بقوله تعالى: # {وممن حولكم} أي: أهل بلدتكم وهي المدينة {من الأعراب منافقون} وهم جهينة ~~وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها وقوله تعالى: {ومن أهل المدينة} عطف ~~على خبر المبتدأ الذي هو ممن حولكم ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ ~~والخبر إذا قدرت: ومن أهل المدينة قوم {مردوا على النفاق} على أن مردوا صفة ~~موصوف محذوف كقول الشاعر: # *أنا ابن جلا وطلاع الثنايا* # أي: أنا ابن رجل جلا فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. # وقال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير وممن حولكم من الأعراب ومن ~~أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق أي: ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا ~~عنه وأصل المرود ms1071 الملاسة ومنه صرح ممرد وغلام أمرد {لا تعلمهم} بأعيانهم ~~أي: يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك لفرط توقيهم ما يشكك في أمرهم ~~ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله تعالى: {نحن نعلمهم} أي: لا يعلمهم إلا الله ~~تعالى ولا يطلع على سرهم غيره لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم ~~إبطانا ويبرزون لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين لا تشك معه في إيمانهم ~~وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروا به فلهم فيه اليد الطولى واختلفوا في ~~تفسير قوله تعالى: {سنعذبهم مرتين} فقال الكلبي والسدي: قام النبي صلى الله ~~عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان ~~فإنك منافق» فأخرج من المسجد جماعة من المنافقين وفضحهم فهذا هو العذاب ~~الأول والثاني عذاب القبر. # فإن قيل: كيف هذا مع قوله تعالى {لا تعلمهم نحن نعلمهم} ؟ أجيب: بأنه ~~تعالى أعلمه بهم بعد ذلك. وقال مجاهد: الأول: القتل والسبي، والثاني: عذاب ~~القبر، وقال ابن زيد: الأول: المصائب في الأولاد، والثاني: عذاب الآخرة، ~~وقال ابن عباس: الأول: إقامة الحدود عليهم، والثاني: عذاب القبر، وقيل: ~~عذبوا بالجوع مرتين، وقيل: الأول: ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض ~~أرواحهم، والثاني: عذاب القبر، وقيل: الأول: إحراق مسجدهم مسجد الضرار، ~~والثاني: إحراقهم بنار جهنم كما قال تعالى: {ثم يردون} أي: في الآخرة {إلى ~~عذاب عظيم} هو النار وقوله تعالى: # {وآخرون} أي: وقوم آخرون مبتدأ وقوله تعالى: {اعترفوا بذنوبهم} ولم ~~يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة نعته، والخبر {خلطوا عملا صالحا} أي: ~~وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك {وآخر سيئا} أي: وهو ~~تخلفهم {عسى الله أن يتوب عليهم إن الله عفور رحيم} يتجاوز عن التائب ~~ويتفضل عليه نزلت في طائفة من المتخلفين عن غزوة # PageV01P646 # تبوك، واختلف في عددهم فعن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثة عشر وروي عنه أنهم ~~كانوا خمسة وقال سعيد بن جبير: كانوا ثمانية، وقيل: كانوا ثلاثة ندموا لما ~~بلغهم ما نزل بالمتخلفين وتابوا وقالوا: نكون في الظلال ومع النساء ورسول ~~الله ms1072 صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللأواء فلما رجع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من سفره وقرب من المدينة قالوا: والله لنوثقن أنفسنا ~~بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقها ~~ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما رجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دخل المسجد على عادته في رجوعه من سفره فصلى ركعتين فرآهم فسأل عنهم ~~فذكر له أنهم أقسموا الا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم وترضى عنهم فقال: «وأنا ~~أقسم أن لا أحلهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع ~~المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية» فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليهم وأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما ~~تخلفنا عنك بسببها خذها فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال عليه الصلاة ~~والسلام: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» فأنزل الله تعالى: {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم} من الذنوب أو حب المال المؤدي إلى مثله وتجري لهم ~~مجرى الكفارة هذا قول الحسن كان يقول: ليس المراد من هذه الآية الصدقة ~~الواجبة وإنما هي كفارة الذنب الذي صدر ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم ~~أخذ ثلث أموالهم وتصدق بها وأبقى لهم الثلثين ولم يأخذ الجميع لأن الله ~~تعالى # قال: {خذ من أموالهم} والصدقة الواجبة لا يؤخذ فيها ثلث المال {وتزكيهم ~~بها} أي: وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين {وصل عليهم} أي: ~~واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم والسنة أن يدعو آخذ الصدقة لصاحب ~~الصدقة إذا أخذها. # وعن الشافعي رضي الله عنه أنه كان يقول أحب أن يقول الوالي عند أخذ ~~الصدقة: أجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت. {إن ~~صلاتك سكن لهم} أي: تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم لأن روحه صلى الله ~~عليه وسلم كانت روحا قوية مشرقة صافية باهرة فإذا دعا صلى الله عليه وسلم ~~لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوة روحه الروحانية على ms1073 أرواحهم فأشرقت ~~بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم وانتقلوا من الظلمة إلى النور ومن ~~الجسمانية إلى الروحانية فحصل لهم بذلك غاية الطمأنينة. وقرأ حفص وحمزة ~~والكسائي: صلاتك بغير واو بعد اللام ونصب التاء على التوحيد، والباقون ~~بالواو وكسر التاء على الجمع لتعدد المدعو لهم. # قيل: إن هذه الآية كلام مبتدأ والمقصود منها إيجاب أخذ الزكوات من ~~الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكاة وقالوا ~~في الزكاة: إنها طهرة {وا سميع} لأقوالهم واعترافهم ودعائك لهم {عليم} ~~بندامتهم ونياتهم. # ولما حكى سبحانه عن القوم الذين تقدم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم ~~تصدقوا وهناك لم يذكر إلا قوله: {عسى الله أن يتوب عليهم} وما كان ذلك ~~صريحا في قبول التوبة ذكر بعد ذلك أنه يقبل التوبة وأنه سبحانه يأخذ ~~الصدقات ترغيبا لمن لم يتب في التوبة وترغيبا لكل العصاة في الطاعة بقوله ~~تعالى: # {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ} أي: يقبل {الصدقات} ~~والضمير إما للمتوب # PageV01P647 # عليهم والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم وإما ~~لغيرهم والمراد به التحضيض عليها والآية وإن وردت بصيغة الاستفهام إلا أن ~~المراد بها التقرير في النفس، ومن عادة العرب في إفهام المخاطب وإزالة الشك ~~عنه أن يقولوا أما علمت أن من علمك يجب عليك خدمته أما علمت أن من أحسن ~~إليك يجب عليك شكره. فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم ~~ترغيبا في التوبة وبذل الصدقات وذلك أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال ~~الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا ~~يجالسون فما لهم اليوم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ترغيبا في التوبة ثم ~~زاد تأكيدا بقوله تعالى: {وأن الله هو التواب الرحيم} أي: وأن من شأنه قبول ~~توبة التائبين والتفضل عليهم وفي هذا تعظيم أمر الصدقات وتشريفها وأن الله ~~يقبلها من عبده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «ما من عبد مؤمن ms1074 يتصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا ~~طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب إلا يضعها في يد الرحمن عز وجل فيربيها ~~له كما يربي أحدكم فلوه حتى أن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل ~~العظيم، ثم قرأ: {أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} » . # {وقل اعملوا} أي: وقل لهم أو للناس يا محمد اعملوا ما شئتم {فسيرى الله ~~عملكم} فإنه لا يخفى عليه شيء خيرا كان أو شرا، فيه ترغيب عظيم للمطيعين ~~ووعيد عظيم للمذنبين فكأنه قال: اجتهدوا في العمل في المستقبل فإن الله ~~تعالى يرى أعمالكم ويجازيكم عليها {و} يرى أيضا {رسوله والمؤمنون} أعمالكم، ~~أما رؤية النبي صلى الله عليه وسلم فبإطلاع الله إياه على أعمالكم، وأما ~~رؤية المؤمنين فبقذف الله تعالى في قلوبهم من محبة الصالحين وبغض المفسدين ~~{وستردون إلى عالم الغيب والشهادة} أي: وسترجعون يوم القيامة إلى من يعلم ~~سركم وعلانيتكم ولا يخفى عيه شيء من أعمال بواطنكم وظواهركم {فينبئكم} أي: ~~فيخبركم {بما كنتم تعملون} من خير وشر فيجازيكم على أعمالكم. # واعلم أن الله تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أقسام: # أولهم: المنافقون الذين مردوا على النفاق. # والثاني: التائبون وهم المرادون بقوله تعالى: # {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} وبين أنه تعالى قبل توبتهم. # والقسم الثالث: الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في قوله تعالى: ~~{وآخرون} أي: من المتخلفين {مرجون} أي: مؤخرون عن التوبة. # وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بغير همز بين الجيم والواو، والباقون ~~بهمزة مضمومة بين الجيم والواو {لأمر الله} أي: لحكم الله تعالى فيهم، ~~والفرق بين القسم الثاني وبين هذا أن أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم ~~يسارعوا إليها، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن ~~الربيع وهلال بن أمية وستأتي قصتهم عند قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا} تخلفوا كسلا وميلا إلى الراحة لا نفاقا ولم يعتذروا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم كغيرهم فوقف أمرهم خمسين ليلة حتى نزلت توبتهم بعد {إما ~~يعذبهم} بأن يميتهم ms1075 من غير توبة {وإما يتوب عليهم} إن تابوا. # فإن قيل: كلمة أما وإما للشك والله تعالى منزه عن ذلك. أجيب: بأن الترديد ~~بالنسبة للعباد أي: ليكن أمرهم عندكم على هذا في الخوف والرجاء فإن الله ~~تعالى لا تخفى عليه # PageV01P648 # خافية وفي هذا دليل على أن كلا الأمرين بإرادة الله تعالى {وا عليم} ~~بأحوال عباده {حكيم} فيما يفعل بهم. # ولما ذكر تعالى أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال تعالى: # {والذين اتخذوا مسجدا} قال ابن عباس رضي الله عنه: وهم إثنا عشر رجلا من ~~المنافقين بنوا مسجدا {ضرارا} أي: مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء {وكفرا} ~~أي: وتقوية للنفاق، وقال ابن عباس: يريدون به ضرارا للمؤمنين وكفرا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وقال غيره: اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن على ~~النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام {وتفريقا بين المؤمنين} لأنهم كانوا ~~جميعا يصلون بمسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيؤدي ذلك إلى ~~الاختلاف وافتراق الكلمة {وإرصادا} أي: ترقبا {لمن حارب الله ورسوله} وهو ~~أبو عامر والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة وكان قد ترهب في الجاهلية ~~وتنصر ولبس المسوح فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة عاداه لأنه ~~زالت رياسته وقال للنبي صلى الله عليه وسلم ما هذا الذي جئت به؟ قال: جئت ~~بالحنيفية دين إبراهيم عليه السلام، فقال له أبو عامر: إنا عليها، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم «إنك لست عليها» فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب ~~منا طريدا وحيدا غريبا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «آمين» وسماه ~~الفاسقى فلما كان يوم أحد قال أبو عامر: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك ~~معهم ولم يزل يقاتله إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشام وأرسل ~~إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من القوة والسلاح وابنوا لي مسجدا ~~فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه ~~فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء # وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ms1076 ذلك المسجد، وقوله تعالى: {من قبل} ~~متعلق بحارب أي: حارب من قبل أن يبنى مسجد الضرار أو باتخذوا أي: اتخذوا من ~~قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف. # ولما وصف تعالى هذا المسجد بهذه الصفات الأربعة قال تعالى: {وليحلفن إن ~~أردنا إلا الحسنى} أي: وليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهي ~~الرفق بالمسلمين في التوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المصير إلى ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المظلمة والليلة ~~الشاتية {وا يشهد إنهم لكاذبون} في قولهم. # تنبيه: قوله تعالى: {والذين اتخذوا} محله نصب على الاختصاص كقوله تعالى: ~~{والمقيمين الصلاة} (النساء، 162) # أو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي: وممن ذكرنا الذين. # ولما بنى المنافقون ذلك المسجد للأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك وقالوا: يا رسول الله بنينا مسجدا لذي العلة ~~والليلة المظلمة والليلة المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو ~~لنا فيه بالبركة فقال صلى الله عليه وسلم «إني على جناح سفر في حال شغل ~~وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه» فلما قفل أي: رجع صلى الله عليه ~~وسلم من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد نزل قوله تعالى: # {لا تقم فيه أبدا} قال ابن عباس رضي الله عنهما معناه لا تصل فيه أبدا، ~~وقال الحسن: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى ~~جبريل: لا تقم فيه أبدا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ~~ومعن بن عدي وعامر بن # PageV01P649 # السكن ووحشيا فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه ~~وأحرقوه فخرجوا جميعا سريعا حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن ~~الدخشم فقال مالك: انظروني حتى أخرج لكم بنار من أهلي فدخل إلى أهله وأخذ ~~سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله ms1077 ~~فهدموه وأحرقوه وتفرق عنه أهله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ~~ذلك الموضع كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة ومات أبو عامر الراهب بالشام ~~وحيدا فريدا غريبا وقيل: كل مسجد بني مباهاة ورياء وسمعة أو لغرض سوى ~~ابتغاء وجه الله تعالى أو بمال غير طيب فهو ملحق بمسجد الضرار. # وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر ~~المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما ~~صاحبه وقوله تعالى: {لمسجد} اللام فيه للابتداء وقيل: لام القسم تقديره ~~والله لمسجد {أسس} أي: وضع أساسه وقواعده {على التقوى} أي: تقوى الله تعالى ~~{من أول يوم} أي: من أول أيام وجوده لأن من تعم الزمان والمكان أي: فأحاطت ~~به التقوى لأنها إذا أحاطت بأوله أحاطت بآخره {أحق} أي: أولى {أن} أي: بأن ~~{تقوم} أي: تصلي {فيه} ، واختلف في هذا المسجد الذي أسس على التقوى فقيل: ~~هو مسجد المدينة قاله زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري قال أبو سعيد رضي الله ~~عنه: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت: يا ~~رسول الله أي المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به ~~الأرض ثم قال: «هو مسجدكم هذا مسجد المدينة» ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض ~~الجنة ومنبري على حوضي» وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة» أي: ثوابت، وقيل: هو مسجد قباء ~~قاله سعيد بن جبير وقتادة أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام ~~مقامه بقباء وهو يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة ~~ويدل على هذا قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} أي: من المعاصي ~~والخصال المذمومة طلبا لمرضاة الله تعالى عليهم {وا يحب المطهرين} أي: ~~يثيبهم ويرضى عنهم ويدنيهم من ms1078 جنابه إدناء المحب حبيبه. # روي أنها لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى ~~وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: «أمؤمنون أنتم؟» فسكت القوم ~~ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: «أترضون بالقضاء؟» فقالوا: نعم، قال: «أتصبرون على ~~البلاء؟» قالوا: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: «مؤمنون ورب الكعبة» فجلس ~~ثم قال: «يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فماذا الذي تصنعون ~~عند الوضوء وعند الغائط؟» فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار ~~الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {رجال ~~يحبون أن يتطهروا} . # وروى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن ساعدة إنه صلى الله عليه وسلم أتاهم في ~~مسجد قباء فقال: «إن الله تعالى قد أحسن إليكم الثناء في الطهر وفي قصة ~~مسجدكم فما الطهور الذي تطهرون به؟» قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم ~~شيئا إلا كان لنا جيران من اليهود فكانوا # PageV01P650 # يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا وفي حديث رواه البزار فقالوا: ~~نتبع الحجارة بالماء فقال: «هو ذاك فعليكموه» ، وقيل: كانوا لا ينامون ~~الليل على الجنابة ويتبعون الماء إثر البول، وعن الحسن هو التطهر من الذنوب ~~بالتوبة، وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا عن آخرهم. # {أفمن أسس بنيانه} أي: بنيان دينه {على تقوى من الله ورضوان} أي: على ~~قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه {خير أم من أسس ~~بنيانه على شفا} أي: طرف {جرف} أي: جانب {هار} أي: على قاعدة هي أضعف ~~القواعد وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار أي: ~~مشرف على السقوط {فانهار به} أي: سقط مع بانيه {في نار جهنم} خير وهذا ~~تمثيل للبناء على ضد التقوى بما يؤول إليه والاستفهام للتقرير أي: الأول ~~خير وهو مثال مسجد قباء، والثاني مثال مسجد الضرار قال الرازي: ولا نرى في ~~العالم مثالا أحسن ms1079 مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال وحاصل الكلام إن ~~أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله تعالى ورضوانه والبناء الثاني قصد ~~بانيه ببنائه المعصية والكفر فكان البناء الأول شريفا واجب الإبقاء وكان ~~الثاني خسيسا واجب الهدم. # قيل: حفرت بقعة في مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منها، وقرأ نافع وابن ~~عامر: أفمن أسس بضم الهمزة وكسر السين الأولى مع التشديد وضم النون قبل ~~الهاء، والباقون بفتح الهمزة والسين مع التشديد أيضا ونصب النون قبل الهاء، ~~وقرأ شعبة: رضوان بضم الراء، والباقون بالكسر. ورسمت أم هنا مقطوعة من من ~~والكلام على أسس بنيانه كالكلام على التي قبلها، وقرأ ابن عامر وشعبة وحمزة ~~جرف بسكون الراء والباقون بالرفع، وأما شفا فلا تمال بخلاف هار فإن أبا ~~عمرو وشعبة والكسائي يقرؤونه بالإمالة المحضة، وابن ذكوان بالفتح والإمالة، ~~وورش بالإمالة بين بين، والباقون بالفتح {وا لا يهدي القوم الظالمين} أي: ~~إلى ما فيه صلاح ونجاة. # {لا يزال بنيانهم الذي بنوا} أي: بناؤهم الذي بنوه وهو مصدر كالغفران ~~والمراد هنا المبنى وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور يقال: ضرب ~~الأمير ونسج زيد والمراد مضروبه ومنسوجه وليس بجمع خلافا للواحدي في تجويزه ~~أن يكون جمع بنيانه لأنه وصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله: {ريبة} أي: شكا {في ~~قلوبهم} والمعنى: إن بناء ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم ~~فجعل نفس ذلك البنيان ريبة وإنما جعل سببا للريبة لأن المنافقين فرحوا ~~ببناء مسجد الضرار فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخريبه عظم ~~خوفهم في كل الأوقات وصاروا مرتابين في أنهم هل يتركهم على ما هم فيه أو ~~يأمر بقتلهم ونهب أموالهم، وقال الكلبي: صار حسرة وندامة لأنهم ندموا على ~~بنائه، وقال السدي: لا يزال هدم بنائهم ريبة أي: حرارة وغيظا في قلوبهم ~~{إلا أن تقطع قلوبهم} قطعا إما بالسيف وإما بالموت بحيث لا يبقى لهم قابلية ~~الإدراك وقيل: التقطع بالتوبة ندما وأسفا {وا عليم} بأحوالهم وأحوال عباده ~~{حكيم} في الأحوال التي يحكم بها عليهم وعلى ms1080 غيرهم. # ولما تقدم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى: ~~{ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} الآية، ثم الحزم بالجهاد بالنفس ~~والمال في قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} الآية ذكر فضيلة الجهاد ~~وحقيقته بقوله تعالى: # {إن الله اشترى} أي: بعهود أكيدة ومواثيق غليظة شديدة {من # PageV01P651 # المؤمنين} بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربه {أنفسهم} التي تفرد ~~بخلقها {وأموالهم} التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم وقدم النفس إشارة إلى ~~أن المبايعة سابقة على اكتساب المال، ولما ذكر البيع أتبعه الثمن بقوله ~~تعالى: {بأن لهم الجنة} مثل الله تعالى إثابتهم على بذلهم أنفسهم وأموالهم ~~في سبيله بالشراء. # وروي تاجرهم الله تعالى فأغلى لهم الثمن، وعن عمر رضي الله عنه فجعل لهم ~~الصفقتين جميعا، وعن الحسن أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رازقها. # وروي أن الأنصار لما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ~~بمكة وهم سبعون نفسا قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، ~~فقال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ولنفسي أن تمنعوني مما ~~تمنعون به أنفسكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، ~~قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت. # ومر أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأها فقال: الأعرابي كلام ~~من؟ قال عليه الصلاة والسلام: «كلام الله عز وجل» ، فقال الأعرابي: والله ~~بيع مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو فاستشهد. # وقال الحسن: اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة بايع الله تعالى بها كل ~~مؤمن والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة والمراد بالأموال ~~إنفاقها في سبيل الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم، وفي جميع وجوه البر ~~والطاعات، وقوله تعالى: {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} استئناف ~~بيان ما لأجله الشراء، وقيل: يقاتلون في معنى الأمر. وقرأ حمزة والكسائي ~~بتقديم المقتولين على القاتلين لأن الواو لا تقتضي الترتيب ولأن فعل البعض ~~قد يسند إلى الكل أي: ms1081 فيقتل بعضهم ويقاتل الباقي والباقون بتقديم القاتلين ~~وقوله تعالى: {وعدا عليه حقا} مصدران منصوبان بفعليهما المحذوفين ثم أخبر ~~الله تعالى بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت {في ~~التوراة} كتاب موسى عليه السلام {والإنجيل} كتاب عيسى عليه السلام ~~{والقرآن} أي: قد أثبته فيهما كما أثبته في القرآن أي: الكتاب الجامع لكل ~~ما قبله {ومن أوفى بعهده من الله} أي: لا أحد أوفى منه سبحانه لأن الإخلاف ~~لا تقدم عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق وقوله ~~تعالى: {فاستبشروا} فيه التفات عن الغيبة أي: فافرحوا غاية الفرح {ببيعكم ~~الذي بايعتم به} فإنه أوجب لكم عظائم المطالب كما قال تعالى: {وذلك هو ~~الفوز العظيم} . # تنبيه: هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيد: أولها: قوله تعالى: {إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم} بكون المشتري هو الله تعالى المقدس عن ~~الكذب والخيانة وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد، ثانيها: أنه ~~تعالى عبر عن إيصاله هذا الثواب بالبيع والشراء وذلك حق مؤكد، ثالثها: قوله ~~تعالى: {وعدا} ووعد الله تعالى حق، رابعها: قوله تعالى: {عليه} وكلمة على ~~للوجوب، خامسها: قوله تعالى: {حقا} وهو لتأكد التحقيق، سادسها: قوله تعالى: ~~{في التوراة والإنجيل والقرآن} وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية ~~وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة، سابعها: قوله تعالى: {ومن أوفى ~~بعهده من الله} وهو غاية في التأكيد، ثامنها: قوله تعالى: {فاستبشروا ~~ببيعكم الذي بايعتم به} وأيضا هو مبالغة في التأكيد، تاسعها: قوله تعالى: ~~{وذلك هو الفوز} ، وعاشرها قوله تعالى: {العظيم} فثبت # PageV01P652 # اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق. # ولما ذكر تعالى في هذه الآية أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بين ~~أن أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة الآتية: أولها: قوله ~~تعالى: # {التائبون} وهو مرفوع على المدح أي: هم التائبون يعني المذكورين في قوله ~~تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين} وقال الزجاج: لا يبعد أن يكون قوله: ~~{التائبون} مبتدأ وخبره محذوف تقديره التائبون ms1082 من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا ~~لقوله تعالى: {وكلا وعد الله الحسنى} أو خبره ما بعده أي: التائبون عن ~~الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال والتائبون صيغة عموم محلاة ~~بالألف واللام فتتناول التوبة من كل معصية والتوبة إنما تحصل عند أربعة ~~أمور: # أولها: احتراق القلب عند صدور المعصية. # ثانيها: الندم على ما مضى. # ثالثها: العزم على الترك في المستقبل. # رابعها: أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى ~~وعبوديته فإن كان غرضه منها رفع مذمة الناس وتحصيل مدحهم أو لغرض من ~~الأغراض الدنيوية فليس بتائب ولا بد من رد المظالم إلى أهلها إن كانت. # الصفة الثانية قوله تعالى: {العابدون} أي: الذين أخلصوا العبادة لله وقال ~~الحسن: هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء، وقال قتادة: قوم أخذوا من ~~أبدانهم في ليلهم ونهارهم. # الصفة الثالثة قوله تعالى: {الحامدون} وهم الذين يقومون بحق شكر الله ~~تعالى على نعمه دينا ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم «أول من يدعى إلى الجنة يوم ~~القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء» . # الصفة الرابعة قوله تعالى: {السائحون} واختلف في المراد منهم فقال ابن ~~مسعود وابن عباس: هم الصائمون قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ذكر في ~~القرآن من السياحة فهو الصوم وقال صلى الله عليه وسلم «سياح أمتي الصوم» ~~وعن الحسن أن هذا صوم الفرض، وقيل: هم الذين يديمون الصيام، قال الأزهري: ~~قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا لا زاد معه كان ممسكا عن ~~الأكل والصائم ممسك عن الأكل فلهذا المشابهة يسمى الصائم سائحا، وقال عطاء: ~~السائحون الغزاة في سبيل الله تعالى. # وروي عن عثمان بن مظعون أنه قال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة فقال: ~~«إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» وقال عطاء: السائحون هم طلاب العلم ~~والسياحة أمر عظيم في تكميل النفس لأنه يلقى أفاضل مختلفين فيستفيد من كل ~~واحد ms1083 فائدة مخصوصة وقد يلقى الأكابر من الناس فيستحقر نفسه في مقابلتهم وقد ~~يصل إلى المدارسة الكثيرة فينتفع بها وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا ~~بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته ~~وبالجملة فالسياحة لها أثر قوي في الدين. # الصفة الخامسة والسادسة: قوله تعالى: {الراكعون الساجدون} أي: المصلون ~~وإنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لأن بهما يتميز المصلي عن غيره بخلاف ~~حالة القيام والقعود لأنهما حالة المصلي وغيره ولأن القيام أول مراتب ~~التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها فخص الركوع والسجود بالذكر ~~لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيها على أن المقصود من الصلاة # PageV01P653 # نهاية الخضوع والتعظيم. # الصفة السابعة والثامنة: وقوله تعالى: {الآمرون بالمعروف والناهون عن ~~المنكر} أي: الآمرون بالإيمان والطاعة والناهون عن الشرك والمعصية ودخول ~~الواو في والناهون عن المنكر للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة ~~واحدة فكأنه قال: الجامعون بين الوصفين ولأن العرب تعطف بالواو على السبعة ~~ومنه قوله تعالى: {وثامنهم كلبهم} (الكهف، 22) # وقوله تعالى في صفة الجنة: {وفتحت أبوابها} # (الزمر، 22) # إيذانا بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التام ~~والثامن تعداد آخر معطوف عليه ولذلك تسمى واو الثمانية، وقيل: الموصون بهذه ~~الصفات هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وعلى هذا يكون قوله تعالى: ~~{التائبون} إلى قوله: {الساجدون} مبتدأ خبره هم الآمرون بالمعروف والناهون ~~عن المنكر. # الصفة التاسعة: قوله تعالى: {والحافظون لحدود الله} أي: لأحكامه بالعمل ~~بها والمقصود أن تكاليف الله تعالى كثيرة وهي محصورة في نوعين: أحدهما: ما ~~يتعلق بالعبادات، والثاني: ما يتعلق بالمعاملات. # فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على ~~التفصيل ثم ذكر عقبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الإجمال في هذه الصفة ~~التاسعة؟ أجيب: بأن التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله والسياحة ~~والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور لا ينفك المكلف ~~عنها في أغلب أوقاته فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل، وأما البقية ~~فقد ms1084 ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء وأحكام ~~الجنايات ودخل في هذه الصفة التاسعة رعاية أحوال القلوب بل البحث عنها، ~~والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى لأن أعمال الجوارح إنما تراد لأجل ~~تحصيل أعمال القلوب. # ثم ذكر سبحانه وتعالى عقب هذه الصفات التسعة قوله تعالى: {وبشر المؤمنين} ~~تنبيها على أن البشارة في قوله تعالى: {فاستبشروا} لم تتناول إلا المؤمنين ~~الموصفين بهذه الصفات التسعة وحذف تعالى المبشر به للتعظيم فكأنه قيل: ~~وبشرهم بما يجل عن إحاطة الإفهام وتعبير الكلام. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} ~~فقال سعيد بن المسيب عن أبيه إنه نزل في شأن أبي طالب وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جاء لعمه أبي طالب لما حضرته الوفاة فوجد عنده أبا جهل وعبد ~~الله بن أمية فقال: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» ~~فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل صلى ~~الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان عليه إلى تلك المقالة حتى قال أبو ~~طالب: آخر ما كلمهم أنا على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله ~~فقال صلى الله عليه وسلم «والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك» فنزل ذلك. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: ~~«قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» قال: لولا يعيرني قريش ~~يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى: {إنك ~~لا تهدي من أحببت} (القصص، 56) # الآية. # وقال بريدة لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف ~~عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له يستغفر لها فنزل {ما كان للنبي} # PageV01P654 # الآية، وقال أبو هريرة: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه آمنة فبكى ~~وأبكى من حوله ms1085 وقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن ~~أزورها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت، وقال قتادة: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سمعت رجلا يستغفر لأبويه ~~وهما مشركان فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم عليه ~~السلام لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآية. # وروى الطبراني بسنده عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالا قالوا: يا نبي الله ~~إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الرحم ويفك العاني أفلا نستغفر لهم؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم «والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» ~~فأنزل الله تعالى {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولي قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} أي: بأن ماتوا على ~~الكفر قال البيضاوي: وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم فإنه طلب ~~توفيقهم للإيمان وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه الكافر ~~فقال: # {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} أي: وعدها ~~إبراهيم أباه بقوله: لأستغفرن لك أي: لأطلبن مغفرة لك بالتوفيق للإيمان ~~فإنه يجب أي: يقطع ويمحو ما قبله، وقرأ هشام: أبراهام بالألف بعد الهاء في ~~الموضعين، والباقون بالياء فيهما {فلما تبين له أنه عدو} بأن مات على الكفر ~~أو أوحى الله تعالى إليه إنه لن يؤمن {تبرأ منه} أي: قطع استغفاره {إن ~~إبراهيم لأواه} أي: كثير التضرع والدعاء {حليم} أي: صبور على الأذى والجملة ~~لبيان ما حمله على الاستغفار لأبيه مع صعوبة خلق أبيه عليه. # {وما كان الله ليضل قوما} أي: يفعل بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ~~ارتكابهم المنهي عنه {بعد إذ هداهم} للإسلام {حتى يبين لهم} بيانا شافيا ~~لداء العمى {ما يتقون} أي: ما يجب اتقاؤه للنهي، أما قبل العلم والبيان فلا ~~سبيل عليهم كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ms1086 ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم ~~وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي عنه، ~~وقيل: إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر وغير ذلك، وفي ~~الجملة دليل على أن الغافل غير مكلف {إن الله بكل شيء عليم} أي: بالغ العلم ~~فهو يبين لكم ما تأتون وما تذرون مما يتوقف عليه الهدى وما تركه تعالى ~~فإنما يتركه رحمة لكم لا يضل ربي ولا ينسى. # {إن الله له ملك السموات والأرض} فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ~~ينفعكم أو يضركم {يحيي ويميت} أي: يحيي من شاء على الإيمان ويميته عليه ~~ويحيي من شاء على الكفر ويميته عليه لا اعتراض لأحد عليه في حكمه وعبيده ~~{وما لكم} أيها الناس {من دون الله} أي: غيره {من ولي} يحفظكم منه {ولا ~~نصير} يمنع عنكم ضرره. # {لقد تاب الله} أي: أدام توبته {على النبي والمهاجرين والأنصار} وافتتح ~~الله تعالى الكلام بذكر توبة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان سبب توبتهم ~~فذكره معهم كقوله تعالى: {فأن خمسه وللرسول} (الأنفال، 41) # ونحوه، وقيل: هو بعث على التوبة والمعنى ما من أحد إلا وهو محتاج إلى ~~التوبة حتى النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار لقوله تعالى: ~~{وتوبوا # PageV01P655 # إلى الله جميعا} (النور، 31) # إذ ما من أحد إلا وله مقام ينتقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من ~~تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده. # فائدة: اتفق القراء على إدغام دال قد في التاء. {الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة} أي: في وقت العسرة لم يرد ساعة بعينها وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة ~~العسرة والجيش يسمى جيش العسرة والعسرة الشدة فكانت عليهم عسرة في الظهر ~~والزاد والماء. # قال الحسن: كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يتعقبونه يركب الرجل ~~ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير ~~وكان النفر يخرجون ما معهم إلا التمرات اليسيرة بينهم فإذا بلغ الجوع من ~~أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى ms1087 يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ثم يشرب ~~عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى من التمرة إلا النواة ~~فمضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم ~~وأرضاهم أجمعين ورضي عنا بهم آمين. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ~~ستقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه ويجعل ما بقي على كبده ~~وحتى أن الرجل كان يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستقطع فقال ~~أبو بكر: يا رسول الله إن الله تعالى قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله ~~تعالى قال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ~~فلم يرجعا حتى أظلت السماء ثم سكبت فملأنا ما معنا ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها ~~جاوزت العسكر. {من بعدما كاد تزيغ} أي: قرب أن تميل {قلوب فريق منهم} أي: ~~هم بعضهم عند تلك العسرة العظيمة أن يفارق النبي صلى الله عليه وسلم لكنه ~~صبر واحتسب ولم يرد الميل عن الدين فلذلك قال الله تعالى: {ثم تاب عليهم} ~~لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر العسير. # فإن قيل: قد ذكر الله تعالى التوبة أولا ثم ذكرها ثانيا فما فائدة ~~التكرار؟ أجيب: بأن الله تعالى ذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه ~~وتطبيبا لقلوبهم ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى تعظيما ~~لشأنهم وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم. وقرأ حفص وحمزة: يزيغ، ~~بالياء على التذكير لأن تأنيث القلوب غير حقيقي، والباقون بالتاء على ~~التأنيث، وأدغم أبو عمرو الدال من كاد في التاء بخلاف عنه {إنه بهم رؤوف ~~رحيم} هاتان صفتان لله تعالى ومعناهما متقارب فالرأفة عبارة عن السعي في ~~إزالة الضر والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة، وقيل: إحداهما للرحمة ~~السابقة والآخرى للمستقبلة وقوله ms1088 تعالى: # {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} أي: عن غزوة تبوك وهم كعب بن مالك وهلال بن ~~أمية ومرارة بن الربيع معطوف على الآية الأولى والتقدير لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا، وفائدة هذا العطف بيان قبول توبتهم، وهذه الثلاثة كلهم من الأنصار ~~وهم المذكورون في قوله تعالى: {وآخرون مرجون لأمر الله} (التوبة، 106) # روي عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن ~~مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: وكان أعلم قومه وأوعاهم لحديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال كعب: كان من خبري حين ~~تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ~~ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى ~~جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ~~ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فأخبرهم بوجهه الذي يريد فتجهز رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض ~~شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا فهممت أن أرتحل وأدركهم وليتني فعلت ~~فلم يقدر لي ذلك وكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحزنني أن لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا في النفاق أو رجلا ممن عذر ~~الله تعالى من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ ~~تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة: ~~يا رسول الله حبسه برداه والنظر في معطفيه فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت ~~والله يا رسول الله ما علمت عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ms1089 كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه قافلا ~~حضرني همي وطفقت أذكر # الكذب وأقول بم أخرج به من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ~~فلما قيل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما راح عني الباطل وعرفت ~~إني لم أخرج بشيء أبدا فيه كذب وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما ~~وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس وجاءه ~~المخلفون يتعذرون إليه ويحلفون له وكانوا تسعة وثمانين رجلا فقبل منهم صلى ~~الله # عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى ~~فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم الغضبان ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست ~~بين يديه فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قلت: بلى يا رسول ~~الله والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطك بعذر ~~ولقد أعطيت جزلا ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديت كذب ترضى به ~~عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد # علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله ما كان لي من عذر والله ما كنت أقوى ولا ~~أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما هذا فقد ~~صدق فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني وقالوا ~~لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا وقد كان كافيك لذنبك استغفار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لهم: هل أتى هذا معي أحد؟ قالوا: نعم ~~رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة ~~بن الربيع وهلال بن أمية فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ففيهما أسوة ~~فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها ~~الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس ولبثنا على ذلك خمسين ms1090 ليلة فأما ~~صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أثبت القوم وأجلدهم ~~فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين ~~وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم ~~عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي ~~أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا ~~التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت ~~حائط أبي قتادة وهو ابن عم لي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي ~~السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت فعدت ~~له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت ~~فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام ~~يبيعه يقول: من يدلني على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني فدفع ~~إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فقد بلغني أن صاحبك جفاك ولم ~~يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت حين قرأته: وهذا ~~أيضا من البلاء # فيممت به التنور فسجرته به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين أمرنا أن ~~نعتزل نساءنا ولا نقربهن فقلت لامرأتي: إلحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي ~~الله تعالى في هذا الأمر قال كعب: فجاءت امرأة هلال إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت له: إن هلالا شيخ ضعيف ليس له خادم هل تكره أن أخدمه؟ ~~فقال: اخدميه ولكن لا يقربك قالت: والله إنه ما به حركة إلى شيء والله لا ~~يزال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا فقال بعض أهلي: لو استأذنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك لأذن لك كما أذن لامرأة هلال بن ~~أمية أن تخدمه فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ms1091 صلى الله عليه وسلم ~~وما يدريني ما يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال ~~حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ~~فبينما أنا جالس على الحال الذي ذكره الله تعالى في قوله: {حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت} أي: مع رحبها أي: سعتها فلا يجدون مكانا يطمئنون ~~إليه {وضاقت عليهم أنفسهم} أي: قلوبهم بالغم والوحشة أي: بتأخير توبتهم فلا ~~يسعها سرور ولا أنس {وظنوا} أي: أيقنوا {أن} مخففة {لا ملجأ من الله إلا ~~إليه ثم تاب عليهم} أي: وفقهم للتوبة {ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} ~~إذ سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع ينادي بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر ~~فخررت ساجدا وعرفت أنه جاء فرج وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ~~بتوبة الله تعالى علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل ~~صاحبي مبشرون ورجل رحل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى إلى الجبل فكان ~~الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي وكسوته ~~إياهما والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه # وسلم فتلقاني # الناس فوجا فوجا يهنؤنني بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك قال كعب ~~حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام ~~إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني رضي الله تعالى عنه والله ~~ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم ~~مر عليك منذ ولدتك أمك» ثم تلا علينا الآية، وعن أبي بكر الوراق أنه سئل عن ~~التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق ms1092 عليه نفسه ~~كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه. # ولما حكم الله بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ذكر ما يكون كالزاجر عن مثل فعل ~~ما مضى وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد بقوله تعالى: # {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي: بترك معاصيه {وكونوا مع الصادقين} ~~أي: مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين في ~~الغزوات ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت وقيل: ~~كونوا مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الباطلة ~~الكاذبة وقيل مع بمعنى من أي: وكونوا من الصادقين. # تنبيه: في الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته ويدل عليه أيضا ~~أشياء: # منها ما روي عن ابن مسعود أنه قال: عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البر ~~والبر يقرب إلى الجنة وإن العبد ليصدق فيكتب عند الله تعالى صديقا وإياكم ~~والكذب فإن الكذب يقرب إلى الفجور والفجور يقرب إلى النار وإن الرجل ليكذب ~~حتى يكتب عند الله كذابا ألا ترى أنه يقال: صدقت وبررت وكذبت وفجرت. # ومنها ما روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني رجل ~~أريد أن أومن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون ~~إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها فإن قنعت مني بترك واحدة منها ~~فعلت فقال صلى الله عليه وسلم «اترك الكذب» فقبل ذلك ثم أسلم فلما خرج من ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكذبت فقد نقضت العهد وإن صدقت أقام علي الحد فتركها ثم ~~عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر فتركه وكذا في السرقة فعاد إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال: ما أحسن ما فعلت لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب ~~المعاصي علي وفات الكل. # ومنها ما قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس {فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا ~~عبادك منهم المخلصين} (ص، 82، 83) # لأن إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء لأنه ms1093 لو لم يذكره لصار كاذبا في ادعاء ~~إغواء الكل فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء وإذا كان الكذب شيئا ~~يستنكف منه إبليس لعنه الله فالمسلم أولى أن يستنكف منه. # ومنها قول ابن مسعود: الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم أخاه ~~ثم لا ينجز له اقرأوا إن شئتم وكونوا مع الصادقين. # {ما كان} أي: ما صح وما ينبغي بوجه من الوجوه {لأهل المدينة} أي: دار ~~الهجرة ومعدن النصرة {ومن حولهم} أي: في جميع نواحي المدينة الشريفة {من ~~الأعراب} أي: سكان البوادي وهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وقيل: عام ~~في كل الأعراب لأن اللفظ عام وحمله على العموم أولى وقوله تعالى: {أن ~~يتخلفوا عن رسول الله} أي: عن حكمه وقوله تعالى: {ولا يرغبوا بأنفسهم عن ~~نفسه} أي: بأن يصونوها عما رضي لنفسه عليه الصلاة والسلام من الشدائد يجوز ~~فيه النصب والجزم على أن لا ناهية. # روي عن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه واستوى ونضج وله امرأة حسناء فرشت له في ~~الظل وبسطت له الحصير وقربت له الرطب والماء البارد فقال: ظل ظليل ورطب ~~يانع أي: ناضج وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الضح والريح ما هذا بخير فقام فرجل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح فمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب أي: ~~يدفعه وهو عبارة عن السرعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كن أبا ~~خيثمة» فكان هو ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفر له {ذلك} أي: ~~النهي عن التخلف {بأنهم} أي: بسبب إنهم {لا يصيبهم ظمأ} أي: عطش {ولا نصب} ~~أي: تعب {ولا مخمصة} أي: مجاعة {في سبيل الله} أي: في طريق دينه {ولا يطؤن} ~~أي: يدوسون وقوله تعالى: {موطئا} مصدر أي: وطأ أو مكان وطء {يغيظ} أي: يغضب ~~{الكفار} أي: وطؤهم له بأرجلهم ودوابهم {ولا ينالون من عدو نيلا} أي: قتلا ~~أو أسرا أو غنيمة أو ms1094 هزيمة أو نحو ذلك قليلا كان أو كثيرا {إلا كتب لهم به} ~~أي: بذلك {عمل صالح} أي: ثواب جزيل عند الله تعالى يجازيهم به {إن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين} أي: لا يترك ثوابهم وأظهر موضع الإضمار تنبيها على أن ~~الجهاد إحسان. # تنبيه: في هذه الآية دلالة على أن من قصد طاعة الله تعالى كان قيامه ~~وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله تعالى وكذا القول ~~في طرف المعصية فإن حركته فيها كلها سيآت فما أعظم بركة الطاعة وما أكبر ذل ~~المعصية إلا أن يغفرها الله تعالى. # وعن أبي عيسى رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله تعالى على النار» . # {ولا ينفقون} في سبيل الله {نفقة صغيرة} تمرة فما دونها {ولا كبيرة} أي: ~~أكثر منها مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة {ولا ~~يقطعون} أي: يجاوزون {واديا} أي: أرضا في سيرهم مقبلين أو مدبرين {إلا كتب ~~لهم} ذلك من الإنفاق وقطع الوادي {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} أي: ~~يجزيهم الله جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل وهو الثواب. # فائدة: الوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسبيل وهو في الأصل ~~فاعل من ودى إذا سال ومنه الوادي وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض ~~يقولون: لا تصل في وادي غيرك. # تنبيه: في الآية دليل على فضل الجهاد والإنفاق فيه ويدل عليه أشياء: # منها ما روي عن ابن مسعود قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل ~~الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة ~~كلها مخطومة» . # ومنها ما روي عن زيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله فقد غزا» . # ومنها ما روي عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله ms1095 عليه وسلم ~~قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها وموضع سوط أحدكم في ~~الجنة خير من الدنيا وما عليها» وفي رواية وما فيها. # ومنها ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن مجاهد بنفسه في سبيل الله» قال: ثم أي؟ ~~قال: «ثم رجل في شعب من الشعاب يعبد الله تعالى» وفي رواية يتقي الله ويدع ~~الناس من شره وقوله تعالى: # {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} فيه احتمالان: # الأول أنه كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد. # والثاني أن يكون من # PageV01P656 # بقية أحكام الجهاد فعلى الأول يقال: وما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو ~~غزو وطلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعا فإنه يخل بأمر المعاش ~~{فلولا} أي: فهلا {نفر من كل فرقة} أي: قبيلة {منهم طائفة} أي: جماعة ومكث ~~الباقون {ليتفقهوا} أي: ليتكلفوا الفقاهة {في الدين} ويتجشموا مشاق تحصيلها ~~ليعرفوا الحلال من الحرام ويعودوا إلى أوطانهم {ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم} أي: وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم ~~وإنذارهم وتخصيصه بالذكر لأنه أهم وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من ~~فروض الكفاية وأنه ينبغي أن يكون غرض المتكلم فيه أن يستقيم ويقيم لا ~~الترفع على الناس وصرف وجوههم إليه والتبسط في البلاد ليدخل في قوله صلى ~~الله عليه وسلم «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» وفي قوله صلى الله ~~عليه وسلم «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» وفي قوله صلى الله ~~عليه وسلم «من سلك طريقا يلتمس فيها علما سهل الله تعالى له طريقا إلى ~~الجنة» {لعلهم يحذرون} عقاب الله تعالى بامتثال أمره ونهيه، وعلى الاحتمال ~~الثاني يقال: إنه لما نزل في المتخلفين ما نزل سبق المؤمنين إلى النفير ~~وانقطعوا عن التفقه فأمروا بأن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ويمكث ~~الباقون يتفقهون حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأن الجدال ~~بالحجة هو الأصل ms1096 والمقصود من البعثة فيكون الضمير في ليتفقهوا ولينذروا ~~لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو وفي رجعوا للطوائف ولينذروا لباقي ~~قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا أيام غيبتهم من العلوم قال ابن ~~عباس: فهذه مخصوصة بالسرايا والتي قبلها بالنهي عن تخلف أحد فيما إذا خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم # أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب كما أمر صلى الله عليه وسلم أولا بإنذار ~~عشيرته الأقربين، وقد حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ثم غيرهم من ~~عرب الحجاز ثم غزا الشام، وقيل: هم قريظة والنضير وفدك وخيبر، وقيل: الروم ~~لأنهم كانوا يسكنون الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره وهكذا ~~المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم ما لم يضطروا إلى أهل ناحية ~~أخرى {وليجدوا فيكم غلظة} أي: شدة وصبرا على القتال والغلظة ضد الرقة أي: ~~اغلظوا عليهم {واعلموا أن الله مع المتقين} بالعون والنصرة والحراسة. # {وإذا ما أنزلت سورة} من القرآن {فمنهم} أي: المنافقين {من يقول} أي: ~~لأصحابه إنكارا واستهزاء بالمؤمنين {أيكم زادته هذه} السورة {إيمانا} أي: ~~تصديقا، قال الله تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا} بزيادة العلم ~~الحاصل في تدبر السورة وانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم {وهم ~~يستبشرون} أي: يفرحون بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم ~~{وأما الذين في قلوبهم مرض} أي: شك ونفاق سمي الشك في الدين مرضا لأنه فساد ~~في القلب يحتاج إلى علاج كالمرض في البدن إذا حصل يحتاج إلى علاج {فزادتهم} ~~أي: السورة أي: نزولها {رجسا إلى رجسهم} أي: كفرا بها مضموما إلى الكفر ~~بغيرها {وماتوا} أي: هؤلاء المنافقون {وهم كافرون} أي: وهم جاحدون لما أنزل ~~الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم # PageV01P657 # قال مجاهد: في هذه الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وكان علي رضي ~~الله تعالى عنه يأخذ بيد الرجل والرجلين من الصحابة ويقول: تعالوا حتى ~~نزداد إيمانا وقوله تعالى: # {أولا يرون} قرأه حمزة بالتاء أي: أيها المؤمنون والباقون بالياء على ~~الغيبة أي: ms1097 المنافقون {أنهم يفتنون} أي: يبتلون {في كل عام مرة أو مرتين} ~~بالأمراض والقحط والحرب {ثم لا يتوبون} من نفاقهم ونقض عهودهم إلى الله ~~تعالى {ولا هم يذكرون} أي: ولا يتعظون بما يرون من نصرته صلى الله عليه ~~وسلم وتأييده. # {وإذا ما أنزلت سورة} فيها عيب المنافقين وتوبيخهم وقرأها صلى الله عليه ~~وسلم {نظر بعضهم إلى بعض} أي: تغامزوا بالعيون إنكارا لها وسخرية أو غيظا ~~لما فيها من عيوبهم ويريدون الهرب يقولون: {هل يراكم من أحد} أي: من ~~المؤمنين إذا قمتم فإن لم يرهم أحد قاموا وخرجوا من المسجد وإن علموا أن ~~أحدا يراهم ثبتوا على تلك الحالة {ثم انصرفوا} على كفرهم ونفاقهم وقيل: ~~انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها ما يكرهون وقوله تعالى: {صرف الله ~~قلوبهم} أي: عن الهدى يحتمل الإخبار والدعاء {بأنهم} أي: بسبب أنهم {قوم لا ~~يفقهون} أي: لسوء فهمهم وعدم تدبرهم. # {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} أي: من جنسكم عربي مثلكم وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم تعرفون حسبه ونسبه، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس ~~قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم وله فيها نسب وقال ~~جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية من زمن آدم عليه ~~السلام، وعن الطبراني قال صلى الله عليه وسلم «إني خرجت من نكاح ولم أخرج ~~من سفاح» ، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما ولدني ~~من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام» وعن واثلة بن ~~الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله اصطفى كنانة ~~من ولد إسمعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من ~~بني هاشم» وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام دال قد في الجيم والباقون ~~بالإظهار {عزيز} أي: شديد شاق {عليه ما عنتم} أي: عنتكم وإيتاؤكم المكروه ~~وقيل: يشق عليه ضلالتكم {حريص عليكم} أي: أن تهتدوا أو على إيصال الخير ~~إليكم ms1098 {بالمؤمنين} أي: منكم ومن غيركم {رؤوف} أي: شديد الرحمة بالمطيعين ~~{رحيم} بالمذنبين وقدم الأبلغ وهو الرؤوف محافظة على الفواصل، وعن الحسن بن ~~الفضل: لم يجمع الله تعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم فسماه رؤوفا رحيما، وقال تعالى: {إن الله بالناس ~~لرؤوف رحيم} وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بمد الهمزة من رؤوف، ~~والباقون بالقصر. # {فإن تولوا} أي: فإن أعرضوا هؤلاء الكفار والمنافقون عن الإيمان بالله ~~ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وناصبوك الحرب {فقل حسبي الله} أي: يكفيني ~~الله وينصرني عليكم وإنما كان كافيا لأنه {لا إله إلا هو} فلا مكافىء له ~~ولا راد لأمره ولا معقب لحكمه {عليه توكلت} أي: فلا أرجو إلا إياه ولا أخاف ~~إلا منه لأن أمره نافذ في كل شيء {وهو رب العرش} أي: الكرسي {العظيم} وخصه ~~بالذكر تشريفا له ولأنه من أعظم مخلوقاته سبحانه وتعالى. # روي عن أبي بن كعب قال: آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان: {لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم} إلى آخر # PageV01P658 # السورة، وقال: هما أحدث الآيات بالله عهدا وما رواه البيضاوي رحمه الله ~~تعالى تبعا للكشاف من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنزل علي القرآن إلا ~~آية آية وحرفا حرفا ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد فإنهما أنزلا علي ~~ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة» حديث منكر ومخالف لما مر عن أبي من أن ~~آخر ما نزل الآيتان، انتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P659 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها ~~إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من ~~العمل» {فآمنوا با ورسله} أي: عيسى وغيره ولا تؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض ~~{ولا تقولوا} كما قالت النصارى: الآلهة {ثلاثة} الله وعيسى وأمه، قال ~~تعالى: {انتهوا} عن ذلك وائتوا {خيرا لكم} ms1099 من ذلك وهو التوحيد {إنما الله ~~إله واحد} أي: لا تعدد فيه بوجه ما {سبحانه} تنزيها له {أن} أي: عن أن ~~{يكون له ولد} أي: كما قلتم أيها النصارى، فإن ذلك يقتضي الحاجة ويقتضي ~~التركيب والمجانسة، ثم علل ذلك بقوله: {له ما في السموات وما في الأرض} ~~خلقا وملكا، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما، ولا إلى شيء متحيز فيهما، ~~ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزأ منه وولدا له؛ لأن المكية ~~تنافي البنوة، وعيسى وأمه كل منهما محتاج إلى ما في الوجود {وكفى با وكيلا} ~~أي: يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج هو إلى شيء، فهو غني عن الولد، فإن الحاجة ~~إليه ليكون وكيلا لأبيه، والله سبحانه وتعالى قائم بحفظ الأشياء كاف في ذلك ~~مستغن عمن يخلفه أو يعينه. # روي أن وفد نجران قالوا: يا رسول الله لم تعيب صاحبنا؟ قال: «ومن ~~صاحبكم؟» قالوا: عيسى قال: «وأي شيء أقول؟» قالوا: تقول إنه عبد الله قال: ~~«إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله» قالوا: بلى، فنزل قوله تعالى: # {لن يستنكف} » أي: يتكبر ويأنف {المسيح} أي: الذي زعمتم إنه إله {أن} أي: ~~عن أن {يكون عبد الله} فإن عبوديته له شرف يتباهى به وإنما المذلة ~~والاستنكاف في عبودية غيره وقوله تعالى: {ولا الملائكة المقربون} أي: عند ~~الله عطف على المسيح أي: ولا تستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا ~~لله، وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم إنها آلهة أو بنات الله ~~كما رد بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم، فلا حجة فيه على ~~أن الملائكة أفضل من الأنبياء كما زعمه بعض المعتزلة قائلا بأن المعطوف ~~أعلى درجة من المعطوف عليه. # قال الطيبي: وإنما تنهض الحجة على النصارى إذا سلموا أن الملائكة أفضل من ~~عيسى ودونه خرط القتاد، فكيف والنصارى رفعوا درجة عيسى إلى الإلهية، فظهر ~~أن ذكر الملائكة للاستطراد كما رد على النصارى وأنه من باب التتميم لا من ~~باب الترقي اه. أو ms1100 من باب الترقي في الخلق لا في المخلوق كما قاله البقاعي، ~~قال: لأن الملائكة أعجب خلقا من عيسى في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى، ولا ~~ما يجانس عضو البشر فكانوا لذلك أعجب خلقا من آدم عليه الصلاة والسلام أيضا ~~أو في القوة؛ لأنهم أقوى من عيسى؛ لأنهم يقتلعون الجبال ويأتون بالمياه ~~العظيمة والعبادات الدائمة المستمرة {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر} أي: ~~يطلب الكبر عن ذلك قال الراغب: الاستنكاف تكبر في أنفة والاستكبار بخلافه ~~{فسيحشرهم} أي: المستكبرين وغيرهم {إليه جميعا} في الآخرة بوعد لا يخلف ~~فيجازيهم. # {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تصديقا لإقرارهم بالإيمان {فيوفيهم ~~أجورهم} أي: ثواب أعمالهم {ويزيدهم من فضله} أي: ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} عن عبادته ~~{فيعذبهم عذابا أليما} أي: مؤلما هو عذاب النار بما وجدوا من لذاذة الترفع ~~والتكبر {ولا يجدون لهم} أي: حالا ولا مآلا {من دون الله} أي: غيره {وليا} ~~يدفعه عنهم {ولا نصيرا} يمنعهم منه. # {يأيها الناس} أي: كافة أهل الكتاب وغيرهم {قد جاءكم برهان من ربكم} أي: ~~حجة نيرة واضحة مفيدة لليقين التام وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} أي: واضحا ~~في نفسه موضحا لغيره وهو القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه، فلم يبق لكم ~~عذر ولا علة، وقيل: المراد بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن. # {فأما الذين آمنوا با واعتصموا به فسيدخلهم} أي: بوعد لا خلف فيه {في ~~رحمة منه} أي: ثواب عظيم هو رحمته لهم لا بشيء استوجبوه {وفضل} أي: إحسان ~~زائد عليه {ويهديهم} أي: في الدنيا والآخرة {إليه صراطا مستقيما} أي: طريقا ~~مستقيما وهو الإسلام والطاعة في الدنيا والجنة في الآخرة. # {يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاونسآء فللذكر مثل حظ ms1101 الأنثيين يبين ~~الله لكم أن تضلوا والله بكل شىء عليم} # {يستفتونك} أي: في الكلالة حذف لدلالة الجواب عليه. # روي أن جابر بن عبد الله قال: «عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ~~مريض لا أعقل فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت وقلت: يا رسول الله لمن الميراث ~~وإنما يرثني كلالة» فنزل: {يستفتونك} {قل الله يفتيكم في الكلالة} وقد تقدم ~~معنى الكلالة وحكم الآية في أول السورة وفي هذه الآية بيان حكم ميراث ~~الأخوة للأب والأم أو للأب، وقوله تعالى: {إن امرؤ} هو مرفوع بفعل يفسره ~~{هلك} أي: مات {ليس له ولد} أي: ولا والد وهو الكلالة، قال الأصبهاني عن ~~الشعبي: اختلف أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في الكلالة فقال أبو بكر: ~~هو ما عدا الوالد، وقال عمر: ما عدا الوالد والولد ثم قال عمر: إني لأستحي ~~من الله أن أخالف أبا بكر وقوله تعالى: {وله أخت} يحتمل الحال والعطف ~~والمراد بالأخت الأخت من الأبوين أو الأب لأنه جعل أخوها عصبة والذي لأم لا ~~يكون عصبة والولد يشمل الذكر والأنثى فإن الأخت وإن ورثت مع البنت قد لا ~~ترث النصف وذلك عند تعدد البنت {فلها نصف ما ترك وهو} أي: هذا الأخ للميت ~~{يرثها} أي: إن ماتت هي وبقي هو جميع مالها {إن لم يكن لها ولد} فإن كان ~~لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها ولو كانت الأخت أو ~~الأخ من الأم ففرضه السدس كما مر أول السورة {فإن كانتا} أي: الأختان ~~{اثنتين} أي: فصاعدا لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات {فلهما الثلثان ~~مما ترك} أي: الأخ {وإن كانوا} أي: الورثة {إخوة رجالا ونساء فللذكر} منهم ~~{مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم} أي: ولم يكلكم في بيانه إلى بيان غيره، ~~وقال مرغبا مرهبا {أن} أي: كراهة أن {تضلوا} وقيل: لئلا تضلوا فحذف لا وهو ~~قول الكوفيين، وقيل: يبين الله لكم ضلالكم أي: الذي من شأنكم أي: إذا خليتم ~~وطباعكم ms1102 لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه {والله بكل شيء عليم} فهو عالم بمصالح ~~العباد في المحيا والممات ومنه الميراث. # 3 أول يونس آخر سورة الإسراء # PageV00P000 ### | سورة يونس # عليه السلام مكية # إلا فإن كنت في شك الآيتين أو الثلاث أو {ومنهم من يؤمن به} الآية مائة ~~وتسع أو عشر آيات وعدد كلماتها ألف وثمانمائة واثنتان وثلاثون كلمة، ~~وحروفها سبعة آلاف وخمسمائة وسبعة وستون حرفا، وهي أول المئين، إن جعلنا ~~براءة مع الأنفال من الطوال، وإلا فبراءة أولاهن. # {بسم الله} جامع العباد بعد تفريقهم بما له من العظمة والامتنان. ~~{الرحمن} الذي عمهم بالإيجاد وخص منهم من شاء بالإيمان. {الرحيم} الذي خص ~~أولياءه بالرضوان المبيح للجنان. # {الر} قال ابن عباس والضحاك و {الر} أنا الله أرى، {والمر} أنا الله أعلم ~~وأرى. وقيل: أنا الرب لا رب غيري. وقال سعيد بن جبير: الر وحم ونون حروف ~~اسم الرحمن. وقد سبق الكلام على حروف الهجاء أول البقرة، واتفقوا على أن ~~{الر} وحده ليس آية، واتفقوا على أن قوله طه وحده آية، والفرق أن قوله ~~تعالى: الر لا يشاكل كل مقاطع الآي التي بعده بخلاف قوله تعالى طه؛ فإنه ~~يشاكل مقاطع الآي التي بعده، وقرأ قالون وابن كثير وحفص بفتح الراء والألف ~~بعدها، وورش بين اللفظين، والباقون بالإمالة المحضة. {تلك} أي: الآيات ~~العظيمة جدا التي اشتملت عليها هذه السورة أو السورة، التي تقدمت هذه ~~السورة أو هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام الله تعالى قد ~~أعجز القادرين على التلفظ بهذه الأحرف. {آيات الكتاب} أي: الذكر الجامع لكل ~~خير وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في التوراة ~~والإنجيل من ذلك فدل ذلك على صدق الآتي به قطعا؛ لأنه لم يكن يعرف شيئا من ~~الكتابين ولا جالس أحدا يعلمه. {الحكيم} # PageV02P002 # أي: المحكم. وقوله تعالى: # {أكان للناس} أي: أهل مكة، استفهام إنكار للتعجب. وقوله تعالى: {عجبا} ~~خبر كان، والعجب تغير النفس بما لا تعرف سببه مما خرج عن العادة، ثم ذكر ~~الحامل على ms1103 العجب؛ وهو اسم كان بقوله تعالى: {أن أوحينا} أي: إيحاؤنا {إلى ~~رجل منهم} أي: من أهل مكة ومن قريش، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يعرفون ~~صدقه ونسبه وأمانته، قيل: كانوا يقولون: العجب أن الله تعالى لم يجد رسولا ~~يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وهو من فرط حماقتهم وقصور نظرهم على ~~الأمور العاجلة، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوة، وهو لم يكن صلى الله عليه ~~وسلم يقصر عن عظمائهم فيما يعتبر فيه إلا في المال، وخفة المال أهون شيء في ~~هذا الباب، ولذلك كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله كذلك، وقد ~~قال الله تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} (سبأ ~~37) # {أن أنذر الناس} عامة، أي: أعلمهم مع الخوف ما أمامهم من البعث وغيره، ~~وأن هي المفسرة؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول. {وبشر الذين آمنوا} إنما عمم ~~في الإنذار لأنه قل أن يسلم أحد من كبيرة أو صغيرة أو هفوة جليلة أو حقيرة ~~على اختلاف الرتب وتباين المقامات، وخصص البشارة إذ ليس للكافر ما يصح أن ~~يبشر به. {أن} أي: بأن. {لهم قدم} أي: سلف {صدق عند ربهم} اختلفت عبارات ~~المفسرين وأهل اللغة في معنى قدم صدق، فقال ابن عباس: أجرا حسنا مما قدموا ~~من أعمالهم. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة: صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. ~~وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وقال عطاء: مقام صدق لا زوال له ~~ولا بؤس فيه. وقال زيد بن أسلم: هو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأضيف ~~القدم إلى الصدق وهو نعته كقولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، وحب الحصيد. ~~وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم. قال الشاعر: # *صل لذي العرش واتخذ قدما ... ينجيك يوم العثار والندم # وهو مؤنث فيقال: قدم حسنة وقدم صالحة. وقوله تعالى: {قال الكافرون إن هذا ~~لسحر مبين} قرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر بكسر السين وسكون الحاء على أن ~~الإشارة للقرآن المشتمل على ذلك، والباقون بفتح السين وألف بعدها وكسر ms1104 ~~الحاء على أن الإشارة للنبي صلى الله عليه وسلم. # {إن ربكم} الموجد لكم والمربي والمحسن هو {الله الذي خلق} أي: قدر وأوجد ~~{السموات والأرض} على اتساعهما، وكثرة ما فيهما من المنافع {في ستة أيام} ~~من أيام الدنيا، أي: في قدرها؛ لأنه لم يكن ثم شمس، ولو شاء لخلقهما في ~~لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت. فإن قيل: إن اليوم قد يراد به اليوم ~~مع ليلته، وقد يراد به النهار وحده. فما المراد؟ أجيب: بأن الغالب في اللغة ~~أنه مراد باليوم اليوم بليلته، ولما أوجد سبحانه وتعالى هذا الخلق الكبير ~~المتباعد الأقطار، الواسع الانتشار، المفتقر إلى عظيم التدبير، ولطيف ~~التصريف والتقدير؛ عبر سبحانه وتعالى عن عمله فيه عمل الملوك في ممالكهم ~~بقوله مشيرا إلى عظمته بأداة التراخي: {ثم استوى} أي: عمل في تدبيره وإتقان ~~ما فيه وإحكامه عمل المعتني بذلك. {على العرش} المتقدم وصفه في الأعراف ~~بالعظمة، وليست ثم للترتيب، بل كناية عن علو الرتبة، وبعد منازلها، ثم بين ~~ذلك الاستواء بقوله: {يدبر الأمر} # PageV02P003 # كله فلا يخفى عليه عاقبة أمر من الأمور؛ لأن التدبير أعدل أحوال الملك، ~~فالاستواء كناية عنه. وقوله تعالى: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} تقرير ~~لعظمته جل وعلا، ورد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله. وفيه إثبات ~~الشفاعة لمن أذن له {ذلكم الله} أي: الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية ~~والربوبية {ربكم} أي: الذي يستحق العبادة منكم. {فاعبدوه} أي: وحدوه ولا ~~تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان، فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع، فإن ~~عبادتكم مع التشريك ليست عبادة، ولولا فضله لم يكن لمن زل أدنى زلة طاعة، ~~وقوله # تعالى: {أفلا تذكرون} قرأه حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال، والباقون ~~بالتشديد بإدغام التاء في الأصل في الذال، أي: أفلا تتفكرون أدنى تفكر ~~فينبئكم عن أنه المستحق للربوبية، والعبادة لا ما تعبدونه. # {إليه} تعالى {مرجعكم} أي: رجوعكم بالموت والنشور حالة كونكم {جميعا} لا ~~يتخلف منكم أحد، فاستعدوا للقائه. وقوله تعالى: {وعد الله} مصدر ms1105 منصوب ~~بفعله المقدر مؤكد لنفسه؛ لأن قوله تعالى: {إليه مرجعكم} وعد من الله، ~~وقوله تعالى: {حقا} أي: صدقا لا خلف فيه مصدر آخر منصوب بفعله المقدر مؤكد ~~لغيره، وهو ما دل عليه وعد الله. {إنه يبدأ الخلق} أي: يحييهم ابتداء. {ثم ~~يعيده} أي: ثم يميتهم ثم يحييهم. وفي هذا دليل على الحشر والنشر والمعاد، ~~وصحة وقوعه، ورد على منكري البعث ووقوعه؛ لأن القادر على خلق هذه الأجسام ~~المؤلفة، والأعضاء المركبة على غير مثال سبق، قادر على إعادتها بعد تفريقها ~~بالموت والبلى، فيركب تلك الأجزاء المتفرقة تركيبا ثانيا، ويخلق الإنسان ~~الأول مرة أخرى، فإذا ثبت القول بصحة المعاد والبعث بعد الموت؛ كان المقصود ~~منه إيصال الثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، وهو قوله تعالى: {ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي: بالعدل، لا ينقص من أجورهم شيئا. ~~{والذين كفروا لهم شراب من حميم} وهو ماء حار قد انتهى حره {وعذاب أليم} ~~أي: بالغ في الإيلام. {بما كانوا يكفرون} أي: بسبب كفرهم. # {هو الذي جعل الشمس ضياء} أي: ذات ضياء {والقمر نورا} أي: ذا نور، وخص ~~الشمس بالضياء؛ لأنها أقوى وآكد من النور، وخص القمر بالنور؛ لأنه أضعف من ~~الضياء، لأن الشمس نيرة في ذاتها، والقمر نير بعرض مقابلة الشمس والاكتساب ~~منها. وقرأ قنبل بهمزة مفتوحة ممدودة بعد الضاد، والباقون بياء مفتوحة، ~~والضمير في قوله تعالى: {وقدره منازل} يرجع إلى الشمس والقمر؛، أي: قدر ~~مسير كل واحد منهما منازل، أو قدره ذا منازل، أو يرجع إلى القمر فقط، ~~وتخصيصه بالذكر لسرعة مسيره ومعاينة منازله، وإناطة أحكام الشرع به، ولذلك ~~علله بقوله تعالى: {لتعلموا عدد السنين والحساب} أي: حساب الأوقات من ~~الأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرفاتكم؛ لأن الشهور المعتبرة في الشريعة ~~مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما ~~قال تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله} (التوبة: ~~36) # فائدة: منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا، وأسماؤها: السرطان، والبطين، ~~والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، ~~والزبرة، ms1106 والصرفة، والعوا، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، ~~والشولة، والنعائم، والبلدة، # PageV02P004 # وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، ~~وفرغ الدلو المؤخر، وبطن الحوت. وهذه المنازل مقسومة على البروج وهي اثنا ~~عشر برجا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، ~~والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. فلكل برج منزلان وثلث، فينزل ~~القمر في كل ليلة منها منزلا، فيستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان ~~تسعا وعشرين فليلة واحدة، فيكون انقضاء الشهر مع نزوله تلك المنازل ويكون ~~مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوما، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها، ~~أو انتفاع الخلق بضوء الشمس، وبنور القمر عظيم، فالشمس سلطان النهار، ~~والقمر سلطان الليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى هذه الفصول الأربعة، ~~وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم، وبسبب الحركة اليومية يحصل ~~النهار والليل، والنهار يكون زمانا للتكسب وللطلب، والليل يكون زمانا ~~للراحة. {ما خلق الله ذلك} المذكور. {إلا بالحق} أي: لم يخلق ذلك باطلا ولا ~~عبثا تعالى الله عن ذلك إظهارا لقدرته، ودلائل وحدانيته. # ونظيره قوله تعالى في آل عمران: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما ~~خلقت هذا باطلا} (آل عمران: 191) # . وقال تعالى في سورة أخرى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا} (ص، 27) # . {يفصل} أي: يبين {الآيات} أي: الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة ~~بيانا شافيا. {لقوم يعلمون} فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها. وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وحفص بالياء، والباقون بالنون. # ولما استدل سبحانه وتعالى على إثبات الإلهية والتوحيد بقوله تعالى: {إن ~~ربكم الله الذي خلق السموات والأرض} (الأعراف: 54) ، وثانيا بأحوال الشمس ~~والقمر، استدل ثالثا بقوله تعالى: # {إن في اختلاف الليل والنهار} أي: بالمجيء والذهاب، والزيادة والنقصان، ~~ورابعا بقوله تعالى: {وما خلق الله في السموات} من ملائكة وشمس وقمر ونجوم ~~وغير ذلك. {و} ما خلق الله في {الأرض} من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار ~~وغير ذلك. # فائدة: أقسام الحوادث في هذا العالم محصورة في أربعة أقسام، أحدها: ~~الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة، ms1107 ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق ~~والسحاب والأمطار، ويدخل فيها أيضا أحوال البحار والصواعق والزلازل والخسف، ~~وثانيها: أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة، وثالثها: اختلاف أحوال النبات، ~~ورابعها: اختلاف أحوال الحيوانات، وجملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله ~~تعالى: {وما خلق الله في السموات} (يونس: 6) # . والاستقصاء في شرح هذه الأحوال لا يدخل تحت الحصر، بل كل ما ذكر ~~العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب. # {لآيات} أي: دلالات على قدرته تعالى. {لقوم يتقون} الله فإنه يحملهم على ~~التفكر والتذكر، وخصهم بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها. قال القفال: من تدبر ~~في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها، وأن خالقها وخالقهم ~~ما أهملهم، بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ~~ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة ~~القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد. # ولما أقام الله سبحانه وتعالى الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات ~~الإله الرحمن، وعلى صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم، # PageV02P005 # وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر؛ شرع في شرح أحوال من يكفر بها، ~~وشرح أحوال من يؤمن بها، وقد ابتدأ بأولها ووصفه بأربع صفات مبتدئا بأولها ~~بقوله تعالى: # {إن الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يخافونه لإنكارهم البعث، وذهولهم ~~بالمحسوسات عما وراءها، فهم مكذبون بالثواب والعقاب والرجاء، يكون بمعنى ~~الخوف، وبمعنى الطمع، فمن الأول قول العرب: فلان لايرجو فلانا، بمعنى لا ~~يخافه، ومنه قوله تعالى: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} (نوح: 13) ، ومنه قول ~~أبي ذؤيب الهذلي: # إذ لسعته النحل لم يرج لسعها. # أي: لم يخفها. ومن الثاني قولهم: فلان يرجو فلانا،، أي: يطمع فيه، ~~والمعنى: لا يطمعون في ثوابنا، والصفة الثانية والثالثة: قوله تعالى: ~~{ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} فيعملون لها عمل المقيم فيها مع ما ~~يشاهدونه من سرعة زوالها منهمكين في لذاتهاوزخارفها، وسكنوا فيها سكون من ~~لا ينزع عنها، والصفة الرابعة: قوله تعالى: {والذين هم عن آياتنا} أي: ~~دلائل ms1108 وحدانيتنا {غافلون} تاركون النظر فيها، بمنزلة الغافل عن الشيء الذي ~~لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة ~~على شدة بعدهم عن طلب الاستعداد بالسعادات الأخروية، ويحتمل أن الصفة ~~الأخيرة لفريق آخر، ويكون المراد بالأولين: من أنكر البعث، ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا، وبالآخر: من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد ~~له، ولما وصفهم الله تعالى بتلك الصفات قال: # {أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} من الشرك والمعاصي، ولما شرح ~~أحوال المنكرين الجاحدين ذكر تعالى شرح من يؤمن بها فقال: # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} والأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال ~~التي تحمل النفس على ترك الدنيا وطلب الآخرة، والأعمال المذمومة مما يكون ~~بالضد من ذلك. {يهديهم} أي: يرشدهم. {ربهم بإيمانهم} أي: بسبب إيمانهم إلى ~~سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة، أو لما يريدونه في الجنة، أو لإدراك الحقائق، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» . ~~وقال مجاهد: المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة. وروي أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة، ~~فيقول: أنا عملك. فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، والكافر إذا خرج من قبره ~~صور له عمله في صورة سيئة، فيقول: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار» . ~~ومفهوم ترتب الهداية على الإيمان، والعمل الصالح قد دل على أن سبب الهداية ~~هو الإيمان والعمل الصالح، لكن دل منطوق قوله جل وعلا: {بإيمانهم} (يونس: ~~9) # . على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف، ثم ~~إنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ~~ومراتب سعاداتهم، وهي أربعة الأولى: قوله تعالى: {تجري من تحتهم الأنهار في ~~جنات النعيم} أي: يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين، والأنهار تجري ~~من بين أيديهم، ينظرون إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم، ونظيره قوله تعالى: ~~{قد جعل ربك تحتك سريا} (مريم: 24) فهي ما كانت قاعدة ms1109 عليه، ولكن المعنى: ~~بين يديك، وكذا قوله: {وهذه الأنهار تجري من تحتي} (الزخرف، 51) ، أي: بين ~~يدي فكذا هنا. الثانية قوله تعالى: # {دعواهم فيها} قال بعض المفسرين:، أي: طلبهم لما يشتهون في الجنة أن ~~يقولوا: {سبحانك} أي: ننزهك من كل سوء ونقيصة. {اللهم} أي: يا الله، فإذا ~~ما طلبوا # PageV02P006 # بين أيديهم على موائد، كل مائدة ميل في ميل، على كل مائدة سبعون ألف ~~صحفة، في كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضها بعضا، فإذا فرغوا من الطعام ~~حمدوا الله تعالى، فذلك قوله تعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين} . وأن المراد بقوله {سبحانك اللهم} اشتغال أهل الجنة بالتسبيح ~~والتحميد والتقديس لله تعالى، والثناء عليه بما هو أهله، وفي هذا الذكر ~~سرورهم وابتهاجهم وكمال لذاتهم وهذا أولى، ويدل عليه ما روي عن جابر رضي ~~الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهل ~~الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون. قالوا: ~~فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما ~~يلهمون النفس» ، أي: يخرج ذلك الطعام جشاء وعرقا. # الثالثة: قوله تعالى: {وتحيتهم} فيما بينهم وتحية الملائكة لهم {فيها} ~~أي: الجنة {سلام} وتأتيهم الملائكة أيضا من عند ربهم بالسلام. قال تعالى: ~~{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} (الرعد: 23، 24) # . وقال تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} (يس: 58) # . الرابعة: قوله تعالى: {وآخر دعواهم} أي: وآخر دعائهم. {أن الحمد لله رب ~~العالمين} أي: أن يقولوا ذلك، وأن هي المخففة من الثقيلة، وقد ذكرنا أن بعض ~~المفسرين حمل التسبيح والتحميد على أحوال أهل الجنة بسبب المأكول والمشروب، ~~فإنهم إذا اشتهوا شيئا قالوا: {سبحانك اللهم} (يونس، 10) # فيحصل ذلك الشيء، فإذا فرغوا منه قالوا: {الحمد لله رب العالمين} ~~(الفاتحة، 2) # فترتفع الموائد عند ذلك. # قال الرازي: وهذا القائل ما رقى نظره في دنياه وأخراه عن المأكول ~~والمشروب، وحقيق بمثل هذا الإنسان أن يعد في زمرة البهائم، وأما المحققون ~~فقد تركوا ذلك. اه. ولا تنبغي هذه ms1110 المبالغة، فقد قاله البغوي، وتبعه جماعة ~~من المفسرين. وقال الزجاج: أعلم الله أن أهل الجنة يفتتحون بتعظيم الله ~~تعالى وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه. قال البيضاوي: المعنى أنهم إذا ~~دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله تعالى وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ~~ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات، أو الله ~~تعالى، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام، ولما وصف الله تعالى الكفار ~~بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، وكانوا عن ~~آيات الله غافلين؛ بين أن من غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب ~~جهلا منهم وسفها بقوله تعالى: # {ولو يعجل الله للناس الشر} أي: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم بالشر ~~فيما لهم فيه مضرة ومكروه {استعجالهم بالخير} أي: كما يحبون أن يعجل لهم ~~إجابتهم بالخير {لقضي إليهم أجلهم} أي: لأهلكهم، ولكن يمهلهم. نزلت في ~~النضر بن الحارث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، ويدل عليه قوله تعالى: {فنذر} أي: ~~فنترك. {الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم} أي: في تمردهم وعتوهم. {يعمهون} ~~أي: يترددون متحيرين. وقال ابن عباس: هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله ~~وولده: لعنكم الله، لا بارك الله فيكم. وقال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه ~~وأهله وماله بما يكره أن يستجاب له فيه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إني أخذ عندك عهدا لن تخلفنيه، ~~إنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته فاجعلها له ~~صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إلي يوم # PageV02P007 # القيامة» . # فإن قيل: قابل التعجيل في الآية بالاستعجال، وكان مقتضى النظم أن يقابل ~~التعجيل بالتعجيل والاستعجال بالاستعجال، أجيب: بأن تقدير الكلام: ولو يعجل ~~الله للناس الشر تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالا كاستعجالهم بالخير، ~~فحذف منه ما حذف لدلالة الباقي عليه، وقال في «الكشاف» : أصل هذا الكلام: ~~ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم بالخير ms1111 إلا أنه وضع استعجالهم بالخير ~~موضع تعجيله لهم بالخير شعارا بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم، حتى كان ~~استعجالهم بالخير تعجيل لهم.A # ولما حكى تعالى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب، بين أنهم كاذبون في ~~ذلك الطلب والاستعجال بقوله تعالى: # {وإذا مس الإنسان} أي: الكافر {الضر} أي: المرض والفقر {دعانا لجنبه} أي: ~~على جنبه مضطجعا {أو قاعدا أو قائما} وفائدة التردد تعميم الدعاء لجميع ~~الأحوال أو لأصناف المضار، والمعنى: أنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه ~~ويؤذيه فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه، وفي دفعه عنه، وذلك يدل ~~على أنه ليس صادقا في طلب الاستعجال {فلما كشفنا عنه ضره} أي: أزلنا عنه ما ~~نزل به، {مر} أي: مضى على ما كان عليه من الكفر، {كأن لم يدعنا} أي: كأنه، ~~فأسقط الضمير على سبيل التخفيف، ونظيره قوله تعالى: {كأن لم يلبثوا} (يونس، ~~45) # . {إلى ضر مسه} . قال الحسن: نسي ما كان دعا الله فيه، وما صنع الله به ~~في إزالة ذلك البلاء عنه، وإنما حمل الإنسان في هذه الآية على الكافر؛ لأن ~~العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة، وقول بعضهم: كل موضع في القرآن ورد ~~فيه ذكر الإنسان فالمراد هو الكافر مردود، فقد قال تعالى: {هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر} (الإنسان: 1) # . وقال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} (المؤمنون: 12) # . وقال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} (ق، 16) وأما ~~المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة، وجب عليه رعاية أمور: # أولها: أن يكون راضيا بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه، ~~وإنما وجب عليه ذلك؛ لأنه تعالى مالك على الإطلاق، وملك بالاستحقاق، فله أن ~~يفعل في ملكه ما شاء، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق، وهو منزه عن فعل ~~العبث، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب، فيجب عليه الصبر وترك القلق، فإن أبقى ~~عليه تلك المحنة فهو عدل، وإن أزالها عنه فهو فضل. # وثانيها: أنه في ذلك الوقت إن اشتغل بذكر الله تعالى، والثناء عليه بدلا ~~عن ms1112 الدعاء، كان أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: «من ~~شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ، ولأن الاشتغال بالذكر ~~اشتغال بالحق والاشتغال بالدعاء، اشتغال بطلب حظ النفس، ولا شك أن الأول ~~أفضل. وثالثها: # أنه تعالى إذا أزال عنه تلك البلية وجب عليه أن يبالغ في الشكر، وأن لا ~~يخلو عن ذلك الشكر في السراء والضراء، وأحوال الشدة والرخاء، فهذا هو ~~الطريق الصحيح عند نزول البلاء، وحينئذ يكون المؤمن على الضد من الكافر؛ ~~لأن الكافر منهمك في الشهوات، والإعراض عن العبادات. كما قال تعالى: {كذلك} ~~أي: مثل ما زين لهؤلاء الكافرين هذا العمل القبيح. {زين للمسرفين} أي: ~~المشركين {وما كانوا يعملون} من القبائح لإعراضهم عن الذكر واتباعهم ~~الشهوات، وإنما سمي الكافر مسرفا؛ لأنه أتلف نفسه بتضييعها في عبادة ~~الأوثان، وأتلف ماله في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والمزين هو الله ~~تعالى؛ لأنه مالك الملك، والخلق كلهم عبيده يتصرف # PageV02P008 # فيهم كيف شاء، وقيل: هو الشيطان وذلك بإقدار الله تعالى إياه على ذلك، ~~وإلا فهو أخس وأحقر. # {ولقد أهلكنا القرون} أي: الأمم الماضية. {من قبلكم} يا أهل مكة. {لما ~~ظلموا} أي: حين أشركوا، وقوله تعالى: {وجاءتهم رسلهم بالبينات} أي: بالحجج ~~الدالة على صدقهم، حال من الواو وبإضمار قد أو عطف على ظلموا. {وما} أي: ~~والحال أنهم ما {كانوا ليؤمنوا} أي: وما استقام لهم أن يؤمنوا، ولو جاءتهم ~~كل آية لعلمه تعالى بأنهم يموتون على كفرهم، واللام لتأكيد النفي. {كذلك} ~~أي: مثل ذلك الجزاء العظيم وهو إهلاكهم لما كذبوا رسلهم {نجزي القوم ~~المجرمين} أي: نجزيكم يا أهل مكة بتكذيبكم محمدا صلى الله عليه وسلم فوضع ~~المظهر موضع المضمر للدلالة على كمال جرمهم، وأنهم أعلام فيه. # {ثم جعلناكم} أي: أيها المرسل إليهم أشرف رسلنا {خلائف} جمع خليفة {في ~~الأرض من بعدهم} أي: استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من ~~يختبر {لننظر} ونحن أعلم بكم من أنفسكم في علم الشهادة لإقامة الحجة. {كيف ~~تعملون} من خير أو شر فنجازيكم به، وقد ms1113 مر نظائر هذا، ومنه قوله تعالى: ~~{ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (هود: 7) # . وقال صلى الله عليه وسلم «إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها ~~فناظر كيف تعملون» . وقال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر ~~إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرا بالليل والنهار. قال الزجاج: ~~وموضع كيف نصب بقوله تعملون، أي: لا معمول ننظر؛ لأنها حرف استفهام، ~~والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله؛ لأن له صدر الكلام فلا يتقدمه عامله، ~~وظاهر كلامه أن كيف مفعول لتعملون، وجمهور النحاة على أنه حال من ضمير ~~تعملون. # {وإذا تتلى عليهم} أي: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين. {آياتنا} أي: القرآن ~~الذي أنزلناه إليك يا محمد حالة كون تلك الآيات {بينات} أي: ظاهرات تدل على ~~وحدانيتنا وصحة نبوتك. {قال الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يخافون عذابنا، ~~ولا يرجون ثوابنا؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، وكل من كان منكرا ~~للبعث بعد الموت؛ فإنه لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا. {ائت} أي: من عندك ~~{بقرآن} أي: كلام مجموع جامع لما نريد. {غير هذا} في نظمه ومعناه. {أو ~~بدله} بألفاظ أخرى، والمعاني باقية، وقد كانوا عالمين بأنه صلى الله عليه ~~وسلم مثلهم في العجز عن ذلك، ولكنهم قصدوا أن يأخذ في التغيير حرصا على ~~إجابة مطلوبهم، فيبطل مدعاه أو يهلك، واختلف في هذا القائل. # فقال قتادة: هم مشركو أهل مكة. وقال مقاتل: هم خسمة نفر: عبد الله بن ~~أمية الجمحي، والوليد بن المغيرة، ومكدر بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي ~~قيس العامري، والعاصي بن عامر بن هشام، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن ~~كنت تريد أن نؤمن بك فأت بقرآن ليس فيه ترك لعبادة اللات والعزى ومناة، ~~وليس فيه عيبها، وإن لم ينزله الله فقل أنت من عند نفسك أو بدله، فاجعل ~~مكان آية عذاب آية رحمة، أو مكان حرام حلالا، أو مكان حلالا حراما، ولما ~~كان كأنه قيل فماذا أقول لهم؟ قال الله تعالى: {قل} لهم {ما يكون} أي: ms1114 ما ~~يصح {لي} ولا يتصور بوجه من الوجوه {أن أبدله من تلقاء} أي: قبل {نفسي} ~~وإنما اكتفى بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن ~~آخر، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء والباقون بالسكون {إن} أي: ما {أتبع ~~إلا ما يوحى إلي} فيما # PageV02P009 # آمركم به أو أنهاكم عنه، أي: لا آتي بشيء ولا أذر شيئا من نحو ذلك إلا ~~متبعا لوحي الله تعالى وأوامره، إن نسخت آية تبعت النسخ، وإن بدلت آية مكان ~~آية تبعت التبديل، وليس إلي تبديل ولا نسخ {إني أخاف إن عصيت ربي} أي: ~~بتبديله {عذاب يوم عظيم} فإني مؤمن به غير مكذب ولا شاك كغيري ممن يتكلم ~~الهذيان بما لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما ~~أرضعت. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو لي وإني بفتح الياء، والباقون ~~بالسكون. # {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين طلبوا منك تغيير القرآن وتبديله {لو ~~شاء الله ما تلوته عليكم} أي: لو شاء الله لم ينزل هذا القرآن، ولم يأمرني ~~بقراءته عليكم {ولا أدراكم به} أي: ولا أعلمكم به على لساني. وقرأ ابن كثير ~~بخلاف عن البزي بقصر الهمزة بعد اللام جواب لو، أي: لأعلمكم به على لسان ~~غيري، والباقون بالمد المنفصل. وقوله تعالى: {فقد لبثت} أي: مكثت قراءة ~~نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء عند التاء والباقون بالإدغام {فيكم ~~عمرا} سنين أربعين {من قبله} أي: قبل أن يوحى إلي هذا القرآن لا أتلوه ولا ~~أعلمه، ففي ذلك إشارة إلى أن هذا القرآن معجز خارق للعادة. # وتقريره: أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أول عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتابا، ولا ~~تتلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه، ~~جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول، ودقائق علم ~~الأحكام ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأولين، وعجز عن معارضته العلماء ~~والفصحاء والبلغاء، وكل من له عقل ms1115 سليم، فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا ~~بالوحي والإلهام من الله تعالى {أفلا تعقلون} أي: أفلا تستعملون عقولكم ~~بالتدبر والتفكر لتعلموا أن مثل هذا الكتاب العظيم على من لم يتعلم ولم ~~يتتلمذ ولم يطالع كتابا، ولم يمارس مجادلة، أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي ~~من الله تعالى، لا من مثلي، وهذا جواب عما دسوه تحت قولهم {ائت بقرآن غير ~~هذا} من إضافة الإفتراء إليه. # تنبيه: أقام صلى الله عليه وسلم بعد أن أوحي إليه بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم ~~هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال النووي: ~~ورد في عمره صلى الله عليه وسلم ثلاث روايات: إحداها: أنه توفي صلى الله ~~عليه وسلم وهو ابن ستين سنة. والثانية: خمس وستون سنة. والثالثة: ثلاث ~~وستون سنة، وهي أصحها وأشهرها، وتأولوا رواية ستين بأن راويها اقتصر فيها ~~على العقود، وترك الكسر، ورواية الخمس أيضا متأولة، وحصل فيها اشتباه، ولما ~~أقيمت الدلائل على أن هذا القرآن من عند الله وجب أن يقال: إنه ليس في ~~الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه من منكر ذلك كما قال تعالى: {فمن} أي: ~~لا أحد {أظلم ممن افترى} أي: تعمد {على الله كذبا} أي: أي كذب كان من شريك ~~أو ولد أو غير ذلك، وكأن الأصل مبني على تقدير أن يكون هذا القرآن من عند ~~الله، ولكنه وضع هذا الظاهر مكانه تعميما وتعليقا للحكم بالوصف {أو كذب ~~بآياته} أي: دلائل توحيده فكفر بها كما فعلتم أنتم، وذلك من أعظم الكذب، ~~وقوله تعالى: {إنه} أي: الشأن {لا يفلح} بوجه من الوجوه {المجرمون} أي: ~~المشركون تأكيد لما سبق من هذين الوصفين # {ويعبدون} أي: هؤلاء المشركون {من دون الله} أي: غيره {ما لا يضرهم} أي: # PageV02P010 # إن لم يعبدوه {ولا ينفعهم} أي: إن عبدوه، وهو الأصنام؛ لأنها حجارة وجماد ~~لا تضر ولا تنفع، والكافرون قادرون على التصرف فيها تارة بالإصلاح وتارة ~~بالإفساد، وإذا كان العابد أصلح حالا من المعبود كانت العبادة باطلة؛ ms1116 لأن ~~العبادة أعظم أنواع التعظيم، فلا تليق إلا بمن يضر وينفع، بأن يثيب على ~~الطاعة، ويعاقب على المعصية، وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة ~~يعبدون العزى ومناة وهبل وإسافا ونائلة. {ويقولون هؤلاء} أي: الأصنام التي ~~نعبدها. {شفعاؤنا عند الله} ونظيره قوله تعالى إخبارا عنهم: {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} . (الزمر، 3) # وقيل: إنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، ~~وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون ~~شفعاء لهم عند الله. قال الرازي: ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من ~~الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون ~~شفعاء لهم عند الله. اه. ولكن تعظيمهم لهؤلاء ليس كتعظيم الكفار، وفي هذه ~~الشفاعة قولان: # أحدهما: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم فيما يهمهم من أمور الدنيا في إصلاح ~~معايشهم. قاله الحسن؛ لأنهم كانوا لا يعتقدون بعث الموتى. # والثاني: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الآخرة إن يكن بعث، قاله ابن جريج ~~عن ابن عباس، وكأنهم كانوا شاكين فيه، وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة ~~موجدهم الضار النافع إلى عبادة ما يعلم قطعا أنه لا يضر ولا ينفع، على توهم ~~أنه ربما يشفع لهم. قال النضر بن الحارث: إذا كان يوم القيامة شفعت لي ~~اللات والعزى. وقوله تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين {أتنبئون} أي: ~~تخبرون {الله} وهو العالم بكل شيء المحيط بكل محيط. {بما لا يعلم} أي: لا ~~يوجد له به علم في وقت من الأوقات، استفهام إنكار تهكم بهم، وبما ادعوه ومن ~~المحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأن الذي أنبؤوا به باطل غير منطو ~~تحت الصحة، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه. وقوله تعالى: {في ~~السموات ولا في الأرض} تأكيد لنفيه؛ لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتف معدوم، ~~وهذا على طريق الإلزام، والمقصود نفي علم الله بذلك الشفيع، وأنه لا وجود ~~له ألبتة؛ لأنه لو كان موجودا لكان معلوما لله تعالى وحيث لم يكن معلوما ~~لله ms1117 تعالى، وجب أن لا يكون معلوما موجودا، وهذا مثل مشهور في العرب، فإن ~~الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول: ما علم الله ذلك مني؛ ومقصوده أنه ~~ما حصل ذلك الشيء منه قط ولا وقع. {سبحانه} أي: تنزيها له عن كل شيء فيه ~~شائبة نقص. {وتعالى عما يشركون} ما مصدرية أو موصولة، أي: عن إشراكهم أو عن ~~الشركاء الذين يشركونهم به. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب، لقوله: ~~{أتنبئون الله} والباقون بالياء على الغيبة، فكأنه قيل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم قل أنت: سبحانه وتعالى عما يشركون، ويجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى ~~هو الذي نزه نفسه عما قالوه، فقال: سبحانه وتعالى عما يشركون. ولما أقام ~~تعالى الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام بين السبب في كيفية ~~حدوث هذا المذهب الفاسد بقوله: # {وما كان الناس إلا أمة واحدة} أي: جميعا على الدين الحق وهو دين ~~الإسلام. وقيل على الضلال في فترة الرسل، واختلف القائلون بالأول أنهم متى ~~كانوا كذلك.؟ فقال ابن عباس ومجاهد: كانوا على دين الإسلام من لدن # PageV02P011 # آدم إلى أن قتل قابيل هابيل. وقال قوم: إلى زمن نوح، وكانوا عشرة قرون. ~~ثم اختلفوا في عهد نوح فبعث الله تعالى إليهم نوحا. وقال آخرون: كانوا على ~~دين الإسلام من زمن نوح بعد الغرق حيث لم يذر الله على الأرض من الكافرين ~~ديارا إلى أن ظهر الكفر فيهم. وقال آخرون: من عهد إبراهيم عليه السلام إلى ~~زمن عمرو بن لحي، وهذا القائل قال: المراد من الناس في قوله تعالى: {وما ~~كان الناس إلا أمة واحدة} العرب خاصة. {فاختلفوا} بأن ثبت بعض وكفر بعض. ~~{ولولا كلمة سبقت من ربك} وهو تأخير الحكم إلى يوم القيامة، وقيل: تلك ~~الكلمة هي قوله سبحانه: سبقت رحمتي غضبي. فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك ~~الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال، وإمهاله إلى وقت الوجدان ~~{لقضي بينهم} أي: الناس بنزول العذاب في الدنيا دون يوم القيامة {فيما فيه ~~يختلفون} من الدين بإهلاك المبطل، ms1118 وإبقاء المحق، وكان ذلك فصلا بينهم ~~{ويقولون} أي: كفار مكة {لولا} أي: هلا {أنزل عليه} أي: محمد صلى الله عليه ~~وسلم {آية من ربه} أي: غير ما جاء به كما كان للأنبياء من الناقة والعصا ~~واليد {فقل} يا محمد لهؤلاء الكفرة المعاندين {إنما الغيب} أي: ما غاب عن ~~العباد أمره {لله} أي: هو المختص بعلمه، ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو ~~وإنما علي التبليغ {فانتظروا} أي: نزول ما اقترحتموه. وقيل نزول العذاب إن ~~لم يؤمنوا {إني معكم من المنتظرين} أي: لما يفعل الله تعالى بكم لعنادكم ~~وجحودكم الآيات، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر، بديعة في ~~الآيات، رقية المسلك بين المعجزات مع عجزكم عن معارضته بتبديل أو غيره، فأي ~~عناد أعظم من هذا # {وإذا أذقنا الناس} أي: كفار مكة {رحمة} أي: صحة وسعة {من بعد ضراء} أي: ~~شدة وبلاء {مستهم} سلط الله تعالى القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا ~~يهلكون ثم رحمهم، فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد، وعاش الناس ~~بعد ذلك فلم يتعظوا بذلك، بل رجعوا إلى العناد والكفر كما قال تعالى: {إذا ~~لهم مكر في آياتنا} بالاستهزاء والتكذيب، وقيل: لا يقولون هذا من رزق الله، ~~إنما يقولون: سقينا بنوء كذا. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم بها ~~فيصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا» والنوء عند العرب: هي ~~منازل القمر إذا طلع نجم سقط نظيره {قل الله} أي: قل لهم يا محمد الله ~~{أسرع مكرا} منكم، أي: أعجل عقوبة وأشد أخذا وأقدر على الجزاء. ومعنى الوصف ~~بالأسرعية: أنه قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم والمكر إخفاء الكيد وهو من ~~الله تعالى، أما الاستدراج أو الجزاء على المكر، فإنهم لما قابلوا نعمة ~~الله بالمكر قابل مكرهم بأشد منه، وهو إمهالهم إلى يوم القيامة. {إن رسلنا} ~~أي: الحفظة الكرام الكاتبين {يكتبون ما تمكرون} لأنهم وكلوا بكم قبل كونكم ms1119 ~~نطفا، ولم يوكلوا بكم إلا بعد علم موكلهم بكل ما تفعلونه، ولا يكتبون مكركم ~~إلا بعد اطلاعهم عليه، وأما هو سبحانه وتعالى فإنه إذا قضى قضاء لا يمكن أن ~~يطلع عليه رسله إلا بإطلاعه فكيف بغيرهم، وإذا تبين أنه عالم بأمورهم وهم ~~جاهلون بأموره علم أنه لا يدعهم يدبرون كيدا إلا وقد سبب له ما يجعله في ~~نحورهم، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بالرفع، ثم أخذ سبحانه وتعالى ~~يبين ما يتضح به أسرعية مكره في مثال دال على ما في # PageV02P012 # الآية قبلها؛ لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال ~~جلي واضح، يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي فقال: # {هو الذي يسيركم} أي: يحملكم على السير في كل وقت تسيرون فيه لا تقدرون ~~على الإنفكاك عنه ويمكنكم منه، {في البر والبحر} أي: يسبب لكم أسبابا توجب ~~سيركم فيهما. وقرأ ابن عامر بعد الياء الأولى بنون ساكنة بعدها شين معجمة ~~مضمومة، والباقون بسين مهملة مفتوحة بعدها ياء مكسورة مشددة، ولما كان ~~العطب بسير البحر أظهر مع أن السير فيه من أكبر الآيات وأوضح البينات بينه ~~معرضا عن ذكر البر بقوله تعالى: # {حتى إذا كنتم} أي: كونا لا براح لكم منه. {في الفلك} أي: السفن، فإن ~~قيل: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر مع أن الكون في الفلك ~~متقدم لا محالة على التسيير في البحر؟ أجيب: بأنه لم يجعل الكون في الفلك ~~غاية للتسيير، بل تقدير الكلام كأنه قيل: هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في ~~جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا، ولفظ الفلك يطلق على ~~الواحد وعلى الجمع، فإن أريد الواحد كان كبناء قفل، أو الجمع كان كبناء ~~حمر، والمراد هنا: الجمع لقوله تعالى: {وجرين بهم} أي: بمن فيها، وعدل عن ~~الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعي ~~منهم الإنكار والتقبيح والالتفات في الكلام عن الغيبة إلى الحضور والعكس في ~~فصيح كلام العرب. {بريح طيبة} أي: لينة ms1120 الهبوب. {وفرحوا بها} أي: بتلك ~~الريح وبالفلك الجارية بها، وقوله تعالى: {جاءتها} جواب إذا والضمير للفلك ~~أو للريح الطيبة بمعنى تلقتها {ريح عاصف} أي: شديدة الهبوب فأزعجت سفينتهم ~~وأساءتهم {وجاءهم الموج} أي: وجاء ركاب السفينة الموج وهو ما ارتفع وعلا من ~~ضراب الماء في البحر. وقيل: هو شدة حركة الماء واختلاطه. {من كل مكان} أي: ~~يعتاد مجيء الموج منه فأرجف قلوبهم. {وظنوا أنهم أحيط بهم} أي: فظنوا أن ~~الهلاك قد أحاط بهم وسدت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط بهم العدو {دعوا ~~الله مخلصين} أي: من غير اشتراك به {له الدين} أي: الدعاء؛ لأنهم لا # يدعون حينئذ غيره؛ لأن الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ~~ورحمته ويصير منقطعا عن جميع الخلق، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعا ~~إلى الله تعالى. وقوله تعالى: {لئن أنجيتنا من هذه} الشدائد التي نحن فيها ~~وهي الريح العاصفة والأمواج الشديدة {لنكونن من الشاكرين} على إرادة القول ~~أو مفعول دعوا؛ لأنه من جملة القول، أي: لنكونن من الشاكرين لك بالإيمان ~~والطاعة على إنعامك علينا بانجائنا مما نحن فيه من هذه الشدة. # {فلما أنجاهم} أي: هؤلاء الذين ظنوا أنهم أحيط بهم من الشدة التي كانوا ~~فيها إجابة لدعائهم {إذا هم يبغون} أي: فأجاؤوا الفساد وسارعوا إلى ما ~~كانوا عليه من الكفر والمعاصي {في الأرض} أي: جنسها {بغير الحق} . # فإن قيل: البغي لا يكون بحق فما معنى قوله بغير؟ أجيب: بأنه قد يكون بحق ~~كاستيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم، وإحراق زروعهم، وقطع ~~أشجارهم، كما فعل صلى الله عليه وسلم ببني قريظة، فإن ذلك إفساد بحق. قال ~~صاحب «المفردات» : البغي على ضربين: أحدهما: غير محمود وهو مجاوزة الحق إلى ~~الباطل وإلى الشبهة، والآخر: كفعل المسلمين ما ذكر {يا أيها الناس إنما ~~بغيكم} أي: ظلمكم {على أنفسكم} # PageV02P013 # يعود وباله عليها خاصة. قال صلى الله عليه وسلم «أسرع الخير ثوابا صلة ~~الرحم، وأعجل الشر عقابا البغي واليمين الفاجرة» . وروي «ثنتان يعجلهما ~~الله تعالى في الدنيا: البغي، ms1121 وعقوق الوالدين» . وعن ابن عباس: لو بغى جبل ~~على جبل لدك الباغي. وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه: # *يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فاربع فخير فعال المرء أعدله # *فلو بغى جبل يوما على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله # وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر. وعلى ~~تقدير الانتفاع بالبغي هو عرض زائل كما قال تعالى: {متاع الحياة الدنيا} ~~أي: لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياما قليلة، وهي مدة حياتكم مع ~~قصرها وسرعة انقضائها. {ثم إلينا} بعد البعث {مرجعكم} في القيامة {فننبئكم} ~~أي: فنخبركم {بما كنتم تعملون} في الدنيا من البغي والمعاصي فنجازيكم ~~عليها. وقرأ حفص متاع بنصب العين على أنه مصدر مؤكد، أي: تتمتعون متاع ~~الحياة الدنيا، والباقون بالرفع على أنه خبر بغيكم وعلى أنفسكم صلته، أو ~~خبر مبتدأ محذوف تقديره: ذلك متاع الحياة الدنيا وعلى أنفسكم خبر بغيكم. ~~ولما قال تعالى: {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا} ~~أتبعه بمثل عجيب ضربه لمن يبغي في الأرض، ويغتر بالدنيا، ويشتد تمسكه بها، ~~ويقوى إعراضه عن أمر الآخرة، والتأهب لها، بقوله تعالى: # {إنما مثل الحياة الدنيا} أي: حالها العجيبة في سرعة تقضيها وذهاب نعيمها ~~بعد إقبالها واغترار الناس بها. والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني ~~بالأول {كماء أنزلناه} وحقق أمره وبينه بقوله تعالى: {من السماء فاختلط به} ~~أي: بسببه {نبات الأرض} أي: اشتبك بعضه ببعض، والاختلاط: تداخل الأشياء ~~بعضها في بعض {مما يأكل الناس} من الحبوب والثمار ونحو ذلك {و} مما يأكل ~~{الأنعام} من الحشيش ونحوه {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} أي: حسنها وبهجتها ~~من النبات {وازينت} بإظهار ألوان زهرها من أبيض وأصفر وأحمر وغيرذلك من ~~الزهور، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها ~~من ألوان الزين، وأصل ازينت تزينت أبدلت التاء زايا وأدغمت في الزاي {وظن ~~أهلها} أي: أهل تلك الأرض {أنهم قادرون عليها} أي: متمكنون من تحصيل جذاذها ~~وحصادها {أتاها ms1122 أمرنا} أي: قضاؤنا من البرد والحر المفرط أو غيره {ليلا أو ~~نهارا} أي: في الليل أو في النهار {فجعلناها} أي: زرعها {حصيدا} أي: ~~كالمحصود بالمناجل. وقوله تعالى: {كأن} مخففة، أي: كأنها {لم تغن} أي: لم ~~تكن {بالأمس} تلك الزروع والأشجار قائمة على ظهر الأرض، وحذف المضاف من ~~فجعلناها ومن كأن لم تغن للمبالغة. # تنبيه: تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوها: # الأول أن عاقبة هذه الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا ~~النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه؛ لأن الغالب أن ~~المتمسك بالدنيا إذا وضع قلبه عليها وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت، وهو ~~معنى قوله تعالى: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} ~~(الأنعام، 44) أي: خاسرون الدنيا، وقد أنفقوا أعمارهم فيها، وخاسرون من ~~الآخرة مع أنهم توجهوا إليها. # الثاني: أنه تعالى بين # PageV02P014 # أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة محمودة فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها ~~لا يحصل له عاقبة تحمد، مع أن المنافع التي تحصل فيها مخلوطة بالمضار ~~والمتاعب، فإن سعادة الدنيا غير خالصة من الآفات، بل هي ممزوجة بالبليات، ~~والاستقراء يدل عليه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «من طلب ما لم يخلق ~~أتعب نفسه ولم يرزق. فقيل: يا رسول الله، وما هو؟ قال: سرور يوم بتمامه» . ~~الثالث: أن مالك ذلك البستان لما عمره بإتعاب النفس، وكد الروح، وعلق قلبه ~~على الانتفاع به، فإذا حصل ذلك السبب المهلك صار العناء الشديد الذي تحمله ~~في الماضي سببا لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل، وهو ما يحصل له في ~~قلبه من الحسرات، فكذا حال من وضع قلبه على الدنيا، وأتعب نفسه في تحصيلها، ~~فإذا مات وفاته كل ما فات صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا ~~سببا لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة. {كذلك} أي: مثل هذا التفصيل الذي ~~ذكرناه {نفصل الآيات} أي: نبينها {لقوم يتفكرون} لأنهم المنتفعون بها، ولما ~~نفر تعالى الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم ms1123 في الآخرة ~~بقوله تعالى: # {والله يدعو} أي: يعلق دعاءه على سبيل التجدد والاستمرار بالمدعوين {إلى ~~دار السلام} . قال قتادة: السلام هو الله، وداره الجنة، وسمي سبحانه وتعالى ~~بالسلام؛ لأنه واجب الوجود لذاته، فقد سلم من الفناء والتغير، وسلم من ~~احتياجه في ذاته وصفاته، ومن الافتقار إلى الغير، وهذه الصفة ليست إلا له ~~سبحانه كما قال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد، 38) # وقال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} (فاطر، 15) # . وقيل: السلام بمعنى السلامة. وقيل: المراد بالسلام الجنة، سميت الجنة ~~دار السلام؛ لأن أهلها يحيي بعضهم بعضا بالسلام، والملائكة تسلم عليهم. قال ~~الله تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} (الرعد، 32، ~~24) # ومن كمال رحمته وجوده وكرمه على عباده أن دعاهم إلى الجنة التي هي دار ~~السلام، وفيه دليل على أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر؛ لأن العظيم لا يدعو إلا إلى عظيم، ولا يصف إلا عظيما. وقد وصف الله ~~تعالى الجنة في آيات كثيرة من كتابه. وعن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: إن صاحبكم هذا مثله كمثل رجل بنى ~~دارا، وجعل فيها مائدة، وبعث داعيا فمن أجب الداعي دخل الدار، وأكل من ~~المائدة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المائدة، والدار ~~الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم {و} الله {يهدي من يشاء} من عباده ~~بما يخلق في قلبه من الهداية {إلى صرط مستقيم} وهو دين الإسلام، عم سبحانه ~~وتعالى بالدعوة أولا إظهارا للحجة، وخص بالهداية ثانيا إظهارا للقدرة؛ لأن ~~الحكم له في خلقه. وقال الجنيد: الدعوة عامة، والهداية خاصة، بل الهداية ~~عامة والصحبة خاصة، بل الصحبة عامة والاتصال خاص. وقيل: يدعو بالآيات، ~~ويهدي للحقائق والمعارف. وقيل: الدعوة لله والهداية من الله. وقال بعضهم: ~~لا تنفع الدعوة لمن لم يسبق له من الله الهداية. # {للذين أحسنوا} أي: بالإيمان {الحسنى} وهي الجنة {وزيادة} وهي النظر إليه ~~تعالى في ms1124 الآخرة، كما في الحديث الصحيح: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن ~~يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه فو الله ما أعطاهم الله شيئا هو ~~أحب إليهم منه» . والزمخشري في «كشافه» قال في هذا: وزعمت المشبهة ~~والمجبرة؛ لأن المعتزلة ينكرون # PageV02P015 # الرؤية، ويرد عليهم قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} ~~(القيامة، 22، 23) فأثبت الله لأهل الجنة أمرين أحدهما: النضارة وهي حسن ~~الوجوه، وذلك من نعيم الجنة. والثاني: النظر إلى الله تعالى. وعن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما: الحسنى الحسنة، والزيادة عشرة أمثالها. وعن الحسن ~~عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وعن مجاهد: الزيادة مغفرة من الله ورضوان. ~~وعن يزيد بن شجرة: الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن ~~أمطركم، فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم، ولا مانع من أن تفسر الزيادة بذلك ~~كله؛ إذ لا تنافي فيها والفضل واسع. {ولا يرهق} أي: يغشى {وجوههم قتر} أي: ~~سواد {ولا ذلة} أي: كآبة وكسوف يظهر منه الانكسار والهوان. {أولئك} أي: ~~هؤلاء الذين وصفهم الله هم {أصحاب الجنة} وقوله تعالى: {هم فيها خالدون} ~~إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع ولا زوال فيها ولا انقراض، بخلاف ~~الدنيا وزخارفها. ولما بين تعالى حال الفضل فيمن أحسن بين حال العدل فيمن ~~أساء بقوله تعالى: # {والذين كسبوا السيئات} أي: الشرك {جزاء سيئة} منهم {بمثلها} بعدل الله ~~من غير زيادة، وفي ذلك إشارة إلى الفرق بين السيئات والحسنات؛ لأن الحسنات ~~يضاعف ثوابها لعاملها من الواحد إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة ~~تفضلا منه تعالى وتكرما. وأما السيئة فإنه يجازي عليها بمثلها عدلا منه ~~تعالى {وترهقهم} أي: تغشاهم {ذلة} عكس أهل الجنة {ما لهم من الله من عاصم} ~~أي: مانع يمنعهم من عذاب الله إذا نزل بهم {كأنما أغشيت} أي: ألبست {وجوههم ~~قطعا من الليل مظلما} لفرط سوادها وظلمتها. وقرأ ابن كثير والكسائي بسكون ~~الطاء، أي: جزء، والباقون بفتحها جمع قطعة، أي: أجزاء {أولئك} أي: هؤلاء ~~الأشقياء {أصحاب النار هم فيها خالدون} لا ms1125 يتمكنون من مفارقتها. # {و} اذكر {يوم نحشرهم} أي: الفريقين الناجين والهالكين، العابدين منهم ~~والمعبودين، من كل جانب وناحية إلى موقف الحساب حال كونهم {جميعا} لا يتخلف ~~منهم أحد وهو يوم القيامة والحشر الجمع بكره إلى موقف واحد {ثم نقول للذين ~~أشركوا مكانكم} أي: الزموا مكانكم لا تبرحوا منه حتى تنظروا ما يفعل بكم، ~~وقوله تعالى: {أنتم} تأكيد للضمير المستتر في الفعل المقدر ليعطف عليه ~~{وشركاؤكم} أي: من كنتم تعبدونه من دون الله {فزيلنا} أي: فرقنا {بينهم} ~~أي: بين المشركين وشركائهم وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، وذلك ~~حين تبرأ كل معبود من دون الله ممن عبده، وقيل: فرقنا بينهم وبين المؤمنين ~~كما في آية {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} (يس، 59) والأول أنسب بقوله ~~تعالى: {وقال شركاؤهم} لهؤلاء المشركين {ما كنتم إيانا تعبدون} أي: إنما ~~كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا فأطعتموهم، واختلفوا ~~في المراد بهؤلاء الشركاء. فقال بعضهم: الملائكة واستشهدوا بقوله تعالى: ~~{ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} (سبأ، 40) ~~. ومنهم من قال: هي الأصنام، والدليل عليه: أن هذا الخطاب مشتمل على الوعيد ~~والتهديد، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين، وسموا شركاء؛ لأنهم جعلوا ~~نصيبا من أموالهم لتلك الأصنام فصيروهم شركاء لأنفسهم في تلك الأموال، ثم ~~اختلفوا في هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام فقال بعضهم: إن الله تعالى خلق ~~الحياة والعقل # PageV02P016 # والنطق فيها فقدرت على ذكر هذا الكلام. وقال آخرون: إن الله تعالى خلق ~~فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى سمع منها ذلك الكلام. والأول ~~أظهر؛ لأن ظاهر قوله تعالى: {وقال شركاؤهم} يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول ~~هو الشركاء. # فإن قيل: إذا أحياها الله تعالى هل يبقيها أو يفنيها؟ أجيب: بأن الكل ~~محتمل فإن الله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء، وأحوال القيامة غير معلومة إلا ~~القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن وعلى لسان أنبيائه. وقال بعضهم: ~~المراد بهؤلاء الشركاء كل من عبد من دون الله من ms1126 إنس وملك وجن وشمس وقمر ~~وصنم، وهذا أظهر، وعلى هذا والأول سموا شركاء؛ لأن الله تعالى لما خاطب ~~العابدين والمعبودين بقوله تعالى: {مكانكم} صاروا شركاء في هذا الخطاب، ~~ولما قال لهم شركاؤهم ذلك قالوا بل كنا نعبدكم فقال: {شركاؤهم} . # {فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم} فإنه تعالى العالم بكنه الحال. {إن كنا ~~عن عبادتكم لغافلين} أي: لم نأمر بها ولم نعلم بها، وعلى القول بأنها ~~الأصنام فتقول: ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل، فإنها جمادات لا حس لها ~~بشيء ولا شعور البتة. # تنبيه: إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين الخفيفة ~~والنافية. {هنالك} أي: في ذلك الموقف من المكان العظيم الأهوال المتوالي ~~الزلزال {تبلو} أي: تختبر {كل نفس} طائعة وعاصية {ما أسلفت} أي: ما قدمت من ~~عمل فتعاين نفعه وضره يؤدي إلى سعادة أو شقاوة. وقرأ حمزة والكسائي بتاءين ~~من التلاوة، أي: تقرأ ذكر ما قدمت أو من التلو فيتبع كل شخص عمله فيقوده ~~إلى الجنة والنار والباقون بعد التاء باء موحدة من البلوى وهو الاختبار ~~{وردوا إلى الله} أي: إلى جزائه إياهم عما أسلفوا فلم يكن لهم قدرة على قصد ~~غيره. {مولاهم الحق} أي: ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة ولا التفات إلى ~~سواه من تلك الأباطيل، بل انقطع رجاؤهم من كل ما يدعونه في الدنيا وهو ~~المراد بقوله تعالى: {وضل عنهم} أي: ذهب وبطل وضاع. {ما كانوا يفترون} أي: ~~يتعمدون كذبه من أن معبوداتهم شركاء، وتيقنوا في ذلك المقام أن توليهم لغير ~~الله كان باطلا غير حق. ولما بين فضائح عبدة الأوثان أتبعها بذكر الدلائل ~~على فساد هذا المذهب بحجج: # الحجة الأولى: قوله تعالى: # {قل} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين {من يرزقكم من السماء} بالمطر ~~{والأرض} بالنبات فانحصر الرزق في ذلك، أما من السماء فبتنزل الأمطار، وأما ~~من الأرض فلأن الغذاء إما أن يكون نباتا أو حيوانا، أما النبات فلا ينبت ~~إلا من الأرض، وأما الحيوان فهو يحتاج أيضا إلى الغذاء، ولا يمكن أن يكون ~~غذاء ms1127 كل حيوان حيوانا آخر، وإلا لزم الذهاب إلى ما لا نهاية له، وذلك محال ~~فثبت أن أغذية الحيوانات يجب انتهاؤها إلى النبات، وثبت أن تولد النبات من ~~الأرض، فثبت القطع بأن الأرزاق لا تحصل إلا من السماء والأرض {أمن يملك ~~السمع} أي: الأسماع {والأبصار} أي: من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد ~~الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة. عن علي رضي الله تعالى عنه كان يقول: ~~سبحان من بصر بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم، أو جمعهما وحفظهما من الآفات مع ~~كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء بكلائه وحفظه {ومن ~~يخرج الحي من الميت} كأن يخرج الإنسان من النطفة والطائر من البيضة {ويخرج ~~الميت من # PageV02P017 # الحي} كأن يخرج النطفة من الإنسان والبيضة من الطائر. وقيل: المراد أن ~~يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي ~~ميت في الموضعين بعد الميم بكسر الياء المشددة، والباقون بعد الميم بسكون ~~الياء. {ومن يدبر الأمر} أي: ومن يلي تدبير أمر الخلائق، وهو تعميم بعد ~~تخصيص، وذلك لأن أقسام تدبير الله تعالى في العالم السفلي وفي العالم ~~العلوي وفي عالم الأرواح والأجساد أمور لا نهاية لها. وذكر كلها كالمتعذر، ~~فلما ذكر بعض تلك الأفاصيل عقبها بالكلام الكلي ليدل على الباقي ثم بين ~~تعالى أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال ~~{فسيقولون الله} إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه، ~~وإذا كانوا يقرون بذلك {فقل} لهم يا محمد {أفلا تتقون} الشرك مع # اعترافكم بأن # كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل بفضل الله تعالى وإحسانه. # {فذالكم الله ربكم الحق} أي: الثابت ربوبيته ثباتا لا ريب فيه، وإذا ثبت ~~أن هذا هو الحق وجب أن يكون ما سواه ضلالا؛ لأن النقيضين يمتنع أن يكونا ~~حقين، وأن يكونا باطلين، فإذا كان أحدهما حقا وجب أن يكون ما سواه باطلا، ~~كما قال تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} إذ لا واسطة بينهما فهو ~~استفهام تقرير، أي: ms1128 ليس بعده غيره فمن أخطأ الحق وهو عبادة الله تعالى وقع ~~في الضلال، ولذلك سبب عنه قوله تعالى: {فأنى} أي: فكيف ومن، أي: جهة ~~{تصرفون} أي: تعدلون عن عبادته وأنتم تقرون بأن الله هو الحق. # {كذلك} أي: كما حقت الربوبية لله تعالى أو أن الحق بعده الضلال، أو أنهم ~~مصروفون عن الحق {حقت كلمة ربك} في الأزل {على الذين فسقوا} أي: تمردوا في ~~كفرهم وخرجوا عن حد الاستصلاح. وقوله تعالى: {أنهم لا يؤمنون} بدل من ~~الكلمة، أي: حق عليهم انتفاء الإيمان وعلم الله منهم ذلك والمراد بكلمة ~~الله العدة بالعذاب، وهو {لأملأن جهنم} (الأعراف، 18) الآية، وأنهم لا ~~يؤمنون تعليل بمعنى لأنهم لا يؤمنون، أو ذلك تفسير لكلمته التي حقت. وقرأ ~~نافع وابن عامر كلمة بالألف بعد الميم على الجمع، والباقون بغير الألف بعد ~~الميم على الإفراد. # الحجة الثانية: قوله تعالى: # {قل} أي: قل يا محمد لهؤلاء {هل من شركائكم} الذين زعمتموهم شركاء ~~وأشركتموهم في أموالكم من أنعامكم وزرعكم {من يبدأ الخلق} كما بدأ به ليصح ~~لكم ما ادعيتم من الشركة {ثم يعيده} كما كان. فإن قيل: هم غير معترفين ~~بالإعادة فكيف احتج عليهم تعالى بها كالابتداء في الإلزام بها؟ أجيب: بأنها ~~لظهور برهانها وإن لم يقروا بها وضعت موضع ما إن دفعه دافع كان مكابرا رادا ~~للظاهر البين الذي لا مدخل للشبهة فيه دلالة على أنهم في إنكارهم لها ~~منكرون أمرا مسلما معترفا بصحته عند العقلاء. ولذلك أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن ينوب عنهم في الجواب بقوله تعالى: {قل الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده} لأن لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها {فأنى} أي: فكيف {تؤفكون} عن ~~عبادته مع قيام الدلائل. فإن قيل: ما الفائدة في ذكر هذه الحجة على سبيل ~~السؤال والاستفهام؟ أجيب: بأن الكلام إذا كان ظاهرا جليا ثم ذكر على سبيل ~~الاستفهام كان ذلك أبلغ وأوقع في القلب. # الحجة الثالثة: قوله تعالى {قل} أي: قل يا محمد لهم {هل من شركائكم من ~~يهدي إلى الحق} ms1129 بنصب الحجج، وخلق الاهتداء، وإرسال الرسل، ولما كانوا # PageV02P018 # جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين أمر الله تعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يجيب بقوله تعالى: {قل الله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة ~~{يهدي للحق} من يشاء لا أحدا ممن زعمتموه شركاء، فالاشتغال بشيء منها ~~بعبادة أو غيرها جهل محض. قال الزجاج: يقال هديت إلى الحق، وهديت للحق ~~بمعنى واحد. فالله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله تعالى: {من يهدي إلى ~~الحق} وفي قوله تعالى: {قل الله يهدي للحق} وقوله تعالى: {أفمن يهدي إلى ~~الحق} أي: وهو الله تعالى {أحق أن يتبع أمن لا يهدي} أي: يهتدي {إلا أن ~~يهدى} أحق أن يتبع استفهام تقرير وتوبيخ، أي: الأول أحق {فما لكم كيف ~~تحكمون} هذا الحكم الفاسد من اتباع من لا يستحق الاتباع، وقوله تعالى: # {وما يتبع أكثرهم} في تفسيره وجهان الأول: وما يتبع أكثرهم في إقرارهم ~~بالله تعالى. {إلا ظنا} لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من ~~أسلافهم. الثاني: وما يتبع أكثرهم إلا ظنا في قولهم للأصنام آلهة، وإنها ~~شفعاء عند الله تعالى إلا الظن، حيث قلدوا فيه آباءهم. قال الرازي: والقول ~~الأول أقوى لأنا في القول الثاني نحتاج إلى تفسير الأكثر بالكل {إن الظن لا ~~يغني من الحق} فيما المطلوب فيه العلم {شيئا} من الإغناء، فدلت هذه الآية ~~على أن كل من كان ظانا في مسائل الأصول، وما كان قاطعا لا يكون مؤمنا. فإن ~~قيل: فقول أهل السنة: أنا مؤمن إن شاء الله يمنع من القطع فوجب أن يلزمهم ~~الكفر أجاب الرزاي: بأن هذا ضعيف من وجوه: الأول: أن مذهب الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه أن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل، فالشك حاصل ~~في أن هذه الأعمال هل هي موافقة لأمر الله تعالى والشك في أحد أجزاء ~~الماهية لا يوجب الشك في تمام الماهية. الثاني: أن الغرض من قوله إن شاء ~~الله تعالى بقاء الإيمان عند الخاتمة. # الثالث: الغرض هضم النفس وكسرها. {إن ms1130 الله عليم} أي: بالغ العلم {بما ~~يفعلون} أي: من اتباعهم الظن، وتكذيبهم الحق اليقين، فيجازيهم عليه. وقوله ~~تعالى: # {وما كان} عطف على قوله: {ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} إلخ فهو ~~حينئذ مقول القول، أي: قل لهم ذلك الكلام. {هذا القرآن} أي: الجامع لكل خير ~~مع التأدية بأساليب الحكمة المعجزة لجميع الخلق {أن يفترى} أي: افتراء {من ~~دون الله} أي: غيره؛ لأن المفترى هو الذي تأتي به البشر، وكفار مكة زعموا ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم أتى بهذا من عند نفسه، فأخبر الله تعالى أن ~~هذا القرآن وحي أنزله عليه وأنه مبرأ عن الافتراء والكذب وأنه لا يقدر عليه ~~أحد إلا الله، ثم ذكر هذا بقوله تعالى: {ولكن} أنزل {تصديق الذي بين يديه} ~~أي: قبله من الكتب الذي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والانجيل، فثبت بذلك ~~أنه وحي من الله أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم وأنه معجزة له فإنه كان ~~أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجتمع بأحد من العلماء، ثم أنه صلى الله عليه ~~وسلم أتى بهذا القرآن العظيم المعجز، وفيه أخبار الأولين وقصص الماضين، ~~وقيل تصديق الذي القرآن بين يديه من القيامة والبعث. {وتفصيل الكتاب} أي: ~~تبيين ما كتب الله من الأحكام وغيرها {لا ريب} أي: لا شك {فيه} . وقوله ~~تعالى: {من رب العالمين} متعلق بتصديق أو بأنزل المحذوف. # {أم} أي: بل {يقولون افتراه} أي: اختلقه محمد، ومعنى الهمزة فيه للإنكار # PageV02P019 # {قل} أي: قل لهم يا محمد إن كان الأمر كما تقولون {فأتوا بسورة مثله} في ~~الفصاحة والبلاغة وحسن النظم، فأنتم عرب مثله في البلاغة والفطنة. فإن قيل: ~~هل يتناول ذلك جميع السور الصغار والكبار أو يختص بالسور الكبار؟ أجيب: بأن ~~هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فيكون المراد مثل هذه السورة؛ لأنها أقرب ~~ما يمكن أن يشار إليه، هكذا أجاب الرازي، والأولى التناول لجميع السور؛ ~~فإنهم لا يقدرون أن يأتوا بأقصر سورة. فإن قيل: لم قال في البقرة {بسورة من ~~مثله} (البقرة، ms1131 23) وهنا {بسورة مثله} ؟ أجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يقرأ ولم يكتب ولم يتتلمذ لأحد فقيل في سورة البقرة: {فأتوا بسورة من مثله} ~~بناء على أن الضمير يرجع للنبي صلى الله عليه وسلم أي: فليأت إنسان يساوي ~~محمدا صلى الله عليه وسلم في عدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة ~~تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز، فهذا لا يدل على أن السورة ~~في نفسها معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد ~~صلى الله عليه وسلم في عدم التعلم والتتلمذ معجز. ثم بين تعالى في هذه ~~السورة أن تلك السورة في نفسها معجزة فإن الخلق وإن تتلمذوا وتعلموا ~~وطالعوا وتفكروا لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور وهو ~~المراد من قوله تعالى: {وادعوا من استطعتم} أي: فاستعينوا بمن أمكنكم أن ~~تستعينوا به {من دون الله} أي: غيره؛ فإنه تعالى وحده قادر على ذلك {إن ~~كنتم صادقين} أي: في أني أتيت به من عندي؛ لأن العاقل لا يجزم بشيء إلا إذا ~~كان عنده منه مخرج وذلك لا يكون إلا عن دليل ظاهر وسلطان قاهر باهر. # تنبيه: مراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ستة: أولها: أنه ~~تحداهم بكل القرآن كما قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء، 88) . ~~ثانيها: أنه تحداهم بعشر سور فقال تعالى: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} ~~(هود، 32) . ثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال تعالى: {فأتوا بسورة ~~من مثله} (البقرة، 23) . رابعها: أنه تحداهم بحديث مثله. خامسها: أن في تلك ~~المراتب الأربعة كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في عدم التلمذة والتعلم، ثم في هذه السورة طلب منهم معارضة ~~سورة واحدة من أي: إنسان سواء تعلم العلوم أم لم يتعلمها. سادسها: أن في ~~المراتب المتقدمة تحدي واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم، ms1132 وجوز ~~أن يستعين البعض بالبعض في الاتيان بهذه المعارضة، كما قال تعالى: {وادعوا ~~من استطعتم من دون الله} وههنا آخر المراتب فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها ~~الله تعالى في إثبات أن القرآن معجز، ثم إن الله تعالى ذكر السبب الذي ~~لأجله كذبوا بالقرآن فقال تعالى: # {بل كذبوا} أي: أوقعوا التكذيب الذي لا تكذيب أشنع منه مسرعين في ذلك ~~{بما لم يحيطوا بعلمه} أي: القرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته من ~~غير شبهة أصلا بل عنادا وطغيانا ونفورا مما يخالف دينهم، فهو من باب: من ~~جهل شيئا عاداه، والإحاطة إدارة ما هو كالحائط حول الشيء وإحاطة العلم ~~بالشيء العلم به من جميع وجوهه {ولما يأتهم} أي: إلى زمن تكذيبهم {تأويله} ~~أي: تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب وعاقبة ما فيه من الوعيد حتى يتبين ~~لهم # PageV02P020 # أنه صدق أم كذب، ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما ~~كرر عليهم التحدي، فجربوا عقولهم في معارضته فصغرت وضعفت دونها، ومع هذا لم ~~يقلعوا عن التكذيب تمردا وعنادا {كذلك} أي: مثل تكذيبهم هذا التكذيب العظيم ~~في الشناعة قبل تدبر المعجزة {كذب الذين من قبلهم} أي: من كفار الأمم ~~الماضية فظلموا فأهلكناهم بظلمهم {فانظر} يا محمد {كيف كان عاقبة الظالمين} ~~بتكذيب الرسل، أي: آخر أمرهم من الهلاك، فكذلك يهلك من كذبك من قومك، وفي ~~ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من ~~الناس، والمعنى: فانظر أيها الإنسان كيف كان عاقبة من ظلم، فاحذر أن تفعل ~~مثل فعله. # {ومنهم} أي: من قومك يا محمد، {من يؤمن به} أي: القرآن، أي: يصدق به في ~~نفسه، ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب {ومنهم من لا يؤمن به} في نفسه ~~لغباوته وقلة تدبره، أو منهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الكفر ~~ويبدله بالإيمان، ومنهم من يصر ويستمر على الكفر، وإنما فسرت هذه الآية ~~بهذين التأويلين؛ لأن كلمة يؤمن تصلح للحال والاستقبال {وربك أعلم ~~بالمفسدين} أي: ms1133 المعاندين على التفسير الأول، والمصرين على التفسير الثاني، ~~وفي ذلك تهديد لهم. # {وإن كذبوك} أي: وإن كذبوك يا محمد بعد الزام الحجة {فقل} لهم {لي عملي} ~~من الطاعة وجزاء ثوابها {ولكم عملكم} من الشرك وجزاء عقابه، أي: فتبرأ منهم ~~فقد أعذرت، والمعنى: لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقا كان أو باطلا. {أنتم ~~بريؤن مما أعمل وأنا برئ مما تعملون} لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم. ~~واختلف في معنى ذلك فقيل: معنى الآية الزجر والردع. وقيل: بل معناه استمالة ~~قلوبهم. وقال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية السيف. قال الرازي: ~~وهذا بعيد؛ لأن شرط الناسخ أن يكون رافعا لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية ~~اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي ~~حرمة القتال، وآية القتال ما رفعت شيئا من مدلولات هذه الآية، فكان القول ~~بالنسخ باطلا انتهى. ولا تنبغي هذه المبالغة مع مثل من ذكر، وقد تبعهما ~~جماعة من المفسرين. # ولما قسم تعالى الكفار قسمين: منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به قسم ~~من لا يؤمن به قسمين: منهم من يكون في نهاية البغض له والعداوة له ونهاية ~~النفرة عن قبول دينه، ومنهم من لا يكون، كذلك، فوصف القسم الأول في قوله ~~تعالى: {ومنهم} أي: من هؤلاء المشركين، {من يستمعون إليك} إذا قرأت القرآن ~~وعلمت الشرائع بأسماعهم الظاهرة، ولا ينفعهم لشدة عداوتهم وبغضهم لك، فإن ~~الإنسان إذا قوي بغضه لآخر وعظمت نفرته منه صارت نفسه معرضة عن جميع جهات ~~محاسن كلامه {أفأنت تسمع الصم} أي: أتقدر على إسماعهم {ولو كانوا} مع الصمم ~~{لا يعقلون} أي: لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوي ~~الصوت، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر، فكما أنك لا تقدر ~~على إسماع الأصم الذي لا يعقل لا تقدر على إسماع من أصم الله تعالى قلبه، ~~فإن الله تعالى صرف قلوبهم عن الانتفاع بما يستمعون ولم يوفقهم لذلك، ~~فشبههم بالصم في عدم الانتفاع بما يتلى ms1134 عليهم، ثم وصف القسم الثاني في قوله ~~تعالى: # {ومنهم من ينظرون # PageV02P021 # إليك} أي: يعاينون دلائل نبوتك ولا يصدقونك {أفأنت تهدي العمي} أي: أتقدر ~~على هدايتهم {ولو كانوا} مع العمى {لا يبصرون} أي: لا بصيرة لهم؛ لأن ~~الأعمى الذي في قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن، فأما العمى مع الحمق فجهد ~~البلاء، فلا تقدر على هداية من أعمى الله بصيرته، فهؤلاء في اليأس من أن ~~يقبلوا أو يصدقوا كالصم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر، فلا يقدر على ~~إسماعهم وهدايتهم إلا الله تعالى. # تنبيه: اختلف في أن السمع أفضل أو البصر فمنهم من قال: السمع، واحتج على ~~ذلك بأمور منها تقدمه في الآية، ومنها: أن القوة السامعة تدرك المسموع من ~~جميع الجوانب، والقوة الباصرة لا تدرك المرئي إلا من جهة واحدة، وهي ~~المقابل، ومنها: أن الإنسان إنما يستفيد العلم من التعلم من الأستاذ، وذلك ~~لا يكون إلا بقوة السمع، فاستكمال النفس بالكمالات العلمية لا يحصل إلا ~~بقوة السمع. ومنها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يراهم الناس ويسمعون ~~كلامهم، فنبوتهم ما حصلت بسبب ما معهم من الصفات المرئية، وإنما حصلت بسبب ~~ما معهم من الأحوال المسموعة وهو الكلام وتبليغ الشرائع، وبيان الأحكام. ~~ومنها: أن المعنى الذي يمتاز به الإنسان من سائر الحيوانات هو النطق ~~بالكلام، وإنما ينتفع بذلك بالقوة السامعة، فمتعلق السمع النطق الذي يحصل ~~به شرف الإنسان، ومتعلق البصر إدراك الألوان والأشكال، وذلك أمر مشترك فيه ~~بين الناس وبين سائر الحيوانات. # ومنهم من قال: البصر، واحتج بأمور منها: أن آلة القوة الباصرة هي النور، ~~وآلة القوة السامعة هي الهواء، والنور أشرف من الهواء. ومنها: أن جمال ~~الوجه يحصل بالبصر وبذهابه عيبه وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيبا في جمال ~~وجهه، والعرب تسمي: العينين الكريمتين، ولا تصف السمع بمثل هذا، وفي الحديث ~~يقول الله تعالى: «من أذهبت كريمتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون ~~الجنة» . ومنها: أنهم قالوا في المثل المشهور: ليس وراء العيان بيان. وذلك ~~يدل على أن أكمل وجوه ms1135 الإدراكات هو الإبصار. ومنها: أن كثيرا من الأنبياء ~~سمع الله، واختلفوا في أنه هل رآه منهم أحد أم لا؟ وأيضا فإن موسى عليه ~~السلام أسمعه الله تعالى كلامه من غير سبق سؤال والتماس، فلما طلب الرؤية ~~قال: لن تراني، وذلك يدل على أن حال الرؤية أعلى من حال السماع، وهذا هو ~~الظاهر. ولما حكم تعالى على أهل الشقاوة بالشقاوة بقضائه وقدره السابق فيهم ~~أخبر تعالى أن تقدير الشقوة عليهم ما كان ظلما منه بقوله تعالى: {إن الله ~~لا يظلم الناس شيئا} أي: لأنه تعالى في جميع أحواله متفضل وعادل، فيتصرف في ~~ملكه كيف يشاء والخلق كلهم عبيده، وكل من تصرف في ملكه بالفضل والعدل لا ~~يكون ظالما، وإنما قال تعالى: {ولكن الناس أنفسهم يظلمون} لأن فعلهم منسوب ~~إليهم بسبب الكسب وإن كان قد سبق قضاء الله تعالى وقدره فيهم، ففي ذلك دليل ~~على أن للعبد كسبا وأنه ليس مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة. وقرأ حمزة ~~والكسائي بكسر النون مخففة ورفع السين، والباقون بنصب النون مشددة ونصب ~~السين. # ولما وصف تعالى هؤلاء الكفار بقلة الإصغاء وترك التدبر أتبعه بالوعيد ~~بقوله تعالى: {ويوم يحشرهم} أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المشركين ~~لموقف الحساب، وأصل الحشر: إخراج الجماعة # PageV02P022 # وإزعاجهم عن مكانهم {كأن} أي: كأنهم {لم يلبثوا} في دنياهم. والجملة في ~~موضع الحال من ضمير نحشرهم البارز، أي: مشبهين بمن لم يلبثوا {إلا ساعة} ~~حقيرة {من النهار} أي: يستقصرون مدة مكثهم في الدنيا وفي القبور لهول ما ~~يرون {يتعارفون بينهم} أي: يعرف بعضهم بعضا إذا بعثوا ثم ينقطع التعارف ~~لشدة الأهوال، والجملة حال مقدرة متعلق الظرف، والتقدير: يتعارفون يوم ~~نحشرهم. وقوله تعالى: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي: بالبعث. يحتمل ~~وجهين: الأول: أن يكون على إرادة القول، أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك، ~~الثاني: أن يكون كلام الله تعالى، فيكون شهادة من الله تعالى عليهم ~~بالخسران. والمعنى: أن من باع آخرته بالدنيا فقد خسر؛ لأنه أعطى الكثير ~~الشريف الباقي وأخذ القليل الخسيس الفاني ms1136 {وما كانوا مهتدين} أي: إلى رعاية ~~مصالح التجارة، وذلك لأنهم اغتروا بالظاهر وغفلوا عن الحقيقة، فصاروا كمن ~~رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة شريفة فاشتراها بكل ما ملكه فإذا عرضها على ~~الناقدين خاب سعيه وفات أمله ووقع في حرقة الروع وعذاب القلب. وقوله تعالى: # {وإما} فيه إدغام إن الشرطية في ما الزائدة {نرينك} يا محمد {بعض الذي ~~نعدهم} به من العذاب في حياتك، وجواب الشرط محذوف، أي: فذاك {أو نتوفينك} ~~قبل أن نريك ذلك الوعد في الدنيا فإنك ستراه في الآخرة وهو قوله تعالى: ~~{فإلينا} بعد البعث {مرجعهم} فنريك هناك ما هو أقر لعينك وأسر لقلبك، وقوله ~~تعالى: {ثم الله شهيد على ما يفعلون} فيه وعيد وتهديد لهم، أي: أنه تعالى ~~شهيد على أفعالهم التي فعلوها في الدنيا فيجازيهم عليها يوم القيامة، ولما ~~بين تعالى حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه بين أن حال كل الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم كذلك بقوله تعالى: # {ولكل أمة} أي: من الأمم التي خلت من قبلك {رسول} يدعوهم إلى الله تعالى، ~~وقوله تعالى: {فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط} فيه إضمار تقديره: فإذا ~~جاء رسولهم وبلغهم ما أرسل به إليهم فكذبه قوم وصدقه آخرون، قضي، أي: حكم ~~وفصل بينهم بالقسط، أي: بالعدل. وفي وقت هذا القضاء والحكم بينهم قولان: ~~أحدهما أنه في الدنيا بأن يهلك الكافرين، وينجي رسوله والمؤمنين لقوله ~~تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (الإسراء، 15) والثاني في الآخرة: ~~وذلك أن الله تعالى إذا جمع الأمم يوم القيامة للحساب والفصل بين المؤمن ~~والكافر والطائع والعاصي جيء بالرسل لتشهد عليهم لقوله تعالى: {وجيء ~~بالنبيين والشهداء وقضي بينهم} (الزمر، 69) والمراد منه: المبالغة في إظهار ~~العدل وهو قوله تعالى: {وهم لا يظلمون} في جزاء أعمالهم شيئا بل يجازى كل ~~واحد على قدر عمله فكذلك يفعل بهؤلاء. # {ويقولون متى هذا الوعد} الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب ومن قيام ~~الساعة وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب والاستبعاد {إن كنتم صادقين} أي: ~~فيما ms1137 تعدونا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع على سبيل التعظيم أو خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وإن كان كل أمة قالوا لرسولها مثل ذلك وهو ~~الموافق لقوله تعالى: {ولكل أمة رسول} قال الله تعالى: # {قل} أي: قل لهم يا محمد {لا أملك لنفسي ضرا} من مرض أو فقر أدفعه {ولا ~~نفعا} من صحة أو غنى أجلبه {إلا ما شاء الله} أن يقدرني عليه، فكيف أملك ~~لكم حلول العذاب أوقيام # PageV02P023 # الساعة ولا يقدر على ذلك أحد إلا الله تعالى {لكل أمة أجل} أي: مدة ~~مضروبة {إذا جاء أجلهم} أي: انقضت مدة أعمارهم {فلا يستأخرون} أي: لا ~~يتأخرون {عنه ساعة} ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها {ولا يستقدمون} أي: ~~ولا يتقدمون، أي: ولا يستعجلون؛ فإن الوفاء بالوعد لابد منه، والسين فيهما ~~بمعنى الوجدان، أي: لا يوجد لهم المعنى الذي منع منه الفعل، ويجوز أن يكون ~~المعنى لا يجدون التأخر ولا التقدم وإن اجتهدوا في الطلب، فيكون في السين ~~معنى الطلب. وتدل الآية على أن أحدا لا يموت إلا بانقضاء أجله، وكذا ~~المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه. وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط ~~الهمزة الأولى، وسهل ورش وقنبل الثانية وأبدلها أيضا حرف مد، والباقون ~~بالتحقيق. قال الله تعالى: # {قل} أي: قل لهم يا محمد أيضا {أرأيتم إن أتاكم عذابه} الذي تستعجلون به ~~{بياتا} أي: في الليل بغتة كما يفعل العدو {أو نهارا} أي: وقت أنتم فيه ~~تشتغلون بطلب المعاش والكسب {ماذا} أي: أي شيء {يستعجل منه} أي: من عذابه ~~وعذاب كل مكروه لا يحتمل شيء منه {المجرمون} أي: المشركون، وضع المجرمون ~~موضع المضمر للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء الوعيد لا أن ~~يستعجلوا، وجملة الاستفهام متعلقة بأرأيتم، وجواب الشرط محذوف وهو تندموا ~~على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه. # {أثم إذا ما وقع} أي: حل بكم {آمنتم} أي: آمنتم بالله أو العذاب وقت نزول ~~العذاب وهو وقت اليأس، والهمزة لإنكار التأخير فلا يقبل منكم، وقوله تعالى: ~~{آلآن} على ms1138 إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا وقت نزول العذاب آلآن {وقد ~~كنتم به تستعجلون} تكذيبا واستهزاء. # تنبيه: اتفق قالون مع ورش على النقل هنا، واتفق القراء كلهم على همزة ~~الوصل التي بعد همزة الاستفهام إن فيها وجهين: وهما البدل والتسهيل. وقوله ~~تعالى: # {ثم قيل للذين ظلموا} عطف على قيل المقدر، أي: من، أي: قائل كان استهانة ~~بهم. وقرأ هشام والكسائي بإشمام القاف وهو أن تضم القاف قبل الياء، ~~والباقون بالكسر {ذوقوا عذاب الخلد} أي: الذي تخلدون فيه، والاتيان بثم ~~إشارة إلى تراخي ذلك عن الإهلاك في الدنيا بالمكث في البرزخ أو إلى أن ~~عذابه أدنى من عذاب يوم الدين {هل} أي: ما {تجزون إلا بما كنتم تكسبون} في ~~الدنيا من الكفر والمعاصي {ويستنبئونك} أي: يستخبرونك يا محمد {أحق هو} أي: ~~ما وعدتنا به من نزول العذاب وقيام الساعة وهو استفهام على جهة الإنكار ~~والاستهزاء، قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة {قل} لهم في جوابهم {إي وربي إنه ~~لحق} أي: كائن ثابت لا بد من نزوله بكم. # تنبيه: أي: بمعنى نعم وهو من لوازم القسم، ولذلك توصل بواوه في التصديق ~~فيقال: إي والله، ولا ينطقون به وحده. {وما أنتم بمعجزين} أي: بفائتين ~~العذاب؛ لأن من عجز عن شيء فقد فاته. # {ولو أن لكل نفس ظلمت} أي: أشركت {ما في الأرض} من الأموال {لافتدت به} ~~من عذاب يوم القيامة ولم ينفعها الفداء لقوله تعالى {ولا يؤخذ منها عدل ولا ~~هم ينصرون} (البقرة، 48) . {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} أي: حين ~~عاينوه وأبصروه صاروا مبهوتين متحيرين فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا سوى ~~إسرار الندم كالحال فيمن ذهب به ليصلب؛ فإنه يبقى مبهوتا متحيرا لا ينطق ~~بكلمة. وقيل: إنهم أخلصوا لله في تلك الندامة، # PageV02P024 # ومن أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم؛ لأنهم إنما أتوا بهذا ~~الإخلاص في غير وقته، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا ~~وقت التكليف، وقيل: المراد بالإسرار الإظهار، وهو من الأضداد؛ لأنهم ms1139 إنما ~~أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة، وفي القيامة ~~بطل هذا فوجب الإظهار وليس هناك تخلد. فإن قيل: أسروا جاء على لفظ الماضي ~~والقيامة من الأمور المستقبلة أجيب: بأنها لما كانت واجبة الوقوع جعل الله ~~مستقبلها كالماضي. {وقضي بينهم} أي: بين الخلائق {بالقسط} أي: بالعدل {وهم ~~لا يظلمون} . # فإن قيل: هذه الآية مكررة؟ أجيب: بأن الأولى في القضاء بين الأنبياء ~~وتكذيبهم وهذه عامة. وقيل: بين المؤمنين والكفار. وقيل: بين الرؤساء ~~والأتباع، فإن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فلا بد أن يقضي الله تعالى ~~بينهم؛ لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضا في الدنيا وخانه، فيكون في ~~ذلك القضاء تخفيف عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب الباقين؛ لأن العدل يقتضي أن ~~ينصف المظلومين من الظالمين، ولا سبيل إليه إلا أن يخفف من عذاب المظلومين، ~~ويثقل في عذاب الظالمين. وقوله تعالى: # u # {ألا إن لله ما في السموات والأرض} تقرير لقدرته تعالى على الإثابة ~~والعقاب {ألا إن وعد الله} أي: ما وعد به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ~~من البعث للجزاء ومن ثواب الطائع وعقاب العاصي {حق} لا شك فيه {ولكن ~~أكثرهم} أي: الناس {لا يعلمون} أي: جاهلون عن حقيقة ذلك فهم باقون على ~~الجهل معدودون مع البهائم لقصور عقلهم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. # {هو} أي: الذي يملك ما في السموات والأرض {يحيي ويميت} أي: قادر على ~~الإحياء والإماتة لا يتعذر عليه شيء مما أراد {وإليه ترجعون} بعد الموت ~~للجزاء وقوله تعالى: {يا أيها الناس} خطاب عام. وقيل: لأهل مكة {قد جاءتكم ~~موعظة من ربكم} أي: كتاب فيه ما لكم وعليكم وهو القرآن {وشفاء} أي: دواء ~~{لما في الصدور} أي: القلوب من داء الجهل؛ لأن داء الجهل أضر للقلب من ~~المرض للبدن، وأمراض القلب هي الأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة والجهالات ~~المهلكة، والقرآن مزيل لهذه الأمراض كلها؛ لأن فيه المواعظ والزواجر ~~والتخويف والترغيب والترهيب والتحذير والتذكير، فهو الشفاء لهذه الأمراض ~~القلبية، وإنما خص تعالى الصدر بالذكر؛ ms1140 لأنه موضع القلب وغيره وهو أعز موضع ~~في الإنسان لمكان القلب فيه {وهدى} من الضلالة {ورحمة} أي: إكرام عظيم ~~{للمؤمنين} لأنهم هم الذين انتفعوا به دون غيرهم. واختلف في تفسيره قوله ~~تعالى: # {قل بفضل الله وبرحمته} فقال مجاهد وقتادة: فضل الله: القرآن، ورحمته: ان ~~جعلنا من أهله. وقال ابن عباس والحسن: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن. ~~وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا {قل بفضل الله ~~وبرحمته} فقال: «بكتاب الله والإسلام» . وقال ابن عمر: فضل الله: الإسلام، ~~ورحمته: تزيينه في قلوبنا. وقيل: فضل الله: الإسلام، ورحمته: الجنة. وقيل: ~~فضل الله: القرآن، ورحمته: السنن. ولا مانع من أن نفسر الآية بجميع ذلك إذ ~~لا تنافي بين هذه الأقوال. والباء في بفضل الله وبرحمته متعلقة بمحذوف ~~يفسره ما بعده تقديره: قل فليفرحوا بفضل الله وبرحمته. {فبذلك فليفرحوا} ~~والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب # PageV02P025 # اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد ~~المفعولين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن ~~فرحوا بشيء فليفرحوا بهما. فإنه لا مفروح به أحق منهما. {هو} أي: المحدث ~~عنه من الفضل والرحمة {خير مما يجمعون} أي: من حطام الدنيا ولذاتها ~~الفانية. وقرأ ابن عامر بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة. # {قل} يا محمد لكفار مكة {أرأيتم} أي: أخبروني {ما أنزل} أي: خلق {الله ~~لكم من رزق} وأنه تعالى جعل الرزق منزلا؛ لأنه مقدر في السماء يحصل بأسباب ~~منها {فجعلتم منه} أي: من ذلك الرزق {حراما وحلالا} وهو مثل ما ذكروه من ~~تحريم السائبة والوصيلة والحام، ومثل قولهم: هذه أنعام وحرث حجر. ومثل ~~قولهم: هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا. ومثل قولهم: ثمانية ~~أزواج من الضأن اثنين {قل} لهم يا محمد {ءآلله أذن لكم} في هذا التحريم ~~والتحليل {أم} أي: بل {على الله تفترون} أي: تكذبون على الله بنسبة ذلك ~~إليه # {وما ظن الذين يفترون} أي: يتعمدون {على الله الكذب} أي: أي شيء ظنهم به ~~{يوم القيامة} ms1141 أيحسبون أن لا يؤاخذهم ولا يجازيهم على أعمالهم؟ فهو استفهام ~~بمعنى التوبيخ والتقريع والتهديد والوعيد العظيم لمن يفتري على الله الكذب ~~{إن الله لذو فضل على الناس} بنعم كثيرة لا تحصى منها: إنزال الكتب مفصلا، ~~فيها ما يرضيه وما يسخطه، ومنها: إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام لبيانها ~~بما يحتمله عقول الخلق منها، ومنها: طول إمهالهم على سوء أفعالهم، ومنها: ~~إنعامه عليهم بالعقل، فكان شكره واجبا عليهم {ولكن أكثرهم} أي: الناس {لا ~~يشكرون} هذه النعم ولا يستعملون العقل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة ~~أنبيائه، ولا ينتفعون باستماع كتب الله، وقوله تعالى: # {وما تكون} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {في شأن} أي: عمل من الأعمال ~~وجمعه شؤون، والضمير في قوله تعالى: {وما تتلو منه} إما للشأن؛ لأن تلاوة ~~القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو معظم شأنه، وإما ~~للتنزيل كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل {من قرآن} لأن كل جزء منه قرآن، ~~والإضمار قبل الذكر تفخيم له، وإما لله تعالى، والمعنى: وما تتلو من الله ~~من قرآن نازل عليك، وقوله تعالى {ولا تعملون من عمل} أي: أي عمل كان تعميم ~~للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رئيسهم وهو النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك ذكر ~~حيث خص بما فيه فخامة وهو الشأن، وذكر حيث عم بقوله تعالى: من عمل، بما ~~يتناول الجليل والحقير، وقيل: إن الكل داخلون في الخطابين الأولين أيضا؛ ~~لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب، ~~كما في قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} (الطلاق، 1) . # {إلا كنا عليكم شهودا} أي: رقباء نحصي عليكم أعمالكم؛ لأن الله تعالى ~~رقيب على كل شيء وعالم بكل شيء إذ لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله ~~تعالى، فكل ما يدخل في الوجود هنا من أحوال العباد وأعمالهم الظاهرة ~~والباطنة داخل في علمه وشاهد عليه {إذ تفيضون} أي: الله شاهد عليكم حين ~~تدخلون وتخوضون {فيه} أي: ذلك العمل. ms1142 وقيل: الإفاضة الدفع بكثرة. وقال ~~الزجاج: إذ تنتشرون فيه، يقال: أفاض القوم في الحديث إذا انتشروا فيه {وما ~~يعزب} أي: يغيب {عن ربك} يا محمد # PageV02P026 # {من مثقال} أي: وزن {ذرة} وهي النملة الحمراء الصغيرة خفيفة الوزن جدا. ~~وقيل: المراد بها الهباء وهو الشيء المنبث الذي تراه في البيت في ضوء ~~الشمس. وقرأ الكسائي بكسر الزاي والباقون بالضم، ومن صلة على القراءتين، ~~وإنما قيد بقوله تعالى: {في الأرض ولا في السماء} تقريبا لعقول العامة. فإن ~~قيل: لم قدم ذكر الأرض على السماء، وقدم ذكر السماء على الأرض في سورة سبأ ~~حيث قال تعالى: {ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} فما ~~فائدة ذلك؟ أجيب: بأن الكلام هنا في حال أهلها، والمقصود منه هو البرهان ~~على إحاطة علمه، على أن العطف بالواو حكمه حكم التثنية {ولا أصغر من ذلك} ~~أي: الذرة {ولا أكبر} أي: منها {إلا في كتاب مبين} أي: بين وهو اللوح ~~المحفوظ. وقرأ حمزة برفع الراء من أصغر وأكبر على الابتداء والخبر، ~~والباقون بالنصب على أن ذلك اسم لا وفي كتاب خبرها # {ألا إن أولياء الله} أي: الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة {لا ~~خوف عليهم} من لحوق مكروه {ولا هم يحزنون} بفوات مأمول، وفسرهم بقوله ~~تعالى: # {الذين آمنوا وكانوا يتقون} الله بامتثال أمره ونهيه، وهذا الذي فسر الله ~~تعالى به الأولياء لا مزيد عليه. وعن علي رضي الله عنه: هم قوم صفر الوجوه ~~من السهر، عمش العيون من العبر، خمص البطون من الخوا. وعن سعيد بن جبير أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أولياء الله تعالى؟ فقال: «هم الذين ~~يذكر الله برؤيتهم» يعني السمت والهيئة. وعن ابن عباس: الإخبات والسكينة. ~~وعن عمر رضي الله تعالى عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ~~من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم ~~القيامة لمكانهم من الله، قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم؟ وما أعمالهم؟ ~~فلعلنا نحبهم، قال: ms1143 هم قوم تحابوا في الله بغير أرحام بينهم ولا أموال ~~يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا ~~خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ الآية. ونقل النووي في مقدمة ~~«شرح المهذب» عن الإمامين الشافعي وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما أن كلا ~~منهما قال: إذا لم تكن العلماء أولياء لله فليس لله ولي. وذلك في العالم ~~العامل بعلمه. وقال القشيري: من شرط الولي أن يكون محفوظا كما أن من شرط ~~النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخادع. ~~فالولي هو الذي توالت أفعاله على الموافقة. ولما نفى الله عنهم الخوف ~~والحزن زادهم فقال تعالى مبينا لتوليته لهم بعد أن شرع بتوليتهم له: # {لهم البشرى} أي: الكاملة {في الحياة الدنيا وفي الآخرة} أما البشرى في ~~الدنيا ففسرت بأشياء منها: الرؤيا الصالحة، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: «البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» . وقال صلى الله ~~عليه وسلم «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» وقال: «الرؤيا الصالحة من الله، ~~والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليتعوذ منه وليبصق عن شماله ~~ثلاث مرات فإنه لا يضره» . وقال: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا ~~من النبوة» ومنها: محبة الناس له، وذكرهم إياه في الثناء الحسن. وعن أبي ذر ~~قال: قلت: يا رسول الله، إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس فقال: «تلك ~~عاجل بشرى المؤمن» . ومنها: البشرى لهم عند الموت، قال تعالى: {تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة} (فصلت، 30) . وأما البشرى ~~في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وما يرونه ~~من بياض وجوههم، وإعطاء الصحائف بأيمانهم، وما يقرؤون منها، وسلام الله ~~تعالى عليهم كما قال تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} (يس، 58) وغير ذلك من ~~المبشرات بما بشر الله تعالى به عباده المتقين في كتابه، وعلى ألسنة ~~أنبيائه من جنته وكريم ثوابه، فإن لفظ البشارة مشتق من خبر سار ms1144 يظهر أثره ~~في بشرة الوجه، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية، ثم إنه تعالى لما ذكر ~~صفة أوليائه وشرح أحوالهم قال تعالى: {لا تبديل} أي: بوجه من الوجوه ~~{لكلمات الله} أي: لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده، والكلمة والقول ~~سواء، ونظيره قوله تعالى: {ما يبدل القول لدي} (ق، 29) . وقوله تعالى: ~~{ذلك} إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين {هو الفوز العظيم} هذه الجملة ~~والتي قبلها اعتراض لتحقق المبشر به وتعظيم شأنه، وليس من شرطه أن يقع بعده ~~كلام يتصل بما قبله. # {ولا يحزنك} يا محمد {قولهم} أي: هؤلاء المشركين، أي: لا يغمك تكذيبهم ~~وتهديدهم وتشويرهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وسائر ما يتكلمون به في ~~شأنك. وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، والباقون بفتح الياء وضم ~~الزاي وكلاهما بمعنى. وقوله تعالى: {إن العزة} أي: القوة {لله جميعا} ~~استئناف بمعنى التعليل، كأنه قيل: ما لي لا أحزن فقيل إن العزة لله جميعا،، ~~أي: أن الغلبة والقهر في مملكة الله لله جميعا، لا يملك أحد شيئا منها لا ~~هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك عليهم. قال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي} (المجادلة، 21) . وقال تعالى: {إنا لننصر رسلنا} (غافر، 51) . # وقيل: إن المشركين كانوا يتعززون بكثرة أموالهم وأولادهم وعبيدهم، فأخبر ~~الله تعالى أن جميع ذلك في ملكه فهو قادر على أن يسلب جميع ذلك ويذلهم بعد ~~العز {هو السميع} أي: البليغ السمع لأقوالهم {العليم} أي: المحيط العلم ~~بضمائرهم وجميع أحوالهم فهو البالغ القدرة على كل شيء فيجازيهم، وهو تعليل ~~لتفرده بالعزة؛ لأنه تفرد بهذين الوصفين فانتفيا عن غيره، ومن انتفيا عنه ~~كان دون الحيوانات العجم فأنى يكون له عزة؟ فإن قيل: قوله تعالى: {إن العزة ~~لله جميعا} يضاد قوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} (المنافقون، ~~8) أجيب: بالمنع لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله. # {ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض} ملكا وخلقا. فإن قيل: قد ذكر ~~الله تعالى في الآية المتقدمة {ألا إن لله ما في ms1145 السموات والأرض} بلفظ ما ~~وقال هنا بلفظ من فما فائدة ذلك؟ أجيب: بأنه تعالى غلب في الآية الأولى ما ~~لا يعقل على من يعقل لكثرته، وفي هذه غلب العاقل على غيره لشرفه، وقيل: ~~مجموع الآيتين دال على أن الكل خلقه وملكه، وقيل: إن المراد بمن في السموات ~~الملائكة، وبمن في الأرض الثقلان، وإنما خصهم بالذكر لشرفهم، وإذا كان ~~هؤلاء في ملكه وتحت قهره فما لا يعقل منها أحق أن لا يكون له ندا وشريكا ~~فهو كالدليل على قوله تعالى: {وما يتبع الذين يدعون} أي: يعبدون {من دون ~~الله} أي: غيره أصناما {شركاء} على الحقيقة وإن كانوا يسمونها شركاء تعالى ~~الله عن ذلك {إن} أي: ما {يتبعون} في ذلك {إلا الظن} أي: ظنها أنها آلهة ~~تشفع لهم وأنها تقربهم إلى الله تعالى، ثم بين تعالى أن هذا الظن لا حكم له ~~بقوله تعالى: {وإن} أي: ما {هم إلا يخرصون} أي: يكذبون في ذلك، ويجوز # PageV02P028 # أن يكون وما يتبع في معنى الاستفهام، أي: وأي شيء يتبعون، وشركاء على هذا ~~نصب بيدعون، وعلى الأول بيتبع، وكان حقه {وما يتبع الذين يدعون من دون الله ~~شركاء} شركاء فاقتصر على أحدهما للدلالة وقوله تعالى: # {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} أي: ليزول عنكم التعب والكلال فيه ~~بما تقاسون في نهاركم من تعب التردد في المعاش {والنهار مبصرا} أي: مضيئا ~~تبصرون فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم تنبيه على كمال قدرته وعظيم نعمته ~~المتوحد هو بهما ليدلهم على تفرده باستحقاق العبادة. وإضافة الإبصار إلى ~~النهار مع أنه يبصر فيه على طريق نقل الاسم من المسبب إلى السبب، كقولهم ~~ليل نائم؛ لأن الليل سبب للسكون. قال قطرب: تقول العرب: أظلم الليل، أي: ~~صار ذا ظلمة، وأضاء النهار، أي: صار ذا ضياء. {إن في ذلك} المذكور {لآيات} ~~أي: دلالات على وحدانيته تعالى {لقوم يسمعون} سماع اعتبار وتدبر فيعلمون ~~بذلك أن الذي خلق الأشياء كلها هو الإله المعبود المتفرد بالوحدانية في ~~الوجود، ثم ذكر الله تعالى نوعا من أباطيل الكفار ms1146 بقوله تعالى: # {قالوا} أي: اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله {اتخذ الله ~~ولدا} قال الله تعالى: {سبحانه} أي: تنزيها له عن الولد {هو الغني} عن كل ~~أحد، وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه، ثم بين تعالى غناه بقوله تعالى: {له ~~ما في السموات وما في الأرض} من ناطق وصامت ملكا وخلقا، ولما بين تعالى ~~بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه عطف بالإنكار والتوبيخ فقال: {إن} ~~أي: ما {عندكم من سلطان} أي: حجة {بهذا} أي: الذي تقولونه، ثم بالغ تعالى ~~في ذلك الإنكار عليهم بقوله تعالى: {أتقولون على الله ما لا تعلمون} حقيقته ~~وصحته، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه تعالى جهلا منكم، والاستفهام ~~للتوبيخ. # {قل} يا محمد لهؤلاء الذين يختلقون على الله الكذب فيقولون عليه الباطل ~~ويزعمون أن له ولدا {إن الذين يفترون} أي: يتعمدون {على الله الكذب لا ~~يفلحون} أي: لا ينجحون في سعيهم ولا يفوزون بمطلوبهم بل خابوا وخسروا، ~~فإنهم لا ينجون من النار ولا يفوزون بالجنة، ومن الناس من إذا فاز بشيء من ~~المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة ظن أنه قد فاز بالمقصد، والله سبحانه ~~وتعالى أزال هذا الخيال بأن قال: # {متاع في الدنيا} وفيه إضمار تقديره: لهم متاع في الدنيا، على أنه مبتدأ ~~خبره محذوف، ويصح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره: افتراؤهم متاع في ~~الدنيا يقيمون به رياستهم في الكفر أو حياتهم أو تقلبهم متاع في الدنيا وهو ~~أيام يسيرة بالنسبة إلى طول بقائهم في العذاب {ثم إلينا مرجعهم} بالموت {ثم ~~نذيقهم العذاب الشديد} بعد الموت {بما} أي: بسبب ما {كانوا يكفرون} ولما ~~ذكر سبحانه وتعالى في هذه السورة من أحوال كفار قريش وما كانوا عليه من ~~الكفر والعناد شرع بعد ذلك في قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم وذكر الله ~~تعالى منهم في هذه السورة ثلاث قصص: # القصة الأولى: قصة نوح عليه السلام المذكورة بقوله تعالى: # {واتل} يا محمد {عليهم} أي: كفار قريش {نبأ} أي: خبر {نوح} وذلك ليكون ~~لرسول الله ms1147 صلى الله عليه وسلم ولأصحابه أسوة ممن سلف من الأنبياء، فإنه ~~كان صلى الله عليه وسلم إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كان ~~إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة # PageV02P029 # إذا عمت خفت، ولأن الكفار إذا سمعوا هذه القصص، وعلموا أن الجهال وإن ~~بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين، إلا أن الله تعالى أعلنهم بالآخرة ~~ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم؛ كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سببا ~~لانكسار قلوبهم ووقوع الخوف والوجل في صدورهم، ولأن الكلام إذا طال تقريرا ~~في نوع من أنواع العلوم فربما حصل نوع من أنواع الملالة، فإذا انتقل ~~الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر شرح صدره، وطاب قلبه، ووجد في ~~نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة وميلا قويا؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم لما لم ~~يتعلم علما ولم يطالع كتابا ثم ذكر هذه القصص من غير تفاوت، ومن غير زيادة، ~~ومن غير نقصان؛ دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عرفها بالوحي ~~والتنزيل ويبدل من نبأ نوح {إذ قال لقومه} وهم بنو قابيل {يا قوم إن كان ~~كبر} أي: شق وعظم {عليكم مقامي} أي: لبثي فيكم ألف سنة إلا خمسين عاما ~~{وتذكيري} أي: وعظي إياكم {بآيات الله} أي: بحجته وبيناته، فعزمتم على قتلي ~~وطردي {فعلى الله توكلت} أي: فهو حسبي وثقتي أو قيامي على الدعوة؛ لأنهم ~~كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم بينا، ~~وكلامهم مسموعا كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائما ~~وهم قعود. # فأجمعوا أمركم} أي: فاعزموا على أمر تفعلونه في أذاي بالإهلاك أو غيره ~~{وشركاءكم} أي: وادعو شركاءكم أو الواو وبمعنى مع، أي: مع شركائكم وهي ~~الأصنام، وإنما حثهم على الاستعانة بها بناء على مذهبهم الفاسد، واعتقادهم ~~أنها تضر وتنفع مع اعتقاده أنها جماد لا تضر ولا تنفع تبكيتا وتوبيخا لهم. ~~{ثم لا يكن أمركم} أي: الذي تقصدوني به {عليكم غمة} أي: مستورا من غمه ms1148 إذا ~~ستره، بل أظهروه وجاهروني مجاهرة، فإنه لا معارضة لي بغير الله الذي يستوي ~~عنده السر والجهر {ثم اقضوا إلي} أي: امضوا ما في أنفسكم وافرغوا منه، ~~يقال: قضى فلان إذا مات، ومضى وقضى دينه إذا فرغ منه. وقيل: معناه توجهوا ~~إلي بالقتل والمكروه. وقيل: فاقضوا ما أنتم قاضون، وهذا مثل قول السحرة ~~لفرعون: {فاقض ما أنت قاض} أي: اعمل ما أنت عامل. {ولا تنظرون} أي: ولا ~~تؤخرون بعد إعلامكم إياي ما أنتم عليه، وإنما قال ذلك إظهارا لقلة مبالاته ~~وثقته بما وعده ربه من كلامه وعصمته، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا {فإن ~~توليتم} أي: أعرضتم عن تذكيري {فما سألتكم من أجر} أي: من جعل وعوض على ~~تبليغ الرسالة، فينفركم عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم، وطلب أجر ~~على عظتكم، ومتى كان الإنسان فارغا عن الطمع كان قوله أقوى تأثيرا في القلب ~~{إن أجري إلا على الله} وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة، أي: ما ~~أنصحكم إلا لوجه الله تعالى لا لغرض من أغراض الدنيا. وهكذا ينبغي لكل من ~~ينفع الناس بعلم أو إرشاد إلى طريق الله تعالى {وأمرت أن أكون من المسلمين} ~~أي: إني مأمور بالاستسلام لكل مكروه يصل إلي منكم لأجل هذه الدعوة، وقيل: ~~بدين الإسلام وأنا ماض فيه غير تارك له قبلتموه أو لم تقبلوه. # {فكذبوه} أي: أصروا على تكذيبه، بعدما ألزمهم الحجة، وبين أن توليتهم ~~ليست إلا لعنادهم وتمردهم لا جرم حقت عليهم كلمة العذاب {فنجيناه} من الغرق ~~{ومن معه في الفلك} أي: السفينة وكانوا ثمانين # PageV02P030 # {وجعلناهم} أي: الذين أنجيناهم معه في الفلك {خلائف} في الأرض يخلقون ~~الهالكين بالغرق {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان، وقوله تعالى: ~~{فانظر} أي: أيها الإنسان أو يا محمد {كيف كان عاقبة المنذرين} تعظيم لما ~~جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثله وتسلية ~~له، وهذه القصة إذا سمعها من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ومن كذب به كان ~~زجرا للمكلفين من حيث يخافون ms1149 أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح، وتكون داعية ~~للمؤمنين على الثبات على الإيمان ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح، وهذه ~~الطريقة في الترغيب والتحذيرإذا جرت على سبيل الحكاية عمن تقدم كانت أبلغ ~~من الوعيد المبتدأ، ولهذا الوجه أكثر تعالى ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم ~~السلام. # {ثم بعثنا من بعده} أي: نوح {رسلا إلى قومهم} لم يسم هنا تعالى من كان ~~بعد نوح من الرسل، وقد كان بعده هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوت الله ~~وسلامه عليهم. {فجاؤوهم بالبينات} أي: بالمعجزات الواضحات التي تدل على ~~صدقهم. {فما كانوا ليؤمنوا} أي: فما استقام لهم أن يؤمنوا لشده عنادهم ~~وخذلان الله تعالى إياهم {بما} أي: بسبب ما {كذبوا به من قبل} أي: أنهم ~~كانوا قبل بعثة الرسل إليهم أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين ~~حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد {كذلك} أي: مثل ما ~~طبعنا على هؤلاء بسبب تكذيبهم الرسل {نطبع} أي: نختم {على قلوب المعتدين} ~~في كل زمن لكل من تعمد العدول فيما لا يحل له، فلا يقبل الإيمان لانهماكهم ~~في الضلال واتباعهم المألوف. وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة ~~بقدرة الله تعالى وكسب العبد. # القصة الثانية: قصة موسى عليه السلام المذكورة بقوله تعالى: # {ثم بعثنا من بعدهم} أي: هؤلاء الرسل {موسى وهارون إلى فرعون وملئه} أي: ~~أشراف قومه وغيرهم تبع لهم، فهو مرسل إلى الجميع {بآياتنا} التسع ~~{فاستكبروا} عن اتباعها والإيمان بها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد ~~برسالة ربهم بعد تبيينها ويتعظموا عن قبولها {وكانوا قوما مجرمين} أي: ~~كفارا ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترؤوا عن ردها. # {فلما جاءهم الحق} أي: جاء فرعون وقومه {من عندنا} أي: الذي جاء به موسى ~~من عند ربه، وعرفوا أنه ليس من عند موسى وهارون لتظاهر المعجزات الظاهرات ~~المزيحة للشك {قالوا} أي: غير متأملين له ولا ناظرين في أمره لفرط تمردهم ~~{إن هذا لسحر مبين} أي: بين ظاهر يعرفه كل أحد، وهم ms1150 يعلمون أن الحق أبعد ~~شيء من السحر الذي لا يظهر إلا على كافر أو فاسق، وقوله تعالى: # {قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا} فيه حذف تقديره: أتقولون ~~للحق لما جاءكم هو سحر أسحر هذا، فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام ~~عليه، ثم قال أسحر هذا؟ وهو استفهام على سبيل الإنكار بمعنى أنه ليس بسحر، ~~ثم احتج على صحة قوله تعالى فقال: {ولا يفلح الساحرون} فإنه لو كان سحرا ~~لاضمحل ولم يبطل سحر السحرة، فقلب العصا حية، وفلق البحر معلوم بالضرورة ~~أنه ليس من باب التمويه والتخييل، فثبت أنه ليس بسحر {قالوا} أي: قوم فرعون ~~لموسى {أجئتنا لتلفتنا} أي: لتردنا وتصرفنا واللفت والفتل أخوان {عما وجدنا ~~عليه آباءنا} أي: من الدين وعبادة الأصنام، # PageV02P031 # ثم قالوا لموسى وهارون {وتكون لكما الكبرياء} أي: الملك والعز {في الأرض} ~~أي: أرض مصر. قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر ~~الدنيا، وأيضا الملوك موصوفون بالكبر، ولهذا وصف ابن الرقيات مصعبا في ~~قوله: # *ملكه ملك رأفة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء # ينفي ما عليه الملوك من ذلك، ويجوز أن يقصدوا بذلك ذمهما، وأنهما إن ملكا ~~أرض مصر تجبرا وتكبرا، كما قال القبطي لموسى عليه السلام: {إن تريد إلا أن ~~تكون جبارا في الأرض} (القصص، 19) . {وما نحن لكما بمؤمنين} أي: بمصدقين ~~فيما جئتما به. {وقال فرعون} لقومه إرادة للمناظرة لما أتى به موسى عليه ~~السلام {ائتوني بكل ساحر عليم} أي: بالغ في علم السحر لئلا يفوت شيء من ~~السحر بتأخر البعض. وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بين السين والحاء، وتشديد ~~الحاء مفتوحة وألف بعدها بصيغة فعال دال على زيادة قلق فرعون، والباقون ~~بألف بعد السين وتخفيف الحاء مكسورة ولا ألف بعدها. # {فلما جاء السحرة} أي: كل من في أرض مصر، منهم قالوا لموسى: إما أن تلقي ~~وإما أن نكون نحن الملقين {قال لهم موسى ألقوا} جميع {ما أنتم ملقون} فإن ~~قيل: كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر؟ أجيب: بأنه إنما ms1151 أمرهم ~~بإلقاء ما معهم من الحبال والعصي التي معهم ليظهر للخلق، إنما أتوا به عمل ~~فاسد وسعي باطل لا على طريق أنه عليه السلام أمرهم بالسحر. # {فلما ألقوا} مامعهم من الحبال والعصي وخيلوا لسحرهم أعين الناس أنها ~~تسعى {قال موسى} منكرا عليهم {ماجئتم به السحر} قرأه أبو عمرو بهمزتين ~~الأولى همزة الاستفهام فهي مفتوحة والثانية همزة وصل، وله فيها وجهان: ~~التسهيل والبدل، فما استفهامية مبتدأ. وجئتم به خبرها، والسحر بدل منه، ~~وقرأ الباقون بهمزة وصل فتسقط في الوصل، أي: الذي جئتم به هو السحر لا ما ~~سماه فرعون وقومه سحرا، ثم أخبره موسى عليه السلام بقوله: {إن الله سيبطله} ~~أي: يهلكه ويظهر فضيحة صاحبه {إن الله لا يصلح عمل المفسدين} أي: لا يثبته ~~ولا يقويه. وقول البيضاوي: وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة ~~له محمول على ما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية وإلا فله حقيقة ~~فهو حق عند أهل السنة، وهو علم بكيفية استعدادات تقتدر بها النفوس البشرية ~~على ظهور التأثير في عالم العناصر {ويحق} أي: يثبت ويظهر {الله الحق ~~بكلماته} أي: بقضائه ووعده الصادق لموسى عليه السلام. وقد أخبر الله تعالى ~~في غير هذه السورة أنه كيف أبطل ذلك السحر، وذلك بسبب أن ذلك الثعبان قد ~~تلقف تلك الحبال والعصي {ولو كره المجرمون} . ولما بين تعالى أن قوم موسى ~~شاهدوا هذه المعجزات ومع ذلك لم يؤمن منهم إلا القليل كما قال تعالى: # {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر ~~بين تعالى أن له في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة؛ لأن الذي ظهر من موسى ~~عليه السلام من المعجزات كان أمرا عظيما، ومع ذلك فما آمن له إلا ذرية من ~~قومه، والذرية اسم يقع على القليل، من القوم. قال ابن عباس: الذرية القليل، ~~والهاء التي في قومه # PageV02P032 # راجعة إلى موسى، أي: فما آمن من قومه إلا ms1152 طائفة من ذراري بني اسرائيل، ~~كأنه قيل إلا أولاد قومه، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون، ~~وإجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف. وقيل: راجعة إلى فرعون، والذرية: ~~امرأته آسية ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه وماشطته {على خوف من ~~فرعون وملئهم} أي: خوف منه؛ لأنه كان شديد البطش، وكان قد أظهر العداوة مع ~~موسى، وإذا علم ميل القوم إلى موسى، كان يبالغ في إيذائهم، فلهذا السبب ~~كانوا خائفين منه ومن أشراف قومه، والضمير لفرعون وجمعه على ما هو المعتاد ~~في ضمير العظمة؛ لأنه ذو أصحاب يأتمرون به. وقيل: المراد بفرعون آله. كما ~~يقال ربيعة ومضر. {أن يفتنهم} أي: يصرفهم ويصدهم عن الإيمان {وإن فرعون ~~لعال} أي: متكبر قاهر {في الأرض} أي: أرض مصر {وإنه لمن المسرفين} أي: ~~المجاوزين الحد، فإنه كان من أخس العبيد وادعى الربوبية، وكان كثير القتل ~~والتعذيب لبني إسرائيل. # {وقال موسى} لقومه {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله} أي: صدقتم به وبآياته ~~{فعليه توكلوا} أي: ثقوا به واعتمدوا عليه فإنه ناصر أوليائه ومهلك أعدائه ~~{إن كنتم مسلمين} أي: مستسلمين لقضاء الله تعالى مخلصين له. وقيل: إن كنتم ~~آمنتم بالقلب وأسلمتم بالظاهر. # {فقالوا} مجيبين له {على الله توكلنا} أي: عليه اعتمدنا لا على غيره، ثم ~~دعوا ربهم فقالوا {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} أي: لا تسلطهم ~~علينا فيفتنوننا. # {ونجنا} أي: خلصنا {برحمتك من القوم الكافرين} أي: من أيدي قوم فرعون؛ ~~لأنهم كانوا يستعبدونهم ويستعملونهم في الأعمال الشاقة، وإنما قالوا ذلك ~~لأنهم كانوا مخلصين، لا جرم أن الله تعالى قبل توكلهم، وأجاب دعاءهم ~~ونجاهم، وأهلك من كانوا يخافونه، وجعلهم خلفاء في الأرض. وفي تقديم التوكل ~~على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي أن يتوكل أولا لتجاب دعوته. ولما شرح ~~الله تعالى خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر فيهم من التوكل على الله ~~تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهارون عليهما السلام باتخاذ البيوت بقوله تعالى: # {وأوحينا إلى موسى وأخيه} أي: الذي طلب مؤازرته ومعاضدته {أن ms1153 تبوأا} أي: ~~اتخذا {لقومكما بمصر بيوتا} تسكنون فيها أو ترجعون إليها للعبادة {واجعلوا} ~~أنتما وقومكما {بيوتكم} أي: تلك البيوت {قبلة} مصلى أو مساجد كما في قوله ~~تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} (النور، 36) موجهة نحو ~~القبلة، أي: الكعبة، وكان موسى عليه السلام يصلي إليها. وقرأ ورش وأبو عمرو ~~وحفص بيوتا وبيوتكم برفع الباء، والباقون بالخفض {وأقيموا الصلاة} فيها ذكر ~~المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوها ثلاثة: # الأول: أن موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن ~~يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم ويؤذوهم ويفتنوهم عن ~~دينهم كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أول الإسلام بمكة. # الثاني: أنه قيل: إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فوعون بتخريب مساجد ~~بني اسرائيل ومنعهم من الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ~~ويصلوا فيها خوفا من فرعون. # الثالث: أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة ~~أمر الله تعالى موسى # PageV02P033 # وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء، وتكفل الله تعالى بأن ~~يصونهم من شر الأعداء، وقد خص الله تعالى موسى وهارون في أول هذه الآية ~~بالخطاب بقوله تعالى: {أن تبوأا لقومكما} لأن التبوء للقوم واتخاذ المعابد ~~مما يتعاطاه رؤوس القوم للتشاور، ثم عمم هذا الخطاب فقال: واجعلوا بيوتكم ~~قبلة؛ لأن جعل البيوت مساجد وإقامة الصلاة مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم ~~خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب فقال تعالى: {وبشر المؤمنين} ~~أي: بالنصر في الدنيا والجنة في العقبى؛ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات ~~حصول هذه البشارة، فخص الله تعالى موسى بها ليدل بذلك على أن الأصل في ~~الرسالة هو موسى عليه السلام، وأن هارون عليه السلام تبع له، ثم إن موسى ~~عليه السلام لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة الظاهرة ورأى القوم مصرين ~~على الجحد والعناد والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن ~~يذكر أولا سبب إقدامه على الجرائم ms1154 وكان جرمهم هو لأجل حبهم الدنيا يزكو {و} ~~لهذا السبب {قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه} أي: أشراف قومه على ما هم ~~عليه من الكفر والكبر {زينة} أي: عظيمة يتزينون بها من الحلية واللباس ~~وغيرهما من الدواب والغلمان وأثاث البيت الفاخر ونحو ذلك. {وأموالا} أي: ~~كثيرة من الذهب والفضة وغيرهما {في الحياة الدنيا} روي عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما كان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ~~ذهب وفضة وزبرجد وياقوت، ثم بين غايتها لهم فقال مفتتحا بالنداء باسم الرب: ~~ليعيذه وأتباعه من مثل حالهم. {ربنا} أي: يا ربنا آتيتهم ذلك {ليضلوا} أي: ~~في خاصة أنفسهم ويضلوا غيرهم {عن سبيلك} أي: دينك واللام للعاقبة وهي ~~متعلقة بآتيت كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} ~~(القصص، 8) وقيل: # لام كي، أي: آتيتهم كي تفتنهم. وقيل: هو دعاء عليهم بما علم من ممارسة ~~أحوالهم أنه لا يكون غير ذلك. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء والباقون ~~بالفتح {ربنا اطمس على أموالهم} أي: امسخها وغيرها عن هيئتها. قال قتادة: ~~صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم حجارة. وقال محمد بن كعب: جعل سكرهم ~~حجارة. وقال ابن عباس: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة ~~كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا وأرباعا، ودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة ~~فيها أشياء من بقايا آل فرعون، فأخرج منها البيضة مشقوقة والجوزة مشقوقة، ~~وإنها كالحجر. قال السدي: مسخ الله تعالى أموالهم حجارة والنخيل والثمار ~~والدقيق والأطعمة فكانت إحدى الآيات التسع {واشدد على قلوبهم} أي: اطبع ~~عليها واستوثق حتى لا تنشرح للإيمان وقوله: {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم} جواب للدعاء، أو دعاء بلفظ النهي أو عطف على ليضلوا، وما بينهما ~~دعاء معترض. وقوله تعالى: {قال قد أجيبت دعوتكما} فيه وجهان: # الأول: قال ابن عباس: إن موسى كان يدعو وهارون كان يؤمن فلذلك قال: ~~دعوتكما، وذلك أن من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضا داع؛ لأن قوله ~~آمين تأويله: استجب، فهو سائل كما ms1155 أن الداعي سائل أيضا. # الثاني: أن يكون كل منها ذكر هذا. غاية ما في الباب أن يقال: إنه تعالى ~~حكى هذا الدعاء عن موسى بقوله تعالى: {وقال موسى ربنا} وهذا لا ينافي أن ~~يكون هارون قد ذكر # PageV02P034 # الدعاء أيضا. وأما قوله تعالى: {فاستقيما} فمعناه اثبتا على الدعوة ~~والرسالة والزيادة في الزام الحجة فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين ~~عاما فلا تستعجلا. قال ابن جريج: إن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة. ~~{ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} أي: الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان ~~الدعاء مجابا كان المقصود حاصلا في الحال فربما أجاب الله تعالى دعاء ~~الإنسان في مطلوبه إلا أنه إنما ربما يوصله إليه في وقته المقدور، ~~والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال، وهذا كما قال تعالى لنوح عليه الصلاة ~~والسلام: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} (هود، 46) وهذا النهي لا يدل على ~~أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام، كما أن قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن ~~عملك} (الزمر، 65) لا يدل على صدور الشرك منه صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن ~~ذكوان بتخفيف النون، والباقون بتشديدها؛ لأن نون التوكيد تثقل وتخفف. ولما ~~أجاب الله تعالى دعاءهما أمر بني اسرائيل وكانوا ستمائة ألف بالخروج من مصر ~~في الوقت المعلوم، ويسر لهم أسبابه وفرعون كان غافلا عن ذلك، فلما سمع أنهم ~~خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج في عقبهم كما قال تعالى: # {وجاوزنا} أي: قطعنا {ببني اسرائيل} أي: عبدنا المخلص لنا {البحر} حتى ~~بلغوا الشط حافظين لهم {فأتبعهم فرعون وجنوده} أي: لحقهم وأدركهم يقال: ~~تبعه وأتبعه إذا أدركه ولحقه {بغيا وعدوا} أي: ظلما وعدوانا. وقيل: بغيا في ~~القول وعدوا في الفعل، فلما أدركهم فرعون قالوا لموسى: أين المخلص والمخرج، ~~البحر أمامنا وفرعون وراءنا، قد كنا نلقى من فرعون البلاء العظيم، فأوحى ~~الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق لموسى وقومه فكان كل ~~فرق كالطود العظيم، وكشف عنه وجه الأرض، وانتشر لهم البحر، فلما ms1156 وصل فرعون ~~إلى البحر هابوا دخوله، وكان فرعون على حصان أدهم وكان معه في عسكره ~~ثمانمائة ألف حصان على لون حصانه، وميكائيل يسوقهم حتى لم يشذ منهم أحد، ~~فلما خرج آخر بني اسرائيل من البحر تقدمهم جبريل على فرس وخاض البحر، فلما ~~وجد الحصان ريح الأنثى لم يملك فرعون من أمره شيئا، فنزل البحر وأتبعه ~~جنوده، حتى إذا كملوا جميعا في البحر وهم أولهم بالخروج التطم البحر عليهم، ~~فلما أتاه الغرق أتى بكلمة الإخلاص كما قال تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق} ~~أي: لحقه {قال آمنت أنه} أي: بأنه {لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل ~~وأنا من المسلمين} . فإن قيل: إنه آمن ثلاث مرات أولها قوله: آمنت. ~~وثانيها: قوله لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل. وثالثها: قوله وأنا من ~~المسلمين. فما السبب في عدم القبول؟ أجاب: العلماء عن ذلك بأجوبة منها: أنه ~~إنما آمن عند نزول العذاب، والإيمان والتوبة عند معاينة الملائكة والعذاب ~~غير مقبول، ويدل عليه قوله تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} ~~(غافر، 85) ودس جبريل في فيه من حما البحر مخافة أن تناله الرحمة وقال له ~~{آلآن} تؤمن {وقد عصيت قبل} وضيعت التوبة في وقتها وآثرت دنياك الفانية على ~~الآخرة الباقية {وكنت من المفسدين} بضلالك وإضلالك عن الإيمان والتوبة حتى ~~أغلق بابها بحضور الموت # ومعاينة الملائكة، وإنما قال له: وكنت من المفسدين في مقابلة قوله وأنا ~~من المسلمين، ومنها أن فرعون إنما قال هذه الكلمة ليتوصل بها إلى دفع ما ~~نزل به من البلية الحاضرة، ولم يكن قصده الإقرار بوحدانية # PageV02P035 # الله تعالى والاعتراف له بالربوبية، فلم ينفعه ما قال في ذلك الوقت، ~~ومنها: أن فرعون كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع الخالق سبحانه ~~وتعالى ولذلك قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل، فلم ~~ينفعه ذلك لحصول الشك في إيمانه، ومثل هذا الاعتقاد الفاسد لا تزول ظلمته ~~إلا بنور الحجة القطعية والدلائل اليقينية. # ومنها: ما روي في بعض الكتب أن ms1157 بعض أقوام بني اسرائيل لما جاوزوا البحر ~~اشتغلوا بعبادة العجل فلما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنو اسرائيل انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت فكانت ~~هذه الكلمة في حقه سببا لزيادة الكفر، ومنها: أن الإيمان إنما كان يتم ~~بالإقرار بوحدانية الله تعالى وبالإقرار بنبوة موسى عليه السلام، وفرعون لم ~~يقر بالنبوة فلم يصح إيمانه، ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرة ~~أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمانه إلا إذا قال معه: وأشهد أن ~~محمدا رسول الله فكذا هنا. ومنها: أن جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتوى، ~~ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى ~~السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه يقول: أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد ~~الخارج عن سيده الكافر بنعمته أن يغرق في البحر، ثم أن فرعون لما غرق رفع ~~جبريل عليه السلام إليه خطه. فإن قيل: فما فائدة دس جبريل في فم فرعون ذلك؛ ~~لأنه في تلك الحالة إما أن يكون التكليف ثابتا أم لا؟ فإن كان فكيف يمنعه ~~من التوبة، وإن كان غير مكلف فلا فائدة في ذلك؟ أجيب: بأن التكليف كان ~~ثابتا وجبريل عليه السلام لم يفعل ذلك من قبل نفسه فإنه عبد مأمور، والله ~~تعالى يفعل ما يشاء كما قال تعالى: {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} ~~(فاطر، 8) . وقال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة} (الأنعام، 110) وهكذا فعل بفرعون، منعه من الإيمان عند الموت جزاء على ~~تركه الإيمان أولا، فدس الحما في فم فرعون من جنس الختم والطبع على القلب، ~~ومن الناس من قال: قائل هذا القول هو الله تعالى؛ لأنه ذكر بعده. # {فاليوم ننجيك} أي: نخرجك من البحر {ببدنك} أي: جسمك الذي لا روح فيه ~~كاملا سويا لم يتغير، أو نخرجك من البحر عريانا من غير لباس، أو أن المراد ~~بالبدن الدرع. قال الليث: البدن ms1158 هو الدرع الذي يكون قصير الكمين، وهذا ~~منقول عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف، به فأخرجه الله تعالى من ~~الماء مع ذلك الدرع ليعرف {لتكون لمن خلفك} أي: بعدك {آية} أي: عبرة ~~فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك. وعن ابن عباس: أن بعض بني ~~اسرائيل شكوا في موته، فأخرج لهم ليروه ويشاهده الخلق على ذلك الذل ~~والمهانة بعدما سمعوا منه قوله: {أنا ربكم الأعلى} ليعلموا أن دعواه كانت ~~باطلة، وأن ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك آل أمره إلى ما يرون ~~لعصيانه ربه {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} أي: لا يعتبرون بها، ~~وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى، ولكن القول الأول أشهر. # {ولقد بوأنا} أي: أنزلنا {بني اسرائيل مبوأ صدق} أي: منزلا صالحا مرضيا ~~وهو مصر والشام، وإنما وصف المكان بالصدق؛ لأن عادة العرب إذا مدحت شيئا ~~أضافته إلى الصدق، تقول العرب: هذا رجل صدق وقدم صدق، والسبب فيه أن الشيء ~~إذا كان كاملا صالحا لا بد أن يصدق الظن فيه. وقيل: أرض # PageV02P036 # الشام والفرس والأردن؛ لأنها بلاد الخصب والخير والبركة {ورزقناهم من ~~الطيبات} أي: الحلالات المستلذات من الفواكه والحبوب والألبان والأعسال ~~وغيرها، فأورث تعالى بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه من ~~الناطق والصامت والحرث والنسل كما قال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها} (الأعراف/ 137) .v # {فما اختلفوا} أي: هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني اسرائيل في ~~أمر دينهم {حتى جاءهم العلم} أي: جاءهم ما كانوا به عالمين، وذلك أنهم ~~كانوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم مقرين به مجمعين على نبوته غير ~~مختلفين فيه لما يجدونه مكتوبا عندهم، وكانوا يخبرون بمبعثه وصفته ونعته ~~ويفتخرون بذلك على المشركين، فلما بعث صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه، ~~فآمن به بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، وكفر به بعضهم بغيا وحسدا ~~وإيثارا لبقاء الرياسة، وأنهم ما اختلفوا في دينهم إلا من بعد ما ms1159 قرؤوا ~~التوراة وعلموا أحكامها {إن ربك} يا محمد {يقضي بينهم يوم القيامة} أي: ~~الذي هو أعظم الأيام {فيما كانوا} أي: بأفعالهم الجبلية {فيه يختلفون} أي: ~~فيتميز الحق من الباطل والصديق من الزنديق ويسكن كلا داره، واختلف المفسرون ~~فيمن المخاطب بقوله تعالى: # {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب} أي: التوراة ~~{من قبلك} أي: فإنه ثابت عندهم يخبرونك بصدقه، فقيل: هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الظاهر، والمراد أمته كقوله تعالى: {يا أيها النبي اتق الله ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين} (الأحزاب، 1) وقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن ~~عملك} (الزمر، 46) . وقوله تعالى لعيسى عليه السلام: {أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} (المائدة، 116) ومن الأمثلة المشهورة: ~~إياك أعني واسمعي يا جارة، والذي يدل على صحة ذلك وجوه: الأول: قوله تعالى ~~في آخر السورة: {يا أيها الناس} فبين أن ذلك المذكور في أول الآية على سبيل ~~الرمز هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح. الثاني: أنه صلى الله ~~عليه وسلم لو كان شاكا في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى، وهذا يوجب ~~سقوط الشريعة بالكلية، الثالث: إذا قدر أن يكون شاكا في نبوة نفسه، فكيف ~~يزول ذلك الشك بإخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في الأكثر كفار؟ فثبت أن ~~الخطاب وإن كان في الظاهر معه صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد هو الأمة، ~~ومثل هذا معتاد فإن السلطان إذا كان له أمير وتحت راية ذلك الأمير جمع، ~~فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه عليهم بل يوجه ذلك ~~الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميرا عليهم ليكون ذلك أشد تأثيرا في ~~قلوبهم، وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على حقيقته ولكن الله تعالى ~~علم أنه صلى الله عليه وسلم لا يشك في ذلك إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا ~~الكلام فإنه يصرح ويقول: يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل ~~أكتفي ms1160 بما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ~~«لا أشك ولا أسأل أحدا منهم» ، ونظير هذا قوله للملائكة: {أهؤلاء إياكم ~~كانوا يعبدون} (سبأ، 40) والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا سبحانك ~~أنت ولينا من # دونهم بل كانوا يعبدون الجن. وكما قال تعالى لعيسى عليه السلام: {أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين} (المائدة، 116) # PageV02P037 # والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة من ذلك فكذلك هنا. وقرأ ~~ابن كثير والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين والباقون بالهمزة وسكون ~~السين. وقيل الخطاب لكل من يسمع، أي: إن كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا ~~على لسان نبينا إليك. وفيه تنبيه على أن من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن ~~يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم، وأظهر هذه الأقوال أولها، وهذه ~~الأقوال تجري في قوله تعالى: {لقد جاءك الحق من ربك} أي: الآيات القاطعة لا ~~مدخل للمرية فيه {فلا تكونن من الممترين} أي: الشاكين فيه، وفي قوله تعالى: # {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين} أي: الذين ~~خسروا أنفسهم # {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك} أي: ثبت عليهم قوله تعالى الذي كتبه في ~~اللوح المحفوظ وأخبر به الملائكة أنهم {لا يؤمنون} أي: يموتون كفارا فلا ~~يكون غيره، إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه. # {ولو جاءتهم كل آية} فإن السبب الأصلي لإيمانهم وهو تعلق إرادة الله ~~تعالى به مفقود، فإن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى، وإذا لم تحصل ~~تلك الإعانة ضاعت تلك الدلائل {حتى يروا العذاب الأليم} فحينئذ لا ينفعهم ~~الإيمان كما لم ينفع فرعون. وقرأ نافع وابن عامر كلمات بألف بعد الميم على ~~الجمع، والباقون بغير ألف على الإفراد. # القصة الثالثة: قصة يونس عليه السلام المذكورة بقوله تعالى: # واصبر حتى يحكم الله? وهو خير الحاكمين} # {فلولا} أي: فهلا {كانت قرية} واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها ~~{آمنت} أي: آمن أهلها عند إتيان الآيات أو عند رؤية أسباب العذاب {فنفعها} ~~أي: فتسبب عن إيمانها ms1161 ذلك أنه نفعها {إيمانها} بأن تقبله الله تعالى منها ~~وكشف العذاب عنها، وقوله تعالى: {إلا قوم يونس} استثناء منقطع بمعنى لكن ~~قوم يونس {لما آمنوا} أي: لما أخلصوا الإيمان أول ما رأوا آية العذاب ولم ~~يؤخروه إلى حلوله {كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} ويجوز أن يكون ~~متصلا، والجملة في معنى النفي لتضمن حرف التحضيض معناه كأنه قيل: ما آمن ~~أهل قرية من القرى الهالكة فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس {ومتعناهم إلى حين} ~~أي: إلى انقضاء آجالهم. روي عن ابن مسعود وغيره: أن قوم يونس كانوا بأرض ~~نينوى من أرض الموصل، فأرسل الله تعالى إليهم يونس عليه السلام، يدعوهم إلى ~~الإيمان فدعاهم فأبوا فقيل له: إن العذاب مصبحهم إلى ثلاثة أيام فأخبرهم ~~بذلك فقالوا: إنا لم نجرب عليك كذبا، فانظروا فإن بات فيكم تلك الليلة فليس ~~بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم. # فلما كان في جوف تلك الليلة خرج يونس عليه السلام من بين أظهرهم، فلما ~~أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم قدر ميل. وقال وهب: غامت السماء غيما ~~عظيما، أسود هائلا يدخن دخانا عظيما فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت سطوحهم، ~~فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس بينهم فلم يجدوه، وقذف الله ~~تعالى في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وأولادهم ~~ودوابهم ولبسوا المسوح، وأظهروا الإيمان والتوبة، وأخلصوا النية، وفرقوا ~~بين كل والدة وولدها من النساء والدواب فحن بعضها إلى بعض، وعلت أصواتها ~~واختلطت بأصواتهم، وعجوا وتضرعوا إلى الله تعالى وقالوا آمنا بما جاء به ~~يونس عليه السلام، فرحمهم الله تعالى، واستجاب دعاءهم، # PageV02P038 # وكشف عنهم العذاب بعد ما أظلهم. وكل ذلك يوم عاشوراء يوم الجمعة، وعن ابن ~~مسعود رضي الله تعالى عنه بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى أن الرجل ~~كان يقلع الحجر وكان قد وضع عليه أساس بنيانه فيرده، وقيل: خرجوا إلى شيخ ~~من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال لهم: قولوا يا حي ~~حين لا حي، ويا حي ms1162 محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت. فقالوها، فكشف ~~عنهم. وعن الفضيل بن عياض: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها ~~وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله، وستأتي بقية القصة ~~إن شاء الله تعالى في سورة والصافات. # فإن قيل: قد حكى الله تعالى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل ~~توبته، وحكى عن قوم يونس أنهم آمنوا وقبل توبتهم، فما الفرق بين الحالين؟ ~~أجيب: بأن فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب وهو وقت اليأس من الحياة، أما ~~قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك، فإنهم لما ظهرت أمارات دلت على قرب العذاب ~~تابوا قبل أن ينزل بهم ولم يباشرهم، فكانوا كالمريض يخاف الموت ويرجو ~~العافية، وإن الله تعالى قد علم صدق نياتهم في التوبة فقبل توبتهم بخلاف ~~فرعون فإنه لم يصدق في إيمانه ولا أخلص فلم يقبل منه. قال الله تعالى: # {ولو شاء ربك} يا محمد {لآمن} بك وصدقك {من في الأرض كلهم} بحيث لم يشذ ~~منهم أحد {جميعا} أي: مجتمعين على ذلك في آن واحد لا يختلفون في شيء منه ~~ولكن لم يشأ أن يصدقك ويؤمن بك إلا من سبقت له السعادة في الأزل، وفي هذا ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان حريصا على إيمانهم كلهم، فأخبر ~~الله تعالى أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له السعادة الأزلية فلا تتعب نفسك ~~على إيمانهم. وهو قوله تعالى: {أفأنت تكره الناس} أي: الذين لم يرد الله ~~إيمانهم {حتى يكونوا مؤمنين} أي: ليس إيمانهم إليك حتى تكرههم عليه وتحرص ~~عليه، إنما إيمان المؤمن وإضلال الكافر بمشيئة الله تعالى وقضائه وليس لأحد ~~ذلك سواه. كما قال تعالى: {وما كان} أي: وما ينبغي وما يتأتى {لنفس} أي: ~~واحدة فما فوقها {أن تؤمن} أي: يقع منها إيمان في وقت ما {إلا بإذن الله} ~~أي: بإرادته لها بالإيمان، فإن هدايتها إلى الله فهو المهدي والمضل. # وقال ابن عباس بأمر الله. وقال عطاء: ms1163 بمشيئة الله. {ويجعل} الله {الرجس} ~~أي: العذاب والخذلان فإنه سببه. وقرأ شعبة وحده بالنون {على الذين لا ~~يعقلون} أي: لا يتدبرون في آيات الله تعالى، فينتفعوا بها وهم يدعون أنهم ~~أعقل الناس ويتساقطون في مساوئ الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها، ~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ولما بين الله تعالى في الآيات السابقة أن ~~الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته أمر بالنظر والاستدلال في ~~الدلائل بقوله تعالى: # {قل انظروا} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يسألونك الآيات {ماذا} ~~أي: الذي {في السموات والأرض} من الآيات وواضح الدلالات من عجائب صنعه ~~ليدلكم على وحدته وكمال قدرته، ففي العالم العلوي الشمس والقمر وهما دليلان ~~على الليل والنهار والنجوم وحركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها، والكواكب ~~وما يختص بذلك من المنافع، وفي العالم السفلي الجبال والبحار والمعادن ~~والنبات والحيوان، وأخصها حال الإنسان. كل ذلك من الآيات الدالة على ~~وحدانية الله تعالى، وانه خالقها، كما قال # PageV02P039 # القائل: # *وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # وقرأ عاصم وحمزة في الوصل بكسر اللام والباقون بضمها، وأما الهمزة من ~~انظروا فكل القراء يبتدؤون بالضم {وما تغني الآيات} أي: وإن كانت في غاية ~~الوضوح {والنذر} جمع نذير، أي: الرسل {عن قوم لا يؤمنون} في علم الله تعالى ~~وحكمه. # تنبيه: قال النحويون: ما هنا تحتمل وجهين الأول: أن تكون نفيا بمعنى أن ~~هذه الآيات والنذر لا تفيد الفائدة في حق من حكم الله تعالى عليه بأنه لا ~~يؤمن كقولك: لا يغني عنك المال إذا لم تنفق. والثاني: أن تكون استفهاما ~~كقولك، أي: شيء يغني عنهم، وهو استفهام بمعنى الإنكار. # {فهل} أي: ما {ينتظرون} أي: أهل مكة بتكذيبك {إلا} أياما، أي: وقائع {مثل ~~أيام} أي: وقائع {الذين خلوا من قبلهم} أي: من مكذبي الأمم كالقبط وقوم نوح ~~وما انطوى بينهما من الأمم، أي: مثل وقائعهم من العذاب {قل} أي: قل لهم يا ~~محمد {فانتظروا} أي: العذاب {إني معكم من المنتظرين} أي: لنزول العذاب بكم. ~~وقوله تعالى: ms1164 # {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا} عطف على محذوف، دل عليه قوله تعالى: {إلا ~~مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} كأنه قيل: لنهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ومن ~~آمن بهم على حكاية الأحوال الماضية. وقرأ أبو عمرو وحده بسكون السين {كذلك} ~~أي: كما نجينا رسلنا والذين آمنوا معهم من الهلاك {حقا علينا ننج المؤمنين} ~~أي: ننجيك يا محمد ومن آمن معك وصدقك من الهلاك والعذاب. فإن قيل: قوله ~~تعالى حقا يقتضي الوجوب والله تعالى لا يجب عليه شيء. أجيب: بأن ذلك حق ~~بحسب الوعد والحكم لا أنه حق بحسب الاستحقاق. لما ثبت أن العبد لا يستحق ~~على خالقه شيئا وهو اعتراض بين المشبه والمشبه به ونصب بفعله المقدر، وقيل ~~بدل من ذلك. وقرأ حفص والكسائي بسكون النون الثانية والباقون بفتحها. وأما ~~الوقف عليها فجميع القراء يقفون على الجيم؛ لأنها مرسومة في المصحف بالجيم ~~بلا ياء، فهي في القرآن وقفا ووصلا بلا ياء لجميع القراء. ولما ذكر تعالى ~~الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بإظهار دينه فقال: # {قل} يا محمد {يا أيها الناس} أي: الذين أرسلت إليهم فشكوا في أمرك ولم ~~يؤمنوا بك {إن كنتم في شك من ديني} أي: الذي أدعوكم إليه أنه حق وأصررتم ~~على ذلك وعبدتم الأصنام التي لا تضر ولا تنفع {فلا أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله} أي: غيره وهو الأصنام التي لا قدرة لها على شيء {ولكن أعبد الله ~~الذي يتوفاكم} بقبض أرواحكم التي لا شيء عندكم يعدلها، فإنه الذي يستحق ~~العبادة، وإنما خص الله تعالى هذه الصفة للتهديد. وقيل: إنهم لما استعجلوا ~~بطلب العذاب أجابهم بقوله: ولكن أعبد الله الذي هو قادر على إهلاككم ونصري ~~عليكم. {وأمرت أن} أي: بأن {أكون من المؤمنين} أي: المصدقين بما جاء من عند ~~الله. وقيل: إنه لما ذكر العبادة وهي من أعمال الجوارح أتبعها بذكر الإيمان ~~لأنه من أعمال القلوب. فإن قيل: كيف قال في شك وهم كفار يعتقدون بطلان ما ~~جاء به؟ ms1165 أجيب: بأنه كان فيهم شاكون أو أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكوا ~~في أمره صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: # {وأن أقم وجهك للدين} عطف على أن أكون، غير أن صلة # PageV02P040 # أن محكية بصيغة الأمر ولا فرق بينهما في الغرض؛ لأن المقصود وصلها بما ~~تضمن معنى المصدر ليدل معه عليه، وصيغ الأفعال كلها كذلك سواء الخبر منها ~~والطلب، والمعنى: وأمرت بالاستقامة في الدين والاستعداد فيه بأداء الفرائض ~~والانتهاء عن القبائح، أو في الصلاة باستقبال القبلة وقوله: {حنيفا} حال من ~~فاعل أقم أو من الدين أو من الوجه، ومعناه: مائلا مع الدين غير معوج عنه ~~إلى دين آخر وقوله تعالى: {ولا تكونن من المشركين} أي: ممن يشرك بالله في ~~عبادته غيره فتهلك، خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، أي: ولا ~~تكونن أيها الإنسان وكذا قوله تعالى: # {ولا تدع} أي: تعبد {من دون الله} أي: غيره {ما لا ينفعك} أي: إن عبدته ~~{ولا يضرك} إن لم تعبده {فإن فعلت} ذلك {فإنك إذا من الظالمين} لنفسك؛ لأنك ~~وضعت العبادة في غير موضعها، والظلم: وضع الشيء في غير محله، فإذا كان ما ~~سوى الحق معزولا عن التصرف كان إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعا للشيء في ~~غير موضعه فيكون ظلما. # ولما ذكر الله تعالى الأوثان وبين أنها لا تقدر على ضر ولا نفع بين تعالى ~~أنه هو القادر على كل شيء وأنه ذو الجود والكرم والرحمة بقوله تعالى: # {وإن يمسسك} أي: يصبك {الله بضر} كفقر ومرض {فلا كاشف} أي: لا دافع {له ~~إلا هو} لأنه الذي أنزله بك {وإن يردك بخير} كرخاء وصحة {فلا راد} أي: دافع ~~{لفضله} أي: الذي أرادك به {يصيب به} أي: بالخير {من يشاء من عباده وهو ~~الغفور} أي: البليغ الستر للذنوب {الرحيم} أي: البالغ في الإكرام. وقرأ أبو ~~عمرو وقالون والكسائي بسكون الهاء، والباقون بالضم، فرجح سبحانه وتعالى ~~جانب الخير على جانب الشر من ثلاثة أوجه: الأول: أنه تعالى لما ذكر إمساس ~~الضر بين أنه لا ms1166 كاشف له إلا هو، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل المضار؛ لأن ~~الاستثناء من النفي إثبات، ولما ذكر الخير لم يقل بأنه يدفعه بل قال: إنه ~~لا راد لفضله، وذلك يدل على أن الخير مطلوب بالذات وأن الشر مطلوب بالعرض ~~كما قال صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى أنه قال: «سبقت رحمتي غضبي» . ~~الثاني: أنه سبحانه وتعالى قال في صفة الخير يصيب به من يشاء من عباده، ~~وذلك يدل على أن جانب الخير أقوى وأغلب. الثالث: أنه تعالى قال {وهو الغفور ~~الرحيم} وهذا أيضا يدل على قوة جانب الرحمة. وحاصل الكلام في هذه الآية: ~~أنه سبحانه وتعالى بين أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتكوين والإبداع وأنه ~~لا موجد سواه ولا معبود إلا إياه، وأن جميع الممكنات مسندة إليه وجميع ~~الكائنات محتاجة (إليه) ، فالأيدي مرفوعة إليه، والحاجات منتهية إليه، ~~والعقول والهة فيه، والرحمة والجود فائض منه. ولما قرر تعالى الدلائل ~~المذكورة في التوحيد والنبوة والمعاد، وزين أمر هذه السورة بهذه البيانات ~~الدالة على كونه تعالى مبتدئا بالخلق والإبداع والتكوين والاختراع ختمها ~~بهذه الخاتمة الشريفة العالية لئلا يبقى لأحد عذر بقوله تعالى: # {قل} يا محمد {يا أيها الناس} أي: الذين أرسلت إليهم {قد جاءكم الحق من ~~ربكم} هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق من الله تعالى والقرآن ~~فلم يبق لكم عذر {فمن اهتدى} أي: آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وعمل بما ~~في الكتاب {فإنما يهتدي لنفسه} لأنه اتبع الحق الثابت وترك الباطل الزائل، ~~فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها # PageV02P041 # الجنة فثواب اهتدائه له {ومن ضل} أي: كفر بها أو بشيء منها {فإنما يضل ~~عليها} أي: على نفسه؛ لأن وبال ضلاله عليها؛ لأن من ترك الباقي وتمسك بما ~~ليس في يده منه شيء فقد غر نفسه. ثم قال صلى الله عليه وسلم {وما أنا عليكم ~~بوكيل} أي: حفيظ، أي: موكول إلي أمركم وإنما أنا بشير ونذير. قال ابن عباس: ~~وهذه الآية منسوخة بآية السيف. قال الله تعالى لنبيه صلى ms1167 الله عليه وسلم # {واتبع} يا محمد {ما يوحى إليك} بالامتثال والتبليغ {واصبر} أي: على ~~دعوتهم وتحمل أذيتهم {حتى يحكم الله} أي: بنصرك عليهم وإظهار دينك أو ~~بالأمر بالقتال {وهو خير الحاكمين} إذ لا يمكن الخطأ في حكمه تعالى لاطلاعه ~~على السرائر كاطلاعه على الظواهر، فحكم بقتل المشركين والجزية على أهل ~~الكتاب يعطونها عن يد وهم صاغرون. وأنشد بعضهم في الصبر: # *سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري ... وأصبر حتى يحكم الله في أمري # *سأصبر حتى يعلم الصبر أنني ... صبرت على شيء أمر من الجمر # وروي أن أبا قتادة تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة، وقد تلقته ~~الأنصار، ثم دخل المدينة فقال له: ما لك لم تتلقنا؟ قال: لم يكن عندنا ~~دواب. قال: فأين النواضح؟ قال: قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم «يا معشر الأنصار إنكم ستلقون بعدي أثرة» . قال معاوية: ~~فماذا قال؟ قال: «فاصبروا حتى تلقوني» قال: فاصبر. قال: إذا نصبر. فقال عبد ~~الرحمن بن حسان: # *ألا أبلغ معاوية بن حرب ... أمير الظالمين ثنا كلامي # *بأنا صابرون فمنظروكم ... إلى يوم التغابن والخصام # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ ~~سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق يونس وكذب به وبعدد من غرق ~~مع فرعون» حديث موضوع. ### | سورة هود # عليه السلام مكية # إلا وأقم الصلاة الآية وإلا فلعلك تارك الآية وأولئك يؤمنون به الآية ~~مائة وثنتان أو ثلاث وعشرون آية، وكلماتها ألف وسبعمائة وخمس عشرة، وحروفها ~~سبعة آلاف وستمائة وخمسة أحرف. وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول ~~الله، عجل إليك الشيب؟ قال: «شيبتني هود وأخواتها. الحاقة والواقعة وعم ~~يتساءلون هل أتاك حديث الغاشية» . # {بسم الله} أي: الذي له تمام العلم وكمال الحكمة وجميع القدرة {الرحمن} ~~لجميع خلقه بعموم البشارة والنذارة {الرحيم} لأهل ولايته بالحفظ في سلوك ~~سبيله، وقوله تعالى: # {الر كتاب} مبتدأ وخبر، أو كتاب خبر مبتدأ محذوف، وتقدم الكلام على ms1168 أوائل ~~السور أول سورة البقرة. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي ~~بالإمالة، والباقون بالفتح. وقوله تعالى: {أحكمت آياته} صفة للكتاب وفسر ~~الأحكام بوجوه: # الأول: أحكمت آياته، أي: نظمت نظما محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء ~~المحكم المرصف، ولا يعتريه إخلال من جهة اللفظ، والمعنى: ولا يستطيع أحد # PageV02P042 # نقض شيء منه ولا الطعن في شيء من بلاغته أو فصاحته. الثاني: # أن الأحكام عبارة عن منع الفساد من الشيء فقوله: أحكمت آياته، أي: لم ~~تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به كما قال ابن عباس. # الثالث: أنها أحكمت بالحجج والدلائل، أو جعلت حكيمة منقول من حكم بالضم ~~إذا صار حكيما؛ لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية وقوله ~~تعالى: {ثم فصلت} صفة أخرى للكتاب، أي: بينت بالأحكام والقصص والمواعظ ~~والأخبار، وبالإنزال نجما نجما، أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه، أو بجعلها ~~سورا. # وقال الحسن أحكمت بالأمر والنهي ثم فصلت بالوعد والوعيد. # تنبيه: معنى ثم في قوله ثم فصلت ليس للتراخي في الوقت لكن في الحال كما ~~تقول: هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل وفلان كريم الأصل ثم ~~كريم الفعل. وقوله تعالى {من لدن حكيم خبير} أي: الله تعالى صفة أخرى ~~للكتاب، والتقدير: الر كتاب من حكيم خبير أو خبر بعد خبر والتقدير: الر من ~~لدن حكيم خبير أو صلة لأحكمت وفصلت، أي: أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير. ~~وعلى هذا التقدير قد حصل بين أوائل هذه السورة وبين آخرها مناسبة لطيفة، ~~كأنه يقول تعالى: أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات ~~الأمور، وقوله تعالى: # {أن لا تعبدوا إلا الله} يحتمل وجوها: الأول: أن تكون مفعولا له ~~والتقدير: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل أن لا تعبدوا إلا الله. الثاني: ~~أن تكون مفسرة؛ لأن في تفصيل الآيات معنى القول، قال الرزاي: والحمل على ~~هذا أولى؛ لأن قوله تعالى: {وأن استغفروا} معطوف على قوله تعالى: {أن لا ~~تعبدوا} فيجب أن يكون معناه، أي: ms1169 لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفا على النهي، ~~فإن كونه بمعنى لأن لا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه. الثالث: أن يكون كلاما ~~مبتدأ منقطعا عما قبله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم إغراء منه على ~~اختصاص الله تعالى بالعبادة، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم {إنني لكم ~~منه} أي: الله {نذير} بالعقاب على الشرك {وبشير} بالثواب على التوحيد، كأنه ~~قيل ترك عبادة غير الله تعالى بمعنى اتركوها إنني لكم منه نذير وبشير كقوله ~~تعالى: {فضرب الرقاب} (محمد، 4) . # تنبيه: هذه الآية الكريمة مشتملة على أشياء مترتبة: الأول: أنه تعالى أمر ~~أن لا تعبدوا إلا الله لأن ما سواه محدث مخلوق مربوب، وإنما حصل بتكوين ~~الله وإيجاده، والعبادة عبارة عن إظهار الخضوع والخشوع ونهاية التواضع ~~والتذلل، وذلك لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن، فثبت أن عبادة ~~غير الله تعالى منكرة. المرتبة الثانية: قوله تعالى: {وأن استغفروا ربكم} ~~المرتبة الثالثة: قوله {ثم توبوا إليه} واختلفوا في بيان الفرق بين هاتين ~~المرتبتين على وجوه: الأول: أن معنى قوله {وأن استغفروا} ، أي: اطلبوا من ~~ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة. فقال: ثم ~~توبوا إليه؛ لأن الداعي إلى التوبة والمحرك عليها هو الاستغفار الذي هو ~~عبارة عن طلب المغفرة فالاستغفار مطلوب بالذات والتوبة مطلوبة لكونها من ~~مهمات الاستغفار، وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب، فلهذا السبب ~~قدم ذكر الاستغفار على التوبة. # الثاني: وأن استغفروا من الشرك والمعاصي ثم توبوا، أي: ارجعوا # PageV02P043 # إليه بالطاعة. الثالث: الاستغفار طلب من الله تعالى لإزالة ما لا ينبغي ~~والتوبة سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي فقدم الاستغفار ليدل على أن ~~المؤمن يجب عليه أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي يقدر على ~~تحصيله، ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة؛ لأنها عمل يأتي به الإنسان ويتوسل به ~~إلى دفع المكروه، والاستعانة بفضل الله تعالى تقدم على الاستعانة بسعي ~~النفس، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاثة ms1170 ذكر بعدها ما يرتب عليها ~~من الآثار المطلوبة، ومن المعلوم أن المطالب محصورة في نوعين؛ لأنه إنما ~~يكون حصولها في الدنيا أو في الآخرة أما المنافع الدنيوية فهي المرادة من ~~قوله تعالى: {يمتعكم متاعا حسنا} أي: بطيب عيش وسعة رزق {إلى أجل مسمى} وهو ~~الموت. فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة ~~الكافر» . وقال أيضا: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» ~~. وقال تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة} (الزخرف، 33) فهذه النصوص دالة على أن نصيب المشتغل ~~بالطاعات في الدنيا هو الشدة والبلية، ومقتضى هذه الآية أن نصيب المشتغل ~~بالطاعات الراحة في الدنيا فكيف الجمع بينهما؟ # أجيب: بأن المشتغل بعبادة الله ومحبته مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله ~~وفناؤه، فكلما كان امعانه في ذلك الطريق أكثر وتوغله فيه أتم كان انقطاعه ~~عن الخلق أتم وأكمل، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر كان الابتهاج ~~والسرور أكمل؛ لأنه أمن من تغير مطلوبه وأمن من زوال محبوبه، وأما من كان ~~مشتغلا بحب غير الله كان أبدا في ألم الخوف من فوات المحبوب وزواله، وكان ~~عيشه منغصا وقلبه مضطربا. ولذلك قال تعالى في صفة المشتغلين بخدمته ~~{فلنحيينه حياة طيبة} (النحل، 97) . وقيل: المراد بالمتاع الحسن: عدم ~~العذاب بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل القرى الذين كفروا. وسمى سبحانه ~~وتعالى منافع الدنيا بالمتاع لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها، ونبه تعالى ~~على كونها منقضية بقوله تعالى: {إلى أجل مسمى} فصارت هذه الآية دالة على ~~كونها حقيرة خسيسة منقضية. وأما المنافع الأخروية فقد ذكرها تعالى بقوله ~~تعالى: {ويؤت} أي: في الآخرة {كل ذي فضل} أي: في العمل {فضله} أي: جزاءه؛ ~~لأن مراتب السعادات في الآخرة مختلفة؛ لأنها متقدرة بمقدار الدرجات الحاصلة ~~في الدنيا، فلما كان الإعراض عن غير الحق والإقبال على عبودية الحق درجات ~~غير متناهية فكذلك مراتب السعادة الأخروية غير متناهية، فلهذا السبب قال ~~تعالى: ويؤت كل ذي فضل فضله. وقال ms1171 أبو العالية: من كثرت طاعاته في الدنيا ~~زادت درجاته في الآخرة. وقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل ~~الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت سيئاته وحسناته ~~كان من أهل الأعراف ثم يدخلون الجنة. وقال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت له ~~سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في ~~الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من حسناته العشر ~~واحدة وبقي له تسع حسنات، ثم يقول ابن مسعود: هلك من غلب آحاده أعشاره. ~~وقوله تعالى: {وإن تولوا} فيه حذف إحدى التاءين، أي: # وإن تعرضوا عما جئتكم به من الهدى {فإني} أي: فقل لهم إني {أخاف # PageV02P044 # عليكم عذاب يوم كبير} هو يوم القيامة وصف بالكبر كما وصف بالعظم والثقل. ~~وقيل يوم الشدائد وقد ابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف. # {إلى الله مرجعكم} أي: رجوعكم في ذلك اليوم فيثيب المحسن على إحسانه، ~~ويعاقب المسيء على إساءته {وهو على كل شيء قدير} أي: قادر على جميع ~~المقدورات لا دافع لقضائه ولا مانع لمشيئته، ومنه الثواب والعقاب، وفي ذلك ~~دلالة على قدرة عالية وجلالة عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف لهذا العبد، ~~والملك القاهر العالي إذا رأى عاجزا مشرفا على الهلاك فإنه يخلصه من ~~الهلاك، ومنه المثل المشهور: ملكت فأسحج () ، أي: فاعف، يقول مصنف هذا ~~الكتاب: قد أفنيت عمري في خدمة العلم ومطالعة الكتب ولا رجاء لي في شيء إلا ~~أني في غاية الذلة والقصور. والكريم إذا قدر عفا. فأسألك يا أكرم الأكرمين ~~وأرحم الراحمين وساتر عيوب المعيوبين أن تفيض سجال رحمتك علي وعلى والدي ~~وأولادي وإخواني وأحبابي، وأن تخصني وإياهم بالفضل والتجاوز والجود والكرم. ~~واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى: # {ألا إنهم يثنون صدورهم} فقال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن شريق وكان ~~رجلا حلو الكلام حلو المنظر يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب ~~وينطوي بقلبه على ما يكره فمعنى قوله تعالى: {يثنون صدورهم} يخفون ms1172 ما في ~~صدورهم من الشحناء والعداوة. وقال عبد الله بن شداد: نزلت في بعض المنافقين ~~كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى ~~وجهه كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: كانوا يحنون ظهورهم ~~كي لا يسمعوا كلام الله تعالى ولا ذكره. وروى البخاري عن ابن عباس أنها ~~نزلت فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء. وقيل: كان الرجل ~~من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويتغشى بثوبه ويقول: هل يعلم الله ما في ~~قلبي. وقال السدي: يثنون صدورهم: أي: يعرضون بقلوبهم من قولهم ثنيت عناني ~~{ليستخفوا منه} أي: من الله تعالى بسرهم فلا يطلع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنون عليه. وقيل: من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قيل: إنها ~~نزلت في طائفة من المشركين قالوا: إن أرخينا علينا ستورا واستغشينا ثيابا ~~وطوينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم {ألا حين يستغشون ثيابهم} أي: يأوون ~~إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم {يعلم} تعالى {ما يسرون} في قلوبهم {وما ~~يعلنون} بأفواههم، أي: أنه لا تفاوت في علمه تعالى بين إسرارهم وإعلانهم، ~~فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الإخفاء {إنه} تعالى {عليم بذات الصدور} ~~أي: بالقلوب وأحوالها. ولما أعلم تعالى ما يسرون وما يعلنون أردفه بما يدل ~~على كونه عالما بجميع المعلومات بقوله تعالى: # {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} فذكر تعالى أن رزق كل حيوان ~~إنما يصل إليه من الله تعالى، فلو لم يكن عالما بجميع المعلومات لما حصلت ~~هذه المهمات، والدابة اسم كل حيوان دب على وجه الأرض، ولا شك أن أقسام ~~الحيوانات وأنواعها كثيرة وهي الأجناس التي تكون في البر والبحر والجبال، ~~والله تعالى عالم بكيفية طباعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها ومساكنها وما ~~يوافقها ويخالفها، فالإله المدبر لأطباق السموات والأرض ولطبائع الحيوانات ~~والنبات كيف لا يكون عالما بأحوالها # PageV02P045 # روي أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأحوال أهله ~~فأمره ms1173 الله تعالى أن يضرب عصاه على صخرة، فانشقت وخرج منها صخرة ثانية، ثم ~~ضرب عصاه عليها فانشقت وخرج منها صخرة ثالثة، ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت ~~فخرجت منها دودة كالذرة وفي فيها شيء يجري مجرى الغذاء لها، ورفع الله ~~تعالى الحجاب عن سمع موسى عليه السلام فسمع أن الدودة كانت تقول: سبحان من ~~يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني. فإن قيل: إن كلمة على ~~للوجوب فيدل على أن إيصال الرزق إلى الدابة واجب على الله تعالى. أجيب: ~~بأنه تعالى إنما أتى بذلك تحقيقا لوصوله بحسب الوعد والفضل والإحسان وحملا ~~على التوكل فيه. وفي هذه الآية دليل على أن الرزق إلى كل حيوان واجب على ~~الله تعالى بحسب الوعد والله تعالى لا يخل به، ثم قد نرى أن إنسانا لا يأكل ~~من الحلال طول عمره، فلو لم يكن الحرام رزقا لكان الله تعالى ما أوصل رزقه ~~إليه فيكون الله تعالى قد أخل بالواجب، وذلك محال فعلمنا أن الحرام قد يكون ~~رزقا {ويعلم} تعالى {مستقرها} قال ابن عباس: هو المكان الذي تأوي إليه ~~وتستقر فيه ليلا ونهارا {ومستودعها} هو الذي تدفن فيه إذا ماتت. وقال عبد ~~الله بن مسعود: المستقر: أرحام الأمهات، والمستودع: المكان الذي تموت فيه. ~~وقال عطاء: المستقر: أرحام الأمهات، والمستودع: أصلاب الآباء. وقيل: # الجنة أو النار والمستودع القبر. لقوله تعالى في صفة الجنة والنار: حسنت ~~مستقرا، وساءت مستقرا ومقاما، ولا مانع أن يفسر ذلك بهذا كله {كل} أي: كل ~~واحدة من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها {في كتاب} أي: ذكرها مثبت في ~~اللوح المحفوظ {مبين} أي: بين كما قال تعالى {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين} (الأنعام، 59) . ولما أثبت تعالى بالدليل المتقدم كونه عالما ~~بالمعلومات أثبت كونه تعالى قادرا على كل المقدورات بقوله تعالى: # وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} أي: من أيام الدنيا أولها ~~الأحد وآخرها الجمعة، وتقدم الكلام على تفسير ذلك في سورة الأعراف {وكان ~~عرشه على الماء} قال كعب: خلق ياقوتة ms1174 خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ~~ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء. ~~وقال أبو بكر الأصم: ومعنى قوله تعالى: {وكان عرشه على الماء} كقولهم ~~السماء على الأرض، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر. وقال حمزة: ~~إن الله عز وجل كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وخلق القلم، فكتب ~~به ما هو خالقه، وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله تعالى ~~ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من خلقه، ففي هذا دلالة على كمال قدرته ~~تعالى؛ لأن العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء، وقد أمسكه ~~الله تعالى من غير دعامة تحته ولا علامة فوقه. وقوله تعالى {ليبلوكم} متعلق ~~بخلق، أي: خلقها وما فيها منافع لكم ومصالح ليختبركم وهو أعلم بكم منكم ~~{أيكم أحسن عملا} أي: أطوع لله وأورع عن محارم الله، وهذا القيام الحجة ~~عليهم. وقد مر أمثال ذلك، ولما بين تعالى أنه إنما خلق هذا العالم لأجل ~~ابتلاء المكلفين وامتحانهم، وهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر؛ لأن ~~الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة # PageV02P046 # والثواب وتخصيص المسيء بالعقاب وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد ~~والقيامة. خاطب تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم فقال جلا وعلا: {ولئن قلت} ~~يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك {إنكم مبعوثون من بعد الموت} أي: للحساب ~~والجزاء {ليقولن الذي كفروا إن} أي: ما {هذا} أي: القرآن بالبعث أو الذي ~~تقوله {إلا سحر مبين} أي: بين. وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها ~~وكسر الحاء، فيكون ذلك راجعا للنبي صلى الله عليه وسلم والباقون بكسر السين ~~وسكون الحاء، ولما حكى تعالى عن الكفار أنهم يكذبون رسول الله صلى الله ~~عليه # وسلم حكى عنهم نوعا آخر بقوله تعالى: # {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى} مجيء {أمة} أي: جماعة من الأوقات {معدودة} ~~أي: قليلة {ليقولن} أي: استهزاء {ما يحبسه} أي: ما يمنعه من الوقوع قال ~~الله تعالى: {ألا يوم ms1175 يأتيهم} كيوم بدر {ليس مصروفا} أي: مدفوعا العذاب ~~{عنهم وحاق} أي: نزل {بهم} من العذاب {ما كانوا به يستهزؤون} أي: الذي ~~كانوا يستعجلون، فوضع يستهزؤون موضع يستعجلون؛ لأن استعجالهم كان استهزاء. ~~فإن قيل: لم قال تعالى: وحاق على لفظ الماضي مع أن ذلك لم يقع؟ أجيب: بأنه ~~وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التأكيد والتقرير والتهديد. ~~ولما ذكر تعالى أن عذاب الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بد وأن يحيق بهم ذكر ~~بعده ما يدل على كفرهم وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب بقوله تعالى: # {ولئن أذقنا} أي: أعطينا {الإنسان} أي: الكافر {منا رحمة} أي: نعمة كغنى ~~وصحة بحيث يجد لذتها {ثم نزعناها} أي: سلبنا تلك النعمة {منه إنه ليؤس} أي: ~~قنوط من رحمة الله تعالى لقلة صبره وعدم ثقته به {كفور} أي: جحود لنعمتنا ~~عليه، وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة من جود الله وفضله وإحسانه ~~فإنه لا يحصل له اليأس بل يقول: لعله تعالى يردها علي بعد ذلك أحسن وأكمل ~~وأفضل مما كانت. # {ولئن أذقناه} أي: الكافر {نعماء بعد ضراء مسته} كصحة بعد سقم وغنى بعد ~~عدم، وفي اختلاف الفعلين وهما أذقناه ومسته من حيث الإسناد إليه تعالى في ~~الأول وإلى الضراء في الثاني نكتة عظيمة وهي أن النعمة صادرة من الله تعالى ~~تفضلا منه لخبر: «ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى. قيل: ولا أنت يا ~~رسول الله؟ قال: ولا أنا» . والضرر صادر من العبد كسبا؛ لأنه السبب فيه ~~باجتلابه إياه بالمعاصي غالبا لقوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك} (النساء، 79) ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {قل كل من ~~عند الله} (النساء، 78) فإن الكل منه إيجادا، غير أن الحسنة إحسان وامتحان، ~~والسيئة مجازاة وانتقام لخبر: «ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة ~~يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله أكثر» . {ليقولن} أي: ~~الذي أصابه الصحة والغنى {ذهب السيئات} أي: المصائب التي أصابتني {عني} ms1176 ولم ~~يتوقع زوالها ولا يشكر عليها {إنه لفرح} أي: فرح بطر {فخور} على الناس بما ~~أذاقه الله تعالى من نعمائه، وقد شغله الفرح والفخر عن الشكر فبين سبحانه ~~وتعالى في هذه الآية أن أحوال الدنيا غير باقية بل هي أبدا في التغير ~~والزوال والتحول والانتقال، فإن الإنسان إما أن يتحول من النعمة إلى ~~المحنة، ومن اللذات إلى الآفات كالقسم الأول، وإما أن يكون بالعكس من ذلك ~~وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب كالقسم # PageV02P047 # الثاني. ولما بين تعالى أن الكافر عند الابتلاء لا يكون من الصابرين، ~~وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين بين حال المتقين بقوله تعالى: # {إلا} أي: لكن {الذين صبروا} على الضراء {وعملوا الصالحات} أي: في ~~النعماء، أي: فإنهم إن أصابتهم شدة صبروا، وإن نالتهم نعمة شكروا {أولئك ~~لهم مغفرة وأجر كبير} فجمع لهم تعالى بين هذين المطلوبين، أحدهما: زوال ~~العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله تعالى: {لهم مغفرة} ، والثاني: ~~الفوز بالثواب ودخول الجنة وهو المراد من قوله تعالى: {وأجر كبير} . # {فلعلك} يا محمد {تارك بعض ما يوحى إليك} فلا تبلغهم إياه لتهاونهم به، ~~فإنهم كانوا يستهزؤون بالقرآن ويضحكون منه. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة ~~محضة وورش يين اللفظين والباقون بالفتح. {وضائق به صدرك} أي: بتلاوته عليهم ~~لأجل {أن يقولوا لولا} أي: هلا {أنزل عليه كنز} ينفقه في الاستتباع كالملوك ~~{أو جاء معه ملك} يصدقه كما اقترحنا، وروي عن ابن عباس: «أن رؤساء مكة ~~قالوا: يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا وقال آخرون: ائتنا ~~بالملائكة ليشهدوا بنبوتك فقال: لا أقدر على ذلك» فنزل {إنما أنت نذير} فلا ~~عليك إلا البلاغ لا الإتيان بما اقترحوه {والله على كل شيء وكيل} فتوكل ~~عليه إنه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء أقولهم وأفعالهم. # {أم} أي: بل {يقولون} كفار مكة {افتراه} أي: اختلقه من تلقاء نفسه وليس ~~هو من عند الله، قال الله تعالى: {قل} لهم يا محمد {فأتوا بعشر سور مثله} ~~في البيان وحسن النظم {مفتريات} فإنكم ms1177 عربيون مثلي. قال ابن عباس: هذه ~~السور التي وقع بها هذا التحدي معينة وهي سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، ~~والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، وقيل: ~~التحدي وقع بمطلق السور وهو متقدم على التحدي بسورة واحدة، والتحدي بسورة ~~واحدة وقع في سورة البقرة، وفي سورة يونس، أما تقدم هذه السورة على سورة ~~البقرة فظاهر؛ لأن هذه السورة مكية وسورة البقرة مدنية، وأما في سورة يونس ~~فلأن كل واحدة من هاتين السورتين مكية، فتكون سورة هود متقدمة في النزول ~~على سورة يونس كما قاله الرازي، وأنكر المبرد هذا وقال: بل سورة يونس أولا ~~وقال معنى قوله في سورة يونس {فأتوا بسورة مثله} (يونس، 38) أي: مثله في ~~الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في سورة هود: إن ~~عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد فأتوا ~~بعشر سور من غير وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة {وادعوا} أي: وقل لهم ~~يا محمد ادعوا للمعاونة على ذلك {من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} ~~في أنه مفترى، والضمير في قوله تعالى: # {فإن لم يستجيبوا لكم} أي: بإتيان ما دعوتموهم إليه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وللمؤمنين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يتحدونهم، وقال ~~تعالى في موضع آخر: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم} (القصص، 50) والتعظيم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم {فاعلموا أنما أنزل} ملتبسا {بعلم الله} أي: بما لا ~~يعلمه إلا الله تعالى من نظم يعجز الخلق وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه ولا ~~يقدر عليه سواه، وقوله تعالى: {وأن} مخففة من الثقيلة، أي: وأنه {لا إله ~~إلا هو} وحده وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم {فهل أنتم مسلمون} أي: ~~ثابتون على الإسلام راسخون مخلصون فيه إذ # PageV02P048 # تحقق عندكم إعجازه مطلقا. وقيل: الخطاب للمشركين والضمير في لم يستجيبوا ~~لمن استطعتم، أي: فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على ~~معارضته لعلمهم بالعجز عنه، وأن طاقتهم أقصر من أن تبلغه ms1178 فاعلموا أنه منزل ~~من عند الله، وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق، فهل أنتم بعد هذه الحجة ~~القاطعة مسلمون، أي: أسلموا وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من ~~معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر.. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} أي: بعمله الذي يعمل من أعمال البر ~~{نوف إليهم أعمالهم} أي: التي عملوها من خير كصدقة وصلة رحم {فيها} أي: في ~~الدنيا {وهم فيها لا يبخسون} أي: نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من ~~غير بخس في الدنيا وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرياسة وسعة الرزق وكثرة ~~الأولاد ونحو ذلك. # {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط} أي: بطل {ما صنعوا} أي: ~~عملوا {فيها} أي: الآخرة فلا ثواب لهم {وباطل ما كانوا يعملون} لأنه لغير ~~الله تعالى، فقال مجاهد: نزلت في أهل الرياء قال صلى الله عليه وسلم «إن ~~أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالو: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ ~~قال: الرياء» . والرياء هو أن يظهر الإنسان الأعمال الصالحة لتحمده الناس ~~ويعتقدوا فيه الصلاح، فهذا هو العمل الذي لغير الله تعالى نعوذ بالله من ~~الخذلان وقال أكثر المفسرين: إنها نزلت في الكافر، وأما المؤمن فيريد ~~الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب ~~عليها في الآخرة. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ~~لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما ~~الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة ~~يعطى بها خيرا» . وقيل: نزلت في المنافقين الذين يطلبون بغزوهم مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم الغنائم من غير أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها. وقيل في ~~اليهود والنصارى وهو منقول عن أنس. ولما ذكر تعالى الذين يريدون بأعمالهم ~~الحياة الدنيا وزينتها ذكر من كان يريد بعمله وجه الله تعالى والدار الآخرة ~~بقوله تعالى: # {أفمن كان على بينة ms1179 من ربه} قيل: هو النبي صلى الله عليه وسلم والبينة هي ~~القرآن {ويتلوه} أي: يتبعه {شاهد} يصدقه {منه} أي: من الله تعالى وهو جبريل ~~عليه السلام {ومن قبله} أي: القرآن {كتاب موسى} وهو التوراة شاهد له أيضا ~~وقوله تعالى {إماما} أي: كتابا مؤتما به في الدين {ورحمة} أي: على المنزل ~~عليهم؛ لأنه الوصلة إلى الفوز بسعادة الدارين حال من كتاب موسى، والجواب ~~محذوف لظهوره، والتقدير: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ليس مثله بل بينهم تفاوت بعيد وتباين ~~بين. وقيل: هو من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، والمراد بالبينة: ~~هو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ومنه، أي: من الله ومن قبله ~~كتاب موسى، أي: ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى، أي: في ~~دلالته على هذا المطلوب لا في الوجود. قال الرازي: وهذا القول هو الأظهر ~~لقوله تعالى: {أولئك يؤمنون به} وهذه صفة جمع ولا يجوز رجوعه إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم انتهى. ويجوز أن تكون للتعظيم أو له صلى الله عليه وسلم ومن ~~تبعه وربما يكون هذا أولى كما # PageV02P049 # جرى عليه بعض المفسرين، والإشارة إلى من كان على بينة، والضمير في به ~~للقرآن وإذا كان هذا الفريق ليس له في الآخرة إلا النار فهذا الفريق ليس له ~~في الآخرة إلا الجنة {ومن يكفر به} أي: بالنبي صلى الله عليه وسلم أو ~~القرآن {من الأحزاب} أي: أصناف الكفار فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس ~~{فالنار موعده} يعني في الآخرة. # روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسمع ~~بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار» . قال أبو موسى: ~~فقلت في نفسي: إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن ~~فوجدت الله تعالى يقول: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} قال بعض ~~العلماء: ولما دلت الآية ms1180 على أن من يكفر به كانت النار موعده دل على أن من ~~لا يكفر به كانت الجنة موعده وقوله تعالى: {فلا تك في مرية} أي: في شك ~~{منه} أي: القرآن أو الموعد {إنه الحق من ربك} الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد غيره لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك قط ويؤيد ذلك قوله ~~تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بما أوحينا إليك أو بأن ~~موعد الكفار النار، ثم وصف الله تعالى هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة ~~في معرض الذم. الصفة الأولى: كونهم مفترين على الله كما قال تعالى: # {ومن} أي: لا أحد {أظلم ممن افترى على الله كذبا} بنسبة الشريك والولد ~~إليه، أو أسند إليه ما لم ينزله، أو نفى عنه ما أنزله. الصفة الثانية: أنهم ~~يعرضون على الله تعالى في موقف الذل والهوان كما قال تعالى: {أولئك يعرضون ~~على ربهم} أي: يوم القيامة. فإن قيل: هم لا يختصون بهذا العرض لأن العرض ~~عام في كل العباد كما قال تعالى: {وعرضوا على ربك صفا} (الكهف، 48) أجيب: ~~بأنهم يعرضون فيفتضحون بشهادة الأشهاد عليهم كما قال تعالى: {ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} فيحصل لهم من الخزي والنكال ما لا مزيد عليه، ~~وهذه هي الصفة الثالثة، واختلف في هؤلاء الأشهاد، فقال مجاهد: هم الملائكة ~~الذين يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا، وقال مقاتل: هم الناس كما يقال على ~~رؤوس الأشهاد، أي: على رؤوس الناس، وقال قوم: هم الأنبياء كما قال تعالى: ~~{فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} (الأعراف، 6) . والفائدة في ~~اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة. فإن قيل: العرض على الله ~~يقتضي أن يكون الله تعالى في حيز وهو تعالى منزه عن ذلك. أجيب: بأنهم ~~يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال، أو يكون ذلك عرضا على من يوبخ ~~بأمر الله تعالى من الأنبياء والمؤمنين. والأشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب، ~~أو جمع شهيد كشريف وأشراف. قال أبو علي الفارسي: وكان هذا أرجح؛ لأن ما جاء ~~من ذلك ms1181 في التنزيل جاء على فعيل كقوله تعالى: {وجئنا بك شهيدا على هؤلاء} ~~(النحل، 89) . وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إن الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة فيستره من الناس فيقول: أي عبدي ~~تعرف ذنب كذا وكذا فيقول: نعم، حتى إذا قرره بذنوبه قال تعالى: سترتها عليك ~~في الدنيا وقد سترتها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته» ، وأما الكافر ~~والمنافق فتقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ولما أخبر الله تعالى ~~عن حالهم في عقاب القيامة # أخبر عن حالهم في الحال بقوله تعالى: {ألا لعنة # PageV02P050 # الله على الظالمين} فبين تعالى أنهم في الحال ملعونون من عند الله، وهذه ~~هي الصفة الرابعة، ثم وصفهم بالصفة الخامسة بقوله تعالى: # {الذين يصدون عن سبيل الله} أي: دينه، ثم وصفهم بالصفة السادسة بقوله ~~تعالى: {ويبغونها} أي: يطلبون السبيل {عوجا} أي: معوجة، أي: كأنهم ظلموا ~~أنفسهم بالتزام الكفر والضلال فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق وإلقاء ~~الشبهات وتعويج الدلائل المستقيمة؛ لأنه لا يقال في العامي: إنه يبغي عوجا، ~~وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيف الاستقامة، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات ~~وتقرير الضلالات، ثم وصفهم بالصفة السابعة بقوله تعالى: {وهم} أي: والحال ~~أنهم {بالآخرة هم كافرون} وتكرير لفظ هم لتأكيد كفرهم وتوغلهم فيه. الصفة ~~الثامنة: كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله كما قال تعالى: # {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض} أي: ما كانوا معجزين الله في الدنيا ~~أن يعاقبهم إذ لا يمكنهم أن يهربوا من عذابه، فإن هرب العبد من عذاب الله ~~تعالى محال؛ لأنه تعالى قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالقرب ~~والبعد، والقوة والضعف. الصفة التاسعة: أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عقاب ~~الله تعالى عنهم كما قال تعالى: {ما كان لهم من دون الله} أي: غيره {من ~~أولياء} أي: أنصار يمنعوهم من عذابه. الصفة العاشرة: مضاعفة العذاب كما قال ~~تعالى: {يضاعف لهم العذاب} أي: بسبب إضلالهم غيرهم، وقيل: لأنهم كفروا ~~بالله وكفروا بالبعث والنشور. الصفة ms1182 الحادية عشرة: قوله تعالى: {وما كانوا ~~يستطيعون السمع} قال قتادة: صم عن سماع الحق فلا يسمعون خيرا فينتفعون به ~~{وما كانوا يبصرون} خيرا فيأخذوا به. قال ابن عباس: أخبر الله تعالى أنه ~~أحال بين أهل الشرك وبين طاعة الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة، أما في ~~الدنيا فإنه قال: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} وأما في ~~الآخرة فإنه قال: {فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم} (القلم، 42، 42) . الصفة ~~الثانية عشرة: قوله تعالى: # {أولئك الذين خسروا أنفسهم} فإنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى ~~فكان مصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم وذلك أعظم وجوه الخسرانات. الصفة ~~الثالثة عشرة: قوله تعالى {وضل} أي: غاب {عنهم ما كانوا يفترون} على الله ~~تعالى من دعوى الشريك وأن لآلهة تشفع لهم. الصفة الرابعة عشرة: قوله تعالى: # {لاجرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} أي: لا أحد أبين وأكثر خسرانا منهم. # تنبيه: قال الفراء: إن لا جرم بمنزلة قولنا لا بد ولا محالة، ثم كثر ~~استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا. تقول العرب: لا جرم إنك محسن على معنى حقا ~~إنك محسن. وقال الزجاج: إن كلمة لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، وجرم معناه: ~~كسب ذلك الفعل والمعنى: لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في ~~الدنيا والآخرة. قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب. وقال ~~سيبويه: لا رد على أهل الكفر كما مر. وجرم معناه: أحق والمعنى: أنه أحق ~~كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم واحتج سيبويه بقول الشاعر: # *ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # أراد أحقت الطعنة فزارة أن يغضبوا، ولما ذكر تعالى عقوبة الكفار وخسرانهم ~~أتبعه بذكر أحوال المؤمنين في الدنيا وربحهم في الآخرة بقوله تعالى: # {إن الذين آمنوا وعملوا # PageV02P051 # الصالحات وأخبتوا إلى ربهم} أي: اطمأنوا إليه وخشعوا، إذ الإخبات في ~~اللغة هو الخشوع والخضوع وطمأنينة القلب، ويتعدى بإلى وباللام فإذا قلت: ~~أخبت فلان إلى كذا، فمعناه اطمأن إليه، وإذا قلت: أخبت له فمعناه خشع وخضع ~~له، فقوله تعالى: {إن ms1183 الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إشارة إلى جميع عمل ~~الجوارح. وقوله تعالى: {وأخبتوا} إشارة إلى أعمال القلوب وهي الخشوع ~~والخضوع لله تعالى، وإن هذه الأعمال الصالحة لا تنفع في الآخرة إلا بحصول ~~أعمال القلب وهي الخشوع والخضوع {أؤلئك} أي: الذين هذه صفتهم {أصحاب الجنة ~~هم خالدون} فأخبر تعالى عن حالهم في الآخرة بأنهم من أهل الجنة التي لا ~~انقطاع لنعيمها ولا زوال. ولما ذكر سبحانه وتعالى أحوال الكفار وما كانوا ~~عليه من العمى عن طريق الحق ومن الصمم عن سماعه وذكر أحوال المؤمنين وما ~~كانوا عليه من البصيرة وسماع الحق والانقياد للطاعة ذكر فيهما مثالا مطابقا ~~بقوله تعالى: # {مثل} أي: صفة {الفريقين} أي: الكفار والمؤمنين {كالأعمى والأصم} هذا مثل ~~الكافر شبه بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصامه عن استماع كلام ~~الله تعالى وتأبيه عن تدبر معانيه {والبصير والسميع} هذا مثل المؤمن شبه ~~بالبصير والسميع؛ لأن أمره بالضد من الكافر فيكون كل منهما مشبها باثنين ~~باعتبار وصفين، أو يشبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع ~~بين ضديهما على أن تكون الواو في الأصم وفي السميع لعطف الصفة على الصفة، ~~بخلافه على التشبيه الأول فإنه لعطف الموصوف على الموصوف، ويعبر عنه بعطف ~~الذات على الذات {هل يستويان} أي: هل يستوي الفريقان {مثلا} أي: تشبيها لا ~~يستويان، ويصح أن يكون مثلا صفة لمصدر محذوف، أي: استواء مثلا، وأن يكون ~~حالا من فاعل يستويان وقوله تعالى: {أفلا تذكرون} فيه إدغام التاء في الأصل ~~في الذال، أي: تتعظون بضرب الأمثال، والتأمل فيها. وقرأ حفص وحمزة والكسائي ~~بتخفيف الذال والباقون بالتشديد، وقد جرت عادة الله تعالى بأنه إذا أورد ~~على الكفار أنواع الدلائل أتبعها بالقصص ليصير ذكرها مؤكدا لتلك الدلائل. ~~وفي هذه السورة ذكر أنواعا من القصص: # القصة الأولى: قصة نوح عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} وقوله: {إني لكم} قرأه ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي بفتح الهمزة، أي: بأني والباقون بكسرها على إرادة القول {نذير ~~مبين} أي: بين النذارة ms1184 أخوف من العقاب لمن خالف أمر الله تعالى. وقوله: # {أن لا تعبدوا إلا الله} بدل من إني لكم أو مفعول مبين {إني أخاف عليكم} ~~أي: إن عبدتم غيره {عذاب يوم أليم} أي: مؤلم موجع في الدنيا أو الآخرة. قال ~~ابن عباس: بعث نوح بعد أربعين سنة ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة. وقال ~~مقاتل: وهو ابن مائة سنة. وقيل: وهو ابن خمسين سنة. وقيل: وهو ابن مائتين ~~وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربعمائة وخمسين. ومكث يدعو قومه تسعمائة ~~وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة. ولما حكى تعالى عن نوح ~~عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في ~~نبوته بثلاثة أنواع من الشبهات بقوله تعالى: # {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} وهم الأشراف {ما نراك # PageV02P052 # إلا بشرا مثلنا} هذه الشبهة الأولى، أي: أنك بشر مثلنا لا مزية لك علينا ~~تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة، وإنما قالوا هذه المقالة وتمسكوا بهذه الشبهة ~~جهلا منهم؛ لأن الله تعالى إذا اصطفى عبدا من عباده وأكرمه بنبوته ورسالته ~~وجب على من أرسله إليهم اتباعه. الشبهة الثانية: ما ذكره الله تعالى عنهم ~~بقوله تعالى: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} أي: أسافلنا كالحاكة ~~وأهل الصنائع الخسيسة، وهو جمع أرذل بفتح الهمزة كقوله تعالى: {أكابر ~~مجرميها} (الأنعام، 123) وقوله صلى الله عليه وسلم «أحاسنكم أخلاقا» أو جمع ~~أرذل بضم الذال جمع رذل بسكونها، فهو على الأول جمع مفرد وعلى الثاني جمع ~~جمع، ثم قالوا: ولو كنت صادقا لاتبعك الأكابر من الناس والأشراف منهم، ~~وإنما قالوا ذلك جهلا منهم أيضا؛ لأن الرفعة بالدين واتباع الرسول لا ~~بالمناصب العالية والمال {بادي الرأي} أي: اتبعوك في أول الرأي من غير تثبت ~~وتفكر في أمرك ولو تفكروا ما اتبعوك. ونصبه على الظرف، أي: وقت حدوث أول ~~رأيهم. وقرأ أبو عمرو بادئ بهمزة مفتوحة بعد الدال والباقون بياء مفتوحة، ~~وأبدل السوسي همزة الرأي ألفا وقفا ووصلا. وأما حمزة فأبدلها وقفا لا وصلا. ~~الشبهة الثالثة: ms1185 ماذكره الله تعالى عنهم في قوله تعالى: {وما نرى لكم} أي: ~~لك ولمن اتبعك {علينا من فضل} أي: بالمال والشرف والجاه تستحقون به الاتباع ~~منا وهذا أيضا جهل منهم؛ لأن الفضيلة المعتبرة عند الله تعالى بالإيمان ~~والطاعة لا بالشرف والرياسة. وقولهم: {بل نظنكم كاذبين} خطاب لنوح عليه ~~السلام في دعوى الرسالة وأدرجوا قومه معه في الخطاب. وقيل: خاطبوه بلفظ ~~الجمع على سبيل التعظيم. وقيل: كذبوه في دعوى النبوة وكذبوا قومه في دعوى ~~العلم بصدقه، فغلب المخاطب على الغائبين. ولما ذكروا هذه الشبهة لنوح عليه ~~السلام. # {قال} لهم {يا قوم أرأيتم} أي: أخبروني {إن كنت على بينة} أي: نبوة ~~ورسالة {من ربي وآتاني رحمة} أي: نبوة ورسالة {من عنده} من فضله وإحسانه ~~{فعميت} أي: خفيت والتبست {عليكم} ووحد الضمير إما لأن البينة في نفسها هي ~~الرحمة وإما لأنه لكل واحدة منهما. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بضم العين ~~وتشديد الميم والباقون بفتح العين وتخفيف الميم {أنلزمكموها} أي: أنكرهكم ~~على قبولها {وأنتم لها كارهون} أي: لا تختارونها ولا تتأملون فيها لا نقدر ~~على ذلك. قال قتادة: والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه ولكنه لا يملك ~~ذلك، واتفق القراء على ضم النون من أنلزمكموها لاتصالها باللام رسما، وحيث ~~اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعا وقدم الأعرف منهما جاز في الثاني الوصل ~~كما في الآية، والفصل كأن يقال: أنلزمكم إياها. # {ويا قوم لا أسألكم عليه} أي: على تبليغ الرسالة وهو وإن لم يذكر معلوم ~~مما ذكر {مالا} أي: جعلا تعطونيه {إن} أي: ما {أجري إلا على الله} أي: ما ~~ثواب تبليغي إلا عليه فإنه المأمول منه تعالى. وقرأ ابن كثير وشعبة وحمزة ~~والكسائي بسكون الياء والباقون بالفتح. وقول نوح عليه السلام: {وما أنا ~~بطارد الذين آمنوا} جواب لهم حين طلبوا طردهم، فإنهم طلبوا من نوح عليه ~~السلام قبل أن يطرد الذين آمنوا وهم الأرذلون في زعمهم فقال: ما يجوز لي ~~ذلك. {إنهم ملاقوا ربهم} أي: بالبعث فيخاصمون طاردهم عنده ويأخذ لهم ممن # PageV02P053 # ظلمهم وطردهم أو ms1186 أنهم يلاقونه ويفوزون بقربه فكيف أطردهم {ولكني أراكم ~~قوما تجهلون} أي: إن هؤلاء المؤمنين خير منكم أو عاقبة أمركم أو تسفهون ~~عليهم بأن تدعوهم أراذل. # {ويا قوم من ينصرني} أي: يمنعني {من الله} أي: من عقابه {إن طردتهم} عني ~~وهم مؤمنون مخلصون {أفلا} أي: فهلا {تذكرون} أي: تتعظون. وقرأ حفص وحمزة ~~والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد بإدغام التاء في الأصل في الذال. # {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} أي: خزائن رزقه، فكما أني لا اسألكم مالا ~~فكذلك لا أدعي أني أملك مالا ولا غرض لي في المال لا أخذا ولا دفعا، وقوله: ~~{ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك} فأتعاظم به عليكم حتى تقولوا ما أنت إلا ~~بشر مثلنا بل طريقتي التواضع والخضوع، ومن كان هذا شأنه وطريقته كذلك فإنه ~~لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين ولا يطلب مجالسة الأمراء والسلاطين، ~~ثم أكد ذلك بقوله: {ولا أقول للذين تزدري} أي: تحتقر {أعينكم} أي: لا أقول ~~في حقهم {لن يؤتيهم الله خيرا} فإن ما أعد الله تعالى لهم في الآخرة خير ~~مما آتاكم في الدنيا {الله أعلم بما في أنفسهم} وهذا كالدلالة على أنهم ~~كانوا ينسبون أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق {إني إذا} أي: إن فعلت ذلك ~~{لمن الظالمين} لنفسي ومن الظالمين لهم. فإن قيل: هذه الآية تدل على تفضيل ~~الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الإنسان إذا قال: لا أدعي ~~كذا وكذا إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل؟ أجيب: بأن ~~نوحا عليه السلام إنما ذكر ذلك جوابا عما ذكروه من الشبه، فإنهم طعنوا في ~~أتباعه بالفقر فقال: ولا أقول لكم عندي خزائن الله حتى أجعلهم أغنياء ~~وطعنوا فيهم أيضا بأنهم منافقون فقال: ولا أعلم الغيب حتى أعرف كيفية ~~باطنهم وإنما تكليفي بناء الأحوال على الظاهر، وطعنوا فيه أنه من البشر ~~فقال: ولا أقول إني ملك حتى تنفوا عني ذلك وحينئذ فالآية ليس فيها ذلك. فإن ~~قيل: في هذه الآية دلالة على أن طرد ms1187 المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول ~~المعاصي فكيف طرد محمد صلى الله عليه وسلم بعض فقراء المؤمنين لطلب مرضاة ~~الله حتى عاتبه الله تعالى في قوله ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي؟ أجيب: بأن الطرد المذكور في هذه الآية محمول على الطرد المطلق على ~~سبيل التأبيد، والطرد المذكور في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم محمول على ~~التبعيد في أوقات # معينة رعاية للمصلحة. ولما أن الكفار أوردوا تلك الشبهة وأجاب نوح عليه ~~السلام عنها بالجوابات الموافقة الصحيحة أوردوا عليه كلامين: الأول ما حكاه ~~الله تعالى عنهم بقوله تعالى: # {قالوا يا نوح قد جادلتنا} أي: خاصمتنا {فأكثرت جدالنا} أي: فأطنبت فيه، ~~وهذا يدل على أنه عليه السلام كان قد أكثر في الجدال معهم، وذلك الجدال ما ~~كان إلا في إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وهذا يدل على أن الجدال في ~~تقرير الدلائل، وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى ~~أن التقليد والجهل حرفة الكفار، والثاني: ما ذكره الله تعالى عنهم بقوله: ~~{فأتنا بما تعدنا} أي: من العذاب {إن كنت من الصادقين} في الدعوى والوعيد ~~فإن مناظرتك لا تؤثر فينا. # {قال} لهم نوح عليه السلام في جواب ذلك {إنما يأتيكم به الله # PageV02P054 # إن شاء} تعجيله لكم فإن أمره إليه إن شاء عجله، وإن شاء أخره لا إلي {وما ~~أنتم بمعجزين} أي: بفائتين الله تعالى. # ولما أجاب نوح عليه السلام عن شأنهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة فقال: # {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} أي: ~~يضلكم وجواب الشرط محذوف دل عليه ولا ينفعكم نصحي. وتقدير الكلام: إن كان ~~الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي، فهو من باب ~~اعتراض الشرط. على الشرط ونظير ذلك ما لو قال رجل لزوجته: أنت طالق إن دخلت ~~الدار إن كلمت زيدا، فدخلت ثم كلمت لم تطلق فيشترط في وجوب الحكم وقوع ~~الشرط الثاني قبل وقوع الأول. وفي الآية دليل على أن الله تعالى قد ms1188 يريد ~~الكفر من العبد فإنه إذا أراد منه ذلك فإنه يمتنع صدور الإيمان منه {هو ~~ربكم} أي: خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته {وإليه ترجعون} فيجازيكم على ~~أعمالكم قال تعالى: {أم} أي: بل {يقولون افتراه} أي: اختلقه وجاء به من عند ~~نفسه، والهاء ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم {قل} لهم {إن افتريته فعلي ~~إجرامي} وهذا من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى فعلي إثم إجرامي، والإجرام ~~اقتراف المحظور. وفي الآية محذوف آخر وهو أن المعنى إن كنت افتريته فعلي ~~عقاب جرمي وإن كنت صادقا وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب، إلا أنه حذف ~~هذه البقية لدلالة الكلام عليها {وأنا بريء مما تجرمون} أي: من عقاب جرمكم ~~في إسناد الافتراء إلي. # تنبيه: أكثر المفسرين على أن هذا من بقية كلام نوح عليه السلام مع قومه. ~~وقال مقاتل: أم يقولون، أي: المشركون من كفار مكة: افتراه، أي: محمد صلى ~~الله عليه وسلم اختلق القرآن من عند نفسه. وهذه الآية وقعت في قصة محمد صلى ~~الله عليه وسلم في أثناء قصة نوح عليه السلام. قال الرازي: وقوله بعيد جدا. ~~{وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك} أي: لن يستمر على الإيمان لقوله ~~تعالى: {إلا من قد آمن} . قال ابن عباس: إن قوم نوح كانوا يضربون نوحا حتى ~~يسقط فيلفونه في لبد ويلقونه في بيت يظنون أنه قد مات، فيخرج في اليوم ~~الثاني ويدعوهم إلى الله تعالى. وروي أن شيخا منهم جاء متوكئا على عصاه ~~ومعه ابنه فقال لابنه: لا يغوينك هذا الشيخ المجنون فقال: يا أبتاه مكني من ~~العصا فأخذها من أبيه وضرب بها نوحا عليه السلام حتى شجه شجة منكرة، فأوحى ~~الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن {فلا تبتئس} أي: لا ~~تحزن عليهم فإني مهلكهم {بما} أي: بسبب ما {كانوا يفعلون} من الشرك وننقذك ~~منهم، فحينئذ دعا عليهم نوح عليه السلام فقال: {رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا} (نوح، 26) . وحكى محمد بن إسحاق عن عبيد ms1189 بن عمير الليثي: ~~إنه بلغه أنهم يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال: رب اغفر ~~لقومي فإنهم لا يعلمون، حتى تمادوا في المعصية، واشتد عليه منهم البلاء، ~~وهو ينظر من الجيل إلى الجيل، فلا يأتي قرن إلا كان أنجس من الذين قبلهم، ~~ولقد كان يأتي القرن الآخر منهم فيقول: قد كان هذا الشيخ مع آبائنا ~~وأجدادنا هكذا مجنونا فلا يقبلون منه شيئا فشكى إلى الله تعالى، فقال: {رب ~~إني دعوت قومي ليلا ونهارا} (نوح، 5) حتى قال: {رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا} (نوح، 26) فأوحى الله تعالى إليه: # {واصنع الفلك} أي: السفينة {بأعيننا} قال ابن # PageV02P055 # عباس بمرأى منا. وقال مقاتل: بعلمنا. وقيل: بحفظنا. {ووحينا} أي: بأمرنا ~~لك كيف تصنعها {ولا تخاطبني في الذبن ظلموا} أي: ولا تراجعني في الكفار، ~~ولا تدعني في استدفاع العذاب عنهم {إنهم مغرقون} أي: محكوم عليهم بالإغراق ~~فلا سبيل إلى كفه. وقيل: لا تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك راعلة فإنهما ~~هالكان مع القوم، ويروى أن جبريل عليه السلام أتى نوحا فقال: إن ربك يأمرك ~~أن تصنع الفلك. قال: كيف أصنع ولست بنجار. قال: إن ربك يقول اصنع فإنك ~~بأعيينا، فأخذ القدوم فجعل ينجر ولا يخطئ وصنعها فعملها مثل جؤجؤ الطير، ~~وفي قوله تعالى: # {ويصنع الفلك} قولان: أحدهما: أنه حكاية حال ماضية، أي: في ذلك الوقت كان ~~يصدق عليه أنه يصنع الفلك. الثاني: التقدير فأقبل يصنع الفلك فاقتصر على ~~قوله ويصنع الفلك، ثم إن نوحا عليه السلام أقبل على عملها ولهى عن قومه ~~وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره، وجعل قومه ~~يمرون عليه ويسخرون منه كما قال تعالى: {وكلما مر عليه ملأ} أي: جماعة {من ~~قومه سخروا منه} أي: استهزؤوا به ويقولون يا نوح قد صرت نجارا بعدما كنت ~~نبيا، فأعقم الله أرحام نسائهم فلا يولد لهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~اتخذ نوح عليه السلام السفينة في سنتين وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، ~~وكانت من خشب الساج، ms1190 وجعل لها ثلاثة بطون، فجعل في البطن الأول الوحوش ~~والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب وركب هو ومن معه البطن الأعلى مع ما ~~يحتاج إليه من الزاد. وقال قتادة: كان في بابها في عرضها. # وروي عن أنس: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة. وقيل: إن ~~الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا ~~عنها، فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب ~~فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال كعب بن حام، قال فضرب ~~الكثيب بعصاه فقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض عن رأسه التراب وقد ~~شاب، فقال له عيسى عليه السلام: هكذا هلكت. قال: لا ولكن مت وأنا شاب ~~ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت قال: حدثنا عن سفينة نوح؟ قال: كان ~~طولها ألف ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات؛ طبقة للدواب والوحوش ~~وطبقة للإنس وطبقة للطير، ثم قال له: عد بإذن الله تعالى كما كنت فعاد ~~ترابا. قال البغوي: والمعروف أن طولها ثلاثمائة ذراع. وعن زيد بن أسلم قال: ~~مكث نوح مائة سنة يغرس الأشجار ومائة سنة يعمل الفلك. # وعن كعب الأحبار: أن نوحا عمل السفينة في ثلاثين سنة. وروي أنها كانت ~~ثلاث طبقات: الطبقة السفلى للدواب والوحوش، والطبقة الوسطى فيها الإنس، ~~والطبقة العليا فيها الطير، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله تعالى إلى ~~نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا ~~على الروث، ولما أفسد الفأر في السفينة فجعل يقرض حبالها؛ أوحى الله تعالى ~~إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة وهو القط ~~فأقبلا على الفأر فأكلاه. قال الرزاي: واعلم أن أمثال هذه المباحث لا ~~تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة ~~البتة، فكان الخوض فيها من باب الفضول، لا سيما مع القطع بأنه ليس ههنا ما ~~يدل على # PageV02P056 # الجانب الصحيح، والذي نعلمه أنها كانت ms1191 في السعة بحيث تسع المؤمنين من ~~قومه، وما يحتاجون إليه ولحصول زوجين من كل حيوان؛ لأن هذا القدر مذكور في ~~القرآن. وما آمن معه إلا قليل، فأما تعيين ذلك القدر فغير معلوم. {قال} لهم ~~لما سخروا منه {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} إذا نجونا ~~وغرقتم. فإن قيل: السخرية لا تليق بمنصب النبوة؟ أجيب: بأن ذلك ذكر على ~~سبيل الازدواج في مشاكلة الكلام كما في قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} (الشورى، 40) والمعنى إن تسخروا منا فسترون عاقبة سخريتكم، وهو قوله ~~تعالى: # {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} أي: يهينه في الدنيا وهو الغرق {ويحل ~~عليه} في الآخرة {عذاب مقيم} وهو النار التي لا انقطاع لها وقوله تعالى: # {حتى إذا جاء أمرنا} أي: بإهلاكهم غاية لقوله ويصنع الفلك، وما بينهما ~~حال من الضمير فيه أو حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام. واختلف في التنور في ~~قوله تعالى: {وفار التنور} فقال عكرمة والزهري: هو وجه الأرض. وذلك أنه قيل ~~لنوح عليه السلام إذا رأيت الماء فار على وجه الأرض فاركب السفينة. وروي عن ~~علي رضي الله عنه أنه قال: فار التنور وقت طلوع الفجر ونور الصبح. وقال ~~الحسن ومجاهد والشعبي: أنه التنور الذي يخبز فيه. وهو قول أكثر المفسرين ~~ورواية عطية وابن عباس: لأنه حمل الكلام على حقيقته، ولفظ التنور حقيقته هو ~~الموضع الذي يخبز فيه وهو قول أكثر المفسرين فوجب حمل اللفظ عليه، وهؤلاء ~~اختلفوا فمنهم من قال: إنه تنور لنوح. ومنهم من قال: إنه كان لآدم عليه ~~السلام. قال الحسن: كان تنورا من حجارة كانت حواء تخبز فيه فصار إلى نوح ~~فقيل لنوح عليه السلام: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب السفينة أنت ~~وأصحابك. واختلفوا أيضا في موضعه فقال مجاهد والشعبي: كان في ناحية الكوفة، ~~وكان الشعبي يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة، وقال: اتخذ نوح ~~السفينة في جوف مسجد الكوفة، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب ~~كندة، وكان فوران الماء ms1192 منه علما لنوح. وقال مقاتل: كان تنور آدم عليه ~~السلام وكان بالشأم بموضع يقال له عين وردة. وروي عن ابن عباس أنه كان ~~بالهند، ومعنى فار نبع على قوة وشدة تشبيها بغليان القدر عند قوة النار، ~~ولا شبهة أن التنور لا يفور. # والمراد: فار الماء من التنور فلما فار أمر الله تعالى نوحا عليه السلام ~~أن يحمل في السفينة ثلاثة أنواع من الأشياء الأول قوله تعالى: {قلنا احمل ~~فيها} أي: السفينة {من كل زوجين اثنين} والزوجان عبارة عن كل شيئين يكون ~~أحدهما ذكرا والآخر أنثى، والتقدير من كل شيئين هما كذلك، فاحمل منهما في ~~السفينة اثنين واحد ذكر وواحد أنثى. وفي القصة أن نوحا عليه السلام قال: يا ~~رب كيف احمل من كل زوجين اثنين، فحشر الله تعالى إليه السباع والطير، فجعل ~~يضرب بيديه في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى، ~~فيحملهما في السفينة. وقرأ حفص بتنوين لام كل، أي: واحمل من كل شيء زوجين ~~اثنين: الذكر زوج والأنثى زوج. فإن قيل: ما الفائدة في قوله زوجين اثنين ~~والزوجان لا يكونان إلا اثنين؟ أجيب: بأن هذا على مثال قوله تعالى: {لا ~~تتخذوا إلهين اثنين} (النحل، 51) . وقوله تعالى: {نفخة واحدة} (الحاقة، 13) ~~والباقون بغير تنوين فهذا السؤال غير وارد، النوع # PageV02P057 # الثاني من الأشياء التي أمر الله تعالى نوحا عليه السلام أن يحملها في ~~السفينة قوله تعالى: {وأهلك} وهم أبناؤه وزوجته. وقوله تعالى: {إلا من سبق ~~عليه القول} بأنه من المغرقين وهو ابنه كنعان وأمه راعلة وكانا كافرين حكم ~~الله تعالى عليهما بالهلاك بخلاف سام وحام ويافث وزوجاتهم ثلاثة وزوجته ~~المسلمة. # فإن قيل: الإنسان أشرف من سائر الحيوانات فلم بدأ بالحيوان؟ أجيب: بأن ~~الإنسان عاقل فهو لعقله مضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه فلا حاجة فيه ~~إلى المبالغة في الترغيب بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات فلهذا السبب ~~وقع الابتداء به. النوع الثالث: من الأشياء التي أمر الله تعالى نوحا عليه ~~السلام بحملها في السفينة قوله تعالى: ms1193 {ومن آمن} أي: واحمل معك من آمن معك ~~من قومك، واختلف في العدد الذي ذكره الله تعالى في قوله تعالى: {وما آمن ~~معه إلا قليل} فقال قتادة وابن جريج: لم يكن معه في السفينة إلا ثمانية نفر ~~نوح وامرأته المسلمة وثلاثة بنين له هم: سام وحام ويافث ونساؤهم. وقال ابن ~~إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم نوح وبنوه الثلاثة وستة أناس ممن كان آمن به ~~وأزواجهم جميعا. وقال مجاهد كانوا اثنين وسبعين نفرا رجلا وامرأة. وعن ابن ~~عباس قال: كان في سفينة نوح ثمانون نصفهم رجال ونصفهم نساء. وقال الطبري: ~~والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله تعالى: {وما آمن معه إلا ~~قليل} فوصفهم بالقلة فلم يحد عددا بمقدار فلا ينبغي أن يجاوز في ذلك حد ~~الله تعالى، إذ لم يرد عدد في كتاب الله تعالى، ولا في خبر صحيح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتقدم نحو ذلك عن الرازي. وقال مقاتل: حمل نوح ~~عليه السلام جميع الدواب والطير ليحملها. قال ابن عباس أول ما حمل نوح ~~الدرة، وآخر ما حمل الحمار، فلما دخل الحمار أدخل صدره وتعلق إبليس بذنبه ~~فلم تستقل رجلاه فجعل نوح يقول: ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع حتى قال: ويحك ~~ادخل وإن كان الشيطان معك، كلمة زلت على لسانه، فلما قالها خلى الشيطان ~~سبيله فدخل ودخل الشيطان معه فقال نوح: ما أدخلك علي يا عدو الله؟ قال: ما ~~لك بد أن تحملني معك فكان معه على ظهر السفينة. هكذا نقله البغوي. قال ~~الرازي: وأما الذي يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد لأنه من الجن وهو جسم ~~ناري أو هوائي، فكيف يؤثر الغرق # فيه، وأيضا كتاب الله تعالى لم يدل عليه ولم يرد في ذلك خبر صحيح فالأولى ~~ترك الخوض في ذلك. قال البغوي: وروي أن بعضهم قال: إن الحية والعقرب أتيا ~~نوحا عليه السلام فقالتا احملنا معك، فقال: إنكما سبب البلاء فلا أحملكما ~~فقالتا: احملنا فإنا نضمن لك أن لا نضر أحدا ms1194 ذكرك. فمن قرأ حين يخاف ~~مضرتهما {سلام على نوح في العالمين} (الصافات، 79) لم يضراه. وقال الحسن: ~~لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما ما يتولد من الطين من حشرات ~~الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئا. # {وقال} نوح لمن معه {اركبوا} أي: صيروا {فيها} أي: السفينة وجعل ذلك ~~ركوبا؛ لأنها في الماء كمركوب في الأرض، وقوله تعالى: {بسم الله مجراها ~~ومرساها} متصل باركبوا حال من الواو في اركبوا، أي: اركبوا فيها مسمين الله ~~أو قائلين بسم الله وقت اجرائها وارسائها. قال الضحاك: كان نوح إذا أراد أن ~~تجري السفينة قال: بسم الله جرت، # PageV02P058 # وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله رست. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بنصب ~~الميم من جرت ورست، أي: جريها ورسوها وهما مصدران، والباقون بضم الميم من ~~أجريت وأرسيت أي بسم الله إجراؤها وارساؤها وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو ~~وحفص وحمزة والكسائي محضة وورش بين اللفظين والباقون بالفتح، وذكروا في ~~عامل الإعراب في بسم الله وجوها: الأول: اركبوا بسم الله، الثاني: ابدؤوا ~~بسم الله، الثالث: بسم الله إجراؤها {إن ربي لغفور رحيم} أي: لولا مغفرته ~~لفرطائكم ورحمته إياكم لما نجاكم. وقوله تعالى: # {وهي تجري بهم} متعلق بمحذوف دل عليه اركبوا، أي: فركبوا مسمين الله ~~تعالى وهي تجري وهم فيها {في موج} وهو ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه ~~الريح {كالجبال} في عظمه وارتفاعه على الماء، قال العلماء: بالسير أرسل ~~الله تعالى المطر أربعين يوما وليلة. وخرج الماء من الأرض فذلك قوله تعالى: ~~{ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا، فالتقى الماء على أمر ~~قد قدر} (القمر، 11، 12) فصار الماء نصفين نصف من السماء ونصف من الأرض ~~وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعا، وقيل: خمسة عشر ذراعا حتى ~~أغرق كل شيء، وروي أنه لما كثر الماء في السكك خافت امرأة على ولدها من ~~الغرق وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها ~~الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه، ms1195 فلما بلغها الماء ذهبت حتى استوت على الجبل، ~~فلما بلغ الماء رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بهما الماء، فلو رحم الله ~~تعالى منهم أحدا لرحم هذه المرأة. وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء ~~والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه كما تسبح السمكة فليس بثابت. قال ~~البيضاوي: والمشهور أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعا. فإن صح، أي: أنه ~~طبق ما بين السماء والأرض فلعل ذلك أي: ما ذكر من علو الموج قبل التطبيق ~~{ونادى نوح ابنه} كنعان وكان كافرا كما مر، وقيل: اسمه يام {وكان في معزل} ~~عزل فيه نفسه إما عن أبيه أو دينه ولم يركب معه، وإما عن السفينة، وإما عن ~~الكفار كأنه انفرد عنهم. وظن نوح عليه السلام أن ذلك إنما كان لأنه أحب ~~مفارقتهم ولذلك ناداه بقوله {يا بني اركب معنا} في السفينة. وقرأ عاصم بفتح ~~الياء اقتصارا على الفتح من الألف المبدلة ياء الإضافة في قولك يا بنيا. ~~والباقون بالكسر في الوصل ليدل على ياء الإضافة المحذوفة كما قال الشاعر: # *يا ابنة عم لا تلومي واهجعي # ثم حذف الألف للتخفيف {ولا تكن مع الكافرين} أي: في دين ولا مكان فتهلك. ~~ولما قال له ذلك. # {قال سآوي} أي: ألتجئ وأصير {إلى جبل يعصمني} أي: يمنعني {من الماء قال} ~~له نوح عليه السلام: {لا عاصم} أي: لا مانع {اليوم من أمر الله} أي: من ~~عذابه وقوله {إلا من رحم} استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو ~~المعصوم كقوله تعالى: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} (النساء، 157) ~~وقيل: {إلا من رحم} أي: إلا الراحم وهو الله تعالى، وقيل: إلا مكان من رحمه ~~الله تعالى فإنه مانع من ذلك وهو السفينة. {وحال بينهما} أي: بين نوح وابنه ~~أو بين ابنه والجبل {الموج} المذكور في قوله موج كالجبال {فكان} ابنه {من ~~المغرقين} أي: فصار من المهلكين بالماء. # {و} لما تناهى الطوفان وأغرق قوم نوح {قيل} أي: قال الله تعالى أو ملك ~~بأمره ms1196 تعالى # PageV02P059 # {يا أرض ابلعي ماءك} أي: اشربيه {ويا سماء أقلعي} أي: أمسكي ماءك، ~~ناداهما بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التخصيص والإقبال عليهما ~~بالخطاب من بين سائر المخلوقات ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل ~~تمثيلا لكمال انقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما، وههنا همزتان مختلفتان من ~~كلمتين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة. قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير ~~بإبدال الثانية واوا خالصة والباقون بالتخفيف {وغيض الماء} أي: نقص وذهب، ~~وقرأ هشام والكسائي بإشمام الغين وهو ضم الغين قبل الياء والباقون بالكسر ~~وكذا وقيل: {وقضي الأمر} أي: وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين وإنجاء ~~المؤمنين {واستوت} أي: استقرت السفينة {على الجودي} وهو جبل بالجزيرة قريب ~~من الموصل. وقيل، أي: قال الله تعالى أو ملك بأمره تعالى: {بعدا} أي: هلاكا ~~{للقوم الظالمين} ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على ~~الجلال والكبرياء وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر وبكون ~~مكون قاهر، وأن فاعلها واحد لا يشارك في أفعاله فلا يذهب الوهم إلى أن يقول ~~غيره: {يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي} ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل ~~غيره ولا أن تستوي على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره. # وروي أن السفينة لما استقرت بعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر ~~الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع، فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها، ~~ولطخت رجليها بالطين فعلم نوح أن الماء قد نقص، فقيل: إنه دعا على الغراب ~~بالخوف فلذا لا يألف البيوت، وطوق الحمامة الخضرة التي في عنقها ودعا لها ~~بالأمان فمن ثم تألف البيوت. وروي أن نوحا ركب السفينة لعشر مضت من رجب ~~وجرت بهم السفينة ستة أشهر ومرت بالبيت العتيق، وقد رفعه الله تعالى من ~~الغرق وبقي موضعه، فطافت به السفينة سبعا. وأودع الحجر الأسود في جبل أبي ~~قبيس، وهبط نوح ومن معه في السفينة يوم عاشوراء فصامه نوح وأمر من معه ~~بصيامه شكرا لله تعالى. وبنوا قرية بقرب الجبل وسميت سوق ثمانين ms1197 فهي أول ~~قرية عمرت على وجه الأرض بعد الطوفان. وقيل: إنه لم ينج أحد من الكفار من ~~الغرق غير عوج بن عنق وكان الماء يصل إلى حجزته وهذا لا يأتي على القول ~~بإطباق الماء. قال هذا القائل: وسبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشب ساج ~~للسفينة فلم يمكنه نقله، فحمله عوج إليه من الشام فنجاه الله تعالى من ~~الغرق بذلك. فإن قيل: كيف أغرق الله تعالى من لم يبلغ الحلم من الأطفال؟ ~~أجيب: بأنه تعالى يتصرف في خلقه لا يسئل عما يفعل. وقيل: إن الله تعالى ~~أعقم أرحام نسائهم أربعمائة سنة فلم يولد لهم تلك المدة. # {ونادى نوح ربه} أي: دعاه وسأله {فقال رب إن ابني من أهلي} وقد وعدتني أن ~~تنجيني وأهلي {وإن وعدك الحق} أي: الصدق الذي لا خلف فيه {وأنت أحكم ~~الحاكمين} لأنك أعلمهم وأعدلهم.l # فإن قيل: إذا كان النداء هو قوله رب فكيف عطف قال رب على نادى بالفاء؟ ~~أجيب: بأن الفاء تفصيل لمجمل نادى، مثلها في: توضأ فغسل. وقيل: نادى، أي: ~~أراد نداءه فقال رب. # {قال} الله تعالى له {يا نوح إنه} أي: هذا الابن الذي سألت نجاته {ليس من ~~أهلك} أي: المحكوم بنجاتهم لإيمانهم وكفره، ولهذا علل بقوله تعالى: {إنه ~~عمل غير صالح} وقرأ الكسائي بكسر الميم ونصب اللام بغير # PageV02P060 # تنوين ونصب الراء، أي: عمل الكفر والتكذيب وكل هذا غير صالح والباقون ~~بفتح الميم ورفع اللام منونة ورفع الراء، أي: ذو عمل غير صالح أو صاحب عمل ~~غير صالح، فجعل ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة ترتع: # *فإنما هي إقبال وإدبار # واختلف علماء التفسير هل كان ذلك الولد ابن نوح أو لا على أقوال: الأول: ~~وهو قول ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والأكثرين: إنه ابنه حقيقة ~~ويدل عليه أنه تعالى نص عليه فقال: {ونادى نوح ابنه} ونوح أيضا نص عليه ~~فقال: {يا بني} وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه وأطلق عليه اسم الابن لهذا ~~السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه ms1198 من غير ضرورة. القول الثاني: أنه كان ~~ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر، وقول الحسن البصري. والقول الثالث: ~~وهو قول مجاهد والحسن: أنه ولد حنث ولد على فراشه ولم يعلم نوح بذلك، واحتج ~~هذا القائل بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط {فخانتاهما} (التحريم، 10) ~~. قال الرازي: وهذا قول واه حيث يجب صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا ~~سيما وهو خلاف نص القرآن. وقد قيل لابن عباس: ما كانت تلك الخيانة؟ فقال: ~~كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزل ~~به. {فلا تسألني ما ليس لك به علم} أي: بما لا تعلم أصواب هو أم لا؟ لأن ~~اللائق بأمثالك من أولي العزم بناء أمورهم على التحقيق. وقرأ نافع وابن ~~كثير وابن عامر بفتح اللام وتشديد النون والباقون بسكون اللام وتخفيف النون ~~وأثبت الياء بعد النون. في الوصل دون الوقف ورش وأبو عمرو وحذفها الباقون ~~وقفا ووصلا {إني أعظك} أي: بمواعظي كراهة {أن تكون من الجاهلين} فتسأل كما ~~يسألون. وإنما سمى نداءه سؤالا لتضمن ذكر الوعد بنجاة أهله واستنجازه في ~~شأن ولده. # {قال} نوح {رب إني أعوذ بك أن} أي: من أن {أسألك} في شيء من الأشياء {ما ~~ليس لي به علم} تأدبا بأدبك واتعاظا بوعظك {وإلا تغفر لي} أي: الآن ما فرط ~~مني وفي المستقبل ما يقع مني {وترحمني} أي: تستر زلاتي وتمحها وتكرمني {أكن ~~من الخاسرين} أي: الغريقين في الخسارة. فإن قيل: هذا يدل على عصمة الأنبياء ~~لوقوع هذه الزلة من نوح عليه السلام؟ أجيب: بأن الزلة الصادرة من نوح إنما ~~هي كونه لم يستقص ما يدل على نفاق ابنه وكفره؛ لأن قومه كانوا على ثلاثة ~~أقسام: كافر يظهر كفره، ومؤمن يخفي إيمانه، ومنافق لا يعلم حاله في نفس ~~الأمر. وقد كان حكم المؤمنين هو النجاة وحكم الكافرين هو الغرق، وكان ذلك ~~معلوما، وأما أهل النفاق فبقي أمرهم مخفيا، وكان ابن نوح منهم، وكان يجوز ~~فيه كونه مؤمنا، وكانت الشفقة المفرطة ms1199 التي تكون للأب في حق الابن تحمله ~~على حمل أعماله وأفعاله لا على كونه كافرا بل على الوجوه الصحيحة فأخطأ في ~~ذلك الاجتهاد كما وقع لآدم عليه السلام في الأكل من الشجرة فلم يصدر عنه ~~إلا الخطأ في الاجتهاد، فلم تصدر منه معصية، فلجأ إلى ربه تعالى وخشع له ~~ودعاه وسأله المغفرة والرحمة كما قال آدم عليه السلام: {ربنا ظلمنا أنفسنا ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (الأعراف، 23) لأن حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين. # {قيل} أي: قال الله تعالى أو ملك بأمره تعالى: {يا نوح اهبط} أي: انزل من ~~السفينة أو من الجبل إلى الأرض المستوية {بسلام} أي: بعظم وأمن وسلامة ~~{منا} وذلك أن الغرق لما كان عاما في جميع # PageV02P061 # الأرض فعندما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء ~~مما ينتفع به من النبات والحيوان فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع ~~جهات الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب، فلما قال الله تعالى: {اهبط ~~بسلام منا} زال عنه ذلك الخوف؛ لأن ذلك يدل على حصول السلامة وأن لا يكون ~~إلا مع الأمن وسعة الرزق. ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده ~~بالبركة بقوله تعالى: {وبركات عليك} وهو عبارة عن الدوام والبقاء والثبات؛ ~~لأن الله تعالى صير نوحا عليه السلام أبا البشر؛ لأن جميع من بقي كانوا من ~~نسله؛ لأن نوحا لما خرج من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته ~~ولم يحصل النسل إلا من ذريته فالخلق كلهم من نسله، أو أنه لم يكن معه في ~~السفينة إلا من كان من نسله وذريته، وعلى التقديرين فالخلق كلهم من ذريته. ~~ويدل على ذلك قوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} (الصافات، 77) فثبت أن ~~نوحا كان آدم الأصغر فكان أبا الأنبياء والخلق بعد الطوفان كلهم منه ومن ~~ذريته وكان بين نوح وآدم ثمانية أجداد. وقوله تعالى: {وعلى أمم ممن معك} ~~يحتمل أن تكون من للبيان فيراد الأمم الذين كانوا معه ms1200 في السفينة؛ لأنهم ~~كانوا جماعات أو قيل لهم أمم؛ لأن الأمم تتشعب منهم، وأن تكون لابتداء ~~الغاية، أي: على أمم ناشئة ممن معك وهي الأمم إلى آخر الدهر. قال في ~~«الكشاف» : وهو الوجه، وقوله تعالى: {وأمم} بالرفع على الابتداء، وقوله ~~تعالى: {سنمتعهم} أي: في الدنيا صفة والخبر محذوف تقديره: وممن معك أمم ~~سنمتعهم. وإنما حذف لأن قوله ممن معك يدل عليه، والمعنى أن السلام منا ~~والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون في ~~الدنيا # {ثم يمسهم منا عذاب أليم} في الآخرة وهم الكفار. وعن محمد بن كعب القرظي: ~~دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وفيما بعده من المتاع ~~والعذاب كل كافر وقيل: المراد بالأمم الممتعة قوم هود وصالح ولوط وشعيب. ~~ولما شرح تعالى قصة نوح عليه السلام على التفصيل قال تعالى: # {تلك} أي: قصة نوح التي شرحناها، ومحل تلك رفع على الابتداء وخبرها {من ~~أنباء الغيب} أي: من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق. وقوله تعالى: ~~{نوحيها إليك} خبر ثان والضمير لها، أي: موحاة إليك. وقوله تعالى: {ما كنت ~~تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} أي: نزول القرآن خبر آخر، والمعنى أن هذه ~~القصة مجهولة عندك وعند قومك من قبل إيحائنا إليك، ونظير هذا أن يقول إنسان ~~لآخر: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك. فإن قيل: قد كانت قصة ~~طوفان نوح مشهورة عند أهل العلم. أجيب: بأن ذلك كان بحسب الإجمال، وأما ~~التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة، أو بأنه صلى الله عليه وسلم كان أميا ~~لم يقرأ الكتب المتقدمة ولم يعلمها. وكذلك كانت أمته. ثم قال تعالى لنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم {فاصبر} أي: أنت وقومك على أذى هؤلاء الكفار كما ~~صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار. {إن العاقبة للمتقين} الشرك والمعاصي ~~وفي هذا تنبيه على أن عاقبة الصبر لنبينا صلى الله عليه وسلم النصر والفرج، ~~أي: السرور كما كان لنوح ولقومه. فإن قيل: هذه ms1201 القصة ذكرت في يونس فما ~~الحكمة والفائدة في إعادتها؟ أجيب: بأن القصة الواحدة قد ينتفع بها من ~~وجوه، ففي السورة الأولى كان # PageV02P062 # الكفار يستعجلون نزول العذاب فذكر تعالى قصة نوح في بيان أن قومه كانوا ~~يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر ثم في العاقبة ظهر فكذا في واقعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وفي هذه السورة ذكرت لأجل أن الكفار كانوا يبالغون في ~~الإيحاش فذكرها الله تعالى لبيان أن إقدام الكفار على الإيذاء والإيحاش كان # حاصلا في زمان # نوح عليه السلام، فلما صبر فاز وظفر، فكن يا محمد كذلك لتنال المقصود، ~~ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها ~~خاليا عن الحكمة والفائدة. # القصة الثانية: من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة هود ~~عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {س11ش50/ش55 وإلى عاد أخاهم هودا? قال ياقوم اعبدوا? الله ما لكم من اله ~~غيره??? إن أنتم إs مفترون * ياقوم ? أس?لكم عليه أجرا? إن أجرى إs على ~~الذى فطرنى?? أف تعقلون * وياقوم استغفروا? ربكم ثم توبو?ا? إليه يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم وتتولوا? مجرمين * قالوا? ياهود ~~ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركى? ءالهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن ~~نقول إs اعتر?اك بعضءالهتنا بسو?ء? قال إنى? أشهد الله واشهدو?ا? أنى برى?ء ~~مما تشركون * من دونه?? فكيدونى جميعا ثم تنظرون} # {وإلى عاد} أي: وأرسلنا إلى عاد {أخاهم} فهو معطوف على قوله تعالى نوحا، ~~وقوله تعالى: {هودا} عطف بيان ومعلوم أن تلك الأخوة ما كانت في الدين، ~~وإنما كانت في النسب لأن هودا كان رجلا من قبيلة عاد قبيلة من العرب كانوا ~~بناحية اليمن. فإن قيل: إنه تعالى قال في ابن نوح إنه ليس من أهلك فبين أن ~~قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين، وهنا أثبت هذه الأخوة مع ~~الاختلاف في الدين؟ أجيب: بأن قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يستبعدون ~~أن يكون رسولا من ms1202 عند الله تعالى مع أنه واحد من قبيلتهم، فذكر الله تعالى ~~أن هودا كان واحدا من عاد، وأن صالحا كان واحدا من ثمود لإزالة هذا ~~الاستبعاد، ولما تقدم أمر نوح عليه السلام مع قومه استشرف السامع إلى معرفة ~~ما قال هود عليه السلام هل هو مثل قوله أولا؟ فاستأنف الجواب بقوله: {قال ~~يا قوم اعبدوا الله} أي: وحدوه ولا تشركوا معه شيئا في العبادة. {ما لكم من ~~إله غيره} أي: هو إلهكم؛ لأن هذه الأصنام التي تعبدونها حجارة لا تضر ولا ~~تنفع. فإن قيل: كيف دعاهم إلى عبادة الله تعالى قبل إقامة الدليل على ثبوت ~~الإله؟ أجيب: بأن دلائل وجود الله تعالى ظاهرة وهي دلائل الآفاق والأنفس ~~وقلما يوجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله، ولذلك قال تعالى في صفة ~~الكفار: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} (لقمان، 25) . ~~وقرأ الكسائي بكسر الراء والهاء صفة على اللفظ والباقون بالرفع صفة على محل ~~الجار والمجرور ومن زائدة {إن أنتم إلا مفترون} أي: كاذبون في عبادتكم ~~غيره. وكرر قوله: # {يا قوم} للاستعطاف، وقوله: {لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي ~~فطرني} أي: خلقني، خاطب به كل رسول قومه إزالة للتهمة وتمحيضا للنصيحة ~~فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع {أفلا تعقلون} أي: افلا تستعملون ~~عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل والصواب من الخطأ فتتعظون. ثم قال: # {ويا قوم} أيضا لما ذكر {استغفروا ربكم} أي: آمنوا به {ثم توبوا إليه} من ~~عبادة غيره؛ لأن التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان {يرسل السماء} أي: المطر ~~{عليكم مدرارا} أي: كثير الدر {ويزدكم قوة إلى قوتكم} أي: ويضاعف قوتكم، ~~وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوة؛ لأن القوم كانوا أصحاب زرع وبساتين ~~وعمارات حراصا عليها أشد الحرص، فكانوا أحوج شيء إلى الماء، وكانوا مذلين ~~غيرهم بما أوتوا من شدة القوة والبطش والبأس والنجدة، مهابين في كل ناحية، ~~وقيل: أراد القوة في المال. وقيل: القوة على النكاح. وقيل: حبس عنهم المطر ~~ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم. ms1203 وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه # PageV02P063 # وفد على معاوية، فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال ولا يولد ~~لي فعلمني شيئا لعل الله يرزقني ولدا. فقال: عليك بالاستغفار. فكان يكثر ~~الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشر بنين، فبلغ ~~ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟ فوفد مرة أخرى فسأله الرجل فقال: ~~ألم تسمع قول هود: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} وقول نوح: {ويمددكم بأموال ~~وبنين} (نوح، 13) . {ولا تتولوا} أي: ولا تعرضوا عن قبول قولي ونصحي حالة ~~كونكم {مجرمين} أي: مشركين. ولما حكى الله تعالى عن هود ما ذكره لقومه حكى ~~أيضا ما ذكره قومه له وهو أشياء: أولها: ذكره تعالى بقوله: # {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة} أي: بحجة تدل على صحة دعواك. وسميت بينة؛ ~~لأنها تبين الحق، ومن المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أظهر لهم ~~المعجزات إلا أن القوم لجهلهم أنكروها وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات. ~~وثانيها: قولهم: {وما نحن بتاركي آلهتنا} أي: عبادتها، وقولهم: {عن قولك} ~~أي: صادرين عن قولك حال من الضمير في تاركي، وهذا أيضا من جهلهم فإنهم ~~كانوا يعرفون أن النافع والضار هو الله تعالى وأن الأصنام لا تضر ولا تنفع ~~وذلك حكم فطرة العقل وبديهة النفس، وثالثها: قولهم: {وما نحن لك بمؤمنين} ~~أي: مصدقين، وفي ذلك إقناط له من الإجابة والتصديق. ورابعها: قولهم: # {إن} أي: ما {نقول} في شأنك {إلا اعتراك} أي: أصابك {بعض آلهتنا بسوء} ~~لسبك إياها فجعلتك مجنونا وأفسدت عقلك، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ~~ذلك {قال} هود عليه السلام مجيبا لهم: {إني أشهد الله} علي {واشهدوا} أنتم ~~أيضا علي {أني بريء مما تشركون} . {من دونه} أي: الله وهو الأصنام التي ~~كانوا يعبدونها {فكيدوني} أي: احتالوا في هلاكي {جميعا} أنتم وأصنامكم التي ~~تعتقدون أنها تضر وتنفع فإنها لا تضر ولا تنفع. # فائدة: اتفق القراء على إثبات الياء في كيدوني هنا وقفا ووصلا لثباتها في ms1204 ~~المصحف {ثم لا تنظرون} أي: تمهلون، وهذا فيه معجزة عظيمة لهود عليه السلام؛ ~~لأنه كان وحيدا في قومه وقال لهم هذه المقالة ولم يهبهم ولم يخف منهم مع ما ~~هم فيه من الكفر والجبروت ثقة بالله تعالى كما قال تعالى: # {إني توكلت على الله ربي وربكم} أي: فوضت أمري إليه واعتمدت عليه {ما من ~~دابة} تدب على الأرض ويدخل في هذا جميع بني آدم والحيوان؛ لأنهم يدبون على ~~الأرض. {إلا هو آخذ بناصيتها} أي: مالكها وقاهرها فلا يقع نفع ولا ضر إلا ~~بإذنه والناصية كما قال الأزهري: عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس، وسمي ~~الشعر النابت هنا ناصية باسم منبته، والعرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة ~~والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، وكانوا إذا أسروا الأسير ~~وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره، فخوطبوا في ~~القرآن بما يعرفون من كلامهم {إن ربي على صرط مستقيم} أي: طريق الحق والعدل ~~فلا يظلمهم ولا يعمل إلا بالإحسان والإنصاف فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء ~~بعصيانه. وقوله تعالى: # {فإن تولوا} فيه حذف إحدى التاءين، أي: تعرضوا {فقد أبلغتكم} جميع {ما ~~أرسلت به إليكم} فإن قيل: الإبلاغ كان قبل التولي فكيف وقع جزاء للشرط؟ ~~أجيب: بأن معناه فإن تتولوا لم أعاتب على تقصير من جهتي وصرتم محجوجين؛ ~~لأنكم أنتم # PageV02P064 # الذين أصررتم على التكذيب وقوله {ويستخلف ربي قوما غيركم} استئناف ~~بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف قوما آخرين في ديارهم وأموالهم ~~يوحدونه تعالى ويعبدونه {ولا تضرونه} أي: الله بإشراككم {شيئا} من الضرر ~~إنما تضرون أنفسكم. وقيل: لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم؛ لأن وجودكم وعدمكم ~~عنده سواء {إن ربي على كل شيء} صغير أو كبير، حقير أو جليل. # {حفيظ} ، أي: رقيب عالم بكل شيء وقادر على كل شيء فيحفظني أن تنالوني ~~بسوء أو حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها، أو حفيظ على كل شيء يحفظه ~~من الهلاك إذا شاء ويهلكه إذا شاء. # {ولما} لم يرجعوا ولم يرعووا ببينة ولا رغبة ولا رهبة ms1205 {جاء أمرنا} أي: ~~عذابنا، وذلك هو ما نزل بهم من الريح العقيم عذبهم الله تعالى بها سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما تدخل في مناخرهم وتخرج من أدبارهم وترفعهم وتضربهم على ~~الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية، وهنا همزتان مفتوحتان من ~~كلمتين. قرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الأولى، وقرأ ورش وقنبل بتحقيق ~~الأولى وتسهيل الثانية والباقون بتحقيقهما، {نجينا هودا والذين آمنوا معه} ~~، أي: من هذا العذاب وكانوا أربعة آلاف {برحمة منا} لأن العذاب إذا نزل قد ~~يعم المؤمن والكافر، فلما أنجى الله تعالى المؤمنين من ذلك العذاب كان ~~برحمته وفضله وكرمه {ونجيناهم من عذاب غليظ} هو عذاب الآخرة. ووصفه بالغلظ؛ ~~لأنه أغلظ من عذاب الدنيا أو نجينا هودا والذين آمنوا معه من أن يصل إليهم ~~الكفار بسوء مع اجتهادهم في ذلك، ونجيناهم من عذاب غليظ هو الريح المذكورة. ~~ولما ذكر الله تعالى قصة عاد خاطب أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {وتلك ~~عاد} وهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه تعالى قال: سيحوا في الأرض فانظروا ~~إليها واعتبروا، ثم إنه تعالى جمع أوصافهم ثم ذكر عاقبة أحوالهم في الدنيا ~~والآخرة، أما أوصافهم فثلاثة: الصفة الأولى: قوله تعالى: {جحدوا بآيات ~~ربهم} ، أي: بالمعجزات التي أتى بها هود عليه السلام. الصفة الثانية: قوله ~~تعالى: {وعصوا رسله} ، أي: هودا وحده، وإنما أتى به بلفظ الجمع إما ~~للتعظيم، أو لأن من عصى رسولا فقد عصى جميع الرسل لقوله تعالى: {لا نفرق ~~بين أحد من رسله} (البقرة، 285) . الصفة الثالثة: قوله تعالى: {واتبعوا أمر ~~كل جبار عنيد} ، أي: أن السفلة كانوا يقلدون الرؤساء في قولهم ما هذا إلا ~~بشر مثلكم، فأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم، وعصوا من دعاهم إلى ~~الإيمان ولا يرديهم، والجبار: المرتفع المتمرد، والعنيد والعنود والمعاند ~~هو المنازع المعارض. ولما # ذكر تعالى أوصافهم ذكر أحوالهم بقوله تعالى: # {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة} ، أي: جعل اللعن رديفا لهم ~~ومتابعا ومصاحبا في الدنيا والآخرة. ومعنى اللعنة: الإبعاد من رحمة الله ms1206 ~~تعالى ومن كل خير، وقيل: اللعنة في الدنيا من الناس وفي الآخرة لعنة على ~~رؤوس الأشهاد. ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة ~~بهم بقوله تعالى: {ألا إن عادا كفروا ربهم} ، أي: كفروا بربهم، فحذف الباء ~~أو أن المراد بالكفر الجحد، أي: جحدوا ربهم. وقيل: هو من باب حذف المضاف، ~~أي: كفروا نعمة ربهم. # تنبيه: ألا أداة استفتاح لا تذكر إلا بين كلام يعظم موقعه ويجل خطبه، ثم ~~قال: {ألا بعدا لعاد} دعاء عليهم بالهلاك. والمراد به الدلالة على أنهم ~~كانوا مستوجبين لما نزل بهم بسبب ما حكي # PageV02P065 # عنهم، وإنما كرر ألا وأعاد ذكرهم تفظيعا لأمرهم وحثا على الاعتبار ~~بحالهم. وقوله تعالى: {قوم هود} عطف بيان لعاد وفائدته تمييزهم من عاد ~~الثانية عاد إرم والإيماء إلى استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود. # القصة الثالثة: التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة صالح عليه ~~السلام المذكورة في قوله تعالى: # {وإلى ثمود} وهم سكان الحجر، أي: وأرسلنا إلى ثمود {أخاهم} فهو معطوف على ~~قوله تعالى نوحا كما عطف عليه وإلى عاد وقوله تعالى: {صالحا} عطف بيان، ~~وتلك الأخوة كانت في النسب لا في الدين، كما مر في هود، ثم أخرج قوله عليه ~~السلام على تقدير سؤال بقوله: {قال يا قوم} ، أي: يا من يعز علي أن يحصل ~~لهم سوء {اعبدوا الله} ، أي: وحدوه وخصوه بالعبادة {ما لكم من إله غيره} هو ~~إلهكم المستحق للعبادة لا هذه الأصنام، ثم ذكر الدلائل الدالة على وحدانيته ~~تعالى بقوله: {هو أنشاكم} ، أي: ابتدأ خلقكم {من الأرض} وذلك أنهم من بني ~~آدم وآدم خلق من الأرض، أو أن الإنسان مخلوق من المني وهو متولد من الدم ~~والدم متولد من الأغذية وهي إما حيوانية وإما نباتية، فأما الحيوانية ~~فحالها كحال الإنسان فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات متولد من الأرض، ~~فثبت أنه تعالى أنشأ الإنسان من الأرض. وقيل: من بمعنى في كما في قوله ~~تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} (الجمعة، ms1207 9) . {واستعمركم فيها} ، ~~أي: جعلكم عمارها وسكانها، وقال الضحاك: أطال أعماركم فيها حتى أن الواحد ~~منهم كان يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة وكذا كان قوم عاد، وروي أن ملوك ~~فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار وحصلت لهم الأعمار الطويلة، ~~فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه ما سبب تلك الأعمار فأوحى الله إليه أنهم ~~عمروا بلادي فعاش فيها عبادي، وأخذ معاوية في إحياء الأرض في آخرة عمره ~~فقيل له ذلك فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل: # *ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار # وقال مجاهد: استعمركم من العمرى، أي: جعلها لكم ما عشتم فإذا متم انتقلت ~~إلى غيركم. # ولما بين لهم عليه السلام عظمة الله تعالى بين لهم طريق الرجوع إليه ~~بقوله: {فاستغفروه} ، أي: آمنوا به {ثم توبوا إليه} من عبادة غيره؛ لأن ~~التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان وقد مر مثل ذلك {إن ربي قريب} من خلقه بعلمه ~~لكل من أقبل عليه من غير حاجة إلى حركة {مجيب} لكل من ناداه لا كمعبوداتكم ~~في الأمرين. ولما قرر لهم عليه السلام هذه الدلائل. # {قالوا} له {يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} ، أي: القول الذي جئت به ~~لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، فإنك كنت تعطف على فقيرنا وتعين ~~ضعيفنا وتعود مرضانا، فقوي رجاؤنا فيك أن تنصر ديننا فكيف أظهرت العداوة؟. ~~ثم إنهم أضافوا إلى هذا التعجب الشديد فقالوا: {أتنهانا أن نعبد ما} كان ~~{يعبد آباؤنا} من الآلهة، ومقصودهم بذلك التمسك بطرف التقليد ووجوب متابعة ~~الآباء والأسلاف، ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث ~~قالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} (ص، 5) ثم قالوا: {وإننا ~~لفي شك مما تدعونا إليه} من التوحيد وترك عبادة الأصنام {مريب} ، أي: موقع ~~في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين، والرجاء: تعلق # PageV02P066 # النفس بمجيء الخير على جهة الظن، ونظيره الأمل والطمع، والنهي: المنع من ~~الفعل بصيغة لا تفعل. وقولهم ms1208 هذا مبالغة في تزييف كلامه {قال} صالح عليه ~~السلام مجيبا لهم {يا قوم أرأيتم} ، أي: أخبروني {إن كنت على بينة} ، أي: ~~بيان وبصيرة {من ربي} وأتى بحرف الشك على سبيل الجزم ليلائم الخطاب حال ~~المخاطبين {وآتاني منه رحمة} ، أي: نبوة ورسالة {فمن ينصرني} ، أي: يمنعني ~~{من الله} ، أي: عذابه {إن عصيته} ، أي: إن خالفت أمره في تبليغ رسالته ~~والمنع عن الإشراك به {فما تزيدونني} ، أي: بأمركم لي بذلك {غير تخسير} ، ~~أي: غير تضليل. قال الحسن بن الفضل: لم يكن صالح في خسارة حتى يقول فما ~~تزيدونني غير تخسير، وإنما المعنى فما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إياكم # إلى الخسارة. ولما كانت العادة فيمن يدعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام ~~أن يطلبوا المعجزة وأمر صالح عليه السلام. هكذا كان يروى أن قومه خرجوا في ~~عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا إليها ~~ناقة، فدعا ربه فخرجت كما سألوا. أشار إليها بقوله: {ويا قوم هذه ناقة ~~الله} وإضافتها إلى الله إضافة تشريف كبيت الله {لكم آية} ، أي: معجزة من ~~وجوه: أحدها: أنه خلقها الله تعالى من الصخرة. ثانيها: أنه تعالى خلقها في ~~جوف الجبل ثم شق الجبل عنها. ثالثها: أنه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر ثم ~~ولدت فصيلا يشبهها. رابعها: أنه تعالى خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة. ~~خامسها: ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر. سادسها: أنه ~~كان يحصل منها لبن كثير فيكفي الخلق العظيم به، فكل واحد من هذه الوجوه ~~معجز قوي، وليس في القرآن إلا أن هذه الناقة كانت آية معجزة، وأما بيان ~~أنها كانت آية معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه. # تنبيه: آية نصب على الحال وعاملها معنى الإشارة ولكن حال منها تقدمت ~~عليها لتنكيرها ولو تأخرت لكانت صفة لها فلما تقدمت انتصبت على الحال ثم ~~قال لهم: {فذروها} ، أي: اتركوها على، أي: حالة كان ترككم لها {تأكل} مما ~~أرادت {في أرض الله} من العشب ms1209 والنبات فليس عليكم مؤنتها فصارت مع كونها ~~آية لهم تنفعهم ولا تضرهم؛ لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها ثم إنه عليه السلام ~~خاف عليها منهم لما شاهد من إصرارهم على الكفر فإن الخصم لا يحب ظهور حجة ~~خصمه بل يسعى في إخفائها وإبطالها بأقصى الإمكان، فلهذا السبب كان يخاف من ~~إقدامهم على قتلها فلهذا احتاط وقال: {ولا تمسوها بسوء} ، أي: بعقر أو غيره ~~ثم توعدهم بقوله: {فيأخذكم} إن مسستموها بسوء {عذاب قريب} ، أي: في الدنيا ~~لا يتأخر عن مسكم لها إلا يسيرا وذلك تحذير شديد لهم في الإقدام على قتلها ~~فخالفوه. # {فعقروها} وذبحوها {فقال} لهم عند بلوغه الخبر {تمتعوا} ، أي: عيشوا {في ~~داركم} والتمتع التلذذ بالمنافع والملاذ التي تدرك بالحواس وذلك لا يحصل ~~إلا للحي. وفي المراد من الدار وجهان: أحدهما: البلد وتسمى البلد الديار ~~لأنه يدار فيها، أي: يتصرف فيها، يقال ديار بكر لبلادهم. الثاني: دار ~~الدنيا، أي: تمتعوا في الدنيا {ثلاثة أيام} وذلك أنهم لما عقروا الناقة ~~أنذرهم صالح عليه الصلاة والسلام بنزول العقاب بعد هذه المدة قال ابن عباس: ~~إنه تعالى لما أمهلهم تلك الأيام الثلاثة فقد رغبهم في الإيمان ثم قالوا ~~لصالح عليه السلام وما علامة ذلك؟ قال: تصير وجوهكم في اليوم الأول مصفرة ~~وفي # PageV02P067 # الثاني محمرة وفي الثالث مسودة ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع، فلما ~~رأوا وجوههم مسودة أيقنوا حينئذ بالعذاب فتحنطوا واستعدوا للعذاب فصبحهم ~~اليوم الرابع كما قال تعالى: {ذلك} ، أي: الوعد العالي الرتبة في الصدق ~~{وعد غير مكذوب} ، أي: فيه فاتسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول ~~به كقوله: ويوم شهدناه أي ورب يوم شهدنا فيه سليما وعامرا. أو غير مكذوب ~~على المجاز أو وعد غير كذب على أنه مصدر قوله تعالى: # {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا} في تفسيره، ~~وقراءة الهمزتين وعدد الذين آمنوا معه مثل ما تقدم في قصة عاد {و} نجيناهم ~~{من خزي يومئذ} وهو هلاكهم بالصيحة أو ذلهم أو فضيحتهم يوم القيامة. وقرأ ~~نافع والكسائي ms1210 بفتح الميم من يومئذ على البناء لإضافتها إلى مبني، وكسرها ~~الباقون على الإعراب والأول أكثر {إن ربك هو القوي} فهو يغلب كل شيء ~~{العزيز} ، أي: القادر على منع غيره من غير أن يقدر أحد عليه، ثم أخبر ~~تعالى عن عذاب قوم صالح بقوله: # {وأخذ الذين ظلموا} ، أي: أنفسهم بالكفر {الصيحة} ، أي: صيحة جبريل عليه ~~السلام، صاح بهم صيحة واحدة فهلكوا جميعا أو أتتهم صيحة من السماء فتقطعت ~~قلوبهم في صدورهم فماتوا جميعا، كما قال تعالى: {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} ~~، أي: باركين على الركب ميتين. # تنبيه: إنما قال تعالى وأخذ ولم يقل وأخذت؛ لأن الصيحة محمولة على ~~الصياح، وأيضا فصل بين الفعل والاسم المؤنث بفاصل فكان الفاصل كالعوض من ~~تاء التأنيث. وقوله تعالى: # {كأن} مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي: كأنهم {لم يغنوا} ، أي: يقيموا ~~{فيها} ، أي: ديارهم ولم يسكنوها مدة من الدهر يقال: غنيت بالمكان إذا أقمت ~~به. وقوله تعالى: {ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود} تفسيره ما تقدم ~~في قوله تعالى: {ألا إن عادا كفروا ربهم} (هود، 60) الآية. وقرأ حفص وحمزة ~~ألا إن ثمود بغير تنوين للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة، والباقون بالتنوين ~~للذهاب إلى الحي أو إلى الأب الأكبر. ومن نون وقف على ألف بعد الدال، ومن ~~لم ينون وقف على الدال ساكنة. وقرأ الكسائي بعدا لثمود بتنوين ثمود مع ~~الكسر لما مر، والباقون بغير تنوين مع الفتح لما مر أيضا. # القصة الرابعة: التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى: # {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} ، أي: بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، ~~والمراد بالرسل الملائكة، ولفظ رسلنا جمع وأقله ثلاثة، واختلف في الزائد ~~على ذلك وأجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام، واقتصر ابن عباس ~~وعطاء على أقل الجمع فقالا: كانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وهم ~~الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الذاريات بقوله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف ~~إبراهيم المكرمين} (الذاريات، 24) ، وفي الحجر: {ونبئهم عن ضيف ms1211 إبراهيم} ~~(الحجر، 51) . وقال الضحاك: كانوا تسعة. وقال محمد بن كعب القرظي: كان ~~جبريل ومعه سبعة أملاك. وقال السدي: كان جبريل ومعه أحد عشر ملكا على صورة ~~الغلمان الذين يكونون في غاية الحسن. قال النحويون: ودخلت كلمة قد ههنا؛ ~~لأن السامع لقصص الأنبياء يتوقع قصة بعد قصة، وقد للتوقع، ودخلت اللام في ~~لقد لتأكيد الخبر. {قالوا سلاما} ، أي: سلمنا عليك سلاما، ويجوز نصبه ~~بقالوا # PageV02P068 # على معنى ذكروا سلاما، أي: سلموا {قال سلام} ، أي: أمركم أو جوابي سلام ~~أو وعليكم سلام. # تنبيه: قوله سلام أكمل من قوله السلام، لأن التنكير يفيد الكمال ~~والمبالغة والتمام، ولهذا صح وقوعه مبتدأ؛ لأن النكرة إذا كانت موصوفة جاز ~~جعلها مبتدأ، أو لفظ السلام فإنه لا يفيد إلا الماهية. فإن قيل: فلأي شيء ~~ما كفى الأول في التحلل من الصلاة عند النووي؟ أجيب: بأن ذلك سنة متبعة. ~~وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين وسكون اللام ولا ألف بعدها، والباقون بفتح ~~السين واللام وبعدها ألف. قال الفراء: ولا فرق بين القراءتين كما يقال حل ~~وحلال وحرم وحرام. وقيل سلم هو بمعنى الصلح، أي: نحن سلم صلح غير حرب. {فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ} (هود، 69) ، أي: فما أبطأ مجيئه به. والحنيذ: المشوي ~~على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض، وكان سمينا يقطر ودكه. كما قال ~~تعالى في موضع آخر: {فجاء بعجل سمين} . قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم ~~البقر. روي أن إبراهيم عليه السلام مكث خمس عشرة ليلة لم يأته ضيف فاغتم ~~لذلك وكان يحب الضيف ولا يأكل إلا معه، فلما جاءته الملائكة رأى أضيافا لم ~~ير مثلهم فعجل قراهم وجاء بعجل سمين مشوي. # {فلما رأى أيديهم} ، أي: الأضياف {لا تصل إليه} ، أي: لا يمدون أيديهم ~~إليه {نكرهم} أي: أنكرهم وأنكر حالهم لامتناعهم من الطعام {وأوجس} ، أي: ~~أضمر في نفسه {منهم خيفة} ، أي: خوفا. قال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا نزل ~~بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنما جاء بشر. {قالوا لا ~~تخف} يا ms1212 إبراهيم {إنا} ملائكة الله {أرسلنا إلى قوم لوط} بالعذاب وإنما لم ~~نمد له أيدينا لأنا لا نأكل. # {وامرأته} ، أي: إبراهيم سارة وهي ابنة عم إبراهيم {قائمة} وراء الستر ~~تسمع محاورتهم أو على رؤوسهم للخدمة فسمعت البشارة بالولد التي دل عليها ~~فيما مضى قوله بالبشرى {فضحكت} سرورا من تلك البشرى لزوجها مع كبره وربما ~~ظنته من غيرها؛ لأنها كانت عجوزا عقيما فأزيل ذلك الظن عنها بقوله تعالى: ~~{فبشرناها} ، أي: على لسان الملائكة تشريفا لها وتفخيما لشأنها. {بإسحاق} ~~تلده {ومن وراء إسحاق يعقوب} ، أي: يكون يعقوب عليه السلام ابنا لإسحاق ~~عليه السلام فتعيش حتى ترى ولد ولدها. قال البقاعي: والذي يدل على هذا ~~التقدير من أنهم بشروه بالولد قبل امرأته فسمعت فعجبت ما يأتي عن نص ~~التوراة، وساق عن التوراة عبارة مطولة. وقيل: سبب سرورها زوال الخيفة أو ~~هلاك أهل الفساد. وقيل: فضحكت فحاضت كما قال الشاعر: # *عهدي بسلمى ضاحكا في لبانة # أي: حائضا في جماعة من النساء. # وهذا يرد على الفراء حيث قال: ضحكت بمعنى حاضت لم نسمعه من ثقة، وقال ~~آخر: تضحك الضبع لقتلى هذيل. أراد أنها تحيض فرحا. # تنبيه: ههنا همزتان مكسورتان من كلمتين، قرأ قالون والبزي بتسهيل الأولى ~~مع المد والقصر، وقرأ ورش وقنبل بتسيهل الثانية وإبدالها أيضا حرف مد. وقرأ ~~أبو عمرو بإسقاط أحدهما مع المد والقصر، والباقون بتحقيق الهمزتين ولا ألف ~~بينهما. # {قالت يا ويلتا} هذه كلمة تقال عند أمر عظيم، والألف مبدلة من ياء ~~الإضافة. {أألد وأنا عجوز} وكانت ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق، وقول ~~مجاهد: تسع وتسعين سنة، {وهذا بعلي} ، أي: زوجي سمي بذلك لأنه # PageV02P069 # قيم أمرها، وقولها {شيخا} نصب على الحال. قال الواحدي: وهذا من لطيف ~~النحو وغامضه فإن كلمة هذا للإشارة فكان قولها {وهذا بعلي شيخا} قائم مقام ~~أن يقال: أشير إلى بعلي حال كونه شيخا، والمقصود تعريف هذه الحالة المخصوصة ~~وهي الشيخوخة، وكان ابن مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق. وقال مجاهد: ~~مائة سنة وكان بين البشارة والولادة ms1213 سنة {إن هذا لشيء عجيب} ، أي: إن الولد ~~من هرمين فهو استعجاب من حيث العادة دون القدرة ولذلك # {قالوا} ، أي: الملائكة لسارة {أتعجبين من أمر الله} منكرين عليها ذلك، ~~أي: لا تعجبين من ذلك فإن الله تعالى قادر على كل شيء، وإذا أراد شيئا كان ~~سريعا فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة ومهبط المعجزات، وتخصيصهم ~~بمزيد النعم والكرامات ليس بمستغرب {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} ، ~~أي: بيت إبراهيم وأهل منصوب على المدح أو النداء لقصد التخصيص كقولهم: اغفر ~~لنا أيتها العصابة وهذا على معنى الدعاء من الملائكة لهم بالخير والبركة، ~~وفيه دليل على أن أزواج الرجل من أهل بيته {إنه} تعالى {حميد} ، أي: محمود ~~على كل حال أو فاعل ما يستوجب به الحمد {مجيد} ، أي: كثير الخير والإحسان. # القصة الخامسة: التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة لوط عليه السلام ~~المذكورة قوله تعالى: # {فلما ذهب عن إبراهيم الروع} ، أي: الخوف وهو ما أوجس من الخيفة حين أنكر ~~أضيافه واطمأن قلبه بعرفانهم {وجاءته البشرى} بدل الروع بالولد أخذ ~~{يجادلنا} ، أي: يجادل رسلنا {في} شأن {قوم لوط} وجواب «لما» أخذ يجادلنا ~~إلا أنه حذف اللفظ لدلالة الكلام عليه. وقيل: تقديره لما ذهب عن إبراهيم ~~الروع جادلنا. فإن قيل: كيف جادل إبراهيم الملائكة مع علمه بأنهم لا يمكنهم ~~مخالفة أمر الله وهذا منكر؟ أجيب: بأن المراد من هذه المجادلة تأخير العذاب ~~عنهم لعلهم يؤمنون ويرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي، لأن الملائكة ~~قالوا: {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} (العنكبوت، 31) أو أن مجادلته إنما ~~كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيهم، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام: ~~أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا قال: أو ~~أربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون. قالوا: لا. قال: فعشرون؟ قالوا: لا حتى ~~بلغ خمسة قالوا: لا. قال: أرأيتم لو كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: ~~لا. فعند ذلك قال: إن فيها لوطا. وقد ذكر الله تعالى هذا في سورة العنكبوت، ms1214 ~~فقال: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين، قال إن فيها لوطا قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} (العنكبوت، 31، 32) قال ابن جريج: وكان ~~في قرى لوط أربعة آلاف ألف، ولو كانت هذه المجادلة مذمومة لما مدحه بقوله ~~تعالى: {إن إبراهيم لحليم} ، أي: لا يتعجل مكافأة غيره بل يتأنى فيها فيؤخر ~~أو يعفو. ومن هذا حاله يحب من غيره هذه الطريقة، وهذا مدح عظيم من الله ~~تعالى لإبراهيم، ثم ضم إلى ذلك ما يتعلق بالحلم وهو قوله تعالى: {أواه} ، ~~أي: كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس. {منيب} ، أي: رجاع فلما أطال ~~مجادلتهم قالوا له: # {يا إبراهيم أعرض عن هذا} ، أي: الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك فلا فائدة ~~فيه: {إنه قد جاء أمر ربك} ، أي: قضاؤه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم ~~{وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} ، أي: لا سبيل # PageV02P070 # إلى دفعه ورده. # {س11ش77/ش83 ولما جآءت رسلنا لوطا سى?ء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هاذا يوم ~~عصيب * وجآءه? قومه? يهرعون إليه ومن قبل كانوا? يعملون السي?ات? قال ياقوم ~~ها?ؤ?ء بناتى هن أطهر لكم? فاتقوا? الله وتخزون فى ضيفى?? أليس منكم رجل ~~رشيد * قالوا? لقد علمت ما لنا فى بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد * قال لو ~~أن لى بكم قوة أوءاوى? إلى ركن شديد * قالوا? يالوط إنا رسل ربك لن يصلو?ا? ~~إليك? فأسر بأهلك بقطع من اليل ويلتفت منكم أحد إs امرأتك? إنه? مصيبها مآ ~~أصابهم? إن موعدهم الصبح? أليس الصبح بقريب * فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها ~~سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك? وما هى من ~~الظالمين ببعيد} # {ولما جاءت رسلنا لوطا} ، أي: هؤلاء الملائكة الذين بشروا إبراهيم ~~بالولد. قال ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وهو ابن أخي إبراهيم ~~عليهما الصلاة والسلام وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة ~~شباب مرد من بني آدم، وكانوا في غاية الحسن، ولم ms1215 يعرف لوط أنهم ملائكة الله ~~تعالى {سيء بهم} ، أي: حزن بسببهم {وضاق بهم ذرعا} ، أي: صدرا، يقال: ضاق ~~ذرع فلان بكذا إذا وقع في مكروه لا يطيق الخروج منه. وذلك أن لوطا نظر إلى ~~حسن وجوههم وطيب روائحهم، فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم. وقيل: ~~ساءه ذلك لأنه؛ عرف بالآخرة أنهم ملائكة الله تعالى وأنهم جاؤوا لإهلاك ~~قومه، فرق قلبه على قومه {وقال هذا يوم عصيب} ، أي: شديد كأنه قد عصب به ~~الشر والبلاء، أي: شد به مأخوذ من العصابة التي تشد بها الرأس، قال قتادة: ~~خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فأتوا لوطا نصف النهار وهو في ~~أرض له يعمل فيها، وروي أنه كان يحتطب وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم ~~حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فاستضافوه وانطلق بهم، فلما مضى ساعة قال ~~لهم ما بلغكم من أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم قال: أشهد بالله أنها ~~لشر قرية في الأرض عملا يقول ذلك أربع مرات. وروي أن الملائكة جاؤوا إلى ~~بيت لوط فوجدوه في داره ولم يعلم بذلك أحد إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته ~~فأخبرت قومها وقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط. # {وجاءه قومه} لما علموا بهم {يهرعون} ، أي: يسرعون {إليه} قاله ابن عباس ~~وقال الحسن: الإهراع المشي بين مشيين. {ومن قبل} ، أي: قبل مجيئهم إلى لوط ~~وقيل من قبل مجيء الرسل إليهم {كانوا يعملون السيئات} ، أي: الفعلات ~~الخبيثة والفاحشة القبيحة وهي إتيان الرجال في أدبارهم. لوط {قال} لقومه ~~حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان من بني آدم {يا قوم هؤلاء بناتي} قال ~~مجاهد وسعيد بن جبير: أراد ببناته نساء قومه، وأضافهن إلى نفسه؛ لأن كل نبي ~~هو أبو أمته كالوالد لهم، أي: فتزوجوا منهن. وقيل: أراد بنات نفسه عرضهن ~~عليهم بشرط الإسلام. وقيل: كان في ذلك الوقت وفي تلك الشريعة يباح تزويج ~~المرأة المسلمة بالكافر كما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته من ms1216 ~~عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع قبل الوحي وهما كافران، وقيل: كان ~~لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه {هن أطهر لكم} ، أي: أنظف فعلا. ~~فإن قيل: أفعل التفضيل يقتضي كون العمل الذي يطلبونه طاهرا ومعلوم أنه ~~فاسد؛ لأنه لا طهارة في إتيان الرجال؟ أجيب: بأن هذا جار مجرى قوله تعالى: ~~{أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم} (الصافات، 62) ومعلوم أن شجرة الزقوم لا ~~خير فيها وكقوله صلى الله عليه وسلم «لما قالوا يوم أحد: اعل هبل قال: الله ~~أعلى وأجل» . ولا مماثلة بين الله تعالى والصنم وإنما هو كلام خرج مخرج ~~المقابلة ولهذا نظائر كثيرة {فاتقوا الله} وراقبوه واتركوا ما أنتم عليه من ~~الكفر والمعاصي {ولا تخزون} ، أي: تفضحوني {في ضيفي} ، أي: أضيافي {أليس ~~منكم رجل رشيد} يهتدي إلى الحق فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. # {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} ، أي: حاجة {وإنك لتعلم ما نريد} ~~، أي: من إتيان الذكور وما لنا فيه الشهوة فعند ذلك. # {قال} ، أي: لوط عليه السلام {لو أن لي بكم # PageV02P071 # قوة} ، أي: طاقة {أو آوي إلى ركن شديد} ، أي: عشيرة تنصرني شبهت بركن ~~الجبل في شدته، وعنه صلى الله عليه وسلم «رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ~~ركن شديد» ، والركن الشديد نصر الله ومعونته فكأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استغرب من لوط عليه السلام قوله: {أو آوي إلى ركن شديد} وعده نادرة إذ لا ~~يمكن أشد من الركن الذي كان يأوي إليه، وجواب لو محذوف تقديره: لبطشت بكم ~~أو لدفعتكم، روي أنه أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب ~~فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب. # {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} بسوء فافتح الباب ودعنا ~~وإياهم، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في ~~الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه، وله جناحان، وعليه وشاح من در منظوم وهو ~~براق الثنايا، فضرب بجناحه وجوههم، فطمس ms1217 أعينهم كما قال تعالى: {فطمسنا ~~أعينهم} (القمر، 37) فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم، ~~فخرجوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قوما سحرة. # تنبيه: لن يصلوا إليك جملة موضحة للتي قبلها؛ لأنهم إذا كانوا رسل الله ~~لن يصلوا إليه، ولن يقدروا على ضرره، ثم قالوا له: {فأسر بأهلك بقطع} ، أي: ~~طائفة {من الليل} وقرأ نافع وابن كثير بعد الفاء بهمزة وصل من السرى ~~والباقون بهمزة قطع من الإسراء. {ولا يلتفت منكم أحد} ، أي: لا ينظر إلى ~~ورائه لئلا يرى عظيم ما نزل بهم. وقوله: {إلا امرأتك} قرأه ابن كثير وأبو ~~عمرو برفع التاء على أنه بدل من أحد، والباقون بالنصب على أنه استثناء من ~~الأهل، أي: فلا تسر بها {إنه مصيبها ما أصابهم} فلم يخرج بها، وقيل: خرجت ~~والتفتت فقالت: واقوماه فجاءها حجر فقتلها. روي أنه قال لهم: متى موعد ~~هلاكهم فقالوا له: {إن موعدهم الصبح} قال: أريد أسرع من ذلك فقالوا: {أليس ~~الصبح بقريب} ، أي: فأسرع الخروج بمن أمرت بهم. # {فلما جاء أمرنا} ، أي: عذابنا بهلاكهم {جعلنا عاليها} ، أي: قراهم ~~{سافلها} روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات ~~المذكورة في سورة براءة، وكانت خمس مدائن، وفيها أربعمائة ألف، وقيل: أربعة ~~آلاف، ألف فرفع المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونهيق الحمير ~~ونباح الكلاب، لم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه نائم، ثم أسقطها مقلوبة إلى ~~الأرض. {وأمطرنا عليها} ، أي: المدن بعد قلبها، وقيل: على شذاذها وهو بضم ~~الشين المعجمة وبذالين معجمتين أولاهما مشددة وهم الذين ليسوا من أهلها ~~يكونون في القوم وليسوا منهم {حجارة من سجيل} ، أي: من طين طبخ بالنار كما ~~قال تعالى في موضع آخر {من طين} وقيل مثل السجل وهو الدلو العظيمة. {منضود} ~~، أي: متتابع يتبع بعضها بعضا. # {مسومة} ، أي: معلمة عليها اسم من يرمى بها. وقال أبو صالح: رأيت منها ~~عند أم هانئ، وهي حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع. وقال الحسن: عليها ~~أمثال الخواتيم. ms1218 وقال ابن جريج: كان عليها سيما يعلم بها أنها ليست من ~~حجارة الأرض، وقوله تعالى: {عند ربك} ظرف لها {وما هي} ، أي: تلك الحجارة ~~{من الظالمين} ، أي: مشركي مكة {ببعيد} ، أي: بشيء بعيدا وبمكان بعيد؛ ~~لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد إلا أنها إذا وقعت منها فهي أسرع ~~شيء لحوقا بالمرمي، فكأنها بمكان قريب منه، وفيه وعيد لهم، # PageV02P072 # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «سأل جبريل؟ فقال: يعني ظالمي مكة ما ~~من ظالم منهم إلا وهو يعرض عليه حجر فيسقط عليه من ساعة إلى ساعة» وقيل ~~الضمير للقرى، أي: هي قريبة من ظالمي مكة يمرون عليها في مسيرهم. # القصة السادسة: التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة شعيب عليه ~~السلام المذكورة في قوله تعالى: # {وإلى مدين} ، أي: وأرسلنا إلى مدين وهم قبيلة؛ أبوهم مدين بن إبراهيم ~~عليه السلام. وقيل: هو اسم مدينة بناها مدين المذكور، وعلى هذا فالتقدير: ~~وأرسلنا إلى أهل مدين، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه، {أخاهم} ، أي: في ~~النسب لا في الدين و {شعيبا} عطف بيان وكأن قائلا قال: فما قال لهم؟ فقيل: ~~{قال} ما قال إخوته من الأنبياء في البداءة بأصل الدين. {يا قوم} مستعطفا ~~لهم مظهرا غاية الشفقة {اعبدوا الله} ، أي: وحدوه ولا تشركوا به شيئا {ما ~~لكم من إله غيره} فلقد اتفقت كما ترى كلمتهم، واتحدت إلى الله تعالى ~~دعوتهم، وهذا وحده قطعي الدلالة على صدق كل منهم لما علم قطعا من تباعد ~~أعصارهم، وتنائي ديارهم، وإن بعضهم لم يلم بالعلوم، ولا عرف أخبار الناس ~~إلا من الحي القيوم، ولما دعاهم إلى العدل فيما بينهم وبين الله تعالى ~~دعاهم إلى العدل فيما بينهم وبين عبيده في أقبح ما كانوا اتخذوه بعد الشرك ~~تدينا فقال: {ولا تنقصوا} بوجه من الوجوه {المكيال والميزان} ، أي: لا ~~الكيل ولا آلته ولا الوزن ولا آلته، والكيل تعديل الشيء بالآلة في القلة ~~والكثرة، والوزن تعديله في الخفة والثقل، فالكيل العدل في الكمية والوزن ~~العدل في الكيفية، ثم ms1219 علل ذلك بقوله: {إني أراكم بخير} ، أي: بثروة وسعة ~~تغنيكم عن التطفيف. قال ابن عباس: كانوا موسرين في نعمة. وقال مجاهد: كانوا ~~في خصب وسعة فحذرهم زوال تلك النعمة وغلاء السعر وحلول النقمة إن لم يؤمنوا ~~ويتوبوا وهو قوله: {وإني أخاف عليكم} إن لم تؤمنوا {عذاب # يوم محيط} ، أي: يحيط بكم فيهلككم جميعا وهو عذاب الاستئصال في الدنيا ~~وعذاب النار في الآخرة، ومنه قوله تعالى: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} () ~~والمحيط من صفة اليوم في الظاهر، وفي المعنى من صفة العذاب وذلك مجاز ~~مشهور، كقوله: {هذا يوم عصيب} (هود، 77) . # ويا قوم أوفوا} ، أي: أتموا اتماما حسنا {المكيال والميزان} ، أي: الكيل ~~والوزن وآلتهما. فإن قيل: النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله ~~تعالى {أوفوا} ؟ أجيب: بأنهم نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص ~~المكيال والميزان؛ لأن في التصريح بالقبيح نفيا عن المنهي وتغييرا له، ثم ~~ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحا بلفظه لزيادة ترغيب فيه ~~وبعث عليه وجيء به مقيدا. {بالقسط} ، أي: ليكون الإيفاء على وجه العدل ~~والتسوية من غير زيادة ولا نقصان أمرا بما هو الواجب؛ لأن ما جاوز العدل ~~فضل وأمر مندوب إليه غير المأمور به، وقد يكون محظورا كما في الربا وقوله ~~تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} تعميم بعد تخصيص فإنه أعم من أن يكون في ~~المقدار أو في غيره، فإنهم كانوا يأخذون من كل شيء يباع كما تفعل السماسرة ~~وكانوا، يمسكون الناس، وكانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا ~~عن ذلك، فظهر بهذا البيان أن هذه الأشياء غير مكررة بل في كل واحد منها ~~فائدة زائدة. والحاصل: أنه تعالى نهى في الآية الأولى عن النقصان في ~~المكيال والميزان، وفي الثانية: أمر # PageV02P073 # بإعطاء قدر الزيادة ولا يحصل الجزم واليقين بأداء الواجب إلا عند أداء ~~ذلك القدر من الزيادة، ولهذا قال الفقهاء: إنه تعالى أمر بغسل الوجه وذلك ~~لا يحصل إلا عند غسل جزء من الرأس، فكأنه تعالى نهى أولا عن سعي ms1220 الإنسان في ~~أن يجعل مال غيره ناقصا لتحصل له تلك الزيادة. وفي الثاني: أمر بأن يسعى في ~~تنقيص مال نفسه ليخرج بالتعيين عن العهدة كما قيده بقوله تعالى {بالقسط} ، ~~وفي الآية الثالثة نهى عن # النقص في كل الأشياء وكذا قوله تعالى: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} فإن ~~العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد، ومفسدين حال مؤكدة لمعنى ~~عاملها. وفائدتها: إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعله الخضر عليه السلام. # {بقيت الله} قال ابن عباس: يعني ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء ~~الكيل والوزن {خير لكم} مما تأخذونه بالتطفيف. وقال مجاهد: مما يحصل لكم في ~~الدنيا من المال الحرام {إن كنتم مؤمنين} ، أي: مصدقين بما قلت لكم وأمرتكم ~~به. # فائدة: {بقيت} رسمت هنا بالتاء المجرورة وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي والباقون وقفوا عليها بالهاء. {وما أنا عليكم بحفيظ} أعلم جميع ~~أعمالكم وأقدر على كفكم عما يكون منها فسادا. ولما أمرهم شعيب عليه السلام ~~بشيئين بالتوحيد وبترك البخس. # {قالوا} له {يا شعيب} سموه باسمه استخفافا وغلظة وأنكروا عليه متهزئين به ~~{أصلواتك تأمرك} ، أي: تفعل معك فعل من يأمر دائما بتكليفنا {أن نترك ما ~~يعبد} ، أي: على سبيل المواظبة {آباؤنا} من الأصنام، فحذف الذي هو التكليف؛ ~~لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره، قالوا له ذلك في جواب أمره لهم بالتوحيد ~~{أو} نترك {أن نفعل} ، أي: دائما {في أموالنا ما نشاء} من قطع الدراهم ~~والدنانير وإفساد المعاملة والمقامرة ونحوها مما يكون إفسادا للمال، قالوا ~~ذلك في جواب النهي عن التطفيف والأمر بالإيفاء، وإنما أضافوا ذلك إلى صلاته ~~تهكما واستهزاء بها وإشعارا بأن مثل هذا لا يدعو إليه داع عقلي، وإنما دعاك ~~إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه، وكان شعيب عليه الصلاة والسلام ~~كثير الصلاة في الليل والنهار، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا. ~~وقصدوا بقولهم أصلواتك تأمرك السخرية والهزء، كما أنك إذا رأيت معتوها ~~يطالع كتبا ثم يذكر كلاما فاسدا فيقال له: هذا فائدة مطالعة ms1221 تلك الكتب على ~~سبيل الهزء فكذا هنا. وقرأ حفص وحمزة والكسائي: أصلاتك بالإفراد، والباقون ~~بالجمع والتاء بالرفع في القراءتين، وغلظ ورش اللام في أصلواتك، وقولهم له: ~~{إنك لأنت الحليم الرشيد} تهكم به، وقصدوا وصفه بضد ذلك كما يقال للبخيل ~~الخسيس: لو رآك حاتم لسجد لك، وعللوا إنكار ما سمعوه منه واستبعدوه بأنه ~~موسوم بالحلم والرشد المانعين من المبادرة إلى مثل ذلك، ثم أخرج قوله عليه ~~الصلاة والسلام على تقدير سؤال بقوله: # {قال يا قوم} مستعطفا لهم لما بينهم من عواطف القرابة منبها لهم على أحسن ~~النظر فيما ساقه على سبيل الفرض؛ والتقدير: ليكون أدعى إلى سبيل الوفاق ~~والإنصاف {أرأيتم} ، أي: أخبروني {إن كنت على بينة} ، أي: برهان {من ربي} ~~وعطف على جملة الشرط المستفهم عنه قوله: {ورزقني} والضمير في {منه} لله ~~تعالى، أي: من عنده بإعانته بلا كد مني في تحصيله. وعظم الرزق # PageV02P074 # بقوله: {رزقا حسنا} جليلا ومالا حلالا لم أظلم فيه أحدا، وجواب الشرط ~~محذوف، أي: فهل يسوغ مع هذا الإنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية ~~أن أخون في وحيه فأخالفه في أمره ونهيه، وهذا اعتذار عما أنكروا عليه من ~~تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء {وما أريد أن أخالفكم} ، أي: وأذهب ~~{إلى ما أنهاكم عنه} فأرتكبه {إن} ، أي: ما {أريد} ، أي: فيما آمركم به ~~وأنهاكم عنه {إلا الإصلاح} ، أي: ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي ~~وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر {ما استطعت} ، أي: وهو الإبلاغ والإنذار ~~فقط، ولا استطيع إجباركم على الطاعة؛ لأن ذلك إلى الله تعالى فإنه يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء {وما توفيقي} ، أي: لإصابة الحق والصواب {إلا بالله} ، ~~أي: إلا بمعونته وتأييده {عليه} لا على غيره {توكلت} ، أي: اعتمدت في جميع ~~أموري، فإنه القادر على كل شيء، وما عداه عاجز، وهذه الصيغة تفيد الحصر فلا ~~ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على الله تعالى، وفيه إشارة إلى محض ~~التوحيد الذي هو أقصى مراتب المبدأ وأما قوله: {وإليه أنيب} ففيه إشارة إلى ~~معرفة المعاد، ms1222 وهو أيضا يفيد الحصر؛ لأن قوله وإليه أنيب يدل على أنه لا ~~مآب للخلق إلا إلى الله تعالى، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ~~ذكر شعيبا قال: «خطيب الأنبياء» لحسن مراجعته قومه. # {ويا قوم لا يجرمنكم} ، أي: لا يكسبنكم {شقاقي} ، أي: خلافي وهو فاعل ~~بيجرم، والضمير مفعول أول، والمفعول الثاني {أن يصيبكم} عذاب العاجلة على ~~كفركم وأفعالكم الخبيثة. قال في «الكشاف» : جرم مثل كسب في تعديه إلى مفعول ~~واحد وإلى مفعولين، تقول: جرم ذنبا وكسبه وجرمته ذنبا وكسبته إياه. ومنه ~~قوله تعالى {لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم} . {مثل ما أصاب قوم نوح} من الغرق ~~{أو قوم هود} من الريح العقيم {أو قوم صالح} من الرجفة {وما قوم لوط منكم ~~ببعيد} لا في الزمان ولا في المكان؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بهلاكهم، وكانوا ~~جيران قوم لوط وبلادهم قريبة من بلادهم، فإن القرب في الزمان والمكان يفيد ~~زيادة المعرفة وكمال الوقوف على الأحوال، فكأنه يقول: اعتبروا بأحوالهم ~~واحذروا من مخالفة الله ومنازعته حتى لا ينزل بكم مثل ذلك العذاب. فإن قيل: ~~لم قال ببعيد ولم يقل ببعيدين؟ أجيب: بأن التقدير: وما إهلاكهم بشيء بعيد، ~~وأيضا يجوز أن يسوى في قريب وبعيد وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودهما ~~على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما انتهى. # {واستغفروا ربكم} ، أي: آمنوا به {ثم توبوا إليه} عن عبادة غيره؛ لأن ~~التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان وقد مر مثل ذلك. {إن ربي رحيم} ، أي: عظيم ~~الرحمة للتائبين {ودود} ، أي: محب لهم. ولما بلغ عليه السلام في التقرير ~~والبيان أجابوه بأنواع فاسدة. # الأول: {قالوا} له {يا شعيب ما نفقه} ، أي: ما نفهم {كثيرا مما تقول} . ~~فإن قيل: إنه كان يخاطبهم بلسانهم فلم قالوا {ما نفقه} ؟ أجيب: بأنهم كانوا ~~لا يلقون إليه أذهانهم لشدة نفرتهم عن كلامه وهو قوله تعالى: {وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه} أو أنهم فهموه ولكنهم ما أقاموا له وزنا، فذكروا ~~هذا الكلام على وجه الاستهانة، كما يقول الرجل ms1223 لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ~~ما أدري ما تقول. النوع الثاني: قولهم له: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} ، أي: ~~لا قوة لك فتمتنع منا إن أردناك بسوء أو ذليلا # PageV02P075 # لا عز لك، وقيل: أعمى بلغة حمير، قاله قتادة، وفي هذا تجويز العمي على ~~الأنبياء إلا أن هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى؛ لأنه ~~ترك الظاهر من غير دليل، وقيل: ضعيف البصر، قاله الحسن. النوع الثالث: ~~قولهم له: {ولولا رهطك} ، أي: عشيرتك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا لا ~~لخوف من شوكتهم {لرجمناك} بالحجارة حتى تموت، والرهط من الثلاثة إلى عشرة، ~~وقيل: إلى السبعة، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا له أنه لا حرمة له ~~عندهم ولا وقع له في صدورهم وأنهم إنما لم يقتلوه لأجل احترام رهطه. النوع ~~الرابع: قولهم له: {وما أنت علينا بعزيز} ، أي: لا تعز علينا ولا تكرم حتى ~~نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم، وإنما يعز علينا رهطك؛ لأنهم من أهل ديننا ~~ولم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا، ولما خوف الكفار شعيبا عليه السلام ~~بالقتل والإيذاء حكى الله تعالى عنهم ما ذكروه في هذا المقام وهو نوعان: ~~الأول: # {قال} لهم {يا قوم} مستعطفا لهم مع غلظتهم عليه {أرهطي أعز عليكم من ~~الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلما حتى نظرتم إليهم في لقرابتي منهم، ولم ~~تنظروا إلى الله تعالى في قربي منه لما ظهر علي من كرامته تعالى {واتخذتموه ~~وراءكم ظهريا} ، أي: جعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر بإشراككم به، ~~والإهانة لرسوله. قال في «الكشاف» : والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من ~~تغييرات النسب، ونظيره قولهم في النسبة إلى الأمس أمسي بكسر الهمزة، وقوله: ~~{إن ربي بما تعملون محيط} ، أي: إنه عليم بأحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها. ~~النوع الثاني: قوله: # {ويا قوم اعملوا على مكانتكم} والمكانة الحالة التي يمكن صاحبها من عمله، ~~والمعنى: اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة وكل ما في وسعكم ~~وطاقتكم من إيصال الشرور إلي، {إني} أيضا {عامل} بما آتاني الله من ms1224 القدرة ~~والطاعة {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب} فمن موصولة مفعول ~~العلم. فإن قيل: لم لم يقل فسوف تعلمون؟ أجيب: بأن إدخال الفاء وصل ظاهر ~~بحرف موضوع للوصل وأما حذف الفاء فيجعله جوابا عن سؤال مقدر وهو المسمى في ~~علم البيان بالاستئناف البياني، تقديره أنه لما قال: {ويا قوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل} فكأنهم قالوا: فماذا يكون بعد ذلك فقال: سوف تعلمون، ~~فظهر أن حذف حرف الفاء ههنا أكمل في بيان الفصاحة والتهويل؛ لأنه استئناف. ~~{وارتقبوا} ، أي: انتظروا عاقبة أمركم {إني معكم رقيب} ، أي: منتظر، ~~والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب والصريم، بمعنى الضارب والصارم أو ~~بمعنى المراقب كالعشير والنديم، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى ~~المفتقر والمرتفع. # {ولما جاء أمرنا} بعذابهم وإهلاكهم {نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة} ~~، أي: بفضل {منا} بأن هديناهم للإيمان ووفقناهم للطاعة. فإن قيل: لم جاءت ~~قصة عاد وقصة مدين بالواو وقصة صالح ولوط بالفاء؟ أجيب: بأن قصة عاد ومدين ~~لم يسبقهما ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف قصتي صالح ولوط فإنهما ذكرا ~~بعد الوعد وذلك قوله تعالى: {وعد غير مكذوب} وقوله: {إن موعدهم الصبح} ~~فلذلك جاءا بفاء السببية. {أخذت الذين ظلموا} ، أي: ظلموا أنفسهم بالشرك ~~والبخس. {الصيحة} ، أي: صيحة جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة خرجت أرواحهم ~~وماتوا جميعا، وقيل: أتتهم صيحة من السماء {فأصبحوا # PageV02P076 # في ديارهم جاثمين} ، أي: باركين على الركب ميتين. # {كأن لم يغنوا} ، أي: كأنهم لم يقيموا {فيها} ، أي: ديارهم مدة من الدهر، ~~مأخوذ من قولهم: غني بالمكان إذا أقام فيه مستغنيا به عن غيره {ألا بعدا} ، ~~أي: هلاكا {لمدين كما بعدت ثمود} إنما شبههم بهم؛ لأن عذابهم كان أيضا ~~بالصيحة لكن صيحتهم كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من فوقهم، قال ابن عباس: ~~لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب إلا قوم شعيب وقوم صالح؛ فأما قوم صالح ~~فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم الصيحة من فوقهم. # القصة السابعة: التي ذكرها الله تعالى في ms1225 هذه السورة وهي آخر قصصها قصة ~~موسى عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى: # {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} أي: التوراة مع ما فيها من الشرائع والأحكام ~~{وسلطان مبين} أي: برهان بين ظاهر على صدق نبوته ورسالته وقيل: المراد ~~بالآيات المعجزات وبالسلطان المبين العصا؛ لأنها أظهر الآيات، وذلك لأن ~~الله تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات وهي العصا واليد البيضاء والطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الثمرات والسنين، ومنهم من أبدل نقص ~~الثمرات والسنين بإظلال الجبل وفلق البحر. قال بعض المحققين: سميت الحجة ~~سلطانا لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة له، كالسلطان يقهر غيره، والعلماء ~~سلاطين بسبب كمالهم في القوة العلمية، والملوك سلاطين بحسب ما معهم من ~~القدرة والمكنة إلا ان سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك؛ لأن ~~سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل وسلطنة الملوك تقبلهما ولأن سلطنة ~~الملوك تابعة لسلطنة؛ العلماء لأن سلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء ~~وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة. # {إلى فرعون} طاغية القبط {وملئه} ، أي: أشراف قومه الذين تتبعهم الأذناب؛ ~~لأن القصد الأكبر رفع أيديهم عن بني إسرائيل {فاتبعوا أمر فرعون} ، أي: ~~اتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان الداعي إلى ما لا يخفى ~~فساده على من له أدنى مسكة من العقل ولم يتبعوا موسى الهادي إلى الحق ~~المؤيد بالمعجزات الظاهرة الباهرة لفرط جهالتهم وعدم استبصارهم {وما أمر ~~فرعون برشيد} ، أي: بسديد ولا حميد العاقبة ولا يدعو إلى خير وقيل: رشيد ذو ~~رشد، وانسلاخ فرعون من الرشد كان ظاهرا؛ لأنه كان دهريا نافيا للصانع ~~والمعاد وكان يقول: لا إله للعالم وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا ~~بطاعة سلطانهم وعبوديته رعاية لمصلحة العالم، وكل الرشد في عبادة الله ~~تعالى ومعرفته، فلما كان هو نافيا لهذين الأمرين كان خاليا من الرشد ~~بالكلية. # {يقدم قومه يوم القيامة} إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال ~~أو كما تقدم قومه في الدنيا فأدخلهم البحر وأغرقهم فكذا يتقدمهم في القيامة ~~فيدخلهم النار كما ms1226 قال تعالى: {فأوردهم النار} . فإن قيل: لم لم يقل يقدم ~~قومه فيوردهم النار بل أتى بلفظ الماضي؟ أجيب: بأنه إنما أتى بلفظ الماضي ~~مبالغة في تحققه، ونزل النار له منزلة الماء فسمى إتيانها موردا، ولهذا قال ~~تعالى: {وبئس الورد المورود} وردهم لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش ~~وتبريد الأكباد والنار ضده. فإن قيل: لفظ النار مؤنث فكان مقتضى ذلك أن ~~يقال: وبئست الورد المورود؟ أجيب: بأن لفظ الورد مذكر فكان التذكير # PageV02P077 # والتأنيث جائزين كما تقول: نعم المنزل دارك ونعمت المنزل دارك، فمن ذكر ~~غلب المنزل ومن أنث بنى على تأنيث الدار. # {وأتبعوا في هذه} ، أي: الدنيا {لعنة} ، أي: طردا وبعدا عن الرحمة {ويوم ~~القيامة} ، أي: وأتبعوا يوم القيامة لعنة أخرى فهم ملعونون في الدنيا ~~والآخرة، ونظيره قوله تعالى في سورة القصص: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ~~ويوم القيامة هم من المقبوحين} (القصص، 42) . {بئس الرفد} ، أي: العون ~~{المرفود} رفدهم، سأل رافع بن الأزرق ابن عباس عن ذلك فقال: هو اللعنة بعد ~~اللعنة. وقال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان من الله تعالى لعنة في الدنيا ~~ولعنة في الآخرة، وكل شيء جعلته عونا لشيء فقد رفدته به، وسميت اللعنة ~~عونا؛ لأنها إذا أتبعتهم في الدنيا أبعدتهم عن الرحمة وأعانتهم على ما هم ~~فيه من الضلال. وسميت رفدا أي عونا لهذا المعنى على التهكم كقول القائل: ~~تحية بينهم ضرب وجيع. وسميت معانا لأنها أردفت في الآخرة بلغة أخرى ليكونا ~~هاديتين إلى طريق الجحيم. ولما ذكر تعالى قصص الأولين قال تعالى: {ذلك} ، ~~أي: المذكور وهو مبتدأ خبره {من أنباء القرى} ، أي: أخبار أهل القرى وهم ~~الأمم السالفة في القرون الماضية، وقوله تعالى: {نقصه عليك} ، أي: نخبرك به ~~يا محمد خبرا بعد خبر، وفائدة ذكر هذه القصص على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليعلم السامع أن المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا والثواب ~~الجزيل في الآخرة، وأن الكافر يخرج مع اللعنة في الدنيا والعقاب في الآخرة، ~~وإذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع فلا بد ms1227 وأن يلين القلب وتخضع النفس ~~وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال. وفي أخباره ~~صلى الله عليه وسلم بهذه القصص من غير مطالعة كتب ولا تتملذ دلالة على ~~نبوته فإن ذلك لا يكون إلا بوحي من الله تعالى {منها} ، أي: القرى {قائم} ، ~~أي: باق كالزرع القائم هلك أهله دونه {و} منها {حصيد} ، أي: عافى الأثر ~~كالزرع المحصود هلك مع أهله. # {وما ظلمناهم} ، أي: بإهلاكهم بغير ذنب {ولكن ظلموا أنفسهم} بالكفر ~~والمعاصي. وقال ابن عباس: يريد وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ~~ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله تعالى {فما أغنت} ، أي: دفعت ~~{عنهم آلهتهم} ، أي: أصنامهم {التي يدعون} ، أي: يعبدون {من دون الله} ، ~~أي: غيره {من شيء} أي شيئا فمن مزيدة {لما جاء أمر ربك} ، أي: عقابه {وما ~~زادوهم} بعبادتهم {غير تتبيب} ، أي: غير تخسير، وقيل: تدمير، ولما أخبر ~~الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه بما فعله بأمم من تقدم من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما خالفوا الرسل وما ورد عليهم من عذاب ~~الاستئصال وبين أنهم ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا. # قال تعالى بعده: {وكذلك} ، أي: ومثل ذلك الأخذ العظيم {أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي} ، أي: القرى {ظالمة} والمراد أهلها ونظيره قوله تعالى: {وكما ~~أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} (القصص، 58) وقوله تعالى: {وكم قصمنا من قرية ~~كانت ظالمة} (الأنبياء، 12) فبين تعالى أن عذابه ليس مقصورا على من تقدم، ~~بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك. ولما بين تعالى كيفية أخذ الأمم ~~المتقدمة، ثم بين تعالى أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه ~~بما يزيده تأكيدا وتقوية بقوله تعالى: {إن أخذه أليم} ، أي: مؤلم {شديد} ، ~~أي: صعب مفتت القوى. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ~~صلى الله # PageV02P078 # عليه وسلم قال: «إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» . ثم ~~قرأ {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن ms1228 أخذه أليم شديد} » وفي هذه ~~الآية الكريمة والحديث الشريف دلالة على أن من أقدم على ظلم فإنه يتداركه ~~بالتوبة والإنابة ورد الحقوق إلى أهلها، إن كان الظلم للغير لئلا يقع في ~~هذا الوعيد العظيم والعذاب الشديد، ولا يظن أن هذه الآية مختصة بظالمي ~~الأمم الماضية بل هي عامة في كل ظالم ويعضده الحديث. # {إن في ذلك} ، أي: ما ذكر من عذاب الأمم الماضية وإهلاكهم {لآية} ، أي: ~~لعبرة وموعظة {لمن خاف عذاب} يوم الحياة {الآخرة} لأنه ينظر ما أحل الله ~~تعالى بالمجرمين في الدنيا وما هو إلا أنموذج لما أعد لهم في الآخرة، فإذا ~~رأى عظمه وشدته اعتبر به عظم العذاب الموعود فيكون له عبرة وعظة ولطفا في ~~زيادة التقوى والخشية من الله تعالى، وقوله: {ذلك} إشارة إلى يوم القيامة؛ ~~لأن عذاب الآخرة دل عليه {يوم مجموع له} ، أي: فيه {الناس} ، أي: إن خلق ~~الأولين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون، ثم وصفه تعالى بوصف ~~آخر بقوله تعالى: {وذلك يوم مشهود} ، أي: يشهده أهل السموات وأهل الأرض. # {وما نؤخره} ، أي: ذلك اليوم وهو يوم القيامة {إلا لأجل} ، أي: وقت ~~{معدود} ، أي: معلوم محدود وذلك الوقت لا يعلمه إلا الله تعالى. # {يوم يأت} ذلك اليوم {لا تكلم} فيه حذف إحدى التاءين، أي: لا تتكلم {نفس ~~إلا بإذنه} تعالى. وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء بعد التاء من ~~يأتي وصلا ووقفا وحذفها الباقون، وأما التاء من تكلم فشددها البزي في الوصل ~~وخففها الباقون. فإن قيل: كيف يوفق بين قوله تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل ~~عن نفسها} (النحل، 111) وقوله تعالى: {هذا يوم ينطقون ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون} ؟ أجيب: بأن ذلك اليوم يوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها ~~يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام ولا يؤذن لهم، وفي بعضها ~~يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم ~~{فمنهم} ، أي: الناس {شقي و} منهم {سعيد} ، أي: فمنهم من سبقت له الشقاوة ~~فوجبت له النار بمقتضى الوعيد، ms1229 ومنهم من سبقت له السعادة فوجبت له الجنة ~~بموجب الوعد، وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد ~~فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله وبيده مخصرة ثم نكت ~~بها الأرض ساعة، ثم قال: «ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو ~~النار فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن ~~كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى ~~وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} (الليل، 5، 6، 7) الآية» . وبقيع الغرقد هو ~~مقبرة أهل المدينة الشريفة ومدفنهم فيه، والمخصرة كالسوط والعصا مما يمسكه ~~الإنسان بيده، والنكت بالنون والتاء المثناة من فوق ضرب الشيء بتلك المخصرة ~~أو باليد أو نحو ذلك حتى يؤثر فيه. # {فأما الذين شقوا} في علمه تعالى {ففي النار لهم فيها زفير} وهو صوت شديد ~~{وشهيق} وهو صوت ضعيف. وقيل: الزفير إخراج النفس والشهيق رده. وقيل: الزفير ~~بمنزلة ابتداء صوت الحمير بالنهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوت الحمار إذا ردده ~~في صدره. وقيل: الزفير # PageV02P079 # في الحلق والشهيق في الصدر، وعلى كل المراد منهما الدلالة على شدة كربهم ~~وغمهم {خالدين فيها} وقوله تعالى: {ما دامت السموات والأرض} فيه وجهان: ~~أحدهما: سموات الآخرة وأرضها وهي مخلوقة دائمة للأبد والدليل على أن لها ~~سموات وأرضا قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} (إبراهيم، ~~48) . وقوله تعالى: {وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء} (الزمر، 74) ، ~~ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء يخلقها الله تعالى، أو ~~يظلهم العرش وكل ما أظلك فهو سماء، وكل ما استقر قدمك عليه فهو أرض. والوجه ~~الثاني: أن المراد مدة دوامهما في الدنيا {إلا} ، أي: غير {ما شاء ربك} من ~~الزيادة على مدتهما مما لا منتهى له وذلك هو الخلود فيها أبدا {إن ربك فعال ~~لما يريد} من غير اعتراض. # {وأما الذين سعدوا ms1230 ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك} كما تقدم، ودل عليه قوله تعالى: {عطاء غير مجذوذ} ، أي: مقطوع، ~~وقيل الاستثناء في أهل الشقاوة يرجع إلى قوم من الموحدين يدخلهم الله تعالى ~~إلى النار بذنوب اقترفوها ثم يخرجهم منها فيكون ذلك استثناء، وذلك كاف في ~~صحة الاستثناء؛ لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض من غير الجنس ~~لأن الذين أخرجوا من النار سعداء في الحقيقة استثناهم الله تعالى من ~~الأشقياء،. لما روي عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج قوم من ~~النار بالشفاعة» ، وفي رواية: «أن الله تعالى يخرج ما شاء من النار فيدخلهم ~~الجنة» . وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليصيبن قوما سفع من النار ~~بذنوب أصابوها عقوبة ثم يدخلهم الله بفضله ورحمته الجنة» وفي رواية أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فيدخلون الجنة فيسمون الجهنميين» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: «ليأتين ~~على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد» ، أي: من أهل الكبائر من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بأن تخلى طبقتهم التي كانوا فيها وإن نازع في ذلك ~~الزمخشري على مذهبه الفاسد من أن أهل الكبائر يخلدون في النار، وأما ~~الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبثهم في النار قبل دخولهم الجنة ~~أو أن الاستثناء راجع إلى الفريقين فإنهم مفارقوا الجنة أيام عذابهم، وأن ~~التأبيد من مبدأ معين ينقص باعتبار الابتداء كما ينقص باعتبار الانتهاء، ~~وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم، ولا يقال فعلى هذا لم يكن ~~قوله تعالى: {فمنهم شقي وسعيد} تقسيما صحيحا؛ لأن شرطه أن تكون صفة كل قسم ~~منتفية عن قسيمه؛ لأن ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي، أو مانع من ~~الجميع من الجنة والنار، مدة تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ وهو ما ~~بين الموت إلى البعث ومدة # وقوفهم للحساب، ثم يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار ms1231 النار فيكون المعنى ~~خالدين في الجنة والنار إلا هذا المقدار. وقيل: معناه لو شاء ربك لأخرجهم ~~منها ولكنه لا يشاء؛ لأنه تعالى حكم بالخلود. وقال الفراء: هذا الاستثناء ~~استثناه الله تعالى ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك ~~وعزيمتك أن تضربه. # وقال أهل المعاني: هذه عبارة عن التأبيد على عادة العرب يقولون: لا آتيك ~~ما دامت السموات والأرض ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار يعنون أبدا. ~~وقيل: إن أهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحيانا، # PageV02P080 # وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى من الجنة وهو الفوز برضوان الله ~~تعالى ولقائه كما قال تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر} ~~(التوبة، 72) . وقرأ حفص وحمزة والكسائي سعدوا بضم السين على البناء ~~للمفعول من سعده الله بمعنى أسعده والباقون بفتحها، وعطاء نصب على المصدر ~~المؤكد، أي: أعطوا عطاء، أو الحال من الجنة، ولما شرح الله تعالى أقاصيص ~~عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول صلى الله ~~عليه وسلم أحوال الكفار من قومه فقال: # {فلا تك} يا محمد {في مرية} ، أي: شك {مما يعبد هؤلاء} المشركون من ~~الأصنام أننا نعذبهم كما عذبنا من قبلهم، وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم} ، أي: كعبادتهم {من قبل} وقد عذبناهم ~~{وإنا لموفوهم} مثلهم {نصيبهم} ، أي: حظهم من العذاب {غير منقوص} ، أي: ~~كاملا غير ناقص. ولما ذكر تعالى في هذه الآية إعراضهم عن الاتباع مع ما أتى ~~به من المعجزات وأنزل عليه من الكتاب سلاه بأخيه موسى عليه السلام بقوله ~~تعالى: # {ولقد آتينا موسى الكتاب} ، أي: التوراة الجامعة للخير {فاختلف فيه} ، ~~أي: الكتاب، فآمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن {ولولا ~~كلمة سبقت من ربك} بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة {لقضي} ، ~~أي: لوقع القضاء {بينهم} ، أي: بين من اختلف في كتاب موسى ms1232 في الدنيا فيما ~~اختلفوا فيه بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز به المحق، ولكن سبقت الكلمة أن ~~القضاء الكامل إنما يكون يوم القيامة كما قال تعالى في سورة يونس عليه ~~السلام: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} (يونس، 93) الآية ولما كان الاختلاف ~~قد يكون بغير الكفر بين تعالى أنه به؛ لأن كل طائفة من اليهود تنكر شكها ~~فيه وفعلها فعل الشاك فقال تعالى مؤكدا: {وإنهم لفي شك} ، أي: عظيم محيط ~~بهم {منه} ، أي: من الكتاب والقضاء {مريب} ، أي: موقع في الريب والتهمة ~~والاضطراب مع ما رأوا من الآيات التي منها سماع كلام الله تعالى ورؤية ما ~~كان يتجلى في جبل الطور من خوارق الأحوال. وقيل: الضمير في وإنهم راجع ~~لكفار مكة وفي منه للقرآن {وإن كلا} ، أي: كل الخلائق، وقوله تعالى {لما} ~~ما زائدة واللام موطئة لقسم مقدر تقديره والله {ليوفينهم ربك أعمالهم} ~~فيجازي المصدق على تصديقه الجنة، ويجازى المكذب على تكذيبه النار. وقرأ ~~نافع وابن كثير وشعبة بتخفيف وإن والباقون بالتشديد، وقرأ ابن عامر وعاصم ~~وحمزة بتشديد ميم لما والباقون بالتخفيف. # فائدة: قال بعض الفضلاء أنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على ~~المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات: أولها: كلمة إن ~~وهي للتأكيد، وثانيها: لفظة كل وهي أم الباب في التأكيد. وثالثها: اللام ~~الداخلة على خبر إن تفيد التأكيد أيضا. ورابعها: حرف ما إذا جعلناه على قول ~~الفراء موصولا. وخامسها: المضمر. وسادسها: اللام الثانية الداخلة على جواب ~~القسم. وسابعها: النون المذكورة في قوله تعالى {ليوفينهم} فجميع هذه ~~الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد في هذه الكلمة الواحدة تدل على أن أمر ~~الربوبية والعبودية لا يتم إلا بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشر، ثم ~~أردفه بقوله # PageV02P081 # تعالى: {إنه بما يعملون خبير} وهو من أعظم المؤكدات فإنه تعالى لا يخفى ~~عليه شيء من أعمال عباده، ففيه وعد للمحسنين ووعيد للمكذبين الكافرين. ولما ~~بين تعالى أمر الوعد والوعيد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم # {فاستقم} ، أي: على دين ربك والعمل والدعاء ms1233 إليه {كما أمرت} والأمر في ~~ذلك للتأكيد فإنه صلى الله عليه وسلم كان على الاستقامة لم يزل عليها، فهو ~~كقولك للقائم: قم حتى آتيك، أي: دم على ما أنت عليه من القيام حتى آتيك، ~~وتوطيئة لقوله تعالى: {ومن تاب معك} ، أي: وليستقم أيضا على دين الله ~~والعمل بطاعته من آمن معك. قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ~~الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ عنه روغان الثعلب، وأشار ~~صلى الله عليه وسلم إلى شدة الاستقامة بقوله: # «شيبتني هود وأخواتها» ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما نزلت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم آية أشد ولا أشق من هذه الآية، وعن بعضهم: رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له: يروى عنك أنك قلت: «شيبتني ~~هود» فقال: نعم. فقلت: بأي آية قال: «قوله تعالى {فاستقم كما أمرت} . وعن ~~سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولا ~~لا أسأل عنه أحد غيرك؟ قال: «قل آمنت بالله ورسوله ثم استقم» . قال الإمام ~~الرازي: إن هذه الآية أصل عظيم في الشريعة، وذلك لأن القرآن لما ورد بالأمر ~~بأعمال الوضوء مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيها لقوله تعالى: ~~{فاستقم كما أمرت} ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل والبقر ~~من البقر وجب اعتبارها، وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به انتهى. ~~ولما كانت الاستقامة هي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط نهى عن الإفراط ~~بقوله تعالى: {ولا تطغوا} ، أي: لا تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم ~~عنه بالزيادة إفراطا، فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب أنفسكم لا ~~لحاجته إلى ذلك، ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره والدين متين لم يشاده ~~أحد إلا غلبه، كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا ~~ويسروا واستعينوا بالغدوة ms1234 والروحة وشيء من الدلجة» ، فقوله صلى الله عليه ~~وسلم: إن الدين يسر ضد العسر أراد به التسهيل في الدين وترك التشديد فإن ~~هذا الدين مع يسره وسهولته قوي فلن يغالب ولن يقاوى. وقوله وسددوا، أي: ~~اقصدوا السداد في الأمور وهو الصواب وقاربوا، أي: اطلبوا المقاربة وهي ~~القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير، والغدوة الرواح بكرة، والرواح الرجوع ~~عشاء. والمراد منه: اعملوا بالنهار واعملوا بالليل أيضا. وقوله: واستعينوا ~~بشيء من الدلجة إشارة إلى تقليله، # ولما نهى تعالى عن الإفراط وهو الزيادة تصريحا أفهم النهي عن التفريط وهو ~~النقص عن المأمور تلويحا من باب أولى، ثم علل ذلك مؤكدا تنزيلا لمن يفرط أو ~~يفرط منزلة المنكر فقال: {إنه بما تعملون بصير} ، أي: عالم بأعمالكم كلها ~~لا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم عليها. # {ولا تركنوا} ، أي: تميلوا {إلى الذين ظلموا} أدنى ميل {فتمسكم النار} ، ~~أي: تصيبكم بحرها والنهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ~~ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومراقبتهم والرضا بأعمالهم والتشبيه بهم ~~والتزيي بزيهم ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله ~~تعالى: {ولا تركنوا} فإن الركون هو الميل # PageV02P082 # اليسير. وحكي أن الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه فلما ~~أفاق قيل له في ذلك فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم ولما خالط ~~الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من ~~الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو الله لك ويرحمك، أصبحت شيخا ~~كبيرا وقد أثقلتك نعم الله تعالى بما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه، ~~وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله سبحانه وتعالى: {لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه} (آل عمران، 187) واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما ~~احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل الغي بدونك ممن لم يؤد حقا ولم ~~يترك باطلا، حين أدناك اتخذوك قطبا تدور عليك رحى باطلهم وجسرا يعبرون عليك ~~إلى ملاذهم وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون ms1235 بك الشك على العلماء ~~ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما أعمروا لك في جنب ما خربوا عليك، ~~وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن ~~قال الله تعالى فيهم: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا} (مريم، 59) فإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل، ~~فداو دينك فقد دخله # سقم، وهيئ # زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في ~~السماء والسلام. وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون ~~للملوك. وعن الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملا، ~~أي: من الظلمة. وعن محمد بن سلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب ~~هؤلاء. قال صلى الله عليه وسلم: «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي ~~الله في أرضه» . ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى ~~شربة ماء فقال: لا فقيل له: يموت، فقال: دعه يموت. وقوله تعالى: {وما لكم ~~من دون الله من أولياء} ، أي: أعوانا وأنصارا يمنعوكم من عذابه حال من ~~قوله: {فتمسكم النار} ، أي: فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة {ثم لا ~~تنصرون} ، أي: لا تجدون من ينصركم ويخلصكم من عذاب الله في القيامة. ففي ~~هذه الآية وعيد لمن ركن إلى الظلمة بأن تمسه النار فكيف يكون حال الظالم في ~~نفسه. ولما أمر تعالى بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة بقوله تعالى: # {وأقم الصلاة} وذلك يدل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله تعالى هو ~~الصلاة وقوله تعالى: {طرفي النهار} الغداة والعشي، أي: الصبح والظهر ~~والعصر. وقوله تعالى: {وزلفا} جمع زلفة، أي: طائفة {من الليل} ، أي: المغرب ~~والعشاء {إن الحسنات} كالصلوات الخمس {يذهبن} ، أي: يكفرن {السيئات} ، أي: ~~الذنوب الصغائر، لما رواه مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس ~~والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» ، وزاد في رواية ~~أخرى: «ورمضان إلى ms1236 رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» ، وعن أبي ~~هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أرأيتم لو أن نهرا بباب ~~أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ما تقولون هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا ~~يارسول الله، لا يبقى من درنه شيء.u # فقال: ذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا» . وعن جابر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على ~~باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات» . وعن الحسن أن الحسنات قول العبد: ~~سبحان والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. # PageV02P083 # وسبب نزول هذه الآية ما رواه الترمذي عن أبي اليسر بن عمر وقال: أتتني ~~امرأة وزوجها بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في بعث فقالت: بعني بدرهم ~~تمرا. قال: فأعجبتني فقلت: إن في البيت تمرا هو أطيب من هذا فالحقيني، ~~فدخلت معي البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: ~~استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا، فأتيت عمرا فذكرت له ذلك فقال: استر على ~~نفسك وتب ولا تخبر أحدا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ~~فقال: «أخنت رجلا غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا» حتى تمنى أنه لم ~~يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار وأطرق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم طويلا حتى أوحي إليه: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} ~~إلى قوله تعالى: {ذلك ذكرى للذاكرين} ، أي: عظة للمتقين. قال أبو اليسر: ~~فأتيته فقرأها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: «بل للناس عامة» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وعن عبد الله بن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة ~~قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فنزلت فقال رجل: يا رسول ~~الله، ألهذا خاصة؟ فقال: «بل للناس كافة» . وعن ms1237 معاذ بن جبل قال: أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا لقي امرأة ليس ~~بينهما معرفة وليس يأتي الرجل إلى امرأة شيئا إلا قد أتى هو إليها إلا أنه ~~لم يجامعها؟ قال: فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يتوضأ ويصلي، فقال معاذ بن جبل فقلت: يا # رسول الله، أهي له خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال: «بل للمؤمنين عامة» . قال ~~العلماء: الصغائر من الذنوب تكفرها الأعمال الصالحة مثل الصلاة والصدقة ~~والذكر والاستغفار ونحو ذلك من أعمال البر، وأما الكبائر من الذنوب فلا ~~يكفرها إلا التوبة النصوح ولها ثلاث شرائط: الأول: الإقلاع عن الذنب ~~بالكلية، الثاني: الندم على فعله، الثالث: العزم التام على أن لا يعود إليه ~~في المستقبل، فإذا حصلت هذه الشرائط صحت التوبة وكانت مقبولة إن شاء الله ~~تعالى والإشارة في قوله تعالى {ذلك ذكرى} إلى ما تقدم ذكره من قوله تعالى: ~~{فاستقم كما أمرت} إلى ههنا. وقيل: هو إشارة إلى القرآن. وقوله تعالى: # {واصبر} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: واصبر يا محمد على أذى قومك ~~أو على الصلاة وهو قوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليهافإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين} ، أي: أجر أعمالهم. وعدل عن الضمير ليكون كالبرهان على ~~المقصود ودليلا على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون ~~الإخلاص. ولما بين تعالى أن الأمم المتقدمين حل بهم عذاب الاستئصال بين أن ~~السبب فيه أمران، السبب الأول: أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في ~~الأرض فقال تعالى: # {فلولا} ، أي: فهلا {كان من القرون} ، أي: من الأمم الماضية {من قبلكم ~~أولو بقية} ، أي: أصحاب رأي وخير وفضل {ينهون عن الفساد في الأرض} وسمي ~~الفضل والجود بقية؛ لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلا في ~~الجودة والفضل، ويقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم وبه فسر بيت ~~الحماسة: # *إن تذنبوا ثم يأتيني بقيتكم # ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، ms1238 وفي الرجال بقايا. ويجوز أن تكون البقية ~~بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى، أي: فهلا كان منهم ذوو بقاء على أنفسهم # PageV02P084 # وصيانة لها من سخط الله تعالى وعقابه. # فائدة: حكي عن الخليل أنه قال: كل ما في القرآن من كلمة لولا فمعناه هلا ~~إلا التي في الصافات. قال صاحب «الكشاف» : وما صحت هذه الحكاية ففي غير ~~الصافات {لولا أن تداركه نعمة من ربه} (القلم، 49) ، {ولولا رجال مؤمنون} ~~(الفتح، 25) ، {ولولا أن ثبتناك} (الإسراء، 74) انتهى. وقوله تعالى: {إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم} استثناء منقطع، معناه: ولكن قليلا ممن أنجينا من ~~القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي. السبب الثاني لنزول عذاب ~~الاستئصال قوله تعالى: {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} ، أي: ما نعموا ~~فيه من الشهوات واهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك {وكانوا ~~مجرمين} ، أي: كافرين. # تنبيه: قوله تعالى: (واتبع الذين ظلموا) إن كان معناه واتبعوا الشهوات ~~كان معطوفا على مضمر؛ لأن المعنى إلا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن ~~الفساد، وأتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على نهوا، وإن كان معناه ~~واتبعوا جزاء الاتراف فالواو للحال فكأنه قيل: أنجينا القليل وقد أتبع ~~الذين ظلموا جزاءهم. وقوله تعالى: {وكانوا مجرمين} عطف على أترفوا، أي: ~~اتبعوا الاتراف، وكونهم مجرمين؛ لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام أو على ~~اتبعوا، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. ثم بين تعالى أنه ما أهلك ~~أهل القرى بظلم بقوله تعالى: # {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} ، أي: بشرك {وأهلها مصلحون} فيما بينهم، ~~والمعنى: أنه لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في ~~المعاملات فيما بينهم، والحال أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم ~~معتقدين الشرك بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في ~~الإيذاء والظلم، ولهذا قيل: إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة ~~والمساهلة، وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح. ويقال في الأثر: الملك ~~يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم، وإنما نزل على قوم نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب عذاب ms1239 الاستئصال لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس وظلم الخلق ~~{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} ، أي: أهل ملة واحدة وهي الإسلام كقوله ~~تعالى {إن هذه أمتكم أمة واحدة} وفي هذه الآية دليل على أن الأمر غير ~~الإرادة وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه. ~~والمعتزلة يحملون هذه الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار، ولهذا قال ~~الزمخشري: يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل ملة واحدة {ولا يزالون مختلفين} ~~، أي: على أديان شتى ما بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم، فكل أهل دين ~~من هذه الأديان اختلفوا في دينهم أيضا اختلافا كثيرا لا ينضبط. عن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تفترق ~~اليهود على إحدى وسبعين فرقة» وفي رواية «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب ~~افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ~~فثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة» . والمراد بهذه الفرق: أهل البدع ~~والأهواء كالقدرية والمعتزلة والرافضة. والمراد بالواحدة: هي ملة السنة ~~والجماعة الذين اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله. فإن ~~قيل: ما الدليل على أن الاختلاف في الأديان فلم لا يجوز أن يحمل على ~~الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمال؟ أجيب: # بأن الدليل عليه ما قبل هذه # PageV02P085 # الآية وهو قوله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} (هود، 118) ~~فيجب حمل الاختلاف على ما يخرجهم من أن يكونوا أمة واحدة وما بعد هذه الآية ~~وهو قوله تعالى: {إلا من رحم ربك} ، أي: أراد لهم الخير فلا يختلفون فيه، ~~فيجب حمل الاختلاف على معنى يصح أن يستثنى منه ذلك، وفي هذه الآية دلالة ~~على أن الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى؛ لأن تلك الرحمة ~~ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة ~~العذر، فإن كل ذلك حاصل في حق الكفار فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرحمة هو ~~أنه سبحانه ms1240 وتعالى خلق فيهم تلك الهداية والمعرفة {ولذلك خلقهم} ، أي: خلق ~~أهل الاختلاف للاختلاف، وخلق أهل الرحمة للرحمة. روي عن ابن عباس أنه قال: ~~خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا، وخلق أهل العذاب لأن يختلفوا، وخلق ~~الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا، والحاصل: أن الله تعالى ~~خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين، فحكم على ~~بعضهم بالاختلاف وهم أهل الباطل ومصيرهم إلى النار، وحكم على بعضهم ~~بالاتفاق وهم أهل الحق ومصيرهم إلى الجنة، ويدل لذلك قوله تعالى: {وتمت ~~كلمة ربك} وهي {لأملأن جهنم من الجنة} ، أي: الجن {والناس أجمعين} وهذا ~~صريح بأن الله تعالى خلق أقواما للجنة والرحمة فهداهم ووفقهم لأعمال أهل ~~الجنة، وخلق أقواما للضلالة والنار فخذلهم ومنعهم من الهداية، ولما ذكر ~~تعالى القصص الكثيرة في هذه السورة ذكر نوعين من الفائدة أولهما تثبيت ~~الفؤاد بقوله تعالى: # وكلا} ، أي: وكل نبأ {نقص عليك} وقوله تعالى: {من أنباء الرسل} ، أي: ~~نخبرك به بيان لكل. وقوله تعالى: {ما نثبت به فؤادك} بدل من كلا، ومعنى ~~تثبيت فؤاده: زيادة يقينه وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة وعلى ~~الصبر واحتمال الأذى، وذلك لأن الإنسان إذا ابتلي بمحنة وبلية فإذا رأى له ~~فيه مشاركا خف ذلك على قلبه كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت، وإذا سمع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القصص وعلم أن حال جميع الأنبياء مع أتباعهم ~~هكذا سهل عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه. الفائدة الثانية: ~~قوله تعالى: {وجاءك في هذه الحق} ، أي: في السورة وعليه الأكثر، أو في هذه ~~الأنباء المقتصة فيها. وقال الحسن: في هذه الدنيا. قال الرازي: وهذا بعيد ~~غير لائق بهذا الموضع؛ لأنه لم يجر للدنيا ذكر حتى يعود الضمير لها. فإن ~~قيل: قد جاءه الحق في غير هذه السورة بل القرآن كله حق وصدق؟ أجيب: بأنه ~~إنما خصها بالذكر تشريفا لها {وموعظة وذكرى للمؤمنين} وخصهم بالذكر ~~لانتفاعهم بذلك بخلاف الكفار، فذكر تعالى أمورا ثلاثة: الحق والموعظة ~~والذكرى، ms1241 أما الحق فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد والعدل ~~والنبوة والمعاد، وأما الموعظة فهي إشارة إلى السفر عن الدنيا وتقبيح ~~أحوالها، وأما الذكرى فهي إشارة إلى الإرشاد إلى الأعمال النافذة الصالحة ~~في الدار الآخرة، ولما بلغ تعالى الغاية والإنذار والإعذار والترغيب ~~والترهيب أتبع ذلك بأن قال لرسوله صلى الله عليه وسلم # {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم} ، أي: حالتكم، وفيه وعيد ~~وتهديد، وإن كانت صيغته صيغة الأمر فهو كقوله تعالى لإبليس: {واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك # PageV02P086 # ورجلك} (الإسراء، 64) وقرأ شعبة بعد النون بألف على الجمع والباقون بغير ~~ألف على الإفراد {إنا عاملون} ، أي: على حالتنا التي أمرنا بها ربنا ~~{وانتظروا} ، أي: ما يعدكم الشيطان به من الخذلان {إنا منتظرون} ، أي: ما ~~يحل بكم من نقم الله تعالى وعذابه نحو ما نزل على أمثالكم، وقيل: إنا ~~منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والإحسان، ثم إنه تعالى ذكر ~~خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة المقدسة فقال: # {ولله غيب السموات والأرض} ، أي: علم ما غاب فيهما فعلمه سبحانه وتعالى ~~نافذ في جميع مخلوقاته خفيها وجليها {وإليه} أي لا إلى غيره {يرجع الأمر ~~كله} ، أي: إليه يرجع أمر الخلق كلهم في الدنيا والآخرة، وقرأ نافع وحفص ~~بضم الياء وفتح الجيم على البناء للمفعول، والباقون بفتح الياء وكسر الجيم. ~~ولما كان أول درجات السير إلى الله تعالى عبوديته وآخرها التوكل عليه قال ~~تعالى: {فاعبده} ولا تشتغل بعبادة غيره {وتوكل عليه} ، أي: ثق به في جميع ~~أمورك فإنه كافيك {وما ربك بغافل عما تعملون} فيحفظ على العباد أعمالهم لا ~~يخفى عليه شيء منها فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وقرأ نافع وابن ~~عامر وحفص بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة. # فائدة: قال كعب الأحبار خاتمة التوراة خاتمة سورة هود. وقول البيضاوي ~~تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة هود أعطي من ~~الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح ومن كذب به وهود وصالح وشعيب ms1242 ولوط ~~وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء» حديث موضوع. ### | سورة يوسف # عليه السلام مكية كلها # مائة وإحدى عشرة آية وعدد كلماتها ألف وتسعمائة وست وتسعون كلمة وعدد ~~حروفها سبعة آلاف ومائة وستة وسبعون حرفا. # {بسم الله} الذي وسع كل شيء قدرة وعلما {الرحمن} لجميع خلقه المبين لهم ~~طريق الهدى {الرحيم} الذي خص حزبه بالإبعاد عن مواطن الردى وقوله تعالى: # {الر} تقدم الكلام على أوائل السور أول سورة البقرة، وقرأ ورش بالإمالة ~~بين بين، وأبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، ~~والباقون بالفتح، واختلف في سبب نزول هذه السورة فعن سعيد بن جبير أنه قال: ~~لما أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتلوه على قومه ~~فقالوا: يا رسول الله لوقصصت علينا، فنزلت هذه السورة، فتلاها عليهم ~~فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا فنزل {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ~~مثاني} فقالوا: لو ذكرتنا فنزل: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله} (الحديد 16) ، وعن ابن عباس أنه قال: سألت اليهود النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: حدثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف، فنزلت هذه السورة، ~~وقوله تعالى: {تلك} إشارة إلى آيات هذه السورة، أي: تلك الآيات التي أنزلت ~~إليك في هذه السورة المسماة بالر هي {آيات الكتاب} ، أي: القرآن {المبين} ، ~~أي: المبين فيه الهدى والرشد والحلال والحرام المظهر للحق من الباطل الذي ~~ثبت فيه قصص الأولين والآخرين، وشرحت فيه أحوال المتقدمين. # {إنا أنزلناه} ، أي: الكتاب {قرآنا عربيا} ، أي: بلغة العرب لكي يعلموا ~~معانيه ويفهموا ما فيه. روي أن علماء اليهود قالوا # PageV02P087 # لكبراء المشركين اسألوا محمدا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن ~~كيفية قصة يوسف، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكر فيها أنه تعالى عبر عن ~~هذه القصة بألفاظ عربية ليتمكنوا من فهمها، والتقدير أنا أنزلنا هذا الكتاب ~~الذي فيه قصة يوسف حال كونه قرآنا عربيا، وسمي بعض القرآن قرآنا؛ لأن ~~القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض {لعلكم} يا ms1243 أهل مكة {تعقلون} ، أي: ~~إرادة أن تفهموا أو تحيطوا بمعانيه، ولا يلتبس عليكم {ولو جعلناه قرآنا ~~أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته} (يوسف، 44) . واختلف العلماء هل في القرآن ~~شيء بغير العربية؟ فقال أبو عبيدة: من زعم أن في القرآن لسانا غير العربية ~~فقد أعظم على الله القول واحتج بهذه الآية {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} وروي ~~عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أن فيه من غير لسان العرب من سجيل ومشكاة وأليم ~~وإستبرق، وجمع بعض المفسرين بين القولين بأن هذه الألفاظ لما تكلمت بها ~~العرب ودارت على ألسنتهم صارت عربية فصيحة وإن كانت غير عربية في الأصل ~~لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم وصارت لهم لغة وهو جمع حسن. # {نحن نقص عليك أحسن القصص} ، أي: أحسن الاقتصاص؛ لأنه اقتص على أبدع ~~الأساليب، والقصص اتباع الخبر بعضه بعضا، وأصله في اللغة من قص الأثر إذا ~~اتبعه، وإنما سميت الحكاية قصة؛ لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا ~~فشيئا، والمعنى: أنا نبين لك يا محمد أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية ~~أحسن البيان، أو قصة يوسف عليه السلام خاصة، وسماها أحسن القصص لما فيها من ~~العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا وما فيها من سير ~~الملوك والمماليك والغلمان ومكر النساء والصبر على إيذاء الأعداء وحسن ~~التجاوز عنهم بعد اللقاء وغير ذلك. قال خالد بن معدان في سورة يوسف ومريم: ~~يتفكه فيهما أهل الجنة في الجنة. وقال ابن عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون ~~إلا استراح إليها {بما} ، أي: بسبب ما {أوحينا} ، أي: بإيحائنا {إليك} يا ~~محمد {هذا القرآن} الذي قالوا فيه أنه مفترى، فنحن نتابع القصص القصة بعد ~~القصة حتى لا يشك شاك ولا يمتري ممتر أنه من عند الله {وإن كنت من قبله} ، ~~أي: إيحائنا إليك أو هذا القرآن {لمن الغافلين} ، أي: عن قصة يوسف وإخوته؛ ~~لأنه صلى الله عليه وسلم إنما علم ذلك بالوحي، وقيل لمن الغافلين عن الدين ~~والشريعة، وإن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين ~~النافية ms1244 وقوله تعالى: # {إذ قال يوسف لأبيه} بدل من {أحسن القصص} أو منصوب بإضمار اذكر، ويوسف ~~اسم عبري، وقيل: عربي، ورد بأنه لو كان عربيا لصرف، وسئل أبو الحسن الأقطع ~~عن يوسف فقال: الأسف في اللغة الحزن، والأسيف العبد، واجتمعا في يوسف فسمي ~~به، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكريم ابن الكريم ~~ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» وقوله {يا أبت} ~~أصله يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة، ولذلك قلبها ~~ابن كثير وابن عامر هاء في الوقف، ووقف الباقون بالتاء كالرسم، وفي الوصل ~~بالتاء للجميع، وفتح التاء في الوصل ابن عامر، وكسرها الباقون {إني رأيت ~~أحد عشر كوكبا والشمسم والقمر} قال أهل التفسير: رأى يوسف عليه الصلاة ~~والسلام في منامه، وكان ابن اثنتي عشرة، سنة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: سبع ~~سنين # PageV02P088 # ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر كأن أحد عشر كوكبا نزلت من السماء ومعها ~~الشمس والقمر، فسجدوا له وفسروا الكواكب بإخوته، وكانوا أحد عشر يستضاء بهم ~~كما يستضاء بالنجوم، والشمس والقمر بأبيه وأمه بجعل الشمس للأم؛ لأنها ~~مؤنثة والقمر للأب؛ لأنه مذكر. والذي رواه البيضاوي تبعا «للكشاف» عن جابر ~~من أن يهوديا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرني عن النجوم التي رآهن ~~يوسف فأخبره بأسمائها فقال اليهودي:، أي: والله إنها لأسماؤها. قال ابن ~~الجوزي: إنه موضوع، وقوله: {رأيتهم لي ساجدين} استئناف لبيان حالهم التي ~~رآهم عليها فلا تكرار؛ لأن الرؤية الأولى تدل على أنه شاهد الكواكب والشمس ~~والقمر والثانية تدل على أنه شاهد كونها ساجدة له. # وقال بعضهم: إنه لما قال: إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر قيل له: ~~كيف رأيت؟ قال: رأيتهم لي ساجدين. وقال آخرون: يجوز أن يكون أحدهما من ~~الرؤية والآخر من الرؤيا، وهذا القائل لم يبين أن أيهما يحمل على الرؤية ~~وأيهما يحمل على الرؤيا؟ قال الرازي: فذكر قولا مجملا غير مبين. فإن قيل: ~~قوله: رأيتهم وقوله: ساجدين لا يليق ms1245 إلا بالعقلاء والكواكب جمادات فكيف ~~جاءت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات؟ أجيب: بأنها لما وصفت ~~بالسجود صارت كأنها تعقل وأخبر عنها كما أخبر عمن يعقل كما قال تعالى في ~~صفة الأصنام: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} (الأعراف، 198) وكما في ~~قوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} (النمل، 18) . فإن قيل: لم ~~أفرد الشمس والقمر بالذكر مع أنهما من جملة الكواكب؟ أجيب: بأنه أفردهما ~~لفضلهما وشرفهما على سائر الكواكب كقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال} (البقرة، 98) وهل المراد بالسجود نفس السجود حقيقة أو التواضع؟ ~~كلاهما محتمل، والأصل في الكلام حمله على الحقيقة قال أهل التفسير: إن ~~يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف عليه السلام فحسده إخوته لهذا ~~السبب، وظهر وذلك ليعقوب فلما رأى يوسف هذه الرؤيا، وكان تأويلها أن أبويه ~~وإخوته يخضعون له، وخاف عليه حسدهم وبغيهم. # {قال} له أبوه {يا بني} بصيغة التصغير للشفقة أو لصغر سنه على ما تقدم، ~~وقرأ حفص في الوصل بفتح الياء، والباقون بالكسر والتشديد للجميع {لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك} ، أي: لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها {فيكيدوا لك ~~كيدا} ، أي: فيحتالوا في هلاكك. فإن قيل: لم لم يقل فيكيدوك كما قال ~~فكيدوني؟ أجيب: بأن هذه اللام تأكيد للصلة كقوله: {للرؤيا تعبرون} (يوسف، ~~43) وكقوله: نصحتك ونصحت لك، وشكوتك وشكوت لك.I # وقيل صلة كقوله: {لربهم يرهبون} (الأعراف، 154) . {إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين} ، أي: ظاهر العداوة كمل فعل بآدم وحواء فلا يألو جهدا في تسويلهم ~~وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد، وعن أبي قتادة قال: كنت أرأى ~~الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الرؤيا ~~الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يحبه فلا يحدث به إلا ~~من يحب وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به وليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله ~~من الشيطان الرجيم وشرها فإنها لا تضره» # وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأى ~~أحدكم الرؤيا يحبها فإنها ms1246 من # PageV02P089 # الله فليحمد الله عليها وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي ~~من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» . وعن ~~أبي رزين العقيلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمن جزء ~~من أربعين جزءا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها ~~سقطت» قال: وأحسبه قال: «ولا يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا» وإنما أضيفت ~~الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف بخلاف الرؤيا المكروهة وإن كانتا ~~جميعا من خلق الله تعالى وتدبيره وإرادته ولا فعل للشيطان فيهما، ولكنه ~~يحضر المكروهة ويرتضيها، فيستحب إذا رأى الشخص في منامه ما يحب أن يحدث به ~~من يحب، وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم من ~~شرها، وليتفل ثلاثا، وليتحول عن جنبه الآخر فإنها لا تضره، فإن الله تعالى ~~جعل هذه الأسباب سببا لسلامته من المكروه كما جعل الصدقة سببا لوقاية ~~المال. قال الحكماء: إن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب والرؤيا ~~الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين، قالوا: والسبب فيه أن رحمة الله تعالى ~~تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن ~~والغم أقل، وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدما على ظهوره بزمن طويل حتى ~~تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حضور ذلك الخير أكثر وأتم، ولهذا لم تظهر ~~رؤيا يوسف عليه السلام إلا بعد أربعين سنة، وهو قول أكثر المفسرين، وقال ~~الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة حتى اجتمع على أبويه وإخوته وخروا له ~~ساجدين. # {وكذلك} ، أي: وكما اجتباك ربك للاطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة ~~على شرف وعز وكمال نفس {يجتبيك} ، أي: يختارك ويصطفيك {ربك} بالدرجات ~~العالية واجتباء الله تخصيصه بفيض إلهي يحصل منه أنواع الكرامات بلا سعي من ~~العبد، وذلك مخصوص بالأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء ~~والصالحين وقوله: {ويعلمك} كلام مستأنف خارج عن التشبيه والتقدير وهو يعلمك ~~{من} ، أي: بعض {تأويل الأحاديث} ms1247 من تأويل الرؤيا وغيرها من كتب الله تعالى ~~والأخبار المروية عن الأنبياء المتقدمين، وكان يوسف عليه السلام في تعبير ~~الرؤيا وغيرها غاية، والتأويل ما تؤل إليه عاقبة الأمر {ويتم نعمته عليك} ~~بالنبوة. # قال ابن عباس: لأن منصب النبوة، أي: ومع الرسالة أعلى من جميع المناصب، ~~وكل الخلق دون درجة الأنبياء، فهذا من تمام النعمة عليهم؛ لأن جميع مناصب ~~الخلق دون منصب الرسالة والنبوة فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشر ~~ليس إلا النبوة والرسالة، وقيل: يجتبيك بالنبوة ويتم نعمته عليك بسعادات ~~الدنيا وسعادات الآخرة، أما سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد والخدم ~~والأتباع والتوسع في المال والجاه والإجلال في قلوب الخلق وحسن الثناء ~~والحمد، وأما سعادات الآخرة فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق ~~في معرفة الله تعالى {وعلى آل يعقوب} ، أي: أولاده وهذا يقتضي حصول تمام ~~النعمة لآل يعقوب، وتمام النعمة هو النبوة والرسالة كما مر فلزم حصولها لآل ~~يعقوب وأيضا أن يوسف عليه السلام قال: إني رأيت أحد عشر كوكبا وكان تأويله ~~أحد عشر نفسا لهم فضل وكمال ويستضىء بعلمهم ودينهم أهل الأرض؛ لأنه لا شيء ~~أضوأ # PageV02P090 # من الكواكب وبها يهتدي، وذلك يقتضي أن تكون جملة أولاد يعقوب أنبياء ~~ورسلا. # فإن قيل: كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق ~~يوسف عليه السلام؟ أجيب: بأن ذلك وقع منهم قبل النبوة، والعصمة من المعاصي ~~إنما تعتبر بعد النبوة لا قبلها على خلاف فيه. {كما أتمها على أبويك} ~~بالنبوة والرسالة، وقيل: إتمام النعمة على إبراهيم عليه السلام خلاصه من ~~النار واتخاذه خليلا، وعلى إسحاق خلاصه من الذبح وفداؤه بذبح عظيم على قول ~~أن إسحاق هو الذبيح. {من قبل} ، أي: من قبل هذا الزمان وقوله: {إبراهيم ~~وإسحاق} عطف بيان لأبويك ثم إن يعقوب عليه السلام لما وعده بهذه الدرجات ~~الثلاثة ختم الكلام بقوله: {إن ربك عليم} ، أي: بليغ العلم {حكيم} ، أي: ~~بليغ الحكمة وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها. # {لقد كان في} خبر {يوسف وإخوته} وهم أحد عشر؛ يهوذا ms1248 وروبيل وشمعون ولاوي ~~وزبلون قال البقاعي: بزاي وباء موحدة ويشجر وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة ~~خال يعقوب وولد له من سريتين إحداهما زلفى، والأخرى يلقم كذا قاله البغوي. ~~وقال الرازي: والأخرى بلهمة أربعة أولاد وأسماؤهم دان ونفتالى؛ قال ~~البقاعي: بنون مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقية ولام بعدها ياء، وجاد وأشر، ~~ثم توفيت ليا فتزوج بأختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين، وقيل: جمع بينهما ~~ولم يكن الجمع محرما حينئذ {آيات} ، أي: علامات ودلائل على قدرة الله تعالى ~~وحكمته في كل شيء {للسائلين} عن قصصهم. # قال الرازي: ولمن لم يسأل عنها وهو كقوله تعالى: {في أربعة أيام سواء ~~للسائلين} (فصلت، 10) وقيل: آيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أن ~~اليهود سألوه عن قصة يوسف، وقيل: سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من أرض ~~كنعان إلى أرض مصر فذكر لهم قصة يوسف فوجدوها موافقة لما في التوراة، ~~فعجبوا منه فكان دلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقرأ الكتب ~~المتقدمة ولم يجالس العلماء وأصحاب الأخبار، ولم يأخذ عنهم شيئا، فدل ذلك ~~على أن ما يأتي به وحي سماوي أوحاه الله تعالى إليه وعرفه به، وهذه السورة ~~تشتمل على أنواع من العبر والمواعظ والحكم منها رؤيا يوسف عليه السلام وما ~~حقق الله تعالى فيها من حسد إخوته وما آل إليه أمره من الملك، ومنها ما ~~اشتمل على حزن يعقوب وصبره على فقد ولده وما آل إليه أمره من بلوغ المراد، ~~وغير ذلك من الآيات التي إذا فكر فيها الإنسان اعتبر، وقرأ ابن كثير {آية} ~~على التوحيد، والباقون على الجمع. # {إذ} ، أي: واذكر إذ {قالوا} ، أي: بعض إخوة يوسف لبعض بعد أن بلغتهم ~~الرؤيا وقالوا: ما يرضى أن تسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه {ليوسف وأخوه} ~~، أي: بنيامين {أحب إلى أبينا منا} اللام لام الابتداء وفيها تأكيد وتحقيق ~~لمضمون الجملة أردوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه، وخبر ~~المبتدأ أحب ووحد؛ لأن أفعل يستوي فيه الواحد ms1249 وما فوقه مذكرا كان أو مؤنثا ~~إذا لم يعرف أو لم يضف، وقيل: اللام لام قسم تقديره والله ليوسف، وإنما ~~قالوا: وأخوه وهم جميعا إخوته؛ لأن أمهما كانت واحدة، والواو في قولهم: ~~{ونحن عصبة} واو الحال، أي: يفضلهما في المحبة علينا وهما اثنان صغيران لا ~~كفاية فيهما ولا منفعة، ونحن جماعة أقوياء نقوم بمرافقه فنحن أحق بزيادة ~~المحبة منهما لفضلنا بالكثرة # PageV02P091 # والمنفعة عليهما، والعصبة والعصابة العشرة فما فوقها. وقيل: إلى الأربعين ~~سموا بذلك؛ لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور ويستكفى بهم النوائب {إن أبانا لفي ~~ضلال} ، أي: خطأ {مبين} ، أي: بين في إيثاره حب يوسف وأخيه علينا والقرب ~~المقتضي للحب في كلنا واحد؛ لأنا في البنوة سواء ولنا مزية تقتضي تفضيلنا ~~وهي إنا عصبة لنا من النفع له والذب عنه والكفاية ما ليس لهما. # تنبيه: هاهنا سؤالات: الأول: إن من المعلوم أن تفضيل بعض الأولاد على بعض ~~يورث الحقد والحسد فلم أقدم يعقوب عليه السلام على ذلك؟ أجيب: بأنه إنما ~~فضلهما في المحبة والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذورا فيها ولا يلحقه في ~~ذلك لوم. # الثاني: كيف اعترضوا على أبيهم وهم يعلمون أنه نبي وهم مؤمنون به؟ وأجيب: ~~بأنهم وإن كانوا مؤمنين بنبوته لكن جوزوا أن يكون فعله باجتهاد، ثم أن ~~اجتهادهم أدى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد لكونهم أكبر سنا وأكثر نفعا ~~وغاب عنهم أن تخصيصهما بالبر كان لوجوه: أحدها: أن أمهما ماتت، ثانيها: أنه ~~كان في يوسف من آثار الرشد والنجابة ما لم يجده في سائر أولاده، ثالثها: ~~أنه وإن كان صغيرا إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدمة أعلى وأشرف مما ~~كان يصدر عن سائر أولاده، والحاصل أن هذه المسألة كانت اجتهادية وكانت ~~مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد ~~الخصمين في دين الآخر. # الثالث: أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال عن رعاية مصالح الدنيا والبعد عن ~~طريق الرشد لا الضلال في الدين. الرابع: أن قولهم: {ليوسف وأخوه أحب إلى ms1250 ~~أبينا منا} محض حسد، والحسد من أمهات الكبائر لا سيما وقد أقدموا بسبب ذلك ~~الحسد على أمور مذمومة منها قولهم: # {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا} ، أي: بحيث يحصل اليأس من اجتماعه بأبيه، ~~ومنها القاؤه في ذل العبودية، ومنها أنهم أبقوا أباهم في الحزن الدائم ~~والأسف العظيم، ومنها إقدامهم على الكذب وكل ذلك يقدح في العصمة والنبوة؟ ~~أجيب: بما تقدم أن ذلك كان قبل النبوة، وقرأ نافع وابن كثير وهشام والكسائي ~~بضم التنوين من مبين في الوصل، والباقون بالكسر، فإن وقف القارئ على مبين ~~وامتحن في الابتداء يبتدئ بالضم للجميع، وقولهم: {يخل لكم وجه أبيكم} جواب ~~الأمر، أي: يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ~~ولا ينازعكم في محبته أحد، وقولهم: {وتكونوا} مجزوم بالعطف على يخل لكم أو ~~منصوب بإضمار أن {من بعده} ، أي: قتل يوسف أو طرحه {قوما صالحين} بأن ~~تتوبوا إلى الله تعالى بعد فعلكم فإنه يعفو عنكم، وقال مقاتل: يصلح أمركم ~~فيما بينكم وبين أبيكم. # {قال قائل منهم} هو يهوذا وكان أحسنهم رأيا فيه، وهو الذي قال: {فلن أبرح ~~الأرض} (يوسف، 80) وقيل: روبيل وكان أكبرهم سنا {لا تقتلوا يوسف وألقوه} ، ~~أي: اطرحوه {في غيابت الجب} ، أي: في أسفله وظلمته، والغيابة كل موضع ستر ~~شيئا وغيبه عن النظر قال القائل: # *فإن أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل # أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب البئر الكبيرة التي ليست مطوية ~~سميت جبا لأنها قطعت قطعا ولم يحصل فيها شيء غير القطع من طي أو ما أشبهه، ~~وإنما ذكر الغيابة مع الجب دلالة على # PageV02P092 # أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين. قال ~~بعض أهل العلم: إنهم عزموا على قتله وعصمه الله تعالى رحمة بهم ولو فعلوا ~~لهلكوا أجمعين، واختلف في موضع ذلك الجب، فقال قتادة: هو ببيت المقدس وقال ~~وهب: هو بأرض الأردن. وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. وقرأ ~~نافع بألف بين الباء ms1251 والتاء على الجمع والباقون بغير ألف على التوحيد ~~{يلتقطه} ، أي: يأخذه {بعض السيارة} جمع سيار، أي: المبالغ في السير، وذلك ~~الجب كان معروفا يرد عليه كثير من المسافرين، فإذا أخذوه ذهبوا به إلى ~~ناحية أخرى فنستريح منه {إن كنتم فاعلين} ، أي: ما أردتم من التفريق ~~فاكتفوا بذلك ولما أجمعوا على التفريق بين يوسف وأبيه بضرب من الحيل. # {قالوا} إعمالا للحيلة في الوصول إليه مستفهمين على وجه التعجب؛ لأنه كان ~~أحس منهم السوء فكان يحذرهم عليه {يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف و} ~~الحال {إنا له لناصحون} ، أي: قائمون بمصلحته وحفظه. # تنبيه: اتفق القراء على إخفاء النون الساكنة عند النون المتحركة واتفقوا ~~أيضا على إدغامها مع الإشمام. # {أرسله معنا غدا} ، أي: إلى الصحراء {نرتع} ، أي: نتسع في أكل الفواكه ~~ونحوها وأصل الرتع أكل البهائم في الخصب في زمن الربيع ويستعار للإنسان إذا ~~أريد به الأكل الكثير {ونلعب} روي أنه قيل لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم ~~أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء، وأيضا جاز أن يكون المراد باللعب ~~الإقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر كما روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لجابر: «فهلا بكرا تلاعبها، وتلاعبك» وأيضا كان لعبهم الاستباق ~~والانتضال والغرض منه المحاربة والمقاتلة مع الكفار، والدليل عليه قولهم ~~{إنا ذهبنا نستبق} وإنما سموه لعبابا لأنه في صورته. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون فيهما، والباقون بالياء، وسكن العين أبو ~~عمرز وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وكسرها الباقون في الوصل، ولقنبل وجه ~~آخر وهو أنه يثبت الياء في نرتع بعد العين وقفا ووصلا {وإنا له لحافظون} ، ~~أي: بليغون في الحفظ له حتى نرده إليك سالما. قال أبو حيان: وانتصب {غدا} ~~على الظرف وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك وعلى الزمن ~~المستقبل من غير تقييد، وأصل غدا غدو فحذفت الواو انتهى. ثم إن يعقوب عليه ~~السلام اعتذر لهم بعذرين الأول: ما حكاه الله تعالى عنه بقوله: # {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به} ، أي: ذهابكم به، ms1252 والحزن هنا ألم القلب ~~بفراق المحبوب؛ لأنه كان لا يقدر أن يصبر عنه ساعة، وقرأ نافع بضم الياء ~~وكسر الزاي، والباقون بفتح الياء وضم الزاي، والثاني: قوله: {وأخاف أن ~~يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم به، وكان ~~يعقوب عليه السلام رأى في النوم أن الذئب شد على يوسف فكان يحذره فمن أجل ~~هذا ذكر ذلك، وكأنه لقنهم العلة، وفي أمثال العرب البلاء موكل بالمنطق، ~~والمراد به الجنس، وكانت أرضهم كثيرة الذئاب. # {قالوا} مجيبين عن الثاني بما يلين الأب لإرساله مؤكدين لتطييب خاطره ~~دالين على القسم بلامه {لئن أكله الذئب ونحن} ، أي: والحال أنا {عصبة} ، ~~أي: جماعة عشرة رجال بمثلهم تعصب الأمور وتكفى الخطوب، وأجابوا عن القسم ~~بما أغنى عن جواب الشرط # PageV02P093 # بقولهم {إنا إذا} ، أي: إذا كان هذا {لخاسرون} ، أي: كاملون في الخسارة؛ ~~لأنا إذا ضيعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا أشد تضييعا، وأعرضوا عن ~~جواب الأول؛ لأن حقدهم وغيظهم كان بسبب العذر الأول وهو شدة حبه له، فلما ~~سمعوا ذلك المعنى تغافلوا عنه وأقله أن يقولوا: ما وجه الشح بفراقه يوما ~~والسماح بفراقنا كل يوم. وقرأ الذيب ورش والسوسي والكسائي بإبدال الهمزة ~~ياء وقفا ووصلا، وحمزة وقفا لا وصلا، والباقون بالهمزة وقفا ووصلا. وقوله ~~تعالى: # {س12ش15/ش20 فلما ذهبوا? به? وأجمعو?ا? أن يجعلوه فى غيابت الجب? وأوحينآ ~~إليه لتنبئنهم بأمرهم هاذا وهم يشعرون * وجآءو? أباهم عشآء يبكون * قالوا? ~~يا?أبانآ إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب? ومآ أنت ~~بمؤمن لنا ولو كنا صادقين * وجآءو على قميصه? بدم كذب? قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا? فصبر جميل? والله المستعان على ما تصفون * وجآءت سيارة ~~فأرسلوا? واردهم فأدلى دلوه?? قال يابشرى هاذا غلام? وأسروه بضاعة? والله ~~عليم? بما يعملون * وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا? فيه من الزاهدين} # {فلما ذهبوا به} فيه إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلما ذهبوا به ~~{وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب} ، أي: وعزموا على إلقائه فيها ولا بد من ~~تقدير ms1253 جواب، وهو فجعلوه فيها وحذف الجواب في القرآن كثير بشرط أن يكون ~~المذكور دليلا عليه وهنا كذلك، قال وهب وغيره من أهل السير والأخبار: إن ~~إخوة يوسف قالوا له: ما تشتاق أن تخرج معنا إلى مواشينا فتصيد وتستبق؟ قال: ~~بلى. قالوا: فاسأل أباك أن يرسلك معنا قال يوسف: أفعل، فدخلوا جميعا على ~~أبيهم وقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا إلى مواشينا، فقال ~~يعقوب: ما تقول يا بني؟ قال: نعم يا أبت إني أرى من إخوتي اللين واللطف ~~فأحب أن تأذن لي، وكان يعقوب عليه الصلاة والسلام يكره مفارقته ويحب ~~مرضاته، فأذن له فأرسله معهم، فلما خرجوا من عند أبيهم جعلوا يحملونه على ~~رقابهم وأبوهم ينظر إليهم، فلما بعدوا عنه وصاروا إلى الصحراء ألقوه على ~~الأرض وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة وأغلظوا له القول وجعلوا يضربونه ~~فجعلوا كلما جاء إلى واحد منهم واستغاث به يضربه فلم ير منهم رحيما فضربوه ~~حتى كادوا يقتلونه وهو يصيح يا أبتاه ويا يعقوب لو رأيت يوسف وما نزل به من ~~إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وجعل يبكي بكاء ~~شديدا، فأخذه روبيل فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره وأراد قتله فقال له: ~~مهلا يا أخي لا تقتلني فقال له: يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام الكاذبة قل ~~لرؤياك تخلصك من أيدينا، ولوى عنقه، فاستغاث يوسف بيهوذا، وقال له: اتق ~~الله في وحل بيني وبين من يريد قتلي فأدركته رحمة ورقة، فقال يهوذا: يا ~~إخوتاه ما على هذا عاهدتموني، فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه، فجاؤوا به ~~على بئر على غير الطريق واسع الأسفل ضيق الرأس، فجعلوا يدلونه في البئر ~~فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه ردوا علي ~~قميصي أستتر به في الجب فقالوا: ادع الشمس # والقمر والكواكب تخلصك وتؤنسك فقال: إني لم أر شيئا فألقوه فيها، وكان في ~~البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة كانت في البئر ms1254 فقام عليها فنادوه فظن ~~أنها رحمة أدركته فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ليقتلوه، فمنعهم يهوذا ~~من ذلك وكان يهوذا يأتيه بالطعام وبقي فيها ثلاث ليال. # {وأوحينا إليه} في الجب في صغره وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها كما أوحى ~~إلى يحيى وعيسى عليهما السلام في صغرهما، وفي القصص أن إبراهيم عليه السلام ~~حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير ~~الجنة فألبسه إياه ودفعه إبراهيم عليه السلام إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب، ~~فجعله يعقوب في تميمة علقها بيوسف فأخرجها جبريل وألبسه إياها {لتنبئنهم} ، ~~أي: لتخبرنهم بعد هذا اليوم # PageV02P094 # {بأمرهم} ، أي: بصنعهم {هذا وهم لا يشعرون} ، أي: أنك يوسف لعلو شأنك ~~وبعده عن أوهامهم وطول العهد المغير للهيئات كما قال تعالى: {فعرفهم وهم له ~~منكرون} (يوسف، 58) والمقصود من ذلك تقوية قلبه وأنه سيخلص مما هو فيه من ~~المحنة، ويصير مستوليا عليهم، ويصيرون تحت أمره ونهيه وقهره. روي أنهم لما ~~دخلوا عليه لطلب الحنطة عرفهم وهم له منكرون ودعا بالصواع فوضعه على يده ثم ~~نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام إنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له ~~يوسف فطرحتموه وقلتم لأبيكم: أكله الذئب، وقيل: لا يشعرون بإيحائنا إليك ~~وأنت في البئر بأنك ستخبرهم بصنيعهم هذا، والفائدة في إخفاء ذلك الوحي عنهم ~~أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم وكانوا يقصدون قتله، وقيل: إن المراد من ~~هذا الوحي الإلهام كما في قوله تعالى {وأوحينا إلى أم موسى} (القصص، 7) ~~وقوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} (النحل، 68) {و} لما كان من المعلوم ~~أنه ليس بعد هذا الفعل الذي فعلوه إلا الاعتذار {جاؤوا أباهم} دون يوسف ~~{عشاء} في ظلمة الليل لئلا يتفرس أبوهم في وجوههم إذا رآها في ضياء النهار ~~ضد ما # جاؤوا به من # الاعتذار وقد قيل: لا تطلب الحاجة في الليل فإن الحياء في العينين ولا ~~تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار {يبكون} والبكاء جريان الدمع من ~~العين، والآية تدل على أنه لا يدل على ms1255 الصدق لاحتمال التصنع، روي أن امرأة ~~حاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي فقال: قد جاء ~~إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق فعند ~~ذلك فزع يعقوب عليه السلام فقال: هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: ~~فما فعل يوسف؟. # {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق} قال الزجاج: يسابق بعضنا بعضا في ~~الرمي، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف أو نضل أو حافر» ~~يعني بالنضل الرمي، وقيل: العدو لنتبين أينا أسرع عدوا {وتركنا يوسف} أخانا ~~{عند متاعنا} ، أي: ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت من ثياب وزاد ~~ونحو ذلك {فأكله} ، أي: فتسبب عن انفراده أن أكله {الذئب وما} ، أي: والحال ~~أنك ما {أنت بمؤمن} ، أي: بمصدق لما علموا أنه لا يصدقهم بغير أمارة {لنا ~~ولو كنا صادقين} في هذه القصة لمحبة يوسف عندك فكيف وأنت تسيء الظن بنا؟ ~~وقيل: لا تصدقنا؛ لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند الله ~~تعالى.v # {و} لما علموا أنه لا يصدقهم بغير أمارة {جاؤوا على قميصه} ، أي: يوسف ~~عليه السلام {بدم كذب} قال الفراء:، أي: مكذوب فيه إلا أنه وصفه بالمصدر ~~على تقدير ذي كذب أو مكذوب أطلق على المصدر مبالغة؛ لأنه غير مطابق للواقع؛ ~~لأنهم ادعوا أنه دم يوسف عليه السلام والواقع أنه دم سخلة ذبحوها ولطخوا ~~القميص بذلك الدم. قال القاضي: ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في ~~غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيدا لصدقهم إذ يبعد أن يفعلوا ذلك طمعا في نفس ~~القميص ولا بد في المعصية من أن يقترن بها الخذلان، فلو خرقوه مع لطخه ~~بالدم لكان الاتهام أقوى فلما شاهد يعقوب عليه السلام القميص صحيحا علم ~~كذبهم، روي أن يعقوب عليه السلام أخذ القميص منهم، وألقاه على وجهه وبكى ~~حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا أكل ~~ابني ولم يمزق ms1256 قيمصه. # تنبيه: # PageV02P095 # على قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل: وجاؤوا فوق قميصه بدم كما ~~تقول: جاء على جماله بأحماله، ولا يصح أن يكون حالا متقدمة؛ لأن حال ~~المجرور لا يتقدم عليه. قال الشعبي: قصة يوسف كلها في قميصه، وذلك أنهم لما ~~ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه ولما شهد الشاهد ~~قال: {إن كان قميصه قد من قبل} (يوسف، 26) ولما أتي بقميصه إلى يعقوب وألقي ~~على وجهه ارتد بصيرا. # ثم ذكر تعالى أن إخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم ~~بالقميص الملطخ بالدم {قال} يعقوب عليه السلام {بل سولت} ، أي: زينت {لكم ~~أنفسكم أمرا} ففعلتموه به، واختلف في السبب الذي عرف به كونهم كاذبين على ~~وجوه: الأول: أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم. الثاني: كان عالما بأنه ~~حي؛ لأنه عليه السلام قال ليوسف: {وكذلك يجتبيك ربك} (يوسف، 6) وذلك دليل ~~على كذبهم في ذلك القول، الثالث: أنه لما رأى قميصه صحيحا قال: كذبتم لو ~~أكله الذئب لخرق ثوبه، وقيل: إنه لما قال ذلك قال بعضهم: بل قتله، اللصوص ~~فقال: كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله فلما ~~اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم وقوله: {فصبر جميل} مرفوع بالابتداء ~~لكونه موصوفا، وخبره محذوف والتقدير: فصبر جميل أولى من الجزع، ومنهم من ~~أضمر المبتدأ قال الخليل: الذي أفعله صبر جميل وقال قطرب: معناه فصبري صبر ~~جميل. وقال الفراء: فهو صبر جميل. وعن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عن الصبر الجميل؟ فقال: «صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر كما قال يعقوب ~~{إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} » . وقال مجاهد: فصبر جميل من غير جزع. ~~وقال الثوري: إن من الصبر أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك ولا تزكي نفسك. ~~وروي أن يعقوب عليه السلام كان قد سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة فقيل له: ~~ما هذا؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب ~~أتشكوني؟ فقال: يارب ms1257 خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. # وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الإفك أنها قالت: والله لئن ~~حلفت لا تصدقوني ولئن اعتذرت لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده ~~والله المستعان على ما تصفون فأنزل الله تعالى في عذرها ما أنزل. # وقوله {فصبر جميل} يدل على أن الصبر على قسمين قد يكون جميلا، وقد يكون ~~غير جميل، فالصبر الجميل أن ينكشف له أن هذا البلاء، من الحق فاستغراقه في ~~شهود نور المبلي يمنعه من الاشتغال بالشكاية من البلاء ولذلك قيل: المحبة ~~التامة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء؛ لأنها لو ازدادت بالوفاء لكان ~~المحبوب هو النصيب والخط وموصل النصيب لا يكون محبوبا بالذات بل بالعرض، ~~فهذا هو الصبر الجميل وأما الصبر لا للرضا بقضاء الله تعالى بل كان لسائر ~~الأغراض فذلك الصبر لا يكون جميلا. فإن قيل: الصبر على قضاء الله تعالى ~~واجب، وأما الصبر على ظلم الظالمين فغير واجب، بل الواجب إزالته لا سيما في ~~الضرر العائد إلى الغير، فلم صبر يعقوب على ذلك ولم يبالغ في البحث مع شدة ~~رغبته في حضور يوسف ونهاية حبه له وكان من بيت عظيم شريف وكان الناس ~~يعرفونه ويعتقدون فيه؟. # أجيب: بأنه يحتمل أن يكون منع من الطلب بوحي تشديدا للمحنة عليه زيادة في ~~أجره، أو أنه لو بالغ في البحث لربما أقدموا على إيذائه ولم يمكنوه من ~~الطلب والفحص # PageV02P096 # فرأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى وقال: ~~{والله المستعان} ، أي: المطلوب منه العون {على ما تصفون} ، أي: تذكرون من ~~أمر يوسف، والمعنى أن إقدامه على الصبر لا يكون إلا بمعونة الله تعالى؛ لأن ~~الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع، وهي قوية والدواعي الروحانية ~~تدعوه إلى الصبر، فكأن المحاربة وقعت بين الصنفين فما لم تحصل إعانة الله ~~تعالى لم تحصل الغلبة، فقوله: {فصبر جميل} يجري مجرى قوله: {إياك نعبد} ~~(الفاتحة، 4) وقوله: {والله المستعان على ما تصفون} يجري مجرى قوله: {وإياك ~~نستعين} (الفاتحة، 5) . # ولما أراد الله تعالى خلاص ms1258 يوسف من الجب بين سببه بقوله تعالى: # {وجاءت سيارة} وهم القوم المسافرون سموا بذلك؛ لأنهم يسيرون في الأرض ~~وكانوا رفقة من مدين يريدون مصر، فأخطؤوا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير ~~طريق، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران، ~~أي: لم يكن إلا للرعاة. روي أن ماءه كان ملحا فعذب حين ألقي يوسف فيه، فلما ~~نزلوا أرسلوا رجلا يقال له: مالك بن ذعر لطلب الماء فذلك قوله تعالى: ~~{فأرسلوا واردهم} ، أي: الذي يريد الماء ليستقي منه، والوارد هو الذي يتقدم ~~الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء {فأدلى} ، أي: أرسل {دلوه} في ~~البئر يقال: أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر ودلوتها إذا أخرجتها، والدلو ~~معروف والجمع الدلاء فلما أرسلها تعلق بالحبل يوسف عليه السلام فلما خرج ~~فإذا هو بغلام أحسن ما يكون قال صلى الله عليه وسلم «أعطي يوسف شطر الحسن» ~~. ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت جدته قد أعطيت سدس الحسن ~~قال ابن إسحاق: ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن. وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار ~~قال: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوي الخلق أبيض اللون ~~غليظ الساعدين والعضدين والساقين خميص البطن صغير السرة، وكان إذا تبسم ~~رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع من ثناياه لا يستطيع أحد وصفه، ~~وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله ~~وصوره قبل أن يصيب الخطيئة، فلما رآه مالك بن ذعر {قال يا بشرى هذا غلام} ~~نادى البشرى بشارة لنفسه، كأنه قال تعالى فهذا أوانك. # وعن الأعمش أنه قال: دعا امرأة اسمها بشرى فقال: يا بشرى. وعن السدي أن ~~المدلي نادى صاحبه وكان اسمه بشرى فقال: يا بشرى. كما قرأه حمزة وعاصم ~~والكسائي، فإنهم قرؤوا بحذف الياء بعد الألف، والباقون بإثبات الياء. وقيل: ~~ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك. وروي أن جدران البئر كانت تبكي على ~~يوسف حين أخرج منها واختلف في ضمير {وأسروه بضاعة} ms1259 إلى من يعود؟ وفيه ~~قولان: # الأول: أنه عائد إلى الوارد وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه بالجب، ~~وذلك أنهم قالوا: إن قلنا للسيارة: التقطناه شاركونا، وإن قلنا اشتريناه ~~سألونا الشركة فالأصوب أن نقول: إن أهلا لنا جعلوه بضاعة عندنا على أن ~~نبيعه لهم بمصر. # والثاني: ونقل عن ابن عباس أنه قال: وأسروه يعني إخوة يوسف أسروا شأنه، ~~وذلك أن يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم فلم يجده في البئر فأخبر إخوته ~~فطلبوه، فإذا هم بمالك بن ذعر وأصحابه نزول فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا: ~~هذا عبد لنا أبق منا وتابعهم يوسف على ذلك؛ # PageV02P097 # لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية. قال الرازي: والأول أولى؛ لأن قوله ~~{وأسروه بضاعة} يدل على أن المراد أنهم أسروه حال ما حكموا بأنه بضاعة، ~~وذلك إنما يليق بالوارد لا بإخوة يوسف. # تنبيه: البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت الشيء إذا قطعته. ~~قال الزجاج: وبضاعة منصوب على الحال كأنه قال: وأسروه حال ما جعلوه بضاعة ~~ولما جعل تعالى هذا البلاء سببا لوصوله إلى مصر، ثم صارت وقائعه إلى أن صار ~~ملكا بمصر، وحصل ذلك الذي رآه في النوم، فكان العمل الذي عمله الأعداء في ~~دفعه عن ذلك المطلوب صيره الله تعالى سببا لحصول ذلك المطلوب، فلهذا المعنى ~~قال تعالى: {والله عليم} ، أي: بالغ العلم {بما يعملون} ، أي: لم يخف عليه ~~ما فعلوه بيوسف وأبيهم. # {وشروه} ، أي: باعوه إذ قد يطلق لفظ الشراء على البيع يقال: شريت الشيء ~~بمعنى بعته وإنما حمل هذا الشراء على البيع؛ لأن الضمير في (شروه) وفي ~~{كانوا فيه من الزاهدين} يرجع إلى شيء واحد، وذلك أن إخوته زهدوا فيه ~~فباعوه، وقيل: إن الضمير يعود إلى مالك بن ذعر وأصحابه، وعلى هذا يكون لفظ ~~الشراء على بابه. # وقال محمد بن إسحاق: ربك أعلم أإخوته باعوه أم السيارة، واختلفوا في معنى ~~قوله تعالى: {بثمن بخس} فقال الضحاك:، أي: حرام، لأن ثمن الحر حرام وسمي ~~الحرام بخسا؛ لأنه مبخوس البركة. وقال ابن مسعود: أي: زيوف، ms1260 وقال عكرمة: ~~أي: بثمن قليل، ويدل لهذا قوله تعالى: {دراهم معدودة} لأنهم كانوا في ذلك ~~الزمان لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما إنما كانوا يأخذون ما دونها ~~عدا، فإذا بلغتها وهي أوقية وزنوها، واختلفوا في عدد تلك الدراهم فقال ابن ~~عباس: كانت عشرين درهما فاقتسموها درهمين درهمين، وعلى هذا لم يأخذ أخوه ~~بنيامين شقيقه منها شيئا، وقال مجاهد: كانت اثنتين وعشرين درهما. وقال ~~عكرمة: أربعين درهما. {وكانوا} ، أي: إخوته {فيه} ، أي: يوسف {من الزاهدين} ~~لأنهم لم يعلموا منزلته عند الله تعالى، ومعنى الزهد قلة الرغبة يقال: زهد ~~فلان في كذا إذا لم يرغب فيه، وأصله القلة، يقال: رجل زهيد إذا كان قليل ~~الطمع، وقيل: كانوا في الثمن من الزاهدين؛ لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن، ~~وإنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه. وقيل: الضمير في كانوا للسيارة؛ لأنهم ~~التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به خائف من انتزاعه مستعجل في بيعه لا جرم ~~باعوه بأوكس الأثمان. # روي في الأخبار أن مالك بن ذعر انطلق هو وأصحابه بيوسف وتبعهم إخوته ~~يقولون: استوثقوا منه؛ لأنه آبق فذهبوا به حتى أتوا مصر وعرضه مالك على ~~البيع فاشتراه قطفير أو اطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، والملك ~~يومئذ الريان بن الوليد رجل من العمالقة، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف ~~فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى، واشتراه العزيز وهو ~~ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد ~~وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله تعالى العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين ~~سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى ~~عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} ~~(غافر، 34) وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، وقيل: اشتراه العزيز ~~بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين أبيضين. # PageV02P098 # وقال وهب بن منبه: قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه للبيع ~~فترافع الناس في ثمنه حتى ms1261 بلغ ثمنه وزنه ذهبا وزنه فضة ووزنه مسكا وحريرا، ~~وكان وزنه أربعمائة رطل وكان عمره حينئذ سبع عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة ~~سنة، فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن فذلك قوله تعالى: # {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته} واسمها زليخا وقيل: راعيل {أكرمي ~~مثواه} قال الرازي: اعلم أن شيئا من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ولم ~~يثبت أيضا في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه ~~الروايات فاللائق بالعاقل أن يحترز من ذكرها انتهى. ولكن البغوي ذكرها ~~وتبعه على ذلك جماعة من المفسرين واللام في امرأته متعلقة بقال لا باشتراه، ~~والمثوى موضع الإقامة، أي: اجعلي منزله ومقامه عندنا كريما، أي: حسنا مرضيا ~~بدليل قول يوسف: {إنه ربي أحسن مثواي} والمراد تفقديه بالإحسان وتعهديه ~~بحسن الملكية حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا ساكنة في كنفنا. # قال المحققون: أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه دون إكرام نفسه يدل على ~~أنه كان ينظر إليه على سبيل الإجلال والتعظيم وهو كما يقال: سلام الله على ~~المجلس العالي. ولما أمر بإكرام مثواه علل ذلك بأن قال: {عسى أن ينفعنا} ، ~~أي: يقوم بإصلاح مهماتنا، أو نبيعه بالربح إن أردنا بيعه {أو نتخذه ولدا} ، ~~أي: نتبناه وكان حصورا ليس له ولد. # قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة العزيز في يوسف حيث قال لامرأته: {أكرمي ~~مثواه عسى أن ينفعنا} ، وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى: {استأجره} ، ~~وأبو بكر في عمر حيث استخلفه. {وكذلك} ، أي: وكما نجيناه من القتل والجب ~~وعطفنا عليه قلب العزيز {مكنا ليوسف في الأرض} ، أي: أرض مصر. قال البقاعي: ~~التي هي كالأرض كلها لكثرة منافعها بالملك فيها لتمكنه من الحكم بالعدل ~~والنبوة، وقوله تعالى: {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} ، أي: تعبير الرؤيا عطف ~~على مقدر متعلق بمكنا، أي: لنمكنه أو الواو زائدة {والله غالب على أمره} ، ~~أي: الأمر الذي يريده؛ لأنه تعالى فعال لما يريد، ولا دافع لقضائه ولا مانع ~~عن حكمه في أرضه وسمائه أو على أمر يوسف أراد ms1262 إخوته قتله، فغلب أمره عليهم، ~~وأرادوا أن يلتقطه بعض السيارة ليندرس اسمه، فغلب أمره وظهر اسمه واشتهر، ~~ثم باعوه ليكون مملوكا فغلب الله أمره حتى صار ملكا وسجدوا بين يديه، ثم ~~أرادوا أن يضروا أباهم ويطيبوا قلبه حتى يخلو لهم وجهه فغلب أمره تعالى ~~فأظهره على مكرهم، واحتالت عليه امرأة العزيز لتخدعه عن نفسه فغلب أمره ~~تعالى فعصمه حتى لم يهم بسوء بل هرب منه غاية الهرب، ثم بذلت جهدها في ~~إذلاله وإلقاء التهمة عليه فأبى الله تعالى إلا إعزازه وبراءته، ثم أراد ~~يوسف عليه السلام ذكر الساقي له فغلب أمره تعالى فأنساه ذكره حتى مضى الأجل ~~الذي ضربه الله تعالى له وكم من أمر كان في هذه القصة وفي غيرها يرشد إلى ~~أنه لا أمر لغيره {ولكن أكثر الناس} وهم الكفار {لا يعلمون} أن الأمر كله # بيد الله تعالى، أو أن أكثر الناس لا يعلمون ما هو صانع بيوسف وما يريد ~~منه فمن تأمل في الدنيا وعجائب أحوالها عرف وتيقن أن الأمر كله لله، وأن ~~قضاء الله تعالى غالب. ولما بين تعالى أن إخوته أساؤوا إليه وصبر على تلك ~~الشدائد والمحن ومكنه # PageV02P099 # في الأرض اتبعه الأمر بتمام النعمة عليه بقوله تعالى: # {ولما بلغ أشده} ، أي: منتهى شبابه وقوته وشدته تقول العرب: بلغ فلان ~~أشده إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوته، وهذا اللفظ مستعمل في الواحد والجمع ~~يقال: بلغ فلان أشده وبلغوا أشدهم وهو ثلاث وثلاثون سنة. وقال السدي: بلغ ~~ثلاثين سنة، وقال الضحاك: عشرين سنة. وقال الكلبي: الأشد ما بين ثمانية عشر ~~إلى ثلاثين، وقيل: أقصاه اثنان وستون سنة. قال الأطباء: إن الإنسان يحدث في ~~أول الأمر ويتزايد كل يوم شيئا فشيئا إلى أن ينتهي إلى غاية الكمال، ثم ~~يأخذ في التراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق كالقمر. {آتيناه حكما} ، ~~أي: حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل أو حكما بين الناس {وعلما} ، أي: علم ~~تأويل الأحاديث، وقيل: المراد بالحكم النبوة والرسالة. # وتقدم أن قوله تعالى: {وأوحينا} أنه وحي حقيقة. ms1263 قال الرازي: فلا يبعد أن ~~يقال: إن ذلك الوحي إليه في ذلك الوقت لا لأجل بعثته إلى الخلق بل لأجل ~~تقوية قلبه وإزالة الحزن عن صدره؛ ولأجل أن يستأنس بحضور جبريل عليه السلام ~~{وكذلك} ، أي: ومثل ذلك الجزاء الذي جزيناه به {نجزي المحسنين} قال ابن ~~عباس: يعني المؤمنين، وعنه أيضا يعني المهتدين، وقال الضحاك: يعني الصابرين ~~على النوائب كما صبر يوسف عليه السلام. وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في ~~شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله. ولما أخبر تعالى أن سبب النعمة عليه ~~إحسانه اتبعه دليله فقال تعالى: # {وراودته التي هو في بيتها} ، أي: امرأة العزيز راودت يوسف {عن نفسه} ~~لأنها لما رأته في غاية الحسن والجمال طمعت فيه، ويقال: إن زوجها كان ~~عاجزا، والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كان المعنى خادعته عن ~~نفسه، أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من ~~يده يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهو عبارة عن التمحل لمواقعته إياها ~~{وغلقت الأبواب} ، أي: أطبقتها وكانت سبعة، والتشديد للتكثير أو للمبالغة ~~في الإيثاق، لأن مثل هذا الفعل لا يكون إلا في ستر وخفية لا سيما إذا كان ~~حراما ومع قيام الخوف الشديد {وقالت} له {هيت} أي تهيأت وتصنعت {لك} خاصة ~~فأقبل إلي وامتثل أمري. قال الواحدي: هيت لك اسم للفعل نحو رويد وصه ومه، ~~ومعناه: هلم في قول جميع أهل اللغة، وقرأ نافع وابن عامر بكسر الهاء، ~~والباقون بالفتح قرأ وهشام بعد الهاء بهمزة ساكنة، والباقون بياء ساكنة، ~~وقرأ ابن كثير بضم التاء وفتحها، والباقون بالفتح {قال} لها يوسف عليه ~~السلام {معاذ الله} ، أي: أعوذ بالله وأعتصم به وألجأ إليه مما تدعينني ~~إليه {إنه} ، أي: الذي اشتراني {ربي} ، أي: سيدي {أحسن مثواي} ، أي: أكرم ~~منزلي فلا أخونه في أهله وقيل: إنه أي: الله ربي أحسن مثواي، أي: آواني ومن ~~بلاء الجب أنجاني {إنه لا يفلح الظالمون} ، أي: إن فعلت هذه الفعلة فأنا ~~ظالم ولا يفلح الظالمون. # {ولقد ms1264 همت به وهم بها} ، أي: قصدت مخالطته وقصد مخالطتها، والهم بالشيء ~~قصده والعزم عليه، ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بشيء أمضاه والمراد بهمته ~~ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري، وذلك مما لا يدخل تحت ~~التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله تعالى من يكف نفسه عن ~~الفعل عند قيام هذا الهم، ولهذا قال بعض أهل الحقائق: الهم قسمان: هم ثابت ~~وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضا مثل هم امرأة العزيز، # PageV02P100 # فالعبد مأخوذ به، وهم عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم ~~مثل هم يوسف عليه السلام، والعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل، كما ~~روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يقول ~~الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها حسنة ما لم يعملها ~~فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشرة أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا ~~أغفرها له ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها» . # قال في «الكشاف» : ويجوز أن يريد بقوله: {وهم بها} شارف أن يهم بها كما ~~يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل ومشافهته كأنه شرع ~~فيه {لولا أن رأى} ، أي: بعين قلبه {برهان ربه} ، أي: الذي آتاه إياه من ~~الحكم والعلم، أي: لهم بها لكنه كان البرهان حاضرا لديه حضور من يراه ~~بالعين فلم يهم أصلا مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله تعالى ~~من القوة مع كونه في سن الشباب، فلولا المراقبة لهم بها لتوفر الداعي غير ~~أن نور الشهود محاها أصلا، وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه عليه السلام ~~مع أنه الذي تدل عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين ~~المصروف عنهم السوء وأن السجن أحب إليه من ذلك مع قيام القاطع على كذب ما ~~تضمنه قولها: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا} الآية من مطلق الإرادة ومع ما ~~يتحتم من تقدير ما ذكر بعد ms1265 لولا في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب، ~~فإنه يجب أن يكون المقدر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله، وهذا مثل ~~قوله تعالى: {إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} (القصص، 10) ، أي: ~~لأبدت به، وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك من تفسيرهم بها بأن حل ~~الهيمان وجلس بها مجلس المجامع وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع ~~وهي مستلقية على قفاها، ومن تفسير البرهان بأنه سمع صوتا: إياك وإياها فلم ~~يكترث له، فسمعه ثانيا فلم يعمل به، فسمعه ثالثا أعرض عنها فلم ينجع فيه ~~حتى مثل له يعقوب عاضا على أنملته، وقيل: ضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من ~~أنامله، وقيل: كل ولد يعقوب ولد له اثنا عشر ولدا إلا يوسف فإنه ولد له أحد ~~عشر ولدا من أجل ما نقص من شهوته حين هم، وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن ~~كالطائر كان له ريش فلما زنا قعد لا ريش له، وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس ~~لها عضد ولا معصم مكتوب فيها: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين} (الأنفطار، ~~10، 11) فلم ينصرف # ثم رأى فيها: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} (الإسراء، 32) ~~فلم ينته ثم رأى فيها {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} (البقرة، 281) فلم ~~ينجع فيه فقال الله تعالى لجبريل عليه السلام: أدرك عبدي قبل أن يدرك ~~الخطيئة، فانحط جبريل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ~~ديوان الأنبياء؟ وقيل: رأى تمثال العزيز.d # وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته وقالت: أستحي أن يرانا، فقال ~~يوسف: استحيت مما لا يسمع ولا يبصر ولا أستحي من السميع العليم بذات ~~الصدور، فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن هذه الأقوال التي وردت عنهم إذا ~~جمعت تناقضت وتكاذبت. قال الزمخشري: وهذا ونحوه ممن يورده أهل الجبر والحشو ~~الذين دينهم بهت لله وأنبيائه فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدي إلى أن ~~يكون إنزال الله ms1266 السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدي ~~بنبي من أنبياء الله تعالى فيما ذكروه وأهل العدل والتوحيد. # PageV02P101 # ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل وأطال في رد ذلك، وكذا فعل ~~الرازي. # وقيل: وهم بها، أي: بزجرها ووعظها. وقيل: هم بها، أي: غمه امتناعه منها. ~~وقيل: هم بها، أي: نظر إليها وقيل: هم بضربها ودفعها. وقيل: هذا كله قبل ~~نبوته، وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف عليه السلام ميل شهوة ~~حتى نبأه الله تعالى فألقى عليه هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه ~~{كذلك} ، أي: مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر {لنصرف عنه السوء} ، أي: ~~الهم بالزنا وغيره {والفحشاء} أي: الزنا وغيره، وقيل: السوء مقدمات الفاحشة ~~من القبلة والنظر بالشهوة، والفحشاء هي الزنا، فكأنه قيل: لم فعل به هذا؟ ~~فقيل: {إنه من عبادنا} ، أي: الذين عظمناهم {المخلصين} ، أي: في عبادتنا ~~الذين هم خير صرف لا يخالطهم غش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر ~~اللام بعد الخاء، والباقون بالفتح. # قال الرازي: فوروده باسم الفاعل دل على كونه آتيا بالطاعات والقربات مع ~~صفة الإخلاص، ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه واصطفاه ~~لحضرته، وعلى كلا اللفظين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزها عما أضافوه ~~إليه وهذا مع قول إبليس: {لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} ~~(الحجر: 39، 40) شهادة من إبليس أن يوسف عليه السلام بريء من الهم فمن نسبه ~~إلى الهم إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله تعالى على ~~طهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته، ~~قال: ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلا أنا زدنا وفجرنا ~~عليه في السفاهة كما قال الجزوري: # *وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... بي الأمر حتى صار إبليس من جندي # *فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي # ثم ذكر سبحانه وتعالى مبالغة في الامتناع بالجد في الهرب دليلا على ~~إخلاصه ms1267 وأنه لم يهم أصلا فقال: # {واستبقا الباب} ، أي: أوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما هذا للهرب ~~منها، وهذه لمنعه، فكل منهما بذل أقصى جهده في السبق، فلحقته عند الباب ~~الأقصى مع أنه قد كان سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية إلى الفرار إلى ~~الله تعالى، ولكن عاقه إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة فكان يشتغل ~~بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه وهو ما كان من ورائه خوف فواته ~~فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها ففتحه فأراد الخروج فمنعته ~~{و} لم تزل تنازعه حتى {قدت} ، أي: شقت {قميصه} وكان القد {من دبر} ، أي: ~~الناحية من الخلف منه، وانقطعت منه قطعة فبقيت في يدها {وألفيا} ، أي: وجدا ~~{سيدها} ، أي: زوجها قطفير وهو العزيز تقول المرأة لبعلها: سيدي ولم يقل: ~~سيدهما؛ لأن ملك يوسف لم يصح فلم يكن سيدا له على الحقيقة {لدى} ، أي: عند ~~{الباب} جالسا مع ابن عم المرأة. فإن قيل: كيف وحد الباب وقد جمعه في قوله: ~~{وغلقت الأبواب} ؟ أجيب:. بأنه أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار ~~والمخلص من العار، فقد روى كعب الأحبار: أن يوسف لما هرب جعل فراش القفل ~~يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب فلما رأت المرأة ابن عمها هابته وخافت ~~التهمة فسابقت يوسف بالقول و {قالت} لزوجها {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا} ، ~~أي: فاحشة زنا أو غيره، ثم خافت عليه أن يقتل وذلك لشدة # PageV02P102 # حبها له فقالت: {إلا أن يسجن} ، أي: يحبس في السجن ويمنع التصرف {أو عذاب ~~أليم} ، أي: مؤلم بأن يضرب بالسياط ونحوها، وإنما بدأت بالسجن قبل العذاب؛ ~~لأن المحب لا يشتهي إيلام المحبوب، وإنما أرادت أن يسجن عندها يوما أو ~~يومين ولم ترد السجن الطويل فإنه لا يعبر عنه بهذه العبارة، بل يقال: يجب ~~أن يجعل من المسجونين، ألا ترى أن فرعون هكذا قال في حق موسى عليه السلام ~~في قوله: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} (الشعراء، 29) . فلما ~~سمع يوسف عليه السلام مقالتها ms1268 # {قال} مبرئا نفسه {هي} بضمير الغيبة لاستحيائه بمواجهتها بإشارة أو ضمير ~~خطاب {راودتني عن نفسي} ، أي: طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت منها، وذلك أن ~~يوسف عليه السلام ما كان يريد أن يذكر ذلك القول ولا يهتك سترها ولكن لما ~~قالت هي ما قالت ولطخت عرضه احتاج إلى إزالة هذه التهمة عن نفسه، وصدقه ~~لعمري فيما قال لا يحتاج إلى بيان أكثر من الحال الذي كان فيه وهو أنهما ~~عند الباب ولو كان الطلب منه لما كان إلا في محلها الذي تجلس فيه وهو صدر ~~البيت وأشرف موضع فيه، وأيضا هو عبد لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على ~~مولاه إلى هذا الحال، وأيضا أن المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه، وأما ~~يوسف فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة ~~أولى. # ثم إنه تعالى أظهر ليوسف عليه السلام دليلا آخر يقوي تلك الدلائل ~~المذكورة، ويدل على أنه بريء من الريب وأن المرأة هي المذنبة وهو قوله ~~تعالى: {وشهد شاهد من أهلها} ، أي: وحكم حاكم من أهل المرأة، واختلفوا في ~~هذا الشاهد، فقال سعيد بن جبير والضحاك: كان صبيا في المهد أنطقه الله ~~تعالى كرامة ليوسف عليه السلام. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «تكلم في المهد أربعة وهم صغار شاهد ~~يوسف وابن ماشطة بنت فرعون وعيسى بن مريم وصاحب جريج الراهب» رواه الإمام ~~أحمد، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لم يتكلم في المهد إلا ~~ثلاثة؛ عيسى بن مريم وصاحب جريج وصبي كان يرضع أمه فمر راكب حسن الهيئة ~~فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللهم لا تجعلني مثله» ~~وبهذا الاعتبار صاروا خمسة وزاد الثعلبي سادسا وهو يحيى بن زكريا عليهما ~~السلام وزاد غيره على ذلك، ولعل الحصر فيما ذكر في الحديث كان قبل العلم ~~بالزيادة فلا تناقض وأوصلهم السيوطي إلى أحد عشر ونظمهم فقال: # *تكلم في المهد النبي محمد ... ويحيى وعيسى والخليل ومريم # *ومبري جريج ثم شاهد يوسف ms1269 ... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم # *وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلم # *وماشطة في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبارك يختم # وقالت طائفة عظيمة من المفسرين: إنها كان لها ابن عم وكان رجلا حكيما ~~واتفق في ذلك الوقت أنه كان مع الملك يريد أن يدخل عليها فقال: قد سمعنا ~~الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه ولكن ~~{إن كان قميصه قد من قبل} ، أي: من قدام {فصدقت وهو من الكاذبين} {وإن كان ~~قميصه قد من دبر} ، أي: من خلف {فكذبت وهو من الصادقين} لأنه لولا إدباره # PageV02P103 # منها وإقبالها عليه لما وقع ذلك، فعرف سيدها صحة ذلك بلا شبهة كما قال ~~تعالى: # {فلما رأى} ، أي: سيدها {قميصه} ، أي: يوسف عليه السلام {قدمن دبر قال} ~~لها زوجها قطفير وقد قطع بصدقه وكذبها مؤكدا لأجل إنكارها {إنه} ، أي: هذا ~~القذف له {من كيدكن} معشر النساء، والكيد طلب الإنسان بما يكره {إن كيدكن ~~عظيم} والعظيم ما ينقص مقدار غيره عنه حسا أو معنى. فإن قيل: كيف وصف كيد ~~النساء بالعظم مع قوله تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} (النساء، 28) وهلا كان ~~مكر الرجال أقوى من مكر النساء؟ أجيب: بأن الإنسان ضعيف بالنسبة لخلق ما هو ~~أعظم منه كخلق السموات والأرض وبأن كيدهن أدق من كيد الرجال وألطف وأخفى؛ ~~لأن الشيطان عليهن لنقصهن أقدر ومكرهن في هذا الباب أعظم من كيد جميع ~~البشر؛ لأن لهن من المكر والحيل والكيد في إتمام مرادهن ما لا يقدر عليه ~~الرجال في هذا الباب؛ ولأن كيدهن في هذا الباب يورث العار ما لا يورثه كيد ~~الرجال، ولما ظهر للقوم براءة يوسف من ذلك الفعل المنكر حكى تعالى أنه قال: # {يوسف} ، أي: يا يوسف {أعرض} ، أي: انصرف بكليتك مجاوزا {عن هذا} الحديث ~~فلا تذكره لأحد حتى لا يشيع وينشر بين الناس، ثم التفت إلى المرأة وقال ~~لها: {واستغفري لذنبك} ، أي: توبي إلى الله تعالى مما رميتي يوسف به من ~~الخطيئة وهو بريء ms1270 منها {إنك كنت من الخاطئين} ، أي: الآثمين. # قال أبو بكر الأصم: إن ذلك الزوج كان قليل الغيرة فاكتفى منها ~~بالاستغفار، وقيل: إن القائل المذكور هو الشاهد. فإن قيل: كيف قال من ~~الخاطئين بلفظ التذكير؟ أجيب: بأنه قال ذلك تغليبا للذكور على الإناث أو أن ~~المراد أنك من نسل الخاطئين، فمن ذلك النسل سرى ذلك العرق الخبيث فيك، ثم ~~شاع الخبر واشتهر. # {وقال نسوة} ، أي: وقال جماعة من النساء وكن خمسا: امرأة الساقي، وامرأة ~~الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب، والنسوة ~~اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي، ولذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث ~~وقوله: {في المدينة} ، أي: مدينة مصر ظرف، أي: أشعن الحكاية في مصر أو صفة ~~نسوة، وقيل: مدينة عين شمس. {امرأت العزيز} وإنما أضفنها إلى زوجها إرادة ~~لإشاعة الخبر، لأن النفس إلى سماع أخبار أولي الأخطار أميل ويردن قطفير ~~والعزيز الملك بلسان العرب ورسم امرأة بالتاء المجرورة ووقف عليها ابن كثير ~~وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء، وأما الوصل فهو بالتاء للجميع ~~{تراود فتاها} ، أي: عبدها الكنعاني، يقال: فتاي وفتاتي، أي: عبدي وجاريتي ~~{عن نفسه} ، أي: تطلب منه الفاحشة وهو يمتنع منها {قد شغفها حبا} ، أي: شق ~~شغاف قلبها وهو حجابه حتى وصل إلى فؤادها، وحبا نصب على التمييز، وقيل: ~~جلدة رقيقة يقال لها: لسان القلب قال النابغة: # *وقد حال هم دون ذلك والج ... مكان انشغاف تبتغيه الأصابع # وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الشين، والباقون ~~بالإدغام {إنا لنراها} ، أي: نعلم أمرها علما هو كالرؤية {في ضلال} ، أي: ~~خطأ {مبين} ، أي: بين ظاهر حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف والستر ~~بسبب حبها إياه. # {فلما سمعت} زليخا {بمكرهن} ، أي: قولهن # PageV02P104 # وإنما سمي ذلك مكرا لوجوه: # الأول أن النسوة إنما ذكرن ذلك الكلام استدعاء لرؤية يوسف عليه السلام، ~~والنظر إلى وجهه؛ لأنهن عرفن أنهن إذا قلن ذلك عرضت يوسف عليهن ليتمهد ~~عذرها عندهن. # الثاني: أن زليخا أسرت إليهن حبها ليوسف ms1271 عليه السلام وطلبت منهن كتمان ~~هذا السر فلما أظهرن السر كان ذلك مكرا. # الثالث: أنهن وقعن في غيبتها والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفية فأشبهت ~~المكر {أرسلت إليهن} تدعوهن لتقيم عذرها عندهن. قال وهب: اتخذت مأدبة ودعت ~~أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهن الخمس {وأعتدت} ، أي: أعددت {لهن متكأ} ~~، أي: طعاما يقطع بالسكين، وهو الأترج وإنما سمي الطعام متكأ؛ لأنه يتكأ ~~عنده. قال جميل: # *فظللنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله # والمتكأ ما يتكأ عليه عند الطعام والشراب والحديث؛ لأنهم كانوا يتكئون ~~للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك جاء النهي عنه في الحديث أن ~~يأكل الرجل متكئا. وقال صلى الله عليه وسلم «لا آكل متكئا» وقيل: إنها زينت ~~البيت بألوان الفواكه والأطعمة ووضعت الوسائد ودعت النسوة اللاتي عيرنها ~~بحب يوسف عليه السلام {وآتت} ، أي: أعطت {كل واحدة منهن سكينا} ، أي: لتأكل ~~بها، وكانت عادتهن أن يأكلن اللحم والفواكه بالسكين {وقالت} زليخا ليوسف ~~عليه السلام {اخرج عليهن} ، أي: النسوة، وكان يخاف من مخالفتها فخرج عليهن ~~يوسف وكانت قد زينته واختبأته في مكان. # وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بكسر التاء في الوصل، والباقون ~~بالضم، وأما الابتداء فجميع القراء يبتدؤون الهمزة بالضم {فلما رأينه} ، ~~أي: النسوة {أكبرنه} ، أي: أعظمنه ودهشن عند رؤيته، واتفق الأكثرون على ~~أنهن إنما أكبرنه بمحبتهن الجمال الفائق، والحسن الكامل وكان يوسف قد أعطي ~~شطر الحسن، وقال عكرمة: كان فضل يوسف في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على ~~سائر الكواكب. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت يوسف ليلة أسري بي إلى السماء ~~كالقمر ليلة البدر» ذكره البغوي بغير سند، وقال ابن إسحاق: كان يوسف إذا ~~سار في أزقة مصر يتلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من الماء عليها ~~ويقال: إنه ورث حسن آدم عليه السلام يوم خلقه الله تعالى قبل أن يخرج من ~~الجنة، وقيل: ورث الجمال من جدته سارة، وقيل: أكبرنه يعني حضن، والهاء ~~للسكت يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته دخلت في الكبر؛ ms1272 لأنها بالحيض ~~تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر، وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله: # *خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق # وقيل: أمنين قال الكميت: # *ولما رأته الخيل من رأس شاهق ... صهلن وأمنين المني المدفقا # وقال الرازي: إنما أكبرنه؛ لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة، ~~وآثار الخضوع والإخبات وشاهدن فيه شهادة الهيبة، وهيبة ملكية وهي عدم ~~الالتفات إلى المطعوم والمنكوح وعدم الاعتداد بهن، وكان الجمال العظيم ~~مقرونا بتلك الهيبة، فوقع الرعب والمهابة منه في قلوبهن # PageV02P105 # {وقطعن أيديهن} ، أي: جرحنها بالسكاكين التي معهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن ~~الأترج، ولم يجدن الألم من فرط الدهشة بيوسف، وقال وهب: مات جماعة منهن ~~{وقلن حاش لله} ، أي: تنزيها، له الرسم بغير ألف بعد الشين. # وقرأ أبو عمرو في الوصل دون الوقف بألف بعد الشين والباقون بغير ألف وقفا ~~ووصلا {ما هذا} ، أي: يوسف عليه السلام {بشرا} وإعمال ما عمل ليس هي اللغة ~~القدمى الحجازية ويدل عليها هذه الآية وقوله تعالى {ما هن أمهاتهم} ~~(المجادلة، 2) {إن} ، أي: ما {هذا إلا ملك كريم} ، أي: على الله لما حواه ~~من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية، فإن الجمع بين الجمال ~~الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من خواص الملائكة. # {قالت} ، أي: زليخا للنسوة لما رأين يوسف ودهشن عند رؤيته {فذلكن} ، أي: ~~فهذا هو {الذي لمتنني فيه} ، أي: في محبته قبل أن تتصورنه حق تصوره ولو ~~تصورتنه بما عاينتن لعذرتنني، ثم أنها صرحت بما فعلت فقالت: {ولقد راودته ~~عن نفسه فاستعصم} ، أي: فامتنع من ذلك الفعل الذي طلبت، وإنما صرحت بذلك؛ ~~لأنها علمت أنها لا ملامة عليها منهن، وأنهن قد أصابهن ما أصابها عند ~~رؤيته، ثم قالت: {ولئن لم يفعل ما آمره} ، أي: وإن لم يطاوعني فيما دعوته ~~إليه {ليسجنن} ، أي: ليعاقبن بالحبس {وليكونا من الصاغرين} ، أي: الذليلين ~~المهانين، فقال النسوة ليوسف: أطع مولاتك فيما دعتك إليه، فاختار يوسف عليه ~~السلام السجن على ما دعت إليه فلذلك. # {قال ms1273 رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} وإن كان هذا مما تشتهيه النفس، ~~وذلك مما تكرهه نظرا إلى العاقبة، فإن الأول فيه الذم في الدنيا والعقاب في ~~الآخرة، والثاني فيه المدح في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة. فإن قيل: ~~إن الدعاء كان منها فلم أضافه إليهن جميعا؟ أجيب: بأنهن خوفنه من مخالفتها ~~وزين له مطاوعتها، وقيل: إنهن دعونه إلى أنفسهن. قال بعض العلماء لو لم يقل ~~السجن، أحب إلي لم يبتل بالسجن والأولى بالعبد أن يسأل الله تعالى العافية، ~~ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على من كان يسأل الله الصبر بقوله ~~له: «سألت الله البلاء فاسأله العافية» رواه الترمذي {وإلا} ، أي: وإن لم ~~{تصرف عني كيدهن} ، أي: فيما أردن مني بالتثبيت على العصمة {أصب} ، أي: أمل ~~{إليهن} يقال: صبا فلان إلى كذا إذا مال إليه واشتاقه {وأكن} ، أي: أصر {من ~~الجاهلين} ، أي: من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه، فإن الحكيم لا يفعل ~~القبيح وفي ذلك دليل على أن من ارتكب ذنبا إنما يرتكبه عن جهالة، والقصد ~~بذلك الدعاء ولذلك قال تعالى: # {فاستجاب له ربه} ، أي: فأجاب الله تعالى دعاءه الذي تضمنه هذا الثناء؛ ~~لأن الكريم يغنيه التلويح عن التصريح كما قيل: # *إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاك من تعرضه الثناء # {فصرف عنه كيدهن} ، أي: فثبته بالعصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن ~~وآثرها على اللذة المتضمنة للعصيان {إنه هو السميع} ، أي: لدعاء الملتجئين ~~إليه {العليم} ، أي: للضمائر والنيات فيجيب ما صح فيه القصد وطاب منه ~~العزم. # {ثم بدا} ، أي: ظهر {لهم} ، أي: العزيز وأصحابه {من بعد ما رأوا الآيات} ~~، أي: الدالة على براءة يوسف عليه السلام كشهادة الصبي وقد القميص وقطع ~~النساء أيديهن واستعصامه عنهن {ليسجننه حتى} ، أي: إلى {حين} ينقطع فيه ~~كلام الناس، وذلك أن # PageV02P106 # المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يقول لهم: ~~إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري فإما أن تأذن لي فأخرج ~~وأعتذر وإما أن ms1274 تحبسه كما حبستني، فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح ~~حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث وحتى تقل الفضيحة فسجنه. # تنبيه: في فاعل بدا أربعة أوجه: أحسنها أنه ضمير يعود على السجن بفتح ~~السين، أي: ظهر لهم حبسه. والثاني: أن الفاعل ضمير المصدر المفهوم من الفعل ~~وهو بدا، أي: بدا لهم بداء. والثالث: أنه مضمر يدل عليه السياق، أي: بدا ~~لهم رأي. والرابع: أنه محذوف وليسجننه قائم مقامه، أي: بدا لهم السجن، فحذف ~~وأقيمت الجملة مقامه، وليست الجملة فاعلا؛ لأن الجمل لا تكون كذلك، وقيل: ~~الحبس هنا خمس سنين، وقيل: سبع سنين. # وقال مقاتل بن سليمان: حبس يوسف اثنتي عشرة سنة، وقال الرازي: والصحيح أن ~~هذه المقادير غير معلومة، وإنما القدر المعلوم أنه بقي مسجونا مدة طويلة ~~لقوله تعالى: {وادكر بعد أمة} (يوسف، 45) وعن عكرمة قال: قال رجل ذو رأي ~~للعزيز: متى تركت هذا العبد يعتذر إلى الناس، ويقص عليهم أمره فاتركه في ~~بيتها لا يخرج إلى الناس فإن خرج للناس عذروه وفضحوا أهلك فأمر به فسجن. # {ودخل معه السجن فتيان} وهما غلامان كانا للوليد بن نزوان العمليقي ملك ~~مصر الأكبر أحدهما خبازه صاحب طعامه، والآخر ساقيه صاحب شرابه غضب الملك ~~عليهما فحبسهما وكان السبب فيه أن جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر بالملك ~~واغتياله وقتله، فضمنوا لهذين الغلامين مالا على أن يسما الملك في طعامه ~~وشرابه فأجابا إلى ذلك ثم أن الساقي ندم ورجع عن ذلك، وقبل الخباز الرشوة ~~وسم الطعام فلما حضر الطعام بين يدي الملك قال الساقي: لا تأكل أيها الملك ~~فإن الطعام مسموم فقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم. فقال الملك ~~للساقي اشرب فشرب فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك ~~الطعام: دابة فهلكت، فأمر بحبسهما، وكان يوسف عليه السلام حين دخل السجن ~~قال لأهله: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا ~~العبد العبراني فنتراءى له رؤيا قال ابن مسعود: وما رأيا شيئا وإنما ms1275 تحالما ~~ليجربا يوسف وقال قوم: بل كانا رأيا حقيقة فرآهما يوسف وهما مهمومان ~~فسألهما عن شأنهما فذكر أنهما صاحبا الملك حبسهما وقد رأيا رؤيا غمتهما، ~~فقال يوسف: قصا علي ما رأيتما {قال أحدهما} وهو صاحب شراب الملك {إني أراني ~~أعصر خمرا} . # فإني قيل: كيف يعقل عصر الخمر؟ أجيب: عن ذلك بثلاثة أقوال: # أحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر، أي: العنب الذي يكون عصيره خمرا ~~فحذف المضاف. # الثاني: إن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه تقول: فلان يطبخ دبسا وهو ~~يطبخ عصيرا. # الثالث: قال أبو صالح: أزد وعمان يسمون العنب بالخمر فوقعت هذه اللفظة ~~إلى أهل مكة فنطقوا بها. قال الضحاك: نزل القرآن بألسنة جميع العرب وذلك ~~أنه قال: إني رأيت في المنام كأني في بستان وإذا فيه شجرة فيها ثلاثة أغصان ~~عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه، وسقيت ~~الملك فشربه {وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه} ~~وذلك أنه قال: رأيت في المنام كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان # PageV02P107 # الطعام وسباع الطير تنهش منه {نبئنا} ، أي: أخبرنا {بتأويله} ، أي: ~~بتفسيره {إنا نراك من المحسنين} ، أي: في علم التفسير؛ لأنه متى عبر لم ~~يخطئ كما قال: وعلمتني من تأويل الأحاديث، وقيل: في أمر الدين؛ لأنه كان ~~شديد المواظبة على الطاعات من الصوم والصلاة، فإنه كان يصوم النهار ويقوم ~~الليل كله، ومن كان كذلك فإنه يوثق بما يقوله في تعبير الرؤيا وفي سائر ~~الأمور، وقيل: في حق الشركاء والأصحاب؛ لأنه كان يعود مرضاهم ويؤنس حزينهم، ~~وإذا ضاق على أحدهم وسع عليه وإذا احتاج أحدهم جمع له شيئا، قيل: إنه لما ~~دخل السجن وجد قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يسكنهم ~~ويقول: اصبروا وأبشروا تؤجروا فيقولون: بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك ~~وخلقك وحديثك لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي ~~الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن ms1276 خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: ~~والله يا فتى لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت ~~السجن شئت. # وروي أن الفتيين لما رأيا يوسف قالا: لقد أحببناك حين رأيناك، فقال لهما ~~يوسف: أنشدكما الله أن لا تحباني فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من ~~حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي بلاء ثم أحبني أبي فألقيت في الجب، ~~وأحبتني امرأة العزيز فحبست، فلما قصا عليه الرؤيا كره يوسف أن يعبر لهما ~~ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما. # {قال} معرضا عن سؤالهما أخذا في غيره من إظهار المعجزة في الدعاء إلى ~~التوحيد {لا يأتيكما طعام ترزقانه} ، أي: في منامكما {إلا نبأتكما بتأويله} ~~، أي: في اليقظة {قبل أن يأتيكما} تأويله، وقيل: أراد به في اليقظة، يقول: ~~لا يأتيكما طعام ترزقانه من منازلكما تطعمانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره ~~ولونه والوقت الذي يصل إليكما قبل أن يصل وأي طعام أكلتم، ومتى أكلتم وهذه ~~كمعجزة عيسى عليه السلام حيث قال: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم} (آل عمران، 49) فقالا: هذا فعل العرافين والكهنة. فمن أين لك هذا ~~العلم؟ فقال: ما أنا بكاهن {ذلكما} ، أي: هذا التأويل والإخبار بالمغيبات ~~{مما علمني ربي} وفي ذلك حث على إيمانهم ثم قواه بقوله {إني تركت ملة} ، ~~أي: دين {قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} وكرر لفظة هم للتأكيد ~~لشدة إنكارهم للمعاد. ولما ادعى يوسف عليه السلام النبوة وأظهر المعجزة ~~أظهر أنه من أهل بيت النبوة بقوله: # {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} ليسمعوا قوله ويطيعوا أمره ~~فيما يدعوهم إليه من التوحيد، فإن الإنسان متى ادعى حرفة أبيه وجده لم ~~يستبعد ذلك منه، وأيضا فكمال درجة إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمر مشهور في ~~الدنيا، فإذا أظهر أنهم آباؤه عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال فكان ~~انقيادهم له أتم وتأثير قلوبهم بكلامه أكمل. # فإن قيل: إنه كان نبيا فكيف قال: اتبعت ملة آبائي، والنبي لا بد وأن يكون ~~مختصا ms1277 بشريعة نفسه؟ أجيب: بأن مراده التوحيد الذي لا يتغير، أو لعله كان ~~رسولا من عند الله تعالى إلا أنه كان نبي على شريعة إبراهيم عليه السلام، ~~وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون ياء آبائي، والباقون بالفتح {ما كان} ، أي: ~~ما صح {لنا} معشر الأنبياء {أن نشرك بالله من شيء} لأن الله تعالى طهره ~~وطهر آباءه عن الكفر ونظيره قوله تعالى: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} ~~(مريم، 35) وإنما قال: من شيء # PageV02P108 # لأن؛ أصناف الشرك كثيرة، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد النار، ~~ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد الملائكة، فقوله: من شيء رد على ~~هؤلاء الطوائف وإرشاد إلى الدين الحق، وهو أنه لا موجد ولا خالق ولا رازق ~~إلا الله {ذلك} ، أي: التوحيد {من فضل الله علينا} بالوحي {وعلى الناس} ، ~~أي: سائرهم ببعثنا لارشادهم وتثبيتهم عليه {ولكن أكثر الناس} ، أي: المبعوث ~~إليهم {لا يشكرون} هذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليهم؛ لأنهم تركوا ~~عبادته وعبدوا غيره ثم دعاهم إلى الإيمان فقال: # {يا صاحبي السجن} ، أي: يا صاحبي في السجن فأضافهما إلى السجن كما تقول: ~~يا سارق الليلة، فكما أن الليلة مسروق فيها غير مسروقة، فكذلك السجن مصحوب ~~فيه غير مصحوب وإنما المصحوب غيره وهو يوسف عليه السلام، أو يا ساكني السجن ~~كما قيل لسكان الجنة: أصحاب الجنة، ولسكان النار: أصحاب النار {أأرباب} ، ~~أي: آلهة {متفرقون} ، أي: متباينون من ذهب وفضة وصفر وحديد وخشب وحجارة ~~وصغير وكبير ومتوسط وغير ذلك {خير} ، أي: أعظم في صفة المدح وأولى بالطاعة ~~{أم الله الواحد القهار} ، أي: المتوحد بالألوهية الذي لا يغالب ولا يشارك ~~في الربوبية غيره خير، والاستفهام للتقرير، وفي الهمزتين في {أأرباب} من ~~القراءات ما في {أأنذرتهم} وقد مر. # فإن قيل: هل يجوز التفاضل بين الأصنام وبين الله تعالى حتى يقال: إنها ~~خير أم الله؟ أجيب: بأن ذلك خرج على سبيل الفرض، والمعنى: لو سلمنا أنه حصل ~~منها ما يوجب الخير فهي خير أم الله الواحد القهار. ثم بين عجز ms1278 الأصنام ~~فقال: # {ما تعبدون} وإنما خاطبهم بلفظ الجمع وقد ابتدأ بالتثنية في المخاطبة؛ ~~لأنه أراد جميع من في السجن من المشركين. والعبادة خضوع القلب في أعلى ~~مراتب الخضوع، وبين حقارة معبوداتهم وسفالتها بقوله: {من دونه} ، أي: الله ~~الذي قام البرهان على إلهيته وعلى اختصاصه بذلك {إلا أسماء} وبين ما يريد ~~وأوضحه بقوله {سميتموها} ، أي: ذوات أوجدتم لها أسماء {أنتم} سميتموها آلهة ~~وأربابا، وهي حجارة جماد خالية عن المعنى لا حقيقة لها {وآباؤكم} من قبلكم ~~سموها كذلك {ما أنزل الله بها} ، أي: بعبادتها {من سلطان} ، أي: حجة وبرهان ~~{إن الحكم} ، أي: ما الحكم {إلا لله} ، أي: المختص بصفات الكمال والحكم فصل ~~الأمر بما تدعو إليه الحكمة {أمر} وهو النافذ الأمر المطاع الحكم {أن لا ~~تعبدوا إلا إياه} ؛ لأنه المستحق للعبادة لا هذه الأسماء التي سميتموها ~~آلهة. ولما أقام الدليل على هذا الوجه الذي كان جديرا بالإشارة إلى فضله ~~أشار إليه بأداة البعد تنبيها على علو مقامه وعظيم شأنه فقال: {ذلك} ، أي: ~~الشأن الأعظم وهو توحيده وإفراده عن خلقه {الدين القيم} ، أي: المستقيم ~~الذي لا عوج فيه {ولكن أكثر الناس} وهم الكفار {لا يعلمون} ما يسيرون إليه ~~من العذاب فيشركون. ولما قرر يوسف عليه السلام أمر التوحيد والنبوة إلى ~~الجواب عن السؤال الذي ذكراه فقال: # {يا صاحبي السجن} ، أي: الذي يحصل فيه الانكسار للنفس والرقة في القلب، ~~فتخلص فيه المودة، ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز أبهم ليجوز كل منهما ~~أنه الفائز، فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذرا له في الخروج عن الأليق ~~فقال: {أما أحدكما} وهو صاحب شراب الملك {فيسقي ربه} ، أي: سيده {خمرا} على # PageV02P109 # عادته، والعناقيد الثلاثة هي ثلاثة أيام يبقى في السجن، ثم يدعو به الملك ~~فيرده إلى رتبته التي كان عليها هذا تأويل رؤياه {وأما الآخر} وهو صاحب ~~طعام الملك {فيصلب} والسلال الثلاثة ثلاثة أيام، ويدعو به الملك فيصلبه ~~{فتأكل الطير من رأسه} هذا تأويل رؤياه، قال ابن مسعود: فلما سمعا قول يوسف ~~عليه السلام قالا: ms1279 ما رأينا شيئا إنما كنا نلعب، فقال لهما يوسف عليه ~~السلام {قضي} ، أي: تم {الأمر الذي فيه تستفتيان} ، أي: تطلبان الإفتاء فيه ~~عملا بالفتوة، فسألتما عن تأويله وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو صدقتما لم ~~أقله عن جهل ولا غلط. # {وقال} يوسف عليه السلام {للذي ظن} ، أي: علم وتحقق، فالظن بمعنى العلم؛ ~~لأنه قاله عن وحي لقوله {قضي الأمر} ويجوز أن يكون ضمير ظن للساقي، فهو ~~حينئذ على بابه {أنه ناج منهما} وهو الساقي {اذكرني عند ربك} ، أي: سيدك ~~ملك مصر بما رأيت مني من معالي الأخلاق وطهارة الشيم الدالة على بعدي مما ~~رميت به، والمراد بالرب هنا غير المراد به في قوله: {أأرباب متفرقون} فنجا ~~الساقي وصلب صاحبه وفق ما قاله لهما يوسف عليه السلام، واختلف في ضمير ~~{فأنساه الشيطان ذكر ربه} على قولين: # أحدهما: أنه يعود إلى الساقي، وهو قول جماعة من المفسرين، أي: فأنسى ~~الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك قالوا: لأن صرف وسوسة الشيطان إلى ~~ذلك الرجل الساقي حتى أنساه ذكر يوسف أولى من صرفها إلى يوسف. # والقول الثاني وعليه أكثر المفسرين: أنه يرجع إلى يوسف عليه السلام. وقال ~~الرازي: إنه الحق، أي: أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه تعالى حتى استعان ~~بمخلوق مثله، وتلك غفلة عرضت له عليه السلام، فإن الاستعانة بالمخلوق في ~~رفع الظلم جائزة في الشريعة إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذا وإن ~~كان جائزا لعامة الخلق إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب ~~بالكلية وأن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب، فلهذا صار يوسف عليه السلام ~~مؤاخذا بهذا القول ولم يؤاخذه تعالى في تلك القصة البتة بل ذكره بأعظم وجوه ~~المدح والثناء فعلم بذلك أنه عليه السلام كان مبرأ مما نسبه الجهال ~~والحشوية إليه. # فإن قيل: كيف تمكن الشيطان من يوسف حتى أنساه ذكر ربه؟ أجيب: بأن ذلك ~~إنما كان شغل خاطر، وأما النسيان الذي هو عبارة عن ترك الذكر وإزالته عن ~~القلب بالكلية فلا يقدر عليه، واختلف في قدر ms1280 البضع في قوله تعالى: {فلبث في ~~السجن بضع سنين} فقال مجاهد: ما بين الثلاث إلى التسع. وقال ابن عباس: ما ~~دون العشرة. وقال البغوي: وأكثر المفسرين أن البضع في هذه الآية سبع سنين، ~~وكان قد لبث قبله خمس سنين، فجملته اثنتا عشرة سنة، وقال وهب: أصاب أيوب ~~البلاء سبع سنين وترك يوسف في السجن سبع سنين. وقال مالك بن دينار: لما قال ~~يوسف للساقي: اذكرني عند ربك، قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن ~~حبسك، فبكى يوسف وقال: يا رب أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمة، قال الحسن: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم «رحم الله يوسف لولا كلمته التي قالها ما لبث ~~في السجن ما لبث» ثم بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا بلاء فزعنا إلى ~~الناس، ذكره الثعلبي مرسلا وبغير سند. وقال الحسن أيضا: دخل جبريل على يوسف ~~عليهما السلام في السجن، فلما رآه يوسف عرفه فقال له: يا أخا المنذرين ما ~~لي أراك بين # PageV02P110 # الخاطئين. فقال له جبريل: يا طاهر يا ابن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب ~~العالمين ويقول لك: أما استحييت مني واستشفعت للآدميين فوعزتي لالبثنك في ~~السجن بضع سنين. قال يوسف: وهو في ذلك عني راض؟ قال: نعم. قال: إذا لا ~~أبالي. وقال كعب: قال جبريل ليوسف: إن الله تعالى يقول لك: من خلقك؟ قال: ~~الله. قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله. قال: فمن حببك إلى أبيك؟ ~~قال: الله. قال: فمن أنجاك من كرب البئر؟ قال: الله تعالى. قال فمن صرف عنك ~~السوء والفحشاء؟ قال: الله. قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟. # قال محمد بن عمر الرازي في تفسيره: والذي جربته من أول عمري إلى آخره أن ~~الإنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله تعالى صار ذلك سببا للبلاء ~~والمحنة والشدة والرزية، وإذا عول على الله تعالى ولم يرجع إلى أحد من ~~الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه، فهذه التجربة قد استمرت لي من أول ~~عمري إلى هذا ms1281 الوقت الذي بلغت إلى السابع والخمسين، فعند ذلك استقر قلبي ~~على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه. ~~ولما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى ملك مصر الأكبر الريان بن الوليد رؤيا ~~عجيبة هائلة، كما قال تعالى: # {وقال الملك إني أرى} ، أي: رأيت عبر بالمضارع حكاية للحال لشدة ما هاله ~~من ذلك {سبع بقرات سمان} ، أي: خرجن من نهر يابس، والسمن زيادة البدن من ~~الشحم واللحم وسمان جمع سمينة، ويجمع سمين أيضا عليه يقال: رجال سمان ونساء ~~سمان كما يقال: رجال كرام ونساء كرام {يأكلهن} ، أي: يبتلعهن {سبع} ، أي: ~~من البقر {عجاف} جمع عجفاء، أي: مهازيل خرجن من ذلك النهر. # تنبيه: جمع عجفاء على عجاف، والقياس عجف نحو حمراء وحمر حملا له على ~~سمان؛ لأنه نقيضه، ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض {و} ~~إني أرى {سبع سنبلات خضر} ، أي: قد انعقد حبها {و} إني أرى سبع سنبلات {أخر ~~يابسات} ، أي: قد أدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها وإنما ~~استغنى عن بيان حالها بما نص من حال البقرات، والسنبلة نبات كالقصبة فيها ~~جملة حبوب منتظمة، فكأنه قيل: فكان ماذا؟ فقيل: قال الملك بعد أن جمع ~~السحرة والكهنة والمعبرين {يا أيها الملأ} ، أي: الأشراف النبلاء الذين ~~تملأ العيون مناظرهم والقلوب مآثرهم {أفتوني في رؤياي} ، أي: أخبروني ~~بتأويلها {إن كنتم للرؤيا تعبرون} ، أي: إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا ~~فاعبروها. # تنبيه: اللام في للرؤيا مزيدة فلا تعلق لها بشيء، وزيدت لتقدم المعمول ~~تقوية للعامل كما زيدت إذا كان العامل فرعا كقوله تعالى: {فعال لما يريد} ~~(البروج، 16) ولا تزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورة، وقيل: ضمن تعبرون معنى ما ~~يتعدى باللام تقديره: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا، وقيل: متعلقة بمحذوف ~~على أنها للبيان كقوله تعالى: {وكانوا فيه من الزاهدين} (يوسف، 20) تقديره: ~~أعني فيه، وكذلك هذا تقديره: أعني للرؤيا، وعلى هذا يكون مفعول تعبرون ~~محذوفا تقديره تعبرونها، وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من حاجة ms1282 الملوك ~~إليهم فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: # {قالوا} هذه الرؤيا {أضغاث} ، أي: أخلاط {أحلام} مختلطة مختلفة مشتبهة ~~جمع ضغث بكسر الضاد وإسكان الغين المعجمة، وهي قبضة حشيش مختلطة الرطب ~~باليابس، والأحلام جمع حلم بضم الحاء وإسكان اللام وضمها، وهو الرؤيا ~~فقيدوها بالأضغاث، وهو ما يكون من الرؤيا باطلا # PageV02P111 # لكونه من حديث النفس ووسوسة الشيطان لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا ~~تناسب بينها؛ لأن الرؤيا تارة تكون من الملك وهي الصحيحة، وتارة تكون من ~~تحزين الشيطان وتخليطاته، وتارة من حديث النفس، ثم قالوا: {وما نحن} ، أي: ~~بأجمعنا {بتأويل الأحلام} ، أي: المنامات الباطلة {بعالمين} ، أي: ليس لها ~~تأويل عندنا، وإنما التأويل للمنامات الصادقة كأنه مقدمة ثانية للعذر ولما ~~سأل الملك عن هذه الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب تذكر ذلك ~~الشرابي واقعة يوسف عليه السلام؛ لأنه كان يعتقد فيه كونه متبحرا في هذا ~~العلم كما قال تعالى: # {وقال الذي نجا} ، أي: خلص {منهما} ، أي: من صاحبي السجن وهو الشرابي إن ~~في الحبس رجلا فاضلا صالحا كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا والخباز عليه ~~منامين فذكر تأويلهما فصدق في كل ما ذكر وما أخطأ في حرف، فكانت هذه الرؤيا ~~سببا لخلاص يوسف عليه السلام، ولم يتذكر الشرابي إلا بعد طول المدة كما قال ~~تعالى: {وادكر} بالدال المهملة، أي: طلب الذكر بالذال المعجمة وزنه افتعل ~~{بعد أمة} ، أي: وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة، أي: مدة طويلة، ~~والجملة اعتراض ومقول القول {أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} ، أي: إلى يوسف ~~عليه السلام فإنه أعلم الناس فأرسلوه إليه، قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: ولم يكن السجن بالمدينة فأتاه، فقال الساقي المرسل إليه مناديا له ~~نداء القرب تحببا إليه: # {يوسف} وزاد في التحبب بقوله {أيها الصديق} ، أي: البليغ في الصدق ~~والتصديق؛ لأنه جرب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه، وهذا يدل ~~على أن من أراد أن يتعلم من رجل شيئا فإنه يجب عليه أن يعظمه وأن يخاطبه ~~بالألفاظ المشعرة بالإجلال، ثم إنه أعاد ms1283 السؤال يعني اللفظ الذي ذكره الملك ~~فقال: {أفتنا} ، أي: اذكر لنا الحكم {في سبع بقرات سمان} ، أي: رآهن الملك ~~{يأكلهن سبع} من البقر {عجاف و} في {سبع سنبلات} جمع سنبلة وهي مجمع الحب ~~من الزرع {خضر و} في سبع {أخر} من السنابل {يابسات} ، أي: في رؤيا ذلك، ~~ونعم ما فعل من ذكر السؤال بعين اللفظ، فإن نفس الرؤيا قد تختلف بحسب ~~اختلاف الألفاظ كما هو مذكور في ذلك العلم ثم قال: {لعلي أرجع إلى الناس} ، ~~أي: إلى الملك وجماعته بفتواك قبل مانع يمنعني {لعلهم يرجعون} ، أي: بتأويل ~~هذه الرؤيا، وقيل: بمنزلتك في العلم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن ~~عامر بفتح الياء، والباقون بالسكون. # {قال} يوسف عليه السلام معبرا لتلك الرؤيا: أما البقرات السمان والسنبلات ~~الخضر فسبع سنين مخصبات، وأما البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع سنين ~~مجدبة فذلك قوله {تزرعون سبع سنين} وهو خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن} (البقرة، 228) {والوالدات يرضعن} (البقرة، 233) وإنما ~~خرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في الإيجاب فيجعل كأنه وجد فهو يخبر عنه، ~~والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: {فذروه في سنبله} وقوله: {دأبا} نصب ~~على الحال، أي: دائبين، أي: سبع سنين متتابعة على عادتكم في الزراعة، ~~والدأب العادة، وقيل: ازرعوا بجد واجتهاد، وهذا تأويل السبع السمان ~~والسنبلات الخضر. وقرأ حفص بفتح الهمزة، وسكنها الباقون، وأبدلها السوسي ~~ألفا وقفا ووصلا، وحمزة وقفا فقط. {فما حصدتم فذروه} ، أي: اتركوه {في ~~سنبله} لئلا يفسد ولا يقع فيه السوس، وذلك أبقى له على # PageV02P112 # طول الزمان {إلا قليلا مما تأكلون} ، أي: ادرسوا قليلا من الحنطة للأكل ~~بقدر الحاجة، أمرهم بحفظ الأكثر لوقت الحاجة أيضا، وهو وقت السنين المجدبة ~~كما قال: # {ثم يأتي من بعد ذلك} ، أي: السبع المخصبات {سبع شداد} ، أي: مجدبات صعاب ~~وهي تأويل السبع العجاف والسنبلات اليابسات {يأكلن ما قدمتم لهن} ، أي: ~~يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن، فأسند إليهن على المجاز تطبيقا بين المعبر ~~وهو يأكلهن سبع عجاف والمعبر به وهو يأكلن ما قدمتم ms1284 لهن {إلا قليلا مما ~~تحصنون} ، أي: تحرزون وتدخرون للبذر، والإحصان الإحراز وهو إبقاء الشيء في ~~الحصن بحيث يحفظ ولا يضيع. # {ثم يأتي من بعد ذلك} ، أي: السبع المجدبات {عام فيه يغاث الناس} ، أي: ~~يمطرون من الغيث وهو المطر، وقيل: ينقذون من قول العرب استغثت فأغاثني ~~{وفيه يعصرون} من العنب خمرا، ومن الزيتون زيتا، ومن السمسم دهنا، وأراد ~~بذلك كثرة النعم والخير. وقال أبو عبيدة: ينجون من الكرب والشدة والجدب. ~~وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب؛ لأن الكلام كله مع الخطاب، والباقون ~~بالياء على الغيبة ردا إلى الناس. ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه ~~التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام استحسنه. # {وقال الملك} ، أي: الذي العزيز في خدمته {ائتوني به} لأسمع ذلك منه ~~وأكرمه وهذا يدل على فضيلة العلم فإنه سبحانه وتعالى جعل علمه سببا لخلاصه ~~من المحنة الدنيوية، فكيف لا يكون العلم سببا للخلاص من المحن الأخروية؟ ~~فأتاه الرسول ليأتي به إلى الملك {فلما جاءه} ، أي: يوسف عليه السلام عن ~~قرب من الزمان {الرسول} بذلك وهو الساقي وقال له: أجب الملك {قال} له يوسف ~~عليه السلام {ارجع إلى ربك} ، أي: سيدك الملك، ولم يخرج معه حتى يظهر ~~برهانه للملك ولا يراه بعين النقص ولذلك قال: {فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن} وإنما قال يوسف عليه السلام: فاسأله ما بال النسوة، ولم يقل: ~~فاسأله أن يفتش عن حالهن؛ لأن قوله: فاسأله يحتمل أن يكون بمعنى المسألة، ~~أي: اسأله عن شأنهن وأن يكون بمعنى الطلب، وهو أن يفتش عن شأنهن فحسن ~~تقييده بلفظ ما التي يسأل بها عن حقيقة الشيء ليهيجه أن يتحرك للتفتيش عن ~~حالهن؛ لأن الإنسان حريص على تحقيق الشيء ويستنكف أن ينسب إلى الجهل به ~~بخلاف ما لو قال: سله أن يفتش، أي: اطلب منه فإنه لا يبالي بهذا الطلب ولا ~~يلتفت إليه لا سيما الملوك.k # وإنما لم يتعرض لسيدته مع ما صنعته به كرما ومراعاة للأدب، وقدم سؤال ~~النسوة وفحص حالهن لتظهر براءة ساحته؛ لأنه لو ms1285 خرج في الحال لربما كان يبقى ~~في قلب الملك من تلك التهمة أثر، فلما التمس من الملك أن يفحص عن حال تلك ~~الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة، فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه ~~بتلك الرذيلة وأن يتوصل بها إلى الطعن فيه، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي ~~للشخص أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها وروي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لقد عجبت من يوسف وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف ~~والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حيث ~~أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث ~~لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر، إن كان لحليما ذا أناة» ~~. وأصل الحديث في الصحيحين مختصرا، وإنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك على ~~سبيل التواضع لا أنه # PageV02P113 # صلى الله عليه وسلم كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف، ~~والتواضع لا يصغر كبيرا ولا يضع رفيعا ولا يبطل لذي حق حقه، لكنه يوجب ~~لصاحبه فضلا ويلبسه جلالة وقدرا، وقوله: «والله يغفر له» مثل هذه المقدمة ~~مشعرة بتعظيم المخاطب من توقيره وتوقير حرمته كما تقول لمن تعظمه: عفا الله ~~عنك ما صنعت في أمري، ورضي الله تعالى عنك ما جوابك عن كلامي، وقوله: «إن ~~كان لحليما» إن هي المخففة من الثقيلة، والأناة الوقار، وقيل: هو اسم من ~~التأني في الأمور. وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين ولا همزة بعدها، ~~والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها {إن ربي} ، أي: الله {بكيدهن ~~عليم} حين قلن أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهن والاستشهاد بعلم الله تعالى ~~عليه وأنه بريء مما عيب به، والوعيد لهن على كيدهن، وقيل: المراد بربي ~~الملك، وجعله ربا لنفسه لكونه مربيا له، وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك ~~عالما بكيدهن ومكرهن، # ولما قال يوسف عليه السلام ذلك وأبى أن يخرج من السجن قبل تبين الأمر رجع ~~الرسول إلى الملك فأخبره ms1286 بما قال عليه السلام فكأنه قيل: فما فعل الملك؟ ~~فقيل: # {قال} للنسوة بعد أن جمعهن وامرأة العزيز معهن {ما خطبكن} ، أي: ما شأنكن ~~العظيم وقوله: {إذ راودتن} ، أي: خادعتن {يوسف عن نفسه} دليل على أن براءته ~~كانت متحققة عند كل من علم القصة، وإنما خاطب الملك جميع النسوة بهذا ~~الخطاب، والمراد بذلك امرأة العزيز وحدها ليكون أستر لها، وقيل: إن امرأة ~~العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهن فكأنه قيل ~~فما قلن؟ قيل: {قلن حاش لله} ، أي: عياذا بالملك الأعظم وتنزيها له من هذا ~~الأمر {ما علمنا عليه} ، أي: يوسف عليه السلام وأغرقن في النفي فقلن {من ~~سوء} ، أي: من خيانة في شيء من الأشياء، ولما أن يوسف عليه السلام راعى ~~جانب امرأة العزيز حيث قال: {ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} (يوسف، 50) ~~فذكرهن ولم يذكر تلك المرأة البتة وعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية ~~لحقها وتعظيما لجانبها وإخفاء للأمر عنها أرادت أن تكافئه على هذا الفعل ~~الحسن، فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء فلذلك {قالت امرأت العزيز} مصرحة ~~بحقيقة الحال {الآن حصحص الحق} ، أي: ظهر وتبين {أنا راودته} ، أي: خادعته ~~{عن نفسه} وأكدت ما أفصحت به مدحا ونفيا لكل سوء بقولها مؤكدا لأجل ما تقدم ~~{وإنه لمن الصادقين} ، أي: الغريقين في هذا الوصف في نسبة المراودة إلي، ~~وتبرئة نفسه، فقد شهد النسوة كلهن ببراءته، وإنه لم يقع منه ما ينسب به إلى ~~شيء من السوء البتة، فمن نسب بعد ذلك هما أو غيره فهو تابع لمجرد الهوى في ~~نبي من المخلصين. # قال الرازي: رأيت في بعض الكتب أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت ~~عليه المهر، فأمر القاضي بأن تكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من إقامة ~~الشهادة. فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصداقها في دعواها. فقالت ~~المرأة: لما أكرمتني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمتك من كل حق لي ~~عليك. ولما رجع الرسول إلى يوسف عليه السلام وأخبره بشهادتهن ببراءته قال: ms1287 # {ذلك} ، أي: الخلق العظيم في تثبتي في السجن إلى أن تبين الحق {ليعلم} ~~العزيز بإقرارها وهي في الأمن وأنا في محل الضيق والخوف علما مؤكدا {أني لم ~~أخنه} ، أي: في أهله ولا في غيرها {بالغيب} ، أي: # PageV02P114 # والحال أن كلا منا غائب عن صاحبه هذا قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه ~~السلام، قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام آخر إذا دلت القرينة ~~عليه ومثاله قوله تعالى: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة} (النمل، 34) هذا كلام بلقيس، ثم قال الله تعالى: {وكذلك ~~يفعلون} (النمل، 34) وقوله تعالى: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} ~~(آل عمران، 9) كلام الداعي ثم قال الله تعالى: {إن الله لا يخلف الميعاد} ~~ثم ختم الكلام بقوله: {وأن الله لا يهدي} ، أي: يسدد وينجح بوجه من الوجوه ~~{كيد الخائنين} ، أي: ولو كنت خائنا لما خلصني الله من هذه الورطة العظيمة، ~~وحيث خلصني منها ظهر أني بريء عما نسبوني إليه. # وقيل: إنه كلام امرأة العزيز، والمعنى: أني وإن كنت أحلت عليه الذنب في ~~حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه في غيبته، أي: لم تقل فيه وهو في السجن خلاف ~~الحق، ثم إنها بالغت في تأكيد هذا القول وقالت: {وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين} يعني إني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت، وإنه لما ~~كان بريئا من الذنب لا جرم طهره الله تعالى منه. واعلم أن هذه الآية على ~~القول الأول دالة على طهارة يوسف عليه السلام من وجوه كثيرة؛ # الأول: قولها: {أنا رادوته عن نفسه} . # والثاني: قولها: {وإنه لمن الصادقين} وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله: ~~{هي راودتني عن نفسي} . # والثالث: قول يوسف عليه السلام: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} والحشوية ~~يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال له جبريل عليه السلام: ولا حين ~~هممت. قال الرازي: وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب ~~معتمد، أي: وإنما أسندها بعضهم لابن عباس بل هم يلحقونها ms1288 بهذا الموضع سعيا ~~منهم في تحريف ظاهر القرآن. # ورابعها: أن إقدامه على قوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} مع أنه خانه ~~بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق ~~به مصلحة بوجه ما، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلا لا يليق ~~بأحد من العقلاء، فكيف يليق إسناده إلى نبي مرسل من سلالة الأنبياء ~~الأصفياء؟ فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على براءته مما يقول الجهال ~~والحشوية، واختلفوا في تفسير قوله: # {وما أبرئ نفسي} لأن ذلك يختلف باختلاف ما قبله؛ لأن قوله: {ذلك ليعلم ~~أني لم أخنه بالغيب} إن كان من كلام يوسف عليه السلام، وقد مر أنه قول ~~الأكثرين فهو أيضا كلامه، وإن كان من كلام المرأة، فهذا أيضا كلامها، فعلى ~~الأول قد تمسك به الحشوية، وقالوا: إنه عليه السلام لما قال: {ذلك ليعلم ~~أني لم أخنه بالغيب} قال له جبريل: ولا حين حللت تكة سراويلك فعند ذلك قال ~~يوسف عليه السلام {وما أبرئ نفسي} . {إن النفس لأمارة بالسوء} ، أي: بالزنا ~~{إلا ما رحم} ، أي: عصم منه {ربي إن ربي غفور} ، أي: للهم الذي هممته ~~{رحيم} ، أي: لو فعلته لتاب علي، وهذا ضعيف كما قاله الرازي لما تقدم أن ~~الآية المتقدمة برهان قاطع على براءته من الذنب، وإنما قال ذلك عليه ~~السلام؛ لأنه لما قال: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} كان ذلك جاريا مجرى ~~مدح النفس وتزكيتها وقد قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} (النجم، 32) فاستدرك ~~ذلك على نفسه بقوله: {وما أبرئ نفسي} والمعنى وما أزكي نفسي {إن النفس ~~لأمارة بالسوء} ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية. # وعلى الثاني أنها لما قالت: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} # PageV02P115 # قالت: {وما أبرئ نفسي} من الخيانة مطلقا، فإني قد خنته حي أحلت الذنب ~~عليه وقلت: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن} وأودعته في الحبس، ~~كأنها أرادت الاعتذار مما كان، واختلف في قوله: # {وقال الملك} فمنهم من قال: هو ms1289 العزيز، ومنهم من قال: هو الريان الذي هو ~~الملك الأكبر. قال الرازي: وهذا هو الأظهر لوجهين: # الأول: أن قول يوسف {اجعلني على خزائن الأرض} يدل عليه. # الثاني: قوله {أستخلصه لنفسي} يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصا وقد كان ~~يوسف عليه السلام قبل ذلك خالصا للعزيز فدل هذا على أن هذا الملك هو الملك ~~الأكبر انتهى. وإنما صرح به ولم يستغن بضميره كراهية الالتباس لما تخلل ~~بينه وبين جواب امرأة العزيز من كلام يوسف عليه السلام، ولو كان الكل من ~~كلامها لاستغني بالضمير، ولم يحتج إلى إبرازه {ائتوني به استخلصه لنفسي} ، ~~أي: أجعله خالصا لي دون شريك. قال ابن عباس: فأتاه الرسول فقال له: ألق عنه ~~ثياب السجن وألبسه ثيابا جددا، وقم إلى الملك فدعا له أهل السجن وهو يومئذ ~~ابن ثلاثين سنة، واغتسل وتنظف ولبس ثيابا جددا بعد أن دعا لأهل السجن فقال: ~~اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عنهم الأخبار، وكتب على باب السجن ~~هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وبيوت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة ~~الأعداء. ثم أتى الملك فلما رآه غلاما حدثا فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا ~~يعلمها السحرة والكهنة؟ ثم أقعده قدامه وقال له: لا تخف وألبسه طوقا من ذهب ~~وثيابا من حرير، وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك، وروي أن جبريل عليه ~~السلام دخل على يوسف وهو في الحبس وقال: قل: اللهم اجعل لي من عندك فرجا ~~ومخرجا، وارزقني من حيث لا أحتسب، فقبل الله تعالى دعاءه وأظهر هذا السبب ~~في تخليصه من السجن، وروي أن يوسف لما دخل عليه قال: اللهم إني أسألك بخيرك ~~من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه بالعربية فقال: ما هذا ~~اللسان؟ قال: هذا لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال: ما هذا ~~اللسان؟ قال: هذا لسان آبائي، قال وهب: كان الملك يتكلم بسبعين لغة ولم ~~يعرف هذين اللسانين، وكان الملك كلما كلمه بلسان أجابه يوسف عليه السلام ~~وزاد بالعربية والعبرانية {فلما كلمه} ، أي: كلم ms1290 الملك يوسف عليه السلام ~~وشاهد منه ما شاهد من جلال النبوة وجميل الوزارة وخلال السيادة ومخايل ~~السعادة أقبل عليه وقال: # إني أحب أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاها، فأجابه بذلك الجواب شفاها وشهد ~~قلبه بصحته فعند ذلك. # {قال} له {إنك اليوم لدينا مكين أمين} ، أي: ذو مكانة وأمانة على أمرنا ~~فما ترى أيها الصديق؟ {قال} أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا ~~وتبني الخزائن، وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنين المجدبة بعنا الغلال ~~فيحصل بهذا الطريق مال عظيم، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟ فقال يوسف: ~~{اجعلني على خزائن الأرض} جمع خزانة وأراد خزائن الطعام والأموال، والأرض ~~أرض مصر، أي: خزائن أرضك مصر، وقال الربيع بن أنس:، أي: خرج مصر ودخله. # وروى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: «رحم ~~الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من # PageV02P116 # ساعته لكنه لما قال ذلك أخره الله تعالى سنة فأقام في بيته سنة مع الملك» ~~. قال الرازي: وهذا من العجائب؛ لأنه لما تثاقل عند الخروج من السجن سهل ~~الله تعالى عليه ذلك على أحسن الوجوه. ولما سارع في ذكر هذا الالتماس أخر ~~الله تعالى ذلك المطلوب عنه، وهذا يدل على أن ترك التصرف أتم، والتفويض ~~بالكلية إلى الله تعالى أولى، ثم قال: {إني حفيظ عليم} ، أي: ذو حفظ وعلم ~~بأمرها، وقيل: كاتب وحاسب. فإن قيل: لم طلب يوسف عليه السلام الإمارة ~~والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة» . ~~ولم طلب الإمارة من سلطان كافر، ولم لم يصبر مدة، ولم أظهر الرغبة في طلبها ~~في الحال، ولم طلب أمر الخزائن في أول الأمر مع أن هذا يورث نوع تهمة، ولم ~~مدح نفسه وقد قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} (النجم، 32) ولم ترك الاستثناء ~~في هذا وقد قال تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} ~~(الكهف: 23، 24) فهذه سبعة أسئلة؟. # أجيب عنها: بأن ms1291 الأصل في جواب هذه الأسئلة أن التصرف في أمور الخلق كان ~~واجبا عليه فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان وإنما كان ذلك واجبا عليه ~~لوجوه: # الأول: أنه كان رسولا حقا من الله تعالى إلى الخلق والرسول يجب عليه ~~مراعاة الأمة بقدر الإمكان. # والثاني: أنه علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد، فلعله تعالى ~~أمره أن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق. # والثالث: أن السعي أيضا في إيصال النفع إلى المستحقين ورفع الضرر عنهم ~~أمر مستحسن في العقول، فكان مكلفا عليه السلام برعاية المصالح من هذه ~~الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم الواجب إلا به ~~فهو واجب، وإنما مدح نفسه؛ لأن الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكن ما ~~كان عالما بأنه يفي بهذا الأمر، وأيضا مدح النفس إنما يكون مذموما إذا قصد ~~به الشخص التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل، وأما هذا الوجه فليس ~~بمذموم وقوله تعالى {فلا تزكوا أنفسكم} (النجم، 32) المراد به تزكية حال من ~~لا يعلم كونها مزكاة والدليل قوله تعالى بعد هذه الآية: {هو أعلم بمن اتقى} ~~(النجم، 32) أما إذا كان الإنسان عالما بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه، ~~وإنما ترك الاستثناء؛ لأنه لو ذكره بما اعتقد الملك فيه إنه إنما ذكره ~~لعلمه أنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي، فلهذا المعنى ترك ~~الاستثناء، ولما سأل يوسف عليه السلام ما تقدم قال معلما بأنه قد أجيب ~~بتنجيز الله تعالى له: # {وكذلك} ، أي: كإنعامنا عليه بالخلاص من السجن {مكنا ليوسف في الأرض} ، ~~أي: أرض مصر {يتبوأ} ، أي: ينزل {منها حيث يشاء} بعد الضيق والحبس قال ابن ~~عباس وغيره: ولما انقضت السنة من يوم سأل الأمارة دعاه الملك فتوجه وجعل ~~خاتم الملك في إصبعه وقلده سيفه وجعل له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت ~~طوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرة أذرع عليه ستون فراشا، فقال يوسف عليه ~~السلام: أما السرير ms1292 فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج ~~فليس من لباسي ولا لباس آبائي، وأمره أن يخرج فخرج لونه كالثلج ووجهه ~~كالقمر يرى الناظر وجهه في صفاء لونه، فانطلق حتى جلس على ذلك السرير ودانت ~~له الملوك ودخل الملك بيته وفوض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه ~~وجعل يوسف مكانه. # قال ابن إسحاق: قال ابن زيد: وكان لملك مصر خزائن # PageV02P117 # كثيرة فسلم سلطانه كله إليه وجعل أمره وقضاءه نافذا في مملكته، ثم مات ~~قطفير بعد ذلك فزوجه الملك امرأته، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيرا مما ~~كنت تريدين؟ قالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ~~ترى في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك ~~وهيئتك فغلبتني نفسي، فوجدها يوسف عليه السلام عذراء فأصابها فولدت له ~~ذكرين افراثيم وميشا، فأقام العدل بمصر وأحبه الرجال والنساء، وأسلم على ~~يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم ~~والدنانير في السنة الأولى، ثم بالحلي والجواهر في السنة الثانية، ثم ~~بالدواب في السنة الثالثة، ثم بالعبيد والإماء في السنة الرابعة، ثم ~~بالضياع والعقار في السنة الخامسة، ثم بأولادهم في السنة السادسة، ثم ~~برقابهم في السنة السابعة حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا له، ~~فقال الناس: ما رأينا كاليوم ملكا أجل ولا أعظم من هذا صار كل الخلق عبيدا ~~له، فلما سمع ذلك قال: إني أشهد الله أني اعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت ~~عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع أحدا ممن يطلب الطعام أكثر من حمل بعير؛ لئلا ~~يضيق الطعام على الباقين هذا ملخص ما قاله البغوي والزمخشري وغيرهما. # قال الرازي: والله أعلم بحقيقة الحال وروي أن يوسف عليه السلام كان لا ~~يشبع من طعام في تلك الأيام، فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: إن ~~شبعت نسيت الجائع، وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غداءه نصف النهار أراد ~~بذلك أن ms1293 يذيق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين قال البغوي: فمن ثم جعل ~~الملوك غداءهم نصف النهار قال الله تعالى: {نصيب} ، أي: نخص {برحمتنا من ~~نشاء} في الدنيا والآخرة {ولا نضيع أجر المحسنين} بل نؤتيهم أجورهم عاجلا؛ ~~وآجلا لأن إضاعة الأجر إما أن تكون للعجز أو للجهل أو للبخل، والكل ممتنع ~~في حق الله تعالى فالإضاعة ممتنعة. # {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} الشرك والفواحش، قال ~~الرازي: وهذا تنصيص من الله تعالى على أن يوسف عليه السلام كان في الزمان ~~السابق من المتقين وليس هاهنا زمان سابق يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من ~~المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال الله تعالى فيه: {ولقد همت به وهم بها} ~~فكان هذا من الله تعالى شهادة بأنه عليه السلام كان في ذلك الوقت من ~~المتقين وأيضا قوله: {ولا نضيع أجر المحسنين} شهادة من الله تعالى على أنه ~~كان من المخلصين فثبت أن الله تعالى شهد بأن يوسف كان من المتقين ومن ~~المحسنين ومن المخلصين، والجاهل الحشوي يقول: إنه كان من المذنبين ولا شك ~~أن من لم يقبل قول الله تعالى مع هذه التأكيدات كان من الأخسرين. ولما اشتد ~~القحط وعظم البلاء عم ذلك جميع البلاد حتى وصل إلى بلاد الشام وأرض كنعان، ~~وقصد الناس مصر من كل مكان للميرة، فجعل يوسف عليه السلام لا يعطي أحدا ~~أكثر من حمل بعير وإن كان عظيما تقسيطا بين الناس. وتزاحم الناس عليه، ونزل ~~بآل يعقوب ما نزل بالناس من الشدة، فبعث بنيه إلى مصر للميرة وأمسك بنيامين ~~أخا يوسف لأمه وأبيه فذلك قوله تعالى: # {وجاء إخوة يوسف} وكانوا عشرة وكان منزلهم بالعربات من أرض فلسطين ثغور ~~الشأم وكانوا أهل إبل وشياه، فدعاهم أبوهم يعقوب عليه السلام، وقال: بلغني ~~أن # PageV02P118 # بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام فتجهزوا إليه واقصدوه لتشتروا منه ما ~~تحتاجون من الطعام. # وههنا همزتان مختلفتان من كلمتين، فقرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو بتسهيل ~~الثانية، والباقون بالتحقيق. ولما أمرهم أبوهم بذلك خرجوا حتى قدموا ms1294 مصر ~~{فدخلوا عليه فعرفهم} قال ابن عباس: بأول نظرة إليهم عرفهم. وقال الحسن: لم ~~يعرفهم حتى تعرفوا إليه. {وهم له منكرون} ، أي: لم يعرفوه وذلك لوجوه: ~~الأول: أنه عليه السلام أمر حجابه بأن يوقفوهم من البعد وما كان يتكلم معهم ~~إلا بواسطة، الثاني: أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيرا، ثم أنهم رأوه بعد ~~وفور اللحية وكبر الجثة، قال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في البئر وبين أن ~~دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه، وقال عطاء: إنما لم يعرفوه؛ لأنه كان ~~على سرير الملك، وكان بزي ملوك مصر عليه ثياب حرير، وفي عنقه طوق ذهب، ثم ~~أن يوسف عليه السلام أمر بإنزالهم وإكرامهم وكانت عادته أن لا يزيد أحدا ~~على حمل بعير، وكانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال كما قال تعالى: # {ولما جهزهم بجهازهم} ، أي: وفاهم كيلهم والجهاز ما يعد من الأمتعة ~~للنقلة كعدد السفر وما يحمل من بلدة إلى أخرى وما تزف به المرأة إلى زوجها، ~~فقالوا: إن لنا شيخا كبيرا وأخا آخر بقي معه وذكروا أن أباهم لأجل سنه وشدة ~~حزنه لم يحضر، وأن أخاهم في خدمة أبيه ولا بد لهما أيضا من حملين آخرين من ~~الطعام، فلما ذكروا ذلك قال يوسف عليه السلام: فهذا يدل على أن حب أبيكم له ~~أزيد من حبه لكم، وهذا شيء عجيب؛ لأنكم أنتم مع جمالكم وعقلكم وأدبكم إذا ~~كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم دل ذلك على أنه أعجوبة في ~~العقل والأدب فجيئوني به حتى أراه كما قال تعالى حكاية عنه: {قال ائتوني ~~بأخ لكم من أبيكم} ، أي: الذي خلفتموه عنده. # وقيل: إنه لما نظر إليهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: اخبروني من أنتم وما ~~أمركم؟ فإني أنكرت شأنكم قالوا: قوم من أرض الشأم أصابنا ما أصاب الناس، ~~فجئنا نمتار فقال: لعلكم جئتم لتنظروا إلى عورة بلادنا؟ قالوا: لا والله ~~لسنا بجواسيس إنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ صديق، يقال له يعقوب نبي ~~من أنبياء الله تعالى، ms1295 قال: وكم كنتم؟ قالوا: كنا اثنى عشر فذهب أخ لنا إلى ~~البرية فهلك فيها، وكان من أحبنا إلى أبينا قال: فكم أنتم ههنا؟ قالوا: ~~عشرة. قال: وأين الابن الآخر؟ قالوا: عند أبينا؛ لأنه أخو الذي هلك وأبوه ~~مبتلى به. قال: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟ قالوا: أيها الملك إنا ببلاد ~~لا يعرفنا فيها أحد. فقال يوسف عليه السلام: فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم ~~إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك. فقالوا: إن أبانا يحزن على فراقه وسنراوده ~~عنه. قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم، فاقترعوا بينهم ~~فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده، ثم إنه قال ~~لهم: {ألا ترون أني أوفي الكيل} ، أي: أتمه ولا أبخس منه شيئا، وقرأ نافع ~~بفتح الياء من أني، والباقون بالسكون، وأما الياء من {أوفي} فجميع القراء ~~يثبتونها في الوقف لثباتها في الرسم، وحذفوها في الوصل لالتقاء الساكنين ~~{وأنا خير المنزلين} ، أي: المضيفين فإنه كان قد أحسن ضيافتهم مدة إقامتهم ~~عنده. قال الرازي: وهذا يضعف قول من يقول من المفسرين أنه اتهمهم ونسبهم ~~إلى أنهم عيون وجواسيس، ولو شافههم بهذا الكلام # PageV02P119 # فلا يليق به أن يقول لهم: {ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين} ~~وأيضا يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقا أن يقول لهم: أنتم عيون ~~وجواسيس مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة؛ لأن البهتان لا يليق بحال ~~الصديق ثم قال عليه السلام: # {فإن لم تأتوني به} ، أي: بأخيكم {فلا كيل} ، أي: فلا ميرة {لكم عندي} ~~ولم يمنعهم من غيره {ولا تقربون} نهي أو عطف على محل فلا كيل لكم، أي: ~~تحرموا ولا تقربوا مني ولا تدخلوا دياري، فجمع لهم عليه السلام بين الترغيب ~~والترهيب فالترغيب في قوله الأول، والترهيب في قوله الثاني؛ لأنهم كانوا في ~~نهاية الحاجة إلى الطعام وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده، ومع ذلك لم ~~يخطر ببالهم أنه يوسف، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: # {قالوا سنراود} ، أي: بوعد لا خلف فيه ms1296 حين نصل {عنه أباه} ، أي: سنكمله ~~فيه وننازعه الكلام ونحتال فيه ونتلطف في ذلك ولاندع جهدا {وإنا لفاعلون} ~~ما أمرتنا به والتزمناه. # {و} لما أرغبهم وأرهبهم في شأن أخيه {قال لفتيته} ، أي: غلمانه الكيالين ~~جمع فتى، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بألف بعد الياء المثناة تحت وبعد الألف ~~نون مكسورة، والباقون بالياء المثناة تحت ثم بتاء مثناة فوق مكسورة. ~~{اجعلوا بضاعتهم} ، أي: التي أتوا بها ثمن الميرة وكانت دراهم، وعن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنها كانت النعال والأدم {في رحالهم} جمع رحل ~~أوعيتهم التي يحملون فيها الطعام {لعلهم يعرفونها} ، أي: بضاعتهم {إذا ~~انقلبوا} ، أي: رجعوا {إلى أهلهم} وفتحوا أوعيتهم {لعلهم يرجعون} إلينا. # واختلف في السبب الذي من أجله رد يوسف عليه السلام بضاعتهم في رحالهم على ~~أوجه: # الأول: أنه أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمان، وكان يخاف ~~اللصوص من قطع الطريق، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية إلى أن ~~يصلوا إلى أبيهم. # الثاني: أراد أن يعرف أباه انه أكرمهم وطلبهم لمزيد الإكرام فلا يثقل على ~~أبيه إرسال أخيه. # الثالث: مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء والظلم ولا ~~يطلب زيادة الثمن. # والرابع: أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه عيب ولا منة. # الخامس: قال الفراء: إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم وقع في قلوبهم ~~أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السهو وهم أنبياء وأولاد أنبياء ~~فيرجعون ليعرفوا السبب فيه، ويردوا الملك إلى مالكه. # السادس: أراد به التوسعة على أبيه؛ لأن الزمان كان زمان القحط. # السابع: رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه ومن إخوته على شدة حاجتهم إلى ~~الطعام لؤم. # الثامن: خاف أن لا يكون عند أبيه من المال ما يرجعون به مرة أخرى. # التاسع: أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه علموا أن ذلك كرم من ~~يوسف عليه السلام وسخاء، فيبعثهم ذلك إلى العود إليه والحرص على معاملته ~~عليه السلام. # {فلما رجعوا} ، أي: أخوة يوسف ms1297 عليه السلام {إلى أبيهم قالوا يا أبانا} ~~إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة عظيمة لو كان رجلا من آل يعقوب ~~ما أكرمنا إكرامه، فقال يعقوب عليه السلام: إذا رجعتم إلى ملك مصر فأقرؤوه ~~مني السلام وقولوا له: إن أبانا يدعو لك بما أوليتنا، ثم قال لهم: أين ~~شمعون؟ قالوا: ارتهنه ملك مصر، وأخبروه بالقصة وقولهم: {منع منا الكيل} فيه ~~قولان: # أحدهما: أنهم لما طلبوا الطعام # PageV02P120 # لأخيهم الغائب عند أبيهم منعوا منه. # والثاني: أنهم منعوا الكيل في المستقبل، وهو قول يوسف عليه السلام: {فلا ~~كيل لكم عندي ولا تقربون} ويدل لهما قولهم: {فأرسل معنا أخانا} بنيامين ~~{نكتل} فإن حمزة والكسائي قرآه بالياء، أي: يكتل لنفسه، وهذا يدل للقول ~~الأول، والباقون بالنون، أي: نكتل نحن وإياه، وهذا يدل للقول الثاني {وإنا ~~له لحافظون} عن أن يناله مكروه حتى نرده إليك، فلما قالوا ليعقوب عليه ~~السلام هذه المقالة. # {قال} لهم {هل آمنكم} ، أي: أقبل منكم الآن وفي مستقبل الزمان تأمينكم لي ~~فيه بما يسوءني تأمينا مستقبلا {عليه} ، أي: بنيامين {إلا كما أمنتكم} ، ~~أي: في الماضي {على أخيه} يوسف عليه السلام {من قبل} فإنكم أكدتم غاية ~~التأكيد فلم تحفظوه لي ولم تردوه إلي، والأمن اطمئنان القلب إلى سلامة ~~النفس، فأنا في هذا لا آمن عليه إلا الله تعالى {فالله} المحيط علما وقدرة ~~{خير حافظا} منكم ومن كل أحد، ففيه التفويض إلى الله تعالى والاعتماد عليه ~~في جميع الأمور. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بفتح الحاء وألف بعدها وكسر ~~الفاء، والباقون بكسر الحاء وسكون الفاء، وهو منصوب على التمييز في ~~القراءتين، وتحتمل الأولى النصب على الحال اللازمة {وهو أرحم الراحمين} ، ~~أي: أرحم بي من أن يفجعني به بعد مصيبتي بأخيه فلا يجمع علي مصيبتين. # {ولما} أرادوا تفريغ ما قدموا به من الميرة {فتحوا متاعهم} ، أي: أوعيتهم ~~التي حملوها من مصر {وجدوا بضاعتهم} ، أي: ما كان معهم من كنعان لشراء ~~القوت {ردت إليهم} والوجدان ظهور الشيء للنفس بحاسة أو ما يغني عنها، فكأنه ~~قيل: ما ms1298 قالوا؟ فقيل: {قالوا} ، أي: لأبيهم عليه السلام {يا أبانا ما} ~~استفهامية، أي: أي شيء {نبغي} ، أي: نريد، جميع القراء أثبتوا الياء وقفا ~~ووصلا لثباتها في الرسم، فكأنه قال لهم: ما الخبر؟ فقالوا بيانا لذلك؟ ~~وتأكيدا للسؤال في استصحاب أخيهم: {هذه بضاعتنا ردت إلينا} هل من مزيد على ~~ذلك أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا ورد علينا متاعنا. # ولما كان التقدير ونرجع بها إليه بأخينا، فيظهر له نصحنا وصدقنا {ونمير ~~أهلنا} ، أي: نجلب إليهم الميرة برجوعنا إليه، والميرة الأطعمة التي تحمل ~~من بلد إلى بلد {ونحفظ أخانا} فلا يصيبه شيء مما تخشى عليه تأكيدا للوعد ~~بحفظه {ونزداد كيل بعير} لأخينا {ذلك كيل يسير} ، أي: سهل على الملك لسخائه ~~وحرصه على البذل، وقيل: قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بحسب الحبس ~~والتأخير، وقيل قليل فابعث أخانا حتى نبدل تلك القلة بالكثرة، فكأنه قيل: ~~ما قال لهم؟ فقيل: # {قال} يعقوب عليه السلام: {لن أرسله} ، أي: بنيامين كائنا {معكم} ، أي: ~~في وقت من الأوقات {حتى تؤتوني موثقا} ، أي: عهد مؤكدا {من الله} قرأ ابن ~~كثير بإثبات الياء بعد النون وقفا ووصلا، وأبو عمرو بإثبات الياء وقفا لا ~~وصلا، وحذفها الباقون وقفا ووصلا، وقوله {لتأتنني} ، أي: كلكم {به} أي: ~~تحلفوا بالله لتأتنني به من الإتيان، وهو المجيء في كل حال جواب القسم، أو ~~المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به {إلا} ، أي: في حال {أن يحاط} ، أي: ~~تحصل الإحاطة بمصيبة من المصائب لاطاقة لكم بها {بكم} فتهلكوا من عند آخركم ~~كل ذلك زيادة في التوثيق بما حصل له من المصيبة بيوسف عليه السلام، وإن كان ~~الاعتماد في حفظه إنما هو على الله تعالى، وهذا من باب # PageV02P121 # اعقلها وتوكل، فأجابوه إلى ذلك كما قال تعالى {فلما آتوه موثقهم} بذلك ~~{قال الله على ما نقول} نحن وأنتم {وكيل} ، أي: شهيد، وأرسله معهم بعد ذلك. # فإن قيل: لم أرسله معهم وقد شاهد منهم ما شاهد في يوسف عليه السلام؟ ~~أجيب: بأن ذلك لوجوه: أحدها: أنهم كبروا ومالوا إلى ms1299 الخير والصلاح، الثاني: ~~أنه كان شاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما كان بينهم ~~وبين يوسف عليه السلام، الثالث: لعل الله أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله ~~إليه. # {و} لما عزموا على الخروج إلى مصر وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء ~~رجل واحد {قال} لهم {يا بني لا تدخلوا} إذا قدمتم إلى مصر {من باب واحد} من ~~أبوابها {وادخلوا من أبواب} واحترز من أن تكون متلاصقة أو متقاربة جدا ~~بقوله: {متفرقة} ، أي: تفرقا كثيرا، وهذا حكم التكليف لئلا يصابوا بالعين، ~~وهي من قدر الله تعالى. # وقد ورد شرعنا بذلك ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «العين حق» . وفي رواية عن أحمد «يحضرها الشيطان وحسد ابن ~~آدم» . وفي رواية لمسلم: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» . ~~وفي رواية عن جابر: «إن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر» ، وفي رواية ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول: «أعيذكما بكلمات ~~الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» . ويقول: «هكذا كان يعوذ ~~إبراهيم إسماعيل وإسحاق» صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر النبيين، وعن ~~عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار ~~فوجدته شديد الوجع، ثم عدت إليه في آخر النهار فرأيته معافى فقال: «إن ~~جبريل عليه السلام أتاني فرقاني فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من ~~كل عين وحاسد الله يشفيك، قال فأفقت» وفي رواية أن بني جعفر بن أبي طالب ~~كانوا غلمانا بيضا فقالت أسماء: يا رسول الله، إن العين إليهم سريعة فاسترق ~~لهم من العين؟ فقال لها: «نعم» . وفي رواية دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين. ~~فقال: «أما تسترقون له من العين» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «كان ~~يؤمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين الذي أصيب بالعين» . # ولما خاف ms1300 يعقوب عليه السلام أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أن ~~الحذر يغني عن القدر نفى ذلك بقوله عليه السلام {وما أغني} ، أي: أدفع ~~{عنكم} بقولي ذلك {من الله من شيء} قدره عليكم، وإنما ذلك شفقة، ومن مزيدة ~~للتأكيد، واعلم أن الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم ~~بأن يجزم بأنه لا يحصل الا ما قدره الله تعالى وإن الحذر لايدفع القدر، ~~فالإنسان مأمور بأن يحذر الأشياء المهلكة والأغذية الضارة، ويسعى في تحصيل ~~المنافع ودفع المضار بقدر الإمكان، ومع ذلك يكون جازما بأنه لا يصل إليه ~~إلا ما قدره الله تعالى، ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله تعالى، ~~فقوله عليه السلام: {لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} إشارة ~~إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم، وقوله: {وما أغني عنكم من الله ~~من شيء} إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب بل إلى التوحيد المحض، ~~والبراءة من كل شيء سوى الله تعالى. ولما قصر # PageV02P122 # الأمر كله إليه تعالى وجب رد كل أمر إليه، وقصر النظر عليه، فقال منبها ~~على ذلك {إن الحكم إلا لله} وحده الذي ليس الحكم إلا له {عليه} ، أي: على ~~الله وحده {توكلت} ، أي: جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعل {وعليه} وحده ~~{فليتوكل المتوكلون} ، أي: الثابتون في باب التوكل، فإن ذلك من أعظم ~~الواجبات من فعله فاز ومن أغفله خاب، وقد ثبت بالبرهان أن لا حكم إلا لله، ~~فلزم القطع بأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله تعالى، وذلك يوجب ~~أن لا توكل إلا على الله تعالى، فهذا مقام شريف عال. # والشيخ أبو حامد الغزالي أكثر في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتب ~~«إحياء علوم الدين» فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب. ولما قال ~~يعقوب عليه السلام: {وما أغني عنكم من الله من شيء} صدقه الله تعالى في ذلك ~~فقال: # {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم} ، أي: متفرقين {ما كان} ذلك التفرق ~~{يغني عنهم من الله} ms1301 ، أي: من قضائه وأغرق في النفي فقال: {من شيء} ، أي: ~~مما قضاه عليهم كما تقدم من قول يعقوب عليه السلام فسرقوا وأخذ بنيامين ~~بوجدان الصواع في رحله وتضاعفت المصيبة على يعقوب عليه السلام وقوله تعالى: ~~{إلا حاجة} استثناء منقطع، أي: لكن حاجة {في نفس يعقوب} وهي الوصول إلى ما ~~أمر به شفقة عليهم {قضاها} يعقوب عليه السلام وأبرزها من نفسه إلى أولاده ~~فعملوا فيها بمراده فاغني عنهم الخلاص من عقوق أبيهم فقط {وإنه} ، أي: ~~يعقوب عليه السلام مع أمره لبنيه بذلك {لذو علم} ، أي: معرفة بالحكمين حكم ~~التكليف وحكم التقدير واطلاع على الكونين عظيم {لما علمناه} بالوحي ونصب ~~الحجج، ولذلك قال: {وما أغني عنكم من الله من شيء} ولم يغتر بتدبيره. ولما ~~كان قد يظن أن كل أحد يكون كذلك، أي: يعلم ما علمه نفى ذلك سبحانه وتعالى ~~بقوله جل شأنه {ولكن أكثر الناس} ، أي: لأجل ما نالهم من الاضطراب {لا ~~يعلمون} ، أي: ليسوا بذوي علم لما علمناهم لإعراضهم عنه واستفراغ قواهم في ~~الاهتمام بما وقع التكليف لهم به ومن أحوال الدنيا ومقابلة فطرهم القويمة ~~السليمة بردها إلى ما تدعوهم إليه الحظوظ والشهوات حتى لا يكون طب لمخلوق. ~~ولما أخبر تعالى عن دخولهم إلى البلد أخبر عن دخولهم لحاجتهم إلى يوسف عليه ~~السلام. # فقال: {ولما دخلوا} ، أي: أخوة يوسف عليه السلام {على يوسف} في المقدمة ~~الثانية بأخيهم بنيامين قالوا: هذا أخونا فقال: أحسنتم واحتسبتم وستجدون ~~خير ذلك عندي، ثم أنزلهم وأكرم منزلهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على ~~مائدة، فبقي بنيامين وحيدا فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا أجلسني معه، ~~فقال يوسف: لقد صار أخوكم هذا وحيدا فأجلسه معه على مائدته، وصار يؤاكله ~~فلما كان الليل أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتا، فبقي بنيامين وحده فقال ~~يوسف هذا ينام معي على فراشي كما قال تعالى {آوى} أي: ضم {إليه أخاه} فبات ~~معه وجعل يوسف يضمه إليه ويشمه ثم قال له: ما اسمك؟ فقال: بنيامين، قال: ~~وما بنيامين؟ ms1302 قال: المثكل وذلك أنه لما ولد هلكت أمه. قال: وما اسم أمك؟ ~~قال: راحيل بنت لاوي. قال: فهل لك من ولد؟ قال: نعم عشرة بنين. ولما رأى ~~تأسفه لأخ له هلك، قال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك؟ فقال: ومن يجد أخا ~~مثلك ولكنك لم يلدك # PageV02P123 # يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه {وقال إني أنا أخوك فلا ~~تبتئس} ، أي: لا تحزن {بما كانوا يعملون} ، أي: بشيء فعلوه بنا فيما مضى، ~~فإن الله قد أحسن إلينا فلا تلتفت إلى أعمالهم المنكرة التي قد أقدموا ~~عليها، وقد جمعنا الله تعالى على خير ولا تعلمهم بشيء من ذلك. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون، ومد بعد ~~النون من أنا قبل الهمزة المفتوحة نافع، والباقون بالقصر، ثم أنه ملأ لهم ~~أوعيتهم كما أرادوا، وكان في المرة الأولى أبطأ في تجهيزهم في طول المدة ~~ليتعرف أخبارهم من حيث لا يشعرون، ولذلك لم يعطف بالفاء، وأسرع في تجهيزهم ~~في هذه المرة قصدا إلى انفراده بأخيه من غير رقيب بالحيلة التي دبرها فلذلك ~~أتت الفاء في قوله: # {فلما جهزهم} ، أي: اعجل جهازهم وأحسنه {بجهازهم جعل} بنفسه أو بمأذونه ~~{السقاية} ، أي: المشربة التي كان يشرب بها {في رحل أخيه} ، أي: وعاء طعام ~~أخيه بنيامين كما فعل ببضاعتهم في المرة الأولى. قال ابن عباس: كانت من ~~زبرجد. وقال ابن إسحاق: كانت من فضة وقيل: من ذهب. وقال عكرمة: كانت مشربة ~~من فضة مرصعة بالجواهر، وجعلها يوسف عليه السلام مكيالا لئلا يكال بغيرها ~~وكان يشرب فيها. # قال الرازي: هذا بعيد؛ لأن الإناء الذي يشرب فيه الملك لا يصلح أن يجعل ~~صاعا، وقيل: كانت الدواب تسقى بها، قال: وهذا أيضا بعيد؛ لأن الآنية التي ~~تسقى الدواب فيها لا تكون كذلك، وقال: والأصوب أن يقال: كان ذلك الإناء ~~شيئا له قيمة أما إلى هذا الحد الذي ذكروه فلا، والسقاية والصواع واحد، ثم ~~ارتحلوا وأمهلهم يوسف عليه السلام حتى انطلقوا وذهبوا منزلا، وقيل: حتى ~~خرجوا من ms1303 العمارة ثم بعث خلفهم من استوقفهم وحبسهم {ثم أذن} ، أي: أعلن ~~فيهم بالنداء {مؤذن} قائلا برفع صوته وإن كانوا في غاية القرب منه بما دل ~~عليه إسقاط الأداة {أيتها العير} ، أي: القافلة، قال أبو الهيثم: كل ما سير ~~عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير. قال: وقول من قال العير الإبل خاصة ~~باطل، فقوله: {أيتها العير} ، أي: أصحاب العير كقوله: يا خيل الله اركبي. ~~قال الفراء: كانوا أصحاب إبل. وقال مجاهد: كانت العير حميرا. # وقرأ ورش بإبدال همزة مؤذن واوا وقفا ووصلا، وحمزة في الوقف فقط، ~~والباقون بالقصر. {إنكم لسارقون} فقفوا حتى ننظر الذي فقد لنا، والسرقة أخذ ~~ما ليس له أخذه في خفاء من حرز مثله. فإن قيل: هل كان هذا النداء بأمر يوسف ~~عليه السلام أو ما كان بأمره؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بيوسف عليه السلام ~~مع علو منصبه أن يبهت أقواما وينسبهم إلى السرقة كذبا وبهتانا؟ وإن كان ~~بغير أمره فهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة؟ أجيب: بأجوبة: # الأول: أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال لست أفارقك قال: لا ~~سبيل إلى ذلك إلا بتدبير حيلة أنسبك فيها إلى ما لا يليق بك. قال: رضيت ~~بذلك، وعلى هذا لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام؛ لأنه قد رضي به فلا يكون ~~ذلك ذنبا. # الثاني: {إنكم لسارقون} يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام فهو ~~من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة من الكذب. # الثالث: أن المنادي إنما ذكر النداء على سبيل الاستفهام وعلى هذا يخرج أن ~~يكون كذبا. # الرابع: ليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا هذا بأمر يوسف عليه السلام. ~~قال الرازي: والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم # PageV02P124 # فعلوا ذلك من أنفسهم؛ لأنهم لما طلبوا السقاية فلم يجدوها، ولم يكن هناك ~~أحد غيرهم غلب على ظنهم أنهم الذين أخذوها. ولما وصل إليهم الرسول قال لهم: ~~ألم نحسن ضيافتكم ونكرم مثواكم ونفيكم كيلكم وفعلنا بكم ما لم نفعل بغيركم؟ ~~قالوا: بلى، وما ذاك؟ قالوا: سقاية ms1304 الملك فقدناها ولا نتهم عليها غيركم ~~فذلك قوله تعالى: # {قالوا و} الحال أنهم قد {أقبلوا عليهم} ، أي: على جماعة الملك المنادي ~~وغيره {ماذا} ، أي: ما الذي {تفقدون} مما يمكننا أخذه والفقدان ضد الوجود ~~{قالوا نفقد} وكان للسقاية اسمان فعبروا بقولهم {صواع الملك} والصواع هو ~~المكيال وهو السقاية المتقدمة سموه تارة كذا وتارة كذا، وإنما اتخذوا هذا ~~الإناء مكيالا لعزة ما يكال به في ذلك الوقت. {ولمن جاء به حمل بعير} ، أي: ~~من الطعام، والبعير يطلق لغة على الذكر خاصة وأطلقه بعضهم على الناقة أيضا، ~~وجعله نظير إنسان وهو ما جرى عليه الفقهاء في باب الوصية، والجمع في القلة ~~على أبعرة، وفي الكثرة على بعران {وأنا به زعيم} قال مجاهد: هذا الزعيم هو ~~الذي أذن، والزعيم الكفيل، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في ~~شرعهم، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «الزعيم غارم» . # وإذا ورد في شرعنا ما يقرر شرع غيرنا، هل يكون شرعا لنا؟ في ذلك خلاف ~~والراجح أنه ليس بشرع لنا. فإن قيل: كيف تصح هذه الكفالة مع أن السارق لا ~~يستحق شيئا؟ أجيب: بأنهم لم يكونوا سراقا في الحقيقة فيحمل ذلك على مثل رد ~~الضائع، فيكون ذلك جعالة أو أن مثل هذه الكفالة، كانت جائزة عندهم في ذلك ~~الزمان. # {قالوا} ، أي: أخوة يوسف عليه السلام {تالله} التاء حرف قسم، وهي عند ~~الجمهور بدل من واو القسم، والواو بدل من الباء، فهي فرع الفرع، فلذلك ضعفت ~~عن التصريف في الأسماء، فلا تدخل إلا على الجلالة الكريمة أو الرب مضافا ~~للكعبة أو الرحمن في قول ضعيف، ولو قلت: تالرحمن لم يجز، أي: والله {لقد ~~علمتم} أي: بما جربتم من أمانتنا قبل هذا في كون مجيئنا {ما جئنا} وأكدوا ~~النفي باللام فقالوا {لنفسد} ، أي: نوقع الفساد {في الأرض} ، أي: أرض مصر ~~{و} لقد علمتم {ما كنا} ، أي: بوجه من الوجوه {سارقين} ، أي: موصوفين بهذا ~~الوصف قطعا. فإن قيل: من أين علموا ذلك؟ أجيب: بأن ms1305 ذلك يعلم مما رأوا من ~~أحوالهم، وقيل: لأنهم ردوا البضاعة التي جعلت في رحالهم، قالوا: فلوا كنا ~~سارقين ما رددناها، وقيل: قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا ~~يتناولون ما ليس لهم، وكانوا إذا دخلوا مصر كمموا أفواه دوابهم كي لا ~~تتناول شيئا من حروث الناس. # {قالوا} ، أي: أصحاب يوسف عليه السلام المنادي ومن معه {فما جزاؤه} ، أي: ~~السارق، وقيل: الصواع {إن كنتم كاذبين} في قولكم: ما كنا سارقين ووجد فيكم، ~~والجزاء مقابلة العمل بما يستحق من خير وشر. # {قالوا} وثوقا منهم بالبراءة وإخبارا بالحكم عندهم {جزاؤه من وجد في ~~رحله} ولتحققهم البراءة علقوا الحكم على مجرد الوجدان لا السرقة، ثم أكدوا ~~ذلك بقولهم: {فهو جزاؤه} قال ابن عباس: كان ذلك الزمان كل سارق بسرقته ~~فلذلك قالوا ذلك، أي: فالسارق جزاؤه أن يسلم بسرقته إلى المسروق منه فيسترق ~~سنة، وكان ذلك سنة آل يعقوب في حكم السارق وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ~~ويغرم ضعفي قيمة المسروق، فأراد يوسف أن يحبس # PageV02P125 # أخاه عنده فرد الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم {كذلك} ، أي: ~~الجزاء {نجزي الظالمين} بالسرقة، قال أصحاب يوسف: فلا بد من تفتيش رحالكم، ~~فردوهم إلى يوسف عليه السلام فأمر بتفتيشها بين يديه. # {فبدأ بأوعيتهم} ففتشها {قبل وعاء أخيه} لئلا يتهم فلم يجد فيها شيئا ~~{ثم} ، أي: بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك {استخرجها} ، أي: السقاية أو ~~الصاع؛ لأنه يذكر ويؤنث {من وعاء أخيه} فلما خرج الصاع من وعاء بنيامين نكس ~~أخوته رؤوسهم من الحياء، وأقبلوا على بنيامين يلومونه ويقولون: له إيش الذي ~~صنعت فضحتنا وسودت وجوهنا يا ابن راحيل مازال لنا منكم بلاء حتى أخذت هذا ~~الصاع. فقال بنيامين: بل بنوا راحيل مازال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي ~~فاهلكتموه في البرية إن الذي وضع هذا الصاع في رحلي هو الذي وضع البضاعة في ~~رحالكم، فأخذ بنيامين رقيقا. # وقيل: إن المنادي وأصحابه هم الذين تولوا تفتيش رحالهم وهم الذين ~~استخرجوا الصاع من رحله فأخذوه برقبته وردوه إلى ms1306 يوسف عليه السلام. تنبيه: ~~هاهنا همزتان مختلفتان من كلمتين قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال ~~الثانية ياء، والباقون بالتحقيق. {كذلك} ، أي: مثل ذلك الكيد {كدنا ليوسف} ~~خاصة بأن علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف عليه السلام في الابتداء، ~~وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام: {فيكيدوا لك كيدا} (يوسف، 5) والكيد من ~~الخلق الحيلة، ومن الله تعالى التدبير بالحق، فالمراد من هذا الكيد هو أن ~~الله تعالى ألقى في قلب إخوته بأن حكموا أن جزاء السارق هو أن يسترق لا جرم ~~لما ظهر الصاع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق، وصار ذلك سببا لتمكن يوسف ~~عليه السلام من إمساك أخيه عند نفسه. ولما كان الكيد يشعر بالحيلة ~~والخديعة، وهو في حق الله تعالى محال حمل على الغاية، ونهايته هنا إلقاء ~~الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل له إلى دفعه، فالكيد في حق ~~الله تعالى محال على هذا المعنى، وقيل: المراد بالكيد هاهنا إن أخوة يوسف ~~سعوا في إبطال أمره، والله تعالى نصره وقواه وأعلى أمره وقوله تعالى: {ما ~~كان} ، أي: يوسف {ليأخذ أخاه في دين الملك} ، أي: حكمه بيان للكيد؛ لأن ~~جزاءه كان عنده الضرب وتغريم مثلي ما أخذ لا أنه يستبعد، وقوله تعالى: {إلا ~~أن يشاء الله} فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع تقديره: ولكن بمشيئة الله أخذه في دين الملك، ~~وهو دين آل يعقوب عليه السلام إن الاسترقاق جزاء السارق. # والثاني: أنه مفرغ من الأحوال العامة والتقدير ما كان ليأخذه في كل حال ~~إلا في حال التباسه بمشيئة الله، أي إذنه في ذلك. ولما كان يوسف عليه ~~السلام إنما تمكن من ذلك بعلو درجته وتمكنه ورفعته بعدما كان فيه عندهم من ~~الصغار كان ذلك محل عجب فقال تعالى التفاتا إلى مقام التكلم: {نرفع درجات ~~من نشاء} ، أي: بالعلم كما رفعنا درجته، وكان الأصل درجاته ولكنه عمم؛ لأنه ~~أدل على العظمة، فكان أليق بمظهرها، وفي هذه الآية دليل على أن العلم أشرف ~~المقامات وأعلى الدرجات؛ لأن ms1307 الله تعالى لما هدى يوسف عليه السلام إلى هذه ~~الحيلة مدحه لأجل ذلك ورفع درجته على إخوته، ووصف إبراهيم عليه السلام ~~بقوله تعالى: {نرفع درجات من نشاء} عندما حكى عنه دلائل التوحيد والبراءة # PageV02P126 # عن إلهية الشمس والقمر والكواكب. # وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين التاء، والباقون بغير تنوين {وفوق كل ذي ~~علم عليم} قال ابن عباس: فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله ~~تعالى فوق كل عالم؛ لأنه هو الغني بعلمه عن التعلم، وفي الآية دليل على أن ~~إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء، وكان يوسف أعلم منهم. قال ابن ~~الأنباري: يجب أن يتهم العالم نفسه ويستشعر التواضع لربه تعالى، ولا يطمع ~~نفسه في العلية في العلوم؛ لأنه لا يخلو عالم من عالم فوقه. ولما حصل لإخوة ~~يوسف من إخراج الصواع من رحل بنيامين ما حصل، فكأنه قيل: فما كان فعلهم عند ~~ذلك؟. # فقيل: {قالوا} تسلية لأنفسهم ودفعا للعار عن خاصتهم {إن يسرق} ولم يجزموا ~~بسرقته لعلمهم بأمانته وظنهم أن الصواع دس في رحله وهو لا يشعر كما دست ~~بضاعتهم في رحالهم، وكان قد قال لهم ذلك {فقد سرق أخ له من قبل} ، أي: يوسف ~~وكان غرضهم من ذلك إنا لسنا على طريقته ولا على سيرته، وهو وأخوه مختصان ~~بهذه الطريقة؛ لأنهما من أم أخرى، واختلفوا في التي نسبوها إلى يوسف عليه ~~السلام على أقوال، فقال سفيان بن عيينة: أخذ دجاجة من الطير التي كانت في ~~بيت يعقوب فأعطاها سائلا. وقال مجاهد: جاءه سائل فأخذ بيضة من البيت ~~فناولها للسائل، وقال وهب: كان يخبىء الطعام من مائدة يعقوب للفقراء، وقال ~~سعيد بن جبير: كان جده أبو أمه كافرا يعبد الوثن وأمرته أمه أن يسرق تلك ~~الأوثان ويكسرها، فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك فهذا هو السرقة. وقال ~~محمد بن إسحاق: إن يوسف عليه السلام كان عند عمته ابنة إسحاق، وكانت تحبه ~~حبا شديدا، فأرادت أن تمسكه عند نفسها وكان قد بقي معها منطقة لأبيها إسحاق ~~عليه السلام، وكانوا ms1308 يتبركون بها، فشدتها على وسط يوسف عليه السلام من تحت ~~ثيابه وهو صغير لا يشعر، ثم قالت: إنه سرقها، وكان علمهم أن من سرق يسترق ~~فقال يعقوب عليه السلام: إن كان قد فعل ذلك فهو سلم لك فأمسكته عندها حتى ~~ماتت، فتوصلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها. # قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها سرقة، ولكنها تشبهها فعيروه ~~بها عند الغضب، وقيل: إنهم كذبوا عليه وبهتوه، وكانت قلوبهم مملوءة من ~~الغضب على يوسف بعد تلك الوقائع وبعد انقضاء المدة الطويلة. قال الرازي: ~~وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطمئن من الغل البتة. {فأسرها يوسف ~~في نفسه ولم يبدها} ، أي: يظهرها {لهم} والضمير للكلمة التي هي قوله: {قال} ~~، أي: في نفسه {أنتم شر مكانا} ، أي: من يوسف وأخيه، أي: لسرقتكم أخاكم من ~~أبيكم وظلمكم له، وقيل: الضمير يرجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي ~~قولهم: {فقد سرق أخ له من قبل} وعلى هذا يكون المعنى: فأسر يوسف جواب ~~الكلمة التي قالوها في حقه {والله أعلم} منكم {بما تصفون} ، أي: تقولون، ~~وأنه ليس كما قلتم، قال أصحاب الأخبار والسير: إن يوسف عليه السلام لما ~~استخرج الصاع من رحل بنيامين نقره وأدناه إلى أذنه ثم قال: إن صاعي هذا ~~يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلا لأب واحد وإنكم انطلقتم بأخ لكم من أبيكم ~~فبعتموه فقال بنيامين: أيها الملك إن صاعك يخبرك من جعله في رحلي، ثم نقره ~~وأدناه من أذنه، فقال: إن صاعي غضبان وهو يقول: كيف تسألوني عن صاحبي وقد ~~رؤيت مع من كنت؟ قالوا: فغضب # PageV02P127 # روبيل لذلك، وكانوا أولاد يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب ~~لم يقم لغضبه شيء، وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها إذا سمعت صوته، وكان مع ~~هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب عليه السلام يسكن غضبه، وكان أقوى الأخوة ~~وأشدهم، وروي أنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة. فقال: ~~اكفوني أنتم الأسواق، وأنا أكفيكم الملك ms1309 أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم ~~الأسواق، ودخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا ~~تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها، وقامت كل شعرة في جسده حتى خرجت من ~~ثيابه، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب روبيل فمسه، ويروى خذ بيده ~~فائتني به، # فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه فقال لإخوته: من مسني منكم؟ قالوا: لم يصبك ~~منا أحد. فقال روبيل: إن هنا بذرا من بذر يعقوب. فقال يوسف: من يعقوب؟ وروي ~~أنه غضب ثانيا، فقام إليه يوسف فركضه برجله، وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض، ~~وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تظنون أن لا أحد أشد منكم فلما صار أمرهم ~~إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا. # و {قالوا يا أيها العزيز} فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم {إن له} ، ~~أي: هذا الذي وجد الصواع في رحله {أبا شيخا كبيرا} ، أي: في سنه وقدره وهو ~~مغرم به لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه {فخذ أحدنا مكانه} وأحسن إلى أبيه ~~بإرساله إليه {إنا نراك} ، أي: نعلمك علما هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه ~~{من المحسنين} ، أي: العريقين في صفة الإحسان فاجر في أمرنا على عادة ~~إحسانك، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: # قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها سرقة، ولكنها تشبهها فعيروه ~~بها عند الغضب، وقيل: إنهم كذبوا عليه وبهتوه، وكانت قلوبهم مملوءة من ~~الغضب على يوسف بعد تلك الوقائع وبعد انقضاء المدة الطويلة. قال الرازي: ~~وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطمئن من الغل البتة. {فأسرها يوسف ~~في نفسه ولم يبدها} ، أي: يظهرها {لهم} والضمير للكلمة التي هي قوله: {قال} ~~، أي: في نفسه {أنتم شر مكانا} ، أي: من يوسف وأخيه، أي: لسرقتكم أخاكم من ~~أبيكم وظلمكم له، وقيل: الضمير يرجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي ~~قولهم: {فقد سرق أخ له من قبل} وعلى هذا يكون المعنى: فأسر يوسف جواب ~~الكلمة التي قالوها في حقه {والله ms1310 أعلم} منكم {بما تصفون} ، أي: تقولون، ~~وأنه ليس كما قلتم، قال أصحاب الأخبار والسير: إن يوسف عليه السلام لما ~~استخرج الصاع من رحل بنيامين نقره وأدناه إلى أذنه ثم قال: إن صاعي هذا ~~يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلا لأب واحد وإنكم انطلقتم بأخ لكم من أبيكم ~~فبعتموه فقال بنيامين: أيها الملك إن صاعك يخبرك من جعله في رحلي، ثم نقره ~~وأدناه من أذنه، فقال: إن صاعي غضبان وهو يقول: كيف تسألوني عن صاحبي وقد ~~رؤيت مع من كنت؟ قالوا: فغضب روبيل لذلك، وكانوا أولاد يعقوب إذا غضبوا لم ~~يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وكان إذا صاح ألقت كل حامل ~~حملها إذا سمعت صوته، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب عليه السلام ~~يسكن غضبه، وكان أقوى الأخوة وأشدهم، وروي أنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق ~~بمصر؟ قالوا: عشرة. فقال: اكفوني أنتم الأسواق، وأنا أكفيكم الملك أو ~~اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق، ودخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردن ~~علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها، وقامت ~~كل شعرة في جسده حتى خرجت من ثيابه، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب ~~روبيل فمسه، ويروى خذ بيده فائتني به، # فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه فقال لإخوته: من مسني منكم؟ قالوا: لم يصبك ~~منا أحد. فقال روبيل: إن هنا بذرا من بذر يعقوب. فقال يوسف: من يعقوب؟ وروي ~~أنه غضب ثانيا، فقام إليه يوسف فركضه برجله، وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض، ~~وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تظنون أن لا أحد أشد منكم فلما صار أمرهم ~~إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا. # و {قالوا يا أيها العزيز} فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم {إن له} ، ~~أي: هذا الذي وجد الصواع في رحله {أبا شيخا كبيرا} ، أي: في سنه وقدره وهو ~~مغرم به لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه {فخذ أحدنا مكانه} وأحسن إلى ms1311 أبيه ~~بإرساله إليه {إنا نراك} ، أي: نعلمك علما هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه ~~{من المحسنين} ، أي: العريقين في صفة الإحسان فاجر في أمرنا على عادة ~~إحسانك، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: # {قال معاذ الله} هو نصب على المصدر، وحذف فعله وأضيف إلى المفعول، أي: ~~نعوذ بالذي لا مثل له معاذا عظيما من {أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} ~~ولم يقل: سرق متاعنا؛ لأنه لم يفعل في الصواع فعل السارق، ولم يقع منه قبل ~~ذلك ما يصح إطلاق الوصف عليه، ثم علله بقوله {إنا إذا} ، أي: إذا أخذنا ~~أحدا مكانه {لظالمون} ، أي: عريقون في الظلم في دينكم، فلم تطلبون ما هو ~~ظلم عندكم، ولما استيأسهم بما قال عن إطلاق بنيامين حكى الله تعالى ما تم ~~لهم من الرأي فقال: # {فلما} دالا بالفاء على قرب زمن تلك المراجعات {استيأسوا} ، أي: أيسوا ~~{منه} لما رأوا من إحسانه ولطفه ورحمته يأسا شديدا بما رأوا من ثباته على ~~أخذه بعينه وعدم استبداله {خلصوا} ، أي: انفردوا عن غيرهم حال كونهم {نجيا} ~~وهو مصدر يصلح للواحد وغيره، أي: ذوي نجوى يناجي بعضهم بعضا، فكأنه قيل: ~~فما قالوا؟ فقيل: {قال كبيرهم} في السن وهو روبيل، وقيل: في الفضل والعلم ~~وهو يهوذا، وقيل: شمعون وكان له الرياسة على إخوته {ألم تعلموا} مقررا لهم ~~بما يعرفونه مع قرب الزمان ليشتد توجههم في بذل الجهد في الخلاص من غضب ~~أبيهم {أن أباكم} ، أي: الشيخ الكبير الذي فجعتموه في أحب ولده إليه {قد ~~أخذ عليكم} ، أي: قبل أن يعطيكم هذا الولد الآخر {موثقا} ، أي: عهدا وثيقا ~~{من الله} في أخيكم، وإنما جعل حلفهم بالله موثقا منه؛ لأنه بإذن منه ~~وتأكيد من جهته، وقوله {ومن قبل ما فرطتم} في هذه الآية وجوه: أظهرها أن ما ~~مزيدة فيتعلق الظرف بالفعل بعدها والتقدير: ومن قبل هذا فرطتم، أي: قصرتم ~~في حق يوسف وشأنه، وزيادة ما كثيرة، وبه بدأ الزمخشري وغيره، وقيل: أنها ~~مصدرية في محل رفع # PageV02P128 # بالابتداء والخبر هو قوله: {في يوسف} ، أي: ms1312 وتفريطكم كائن أو مستقر في ~~يوسف، وإلى هذا ذهب الفارسي، وقيل: غير ذلك ولا نطيل بذكره إذ في هذا القدر ~~كفاية {فلن أبرح} ، أي: أفارق {الأرض} ، أي: أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} ، ~~أي: بالعود إليه {أو يحكم الله لي} بخلاص أخي {وهو خير الحاكمين} ، أي: ~~أعدلهم، فإن قيل: هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب، فكيف يجوز ~~ليوسف عليه السلام أن يعمل مثل هذه الأعمال بأبيه ولم يخبره بمكانه، وحبس ~~أخاه أيضا عنده مع علمه بشدة وجدان أبيه عليه وشدة غمه وفيه ما فيه من ~~العقوق وإيذاء الناس من غير ذنب لاسيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عنده بهذه ~~التهمة فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة ~~في التزوير إلى هذا الحد؟ # أجيب: بأجوبة كثيرة للعلماء، وأحسنها أنه إنما فعل ذلك بأمر من الله ~~تعالى له لا عن أمره وإنما أمره الله تعالى بذلك ليزيد بلاء يعقوب عليه ~~السلام، فيضاعف له الأجر على البلاء ويلحقه بدرجة آبائه، ولله تعالى أسرار ~~لا يعلمها أحد من خلقه، وهو المتصرف في خلقه بما يشاء، فهو الذي أخفى خبر ~~يوسف عن يعقوب في هذه المدة مع قرب المسافة لما يريد أن يدبره فيهم، والله ~~أعلم بأحوال عباده، ثم قال كبيرهم: # {ارجعوا إلى أبيكم} دوني {فقولوا} له، أي: متلطفين في خطابكم {يا أبانا} ~~وأكدوا مقالتكم فإنه ينكرها وقولوا {إن ابنك سرق} فإن قيل: كيف يحكمون عليه ~~بأنه سرق من غير بينة وهو قد أجابهم بالجواب الشافي، فقال: الذي جعل الصاع ~~في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحالكم؟ أجيب: بأنهم لما شاهدوا الصاع وقد ~~أخرج من متاعه غلب على ظنهم أنه سرق فلذلك نسبوه إلى السرقة في ظاهر الأمر ~~لا في حقيقة الحال، ويدل على أنهم لم يقطعوا عليه بالسرقة قولهم {وما ~~شهدنا} عليه {إلا بما علمنا} ظاهرا من رؤيتنا الصاع يخرج من وعائه، وأما ~~قوله: وضع الصاع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم، فالفرق ظاهر؛ لأن هناك ms1313 ~~لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأما ~~هذا الصاع فإن أحدا لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصاع في رحله، فلهذا السبب ~~غلب على ظنهم أنه سرق، فشهدوا بناء على الظن {وما كنا للغيب} ، أي: ما غاب ~~عنا حين أعطينا الموثق {حافظين} ، أي: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، ويصير ~~أمرنا إلى هذا ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به معنا، وإنما قلنا: ونحفظ أخانا ~~مما لنا إلى حفظه سبيل، وحقيقة الحال غير معلومة لنا، فإن الغيب لا يعلمه ~~إلا الله تعالى، فلعل الصاع دس في رحله، ونحن لا نعلم ذلك، فلعل حيلة دبرت ~~في ذلك غاب عنا علمها كما صنع في رد بضاعتنا. # {واسأل القرية} ، أي: أهلها على حذف المضاف، وهو مجاز مشهور، وقيل: إنه ~~مجاز لكنه من باب إطلاق المحل وإرادة الحال {التي كنا فيها} وهي مصر عما ~~أخبرناك به يخبروك بصدقنا، فإن الأمر قد اشتهر عندهم، وقيل: هي قرية من قرى ~~مصر كانوا ارتحلوا منها إلى مصر {و} اسأل {العير} ، أي: القافلة، وهم قوم ~~من كنعان جيران يعقوب عليه السلام {التي أقبلنا فيها} والسؤال طلب الأخبار ~~بأداته من الهمزة، أو هل أو غيرهما، والقرية الأرض الجامعة لحدود فاصلة ~~وأصلها من قريت الماء جمعته، والعير قافلة الحمير من العير بالفتح وهو ~~الحمار هذا هو الأصل ثم كثر حتى استعمل في غير الحمير، ولما كان ذلك # PageV02P129 # بالإنكار لما يتحقق من كرم أخيهم أكدوه بقولهم {وإنا} ، أي: والله إنا ~~{لصادقون} في أقوالنا، ولما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال كبيرهم، ~~فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: # {س12ش83/ش87 قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا? فصبر جميل? عسى الله أن يأتينى ~~بهم جميعا? إنه? هو العليم الحكيم * وتولى عنهم وقال يا?أسفى على يوسف ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم * قالوا? تالله تفتؤا? تذكر يوسف حتى تكون ~~حرضا أو تكون من الهالكين * قال إنمآ أشكوا? بثى وحزنى? إلى الله وأعلم من ~~الله ما تعلمون * يابنى اذهبوا? فتحسسوا? من ms1314 يوسف وأخيه وتا?ي?سوا من روح ~~الله? إنه? يا?ي?س من روح الله إs القوم الكافرون} # {قال} لهم {بل سولت} ، أي: زينت تزيينا فيه غي {لكم أنفسكم أمرا} ، أي: ~~حدثتكم بأمر ففعلتموه، وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته {فصبر ~~جميل} ، أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل صبري، أو أجمل، وقدم مثل ذلك في ~~واقعة يوسف إلا أنه قال فيها: {والله المستعان على ما تصفون} (يوسف، 18) ~~وقال هنا {عسى الله أن يأتيني بهم} ، أي: بيوسف وشقيقه بنيامين والأخ ~~الثالث الذي أقام بمصر {جميعا} ، أي: فلا يتخلف منهم أحد، وإنما قال يعقوب ~~عليه السلام هذه المقالة؛ لأنه لما طال حزنه واشتد بلاؤه ومحنته علم أن ~~الله تعالى سيجعل له فرجا ومخرجا عن قريب، فقال ذلك على سبيل حسن الظن ~~بالله تعالى وتفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف عليه السلام، وأن الأمر ~~يرجع إلى سلامة واجتماع، ثم علل هذا بقوله: {إنه هو العليم} ، أي: البليغ ~~العلم بما خفي عنا من ذلك فيعلم أسبابه الموصلة إلى المقاصد {الحكيم} ، أي: ~~البليغ فيما يدبره ويقضيه. # {و} لما ضاق قلب يعقوب عليه السلام بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في ~~حق بنيامين {تولى عنهم} ، أي: انصرف بوجهه عنهم لما توالى عنده من الحزن ~~{وقال يا أسفا} ، أي: يا أسفي {على يوسف} ، أي: تعال هذا أوانك، والأسف اشد ~~الحزن والحسرة، والألف بدل من ياء المتكلم، وإنما تأسف على يوسف دون أخويه، ~~والحادث إنما هو مصيبتهما؛ لأن مصيبته كانت قاعدة المصائب، والحزن القديم ~~إذا صادفه حزن آخر كان ذلك أوجع للقلب وأعظم لهيجان الحزن الأول، كما قال ~~متمم بن نويرة لما رأى قبرا جديدا جدد حزنه على أخيه مالك: # *فقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك؟ # *فقلت نعم إن الأسى يبعث الأسى ... فدعني فهذا كله قبر مالك # ولأنه كان واثقا بحياتهما دون حياته، وفي حديث رواه الطبراني «لم تعط أمة ~~من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد صلى الله ms1315 عليه ~~وسلم ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع، وقال {يا أسفا} ~~{وابيضت عيناه} ، أي: انمحق سوادهما وبدل بياضا {من الحزن} ، أي: من كثرة ~~البكاء عليه، وقيل: عند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ~~ابيضت من بياض ذلك الماء، وقيل: ضعف بصره حتى صار يدرك إدراكا لطيفا، وقيل: ~~عمي، وقال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف ~~عليه السلام. قيل: إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف في السجن، فقال: إن ~~بصر أبيك ذهب من الحزن عليك، فوضع يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني، ~~ولم أكن حزنا على أبي. # فإن قيل: هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية وهو لا يليق بمثل يعقوب عليه ~~السلام أجيب: بأنه لم يذكر إلا هذه الكلمة، ثم عظم بكاؤه، ثم أمسك لسانه عن ~~النياحة، وذكر ما لا ينبغي، ولم يظهر الشكاية مع أحد من الخلق ويدل لذلك ~~قوله: {فهو كظيم} ، أي: مغموم مكروب لا يظهر كربه وقوله: {إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله} فكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته صبر ~~وتجرع الغصة وما أظهر # PageV02P130 # الشكاية به، فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء الجزيل. روي أن يوسف ~~عليه السلام قال لجبريل عليه السلام: هل لك علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: ~~فكيف حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، وهي التي لها ولد واحد يموت. قال: فهل له ~~أجر؟ قال: نعم أجر مئة شهيد، ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف فإنه قل ~~من يملك نفسه عند الشدائد وأيضا البكاء مباح فقد بكى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال: «القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما ~~يسخط الرب وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون» . رواه الشيخان. # تنبيه: شرف الإنسان باللسان والعين والقلب فبين تعالى أن هذه الثلاثة ~~كانت غريقة في الغم، فاللسان كان مشغولا بقوله: يا أسفا، والعين بالبكاء ~~والبياض، والقلب بالغم الشديد، أي: الذي يشبه الوعاء ms1316 المملوء الذي سد فلا ~~يمكن خروج الماء منه، وهذا مبالغة في وصف ذلك الغم. # ولما وقع من يعقوب عليه السلام ذلك كأن قائلا يقول: فما قال له أولاده؟ ~~فقيل: # {قالوا} له حنقا من ذلك {تالله تفتؤ} ، أي: لا تفتأ، أي: لا تزال {تذكر ~~يوسف} تفجعا، فتفتأ جواب القسم وهو على حذف لا كقول الشاعر: # *فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي إليك وأوصالي # ويدل على حذفها أنه لو كان مثبتا لاقترن بلام الابتداء ونون التوكيد معا ~~عند البصريين أو أحدهما عند الكوفيين، فتفتأ هنا ناقصة بمعنى لا تزال كما ~~تقرر، ورسمت تفتؤ بالواو {حتى} إلى أن {تكون حرضا} ، أي: مشرفا على الهلاك ~~لطول مرضك وهو مصدر يستوي فيه الواحد وغيره {أو تكون من الهالكين} ، أي: ~~الموتى. # فإن قيل: لما حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعا؟ أجيب: بأنهم ~~بنوا الأمر على الظاهر، قال أكثر المفسرين: قائل هذا الكلام هم أخوة يوسف، ~~وقال بعضهم: ليس الأخوة بل الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاده وخدمه، ~~ولما قالوا له ذلك فكأن قائلا يقول: فما قال لهم؟ فقيل: # {قال} لهم {إنما أشكو بثي} والبث أشد الحزن سمي بذلك؛ لأنه من صعوبته لا ~~يطاق حمله فيباح به وينشر {وحزني} مطلقا وإن كان سببه خفيفا يقدر الخلق على ~~إزالته {إلى الله} المحيط بكل شيء علما وقدرة لا إلى غيره، فهو الذي تنفع ~~الشكوى إليه {وأعلم من الله} ، أي: الملك الأعلى من اللطف بنا أهل البيت ~~{ما لا تعلمون} فيأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، وفي ذلك إشارة إلى أنه كان ~~يعلم حياة يوسف، ويتوقع رجوعه إليه وذكروا لسبب هذا التوقع أمورا: أحدها: ~~أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا ~~يا نبي الله، ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه من ههنا ولذلك قال: # {يا بني اذهبوا فتحسسوا} ، أي: والتحسيس طلب الخبر بالحاسة وهو قريب من ~~التجسيس بالجيم، وقيل: التحسيس بالحاء يكون في الخير، ms1317 وبالجيم يكون في الشر ~~ومنه الجاسوس وهو الذي يطلب الكشف عن عورة الناس، والمعنى تحسسوا خبرا {من} ~~أخبار {يوسف وأخيه} ، أي: اطلبوا خبرهما. # وثانيها: أنه علم أن رؤيا يوسف عليه السلام صادقة؛ لأن أمارات الرشد ~~والكمال ظاهرة في حق يوسف عليه السلام، ورؤيا مثله لا تخطئ. # وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه تعالى ما عين ~~الوقت، فلهذا بقي في القلق. # ورابعها: قال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال # PageV02P131 # حاله وأقواله وأفعاله طمع في أن يكون هو يوسف وقال: بعيد أن يظهر في ~~الكفار مثله، ثم تلطف ببنيه وقال لهم: {ولا تيأسوا} ، أي: تقنطوا {من روح ~~الله} قال ابن عباس: من رحمة الله. وقال قتادة: من فضل الله. وقال ابن زيد: ~~من فرج الله. {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} ، أي: الغريقون ~~في الكفر، قال ابن عباس: إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده ~~على الرخاء، والكافر على الضد من ذلك، فإن اليأس من رحمة الله لا يحصل إلا ~~إذا اعتقد الإنسان أن إله العالم غير قادر على الكمال، أو غير عالم بجميع ~~المعلومات، أو ليس بكريم بل هو بخيل، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، ~~وإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر ~~ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرا. # وقرأ البزي بعد التاء من تيأسوا وبعد الياء من لا ييأس بألف وبعدها ياء ~~مفتوحة بخلاف عنه، والباقون بهمزة مفتوحة قبلها ياء ساكنة. ولما قال يعقوب ~~عليه السلام لبنيه ذلك قبلوا منه هذه الوصية وعادوا إلى مصر. # {فلما دخلوا عليه} ، أي: على يوسف عليه السلام {قالوا يا أيها العزيز} ~~وكان العزيز لقبا لملك مصر يومئذ {مسنا وأهلنا} ، أي: من خلفناهم وراءنا ~~{الضر} ، أي: لابسنا ملابسة نحسها {وجئنا ببضاعة} وقالوا {مزجاة} إما ~~لنقصها أو لرداءتها أو لهما جميعا. وقال الحسن: البضاعة المزجاة القليلة، ~~واختلفوا في تلك الرداءة. فقال ابن عباس: كانت ms1318 دراهم رديئة لا تقبل في ثمن ~~الطعام، وقيل: متاع الأعراب الصوف والسمن، وقيل: الأقط، وقيل: النعال ~~والأدم وقيل: إن دراهم مصر كان ينقش فيها صورة يوسف عليه السلام، والدراهم ~~التي جاؤوا بها ما كان فيها ذلك فما كانت مقبولة عند الناس، ثم سببوا عن ~~هذا الاعتذار؛ لأنه أقرب إلى رحمة أهل الكرم قولهم: {فأوف لنا الكيل} ، أي: ~~شفقة علينا بسبب ضعفنا {وتصدق} ، أي: تفضل {علينا} زيادة على الوفاء كما ~~عودتنا بفضل ترجو ثوابه، ولما رأوا أفعاله تدل على تمسكه بدين الله تعالى ~~عللوا ذلك بقولهم: {إن الله} ، أي: الذي له الكمال كله {يجزي المتصدقين} ، ~~أي: وإن كانت على غني قوي، فكيف إذا كانت على أهل الحاجة والضعف. # فائدة: سئل سفيان بن عيينة هل حرمت الصدقة على نبي من الأنبياء سوى نبينا ~~عليه وعليهم الصلاة والسلام؟ قال سفيان: ألم تسمع قوله: {وتصدق علينا..} ~~الآية يريد أن الصدقة كانت حلالا لهم ولأبيهم. وروي أن الحسن سمع رجلا ~~يقول: اللهم تصدق علي قال: إن الله لا يتصدق وإنما يتصدق من يبغي الثواب ~~قل: اللهم أعطني وتفضل علي. # فإن قيل: إذا كان أبوهم أمرهم أن يتحسسوا من يوسف وأخيه فلم عادوا إلى ~~الشكوى؟ أجيب: بأن المتحسس يتوصل إلى مطلوبه بجميع الطرق والاعتراف بالعجز، ~~وضموا رقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة، وذلك مما يرقق القلب فقالوا: ~~نجربه في هذه الأمور، فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا، فقدموا ~~هذه المقدمة قال أبو إسحاق: ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته ~~الرقة على إخوته فارفض دمعه فباح بالذي كان يكتم فلهذا. # {قال} لهم {هل علمتم} مقررا لهم بعد أن استأنسوا به، قال البقاعي: ~~والظاهر أن هذا كان بغير ترجمان {ما} ، أي: قبح الذي {فعلتم بيوسف} ، أي: ~~أخيكم الذي حلتم بينه وبين أبيه {وأخيه} في # PageV02P132 # جعلكم أباه فريدا منه ذليلا بينكم، ثم في قولكم له لما وجد الصاع في ~~رحله: لا يزال يأتينا البلاء من قبلكم يا بني راحيل، وإنما قال لهم ذلك ~~نصحا ms1319 لهم وتحريضا على التوبة وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا ~~معاتبة وتثريبا، وقيل: أعطوه كتاب يعقوب عليه السلام في تخليص بنيامين، ~~وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه، فقال لهم ذلك وقوله {إذ ~~أنتم جاهلون} ، أي: فاعلون فعلهم؛ أو لأنهم كانوا حينئذ صبيانا طياشين ~~تلويحا إلى معرفته، فقد روي أنه لما قال هذا تبسم وكان في تبسمه أمر من ~~الحسن لا يجهله منه من رآه ولو مرة واحدة فعرفوه بذلك فلذلك. # {قالوا أئنك لأنت يوسف} استفهام تقرير، ولذلك حقق بأن واللام عليه، وقيل: ~~عرفوه بنظره وخلقه حين كلمهم، وقيل: رفع التاج عن رأسه فرآوا علامة بقرنه ~~تشبه الشامة البيضاء، وكان لسارة ويعقوب وإسحاق مثلها. وقرأ ابن كثير بهمزة ~~مكسورة بعدها نون على الخبر، وقرأ قالون وأبو عمرو بهمزة مفتوحة بعدها همزة ~~مكسورة مسهلة بينهما ألف على الاستفهام، وقرأ ورش بغير ألف بينهما، ~~والتسهيل في الثانية على الاستفهام أيضا، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين مع ~~القصر، ولهشام وجه ثان وهو المد، وقيل: أنهم لم يعرفوه حتى {قال} لهم {أنا ~~يوسف} وزادهم بقوله {وهذا أخي} بنيامين شقيقي، وإنما ذكره لهم ليزيدهم ذلك ~~معرفة له وتثبيتا في أمره وليبني عليه قوله: {قد من الله علينا} قال ابن ~~عباس: بكل خير في الدنيا والآخرة. وقال آخرون: بالجمع بيننا بعد التفرقة. ~~{إنه من يتق} ، أي: المعاصي {ويصبر} ، أي: على البليات وأذى الناس وقال ابن ~~عباس: يتقي الزنا ويصبر على العزوبة، وقال مجاهد: يتقي المعصية ويصبر على ~~السجن {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} والمعنى أنه من يتق ويصبر، فإن الله ~~لا يضيع أجرهم، فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين، وقرأ قنبل ~~بإثبات الياء بعد القاف وقفا ووصلا، واختلف المعربون في ذلك على وجهين: ~~أجودهما: أن إثبات حرف العلة في الجزم لغة لبعض العرب وأنشدوا عليه قول قيس ~~بن زهير: # *ألم يأتيك والأنباء تنمي # ... بما لاقت لبون بني زياد # وقول الآخر: # *هجوت زبان ثم جئت معتذرا # ... من هجو زبان لم ms1320 تهجو ولم تدع # وقول الآخر: # *إذا العجوز غضبت فطلقي # ... ولا ترضاها ولا تلق # والثاني أنه مرفوع غير مجزوم ومن موصولة والفعل صلتها، فلذلك تمم بإثبات ~~لامه وسكن (يصبر) لتوالي الحركات، وإن كانت في كلمتين، وقرأ الباقون بالحذف ~~وقفا ووصلا، ولما ذكر يوسف عليه السلام لإخوته أن الله تعالى من عليه، وأنه ~~من يتق ويصبر فإن الله تعالى لا يضيعهم صدقوه فيه واعترفوا له بالفضل ~~والمرتبة ولذلك. # {قالوا} مقسمين بقولهم: {تالله} ، أي: الملك الأعظم {لقد آثرك} ، أي: ~~اختارك {الله علينا} بالعلم والعقل والحلم والحسن والملك والتقوى وغير ذلك، ~~واحتج بعضهم بهذه الآية على أن إخوته ما كانوا أنبياء؛ لأن جميع المناصب ~~التي تكون مغايرة لمنصب النبوة # PageV02P133 # كالعدم بالنسبة إليه، فلو شاركوه في منصب النبوة لما قالوا ذلك، ثم ~~قالوا: {وإن كنا لخاطئين} ، أي: والحال أن شأننا إنا كنا مذنبين بما فعلنا ~~معك، ولذلك أذلنا الله تعالى لك، فكأنه قيل: ما قال لهم على قدرته وتمكنه ~~مع ما سلف من إهانتهم له؟ فقيل: # {قال} لهم قول الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة ~~والسلام {لا تثريب} ، أي: لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك {عليكم اليوم} وإنما ~~خصه بالذكر؛ لأنه مظنة التثريب فإذا انتفى ذلك فيه فما ظنك بما بعده، ولما ~~أعفاهم من التثريب كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من ~~الله تعالى، فاتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم بقوله: {يغفر الله} ، أي: ~~الذي لا إله غيره {لكم} ، أي: ما فرط منكم، وعبر في هذا الدعاء بالمضارع ~~إرشادا لهم إلى إخلاص التوبة، ورغبهم في ذلك، ورجاهم بالصفة التي هي سبب ~~الغفران، فقال: {وهو} تعالى {أرحم الراحمين} لجميع العباد لا سيما التائب، ~~فهو جدير بإدراك النعم. # روي أنهم أرسلوا إليه إنك لتدعونا إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشيا ونحن ~~نستحي مما فرط منا، فقال: إن أهل مصر ينظرونني وإن ملكت فيهم بعين العبودية ~~فيقولون: سبحان من بلغ عبدا بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت ~~في العيون حيث علم ms1321 الناس أنكم إخوتي وأني من ذرية إبراهيم عليه السلام، ~~ولما أقر أعينهم بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا وأخرى سأل عن أبيه ~~فقال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: ابيضت عيناه من الحزن فأعطاهم قميصه وقال: # {اذهبوا بقميصي هذا} وهو قميص إبراهيم عليه السلام الذي لبسه حين ألقي في ~~النار عريانا فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، وكان ذلك عند ~~إبراهيم، فلما مات إبراهيم ورثه إسحاق، فلما مات إسحاق ورثه يعقوب، فلما شب ~~يوسف جعل يعقوب ذلك في قصبة من فضة وسد رأسها وعلقها في عنقه لما كان يخاف ~~عليه من العين، وكان لا يفارقه، فلما ألقي في البئر عريانا جاءه جبريل وعلى ~~يوسف ذلك التعويذ، فأخرج القميص وألبسه إياه، ففي الوقت جاء جبريل عليه ~~السلام وقال: أرسل ذلك القميص، فإن فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا على ~~سقيم إلا عوفي، فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته، وقال: إذا وصلتم إلى أبي ~~{فألقوه على وجه أبي يأت} ، أي: يصر {بصيرا} ، أي: يرد إليه بصره كما كان، ~~أو يأت إلي حال كونه بصيرا {وأتوني} ، أي: أبي وأنتم {بأهلكم} ، أي: ~~مصاحبين لكم {أجمعين} لا يتخلف منكم أحد فرجعوا بالقميص لهذا القصد. وروي ~~أن يهوذا هو الذي حمل القميص لما لطخوه بالدم فقال: لا يحمل هذا غيري ~~لأفرحه كما أحزنته فحمله وهو حاف من مصر إلى كنعان، وبينهما ثمانون فرسخا. # {ولما فصلت العير} من عريش مصر وهو آخر بلاد مصر إلى أول بلاد الشأم {قال ~~أبوهم} لولد ولده ومن حوله من أهله مؤكدا لعلمه أنهم ينكرون قوله: {إني ~~لأجد ريح يوسف} أوصلته إليه ريح الصبا بإذن الله تعالى من مسيرة ثلاثة أيام ~~أو ثمانية أو أكثر، قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في ~~الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه السلام أنه ليس في الدنيا ~~من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص. # قال أهل المعاني: إن الله تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه ms1322 السلام عند ~~انقضاء مدة المحنة ومجيء وقت الفرج من المكان # PageV02P134 # البعيد، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ~~ثمانين سنة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب، وكل صعب فهو ~~في زمان الإقبال سهل، ومعنى {أجد ريح يوسف} أشم وعبر بالوجود؛ لأنه وجدان ~~له بحاسة الشم {لولا أن تفندون} ، أي: تنسبوني إلى الخرف. # قال أبو بكر الأنباري: أفند الرجل إذا خرف وتغير عقله. وعن الأصمعي إذا ~~كثر كلام الرجل من خرف فهو مفند. قال في «الكشاف» : يقال: شيخ مفند ولا ~~يقال: عجوز مفندة؛ لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأى حتى تفند في كبرها، ~~وقيل: التفنيد الإفساد يقال: فندت فلانا إذا أفسدت رأيه ورددته قال بعضهم: # *يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي # ... فليس ما فات من أمر بمردود # ولما ذكر يعقوب عليه السلام ذلك # {قالوا} ، أي: الحاضرون عنده {تالله إنك لفي ضلالك} ، أي: حبك {القديم} ~~ليوسف لا تنساه ولا تذهل عنه على بعد العهد، وهو كقول إخوة يوسف: {إن أبانا ~~لفي ضلال مبين} (يوسف، 8) وقال مقاتل: معنى الضلال هنا الشقاء، أي: شقاء ~~الدنيا، والمعنى إنك لفي شقائك القديم بما تكابده من الأحزان على يوسف، ~~وقال الحسن: إنما خاطبوه بذلك لاعتقادهم أن يوسف قد مات، فكان يعقوب في ~~ولوعه بذكره ذاهبا عن الرشد والصواب، ثم أنهم عجلوا له بشيرا فأسرع قبل ~~وصولهم بالقميص {فلما} وزيدت {أن} لتأكيد مجيئه على تلك الحالة، وزيادتها ~~بعد لما قياس مطرد {جاء البشير} وهو يهوذا بذلك القميص {ألقاه} ، أي: طرحه ~~البشير {على وجهه} ، أي: يعقوب، وقيل: ألقاه يعقوب على وجه نفسه {فارتد} ، ~~أي: رجع {بصيرا} ، أي: صيره الله بصيرا كما كان، كما يقال: طالت النخلة، ~~والله تعالى هو الذي أطالها. ولما ألقى القميص على وجهه وبشر بحياة يوسف ~~عليه السلام عظم فرحه، وانشرح صدره، وزالت أحزانه فعند ذلك {قال} لبنيه ~~{ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} من حياة يوسف وإنا الله تعالى ~~يجمع ms1323 بيننا، قال السهيلي: لما جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام، أعطاه في: ~~بشارته كلمات كان يرويها عن أبيه عن جده عليهم السلام، وهي: يا لطيفا فوق ~~كل لطيف ألطف بي في أموري كلها كما أحب ورضني في دنياي وآخرتي. وروي أن ~~يعقوب عليه السلام قال للبشير: كيف تركت يوسف؟ قال: تركته ملك مصر. قال: ما ~~أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام. قال: الآن تمت النعمة ~~فعند ذلك # {قالوا يا أبانا} منادين بالأداة التي تدل على الاهتمام العظيم بما بعدها ~~لما له من عظيم الوقع {استغفر} ، أي: اطلب من الله تعالى أن يغفر {لنا ~~ذنوبنا} ، أي: التي اقترفناها ثم قالوا مؤكدين تحقيقا للإخلاص في التوبة ~~{إنا كنا خاطئين} ، أي: متعمدين للإثم بما ارتكبنا في أمر يوسف عليه السلام ~~ومن حق المعترف بذنبه أن يصفح عنه، ويسأل له المغفرة. قال صلى الله عليه ~~وسلم «إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» . فكأنه قيل: فما ~~قال لهم؟ فقيل: # {قال} لهم: {سوف أستغفر} ، أي: أطلب أن يغفر {لكم ربي} الذي أحسن إلي بأن ~~يغفر لبني حتى لا يفرق بيني وبينهم في دار البقاء والربوبية ملك هو أتم ~~الملك على الإطلاق وهو ملك الله تعالى، وظاهر هذا الكلام أنه لم يستغفر لهم ~~في الحال بل وعدهم بأن يستغفر لهم بعد ذلك، # PageV02P135 # واختلفوا في سبب هذا المعنى على وجوه، فقال ابن عباس والأكثرون: أراد أن ~~يستغفر لهم في وقت السحر؛ لأن هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الإجابة، وفي ~~رواية أخرى له أنه أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة؛ لأنها أوفق لأوقات ~~الإجابة. # وقال وهب: كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. وقال طاوس: ~~أخر إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء، وقيل: استغفر لهم في ~~الحال، وقوله: {سوف أستغفر لكم} معناه أني أدوام على هذا الاستغفار في ~~الزمان المستقبل، وقيل: قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه، ~~وقال: اللهم اغفر لي جزعي على ms1324 يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لأولادي ما فعلوا ~~في حق يوسف، فأوحى الله تعالى إليه أني قد غفرت لك ولهم أجمعين. # وعن الشعبي قال: أسأل يوسف أن عفا عنكم استغفر لكم ربي {إنه هو الغفور ~~الرحيم} كل ذلك تسكينا لقلوبهم وتصحيحا لرجائهم، وروي أن يوسف عليه السلام ~~كان بعث مع البشير إلى يعقوب عليه السلام مئتي راحلة وجهازا كثيرا ليأتوا ~~بيعقوب وأهله وولده، فتهيأ يعقوب عليه السلام للخروج إلى مصر، فخرج بهم ~~فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج يوسف عليه السلام والملك ~~في أربعة آلاف من الجند والعظماء وركب أهل مصر معهما بأجمعهم يتلقون يعقوب، ~~وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا ~~يهوذا هذا فرعون مصر؟ قال: لا هذا ابنك يوسف، فلما دنا كل واحد منهما من ~~صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فقال له جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام ~~فقال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان. # وقال الثوري: لما التقى يعقوب ويوسف عليهما السلام عانق كل واحد منهما ~~صاحبه وبكى فقال يوسف: يا أبت بكيت علي حتى ابيضت عيناك ألم تعلم أن ~~القيامة تجمعنا؟ قال: بلى يا بني ولكن خشيت أن يسلب دينك، فيحال بيني وبينك ~~فذلك قوله تعالى: # {فلما دخلوا على يوسف آوى} ، أي: ضم {إليه أبويه} قال الحسن: أباه وأمه ~~وكانت حية إكراما لهما بما يتميزان، به وغلب الأب في التثنية لذكورته، وعن ~~ابن عباس أنها خالته ليا وكانت أمه قد ماتت في نفاس بنيامين. قال البغوي: ~~وفي بعض التفاسير أن الله تعالى أحيا أمه حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر. # فإن قيل: ما معنى دخولهم عليه قبل مصر؟ أجيب: بأنه حين استقبلهم نزل بهم ~~في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه {وقال} مكرما {ادخلوا مصر} ~~، أي: البلد المعروف وأتى بالشرط للأمن لا للدخول فقال: {إن شاء الله ~~آمنين} من جميع ما ينوب حتى مما فرطتم في حقي وفي حق أخي، روي أن يعقوب ms1325 ~~عليه السلام وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة وخرجوا ~~منها مع موسى عليه السلام والمقاتلون منهم ألف وبضعة وسبعون رجلا سوى ~~الصبيان والشيوخ. # {و} لما استقرت بهم الدار بدخول مصر {رفع أبويه} ، أي: أجلسهما معه {على ~~العرش} ، أي: السرير الرفيع والرفع هو النقل إلى العلو {وخروا له} ، أي: ~~انحنوا له أبواه وإخوته {سجدا} ، أي: سجود انحناء، والتواضع قد يسمى سجودا ~~كقول الشاعر: # *ترى ألا كم فيها سجدا للحوافر # لا وضع جبهة وكان تحيتهم في ذلك الزمان، أو أنهم وضعوا الجباه وكان ذلك ~~على طريقة التحية والتعظيم لا على طريقة # PageV02P136 # العبادة، وكان ذلك جائزا في الأمم السالفة، فنسخت في هذه الشريعة، وروي ~~عن ابن عباس أنه قال: معناه خروا لله سجدا بين يدي يوسف عليه السلام، فيكون ~~سجود شكر لله لأجل وجدان يوسف، ويدل عليه قوله تعالى {ورفع أبويه على العرش ~~وخروا له سجدا} وذلك يشعر بأنهم صعدوا على السرير، ثم سجدوا لله تعالى، ولو ~~أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قبل الصعود على السرير؛ لأن ذلك أدخل في ~~التواضع. # فإن قيل: هذا التأويل لا يطابق قول يوسف عليه السلام {وقال يا أبت هذا ~~تأويل رؤياي من قبل} والمراد منه قوله {إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين} (يوسف، 4) أي: رأيتهم ساجدين لأجلي، أي: أنهم ~~سجدوا لله لطلب مصلحتي والسعي في إعلاء منصبي، وإذا كان هذا محتملا سقط ~~السؤال قال الرازي: وعندي أن هذا التأويل متعين؛ لأنه يبعد من عقل يوسف ~~ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة ~~والعلم والدين وكمال النبوة أو أنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا شكرا لنعمة ~~وجدانه، فإنه يقال: صليت للكعبة كما يقال: صليت إلى الكعبة. / # قال حسان: # *ما كنت أعرف أن الأمر منصرف # ... عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن # *أليس أول من صلى لقبلتكم # ... وأعرف الناس بالآثار والسنن # ثم استأنف يوسف عليه السلام فقال {قد جعلها ربي} ، أي: الذي رباني بما ~~أوصلني إليها ms1326 {حقا} ، أي: مطابقة للواقع لتأويلها وتأويل ما أخبرتني به ~~أنت، والتأويل تفسير ما يؤول إليه معنى الكلام، وعن سلمان رضي الله تعالى ~~عنه أن ما بين رؤياه وتأويلها أربعون سنة. وعن الحسن: أنه ألقي في الجب وهو ~~ابن سبع عشرة سنة، وبقي في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة، ثم وصل إلى ~~أبيه وأقاربه وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة، فكان عمره وعشرين سنة {وقد ~~أحسن} ، أي: أوقع إحسانه {بي} تصديقا لما بشرتني به من إتمام النعمة، ~~وتعدية أحسن بالباء أدل على القرب من التعدية بإلى، وإن كان أصل أحسن أن ~~يتعدى بإلى كما قال تعالى: {وأحسن كما أحسن الله إليك} (القصص، 77) وقيل: ~~ضمن معنى لطف فتعدى بالباء كقوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} (البقرة، 83) ~~وقال: {إذ أخرجني من السجن} ولم يذكر إخراجه من الجب لوجوه: أولها: أنه قال ~~لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم} (يوسف، 92) ولو ذكر واقعة الجب لكان ذلك ~~تثريبا لهم فكان إهماله جاريا مجرى الكرم. # ثانيها: أنه لما خرج من الجب لم يصر ملكا بل صيروه عبدا، وإنما صار ملكا ~~بعد إخراجه من السجن، فكان هذا الإخراج أقرب من أن يكون إنعاما كاملا. ~~ثالثها: أنه لما خرج من الجب وقع في المضار الحاصلة بسبب تهمة المرأة ولما ~~خرج من السجن وصل إلى أبيه وإخوته، فكان هذا أقرب إلى المنفعة مع أن اللفظ ~~محتمل للجب أيضا لكنه احتمال خفي، ولما كان يعقوب وولده بأرض كنعان وتحول ~~إلى بدو قال ابن عباس: ومنه قدم على يوسف قال يوسف عليه السلام: {وجاء بكم ~~من البدو} ، أي: من أطراف بادية فلسطين وذلك من أكبر النعم، كما جاء في ~~الحديث: «من يرد الله به خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة» والبدو ضد ~~الحاضرة، وهو من الظهور يقال: بدا يبدو إذا سكن في البادية، يروى عن عمر: ~~إذا بدونا جفونا، أي: تخلقنا بأخلاق البدويين قال الواحدي: البدو بسط من ~~الأرض يظهر فيه # PageV02P137 # الشخص من بعيد، وأصله من بدا يبدو بدوا، ثم سمي المكان باسم المصدر، وفي ms1327 ~~الآية دلالة على أن فعل العبد خلق الله تعالى؛ لأنه أضاف إخراجه من السجن ~~إلى الله تعالى ومجيئهم من البدو إليه {من بعد أن نزغ} ، أي: أفسد ~~{الشيطان} بسبب الحسد {بيني وبين إخوتي} وأصل النزغ دخول في أمر لإفساده. # فإن قيل: إضافة يوسف عليه السلام الخير إلى الله تعالى والشر إلى الشيطان ~~تقتضي أن فعل الشر ليس من الله تعالى كما قاله بعض المبتدعة، ولو كان منه ~~لأضافه إليه. # أجيب: بأن إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مجاز؛ لأن الفاعل المطلق هو الله ~~تعالى في الحقيقة، قال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ~~(الأنبياء، 22) فثبت بذلك أن الكل من عند الله تعالى وبقضائه وقدره، وليس ~~للشيطان فيه مدخل إلا بإلقاء الوسوسة والتحريش لإفساد ذات البين، وذلك ~~بإقدار الله تعالى إياه على ذلك كما حكى الله تعالى ذلك عنه بقوله تعالى: ~~{وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (إبراهيم، 22) ولما ~~كان حصول الاجتماع بينه وبين إخوته وأبويه مع الألفة والمحبة وطيب العيش ~~وفراغ البال، وكان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف قال يوسف ~~عليه السلام {إن ربي لطيف لما يشاء} ، أي: لطيف التدبير له إذ ما من صعب ~~إلا وتنفذ فيه مشيئته، ويتسهل دونها فإذا أراد حصول الشيء سهل أسبابه فحصل، ~~وإن كان في غاية البعد عن الحصول {إنه هو العليم} بوجوه المصالح والتدابير ~~{الحكيم} ، أي: الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة روي أن ~~يوسف عليه السلام طاف بأبيه في خزائنه، فلما أدخله خزانة القرطاس قال: يا ~~بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل؟ قال: أمرني ~~جبريل بذلك قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أقرب مني إليه، فسأله فقال جبريل: ~~الله أمرني بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب، قال: فهلا خفتني؟ ولما حضر ~~يعقوب عليه السلام الموت وصى يوسف عليه السلام أن يحمله ويدفنه عند أبيه ~~فمضى بنفسه فدفنه ثمة. ثم عاد إلى مصر ms1328 وأقام بعده ثلاثا وعشرين سنة. # ولما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم فقال: {رب قد ~~آتيتني} وافتتح بقد؛ لأن الحال حال توقع السامع لشرح حال الرؤيا {من الملك} ~~، أي: بعضه بعد بعدي منه جدا وهو ملك مصر {وعلمتني من} ، أي: بعض {تأويل ~~الأحاديث} طبق ما بشرني به أبي وأخبرت به أنت من التمكين والتعليم قبل قولك ~~{والله غالب على أمره} (يوسف، 21) ثم ناداه بوصف جامع للعلم والحكمة فقال: ~~{فاطر} ، أي: خالق {السموات والأرض} ثم أعلمه بما هو أعلم به منه من أنه لا ~~يعول على غيره في شيء من الأشياء {أنت وليي} ، أي: الأقرب إلي باطنا وظاهرا ~~{في الدنيا والآخرة} ، أي: لا ولي لي غيرك، والولي يفعل لموليه الأصلح ~~والأحسن فأحسن لي في الآخرة أعظم مما أحسنت لي في الدنيا. # روي أنه صلى الله عليه وسلم حكى عن جبريل عن رب العزة جل وعلا أنه قال: ~~«من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» فلهذا المعنى من ~~أراد الدعاء لا بد وأن يقدم عليه ذكر الثناء على الله تعالى فهذا يوسف عليه ~~السلام لما أراد أن يذكر الدعاء قدم عليه الثناء وهو قوله: {رب قد آتيتني ~~من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديت فاطر السموات والأرض} ثم ذكر عقبه ~~الدعاء وهو قوله {توفني} ، أي: # PageV02P138 # اقبض روحي وافيا تاما في جميع أمري حسا ومعنى حال كوني {مسلما} ولما كان ~~المسلم حقيقة من كان عريقا في الإخلاص عقبه بقوله: {وألحقني بالصالحين} ~~ونظيره ما فعله الخليل عليه السلام في قوله: {الذي خلقني فهو يهدين} ~~(الشعراء، 78) فمن ههنا إلى قوله: {رب هب لي حكما} ثناء على الله تعالى ثم ~~قوله: {رب هب لي حكما} إلى آخر الكلام دعاء فكذا هنا. # تنبيه: اختلف في قوله {توفني مسلما} هل هو طلب منه للوفاة أم لا؟ فقال ~~قتادة: سأل ربه اللحوق به ولم يتمن نبي قط الموت قبله، وكثير من المفسرين ~~على هذا القول. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ms1329 إذا توفيتني فتوفني على ~~الإسلام، فهذا طلب لأن يجعل الله تعالى وفاته على الإسلام، وليس فيه ما يدل ~~على أنه طلب الوفاة، واللفظ صالح للأمرين، ولا يبعد في الرجل العاقل إذا ~~كمل عقله أن يتمنى الموت وتعظم رغبته فيه لوجوه كثيرة منها: أن الخطباء ~~والبلغاء وإن أطنبوا في مذمة الدنيا إلا أن حاصل كلامهم يرجع إلى ثلاثة ~~أمور: # أحدها: أن هذه السعادات سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند ~~زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها. # وثانيها: أنها غير حاصلة بل هي ممزوجة بالمنغصات والمكدرات. # وثالثها: أن الأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها، بل ربما كان حصة ~~الأراذل أعظم بكثير من حصة الأفاضل، فهذه الجهات الثلاثة منفرة عن هذه ~~اللذات، ولما عرف العاقل أنه لا يحصل تحصيل هذه اللذات إلا مع هذه الجهات ~~الثلاثة المنفرة لا جرم تمنى الموت ليتخلص عن هذه الآفات، ومنها: أن تداخل ~~اللذات الدنيوية قليلة وهي ثلاثة أنواع: لذة الأكل ولذة النكاح ولذة ~~الرياسة، ولكل واحدة منها عيوب كثيرة، أما لذة الأكل ففيها عيوب أحدها: أن ~~هذه اللذة ليست لذة قوية، فإنه لا يمكن إبقاؤها، فإن الإنسان إذا أكل وشبع ~~لم يبق فيه الالتذاذ، بالأكل، فهذه اللذة ضعيفة، ومع ضعفها غير باقية: ~~وثانيها: أنها في نفسها خسيسة وأن الأكل عبارة عن ترطيب ذلك الطعام بالبزاق ~~المجتمع في الفم، ولا شك أنه شيء منفر، ولما يصل إلى المعدة يظهر فيه ~~الاستحالة إلى الفساد والنتن والعفونة، وذلك أيضا منفر، وثالثها: أن جميع ~~الحيوانات الخسيسة مشاركة له فيها، ورابعها: أن الأكل إنما يطيب عند اشتداد ~~الجوع، والجوع نقص وآفة، وخامسها: أن الأكل مستحقر عند العقلاء حتى قيل: من ~~كانت همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه، فهذه إشارات مختصرة إلى ~~معايب الأكل، وأما لذة النكاح فما ذكر في الأكل حاصل هنا مع أشياء أخر، وهي ~~أن النكاح سبب لحصول الولد، وحينئذ تكثر الأشخاص فتكثر الحاجات إلى المال، ~~فيحتاج الإنسان بسببها إلى الاحتيال في المال بطرق ms1330 لا نهاية لها، وربما صار ~~هالكا بسبب طلب المال. # وأما لذة الرياسة فعيوبها كثيرة منها: أن يكون على شرف الزوال في كل حين ~~وأوان، ومنها: أنه عند حصولها في الخوف الشديد من الزوال، ومنها أنه يكون ~~عند زوالها في الأسف العظيم والحزن الشديد بسبب ذلك الزوال، فالعاقل إذا ~~تأمل في هذه المعاني علم قطعا أنه لا صلاح له في طلب هذه اللذات فيكون لقاء ~~الله عنده أرجح فيتمنى الموت. # وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أن ميمون بن مهران بات عنده ~~فرآه كثير البكاء والمسألة للموت فقال له: صنع الله لك خيرا كثيرا أحييت ~~سننا، وأمت بدعا وفي حياتك خير وراحة للمسلمين فقال: # PageV02P139 # أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقر الله عينه وجمع أمره قال: {توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين} . # فإن قيل: الأنبياء عليهم الصلاة السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على ~~الإسلام، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وإنه لا يجوز؟ أجيب: بأن ~~حال كمال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك ~~الاستسلام، ويرضى بقضاء الله، وتطمئن النفس وينشرح الصدر، وينفسح القلب في ~~هذا الباب، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، والمطلوب هاهنا ~~هو الإسلام بهذا المعنى. فإن قيل: إن يوسف عليه السلام كان من أكابر ~~الأنبياء، والصلاح أول درجة المؤمنين فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن ~~يطلب البداية؟ أجيب: بأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: يعني بأن ~~يلحقه بآبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، والمعنى ألحقني بهم في ~~ثوابهم ودرجاتهم، وولد ليوسف عليه السلام من امرأة العزيز ثلاثة افراثيم ~~وميشا وهو جد يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب عليهم السلام، ولما تاقت نفسه ~~إلى الملك المخلد وتمنى الموت فلم يأت عليه أسبوع حتى توفاه الله عز وجل ~~طيبا طاهرا، وتشاح الناس في دفنه فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء ~~بركته حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في ~~النيل ms1331 حيث يتفرق الماء بمصر ليجري عليه الماء، وتصل بركته إلى جميعهم، قال ~~عكرمة: دفن في الجانب، الأيمن من النيل فأخصب ذلك الجانب، وأجدب الجانب، ~~الآخر، فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب ذلك الجانب وأجدب الآخر، فدفنوه في ~~وسطه وقدروا ذلك بسلسلة فأخصب الجانبان إلى أن أخرجه موسى عليه السلام ~~ودفنه بقرب آبائه بالشام، وقد يسر الله تعالى # زيارته وزيارة آبائه في عام شرعت في هذا التفسير سنة أربع وستين وتسعمئة ~~جمعني الله تعالى وآبائي وأهلي وأصحابي وأحبابي معهم في دار كرامته. ولما ~~تم الذي كان من أمر يوسف عليه السلام وإخوته على الوجه الأحكم، والصراط ~~الأقوم من ابتدائه إلى انتهائه قال تعالى مشيرا إلى أنه دليل كاف في تصحيح ~~نبوته صلى الله عليه وسلم بقوله: # {ذلك} ، أي: الذي ذكرته لك يا محمد من قصة يوسف عليه السلام وما جرى له ~~مع إخوته، ثم صار إلى الملك بعد الرق {من أنباء الغيب} ، أي: أخبار ما غاب ~~عنك {نوحيه إليك} ، أي: الذي أخبرناك به من أخبار يوسف وحي أوحيناه إليك ~~{و} الحال إنك {ما كنت لديهم} ، أي: عند إخوة يوسف عليه السلام {إذ} ، أي: ~~حين {أجمعوا أمرهم} ، أي: عزموا على أمر واحد، وهو إلقاء يوسف في الجب {وهم ~~يمكرون} ، أي: يدبرون الأذى في الخفية بيوسف، والمعنى أن هذا النبأ غيب؛ ~~لأنه صلى الله عليه وسلم ما طالع الكتب ولا تتلمذ لأحد، ولا كانت البلدة ~~بلدة العلماء، وإتيانه صلى الله عليه وسلم بهذه القصة الطويلة على وجه لا ~~يقع فيه تحريف ولا غلط من غير مطالعة ولا تعلم، ومن غير أن يقال: إنه حاضر ~~معهم لا بد وأن يكون معجزا وقوله تعالى: {وما كنت لديهم} ذكر على سبيل ~~التهكم بهم؛ لأن كل أحد يعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما كان معهم، ~~ولما سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نقله أبو حيان عن ~~ابن الأنباري عن قصة يوسف عليه السلام، فنزلت مشروحة هذا الشرح الشافي ~~مبينة هذا البيان الوافي ms1332 فأمل صلى الله عليه وسلم أن يكون # PageV02P140 # ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله عزاه الله تعالى بقوله: # {وما أكثر الناس} ، أي: أهل مكة {ولو حرصت} على إيمانهم {بمؤمنين} ~~لعنادهم وتصميمهم على الكفر وكان ذلك إشارة إلى ما ذكر الله تعالى في قوله ~~تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص، 56) ثم نفى ~~عنه التهمة بقوله تعالى: # {وما تسألهم عليه} ، أي: على تبليغ هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك وأغرق ~~في النفي فقال: {من أجر} حتى يكون سؤالك سببا لأن يتهموك أو يقولوا: لولا ~~أنزل عليه كنز ليستغن به عن سؤالنا، ثم نفى عن هذا الكتاب كل غرض دنيوي ~~بقوله تعالى: {إن هو إلا ذكر} ، أي: عظة من الله تعالى {للعالمين} عامة، ثم ~~إن الله تعالى أخبر عنهم أنهم لما تأملوا الآيات الدالة على توحيده تعالى ~~بقوله تعالى: # {وكأين} ، أي: وكم {من آية} دالة على وحدانية الله تعالى {في السموات} ~~كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى ~~{والأرض} من الجبال والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى ~~{يمرون عليها} ، أي: يشاهدونها {وهم عنها معرضون} ، أي: لا يتفكرون فيها ~~فلا عجب إذا لم يتأملوا في الدلائل على نبوتك، فإن العالم مملوء من دلائل ~~التوحيد والقدرة والحكمة، ثم إنهم يمرون عليها ولا يلتفتون إليها. ولما كان ~~ربما قيل: كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أن الله تعالى فاعل تلك الآيات؟ ~~بين أن إشراكهم سقط لذلك بقوله تعالى: # {وما يؤمن أكثرهم بالله} حيث يقرون بأنه الخالق الرازق {إلا وهم مشركون} ~~بعبادته الأصنام قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} (الزخرف، ~~87) لكنهم كانوا يثبتون شريكا في العبودية. وعن ابن عباس أن هذه الآية نزلت ~~في تلبية مشركي العرب كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا ~~هو لك تملكه وما ملك يعنون الأصنام. وعنه أيضا أن أهل مكة قالوا: الله ربنا ~~وحده لا شريك له والملائكة بناته فلم يوحدوا بل أشركوا، وقال عبدة ms1333 الأصنام: ~~ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده، وقالت اليهود: ربنا الله وحده وعزير ~~ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقال عبدة الشمس والقمر: ربنا ~~الله وحده وهؤلاء أربابنا، وقال المهاجرون والأنصار: ربنا الله وحده لا ~~شريك له، ولما كان أكثر هؤلاء لا ينقادون إلا بالعذاب قال تعالى: # {أفأمنوا} إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد {أن تأتيهم} في الدنيا ~~{غاشية} ، أي: نقمة تغشاهم وتشملهم {من عذاب الله} ، أي: الذي له الأمر كله ~~كما أتى من ذكرنا قصصهم من الأمم {أو تأتيهم الساعة بغتة} ، أي: فجأة وهم ~~عنها في غاية الغفلة وقوله تعالى: {وهم لا يشعرون} ، أي: بوقت إتيانها قبله ~~كالتأكيد لقوله {بغتة} . ولما كان صلى الله عليه وسلم مبلغا عن الله تعالى ~~أمره أن يأمرهم باتباعه بقوله تعالى: # {قل} يا أعلى الخلق وأصفاهم وأعظمهم نصحا وإخلاصا {هذه} ، أي: الدعوة إلى ~~الله تعالى التي أدعو إليها {سبيلي} ، أي: طريقتي التي أدعو إليها الناس، ~~وهي توحيد الله تعالى ودين الإسلام وسمي الدين سبيلا؛ لأنه الطريق المؤدي ~~إلى ثواب الجنة {أدعو إلى الله} ، أي: إلى توحيده والإيمان به {على بصيرة} ~~، أي: حجة واضحة وقوله {أنا} تأكيد للمستتر في أدعو على بصيرة؛ لأنه حال ~~منه أو مبتدأ خبره على بصيرة وقوله: {ومن اتبعني} ، أي: ممن آمن بي وصدق ~~بما جاءني عطف عليه؛ لأن كل من ذكر الحجة وأجاب عن الشبهة فقد دعا بمقدور ~~وسعه # PageV02P141 # إلى الله، وهذا دل على أن الدعاء إلى الله إنما يحسن ويجوز مع هذا الشرط ~~وهو أن يكون على بصيرة مما يقول ويقين، فإن لم يكن كذلك وإلا فهو محض ~~الغرور، وقال صلى الله عليه وسلم «العلماء أمناء الرسل على عباد الله» من ~~حيث يحفظون ما يدعون إليه. # فائدة: جميع القراء يثبتون الياء وقفا ووصلا لثباتها في الرسم {وسبحان} ، ~~أي: وقل سبحان {الله} تنزيها له تعالى عما يشركون به {وما أنا من المشركين} ~~، أي: الذين اتخذوا مع الله ضدا وندا، ولما قال أهل مكة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم هلا بعث ms1334 الله ملكا؟ قال تعالى: # {وما أرسلنا من قبلك} إلى المكلفين {إلا رجالا} ، أي: مثل ما أنك رجل لا ~~ملائكة ولا إناثا كما قاله ابن عباس، ولا من الجن كما قاله الحسن، {يوحى ~~إليهم} ، أي: بواسطة الملائكة مثل ما يوحي إليك. وقرأ حفص قبل الواو بالنون ~~وكسر الحاء، والباقون بالياء وفتح الحاء وضم الهاء من إليهم حمزة على أصله، ~~وكسرها الباقون {من أهل القرى} ، أي: من أهل الأمصار والمدن المبنية بالمدر ~~والحجر ونحوه لا من أهل البوادي؛ لأن أهل الأمصار أفضل وأعلم وأكمل وأعقل ~~من أهل البوادي، ومكة أم القرى؛ لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به من ~~حج البيت وكان العرب كلهم يأتونها فكيف تعجبوا في حقك؟ قال الحسن: لم يبعث ~~الله نبيا من البادية لغلظهم وجفائهم، ثم هددهم سبحانه وتعالى بقوله تعالى: ~~{أفلم يسيروا} ، أي: هؤلاء المشركون المكذبون {في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم} من المكذبين للرسل والآيات فيحذروا تكذيبك ويعتبروا ~~بهم وبما حل بهم من عذابنا. ولما أن الله تعالى نجى المؤمنين عند نزول ~~العذاب بالأمم الماضية المكذبة وما في الآخرة خير لهم بين ذلك بقوله تعالى: ~~{ولدار الآخرة} ، أي: ولدار الحال الآخرة أو الساعة الآخرة أو الحياة ~~الآخرة {خير} وهي الجنة {للذين اتقوا} الله من حياة مآلها الموت، وإن فرحوا ~~فيها بالمحال وإن امتدت ألف عام وكان عيشها كله رغدا من غير آلام {أفلا ~~يعقلون} فيستعملون عقولهم فيتبعون الداعي إلى هذا السبيل الأقوم. وقرأ نافع ~~وابن عامر وعاصم بالتاء على الخطاب لأهل مكة، والباقون بالياء على الغيبة ~~لهم وللمشركين المكذبين وقوله تعالى: # {حتى إذا استيأس الرسل} غاية لمحذوف دل عليه الكلام، أي: لا يغررهم تمادي ~~أيامهم فإن من قبلهم أمهلوا حتى أيس الرسل من النصر عليهم في الدنيا ومن ~~إيمانهم لانهماكهم في الكفر مترفين متمادين فيه من غير وازع {وظنوا} ، أي: ~~أيقن الرسل {أنهم قد كذبوا} بالتشديد كما قرأه غير حمزة وعاصم والكسائي ~~تكذيبا لا إيمان بعده، وأما بالتخفيف كما قرأه هؤلاء فالمعنى أن ms1335 الأمم ظنوا ~~أن الرسل قد أخلفوا ما وعدوا به من النصر عليهم {جاءهم نصرنا} لهم بخذلان ~~أعدائهم {فنجي من نشاء} ، أي: النبي والمؤمنون، وقرأ ابن عامر وعاصم بنون ~~مضمومة بعدها جيم مشددة وياء بعد الجيم مفتوحة، والباقون بنونين الأولى ~~مضمومة والثانية ساكنة وتخفيف الجيم وسكون الياء {ولا يرد بأسنا} ، أي: ~~عذابنا {عن القوم المجرمين} ، أي: المشركين ما نزل بهم. # ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه القصص وحث على الاعتبار بها بقوله: {أفلم ~~يسيروا} أتبعه بأن في أحاديثهم أعظم عبرة فقال حثا على تأملها والاستبصار ~~بها: # {لقد كان في قصصهم} ، أي: يوسف وإخوته أو في قصص الرسل {عبرة} ، أي: عظة # PageV02P142 # عظيمة {لأولي الألباب} ، أي: لذوي العقول المبرأة من شوائب الكدر ~~ويعتبرون بها إلى ما يسعدهم؛ لأن من قدر على ما قص من أمر يوسف عليه السلام ~~لقادر على أن يعز محمدا صلى الله عليه وسلم ويعلي كلمته وينصره على من ~~عاداه كائنا من كان كما فعل بيوسف وغيره. # ولما كان من أجل العبرة في ذلك القطع بحقية القرآن نبه تعالى على ذلك ~~بتقدير سؤال فقال تعالى: {ما كان حديثا يفترى} ، أي: يختلق؛ لأن الذي جاء ~~به من عند الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتريه؛ لأنه لم ~~يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد، ولم يخالط العلماء، فمن المحال أن يفتري هذه ~~القصة بحيث تكون مطابقة لما رأوه في التوراة من غير تفاوت كما يعلم من قوله ~~تعالى: {ولكن تصديق الذي بين يديه} ، أي: من الكتب الإلهية المنزلة من ~~السماء كالتوراة والإنجيل، ففي ذلك إشارة إلى أن هذه القصة وردت على الوجه ~~الموافق لما في التوراة من ذكر قصة يوسف عليه السلام {و} زاد على ذلك بقوله ~~{تفصيل} ، أي: تبيين {كل شيء} ، أي: يحتاج إليه من الدين إذ ما من أمر ديني ~~إلا وله سند من القرآن بوسط أو بغير وسط، وقيل: المراد تفصيل كل شيء من ~~واقعة يوسف مع أبيه وإخوته. # قال الواحدي: وعلى التفسيرين جميعا فهو من ms1336 العام الذي أريد به الخاص ~~كقوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} (الأعراف، 156) ، أي: يجوز أن يدخل فيها ~~وقوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} (النمل، 23) . {وهدى} من الضلال {ورحمة} ~~ينال بها خير الدارين {لقوم يؤمنون} ، أي: يصدقون خصهم بالذكر؛ لأنهم هم ~~الذين انتفعوا به كقوله تعالى {هدى للمتقين} فسبحان من أنزله معجزا باهرا ~~وقاضيا بالحق لا يزال ظاهرا، وما رواه البيضاوي تبعا ل «الكشاف» من أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «علموا أرقاءكم سورة يوسف فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها ~~أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا يحسد ~~أحدا» حديث موضوع والله أعلم. ### | سورة الرعد # مكية # إلا {ولا يزال الذين كفروا} الآية {ويقول الذين كفروا لست مرسلا} الآية ~~أو مدنية إلا {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} وهي ثلاث أو أربع أو خمس أو ست ~~وأربعون آية وعدد كلماتها وخمس وخمسون كلمة وعدد حروفها ثلاثة آلاف وسبعة ~~أحرف. # {بسم الله} الحق الذي كل ما عداه باطل {الرحمن} الذي عم الرغبة ~~والرهبةبعموم الرحمة {الرحيم} الذي خص من شاء بما يرضاه عظيم الرهبة. # {المر} قال ابن عباس معناه أنا الله أعلم وأرى. وقال في رواية عطاء: أنا ~~الله الملك الرحمن. وقد تقدم الكلام على شيء من أوائل السور في أول سورة ~~البقرة، وقرأ قالون وابن كثير وحفص بالفتح، وقرأ ورش بين بين والباقون ~~بالإمالة {تلك} ، أي: هذه الآيات {آيات الكتاب} ، أي: القرآن، والإضافة ~~بمعنى من، وقيل: المراد بالكتاب السورة الكاملة، ووصفت بالكمال من تعريف ~~الكتاب بأل؛ لأن خبر المبتدأ إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة، وقوله ~~تعالى: {والذي أنزل إليك من ربك} ، أي: القرآن مبتدأ وخبره {الحق} ، أي: ~~الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة الواضح الذي لا يتخلف ~~شيء منه # PageV02P143 # عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره {ولكن أكثر الناس} ، أي: مشركي مكة {لا ~~يؤمنون} لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه. # قال مقاتل: نزلت في مشركي مكة حين قالوا: إن محمدا يقوله من تلقاء ms1337 نفسه ~~فرد الله تعالى عليهم بذلك. ولما ذكر تعالى أن {أكثر الناس لا يؤمنون} ذكر ~~عقبه ما يدل على صحة التوحيد والمعاد بأمور أحدها قوله تعالى: # {الله الذي رفع السموات بغير عمد} ، أي: سواري جمع عمود كأدم وأديم أو ~~عماد كأهب وإهاب، والعمود جسم مستطيل يمنع المرتفع أن يميل، وقوله جمع عمود ~~كأدم وأديم الخ في «حاشية الجمل» : والعامة على فتح العين والميم وهو اسم ~~جمع وعبارة بعضهم أنه جمع نظرا إلى المعنى دون الصناعة وقرأ أبو حيوة ويحيى ~~بن وثاب عمد بضمتين ومفرده يحتمل أن يكون عمادا كشهاب وشهب وكتاب وكتب وأن ~~يكون عمودا كرسول ورسل اه. {ترونها} ، أي: وأنتم ترون السماء مرفوعة بغير ~~عمد من تحتها تسندها ولا من فوقها علاقة تمسكها، فالعمد منفية بالكلية، قال ~~إياس بن معاوية: السماء مقبية على الأرض مثل القبة ففي ذلك دلالة عظيمة على ~~وحدانية الله تعالى؛ لأن هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة في الجو العالي، ~~ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذاتها فهذا برهان باهر على وجود ~~الإله القادر القاهر، وقيل: الضمير راجع إلى العمد، أي: أن لها عمدا ولكن ~~لا ترونها أنتم، ومن قال بهذا القول يقول: أن عمدها على جبل قاف وهو جبل من ~~زمرد محيط بالدنيا والسماء عليه مثل القبة وهذا قول مجاهد وعكرمة، قال ~~الرازي: وهذا التأويل في غاية السقوط، لأن السموات لما كانت مستقرة على جبل ~~قاف فأي دلالة تبقى فيها على وجود الإله. # تنبيه: الله مبتدأ، والذي رفع السموات خبره، ويجوز أن يكون الموصول صفة، ~~والخبر يدبر الأمر. # ثانيها: قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} بالحفظ والتدبير والقهر ~~والقدرة، أي: أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وتدبيره وفي ~~الاحتياج إليه وتقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما فيه كفاية. # وثالثها: قوله تعالى: {وسخر} ، أي: ذلل {الشمس والقمر} لمنافع خلقه ~~مقهوران يجريان على ما يريد {كل} منهما {يجري} في فلكه {لأجل مسمى} ، أي: ~~إلى وقت معلوم وهو وقت فناء الدنيا وزوالها ms1338 وعند مجيء ذلك الوقت تنقطع هذه ~~الحركات وتبطل تلك التسييرات، كما وصف الله تعالى ذلك في قوله {إذا الشمس ~~كورت} (التكوير، 1) ، {وإذا النجوم انكدرت} (التكوير، 2) ، {وإذا السماء ~~انشقت} (الإنشقاق، 1) ، {وإذا السماء انفطرت} (التكوير، 1) وعن ابن عباس ~~للشمس وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وذلك يتم في ستة أشهر ثم أنها تعودمرة ~~أخرى إلى واحد واحد منها في ستة أشهر مرة أخرى، وكذلك القمر له ثمانية ~~وعشرون منزلا، فالمراد بقوله تعالى: {كل يجري لأجل مسمى} هذا، وتحقيقه أنه ~~تعالى قدر لكل واحد من تلك الكواكب سيرا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة ~~والبطء، وحينئذ يلزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما كانت ~~حاصلة قبل ذلك. ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل قال: {يدبر الأمر} ، أي: ~~يقضي أمر ملكه من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، ~~ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثة الرسل، وتكليف العباد، وفي ذلك دليل عجيب على ~~كمال القدرة والرحمة وذلك؛ لأن هذا العالم المعلوم من إعلاء العرش إلى ما ~~تحت الثرى أنواع وأجناس لا يحيط بها إلا الله عز وجل، والدليل المذكور على ~~أن اختصاص كل واحد منها بوضعه وموضعه وصفته وطبيعته وحليته ليس إلا من الله ~~تعالى، ومن المعلوم أن من اشتغل بتدبير شيء آخر فإنه يشغله شأن، عن شأن ~~فالعاقل إذا تأمل في هذه الآية علم أنه تعالى يدبر عالم # PageV02P144 # الأجساد وعالم الأرواح ويدبر الكبير كما يدبر الصغير، فلا يشغله شأن عن ~~شأن، ولا يمنعه تدبير عن تدبير، وذلك يدل على أنه تعالى متعال في ذاته ~~وصفاته وعلمه وقدرته عن مشابهة المحدثات والممكنات. # ولما كان هذا بيانا شافيا لا لبس فيه قال تعالى: {يفصل} ، أي: يبين ~~{الآيات} التي برزت إلى الوجود وتدبيرها الدالة على وحدانيته وكمال حكمته ~~المشتملة عليها مبتدعاته فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها تقريبا ~~لعقولكم وتدريبا لفهومكم لتعلموا أنها فعل الواحد المختار. # ولما كان هذا التدبير وهذا التفصيل دالا على تمام القدرة وغاية الحكمة ~~وكان البعث لفصل ms1339 القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة هو محط الحكمة علل ذلك ~~بقوله {لعلكم} يا أهل مكة {بلقاء ربكم} بالبعث {توقنون} فتعلموا أن من قدر ~~على خلق هذه الأشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها قادر على إيجاد الإنسان ~~وإحيائه بعد موته، يروى أن واحدا قال لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ~~أنه تعالى كيف يحاسب الخلق دفعة واحدة، فقال: كما يرزقهم الآن دفعة واحدة، ~~وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة، وحاصل الكلام أنه تعالى ~~كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية والنيرات الكوكبية في الجو العالي لا ~~يبعد أن يرد الأرواح إلى الأجساد، وإن كان الخلق عاجزين عنه، وكما يمكنه أن ~~يدبر من فوق العرش إلى ما تحت الثرى لا يشغله شأن، عن شأن فكذلك يحاسب ~~الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن. # تنبيه: اليقين صفة من صفات العلم، وهي فوق المعرفة، والدراية وهي سكون ~~الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك. ولما ذكر تعالى الدلائل الدالة على ~~وحدانيته وكمال قدرته من رفع السماء بغير عمد وأحوال الشمس والقمر أردفها ~~بذكر الدلائل الأرضية بقوله تعالى: {وهو الذي مد الأرض} ، أي: بسطها طولا ~~وعرضا لتثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان ولوشاء لجعلها كالجدار ~~والأزج لا يستطاع القرار عليها هذا إذا قلنا أن الأرض مسطحة لا كرة، وعند ~~أصحاب الهيئة أنها كرة فكيف يقولون بذلك ومد الأرض ينافي كونها كرة، كما ~~ثبت بالدليل؟ أجيب: بأن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان ~~كل قطعة منها تشاهد كالسطح كما أن الله تعالى جعل الجبال أوتادا مع أن ~~العالم من الناس يستقرون عليها، فكذلك ومع هذا فالله تعالى قد أخبر أنه مد ~~الأرض ودحاها وبسطها، وكل ذلك يدل على التسطيح والله تعالى أصدق قيلا وأبين ~~دليلا من أصحاب الهيئة هذا هو الدليل الأول من الدلائل الأرضية. # الثاني منها قوله: {وجعل} ، أي: وخلق {فيها} ، أي: الأرض {رواسي} ، أي: ~~جبالا ثوابت واحدها راسية، أي: ثابتة باقية في حيزها غير منتقلة عن مكانها ~~لا تتحرك ms1340 ولا يتحرك ما هي راسية فيه وهذا لا بد وأن يكون بتخليق القادر ~~الحكيم قال ابن عباس: أول جبل وضع على وجه الأرض جبل أبي قبيس ولما غلب على ~~الجبال وصفها بالرواسي صارت الصفة تغني عن الموصوف، فجمعت جمع الاسم كحائط ~~وكاهل قاله أبو حيان. # الثالث منها قوله تعالى: {وأنهارا} ، أي: وجعل في الأرض أنهارا جارية ~~لمنافع الخلق، والنهر المجرى الواسع من مجاري الماء، وأصله الاتساع، ومنه ~~النهار لاتساع ضيائه. الرابع منها: قوله تعالى: {ومن كل الثمرات} وهو متعلق # PageV02P145 # بقوله تعالى: {جعل فيها} ، أي: الأرض {زوجين اثنين} ، أي: وجعل فيها من ~~جميع أنواع الثمار صنفين اثنين، والاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو والحامض ~~أو اللون كالأسود والأبيض، أو الحجم كالصغير والكبير، أو الطبيعة كالحار ~~والبارد. # فإن قيل: الزوجان لا بد وأن يكونا اثنين فما الفائدة في اثنين؟ أجيب: ~~بأنه قيل: إنه تعالى أول ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من ~~الأنواع اثنين فقط فلو قال: خلق زوجين لم يعلم أن المراد النوع أو الشخص، ~~فلما قال: اثنين علم أنه تعالى أول ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا ~~أزيد، فكما أن الناس وإن كان فيهم الآن كثرة فابتداؤهم من زوجين اثنين ~~بالشخص آدم وحواء، فكذا القول في جميع الأشجار والزروع. # الخامس منها: قوله تعالى: {يغشي} ، أي: يغطي {الليل} بظلمته {النهار} ، ~~أي: والنهار الليل بضوئه فيعتدل فعلهما على ما قدره الله تعالى لهما في ~~السير من الزيادة والنقصان، وذلك من الحكم النافعة في الدين والدنيا ~~الظاهرة لكل ذي عقل أنها تدبيره بفعله واختياره وقهره واقتداره. وقرأ شعبة ~~وحمزة والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين، والباقون بسكون الغين وتخفيف ~~الشين. ولما ذكر تعالى هذه الدلائل النيرة والقواطع القاهرة جمعها وناطها ~~بالفكر فقال تعالى: {إن في ذلك} ، أي: الذي وقع التحدث عنه من الآيات ~~{لآيات} ، أي: دلالات {لقوم يتفكرون} ، أي: يجتهدون في الفكر فيستدلون ~~بالصنعة على الصانع، وبالسبب على المسبب والتفكر والتدبر تصرف القلب في طلب ~~معاني الأشياء، ms1341 ثم أنه تعالى ذكر دليلا ظاهرا جدا بقوله تعالى: # {وفي الأرض} ، أي: التي أنتم سكانها تشاهدون ما فيها مشاهدة لا تقبل الشك ~~{قطع} ، أي: بقاع مختلفة {متجاورات} ، أي: متقاربات يقرب بعضها من بعض ~~واحدة طيبة، والأخرى سبخة لا تنبت وأخرى صالحة للزرع لا للشجر، وأخرى ~~بالعكس، وأخرى قليلة الريع، وأخرى كثيرته مع انتظام الكل في الأرضية، وهو ~~من دلائل قدرته تعالى {وجنات} ، أي: بساتين فيها أنواع الأشجار من نخيل ~~وأعناب وغيرذلك كما قال تعالى: {من أعناب وزرع ونخيل صنوان} جمع صنو وهي ~~النخلات يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في ~~عمه العباس: «عم الرجل صنو أبيه» يعني أنهما من أصل واحد {وغير صنوان} ، ~~أي: متفرقات مختلفة الأصول وسمي البستان جنة؛ لأنه يستر بأشجاره الأرض. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص برفع العين واللام والنون الثانية من صنوان ~~والراء من غير مع التنوين في العين واللام والنون، وعدم التنوين في الراء، ~~والباقون بالخفض في الأربعة وعدم التنوين في الراء. ولما كان الماء بمنزلة ~~الأب والأرض بمنزلة الأم وكان الاختلاف مع اتحاد الأب والأم أعجب وأدل على ~~الإسناد إلى الواحد المسبب لا إلى شيء من الأسباب قال: {تسقى} قراءة ابن ~~عامر وعاصم بالياء على التذكير، أي: المذكور، وقراءة الباقين بالتاء على ~~التأنيث، أي: الجنات وما فيها {بماء واحد} فتخرج أغصانها وثمراتها في وقت ~~معلوم لا تتأخر عنه، ولا تتقدم، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل ~~في حده: جوهر سيال به قوام الأرواح {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} ، أي: ~~في الطعم ما بين حلو وحامض وغير ذلك. # PageV02P146 # وفي الشكل والرائحة والمنفعة وغير ذلك، وذلك أيضا مما يدل على القادر ~~الحكيم، فإن اختلافها مع اتحاد الأصول والأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر ~~مختار، قال مجاهد: وذلك كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد. وقال ~~الحسن: هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم وكانت الأرض طينة واحدة في ~~يد، أي: في قدرة الرحمن فسطحها فصارت ms1342 قطعا متجاورات، فينزل عليها الماء من ~~السماء، فتخرج هذه زهرتها وشجرها وثمرها ونباتها، وتخرج هذه سبخها وملحها ~~وخبيثها وكل يسقى بماء واحد، وكذلك الناس خلقوا من آدم، فينزل عليهم من ~~السماء تذكرة فترق قلوب قوم فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب قوم فتلهو ولا تسمع. # وقال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان ~~قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا} (الإسراء، 82) وقرأ حمزة والكسائي بالياء ليطابق قوله تعالى: ~~{يدبر الأمر} والباقون بالنون وقرأ نافع وابن كثير بسكون الكاف، والباقون ~~بالرفع {إن في ذلك} ، أي: الأمر العظيم الذي ذكرناه {لآيات} ، أي: دلالات ~~{لقوم يعقلون} ، أي: يستعملون عقولهم بالتدبر والتفكر في الآيات الدالة على ~~وحدانيته تعالى. # ولما ذكر تعالى الدلائل القاهرة الدالة على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدل ~~على المعاد بقوله تعالى: {وإن تعجب} ، أي: يا أكرم الخلق من تكذيب الكفار ~~لك بعد أن كنت تعرف عندهم بالصادق الأمين {فعجب} ، أي: فحقيق أن يتعجب منه ~~{قولهم} ، أي: منكري البعث {أئذا كنا ترابا} ، أي: بعد الموت {أئنا لفي خلق ~~جديد} ، أي: خلق بعد الموت كما كنا قبله، ولم يعلموا أن القادر على إنشاء ~~الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم. وقيل: وإن تعجب من اتخاذ ~~المشركين ما لا يضرهم ولا ينفعهم آلهة يعبدونها مع إقرارهم بأن الله تعالى ~~خلق السموات، والأرض، وهو يضر وينفع، وقد رأوا قدرة الله تعالى وما ضرب لهم ~~به الأمثال فعجب قولهم ذلك، والعجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة، ~~وقال المتكلمون: العجب هو الذي لا يعرف سببه، وذلك في حق الله تعالى محال؛ ~~لأنه تعالى علام الغيوب لا تخفى عليه خافية، وقرأ أبو عمرو وخلاد والكسائي ~~بإدغام الباء في الفاء، والباقون بالإظهار. # تنبيه: هنا آيتان في كل منهما همزتان، فقرأ قالون بتحقيق الهمزة الأولى ~~وتسهيل الهمزة الثانية، ويدخل بينهما ألفا على الاستفهام، وفي الآية ~~الثانية بهمزة مكسورة وبعدها نون مشددة على الخبر، وورش ms1343 كذلك إلا أنه لا ~~يدخل بين الهمزتين في أئذا ألفا وينقل في الثاني على أصله، وابن كثير يقرأ ~~بالاستفهام فيهما من غير إدخال ألف بين الهمزتين مع تحقيق الأولى وتسهيل ~~الثانية فيهما، وأبو عمرو كذلك مع إدخال ألف بينهما، وابن عامر في الأول ~~بهمزة مكسورة بعدها ذال مفتوحة على الخبر، وفي الثاني بهمزة مفتوحة محققة ~~وهمزة مكسورة محققة على الاستفهام، وأدخل هشام بينهما ألفا بخلاف عنه، ~~والباقون بهمزتين محققتين الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة ولا ألف بينهما ~~في الموضعين. # فائدة: جميع ما في القرآن من ذلك أحد عشر موضعا في تسع سور، والأحد عشر ~~مكررة فتصير اثنين وعشرين، في هذه السورة موضع، والثاني والثالث في سورة ~~الإسراء، والرابع في المؤمنون، والخامس في النمل، والسادس في العنكبوت، ~~والسابع في السجدة، # PageV02P147 # والثامن والتاسع في الصافات، والعاشر في الواقعة، والحادي عشر في ~~النازعات. وأذكر إن شاء الله تعالى في كل سورة من السور المذكورة مذهبهم في ~~محله. # {أولئك} ، أي: الذين جمعوا أنواعا من البعد من كل خير {الذين كفروا ~~بربهم} ، أي: غطوا ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ خلقهم، ثم رباهم ~~بأنواع اللطف، فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا بدأهم {وأولئك} البعداء ~~البغضاء {الأغلال} يوم القيامة {في أعناقهم} بسبب كفرهم، والغل: طوق من ~~حديد تقيد به اليد في العنق، وقيل: المراد بالأغلال ذلهم وانقيادهم يوم ~~القيامة كما يقاد الأسير الذليل بالغل، وقيل: إنهم مقيدون بالضلال لا يرجى ~~فلاحهم. {وأولئك} ، أي: الذين لا خسارة أعظم من خسارتهم {أصحاب النار هم ~~فيها خالدون} ، أي: ثابت خلودهم دائما لا يخرجون منها ولا يموتون. ولما كان ~~صلى الله عليه وسلم يهددهم تارة بعذاب يوم القيامة وتارة بعذاب الدنيا، ~~والقوم كلما هددهم بعذاب يوم القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر والنشر، ~~وهو الذي تقدم ذكره في الآية الأولى، وكلما هددهم بعذاب الدنيا قالوا له: ~~فجئنا بهذا العذاب، وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن وإظهار أن ~~الذي يقول كلام لا أصل له نزل: # {ويستعجلونك} ، أي: استهزاء وتكذيبا، والاستعجال طلب التعجيل، ms1344 وهو تقديم ~~الشيء قبل وقته الذي يقدر له {بالسيئة} ، أي: العذاب {قبل الحسنة} ، أي: ~~الرحمة، وذلك أن مشركي مكة كانوا يقولون: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذا أليم. # تنبيه: قوله {قبل الحسنة} فيه وجهان: أحدهما: متعلق بالاستعجال ظرفا له ~~والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال مقدرة من السيئة قاله أبو البقاء. ~~{وقد} ، أي: والحال أنه قد {خلت من قبلهم المثلات} جمع مثلة بفتح الميم وضم ~~المثلثة كصدقة وصدقات، أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين أفلا يعتبرون بها. ~~{وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} وإلا لم يترك على ظهرها دابة كما قال ~~تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} (فاطر، ~~45) . وقال ابن عباس: معناه لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا. {وإن ربك ~~لشديد العقاب} للمصرين على الشرك الذين ماتوا عليه. وقال مقاتل: إنه لذو ~~تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب عنهم، وشديد العقاب إذا عاقب. ولما بين ~~سبحانه وتعالى أن الكفار طعنوا في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ~~طعنهم في الحشر والنشر أولا، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ~~ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانيا، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه ~~المعجزة والبينة. ثالثا، وهو المذكور في قوله تعالى: # {ويقول الذين كفروا لولا} ، أي: هلا {أنزل عليه} ، أي: محمد صلى الله ~~عليه وسلم {آية من ربه} ، أي: مثل عصا موسى وناقة صالح وذلك؛ لأنهم أنكروا ~~كون القرآن من جنس المعجزات، وقالوا: هذا كتاب مثل سائر الكتب، وإتيان ~~الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزا مثل معجزات موسى وعيسى ~~عليهما السلام، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم راغبا في إجابة مقترحاتهم ~~لشدة التفاته إلى إيمانهم قال الله تعالى له: {إنما أنت منذر} ، أي: ليس ~~عليك إلا الإنذار والتخويف، وليس عليك إتيان الآيات. {ولكل قوم هاد} ، أي: ~~نبي يدعوهم إلى ربهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون. ms1345 # PageV02P148 # وقرأ ابن كثير في الوقف بياء بعد الدال، وفي الوصل بغير ياء وتنوين ~~الدال، والباقون بغير ياء في الوقف والوصل مع تنوين الدال. ولما سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الآيات أخبرهم الله تعالى عن عظيم قدرته وكمال ~~علمه بقوله تعالى: # {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} من ذكر وغيره وواحد ومتعدد وغير ذلك {وما ~~تغيض} ، أي: تنقص {الأرحام} من مدة الحمل {وما تزداد} ، أي: من مدة الحمل ~~فقد تكون سبعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند الإمام أبي حنيفة، وإلى اربع ~~عند الإمام الشافعي، وإلى خمس عند الإمام مالك رضي الله تعالى عنهم. # وقيل: إن الضحاك ولد لسنتين وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين، ~~ولذلك سمي هرما. وقيل: ما تنقصه الرحم من الأولاد وتزيده منهم. يروى أن ~~شريكا كان رابع أربعة في بطن أمه. وقيل: من نقصان الولد فيخرج ناقصا ~~والزيادة تمام خلقه. وقيل: ما تنقص بالسقط عن أن يتم وما يزداد بالتمام. ~~وقيل: ما تنقص بظهور دم الحيض، وذلك أنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف ~~الولد ونقص بمقدار حصول ذلك. قال ابن عباس: كلما سال الحيض في وقت الحمل ~~يوما زاد في مدة الحمل يوما ليحصل الجبر ويعتدل الأمر والآية تحتمل جميع ~~ذلك إذ لا تنافي في هذه الأقوال. ويدل لذلك قوله تعالى: {وكل شيء} من هذا ~~وغيره من الآيات المقترحات وغيرها {عنده} ، أي: في علمه وقدرته {بمقدار} في ~~كيفيته وكميته لا يجاوزه ولا يقصر عنه لأنه تعالى عالم بكيفية كل شيء ~~وكميته على الوجه المفصل المبين. # تنبيه: قوله تعالى: {عنده} يجوز أن يكون مجرور المحل صفة لشيء أو مرفوعه ~~صفة لكل أو منصوبه ظرفا لقوله: {بمقدار} أو ظرفا للاستقرار الذي تعلق به ~~الجار لوقوعه خبرا. # {عالم الغيب} وهو ما غاب عن كل مخلوق {والشهادة} وهو ما شاهدوه، وقيل: ~~الغيب هو المعدوم والشهادة هو الموجود. وقيل: الغيب ما غاب عن الحس، ~~والشهادة ما حضر في الحس {الكبير} ، أي: العظيم {المتعال} عن خلقه ms1346 بالقهر ~~المنزه عن صفات النقص فهو تعالى موصوف بالعلم الكامل والقدرة التامة. وقرأ ~~ابن كثير في الوقف والوصل بياء بعد اللام، والباقون بغير ياء وقفا ووصلا. ~~ولما كان علمه تعالى شاملا لجميع الأشياء قال تعالى: # {سواء منكم} ، أي: في علمه تعالى {من أسر القول} ، أي: أخفى معناه في ~~نفسه {ومن جهر به} ، أي: أظهره فقد استوى في علمه تعالى المسر بالقول ~~والجاهر به {ومن هو مستخف} ، أي: مستتر {بالليل} ، أي: بظلامه {وسارب} ، ~~أي: ظاهر بذهابه في سربه {بالنهار} والسرب: بفتح السين وسكون الراء الطريق، ~~وقال ابن عباس: سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة، وقال مجاهد: سواء ~~من يقدم على القبائح في ظلمات الليل، ومن يأتي بها في النهار الظاهر على ~~سبيل التواري والضمير في. # {له} يعود إلى من في قوله {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن ~~هومستخف بالليل} أو للإنسان {معقبات} ، أي: ملائكة تعقبه، والذي عليه ~~الجمهور أن المراد بالملائكة الحفظة، وإنما صح وصفهم بالمعقبات إما لأجل أن ~~ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار، وبالعكس وإما لأجل أنهم يتعقبون أعمال ~~العباد ويبتغونها بالحفظ والكتب وكل من عمل عملا، ثم عاد إليه فقد عقب، ~~فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل والنهار، روي عن عثمان أنه قال ~~يا رسول الله أخبرني # PageV02P149 # عن العبد كم معه من ملك فقال صلى الله عليه وسلم «ملك عن يمينك للحسنات ~~وهو أمير على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشرا وإذا عملت سيئة قال ~~الذي على الشمال لصاحب اليمين: اكتب قال: لا لعله أن يتوب أو يستغفر ~~فيستأذنه ثلاث مرات فإذا قال ثلاثا قال اكتب أراحنا الله منه. فبئس القرين ~~ما أقل مراقبته لله واستحيائه منا فهو قوله تعالى {له معقبات} {من بين ~~يديه} ، أي: قدامه {ومن خلفه} ، أي: ورائه، وملك قابض على ناصيتك فإذا ~~تواضعت لربك رفعك، وإن تجبرت قصمك وملكان على شفتيك يحفظان عليك الصلاة، ~~وملك على فيك، لا يدع أن تدخل الحية في فيك وملكان على عينيك فهذه عشرة ms1347 ~~أملاك على كل أدمي» ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فهم عشرون ملكا على كل ~~آدمي. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر ~~وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله تعالى وهو أعلم بكم: ~~كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون» . وقال مجاهد: ما من عبد إلا ~~وله ملك موكل يحفظه من الجن والأنس والهوام في نومه ويقظته، فإن قيل: ~~الملائكة ذكور فلم ذكروا في جمع الإناث وهو المعقبات؟ أجيب: بجوابين: ~~الأول: قال الفراء: المعقبات ملائكة معقبة واحدها معقب ثم جمعت معقبة ~~بمعقبات كما قيل أبناآت ورجالات جمع أبناء ورجال والذي على التذكير قوله ~~تعالى: {يحفظونه} والثاني: وهو قول الأخفش إنما أنث لكثرة ذلك منها نحو ~~نسابة وعلامة وهو ذكر، واختلف في المراد من قوله تعالى: {من أمر الله} على ~~أقوال: # أحدها: إنه على التقديم والتأخير، والتقدير له معقبات من أمر الله ~~يحفظونه. # ثانيها: أن فيه إضمارا، أي: ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر الله ~~تعالى به فحذف الاسم وأبقى خبره. # وثالثهما: أن كلمة من معناها الباء والتقدير يحفظونه بأمر الله وبإعانته، ~~وقال كعب الأحبار: لولا أن الله تعالى وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ~~ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن، وقال ابن جريج: معنى يحفظونه، أي: يحفظون ~~عليه الحسنات والسيئات، فإن قيل: ما الفائدة في تخصيص هؤلاء الملائكة مع ~~بني آدم وتسليطهم عليهم؟ أجيب: بأن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه ~~أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب؛ لأن من اعتقد جلالة الملائكة وعلو ~~مراتبهم، فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء ~~منهم عن الإقدام إليها كما يزجره إذا حضر من يعظمه من البشر، وإذا علم أن ~~الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال، كان ذلك أيضا ردعا له عنها، وإذا علم أن ~~الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل. ولما دل ذلك على غاية القدرة والعظمة ~~قال تعالى: {إن الله} ms1348 مع قدرته {لا يغير ما بقوم} ، أي: لا يسلبهم نعمته ~~{حتى يغيروا ما} ، أي: الذي {بأنفسهم} من الأحوال الجميلة إلى الأحوال ~~القبيحة {وإذا أراد الله بقوم سوء} ، أي: هلاكا وعذابا {فلا مرد له} أي لا ~~يقدر أحد لا من المعقبات ولا من غيرها أن يرد مانزل بهم من قضائه وقدره ~~{ومالهم} ، أي: إن أراد الله بهم سواء {من دونه} ، أي: غير الله {من وال} ~~يلي أمرهم وينصرهم ويمنع العذاب عنهم، وقرأ ابن كثير في الوقف بإثبات الياء ~~بعد اللام دون # PageV02P150 # الوصل، والباقون بغير ياء بعد اللام وقفا ووصلا. ولما خوف الله تعالى ~~بقوله: {وإذا أراد الله بقوم سوء} اتبعه بذكر آيات تشبه النعم والإحسان من ~~بعض الوجوه، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه بقوله تعالى: # {هو الذي يريكم البرق خوفا} ، أي: للمسافرين من الصواعق {وطمعا} ، أي: ~~للمقيم في المطر، وقيل: إن كل شيء يحصل في الدنيا يحتمل الخير والشر، فهو ~~خير بالنسبة إلى قوم وشر بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حق من ~~يحتاج إليه في أوانه وشر في حق من يضره ذلك إما بحسب المكان وإما بحسب ~~الزمان، والبرق معروف وهو لمعان يظهر من بين السحاب {وينشىء} ، أي: يخلق ~~{السحاب الثقال} ، أي: بالمطر. تنبيه خوفا وطمعا مصدران ناصبهما محذوف، أي: ~~تخافون خوفا وتطمعون طمعا، ويجوز غير ذلك، والسحاب قال علي بن أبي طالب رضي ~~الله تعالى عنه: غربال الماء وهو غيم ينسحب في السماء، وهو اسم جنس جمعي ~~واحده سحابة وأكثر المفسرين على أن الرعد في قوله تعالى: # {ويسبح الرعد بحمده} على أنه اسم للملك الذي يسوق السحاب والصوت المسموع ~~منه تسبيحه ولا يرد ذلك عطف الملائكة عليه في قوله تعالى: {والملائكة} ، ~~أي: تسبحه {من خيفته} ، أي: الله؛ لأنه أفرد بالذكر تشريفا له، كما في قوله ~~تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة، 98) . قال ابن عباس: ~~«أقبلت يهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ ~~فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من ms1349 نار يسوق بها السحاب» . ~~قال ابن الأثير: والمخاريق جمع مخراق وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به ~~الصبيان بعضهم بعضا وهي آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه، وقد جاء ~~تفسير المخراق في حديث آخر، وهو سوط من نور تزجر به الملائكة السحاب. وعن ~~ابن عباس أنه قال: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده ~~والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعلي ديته. وعن ~~عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث وقال: سبحان من ~~يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى: ~~«لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل وأطلعت الشمس عليهم بالنهار ولم ~~أسمعهم صوت الرعد» . وفي رواية عن ابن عباس: الرعد ملك موكل بالسحاب يسوقه ~~حيث يؤمر وأنه يحوز الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى إذا سبح لا ~~يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر. وعن الحسن أن ~~الرعد خلق من خلق الله ليس بملك، وقد اختلفت الروايات في ذلك، ففي بعضها ~~أنه ملك موكل بالسحاب، وفي بعضها أنه ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي ~~بغنمه، وفي بعضها أنه ملك يسوق السحاب بالتسبيح كما يسوق الحادي الإبل ~~بحدائه، وفي بعضها: أنه ملك سمي به وهو الذي تسمعون صوته، وقد مرت الإشارة ~~إلى ذلك في البقرة، وقيل: هؤلاء الملائكة أعوان الرعد جعل الله تعالى له ~~أعوانا، فهم خائفون خاضعون طائعون، وقيل: المراد # بهم جميع الملائكة واستظهر وقوله تعالى: {ويرسل الصواعق} جمع صاعقة وهي ~~العذاب المهلك تنزل من البرق فتحرق من تصيبه {فيصيب بها من يشاء} فيهلكه ~~{وهم يجادلون في الله} حيث يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم والتكذيب ~~التشديد في الخصومة. # روي «أن عامر # PageV02P151 # بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قاصدين لقتله فأخذه عامر بالمجادلة ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف ~~فتنبه له رسول الله صلى الله ms1350 عليه وسلم وقال: اللهم اكفنيهما بما شئت. ~~فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة فقتلته، ورمى عامر بغدة فمات في بيت ~~سلولية فكان يقول: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية فنزلت» . «وعن الحسن ~~أنه قال: كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم نفرا ~~يدعونه إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: أخبروني عن رب ~~محمد الذي تدعونني إليه مم هو؟ أمن ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم ~~القوم مقالته فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، ~~ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه. فقال صلى الله عليه وسلم ~~ارجعوا، إليه فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مقالته الأولى وقال: أجيب ~~محمد إلى رب لا أراه ولا أعرفه فانصرفوا وقالوا: يا رسول الله، ما زادنا ~~على مقالته الأولى وأخبث فقال: ارجعوا إليه فرجعوا فبينما هم عنده ينازعونه ~~ويدعونه وهو يقول هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم فرعدت ~~وبرقت ورمت بصاعقة فأحرقت الكافر وهم جلوس فجاؤوا يسعون ليخبروا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: احترق صاحبكم فقالوا: من أين علمتم؟ فقالوا: أوحى الله تعالى إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في ~~الله} » . {وهو شديد المحال} واختلف المفسرون في قوله تعالى: {وهو # شديد المحال} # فقال علي رضي الله عنه: شديد الأخذ. وقال ابن عباس: شديد الحول. وقال ~~مجاهد: شديد القوة. وقال أبو عبيدة: شديد القوة والمغالبة. واختلف في قوله ~~تعالى: # {له} ، أي: الله {دعوة الحق} فقال علي: دعوة الحق التوحيد. وقال ابن ~~عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الحسن: الحق هو الله تعالى وكل دعاء ~~إليه دعوة الحق. {والذين يدعون} ، أي: وهم الكفار. {من دونه} ، أي: غير ~~الله وهي الأصنام {لا يستجيبون} ، أي: الأصنام {لهم} ، أي: الكفار {بشيء} ~~مما يطلبونه من نفع أو ms1351 دفع ضر {إلا} ، أي: الاستجابة {كباسط} ، أي: ~~كاستجابة باسط {كفيه إلى الماء} ، أي: على شفير البئر يدعوه {ليبلغ فاه} ، ~~أي: بارتفاعه من البئر إليه {وما هو} ، أي: الماء {ببالغه} ، أي: فاه أبدا؛ ~~لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته، فكذلك ما هم بمستجيبين لهم ~~أبدا؛ لأن أصنامهم كذلك، وقيل: شبهوا في قلة فائدة دعائهم لآلهتهم بمن أراد ~~أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسط كفيه ناشرا أصابعهما، ولم يصل كفاه إلى ~~ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من مشربه، ثم أنه تعالى عمم في أنه لا يستجاب ~~لهم بقوله تعالى: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} ، أي: ضياع لا منفعة ~~فيه؛ لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا آلهتهم لم تستطع إجابتهم، وقيل: ~~المراد بالدعاء في الحالين العبادة وقوله تعالى: # {ولله يسجد من في السموات والأرض} يحتمل أن يراد به السجود على حقيقته ~~وهو وضع الجبهة، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: {طوعا} للملائكة والمؤمنين من ~~الثقلين حالتي الشدة والرخاء وقوله تعالى: {وكرها} للكافرين والمنافقين ~~الذين أكرهوا على السجود بالسيف وأن يراد به التعظيم والاعتراف بالعبودية، ~~فكل من السموات والأرض معترف بعبودية الله # PageV02P152 # تعالى كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} (الزخرف، 87) ~~وأن يراد به الانقياد والخضوع وترك الامتناع، وكل من في السموات والأرض ~~ساجد لله بهذا المعنى؛ لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل. # تنبيه: قوله تعالى: {طوعا وكرها} إما مفعول من أجله وإما حال، أي: طائعين ~~وكارهين. واختلف في تفسير قوله تعالى: {وظلالهم بالغدو} ، أي: البكر ~~{والآصال} ، أي: العشايا، أي: تسجد فقال أكثر المفسرين: كل شخص سواء كان ~~مؤمنا أو كافرا، فإن ظله يسجد لله. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله تعالى ~~وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله تعالى وهو كاره. وقال الزجاج: جاء في ~~التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله. قال ابن الأنباري: ولا ~~يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال عقولا وأفهاما تسجد بها لله وتخشع. ~~وقيل: المراد من سجود الظلال ميلها ms1352 من جانب إلى جانب وطولها بسبب انحطاط ~~الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس وهي منقادة مسلسلة في طولها وقصرها وميلها ~~من جانب إلى جانب. وإنما خص الغدو والآصال بالذكر؛ لأن الظلال إنما تعظم ~~وتكثر في هذين الوقتين. # تنبيه: الغدو جمع غداة كقنى وقناة، والآصال جمع الأصل، والأصل جمع أصيل، ~~وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. ولما بين تعالى أن كل من في السموات ~~والأرض ساجد لله تعالى عدل إلى الرد على عباد الأصنام بقوله تعالى: # {قل} يا أشرف الخلق على الله تعالى لقومك {من رب السموات والأرض} ، أي: ~~من مالكهما وما فيهما ومدبرهما وخالقهما؟ {قل الله} ، أي: أجب عنهم بذلك إن ~~لم يقولوه، ولا جواب لهم غيره، ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه ولقنهم ~~الجواب به. وروي أنه لما قال للمشركين ذلك عطفوا عليه وقالوا: أجب أنت ~~فأمره الله تعالى، فأجاب بذلك، ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم الأصنام بقوله ~~تعالى: {قل} لهم {أفاتخذتم من دونه} ، أي: غير الله {أولياء} ، أي: أصناما ~~تعبدونها {لا يملكون لأنفسهم نفعا} يجلبونه {ولا ضرا} يدفعونه فكيف يملكون ~~لكم ذلك؟ وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال في اتخذتم عند التاء، والباقون ~~بالإدغام، ثم ضرب الله تعالى مثلا للمشركين الذين يعبدون الأصنام والمؤمنين ~~الذين يعبدون الله فقال تعالى: {قل هل يستوي الأعمى والبصير} قال ابن عباس: ~~يعني المشرك والمؤمن، وإنما مثل الكافر بالأعمى؛ لأنه لا يهتدي سبيلا، ~~فكذلك الكافر لا يهتدي سبيلا. ثم ضرب الله مثلا للإيمان والكفر بقوله ~~تعالى: {أم هل تستوي الظلمات} ، أي: الكفر {والنور} ، أي: الإيمان؟ الجواب: ~~لا. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي {يستوي} بالياء على التذكير، والباقون بالتاء ~~على التأنيث، وأما اللام من هل هنا فلا تدغم على القراءتين. {أم جعلوا لله ~~شركاء} والهمزة للانكار، وقوله تعالى: {خلقوا كخلقه} صفة شركاء، أي: خلقوا ~~سموات وأرضين وشمسا وقمرا وجبالا وبحارا وجنا وإنسا. {فتشابه الخلق} ، أي: ~~خلق الشركاء بخلق الله {عليهم} من هذا الوجه فلا يدرون ما خلق الله ولا ما ~~خلق آلهتهم، فاعتقدوا استحقاق ms1353 عبادتهم بخلقهم، وهذا استفهام إنكار، أي: ليس ~~الأمر كذلك ولا يستحق العبادة إلا الخالق. ولما كان من المعلوم قطعا أن ~~جوابهم أن الخلق كله لله لزمتهم الحجة فقال تعالى: {قل} لهؤلاء المشركين ~~{الله خالق كل شيء} ، أي: مما يصح أن يكون مخلوقا، فهو من العموم الذي يراد ~~به # PageV02P153 # الخصوص، فلا يدخل # في ذلك صفات الله تعالى، وإذا كان لا خالق غيره فلا يشاركه في العبادة ~~أحد، فوجب أن ينفرد بالإلهية كما قال تعالى: {وهو الواحد} ، أي: الذي لا ~~يجانسه شيء، وكل ما سواه لا يخلو عن مماثل يماثله، وأين رتبة من يماثل من ~~رتبة من لا مثل له؟ {القهار} الذي كل شيء تحت قهره، فيدخل تحت قضائه ~~ومشيئته وإرادته، ثم ضرب تعالى مثلا للحق والباطل بقوله تعالى: # {أنزل من السماء} ، أي: السحاب أو السماء نفسها {ماء} ، أي: مطرا {فسالت ~~أودية} ، أي: أنهار جمع واد، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع ~~فيه، واستعمل للماء الجاري فيه، وتنكيرها؛ لأن المطر يأتي على تناوب بين ~~البقاع {بقدرها} ، أي: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار، أو ~~بمقداره في الصغر والكبر. {فاحتمل السيل زبدا رابيا} ، أي: عاليا هو ما على ~~وجهه من قذر ونحوه {ومما توقدون عليه من النار} ، أي: من جواهر الأرض الذهب ~~والفضة والنحاس والحديد {ابتغاء} ، أي: طلب {حلية} ، أي: زينة {أو متاع} ، ~~أي: ينتفع به كالأواني إذا أذيبت، وآلات الحرب والحرث، والمقصود من هذا ~~بيان منافعها {زبد مثله} ، أي: مثل زبد السيل، وهو خبثه الذي ينفيه الكير، ~~ومن للابتداء أو للتبعيض. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة على ~~أن الضمير للناس وإضماره للعلم به، والباقون بالتاء على الخطاب {كذلك} ، ~~أي: مثل هذا الضرب العلي الرتب المتبين السبب {يضرب الله} ، أي: الذي له ~~الأمر كله {الحق والباطل} ، أي: مثلهما، فإنه تعالى مثل الحق في إفادته ~~وثباته بالماء الذي ينزل من السماء، فتسيل به الأودية على قدر الحاجة ~~والمصلحة، فيننتفع به أنواع المنافع، ويمكث في الأرض بأن يثبت ms1354 بعضه في ~~منافعه، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقني والآبار، ومثل الباطل ~~في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما وهو قوله تعالى: {فأما الزبد} ، أي: من ~~السيل وما أوقد عليه من الجواهر {فيذهب جفاء} . # قال أبو حيان: مضمحلا، أي: متلاشيا لا منفعة فيه ولا بقاء له. وقال ابن ~~الأنباري: متفرقا، وانتصابه على الحال. {وأما ما ينفع الناس} من الماء ومن ~~الجواهر الذي هو مثل الحق. {فيمكث في الأرض} ، أي: يثبت ويبقى لينتفع به ~~أهلها {كذلك} ، أي: مثل ذلك الضرب {يضرب} ، أي: يبين {الله} الذي له ~~الإحاطة الكاملة علما وقدرة {الأمثال} فيجعلها في غاية الوضوح، وإن كانت في ~~غاية الغموض. قال أهل المعاني: هذا مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل، ~~فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والأحوال، فإن الله يمحقه ويبطله، ~~ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو على الماء، فيذهب الزبد فيبقى ~~الماء الصافي الذي ينفع، وكذلك الصفو من هذه الجواهر يبقى، ويذهب العلو ~~الذي هو الكدر وهو ما ينفيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض كذلك الحق ~~والباطل. وقيل: هذا مثل للمؤمن واعتقاده وانتفاعه بالإيمان كمثل الماء ~~الصافي الذي ينتفع به الناس، ومثل الكافر وخبث اعتقاده كمثل الزبد الذي لا ~~ينتفع به البتة. ثم إنه تعالى لما ذكر الحق والباطل ذكر ما لأهلهما من ~~الثواب والعقاب فقال تعالى: # {للذين استجابوا لربهم} ، أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد ~~والعدل والنبوة وبعث الأموات، والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم {الحسنى} قال ابن عباس وقال أهل المعاني: الحسنى # PageV02P154 # هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة ~~الدائمة الخالصة عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال، ولم يذكر تعالى ~~الزيادة هاهنا؛ لأنه تعالى ذكرها في سورة أخرى وهي قوله تعالى {للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس، 26) هذا ما لأهل الحق، وأما ما لأهل الباطل ~~فهو ما ذكره بقوله جل من قائل: {والذين لم يستجيبوا له} وهم الكفرة فلهم ~~أنواع ثلاثة من العذاب والعقوبة، ms1355 فالنوع الأول قوله تعالى: {لو أن لهم ما ~~في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به} ، أي: جعلوه فكاك أنفسهم بغاية ~~جهدهم؛ لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته، وكل ما هو سواه فهو إنما ~~يحبه لكونه وسيلة إلى مصالح ذاته، فإذا كانت النفس في الضر والألم والتعب ~~وكان مالكا لما يساوي عالم الأجناس والأرواح، فإنه يرضى بأن يجعله فداء ~~نفسه؛ لأن المحبوب بالعرض لا بد وأن يكون فداء لما كان محبوبا بالذات، ~~والكناية في به عائدة إلى ما في قوله ما في الأرض.d # والنوع الثاني من أنواع العذاب الذي أعده الله تعالى لهم ما ذكره بقوله ~~تعالى: {أولئك لهم سوء الحساب} وهو المناقشة فيه، وعن النخعي بأن يحاسب ~~العبد بذنبه كله لا يغفر منه شيء، وإنما نوقشوا؛ لأنهم أحبوا الدنيا ~~وأعرضوا عن المولى، فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا ~~وبقوا محرومين من الفوز بسعادة خدمة المولى. # والنوع الثالث من عقوباتهم ما ذكره بقوله تعالى: {ومأواهم} ، أي: مرجعهم ~~{جهنم} وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاشتغال بخدمة المولى عاشقين للذات ~~الدنيا، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم، فيحترقون على مفارقتها، وليس عندهم شيء ~~آخر يجبر هذه المصيبة، فلذلك كان مأواهم جهنم. ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى ~~بقوله عز من قائل: {وبئس المهاد} ، أي: الفراش، والمخصوص بالذم محذوف، أي: ~~جهنم. ونزل في حمزة وأبي جهل، وقيل: في عمار وأبي جهل. # {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق} ، أي: يؤمن به ويعمل بما فيه، ~~وهو حمزة أو عمار رضي الله تعالى عنهما. {كمن هو أعمى} ، أي: أعمى البصيرة ~~ولا يؤمن به ولا يعمل بما فيه وهو أبو جهل، قال ابن الخازن في تفسيره: وحمل ~~الآية على العموم أولى، وإن كان السبب مخصوصا، والمعنى: لا يستوي من يبصر ~~الحق ويتبعه ومن هو لا يبصر الحق ولا يتبعه، وإنما شبه الكافر والجاهل ~~بالأعمى؛ لأن الأعمى لا يهتدي لرشد {إنما يتذكر} ، أي: يتعظ {أولو الألباب} ~~، أي: أصحاب العقول الذين يطلبون من كل صورة معناها، ms1356 ويأخذون من كل قشرة ~~لبابها، ويعبرون من ظاهر كل حديث إلى سره ولبابه. # {الذين يوفون بعهد الله} ، أي: ما عاقدوه على أنفسهم من الاعتراف ~~بربوبيته حين قالوا: بلى، أو ما عهد الله تعالى عليهم في كتبه. {ولا ينقضون ~~الميثاق} ، أي: ما واثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى، وبينهم وبين ~~العباد، فهو تعميم بعد تخصيص. # {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} ، أي: من الإيمان والرحم وغير ~~ذلك، والأكثرون على أنه أراد به صلة الرحم. عن أبي موسى أن عبد الرحمن بن ~~عوف عاد أبا الدرداء فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: فيما يحكي عن ربه تعالى: «أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها اسما من ~~اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، أو قال: بتته» . وعن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الرحم متعلقة ~~بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» . وعن # PageV02P155 # أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره ~~أن يبسط في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» . ومعنى ينسأ يؤخر، ~~والمراد به تأخير الأجل، وفيه قولان: # أحدهما وهو المشهور: أنه يزاد في عمره زيادة حقيقية. # والثاني: يبارك له في عمره فكأنه قد زيد فيه. وعن ابن عمرو بن العاص قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل ~~الذي إذا انقطعت رحمه وصلها» . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«تأتي يوم القيامة لها ألسنة ذلقة الرحم فتقول: أي: رب قطعت والأمانة تقول: ~~أي رب تركت والنعمة تقول: أي: رب كفرت» . وعن الفضيل بن عياض أن جماعة ~~دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ فقالوا: من خراسان. قال: اتقوا الله ~~وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أن العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة، ~~فأساء إليها لم يكن من المحسنين. # {ويخشون ربهم} ، أي: وعيده عموما، والخشية ms1357 خوف يشوبه تعظيم {ويخافون سوء ~~الحساب} خصوصا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا {والذين صبروا} ، أي: على ~~طاعة الله تعالى وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه. وقال ابن عباس: ~~صبروا على أمر الله. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: صبروا عن ~~الشهوات وعن المعاصي، ومرجع الكل واحد فإن الصبر الحبس، وهو تجرع مرارة منع ~~النفس عما تحب مما لا يجوز فعله {ابتغاء} ، أي: طلب {وجه ربهم} ، أي: رضاه ~~لا طلب غيره من جور أو سمعة أو رياء أو لغرض من أغراض الدنيا أو نحو ذلك ~~{وأقاموا الصلاة} ، أي: المفروضة، وقيل: مطلق الصلاة، فيدخل فيه الفرض ~~والنفل. # {وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} قال الحسن: المراد به الزكاة، فإن لم ~~يتهم بترك الزكاة فالأولى أن يؤديها سرا، وإن كان يتهم بترك أدائها، ~~فالأولى أن يؤديها علانية، وقيل: المراد بالسر صدقة التطوع، وبالعلانية ~~الزكاة. وقيل: المراد بالسر ما يؤديه من الزكاة بنفسه وبالعلانية ما يدفعه ~~إلى الإمام. {ويدرؤون} ، أي: يدفعون {بالحسنة السيئة} كالجهل بالحلم والأذى ~~بالصبر. روي عن ابن عباس قال: يدفعون بالصالح من العمل السيء من العمل، وهو ~~معنى قوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} (هود، 114) وقوله صلى الله ~~عليه وسلم «إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية ~~بالعلانية» . وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيق قد خنقه ثم ~~عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض» . ~~وقال ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سوء غيرهم. وعن ~~الحسن إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن عمر: ~~ليس الواصل من وصل، ثم وصل تلك مجازاة لكن من قطع ثم وصل وعطف من لم يصله، ~~وليس الحليم من ظلم، ثم حلم حتى إذا هيجه قوم اهتاج لكن الحليم من قدر ثم ~~عفا. وعن ابن كيسان إذا أذنبوا تابوا، ms1358 وقيل: إذا رأوا منكرا أمروا بتغييره، ~~وروي أن شقيقا البلخي دخل على ابن المبارك متنكرا فقال له: من أين أنت؟ ~~فقال: من بلخ. فقال: وهل تعرف شقيقا؟ قال: نعم. فقال: وكيف طريقة أصحابه؟ ~~قال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا. فقال ابن المبارك: طريقة كلابنا ~~هكذا. فقال شقيق: فكيف ينبغي أن يكون الأمر؟ فقال: الكاملون # PageV02P156 # هم الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. {أولئك} ، أي: العالو الرتبة ~~{لهم عقبى الدار} وبينها تعالى بقوله: # {جنات عدن} ، أي: إقامة لا انفكاك لها يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، ثم ~~استأنف بيان تمكنهم بها بقوله تعالى: {يدخلونها} ولما كانت الدار لا تطيب ~~بدون الأحبة قال تعالى عاطفا على الضمير المرفوع: {ومن صلح من آبائهم} ، ~~أي: الذين كانوا سببا في إيجادهم، فيشمل ذلك الآباء والأمهات وإن علوا ~~{وأزواجهم وذرياتهم} ، أي: الذين تسببوا عنهم، والمعنى أنه يلحق بهم من صلح ~~من أهلهم، وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعا لهم وتعظيما لشأنهم، ويقال: إن من ~~أعظم موجبات سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم يشكروا الله ~~تعالى على الخلاص منها والفوز بالجنة، ولذلك قال الله تعالى في صفة أهل ~~الجنة أنهم يقولون: {يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين} (يس: 26، 27) . وفي ذلك دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن ~~الموصوفين بتلك الصفات يقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في ~~دخول الجنة زيادة في أنسهم، والتقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا ~~تنفع. # وفسر ابن عباس الصلاح بالتصديق فقال: يريد من صدق بما صدقوا وإن لم يعمل ~~مثل أعمالهم، قال الرازي: قوله {وأزواجهم} ليس فيه ما يدل على التمييز بين ~~زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، وما روي عن سودة أنها ~~لما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في ~~جملة نسائك. كالدليل على ما ذكرنا اه. وعلى هذا من تزوجت بغيره قيل: إنها ~~تتخير بينهما، ثم زاد تعالى ms1359 في ترغيبهم بقوله تعالى: {والملائكة يدخلون ~~عليهم} لأن الإكثار من ترداد رسل الملك أعظم في الفخر وأكثر في السرور ~~والعز. ولما كان إتيانهم من الأماكن المعتادة مع القدرة على غيرها أدل على ~~الأدب والكرم قال تعالى: {من كل باب} قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوفة ~~طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصارعها من ذهب يدخلون عليهم من كل باب ~~يقولون لهم: # {سلام عليكم} ، أي: فأضمر القول هنا لدلالة الكلام عليه {بما صبرتم} على ~~أمر الله، والباء للسببية، أي: بسبب صبركم، أو البدلية، أي: بدل ما احتملتم ~~من مشاق الصبر ومتاعبه. فإن قيل: بم يتعلق قوله {بما صبرتم} قال الزمخشري: ~~بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم، وقال البيضاوي: متعلق بعليكم أو بمحذوف لا ~~بسلام، فإن الخبر فاصل مع أن الزمخشري قال ويجوز أن يتعلق بسلام، أي: نسلم ~~عليكم ونكرمكم بصبركم، وهذا أظهر ورد الأول بأن الممنوع منه إنما هو المصدر ~~المؤول بحرف مصدري، وفعل والمصدر هنا ليس كذلك. # ولما تم ذلك تسبب عنه قوله تعالى: {فنعم عقبى الدار} وهي المسكن في قرار ~~المهيأ بالأبنية التي يحتاج إليها، والمرافق التي ينتفع بها، والعقبى ~~الإنتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر، والمخصوص بالمدح محذوف، ~~أي: عقباكم. ولما ذكر تعالى صفات السعداء ومايترتب عليها من الأحوال ~~الشريفة العالية أتبعها بذكر أحوال الأشقياء، وذكر مايترتب عليها من ~~الأحوال المخزية المكربة، وأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب؛ ليكون ~~البيان كاملا فقال تعالى: # {والذين ينقضون عهد الله} ، أي: فيعملون بخلاف موجبه، والنقض التفريق ~~الذي ينفي تأليف البناء {من بعد ميثاقه} ، أي: الذي أوثقه عليهم من الإقرار ~~والقبول # PageV02P157 # {ويقطعون ما} ، أي: الذي {أمر الله به أن يوصل} وذلك في مقابلة قوله من ~~قبل {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} (الرعد، 21) فجعل من صفات هؤلاء ~~القطع بالضد من ذلك الوصل، والمراد به قطع ما يوجب الله تعالى وصله، أي: ~~لما له من المحاسن الجلية والخفية التي هي عين الصلاح، ويدخل في ذلك وصل ~~الرسول ms1360 صلى الله عليه وسلم بالموالاة والمعاونة، ووصل المؤمنين ووصل ~~الأرحام، ووصل سائر من له حق {ويفسدون} ، أي: يوقعون الفساد {في الأرض} ، ~~أي: في أي جزء كان منها بالظلم وتهييج الفتن، والدعاء إلى غير دين الله ~~تعالى {أولئك} أي البعداء البغضاء {لهم اللعنة} ، أي: الطرد والبعد {ولهم ~~سوء الدار} والدار لهم هي جهنم، وليس لهم فيها إلا ما يسوء الصائر إليها. ~~ولما حكم تعالى على من نقض عهده في قبول التوحيد والنبوة بأنهم ملعونون في ~~الدنيا ومعذبون في الآخرة، فكأنه قيل: لو كانوا أعداء الله تعالى لما فتح ~~الله عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا فأجاب الله تعالى بقوله تعالى: # {الله يبسط الرزق} ، أي: يوسعه {لمن يشاء ويقدر} ، أي: يضيقه على من يشاء ~~سواء في ذلك الطائع والعاصي ولا تعلق لذلك بالكفر والإيمان فقد يوجد الكافر ~~موسعا عليه دون المؤمن ويوجد المؤمن موسعا عليه دون الكافر فالدنيا دار ~~امتحان ولما كانت السعة مظنة الفرح إلا عند من وفقه الله تعالى قال الله ~~تعالى: {وفرحوا} ، أي: كفار مكة فرح بطر {بالحياة الدنيا} ، أي: بما نالوه ~~فيها لا فرح سرور بفضل الله والعافية عليهم ولم يقابلوه بالشكر حتى ~~يستوجبوا نعيم الآخرة {وما الحياة الدنيا} ، أي: بكمالها {في الآخرة} ، أي: ~~في جنبها {الامتاع} ، أي: حقير متلاش يتمتع به ويذهب كعجالة الراكب وهي ما ~~يتعجله من تميرات أو شربة ماء سويق أو نحو ذلك. # {ويقول الذين كفروا} من أهل مكة {لولا} ، أي: هلا {أنزل عليه} ، أي: على ~~هذا الرسول {آية} ، أي: علامة بينة {من ربه} ، أي: المحسن إليه كالعصا ~~واليد لموسى والناقة لصالح لنهتدي بها فنؤمن به وأمره الله تعالى أن يجيبهم ~~بقوله: {قل} ، أي: لهؤلاء المعاندين {إن الله يضل من يشاء} إضلاله فلا تغني ~~عنه الآيات شيئا وإن أنزلت كل آية {ويهدي} ، أي: يرشد {إليه} ، أي: إلى ~~دينه {من أناب} ، أي: رجع إليه كأبي بكر الصديق وغيره ممن تبعه من العشرة ~~المشهود لهم بالجنة وغيرهم ولو حصلت آية واحدة فلا تشتغلوا بطلب الآيات ~~ولكن ms1361 تضرعوا إلى الله تعالى في طلب الهداية وقوله تعالى: # {الذين آمنوا} بدل من أناب أو خبر مبتدأ محذوف {وتطمئن} ، أي: تسكن ~~{قلوبهم بذكر الله} ، أي: أنسا به واعتمادا عليه ورجاء منه أو بذكر رحمته ~~ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته أو بذكر دلائله الدالة على وجوده أو ~~بالقرآن الذي هو أقوى المعجزات وقال ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت ~~قلوبهم واطمأنت فإن قيل: قد قال الله تعالى في سورة الأنفال: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} (الأنفال، 2) والوجل ضد ~~الاطمئنان فكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ أجيب: بأنهم إذا ذكروا العقاب ولم ~~يأمنوا أن يقدموا على المعاصي فهناك يحصل الوجل وإذا ذكروا وعده بالثواب ~~والرحمة سكنت قلوبهم إلى ذلك وحينئذ حصل الجمع بينهما {ألا بذكر الله} ، ~~أي: الذي له الجلال والإكرام لا بذكر غيره {تطمئن} ، أي: تسكن {القلوب} ~~ويثبت اليقين فيها وقوله تعالى: # {الذين آمنوا وعملوا # PageV02P158 # الصالحات} مبتدأ خبره {طوبى لهم} واختلف العلماء في تفسير طوبى فقال ابن ~~عباس: فرح لهم وقرة عين. وقال عكرمة: نعمى لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وقال ~~النخعي: خير لهم وكرامة. وقال سعيد بن جبير: طوبى اسم الجنة بالحبشية. قال ~~الرازي: وهذا القول ضعيف؛ لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما، اشتقاق ~~هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر. وعن أبي هريرة وأبي الدرداء أن طوبى شجرة ~~في الجنة تظل الجنان كلها. وقال عبيد بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في ~~دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لونا ~~ولا زهرة إلا وفيها منه إلا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها ~~منها ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل. وقال مقاتل: وكل ورقة منها ~~تظل أمة عليها ملك يسبح الله تعالى بأنواع التسبيح. وعن أبي سعيد الخدري أن ~~رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرة ~~مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» . وعن ms1362 معاوية بن قرة عن أبيه ~~يرفعه: «طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي ~~والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» . وفي رواية عن أبي هريرة أنه ~~قال: «إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي ~~عما يشاء فتتفتق له عن فرس مسرجة بلجامها وهيئتها كما يشاء وتتفتق له عن ~~راحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما يشاء» . وقيل: طوبى فعلى من الطيب قلبت ~~ياؤه واوا لضم ما قبلها مصدر لطاب كبشرى وزلفى ومعنى طوبى لك أصبت خيرا ~~وطيبا. {وحسن مآب} ، أي: حسن المنقلب. # {كذلك} ، أي: مثل إرسال الرسل الذين قدمنا الإشارة إليهم في آخر سورة ~~يوسف وفي غيرها {أرسلناك في أمة} ، أي: جماعة كثيرة {قد خلت من قبلها} ، ~~أي: تقدمتها {أمم} طال أذاهم لأنبيائهم، ومن آمن بهم، واستهزاؤهم بهم في ~~عدم الإجابة حتى كأنهم تواصوا بهذا القول فليس ببدع إرسالك إليهم {لتتلو} ، ~~أي: لتقرأ {عليهم} ، أي: على أمتك {الذي أوحينا إليك} من القرآن وشرائع ~~الدين {وهم} ، أي: والحال أنهم {يكفرون بالرحمن} ، أي: بالبليغ الرحمة الذي ~~وسعت رحمته كل شيء. # وقال قتادة: هذه الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن سهل بن عمرو ~~لما جاء للصلح واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعلي: «أكتب بسم الله الرحمن الرحيم» . فقال سهل بن عمرو: لا ~~نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة يعني مسيلمة الكذاب أكتب كما كنت تكتب باسمك ~~اللهم» فهذا معنى قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} ، أي: أنهم يكفرونه ويجحدونه. ~~قال البغوي: والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها أن أبا جهل سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو يا الله يا رحمن، فرجع إلى المشركين ~~فقال: إن محمدا يدعو الله ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن ولا نعرف الرحمن، إلا ~~رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: {قل ادعو الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} (الإسراء، 110) . وروى الضحاك عن ~~ابن ms1363 عباس أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~«اسجدوا للرحمن» قالوا: وما الرحمن؟ قال الله تعالى: {قل} لهم يا محمد إن ~~الرحمن الذي أنكرتم معرفته {هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت} ، أي: اعتمدت ~~عليه في أموري كلها {وإليه متاب} ، # PageV02P159 # أي: مرجعي ومرجعكم. روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعرض الإسلام عليهم، فقال له عبد الله بن أمية ~~المخزومي: سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا، واجعل لنا فيها أنهارا ~~نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقول أم باطل؟ فقد كان ~~عيسى يحي الموتى، وسخر لنا الريح حتى نركبها إلى البلاد، فقد كانت الريح ~~مسخرة لسليمان، فلست بأهون على ربك من سليمان، فنزل قوله تعالى: # {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} ، أي: نقلت عن أماكنها {أو قطعت} ، أي: ~~شققت {به الأرض} من خشية الله تعالى عند قراءته، فجعلت أنهارا وعيونا. {أو ~~كلم به الموتى} ، أي: بأن يحيوا، وجواب لو محذوف، أي: لكان هذا القرآن في ~~غاية ما يكون من الصحة، واكتفى بمعرفة السامعين مراده، وهذا معنى قول قتادة ~~قال: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم. وقيل: تقديره لما آمنوا، ~~ونقل عن الفراء أن جواب لو هي الجملة من قوله: {وهم يكفرون} ففي الكلام ~~تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض، وتقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن لو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن، ~~ولم يؤمنوا لما سبق من علمنا فيهم. # فإن قيل: لم حذفت التاء في قوله تعالى: {وكلم به الموتى} وثبتت في ~~الفعلين قبله؟ أجيب: بأنه من باب التغليب؛ لأن الموتى يشمل المذكر والمؤنث. ~~{بل لله الأمر} ، أي: القدرة على كل شيء {جميعا} وهذا إضراب عما تضمنته لو ~~من معنى النفي، أي: بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، لكن ~~الإرادة لم تتعلق بذلك لعلمه تعالى بأنه لا يلين قلوبهم ms1364 ويؤيد ذلك قوله ~~تعالى: {أفلم ييأس الذين آمنوا} عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم وذهب ~~أكثرهم إلى أن معناه: أفلم يعلم الذين آمنوا {أن} ، أي: بأنه {لو يشاء ~~الله} ، أي: الذي له صفات الكمال {لهدى الناس جميعا} ، أي: إلى الإيمان من ~~غير آية، ولكنه تعالى لم يشأ هداية جميع الخلائق {ولا يزال الذين كفروا} ، ~~أي: جميع الكفار {تصيبهم بما} ، أي: بسبب ما {صنعوا قارعة} ، أي: نازلة ~~وداهية تقرعهم بأنواع البلايا تارة بالجدب، وتارة بالسلب وتارة بالقتل، ~~وتارة بالأسر وغيرذلك. واختلف في الكفار على قولين. # قيل: أراد بهم جميع الكفار، لأن الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار ~~من ذلك أوجبت حصول الغم في قلب الكل. # وقيل: المراد الكفار من أهل مكة والألف واللام للمعهود السابق ويدل لهذا ~~قول ابن عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يبعثها إليهم {أو تحل} ، أي: تنزل نزولا ثابتا تلك القارعة {قريبا من ~~دارهم} ، أي: فتوهن أمرهم، وقيل: معناه أو تحل أنت يا محمد بجيشك قريبا من ~~دارهم مكة كما حل بالحديبية {حتى يأتي وعد الله} ، أي: بالنصر وظهور رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ودينه بفتح مكة، أو بالنصر على جميع الكفرة في زمن ~~عيسى عليه السلام فينقطع ذلك؛ لأنه لا يبقى على الأرض كافر. # وقيل: أراد بوعد الله يوم القيامة؛ لأن الله يجمعهم فيه فيجازيهم ~~بأعمالهم {إن الله لا يخلف الميعاد} لامتناع الكذب في كلامه تعالى. ولما ~~كان الكفار يسألون هذه الآيات منه صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء ~~والسخرية، وكان ذلك يشق عليه ويتأذى من تلك الكلمات أنزل الله تعالى تسلية ~~له وتصبيرا له # PageV02P160 # على سفاهة قومه: # {ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزئ بك {فأمليت للذين كفروا، أي: أطلت ~~المدة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم} بالعقوبة {فكيف كان عقاب} ، أي: هو واقع ~~موقعه، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك، والإملاء الإمهال بأن يترك مدة من الزمان ~~في راحة وأمن كالبهيمة يملي لها في المرعى، وهذا استفهام معناه ms1365 التعجب، وفي ~~ضمنه وعيد شديد لهم، وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على سبيل الاستهزاء، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى ~~الحجاج، وما يكون توبيخا لهم وتعجيبا من عقولهم فقال تعالى: # {أفمن هو قائم} ، أي: رقيب {على كل نفس بما كسبت} ، أي: عملت من خير وشر ~~وهو الله تعالى القادر على كل الممكنات العالم بجميع المعلومات من الجزئيات ~~والكليات، ولا بد لهذا الكلام من جواب فإن من موصولة صلتها هو قائم، ~~والموصول مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره كمن ليس بهذه الصفة، وهي ~~الأصنام التي لا تنفع ولا تضر دل على هذا المحذوف قوله تعالى: {وجعلوا لله ~~شركاء} ونظيره قوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام} (الزمر، 22) الآية ~~تقديره كمن قسا قلبه يدل عليه قوله: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} ~~(الزمر، 22) وإنما حسن حذفه كون الخبر مقابلا للمبتدأ، وقد جاء مبينا كقوله ~~تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} (النحل، 17) وقوله تعالى: {قل سموهم} فيه ~~تنبيه على أن هؤلاء الشركاء لا يستحقونها، والمعنى: سموهم بأسمائهم ~~الحقيقية، فإنهم إذا عرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ذلك مما هو مركز ~~العجز، ومحل الفقر عرف ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ثم قيل: ~~أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة عبيده؟ {أم تنبئونه} ، أي: ~~تخبرونه {بما لا يعلم} وعلمه محيط بكل شيء {في الأرض} من كونها آلهة ببرهان ~~قاطع {أم} تسمونهم شركاء {بظاهر من القول} ، أي: بحجة إقناعية تقال بالفم، ~~وكل ما لا يعلم فليس بشيء، وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه ~~بالإعجاز. # ولما كان التقدير ليس لهم على شيء من هذا برهان قاطع، ولا قول ظاهر بنى ~~عليه قوله تعالى: {بل زين} ، أي: وقع التزيين بأمر من لا يرد أمره على يد ~~من كان من شياطين الإنس أو شياطين الجن. {للذين كفروا مكرهم} ، أي: أمرهم ~~الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره، وذلك أنهم أظهروا ms1366 ~~أن شركاءهم آلهة حقا وهم يعلمون بطلان ذلك، وليس بهم في الباطن إلا تقليد ~~الآباء، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، ولتشفع لهم، وهم لا ~~يعتقدون بعثا ولا نشورا، فصار كل ذلك من فعلهم فعل الماكر {وصدوا} غيرهم ~~{عن السبيل} ، أي: طريق الهدى الذي لا يقال لغيره سبيل، فإن غيره عدم بل ~~العدم خير منه، فهم لم يسلكوا السبيل، ولا تركوا غيرهم يسلكه، فضلوا ~~وأضلوا، وليس ذلك بعجيب فإن الله أضلهم {ومن يضلل الله} ، أي: الذي له ~~الأمر كله بإرادة إضلاله {فما له من هاد} وقرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد ~~الدال في الوقف دون الوصل، والباقون بغير ياء وقفا ووصلا. وكذلك من واق ~~وكذا ولا واق. ولما أخبر الله تعالى بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم ~~بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة بقوله تعالى: # {لهم عذاب في الحياة الدنيا} بالقتل والأسر والذم والإهانة واغتنام ~~الأموال واللعن، ونحو ذلك مما فيه غيظهم {ولعذاب الآخرة أشق} ، أي: أشد في ~~المشقة بسبب القوة والشدة # PageV02P161 # وكثرة الأنواع والدوام، وعدم الانقطاع، ثم بين تعالى أن أحدا لا يقيهم من ~~عذابه بقوله تعالى: {وما لهم من الله من واق} ، أي: مانع يمنعهم إذا أراد ~~بهم سوءا لا في الدنيا ولا في الآخرة، والواقي فاعل من الوقاية، وهي الحجز ~~بما يدفع الأذية. ولما ذكر تعالى عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ~~ثواب المتقين بقوله تعالى: # {مثل} ، أي: صفة {الجنة} ، أي: التي هي مقرهم {التي وعد المتقون} واختلف ~~في إعراب ذلك على أقوال: الأول: قال سيبويه: {مثل الجنة} مبتدأ وخبره محذوف ~~والتقدير فيما قصصناه عليك {مثل الجنة} . والثاني: قال الزجاج: {مثل الجنة ~~جنة من صفتها كذا وكذا. والثالث: مثل الجنة} مبتدأ وخبره. {تجري من تحتها ~~الأنهار} كما تقول صفة زيد أسمر، والرابع الخبر. {أكلها} ، أي: مأكولها ~~{دائم} لأنه الخارج عن العادة، فقد وصف الله تعالى الجنة بثلاثة أوصاف، ~~الأول: تجري من تحتها، أي: من تحت قصورها وأشجارها الأنهار. الثاني: إن ~~أكلها دائم لا ينقطع أبدا ms1367 بخلاف جنة الدنيا. والثالث: قوله تعالى: {وظلها} ~~، أي: دائم ليس كظل الدنيا لا تنسخه الشمس ولا غيرها إذ ليس فيها شمس ولا ~~قمر ولا ظلمة، بل ظل ممدود لا ينقطع ولا يزول. ثم إنه تعالى لما وصف الجنة ~~بهذه الصفات الثلاثة بين تعالى أنها للمتقين بقوله تعالى: {تلك} ، أي: ~~الجنة العالية الأوصاف {عقبى} ، أي: آخر أمر {الذين اتقوا} ، أي: الشرك، ثم ~~كرر الوعيد للكافرين بقوله تعالى {وعقبى} ، أي: منتهى أمر {الكافرين النار} ~~لا غير، وفي ترتيب النظمين إطماع للمتقين وإقناط للكافرين. واختلف في قوله ~~تعالى: # على قولين الأول: أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والمراد بالكتاب ~~القرآن {يفرحون بما أنزل إليك} من أنواع التوحيد والعدل والنبوة والبعث ~~والأحكام والقصص {ومن الأحزاب} ، أي: الجماعات من اليهود والنصارى وسائر ~~الكفار {من ينكر بعضه} وهذا قول الحسن وقتادة. # فإن قيل: الأحزاب منكرون كل القرآن؟ أجيب: بأنهم لا ينكرون كل ما في ~~القرآن، لأنه ورد فيه إثبات الله تعالى وإثبات علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص ~~الأنبياء، والأحزاب لا ينكرون كل هذه الأشياء. # والقول الثاني: أن المراد بالكتاب التوراة، وبأهله الذين أسلموا من ~~اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام وأصحابه، ومن أسلم من النصارى، وهم ~~ثمانون رجلا أربعون من نجران وثمانية من اليمن واثنان وثلاثون من أرض ~~الحبشة، وفرحوا بالقرآن؛ لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب، ~~وسائر المشركين، وقيل: كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء فلما ~~اسلم عبد الله بن سلام ومن تبعه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن مع ~~كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله تعالى ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل ~~الله تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ~~ينكر بعضه} (الرعد، 36) يعني مشركي مكة حين كتب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: ما نعرف إلا رحمن ~~اليمامة؟ يعني مسيلمة فأنزل الله تعالى: {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} ~~(الأنبياء، 36) . ثم إنه تعالى لما بين هذا ms1368 جمع كل ما يحتاج المرء إليه في ~~معرفة المبدأ والمعاد وبينه بألفاظ قليلة فقال: {قل} ، أي: يا أكرم الخلق ~~على الله تعالى {إنما أمرت} ، أي: وقع إلي الأمر الجازم الذي لا شك فيه ولا ~~تغيير ممن له الأمر كله {أن أعبد # PageV02P162 # الله} ، أي: وحده، ولذلك قال: {ولا أشرك به} شيئا {إليه} وحده {أدعو ~~وإليه مآب} ، أي: مرجعي للجزاء لا إلى غيره. # {وكذلك} ، أي: كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم {أنزلناه} ، أي: ~~القرآن {حكما} والحكم فصل الأمر على الحق {عربيا} بلسانك ولسان قومك، وإنما ~~سمي القرآن حكما؛ لأن فيه جميع التكاليف والحلال والحرام، والنقض والإبرام، ~~فلما كان سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة. وروي أن المشركين ~~كانوا يدعون النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه، فوعده الله تعالى على ~~متابعتهم في تلك المذاهب بأن يصلى إلى قبلتهم بعد ما حوله الله تعالى عنها ~~بقوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم} ، أي: الكفار فيما يدعونك إليه من ملتهم ~~{بعد ما جاءك من العلم} ، أي: بأنك على الحق وأن قبلتك هي الكعبة {ما لك من ~~الله من ولي} ، أي: ناصر {ولا واق} ، أي: مانع من عذابه. وقال ابن عباس: ~~الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. ونزل لما عير الكفار ~~النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة النساء. # {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا} ، أي: نساء ينكحونهن فكان ~~لسليمان امرأة وسرية وكان لداود عليه السلام إمرأة {وذرية} ، أي: أولادا ~~فأنت مثلهم، وكانوا يقولون أيضا: لو كان رسولا من عند الله لكان، أي: شيء ~~طلبناه منه من المعجزات أتى به فرد الله تعالى عليهم بقوله تعالى: {وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بأذن الله} ، أي: بإرادته؛ لأن المعجزة الواحدة ~~كافية في إزالة العذر، والعلة وفي إظهار الحجة والبينة، وأما الزائد عليها ~~فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن لم يشأ لم يظهرها لا ~~اعتراض لأحد عليه في ذلك. ولما توعدهم صلى الله عليه وسلم نزول العذاب، ms1369 ~~وظهور النصرة له ولقومه وتأخر ذلك عنهم قالوا: لو كان نبيا صادقا لما ظهر ~~كذبه، فرد الله تعالى عليهم بقوله تعالى {لكل أجل} ، أي: مدة {كتاب} ، أي: ~~مكتوب قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام، ~~والإتيان بالآيات وغيرها إثباتا ونسخا على ما تقتضيه الحكمة. ولما اعترضوا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ~~اليوم، ثم يأمر بخلافه غدا، وما سبب ذلك إلا أنه يقوله من تلقاء نفسه، فرد ~~الله تعالى عليهم بقوله تعالى: # {يمحو الله ما يشاء} ، أي: محوه من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ ~~فيرفعه {ويثبت} ما يشاء إثباته من ذلك بأن يقره ويمضي حكمه كقوله تعالى: ~~{ما ننسخ من آية} (البقرة، 106) إلى قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله على كل ~~شيء قدير} (البقرة، 106) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بسكون الثاء ~~المثلثة وتخفيف الباء الموحدة، والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء الموحدة. # تنبيه: في هذه الآية قولان: # أحدهما أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وهذا مذهب عمر وابن ~~مسعود وغيرهما قالوا: إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في ~~الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه ~~أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة، ~~فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت علي الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة ~~والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ومثله عن ابن مسعود ~~وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بعض # PageV02P163 # الآثار: أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فيرد إلى ~~ثلاثة أيام، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيرد إلى ~~ثلاثين سنة. وروي أن الله تعالى ينزل، أي: أمره في آخر ثلاث ساعات تبقى من ~~الليل فينظر في الساعة منهن في أم الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ~~ما ms1370 يشاء ويثبت. والقول الثاني أن هذه الآية خاصة في بعض الأشياء دون بعض، ~~واختلفوا على هذا القول فقال سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما يشاء من ~~الشرائع والفرائض، فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه. وقال ابن ~~عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة، واستدل ~~لهذا بما رواه حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها وخلق سمعها ~~وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما ~~يشاء ويكتب الملك ثم يقول الملك: يا رب رزقه فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب ~~الملك ثم يقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان فيكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ~~ثم تطوى الصحف فلا يزاد ولا ينقص» . # وقال ابن عطية عن ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله تعالى، ثم يرجع ~~لمعصية الله تعالى، فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو الذي يثبت يعمل الرجل ~~بطاعة الله، فيموت وهو في طاعته فهو الذي يثبت. وقال الحسن: يمحو ما يشاء، ~~أي: من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجيء أجله إلى أجله. وعن سعيد بن جبير ~~قال: يمحو ما يشاء من ذنوب العباد فيغفرها، ويثبت ما يشاء فلا يغفرها. وقال ~~عكرمة: يمحو الله ما يشاء من الذنوب بالتوبة، ويثبت بدل الذنوب حسنات كما ~~قال تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} . (الفرقان، 70) وقال السدي: ~~يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت ما يشاء يعني الشمس بيانه قوله تعالى: ~~{فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} (الإسراء، 12) . وقال الربيع: ~~هذا في الأرواح يقبضها الله تعالى عند النوم، فمن أراد موته أمسكه، ومن ~~أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه بيانه قوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها} (الزمر، 42) الآية. وقيل إن الله تعالى يثبت في أول كل سنة حكمها، ~~فإذا مضت السنة محاه، وأثبت حكما آخر للسنة المستقبلة. وقيل: يمحو الله ~~الدنيا ويثبت الآخرة. ms1371 # وقيل: إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله من ديوان ~~الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب. # وقيل: هذا في المحن والمصائب فهي مثبتة في الكتاب، ثم يمحوها بالدعاء ~~والصدقة {وعنده} تعالى {أم الكتاب} أصل الكتب والعرب تسمى كل ما يجري مجرى ~~الأصل للشيء أما، ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى، وكل مدينة فهي أم لما ~~حولها من القرى فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب، وفيه ~~قولان: الأول: أنه اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل وجميع حوادث العالم ~~العلوي والسفلي يثبت فيه. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان ~~الله ولا شيء ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة» . # والقول الثاني: أن أم الكتاب أصله الذي لا يغير منه شيء وهو الذي كتب في ~~الأزل. وقال ابن عباس في رواية عكرمة: هما كتابان كتاب سوى أم الكتاب يمحو ~~ما يشاء منه ويثبت وعنده أم الكتاب لا يغير منه شيء، وعلى هذا فالكتاب الذي ~~يمحو منه ويثبت هو الكتاب الذي تكتبه الملائكة على الخلق. وعن ابن # PageV02P164 # عباس قال: إن لله لوحا محفوظا مسيرته خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان ~~من ياقوتة لله فيه في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو ما يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب. وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما ~~خلقه. ولما كان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا ~~به وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك البعض وإثباته ليؤمن به غيره تقريبا ~~لفصل النزاع قال تعالى: # {وإما نرينك} يا محمد وأكده بتأكيد للإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلال من ~~ضل بعد إبلاغه {بعض الذي نعدهم} ، أي: من العذاب وأنت حي مما تريد، أو تريد ~~أصحابك قبل وفاتك فذلك شافيك من أعدائك، والوعد الخبر عن خير مضمون، ~~والوعيد الخبر عن شر مضمون والمعنى عليه وسماه وعدا لتنزيلهم إياه في طلب ~~نزوله منزلة الوعد {أو ms1372 نتوفينك} ، أي: قبل أن نرينك ذلك فلا لوم عليك ولا ~~عتب {فإنما عليك البلاغ} ، أي: ليس عليك إلا تبليغ الرسالة إليهم، وليس ~~عليك أن تجازيهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات، والبلاغ، اسم أقيم مقام ~~التبليغ، وأما فيه إدغام نون أن الشرطية في ما الزائدة. {وعلينا الحساب} ، ~~أي: علينا أن نحاسبهم يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم، فلا تحتفل بإعراضهم ~~ولا تستعجل بعذابهم. # تنبيه: قال أبو حيان: هنا شرطان؛ لأن المعطوف على الشرط شرط، فيقدر لكل ~~شرط، ما يناسب أن يكون جزاء مرتبا عليه والتقدير: وإما نرينك بعض الذي ~~نعدهم، فذلك شافيك من أعدائك، وإما نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم عليك ولا ~~عتب، وقد مرت الإشارة إلى ذلك ولما وعد الله تعالى نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بأن يريه بعض ما يعده أو يتوفاه قبل ذلك بين تعالى آثار حصول تلك ~~المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت بقوله تعالى: # {أو لم يروا} ، أي: كفار مكة {أنا نأت الأرض} ، أي: نقصد أرض هؤلاء ~~الكفرة {ننقصها من أطرافها} بما يفتح الله تعالى على المسلمين من ديار ~~الشرك أرضا بعد أرض حوالي أرضهم، هذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة. وقال ~~مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلها. وعن عكرمة قال: هو قبض الناس. وعن الشعبي ~~مثله، وعطاء وجماعة نقصانها موت العلماء وذهاب الفقهاء، ويؤيد هذا ما رواه ~~عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ~~لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق ~~عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» . وقال ~~الحسن: قال عبد الله بن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله. ~~وقال علي: إنما مثل الفقهاء كمثل الأنف إذا قطعت لم تعد. وقال سليمان: لا ~~يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر، وإذا هلك الأول قبل أن ~~يتعلم الآخر هلك الناس. وقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: ~~هلاك علمائهم، ثم أثبت ms1373 تعالى لنفسه أمرا كليا فقال: {والله} ، أي: الملك ~~الأعلى. {يحكم} في خلقه بما يريد؛ لأنه {لا معقب} ، أي: راد؛ لأن التعقيب ~~رد الشيء بعد فصله {لحكمه} وقد حكم للإسلام بالإقبال وعلى الكفر بالإدبار، ~~وذلك كائن لا يمكن تغييره. # تنبيه: محل جملة لا معقب لحكمه النصب على الحال كأنه قيل: والله يحكم ~~نافذا حكمه كما تقول: جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة تريد حاسرا ~~{وهو} عز # PageV02P165 # وجل مع تمام القدرة {سريع الحساب} فيحاسبهم عما قليل في الآخرة بعدما ~~عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا. وقال ابن عباس: يريد سريع الانتقام يعني: ~~حسابه للمجازاة بالخير والشر، فمجازاة الكفار بالإنتقام منهم، ومجازاة ~~المؤمنين بإيصال الثواب إليهم، وقد تقدم الكلام في معنى سريع الحساب قبل ~~هذا. وقوله تعالى: # {وقد مكر الذين من قبلهم} ، أي: من كفار الأمم الماضية قيل: مكروا ~~بأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم، وفرعون مكر بموسى واليهود مكروا بعيسى ~~فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {فلله المكر جميعا} ، أي: ~~أن مكر جميع الماكرين حاصل بتخليقه وإرادته؛ لأنه تعالى هو الخالق لجميع ~~أعمال العباد، فالمكر لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره، فيه أمان له ~~صلى الله عليه وسلم من مكرهم، فكأنه قيل: إذا كان حدوث المكر من الله تعالى ~~وتأثيره في الممكور به من الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى لا ~~من أحد من المخلوقين، وذهب بعض المفسرين إلى أن المعنى: فلله جزاء المكر، ~~وذلك أنهم لما مكروا بالمؤمنين بين الله تعالى أنه يجازيهم على مكرهم. قال ~~الواحدي: والأول أظهر القولين بدليل قوله تعالى: # {يعلم ما تكسب كل نفس} ، أي: أن أكساب العباد معلومة لله تعالى، وخلاف ~~المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك، فلا قدرة لعبد على الفعل والترك، ~~فكان الكل من الله فيجازيهم على أعمالهم، وفي ذلك وعيد وتهديد للكفار ~~الماكرين، ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد بقوله تعالى: {وسيعلم الكفار لمن ~~عقبى الدار} ، أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ألهم أم ms1374 للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه؟ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالألف بعد الكاف ~~على الإفراد والكاف مفتوحة والفاء مكسورة مخففة، والباقون بالألف بعد الفاء ~~على الجمع، فالكاف مضمومة والفاء مفتوحة مشددة، فمن قرأ بالإفراد أراد ~~الجنس كقوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} (العصر، 2) ليوافق قراءة الجمع. ~~وقال عطاء: المستهزؤون وهم خمسة والمقتسمون وهم ثمانية وعشرون. وقال ابن ~~عباس: يريد أبا جهل. قال الرازي: والأول هو الصواب، أي: ليوافق قراءة الجمع ~~كما مر. ولما تقدم قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ~~ربه} (الرعد، 7) عطف عليه بعد شرح ما استتبعه قوله تعالى: # {ويقول الذين كفروا لست مرسلا} ، أي: لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يقل يوما: إنه قادر عليها، فكأنه قيل: فما أقول لهم؟ ~~فقال تعالى: {قل} لهم {كفى بالله} الذي له الإحاطة الكاملة {شهيدا} ، أي: ~~بليغ العلم في شهادته بالإطلاع على ما ظهر وما بطن {بيني وبينكم} يشهد ~~بتأييد رسالتي، وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية، وأوضح من الدلالة بهذا ~~الكتاب ويشهد بتكذيبهم بادعائكم القدرة على المعارضة، وترككم لها عجزا، ~~وهذا أعلى مراتب الشهادة؛ لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كما ~~شهد به، والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولا من عند الله، واختلف في ~~قوله تعالى: {ومن عنده علم الكتاب} فروى العوفي عن ابن عباس أنهم علماء ~~اليهود والنصارى، أي: أن كل من كان عالما من اليهود بالتوراة، ومن النصارى ~~بالإنجيل علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله لما يجد من ~~الدلائل الدالة على نبوته فيها شهد بذلك من شهد به وأنكره من أنكره منهم.n # والثاني: # PageV02P166 # أن المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا، وهم عبد الله بن سلام وسلمان ~~الفارسي وتميم الداري. وقال الحسن ومجاهد والزجاج وسعيد بن جبير: {ومن عنده ~~علم الكتاب} هو الله تعالى. قال الحسن: لا والله لا يعني إلا الله، والمعنى ~~كفى بالله الذي يستحق العبادة، وبالذي ms1375 لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو ~~شهيدا بيني وبينكم، وهذا أظهر كما استظهره البقاعي، وإن كان عطف الصفة على ~~الموصوف خلاف الأصل إذ يقال: شهد بهذا زيد الفقيه، لا زيد والفقيه؛ لأنه ~~جائز في الجملة، وقيل: معناه: أن علم أن القرآن الذي جئتكم به معجز ظاهر ~~وبرهان باهر لما فيه من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن الغيوب وعن الأمم ~~الماضية فمن علمه بهذه الصفة كان شهيدا بيني وبينكم والله أعلم بمراده. وما ~~رواه البيضاوي تبعا للزمخشري وتبعهما ابن عادل من أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل ~~سحاب يكون إلى يوم القيامة وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله» حديث ~~موضوع. ### | سورة إبراهيم # عليه السلام مكية # إلا قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله} (إبراهيم، 28) ~~الآيتين، وهي اثنتان وخمسون آية وعدد كلماتها وإحدى وثلاثون كلمة، وعدد ~~حروفها ثلاثة آلاف وأربعة وثلاثون حرفا # {بسم الله الرحمن الرحيم} قوله تعالى: # {الر} تقدم الكلام عليها أول يونس وهود. وقوله تعالى: {كتاب} خبر لمبتدأ ~~محذوف، أي: هذا القرآن كتاب، أو الر، إن قلنا: إنها مبتدأ والجملة بعده ~~صفة، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة بعده وجاز الابتداء بالنكرة؛ ~~لأنها موصوفة تقديرا، تقديره كتاب، أي: كتاب يعني عظيما من بين الكتب ~~السماوية {أنزلناه إليك} يا أشرف الخلق عند الله تعالى {لتخرج الناس} ، أي: ~~عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم {من الظلمات} ، أي: الكفر وأنواع الضلالة ~~{إلى النور} ، أي: الإيمان والهدى. قال الرازي: والآية دالة على أن طرق ~~الكفر والبدع كثيرة وأن طريق الحق ليس إلا واحدا؛ لأنه تعالى قال: {لتخرج ~~الناس من الظلمات} وهي صيغة جمع، وعبر عن الإيمان والهدى بالنور، وهو لفظ ~~مفرد وذلك يدل على أن طرق الجهل والكفر كثيرة وأن طريق العلم والإيمان ليس ~~إلا واحدا. # تنبيه: القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم ~~الرسول، احتجوا بهذه الآية، وذلك يدل على أن معرفة ms1376 الله تعالى لا تحصل إلا ~~من طريق التعليم. وأجيب: بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كالمنبه وأما ~~المعرفة فهي إنما تحصل من الدليل وقوله تعالى: {بإذن ربهم} متعلق بالإخراج، ~~أي: بتوفيقه وتسهيله، ويبدل من إلى النور {إلى صراط} ، أي: طريق {العزيز} ، ~~أي: الغالب {الحميد} ، أي: المحمود على كل حال المستحق لجميع المحامد، وفي ~~قوله: # {الله} قراءتان، فقرأ نافع وابن عامر برفع الهاء وصلا وابتداء على أنه ~~مبتدأ خبره {الذي له ما في السموات وما في الأرض} ، أي: ملكاا وخلقا، وقرأ ~~الباقون بالجر على أنه بدل أو عطف بيان وما # PageV02P167 # بعده صفة. # تنبيه: ذهب جماعة من المحققين إلى أن قولنا: الله جار مجرى الاسم العلم ~~لذات الله سبحانه وتعالى، وذهب قوم آخرون إلى أنه لفظ مشتق. قال الرازي: ~~والحق عندنا هو الأول؛ لأن الأمة لما اجتمعت على أن قولنا: لا إله إلا الله ~~يوجب التوحيد المحض علمنا أن قولنا: الله جار مجرى الاسم العلم. وقد قال ~~تعالى: {هل تعلم له سميا} (مريم، 65) ، أي: هل تعلم من اسمه الله غير الله، ~~وذلك يدل على قولنا: الله اسم لذاته المخصوصة، ولذا استشكل قراءة الجر إذ ~~الترتيب الحسن أن يذكر الاسم، ثم يذكر عقبه الصفات كقوله تعالى: {هو الله ~~الخالق البارئ المصور} (الحشر، 24) وأما الخالق الله فلا يحسن. # وأجيب عن ذلك بأنه لا يبعد أن تذكر الصفة أولا، ثم يذكر الاسم ثم تذكر ~~الصفة مرة أخرى كما يقال: مررت بالإمام الأجل محمد الفقيه، وهو بعينه نظير ~~قوله تعالى: {صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض} ~~والآية تفيد حصر ما في السموات وما في الأرض له لا لغيره، وذلك ليدل على ~~أنه لا مالك إلا الله، ولا حاكم إلا الله، وأنه تعالى خالق لأعمال العباد؛ ~~لأنها حاصلة في السموات والأرض، فوجب القول بأن أفعال العباد له بمعنى ~~كونها مملوكة له، والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة لله، وإذا ثبت ~~أنها مقدورة لله وجب وقوعها بقدرة الله، وإلا لكان العبد ms1377 قد منع الله تعالى ~~من إيقاع مقدوره، وذلك محال، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار ~~بالوعيد فقال تعالى: {وويل للكافرين} ، أي: الذين تركوا عبادة من يستحق ~~العبادة الذي له ما في السموات وما في الأرض، وعبدوا من لا يملك شيئا ~~البتة، بل هو مملوك لله تعالى؛ لأنه من جملة ما في السموات وما في الأرض، ~~وويل مبتدأ، وجاز الابتداء به؛ لأنه دعاء كسلام عليكم وللكافرين خبره، ~~وقوله تعالى: {من عذاب شديد} ، أي: يعذبهم في الآخرة متعلق بويل ولا يضر ~~الفصل بالخبر، ثم وصفهم بقوله تعالى: # {الذين يستحبون} ، أي: يختارون {الحياة الدنيا على الآخرة} ، أي: ~~يؤثرونها عليها {ويصدون عن سبيل الله} ، أي: يمنعون الناس عن قبول دين الله ~~{ويبغونها} ، أي: السبيل {عوجا} ، أي: معوجة والأصل ويبغون لها زيغا وميلا، ~~فحذف الجار، وأوصل الفعل إلى الضمير {أولئك} ، أي: الموصوفون بهذه الصفات ~~{في ضلال بعيد} ، أي: عن الحق وإسناد البعد إلى الضلال إسناد مجازي؛ لأن ~~البعيد هم الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني. ثم ذكر ما يجري مجرى تكميل ~~النعمة والإحسان في الوجهين بقوله تعالى: # {وما أرسلنا من رسول} ، أي: في زمن من الأزمان {إلا بلسان} ، أي: لغة ~~{قومه} أما بالنسبة إلى الرسول؛ فلأنه تعالى بين أن سائر الأنبياء كانوا ~~مبعوثين إلى قومهم خاصة، وأما أنت يا محمد فمبعوث إلى عامة البشر، وكان هذا ~~الإنعام في حقك أكمل وأفضل، وأما بالنسبة إلى عامة الخلق، فهو أنه تعالى ~~ذكر أنه ما بعث رسولا إلا بلسان أولئك القوم {ليبين لهم} ما أمروا به ~~فيفهموه عنه بيسر وسرعة؛ لأن ذلك أسهل لفهم أسرار تلك الشريعة، والوقوف على ~~حقائقها وأبعد عن الغلط والخطأ. # تنبيه: تمسك طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية بهذه الآية على أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم لم يرسل لغير العرب من وجهين: # الأول: أن القرآن لما كان نازلا بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما ~~فيه من الفصاحة إلا العرب، وحينئذ لا يكون القرآن حجة إلا عليهم. الثاني: ~~أن ms1378 قوله تعالى: # PageV02P168 # {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (إبراهيم، 4) المراد بذلك اللسان ~~لسان العرب، وذلك يدل على أنه مبعوث إلى العرب فقط. # ورد عليهم بأن المراد بالقوم أهل دعوته والدليل على عموم الدعوة قوله ~~تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} (الأعراف، 158) بل ~~إلى الثقلين؛ لأن التحدي كما وقع مع الإنس وقع مع الجن بدليل قوله تعالى: ~~{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء، 88) . ثم بين سبحانه وتعالى أن ~~الإضلال والهداية بمشيئته بقوله تعالى: {فيضل الله من يشاء} إضلاله {ويهدي ~~من يشاء} هدايته، فإنه تعالى هو المضل الهادي، وليس على الرسل إلا التبليغ ~~والبيان والله تعالى هو الهادي المضل يفعل ما يشاء {وهو العزيز} في ملكه، ~~فلا راد له عن مشيئته {الحكيم} في صنعه فلا يهدي ولا يضل إلا لحكمة. ولما ~~بين تعالى أنه إنما أرسل محمدا عليه الصلاة والسلام إلى الناس ليخرجهم من ~~الظلمات إلى النور، وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ذلك الإرسال وفي ~~تلك البعثة أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم، وكيفية معاملة ~~أقوامهم لهم ليكون ذلك تصبيرا له صلى الله عليه وسلم على أذى قومه وإرشادا ~~له إلى كيفية مكالمتهم ومعاملتهم، فذكر تعالى على العادة المألوفة قصص بعض ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فبدأ بذكر قصة موسى عليه السلام فقال: # {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} ، أي: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع ~~والدم وفلق البحر وانفجار العيون من الحجر وإظلال الجبل والمن والسلوى ~~وسائر معجزاته {أن أخرج قومك} ، أي: بني إسرائيل {من الظلمات} ، أي: الكفر ~~والضلال {إلى النور} ، أي: الإيمان والهدى. # تنبيه: يجوز أن تكون أن مصدرية، أي: بأن أخرج، والباء في بآياتنا للحال، ~~وهذه للتعدية، ويجوز أن تكون مفسرة للرسالة بمعنى، أي: ويكون المعنى، أي: ~~أخرج قومك من الظلمات، أي: قلنا له أخرج قومك كقوله تعالى: {وانطلق الملأ ~~منهم أن امشوا} (ص، 6) . {وذكرهم بأيام الله} قال ابن عباس: ms1379 بنعم الله. ~~وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة، يقال: فلان عالم بأيام العرب، ~~أي: بوقائعهم، وفي المثل من سر يوما يره. قال الرازي: معناه من رأى في يوم ~~سروره بمصرع غيره رآه غيره في يوم آخر بمصرع نفسه، وقال تعالى: {وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس} (آل عمران، 140) والمعنى: عظهم بالترغيب، ~~والترهيب، والوعد والوعيد، والترغيب والوعد أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم ~~وعلى من قبلهم ممن آمنوا بالرسل فيما سلف من الأيام، والترهيب والوعيد أن ~~يذكرهم بأمر الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل فيما سلف من الأيام مثل ما ~~نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب ليرغبوا في الوعد، فيصدقوا ويحذروا من ~~الوعيد، فيتركوا التكذيب، وقيل: بأيام الله في حق موسى أن يذكر قومه بأيام ~~المحنة والبلاء حين كانوا تحت أيدي القبط يسومونهم سوء العذاب، فخلصهم الله ~~من ذلك وجعلهم ملوكا بعد أن كانوا مملوكين {إن في ذلك} ، أي: التذكير ~~العظيم {لآيات} على وحدانية الله تعالى وعظمته {لكل صبار} ، أي: كثير الصبر ~~على الطاعة وعن المعصية {شكور} ، أي: كثير الشكر للنعم، وإنما خص الصبور ~~والشكور بالاعتبار بالآيات، وإن كان فيها عبرة للكل؛ لأنهم المنتفعون بها ~~دون غيرهم فلهذا خصهم بالآيات، فكأنها ليست لغيرهم فهو كقوله تعالى: {هدى ~~للمتقين} (البقرة، 3) فإن # PageV02P169 # الانتفاع لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابرا شاكرا أما من لا يكون كذلك ~~فلا ينتفع بها البتة. ولما أمر الله تعالى موسى أن يذكرهم بأيام الله حكى ~~عنه أنه ذكرهم بها بقوله تعالى: # {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم} وقوله: {إذ أنجاكم من آل ~~فرعون} ظرف للنعمة بمعنى الإنعام، أي: اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك ~~الوقت {يسومونكم سوء العذاب} بالاستعباد {ويذبحون} ، أي: تذبيحا كثيرا ~~{أبناءكم} ، أي: المولودين {ويستحيون} ، أي: يستبقون {نساءكم} أحياء وذلك ~~كقول بعض الكهنة إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملك فرعون. # فإن قيل: لم ذكر تعالى في سورة البقرة {يذبحون} بغير واو وذكره هنا مع ~~الواو؟ أجيب: بأنها إنما حذفت في ms1380 سورة البقرة؛ لأنها تفسير لقوله تعالى: ~~{يسومونكم سوء العذاب} وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو، وهنا أدخل الواو ~~فيه؛ لأنه نوع آخر لأنهم كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح فليس ~~تفسيرا للعذاب {وفي ذلكم بلاء} ، أي: إنعام وابتلاء {من ربكم عظيم} لأن ~~الابتلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعا، ومنه قوله تعالى: {ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة} (الأنبياء، 35) . فإن قيل: تذبيح الأبناء فيه بلاء، ~~وأما استحياء النساء فكيف فيه ابتلاء؟ أجيب: بأنهم كانوا يستحيونهن ~~ويتركونهن تحت أيديهم كالإماء، فكان ذلك ابتلاء وقوله تعالى: # {وإذ} ، أي: واذكروا إذ {تأذن ربكم} فهو أيضا من كلام موسى عليه السلام، ~~وتأذن بمعنى أذن كتوعد وأوعد غير أنه أبلغ لما في التفعل من معنى التكلف ~~والمبالغة {لئن شكرتم} . # يا بني اسرائيل نعمتي بالتوحيد والطاعة {لأزيدنكم} نعمة إلى نعمة، ~~ولأضاعفن لكم ما آتيتكم، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود، والشكر عبارة ~~عن الإعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة، ثم قد ~~يرتقي العبد عن تلك الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلا له عن الالتفات ~~إلى النعمة، ولاشك أن منبع السعادات وعنوان كل الخيرات محبة الله تعالى ~~ومعرفته، وأما الزيادة في النعمة فهي على قسمين: روحانية وجسمانية، فالأولى ~~هي أن الشاكر يكون أبدا في مطالعة أقسام نعمة الله تعالى، وأنواع فضله ~~وكرمه، وأما الثانية: فلأن الاستقراء دل على أن كل من كان اشتغاله بشكر نعم ~~الله أكثر كان وصول نعم الله إليه أكثر نسأل الله تعالى القيام بواجب شكر ~~النعمة حتى يزيدنا من فضله وكرمه وإحسانه، ويفعل ذلك بأهلينا وأحبابنا. ثم ~~إنه تعالى لما ذكر ما يستحقه الشاكر ذكر ما يستحقه مقابله بقوله تعالى: ~~{ولئن كفرتم} ، أي: جحدتم النعمة بالكفر والمعصية لأعذبنكم دل عليه {إن ~~عذابي لشديد} ، أي: لمن كفر نعمتي ولا يشكرها، ومن عادة أكرم الأكرمين أن ~~يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد، ولما بين موسى أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد ~~الخيرات في الدنيا والآخرة، والاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد ~~وحصول الآفات في الدنيا ms1381 والآخرة بين بعده أن منافع الشكر ومضار الكفران لا ~~تعود إلا إلى صاحب الشكر، وصاحب الكفران، وأما المعبود والمشكور فإنه متعال ~~عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران فلا جرم قال تعالى: # {وقال موسى إن تكفروا أنتم} يا بني اسرائيل {ومن في الأرض} وأكده بقوله ~~تعالى: {جميعا} ، أي: من الثقلين فإنما ضرر ذلك يعود على أنفسكم # PageV02P170 # وحرمتموها الخير كله {فإن الله لغني} عن جميع خلقه فلا يزداد بشكر ~~الشاكرين ولا ينقص بكفر الكافرين {حميد} ، أي: محمود في جميع أفعاله؛ لأنه ~~فيها متفضل عادل وقوله تعالى: # {ألم يأتكم} يا بني اسرائيل {نبأ} ، أي: خبر {الذين من قبلكم قوم نوح} ~~وكانوا ملء الأرض {و} نبأ {عاد} قوم هود وكانوا أشد الناس أبدانا {و} نبأ ~~{ثمود} قوم صالح وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور يحتمل أن ~~يكون من كلام موسى، أو كلام مبتدأ من الله تعالى لقوم محمد صلى الله عليه ~~وسلم وهو استفهام تقرير وقوله تعالى: {والذين من بعدهم} ، أي: بعد هؤلاء ~~الأمم الثلاثة {لايعلمهم إلا الله} فيه قولان؛ الأول أن يكون المراد لا ~~يعلم كنه مقاديرهم إلا الله تعالى؛ لأن المذكور في القرآن جملة، فأما ذكر ~~العدد والعمر والكيفية والكمية فغير حاصل، والقول الثاني: إن المراد ذكر ~~أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلا كذبوا رسلا لم نعرفهم أصلا ولا يعلمهم إلا ~~الله، ولذلك كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم ~~يدعون علم الأنساب إلى آدم عليه السلام، وقد نفى الله علمها عن العباد. وعن ~~ابن عباس أنه قال بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون، ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى: {وقرونا بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا ~~تتبيرا} (الفرقان: 38، 39) وقوله تعالى: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك} (غافر، 78) . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه كان في انتسابه لا ~~يجاوز معد بن عدنان بن أدر وقال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ~~وتعلموا من النجوم ما تستدلون به على ms1382 الطريق» . قال الرازي: والقول الثاني ~~أقرب. ولما {جاءتهم} ، أي: هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم {رسلهم ~~بالبينات} ، أي: الدلائل الواضحات والمعجزات الباهرات أتوا بأمور أولها ما ~~حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {فردوا} ، أي: الأمم {أيديهم في ~~أفواههم} وفي ذلك احتمالات: الأول: أن الكفار ردوا أيديهم في أفواههم ~~فعضوها غيظا مما جاءت به الرسل كقوله تعالى: {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} ~~(آل عمران، 119) . # والثاني: أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل ~~السخرية، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبه الضحك، ~~فيضع يده على فيه. # والثالث: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن ~~كفوا عن هذا الكلام، واسكتوا عن ذكر هذا الحديث. # والرابع: أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم ~~الكفر كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله تعالى: {وقالوا إنا كفرنا بما ~~أرسلتم به} أي: على زعمكم أي: أن هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطا لهم ~~من التصديق هذا هو الأمر الثاني الذي أتوا به، وقيل: الضمير في ردوا راجع ~~للرسل عليهم السلام، وفيه وجهان: # أحدهما أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوا وليقطعوا ~~الكلام. # والثاني: أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم، على أفواه ~~أنفسهم فإن من ذكر كلاما عند قوم وأنكروه وخافهم، فذلك المتكلم ربما وضع يد ~~نفسه على فم نفسه، وغرضه أن يعرفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكلام البتة، ~~والأمر الثالث: قولهم: {وإنا لفي شك مما} ، أي: شيء {تدعوننا} أيها الرسل ~~{إليه} ، أي: من الدين {مريب} ، أي: موجب الريبة، أي: موقع في الريبة ~~والشبهة والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر الذي # PageV02P171 # يشك فيه. فإن قيل: إنهم قالوا أولا: إنا كفرنا بما أرسلتم به، فكيف ~~يقولون ثانيا (وإنا لفي شك) والشك دون الكفر؟ أجيب: بأنهم لما صرحوا بكفرهم ~~بالرسل كلهم حصل لهم شبه توجب الشك لهم فقالوا: إن لم ندع الجزم واليقين في ~~كفرنا فلا أقل من ms1383 أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، وعلى التقديرين فلا ~~سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. ولما قال هؤلاء الكفار للرسل ذلك. # {قالت} لهم {رسلهم} مجيبين {أفي الله شك} ، أي: هل تشكون في الله؟ وهو ~~استفهام انكار، أي: لا شك في توحيده للدلائل الظاهرة عليه منها قوله تعالى: ~~{فاطر} ، أي: خالق {السموات والأرض} ، أي: وما فيهما من الأنفس والأرواح ~~والأرزاق، وقرأ أبو عمرو رسلهم هنا وفيما مر في {جاءتهم رسلهم} بإسكان ~~السين، والباقون بالرفع. ولما أقاموا الدليل على وجود الله تعالى وصفوه ~~بكمال الرحمة بقولهم: {يدعوكم} ، أي: إلى الإيمان ببعثنا وقولهم: {ليغفر ~~لكم} اللام متعلقة بيدعو، أي: لأجل غفران ذنوبكم كقوله: # *دعوت لما نالني مسورا # ... فلبى فلبى يدي مسور # ويجوز أن تكون معدية كقوله: دعوتك لزيد، والتقدير: يدعوكم إلى غفران ~~ذنوبكم وقوله: {من ذنوبكم} قال السيوطي: من زائدة فإن الإسلام يغفر به ما ~~قبله، أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد اه. أي: والمغفور لهم ما بينهم وبين ~~الله تعالى. قال الرازي: والعاقل لا يجوز له المصير إلى كلمة من كلام الله ~~تعالى بأنها زائدة من غير ضرورة اه. # وقال في «الكشاف» : ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين كقوله: ~~{واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم} (نوح: 3، 4) {يا قومنا أجيبوا داعي ~~الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم} (الأحقاف، 32) . وقال في خطاب ~~المؤمنين: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم} (الصف: 11، 12) # وغيرذلك مما يوقفك عليه الاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، وأن ~~لا يسوى بين الفريقين في المعاد اه. قال الرازي: وأما قول «الكشاف» فهو من ~~باب الظلمات؛ لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب، وإن لم ~~يحصل كان هذا الكلام فاسدا. {ويؤخركم} ، أي: ولا يفعل بكم فعل من تعهدون من ~~الملوك في المعاجلة في الإهلاك لمن خالفهم بل يؤخركم. {إلى أجل مسمى} ، أي: ~~إلى وقت قد سماه وبين مقداره يبلغكموه إن أنتم آمنتم به، وإلا عاجلكم ~~بالهلاك قبل ذلك الوقت إن أنتم ما آمنتم. فإن قيل: ms1384 أليس قال تعالى: {فإذا ~~جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (الأعراف، 34) # فكيف قال هنا: {ويؤخركم إلى أجل مسمى} (إبراهيم، 10) # أجيب: بأن الأجل على قسمين: معلق ومبرم.Y # {قالوا} ، أي: الأمم مجيبين للرسل. {إن} ، أي: ما {أنتم} أيها الرسل {إلا ~~بشر مثلنا} ، أي: لا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة دوننا ولو أرسل الله ~~تعالى إلى البشر رسلا لجعلهم من جنس، أي: من البشر في زعم القائلين أفضل، ~~وقول «الكشاف» : وهم الملائكة جار على مذهبه. {تريدون أن تصدونا عما كان ~~يعبد آباؤنا} ، أي: ما تريدون بقولكم هذا إلا صدنا عن آلهتنا التي كان ~~آباؤنا يعبدونها {فأتونا بسلطان مبين} ، أي: بحجة ظاهرة على صدقكم. ولما ~~حكى الله تعالى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة حكى عن الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام جوابهم عنها بقوله تعالى: # {قالت لهم رسلهم} مجيبين لهم {إن} ، أي: ما {نحن # PageV02P172 # إلا بشر مثلكم} كما قلتم، فسلموا أن الأمر كذلك لكنهم بينوا أن التماثل ~~في البشرية لا يمنع من اختصاص بعض بمنصب النبوة بقولهم {ولكن الله يمن} أي: ~~يتفضل {على من يشاء من عباده} بالنبوة والرسالة فيصطفي من يشاء من عباده ~~لهذا المنصب العظيم الشريف، كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} ~~(الأنعام، 124) # . {وما كان} ، أي: ما صح واستقام {لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} ، ~~أي: إلا بأمره؛ لأنا عبيد مربوبون فليس إلينا الاتيان بالآيات، ولا تستبد ~~به استطاعتنا حتى نأتيكم بما اقترحتموه، وإنما هو أمر متعلق بمشيئة الله ~~تعالى فله أن يخص كل نبي بنوع من الآيات. {وعلى الله فليتوكل} بأمر حتم ~~{المؤمنون} ، أي: يثقوا به فلا نخاف من تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم فإن ~~توكلنا على الله، واعتمادنا على فضل الله، فإن الروح متى كانت مشرفة ~~بالمعارف الإلهية مشرقة بأضواء علم الغيب قلما تبالي بالأحوال الجسمانية، ~~وقلما تقيم لها وزنا في حالتي السراء والضراء فلهذا توكلوا على الله، ~~وعولوا على فضله، وقطعوا أطماعهم عمن سواه، وعمموا الأمر للإشعار بما يوجب ~~التوكل وقصدوا به أنفسهم قصدا ms1385 أوليا ألا ترى إلى قولهم: # {وما لنا أن لا نتوكل على الله} ، أي: أي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه ~~{وقد هدانا سبلنا} ، أي: وقد عرفنا طريق النجاة وبين لنا الرشد، فإن من فاز ~~بشرف العبودية ووصل إلى مقام الإخلاص والمكاشفة يقبح عليه أن يرجع في أمر ~~من الأمور إلى غير الحق وفي هذه الآية دلالة على أنه تعالى يعصم أولياءه، ~~والمخلصين في عبوديته عن كيد أعدائهم ومكرهم. وقرأ أبو عمرو بسكون الباء ~~والباقون بالرفع، وكذلك لرسلهم سكن أبو عمرو السين ورفعها الباقون، ثم ~~قالوا: {ولنصبرن على ما آذيتمونا} فإن الصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات، ~~والحق لا بد وأن يصير غالبا قاهرا، والباطل لا بد وأن يصير مغلوبا مقهورا ~~ثم قالوا: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} . فإن قيل:، أي: فرق بين ~~التوكلين؟ أجيب: بأن الأول لاستحداث التوكل والثاني طلب دوامه،، أي: فليثبت ~~المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم المسبب عن إيمانهم. ولما حكى الله ~~تعالى عن الأنبياء عليهم السلام أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل ~~عليه والاعتماد على حفظه وحياطته حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة ~~بقوله تعالى: # {وقال الذين كفروا لرسلهم} مستهينين لمن قصروا التجاءهم عليه. {لنخرجنكم ~~من أرضنا} ، أي: التي لنا الآن الغلبة عليها. {أو لتعودن في ملتنا} ، أي: ~~حلفوا ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم أيها الرسل، وإما عودكم إلى ملتنا، ~~أي: ديننا. فإن قيل: قد يفهم هذا بظاهره أنهم كانوا على ملتهم قبل ذلك؟ ~~أجيب: بأن العود هنا بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية، لا ~~تكاد تسمعهم يستعملون صار ولكن عاد يقولون ما عدت أراه، عاد لا يكلمني، ما ~~عاد لفلان مال. وقد أجمعت الأمة على أن الرسل من أول الأمر إنما نشؤوا على ~~التوحيد لا يعرفون غيره ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ولمن آمن معه فغلبوا ~~الجماعات على الواحد، وقيل: {أو لتعودن في ملتنا} (الأعراف، 88) # إلى ما كنتم عليه قبل ادعاء الرسالة من السكوت عند ذكر معايبه وعدم ~~التعرض له ms1386 بالطعن والقدح. ولما ذكر الكفار هذا الكلام قال تعالى: {فأوحى ~~إليهم} ، أي: الرسل {ربهم} وقوله تعالى: {لنهلكن الظالمين} ، أي: الكافرين ~~حكاية تقتضي إضمار # PageV02P173 # القول أو أجرى الايحاء مجرى القول؛ لأنه ضرب منه. # {ولنسكننكم الأرض} ، أي: أرضهم {من بعدهم} ، أي: بعد هلاكهم ونظيره قوله ~~تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها} ~~(الأعراف، 137) # وقوله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم} (الأحزاب، 27) # . قال الزمخشري: وعن النبي صلى الله عليه وسلم «من آذى جاره ورثه الله ~~داره» . قال: ولقد عاينت هذا في مدة قريبة كان لي خال يظلمه عظيم القرية ~~التي أنا فيها ويؤذيني فيه فمات ذلك العظيم، وملكني الله ضيعته، فنظرت يوما ~~إلى أبناء خالي يترددون، منها ويأمرون وينهون فذكرت قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وحدثتهم به وسجدنا شكرا لله تعالى. {ذلك} ، أي: النصر وإيراث ~~الأرض {لمن خاف مقامي} ، أي: موقفي وهو موقف الحساب؛ لأن ذلك الموقف موقف ~~الله الذي يوقف فيه عباده يوم القيامة ونظيره {وأما من خاف مقام ربه} ~~(النازعات، 40) # وقوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرخمن، 46) # وقيل: {ذلك لمن خاف مقامي} (إبراهيم، 14) ، أي: خافني، فالمقام مقحم مثل ~~ما يقال: سلام على المجلس العالي والمراد السلام على فلان {وخاف وعيد} قال ~~ابن عباس: ما أوعدت من العذاب، وهذا يدل على أن الخوف من الله غير الخوف من ~~وعيده؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وفي تفسير قوله تعالى: # {واستفتحوا} قولان: أحدهما: طلب الفتح، أي: واستنصروا الله تعالى على ~~أعدائهم وهو كقوله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} (الأنفال، 19) # والثاني: الفتح الحكم والقضاء، أي: واستحكموا الله وسألوه القضاء بينهم، ~~وهو مأخوذ من الفتاحة، وهي الحكومة كقوله تعالى: {ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق} (الأعراف، 89) # . فعلى القول الأول المستفتح هم الرسل؛ لأنهم استنصروا الله ودعوا على ~~قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم. قال نوح: {رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا} (نوح، 26) # وقال موسى: {ربنا اطمس على أموالهم} (يونس، 88) # وقال لوط: {انصرني على القوم المفسدين} (العنكبوت، 30) # . وعلى القول الثاني: قال الرازي: ms1387 فالأولى أن يكون المستفتح هم الأمم ~~وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين، فعذبنا، ومنه قول كفار ~~{قريش: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} ~~(الأنفال، 32) # . وكقول آخرين: {ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} (العنكبوت، 29) # . {وخاب} ، أي: خسر وهلك {كل جبار} ، أي: متكبر عن طاعة الله، وقيل: هو ~~الذي لا يرى فوقه أحدا، وقيل: هو المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه، ~~واختلفوا في قوله تعالى: {عنيد} فقال مجاهد: معاند للحق ومجانبه. وقال ابن ~~عباس: هو المعرض عن الحق. وقال مقاتل: هو المتكبر. وقال قتادة: هو الذي ~~يأبى أن يقول لا إله إلا الله، وقيل: هو المعجب بما عنده. ولما حكم تعالى ~~على الكافر بالخيبة، ووصفه بكونه جبارا عنيدا وصف كيفية عذابه بأمور: ~~الأول: قوله تعالى: # {من ورائه} ، أي: أمامه {جهنم} ، أي: هو صائر إليها. قال أبو عبيدة: هو ~~من الأضداد وقال الشاعر: # *عسى الكرب الذي أمسيت فيه # ... يكون وراءه فرج قريب # ويقال أيضا: الموت وراء كل أحد. وقال تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا} (الكهف، 79) ، أي: أمامهم. وقال ثعلب: هو اسم لما توارى عنك ~~سواء كان خلفك أم قدامك، فيصح إطلاق لفظ الوراء على خلف وقدام. وقال ابن ~~الأنباري: وراء بمعنى بعد. قال الشاعر: وليس وراء الله للخلق مهرب. # ومعنى الآية على هذا: أن الكافر بعد الخيبة يدخل جهنم. # الأمر الثاني: ما ذكره تعالى بقوله: # PageV02P174 # {ويسقى} ، أي: في جهنم {من ماء صديد} وهو ما يسيل من جوف أهل النار ~~مختلطا بالقيح والدم جعل ذلك شراب أهل النار. وقال محمد بن كعب: هو ما يسيل ~~من فروج الزناة يسقاه الكافر. فإن قيل: علام عطف {ويسقى} ؟ أجيب: بأنه عطف ~~على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء صديد. # {يتجرعه} ، أي: يتكلف أن يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته وحرارته ونتنه {ولا ~~يكاد يسيغه} ، أي: ولا يقدر على ابتلاعه. قال الزمخشري: دخل كاد للمبالغة ~~يعني ولا يقارب أن ms1388 يسيغه فكيف تكون الإساغة؟ كقوله تعالى: {لم يكد يراها} ~~(النو، 40) ، أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها؟ فإن قيل: كيف الجمع على ~~هذا الوجه بين {يتجرعه} و {لا يكاد يسيغه} ؟ أجيب بجوابين: أحدهما: أن ~~المعنى ولا يسيغ جميعه كأنه يتجرع البعض وما أساغ الجميع. والثاني: إن ~~الدليل الذي ذكر إنما دل على وصول ذلك الشراب إلى جوف ذلك الكافر؛ لأن ذلك ~~ليس بإساغة؛ لأن الإساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق واستطابة المشروب، ~~والكافر يتجرع ذلك الشراب على كراهية ولا يسيغه، أي: لا يستطيبه ولا يشربه ~~شربا بمرة واحدة، وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة. # الأمر الثالث: ما ذكره تعالى بقوله تعالى: {ويأتيه الموت} ، أي: أسبابه ~~المقتضية له من أنواع العذاب {من كل مكان} ، أي: من سائر الجهات، وقيل: من ~~كل مكان من جسده حتى أصول شعره وإبهام رجله. {وما هو بميت} فيستريح. وقال ~~ابن جريج: تتعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكان ~~من جوفه فتنفعه الحياة. # الأمر الرابع: ما ذكره تعالى بقوله تعالى: {ومن ورائه} ، أي: ومن بين ~~يديه بعد ذلك العذاب {عذاب غليظ} ، أي: شديد كل وقت يستقبله أشد مما قبله، ~~وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. ولما ~~ذكر تعالى أنواع عذابهم بين بعده أن سائر أعمالهم تصير باطلة ضائعة، وذلك ~~هو الخسران الشديد بقوله تعالى: # {س14ش18/ش23 مثل الذين كفروا? بربهم? أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في ~~يوم عاصف? s يقدرون مما كسبوا? على شىء? ذالك هو الضلال البعيد * ألم تر أن ~~الله خلق السماوات وا?رض بالحق? إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذالك ~~على الله بعزيز * وبرزوا? لله جميعا فقال الضعفا?ؤا? للذين استكبرو?ا? إنا ~~كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شىء? قالوا? لو هد?انا ~~الله لهديناكم? سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص * وقال الشيطان ~~لما قضى ا?مر إن الله وعدكم وعد الحق ms1389 ووعدتكم فأخلفتكم? وما كان لى عليكم ~~من سلطان إ? أن دعوتكم فاستجبتم لى? ف تلومونى ولومو?ا? أنفسكم? مآ أنا? ~~بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخى? إنى كفرت بمآ أشركتمون من قبل? إن الظالمين لهم ~~عذاب أليم * وأدخل الذينءامنوا? وعملوا? الصالحات جنات تجرى من تحتها ~~ا?نهار خالدين فيها بإذن ربهم? تحيتهم فيها سلام} # {مثل} ، أي: صفة {الذين كفروا بربهم أعمالهم} ، أي: الصالحة كصدقة وصلة ~~رحم وفك أسير، وإقراء ضيف، وبر والد في عدم الانتفاع بها {كرماد اشتدت به ~~الريح في يوم عاصف} ، أي: شديد هبوب الريح، فجعلته هباء منثورا لا يقدر ~~عليه كما قال تعالى: {لا يقدرون} ، أي: الكفار يوم الجزاء {مما كسبوا} ، ~~أي: عملوا في الدنيا {على شيء} ، أي: لا يجدون لهم ثوابا لفقد شرطه وهو ~~الإيمان. وقرأ نافع (الرياح) بالجمع، والباقون بالإفراد. {ذلك} إشارة إلى ~~ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون {هو الضلال البعيد} ، أي: الخسران الكبير ~~لأن أعمالهم ضلت وهلكت فلا يرجى عودها. # تنبيه: في ارتفاع قوله تعالى: {مثل} أوجه: أحدها: وهو مذهب سيبويه أنه ~~مبتدأ محذوف الخبر تقديره فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وتكون الجملة ~~من قوله تعالى: {أعمالهم كرماد} مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف ~~مثلهم؟ فقيل أعمالهم كرماد. # والثاني: وهو مذهب الفراء التقدير: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، ~~فحذف المضاف اعتمادا على ذكره بعد المضاف إليه، وهو قوله تعالى: {أعمالهم} ~~ومثله قوله تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} ~~(الزمر، 60) # المعنى: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة. # الثالث: أن يكون التقدير: صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد كقوله: صفة # PageV02P175 # زيد عرضه مصون وماله مبذول. # الرابع: أن تكون أعمالهم بدلا من قوله: {مثل الذين كفروا} ، والتقدير مثل ~~أعمالهم وقوله تعالى: {كرماد} هو الخبر. وقيل: غير ذلك. وقوله تعالى: # {ألم تر} ، أي: تنظر خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، ~~وقيل: لكل واحد من الكفرة على الالتفات. {أن الله خلق السموات} على عظمها ~~وارتفاعها {والأرض} على تباعد أقطارها واتساعها، وقوله تعالى: {بالحق} ms1390 ، ~~أي: بالحكمة، والوجه الذي يحق أن تخلق عليه متعلق بخلق. وقرأ حمزة والكسائي ~~بألف بعد الخاء وكسر اللام، ورفع القاف، وخفض الأرض. والباقون بغير ألف بعد ~~الخاء، وفتح اللام والقاف، ونصب الأرض. {إن يشأ يذهبكم} أيها الناس {ويأت} ~~بدلكم {بخلق جديد} أطوع منكم، رتب ذلك على كونه خالق السموات والأرض ~~استدلالا به عليه، فإن من خلق أصولهم وما يتوقف عليه تخليقهم قدر أن يبدلهم ~~بخلق آخر، ولم يمتنع عليه كما قال تعالى: # {وما ذلك على الله بعزيز} ، أي: بممتنع، فإنه تعالى قادر بذاته، ولا ~~اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومن هذا شأنه كان حقيقا أن يؤمن به، ويعبد ~~رجاء ثوابه وخوفا من عقابه يوم الجزاء. ولما ذكر تعالى أصناف عذاب هؤلاء ~~الكفار، وذكر عقبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة ذكر كيفية مجادلتهم عند ~~تمسك أتباعهم بهم وكيفية افتضاحهم عندهم بقوله تعالى: # {وبرزوا} ، أي: الخلائق من قبورهم {لله جميعا} والتعبير فيه وفيما يأتي ~~بالماضي، وإن كان معناه الاستقبال لتحقق وقوعه؛ لأن كل ما أخبر الله تعالى ~~عنه فهو حق وصدق وكائن لا محالة، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود، ونظيره: ~~{ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} (الأعراف، 44) # تنبيه: البروز في اللغة الظهور بعد الاستتار، وهو في حق الله تعالى محال، ~~فلا بد من تأويله وهو من وجهين: # الأول: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش، ويظنون أن ذلك ~~خاف على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عن أنفسهم، وعلموا ~~أن الله تعالى لا تخفى عليه خافية. # الثاني: أنهم خرجوا من قبورهم، فبرزوا لحساب الله تعالى وحكمه. ثم حكى ~~الله تعالى؟ عنهم أن الضعفاء يقولون للرؤوساء هل تقدرون على دفع عذاب الله ~~تعالى عنا بقوله تعالى: {فقال الضعفاء} ، أي: الأتباع جمع ضعيف يريد به ~~ضعفاء الرأي {للذين استكبروا} ، أي: المتبوعين الذين طلبوا الكبر، وادعوه ~~فاستغووهم به حتى تكبروا على الرسل، وقوله تعالى: {إنا كنا لكم تبعا} يصح ~~أن يكون مصدرا نعت به للمبالغة، أو على إضمار مضاف وأن يكون ms1391 جمع تابع، أي: ~~تابعين لكم في تكذيب الرسل، فكنتم سبب ضلالنا، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع ~~عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم {فهل أنتم} ، أي: في هذا اليوم ~~{مغنون} ، أي: دافعون {عنا من عذاب الله} ، أي: من انتقامه {من شيء} فإن ~~قيل: فما الفرق بين من في عذاب الله وبين من في شيء؟ أجيب: بأن الأولى ~~للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو ~~من بعض عذاب الله؟ ويجوز أن يكونا للتبعيض معا بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض ~~شيء هو بعض عذاب الله، وعند هذا حكى الله تعالى عن الذين استكبروا أنهم ~~قالوا: {لو هدانا الله} ، أي: الذي له صفات الكمال {لهديناكم} ، أي: لو ~~أرشدنا الله تعالى لارشدناكم، ودعوناكم إلى الهدى، ولكنه لم يهدنا، فضللنا # PageV02P176 # وكنتم لنا تبعا فأضللناكم، ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع قالوا: ~~{سواء علينا} ، أي: نحن وأنتم {أجزعنا أم صبرنا} ، أي: مستو علينا الجزع ~~والصبر، والجزع أبلغ من الحزن؛ لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه عنه ~~{ما لنا من محيص} ، أي: منجى ومهرب مما نحن فيه من العقاب. # تنبيه: يحتمل أن يكون هذا من كلام المتبوعين، وأن يكون كلام الفريقين، ~~ويؤيد الثاني ما روي أنهم يقولون في النار: تعالوا نجزع فيجزعون خمسمئة عام ~~فلا ينفعهم الجزع، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمئة عام فلا ينفعهم ~~الصبر، فعند ذلك يقولون ذلك. وقال محمد بن كعب القرظي: بلغني أن أهل النار ~~استغاثوا بالخزنة كما قال الله تعالى: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ~~ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} (غافر، 49) # فردت الخزنة عليهم: {أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى} (غافر، ~~50) # فردت الخزنة عليهم: {ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} (غافر، 50) # فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا: {يا مالك ليقض علينا ربك} (الزخرف، 77) # سألوا الموت فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما واليوم ~~{كألف سنة مما تعدون} (الحج، 47) # ثم يجيبهم بقوله: {إنكم ما كثون} . فلما أيسوا مما عنده، ms1392 قال بعضهم لبعض ~~ذلك. ولما ذكر تعالى المناظرة التي وقعت بين الرؤوساء والأتباع من كفرة ~~الإنس أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه بقوله تعالى: # {وقال الشيطان} الذي هو أول المتبوعين في الضلال ورأس المضلين ~~والمستكبرين {لما قضي الأمر} ، أي: أحكم وفرغ منه، وأدخل أهل الجنة الجنة ~~وأهل النار النار أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه وتوبيخه، فيقوم فيهم ~~خطيبا. قال مقاتل: يوضع له منبر من نار، فيجتمع أهل النار إليه يلومونه، ~~فيقول لهم ما أخبر الله تعالى بقوله: {إن الله وعدكم وعد الحق} ، أي: ~~بالبعث والجزاء على الأعمال فصدقكم {ووعدتكم} أن لا جنة ولا نار ولا حشر ~~ولا حساب {فأخلفتكم} ، أي: الوعد، فلم أقل شيئا إلا كان زيفا، فاتبعتموني ~~مع كوني عدوكم، وتركتم ربكم وهو وليكم. # تنبيه: في الآية إضمار من وجهين: الأول: أن التقدير: إن الله وعدكم الحق ~~فصدقكم كما تقدم تقريره، ووعدتكم فأخلفتكم، وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على ~~صدق ذلك الوعد لأنهم كانوا يشاهدونها، وليس وراء العيان بيان؛ ولأنه ذكر في ~~وعد الشيطان الإخلاف، فدل ذلك على الصدق في وعد الله تعالى. # الثاني: أن قوله: {ووعدتكم فأخلفتكم} الوعد يقتضي مفعولا ثانيا، وحذف هذا ~~للعلم به، والتقدير: ووعدتكم أن لا جنة ولا نار، ولا حشر ولا حساب كما ~~تقرر، ولما بين غروره بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال: {وما كان ~~لي عليكم من سلطان} ، أي: سلطان، فمن مزيدة، أي: قوة وقدرة أقهركم على ~~الكفر والمعاصي، وألجئكم على متابعتي وقوله: {إلا أن دعوتكم} استثناء ~~منقطع، قال النحويون: لأن الدعاء ليس من جنس السلطان، فمعناه: لكن دعوتكم ~~{فاستجبتم لي} محكمين الشهوات؛ لأن النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية، ~~ولا يتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية والله يدعو إليها ~~يرغب فيها كما قال: {والآخرة خير وأبقى} . # قال الرازي: وعندي أنه يمكن أن يقال كلمة إلا ههنا استثناء حقيقي، لأن ~~قدرة الإنسان على حمل الغير # PageV02P177 # على عمل من الأعمال تارة تكون بالقهر والقسر، وتارة تكون بتقوية الداعية ~~في ms1393 قلبه بإلقاء الوساوس إليه، فهذا نوع من أنواع التسليط اه. ثم قال لهم: ~~{فلا تلوموني} ، أي: لأنه ما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة {ولوموا ~~أنفسكم} ؛ لأنكم سمعتم دلائل الله تعالى وجاءتكم الرسل، فكان من الواجب ~~عليكم أن لا تلتفتوا إلي، ولا تسمعوا قولي، فلما رجحتم قولي على الدلائل ~~الظاهرة كان اللوم بكم أولى بإجابتي ومتابعتي من غير حجة ولا دليل. # فإن قيل: لم قال الشيطان: {فلا تلوموني} وهو ملوم بسبب إقدامه على تلك ~~الحالة والوسوسة الباطلة؟ أجيب: بأنه أراد لا تلوموني على فعلكم ولوموا ~~أنفسكم عليه؛ لأنكم عدلتم عما توجه من هداية الله تعالى لكم. ثم قال تعالى ~~حكاية عن الشيطان أنه قال: {ما أنا بمصرخكم} ، أي: بمغيثكم فيما يخصكم من ~~العذاب، فأزيل صراخكم منه. {وما أنتم بمصرخي} ، أي: بمغيثي فيما يخصني منه. ~~وقرأ ما عدا حمزة بفتح الياء مع التشديد، وقرأ حمزة بكسر الياء مع التشديد ~~على الأصل في إلتقاء الساكنين؛ لأن ياء الإعراب ساكنة، وياء المتكلم أصلها ~~السكون، فلما التقيا كسرت لالتقاء الساكنين.I # قال البيضاوي: وهو أصل مرفوض في مثله لما فيه من اجتماع ياءين وثلاث ~~كسرات مع حركة ياء الإضافة اه. فقوله: أصل مرفوض، أي: متروك عند النحاة، ~~وإلا فهو قراءة متواترة عند القراء، فيجب المصير إليها؛ لأنها وردت من رب ~~العالمين على لسان سيد المرسلين. # وقول الفراء: ولعلها من وهم القراء، فإنه قل من سلم منهم من الوهم ممنوع، ~~فقد قال أبو حيان: هي قراءة متواترة نقلها السلف، واقتفى آثارهم فيها ~~الخلف، فلا يجوز أن يقال فيها: إنها خطأ أو قبيحة أو رديئة، وقد نقل جماعة ~~من أهل اللغة أنها لغة لكن قل استعمالها، ونص قطرب على أنها لغة في بني ~~يربوع، ونص على أنها صواب أبو عمرو بن العلاء، لما سئل عنها، والقاسم بن ~~معن من روؤساء الكوفيين. قال الله تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: {إني ~~كفرت بما أشركتموني من قبل} ، أي: كفرت اليوم باشراككم إياي من قبل هذا ~~اليوم، أي: في الدنيا ms1394 كقوله تعالى: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} (فاطر، ~~14) # ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله تعالى: {إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} (الممتحنة، 4) # . وروى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الشفاعة «يقول: عيسى ذلك النبي الأمي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم ~~فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل في نورا من ~~شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول الكفار قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن ~~يشفع لنا فيقولون: ما هو غير الشيطان هو الذي أضلنا فيأتونه فيقولون: قد ~~وجد المؤمنون من يشفع لهم قم أنت فاشفع لنا فإنك أضللتنا، فيقوم فيثور من ~~مجلسه أنتن ريح شمها أحد، ثم يعظم لهبهم ويقول عند ذلك: {إن الله وعدكم وعد ~~الحق} الآية» . # قال في «الكشاف» : وقوله {إن الظالمين} ، أي: الكافرين {لهم عذاب أليم} ، ~~أي: مؤلم من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس، وإنما حكى ~~الله تعالى ما سيقوله في ذلك الوقت؛ ليكون لطفا للسامعين في النظر لعاقبتهم ~~والاستعداد لما لا بد لهم من الوصول إليه، وأن يتصوروا في أنفسهم ذلك ~~المقام الذي يقول فيه الشيطان # PageV02P178 # ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم. ولما بالغ سبحانه ~~وتعالى في شرح حال الأشقياء من الوجوه الكثيرة شرح أحوال السعداء، وما أعد ~~لهم من الثواب العظيم والأجر الجزيل، وذلك أن الثواب منفعة خالصة دائمة ~~مقرونة بالتعظيم، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى: # {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} وكونها ~~دائمة أشير إليها بقوله تعالى: {خالدين فيها} وهو حال مقدرة، والتعظيم حصل ~~لهم من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: {بإذن ربهم} ؛ لأن تلك المنافع إنما ~~كانت تفضلا من الله تعالى وإنعاما. والثاني: قوله تعالى: {تحيتهم فيها ~~سلام} ؛ لأن بعضهم يحيى بعضا بهذه الكلمة والملائكة يحيونهم بها كما قال ~~تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} (الرعد: 23، 24) # والرب ms1395 يحييهم أيضا بهذه التحية كما قال تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} ~~(يس، 58) # ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما دخلوا الجنة سلموا من جميع آفات الدنيا ~~وحسراتها وفنون آلامها وأسقامها وأنواع همومها وغمومها؛ لأن السلام مشتق من ~~السلامة. ولما شرح سبحانه تعالى أحوال الأشقياء، وأحوال السعداء ذكر مثلا ~~يبين الحال في حكم هذين القسمين بقوله تعالى: # {ألم تر} ، أي: تنظر، والخطاب يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ويدخل معه غيره، وأن يكون لكل فرد من الناس، أي: ألم تر أيها الإنسان {كيف ~~ضرب الله} ، أي: المحيط بكل شيء علما وقدرة {مثلا} سيره بحيث يعم نفعه، ~~والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول، ثم بينه بقوله تعالى: {كلمة ~~طيبة} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي لا إله إلا الله. {كشجرة طيبة} قال ~~ابن مسعود وأنس: هي النخلة. وعن ابن عباس: هي شجرة في الجنة. وعن ابن عمر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «إن الله تعالى ضرب مثل ~~المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟ قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي وكنت ~~صبيا فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أقولها وأنا صغير القوم» . وروي: فمنعني مكان عمر فاستحييت فقال له عمر: يا ~~بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم، ثم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «ألا إنها النخلة» . قيل: الحكمة في تشبيه الإنسان بالنخلة من ~~بين سائر الأشجار أن النخلة أشبه به من حيث إنها إذا قطع رأسها يبست وسائر ~~الأشجار يتشعب من جوانبها بعد قطع رأسها، وأنها تشبه الإنسان بحيث أنها لا ~~تحمل إلا باللقاح؛ لأنها خلقت من فضلة طينة آدم عليه السلام ولذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم «أكرموا عمتكم قيل: ومن عمتنا؟ قال: النخلة» . {أصلها ثابت} ~~، أي: في الأرض {وفرعها} ، أي: غصنها {في السماء} ، أي: في جهة العلو ~~والصعود ولم يرد المظلة كقولك في الجبل: طويل في السماء تريد ms1396 ارتفاعه ~~وشموخه. {تؤتي} ، أي: تعطي. {أكلها} ، أي: ثمرها # {كل حين بإذن ربها} ، أي: بإرادته، والحين في اللغة الوقت يطلق على ~~القليل والكثير، واختلفوا في مقدار هذا، فقال مجاهد: الحين هنا سنة كاملة؛ ~~لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة. وقال قتادة: ستة أشهر يعني من حين طلعها ~~إلى وقت صرامها. وقال الربيع: كل حين يعني كل غدوة وعشية؛ لأن ثمر النخل ~~يؤكل # ليلا ونهارا وصيفا وشتاء، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح والخلال ~~والبسر والمنصف والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى # PageV02P179 # حين الطري الرطب، فأكلها دائم في كل وقت. # قال العلماء: ووجه الحكمة في تمثيل كلمة الإخلاص بالشجرة؛ لأن الإيمان ~~ثابت في قلب المؤمن كثبوت أصل هذه الشجرة في الأرض، وعمله يصعد إلى السماء ~~كما قال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (فاطر، 10) # فكذلك فرع هذه عال في السماء، وتنال بركته وثوابه كل وقت، والمؤمن كلما ~~قال: لا إله إلا الله، صعدت إلى السماء، وجاءه بركتها وخيرها وثوابها ~~ومنفعتها؛ ولأن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل قائم، ~~وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق القلب، وقول اللسان، ~~وعمل الأبدان، ثم نبه تعالى على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم ~~المراد منه فيلزم فقال: {ويضرب الله} ، أي: الذي له الإحاطة الكاملة ~~{الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} ، أي: يتعظون، فإن في ضرب الأمثال زيادة ~~إفهام، وتذكير وتصوير للمعاني العقلية، فيحصل الفهم التام والوصول إلى ~~المطلوب. ولما ذكر مثل حال السعداء أتبعه بمثل حال الأعداء فقال: # {ومثل كلمة خبيثة} هي كلمة الكفر {كشجرة خبيثة} هي الحنظل وقيل: الثوم، ~~وقيل: الكشوث بمثلثة في آخره. قال الجوهري: نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير ~~أن يضرب بعرق في الأرض قال الشاعر: # *هي الكشوث لا أصل ولا ورق # ... ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر # وقيل شجرة الشوك {اجتثت} ، أي: استؤصلت {من فوق الأرض} ، أي: عروقها ~~قريبة منه {ما لها من قرار} ، أي: أصل ولا عرق، فكذلك الكفر بالله ms1397 تعالى ~~ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة. وعن عبادة أنه قيل لبعض العلماء: ما تقول في ~~{كلمة خبيثة} ؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا إلا ~~أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها يوم القيامة. ولما وصف الله سبحانه ~~وتعالى الكلمة الطيبة في الآية المتقدمة أخبر بقوله تعالى: # {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} أنه تعالى يثبتهم بها {في الحياة ~~الدنيا} ، أي: في القبر، وقيل: قبل الموت {وفي الآخرة} ، أي: يوم القيامة ~~عند البعث والحساب، وقيل: في القبر على القول الثاني. ولما وصف الكلمة ~~الخبيثة في الآية المتقدمة أخبر بقوله تعالى: {ويضل الله الظالمين} ، أي: ~~الكفار أنه تعالى لا يهديهم للجواب الصواب {ويفعل الله ما يشاء} ، أي: إن ~~شاء هدى، وإن شاء أضل لا اعتراض عليه. وروي عن البراء بن عازب ان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله فذلك قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت} » . وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ~~إذا وضع في القبر وتولى عنه أصحابه يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه ~~فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد صلى الله عليه وسلم فأما ~~المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من ~~النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيراهما جميعا» قال قتادة: ذكر لنا أنه يفسح له في قبره ثم رجع إلى حديث ~~أنس. قال: «وأما المنافق أو الكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ ~~فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه. فيقال: ما دريت ولا تليت، ثم ~~يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير # PageV02P180 # الثقلين» . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا جنازة مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلما ms1398 فرغنا من دفنها وانصرف الناس قال: «إنه الآن يسمع ~~خفق نعالكم أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي ~~البقر، وأصواتهما مثل الرعد فيجلسانه فيسألانه ما كان يعبد ومن نبيه؟ فإن ~~كان ممن يعبد الله تعالى قال: كنت أعبد الله ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم ~~جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه فذلك قوله # تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة} فيقال له: على اليقين حييت وعليه مت وعليه تبعث، ثم يفتح له باب ~~إلى الجنة ويوسع له في حفرته، وإن كان من أهل الشك قال: لا أدري سمعت الناس ~~يقولون شيئا فقلته فيقال له: على الشك حييت وعليه مت وعليه تبعث، ثم يفتح ~~له باب إلى النار ويسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخ أحدهم في الدنيا ما ~~أنبتت شيئا، فتنهشه وتؤمر الأرض فتنضم عليه حتى تختلف أضلاعه» . فنسأل الله ~~الثبات لنا ولوالدينا ولأحبابنا في الدنيا والآخرة إنه كريم جواد. ثم إنه ~~تعالى عاد إلى وصف الكافرين فقال: # {ألم تر} ، أي: تنظر، وفي المخاطب ما تقدم {إلى الذين بدلوا} والتبديل ~~جعل الشيء مكان غيره {نعمة الله} ، أي: التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد ~~ومن جميع النعم الدنيوية وتيسير الرزق وغير ذلك بأن جعلوا مكان شكرها ~~{كفرا} وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان، وأعلاهم همما في الوفاء وأبعدهم ~~عن الجفاء {وأحلوا} ، أي: أنزلوا {قومهم} ، أي: الذين تابعوهم في الكفر ~~بإضلالهم إياهم {دار البوار} ، أي: الهلاك مع إدعائهم أنهم أذب الناس عن ~~الجار فضلا عن الأهل. روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة، وقوله ~~تعالى: # {جهنم} عطف بيان {يصلونها} ، أي: يدخلونها {وبئس القرار} ، أي: المقر هي. # {وجعلوا لله} ، أي: الذين يعلمون أنه لا شريك له في خلقهم ولا رزقهم؛ لأن ~~له الكمال كله {أندادا} ، أي: شركاء، وقوله تعالى: {ليضلوا عن سبيله} ، أي: ~~دين الإسلام، فيه قراءتان: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء من ضل، يضل ~~والباقون بضم الياء من أضل يضل، وليس الضلال ms1399 ولا الإضلال غرضهم في اتخاذ ~~الأنداد لكن لما كان نتيجته جعل كالغرض. ولما حكى الله تعالى عنهم هذه ~~الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل} ، ~~أي: تهديدا لهم، فإنهم لا يشكون في قولك وإن عاندوا {تمتعوا} بدنياكم قليلا ~~{فإن مصيركم} ، أي: مرجعكم {إلى النار} في الآخرة، ولما أمر الله تعالى ~~الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا، أمر المؤمنين ~~بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال بقوله تعالى: # {قل لعبادي} فوصفهم بأشرف أوصافهم، وأضافهم إلى ضميره الشريف تحببا لهم ~~فيه، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم بقوله تعالى: {الذين ~~آمنوا} ، أي: أوجدوا هذا الوصف {يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم} فيه ~~وجهان: أحدهما: يصح أن يكون جوابا بالأمر محذوف تقديره قل لعبادي الذين ~~آمنوا: أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. والثاني: يصح أن يكون ~~هو أمرا مقولا محذوفا منه اللام، أي: ليقيموا ليصح تعلق القول بهما، وإنما ~~حسن ذلك هاهنا ولم يحسن في قوله: # PageV02P181 # *محمد تفد نفسك كل نفس # ... إذا ما خفت من شيء تبالا # أي تبالى به، أي: تكثرت به لدلالة قل عليه: {سرا وعلانية} ، أي: ينفقون ~~أموالهم في حال السر والعلانية، وقيل: المراد بالسر صدقة التطوع، ~~وبالعلانية إخراج الزكاة الواجبة. # تنبيه: في انتصاب سرا وعلانية وجوه: أحدها: أن يكون على الحال، أي: ذوي ~~سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين. والثاني: على الظرف، أي: وقت سر وعلانية. ~~وثالثها: على المصدر، أي: إنفاق سر وإنفاق علانية. ولما أمرهم الله تعالى ~~بإقامة الصلاة والإنفاق أشار إلى عدم التهاون بذلك بقوله عز وجل: {من قبل ~~أن يأتي يوم} ، أي: عظيم جدا ليس كشيء من الأيام التي تعرفونها {لا بيع ~~فيه} ، أي: فيشتري المقصر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه {ولا خلال} ~~، أي: مخالة، أي: صداقة تنفع في ذلك اليوم. # قال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة، فكأنه ~~تعالى يقول: أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ms1400 ثواب ذلك الإنفاق في مثل ~~هذا اليوم الذي لا يحصل فيه مبايعة ولا مخالة، ونظير هذه الآية قوله تعالى ~~في سورة البقرة: {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} (البقرة، 254) # . فإن قيل: كيف نفى الله تعالى المخالة في هاتين الآيتين مع أنه تعالى ~~أثبتها في قوله تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} ~~(الزخرف، 67) # أجيب: بأن الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل ~~الطبع ورغبة النفس، والآية الدالة على حصول المخالة محمولة على حصول ~~المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى. ولما طال الكلام ~~في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، وكانت العمدة العظمى والمنزلة ~~الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته، وفي حصول الشقاوة ~~فقدان ذلك ختم تعالى أحوال الفريقين بقوله تعالى: # {الله} ، أي: الملك الأعلى المحيط بكل شيء، ثم اتبعه بالدلائل الدالة على ~~وجوده وكمال علمه وقدرته، وذكر هنا عشرة أنواع من الدلائل: أولها: قوله ~~تعالى: {الذي خلق السموات} وثانيها: قوله تعالى: {والأرض} وهما أكبر خلقا ~~منكم وأعظم شأنا. وثالثها قوله تعالى: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم} تعيشون به وهو يشمل المطعوم والملبوس. # تنبيه: الله مبتدأ، وخبره الذي خلق، ورزقا مفعول لأخرج، ومن الثمرات بيان ~~له حال منه، ويصح أن يكون المراد بالسماء هنا السحاب اشتقاقا من السمو ~~والارتفاع، وأن يكون الجرم المعهود فينزل من السماء إلى السحاب، ومن السحاب ~~إلى الأرض، وقد ذكرت ذلك في سورة البقرة، وفي غيرها، ورابعها قوله تعالى: ~~{وسخر لكم الفلك} ، أي: السفن {لتجري في البحر} ، أي: بالركوب والحمل ~~{بأمره} ، أي: بمشيئته وإرادته، وخامسها: قوله تعالى: {وسخر لكم الأنهار} ، ~~أي: ذللها لكم تجرونها حيث شئتم؛ لأن ماء البحر لا ينتفع به في سقي الزروع ~~والثمرات ولا في الشراب فكان ذلك نعمة من الله تعالى، وسادسها وسابعها: ~~قوله تعالى: # {وسخر لكم الشمس والقمر} حال كونهما {دائبين} ، أي: جاريين في فلكهما لا ~~يفتران في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إنارة الظلمة، وإصلاح النبات ms1401 ~~والحيوان إلى آخر الدهر، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها، والشمس سلطانها ~~النهار، وبها تعرف فصول السنة، وهي أفضل من القمر لكثرة نفعها، والقمر ~~سلطانه الليل، وبه يعرف انقضاء # PageV02P182 # الشهور، وكل ذلك بتسخير الله تعالى وإنعامه، وثامنها وتاسعها: قوله ~~تعالى: {وسخر لكم الليل والنهار} يتعاقبان فيكم بالضياء والظلمة، والزيادة ~~والنقصان، وذلك من نعم الله تعالى على عباده حيث جعل لهم الليل ليسكنوا ~~فيه، والنهار ليبتغوا فيه من فضله. وعاشرها: قوله تعالى: # {وآتاكم من كل ما سألتموه} ، أي: مما أنتم محتاجون إليه على حسب مصالحكم، ~~فأنتم سألتموه بالقوة. ولما ذكر سبحانه وتعالى بعض ما أنعم به على عباده ~~بين أن العبد عاجز عن حصرها وعدها بقوله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها} ، أي: لا تحيطوا بها ولا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها هذا إذا أرادوا ~~أن يعدوها على الإجمال، وأما على التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله ~~تعالى. {إن الإنسان} ، أي: الكافر، وقال ابن عباس: يريد أبا جهل. {لظلوم} ، ~~أي: كثير الظلم لنفسه {كفار} ، أي: كفور لنعم ربه، وقيل: ظلوم في الشدة ~~يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع. فإن قيل: لم قال تعالى هنا {إن ~~الإنسان لظلوم كفار} وفي النحل: {إن الله لغفور رحيم} (النحل، 18) # أجيب: بأنه تعالى يقول للعبد: إذاحصلت لك النعم الكثيرة فأنت الذي أخذتها ~~وأنا الذي أعطيتها فحصل لك عند أخذها وصفان، وهما كونك ظلوما كفارا، ولي ~~وصفان عند إعطائها وهما كوني غفورا رحيما، والمقصود كأنه يقول: إن كنت ~~ظلوما فأنا غفور وإن كنت كفارا فأنا رحيم أعلم عجزك وتقصيرك فلا أقابل ~~تقصيرك، إلا بالتوقير ولا أجازي جزاءك إلا بالوفاء، ونسأل الله حسن ~~والعاقبة والرحمة. ولما بين الله تعالى بالدلائل المتقدمة لأن لا معبود إلا ~~الله سبحانه وتعالى وأنه لا تجوز عبادة غير الله البتة، حكي عن إبراهيم ~~عليه السلام مبالغة في إنكاره عبادة الأوثان بقوله تعالى: # {وإذ} ، أي: واذكر لهم مذكرا بأيام الله خبر إبراهيم إذ {قال إبراهيم رب} ~~، أي: المحسن إلي بإجابة دعائي {اجعل ms1402 هذا البلد} ، أي: مكة {آمنا} ، أي: ذا ~~أمن، وقد أجاب الله تعالى دعاءه، فجعله حرما لا يسفك فيه دم إنسان، ولا ~~يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه. فإن قيل:، أي: فرق بين قوله: ~~{اجعل هذا بلدا آمنا} (البقرة، 126) # وبين قوله: {اجعل هذا البلد آمنا} (إبراهيم، 35) # بأن المسؤول في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا ~~يخافون، وفي الثاني: أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها، وهي الخوف ~~ويجعل لها تلك الصفة، وهي الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا. # فإن قيل: كيف أجاب الله تعالى دعاءه مع أن جماعة من الجبابرة قد أغاروا ~~عليها وأخافوا أهلها؟ أجيب: بجوابين: أحدهما: أن إبراهيم عليه السلام لما ~~فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب، ~~وهذا موجود بحمد الله تعالى فلم يقدر أحد على إخراب مكة. فإن قيل: يرد على ~~هذا ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من ~~الحبشة» ؟ أجيب: بأن قوله تعالى: {اجعل هذا البلد} (إبراهيم، 35) # يعني إلى قرب يوم القيامة وخراب الدنيا فهو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين، ~~فلا تعارض بين النصين، والجواب الثاني: أن المراد جعل أهلها آمنين كقوله ~~تعالى: {واسأل القرية} (يوسف: 82) ، أي: أهلها وهذا الجواب عليه أكثر ~~المفسرين، وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم كما أخبر الله ~~تعالى بقوله: {ويتخطف الناس من حولهم} (العنكبوت، 67) # وأهل مكة آمنون من ذلك حتى أن # PageV02P183 # من التجأ إلى مكة أمن على نفسه وماله، وحتى أن الوحوش إذا كانت خارجة ~~الحرم استوحشت، وإذا كانت داخلة الحرم استأنست؛ لعلمها أنه لا يهجيها أحد ~~في الحرم، وهذا القدر من الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها {واجنبني} ، أي: ~~بعدني {وبني أن} ، أي: عن أن {نعبد الأصنام} ، أي: اجعلنا في جانب غير جانب ~~عبادتها. # فإن قيل: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون فما الفائدة في قوله: ~~{واجنبني} عن عبادة الأصنام؟ أجيب: بأنه عليه ms1403 الصلاة والسلام إنما سأل ذلك ~~هضما لنفسه، وإظهارا للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب، وفي ذلك ~~دليل على أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله تعالى وحفظه إياهم. فإن قيل: كان ~~كفار قريش من أبنائه مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام فكيف أجيب دعاؤه؟ أجيب: ~~بأن المراد من كان موجودا حال الدعاء، ولا شبهة أن دعوته كانت مجابة فيهم، ~~أو أن هذا الدعاء مخصوص بالمؤمنين من أولاده، والدليل عليه أنه قال عليه ~~السلام في آخر الآية: {فمن تبعني فإنه مني} (إبراهيم، 36) # وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه، ونظيره قوله تعالى: ~~{إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} (هود، 46) ، والصنم المنحوت على خلقة ~~البشر وما كان منحوتا على غير خلقة البشر فهو وثن، قاله الطبري. ولذا لما ~~سئل ابن عيينة كيف عبدت العرب الأصنام؟ فقال: ما عبد أحد من بني إسماعيل ~~صنما، واحتج بقوله تعالى: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} (إبراهيم، 35) # وإنما كانت أنصاب الحجارة لكل قوم قالوا: البيت حجر فحينما نصبنا حجرا ~~فهو بمنزلة البيت فكانوا يدورون بذلك الحجر، أي: يطوفون به أسابيع تشبيها ~~بالكعبة، ويسمونه الدوار بضم الدال مشددة، وقد تفتح، قال الجوهري: دوار ~~بالضم صنم وقد تفتح فاستحب أن يقال طاف بالبيت، ولا يقال دار بالبيت. قال ~~الرازي: وهذا الجواب ليس بقوي؛ لأنه عليه السلام لا يجوز أن يريد بهذا ~~الدعاء إلا عبادة غير الله، والحجر كالصنم في ذلك. ثم حكى الله تعالى عن ~~إبراهيم أنه قال: # {رب إنهن} ، أي: الأصنام {أضللن كثيرا من الناس} بعبادتهم لها. # تنبيه: اتفق كل الفرق على أن قوله: أضللن مجاز؛ لأنها جمادات، والجماد ~~لايفعل شيئا البتة إلا أنه لما حصل عند عبادتها أضيف إليها كما تقول: ~~فتنتهم الدنيا وغرتهم، أي: افتتنوا بها واغتروا بسببها ثم قال: {فمن تبعني} ~~، أي: على التوحيد {فإنه مني} ، أي: فإنه جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه وقربه ~~مني {ومن عصاني} ، أي: في غير الدين {فإنك غفور رحيم} وهذا صريح في طلب ~~الرحمة والمغفرة ms1404 لأولئك العصاة، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام ثبت حصولها في حق محمد صلى الله عليه وسلم لأنه مأمور ~~بالإقتداء به كما قال تعالى: {واتبع ملة إبراهيم} (النساء، 125) # وقيل: إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم إبراهيم أن الله لايغفر الشرك، ~~وقيل: إنك قادر أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام، وقيل: ~~المراد من هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب، فلا يمهلهم حتى يتوبوا، قال ~~الرازي: واعلم أن هذه الأوجه ضعيفة، وارتضى ما تقرر أولا. # تنبيه: حكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه ~~طلب من الله تعالى سبعة أمور: الأول: طلب من الله تعالى نعمة الأمان، وهو ~~(رب اجعل هذا البلد آمنا) المطلوب الثاني: أن يرزقه الله تعالى التوحيد ~~ويصونه عن الشرك وهو قوله: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} المطلوب # PageV02P184 # الثالث قوله: # {ربنا إني أسكنت من ذريتي} (إبراهيم، 37) ، أي: بعض ذريتي أو ذرية من ~~ذريتي، فحذف المفعول على هذا القول، وهم إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه ~~متضمن لإسكانهم {بواد} هو وادي مكة المشرفة لكونه في فضاء منخفض بين جبال ~~تجري فيه السيول {غير ذي زرع} ، أي: لايكون فيه من الزرع قط، فإنه حجري لا ~~ينبت كقوله تعالى: {قرآنا عربيا غير ذي عوج} (الزمر، 28) # بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج {عند بيتك المحرم} ، أي: الذي حرمت التعرض له، ~~والتهاون به، وجعلت ما حوله حرما لمكانه؛ أو لأنه لم يزل ممنعا عزيزا يهابه ~~كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب؛ أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا ~~يحل انتهاكه؛ أو لأنه حرم على الطوفان، أي: منع منه كما سمي عتيقا؛ لأنه ~~أعتق منه فلم يستول عليه، أو لأنه أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم ~~أشياء كانت تحل لهم من قبل، أو لأنه حرم موضع البيت حين خلق السموات ~~والأرض، وحفه بسبعة أملاك، وهو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم فرفع إلى ~~السماء السادسة، وروي أن هاجر كانت أمة ms1405 لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام ~~فولدت منه إسماعيل، فقالت سارة: كنت أريد أن يهب الله لي ولدا من خليله ~~فمنعنيه ورزقه خادمتي، وغارت عليهما، وقالت لإبراهيم: بعدهما مني وناشدته ~~بالله أن يخرجهما من عندها، فنقلهما إلى مكة وإسماعيل رضيع حتى وضعهما عند ~~البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ~~ماء فوضعهما هناك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل ~~إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل وقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا ~~بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولاشيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وهو لا يلتفت ~~إليها فقالت له آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذا لايضيعنا، ثم رجعت، ~~فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لايرونه استقبل بوجهه البيت، ثم ~~دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه وقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي} (إبراهيم، ~~37) # حتى بلغ (يشكرون) وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ~~ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يلتوي، أو قال: يتلبط ~~فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت ~~عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى من أحد، فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع ~~مرات قال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سعى الناس بينهما» فلما أشرفت على ~~المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها ثم تسمعت، فسمعت أيضا فقالت: قد ~~أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه، أو قال: ~~بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء ~~في سقائها وهو يفور بعدما تغرف قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم ~~عينا معينا» قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال الملك: لا تخافوا الضيعة فإن ~~هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وأن الله لا يضيع أهله، وكان البيت ~~مرتفعا ms1406 من الأرض كالرابية يأتيه السيل فيأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك ~~حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كذا، فنزلوا ~~في أسفل مكة، فنظروا طائرا: فقالوا إننهذا الطائر ليدور على الماء # PageV02P185 # لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء، ~~فرجعوا فأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ~~ننزل عندك فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم قال ابن عباس: ~~قالت ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا ~~معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم فشب الغلام وتعلم العربية منهم، ~~وألفهم وأعجبهم حتى شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل، فجاء ~~إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل وتقدم تمام هذه القصة في سورة البقرة. # ثم قال: {ربنا ليقيموا الصلاة} اللام لام كي متعلقة بأسكنت، أي: ما ~~أسكنتهم بهذا الوادي المقفر الذي لا شيء فيه إلا لإقامة الصلاة عند بيتك ~~المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك متبركين ~~بالبقعة التي شرفتها على البقاع مستعبدين بجوارك الكريم متقربين إليك ~~بالعكوف عند بيتك والطواف به والركوع والسجود حوله مستنزلين الرحمة التي ~~آثرت بها سكان حرمك، وتكرير النداء وتوسطه للإشعار بأنهما المقصود بالذات ~~من إسكانهم هناك، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها {فاجعل أفئدة} ، أي: ~~قلوبا محترقة بالأشواق {من الناس} ومن للتبعيض، والمعنى: واجعل أفئدة بعض ~~الناس {تهوي} ، أي: تميل {إليهم} ويدل عليه ما روي عن مجاهد لو قال: أفئدة ~~الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند. وقال سعيد بن جبير: لو قال ~~أفئدة الناس لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: {أفئدة من الناس} ~~فهم المسلمون. وقال ابن عباس: لو قال: أفئدة الناس لحنت إليه فارس والروم ~~والناس كلهم. ولما دعا لهم بالدين دعا لهم بالرزق فقال: {وارزقهم من ~~الثمرات} ولم يقل: وارزقهم الثمرات، وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء إيصال ~~بعض الثمرات إليهم، ويحتمل أن يكون المراد بإيصال بعض الثمرات ms1407 إليهم ~~إيصالها إليهم على سبيل التجارات كما قال تعالى: {يجبى إليه ثمرات كل شيء} ~~(القصص، 57) # حتى توجد فيه الفواكه الصيفية والربيعية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك ~~من آياته بعجب، وأن يكون المراد عمارة القرى بالقرب منها لتحصل تلك الثمار. ~~وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت الطائف من أرض فلسطين، فلما ~~قال إبراهيم ذلك رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم. {لعلهم يشكرون} ~~يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة ~~الطاعات، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على ~~أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الطاعات وأداء الواجبات. ولما طلب عليه ~~السلام من الله تعالى تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم ذكر أنه لا ~~يعلم عواقب الأحوال ونهاية الأمور في المستقبل، فإنه تعالى هو العالم بها ~~والمحيط بأسرارها فقال: {ربنا إنك تعلم ما نخفي} ، أي: نسر {وما نعلن} وهذا ~~هو المطلوب الرابع: والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا، ~~قيل: ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من ~~البكاء، وقيل: ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى ~~بينه وبين هاجر حين قال، ت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله ~~أكلكم قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا. واختلف في ~~قوله تعالى: {وما يخفى على # PageV02P186 # الله من شيء في الأرض ولا في السماء} فقيل: من تتمة قول إبراهيم عليه ~~السلام يعني: وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في، أي: مكان، ~~والأكثرون على أنه قول الله تعالى تصديقا لإبراهيم فيما قال، كقوله تعالى: ~~{وكذلك يفعلون} (النمل، 34) # ولفظة من تفيد الاستغراق، كأنه قيل وما يخفى عليه شيء ما. ولما تم ~~إبراهيم عليه السلام ما دعا به أتبعه الحمد على ما رزقه من النعم بقوله ~~تعالى: # {الحمد لله} ، أي: المستجمع لصفات الكمال {الذي وهب لي} ، أي: أعطاني ~~{على الكبر} ، أي: وهب لي وأنا كبير ms1408 آيس من الولد، قيد الهبة بحال الكبر ~~استعظاما للنعمة وإظهارا لما فيه من المعجزة {إسماعيل وإسحاق} ومقدار ذلك ~~السن غير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات، فقال ابن عباس: ولد ~~إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مئة ~~واثنتي عشرة سنة. # فإن قيل: إن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسماعيل ~~وأمه في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت ما ولد إسحاق، فكيف يمكنه أن يقول ذلك؟ ~~أجيب: بأن هذا يقتضي أن إبراهيم إنما ذكر هذا الكلام في زمن آخر لا عقب ما ~~تقدم من الدعاء. قال الرازي: ويمكن أيضا أن يقال: إنه عليه السلام إنما ذكر ~~هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق، وإن كان ظاهر الروايات بخلافه ~~انتهى. تنبيه: قوله (على الكبر) بمعنى مع كقوله: # *إني على ما ترين من كبري # ... أعلم من حيث يؤكل الكتف # وهو في موضع الحال. ولما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه ~~الإفصاح والتصريح قال: {إن ربي} ، أي: المحسن إلي {لسميع الدعاء} ، أي: ~~لمجيبه. فإن قيل: الله تعالى يسمع كل دعاء أجابه أو لم يجبه؟ أجيب: بأن هذا ~~من قولك: سمع الملك كلامي إذا اعتد به وقبله، ومنه سمع الله لمن حمده. ~~المطلوب الخامس: قوله: {رب اجعلني مقيم الصلاة} ، أي: معدلا لها مواظبا ~~عليها. # تنبيه: في الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأن قوله ~~تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} ~~(إبراهيم، 35) # يدل على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله تعالى. وقوله: {رب اجعلني ~~مقيم الصلاة} يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى، وذلك ~~تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصرا على أن الكل من الله تعالى، وقوله ~~تعالى: {ومن ذريتي} عطف على المنصوب في اجعلني، أي: واجعل بعض ذريتي كذلك؛ ~~لأن كلمة من في قوله (ومن ذريتي) للتبعيض، وأما ذكر هذا التبعيض، فلأنه علم ~~بإعلام الله تعالى ms1409 أنه يكون في ذريته جمع من الكفار وذلك قوله تعالى: {ولا ~~ينال عهدي الظالمين} (البقرة، 124) # . المطلوب السادس: أنه عليه السلام لما دعا الله تعالى في المطالب ~~المذكورة دعا الله تعالى في أن يقبل دعاءه فقال: {ربنا وتقبل دعاء} . قال ~~ابن عباس: يريد عبادتي بدليل قوله تعالى: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} ~~(مريم، 48) # . وقيل: دعائي المذكور المطلوب السابع قوله: # {ربنا} ، أي: أيها المالك لأمورنا المدبر لنا {اغفر لي} فإن قيل: إن طلب ~~المغفرة إنما يكون بعد سابقة ذنب أجيب: بأن المقصود من ذلك الالتجاء إلى ~~الله تعالى، وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه ورحمته، ثم أشرك معه أقرب الناس ~~إليه وأحقهم بشكره فقال: {ولوالدي} فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لوالديه ~~وكانا # PageV02P187 # كافرين؟ أجيب بوجوه: الأول: أن المنع منه لا يعلم إلا بتوقيف، فلعله لم ~~يجد منه منعا وظن كونه جائزا، الثاني: أراد بوالديه آدم وحواء، الثالث: كان ~~ذلك بشرط الإسلام، وقال بعضهم: كانت أمه مؤمنة ولذلك خص أباه بالذكر في ~~قوله: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} (التوبة، 114) # . ثم دعا لمن تبعه في الدين من ذريته وغيرهم بقوله {وللمؤمنين} ، أي: ~~العريقين في هذا الوصف {يوم يقوم} ، أي: يبدو ويظهر {الحساب} وقيل: أراد ~~يوم يقوم الناس فيه للحساب، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوما عند السامع، ~~وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة، والله تعالى لا يرد دعاء خليله إبراهيم عليه ~~السلام، وفيه بشارة عظيمة للمؤمنين بالمغفرة، فنسأل الله تعالى أن يغفر لنا ~~ولوالدينا ولمشايخنا ولأحبابنا ولمن نظر في هذا التفسير، ودعا لمن كان سببا ~~فيه بالمغفرة. ولما بين تعالى دلائل التوحيد، ثم حكى عن إبراهيم عليه ~~السلام أنه طلب من الله تعالى أن يصونه عن الشرك، وطلب منه أن يوفقه ~~للأعمال الصالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة عقبه بقوله ~~تعالى مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم # {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} ؛ لأن الغفلة معنى يمنع ~~الإنسان عن الوقوف على حقائق الأمور، وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان ms1410 ~~من قلة التحفظ والتيقظ، وهذا في حق الله تعالى محال، والمقصود من ذلك ~~التنبيه على أنه ينتقم للمظلوم من الظالم، ففيه وعيد وتهديد للظالم، وإعلام ~~له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه بل ينتقم ولا يتركه مغفلا عنه، وعن ~~سفيان بن عيينة فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، فقيل له: من قال هذا؟ ~~فغضب، وقال: إنما قاله من علمه. # فإن قيل: كيف يليق به صلى الله عليه وسلم أن يحسب الله موصوفا بالغفلة ~~وهو أعلم الناس به؟ أجيب: بوجوه: الأول: أن المراد به التثبت على ما كان ~~عليه من أنه لا يحسب الله غافلا كقوله: {لا تدع مع الله إلها آخر} (القصص، ~~88) # . والثاني: أن المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل ~~غفلته عن ذلك الظلم. والثالث: أن المراد ولا تحسبنه معاملهم معاملة الغافل ~~عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير. ~~والرابع: أن يكون هذا الكلام وإن كان خطابا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الظاهر إلا أنه يكون في الحقيقة خطابا مع الأمة. ثم بين تعالى أنه {إنما ~~يؤخرهم} ، أي: عذابهم {ليوم} موصوف بخمس صفات الصفة الأولى: قوله تعالى: ~~{تشخص فيه الأبصار} ، أي: أبصارهم لا تقر مكانها من هول ما ترى في ذلك ~~اليوم. الصفة الثانية: قوله تعالى: # {مهطعين} ، أي: مسرعين إلى الداعي أو مقبلين بأبصارهم لا يطرقون هيبة ~~وخوفا. وقيل: المهطع الخاضع الذليل الساكن. الصفة الثالثة: قوله تعالى: ~~{مقنعي رؤوسهم} ، أي: رافعيها إذ الإقناع: رفع الرأس إلى فوق، فأهل الموقف ~~من صفتهم أنهم رافعو رؤوسهم إلى السماء، وهذا بخلاف المعتاد؛ لأن من يتوقع ~~البلاء يطرق بصره إلى الأرض. وقال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى ~~السماء لا ينظر أحد إلى أحد. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {لا يرتد إليهم ~~طرفهم} ، أي: بل تثبت عيونهم شاخصة لا يطرفون بعيونهم، ولكن عيونهم مفتوحة ~~ممدودة من غير تحريك للأجفان قد شغلهم ما بين أيديهم. الصفة الخامسة: قوله ~~تعالى: {وأفئدتهم} ، أي: قلوبهم {هؤاء} ، أي: خالية من العقل ms1411 لفرط الحيرة # PageV02P188 # والدهشة. وقال قتادة: خرجت قلوبهم عن صدورهم، فصارت في حناجرهم، فلا تخرج ~~من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها. # تنبيه: اختلفوا في وقت حصول هذه الصفات، فقيل: إنها عند المحاسبة بدليل ~~أنه تعالى إنما ذكر هذه الصفات عقب وصف ذلك بأنه يقوم الحساب، وقيل: إنها ~~تحصل عندما يتميز فريق عن فريق، فالسعداء يذهبون إلى الجنة والأشقياء إلى ~~النار. وقيل: يحصل عند إجابة الداعي والقيام من القبور. قال الرازي: والأول ~~أولى. # {وأنذر الناس} يا محمد، أي: خوفهم يوم القيامة وهو قوله تعالى: {يوم ~~يأتيهم العذاب} ، أي: الذي تقدم ذكره، وهو شخوص أبصارهم وكونهم مهطعين ~~مقنعي رؤوسهم. {فيقول الذين ظلموا} ، أي: كفروا {ربنا أخرنا} ، أي: بأن ~~تردنا إلى الدنيا {إلى أجل قريب} إلى أمد واحد من الزمان قريب {نجب دعوتك} ~~، أي: بالتوحيد ونتدارك ما فرطنا فيه {ونتبع الرسل} فيما يدعوننا إليه، ~~فيقال لهم توبيخا: {أو لم تكونوا أقسمتم} ، أي: حلفتم {من قبل} في الدنيا ~~{ما لكم} وأكد النفي بقوله: {من زوال} ، أي: ما لكم عنها انتقال ولا بعث ~~ولا نشور كما قال في آية أخرى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت} (النمل، 38) # وكانوا يقولون: لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى، ومن هذه الدار ~~إلى دار المجازاة، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت، أو عن ~~شباب إلى هرم، أو عن غنى إلى فقر، ثم إنه تعالى زادهم توبيخا آخر بقوله ~~تعالى: # {وسكنتم} في الدنيا {في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بالكفر من الأمم ~~السابقة {وتبين لكم كيف فعلنا بهم} ، أي: وظهر لكم بما تشاهدون في منازلهم ~~من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم {وضربنا} ، أي: وبينا {لكم ~~الأمثال} في القرآن أن عاقبتهم عادت إلى الوبال والخزي والنكال، مما يعلم ~~به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التعذيب المؤجل ~~كما يفعل الهلاك المعجل، وذلك في كتاب الله تعالى كثير. ولما ذكر تعالى صفة ~~عقابهم أتبعه بذكر كيفية ms1412 مكرهم بقوله تعالى: # {وقد مكروا مكرهم} ، أي: الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم، واختلف ~~في عود الضمير في مكروا على وجوه: الأول: أن يعود إلى الذين سكنوا في مساكن ~~الذين ظلموا أنفسهم؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور. والثاني: إلى قوم ~~محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: {وأنذر} ، أي: يا محمد الناس ~~وقد مكر قومك مكرهم، وذلك المكر هو الذي ذكر الله تعالى في قوله: {إذ يمكر ~~بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} (الأنفال، 30) # . {وعند الله مكرهم} ، أي: ومكتوب عند الله فعلهم، فهو مجازيهم عليه بمكر ~~عو أعظم منه. # وقيل: إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت كثبوت ~~الجبال.k # وقد حكي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الآية قول آخر وهو ~~أنها نزلت في نمروذ الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه فقال نمروذ: إن كان ما ~~يقوله إبراهيم حقا فلا أنتهي حتى أصعد إلى السماء، فأعلم ما فيها، ثم أمر ~~نمروذ صاحبه فاتخذ لنفسه تابوتا، وجعل له بابا من أعلاه وبابا من أسفله، ~~وربط قوائمه الأربع بأربعة نسور، وكان قد جوعها، ورفع فوق الجوانب الأربع ~~من التابوت عصيا أربعة وعلق على كل واحدة منها قطعة لحم، ثم إنه جلس مع ~~صاحبه في ذلك التابوت، فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جو # PageV02P189 # الهواء، فطارت يوما حتى أبعدت في الهواء، فقال نمروذ لصاحبه: افتح الباب ~~الأسفل، وانظر إلى الأرض كيف تراها؟ ففعل فقال: أرى الأرض مثل اللجة ~~والجبال مثل الدخان قال: فطارت النسور، يوما آخر وارتفعت حتى حالت الريح ~~بينها وبين الطيران، فقال نمروذ لصاحبه: افتح الباب الأعلى، ففتح فإذا ~~السماء كهيئتها، وفتح الباب الأسفل، فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي أيها ~~الطاغي أين تريد؟ قال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس ~~والنشاب، فرمى بسهم فعاد إليه السهم ملطخا بالدم بدم سمكة قذفت نفسها من ~~بحر في الهواء، وقيل: طائر أصابه السهم فقال: كفيت إله ms1413 السماء، فنكس تلك ~~العصي التي علق عليها اللحوم، فتسفلت النسور، وهبطت إلى الأرض، فسمعت ~~الجبال حفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أن قد حدث في السماء حدث وأن ~~القيامة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها فذلك قوله تعالى: {وإن كان مكرهم} ~~، أي: من القوة والضخامة {لتزول منه الجبال} قال الرازي: ولا حاجة في تأويل ~~الآية إلى هذا، فإنه لم يجيء فيه خبر صحيح معتمد انتهى. والمراد بالجبال ~~هنا قيل: حقيقتها وقيل شرائع الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات. وقرأ ~~الكسائي بفتح اللام الأولى ورفع الأخيرة، والباقون بكسر الأولى وفتح ~~الثانية، والتقدير على القراءة الأولى: وإن كان بحيث أنه تزول منه # الجبال، وقيل: أن نافية واللام لتأكيد النفي. # {فلا تحسبن الله} الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد منه أمته {مخلف ~~وعده رسله} من النصر وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين كما قال تعالى: {إنا ~~لننصر رسلنا} (غافر، 51) # . وقال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} (المجادلة، 21) # . فإن قيل: هلا قال مخلف رسله وعده ولم قدم المفعول الثاني على الأول؟ ~~أجيب: بأنه تعالى قدم ذلك ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله تعالى: {إن ~~الله لا يخلف الميعاد} (آل عمران، 9) # ثم قال: رسله ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحدا، وليس من شأنه ~~إخلاف المواعيد، فكيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته؟ {إن الله} ، أي: ذو ~~الجلال والإكرام {عزيز} ، أي: غالب يقدر ولا يقدر عليه {ذو انتقام} ، أي: ~~ممن عصاه وقوله تعالى: # {س14ش48/ش52 يوم تبدل ا?رض غير ا?رض والسماوات? وبرزوا? لله الواحد ~~القهار * وترى المجرمين يوم??ذ مقرنين فى ا?صفاد * سرابيلهم من قطران وتغشى ~~وجوههم النار * ليجزى الله كل نفس ما كسبت? إن الله سريع الحساب * هاذا ~~بلاغ للناس ولينذروا? به? وليعلمو?ا? أنما هو اله واحد وليذكر أولوا? ~~ا?لباب} # بدل من يوم يأتيهم، أو ظرف للانتقام، والمعنى: يوم تبدل هذه الأرض التي ~~تعرفونها أرضا أخرى غير هذه المعروفة، وقوله تعالى: {والسموات} عطف على ~~الأرض وتقديره والسموات غير السموات، والتبديل التغيير، وقد يكون في ms1414 الذوات ~~كقولك بدلت الدراهم دنانير، ومنه {بدلناهم جلودا غيرها} (النساء، 56) # {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} (سبأ، 16) # . وفي الأوصاف كقولك: بدلت الحلقة خاتما، إذا أذبتها وسويتها خاتما ~~فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، ومنه قوله تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات} (الفرقان، 70) # والآية محتملة لكل واحد من هذين المفهومين، فعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: هي تلك الأرض، وإنما تغير أوصافها، وأنشد: # *وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم* # فتتبدل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها، وتفجر بحارها، وتستوي فلا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا، وتبدل السماء بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف ~~قمرها، وانشقاقها وكونها أبوابا، ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم «يحشر ~~الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء # PageV02P190 # كقرصة النقاء ليس فيها علم لأحد» أخرجاه في الصحيحين، العفراء بالعين ~~المهملة، وهي البيضاء إلى حمرة، ولهذا شبهها بقرصة النقاء، وهو الجير ~~الأبيض الجيد الفائق المائل إلى الحمرة. كأن النار ميلت بياض وجهه إلى ~~الحمرة، وقوله: ليس فيها علم لأحد يعني: ليس فيها علامة لأحد لتبديل هيئتها ~~وصفتها وزوال جبالها وجميع بنائها، فلا يبقى فيها أثر يستدل به. وعن ابن ~~مسعود أنه قال: تبدل الأرض بأرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك فيها دم، ولم ~~تعمل عليها خطيئة. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: الأرض من فضة ~~والسماء من ذهب. وقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء ~~يأكل المؤمن من تحت قدميه. وعن الضحاك أيضا: من فضة كالصحائف. وعن عائشة ~~رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ~~فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط» . أخرجه مسلم. ~~وروى ثوبان أن حبرا من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تكون ~~الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ قال: «هم في الظلمة دون الجسر» . قال ~~الرازي: واعلم أنه لا يبعد أن يقال: المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه ~~تعالى يجعل الأرض # جهنم ms1415 والسموات الجنة، والدليل عليه قوله تعالى: {كلا إن كتاب الأبرار لفي ~~عليين} (المصطففين، 18) # . وقوله تعالى: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين} (المصطففين، 7) # . {وبرزوا} ، أي: خرجوا من قبورهم {لله} ، أي: لحكمه والوقوف بين يديه ~~تعالى للحساب {الواحد} ، أي: الذي لا شريك له {القهار} ، أي: الذي لا ~~يدافعه شيء عن مراده كما قال تعالى: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} ~~(غافر، 16) # . ولما وصف نفسه سبحانه وتعالى بكونه قهارا بين عجزهم وذلتهم بقوله ~~تعالى: # {وترى} يا محمد، أي: تبصر {المجرمين} ، أي: الكافرين {يومئذ} ، أي: يوم ~~القيامة، ثم ذكر تعالى من صفات عجزهم وذلتهم أمورا: الصفة الأولى: قوله ~~تعالى: {مقرنين} ، أي: مشدودين {في الأصفاد} جمع صفد وهو القيد. قال ~~الكلبي: كل كافر مع شيطان في غل. وقال عطاء: وهو معنى قوله تعالى: {وإذا ~~النفوس زوجت} (التكوير، 7) ، أي: قرنت فتقرن نفوس المؤمنين الحور العين، ~~ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين، وقيل: هو قرن بعض، الكفار ببعض فتضم ~~تلك النفوس الشقية والأرواح الكدرة الظلمانية بعضها إلى بعض لكونها متشاكلة ~~متجانسة، وتنادى ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى. وقال ابن زيد: قرنت أيديهم ~~وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. # الصفة الثانية: قوله تعالى: {سرابيلهم} ، أي: قمصهم جمع سربال وهو القميص ~~{من قطران} وهو شيء يتحالب من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ وتطلى به الإبل ~~الجربى، فيحرق الجرب بحرارته وحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن ~~شأنه أنه يتسارع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح، فتطلى به ~~جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلاء كالسرابيل، فيحصل بسببها أربعة أنواع ~~من العذاب: لذع القطران، وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ~~ونتن الريح، وأيضا التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين ~~النارين. # الصفة الثالثة قوله تعالى: {وتغشى} ، أي: تعلو {وجوههم النار} ونظيره ~~قوله تعالى: {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب} (الزمر، 24) # . وقوله تعالى: {يوم يسحبون في النار على وجوههم} (القمر، 48) # . ولما كان موضع العلم والجهل هو القلب، وموضع الكفر والوهم هو # PageV02P191 # الرأس، وأثر هذه الأحوال يظهر في الوجه فلهذا خص ms1416 الله تعالى هذين العضوين ~~بظهور آثار العقاب فيها فقال في القلب: {نار الله الموقدة التي تطلع على ~~الأفئدة} (الهمزة: 6، 7) # . وقال في الوجه: {وتغشى وجوههم النار} (إبراهيم، 50) # . وقوله تعالى: # {ليجزي الله} متعلق ببرزوا {كل نفس ما كسبت} ، أي: من خير أو شر وهذا ~~أولى من قول الواحدي: المراد منه أنفس الكفار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن ~~يكون جزاء لأهل الإيمان. ولما كان حساب كل نفس جديرا بأن يستعظم قال: {إن ~~الله سريع الحساب} ، أي: لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى، ولا شأن عن شأن ~~قوله تعالى: # {هذا} إشارة إلى القرآن الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، نزل منزلة ~~الحاضر وقيل: إلى السورة {بلاغ} ، أي: كان غاية الكفاية في الإيصال {للناس} ~~والموعظة لهم، وقوله تعالى: {ولينذروا} ، أي: وليخوفوا {به} عطف على محذوف ~~ذلك المحذوف متعلق ببلاغ تقديره، أي: لينصحوا ولينذروا، وقيل: الواو مزيدة، ~~ولينذروا متعلق ببلاغ {وليعلموا} ، أي: بما فيه من الحجج على وحدانية الله ~~تعالى. {أنما هو} ، أي: الله {إله واحد} فيستدلوا بذلك على أن الله واحد لا ~~شريك له {وليذكر} بإدغام التاء في الأصل في الذال، أي: يتعظ {أولو الألباب} ~~، أي: أصحاب العقول الصافية من الأكدار، والأفهام الصحيحة، فإنه موعظة لمن ~~اتعظ. تنبيه: ذكر سبحانه وتعالى لهذا البلاغ ثلاث فوائد مستفادة من قوله ~~تعالى: {ولينذروا به} وتالييه والحكمة في إنزال الكتب تكميل الرسل للناس، ~~واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، واستصلاح القوة ~~العملية التي هي التدرع بلباس التقوى، جعلنا الله تعالى من الفائزين بها ~~بمحمد وآله، وفعل ذلك بوالدينا وأحبابنا. # وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل من عبد الأصنام وعدد من لم ~~يعبد» حديث موضوع. قال العلامة ابن جماعة في «شرح منظومة ابن فرج» التي ~~أولها غرامي صحيح فرع من غرائب الجويني يكفر واضع الحديث، أي: والمشهور عدم ~~تكفيره. ### | سورة الحجر # مكية # وهي تسع وتسعون آية وستمائة وأربع ms1417 وخمسون كلمة، وعدد حروفها ألفان ~~وسبعمائة وستون حرفا # {بسم الله} الملك الواحد القهار {الرحمن} الذي أسبغ نعمه على سائر بريته، ~~فعجزت عن وصفه الأفكار {الرحيم} الذي خص أهل ولايته بنجاتهم من النار، ~~وقوله تعالى: # {الر} ذكر فيه الفتح والإمالة أول يونس. وقيل: معناه: أنا الله أرى، ~~وقدمنا الكلام على أوائل السور في أول سورة البقرة، وقوله تعالى: {تلك} ~~إشارة إلى آيات هذه السورة، أي: هذه الآيات {آيات الكتاب} ، أي: القرآن، ~~والإضافة بمعنى من، وقوله تعالى: {وقرآن مبين} ، أي: مظهر للحق من الباطل ~~عطف بزيادة صفة. وقيل: المراد بالكتاب هو السورة، وكذا القرآن، وقيل: ~~المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وبالقرآن هذا الكتاب. ثم بين سبحانه ~~وتعالى حال الكفار يوم القيامة بقوله تعالى: # {ربما يود} ، # PageV02P192 # أي: يتمنى {الذين كفروا} إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين في ذلك اليوم ~~{لو كانوا مسلمين} وقيل: حين يعاينوا حال المسلمين عند نزول النصر وحلول ~~الموت، ورب للتكثير، فإنه يكثر منهم تمنى ذلك. وقيل: للتقليل، فإن الأهوال ~~تدهشهم، فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة. فإن قيل: لم دخلت ~~رب على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي؟ أجيب: بأن المترقب في ~~أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحقيقه، فكأنه قيل: ربما ود. ~~وقرأ عاصم ونافع بتخفيف باء ربما، والباقون بالتشديد. قال أبو حاتم: أهل ~~الحجاز يخففون ربما، وقيس وبكر يثقلونها، ولما تمادوا في طغيانهم قال الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {ذرهم} ، أي: دعهم عن النهي عما هم عليه والصد عنه بالتذكرة والنصيحة، ~~وخلهم {يأكلوا ويتمتعوا} بدنياهم وتنفيذ شهواتهم، والتمتع التلذذ، وهو طلب ~~اللذة حالا بعد حال كالتقرب في أنه طلب القرب حالا بعد حال. {ويلههم الأمل} ~~، أي: ويشغلهم توقعهم لطول الأعمار، واستقامة الأحوال عن أخذ حظهم من ~~السعادة، وعن الاستعداد للمعاد. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم، ~~وحمزة والكسائي برفع الهاء والميم، والباقون بكسر الهاء ورفع الميم. وأما ~~الوقف فالجميع بكسر الهاء، والكلام على الهاء الثانية، وأما الهاء الأولى ~~فمكسورة ms1418 للجميع وقفا ووصلا. ولما كان هذا أمرا لا يشتغل به إلا أحمق تسبب ~~عنه التهديد بقوله تعالى: {فسوف يعلمون} ، أي: ما يحل بهم بعدما فسحنا لهم ~~في زمن التمتع من سوء صنيعهم، وهذا قبل الأمر بالقتال. تنبيه: في الآية ~~دليل على أن إيثار التلذذ والتنعم في الدنيا يؤدي إلى طول الأمل وليس ذلك ~~من أخلاق المؤمنين. وعن بعضهم: التمتع في الدنيا من أخلاق الهالكين ~~والأخبار في ذم الأمل كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم «يهرم ابن آدم ~~ويشب معه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر» . وعن علي رضي الله ~~تعالى عنه: إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمل واتباع الهوى، فإن طول الأمل ~~ينسي الآخرة واتباع الهوى يصد عن الحق. ولما هددهم تعالى بآية التمتع ~~وإلهاء الأمل أتبعه بما يؤكد الزجر. بقوله تعالى: # {وما أهلكنا من قرية} ، أي: من القرى، والمراد أهلها ومن مزيدة {إلا ولها ~~كتاب معلوم} ، أي: أجل مضروب محدود مكتوب في اللوح المحفوظ لهلاكها. تنبيه: ~~المستثنى جملة واقعة صفة لقرية والأصل أن لا تدخلها الواو، كقوله تعالى: ~~{إلا لها منذرون} (الشعراء، 208) # وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال: جاءني زيد ~~عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب. فائدة: رسم كتاب هنا بإثبات الألف. ثم بين ~~تعالى الآية السابقة بقوله تعالى: # {ما تسبق} وأكد الاستغراق بقوله تعالى: {من أمة} وقيل: من مزيدة كقولك: ~~ما جاءني من أحد، أي: أحد وبين أن المراد بالكتاب الأجل بقوله تعالى: ~~{أجلها} ، أي: الذي قدرناه لها. {وما يستأخرون} ، أي: عنه. تنبيه: أنث ~~الأمة أولا ثم ذكرها آخرا حملا على اللفظ الأول وعلى المعنى في الثاني. قال ~~البقاعي: وإنما ذكره لئلا يصرفوه إلى خطابه صلى الله عليه وسلم تعنتا وفي ~~الآية دليل على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله وإن من قال بجواز أن ~~يموت قبل أجله مخطئ. ولما بالغ تعالى في تهديد الكفار ذكر # PageV02P193 # شبههم في إنكار نبوته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {وقالوا يا أيها الذي ms1419 نزل عليه الذكر} ، أي: القرآن في زعمه {إنك لمجنون} ~~إنما نسبوه إلى الجنون إما لأنهم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقا من عند ~~الله لأن الرجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره فربما قال به جنون، وإما ~~لأنه عليه الصلاة والسلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي ~~فظنوا أنها جنون ويدل عليه قوله تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} ~~(الأعراف، 184) # ثم أتبعوه ما زعموا أنه دليل على قولهم فقالوا: # {لو ما} ، أي: هلا {تأتينا بالملائكة} ، أي: يشهدون لك بأنك رسول من عند ~~الله حقا. {إن كنت من الصادقين} في إدعائك للرسالة وأن هذا القرآن من عند ~~الله ولما كان في قولهم أمران أجاب الله تعالى عن قولهم الثاني لأنه أقرب ~~بقوله تعالى: # {وما ننزل الملائكة إلا بالحق} ، أي: إلا تنزلا ملتبسا بالحكمة والمصلحة ~~ولا حكمة في أن نأتيكم بهم عيانا تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار ومثله قوله تعالى: {وما خلقنا ~~السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} (الحجر، 85) # وقيل الحق الوحي أو العذاب. وقرأ شعبة بضم التاء مع فتح الزاي ورفع ~~الملائكة وحفص وحمزة والكسائي بنونين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة وكسر ~~الزاي ونصب الملائكة والباقون بالتاء مفتوحة مع فتح الزاي ورفع الملائكة ~~وشدد التاء البزي في الوصل، وأما الزاي فهي مشددة للجميع من يفتح ومن يكسر ~~{وما كانوا} ، أي: الكفار {إذا} ، أي: إذ تأتيهم الملائكة {منظرين} ، أي: ~~لزوال الإمهال عنهم فيعذبوا في الحال إن لم يؤمنوا ويصدقوا وكان حينئذ يفوت ~~ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم ثم أجاب تعالى ~~عن الأول بقوله تعالى مؤكذا لتكذيبهم: # {إنا نحن} بما لنا من العظمة والقدرة {نزلنا} ، أي: بالتدريج على لسان ~~جبريل عليه السلام {الذكر} ، أي: القرآن {وإنا له لحافظون} ، أي: من ~~التبديل والتحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى: {ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء، 82) # فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا ms1420 يقدر أحد من جميع الخلق من ~~الجن والإنس أن يزيد فيه أو ينقص منه كلمة واحدة أو حرفا واحدا وهذا مختص ~~بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف ~~والتبديل والزيادة والنقصان، فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في ~~المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه؟ أجيب: ~~بأن جمعهم القرآن في المصحف كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه تعالى ~~لما أراد حفظه قيضهم لذلك، قال أصحابنا: وفي هذه الآية دلالة قوية على كون ~~البسملة آية من أول كل سورة لأن الله تعالى قد وعد حفظ القرآن والحفظ لا ~~معنى له إلا أن يبقى مصونا من الزيادة والنقصان فلو لم تكن البسملة آية من ~~القرآن لما كان مصونا عن التغيير ولما كان محفوظا عن الزيادة ولو جاز أن ~~يظن بالصحابة أنهم زادوا جاز أيضا أن يظن بهم النقصان وذلك يوجب خروج ~~القرآن عن كونه حجة، وقيل: الضمير في له راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمعنى: وإنا لمحمد لحافظون ممن أراد به سوءا فهو كقوله تعالى: {والله ~~يعصمك من الناس} (المائدة، 67) # . ولما أساء الكفار عليه صلى الله عليه وسلم في الأول وخاطبوه # PageV02P194 # بالسفاهة وقالوا: {إنك لمجنون} (الحجر، 6) # . وكان عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء قال سبحانه وتعالى تسلية له ~~على وجه راد عليهم: # {ولقد أرسلنا من قبلك} ، أي: رسلا فحذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه ~~وقوله تعالى: {في شيع} أي: فرق {الأولين} من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ~~كقوله تعالى: {حق اليقين} (الواقعة، 95) # سموا شيعا لمتابعة بعضهم بعضا في الأحوال التي يجتمعون عليها في الزمن ~~الواحد، والشيع جمع شيعة وهي الفرقة المجتمعة المتفقة كلمتهم على مذهب ~~وطريقة. وقال الفراء: الشيعة هم الأتباع وشيعة الرجل أتباعه، وقيل: الشيعة ~~من يتقوى بهم الإنسان. # {وما يأتيهم} عبر بالمضارع على حكاية الحال الماضية، فإن ما لا تدخل على ~~مضارع إلا وهو في معنى الحال ولا على ماض إلا وهو قريب من ms1421 الحال، والأصل ~~وما كان يأتيهم {من رسول} ، أي: على، أي: وجه كان {إلا كانوا به} جبلة ~~وطبعا {يستهزؤون} كاستهزاء قومك بك فصبروا فاصبر كما صبروا. # {كذلك} ، أي: مثل ادخالنا التكذيب في قلوب هؤلاء المستهزئين بالرسل ~~{نسلكه} ، أي: ندخله {في قلوب المجرمين} ، أي: كفار مكة المستهزئين. # {لا يؤمنون به} ، أي: بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل: بالقرآن. وفي ~~الآية دليل على أن الله تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار والسلك إدخال ~~الشيء في الشيء كالخيط في المخيط والرمح في المطعون، ومنه قوله تعالى: {ما ~~سلككم في سقر} (الدثر، 42) # وقيل: الضمير في نسلكه يعود للذكر كما أن الضمير في به يعود إليه وجملة ~~لا يؤمنون به حال من ذلك الضمير والمعنى على هذا مثل ذلك السلك نسلك الذكر ~~في قلوب المجرمين مكذبا به غير مؤمن به قال البيضاوي: وهذا الاستدلال ضعيف ~~إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه اه. وما أعدت الضمير ~~عليه في ذلك هو ما قاله ابن الخازن، وجرى عليه الجلال السيوطي وقوله تعالى: ~~{وقد خلت سنة الأولين} ، أي: سنة الله فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم أنبياءهم ~~وعيد شديد لكفار مكة بأنه ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم الماضية المكذبة، ~~وقال الزجاج: قد مضت سنة الله في أن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم.I # قال الرازي: وهذا أليق بظاهر اللفظ. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام ~~تاء التأنيث في السين والباقون بالإظهار وقوله تعالى: # {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء} الآية هو المراد في سورة الأنعام في ~~قوله تعالى: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} (الأنعام، 7) # الآية، أي: الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة فلو أنزلنا الملائكة ~~{فظلوا فيه} ، أي: فظلت الملائكة {يعرجون} ، أي: يصعدون في الباب وهم ~~يرونها عيانا. # {لقالوا} ، أي: من عتوهم في الكفر {إنما سكرت أبصارنا} ، أي: سدت عن ~~الأبصار بالسحر من السكر ويدل عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف أو حيرت من ~~السكر يدل عليه قراءة الباقين بالتشديد. {بل نحن قوم مسحورون} ، أي: قد ~~سحرنا محمد ms1422 بذلك، أي: كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات كانشقاق القمر وما ~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن ~~والإنس أن يأتوا بمثله. وقيل: الضمير في يعرجون للمشركين، أي: فظل المشركون ~~يصعدون في ذلك الباب فينظرون في ملكوت السموات وما فيها من العجائب لما ~~آمنوا لعنادهم وكفرهم وقالوا: إنما سحرنا. وقرأ الكسائي بإدغام لام بل في ~~النون والباقون بالإظهار. ولما أجاب الله تعالى عن شبهة منكري # PageV02P195 # النبوة والقول بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد ودلائل التوحيد منها ~~سماوية ومنها أرضية بدأ منها بذكر الدلائل السماوية فقال مفتتحا بحرف ~~التوقع: # {ولقد جعلنا} بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة. {في السماء بروجا} قال ~~الليث: البروج واحدها برج من بروج الفلك، والبروج هي النجوم الكبار مأخوذة ~~من الظهور يقال: تبرجت المرأة إذا ظهرت وأراد بها المنازل التي تنزلها ~~الشمس والقمر والكواكب السيارة وهي اثنا عشر برجا الحمل والثور والجوزاء ~~والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت ~~وهي منازل الكواكب السبعة السيارة المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها ~~الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ~~ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو. وهذه ~~البروج مقسومة على ثلاثمائة وستين درجة لكل برج منها ثلاثون درجة تقطعها ~~الشمس في كل سنة مرة وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين ~~يوما. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد بروج الشمس والقمر يعني منازلهما ~~وقال عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس. وقال مجاهد: هي النجوم العظام. ~~قال أبو إسحاق: يريد نجوم هذه البروج. وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان ~~وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالإدغام. {وزيناها} ، أي: السماء ~~بالشمس والقمر والنجوم والأشكال والهيئات البهية {للناظرين} ، أي: ~~المعتبرين المستدلين بها على توحيد خالقها ومبدعها وهو الله الذي أوجد كل ~~شيء وخلقه وصوره. # {وحفظناها من كل شيطان رجيم} ، أي: مرجوم وقيل: ملعون. قال ابن عباس: ~~كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات ms1423 وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الله ~~لغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ~~ثلاث سموات ولما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها فما ~~منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، فلما منعوا تلك المقاعد ~~ذكروا ذلك لإبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث فبعثهم ينظرون فوجدوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن فقالوا: والله هذا حدث وقوله تعالى: ~~{إلا من استرق السمع} بدل من كل شيطان رجيم. وقيل استثناء منقطع، أي: لكن ~~من استرق السمع واستراق السمع اختلاسه. قال ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ~~وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء الدنيا يسترقون السمع من ~~الملائكة فيرمون بالكواكب كما قال تعالى: {فأتبعه شهاب مبين} وهو شعلة من ~~نار ساطعة وقد يطلق على الكواكب لما فيها من البريق يشبه شهاب النار فلا ~~يخطئ أحدا فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه أو جنبه أو يده حيث يشاء ~~الله. ومنهم من يخبله فيصير غولا فيضل الناس في البوادي. روى أبو هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قضي الأمر في السماء ضربت ~~الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو ~~السمع» ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض. ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين ~~أصابعه # PageV02P196 # فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى ~~يلقيها إلى لسان الساحر أو الكاهن، وربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ~~ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا ~~وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعها من السماء. فإن قيل: إذا جاز أن يسمع ~~الشيطان أخبار الغيوب من الملائكة خرج الإخبار عن # المغيبات عن كونه معجزا دليلا على الصدق لأن كل غيب يخبر عنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم قام فيه الاحتمال وحينئذ يخرج عن ms1424 كونه معجزا دليلا على ~~الصدق. أجيب: بأنا أثبتنا كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا بسائر ~~المعجزات ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف ~~الغيب بهذا الطريق وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيب معجزا، ولما شرح الله ~~تعالى الدلائل السماوية في تقرير التوحيد أتبعها بذكر الدلائل الأرضية وهي ~~أنواع؛ النوع الأول: قوله تعالى: # {والأرض مددناها} قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء. قال البغوي: يقال ~~إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة. فإن قيل: فهل يدل ذلك ~~على أنها بسيطة أو كرة عظيمة على ما يقوله أرباب الهيئة؟ أجيب: بأن ليس في ~~الآية دلالة على شيء من ذلك، لأن الأرض على تقدير كونها كرة فهي في غاية ~~العظمة والكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي، وتقدم الكلام على ذلك في سورة ~~البقرة، وسيأتي زيادة على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة والنازعات. النوع ~~الثاني: قوله تعالى: {وألقينا فيها رواسي} ، أي: جبالا ثوابت واحدها راس ~~والجمع راسية وجمع الجمع رواسي. وهو كقوله تعالى: {وألقى في الأرض رواسي أن ~~تميد بكم} (النحل، 15) # قال ابن عباس: لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة ~~فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال لكي لا تميد بأهلها، وقيل: إن الله ~~تعالى خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض ونواحيها لأنها كالأعلام فلا ~~تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال. النوع الثالث: قوله ~~تعالى: {وأنبتنا فيها} واختلف في عود ضمير فيها فقيل: يعود إلى الأرض لأن ~~أنواع النبات المنتفع به يكون في الأرض وقيل: إلى الجبال لأنها أقرب مذكور ~~ولقوله تعالى: {من كل شيء موزون} وإنما يوزن ما يتولد من الجبال والأولى ~~عوده لهما، واختلفوا في المراد بالموزون فقال ابن عباس:، أي: معلوم. وقال ~~مجاهد:، أي: مقدار معين تقتضيه حكمته. وقال الحسن: أعني به الشيء الموزون ~~كالذهب والفضة والرصاص والحديد ونحو ذلك مما يستخرج من المعادن والأولى أنه ~~جميع ما ينبت في الأرض والجبال، لأن ذلك نوعان ms1425 أحدهما يستخرج من المعادن ~~وجميع ذلك موزون. والثاني النبات فبعضه موزون وبعضه بالكيل وهو يرجع إلى ~~الوزن لأن الصاع والمد مقدران بالوزن. # {وجعلنا لكم فيها} ، أي: إنعاما منا وتفضلا عليكم {معايش} وهي بياء صريحة ~~من غير مد جمع معيشة وهو ما يعيش به الإنسان مدة حياته في الدنيا من ~~المطاعم والملابس والمعادن وغيرها. {و} جعلنا لكم {من لستم له برازقين} من ~~العبيد والأنعام والدواب والطير فإنكم تنتفعون بها ولستم لها برازقين لأن ~~رزق جميع الخلق على الله تعالى وبعض الجهال يظنون في أكثر الأمر أنهم هم ~~الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد، # PageV02P197 # وذلك خطأ فإن الله هو الرزاق يرزق المخدوم والخادم والمملوك والمالك لأنه ~~تعالى خلق الأطعمة والأشربة وأعطى القوة الغاذية والهاضمة وإلا لم يحصل ~~لأحد رزق. فإن قيل: صيغة من مختصة بمن يعقل؟ أجيب: بأنه تعالى أثبت لجميع ~~الدواب رزقا على الله تعالى حيث قال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها} (هود: 6) # {والأرض مددناها} قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء. قال البغوي: يقال ~~إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة. فإن قيل: فهل يدل ذلك ~~على أنها بسيطة أو كرة عظيمة على ما يقوله أرباب الهيئة؟ أجيب: بأن ليس في ~~الآية دلالة على شيء من ذلك، لأن الأرض على تقدير كونها كرة فهي في غاية ~~العظمة والكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي، وتقدم الكلام على ذلك في سورة ~~البقرة، وسيأتي زيادة على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة والنازعات. النوع ~~الثاني: قوله تعالى: {وألقينا فيها رواسي} ، أي: جبالا ثوابت واحدها راس ~~والجمع راسية وجمع الجمع رواسي. وهو كقوله تعالى: {وألقى في الأرض رواسي أن ~~تميد بكم} (النحل، 15) # قال ابن عباس: لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة ~~فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال لكي لا تميد بأهلها، وقيل: إن الله ~~تعالى خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض ونواحيها لأنها كالأعلام فلا ~~تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا ms1426 يقعون في الضلال. النوع الثالث: قوله ~~تعالى: {وأنبتنا فيها} واختلف في عود ضمير فيها فقيل: يعود إلى الأرض لأن ~~أنواع النبات المنتفع به يكون في الأرض وقيل: إلى الجبال لأنها أقرب مذكور ~~ولقوله تعالى: {من كل شيء موزون} وإنما يوزن ما يتولد من الجبال والأولى ~~عوده لهما، واختلفوا في المراد بالموزون فقال ابن عباس:، أي: معلوم. وقال ~~مجاهد:، أي: مقدار معين تقتضيه حكمته. وقال الحسن: أعني به الشيء الموزون ~~كالذهب والفضة والرصاص والحديد ونحو ذلك مما يستخرج من المعادن والأولى أنه ~~جميع ما ينبت في الأرض والجبال، لأن ذلك نوعان أحدهما يستخرج من المعادن ~~وجميع ذلك موزون. والثاني النبات فبعضه موزون وبعضه بالكيل وهو يرجع إلى ~~الوزن لأن الصاع والمد مقدران بالوزن. # {وجعلنا لكم فيها} ، أي: إنعاما منا وتفضلا عليكم {معايش} وهي بياء صريحة ~~من غير مد جمع معيشة وهو ما يعيش به الإنسان مدة حياته في الدنيا من ~~المطاعم والملابس والمعادن وغيرها. {و} جعلنا لكم {من لستم له برازقين} من ~~العبيد والأنعام والدواب والطير فإنكم تنتفعون بها ولستم لها برازقين لأن ~~رزق جميع الخلق على الله تعالى وبعض الجهال يظنون في أكثر الأمر أنهم هم ~~الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد، وذلك خطأ فإن الله هو الرزاق يرزق ~~المخدوم والخادم والمملوك والمالك لأنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة وأعطى ~~القوة الغاذية والهاضمة وإلا لم يحصل لأحد رزق. فإن قيل: صيغة من مختصة بمن ~~يعقل؟ أجيب: بأنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقا على الله تعالى حيث قال: ~~{وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها} (هود: ~~6) # فغلب من يعقل على غيره. حكي أن الماء قد قل في بعض الأودية والجبال واشتد ~~الحر قال بعضهم: فرأيت بعض تلك الوحوش رفعت رؤوسها إلى السماء عند اشتداد ~~عطشها قال: فرأيت الغيوم قد أقبلت وأمطرت وامتلأت الأودية. تنبيه: قيل لا ~~يجوز أن يكون و {من لستم له برازقين} (الحجر، 20) # مجرورا عطفا على الضمير لا يقال: أخذت منك وزيد إلا بإعادة الخافض كما ms1427 في ~~قوله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} (الأحزاب، 7) # والراجح الجواز كما قرئ قوله تعالى: {تساءلون به والأرحام} (النساء، 1) # بالخفض في القراءات السبع وهذا أعظم دليل. # ولما بين سبحانه وتعالى أنه أنبت لهم كل شيء موزون وجعل لهم معايش أشعر ~~بذكر ما هو السبب لذلك فقال تعالى: {وإن} ، أي: وما {من شيء} ، أي: مما ذكر ~~وغيره من الأشياء الممكنة وهي لا نهاية لها. {إلا عندنا خزائنه} ، أي: ~~قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه فضرب الخزائن مثلا لاقتداره ~~على كل مقدور. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عند جده قال: في العرش تمثال جميع ~~ما خلق الله في البحر والبر والخزائن جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن ~~فيه للحفظ. وقيل: أراد مفاتيح الخزائن، وقيل: المطر لأنه سبب الأرزاق لبني ~~آدم والوحش والطير والدواب ومعنى عندنا، أي: في حكمه تعالى وتصرفه وأمره ~~وتدبيره {وما ننزله} من يفاع القدرة {إلا بقدر معلوم} ، أي: على حسب ~~المصالح وقيل: إن لكل أرض حدا ومقدارا من المطر يقال: لا ينزل من السماء ~~قطرة مطر إلا ومعها ملك يسوقها إلى حيث يشاء الله ولما أتم ما أراد من آيتي ~~السماء والأرض وختمه بشمول قدرته لكل شيء أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو ~~بينهما مودعا في خزائن قدرته بقوله تعالى: # {وأرسلنا الرياح} جمع ريح وهو جسم لطيف منبث في الجو سريع الممر {لواقح} ~~، أي: حوامل لأنها تحمل الماء إلى السحاب فهي لاقحة، يقال: ناقة لاقحة إذا ~~حملت الولد. وقال ابن مسعود: يرسل الله تعالى الريح فتحمل الماء فتمجه في ~~السحاب ثم تمر به فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر. وقال عبيد بن عمير: يبعث ~~الله تعالى الريح المثيرة فتثير السحاب ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب ~~بعضه إلى بعض فتجعله ركاما ثم يبعث الله اللواقح تلقح الشجر. وعن ابن عباس ~~قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: ~~«اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها ريحا» . وعن ms1428 عائشة رضي الله عنها «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها ~~وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت ~~به» . وقرأ حمزة بالإفراد والباقون بالجمع. {فأنزلنا} ، أي: بعظمتنا بسبب ~~تلك السحاب التي حملتها الريح {من السماء} ، أي: الحقيقية أو جهتها أو ~~السحاب لأن الأسباب المترقبة يسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى ~~البعيد {ماء} وهو جسم مائع سيال به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء ~~{فأسقيناكموه} ، أي: جعلناه لكم سقيا، يقال: سقيته ماء يشربه وأسقيته، أي: # PageV02P198 # مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد، ونفى سبحانه وتعالى عن غيره ما ~~أثبته أولا لنفسه بقوله: {وما أنتم له} ، أي: لذلك الماء {بخازنين} ، أي: ~~ليست خزائنه بأيديكم والخزن وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ فثبت أن القادر ~~عليه واحد مختار ومن دلائل التوحيد الإحياء والإماتة كما قال تعالى: # {وإنا لنحن نحيي} ، أي: لنا هذه الصفة على وجه العظمة فنحيي بها من نشاء ~~من الحيوان بروح البدن ومن الروح بالمعارف ومن النبات بالنمو وإن كان ~~أحدهما حقيقة والآخر مجازا لأن الجمع جائز {ونميت} ، أي: لنا هذه الصفة ~~فنبرز بها من عظمتنا ما نشاء. {ونحن الوارثون} ، أي: الإرث التام إذا مات ~~الخلائق الباقون بعد كل شيء كما كنا ولا شيء فليس لأحد تصرف بإماتة ولا ~~إحياء، فثبت بذلك الوحدانية والفعل بالاختيار فلما ثبت بهذا كمال قدرته ~~وكانت آثار القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم قال تعالى: # {ولقد علمنا المستقدمين منكم} وهو من قضينا بموته أولا من لدن آدم فيكون ~~في موته كأنه يسارع إلى التقدم إليه وإن كان هو وكل من أهله مجتهدا بالعلاج ~~في تأخيره {ولقد علمنا المستأخرين} ، أي: الذين نمد في أعمارهم فنؤخر موتهم ~~حتى يكونوا كأنهم يسابقون إلى ذلك وإن عالجوا الموت بشرب سم أو نحوه أو ~~عالجه لهم غيرهم بضربهم بسيف أو غيره فعرف من ذلك قطعا أن الفاعل واحد ~~مختار. وقال ms1429 ابن عباس: أراد بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياءز ~~وقال عكرمة: المستقدمين من خلق الله تعالى والمستأخرين من لم يخلق. وقال ~~الحسن: المستقدمين في الطاعة والخير والمستأخرين المستبطؤون عنه. وقيل: ~~المستقدمين من القرون الأولى والمستأخرين أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: المستقدمين في الصفوف والمستأخرين فيها وذلك أن النساء كن يخرجن إلى ~~الجماعة فيقفن خلف الرجال فربما كان في الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى ~~آخر صف الرجال ومن النساء من في قلبها ريبة فتتقدم إلى أول صف النساء لتقرب ~~من الرجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم «خير صفوف الرجال أولها وشرها ~~آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» . تنبيه: في سبب نزول هذه ~~الآية قولان أحدهما: أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكان بعضهم يستقدم حتى يكون في أول صف حتى لا يراها ويتأخر بعضهم حتى ~~يكون آخر صف، فإذا ركع نظر من تحت إبطه فنزلت. والثاني: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حرض على الصف الأول فازدحموا عليه، وقال قوم بيوتهم قاصية عن ~~المسجد لنبيعن دورنا ولنشترين دورا قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المقدم ~~فنزلت. # {وإن ربك هو يحشرهم} ، أي: المستقدمين والمستأخرين للجزاء وتوسط الضمير ~~للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غيره وتصدير الجملة بأن لتحقيق ~~الوعد والتنبيه على أن ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل ~~الأشياء يدل على صحة الحكم كما صرح به بقوله تعالى: {إنه حكيم} ، أي: باهر ~~الحكمة متقن في أفعاله {عليم} وسع علمه كل شيء، ولما استدل سبحانه وتعالى ~~بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة أردفه بالاستدلال ~~بتخليق الإنسان على هذا المطلوب بقوله تعالى: # {ولقد خلقنا الإنسان} قال الرازي والمفسرون: أجمعوا على أن المراد منه ~~آدم عليه السلام. ونقل # PageV02P199 # في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو ~~أبونا ألف ألف آدم أو أكثر سمي إنسانا لظهوره وإدراك البصر إياه، وقيل: من ~~النسيان لأنه ms1430 عهد إليه فنسى. {من صلصال} ، أي: من الطين الشديد اليابس الذي ~~لم تصبه نار، إذا نقرته سمعت له صلصلة، أي: صوتا. وقال ابن عباس: هو الطين ~~إذا نضب عنه الماء تشقق فإذا حرك تقعقع. وقال مجاهد: هو الطين المنتن ~~واختاره الكسائي وقال الفراء: هو طين خلط برمل فصار له صوت عند نقره. وقال ~~الرازي: قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم من طين فصوره وتركه في الشمس ~~أربعين سنة فصار صلصالا لا يدري أحد ما يراد به ولم يروا شيئا من الصور ~~يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح. {من حمأ} ، أي: طين أسود منتن {مسنون} ، أي: ~~مصور بصورة الآدمي. وقال ابن عباس: هو التراب المبتل المنتن. وقال مجاهد: ~~هو المنتن المتغير. قال البغوي: وفي بعض الآثار إن الله تعالى خمر طينة آدم ~~وتركه حتى صار متغير أسود ثم خلق منه آدم عليه السلام. قال ابن الخازن: ~~والجمع بين هذه الأقوال على ما ذكره بعضهم أن الله تعالى لما أراد خلق آدم ~~عليه السلام قبض قبضة من تراب الأرض وإليه الإشارة بقوله تعالى: {إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} (آل عمران، 59) # ثم إن ذلك التراب بله بالماء وحمأ حتى اسود وأنتن ريحه وتغير وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى: {من حمأ مسنون} ثم إن ذلك الطين الأسود المتغير صوره ~~الله صورة إنسان أجوف فلما جف ويبس كانت تدخل فيه الريح فيسمع له صلصلة ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى: {من صلصال كالفخار} (الرحمن، 14) # وهو الطين اليابس يفخر في الشمس ثم نفخ فيه الروح فكان بشرا سويا. ولما ~~ذكر سبحانه وتعالى خلق الإنسان ذكر ما خلقه قبل من الجان فقال تعالى: # {والجان} قال ابن عباس: هو أبو الجن كما أن آدم عليه السلام أبو البشر ~~وإبليس أبو الشياطين وفي الجن مسلمون وكافرون ويأكلون ويشربون ويحيون ~~ويموتون كبني آدم، وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون ولا يموتون إلا إذا مات ~~إبليس. وقال وهب: إن من الجن من يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين ~~ومن الجن ms1431 من هو بمنزلة الريح لا يتولدون ولا يأكلون ولا يشربون وهم ~~الشياطين. قال ابن الخازن: والأصح أن الشياطين نوع من الجن لاشتراكهم في ~~الاستتار سموا جنا لتواريهم واستتارهم عن الأعين، من قولهم جن الليل إذا ~~ستر والشيطان هو العاتي المتمرد الكافر، والجن منهم المؤمن ومنهم الكافر ~~وانتصاب الجان بفعل يفسره. {خلقناه من قبل} ، أي: قبل خلق الإنسان {من نار ~~السموم} ، أي: من ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله من قوة حرارتها. قال ~~الرازي: فالريح الحارة فيها نار وبها فيح كما ورد في الخبر أنها من فيح ~~جهنم انتهى. ويقال: السموم بالنهار والحرور بالليل. وقال الكلبي: عن أبي ~~صالح السموم نار لا دخان لها والصواعق تكون منها وهي نار تكون بين السماء ~~وبين الحجاب فإذا أحدث الله تعالى أمرا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به ~~فالهدة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب. وعن ابن عباس هذه السموم جزء من سبعين ~~جزءا من السموم التي خلق منها الجان، وتلا هذه الآية. وعن الضحاك عن ابن ~~عباس كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم، ~~وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن {من مارج من نار} (الرحمن، 15) ، وأما ~~الملائكة فخلقوا # PageV02P200 # من النور. ولما ذكر الله تعالى حدوث الإنسان الأول واستدل بذكره على وجود ~~الإله القادر المختار ذكر بعده واقعته بقوله تعالى: # {وإذ} ، أي: واذكر يا أشرف الخلق قول ربك عز وجل إذ {قال ربك} ، أي: ~~المحسن إليك بتشريف أبيك آدم عليه السلام لتشريفك {للملائكة إني خالق بشرا} ~~، أي: حيوانا كثيفا يباشر ويلاقي والملائكة والجن لا يباشرون للطف أجسامهم ~~عن أبشار البشر والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان وقوله تعالى: {من صلصال من ~~حمأ مسنون} تقدم تفسيره. # {فإذا سويته} ، أي: عدلته وأتممته وهيأته لنفخ الروح فيه بالفعل {ونفخت ~~فيه من روحي} ، أي: خلقت الحياة فيه وليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل ~~وأضاف الروح إليه تشريفا كما يقال: بيت الله وهو ما يصير به الروح عالما ~~وأشرف منه ما ms1432 يصير به العالم عاملا خاشعا وسيأتي الكلام على الروح إن شاء ~~الله تعالى في سورة سبحان عند قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح} (الإسراء، ~~85) # . {فقعوا} ، أي: أسقطوا {له} تعظيما حال كونكم {ساجدين} وتقدم في سورة ~~البقرة الكلام على من المخاطب بالسجود وهل هو كل الملائكة أو ملائكة ~~السموات أو ملائكة الأرض وهل هو سجود انحناء أو غيره. # {فسجد الملائكة} وقوله تعالى: {كلهم أجمعون} قال سيبويه: تأكيد بعد ~~تأكيد. وسئل المبرد عن ذلك فقال: لو قال {فسجد الملائكة} احتمل أن يكون سجد ~~بعضهم فلما قال: {كلهم} زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا ثم عند ~~هذا بقي احتمال وهو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد في وقت آخر، فلما ~~قال: {أجمعون} ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة. قال الزجاج: وقول سيبويه أجود ~~لأن أجمعين معرفة فلا يكون حالا وقوله تعالى: # {إلا إبليس} أجمعوا على أن إبليس كان مأمورا بالسجود لآدم واختلفوا في ~~أنه هل كان من الملائكة أم لا وقد سبقت هذه المسألة على الاستقصاء في سورة ~~البقرة وقوله تعالى: {أبى أن يكون مع الساجدين} أي: لآدم استئناف تقديره إن ~~قائلا قال: هل سجد فقيل أبى ذلك واستكبر عنه. # {قال} الله تعالى له: {يا إبليس ما لك ألا تكون} أي: أن تكون ولا مزيدة، ~~أي: ما منعك أن تكون {مع الساجدين} لآدم {قال لم أكن لأسجد لبشر} جسماني ~~كثيف واللام لتأكيد النفي، أي: لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد وأنا ملك ~~روحاني لبشر. {خلقته من صلصال من حمأ مسنون} وهو أخس العناصر {وخلقتني من ~~نار} وهي أشرفها استنقص آدم باعتبار النوع والأصل وقد سبق الجواب عنه في ~~سورة الأعراف. تنبيه: قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى ~~إبليس على لسان بعض رسله وضعف لأن إبليس قال في الله لجواب: {لم أكن لأسجد ~~لبشر خلقته من صلصال} فقوله: خلقته خطاب الحضور لا خطاب الغيبة وظاهره ~~يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع ms1433 الله بغير ~~واسطة فكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى من غير واسطة من أعظم المناصب ~~وأشرف المراتب فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم؟ وأجيب: بأن مكالمة ~~الله تعالى إنما تكون منصبا عاليا إذا كانت على سبيل الإكرام والإعظام فأما ~~إذا كانت على سبيل الإهانة والإذلال فلا. # {س15ش34/ش44 قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين * ~~قال رب فأنظرنى? إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت ~~المعلوم * قال رب بمآ أغويتنى ?زينن لهم فى ا?رض و?غوينهم أجمعين * إs ~~عبادك منهم المخلصين * قال هاذا صراط على مستقيم * إن عبادى ليس لك عليهم ~~سلطان إs من اتبعك من الغاوين * وإن جهنم لموعدهم أجمعين * لها سبعة أبواب ~~لكل باب منهم جزء مقسوم} # {قال} الله تعالى له {فاخرج منها} أي: من الجنة وقيل: من السموات وقيل: ~~من زمرة الملائكة وقد تقدم الكلام # PageV02P201 # على ذلك أيضا في سورة الأعراف. {فإنك رجيم} أي: مطرود من الخير والكرامة ~~فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان رجيم بالشهب وهو وعيد يتضمن الجواب عن ~~شبهته. # {وإن عليك اللعنة} أي: هذا الطرد والإبعاد {إلى يوم الدين} قال ابن عباس: ~~يريد يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم مثل قوله تعالى: {مالك يوم ~~الدين} (الفاتحة، 3) # . فإن قيل: كلمة إلى تفيد حصر انتهاء الغاية فهذا يفيد أن اللعنة لا تحصل ~~إلا إلى يوم الدين وعند القيامة يزول اللعن؟ أجيب: بجوابين الأول: أن ~~المراد التأبيد وذكر القيامة أبعد غاية ذكرها الناس في كلامهم كقوله تعالى: ~~{ما دامت السموات والأرض} (هود، 107) # في التأبيد والثاني: أنه مذموم مدعو عليه باللعن في السموات والأرض إلى ~~يوم القيامة من غير أن يعذب فإذا جاء اليوم عذب عذابا يقترن اللعن معه ~~فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه. ولما جعله رجيما ~~ملعونا إلى يوم القيامة فكأن قائلا يقول فماذا قال؟ فقيل: # {قال رب} فاعترف بالعبودية والإحسان إليه {فأنظرني} أي: أخرني والإنظار ~~تأخير المحتاج للنظر في أمره والفاء متعلقة بمحذوف ms1434 دل عليه {فاخرج منها ~~فإنك رجيم} . {إلى يوم يبعثون} أي: الناس أراد أن يجد فسحة في الإغواء ~~ونجاة من الموت إذ لا موت بعد وقت البعث. {قال} الله تعالى مجيبا للأول دون ~~الثاني بقوله تعالى: {فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} وهو المسمى ~~فيه أجلك عند الله وهو النفخة الأولى وما يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن في ~~دار الخلد. فإن قيل: كيف أجابه الله تعالى إلى ذلك الإمهال؟ أجيب: بأنه ~~إنما أجابه إلى ذلك زيادة في بلائه وشقائه وعذابه لا لإكرامه ورفع مرتبته. ~~ولما أجيب لذلك كأنه قيل فماذا قال فقيل: # {قال رب} أي: أيها الموجد والمدبر لي وقوله: {بما أغويتني} أي: خيبتني من ~~رحمتك الباء فيه للقسم وما مصدرية وجواب القسم {لأزينن} أي: أقسم بإغوائك ~~إياي لأزينن {لهم في الأرض} حب الدنيا ومعاصيك كقوله: {فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين} (ص، 82) # إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة الله وهي من صفات الذات وهنا أقسم ~~بإغواء الله، وهي من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفات الذات ~~صحيح، واختلفوا في القسم بصفات الأفعال والراجح فيها الصحة. {ولأغوينهم} ~~أي: بالإضلال عن الطريق الحميدة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم ولأحملنهم. ~~{أجمعين} على الغواية وقوله: # {إلا عبادك منهم المخلصين} قرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر ~~اللام، أي: الذين أخلصوا دينك عن الشوائب وقرأه الباقون بفتحها، أي: الذين ~~أخلصهم الله تعالى بالهداية وإنما استثنى إبليس المخلصين لأنه علم أن كيده ~~لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه. وقال الرازي: والذي حمله على هذا الاستثناء ~~أنه لا يصير كاذبا في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في ~~غاية الخساسة. تنبيه: قال رويم: الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عنه ~~عوضا من الدارين ولا عوضا من الملكين. وقال الجنيد: الإخلاص سر بين العبد ~~وبين الله تعالى لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله. ~~وذكر القشيري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سألت جبريل عليه ~~السلام ms1435 عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو؟ قال: سر ~~استودعته قلب # PageV02P202 # من أحب من عبادي» . ولما ذكر إبليس أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله ~~بتوفيقه وتضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى وإلى إرادته. # {قال} تعالى {هذا} أي: الذي ذكرته من حال المستثنى والمستثنى منه {صراط} ~~أي: طريق {علي مستقيم} أي: لا انحراف عنه لأني قضيت به وحكمت به عليك ~~وعليهم ولو لم تقل أنت. ولما قال إبليس لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين أوهم هذا أن له سلطانا على عباد الله غير ~~المخلصين فبين تعالى كذبه أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء ~~أكانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين ومن اتبع منهم إبليس باختياره صار تبعا ~~له ولكن حصول تلك المتابعات أيضا ليس لأجل إبليس وأوهم أن له على بعض عباد ~~الله سلطانا فبين تعالى كذبه وذكر تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا ~~قدرة أصلا بقوله تعالى: # {إن عبادي} أي: المؤمنين كلهم {ليس لك} أي: بوجه من الوجوه {عليهم سلطان} ~~أي: لتردهم كلهم عما يرضيني ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس: ~~{وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (إبراهيم، 22) # وقال تعالى في آية أخرى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} (النحل: 99، ~~100) # . {إلا من اتبعك} أي: بتعمد منه ورغبة من اتباعك {من الغاوين} أي: ومات ~~من غير توبة فإني جعلت لك عليهم سلطانا بالتزيين والإغواء وسئل سفيان بن ~~عيينة عن هذه الآية؟ فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق ~~عنه عفوي. وقيل: إن الإضافة للتشريف فلا تشمل إلا الخلص فحينئذ يكون ~~الاستثناء منقطعا وفائدة سوقه بصورة الاستثناء على تقدير الانقطاع الترغيب ~~في رتبة التشريف بالإضافة إليه والرجوع عن اتباع العدو إلى الإقبال عليه ~~لأن ذوي الأنفس الأبية والهمم العلية ينافسون ms1436 في ذلك المقام ويرونه كما هو ~~الحق أعلى مرام. # {وإن جهنم لموعدهم} أي: الغاوين وهم إبليس ومن تبعه {أجمعين} ثم بين ~~تعالى أنهم متفاوتون فيها بقوله تعالى: # {لها} أي: لجهنم {سبعة أبواب} أي: سبع طبقات قال علي رضي الله تعالى عنه: ~~أتدرون كيف أبواب النار؟ هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى، أي: سبعة أبواب ~~بعضها فوق بعض. وإن الله تعالى وضع الجنات على العرض ووضع النيران بعضها ~~على بعض. قال ابن جريج: النار سبعة دركات أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم ~~السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية. تنبيه: تخصيص العدد لأن أهلها سبع فرق ~~وقيل: جعلت سبعة على وفق الأعضاء السبعة من العين والأذن واللسان والبطن ~~والفرج واليد والرجل، لأنها مصادر السيئات فكانت مواردها الأبواب السبعة، ~~ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية والنية من أعمال القلب زادت ~~الأعضاء واحدا فجعلت أبواب الجنان ثمانية قال تعالى: {لكل باب} أي: منها ~~{منهم} أي: من الغاوين خاصة لا يشاركهم فيها مخلص {جزء} أي: نصيب. وقرأ ~~شعبة بضم الزاي والباقون بالسكون {مقسوم} أي: معلوم فلكل دركة قوم ~~يسكنونها. قال الضحاك: في الدرجة الأولى أهل التوحيد الذي أدخلوا النار ~~يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، وفي الثانية النصارى وفي الثالثة اليهود وفي ~~الرابعة الصابئون، وفي # PageV02P203 # الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون، فذلك ~~قوله تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} (النساء، 145) # . وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي أو قال على أمة محمد» . ~~ولما شرح تعالى أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب بقوله تعالى مؤكدا ~~لإنكار المكذبين بالبعث: # {إن المتقين} أي: الذين اتقوا الشرك بالله تعالى كما قال جمهور الصحابة ~~والتابعين وهو الصحيح لأن المتقي والآتي بالتقوى مرة واحدة كما أن الضارب ~~هو الآتي بالضرب مرة واحدة والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة فكما أنه ليس ~~من شرط صدق ms1437 الوصف بكونه ضاربا أو قاتلا كونه آتيا بجميع أنواع الضرب والقتل ~~ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا كونه آتيا بجميع أنواع التقوى لأن الآتي ~~بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى، لأن كل فرد من أفراد الماهية ~~يجب كونه مشتملا على تلك الماهية {في جنات} أي: بساتين. قال الرازي: أما ~~الجنات فأربعة لقوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن، 46) # ثم قال: {ومن دونهما جنتان} (الرحمن، 62) # فيكون المجموع أربعة. وقوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرخمن، 46) # يؤكد ما قلناه لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه من الخوف من الله تعالى. ~~وقوله تعالى: {ولمن خاف} يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة. وقوله ~~تعالى: {وعيون} قال الرازي: يحتمل أن يكون المراد منها ما ذكره الله تعالى ~~في قوله {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من ~~لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمرة لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى} (محمد، ~~15) # . ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منابع مغايرة لتلك الأنهار. فإن ~~قيل: هل كان واحد من المتقين مختص بعيون أو تجري تلك العيون بعضها إلى بعض؟ ~~أجيب: بأن كل واحد من الوجهين محتمل فيجوز أن يختص كل واحد بعين ينتفع هو ~~بها، ومن يختص به من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجاتهم وعلى حسب ~~شهواتهم ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم يطهرون عن الحقد والحسد. ~~وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص برفع العين والباقون بالكسر وقرأ بكسر ~~التنوين في الوصل أبو عمرو وابن ذكوان وعاصم وحمزة والباقون بالضم. ولما ~~كان المنزل لا يحسن إلا بالسلامة والأنس قال تعالى: # {ادخلوها} أي: يقال لهم ذلك {بسلام} أي: سالمين من كل آفة مرحبا بكم ~~{آمنين} من ذلك دائما. ولما كان الأنس لا يكمل إلا بالجنس مع كمال المودة ~~وصفاء القلوب عن الكدر. قال تعالى: {ونزعنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة ~~{ما في صدورهم من غل} أي: حقد كامن في القلب ms1438 ويطلق على الشحناء والعداوة ~~والحسد والبغضاء فكل هذه الخصال المذمومة داخلة في الغل لأنها كامنة في ~~القلب. يروى أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص بعضهم من بعض ثم يؤمر ~~بهم إلى الجنة وقد نقيت قلوبهم من الغل والغش والحقد والحسد حالة كونهم ~~{إخوانا} أي: متصافين حالة كونهم {على سرر} جمع سرير وهو مجلس رفيع موطأ ~~للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ~~يريد على سرر من ذهب مكالة بالزبرجد والدر والياقوت والسرير مثل ما بين ~~صنعاء إلى الجابية {متقابلين} لا يرى بعضهم قفا بعض فإن التقابل # PageV02P204 # التواجه وهو نقيض التدابر ولا شك أن المواجهة أشرف الأحوال. وعند مجاهد ~~رضي الله تعالى عنه تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم ~~متقابلين. تنبيه: ليس المراد الإخوة في النسب بل المراد الإخوة في المودة ~~والمخالطة كما قال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} ~~(الزخرف، 67) # . وعن الجنيد أنه قال: ما أحلى الاجتماع مع الأصحاب وما أمر الاجتماع مع ~~الأضداد. وقوله تعالى: # {لا يمسهم فيها نصب} أي: إعياء وتعب وجهد ومشقة استئناف أو حال بعد حال ~~أو حال من الضمير في متقابلين وقوله تعالى: {وما هم منها بمخرجين} المراد ~~به كونه خلودا بلا زوال وبقاء بلا فناء وكمالا بلا نقصان وفوزا بلا حرمان. ~~ولما ذكر تعالى أحوال المتقين وأحوال غيرهم أتبع ذلك بقوله تعالى: # {نبئ} أي: خبر يا أفضل الخلق {عبادي} إخبارا جليلا {أني أنا} أي: وحدي ~~{الغفور} أي: للمؤمنين {الرحيم} بهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح ~~الياء من عبادي وأني والباقون بالسكون. وأما الهمزة في نبئ فلم يبدلها إلا ~~حمزة في الوقف فقط، وكذا الهمزة من نبئهم ونقل عن حمزة كسر الهاء في الوقف. # {وأن عذابي} أي: وحدي للعصاة {هو العذاب الأليم} أي: المؤلم. تنبيه: في ~~هذه الآية لطائف: الأولى أنه سبحانه وتعالى أضاف العباد إلى نفسه وهذا ~~تشريف عظيم ألا ترى أنه قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ms1439 {سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا} (الإسراء، 1) # . الثانية: أنه تعالى لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيدات بألفاظ ~~ثلاث أولها: قوله تعالى: {أني} . ثانيها: قوله: {أنا} . ثالثها: إدخال حرف ~~الألف واللام على قوله تعالى: {الغفور الرحيم} . ولما ذكر العذاب لم يقل ~~أني أنا المعذب، وما وصف نفسه بذلك، بل قال: {وأن عذابي هو العذاب الأليم} ~~. الثالثة: أنه أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ إليهم هذا المعنى ~~فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. والرابعة: أنه لما ~~قال: {نبئ عبادي} كان معناه نبئ كل من كان معترفا بعبوديتي وهذا كما يدخل ~~فيه المؤمن المطيع كذلك يدخل فيه المؤمن العاصي وكل ذلك يدل على تغليب جانب ~~الرحمة من الله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة ~~فأمسك منها عنده تسعة وتسعين، وأرسل في خلقه رحمة فلو يعلم الكافر بكل الذي ~~عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة. ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله ~~من العذاب لم يأمن من النار» . وعن عبادة رضي الله تعالى عنه قال بلغنا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو يعلم العبد قدر عفو الله ما ~~تورع من حرام، ولو يعلم قدر عذابه لجمع نفسه إلى قتلها» . وعنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه مر بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال: «أتضحكون وقد ذكر الجنة ~~والنار نبى أيديكم فنزل {بنئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} » . ولما بالغ ~~تعالى في تقرير النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد، ثم ذكر تعالى عقبه ~~أحوال القيامة ووصف الأشقياء والسعداء أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام ليكون سماعها مرغبا في العبادة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء ~~ومحذرا عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء وافتتح من ذلك بقصة ~~إبراهيم عليه السلام. فقال تعالى: # {ونبئهم} أي: خبر يا سيد المرسلين عبادي # PageV02P205 # {عن ضيف إبراهيم} وهم ملائكة اثنا عشر أو عشرة ms1440 أو ثلاثة منهم جبريل عليه ~~السلام. فإن قيل: الضيف هو المنضم إلى غيره لطلب القرى؟ أجيب: بأن هؤلاء ~~سموا بهذا الاسم لأنهم على صورة الضيف فهو من دلالة التضمن وقيل أيضا: إن ~~من يدخل دار إنسان ويلتجئ إليه يسمى ضيفا وإن لم يأكل. # {إذ دخلوا عليه} أي: إبراهيم وكان يكنى أبا الضيفان كان لقصره أربعة ~~أبواب لكي لا يفوته أحد {فقالوا سلاما} أي: نسلم عليك سلاما أو سلمت سلاما ~~{قال} إبراهيم عليه السلام بلسان الحال أو المقال {إنا} أي: أنا ومن عندي ~~{منكم وجلون} أي: خائفون وكان خوفهم لامتناعهم من الأكل أو لأنهم دخلوا ~~بغير إذن وبغير وقت والوجل اضطراب النفس لتوقع ما تكره. # {قالوا لا توجل} أي: لا تخف {إنا} رسل ربك {نبشرك بغلام} أي: ولد ذكر في ~~غاية القوة ليس كأولاد الشيوخ ضعيفا. وقرأ حمزة بفتح النون وسكون الباء وضم ~~الشين مخففة والباقون بضم النون وفتح الباء وكسر الشين مشددة {عليم} أي: ذي ~~علم كثير هو إسحاق عليه السلام كما ذكر في هود وتقدم ذكر القصة هناك بأسرها ~~{قال} إبراهيم عليه السلام # {أبشرتموني} أي: بالولد وقوله: {على أن مسني الكبر} حال، أي: مع مسه ~~إياي. فإن قيل: كيف قال {فبم} أي: فبأي شيء {تبشرون} أي: بينوا لي ذلك ~~بيانا شافيا مع أنهم قد بينوا ما بشروا به وما فائدة هذا الاستفهام؟ أجيب: ~~بأنه أراد أن يعرف أن الله تعالى هل يعطيه الولد مع بقائه على صفة الشيخوخة ~~أو يقلبه شابا ثم يعطيه الولد، والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية ~~بأنه لا يحصل في حالة الشيخوخة التامة، وإنما يحصل في حال الشباب أو أنه ~~استفهام تعجب ويدل لذلك قولهم: # {قالوا بشرناك بالحق} قال ابن عباس: يريدون بما قضاه الله تعالى والمعنى ~~أن الله تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحاق ويخرج من صلب إسحاق ذرية ~~مثل ما أخرج من صلب آدم وقولهم: {فلا تكن} أي: بسبب تبشيرنا {من القانطين} ~~أي: الآيسين، نهي لإبراهيم عليه السلام عن القنوط ms1441 ونهي الإنسان عن الشيء لا ~~يدل على كونه فاعلا للمنهي عنه، كما في قوله تعالى: {ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين} (الأحزاب، 1) # ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه # {قال ومن يقنط} أي: ييأس من هذا اليأس. {من رحمة ربه} أي: الذي لم يزل ~~إحسانه عليه {إلا الضالون} أي: المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم من ~~تمام القدرة وأنه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة وقرأ أبو عمرو والكسائي ~~بكسر النون والباقون بفتحها ولما تحقق عليه السلام البشرى ورأى إتيانهم ~~مختفين على غير الصفة التي يأتي عليها الملك للوحي وكان هو وغيره من ~~العارفين بالله عالمين بأنه ما ينزل الملك إلا بالحق كان ذلك سببا لأن ~~يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله ولذلك # {قال} عليه السلام {فما} بفاء السبب {خطبكم} أي: شأنكم. قال أبو حيان: ~~والخطب لا يكاد يقال إلا في الأمر الشديد اه. وقال الرماني: إنه الأمر ~~الجليل. {أيها المرسلون} فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فصلا بين هالك ~~وناج. # {قالوا إنا أرسلنا} أي: أرسلنا العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس في هذا ~~الزمان به {إلى} إهلاك {قوم} أي: ذوي منعة {مجرمين} أي: كافرين وهم قوم لوط ~~وقوله تعالى: # {إلا آل لوط} # PageV02P206 # فيه وجهان أحدهما: أنه استثناء متصل على أنه مستثنى من الضمير المستكن في ~~مجرمين بمعنى أجرموا كلهم إلا آل لوط فإنهم لم يجرموا، ويكون معنى قوله ~~تعالى: {إنا لمنجوهم أجمعين} أي: لإيمانهم استئناف إخبار بنجاتهم لكونهم لم ~~يجرموا أو يكون الإرسال حينئذ شاملا للمجرمين ولآل لوط لا هلاك أولئك ~~وإنجاء هؤلاء. والثاني: أنه استثناء منقطع لأن آل لوط لم يندرجوا في ~~المجرمين البتة فيكون قوله تعالى: {إنا لمنجوهم أجمعين} جرى مجرى خبر لكن ~~في اتصاله بآل لوط لأن المعنى لكن آل لوط منجوهم وقرأ حمزة والكسائي بسكون ~~النون وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون وتشديد الجيم وقوله تعالى: # {إلا امرأته} استثناء من آل لوط أو من ضميرهم على الأول وعلى الثاني لا ~~يكون إلا من ضميرهم لاختلاف ms1442 الحكمين اللهم إلا أن يجعل {إنا لمنجوهم} ~~اعتراضا وقوله تعالى: # {قدرنا} قرأ شعبة بتخفيف الدال والباقون بالتشديد {إنها لمن الغابرين} ~~أي: من الباقين في العذاب لكفرها. # تنبيه: معنى التقدير في اللغة جعل الشيء على مقدار غيره يقال: قدر هذا ~~الشيء لهذا، أي: اجعله على مقداره وقدر الله تعالى الأقوات، أي: جعلها على ~~مقدار الكفاية ويفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله تعالى عليه وقدره ~~عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر وقيل: معنى قدرنا كتبنا. ~~وقال الزجاج: دبرنا. فإن قيل: لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع ~~أنه لله عز وجل؟ أجيب: بأنهم إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب ~~والاختصاص بالله تعالى كما تقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر ~~والآمر هو الملك لا هم وإنما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص ~~بذلك الملك فكذا هنا. ولما بشر الملائكة عليهم السلام إبراهيم عليه السلام ~~بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون بعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد إبراهيم عليه ~~السلام إلى لوط وآله وهذه هي القصة الثانية المذكورة في هذه السورة قال ~~تعالى: # {فلما جاء آل لوط المرسلون} ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ قالون ~~والبزي وأبو عمرو بإسقاط واحدة منهما مع المد والقصر. وقرأ ورش وقنبل ~~بتسهيل الثانية وإبدالها حرف مد والباقون بتحقيق الهمزتين وكذا {وجاء أهل ~~المدينة} (الحجر، 67) # {قال} لهم {إنكم قوم منكرون} لأنهم دخلوا عليه هجما فاستنكرهم وخاف من ~~دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه، ولأجل أنهم كانوا شبابا مردا حسان الوجوه ~~فخاف أن يهجم قومه عليهم بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة. وقيل: إن النكرة ضد ~~المعرفة فقوله عليه السلام {إنكم قوم منكرون} أي: لا أعرفكم ولا أعرف أنكم ~~من أي الأقوام أنتم، ولأي غرض دخلتم علي فعند ذلك. # {قالوا} أي: الملائكة {بل جئناك بما} أي: بالعذاب الذي {كانوا} أي: قومك ~~{فيه يمترون} أي: يشكون في نزوله بهم والجاهل يوصف بالشك وإن كان مكذبا من ~~جهة ما يعرض له منه من حيث أنه لا ms1443 يرجع إلى نفسه فيما هو عليه ثم أكدوا ما ~~ذكروه بقولهم: {وأتيناك بالحق} أي: باليقين الذي لا يشك فيه ثم أكدوا هذا ~~التأكيد بقولهم: # {وإنا لصادقون} أي: فيما أخبرناك به {فأسر بأهلك} أي: فاذهب بهم في الليل ~~{بقطع من الليل} أي: في طائفة من الليل وقيل: هي آخره، قال الشاعر: # *افتحي الباب وانظري في النجوم ... كم علينا من قطع ليل بهيم # PageV02P207 # كأنه طال عليه الليل فخاطب ضجيعته بذلك أو كان يحب طول الليل للوصال. ~~وقرأ نافع وابن كثير بوصل همزة فأسر بعد الفاء من السرى، والباقون بالقطع ~~وهما بمعنى. {واتبع أدبارهم} أي: وكن على آثار أهلك وسر خلفهم وتطلع على ~~أحوالهم {ولا يلتفت منكم أحد} أي: لئلا يرى أليم ما نزل بهم من البلاء، ~~وقيل: جعل ترك الإلتفات علامة لمن ينجو من آل لوط {وامضوا حيث تؤمرون} أي: ~~إلى المكان الذي أمركم الله بالمضي إليه، قال ابن عباس: هو الشأم. وقال ~~الفضيل: حيث يقول لكم جبريل وذلك أن جبريل أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة ~~ما عمل أهلها عمل قوم لوط، وقيل: إلى الأردن، وقيل: إلى مصر. تنبيه: حيث ~~ههنا على بابها من كونها ظرف مكان مبهم ولإبهامها تعدى إليها الفعل من غير ~~واسطة. # {وقضينا} أي: وأوحينا {إليه} ولما ضمن قضينا معنى الإيحاء تعدى بإلى ~~ومثله {وقضينا إلى بني إسرائيل} (الإسراء، 4) # وقوله تعالى: {ذلك الأمر} مبهم تفسيره {أن دابر هؤلاء مقطوع} أي: ~~مستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد وقوله تعالى: {مصبحين} حال من ~~هؤلاء أو من الضمير في مقطوع وجمعه للحمل على المعنى فإن دابر هؤلاء في ~~معنى مدبري هؤلاء، أي: يتم استئصالهم في الصباح. # {وجاء أهل المدينة} أي: مدينة من مدائن قوم لوط وهي سذوم بسين مهملة وذال ~~معجمة وأخطأ من قال بمهملة {يستبشرون} أي: بأضياف لوط طمعا فيهم وليس في ~~الآية دليل على المكان الذي جاؤوه إلا أن القضية تدل على أنهم جاؤوا دار ~~لوط. وقيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى ms1444 وصل إلى ~~قوم لوط. وقيل: امرأة لوط أخبرتهم بذلك. قال الرازي: وبالجملة فالقوم قالوا ~~نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجها ولا أحسن شكلا منهم فذهبوا ~~إلى دار لوط طلبا منهم لأولئك المرد والاستبشار إظهار السرور ولما وصلوا ~~إليه. # {قال} لهم لوط: {إن هؤلاء ضيفي} أي: وحق على الرجل إكرام الضيف {فلا ~~تفضحون} فيهم يقال: فضحه إذا أظهر من أمره ما يلزم به العار وإذا قصد الضيف ~~بسوء كان ذلك إهانة لصاحب المحل ثم أكد ذلك بقوله: # {واتقوا} أي: خافوا {الله} في أمرهم {ولا تخزون} أي: ولا تخجلوني فيهم ~~بقصدكم إياهم بفعل الفاحشة من الخزاية وهي الحياء أو لا تذلوني بسببهم من ~~الخزي وهو الهوان. # {قالوا} أي: قومه في جواب قوله لهم {أو لم ننهك عن العالمين} أي: عن أن ~~تضيف أحدا من العالمين، وقيل: أو لم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة فإنا ~~نطلب منهم الفاحشة، وقيل: أو لم ننهك أن تمنع بيننا وبينهم فإنهم كانوا ~~يتعرضون لكل أحد وكان لوط عليه السلام يمنعهم عنهم بقدر وسعه # ثم {قال} لهم: {هؤلاء بناتي} أي: نساء القوم لأن كل أمة أولاد نبيها ~~رجالهم بنوه ونساؤهم بناته فكأنه قال لهم: هؤلاء بناتي فانكحوهن وخلوا بني ~~فلا تتعرضوا لهم {إن كنتم فاعلين} أي: ما أقول لكم أو قضاء الشهوة والكلام ~~في ذلك قد مر بالاستقصاء في سورة هود وقرأ نافع بفتح ياء بناتي والباقون ~~بسكونها قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على لسان ملائكته: # {لعمرك} أي: وحياتك وما أقسم بحياة أحد غيره وذلك يدل على أنه أكرم الخلق ~~على الله تعالى {إنهم لفي سكرتهم} أي: شدة غفلتهم التي أزالت عقولهم ~~{يعمهون} أي: يتحيرون الخطاب للوط عليه السلام قالت له الملائكة ذلك، أي: # PageV02P208 # فكيف يعقلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك. تنبيه: لعمرك مبتدأ محذوف الخبر ~~وجوبا وإنهم وما حيزه جواب القسم تقديره: لعمرك قسمي أو يميني إنهم والعمر ~~والعمر بالفتح والضم واحد وهو البقاء إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار ms1445 ~~الأخف فيه وذلك لأن الحلف كثير الدور على ألسنتهم بلعمري ولعمرك. {فأخذتهم ~~الصيحة} أي: صيحة هائلة مهلكة وهل هي صيحة جبريل عليه السلام. قال الرازي: ~~ليس في الآية دليل على ذلك فإن ثبت بدليل قوي قيل به وإلا ليس في الآية ~~دليل إلا أنهم جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله تعالى: {مشرقين} أي: داخلين ~~في وقت الشروق وهو بزوغ الشمس حال من مفعول أخذتهم ثم بين سبحانه وتعالى ما ~~تسبب عن الصيحة معقبا لها بقوله تعالى: # {فجعلنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة {عاليها} أي: مدائنهم {سافلها} ~~بأن رفعها جبريل عليه السلام إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض {وأمطرنا ~~عليهم} أي: أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم {حجارة من سجيل} أي: طين ~~طبخ بالنار. تنبيه: دلت الآية الكريمة على أن الله تعالى عذبهم بثلاثة ~~أنواع من العذاب أحدها الصيحة الهائلة المنكرة وثانيها: أنه جعل عاليها ~~سافلها، وثالثها: أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في ~~سورة هود. # {إن في ذلك} أي: المذكور من هذه الأنواع {لآيات} أي: دلالات على وحدانية ~~الله تعالى {للمتوسمين} أي: للناظرين المعتبرين جمع متوسم وهو الناظر في ~~السمة حتى يعرف حقيقة الشيء وسمته. # {وإنها} أي: هذه المدائن {لبسبيل} أي: طريق قريش إلى الشأم {مقيم} أي: لم ~~يندرس بل يشاهدون ذلك ويرون أثره أفلا يعتبرون. ثم قال سبحانه وتعالى مشيرا ~~إلى زيادة الحث على الاعتبار بالتأكيد # {إن في ذلك} أي: هذا الأمر العظيم {لآية} أي: علامة عظيمة في الدلالة على ~~وحدانيته تعالى {للمؤمنين} أي: كل من آمن بالله وصدق الأنبياء والرسل عرف ~~أن ذلك إنما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال، أما ~~الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه، ثم ذكر ~~تعالى القصة الثالثة وهي قصة شعيب عليه السلام بقوله تعالى: # {وإن} مخففة من الثقيلة، أي: وإنه {كان} أي: جبلة وطبعا {أصحاب الأيكة} ~~وهم قوم شعيب عليه السلام وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الشعراء ~~والأيكة الشجر ms1446 المتكاثف وقيل الشجر الملتف وقال ابن عباس: هي شجر المقل. ~~وقال الكلبي: الأيكة الغيضة، أي: غيضة شجر بقرب مدين. {لظالمين} أي: عريقين ~~في الظلم بتكذيبهم شعيبا عليه السلام. # {فانتقمنا منهم} أي: بسبب ذلك قال المفسرون: اشتد الحر فيهم أياما ثم ~~اضطرم عليهم المكان نارا فهلكوا عن آخرهم وقوله تعالى: {وإنهما} فيه قولان: ~~الأول: أن المراد قرى قوم لوط والأيكة. والقول الثاني: أن الضمير للأيكة ~~ومدين، لأن شعيبا كان مبعوثا إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين ~~فجاء ضميرهما {لبإمام} أي: طريق {مبين} أي: واضح والإمام اسم لما يؤتم به. ~~قال الفراء: إنما جعل الطريق إماما لأنه يؤم ويتبع وقال ابن قتيبة: لأن ~~المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي يريده ثم ذكر تعالى القصة الرابعة ~~وهي قصة صالح عليه السلام بقوله # PageV02P209 # تعالى: # {ولقد كذب أصحاب الحجر} وهم ثمود قوم صالح عليه السلام وديارهم بين ~~المدينة الشريفة والشام {المرسلين} أي: كلهم بتكذيب رسولهم كما كذب هؤلاء ~~المرسلين بتكذيبك لأن الرسل يشهد بعضهم لبعض بالصدق فمن كذب واحدا منهم فقد ~~كذب الجميع وهم في إثبات الرسالة بالمعجزة على حد سواء ثم أتبع ذلك قوله ~~تعالى: {وآتيناهم} أي: بما لنا من العظمة والقدرة على يد رسولهم صالح عليه ~~السلام {آياتنا} أي: آيات الكتاب المنزل على نبيهم أو معجزات كالناقة وكان ~~فيها آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظيم خلقها وقرب ولادتها وغزارة لبنها ~~وإنما أضاف الآيات إليهم وإن كانت لنبيهم صالح عليه السلام لأنه مرسل من ~~ربهم إليهم بهذه الآيات {فكانوا عنها} أي: الآيات {معرضين} أي: تاركيها غير ~~ملتفتين إليها لا يتفكرون فيها ثم أخبر تعالى عنهم أنهم كانوا مثل هؤلاء في ~~الأمن من العذاب والغفلة عما يراد بهم مع أنهم كانوا أشد منهم فقال تعالى: # {وكانوا ينحتون} والنحت قلع جزء بعد جزء من الجسم على سبيل المسح {من ~~الجبال} أي: التي تقدم أنا جعلناها رواسي. {بيوتا آمنين} عليها من الإنهدام ~~ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها لا كبيوتكم التي لا بقاء لها ms1447 على أدنى ~~درجة. وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص برفع الباء والباقون بكسرها. {فأخذتهم ~~الصيحة} أي: صيحة العذاب {مصبحين} أي: وقت الصبح. # {فما أغنى} أي: ما دفع {عنهم} الضر والبلاء {ما كانوا يكسبون} أي: يعملون ~~من بناء البيوت الوثيقة واستكثار الأموال والعدد. وعن جابر رضي الله تعالى ~~عنه مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا: «لا تدخلوا ~~مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء ~~ثم زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلفها» . ولما ذكر ~~تعالى هذه القصص تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنه إذا سمع أن الأمم ~~السالفة كانوا يعاملون أنبياء الله بمثل هذه المعاملات سهل تحمل تلك ~~السفاهة قال تعالى: # {وما خلقنا السموات والأرض} أي: على ما لها من العلو والسعة والأرض على ~~ما لها من المنافع والغرائب {وما بينهما} من هؤلاء المشركين المكذبين ~~وعذابهم ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك {إلا ~~بالحق} أي: إلا خلقا ملتبسا بالحق فيتفكر فيه من وفقه الله تعالى ليعلم ~~النشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى {وإن الساعة} أي: القيامة {لآتية} لا ~~محالة فيجازي الله تعالى كل أحد بعمله ثم إنه تعالى لما صبره على أذى قومه ~~رغبه بعد ذلك في الصفح عن سيئاتهم بقوله تعالى: # {فاصفح الصفح الجميل} أي: أعرض عنهم إعراضا لا جزع فيه ولا تعجل ~~بالإنتقام منهم وهذا منسوخ بآية السيف. قال الرازي: وهو بعيد لأن المقصود ~~من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والصفو والصفح فكيف يصير منسوخا اه. والأول جرى ~~عليه البغوي وجماعة من المفسرين ثم علل تعالى هذا الأمر بقوله: # {إن ربك} أي: المحسن إليك الآمر لك بهذا {هو} أي: وحده {الخلاق} أي: ~~المتكرر منه هذا الفعل {العليم} أي: البالغ العلم بكل المعلومات فليست ~~أقوالهم وأفعالهم إلا منه سبحانه وتعالى لأنه خالقها وقد علمت أنه لا يضيع ~~مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك فإنه نعم المولى ونعم النصير. ولما صبره ms1448 ~~الله تعالى على أذى قومه وأمره أن يصفح # PageV02P210 # الصفح الجميل، أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى أفضل خلقه ~~بها بقوله تعالى: # {ولقد آتيناك} يا أفضل الخلق بما لنا من العظمة والقدرة، كما آتينا صالحا ~~ما تقدم {سبعا} يكون كل سبع منها كفيلا بإغلاق باب أبواب من النيران السبعة ~~وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة ~~زيادة في حفظها وتبركا بلفظها وتذكرا لمعانيها وتخصيصا لها عن بقية الذكر ~~الذي تكفلنا بحفظه، والسبب في وقوع هذا الاسم على الفاتحة لأنها سبع آيات ~~وهذا ما عليه أكثر المفسرين. روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وقال: ~~«هي السبع المثاني» . رواه أبو هريرة، وقيل: المراد سبع سور وهي الطوال. ~~واختلف في السابعة فقيل: الأنفال وبراءة لأنهما في حكم سورة ولذلك لم يفصل ~~بينهما بآية البسملة، وقيل: الحواميم السبع، وقيل: سبع صحائف وهي الأسباع ~~وقوله تعالى: {من المثاني} صفة للسبع وهو جمع واحده مثناة والمثناة كل شيء ~~يثنى، أي: يجعل اثنين من قولك: ثنيت الشيء ثنيا، أي: عطفته وضممت إليه آخر ~~ومنه يقال لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني، لأنها تثنى بالفخذ والعضد ومثاني ~~الوادي معاطفه. أما تسمية الفاتحة بالمثاني فلوجوه: الأول: أنها تثنى في كل ~~صلاة بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة. الثاني: أنها تثنى بما بعدها فيما يقرأ ~~معها. الثالث: أنها قسمت قسمين اثنين لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» والحديث مشهور، وقد ~~ذكرته في وجه تسميتها صلاة عند ذكرها. الرابع: أنها قسمان اثنان ثناء ودعاء ~~وأيضا النصف الأول منها حق الربوبية وهو الثناء، والنصف الثاني حق العبودية ~~وهو الدعاء. الخامس: أن كلماتها مثناة مثل {الرحمن الرحيم} ، {إياك نعبد ~~وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} . وأما السور ~~والأسباع فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، ~~ولما فيها من الثناء كأنها تثنى على الله تعالى بأفعاله العظمى وصفاته ms1449 ~~الحسنى. تنبيه: # من في {من المثاني} إما للبيان أو للتبعيض، إذا أردت بالسبع الفاتحة أو ~~الطوال وللبيان إن أردت الأسباع. قال الزمخشري: ويجوز أن تكون كتب الله ~~كلها مثاني لأنها تثنى عليه لما فيها من المواعظ المكررة ويكون القرآن ~~بعضها، وقوله تعالى: {والقرآن العظيم} أي: الجامع لجميع معاني الكتب ~~السماوية المتكفل بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى فيه أوجه أحدها: أنه من ~~عطف بعض الصفات على بعض، أي: الجامع بين هذين النعتين. الثاني: أنه من عطف ~~العام على الخاص إذ المراد بالسبع إما الفاتحة وإما الطوال، فكأنه ذكر ~~مرتين بجهة الخصوص ثم باندراجه في العموم. الثالث: أن الواو مقحمة. ولما ~~عرف سبحانه وتعالى رسوله عظيم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين وهو أنه آتاه ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم نهاه عن الرغبة في الدنيا بقوله تعالى: # {لا تمدن عينيك} أي: لا تشغل سرك وخاطرك بالالتفات {إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم} أي: أصنافا من الكفار والزوج في اللغة الصنف وقد أوتيت القرآن ~~العظيم الذي فيه غنى عن كل شيء. قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: من أوتي ~~القرآن فرأى أن أحدا أوتي في الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم ~~صغيرا. وتأول سفيان بن عيينة هذه الآية بقول النبي صلى الله # PageV02P211 # عليه وسلم «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» ، أي: لم يستغن. وقال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما: {لا تمدن عينيك} أي: لا تتمن ما فضلنا به أحدا من ~~متاع الدنيا، وقيل: أتت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود قريظة والنضير فيها ~~أنواع البز والطيب والجوهر وسائر الأمتعة فقال المسلمون: لو كانت هذه ~~الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في طاعة الله تعالى فقال الله تعالى: ~~لقد أعطيتكم سبع آيات هن خير من هذه القوافل السبع. وقرر الواحدي هذا ~~المعنى فقال: إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه وإدامة ~~النظر إلى الشيء تدل على استحسانه وتمنيه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا ينظر إلى ما ms1450 يستحسن من متاع الدنيا. روي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق ~~وقد عوست في أبوالها وأبعارها وهو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها إذا ~~تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها ولحومها وهي أحسن ما تكون. وعن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «انظروا ~~إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا ~~نعمة الله عليكم» . وقوله تعالى: {ولا تحزن عليهم} نهي له عن الالتفات ~~إليهم إن لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار. ولما نهاه سبحانه وتعالى عن ~~الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين ~~بقوله تعالى: # {واخفض جناحك} أي: ألن جانبك {للمؤمنين} أي: العريقين في هذا الوصف واصبر ~~نفسك معهم وارفق بهم. ولما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالزهد ~~في الدنيا والتواضع للمؤمنين أمره بتبليغ ما أرسل به إليهم بقوله تعالى: ~~{وقل إني أنا النذير} من عذاب الله أن ينزل عليكم إن لم تؤمنوا. وقرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون {المبين} أي: البين ~~الإنذار وقوله تعالى: {كما أنزلنا} أي: العذاب {على المقتسمين} قال ابن ~~عباس: هم اليهود والنصارى سموا بذلك لأنهم آمنوا ببعض القرآن وكفروا ببعضه ~~فما وافق كتبهم آمنوا به وما خالف كتبهم كفروا به. وقال عكرمة: إنهم ~~اقتسموا سور القرآن فقال واحد: هذه السورة لي. وقال آخر: هذه السورة لي، ~~وإنما فعلوا ذلك استهزاء به. وقال مجاهد: أنهم اقتسموا كتبهم فآمن بعضهم ~~ببعضها وكفر بعضهم ببعضها. وقال قتادة: أراد بالمقتسمين كفار قريش قال: ~~سموا بذلك لأن أقوالهم تقسمت في القرآن فقال بعضهم: إنه سحر وزعم بعضهم أنه ~~كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين. وقال ابن السائب: سموا بالمقتسمين ~~لأنهم اقتسموا طرق مكة، وذلك أن الوليد بن المغيرة بعث رهطا من أهل مكة ~~قيل: ستة عشر، وقيل: أربعين. وقال: انطلقوا فتفرقوا على طرق مكة حيث يمر ~~بكم أهل الموسم فإذا سألوكم عن محمد ms1451 فليقل بعضكم: إنه مجنون وليقل بعضكم: ~~إنه كاهن وليقل بعضكم: إنه ساحر وليقل بعضكم: إنه شاعر فذهبوا وقعدوا على ~~طرق مكة يقولون ذلك لمن يمر بهم من حجاج العرب وقعد الوليد بن المغيرة على ~~باب المسجد الحرام نصبوه حكما فإذا جاؤوا سألوا عما قال أولئك فيقول: صدقوا ~~فأهلكهم الله تعالى يوم بدر. # وقوله تعالى: {الذين جعلوا القرآن عضين} نعت للمقتسمين وقال ابن عباس: هم ~~اليهود والنصارى جزؤوا القرآن أجزاء فآمنوا بما وافق التوراة والإنجيل ~~وكفروا بالباقي. وقال مجاهد: قسموا كتاب الله ففرقوه وبددوه، وقيل: كانوا ~~يستهزؤون به # PageV02P212 # فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول بعضهم: سورة آل عمران لي. وقيل: ~~اقتسموا القرآن فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: شعر. وقال بعضهم: كذب. وقال ~~بعضهم: أساطير الأولين. وقيل: هم أهل الكتاب آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعض ~~على أن القرآن ما يقرؤونه من كتبهم فيكون ذلك تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم وقولهم سحر وشعر وأساطير الأولين ~~بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم.l # تنبيه: عضين جمع عضة وهي الفرقة والعضين الفرق وتقدم معنى جعلهم القرآن ~~كذلك وقيل: العضة السحر بلغة قريش يقولون هو عاضه وهي عاضهة. وفي الحديث: ~~«لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة» ، أي: الساحرة ~~والمستسحرة وقيل: هو من العضه وهو الكذب والبهتان، يقال: عضهه عضها وعضيهة، ~~أي: رماه بالبهتان وقيل: جمع عضو مأخوذ من قولهم: عضيت الشيء أعضيه إذا ~~فرقته وجعلته أجزاء وذلك أنهم جعلوا القرآن أعضاء مفرقة فقال بعضهم: سحر. ~~وقال بعضهم: أساطير الأولين. ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه على أنه يسأل ~~هؤلاء المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين بقوله تعالى: {فوربك لنسألنهم ~~أجمعين عما كانوا يعملون} فيكون الضمير عائدا على المقتسمين لأنه الأقرب ~~ويحتمل أن يعود على جميع المكلفين لأن ذكرهم تقدم في قوله تعالى: {وقل إني ~~أنا النذير المبين} (الحجر، 89) # أي: لجميع الخلق قال جماعة من المفسرين: يسألون عن لا إله إلا الله. وقال ~~أبو العالية: يسألون ms1452 عما كانوا يعبدون وما أجابوا به المرسلين. فإن قيل: ~~كيف الجمع بين قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين} وبين قوله تعالى: ~~{فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} (الرحمن، 39) # أجيب: بأن النفي ينصرف إلى بعض الأوقات والاثبات إلى وقت آخر لأن يوم ~~القيامة يوم طويل وفيه مواقف يسألون في بعضها ولا يسألون في بعض آخر. ~~ونظيره قوله تعالى: {هذا يوم لا ينطقون} (المرسلات، 35) # . وقال في آية أخرى: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} (الزمر، 31) # ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {فاصدع} أي: اجهر بعلو وشدة فارقا بين الحق والباطل. وقرأ حمزة والكسائي ~~بإشمام الصاد الساكنة قبل الدال والباقون بالصاد الخالصة. {بما} أي: بسبب ~~ما {تؤمر} به. أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة. ~~روي عن عبد الله بن عبيدة قال: كان مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو ~~وأصحابه. {وأعرض} أي: إعراض من لا يبالي {عن المشركين} بالصفح الجميل عن ~~الأذى والاجتهاد في الدعاء ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة. قال ~~بعض المفسرين كالبغوي: وهذا منسوخ بآية القتال، قال الرازي: وهو ضعيف لأن ~~معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخا. ولما كان هذا الصدع في ~~غاية الشدة عليه صلى الله عليه وسلم لكثرة ما يلقى عليه من الأذى خفف عنه ~~سبحانه وتعالى بقوله معللا له: # {إنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة {كفيناك المستهزئين} أي: شر الذين ~~هم عريقون في الاستهزاء وهم خمسة نفر من رؤوساء قريش الوليد بن المغيرة، ~~والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، ~~ووصف سبحانه وتعالى هؤلاء بقوله تعالى: # {الذين يجعلون مع الله إلها آخر} وقيل: ليس بصفة بل مبتدأ ولتضمنه معنى ~~الشرط دخلت الفاء في خبره # PageV02P213 # وهو {فسوف يعلمون} أي: عاقبة أمرهم في الدارين. ولما ذكر سبحانه وتعالى ~~أن قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون قال له تعالى: # {ولقد نعلم} أي: نحقق وقوع علمنا {أنك} أي: ms1453 على ما لم من الحلم وسعة ~~البطان {يضيق صدرك} أي: يوجد ضيقه ويتجدد {بما يقولون} أي: من الاستهزاء ~~والتكذيب بك وبالقرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند ~~هذا قال تعالى: # {فسبح} ملتبسا {بحمد ربك} أي: نزهه عن صفات النقص. وقال الضحاك: قل سبحان ~~الله وبحمده. وقال ابن عباس: فصل بأمر ربك. {وكن من الساجدين} أي: من ~~المصلين. روي أنه صلى الله عليه وسلم «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» . ~~وقدمت معناه في سورة البقرة. تنبيه: اختلف الناس كيف صار الإقبال على ~~الطاعات سببا لزوال ضيق القلب والحزن فقال العارفون المحققون: إذا اشتغل ~~الإنسان بهذه الأنواع من العبادات يتنور باطنه ويشرق عليه وينفسح وينشرح ~~صدره فعند ذلك يعرف قدر الدنيا وحقارتها فلا يلتفت إليها. وقال بعض ~~الحكماء: إذا نزل بالإنسان بعض المكاره ففزع إلى الطاعات فكأنه يقول: يا رب ~~يجب علي عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات فأنا عبدك ~~بين يديك فافعل بي ما تشاء {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال ابن عباس: ~~يريد الموت، وسمى الموت يقينا لأنه أمر متيقن وهذا مثل قوله تعالى في سورة ~~مريم: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} (مريم، 31) # . وروى البغوي بسنده عن ابن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«ما أوحى الله إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحى إلي أن {سبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} » . فإن قيل: أي: ~~فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟ ~~أجيب: بأن المراد منه واعبد ربك في جميع زمان حياتك فلا تخل لحظة من لحظات ~~الدنيا بهذه العبادات. وعن عمر رضي الله عنه قال: نظر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين ~~أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب ولقد ms1454 رأيت عليه حلة شراها أو قال شريت ~~له بمائتي درهم فدعاه حب الله وحب رسوله إلى ما ترون» . وما رواه البيضاوي ~~تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الحجر كان له ~~من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. حديث موضوع. ### | سورة النحل # مكية # إلا قوله تعالى: {وإن عاقبتم} إلى آخر السورة وحكى الأصم عن بعضهم أنها ~~كلها مدنية وقال آخرون: من أولها إلى قوله: {كن فيكون} مدني وما سواه مكي. ~~وعن قتادة بالعكس، وتسمى سورة النعم والمقصود من هذه السورة الدلالة على ~~أنه تعالى تام القدرة والعلم فاعل بالاختيار منزه عن شوائب النقص وأدل ما ~~فيها على هذا المعنى أمر النحل، لما ذكر من شأنها في دقة الفهم في ترتيب # PageV02P214 # بيوتها ورحبها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها ~~وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضارة وغير ذلك من الأمور ووسمها ~~بالنعم واضح وهي مائة وثمانية وعشرون آية وألفان وثمانمائة وأربعون كلمة ~~وعدد حروفها سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف. # {بسم الله} أي: المحيط بدائرة الكمال فما شاء فعل {الرحمن} أي: الذي عمت ~~نعمته جليل خلقه وحقيره صغيره وكبيره. {الرحيم} أي: الذي خص من شاء بنعمته ~~النجاة مما يسخطه بما يراه وقوله تعالى: # {أتى أمر الله} فيه وجهان أحدهما أنه ماض لفظا مستقبل معنى إذ المراد به ~~يوم القيامة وإنما أبرزه في صورة ما وقع وانقضى تحقيقا له ولصدق المخبر به. ~~والثاني: أنه على بابه والمراد مقدماته وأوائله وهو نصر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أي: جاء أمر الله ودنا وقرب فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد ~~أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع. يقال لمن طلب الإعانة وقرب ~~حصولها: جاءك الغوث، أي: أتى أمر الله وعدا {فلا تستعجلوه} وقوعا قبل مجيئه ~~فإنه واقع لا محالة روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت أنا والساعة ~~كهاتين وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى» . قال ابن عباس: ms1455 كان مبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة. ولما مر جبريل بأهل السموات مبعوثا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: الله أكبر قامت الساعة. وروي أنه لما ~~نزلت {اقتربت الساعة} قال (القمر، 1) # قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا، أي: محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أن ~~القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تقولون حتى ننظر ما هو كائن، فلما ~~تأخرت قالوا: ما نرى شيئا فنزل {اقترب للناس حسابهم} (الأنبياء، 1) # فاشفقوا وانتظروا فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما ~~تخوفنا به فنزل {أتى أمر الله} فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع ~~الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزل {فلا تستعجلوه} فاطمأنوا فكأن ~~الكفار قالوا: سلمنا لك يا محمد إلا أنا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند ~~الله تعالى فتخلصنا من هذا العذاب المحكوم به فأجابهم الله تعالى بقوله ~~تعالى: {سبحانه} أي: تنزيها له {وتعالى عما يشركون} أي: تبرأ سبحانه وتعالى ~~بالأوصاف الحميدة عن أن يكون له شريك في ملكه. وقرأ حمزة والكسائي أتى ~~بالإمالة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح. وقرأ حمزة ~~والكسائي عما يشركون في الموضعين بالتاء على وفق قوله فلا تسعجلوه والباقون ~~بالياء على الغيبة على تلوين الخطاب أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ~~ولغيرهم. ولما أجاب سبحانه وتعالى الكفار عن شبهتهم بقوله تنزيها لنفسه عما ~~يشركون وكان الكفار قالوا: هب أن الله تعالى قضى على بعض عبيده بالشر وعلى ~~آخرين بالخير ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأمور التي لا يعلمها إلا الله ~~تعالى؟ وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله تعالى وأحكامه في ملكه وملكوته ~~فأجابهم الله تعالى بقوله: # {ينزل الملائكة} قال ابن عباس: يريد بالملائكة جبريل وحده. قال الواحدي: ~~يسمى الواحد بالجمع إذا كان ذلك الواحد رئيسا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بتخفيف الزاي والباقون بتشديدها والمراد {بالروح} الوحي أو القرآن فإن ~~القلوب تحيا به من موت الجهالات وقوله تعالى: {من أمره} أي: بإرادته ms1456 حال من ~~الروح {على من يشاء من عباده} وهم الأنبياء {أن أنذروا} أي: خوفوا الكافرين ~~بالعذاب وأعلموهم {أنه} # PageV02P215 # أي: الشأن {لا إله إلا أنا} أي: لا إله غيري وقوله تعالى: {فاتقون} أي: ~~خافوني رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود. تنبيه: في قوله تعالى: {أن ~~أنذروا} ثلاثة أوجه أحدها: أنها المفسرة لأن الوحي فيه ضرب من القول ~~والإنزال بالروح عبارة عن الوحي قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا} (الشورى، 52) # . الثاني: أنها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. الثالث: ~~أنها المصدرية التي من شأنها نصب المضارع ووصلت بالأمر كقولهم: كتبت إليه ~~بأن قم والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة وأن النبوة عطاءة. ~~ولما وحد سبحانه وتعالى نفسه ذكر الآيات الدالة على وحدانيته من حيث أنها ~~تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة ~~بقوله تعالى: # {خلق السموات} أي: التي هي السقف المظل {والأرض} أي: التي هي البساط ~~المقل. {بالحق} أي: أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها ~~وخصصها بحكمته {تعالى} أي: تعاليا فات الوصف {عما يشركون} به من الأصنام. ~~ولما كان خلق السموات والأرض غيبا لتقدمه وكان خلق الإنسان على هذه الصفة ~~شهادة فتكون أقوى في الدلالة على وحدانيته تعالى قال تعالى: {خلق الإنسان} ~~أي: هذا النوع {من نطفة} أي: آدم عليه السلام من مطلق الماء ومن تفرع منه ~~بعد زوجه حواء من ماء مقيد بالدفق إلى أن صيره قويا شديدا {فإذا هو خصيم} ~~أي: شديد الخصومة {مبين} أي: بينها. روي أن أبي بن خلف الجمحي وكان ينكر ~~البعث جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم فقال: تزعم يا محمد أن ~~الله يحيي هذا العظم بعدما قد رم فنزلت هذه الآية، ونزل فيه أيضا قوله ~~تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم} (يس، 78) # . قال الخازن في تفسيره: والصحيح أن الآية عامة في كل ما يقع فيه الخصومة ~~في الدنيا ويوم القيامة وحملها على العموم أولى. ولما كان أشرف الأجسام ms1457 ~~الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات وأشرفها الأنعام ~~ذكرها بقوله تعالى: # {والأنعام} أي: الأزواج الثمانية الضأن، والمعز، والإبل، والبقر، ونصبه ~~بفعل يفسره {خلقها} . قال الواحدي: تم الكلام عند قوله: {والأنعام خلقها} ~~ثم ابتدأ فقال: {لكم فيها دفء} أي: ما يدفأ به من اللباس والأكسية ونحوها ~~المتخذة من الأصواف والأوبار والأشعار. قال: ويجوز أيضا أن يكون تمام ~~الكلام عند قوله: {والأنعام خلقها لكم} ثم ابتدأ فقال تعالى: {فيها دفء} . ~~قال الرازي: قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله تعالى: ~~{خلقها} والدليل عليه أنه عطف عليه {ولكم فيها جمال} والتقدير لكم فيها دفء ~~ولكم فيها جمال. ولما ذكر تعالى الأنعام ذكر لها أنواعا من المنافع الأول: ~~قوله تعالى: {لكم فيها دفء} . والنوع الثاني: قوله تعالى: {ومنافع} أي: ~~ولكم فيها منافع من نسلها ودرها وركوبها والحمل عليها وسائر ما ينتفع به من ~~الأنعام وإنما عير تعالى عن ذلك بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على الوصف ~~الأعم لأن الدر والنسل قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به في البيع بالنقود ~~وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات، فعبر عن جملة هذه الأقسام ~~بلفظ المنافع ليتناول الكل. النوع الثالث: قوله تعالى: {ومنها تأكلون} فإن ~~قيل: تقديم الظرف يفيد الحصر لأن تقديم # PageV02P216 # الظرف موذن بالاختصاص وقد يؤكل من غيرها. أجيب: بأن الأكل من هذه الأنعام ~~هو الذي يعتمده الناس في معايشهم، وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط ~~والأوز وصيد البر والبحر فليس بمعتد به في الأغلب، وأكله يجري مجرى التفكه ~~به فخرج ومنها تأكلون مخرج الغالب في الأكل من هذه الأنعام. فإن قيل: منفعة ~~الأكل مقدمة على منفعة اللباس فلم قدمت منفعة اللباس عليه؟ أجيب: بأن منفعة ~~اللباس أكثر من منفعة الأكل فلهذا قدمت على منفعة الأكل. # {ولكم فيها جمال} أي: زينة {حين تريحون} أي: تردونها من مراعيها إلى ~~مراحها بالعشي {وحين تسرحون} أي: تخرجونها بالغداة إلى المرعى، فإن الأفنية ~~تتزين بها في الوقتين وتجل أهلها في أعين الناظرين ms1458 إليها. فإن قيل: لم قدمت ~~الإراحة على التسريح؟ أجيب: بأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى ~~البطون حافلة الضروع ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها فيفرح أهلها بها ~~بخلاف تسريحها إلى المرعى فإنها تخرج جائعة البطون ضامرة الضروع ثم تأخذ في ~~التفرق والانتشار للمرعى في البرية فليس في التسريح تجمل كما في الإراحة. # النوع الرابع: قوله تعالى: {وتحمل أثقالكم} جمع ثقل وهو متاع المسافر. ~~{إلى بلد} أي: غير بلدكم أردتم السفر إليه {لم تكونوا بالغيه} أي: غير ~~واصلين إليه على غير الإبل {إلا بشق الأنفس} أي: إلا بكلفة ومشقة والشق ~~بكسر الشين نصف الشي، أي: لم تكونوا بالغيه إلا بنقصان قوة النفس وذهاب ~~نصفها. وقال ابن عباس: يريد من مكة إلى اليمن وإلى الشأم وإلى مصر قال ~~الواحدي: والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم. وخص ابن ~~عباس هذه البلاد لأن متاجر أهل مكة كانت إلى هذه البلاد. فإن قيل: المراد ~~من قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم} الإبل فقط بدليل أنه وصفها إلى آخر ~~الآية بقوله: {وتحمل أثقالكم إلى بلد} وهذا الوصف لا يليق إلا بالإبل؟ ~~أجيب: بأن المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الأنعام فبعض تلك المنافع ~~حاصل في الكل وبعضها مختص بالبعض والدليل عليه أن قوله: {ولكم فيها جمال} ~~حاصل في البقر والغنم، مثل حصوله في الإبل. تنبيه: احتج منكرو كرامات ~~الأولياء بهذه الآية فإنها تدل على أن الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد ~~إلى بلد إلا بشق الأنفس وحمل الأثقال على الإبل ومثبتوا الكرامات يقولون: ~~إن الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب ~~وتحمل مشقة، وكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلا وإذا بطل القول ~~بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور إذ لا قائل بالفرق، ~~وأجاب المثبتون بأنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرامات ~~{إن ربكم} أي: الموجد لكم والمحسن إليكم {لرؤوف} أي: بليغ الرحمة لمن ms1459 يتوسل ~~إليه بما يرضيه. وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر الهمزة والباقون ~~بالمد. {رحيم} أي: بليغ الرحمة بسبب وبغير سبب. # وقوله تعالى: {والخيل} أي: الصاهلة وهو اسم جنس لا واحد له من لفظه ~~كالإبل والرهط. {والبغال} أي: المتولدة بينها وبين الحمير {والحمير} ~~الناهقة عطف على الأنعام، أي: وخلق هذه الحيوانات {لتركبوها} أي: لأجل أن ~~تركبوها وفي نصب قوله تعالى: {وزينة} أوجه أحدها: أنه مفعول من أجله وإنما ~~وصل الفعل إلى # PageV02P217 # الأول باللام في قوله تعالى: {لتركبوها} وإلى هذا بنفسه لاختلاف شرطه في ~~الأول وهو عدم اتحاد الفاعل فإن الخالق هو الله تعالى والراكب المخاطبون ~~بخلاف الثاني. الثاني: أنها منصوبة على الحال وصاحب الحال إما مفعول خلقها ~~وإما مفعول لتركبوها فهو مصدر أقيم مقام الحال. الثالث: أن ينتصب بتقدير ~~فعل قدره الزمخشري بقوله وخلقها زينة وقدره ابن عطية وغيره بقولهم: وجعلها ~~زينة. الرابع: أنها مصدر لفعل محذوف، أي: وتتزينون بها زينة. # وتنبيه: احتج القائلون وهم ابن عباس والحاكم وأبو حنيفة ومالك بتحريم ~~لحوم الخيل بهذه الآية، قالوا: منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب فلو كان ~~أكل لحم الخيل جائزا لكان هذا المعنى أولى بالذكر وحيث لم يذكره تعالى ~~علمنا أنه يحرم أكله لأن الله تعالى خص الأنعام بالأكل حيث قال تعالى: ~~{ومنها تأكلون} (النحل، 5) # وخص هذه بالركوب فقال: {لتركبوها} فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل ~~واحتج القائلون بإباحة أكل اللحم من الخيل وهم سعيد بن جبير وعطاء وشريح ~~والحسن والشافعي بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما ~~قالت: «نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا ونحن بالمدينة» . ~~وبما روي عن جابر رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل» . وفي رواية: «أكلنا في زمن خيبر الخيل ~~وحمر الوحش ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي» هذه رواية ~~البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود قال: «ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال ~~والحمير ms1460 وكنا قد أصابنا مخمصة فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن البغال ~~والحمير، ولم ينهنا عن الخيل» . # وأجابوا عن هذه الآية بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتها ~~مختصة بذلك وإنما خص هاتين المنفعتين بالذكر لأنهما معظم المقصود ولهذا سكت ~~عن حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام: {وتحمل أثقالكم} ~~(النحل، 70) # ولم يلزم من ذلك تحريم الأثقال على الخيل. وقال الواحدي: لو دلت هذه ~~الآية على تحريم أكل هذا الحيوان لكان تحريم أكلها معلوما في مكة لأجل أن ~~هذه السورة مكية ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدثين أن ~~لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر، أي: وذلك في المدينة باطلا لأن التحريم ~~لما كان حاصلا قبل هذا اليوم لم يكن لتخصيص هذا التحريم بهذه السنة فائدة، ~~قال الرازي: وهذا جواب حسن متين. وقال ابن الخازن: والدليل الصحيح المعتمد ~~عليه في إباحة لحوم الخيل أن السنة مبينة للكتاب. ولما كان نص الآية يقتضي ~~أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب والزينة وكان الأكل مسكوتا عنه ~~ودار الأمر فيه على الإباحة والتحريم فوردت السنة بإباحة لحوم الخيل وتحريم ~~لحوم البغال والحمير، أخذنا به جمعا بين النصين. ولما ذكر سبحانه وتعالى ~~هذه الأنواع من الحيوان ذكر باقيها على سبيل الإجمال بقوله تعالى: {ويخلق ~~ما لا تعلمون} وذلك لأن أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن الحد ~~والإحصاء ولو خاض الإنسان في شرح عجائب أحوالها لكان المذكور بعد كتبه ~~المجلدات الكثيرة كالقطرة في البحر فكان أحسن الأحوال ذكرها على سبيل ~~الإجمال كما ذكر الله تعالى في هذه الآية. وروى عطاء # PageV02P218 # ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهرا من نور مثل ~~السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة يدخل فيه جبريل كل يوم ويغتسل ~~فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل ~~نفضة تقع من ريشه تقع كذا وكذا ألف ملك يدخل كل يوم منهم سبعون ألفا البيت ~~المعمور وفي الكعبة ms1461 أيضا سبعون ألفا لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة ~~سبحان من له هذا الملك العظيم، قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} ~~(المدثر/ 31) . # وفسر قتادة الآية بالسوس في النبات والدود في الفواكه وفسرها بعضهم بما ~~أعد الله تعالى لأهل الجنة في الجنة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر. ولما شرح الله تعالى دلائل التوحيد قال تعالى: # {وعلى الله} أي: الذي له الإحاطة بكل شيء {قصد السبيل} أي: بيان الطريق ~~المستقيم إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحها إزاحة للعذر وإزالة للعلة ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة والمراد بالسبيل الجنس ولذلك أضاف إليها ~~القصد. وقال: {ومنها} أي: السبيل {جائر} أي: حائد عن الاستقامة. فإن قيل: ~~هذه الآية تدل على أن الله تعالى يجب عليه الإرشاد والهداية إلى الدين ~~وإزاحة العلل والأعذار كما قال به المعتزلة لأنه تعالى قال: {وعلى الله قصد ~~السبيل} . وكلمة على للوجوب. قال تعالى: {ولله على الناس حج البيت} (آل ~~عمران، 97) # أجيب: بأن المراد على الله تعالى بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق ~~والمذهب الصحيح. فإن قيل: لم غير أسلوب الكلام حيث قال في الأول: {وعلى ~~الله قصد السبيل} . وفي الثاني: {ومنها جائر} دون وعليه جائر؟ أجيب: بأن ~~المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. ثم ~~قال تعالى: {ولو شاء} هدايتكم {لهداكم} إلى قصد السبيل {أجمعين} فتهتدون ~~إليه باختيار منكم. قال الرازي: وهذا يدل على أن الله تعالى ما شاء هداية ~~الكفار وما أراد منهم الإيمان لأن كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره. ~~ولما ذكر تعالى نعمه على عباده بخلق الحيوانات لأجل الانتفاع والزينة عقبه ~~بذكر إنزال المطر لأنه من أعظم النعم على عباده فقال: # {هو} أي: لا غيره مما تدعى فيه الإلهية {الذي أنزل} أي: بقدرته الباهرة ~~{من السماء} إما من نفسها أو من غيرها أو من جهتها أو من السحاب كما هو ~~مشاهد {ماء} أي: واحدا تحسونه بالذوق والبصر ms1462 {لكم منه} أي: من ذلك الماء ~~{شراب} أي: تشربونه وقد بين تعالى في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال: ~~{وجعلنا من الماء كل شيء حي} (الأنبياء، 30) # . فإن قيل: ظاهر هذا أن شرابنا ليس إلا من المطر؟ أجيب: بأنه تعالى لم ~~ينف أن يشرب من غيره وبتقدير الحصر لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض ~~من جملة ماء المطر سكن هناك بدليل قوله في سورة المؤمنون: {وأنزلنا من ~~السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} (المؤمنون، 18) # . {ومنه} أي: من الماء {شجر} أي: ينبت بسببه والشجر هنا كل نبات من الأرض ~~حتى الكلأ وفي الحديث: «لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت» يعني الكلأ. فإن ~~قيل: قال المفسرون: في قوله تعالى: {والنجم والشجر يسجدان} (الرحمن، 6) # المراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق ومن الشجر ما له ساق؟ ~~أجيب: بأن عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضا فلفظ الشجر يشعر ~~بالاختلاط يقال: تشاجر القوم إذا اختلط # PageV02P219 # أصوات بعضهم ببعض وتشاجرت الرياح إذا اختلطت وقال تعالى: {حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم} (النساء، 65) # ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ. فوجب إطلاق لفظ الشجر عليه ويصح أن ~~يكون المراد بالشجر هنا ما له ساق لأن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار ~~الكبار وحينئذ فإطلاق الشجر على الكلأ مجاز. {فيه} أي: الشجر {تسيمون} أي: ~~ترعون مواشيكم يقال: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى وسامت هي إذا رعت حيث ~~شاءت. قال الزجاج: أخذ ذلك من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر في الأرض ~~برعيها علامات وقال غيره: لأنها تعلم الإرسال في المرعى. # ولما ذكر تعالى الحيوانات تفصيلا وإجمالا ذكر الثمار تفصيلا وإجمالا ~~بقوله تعالى: {ينبت} أي: الله {لكم به} أي: بذلك الماء {الزرع والزيتون ~~والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} فبدأ بذكر الزرع وهو الحب الذي يقتات به ~~كالحنطة والشعير والأرز لأن به قوام البدن بذكر الزيتون لما فيه من الأدم ~~والدهن وبارك فيه وثلث بذكر النخيل لأن ثمرها غذاء وفاكهة وختم بذكر ~~الأعناب لأنه شبيه النخيل ms1463 في المنفعة من التفكه والتغذية ثم ذكر تعالى سائر ~~الثمار إجمالا لينبه بذلك على عظيم قدرته وجزيل نعمته على عباده لأن الحبة ~~الواحدةتقع في الطين فإذا مضى عليها مقدار معين من الوقت نفذ في داخل تلك ~~الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنفتح الحبة فينشق أعلاها وأسفلها ~~فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء ومن أسفلها ~~شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة ثم إن ~~تلك الشجرة لا تزال تزداد وتنمو وتقوى ثم تخرج منها الأوراق والأزهار ~~والأكمام والثمار ثم إن تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل ~~العنب، فإن قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان ولحمه وماؤه حاران رطبان ~~لطيفان وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {إن في ذلك لآية} بينة على أن فاعل ~~ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده ~~وإنما تحصل معرفة ذلك {لقوم يتفكرون} فيما ذكر من دلائل قدرته ووحدانيته ~~فيؤمنون. # ثم ذكر سبحانه وتعالى أشياء تدل على أنه الفاعل المختار بقوله تعالى: ~~{وسخر لكم} أي: أيها الناس لإصلاح أحوالكم {الليل} للسكنى {والنهار} ~~للمعاش. ثم ذكر آية النهار فقال: {والشمس} أي: لمنافع اختصاصها ثم آية ~~الليل فقال: {والقمر} لأمور علقها به {والنجوم} أي: الآيات نصبها لها. ثم ~~نبه على تغيرها بقوله تعالى: {مسخرات} أي: بأنواع التغير لما خلقها له على ~~أوضاع دبرها {بأمره} أي: بإرادته سببا لصلاحكم وصلاح ما به قوامكم دلالة ~~على وحدانيته تعالى وفعله بالاختيار ولو شاء تعالى لأقام أسبابا غيرها أو ~~أغنى عن الأسباب. وقرأ ابن عامر برفع الأربع وهي الشمس والقمر والنجوم ~~ومسخرات على الابتداء والخبر ووافقه حفص في الاثنين الأخيرين والنجوم ~~مسخرات لا غير والباقون بالنصب عطفا على ما قبله في الثلاثة الأول وفي ~~الرابع وهو مسخرات على الحال. ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الأشياء وجعلها ~~مسخرات لمنافع عباده ختم ذلك بقوله: {إن في ذلك} أي: التسخير العظيم ~~{لآيات} أي: دلالات متعددة كثيرة عظيمة # PageV02P220 # {لقوم ms1464 يعقلون} أي: يتدبرون فيعلمون أن جميع الخلق تحت قدره وقدرته ~~وتسخيره لما أراده منهم. # وقوله تعالى: {وما ذرأ} أي: خلق {لكم في الأرض} عطف على الليل، أي: وسخر ~~لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات. وقيل: إنه في موضع نصب بفعل محذوف، ~~أي: وخلق هكذا قدره أبو البقاء وكأنه استبعد تسلط سخر على ذلك فقدر فعلا ~~لائقا. وقوله تعالى: {مختلفا} حل منه. وقوله تعالى: {ألوانه} أي: في الخلقة ~~والهيئة والكيفية فاعل به {إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} أي: يتعظون. تنبيه: ~~ختم تعالى الآية الأولى بالتفكر لأن ما فيها يحتاج إلى تأمل ونظر، وختم ~~الثانية بالعقل لأن مدار ما تقدم عليه وختم الثالثة بالتذكر لأنه نتيجة ما ~~تقدم وجمع الآيات في الثانية دون الأولى والثالثة لأن ما نيط بها أكثر ~~ولذلك ذكر معها العقل. ولما استدل سبحانه وتعالى على إثبات الإله أولا ~~بأجرام السموات والأرض وثانيا ببدن الإنسان وثالثا بعجائب خلقة الحيوان ~~ورابعا بعجائب النبات ذكر خامسا عجائب العناصر وبدأ بالاستدلال بعنصر الماء ~~بقوله تعالى: # وهو أي: لا غيره. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون ~~بضمها {الذي سخر البحر} أي: ذلله وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكون ~~الجواهر وغير ذلك قال علماء الهيئة: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء ~~فذاك هو البحر المحيط وجعل في هذا الربع المسكون سبعة أبحر قال تعالى: ~~{والبحر يمده من بعده سبعة أبحر} (لقمان، 27) # والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار فمن تسخيرها للخلق ما ~~مر ومنه جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها بالركوب وبالغوص وبغير ذلك ~~فمنافع البحار كثيرة وذكر سبحانه وتعالى منها هنا ثلاثة منافع الأولى قوله ~~تعالى: {لتأكلوا منه} أي: بالاصطياد وغيره من لحوم الأسماك. {لحما طريا} لا ~~تجد أنعم منه ولا ألين وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيبادر إلى أكله ~~عذبا ففي ذلك دلالة على كمال قدرته تعالى وذلك أن السمك لو كان كله مالحا ~~لما عرف به من قدرة الله تعالى ms1465 ما يعرف بالطري لأنه لما خرج من البحر الملح ~~اللحم الطري في غاية العذوبة علم أنه يخلق الله وقدرته لا بحسب الطبع وعلم ~~بذلك أن الله تعالى قادر على إخراج الضد من الضد. المنفعة الثانية: قوله ~~تعالى: {وتستخرجوا منه} أي: بجهدكم في الغوص وما يتبعه {حلية} أي: اللؤلؤ ~~والمرجان، كما قال تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن، 22) # . {تلبسونها} أي: نساؤكم وهن بعضكم فكأن اللابس أنتم ولأن زينة النساء ~~بالحلي إنما هو لأجل الرجال فكان ذلك زينة لهم. المنفعة الثالثة: قوله ~~تعالى: {وترى الفلك} أي: السفن {مواخر} أي: تمخر الماء، أي: تشقه بجريها ~~{فيه} أي: مقبلة ومدبرة وذلك أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى تدبر ~~بريح واحدة. وقال مجاهد: تمخر الريح السفن يعني أنها إذا جرت يسمع لها صوت. ~~وقال الحسن: مواخر يعني مملوءة متاعا. وقوله تعالى: {ولتبتغوا} أي: لتطلبوا ~~عطف على تأكلوا وما بينهما إعتراض. وقيل: عطف على محذوف تقديره: لتنتفعوا ~~بذلك ولتبتغوا {من فضله} أي: من سعة رزقه بركوبها للتجارة وللوصول إلى ~~البلدن الشاسعة {ولعلكم تشكرون} الله على هذه النعم التي أنتم عاجزون عنها ~~لولا تسخيره. # ثم إنه تعالى ذكر بعض النعم التي خلقها الله تعالى في الأرض بقوله تعالى: ~~{وألقى # PageV02P221 # في الأرض رواسي} أي: جبالا ثوابت {أن تميد} أي: كراهة أن تميل وتضطرب ~~{بكم} وقيل: لئلا تميل بكم والأول قدره البصريون والثاني قدره الكوفيون، ~~وقد تقدم مثل ذلك في قوله تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} (النساء، 176) # . روي أن الله تعالى خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقر ~~أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت وقوله ~~تعالى: {وأنهارا} عطف على رواسي لأن الإلقاء بمعنى الخلق والجعل. ألا ترى ~~أنه تعالى قال في آية أخرى: {وجعل فيها رواسي من فوقها} (فصلت، 10) # . وقال تعالى: {وألقيت عليك محبة مني} (طه، 39) # . وذكر تعالى الأنهار بعد الجبال لأن معظم عيون الأنهار وأصولها تكون من ~~الجبال. {و} جعل لكم فيها {سبلا} أي: طرقا مختلفة تسلكون فيها في ms1466 أسفاركم ~~والتردد في حوائجكم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان {لعلكم تهتدون} أي: ~~بتلك السبل إلى مقاصدكم وإلى معرفة الله تعالى فلا تضلون. # {و} جعل لكم فيها {علامات} أي: من الجبال وغيرها جمع علامة تهتدون بها في ~~أسفاركم. ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع الدلالات وأوضحها برا وبحرا ليلا ~~ونهارا نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم لئلا يظن أن ~~المخاطب مخصوص والأمر لا يتعداه فقال تعالى: {وبالنجم} أي: الجنس {هم} أي: ~~أهل الأرض كلهم وأولى الناس بذلك المخاطبون وهم قريش ثم العرب كلها لفرط ~~معرفتهم بالنجوم. {يهتدون} وقدم الجار تنبيها على أن الدلالة بغيره بالنسبة ~~إليه سافلة، وقيل: المراد بالنجم الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي. وقيل: ~~الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في ~~مسايرهم بالنجوم. ولما ذكر سبحانه وتعالى من عجائب قدرته وبديع خلقه ما ذكر ~~على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل وكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في ~~الآيات المتقدمة كلها دالة على كمال قدرة الله ووحدانيته، وأنه تعالى ~~المنفرد بخلقها جميعها قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته واشتغل ~~بعبادة هذه الأصنام العاجزة التي لا تضر ولا تنفع ولا تقدر على شيء. # {أفمن يخلق} أي: هذه الأشياء الموجودة وغيرها {كمن لا يخلق} شيئا من ذلك ~~بل على إيجاد شيء ما فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادة من لا يستحق ~~العبادة وترك عبادة من يستحقها وهو الله تعالى. فإن قيل: ذلك إلزام للذين ~~عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق ~~فكان حق الإلزام أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ أجيب: بأنهم لما جعلوا ~~غير الله مثل الله تعالى في تسميته باسمه والعبادة له وسووا بينه وبينه فقد ~~جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيها بها فانكر عليهم ذلك بقوله تعالى: ~~{أفمن يخلق كمن لا يخلق} . فإن قيل: من لا يخلق إن أريد به جميع ما عبد من ~~دون الله كان ورود من واضحا لأن العاقل يغلب على غيره ms1467 فيعبر عن الجميع بمن ~~ولو جيء أيضا بما لجاز وإن أريد به الأصنام فلم جيء بمن الذي هو لأولي ~~العلم؟ أجيب: بأنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم ألا ترى ~~إلى قوله تعالى على أثره: {والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون} (النحل، 20) # وإلى قول الشاعر: # *بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي ... فقلت ومثلي بالبكاء جدير # PageV02P222 # *أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير # *وكل قطاة لا تعير جناحها ... تعيش بذل والجناح قصير # فأوقع من على سرب لما عامله معاملة العقلاء، وقيل: للمشاكلة بينه وبين من ~~يخلق، وقيل: المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا ~~علم عنده كقوله تعالى: {ألهم أرجل يمشون بها} (الأعراف، 195) # يعني أن الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأن ~~هؤلاء أحياء وهم أموات فكيف تصح لهم العبادة إلا أنها لو صحت لهم هذه ~~الأعضاء لصح أن يعبدوا. ولما كان هذا القدر ظاهرا غير خاف على أحد فلا ~~يحتاج فيه إلى تدقيق الفكر والنظر بل مجرد التذكر فيه كفاية لمن فهم وعقل. ~~ختم تعالى ذلك بقوله تعالى: {أفلا تذكرون} بما تشاهدونه من ذلك ولو من بعض ~~الوجوه فتؤمنون. تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أن العبد غير خالق ~~لأفعال نفسه لأنه تعالى ميز نفسه عن الأشياء التي يعبدونها بصفة الخالقية ~~لأن الغرض من قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} بيان تميزه عن هذه ~~الأشياء بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية والعبودية لكونه تعالى ~~خالقا وهذا يقتضي أن العبد لو كان خالقا لشيء لوجب كونه إلها معبودا، ولما ~~كان ذلك باطلا علمنا أن العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد، ولما كانت ~~المقدورات لا تحصى وأكثرها نعم على العباد مذكرة لهم بخالقهم قال ممتنا ~~عليهم بإحسانه من غير سبب منهم. # {وإن تعدوا} كلكم {نعمت الله} أي: إنعام الملك الأعظم الذي لا رب غيره ~~عليكم من صحة ms1468 البدن وعافية الجسم وإعطاء النظر الصحيح والعقل السليم وبطش ~~اليدين ومشى الرجلين إلى غير ذلك مما أنعم به عليكم وما خلق لكم مما ~~تحتاجون إليه من أمر الدنيا حتى لو رام أحدكم معرفة أدنى نعمة من هذه النعم ~~لعجز عنها وعن معرفتها وحصرها فإن نتبعها يفوت الحصر. {لا تحصوها} أي: لا ~~تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كثرتها وإعراضكم جملة عن شكرها والعبد ~~وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات والعبادات وبالغ في شكر نعم الله تعالى ~~فإنه يكون مقصرا لأن نعم الله كثيرة وأقسامها عظيمة وعقل الخلق قاصر عن ~~الإحاطة بمبادئها فضلا عن غاياتها لكن الطريق إلى ذلك أن يشكر الله تعالى ~~على جميع نعمه مفصلها ومجملها. {إن الله لغفور} أي: لتقصيركم في القيام ~~بشكرها يعني النعمة كما يجب عليكم {رحيم} بكم فوسع عليكم النعم ولم يقطعها ~~عنكم بسبب التقصير والمعاصي. # وقوله تعالى: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} فيه وجهان: الأول: أن ~~الكفار مع كفرهم كانوا ليسرون أشياء وهو ما كانوا يمكرون بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وما يعلنون، أي: وما يظهرون من أذاه صلى الله عليه وسلم فأخبر ~~الله تعالى بأنه عالم بكل أحوالهم سرها وعلانيتها لا يخفى عليه خافية وإن ~~دقت وخفيت. والوجه الثاني: أنه تعالى لما ذكر الأصنام وذكر عجزها في الآية ~~المتقدمة ذكر في هذه الآية أن الإله الذي يستحق العبادة يجب أن يكون عالما ~~بكل المعلومات سرها وجهرها وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تستحق العبادة. ثم ~~وصف تعالى هذه الأصنام بصفات الأولى مذكورة في قوله تعالى: # {والذين تدعون} أي: تعبدون {من دون الله} أي: الأصنام وتعتقدون # PageV02P223 # أنها آلهة وقرأ عاصم بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب {لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون} أي: يصورون من الحجارة وغيرها. فإن قيل: قوله ~~تعالى في الآية المتقدمة {أفمن يخلق كمن لا يخلق} يدل على أن هذه الأصنام ~~لا تخلق شيئا وهم يخلقون وهذا هو المعنى المذكور في تلك الآية المذكورة فما ~~فائدة هذا التكرار؟ أجيب: بأن فائدته ms1469 أن المعنى المذكور في الآية المتقدمة ~~أنهم لا يخلقون شيئا فقط والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون كغيرهم فكان هذا زيادة في المعنى وهو فائدة التكرار فكأنه تعالى بدأ ~~بشرح نقصهم في ذواتهم وصفاتهم فبين أولا أنها لا تخلق شيئا، ثم بين ثانيا ~~أنها كما لا تخلق غيرها فهي مخلوقة كغيرها. # الصفة الثانية قوله تعالى: {أموات} أي: جمادات لا روح لها {غير أحياء} إذ ~~الإله الذي يستحق أن يعبد هو الحي الذي لا يموت. فإن قيل: علم من قوله: ~~أموات أنها غير أحياء فما الفائدة في ذكره؟ أجيب: بأن من الأموات ما يعقب ~~موته حياة كالنطف التي ينشئها الله تعالى حيوانا وأجساد الحيوانات التي ~~تبعث بعد موتها وأما الحجارة فأموات لا يعقب موتها حياة وذلك أعرق في ~~موتها. وقيل: ذكر للتأكيد لأن الكلام مع الكفار الذي يعبدون الأوثان وهم في ~~نهاية الجهالة والضلالة ومن تكلم مع الجاهل الغبي فقد يعبر عن المعنى ~~الواحد بالعبارات الكثيرة وغرضه الإعلام بكون المخاطب في غاية الغباوة في ~~أنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة. الصفة الثالثة قوله تعالى: ~~{وما يشعرون} أي: الأصنام {أيان} أي: وقت {يبعثون} أي: وما تعلم هؤلاء ~~الآلهة متي تبعث الأحياء تهكما بحالها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما ~~لا يعلمه حي إلا الحي القيوم سبحانه وتعالى. وقيل: الضمير راجع للأصنام. ~~قال ابن عباس: إن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر ~~بالكل إلى النار، وقيل: المراد بقوله تعالى: {والذين تدعون من دون الله} ~~الملائكة وكان ناس من الكفار يعبدونهم فقال الله تعالى: إنهم أموات، أي: لا ~~بد لهم من الموت غير أحياء، أي: باقية حياتهم وما يشعرون، أي: لا علم لهم ~~بوقت بعثهم. ولما زيف سبحانه وتعالى طريقة عبدة الأصنام وبين فساد مذهبهم ~~قال تعالى: # {إلهكم} أي: أيها الخلق جميعا المعبود بحق {إله} أي: متصف بالإلهية على ~~الإطلاق بالنسبة إلى كل أوان وكل زمان وكل مكان {واحد} لا يقبل التعدد الذي ~~هو مثال ms1470 النقص بوجه من الوجوه لأن التعدد يستلزم إمكان التمانع المستلزم ~~للعجز المستلزم للبعد عن رتبة الإلهية. {فالذين} أي: فتسبب عن هذا أن الذين ~~{لا يؤمنون بالآخرة} أي: دار الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ثمرة الملك ~~والعدل الذي هو مدار العظمة {قلوبهم منكرة} أي: جاحدة للوحدانية {وهم} أي: ~~والحال أنهم بسبب إنكار ذلك {مستكبرون} أي: متكبرون عن الإيمان بها {لا ~~جرم} أي: حقا {أن الله يعلم} علما غيبيا وشاهديا {ما يسرون} أي: ما يخفون ~~مطلقا أو بالنسبة إلى بعض الناس {وما يعلنون} أي: يظهرون فيجاز يهم ذلك. ~~ولما كان في ذلك معنى التهديد علل ذلك بقوله تعالى: {إنه} أي: العالم بالسر ~~والعلن {لا يحب المستكبرين} أي: على خلقه فما بالك بالمستكبرين على التوحيد ~~واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنى عدم محبتهم أنه يعاقبهم. # PageV02P224 # وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل: يا رسول الله، إن ~~الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق ~~وغمص الناس» ومعنى بطر الحق أنه يستكبر عند سماع الحق فلا يقبله ومعنى غمص ~~الناس استنقاصهم وازدراؤهم. ولما بالغ سبحانه وتعالى في دلائل التوحيد ~~وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام قال تعالى عاطفا على ~~قلوبهم منكرة: {وإذا قيل لهم} أي: لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وقوله ~~تعالى: {ما} استفهامية و {ذا} موصولة، أي: ما الذي {أنزل ربكم} على محمد ~~صلى الله عليه وسلم واختلف في قائل هذا القول فقيل: كلام بعضهم لبعض، وقيل: ~~قول المسلمين لهم، وقيل: قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل الله تعالى ~~على رسوله صلى الله عليه وسلم {قالوا} مكابرين في إنزال القرآن هو {أساطير} ~~أي: آكاذيب {الأولين} مع عجزهم بعد تحديهم عن معارضتهم أقصر سورة منه مع ~~علمهم بأنهم أفصح ms1471 الناس وأنه لا يكون من أحد من الناس متقدم أو متأخر قول ~~إلا قالوا أبلغ منه. فإن قيل: هذا كلام متناقض لأنه لا يكون منزلا من ربهم ~~وأساطير؟ أجيب: بأنهم قالوه على سبيل السخرية كقوله: {إن رسولكم الذي أرسل ~~إليكم لمجنون} (الشعراء، 27) # واللام في قوله تعالى: {ليحملوا} لام العاقبة كما في قوله تعالى: ~~{فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص، 80) # وذلك لما وصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين كان عاقبتهم بذلك أن يحملوا ~~{أوزارهم} أي: ذنوب أنفسهم وإنما قال تعالى: {كاملة} لئلا يتوهم أنه يكفر ~~عنهم شيء بسبب البلايا التي أصابتهم في الدنيا وأعمال البر التي عملوها في ~~الدنيا بل يعاقبون بكل أوزارهم {يوم القيامة} الذي لا شك فيه ولا محيص عن ~~إتيانه. قال الرازي: وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن ~~المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء ~~الكفار بهذا التكميل فائدة {و} ليحملوا أيضا {من} جنس {أوزار} الجهلة ~~الضعفاء {الذين يضلونهم} وقوله تعالى: {بغير علم} حال من مفعول يضلونهم، ~~أي: يضلون من يعلم أنهم ضلال أو من الفاعل وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر ~~من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين ~~المحق والمبطل وإنما حصل للرؤوساء الذين أضلوا غيرهم وصدوهم عن الإيمان مثل ~~أوزار الأتباع لأنهم دعوهم إلى الضلال فاتبعوهم فاشتركوا في الإثم وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدى ~~كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ~~ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» ~~أخرجه مسلم. ومعنى الآية والحديث أن الرئيس والكبير إذا سن سنة حسنة أو ~~سيئة قبيحة فتبعه عليها جماعة فعملوا بها فإن الله تعالى يعطيهم ثوابه ~~وعقابه حتى يكون ذلك الثواب والعقاب مساويا لكل ما يستحقه كل واحد من ms1472 ~~الأتباع الذين عملوا بالسنة الحسنة أو القبيحة، وليس المراد بأن الله يوصل ~~جميع الثواب أو العقاب الذي يستحقه # PageV02P225 # الأتباع إلى الرؤوساء ويدل لذلك قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~(الأنعام، 164) # . وقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم، 39) # . تنبيه: قال الواحدي: لفظة من في قوله تعالى: {ومن أوزار} ليست للتبعيض ~~لأنها لو كانت كذلك لنقص عن الأتباع بعض الأوزار وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم «لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» لكنها للجنس كما قدرت ذلك في الآية ~~الكريمة، أي: ليحملوا من جنس أوزار الأتباع. وقيل: إنها للتبعيض وجرى عليه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري. {ألا ساء} أي: بئس {ما يزرون} أي: يحملون حملهم ~~هذا وفي هذا وعيد وتهديد لهم. فإن قيل: إن الله تعالى حكى هذه الشبهة عن ~~القوم ولم يجب عنها بل اقتصر على محض الوعيد فما السبب في ذلك؟ أجيب: بأن ~~السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزا بطريقين: الأول: أنه صلى الله ~~عليه وسلم تحداهم أولا بكل القرآن وثانيا بعشر سور وثالثا بسورة فعجزواعن ~~المعارضة وذلك يدل على كونه معجزا الثاني: أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها ~~في آية أخرى وهي قوله تعالى: {اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} ~~(الفرقان، 50) # وأبطلها بقوله تعالى: {قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض} ~~(الفرقان، 6) # . ومعناه أن القرآن يشتمل على الإخبار بالغيوب، وذلك لا يتأتى إلا ممن ~~يكون عالما بأسرار السموات والأرض. ولما ثبت كون القرآن معجزا بهذين ~~الطريقين وتكرر شرح هذين الطريقين مرارا كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية ~~على مجرد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ثم إنه سبحانه ~~وتعالى بالغ في وصف وعيد هؤلاء الكفار بقوله تعالى: # أي: ممن رأوا آثارهم في ديارهم {فأتى الله} أي: أمره {بنيانهم من ~~القواعد} أي: من جهة العمد التي بنوا عليها مكرهم {فخر} أي: سقط {عليهم ~~السقف من فوقهم} وصار سبب هلاكهم وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم ~~وحمزة والكسائي بضم الهاء ms1473 والميم. والباقون بكسر الهاء وضم الميم. وأما ~~الوقف فحمزة بضم الهاء على أصله والباقون بالكسر. {وأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون} أي: من جهة لا تخطر ببالهم وهذا على سبيل التمثيل، أي: التشبيه ~~والتخييل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل فجعل الله هلاكهم فيما أبرموه ~~كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فأتى البنيان من الأساطين بأن ~~تضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا نحوه من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا، ~~وقيل: هو نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح ببابل ليصعد إلى السماء قال ابن ~~عباس: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع. وقال كعب: كان طوله فرسخين ~~فأهب الله تعالى الريح فألقت رأسه في البحر وخر عليهم الباقي وهم تحته قال ~~البغوي: ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة ~~وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية فذلك ~~قوله تعالى: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} أي: أتى أمره فخرب بنيانهم من ~~أصلها فخر عليه وعلى قومه السقف، أي: أعلى البيوت من فوقهم فهلكوا. تنبيه: ~~قال ابن الخازن في قول البغوي: وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية نظر لأن ~~صالحا عليه السلام كان قبلهم وكان يتكلم بالعربية وكان أهل اليمن عربا منهم ~~جرهم الذين نشأ إسماعيل بينهم وتعلم منهم العربية وكان ببابل من العرب ~~طائفة # PageV02P226 # قديمة قبل إبراهيم عليه السلام انتهى. وقد يقال: إنه كان لسان أكثر الناس ~~بالسريانية فلا ينافي ذلك. فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {فخر عليهم السقف ~~من فوقهم} والسقف من فوقهم؟ أجيب: بأنهم قد لا يكونون تحته فلما قال تعالى: ~~{فخر عليهم السقف من فوقهم} دل # على أنهم كانوا تحته وحينئذ يفيد هذا الكلام بأن الأبنية قد تهدمت وهم ~~ماتوا تحتها. ولما ذكر الله تعالى حال أصحاب المكر في الدنيا ذكر حالهم في ~~الآخرة بقوله عز وجل: # ثم يوم القيامة يخزيهم} أي: يذلهم ويهينهم بعذاب النار {ويقول} لهم الله ~~تعالى على لسان الملائكة توبيخا: {أين شركائي} أي: في زعمكم ms1474 واعتقادكم ~~{الذين كنتم تشاقون} أي: تخالفون المؤمنين {فيهم} أي: في شأنهم وقرأ نافع ~~بكسر النون والباقون بفتحها {قال} أي: يقول {الذين أوتوا العلم} أي: من ~~الأنبياء والمؤمنين وقال ابن عباس: يريد الملائكة {إن الخزي} أي: البلاء ~~المذل {اليوم} أي: يوم الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة ~~{والسوء} أي: كل ما يسوء {على الكافرين} أي: الغريقين في الكفر الذين ~~تكبروا في غير موضع التكبر، وفائدة قولهم إظهار الشماتة، وزيادة الإهانة، ~~وحكايته لتكون لطفا لمن سمعه. تنبيه: في الآية دلالة على أن ماهية الخزي ~~وماهية السوء في يوم القيامة مختصة بالكافرين وهذا ينفي حصول هذه الماهية ~~في حق غيرهم ويؤكد هذا قول موسى عليه السلام: {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب ~~على من كذب وتولى} (طه، 48) # ثم إنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكافرين من وجه آخر فقال سبحانه وتعالى: ~~{الذين تتوفاهم الملائكة} أي: يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه عليهم ~~السلام. وقرأ حمزة في هذه الآية وفي الآية الآتية بالياء في الموضعين على ~~التذكير لأن الملائكة ذكور والباقون بالتاء على التأنيث لأن لفظ الجمع ~~مؤنث. {ظالمي أنفسهم} أي: بأن عرضوها للعذاب المخلد بكفرهم {فالقوا السلم} ~~أي: استسلموا وانقادوا حين عاينوا الموت قائلين: {ماكنا نعمل من سوء} أي: ~~شرك وعدوان فتقول لهم الملائكة: {بلى} أي: بل كنتم تعملون أعظم السوء ثم ~~علل تكذيبهم بقوله تعالى: {إن الله عليم بما كنتم تعملون} أي: فلا فائدة ~~لكم في إنكاركم فيجازيكم به. # ولما كان هذا الفعل مع العلم سببا لدخول جهنم قال تعالى: {فادخلوا} أي: ~~أيها الكفرة {أبواب جهنم} أي: أبواب طبقاتها ودركاتها {خالدين} أي: مقدرين ~~الخلود {فيها} أي: جهنم لا يخرجون منها وإنما قال تعالى ذلك لهم ليكون أعظم ~~في الخزي والغم وفي ذلك دليل على أن الكفار بعضهم أشد عذابا من بعض ثم قال ~~تعالى: {فلبئس مثوى} أي: مأوى {المتكبرين} عن قبول التوحيد وسائر ما آتت به ~~الرسل. ولما بين تعالى أحوال المكذبين ذكر أحوال الصديقين بقوله تعالى: # {وقيل للذين اتقوا} أي: خافوا عقاب ms1475 الله {ماذا} أي: أي شيء {أنزل ربكم ~~قالوا خيرا} أي: أنزل خيرا وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم ~~من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء سأل الذين قعدوا على ~~الطرق عنه فيقولون: ساحر شاعر كذاب مجنون ولو لم تلقه خيرلك فيقول السائل: ~~أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة وألقاه فيدخل مكة فيرى أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه، وأنه نبي مبعوث # PageV02P227 # من الله تعالى فذلك قوله تعالى: {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم} الآية ~~فإن قيل: لم رفع الأول وهو قولهم أساطير الأولين ونصب الثاني وهو قولهم ~~خيرا أجيب: بأنه ذكر ذلك للفصل بين جواب المقر وجواب الجاحد، وذلك أنهم لما ~~سألوا الكفار عن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم عدلوا بالجواب عن ~~السؤال فقالوا أساطير الأولين وليس هو من الإنزال في شيء لأنهم لم يعتقدوا ~~كونه منزلا. ولما سألوا المؤمنين عن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يتلعثموا، وطابقوا الجواب عن السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال، ~~فقالوا: {خيرا} أي: أنزل خيرا، وتم الكلام عند قوله {خيرا} فهو وقف تام، ثم ~~ابتدأ بقوله تعالى: # {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} أي: حياة طيبة أو أن للذين أتوا ~~بالأعمال الصالحات الحسنة لهم ثوابها حسنة مضاعفة من الواحدة إلى العشرة ~~إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة، أو أنه تعالى بين أن اعترافهم بذلك الإحسان ~~في هذه الدنيا حسنة أي: جزاء لهم على إحسانهم {هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان} (الرخمن، 60) # ولما كانت هذه الدار سريعة الزوال أخبر عن حالهم في الآخرة فقال: {ولدار ~~الآخرة} أي: الجنة {خير} أي: ما أعد الله لهم في الجنة خير مما حصل لهم في ~~الدنيا، ثم مدحها ومدحهم بقوله تعالى: {ولنعم دار المتقين} أي: دار الآخرة، ~~فحذف لتقدم ذكرها وقال الحسن: هي الدنيا لأن أهل التقوى يتزودون فيها ~~للآخرة. # وقوله تعالى: {جنات} أي: بساتين {عدن} أي: إقامة خبر مبتدأ محذوف ويصح أن ~~يكون المخصوص ms1476 بالمدح {يدخلونها} أي: تلك الجنات حالة كونها {تجري من تحتها} ~~أي: من تحت غرفها {الأنهار} ثم كأن سائلا سأل عما فيها من الثمار وغيرها. ~~فأجيب بأن {لهم فيها ما يشاؤون} أي: ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، مع ~~زيادات غير ذلك، فهذه الآية تدل على حصول كل الخيرات والسعادات فهي أبلغ من ~~قوله تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} (الزخرف، 71) # لأن هذين القسمين داخلان في قوله تعالى: {لهم فيها ما يشاؤون} مع أقسام ~~أخرى وعلى أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا، لأن قوله: {لهم فيها ~~ما يشاؤون} يفيد الحصر {كذلك} أي: مثل هذا الجزاء العظيم {يجزي الله} أي: ~~الذي له الكمال كله {المتقين} أي: الراسخين في صفة التقوى، ثم حث تعالى على ~~ملازمة التقوى بالتنبيه على أن العبرة بحال الموت فقال: # {الذين تتوفاهم الملائكة} أي: تقبض أرواحهم وقوله تعالى: {طيبين} كلمة ~~مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به ~~واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه، ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة، ~~مبرئين عن الأخلاق المذمومة، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية، ~~متوجهين إلى حضرة القدس، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح، وأنها لم تقبض ~~إلامع البشارة بالجنة، حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها، ومن هذا حاله لا يتألم ~~بالموت، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح كما مر، وإن كان ~~الحسن يقول: إنه وفاة الحشر. واستدل بقوله تعالى: {ادخلوا الجنة} لأنه لا ~~يقال عند قبض الأرواح في الدنيا، ادخلوا الجنة. وأجاب الأكثرون بما سيأتي ~~وأدغم أبو عمرو التاء في الطاء بخلاف عنه. ثم بين تعالى أن الملائكة ~~{يقولون} لهم عند الموت {سلام عليكم} فتسلم عليهم أوتبلغهم السلام # PageV02P228 # من الله تعالى، كما روي أن العبد المؤمن إذا أشرف على الموت جاءه ملك ~~فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بالجنة، ~~ويقال لهم في الآخرة هذا جواب الأكثرين {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} أو ~~إنهم لما بشروهم ms1477 بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم، وكأنهم فيها فيكون المراد ~~بقولهم: ادخلوا الجنة، أي: هي خاصة لكم كأنكم فيها. ولما طعن الكفار في ~~القرآن بقولهم: {أساطير الأولين} وذكر أنواع التهديد والوعيد ثم أتبعه بذكر ~~الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيرا، عاد إلى بيان أن أولئك الكفار لا ينزجرون ~~عن كفرهم وأقوالهم الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة، وأتاهم أمر ربك فقال ~~تعالى: # {هل ينظرون إلاأن تأتيهم الملائكة} لقبض أرواحهم. وقرأ حمزة والكسائي ~~بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث وتقدم توجيه ذلك {أو يأتي ~~أمر ربك} أي: يوم القيامة وقيل: العذاب. وقيل: إنهم طلبوا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن ينزل الله تعالى ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء ~~النبوة فقال تعالى: {هل ينظرون} في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم الملائكة ~~شاهدين بذلك. وعلى كلا التقديرين، فقد قال تعالى: {كذلك} أي: مثل ما {فعل} ~~هؤلاء هذا الفعل البعيد الشنيع فعل {الذين من قبلهم} من الأمم السالفة، ~~كذبوا رسلهم فأهلكوا {وما ظلمهم الله} باهلاكهم بغير ذنب. {ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون} بكفرهم وتكذيبهم للرسل فاستوجبوا ما نزل بهم {فأصابهم} أي: ~~فتسب عن ظلمهم لأنفسهم أن أصابهم {سيئات} أي: عقوبات أو جزاء سيئات {ما ~~عملوا وحاق} أي: نزل {بهم ما كانوا به يستهزؤون} تكبرا عن قبول الحق فحاق ~~بهم جزاؤه، والحيق لا يستعمل إلا في الشر. وقرأ حاق حمزة بالإمالة والباقون ~~بالفتح. # {وقال الذين أشركوا} للنبي صلى الله عليه وسلم استهزاء ومنعا للبعثة ~~والتكليف {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا} لأنهم ~~اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الرسل وهو اعتقاد باطل، فلذلك ~~استحقوا عليه الذم والوعيد ثم قالوا لهم: {ولا حرمنا من دونه من شيء} أي: ~~من السوائب والبحائر والحامي فهو راض به وبمشيئته وحينئذ فلا فائدة في ~~مجيئك وفي إرسالك وهذا عين ما حكاه الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في ~~قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله} (الأنعام، 148) # الآية. قال ms1478 الله تعالى: {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي: من تقدم هؤلاء من ~~الكفار من الأمم الماضية كانوا على هذه الطريقة، وهذا الفعل الخبيث فإنكار ~~بعثة الرسل كان قديما في الأمم الخالية ففي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وكذا في قوله تعالى: {فهل على الرسل إلا البلاغ} أي: الإبلاغ. ~~{المبين} أي: البين فليس عليهم هداية أحد إنما عليهم تبليغ ما أرسلوا به ~~إلى من أرسلوا إليه. # ثم بين تعالى أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سببا ~~لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة لضلال من أراد ضلاله، كالغذاء الصالح فإنه ~~ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر المزاج المنحرف ويفنيه بقوله تعالى: {ولقد} ~~أي: والله لقد {بعثنا} أي: بما لنا من العظمة التي من اعترض عليها قصم. {في ~~كل أمة} من الأمم الذين من قبلكم {رسولا} أي: كما بعثنا فيكم محمدا صلى ~~الله عليه وسلم رسولا. {أن اعبدوا الله} أي: الملك # PageV02P229 # الأعلى وحده. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر النون في الوصل والباقون ~~بالضم. {واجتنبوا الطاغوت} أي: الأوثان أن تعبدوها {فمنهم من هدى الله} أي: ~~وفقهم للإيمان بإرشاده {ومنهم من حقت} أي: وجبت {عليه الضلالة} أي: في علم ~~الله تعالى فلم ينفعهم ولم يرد هداهم. تنبيه: في هذه الآية أبين دليل على ~~أن الهادي والمضل هو الله تعالى لأنه المتصرف في عباده يهدي من يشاء ويضل ~~من يشاء لا اعتراض عليه فيما حكم به لسابق علمه، ثم التفت سبحانه وتعالى ~~إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة ~~إلا الدليل المحسوس للبصر فقال تعالى: {فسيروا} أي: فإن كنتم أيها ~~المخاطبون في شك من أخبار الرسل فسيروا {في الأرض} أي: جنسها {فانظروا} أي: ~~إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم، ثم أشار تعالى بالاستفهام إلى أن ~~أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال: {كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر ~~{المكذبين} أي: من عاد ومن # بعدهم من الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في الكفر ms1479 من أسلافكم لعلكم ~~تعتبرون. ولما كان من المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال إلى الأمر ~~المحسوس إلا العناد أعرض عنهم ملتفتا إلى الرؤوف بهم الشفيق عليهم محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقال مسليا له: # {إن تحرص على هداهم} فتطلبه بغاية جدك واجتهادك وقد أضلهم الله تعالى لا ~~تقدر على ذلك ثم قال تعالى: {فإن الله لا يهدي من يضل} أي: من يرد ضلاله ~~وهو معين لمن حقت عليه الضلالة. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر ~~الدال، والباقون بضم الياء وفتح الدال على البناء المفعول. قال البيضاوي: ~~وهو أبلغ. ثم قال تعالى: {وما لهم} أي: هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من ~~يضله {من ناصرين} أي: وليس لهم أحد ينصرهم في الدنيا والآخرة عند مجازاتهم ~~على الضلالة لينقذوهم مما يلحقهم عليه من الوبال كما فعل بالمكذبين ممن ~~قبلهم. # ثم حكى الله عن هؤلاء القوم أنهم ينكرون الحشر والنشر بقوله: {وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم} أي: غاية اجتهادهم فيها {لا يبعث الله من يموت} وذلك ~~أنهم قالوا: إن الإنسان ليس هو إلا هذه البنية المخصوصة فإذا مات وتفرقت ~~أجزاؤه وبلى امتنع عوده بعينه؛ لأن الشيء إذا عدم فقد فني، ولم يبق له ذات ~~ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فكذبهم الله تعالى في قولهم بقوله تعالى: {بلى} ~~أي: يبعثهم بعد الموت فإن لفظة بلى إثبات لما بعد النفي والجواب عن شبهتهم ~~أن الله تعالى خلق الإنسان وأوجده من العدم، ولم يكن شيئا فالذي أوجده ولم ~~يكن شيئا قادر على إيجاده بعد إعدامه لأن النشأة الثانية أهون من الأولى، ~~وقوله تعالى: {وعدا عليه حقا} مصدران مؤكدان منصوبان بفعلهما المقدر، أي: ~~وعد ذلك وعدا وحقه حقا. # {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ذلك، أي: لا علم لهم يوصلهم لذلك لأنه من ~~عالم الغيب، لا يمكن عقولهم الوصول إليه بغير إرشاد من الله تعالى ولا هم ~~يقبلون أقوال الدعاة إليه الذين أيدهم الله بروح منه لتقيدهم بما يوصل إلى ~~عقولهم أنها قاصرة على عالم الشهادة لا يمكنها ms1480 الترقي منه إلى عالم الغيب ~~بغير واسطة منه سبحانه وتعالى، فلذلك ترى الإنسان منهم يأبى ذلك استبعادا ~~وهو خصيم مبين. # وقوله تعالى: {ليبين لهم الذي # PageV02P230 # يختلفون فيه} يتعلق بما دل عليه بلى، أي: يبعثهم ليبين لهم والضمير لمن ~~يموت وهو عام للمؤمنين والكافرين والذي اختلفوا فيه هو الحق. {وليعلم الذين ~~كفروا أنهم كانوا كاذبين} في قولهم: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} ~~وقولهم: {لا يبعث الله من يموت} وقيل: يجوز أن يتعلق بقوله: {ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا} أي: بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على ~~الضلالة قبله مفترين على الله الكذب ثم بين سبحانه وتعالى تيسر الإعادة ~~بقوله تعالى: # {إنما قولنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة {لشيء} إبداء وإعادة {إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون} أي: يتسبب عن ذلك القول أنه يكون. تنبيه: قوله ~~تعالى: {قولنا} مبتدأ و {أن نقول} خبره. فيكون وكن من كان التامة التي ~~بمعنى الحدوث والوجود،، أي: إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له: أحدث ~~فيحدث عقب ذلك من غير توقف. فإن قيل: قوله تعالى: {كن} إن كان خطابا مع ~~المعدوم فهو محال وإن كان خطابا مع الموجود فكان أمرا بتحصيل الحاصل وهو ~~محال؟ أجيب: بأن هذا تمثيل لنفي الكلام والغايات وخطاب مع الخلق بما يعقلون ~~ليس هو خطاب المعدوم لأن ما أراد فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من ~~الإسراع ولو أراد تعالى خلق الدنيا والآخرة بما فيها من السموات والأرض في ~~قدر لمح البصر لقدر على ذلك، ولكن خاطب تعالى العباد بما يعقلون، وعن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول ~~الله تبارك وتعالى: يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني وما ~~ينبغي له. أما شتمه إياي فيقول: إن لي ولدا. وأما تكذيبه فيقول: ليس يعيدني ~~كما بدأني» . حديث وفي رواية: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم ~~يكن ms1481 له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني، وليس أول الخلق بأهون علي ~~من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الله الأحد الصمد ~~الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» . وقرأ ابن عامر والكسائي بفتح ~~النون من يكون عطفا على يقول أو جوابا للأمر والباقون بالرفع. ولما حكى ~~الله تعالى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم على إنكار البعث ~~والقيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي والجهالة والجهل والضلال، وفي مثل ~~هذه الحالة لا يبعد إقدامهم على إيذاء المسلمين وإنزال العقوبة بهم، وحينئذ ~~يلزم على المؤمنين أن يهاجروا من تلك الديار والمساكن فبين تعالى حكم تلك ~~الهجرة، وما لهؤلاء # المهاجرين من الحسنة في الدنيا والآخرة بقوله تعالى: # PageV02P231 # وقوله تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات} فيه إضمار تقديره المكرات ~~السيئات وهم كفار قريش مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبالقرآن ~~في أذيتهم والمكر عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء ثم إنه تعالى ~~ذكر في تهديدهم أربعة أمور الأول قوله تعالى: {أن يخسف الله بهم الأرض} كما ~~خسف بقارون وأصحابه فإذا هم في بطنها لا يقدرون على نوع تقلب بمتابعة ولا ~~غيرها. الثاني قوله تعالى: {أو يأتيهم العذاب} على غير تلك الحال {من حيث ~~لا يشعرون} به فيأتيهم بغتة فيهلكهم كما فعل بقوم لوط عليه السلام. الثالث: ~~قوله تعالى: {أو يأخذهم} أي: الله بعذابه {في} حالة {تقلبهم} ومشاعرهم ~~حاضرة وقواهم مستجمعة وفي تفسير هذا التقلب وجوه أولها: أنه تعالى يأخذهم ~~بالعقوبة في أسفارهم فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر ~~على إهلاكهم في الحضر. {فما هم بمعجزين} أي: بفائتين العذاب بسبب ضربهم في ~~البلاد البعيدة بل يدركهم الله تعالى حيث كانوا. ثانيها: أنه تعالى يأخذهم ~~بالليل والنهار وفي حال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم. وثالثها: أن ~~الله تعالى يأخذهم في حال ما يتقلبون في قضايا أفكارهم فيحول الله بينهم ~~وبين إتمام تلك الحيل وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من ms1482 قوله تعالى: ~~{وقلبوا لك الأمور} (التوبة، 48) # فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها. # الأمر الرابع: قوله تعالى: # {أو يأخذهم على تخوف} وفي تفسير التخوف قولان؛ الأول: التخوف تفعل من ~~الخوف يقال: خفت الشيء وتخوفته، والمعنى: أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أولا ~~بل يخيفهم أولا ثم يعذبهم بعده، وتلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك قرية فتخاف ~~التي تليها فيأتيهم العذاب. والثاني: التخوف بمعنى التنقص، أي: أنه تعالى ~~ينقص شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوفه إذا تنقصه. وروي ~~أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر: ما تقولون في هذه الآية؟ ~~فسكتوا. فقال شيخ من هذيل: هذه لغتنا التخوف التنقص. فقال عمر: هل تعرف ~~العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير: # تخوف، أي: تنقص الرحل، أي: رحل ناقته منها تامكا، أي: سناما قردا، # PageV02P233 # أي: متراكما أو مرتفعا وهو بسكون الراء كما تخوف عود النبعة السفن # والنبعة بالضم واحدة النبع وهو شجر يتخذ منه السفن والسفن بفتح السين ~~والفاء ما ينحت به الشيء وهو فاعل تخوف ومفعوله عود. فقال عمر: عليكم ~~بديوانكم. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم ومعاني ~~كلامكم. ومعنى البيت أن رحل ناقته ينقص سنامها المتراكم أو المرتفع كما ~~ينقص السفن عود النبعة. {فإن ربكم} أي: المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء ~~من يريد وقوله تعالى: {لرؤوف} قرأه أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر ~~الهمزة والباقون بالمد ومعناه بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة وكذا ~~من قاطعه أتم مقاطعة وإليه أشار بقوله تعالى: {رحيم} أي: حيث لم يعاجلهم ~~بالعذاب. ولما خوف سبحانه وتعالى المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من ~~العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي ~~والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام ليظهر لهم أنه مع كمال هذه القدرة ~~الباهرة والقوة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك ~~الأجسام الأربعة بقوله تعالى: # {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء} أي: من ms1483 الأجرام التي لها ظل كشجر ~~وجبل {تتفيؤ} أي: تتميل {ظلاله عن اليمين والشمائل} جمع شمال، أي: عن جانبي ~~كل واحد منهما وشقيه. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب على نسق ما ~~قبله والباقون بالياء على الغيبة إلى ما خلق استعارة من يمين الإنسان ~~وشماله لجانبي الشيء، أي: ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ~~ممتنعة عليه فيما سخرها له. وقال قتادة والضحاك: أما اليمين فأول النهار ~~وأما الشمائل فآخره لأن الشمس وقت طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك ~~تقع الظلال إلى الجانب الغربي فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب ~~الغربي وقعت الظلال في الجانب الشرقي والظلال في أول النهار تبتدئ من يمين ~~الفلك على الربع الغربي من الأرض ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ ~~من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض. فإن قيل: ما السبب في ذكر ~~اليمين بلفظ الواحد والشمائل بصيغة الجمع؟ أجيب: بأشياء الأول: أنه وحد ~~اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر على الواحد كقوله تعالى: {ويولون الدبر} ~~(القمر، 45) # الثاني: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال وإذا جمع ~~ذهب إلى كلها وذلك لأن قوله: {إلى ما خلق الله من شيء} لفظه واحد ومعناه ~~الجمع على ما مر فيحتمل كلا الأمرين. الثالث: أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع ~~عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} (الأنعام، ~~1) # . وقوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} (البقرة، 7) # . تنبيه: الهمزة للاستفهام وهو استفهام إنكار، أي: قد رأوا أمثال هذه ~~الصنائع فما بالهم لم يتفكروا فيه ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه ~~وما موصولة مبهمة بمعنى الذي ومن شيء بيان لها. فإن قيل: كيف بين الموصول ~~وهو مبهم بشيء وهو مبهم بل أبهم مما قبله؟ أجيب: بأن شيئا قد اتضح وظهر ~~بوصفه بالجملة بعده وهو تتفيؤ ظلاله وقيل: الجملة بيان لما. وقوله تعالى: ~~{سجدا لله} حال من الظلال جمع ساجد كشاهد وشهد، وراكع وركع. واختلف في ms1484 ~~المراد من السجود على قولين أحدهما: أن المراد منه # PageV02P234 # الاستسلام والانقياد يقال: سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب وسجدت النخلة ~~إذا مالت لكثرة الحمل ويقال: اسجد للقرد في زمانه، أي: اخضع له وقال ~~الشاعر: # * ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # أي متواضعة. والثاني: أن هذه الظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة ~~الساجد فلما كانت الظلال يشبه شكلها شكل الساجدين أطلق الله تعالى عليها ~~هذا اللفظ وكان الحسن يقول: أما ظلك فيسجد لربك وأما أنت فلا تسجد لربك ~~بئسما صنعت. وعن مجاهد ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي. وقيل: ظل كل شيء يسجد ~~لله سواء أكان ذلك الشيء ساجدا أم لا. قال الرازي: والأول أقرب إلى الحقائق ~~العقلية والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة. وقوله تعالى: {وهم داخرون} أي: ~~صاغرون حال أيضا من الظلال فينتصب عنه حالان وقيل: حال من الضمير المستتر ~~في سجدا فهي حال متداخلة. فإن قيل: الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها ~~بالواو والنون؟ أجيب: أنه تعالى لما وصفها بالطاعة والدخور أشبهت العقلاء ~~أو أن في جملة ذلك من يعقل فغلب. ولما حكم على الظلال بما يعم أصحابها من ~~جماد وحيوان وكان الحيوان أشرف من الجماد رقي الحكم إليه بخصوصه، فقال: # {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض} وقوله تعالى: {من دابة} يجوز أن ~~يكون بيانا لما في السموات وما في الأرض جميعا على أن في السموات خلقا لله ~~يدبون فيها كما تدب الأناسي في الأرض، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده، ~~ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بيانا لما في ~~الأرض ويراد بما في السموات الملائكة وكرر ذكرهم بقوله تعالى: {والملائكة} ~~خصوصا من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم ويجوز أن يراد بما في ~~السموات ملائكتهن وبقوله تعالى: {والملائكة} ملائكة الأرض من الحفظة ~~وغيرهم. فإن قيل: سجود المكلفين مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم ~~فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد؟ أجيب: بأن المراد بسجود المكلفين طاعتهم ~~وعبادتهم وبسجود ms1485 غيرهم انقياده لإرادة الله تعالى وأنه غير ممتنع عليه وكلا ~~السجودين يجمعهما معنى الانقياد فلم يختلفا فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ ~~واحد. فإن قيل: هلا جيء بمن دون ما تغليبا للعقلاء من الدواب على غيرهم؟ ~~أجيب: بأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولا للعقلاء ~~خاصة فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة للعموم. {وهم} أي: الملائكة ~~{لا يستكبرون} عن عبادته ثم علل تخصيصهم بقوله تعالى دلالة على أنهم كغيرهم ~~في الوقوف بين الخوف والرجاء. # {يخافون ربهم} أي: الموجد لهم المدبر لأمورهم المحسن إليهم خوفا مبتدأ ~~{من فوقهم} إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم، أو أن يرسل عليهم عذابا ~~من فوقهم أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} ~~(الأنعام، 18) # . وقوله تعالى: {وإنا فوقهم قاهرون} (الأعراف، 127) # والجملة حال من الضمير في لا يستكبرون، أو بيان له أو تقرير لأن من خاف ~~الله لا يستكبر عن عبادته. {ويفعلون ما يؤمرون} أي: من الطاعة والتدبير وفي ~~ذلك دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد ~~كسائر المكلفين وأنهم بين الخوف والرجاء، كما مرت الإشارة إليه وأنهم ~~معصومون من الذنوب لأن قوله تعالى: {وهم لا يستكبرون} يدل # PageV02P235 # على أنهم منقادون لخالقهم وأنهم ما خالفوا في أمر من الأمور كما قال ~~تعالى: {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (الأنبياء، 27) # . ولما بين تعالى أن كل ما سوى الله تعالى سواء أكان من عالم الأرواح أم ~~من عالم الأجساد فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى وكبريائه أتبعه بالنهي عن ~~الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو ملكه وأنه غني عن الكل بقوله تعالى: ~~{وقال الله} فعبر لأجل تعظيم المقام بالاسم الأعظم الخاص {لا تتخذوا} أي: ~~لا تكلفوا فطرتكم الأولى السليمة المجبولة على معرفة أن الإله واحد أن تأخذ ~~في اعتقادها {إلهين اثنين} . فإن قيل: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما ~~وراء الواحد والاثنين، فقالوا: عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة لأن المعدود ~~عار عن الدلالة ms1486 على العدد الخاص. فأما رجل ورجلان وفرس وفرسان فمعدودان ~~فيهما دلالة على العدد فلا حاجة إلى أن يقال رجل واحد ورجلان اثنان، فما ~~وجه قوله تعالى: {إلهين اثنين} ؟ أجيب: بأجوبة أولها: قال الرازي: وهو ~~الأقرب عندي أن الشيء إذا كان مستنكرا مستقبحا فمن أراد المبالغة في ~~التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سببا لوقوف ~~العقل على ما فيه من القبح والقول بوجود إلهين مستقبح في العقول فإن أحدا ~~من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجود والقدم وصفات الكمال ~~فالمقصود من تكرار اثنين تأكيد التنفير عنه وتوقيف العقل على ما فيه من ~~القبح. الثاني: أن قوله تعالى: {إلهين} لفظ واحد يدل على أمرين ثبوت الإله ~~وثبوت التعدد فإذا قيل: لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع ~~عن إثبات الإلهين أو عن اثبات التعدد أو عن مجموعهما فلما قال: لا تتخذوا ~~إلهين اثنين ظهر أن قوله لا تتخذوا نهي عن إثبات التعدد فقط. الثالث: في ~~الآية تقديم وتأخير والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين. الرابع: أن الاسم ~~الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص ~~فإذا أريدت الدلالة على أن المعني به منهما والذي يساق إليه الحديث هو ~~العدد شفع بما يؤكده فدل به على القصد # إليه والعناية به. ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله، ولم تؤكده بواحد لم ~~يحسن وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية، ثم علل تعالى ذلك النهي بما ~~اقتضاه السياق من الوحدانية فقال جل ذكره: {إنما هو} أي: الإله المفهوم من ~~لفظ إلهين الذي لا يستحق غيره أن يطلق عليه هذا الضمير إلا مجازا لأنه لا ~~يطلق إطلاقا حقيقيا إلا على من وجوده من ذاته.k # {إله} أي: مستحق هذا الوصف على الإطلاق {واحد} لا يمكن أن يثنى بوجه ولا ~~أن يجزأ بغاية وغير غاية لغناه المطلق عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه. ولما ~~دلت الدلائل على أنه لا بد للعالم من إله وثبت ms1487 أن القول بوجود إلهين محال، ~~وثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الفرد الصمد، قال تعالى بعده: {فإياي ~~فارهبون} أي: خافون دون غيري والرهبة مخافة مع حزن واضطراب وإنما نقل ~~الكلام من الغيبة إلى خطاب الحضور وهو من طريقة الالتفات لأنه أبلغ في ~~الترهيب من قوله فإياه فارهبوه، ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم. ولما ~~ثبت بالدليل الصحيح والبرهان الواضح أن إله العالم لا شريك له في الإلهية ~~وجب أن يكون جميع المخلوقات عبيده وفي ملكه وتصرفه وتحت قهره وذلك قوله ~~تعالى: # أي: الله وأعاد الضمير في قوله تعالى له # PageV02P236 # على الله الاسم الأعظم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى. {ما في ~~السموات والأرض} أي: ما تعبدونه وغيره فكيف يتصور أن يكون شيء من ذلك إلها، ~~وهو ملكه مع كونه محتاجا إلى الزمان والمكان وغيرهما. {وله الدين} أي: ~~الطاعة وقوله تعالى: {واصبا} أي: دائما حال من الدين والعامل فيه ما في ~~الظرف من معنى الفعل. قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ~~ذلك لسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه وتعالى فإطاعته واجبة ~~أبدا، ولأنه المنعم على عباده المالك لهم فكانت طاعته واجبة دائما أبدا. ~~وقوله تعالى: {أفغير الله} أي: الذي له العظمة كلها {تتقون} استفهام إنكار ~~والمعنى: أنكم بعدما عرفتم أن إله العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج ~~إليه في وقت دوامه وبقائه فبعد العلم بذلك كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة ~~في غير الله تعالى أو رهبة من غير الله تعالى ولما بين تعالى أن الواجب على ~~العاقل أن لا يتقي غير الله بين أنه يجب عليه أن لا يشكر أحدا إلا الله ~~تعالى بقوله تعالى: {وما بكم من نعمة} أي: من نعمة الإسلام وصحة الأبدان ~~وسعة في الأرزاق وكل ما أعطاكم من مال أو ولد أو جاه {فمن الله} هو المتفضل ~~على عباده فيجب عليكم شكره على جميع إنعامه لأن الشكر إنما يجب على النعمة، ~~فثبت بهذا أن ms1488 العاقل يجب عليه أن لا يخاف، وأن لا يشكر إلا الله تعالى. ~~تنبيه: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان حصل بخلق الله فقالوا: ~~الإيمان نعمة وكل نعمة فمن الله ينتج أن الإيمان من الله وأيضا النعمة ~~عبارة عن كل ما يكون منتفعا به وأعظم الأشياء في النفع هو الإيمان فثبت أن ~~الإيمان نعمة والمسلمون مطبقون على قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان ~~والنعم إما دينية وإما دنيوية. أما النعم الدينية فهي إما معرفة الحق لذاته ~~وإما معرفة الخير لأجل العمل به. والنعم الدنيوية إما # نفسانية وإما بدنية وإما خارجية، وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع ~~خارجة عن الحصر. كما قال تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم، ~~34) # وقد مرت الإشارة إلى ذلك عند ذكر هذه الآية. ولما كان إخلاصهم له مع ~~ادعائهم ألوهية غيره أمرا مستبعدا عبر بأداة التراخي والبعد في قوله تعالى: ~~{ثم إذا مسكم} أي: أصابكم أدنى مس {الضر} بزوال نعمة مما أنعم به عليكم. ~~وقال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة. {فإليه} أي: لا إلى غيره ~~{تجأرون} أي: ترفعون أصواتكم بالاستغاثة لما ركز في فطرتكم الأولية السليمة ~~من أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. # {ثم إذا كشف} سبحانه وتعالى {الضر} أي: الذي مسكم {عنكم} ونبه على مسارعة ~~الإنسان في الكفران فقال: {إذا فريق} أي: جماعة هم أهل فرقة وضلال {منكم} ~~أي: أيها العباد {بربهم} الذي تفرد بالإنعام عليهم {يشركون} أي: يوقعون ~~الإشراك بعبادة غيره. # {ليكفروا بما آتيناهم} أي: من النعم. تنبيه: في هذه اللام وجهان: الأول: ~~أنها لام كي فيكون المعنى على هذا أنهم إنما أشركوا بالله ليجحدوا نعمه ~~عليهم في كشف الضر. الثاني: أنها لام العاقبة كما في قوله تعالى: {فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص، 8) # والمعنى عاقبة أمرهم هو كفرهم بما آتيناهم من النعماء، وكشفنا عنهم الضر ~~والبلاء. ثم إنه تعالى توعدهم بعد ذلك بقوله تعالى: {فتمتعوا} أي: ~~باجتماعكم على عبادة الأصنام وهذا لفظه أمر والمراد منه ms1489 التهديد كقوله ~~تعالى: # PageV02P237 # {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا} (الإسراء، 107) # . وقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف، 29) # . {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب. ولما بين تعالى ~~بالدلائل القاهرة فساد قول أهل الشرك والتشبيه شرح تفاصيل أقوالهم، وبين ~~فسادها بأنواع الأول قوله تعالى: # {ويجعلون} أي: المشركون {لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم} من الحرث ~~والأنعام بقولهم هذا لله وهذا لشركائنا. تنبيه: الضمير في قوله تعالى: {لما ~~لا يعلمون} عائد على الأصنام، أي: أن الأصنام لا تعي شيئا البتة لأنها جماد ~~والجماد لا علم له. وقيل: عائد إلى المشركين، ومعنى لا يعلمونها أنهم ~~يسمونها آلهة فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم وتشفع لهم وليس الأمر ~~كذلك. ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه على نفسه أنه يسألهم يوم القيامة بقوله ~~تعالى: {تالله لتسألن} سؤال توبيخ وفيه التفات من الغيبة إلى الحضور وهو من ~~بديع الكلام وبليغه. {عما كنتم تفترون} على الله من أنه أمركم بذلك. تنبيه: ~~في وقت السؤال احتمالان الأول: أنه يقع عند القرب من الموت. الثاني: أنه ~~يقع في الآخرة. قال الرازي: وهذا أولى. النوع الثاني قوله تعالى: {ويجعلون ~~لله البنات} ونظيره قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا} كانت خزاعة وكنانة يقولون الملائكة بنات الله. قال الرازي: أظن أن ~~العرب إنما أطلقوا لفظ البنات على الملائكة لاستتارهم عن العيون، فأشبهوا ~~النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم البنات. قال ابن عادل: وهذا الذي ظنه ليس ~~بشيء فإن الجن أيضا مستترون عن العيون، ولم يطلقوا عليهم لفظ البنات. ولما ~~حكى الله تعالى عنهم هذا القول، قال تعالى: {سبحانه} وفيه وجهان: الأول: أن ~~يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه الثاني: تعجيب الخلق من هذا ~~الأمر والجهل الصريح وهو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى ~~الله تعالى، قيل في التفسير: معناه معاذ الله وذلك مقارب للوجه الأول. ولما ~~ذكر الله تعالى إلى ما جعلوا له مع الغنى المطلق بين ما نسبوا لأنفسهم مع ~~لزوم الحاجة والضعف ms1490 بقوله تعالى: {ولهم ما يشتهون} من البنين وقد يكونون ~~أعداء أعدائهم. ثم إنه تعالى ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى ~~بالولد البنت لنفسه فكيف # يثبته لله تعالى؟ فقال: # {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} أي: أخبر بولادتها {ظل وجهه} أي: صار أو دام ~~النهار كله {مسودا} من الكآبة والحياء من الناس واسوداد الوجه كناية عن ~~الاغتمام والتخجيل كما أن بياض الوجه وإشراقه كناية عن الفرح والسرور. {وهو ~~كظيم} أي: مملوء غيظا على المرأة ولا ذنب لها بوجه والبشارة في أصل اللغة ~~الخبر الذي يغير البشرة من حزن أو سرور، ثم خص في عرف اللغة بالسرور ولا ~~يكون إلا بالخبر الأول فالمراد بالبشارة هنا الإخبار كما مر. وقول الرازي: ~~إن إطلاقه على الخير والشر داخل في التحقيق خلاف المشهور. # {يتوارى} أي: يستحي {من القوم} أي: من الرجال الذين هو فيهم {من سوء ما ~~بشر به} خوفا من التعيير وذلك أن العرب كانوا في الجاهلية إذا قرب ولادة ~~زوجة أحدهم توارى عن القوم إلى أن يعلم ما ولد له فإن ولد له ذكر ابتهج وسر ~~بذلك وظهر، وإن كانت أنثى حزن ولم يظهر أياما مترددا ماذا يفعل بذلك الولد ~~{أيمسكه} أي: يتركه بغير قتل {على هون} هوان وذل {أم يدسه في التراب} وذكر ~~الضمير في يمسكه ويدسه نظرا للفظ الولد أو # PageV02P238 # لكون الأنثى ولدا كما علم مما مر. قال ابن ميلق: قال المفسرون: كانت ~~المرأة إذا أدركها المخاض احتفرت حفرة وجلست على شفيرها فإن وضعت ذكرا ~~أظهرته وظهر السرور على أهله، وإن وضعت أنثى استأذنت مستولدها فإن شاء ~~أمسكها على هون وإن شاء أمرها بإلقائها في الحفرة وردت التراب عليها وهي ~~حية لتموت انتهى. وعن قيس بن عاصم أنه قال: يا رسول الله، إني واريت ثمان ~~بنات في الجاهلية. فقال له صلى الله عليه وسلم «أعتق عن كل واحدة منهن ~~رقبة. فقال: يا نبي الله إني ذو إبل. قال: إهد عن كل واحدة منهن هديا» . ~~وروي أن رجلا قال: يا رسول الله، ms1491 والذي بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام مذ ~~قد أسلمت، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها ~~فلما انتهيت إلى واد فيه بئر بعيدة القعر ألقيتها فيها فقالت: يا أبت ~~قتلتني، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء. فقال صلى الله عليه وسلم «ما كان ~~في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار» ، وكانوا في ~~الجاهلية مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفرة ويدفنها فيها إلى أن ~~تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها وكانوا ~~يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية خوفا من أن يطمع فيهن غير الأكفاء وتارة ~~خوفا من الفقر وكثرة العيال ولزوم النفقة. وكان الذي منهم يريد أن يحيي ~~ابنته تركها حتى تكبر ثم يلبسها جبة من صوف أو شعر ويجعلها ترعى # الإبل والغنم في البادية. قال الله تعالى: {ألا ساء} أي: بئس {ما يحكمون} ~~حكمهم هذا وذلك لأنهم بلغوا في الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات ~~فأولها: أنه يسود وجهه، وثانيها: أنه يختفي من القوم من شدة نفرته عن ~~البنت. وثالثها: أن الولد محبوب بحسب الطبيعة ثم إنه بسبب نفرته عنها يقدم ~~على قتلها وذلك يدل على أن النفرة عن البنت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغا ~~لا يزاد عليه فكيف يليق بالعاقل أن يثبت ذلك لإله عالم مقدس عال عن مشابهة ~~جميع المخلوقات، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك ~~إذا قسمة ضيزى} (النجم: 21، 22) # ثم قال تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة} وهم الكفار {مثل السوء} أي: ~~الصفة السوء بمعنى القبيحة وهي قتلهم البنات مع احتياجهم إليهن للنكاح ~~{ولله المثل الأعلى} أي: الصفة العليا وهي أنه لا إله إلا هو، وأن له جميع ~~صفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والبقاء السرمدي وغير ذلك من الصفات ~~التي وصف الله بها نفسه. وقال ابن عباس: مثل السوء النار والمثل الأعلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله. فإن قيل: كيف جاء لله المثل الأعلى مع قوله ms1492 ~~تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} (النحل، 74) # أجيب: بأن المثل الذي يضربه الله تعالى حق وصدق والذي يذكره غيره باطل. ~~{وهو العزيز} الذي لا يمتنع عليه شيء فلا نظير له. {الحكيم} الذي لا يوقع ~~شيئا إلا في محله. ولما حكى الله تعالى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم ~~بين أنه تعالى يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهارا للفضل ~~والرحمة والكرم بقوله تعالى: # أي: بسبب كفرهم ومعاصيهم {ما ترك عليها} أي: على الأرض وإنما أضمر ذكرها ~~من غير ذكر لدلالة الناس والدابة عليها. {من دابة} أي: أن الله تعالى لو ~~آخذ الناس بظلمهم لأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض. فإن قيل: اسم ~~الناس جنس يشمل الكل # PageV02P239 # فيدخل في ذلك الأنبياء فيدل على عدم عصمتهم؟ أجيب: بأن ذلك عام مخصوص ~~بقوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} (فاطر، 32) # فالمذكور في هذه الآية، إما كل العصاة المستحقين العقاب أو الذين تقدم ~~ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات، أو جميع الكفار بدليل قوله ~~تعالى: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا} (الأنفال، 55) # . وقال قتادة: قد فعل الله تعالى ذلك في زمن نوح عليه السلام فأهلك جميع ~~الدواب التي على وجه الأرض إلا من كان في السفينة مع نوح عليه السلام. روي ~~أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا ~~نفسه. فقال: بئسما قلت إن الحبارى تموت هزالا من ظلم الظالم. وقال ابن ~~مسعود: إن الجعل تعذب في حجرها بذنب ابن آدم، والجعل بضم الجيم وفتح العين ~~دويبة قاله الجوهري. وقيل في معنى الآية: ولو يؤاخذ الله الآباء الظالمين ~~بسبب ظلمهم لانقطع النسل، ولم توجد الأبناء ولم يبق في الأرض أحد. {ولكن ~~يؤخرهم} أي: يمهلهم بفضله وكرمه وحلمه {إلى أجل مسمى} أي: إلى انتهاء ~~آجالهم وانقضاء أعمارهم، {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة} عنه {ولا ~~يستقدمون} أي: لا يؤخرون ساعة من الأجل الذي ms1493 جعله الله تعالى لهم ولا ~~ينتقصون منه. تنبيه: ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ قالون والبزي ~~وأبو عمرو بإسقاط إحدى الهمزتين مع المد والقصر. وقرأ ورش وقنبل بتسهيل ~~الثانية وإبدالها حرف مد والباقون بتحقيق الهمزتين. # والنوع الثالث من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها الله ~~تعالى عنهم قوله: {ويجعلون لله ما يكرهون} لأنفسهم من البنات وأراذل ~~الأحوال والشركاء في الرياسة. ثم وصف الله تعالى جراءتهم مع ذلك بقوله ~~تعالى: {وتصف} أي: وتقول {ألسنتهم الكذب} أي: مع ذلك مع أنه قول لا ينبغي ~~أن يتخيله عاقل، ثم بينه بقوله تعالى: {أن لهم الحسنى} أي: عنده، أي: الجنة ~~كقوله تعالى: {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} ولا جهل أعظم ولا أحكم ~~سوءا من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره أن يجعل لك ما تحب فكأنه قيل ما ~~لهم عنده؟ فقيل: {لا جرم} أي لا ظن ولا تردد في {أن لهم النار} أي: هي جزاء ~~الظالمين وقيل لا جرم بمعنى حقا. {وأنهم مفرطون} أي: متركون فيها أو مقدمون ~~إليها وقرأ نافع بكسر الراء، أي: متجاوزون الحد والباقون بالفتح. فإن قيل: ~~إنهم لم يقروا بالبعث فكيف يقولون إن لنا الحسنى عند الله؟ أجيب: بأنهم ~~قالوا إن كان محمد صادقا في البعث بعد الموت فإن لنا الجنة، وقيل إنه كان ~~في العرب جمع يقرون بالبعث والقيامة وأنهم كانوا يربطون البعير النفيس على ~~قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون إن ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر ~~معه مركوبه، ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنيع الذي يصدر من مشركي قريش قد ~~صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدمين بقوله تعالى: # {تالله} أي: الملك الأعلى {لقد أرسلنا} أي: بما لنا من القدرة رسلا من ~~الماضين {إلى أمم من قبلك} كما أرسلنا إلى هؤلاء {فزين لهم الشيطان} أي: ~~المحترق بالغضب المطرود باللعنة {أعمالهم} الخبيثة من الكفر والتكذيب كما ~~زين لهؤلاء فضلوا كما ضلوا فأهلكناهم، وهذا يجري مجرى التسلية للنبي # PageV02P240 # صلى ms1494 الله عليه وسلم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم والمزين في ~~الحقيقة هو الله تعالى هذا مذهب أهل السنة وإنما جعل الشيطان آلة بالإلقاء ~~للوسوسة في قلوبهم وليس له قدرة على أن يضل أحدا أو يهدي أحدا وإنما له ~~الوسوسة فقط فمن أراد الله تعالى شقاوته سلطه الله عليه حتى يقبل وسوسته ~~{فهو وليهم اليوم} أي: في الدنيا وإنما عبر باليوم عن زمانها، أي: فهو ~~وليهم حين كان يزين لهم أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية أو آتية، ~~أي: لا ولي لهم غيره وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصرهم. وقيل: الضمير ~~لقريش، أي: زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم وهو ولي هؤلاء القوم ~~يغرهم ويغريهم، وقيل: يجوز أن يقدر مضاف، أي: فهو ولي أمثالهم والولي ~~القرين والناصر فيكون نعتا للناصر لهم على أبلغ الوجوه {ولهم عذاب أليم} ~~أي: مؤلم في الآخرة. ثم ذكر تعالى أنه مع هذا الوعيد الشديد قد أقام الحجة ~~وأزاح العلة بقوله تعالى: # {وما أنزلنا} أي: بما لنا من العظمة من جهة العلو. {عليك} يا أشرف ~~المرسلين {الكتاب} أي: القرآن {إلا لتبين لهم} أي: للناس {الذي اختلفوا ~~فيه} من أمر الدين مثل التوحيد والشرك وإثبات المعاد ونفيه فإنه كان فيهم ~~من ينكر البعث ومنهم من يؤمن به ومنهم عبد المطلب ومثل تحريم الحلال ~~كالبحيرة والسائبة وتحليلهم أشياء محرمة كالميتة. فإن قيل: اللام في لتبين ~~لهم تدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض كقوله تعالى: {كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس} (إبراهيم، 1) # . وقوله: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} (الذاريات، 56) # أجيب: بأنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل وقوله ~~تعالى: {وهدى ورحمة} أي: وإكراما بمحبة معطوفان على محل لتبين إلا أنهما ~~انتصبا على أنهما مفعول لهما لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب ودخلت اللام على ~~لتبين لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعل ~~فاعل الفعل المعلل، ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم نفاه بقوله ms1495 ~~تعالى: {لقوم يؤمنون} ونظيره قوله تعالى في أول البقرة: {هدى للمتقين} ~~(البقرة، 2) # . وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث أنهم قبلوه وانتفعوا به كما في قوله ~~تعالى: {إنما أنت منذر من يخشاها} (النازعات، 45) # لأنه إنما انتفع بإنذراه هذا القوم فقط. ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم ~~منكرة استكبارا وما يتعلق به، وختمه بما أحيا به القلوب في الإيمان والعلم ~~بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: ~~الإلهيات والنبوات والمعاد وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار وكان أجل ~~هذه المقاصد الإلهيات شرع في ذكر الوحدانية والقدرة والفعل بالاختيار ~~المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من ~~أوراق الأشجار وأجلى من ضياء النهار فعطف على قوله: {والله يعلم ما تسرون ~~وما تعلنون} (النحل، 19) # . قوله جامعا في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي. # {والله} أي: الذي له الأمر كله {أنزل من السماء} في الوقت الذي يريده ~~{ماء} بالمطر والثلج والبرد {فأحيا به} أي: بذلك الماء {الأرض} بأنواع ~~النبات {بعد موتها} أي: يبسها {إن في ذلك} المذكور {لآية} أي: دلالة واضحة ~~على كمال قدرته تعالى {لقوم يسمعون} أي: سماع تدبر وإنصاف ونظر لأن سماع ~~القلوب هو النافع لاسماع الآذان فمن سمع آيات القرآن بقلبه وتدبرها وتفكر ~~فيها # PageV02P241 # انتفع ومن لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع فلم ينتفع بالآيات ومن ~~الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله: # {وإن لكم في الأنعام لعبرة} أي: اعتبارا إذا تفكرتم فيها وعرفتم كمال ~~قدرتنا وقوله تعالى: {نسقيكم مما في بطونه} استئناف بيان للعبرة وإنما ذكر ~~لفظ الضمير لأنه لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة الجمع كالرهط والقوم ولا من ~~اللبس والدلالة على قوة المعنى لكونها سورة النعم وأنثه في سورة المؤمنون ~~للمعنى فإن الأنعام اسم جمع ولذلك عده سيبويه في باب ما لا ينصرف في ~~الأسماء المفردة الواردة على أفعال كقولهم: ثوب أكياش بياء تحتية وشين ~~معجمة ضرب من الثياب يغزل مرتين ومن قال إنه جمع ms1496 نعم جعل الضمير للبعض فإن ~~اللبن لبعضها دون جميعها. وقرأ نافع وابن عامر وشعبة بفتح النون تقول: ~~سقيته حتى روي. قال تعالى: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} (الإنسان، 21) # . والباقون بضمها من قولك: اسقاه إذا جعل له شرابا كقوله تعالى: ~~{وأسقيناكم ماء فراتا} (المرسلات، 27) # . ولما كان في موضع العبرة تخليص اللبن من غيره قدم قوله تعالى: {من بين ~~فرث} وهو الثفل الذي نزل إلى الكرش فإذا خرج منه لم يسم فرثا. {ودم لبنا ~~خالصا} أي: صافيا خلقه الله وسطا بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما ~~بزرخ من قدرة الله لا يبغي عليه أحدهما بلون أو رائحة أو طعم.d # روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في ~~كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما والكبد متسلطة على هذه ~~الأصناف الثلاثة تقتسمها فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ويبقى الفرث ~~في الكرش فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمل، وسئل شقيق ~~عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم. ~~{سائغا للشاربين} أي: سهل المرور في الحلق. وقيل: لم يغص أحد باللبن قط. ~~تنبيه: قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع ~~المختار فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله ~~الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض فخالق العالم دبر تدبيرا آخر بقلب ذلك ~~الدم لبنا ثم دبر تدبيرا آخر فأحدث من ذلك اللبن السمن والجبن فهذا ~~الاستقرار يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ~~ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضا أن يكون قادرا على أن يقلب ~~أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك فهذا الاعتبار ~~يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمرممكن غير ممتنع وفي حدوث اللبن ~~في الثدي واتصافه بالصفات التي باعتبارها يكون موافقا لتغذية الطفل مشتملة ~~على حكمة عجيبة يشهد صريح ms1497 العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم ~~المدبر وبيانه من وجوه: الأول أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذا يخرج منه ~~ثفل الغذاء فإذا تناول الإنسان غذاء أو شرابا انطبق ذلك المنفذ انطباقا ~~كليا لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في ~~المعدة، ويجذب ما صفي منه إلى الكبد ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك ~~المنفذ وينزل منه ذلك الثفل وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا ~~بتدبير الفاعل الحكيم لأنه متى كانت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم من المعدة ~~انفتح فحصول # PageV02P242 # الانطباق تارة # والانفتاح تارة أخرى بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلا بتقدير ~~الفاعل الحكيم. الثاني: عند تولد اللبن في الضرع يحدث الله تعالى في حلمة ~~الثدي ثقبا صغيرة ومسام ضيقة وجعلها بحيث إذا اتصل المص والحلب بتلك الحلمة ~~انفصل اللبن عنها ولما كانت تلك المسام ضيقة جدا كان لا يخرج منها إلا ما ~~كان في غاية الصفاء واللطافة. وأما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج ~~من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل فالحكمة في أحداث تلك الثقب الصغيرة ~~والمنافذ الضيقة في رأس حلمة الثدي أنها تكون كالمصفاة فكل ما كان لطيفا ~~خرج وكل ما كان كثيفا احتبس في الداخل ولم يخرج فبهذا الطريق يصيراللبن ~~خالصا موافقا لبدن الطفل سائغا للشاربين. الثالث: أنه تعالى ألهم ذلك الطفل ~~إلى المص فإن الأم كلما ألقت حلمة الثدي في فم الطفل فذلك الطفل في الحال ~~يأخذ في المص، ولولا أن الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك ~~العمل المخصوص وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي. # وقوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب} متعلق بمحذوف تقديره: ونسقيكم ~~من ثمرات النخيل والأعناب، أي: من عصيرهما وحذف لدلالة نسقيكم عليه، وقوله ~~تعالى: {تتخذون منه سكرا} بيان وكشف عن كنه الإسقاء. قال الواحدي: الأعناب ~~عطف على الثمرات لا على النخيل لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب ~~والعنب نفسه ثمرة وليس له ثمرة أخرى {ورزقا ms1498 حسنا} كالتمر والزبيب والدبس ~~والخل. تنبيه: في تفسير السكر وجوه: الأول: هو الخمر سميت بالمصدر من سكر ~~سكرا وسكرا نحو: رشد رشدا ورشدا. فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله ~~تعالى في معرض الأنعام؟ أجيب: عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن هذه السورة مكية ~~وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة، فكأن نزول هذه الآية كان في الوقت الذي ~~كانت الخمرة فيه غير محرمة وممن قال بنسخها النخعي والشعبي. الثاني: أن ~~الآية جامعة بين العتاب والمنة فالعتاب بالنسبة إلى السكر والمنة بالنسبة ~~إلى رزقا حسنا. الوجه الثاني: أن السكر هو النبيذ وهو عصير العنب والزبيب ~~والتمر فإذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد فهو حلال عند أبي حنيفة ~~رحمه الله تعالى إلى حد السكر، ويحتج بهذه الآية وبقوله صلى الله عليه وسلم ~~«الخمر حرام لعينها» وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئا غير الخمر وكل من أثبت ~~هذه المغايرة قال: إنه النبيذ المطبوخ. الوجه الثالث: أن السكر هو الطعام ~~قاله أبو عبيدة واحتج عليه بقول الشاعر: # * جعلت إعراض الكرام سكرا # أي تنقلب بإعراضهم بأن جعلتها نقلا وتناولتها والنقل ما ينتقل به على ~~الشراب. قال البغوي: وأولى الأقاويل أن قوله تعالى: {تتخذون منه سكرا} ~~منسوخ انتهى. ويدل له قول الحسن: ذكر الله نعمته عليهم في الخمر قبل أن ~~يحرمها عليهم. وروي عن ابن عباس قال: السكر ما حرم من ثمرها، والرزق الحسن ~~ما أحل من ثمرها. وروي عنه أيضا السكر الحرام منه والرزق زبيبه وعنبه ~~ومنافعه. ثم قال تعالى: {إن في ذلك} المذكور {لآية} أي: دلالة على قدرته ~~تعالى: {لقوم يعقلون} أي: يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل في الآيات ~~فيعلمون أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله تعالى فيحتج بحصولها على ~~وجود الإله القادر # PageV02P243 # الحكيم. ولما بين أن إخراج الألبان وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات ~~النخيل والأعناب دليل قاطع وبرهان ساطع على أن لهذا العالم إلها قادرا ~~مختارا حكيما. ذكر أن إخراج العسل الذي جعله الله تعالى شفاء للناس من دابة ms1499 ~~ضعيفة وهي النحل دليل قاطع. وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود بقوله ~~تعالى: # {وأوحى ربك إلى النحل} وحي إلهام. قال الضحاك: ألهمها ولم يرسل إليها ~~رسولا والمراد من الإلهام أنه تعالى قدر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة ~~التي يعجز عنها العقلاء من البشر وبيانه من وجوه: الأول: ما ذكر الله بقول ~~تعالى: {أن اتخذي} أي: بأن اتخذي ويجوز أن تكون مفسرة لأن في الإيحاء معنى ~~القول: {من الجبال بيوتا} تأوين إليها وإنما سمي ما تبنيه لتتعسل فيه بيتا ~~تشبيها ببيت الإنسان، فتبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها ~~على بعض بمجرد طبعها والعقلاء من البشر لا يمكنهم، مثل تلك البيوت إلا ~~بآلات وأنظار دقيقة. الثاني: أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت ~~مشكلة بأشكال سوى المسدسات كأن كانت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من ~~الأشكال فإنه تبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة فاهتداء ~~هذا الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب. ~~الثالث: أن النحل يحصل بينها واحد كالرئيس للبقية وذلك الواحد يكون أعظم ~~جثة من الباقي ويكون نافذ الحكم على تلك البقية وهم يخدمونه ويحملونه عند ~~تعبه وذلك أيضا من الأعاجيب. # الرابع: أنها إذا انفردت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا ~~أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول وآلات الموسيقى فبواسطة تلك الألحان ~~يقدرون على ردها إلى أوكارها، وهذه أيضا حالة عجيبة فلما امتاز هذا الحيوان ~~بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة كان ليس إلا على سبيل ~~الإلهام وهو حالة شبيهة بالوحي، والوحي قد ورد في حق الأنبياء كقوله تعالى: ~~{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} (الشورى 51) # وفي حق الأولياء قال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين} (المائدة، 111) # وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى} . (القصص، ~~7) # وفي حق سائر الحيوانات خاص. قال الزجاج: يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان ~~نحلا لأن الله تعالى نحل ms1500 الناس العسل الذي يخرج من بطونها. وقال غيره: ~~النحل يذكر ويؤنث وهي مؤنثة في لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله تعالى وكذلك ~~كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. {و} اتخذي {من الشجر} أي: الصالحة ~~بيوتا {و} اتخذي {مما يعرشون} أي: الناس فيبنون تلك الأماكن وذلك أن النحل ~~منه وحشي وهو الذي يسكن الجبال والشجر والكهوف، ومنه أهلي وهو الذي يأوي ~~إلى البيوت وتربيه الناس عندهم وقد جرت العادة أن الناس يبنون للنحل ~~الأماكن حتى يأوي إليها وذكر ذلك بحرف التبعيض لأنها لا تبنى في كل جبل وكل ~~شجر وكل ما يعرش من الكرم أو سقف ولا في كل مكان منها. وقرأ ابن عامر وشعبة ~~بضم الراء والباقون بكسرها. # تنبيه: ظاهر قوله تعالى: {اتخذي} أمر، وقد اختلفوا فيه فمن الناس من ~~يقول: لا بعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول ولا بدع أن يتوجه عليها من الله ~~أمر ونهي. وقال آخرون: بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها # PageV02P244 # غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في ~~سورة النمل، عند قوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} . (النمل، 18) # ولما كان أهم شيء للحيوانات بعد الراحة من هم المقيل أكل شيء، ثنى به ~~فقال: # {ثم كلي من كل الثمرات} أي: من كل ثمرة يشتهيها مرها وحلوها، وذكر ذلك ~~بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسيره لها. تنبيه: لفظ من هذا ~~للتبعيض أو لابتداء الغاية. ولما أذن لها في ذلك كله، وكان من المعلوم عادة ~~أن تعاطيه لا يكون إلا بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه نبه على خرقه ~~العادة في تيسيره لها بقوله تعالى: {فاسلكي سبل ربك} أي: الطرق التي ألهمك ~~الله تعالى أن تسلكيها وتدخلي فيها لأجل طلب الثمار وقوله تعالى: {ذللا} ~~جمع ذلول حال من السبل، أي: مسخرة لك فلا تعسر عليك وإن توعرت ولا تضلي عن ~~العود وإن بعدت. وقيل: من الضمير في اسلكي، أي: منقادة لأربابها حتى أنهم ~~ينقلونها من مكان إلى ms1501 مكان آخر حيث شاؤوا وأرادوا لا تستعصي عليهم. وقوله ~~تعالى: {يخرج من بطونها} فيه عدول عن خطاب النحل إلى خطاب الناس لأنه محل ~~الإنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم {شراب} أي: عسل {مختلف ~~ألوانه} ما بين أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل وذلك على قدر ما ~~تأكل من الثمار والأزهار ويستحيل في بطونها عسلا بقدرة الله تعالى، ثم يخرج ~~من أفواهها يسيل كاللعاب. وقال الرازي: إنه رأى في بعض كتب الطب أن العسل ~~طل من السماء ينزل كالترنجبين فيقع على الأزهار وأوراق الشجر فتجمعه النحل ~~فتأكل بعضه وتدخر بعضه في بيوتها لأنفسها لتتغذى به فإذا اجتمع في بيوتها ~~من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير فذلك هو العسل وقال هذا القول أقرب إلى ~~العقل لأن طبيعة الترنجبين تقرب من طبيعة العسل وأيضا إنا نشاهد أن النحل ~~يتغذى بالعسل وأجاب، عن قوله تعالى: {يخرج من بطونها شراب} إن كل تجويف ~~داخل البدن يسمى بطنافقوله: {يخرج من بطونها} أي: من أفواهها انتهى. # والأول كما قال ابن الخازن وغيره أظهر لأنا نشاهد أن العسل يوجد فيه طعم ~~تلك الأزهار التي يأكلها النحل وكذا توجد لذتها وريحها وطعمها فيه أيضا، ~~ويعضد هذا قول بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم له: «أكلت مغافير؟ قال: ~~لا، قالت: ما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل. قالت: ~~جرست نحله العرفط» . والعرفط شجر الطلع له صبغ يقال له: المغافير كريه ~~الرائحة، فمعنى جرست نحله العرفط أكلت ورعت من العرفط الذي له الرائحة ~~الكريهة، فثبت بهذا أنه يوجد في طعم العسل ولونه وريحه طعم ما يأكله النحل ~~ولونه وريحه لا ما قاله الأطباء من أنه طل لأنه لو كان طلا لكان على لون ~~واحد وقوله: كل تجويف في داخل البدن يسمى بطنا خلاف الظاهر لأن لفظ البطن ~~إذا أطلق لم يرد به إلا العضو المعروف بطن الإنسان وغيره. {فيه} أي: الشراب ~~الذي يخرج من بطون النحل {شفاء للناس} من الأوجاع كما قال ms1502 ابن عباس وابن ~~مسعود، إما لبعضها كما دل عليه تنكير شفاء، وإما لكلها بضميمته إلى غيره إذ ~~قل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل أو بدونه بنيته وبهذا سقط ~~ما قيل إنه يضر بأصحاب الصفراء ويهيج الحرارة، ويضر بالشباب # PageV02P245 # المحرورين ويعطش. قال ابن مسعود: العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما ~~في الصدور. وفي رواية عنه: عليكم بالشفاءين القرآن والعسل. وروى نافع أن ~~ابن عمر ما كانت قرحة ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل. ويقرأ {يخرج من ~~بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} . # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه. فقال صلى الله عليه وسلم اسقه العسل فذهب ثم ~~رجع فقال: قد سقيته فما نفع؟ فقال: اذهب فاسقه العسل فقد صدق الله وكذب بطن ~~أخيك، فسقاه، فشفاه الله، فبرأ، فكأنما نشط من عقال» فقوله صلى الله عليه ~~وسلم «صدق الله وكذب بطن أخيك» يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم علم بنور ~~الوحي الإلهي، أن العسل الذي أمره بشربه سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر ~~نفعه في الحال قال: صدق الله يعني فيما وعده من أن فيه شفاء للناس، وكذب ~~بطن أخيك، يعني باستعجالكم للشفاء في أول مرة. وقال مجاهد: الضمير في {فيه ~~شفاء للناس} راجع للقرآن، لأن فيه شفاء من أمراض الشرك، والجهالة والضلالة. ~~وهو هدى ورحمة للناس وعلى هذا تمت قصة تولد العسل من النحل عند قوله تعالى: ~~{يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} ثم ابتدأ وقال: {فيه شفاء للناس} أي: ~~في هذا القرآن. قال الرازي: وهذا قول ضعيف، ويدل عليه وجهان: الأول أن ~~الضمير في قوله تعالى: {فيه شفاء للناس} يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ~~ذاك إلا قوله تعالى: {شراب مختلف ألوانه} . وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى ~~القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق فهو غير مناسب. والثاني: حديث أبي سعيد ~~الخدري المتقدم. ثم إنه تعالى ختم ms1503 الآية بقوله تعالى: {إن في ذلك} أي: ~~المذكور {لآية لقوم يتفكرون} أي: في اختصاص النحل بتلك الطعوم الرقيقة ~~واللطائف الخفية مثل بناء البيوت المسدسة وغير ذلك فيعتبرون ويستدلون بما ~~ذكرنا على وحدانيتنا وقدرتنا وقد كثر في هذه السورة إضافة الآيات إلى ~~المخاطبين تارة بالإفراد وتارة بالجمع، ونوعها تارة بالعقل وتارة بالفكر ~~وتارة بالذكر وتارة بغيرها. ثم إنه تعالى لما أيقظهم من رقدتهم ونبههم على ~~عظيم غفلتهم ثنى ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك فقال: # {والله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلما {خلقكم} أي: أوجدكم من العدم ~~وأخرجكم إلى الوجود ولم تكونوا شيئا. {ثم يتوفاكم} أي: عند انقضاء آجالكم ~~على اختلاف الإنسان فلا يقدر الصغير أن يؤخر ولا الكبير على أن يقدم فمنكم ~~من يموت على حال قوته. {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي: أخسه من الهرم ~~والخرف. قال بعض العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب سن الطفولية والنمو ~~وهو أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة وهو غاية سن الشباب، وبلوغ الأشد ~~ثم المرتبة الثانية سن الوقوف وهو من ثلاثة وثلاثين سنة إلى أربعين سنة وهو ~~غاية القوة وكمال العقل والمرتبة الثالثة سن الكهولة وهو من الأربعين إلى ~~الستين وهذه المرتبة يشرع فيها الإنسان في النقص لكنه يكون نقصا خفيا لا ~~يظهر، ثم المرتبة الرابعة سن الشيخوخة والانحطاط من الستين إلى آخر العمر ~~خمسة وستون سنة يتبين النقص ويكون الهرم والخرف. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أرذل العمر خمسة وسبعون سنة وقيل ~~ثمانون سنة. وقال قتادة: تسعون سنة. وعن أنس رضي الله # PageV02P246 # تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ ~~بك من العجز والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات» ~~. وفي رواية عنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر ~~وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات» . {لكيلا يعلم بعد علم شيئا} أي: ليصير ~~إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في نقصان القوة والعقل ms1504 وسوء الفهم. تنبيه: هل ~~ذلك عام في المسلم والكافر أو مختص بالكافر فيه قولان: أحدهما: أنه عام، ~~والقول الثاني: أنه مختص إذ المسلم لا يزداد بطول العمر إلا كرامة على الله ~~تعالى، ولا يقال في حقه: إنه رد إلى أرذل العمر. قال الرازي: والدليل عليه ~~قوله تعالى: {ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ~~(التين: 5، 6) # فبين أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما ردوا إلى أسفل السافلين. وقال ~~عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر إلى هذه الحالة. وقال في قوله تعالى: {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} : هم الذين قرؤوا القرآن. وقال ابن عباس: ~~قوله: {ثم رددناه أسفل سافلين} يريد الكافرين ثم استثنى المؤمنين فقال: ~~{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وهذا يؤيد ما مر. {إن الله عليم} ~~بمقادير أعمارهم {قدير} يميت الشاب النشيط، ويبقي الهرم الفاني، وفي ذلك ~~تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم، ركب أبنيتهم وعدل ~~أمزجتهم على قدر معلوم، ولو كان مقتضى الطباع كما يقول الطبائعيون لم يبلغ ~~التفاوت هذا المبلغ. ولما ذكر تعالى المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال ~~الطبائع الموجبة للمسابقة إلى الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة من ~~مصيبة الموت أتبعها بالمفاوتة في الأرزاق فقال: # {والله} أي: الذي له الأمر كله {فضل بعضكم} أيها الناس {على بعض في ~~الرزق} فمنكم غني، ومنكم فقير، ومنكم مالك، ومنكم مملوك، كل ذلك بتقدير ~~العزيز الحكيم، فيجعل الضعيف العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم ~~فنرى أكيس الناس وأكثرهم عقلا يفني عمره في طلب القليل من الدنيا ولا يتيسر ~~له ذلك، ونرى أجلف الخلق وأقلهم عقلا وفهما تفتح له أبواب الدنيا فكل شيء ~~خطر بباله، أو دار في خياله، فإنه يحصل له بسهولة ولو كان السبب في ذلك هو ~~جهل الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال فلما رأينا أن ~~الأعقل أقل نصيبا وأن الأجهل الأخس أوفر نصيبا علمنا أن ذلك بسبب قسمة ~~القسام كما قال تعالى: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن ms1505 قسمنا بينهم معيشتهم في ~~الحياة الدنيا} (الزخرف، 32) # فاتقوا الله وأجملوا في طلب الرزق وأقبلوا في جمع قلوبكم على ما ينفعكم ~~من الاستبصار وأنشد سفيان بن عيينة يقول: # *كم من قوي قوي في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق منحرف # *ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف # وحكي أن سليمان المهلبي أرسل إلى الخليل بن أحمد بمئة ألف درهم فردها ~~الخليل وكتب إليه هذه الأبيات: # *أبلغ سليمان أني عنه في سعة # ... وفي غنى غير أني لست ذا مال # *شحي بنفسي أني لا أرى أحدا # ... يموت جوعا ولا يبقى على حال # PageV02P247 # *فالعجز عن قدرها العجز ينقصه # ... ولا يزيدك فيه حول محتال # *والفقر في النفس لا في المال تعرفه # ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال # وقال الشافعي رحمه الله تعالى: # *ومن الدليل على القضاء وكونه # ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق # تنبيه: هذا التفاوت ليس مختصا بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة، ~~والحسن والقبح، والعقل والحمق، والصحة والسقم، والاسم الحسن والاسم القبيح، ~~وهذا بحر لا ساحل له. قال الرازي: وقد كنت مصاحبا لبعض الملوك في بعض ~~الأسفار، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه، فكانت الجنائب الكثيرة تقاد ~~بين يديه، وما كان يمكنه ركوب واحد منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية ~~والفواكه الكثيرة العطرة عنده، وما كان يمكنه أن يتناول شيئا منها وكان من ~~الفقراء من هو صحيح المزاج وقوي البنية كامل القوة وما كان يجد ملء بطنه ~~طعاما فذلك الملك وإن كان يفضل هذا الفقير في المال إلا أن هذا الفقير كان ~~يفضل ذلك الملك في الصحة والقوة وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم ~~تعجبه فيه، فنسأل الله تعالى أن يغنينا من فضله وأن يرضينا بما قسم لنا إنه ~~كريم جواد. # ثم ضرب الله تعالى مثلا للذين جعلوا لله شركاء بقوله تعالى: {فما الذين ~~فضلوا} أي: في الرزق وهم الموالي {برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} أي: ~~بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها بينهم وبين مماليكهم {فهم} أي: ~~المماليك والموالي ms1506 {فيه سواء} أي: شركاء يقول الله تعالى هم لا يرضون أن ~~يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقناهم سواء فكيف يجعلون بعض عبيدي شركائي في ~~ملكي وسلطاني، وقيل: معنى الآية أن الموالي والمماليك الله رازقهم جميعا ~~فهم في رزقه سواء فلا تحسبن الموالي يردون أرزاقهم على مماليكهم من عند ~~أنفسهم بل ذلك رزق الله أجراه على أيدي الموالي للماليك. # والمقصود منه بيان أن الرازق هو الله تعالى لجميع خلقه وأن الموالي ~~والمماليك في ذلك الرزق سواء وأن المالك لا يرزق المملوك وإنما ذلك رزقي ~~أجريته إليهم على أيديهم فالرازق للمالك والمملوك هو الله تعالى. # ولما قرر سبحانه وتعالى هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل ~~كان ذلك إنعاما عظيما منه على الخلق فعند هذا قال: {أفبنعمة الله} في تقرير ~~هذه البيانات وإيضاح هذه البينات {يجحدون} أن يكفرون وفي ذلك إنكار على ~~المشركين حيث جحدوا نعمته وعبدوا غيره وجعلوا له شركاء يضيفون إليهم بعض ما ~~أنعم به عليهم فيسوون بينهم وبينه في ذلك. وقرأ شعبة بالتاء على الخطاب ~~والباقون بالياء على الغيبة ثم إنه تعالى ذكر نوعا آخر من أحوال الناس ~~ليستدل به على وجود الإله المختار الحكيم وتنبيها على إنعام الله تعالى على ~~عبيده بمثل هذه النعم بقوله تعالى: # {والله} أي: الذي له تمام القدرة وكمال العلم {جعل لكم من أنفسكم أزواجا} ~~أي: من جنسكم لتستأنسوا بها ولتكون أولادكم منكم فخلق حواء من ضلع آدم ~~وسائر الناس من نطف الرجال والنساء فهو خطاب عام فتخصيصه بآدم وحواء فقط ~~خلاف الدليل، والمعنى أنه تعالى خلق النساء لتتزوج بهن الذكور ومعنى من ~~أنفسكم كقوله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} (البقرة، 54) # {فسلموا على # PageV02P248 # أنفسكم} (النور، 61) # أي: بعضكم بعضا ونظيره قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا} (الروم، 21) # . {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} والحفدة جمع حافد وهو المسرع ~~بالخدمةالمسارع إلى الطاعة ومنه قول القانت: وإليك نسعى ونحفد، أي: نسرع ~~إلى طاعتك هذا أصله في اللغة. # واختلف فيه أقوال المفسرين فقال ابن مسعود والنخعي: ms1507 الحفدة أختان الرجل ~~على بناته. وعن ابن مسعود أنهم أصهاره فهو بمعنى الأول وعلى هذا يكون معنى ~~الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهن فيحصل لكم بسببهن الأختان ~~والأصهار. وقال الحسن وعكرمة والضحاك: هم الخدم. وقال مجاهد: هم الأعوان ~~وكل من أعانك فهو حفيدك. وقال عطاء: هم ولد الرجل الذين يعينونه ويخدمونه. ~~وقال الكلبي ومقاتل: البنون هم الصغار والحفدة كبار الأولاد الذين يعينون ~~الرجل الذين ليسوا منه، أي: أولاد المرأة من الزوج الأول. قال الرازي: ~~والأولى دخول الكل فيه لأن اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى المشترك. قال ~~الزمخشري: ويجوز أن يراد بالحفدة البنون أنفسهم كأنه قيل: جعل لكم منهن ~~أولادا هم بنون وهم حافدون، أي: جامعون بين الأمرين انتهى. ومع هذا ~~فالمشهور أن الحافد ولد الولد من الذكور والإناث. # فائدة: قال الأطباء وأهل الطبيعة: المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من ~~الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا تاما في ~~الذكورة، وإذا انصب من الخصية اليسرى ثم انصب إلى الجانب الأيسر من الرحم ~~كان الولد أنثى تاما في الأنوثة، وإذا انصب إلى الخصية اليمنى وانصب منها ~~إلى الجانب الأيسر من الرحم كان ذكرا في طبيعة الإناث، وإذا انصب إلى ~~الخصية اليسرى ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان هذا الولد أنثى ~~في طبيعة الذكور. وحاصل كلامهم أن الذكور الغالب عليهم الحرارة واليبوسة ~~والغالب على الإناث البرودة والرطوبة، وهذه العلة ضعيفة فإن في النساء من ~~مزاجها في غاية السخونة وفي الرجال من مزاجه في غاية البرودة فخالق الذكر ~~والأنثى هو الإله القادر الحكيم. ولما ذكر تعالى إنعامه على عبيده بالمنكوح ~~وما بينه فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة ~~فقال: {ورزقكم من الطيبات} سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب ~~والأشربة أو كانت من الحيوان والمراد بالطيب المستلذ أو الحلال ومن في من ~~الطيبات للتبعيض لأن كل الطيبات في الجنة وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها ~~واختلف في تفسير قوله تعالى: ms1508 {أفباطل يؤمنون} فقال ابن عباس: يعني ~~بالأصنام. وقال مقاتل: يعني بالشيطان، وقال عطاء: يصدقون أن لي شريكا ~~وصاحبة وولدا. {وبنعمت الله هم يكفرون} أي: بأن يضيفوها إلى غير الله ~~تعالى، ويتركون إضافتها إلى الله تعالى. وقيل: الباطل ما سول لهم الشيطان ~~من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله ما أحل لهم من هذه الطيبات ~~وتحريم الخبائث. فائدة: رسمت نعمت هنا بالتاء ووقف عليها ابن كثير وأبو ~~عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء والكسائي يقرأ بالإمالة. ولما شرح ~~الله تعالى الدلائل على صحة التوحيد وأتبعها بذكر أقسام النعم العظيمة ~~أتبعها بالرد على عبدة الأصنام فقال: # {ويعبدون من دون الله} أي: غيره {ما لا يملك لهم رزقا} # PageV02P249 # أي: تاركين عبادة من بيده جميع الأرزاق وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم ~~من الطيبات ويعبدون غيره، ثم بين تعالى جهة الرزق بقوله تعالى: {من السموات ~~والأرض} أما الرزق الذي يأتي من جانب السماء فالمطر، وأما الذي من جانب ~~الأرض فالنبات والثمار التي تخرج منها، وقوله تعالى: {شيئا} فيه ثلاثة ~~أوجه؛ أحدها: أنه منصوب على المصدر، أي: لا يملك لهم ملكا، أي: شيئا من ~~الملك. والثاني: أنه بدل من رزقا، أي: لا يملك لهم شيئا. قال ابن عادل: ~~وهذا غير مفيد إذ من المعلوم أن الرزق شيء من الأشياء ويؤيد ذلك أن البدل ~~لا يأتي إلا لأحد معنيين البيان أو التأكيد، وهذا ليس فيه بيان لأنه أعم ~~ولا تأكيد. الثالث: أنه منصوب على أنه اسم مصدر واسم المصدر يعمل عمل ~~المصدر على خلاف في ذلك. ولما كان من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة ~~أن يتملك بطريق من الطرق نفى الله تعالى عنهم ذلك بقوله تعالى: {ولا ~~يستطيعون} أي: وليس لهم نوع استطاعة أصلا. فإن قيل: إنه تعالى قال: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يملك} فعبر عن الأصنام بصيغة ما وهي لغير ~~العاقل ثم جمع بالواو والنون. وقال: {ولا يستطيعون} وهو مختص بمن يعقل؟ ~~أجيب: بأنه عبر عنها ثانيا اعتبارا باعتقادهم أنها آلهة. # وفي ms1509 تفسير قوله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} وجهان: الأول: قال أكثر ~~المفسرين: ولا تشبهوا الله بخلقه فإنه واحد لا مثل له ولا شبيه ولا شريك من ~~خلقه لأن الخلق كلهم عبيده وفي ملكه، فكيف يشبه الخالق بالمخلوق، والرازق ~~بالمرزوق، والقادر بالعاجز. الثاني: أن عبدة الأوثان كانوا يقولون أن إله ~~العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا، بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد ~~هؤلاء الأصنام، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم كما أن ~~أصاغر الناس يخدمون أكابر حفدة الملك، وأولئك الأكابر كانوا يخدمون الملك ~~فكذا ههنا. {إن الله} أي: الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره {يعلم} أي: خطأ ~~ما أنتم عليه من ضرب الأمثال له. {وأنتم لا تعلمون} ذلك وقيل معناه: وأنتم ~~لا تعلمون ما عليكم من العقاب العظيم بسبب عبادة هذه الأصنام ولو علمتموه ~~لتركتم عبادتها. ولما ختم تعالى إبطال مذهب عبدة الأصنام بسبب العلم الذي ~~هو مناط السداد عنهم، أكد ذلك بضرب مثل بقوله تعالى: # {ضرب الله} أي: الذي له كمال العلم وتمام القدرة. {مثلا} بالأحرار ~~والعبيد ثم أبدل من مثلا {عبدا} وقيده بقوله تعالى: {مملوكا} ليخرج الحر. ~~لأن العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى الله تعالى وقيده بقوله تعالى: {لا ~~يقدر على شيء} ليخرج المكاتب ومن فيه شائبة حرية وهذا مثل شركائهم ثم عطف ~~على عبدا قوله: {ومن} أي: وحرا فهي نكرة موصوفة ليطابق عبدا {رزقناه منا ~~رزقا حسنا} أي: واسعا طيبا {فهو ينفق منه} دائما وهو معنى قوله تعالى: {سرا ~~وجهرا} أي: يتصرف فيه كيف يشاء وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى ثم بكتهم ~~إنكارا عليهم بقوله تعالى: {هل يستوون} أي: هذان الفريقان الممثل بهما لأن ~~المراد الجنس فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوى بين مخلوقين أحدهما حر مقتدر ~~والآخر مملوك عاجز، فكيف يسوى بين حجر من صوان أو غيره وبين الله تعالى ~~الذي له القدرة التامة على كل شيء، وقيل: ذلك تمثيل للكافر المخذول والمؤمن ~~الموفق. # PageV02P250 # تنبيه: جواب هل يستوون ms1510 هو لا يستوون. وقوله تعالى: {الحمد لله} قال ابن ~~عباس: الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد، وقيل المعنى: ~~أن كل الحمد لله، وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ~~لأنها جماد عاجز، أي: إنما الحمد لله لا لغيره فيجب على جميع العباد حمد ~~الله لأنه تعالى أهل المحامد والثناء الحسن، فكأنهم قالوا: نحن نعلم ذلك ~~فقيل: {بل أكثرهم} أي: الكفار {لا يعلمون} لكونهم يسوونه غيره ومن نفى عنه ~~أصل العلم الذي هو أعلى صفات الكمال. كان في عداد الأنعام فهم لذلك يشبهون ~~به ما ذكر ويضربون له الأمثال الباطلة ويضيفون نعمه إلى غيره. # ثم إنه تعالى ضرب لعبدة الأوثان مثلا آخر بقوله تعالى: {وضرب الله مثلا} ~~ثم أبدل منه {رجلين} ثم استأنف البيان لما أجمل فقال {أحدهما أبكم} وهو ~~الذي ولد أخرس فكل أبكم أخرس وليس كل أخرس أبكم وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: ~~الأبكم الذي لا يسمع ولايبصر وصف الله تعالى هذا الرجل بصفة ثانية بقوله ~~تعالى: {لايقدر على شيء} لأنه لايفهم ولايفهم وفي ذلك إشارة إلى العجز ~~التام والنقصان الكامل ثم وصفه الله تعالى بصفة ثالثة بقوله تعالى: {وهو} ~~أي: ذلك الأبكم العاجز {كل على مولاه} أي: ثقيل على من ولي أمره ويعوله، ~~قال أهل المعاني: أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة يقال: كل السكين إذا ~~غلظت شفرته فلم تقطع وكل اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام وكل فلان عن ~~الأمر إذا ثقل عليه فلم ينهض فيه ثم وصفه تعالى بصفة رابعة بقوله: {أينما ~~يوجهه} أي: يرسله ويصرفه ذلك المولى {لا يأت بخير} لأنه عاجز لا يحسن ولا ~~يفهم، قيل: هذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على عبدتهم ووبخهم الله ~~تعالى بقوله: {هل يستوي هو} أي: هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع {ومن} أي: ~~ورجل آخر على ضد صفته فهو ناطق قادر عالم فطن قوي خبير مبارك ميمون {يأمر} ~~أي: ورجل آخر بماله من العلم والقدرة {بالعدل} أي: يبذل ms1511 النصيحة لغيره ~~{وهو} في نفسه ظاهرا وباطنا {على صراط} أي: طريق واضح {مستقيم} أي: عامل ~~فيه بما يأمر به، قيل: هذا مثال المعبود بالحق الذي يكفي عابديه جميع المؤن ~~وهو دال على كمال علمه وتمام قدرته، وقيل: المراد من هذا الأبكم عبد لعثمان ~~بن عفان رضي الله تعالى عنه كان ذلك العبد يكره الإسلام وما كان فيه خير ~~ومولاه وهو عثمان يأمر بالعدل وكان على الدين القويم والصراط المستقيم، ~~وقيل: المراد كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة وكل حر موصوف بتلك الصفات ~~الحميدة وهذا القول كما قال الرازي أولى من الأول لأن وصفه تعالى إياهما ~~بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على # الوثن وكذلك بالبكم وبالكل وبالتوجه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر ~~بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله تعالى وأيضا المقصود تشبيه ~~صورة بصورة في أمر من الأمور وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون إحدى ~~الصورتين مغايرة للأخرى، وأما القول الثاني فضعيف أيضا لأن المقصود إبانة ~~التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة وذلك غير مختص بشخص معين بل ~~إذا حصل التفاوت في الصفات المذكورة فإنه يحصل المقصود. # ثم وصف سبحانه وتعالى نفسه بكمال العلم بقوله تعالى: {ولله} أي: لا لغيره ~~{غيب السموات # PageV02P251 # والأرض} وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوسا ولم يدل عليه ~~محسوس، وقيل: الغيب هنا هو قيام الساعة فإن علمه غائب عن أهل السموات ~~والأرض ثم وصف سبحانه وتعالى كمال قدرته بقوله تعالى: {وما أمر الساعة} وهو ~~الوقت الذي يكون فيه البعث {إلا كلمح البصر} أي: إلا كرجع الطرف من أعلى ~~الحدقة إلى أسفلها، والمعنى: وما أمر قيام الساعة في السرعة والسهولة إلا ~~كطرف العين والمراد منه تقدير كمال القدرة ومعنى قوله تعالى: {أو هو أقرب} ~~إن لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى ~~أسفلها ولا شك أن الحدقة مؤلفة من أجزاء فلمح البصر عبارة عن المرور على ~~جملة تلك الأجزاء التي منها تألف الحدقة ms1512 ولاشك أن تلك الأجزاء كثيرة ~~والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة والله تعالى قادر ~~على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلذلك قال أو هو أقرب إلا أنه ~~لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ~~ذكره، ثم قال: {أو هو أقرب} تنبيها على ما مر ولا شبهة في أنه ليس المراد ~~طريقة الشك فالمراد إذا بل هو أقرب، وقال الزجاج: المراد به الإبهام على ~~المخاطبين لا أنه تعالى يأتي بالساعة إما بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع، ~~وقيل معناه: إن قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الذي تقولون فيه ~~هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة كقوله تعالى: {وإن يوما عند ربك كألف سنة ~~مما تعدون} (الرحمن، 47) # . {إن الله} أي: الملك الأعظم {على كل شيء قدير} فيقدر على أن يحي ~~الخلائق دفعة واحدة كما قدر على إحيائهم، فإنه تعالى مهما أراده كان في ~~أسرع ما يكون ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار ~~فعطف على قوله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} قوله عز وجل: # {والله} أي: الذي له العظمة كلها {أخرجكم} بقدرته وعلمه {من بطون ~~أمهاتكم} حال كونكم عند الإخراج {لا تعلمون شيئا} من الأشياء قل أو جل ~~فالذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطون الأرض بلا فرق بل بطريق ~~الأولى. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة والباقون بضمها، وقرأ حمزة بكسر ~~الميم والباقون بفتحها ثم عطف على أخرجكم قوله تعالى: {وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة} آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه وفتق مواضعها ~~وسواها وعدلها، وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يد ولا يتمكن من شق شيء ~~منه بآلة فالذي قدر على ذلك في البطن إبداعا قادر على إعادته في بطن الأرض، ~~بل بطريق الأولى. قال البقاعي: ولعله تعالى جمعهما، أي: الأبصار والأفئدة ~~دون السمع لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا ms1513 الله، ~~والأفئدة هي القلوب التي هيأها الله تعالى للفهم وإصلاح البدن بما أودعها ~~من الحرارة اللطيفة للمعاني الدقيقة {لعلكم تشكرون} لتصيروا بمعارف القلوب ~~التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات في حال يرجى فيها شكركم ~~لما أفاض عليكم من لطائف صنعه بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة فإنه إنما ~~أنعم عليكم بهذه الحواس لتستعملوها في شكر من أنعم بها عليكم. # فإن قيل: عطف وجعل لكم السمع على أخرجكم يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر ~~متأخرين عن الإخراج من البطون مع أن # PageV02P252 # الأمر ليس كذلك؟ أجيب: بأن حرف الواو لا يوجب الترتيب وأيضا إذا حملنا ~~السمع على الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال ثم إنه تعالى ذكر دليلا ~~آخر على كمال قدررته وحكمته بقوله تعالى: # {ألم يروا إلى الطير مسخرات} أي: مذللات للطيران {في جو السماء} أي: في ~~الهواء بين الخافقين مما لا يقدرون عليه بوجه من الوجوه مع مشاركتكم لها في ~~السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول فعلم قطعا أنه تعالى خلق الطير خلقة ~~معها يمكنه الطيران فيها وإلا لما أمكن ذلك لأنه تعالى أعطى الطير جناحا ~~يبسطه مرة ويكسره مرة أخرى مثل ما يعمل السابح في الماء، وخلق الجو خلقة ~~لطيفة رقيقة يسهل خرقه والنفاذ فيه، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا ومع ~~ذلك {ما يمسكهن} في الجو عن الوقوع {إلا الله} أي: الملك الأعظم فإن جسد ~~الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة ~~تحته ولا علاقة فوقه فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى. ~~وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على أنه خطاب العامة والباقون بالياء على ~~الغيبة {إن في ذلك} المذكور {لآيات} أي: دلالات {لقوم يؤمنون} وخصهم بذلك ~~لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت هذه الآيات آيات لكل العقلاء. # ثم ذكر تعالى نوعا آخر من دلائل التوحيد بقوله تعالى: {والله} أي: الذي ~~له الحكمة البالغة. {جعل لكم من بيوتكم} وأصل البيت المأوى ليلا ثم اتسع ~~فيه {سكنا} أي: ms1514 موضعا لتسكنوا فيه. تنبيه: البيوت التي يسكن الإنسان فيها ~~على قسمين: أحدهما: البيوت المتخذة من الخشب والطين والآلات التي بها يمكن ~~تسقيف البيوت، وإليها الإشارة بقوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} ~~وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقلها، بل الإنسان ينتقل إليها. والقسم ~~الثاني: القباب والخيام والفساطيط، وإليها الإشارة بقوله تعالى: {وجعل لكم ~~من جلود الأنعام بيوتا} المتخذة من الأدم ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر ~~والصوف والشعر فإنها من حيث أنها ثابتة على جلودها يصدق عليها أنها من ~~جلودها {تستخفونها} أي: تتخذونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها. {يوم ~~ظعنكم} أي: وقت ترحالكم وعبر باليوم لأن الترحال في النهار {ويوم إقامتكم} ~~أي: وقت الحضر أو وقت النزول وهذا القسم من البيوت يمكن نقلها وتحويلها من ~~مكان إلى مكان. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح العين والباقون ~~بالسكون، وأضاف قوله تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} إلى ضمير ~~الأنعام لأنها من جملتها. قال المفسرون وأهل اللغة: الأصواف للضأن والأوبار ~~للإبل والأشعار للمعز. {أثاثا} أي: ما يلبس ويفرش {ومتاعا} أي: ما يتجر به، ~~وقيل: الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله في الغطاء والوطاء، والمتاع ما ~~يفرش في المنازل ويتزين به واختلف في معنى قوله تعالى: {إلى حين} فقيل: إلى ~~حين تبلى، وقيل: إلى حين الموت، وقيل: إلى حين بعد حين، وقيل: إلى يوم ~~القيامة. # تنبيه: في نصب أثاثا وجهان: أحدهما: أنه منصوب عطفا على بيوتا، أي: وجعل ~~لكم من أصوافها أثاثا. والثاني: أنه منصوب على الحال، واعلم أن الإنسان إما ~~أن يكون مقيما أو مسافرا والمسافر إما أن يكون غنيا يستصحب معه الخيام أولا ~~فالقسم الأول أشار إليه بقوله تعالى: {جعل لكم من بيوتكم سكنا} # PageV02P253 # وأشار إلى القسم الثاني بقوله تعالى: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا} ~~وأشار إلى القسم الثالث بقوله تعالى: {والله} أي: الذي له الجلال والإكرام ~~{جعل لكم} أي: من غير حاجة منه تعالى {مما خلق} من شجر وجبال وأبنية ~~وغيرها. وقوله تعالى: {ظلالا} جمع ظل تتقون ms1515 به شدة الحر. وقوله تعالى: ~~{وجعل لكم} مع غناه المطلق {من الجبال أكنانا} جمع كن موضع تسكنون فيه من ~~الكهوف والبيوت المنحوتة فيها {وجعل لكم} أي: امتنانا منه عليكم {سرابيل} ~~جمع سربال. قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال من قميص أو درع أو جوشن أو ~~غيره، أي: وسواء كان من صوف أو كتان أو قطن أو غير ذلك {تقيكم الحر} ولم ~~يقل تعالى والبرد لتقدمه في قوله تعالى: {فيها دفء} (النحل، 5) # . وقيل: إنه اكتفى بأحد المتقابلين. وقيل: كان المخاطبون بهذا الكلام ~~العرب وبلادهم حارة فكان حاجتهم إلى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع ~~البرد كما قال تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} وسائر أنواع الثياب ~~أشرف إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان الفهم بها أشد واعتيادهم للبسها ~~أكثر، ولما كانت السرابيل نوعا واحدا لم يكرر لفظ جعل فقال: {وسرابيل} أي: ~~دروعا من حديد وغيرها {تقيكم بأسكم} أي: حربكم، أي: في الطعن والضرب فيها. ~~ولما عدد الله تعالى أنواع نعمه قال: {كذلك} أي: كإتمام هذه النعمة ~~المتقدمة {يتم نعمته عليكم} في الدنيا والدين بالبيان والهداية لطريق ~~النجاة والمنافع والتنبيه على دقائق ذلك {لعلكم} يا أهل مكة {تسلمون} أي: ~~تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الأنعامات أحد سواه، ~~وقيل: تسلمون من الجراح بلبس الدروع. # {فإن تولوا} فلم يقبلوا منك وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة ~~في الكفر {فإنما عليك} يا أفضل الخلق {البلاغ المبين} هذا جواب الشرط وفي ~~الحقيقة جواب الشرط محذوف، أي: فقد تمهد عذرك بعد ما أديت ما وجب عليك من ~~التبليغ فذكر سبب العذر وهو البلاع ليدل على المسبب وذلك لأن تبلغيه سبب في ~~عذره فأقيم السبب مقام المسبب وهذا قبل الأمر بالقتال، ثم إنه تعالى ذمهم ~~بأنهم # {يعرفون نعمة الله} أي: الملك الأعظم التي تقدم عد بعضها في هذه السورة ~~وغيرها {ثم ينكرونها} بعبادتهم غير المنعم بها، وقال السدي: نعمة الله يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أنكروه وكذبوه. وقيل: نعمة ms1516 الله هي الإسلام وهو ~~من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده، ثم إن كفار مكة أنكروه ~~وجحدوه، واختلف في معنى قوله تعالى: {وأكثرهم الكافرون} مع أنهم كلهم كانوا ~~كافرين على وجوه؛ الأول: إنما قال تعالى: {وأكثرهم} لأنه كان فيهم من لم ~~تقم عليه الحجة، ممن لم يبلغ حد التكليف أو كان ناقص العقل فأراد بالأكثر ~~البالغين الأصحاء. الثاني: أن يكون المراد بالكافر الجاحد المعاند وكان ~~فيهم من لم يكن معاندا بل كان جاهلا بصدق الرسول وما ظهر له كونه نبيا حقا ~~من عند الله. الثالث: أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع لأن أكثر الشيء يقوم ~~مقام الكل، فذكر الأكثر كذكر الجميع، وهذا كقوله تعالى: {الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون} (الزمر، 29) # ولما بين تعالى من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وذكر أيضا ~~من حالهم أن أكثرهم كافرون أتبعه بالوعيد فذكر حال يوم القيامة بقوله ~~تعالى: {ويوم} أي: وخوفهم # PageV02P254 # يوم أو واذكر لهم يوم {نبعث} بعد البعث {من كل أمة شهيدا} هو نبيها كما ~~قال تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} ~~(النساء، 41) # يشهد نبيها لها وعليها يوم القيامة ليحكم تعالى بقوله إجراء للأمر على ما ~~يتعارفون وإن كان تعالى غنيا عن شهيد. وقوله تعالى: {ثم لا يؤذن للذين ~~كفروا} فيه وجوه: أحدها: لا يؤذن لهم في الاعتذار كقوله تعالى: {ولا يؤذن ~~لهم فيعتذرون} (المرسلات، 36) # . ثانيها: لا يؤذن لهم في كثرة الكلام. ثالثها: لا يؤذن لهم في الرجوع ~~إلى دار الدنيا وإلى التكليف. رابعها: لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود بل ~~يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود. فإن قيل: ما معنى ثم ههنا؟ أجيب: بأن ~~معناها أنهم يمتحنون، أي: يبتلون بغير شهادة الأنبياء عليهم السلام بما هو ~~أطم منها وأنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة ~~{ولا هم يستعتبون} أي: لا تزال عتباهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون، يقال: ~~استعتبت فلانا بمعنى اعتبته، أي: ms1517 أزلت عتباه. # {وإذا رأى الذين ظلموا} أي: ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي {العذاب} أي: ~~عذاب جهنم بعد الموقف وشهادة الشهداء {فلا يخفف عنهم} ذلك العذاب {ولا هم ~~ينظرون} أي: لا يمهلون. ولما بين تعالى حاصل أمرهم في البعث وما بعده وكان ~~من أهم المهم أمرهم في الموقف مع شركائهم الذين كانوا يرجونهم عطف على ذلك ~~بقوله تعالى: # {وإذا رأى} أي: بالعين يوم القيامة {الذين أشركوا شركاءهم} أي: الآلهة ~~التي كانوا يدعونها شركاء من الشياطين وغيرها {قالوا ربنا} أي: يا من أحسن ~~إلينا وربانا {هؤلاء شركاؤنا} أضافوهم إلى أنفسهم لأنه لا حقيقة لشركتهم ~~سوى تسميتهم لها الموجبة لضرهم ثم بينوا المراد بقولهم: {الذين كنا ندعوا} ~~أي: نعبدهم {من دونك} ليقربونا إليك فأكرمنا لأجلهم جريا على مناهجهم في ~~الدنيا في الجهل والغباوة فخاف شركاؤهم من عواقب هذا القول والإقرار عليه ~~سطوات الغضب {فألقوا} أي: الشركاء {إليهم} أي: المشركين {القول} أي: بادروا ~~به حتى كان إسراعهم إليه إسراع شيء ثقيل يلقى من علو وأكدوا قولهم فقالوا: ~~{إنكم لكاذبون} في جعلنا شركاء أو أنكم عبدتمونا حقيقة وإنما عبدتم أهواءكم ~~كقوله تعالى: {كلا سيكفرون بعبادتهم} (مريم، 82) # ولا يبعد أن تنطق الأصنام بذلك يومئذ في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم ~~إياه كقوله: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} ~~(إبراهيم، 22) # . {وألقوا} أي: الشركاء {إلى الله} أي: الملك الأعلى {يومئذ} أي: يوم ~~القيامة {السلم} أي: الاستسلام بحكمه بعد الاستكبار في الدنيا {وضل} أي: ~~غاب {عنهم} أي: الكفار {ما كانوا يفترون} أي: من أن آلهتهم تشفع لهم. ولما ~~ذكر تعالى وعيد الذين كفروا أتبعه بوعيد من ضم إلى كفره صد الغير عن سبيل ~~الله بقوله تعالى: # {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} أي: ضموا مع كفرهم أنهم منعوا الناس عن ~~الدخول في الإيمان بالله وبرسوله {زدناهم عذابا} لصدهم {فوق العذاب} ~~المستحق بكفرهم {بما كانوا يفسدون} أي: بكونهم مفسدين بصدهم، وقيل: زدناهم ~~عذابا بحيات وعقارب كأمثال البخت يستغيثون بالهرب منها إلى النار ومنهم من ~~ذكر أن ms1518 لكل عقرب ستمائة نقرة في كل نقرة ثلاثمائة قلة من سم، وقيل: عقارب ~~لها أنياب كالنخل الطوال ثم كرر سبحانه # PageV02P255 # وتعالى التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السابقة ~~وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم وتكون بحضرتهم فقال: # {ويوم} أي: وخوفهم أو واذكر لهم يوم {نبعث} أي: بمالنا من القدرة {في كل ~~أمة} من الأمم والأمة عبارة عن القرن والجماعة {شهيدا عليهم} قال ابن عباس: ~~يريد الأنبياء قال المفسرون: كل نبي شاهد على أمته وهو أعدل شاهد عليها {من ~~أنفسهم} أي: منهم لأن كل نبي إنما بعث من قومه الذين بعث إليهم ليشهدوا ~~عليهم بما فعلوا من كفر وإيمان وطاعة وعصيان {وجئنا} بما لنا من العظمة ~~{بك} يا خير المرسلين {شهيدا على هؤلاء} أي: الذين بعثناك إليهم وهم أهل ~~الأرض وأكثرهم ليس من قومه صلى الله عليه وسلم ولذلك لم تقيد بعثته بشيء، ~~وقال أبو بكر الأصم: المراد بذلك الشهيد هوأنه تعالى ينطق عشرة من أعضاء ~~الإنسان حتى أنها تشد عليه وهو الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد ~~واللسان، قال: والدليل عليه ماقاله في صفة الشهيد أنه من أنفسهم وهذه ~~الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم، ورد بأنه تعالى قال: {شهيدا عليهم} يجب أن ~~يكون غيرهم، وأيضا قال {من كل أمة} فيجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد ~~هذه الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمة، ثم بين تعالى أنه أزاح علتهم ~~فيما كلفوا به فلا حجة لهم ولا معذرة بقوله تعالى: {ونزلنا} أي: بعظمتنا ~~بحسب التدريج والتنجيم {عليك} ياخير خلق الله {الكتاب} أي: القرآن الجامع ~~للهدى {تبيانا} أي: بيانا بليغا {لكل شيء} فإن قيل: كيف كان القرآن تبيانا ~~لكل شيء؟ أجيب: بأن المعنى من كل شيء من أمور الدين حيث كان نصا على بعضها ~~وإحالة على السنة حيث أمر فيه بإتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته. وقد ~~قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى} (النجم، 3) # وحثا على الاجماع في قوله تعالى: {ويتبع غير ms1519 سبيل المؤمنين} (النساء، ~~115) # وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اتباع أصحابه والاقتداء ~~بآثارهم وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد فكانت السنة ~~والإجماع والقياس والاجتهاد مسندة إلى تبيان الكتاب فمن ثم كان تبيانا لكل ~~شيء {وهدى} أي: من الضلالة {ورحمة} لمن آمن به وصدقه {وبشرى} بالجنة ~~{للمسلمين} أي: الموحدين خاصة ولما استقصى سبحانه وتعالى في شرح الوعد ~~والوعيد والرغبة والترهيب أتبعه بقوله: # {إن الله} أي: الملك المستجمع لصفات الكمال {يأمر بالعدل} قال ابن عباس: ~~في بعض الروايات العدل شهادة أن لا إله إلا الله {والإحسان} أداء الفرائض، ~~وقال في رواية أخرى: العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ~~وأن تحب للناس ما تحب لنفسك فإن كان مؤمنا أحببت له أن يزداد إيمانا وإن ~~كان كافرا أحببت له أن يكون أخاك في الإسلام، وقال في رواية ثالثة: العدل ~~هو التوحيد والإحسان هو الإخلاص فيه وقال آخرون: يعني بالعدل في الأفعال ~~والإحسان في الأقوال فلا تفعل إلا ما هو عدل ولا تقل إلا ما هو إحسان وأصل ~~العدل المساواة في كل شيء من غير زيادة ولا نقصان فالعدل هو المساواة في ~~المكافأة إن خيرا فخير وإن شرا فشر والإحسان أن تقابل الخير بأكثر منه ~~والشر بأن تعفو عنه، وعن الشعبي قال عيسى بن مريم: إنما الإحسان أن تحسن # PageV02P256 # إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك. وقيل: العدل ~~الإنصاف، والإنصاف أعدل من الاعتراف للمنعم بإنعامه، والإحسان أن تحسن إلى ~~من أساء إليك، وعن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: ~~صف لي العدل؟ فقلت: بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أبا ولكبيرهم ابنا ~~وللمثل منهم أخا وللنساء كذلك. {وإيتاء} أي: ومن الإحسان إيتاء {ذي القربى} ~~أي: القرابة القربى والبعدى فيندب أن تصلهم من فضل ما رزقك الله فإن لم يكن ~~لك فضل فدعاء حسن وتودد. وروى أبو سلمة عن أبيه أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ms1520 قال: «إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم، إن أهل هذا ~~البيت ليكونون تجارا فتنمى أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم» . # ولما أمر تعالى بالمكارم نهى عن المساوئ بقوله تعالى: {وينهى عن الفحشاء} ~~قال ابن عباس:، أي: الزنا، فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها. وقال غيره: ~~الفحشاء ما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا وغيره من جميع الأقوال ~~والأفعال المذمومة جميعها. {والمنكر} قال ابن عباس: يعني الشرك والكفر. ~~وقال غيره: المنكر ما لا يعرف في شريعة أو سنة. {والبغي} هو الاستيلاء على ~~الناس والتجبر عليهم قيل: إن أعجل المعاصي عقابا البغي، ولو أن جبلين بغى ~~أحدهما على الآخر لدك الباغي. ونص تعالى على البغي مع دخوله في المنكر ~~اهتماما به، كما بدأ بالفحشاء لذلك. وقال ابن قتيبة في هذه الآية: العدل ~~استواء السر والعلانية والإحسان أن تكون سريرته خيرا من علانيته والفحشاء ~~والمنكر والبغي أن تكون علانيته أحسن من سريرته. وقال بعض العلماء: إن الله ~~تعالى ذكر من المأمورات ثلاثة أشياء، ومن المنهيات ثلاثة أشياء، فذكر العدل ~~وهو الإنصاف والمساواة في الأقوال والأفعال، وذكر في مقابلته الفحشاء وهو ~~ما قبح من الأقوال والأفعال، وذكر الإحسان وهو أن يعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى ~~من أساء إليه، وذكر في مقابلته المنكر وهو أن ينكر إحسان من أحسن إليه، ~~وذكر إيتاء ذي القربى، والمراد به صلة القرابة والتودد إليهم والشفقة عليهم ~~وذكر في مقابلته البغي وهو أن يتكبر عليهم أو يظلمهم حقوقهم. ولما كان هذا ~~المذكور من أبلغ المواعظ نبه عليه بقوله تعالى: {يعظكم} أي: يأمركم بما ~~يرقق قلوبكم من مصاحبة الثلاثة الأول وهي العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ~~ومجانبة الثلاثة الأخيرة وهي الفحشاء والمنكر والبغي. {لعلكم تذكرون} أي: ~~لكي تتعظوا فتعملوا بما فيه رضا الله تعالى. وقرأ حفص وحمزة والكسائي ~~بتخفيف الذال والباقون # بالتشديد وفيه ادغام التاء في الأصل في الذال. وروى البيهقي في «شعب ~~الإيمان» عن ابن مسعود أنه قال: أعظم آية في كتاب الله تعالى: {الله لا إله ~~إلا هو الحي ms1521 # القيوم} (البقرة، 255) # وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل: {إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان} وأكثر آية في كتاب الله تفويضا: {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} (الطلاق: 2، 3) # وأشد آية في كتاب الله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} ~~(الزمر، 53) # الآية. وقال أهل المعاني: لما قال الله تعالى في الآية الأولى: {ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} بين في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه على ~~سبيل الإجمال فما من شيء يحتاج # PageV02P257 # إليه الناس في أمر دينهم مما يجب أن يؤتى به أو يترك إلا وقد اشتملت عليه ~~هذه الآية. # وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان من أهل الجاهلية يعملون به ويعظونه ~~ويخشونه إلا أمر الله تعالى به وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا ~~نهى الله عنه. وعن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد بن ~~المغيرة {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} إلى آخر الآية. فقال له: يا ابن ~~أخي أعد علي فأعادها عليه؟ فقال الوليد: والله إن له لحلاوة وإن عليه ~~لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، ولما تقررت ~~هذه الجمل التي جمعت بجمعها المأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر ~~والصدور، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت من البلاغة مبلغا ~~يحصل به غاية السرور. ذكر بعض تلك الأقسام وبدأ بما هو مع جمعه أهم وهو ~~الوفاء بالعهد بقوله تعالى: {وأوفوا} أي: أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في ~~الحقيقة غيره {بعهد الله} أي: الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل ~~من التوحيد والبيع والإيمان وغيرها من أصول الدين وفروعه {إذا عاهدتم} ~~بتقلبكم له بإذعانكم لامتثاله {ولا تنقضوا الأيمان} واحترز عن لغو اليمين ~~بقوله تعالى: {بعد توكيدها} أي: تشديدها فتحنثوا فيها، وفي ذلك دليل على أن ~~المراد بالعهد غير اليمين لأنه أعم منه. وقرأ أبو عمرو بادغام الدال في ~~التاء بخلاف عنه. {و} الحال أنكم {قد جعلتم الله} ms1522 أي: الذي له العظمة كلها ~~{عليكم كفيلا} أي: شاهدا ورقيبا. وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم ~~بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالادغام. وعن جابر رضي الله عنه قال: ~~نزلت هذه الآية في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم بايع على ~~الإسلام فقال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد ~~توكيدها} فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة ~~التي بايعتم على الإسلام. {إن الله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة {يعلم ما ~~تفعلون} من وفاء العهد ونقضه. ثم ضرب الله تعالى # لنقض العهد مثلا فقال: # {ولا تكونوا} أي: في نقض العهد {كالتي نقضت غزلها} أي: ما غزلته فهو مصدر ~~بمعنى المفعول {من بعد قوة} أي: إبرام وإحكام، وقوله تعالى: {أنكاثا} جمع ~~نكث وهو ما ينقض من الغزل والحبل. قال مقاتل: هذه إمرأة من قريش يقال لها: ~~رائطة، وقيل: ريطة وتلقب بجعواء وكان خرقاء حمقاء لها وسوسة اتخذت مغزلا ~~قدر ذراع وصنارة مثل إصبع وفلكة عظيمة على قدرها فكانت تغزل من الصوف ~~والشعر والوبر هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن ~~وكان هذا دأبها. وقال السدي: كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة تغزل فإذا ~~برمت غزلها نقضته. وقال مجاهد: نقضت حبلها بعد إبرامها إياه. وقال قتادة: ~~لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم ما أحمق هذه، وهذا مثل ~~ضربه الله لمن نكث عهده. وقال في قوله تعالى: {تتخذون أيمانكم دخلا بينكم} ~~خيانة وغدرا انتهى. والدخل ما يدخل في الشيء على سبيل الفساد، وقيل: الدخل ~~والدغل أن يظهر الرجل الوفاء بالعهد ويبطن نقضه وإنما كانوا يفعلون ذلك ~~{أن} أي: بسبب أن {تكون} أو مخافة أن تكون، وتكون يجوز أن تكون تامة فتكون ~~{أمة} أي: جماعة فاعلها وأن تكون ناقصة فتكون أمة اسمها و {هي} مبتدأ و ~~{أربى} أي: أكثر {من أمة} # PageV02P258 # خبره، والجملة في محل نصب على الحال على الوجه الأول وفي موضع الخبر على ~~الثاني، وأربى ms1523 مأخوذ من ربا الشيء يربو إذا زاد، وهذه الزيادة قد تكون في ~~العدد وفي القوة وفي الشرف. قال مجاهد: وكانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من ~~كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز ~~فنهاهم الله تعالى عن ذلك {إنما يبلوكم الله} الذي له الملك كله، أي: ~~يختبركم {به} أي: يعاملكم معاملة المختبر ليظهر للناس تمسككم بالوفاء ~~وانخلاعكم عنه اعتمادا على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من ~~المؤمنين أو غيرهم مع قدرته سبحانه وتعالى على ما يريد فيوشك # أن يعاقب # بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل الكثير ويكثر القليل. {وليبينن لكم} أي: إذا ~~تجلى لفصل القضاء {يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} أي: إذا جازاكم على ~~أعمالكم بالثواب والعقاب، فاحذروا يوم العرض على مالك السموات والأرض، وأن ~~من نوقش الحساب يهلك. # {ولو شاء الله} أي: الملك الأعلى الذي لا أثر لأحد معه أن يجعلكم أمة ~~واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا فروعه {لجعلكم أمة واحدة} أي: متفقة ~~على أمر واحد وهو دين الإسلام {ولكن} لم يشأ ذلك بل شاء اختلافكم فهو ~~تعالى: {يضل من يشاء} عدلا منه تعالى لأنه تام الملك، ولو كان الذي أضله ~~على أحسن الحالات {ويهدي} بفضله {من يشاء} ولو كان على أخس الحالات ~~والأحوال فبذلك تكونون مختلفين لا يسئل عما يفعل سبحانه وتعالى {ولتسئلن ~~عما كنتم تعملون} في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بعدله ~~تعالى. ولما حذر سبحانه وتعالى عن نقض العهد والأيمان مطلقا قال تعالى: # {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا} أي: فسادا ومكرا وخديعة {بينكم} وليس المراد ~~منه التحذير عن نقض مطلق الأيمان وإلا لزم التكرار الخالي عن الفائدة في ~~موضع واحد بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن بعض أيمان ~~مخصوصة أقدموا عليها فلهذا المعنى قال المفسرون: المراد نهي الذين بايعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن نقض العهد لأن قوله تعالى: {فتزل} أي: فيكون ~~ذلك سببا لأن تزل {قدم} هي في غاية العظمة {بعد ثبوتها} أي: ms1524 عن مركزها التي ~~كانت به من دين أو دنيا فلا يصير لها قرار فتسقط عن مرتبتها لا يليق بنقض ~~عهد قبله وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان به ~~وبشرائعه. تنبيه: فتزل منصوب بإضمار أن على جواب النهي وزلل القدم مثل يذكر ~~لكل من وقع في بلاء بعد عافية أو سقط في ورطة بعد سلامة أو محنة بعد نعمة ~~{وتذوقوا السوء} أي: العذاب في الدنيا {بما} أي: بسبب ما {صددتم} أي: ~~أنفسكم ومنعتم بأيمانكم التي قد أردتم بها الإفساد وخفاء الحق. {عن سبيل ~~الله} أي: دينه وذلك أن من نقض العهد سهل على غيره طرق نقض العهد فيستن به ~~{ولكم} مع ذلك {عذاب عظيم} أي: ثابت غير منفك إذا متم على ذلك ثم أكد ~~سبحانه وتعالى هذا التحذير بقوله تعالى: # {ولا تشتروا} أي: ولا تكلفوا أنفسكم لجاجا وتركا للنظر أن تأخذوا ~~وتستبدلوا. {بعهد الله} الذي له الكمال كله {ثمنا قليلا} أي: من حطام ~~الدنيا وإن كنتم ترونه كثيرا ثم علل قلته بقوله تعالى: {إنما عند الله} # PageV02P259 # أي: الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين {هو خير لكم} ولا يعدل عن ~~الخير إلى غيره إلا لجوج ناقص العقل، ثم شرط علم خيريته لكونهم من ذوي ~~العلم بقوله تعالى: {إن كنتم تعلمون} أي: إن كنتم من أهل العلم والتمييز ~~فتعلمون فضل ما بين العوضين ثم بين ذلك بقوله تعالى: # {ما عندكم} أي: من متاع الدنيا ولذاتها {ينفد} أي: يفنى فصاحبه منغص ~~العيش أشد ما يكون به اغتباطا بانقطاعه {وما عند الله} أي: الذي له الأمر ~~كله من ثواب الآخرة ونعيم الجنة {باق} أي: دائم. روي عن أبي موسى الأشعري ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب دنياه أضر ~~بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» . وقرأ ابن ~~كثير باقي في الوقف بالياء، والباقون بغير ياء. وأما في الوصل فالجميع ~~بالتنوين. {وليجزين الذين صبروا} على الوفاء بما ms1525 يرضيه من الأوامر والنواهي ~~في السراء والضراء. {أجرهم} أي: ثواب صبرهم {بأحسن ما كانوا يعملون} أي: ~~بجزاء أحسن من أعمالهم أو يجزيهم على أحسن أعمالهم وذلك لأن المؤمن قد يأتي ~~بالمباحات وبالمندوبات وبالواجبات ولا شك أن الواجبات والمندوبات مما يثاب ~~على فعلها لا على فعل المباحات. # وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون قبل الجيم، أي: ولنجزين نحن والباقون بالياء، ~~أي: وليجزين الله. ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في الإيمان بكل ما كان من ~~شرائع الإسلام بقوله تعالى: # {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} إذ لا اعتداد بأعمال الكفار في ~~استحقاق الثواب وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب. فإن قيل: من عمل صالحا ~~يفيد العموم فما فائدة من ذكر أو أنثى؟ أجيب: بأنه ذكر دفعا للتخصيص بأحد ~~الفريقين. واختلف في قوله تعالى: {فلنحيينه حياة طيبة} فقال سعيد بن جبير ~~وعطاء: هي الررزق الحلال. وقال مقاتل: هي العيش في الطاعة. وقال الحسن: هي ~~القناعة لأن عيش المؤمن في الدنيا وإن كان فقيرا أطيب من عيش الكافر وإن ~~كان غنيا، لأن المؤمن لما علم أن رزقه من عند الله تعالى وذلك بتقديره ~~وتدبيره تعالى. وعرف أن الله تعالى محسن كريم حكيم يضع الأشياء في محلها ~~فكان المؤمن راضيا بقضاء الله وبما قدره له ورزقه إياه، وعرف أن مصلحته في ~~ذلك القدر الذي رزقه فاستراحت نفسه من الكدر والحرص فطاب عيشه بذلك، وأما ~~الكافر والجاهل بهذه الأصول فدائم الحرص على طلب الرزق فيكون أبدا في حزن ~~وتعب وعناء وحرص في الدنيا ولا يناله من الرزق إلا ما قدر له فظهر بهذا أن ~~عيش المؤمن القنوع أطيب من غيره. وقال السدي: الحياة الطيبة إنما تحصل في ~~القبر لأن المؤمن يستريح بالموت من كد الدنيا وتعبها. وقال مجاهد وقتادة: ~~هي الجنة لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وملك بلا هلك، ~~وسعادة بلا شقاوة. فأثبت بهذا أن الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة، ولا ~~مانع من أن المؤمن الكامل يحصل جميع ms1526 ذلك ثم إن الله تعالى ختم الآية بقوله ~~تعالى: {ولنجزينهم أجرهم} أي: في الدنيا والآخرة {بأحسن ما كانوا يعملون} ~~أي: من الطاعة وقد سبق تفسيره. ولما قال تعالى: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون} أرشد به إلى العمل الذي به تخلص أعماله من الوسواس بقوله ~~تعالى: # {فإذا قرأت القرآن} أي: أردت قراءته {فاستعذ} أي: إن شئت جهرا وإن شئت ~~سرا. قال الشافعي رضي الله # PageV02P260 # تعالى عنه: والإسرار أولى في الصلاة. وفي قول يجهر كما يفعل خارج الصلاة. ~~{بالله} أي: سل الذي له الكمال كله أن يعيذك {من الشيطان} أي: المحترق ~~باللعنة {الرجيم} أي: المطرود عن الرحمة من أن يصدك بوساوسه عن اتباعه ~~ويدخل في ذلك جميع المردة من الشياطين لأن لهم قدرة على إلقاء الوسوسة في ~~قلوب بني آدم بإقدار الله تعالى على ذلك. وقيل: المراد إبليس خاصة ~~والاستعاذة بالله تعالى هي الاعتصام به، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ويدخل فيه غيره من أمته وظاهر الآية وجوب الاستعاذة، وإليه ذهب عطاء سواء ~~كانت القراءة في الصلاة أم في غيرها، واتفق سائر الفقهاء على أنها سنة في ~~الصلاة وغيرها والصارف لهذا الأمر عن الوجوب أحاديث كثيرة منها القراءة ~~بدون ذكر تعوذ كحديث البخاري وغيره عن أبي سعيد بن العلاء رضي الله تعالى ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منعك أن تجيبني؟ قال: كنت أصلي. ~~قال ألم يقل الله: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} (الأنفال، 24) # ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن {الحمد لله رب العالمين} » ~~. وفي رواية الموطأ أنه صلى الله عليه وسلم نادى أبيا وأنه قال له: «كيف ~~تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: أبي: فقرأت {الحمد لله رب العالمين} حتى أتيت ~~إلى آخرها» ، وظاهر الآية يدل على أن الاستعاذة بعد القراءة وإليه ذهب ~~جماعة من الصحابة والتابعين وهو قول أبي هريرة وإليه ذهب مالك وداود ~~الظاهري. قالوا: لأن قارئ القرآن يستحق ثوابا عظيما وربما حصل الوسواس في ~~قلب القارئ هل حصل له ذلك الثواب ms1527 أو لا، فإذا استعاذ بعد القرءاة اندفعت ~~تلك الوساوس وبقي الثواب مخلصا والذي ذهب إليه الأكثرون من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار أن الاستعاذة مقدمة على ~~القراءة قالوا: ومعنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله وتبعتهم ~~على ذلك فلهذا قدرت ذلك في الآية الكريمة، ومثل ذلك قوله تعالى: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} (المائدة، 6) # ومثله من الكلام إذا أكلت فسم،، أي: إذا أردت أن تأكل فقل: بسم الله ~~الرحمن الرحيم، وإذا سافرت فتأهب، أي: إذا أردت السفر فتأهب، وأيضا الوسوسة ~~إنما تحصل في أثناء القراءة فتقديم الاستعاذة على القراءة لتذهب الوسوسة ~~عنه أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها. ولما أمر الله تعالى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بالاستعاذة من الشيطان، وكان ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على ~~التصرف في إتيان الإنسان أزال الله تعالى ذلك الوهم وبين أنه لا قدرة له ~~ألبتة إلا على الوسوسة بقوله تعالى: # {إنه ليس له سلطان} أي: بحيث لا يقدر المسلط عليه على الانفكاك عنه. {على ~~الذين آمنوا} أي: بتوفيق ربهم لهم. {وعلى ربهم} وحده {يتوكلون} أي: على ~~أوليائه المؤمنين به والمتوكلين عليه، فإنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه ~~فيما يريد منهم من اتباع خطواته. وعن سفيان الثوري قال: ليس له سلطان على ~~أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم، ثم وصل تعالى بذلك ما أفهمه من أن له ~~سلطانا على غيرهم بقوله: # {إنما سلطانه} أي: الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله تعالى له: {على ~~الذين يتولونه} أي: يجيبونه ويطيعونه {والذين هم به} أي: بالله تعالى ~~{مشركون} وقيل الضمير راجع إلى الشيطان والمعنى هم بسببه مشركون بالله. ~~ولما كان المشركون إذا # PageV02P261 # نزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ناسخة لها يقولون إن محمدا يستهزئ بأصحابه ~~يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه ~~نزل. # {وإذا بدلنا} أي: بقدرتنا بالنسخ {آية} سهلة كالعدة بأربعة شهور وعشر ~~وقتال الواحد من المسلمين لاثنين من ms1528 الكفار، أو شاقة كتحريم الخمر وإيجاب ~~الصلوات الخمس فجعلناها {مكان آية} شاقة كالعدة بحول ومصابرة عشرة من ~~الكفار أو سهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر والتبديل رفع الشيء ووضع ~~غيره مكانه {والله} أي: الذي له الإحاطة الشاملة {أعلم بما ينزل} من ~~المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ أو غيره {قالوا} أي: الكفار {إنما أنت} ~~يا محمد {مفتر} أي: متقول على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه ~~وهو جواب إذا. {والله أعلم بما ينزل} اعتراض، والمعنى: والله أعلم بما ينزل ~~من الناسخ والمنسوخ والتغليظ والتخفيف، أي: هو أعلم بجميع ذلك ومصالح ~~العباد، وهذا توبيخ للكفار على قولهم إنما أنت مفتر، أي: إذا كان هو أعلم ~~بما ينزل فما لهم ينسبون محمدا إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ {بل ~~أكثرهم} وهم الذين يستمرون على الكفر {لا يعلمون} حكمة فائدة النسخ ~~والتبديل ولا يميزون الخطأ من الصواب، فإن الله تعالى أعلم بمصالح العباد ~~كما أن الطبيب يأمر المريض بشربة ثم بعد مدة ينهاه عنها، ويأمره بغيرها بضد ~~تلك الشربة، ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم بقوله ~~تعالى: # {قل} لمن واجهك بذلك منهم {نزله} أي: القرآن بحسب التدريج لأجل أتباع ~~المصالح بإحاطة علم المتكلم به {روح القدس} أي: جبريل عليه السلام وإضافة ~~الروح إلى القدس وهو الطهر كما يقال: حاتم الجود، وزيد الخير، والمراد ~~الروح المقدس، وحاتم الجواد، وزيد الخير. والمقدس المطهر من المآثم {من ربك ~~بالحق} أي: متلبسا بالحكمة {ليثبت الذين آمنوا} أي: ليثبت بالقرآن قلوب ~~الذين آمنوا فيزدادوا إيمانا ويقينا {وهدى} أي: بيانا واضحا {وبشرى ~~للمسلمين} أي: المنقادين لحكمك. فإن قيل: ظاهر الآية أن القرآن لا ينسخ ~~بالسنة لقوله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية} إذ متقضاه أن الآية لا تنسخ ~~إلا بأخرى؟ أجيب: بأن هذه الآية دلت على أنه تعالى يبدل آية بآية ولا دلالة ~~فيها على أنه لا يبدل آية إلا بآية، وأيضا فجبريل عليه السلام ينزل بالسنة ~~كما ينزل بالآية. ولما كان المشركون يقولون: ms1529 إن محمدا إنما يتعلم هذه القصص ~~وهذه الأخبار من إنسان آخر وهو آدمي مثله وليس هو من عند الله كما يزعم نزل ~~قوله تعالى: # {ولقد نعلم} أي: علما مستمرا {أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} واختلف في ~~البشر الذي قال المشركون إن النبي صلى الله عليه وسلم يتعلم منه فقيل: هو ~~عبد لبني عامر بن لؤي يقال له: يعيش كان يقرأ الكتب، وقيل: عداس غلام عتبة ~~بن ربيعة، وقيل: عبد لبني الحضرمي صاحب كتب، وكان اسمه خيرا فكانت قريش ~~تقول: عبد بني الحضرمي يعلم خديجة وخديجة تعلم محمدا، وقيل: كان بمكة ~~نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام، ويقال: ابن ميسرة يتكلم بالرومية، وقيل: ~~سلمان الفارسي، وبالجملة فلا فائدة في تعداد هذه الأسماء والحاصل أن القوم ~~اتهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه، ويزعم أنه ~~إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه فأجاب # PageV02P262 # الله تعالى عنه تكذيبا لهم فيما رموا به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الكذب بقوله تعالى: {لسان الذي يلحدون} أي: يميلون إليه أو يشيرون {إليه} ~~أي: أنه يعلمه {أعجمي} أي: لا يعرف لغة العرب وهو مع ذلك الكن في التأدية ~~غير مبين {وهذا} أي: القرآن {لسان عربي مبين} أي: ذو بيان وفصاحة فكيف ~~يعلمه أعجمي. وروي أن الرجل الذي كانوا يشيرون إليه أسلم وحسن إسلامه. # {إن الذين لا يؤمنون} أي: لا يصدقون كل تصديق معترفين {بآيات الله} أي: ~~الذي له العظمة كلها {لا يهديهم الله} أي: لا يرشدهم ولا يوفقهم للإيمان ~~{ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم في الآخرة. ثم أخبر الله تعالى أن الكفار ~~المفترون بقوله تعالى: # {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} أي: القرآن بقولهم: هذا ~~من قول البشر {وأولئك} أي: البعداء البغضاء {هم الكاذبون} أي: الكاملون في ~~الكذب لأن تكذيب آيات الله أعظم من الكذب أولئك هم الذين عادتهم الكذب لا ~~يبالون به في كل شيء لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين. ولما ذكر تعالى الذين لا ~~يؤمنون مطلقا أتبعهم ms1530 صنفا منهم هم أشد كفرا بقوله تعالى: # {من} أي: أي مخلوق وقع له أنه {كفر بالله} أي: الذي له صفات الكمال بأن ~~قال أو عمل ما يدل على الكفر {من بعد إيمانه} بالله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم {إلا من أكره} أي: على التلفظ بالكفر فتلفظ به {وقلبه مطمئن بالإيمان} ~~فلا شيء عليه لأن محل الإيمان هو القلب. روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأباه ~~ياسرا وأمه سمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين وقالوا: إنك أسلمت من ~~أجل الرجال فقتلت وقتل ياسر وهما أول قتيل في الإسلام، وأعطاهم عمار بلسانه ~~ما أرادوا مكرها وهو كاره بقلبه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كفر ~~فقال صلى الله عليه وسلم «كلا إن عمارا امتلأ إيمانا من قرنه إلى قدمه، ~~واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ويقول: ما لك إن عادوا لك فقل لهم ~~مثل ما قلت» . تنبيه: في الآية دليل على إباحة التلفظ بالكفر وإن كان ~~الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبواه. ولما روي أن مسيلمة أخذ ~~رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. قال: فما تقول في؟ ~~قال: أنت أيضا، فخلاه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. قال: ~~فما تقول في؟ قال: أنا أصم. فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله، فبلغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني ~~فقد صدع بالحق فهنيئا له» . واختلف الأئمة في وقوع الطلاق بالإكراه فقال ~~الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى: لا يقع طلاق المكره. وقال أبو حنيفة رحمه ~~الله تعالى: يقع. واستدل الشافعي بقوله تعالى: {لا إكراه في الدين} ~~(البقرة، 256) # ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي ~~آثاره، أي: لا أثر له ولا عبرة به. وقال عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا ms1531 عليه» . وقال أيضا: «لا طلاق في إغلاق» ، أي: ~~إكراه. وتمسك أبو حنيفة بقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له} (البقرة، 23) # وهذا قد طلقها. وأجيب بأن الآية مخصوصة بغير ذلك جمعا بين الأدلة. {ولكن ~~من شرح بالكفر صدرا} أي: فتحه ووسعه لقبول الكفر واختاره ورضي به {فعليهم ~~غضب} أي: غضب لم تبين جهة عظمه لكونه {من الله} # PageV02P263 # أي: الملك الأعظم {ولهم} أي: بظواهرهم وبواطنهم {عذاب عظيم} في الآخرة ~~لارتدادهم على أعقابهم. # {ذلك} أي: الوعيد العظيم {بأنهم} أي: بسبب أنهم {استحبوا} أي: أحبوا حبا ~~عظيما {الحياة الدنيا} الكائنة الحاضرة الفانية فآثروها {على الآخرة} ~~الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمنون من الضيق والكافرون من السعة ~~{وأن الله} أي: الذي له الغنى المطلق {لا يهدي القوم الكافرين} أي: لا ~~يرشدهم إلى الإيمان ولا يوفقهم للعمل. # {أولئك} أي: البعداء البغضاء {الذين طبع الله} أي: الملك الذي لا أمر ~~لأحد معه {على قلوبهم} أي: ختم عليها واستوثق. ولما كان التفاوت في السمع ~~نادرا وحده بقوله تعالى: {وسمعهم} أو بمعنى أسماعهم ليناسب قوله تعالى: ~~{وأبصارهم} فصاروا بعدم انتفاعهم بهذه المشاعر كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ~~ولا يبصرون {وأولئك} أي: الأباعد من كل خير {هم الغافلون} عما يراد بهم من ~~العذاب في الآخرة. # {لا جرم} أي: لا شك {أنهم في الآخرة هم الخاسرون} أي: أكمل الناس خسارة ~~لأن الله تعالى وصفهم بست صفات الأولى: أنهم استوجبوا غضب الله تعالى. ~~الثانية: أنهم استوجبوا العذاب الأليم. الثالثة: أنهم استحبوا الحياة ~~الدنيا على الآخرة. الرابعة: أن الله تعالى حرمهم من الهداية. الخامسة: أنه ~~تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. السادسة: أنه جعلهم من الغافلين عن ~~العذاب الشديد يوم القيامة إذ كل واحدة من هذه الصفات من أعظم الأحوال ~~المانعة من الفوز بالخيرات والسعادات ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان ~~في الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعته سعادات الآخرة فإذا حصلت هذه ~~الموانع العظيمة عظم خسرانه، فلهذا السبب حكم تعالى عليهم بالخسران. ولما ~~ذكر تعالى حال من كفر بالله من بعد ms1532 إيمانه، وحال من أكره على الكفر ذكر ~~بعده حال من هاجر من بعد ما فتن بقوله تعالى: # {ثم إن ربك} أي: المحسن إليك {للذين هاجروا} إلى المدينة الشريفة ~~بالولاية والنصر وقوله تعالى: {من بعد ما فتنوا} قرأ ابن عامر بفتح الفاء ~~والتاء على استناد الفعل إلى الفاعل والباقون بضم الفاء وكسر التاء على فعل ~~ما لم يسم فاعله وجه القراءة الأولى أنه عاد الضمير على المؤمنين، فالمعنى: ~~فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول ظاهرا، وأنهم لما صبروا على عذاب ~~المشركين فكأنهم فتنوا أنفسهم وإن عاد على المشركين فهو ظاهر، أي: فتنوا ~~المؤمنين لأن أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم أقوياء المشركين ~~على الردة والرجوع عن الإيمان فبين تعالى أنهم هاجروا {ثم جاهدوا وصبروا} ~~على الطاعة {إن ربك من بعدها} أي: الفتنة {لغفور} أي: بليغ الإكرام {رحيم} ~~فهو يغفر لهم ويرحمهم. تنبيه: حذف خبر إن الأولى لدلالة خبر الثانية عليه ~~أو مقدر بما مر. # {يوم} أي: اذكر يوم {تأتي كل نفس} أي: وإن عظم جرمها {تجادل} ، أي: تحاجج ~~{عن نفسها} أي: لا يهمها غيرها وهو يوم القيامة. فإن قيل: ما معنى النفس ~~المضافة إلى النفس؟ أجيب: بأنه يقال لعين الشيء وذاته نفسه وفي نقيضه غيره، ~~والنفس الجملة كما هي فالنفس الأولى هي الجملة والثانية عينها وذاتها فكأنه ~~قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره كل يقول: نفسي ~~نفسي، ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها # PageV02P264 # كقولهم: هؤلاء الذين أضلونا وما كنا مشركين. {وتوفى كل نفس} صالحة أو غير ~~صالحة {ما عملت} أي: جزاءه من جنسه {وهم لا يظلمون} أي: شيئا. ولما هدد ~~تعالى الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هددهم أيضا بآفات الدنيا وهي الوقوع ~~في الجوع والخوف بقوله تعالى: # {وضرب الله} أي: المحيط بكل شيء {مثلا} ويبدل منه {قرية} هي مكة والمراد ~~أهلها {كانت آمنة} أي: ذات أمن ويأمن بها أهلها في زمن الخوف، قال تعالى: ~~{أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} ms1533 (العنكبوت، 67) # والأمن في مكة كان كذلك، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض دون أهل مكة ~~فإنهم كانوا أهل حرم الله والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم ~~والتكريم. {مطمئنة} أي: قارة بأهلها لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال، ~~بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد وكف الله تعالى الناس عنها ووجود ~~ما يحتاج إليه أهلها. فإن قيل: الاطمئنان هو الأمن فيلزم التكرار؟ أجيب: ~~بأن قوله تعالى: {آمنة} إشارة إلى الأمن وقوله تعالى: {مطمئنة} أي: لا ~~يحتاجون فيها إلى نجعة كما مر، وقيل: أشار تعالى بذلك إلى الصحة لأن هواء ~~ذلك البلد كان ملائما لأمزجتهم فلذلك اطمأنوا إليه واستقروا. قالت العقلاء: ~~ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية. {يأتيها} أي: على سبيل التجدد ~~والاستمرار {رزقها رغدا} أي: واسعا طيبا {من كل مكان} بر وبحر بتيسير الله ~~تعالى. ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالبا نبه تعالى على ذلك بقوله ~~تعالى: {فكفرت بأنعم الله} أي: الذي له الكمال كله وأنعم جمع نعمة. قال ~~الزمخشري: على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع. وقال قطرب: هي جمع نعم ~~والنعم النعمة، يقال: هذه أيام نعم وطعم فلا تصوموا، وقيل: جمع نعماء مثل ~~بأساء وأبؤس. فإن قيل: الأنعم جمع قلة فكأن تلك القرية كفرت بأنواع قليلة ~~من نعم الله فعذبها الله تعالى فلم لم يقل تعالى: كفروا بنعم عظيمة ~~فاستوجبوا العذاب؟ أجيب: بأن المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى فإن كفران ~~النعم القليلة لما أوجب العذاب فبكفران النعم الكثيرة أولى وبأن الله تعالى ~~أنعم عليهم بالنعمة العظيمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به وبالغوا ~~في إيذائه. {فأذاقها الله} أي: المحيط بكل شيء {لباس الجوع} بعد رغد العيش ~~سبع سنين وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~جهدوا وأكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب الميتة، وقيل: إن القرية غير ~~مكة لأنها ضربت مثلا لمكة ومثل مكة # يكون غير مكة. {والخوف} بسرايا النبي صلى الله عليه وسلم تنبيه: استعير ~~الذوق لإدراك أثر الضرر واللباس لما ms1534 غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والحوف ~~وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير عزة: # *غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال # فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى ~~عليه وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظرا إلى ~~المستعار له ولو نظر إلى المستعار لقال: ضافي الرداء، أي: سابغه ومعنى ~~البيت إذا ضحك المسؤول ضحكة أيقن السائل بذلك التبسم استرقاق رقاب ماله ~~وأنه يعطي بلا خلاف وقد ينظر إلى المستعار له كقوله: # PageV02P265 # *ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر # *لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر # استعار الدراء للسيف ثم قال: فاعتجر نظرا إلى المستعار ولو نظر إلى ~~المستعار منه لقال تعالى في الآية: وكساهم لباس الجوع والخوف ولقال كثير: ~~ضافى الرداء إذا تبسم ضاحكا وهذا نهاية ما يقال في الاستعارة، وقال ابن ~~عطية: لما باشرهم ذلك صار كاللباس وهذا كقول الأعشى: # *إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنت عليه فكانت لباسا # ومثله قوله تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} (البقرة، 187) # ومثله قول الشاعر: # *وقد لبست بعد الزبير مجاشع ... لباس التي حاضت ولم تغسل الدما # كأن العار لما باشرهم ولصق بهم كأنهم نسوة وقوله تعالى: {فأذاقها} نظير ~~قوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان، 49) # ونظير قول الشاعر: دون ما جنيت فاحس وذق. # وقوله تعالى: {بما كانوا يصنعون} يجوز أن تكون ما مصدرية، أي: بسبب صنعهم ~~أو بمعنى الذي والعائد محذوف، أي: بسبب الذي كانوا يصنعونه والواو في ~~يصنعون عائد على أهل البلد، وقيل: قرية نظير قوله تعالى: {أو هم قائلون} ~~(الأعراف، 4) # بعد قوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها} (الأعراف، 4) # . ولما ذكر الله تعالى المثل ذكر الممثل له فقال تعالى: # {ولقد جاءهم} أي: أهل هذه القرية {رسول منهم} من نسبهم يعرفونه بأصله ~~ونسبه وهو محمد صلى الله عليه وسلم {فكذبوه فأخذهم العذاب} قال ابن عباس: ~~يعني الجوع الذي كان بمكة، وقيل: القتل ms1535 الذي كان يوم بدر {وهم ظالمون} أي: ~~في حال تلبسهم بالظلم كقوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} ~~(النساء، 97) # نعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة. وقرأ نافع وابن كثير ~~وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالادغام ثم قال تعالى: # {فكلوا} أي: أيها المؤمنون {مما رزقكم الله} قال ابن عباس: يريد من ~~الغنائم. وقال الكلبي: إن رؤوساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان، وكانت الميرة قد ~~قطعت عنهم فأذن في الحمل إليهم فحمل الطعام إليهم فقال الله تعالى: {كلوا ~~مما رزقكم الله} . وقال الرازي: والقول ما قال ابن عباس يدل عليه قوله ~~تعالى بعد هذه الآية {إنما حرم عليكم الميتة} يعني أنكم لما آمنتم وتركتم ~~الكفر فكلوا مما رزقكم الله. {حلالا طيبا} وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي ~~الميتة والدم. ولما أمرهم تعالى بأكل الحلال أمرهم بشكر النعمة بقوله ~~تعالى: {واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون} أي: تطيعون. تنبيه: رسمت ~~نعمت بالتاء وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالهاء والباقون بالتاء والكسائي يقف ~~بالإمالة. # وتقدم تفسير قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} في سورة ~~البقرة فلا إفادة في تفسير ذلك. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة فمن اضطر في ~~الوصل بكسر النون والباقون بالضم. تنبيه: حصر المحرمات في هذه الأشياء ~~الأربعة مذكور أيضا في سورة الأنعام عند قوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه} (الأنعام، 145) # الآية. وفي سورة المائدة في قوله تعالى: {أحلت # PageV02P266 # لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} (المائدة، 41) # وأجمعوا على أن المراد بقوله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} هو قوله تعالى ~~في سورة البقرة: {حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله} (البقرة، 173) # وقوله تعالى في المائدة: {والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما ~~أكل السبع إلا ما ذكيتم} (المائدة، ms1536 3) # فهذه الأشياء داخلة في الميتة. ثم قال تعالى: {وما ذبح على النصب} ~~(المائدة، 3) # وهو أحد الأشياء الداخلة تحت قوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} ~~(البقرة، 173) # فثبت أن هذه السور الأربعة دالة على حصر المحرمات في هذه الأربعة سورتان ~~مكيتان وسورتان مدنيتان، فإن سورة البقرة مدنية وسورة المائدة من آخر ما ~~أنزل الله بالمدينة، فمن أنكر حصر التحريم في هذه الأربعة إلا ما خصه ~~الإجماع والدلائل العقلية القاطعة كان في محل أن يخشى عليه، لأن هذه السورة ~~دلت على أن حصر المحرمات في هذه الأربعة كان مشروعا ثابتا في أول زمان مكة ~~وآخره، وأول زمان المدينة وأنه تعالى أعاد هذا البيان في هذه السور الأربعة ~~قطعا للأعذار وإزالة للشبهة. ولما حصر تعالى المحرمات في هذه الأربع بالغ ~~في تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار وفي الزيادة على هذه الأربعة تارة ~~وفي النقصان عنها أخرى بقوله تعالى: # {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} لما لم يحله الله ~~ولم يحرمه فإنهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وكانوا ~~يقولون: {ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} ~~(الأنعام، 193) # فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضا في المحللات لأنهم حللوا الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فبين تعالى أن المحرمات هي هذه الأربعة ~~وبين أن الأشياء التي يقولون هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على الله ~~تعالى. تنبيه: في انتصاب الكذب وجهان؛ أحدهما: قال الكسائي: ما مصدرية ~~والتقدير ولا تقولوا لأجل وصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام نظيره أن ~~يقال: لا تقولوا لكذا وكذا كذا وكذا. فإن قيل: حمل الآية على هذا يؤدي إلى ~~التكرار لأن قوله تعالى: {لتفتروا على الله الكذب} عين ذلك؟ أجيب: بأن قوله ~~تعالى: {لما تصف ألسنتكم الكذب} ليس فيه بيان أنه كذب على الله فأعاده ~~ليحصل فيه هذا البيان الزائد. ونظيره في القرآن كثير، وهو أنه تعالى يذكر ~~كلاما ويعيده بعينه مع فائدة زائدة. الثاني: أن تكون ما موصولة ms1537 والتقدير: ~~ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، وحذف لفظ فيه ~~لكونه معلوما، وقيل: اللام في لتفتروا لام العاقبة كما في قوله تعالى: ~~{ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص، 8) # . فإن قيل: ما معنى وصف ألسنتكم الكذب؟ أجيب: بأن ذلك من فصيح الكلام ~~وبليغه جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه وإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب ~~بحليته وصورته بصورته، كقولهم: وجهها يصف الجمال، أي: هي جميلة، وعينها تصف ~~السحر، أي: هي ساحرة فلما أرادوا المبالغة في وصف الوجه بالجمال ووصف العين ~~بالسحر عبروا بذلك. # ثم إنه تعالى أوعد المفترين بقوله تعالى: {إن الذين يفترون على الله} أي: ~~الذي له الملك كله {الكذب} منكم ومن غيركم {لا يفلحون} أي: لا يفوزون بخير ~~لأن المفتري يفتري لتحصيل مطلوب فنفى الله تعالى عنه الفلاح، لأنه الفوز ~~بالخير والنجاح. ثم بين # PageV02P267 # تعالى أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب بقوله تعالى: # {متاع قليل} أي: منفعة قليلة تنقطع عن قرب لفنائه وإن امتد ألف عام ~~{ولهم} بعده {عذاب أليم} أي: مؤلم في الآخرة. ولما بين تعالى ما يحل ويحرم ~~لأهل الإسلام أتبعه ببيان ما يخص اليهودية من المحرمات بقوله تعالى: # {وعلى الذين هادوا} أي: اليهود {حرمنا} عليهم عقوبة لهم بعداوتهم وكذبهم ~~على ربهم {ما قصصنا عليك} يا أجل المرسلين {من قبل} أي: في سورة الأنعام ~~وهو قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} (الأنعام، 164) # الآية. {وما ظلمناهم} أي: بتحريم ذلك عليهم {ولكن كانوا} أي: دائما طبعا ~~لهم وخلقا مستمرا {أنفسهم} خاصة {يظلمون} بالبغي والكفر فضيقنا عليهم ~~معاملة بالعدل وعاملناكم أنتم حيث ظلمتم بالفضل فاشكروا النعمة واحذروا ~~غوائل النقمة. ولما بين تعالى هذه النعمة الدنيوية عطف عليها نعمة هي أكبر ~~منها جدا استجلابا لكل ظالم، وبين عظمتها بحرف التراخي فقال تعالى: # {ثم إن ربك} أي: المحسن إليك {للذين عملوا السوء} وهو يتناول كل ما لا ~~ينبغي فعله فيشمل الكفر وسائر المعاصي {بجهالة} أي: بسببها أو ملتبسين بها ms1538 ~~ليعم الجهل بالله وبقضائه وعدم التدبر في العواقب، فكل من عمل سوءا إنما ~~يفعله بالجهالة، أما الكفر فلأن أحدا لا يرضى به مع العلم بكونه كفرا لأنه ~~لو لم يعتقد كونه حقا فإنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأما المعصية فلأن العالم ~~لم تصدر منه المعصية ما لم تصر الشهوة غالبة للعقل، فثبت أن كل من عمل ~~السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة. {ثم تابوا من بعد ذلك} أي: الذنب ولو ~~كان عظيما واقتصروا على ما أذن فيه خالقهم {وأصلحوا} بالاستمرار على ذلك ~~{إن ربك} أي: المحسن إليك بتسهيل دينك وتيسيره {من بعدها} أي: التوبة ~~{لغفور} أي: بليغ الستر لما عملوا من السوء {رحيم} أي: بليغ الرحمة محسن ~~بالإكرام فضلا منه ونعمة. ولما دعاهم الله تعالى إلى مكارم الأخلاق ونهاهم ~~عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام رئيس ~~الموحدين لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة ووصفه بتسع صفات. الصفة ~~الأولى: قوله تعالى: # {إن إبراهيم كان أمة} أي: لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا ~~متفرقة في أشخاص كثيرة كقول القائل: # وليس لله، أي: من الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد # أي أن يجمع صفاتهم في شخص واحد. وقال مجاهد: كان مؤمنا وحده والناس كلهم ~~كانوا كفارا فلهذا المعنى كان وحده أمة واحدة. وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعثه الله امة واحدة» . وعن شهر بن ~~حوشب لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض ~~إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده، وقيل: أمة فعلة بمعنى مفعول كالدخلة ~~والنخبة من أمه إذا قصده واقتدى به، فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ~~ويقتدون بسيره كقوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماما} (البقرة، 124) # . وقرأ هشام أن إبراهام وملة إبراهام بالألف بعد الهاء فيهما. وقرأ ~~الباقون بالياء فيهما. الصفة الثانية: قوله تعالى: {قانتا لله} أي: مطيعا ~~له قائما بأوامره. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {حنيفا} أي: مائلا عن ms1539 ~~الباطل، قال ابن عباس: إنه أول من اختتن، وأقام # PageV02P268 # مناسك الحج، وضحى وهذه السنة الحنيفية. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {ولم ~~يك من المشركين} أي: أنه عليه الصلاة والسلام كان من الموحدين في الصغر ~~والكبر، وقد أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله: {لا أحب الآفلين} ~~(الأنعام، 76) # ثم كسر تلك الأصنام حتى آل الأمر إلى أن القوم ألقوه في النار وذلك دليل ~~إثبات الصانع مع ملك زمانه، وهو قوله: {ربي الذي يحيي ويميت} (البقرة، 258) # . ثم طلب من الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى ليحصل له زيادة ~~الطمأنينة. قال الرازي: ومن وقف على علم القرآن علم أن إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام كان غريقا في بحر علم التوحيد. الصفة الخامسة: قوله تعالى: # {شاكرا لأنعمه} فإن قيل: لفظ الأنعم جمع قلة ونعمة الله تعالى على ~~إبراهيم عليه السلام كانت كثيرة فلم قال: {شاكرا لأنعمه} ؟ أجيب: بأنه ذكر ~~القلة للتنبيه على أنه كان لا يخل بشكر القليلة فكيف بالكثيرة. وروي أنه ~~عليه الصلاة والسلام كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفا فأخر ~~غداءه فإذا هو بقوم من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له ~~أن بهم جذاما فقال لهم: الآن وجبت مؤاكلتكم شكرا لله على أنه عافاني ~~وابتلاكم بهذا البلاء. الصفة السادسة: قوله تعالى: {اجتباه} أي: اصطفاه ~~للنبوة واختاره لخلقه. الصفة السابعة: قوله تعالى: {وهداه إلى صراط مستقيم} ~~أي: وهداه إلى دين الإسلام لأنه الصراط المستقيم، والدين القويم، ونظيره ~~قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} (الأنعام، 153) # . الصفة الثامنة: قوله تعالى: # {وآتيناه في الدنيا حسنة} قال قتادة: حببه للناس حتى أن أرباب الملل ~~يتولونه ويثنون عليه، وأما المسلمون واليهود والنصارى فظاهر، وأما كفار ~~قريش وسائر العرب فلا فخر لهم إلا به وتحقيق القول أن الله تعالى أجاب ~~دعاءه في قوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} (الشعراء، 84) # وقال آخرون: هو قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. ~~وقيل: أولادا أبرارا على الكبر. الصفة التاسعة: قوله تعالى: {وإنه ms1540 في ~~الآخرة لمن الصالحين} في الجنة. فإن قيل: لم لم يقل تعالى في أعلى مقامات ~~الصالحين؟ أجيب: بأنه تعالى حكى عنه أنه قال: {رب هب لي حكما وألحقني ~~بالصالحين} (الشعراء، 83) # فقال تعالى هنا: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} تنبيها على أنه تعالى ~~أجاب دعاءه ثم إن كونه من الصالحين لا ينفي أن يكون في أعلى مقامات ~~الصالحين، فإن الله تعالى بين ذلك في آية أخرى، وهي قوله تعالى: {وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} (الأنعام، 83) # . ولما وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات العالية الشريفة ~~أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في أتباعه مشيرا إلى علو مرتبته بحرف ~~التراخي بقوله تعالى: # {ثم أوحينا إليك} يا أشرف الرسل. وقيل: أتي بثم للتراخي، أي: لتراخي ~~أيامه عن أيام إبراهيم عليهما أفضل الصلاة والسلام. {أن اتبع ملة إيراهيم} ~~في التوحيد والدعوة إليه بالرفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى والمجادلة مع ~~كل أحد على حسب فهمه، ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضا. وقيل: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم مأمورا بشريعة إبراهيم عليهما الصلاة والسلام إلا ما ~~نسخ منها وما لم ينسخ صار شرعا له وقوله تعالى: {حنيفا} حال من النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويصح أن يكون حالا من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقوله ~~تعالى: {وما كان من المشركين} كرره # PageV02P269 # ردا على من زعم من اليهود والنصارى أنهم على دينه، وقوله سبحانه وتعالى: # {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} فيه قولان: الأول: روى الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أمرهم موسى عليه السلام ~~بالجمعة وقال تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما واحدا وهو يوم الجمعة ولا ~~تعملوا فيه شيئا من أعمالكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا ~~اليوم الذي فرغ الله تعالى فيه من الخلق، وهو يوم السبت فجعل عليهم السبت ~~وشدد عليهم فيه، ثم جاء عيسى عليه السلام أيضا بالجمعة فقالت النصارى: لا ~~نريد ms1541 أن يكون عيدهم، أي: اليهود بعد عيدنا فاتخذوا الأحد. وروى أبو هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله تعالى كتب يوم الجمعة على من كان ~~قبلكم فاختلفوا فيه وهدانا الله له فهم لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى ~~بعد غد» . فإن قيل: هل في العقل وجه يدل على أن الجمعة أفضل من السبت ~~والأحد فإن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام وبدأ ~~تعالى بالخلق والتكوين في يوم الأحد وتمم في يوم الجمعة فكان يوم السبت يوم ~~الفراغ فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال فعينوا يوم السبت لهذا ~~المعنى. وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد فنجعل هذا اليوم ~~عيدنا فهذان الوجهان معقولان لنا فما وجه جعل يوم الجمعة عيدا؟ أجيب: بأن ~~يوم الجمعة هو يوم التمام والكمال وحصول التمام والكمال يوجب الفرح الكامل ~~والسرور فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه. القول الثاني: ~~اختلافهم في السبت هو أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة وكان الواجب ~~عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة. {وإن ربك} أي: المحسن إليك ~~بطواعية أصحابك لك، {ليحكم بينهم} أي: هؤلاء المختلفين {يوم القيامة} وهو ~~يوم اجتماع جميع الخلائق {فيما كانوا فيه يختلفون} فيحكم للمحقين بالثواب ~~وللمبطلين بالعقاب. ولما أمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم باتباع ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام بين الشيءالذي # أمره بمتابعته فيه بقوله تعالى: {ادع} أي: كل من تمكن دعوته ممن بعثت ~~إليه {إلى سبيل ربك} أي: المحسن إليك بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه ~~وهو الإسلام الذي هو الملة الحنيفية {بالحكمة} أي: المعاملة المحكمة وهو ~~الدليل الواضح المزيل للشبهة {والموعظة الحسنة} أي: بالدعاء إلى الله تعالى ~~بالترغيب والترهيب بالخطابات المتقنة والعبارات النافعة. والأولى لدعوى ~~خواص الأمة الطالبين للحقائق والثانية لدعوى عوامهم {وجادلهم} أي: وجادل ~~معانديهم {بالتي} أي: بالمجادلة التي {هي أحسن} كالدعاء إلى الله تعالى ~~بآياته والدعاء إلى حججه بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق ~~واللين ms1542 من غير غلظ ولا تعسف فإن ذلك أنفع في تسكين لهبهم، وتبيين شبههم، ~~وقيل: المراد بالحكمة القرآن، أي: ادعهم بالقرآن والموعظة الحسنة الرفق ~~واللين في الدعوة، وفي الأمر بالمجادلة التي هي أحسن الإعراض عن أذاهم وعدم ~~التقصير في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق وعلى هذا القول قال بعض علماء ~~التفسير: هذا منسوخ بآية السيف، وقيل: إن الناس خلقوا وجبلوا على ثلاثة ~~أقسام: القسم الأول: العلماء الكاملون وهم أصحاب العلوم الصحيحة والبصائر ~~الشافية الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها فهؤلاء # PageV02P270 # هم المشار إليهم بقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} أي: ادعهم ~~بالدلائل القطعية اليقينية حتى يعلموا الأشياء بحقائقها وينفعوا الناس وهم ~~خواص العلماء من الصحابة وغيرهم. القسم الثاني: أصحاب الفطرة السليمة ~~والخلقة الأصلية وهم غالب الناس الذين لم يبلغوا حد الكمال ولم ينزلوا إلى ~~حضيض النقصان فهم أوسط الأقسام وهم المشار إليهم بقوله تعالى: {والموعظة ~~الحسنة} أي: ادع هؤلاء بالموعظة الحسنة. القسم الثالث: أصحاب جدال وخصام ~~ومعاندة وهؤلاء هم المشار إليهم بقوله تعالى: {وجادلهم بالتي أحسن} أي: حتى ~~ينقادوا إلى الحق ويرجعوا إليه. # {إن ربك} المحسن إليك بالتخفيف عنك {هو أعلم} أي: من كل من يتوهم فيه علم ~~{بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} أي: فهو سبحانه وتعالى أعلم ~~بالفريقين فمن كان فيه خير كفاه الوعظ والنصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه ~~عجزت عنه الحيل وكأنك تضرب في حديد بارد فما عليك إلا البلاغ والدعوة، وأما ~~حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فليس ذلك إليك، وهذا قبل الأمر ~~بالقتال. وذكر في قوله تعالى: # {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} أقوال: أحدها: وهو قول ابن عباس ~~رضي الله عنهما في رواية عطاء وأبي بن كعب والشعبي: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما رأى عمه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وأذنه وقطعوا مذاكيره ~~وبقروا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم استرطبتها ~~لتأكلها فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها، فبلغ ذلك النبي صلى الله ms1543 عليه وسلم ~~فقال: «أما أنها لو أكلته لم تدخل النار أبدا، حمزة أكرم على الله من أن ~~يدخل شيئا من جسده النار، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه نظر ~~إلى شيء لم ينظر إلى شي قط أوجع لقلبه منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~رحمة الله عليك فإني ما علمتك إلا فعالا للخيرات، وصولا للرحم، ولولا حزن ~~من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، أما والله لئن ظفرني ~~الله بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك فنزلت، فأمسك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عما أراد وكفر عن يمينه» . وقال المسلمون أيضا: لما رأوا ما فعل ~~المشركون بقتلاهم يوم أحد من تبقير البطون والمثلة السيئة حتى لم يبق أحد ~~من قتلى المسلمين إلا مثل به إلا حنظلة بن الراهب فإن أباه أبا عامر الراهب ~~كان مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن ظفرنا ~~عليهم لنزيدن عليهم يعني على صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من ~~العرب بأحد. # القول الثاني: أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد حتى كان المسلمون قد ~~أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبتدؤوا بالقتال وهو قوله تعالى: {وقاتلوا ~~في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} (البقرة، 19) # وفي هذه الآية أمر الله تعالى أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا ~~يزيدوا. القول الثالث: أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء ~~الزيادة من الظالم وهذا قول مجاهد والنخعي وابن سيرين. قال الرازي: وحمل ~~هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام ~~الله، وهو غاية البعد بل الأصوب عندي أن يقال: إنه تعالى أمر محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بدعوة الخلق إلى الدين الحق بإحدى الطرق الثلاثة وهي: ~~الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالطريق الأحسن، ثم إن تلك # PageV02P271 # الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم والحكم عليهم بالكفر ~~والضلالة وذلك مما يشوش قلوبهم ويوحش صدورهم ويحمل أكثرهم ms1544 على قصد ذلك ~~الداعي بالقتل تارة وبالضرب ثانيا وبالشتم ثالثا. # ثم إن ذلك الداعي المحق إذا سمع تلك السفاهات لا بد وأن يحمله طبعه على ~~تأديب أولئك السفهاء تارة بالقتل وتارة بالضرب فعند هذا أمر المحقين في هذا ~~المقام برعاية العدل والإنصاف وترك الزيادة فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب ~~حمل الآية عليه. # فإن قيل: فهل تقدحون فيما روي أنه عليه الصلاة والسلام ترك العزم على ترك ~~المثلة وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية؟ أجيب: بأنه لا حاجة إلى القدح في تلك ~~الرواية لأن تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية فيمكن التمسك في تلك ~~الواقعة بعموم هذه الآية وذلك لا يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى. ~~تنبيه: أمر الله تعالى برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية، ورتب ذلك على ~~أربع مراتب المرتبة الأولى: قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به} أي: إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقنعوا بالمثل، ولا تزيدوا ~~عليه فإن استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله تعالى ورحمته، ~~وفي قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} دليل على أن ~~الأولى له أن لا يفعل كما أنك إذا قلت للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل ~~التفاح كان معناه: أن الأولى بك أن لا تأكله فذكر تعالى بطريق الرمز، ~~والتعريض أن الأولى تركه. المرتبة الثانية: الانتقال من التعريض إلى ~~التصريح وهو قوله تعالى: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} وهذا تصريح بأن ~~الأولى ترك ذلك الانتقام لأن الرحمة أفضل من القسوة والانتفاع أفضل من ~~الانتقام. وقرأ لهو قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون برفعها. ~~المرتبة الثالثة: هو الأمر الجازم بالترك وهو قوله تعالى: # {واصبر} لأنه في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى وفي هذه المرتبة ~~الثالثة: صرح بالأمر بالصبر في هذا المقام. ولما كان الصبر في هذا المقام ~~شديدا شاقا ذكر بعده ما يفيد سهولته بقوله تعالى: {وما صبرك إلا بالله} أي: ~~الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم ms1545 فذلك بتوفيقه ومعونته وهذا هو ~~السبب الكلي الأصلي. ثم ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب بقوله سبحانه ~~وتعالى: {ولا تحزن عليهم} أي: في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس ~~{ولا تك في ضيق} ولو قل كما لوح إليه بتنوين التحقير {مما يمكرون} أي: من ~~استمرار مكرهم بك {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر، 99) # وكأنك به وقد أتى فاصبر فإن الله معزك ومظهر دينك. وقرأ ابن كثير بكسر ~~الضاد والباقون بنصبها. تنبيه: هذا من الكلام المقلوب لأن الضيق صفة والصفة ~~تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون الموصوف حاصلا في الصفة فكان المعنى: ولا ~~يكن الضيق فيك إلا أن الفائدة في قوله تعالى: {ولا تك في ضيق} هو أن الضيق ~~إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص ~~المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى. المرتبة الرابعة: ~~قوله تعالى: # {إن الله} أي: الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه {مع الذين اتقوا} أي: وجد ~~منهم الخوف من الله تعالى واجتنبوا المعاصي {والذين هم محسنون} في أعمالهم ~~والشفقة على خلقه، وهذا يجري مجرى # PageV02P272 # التهديد لأن في المرتبة الأولى رغبة في ترك الانتقام على سبيل الرمز، وفي ~~الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله تعالى: {ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين} . وفي المرتبة الثالثة: أمر بالصبر على سبيل الجزم، وفي هذه ~~المرتبة الرابعة: كأنه ذكر الوعيد على فعل الانتقام فقال: {إن الله مع ~~الذين اتقوا} أي: عن استيفاء الزيادة والذين هم محسنون أي: في ترك أصل ~~الانتقام فكأنه تعالى قال: إن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن ~~المحسنين وهذه المعية بالرحمة والفضل والتربية وفي قوله تعالى: {اتقوا} ~~إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وفي قوله: {والذين هم محسنون} إشارة إلى ~~الشفقة على خلق الله تعالى قيل لهرم بن حبان عند قرب وفاته أوص فقال: إن ~~الوصية في المال ولا مال لي ولكن أوصيكم بخواتيم سورة النحل. تنبيه: قال ~~بعضهم: إن قوله تعالى: {وإن عاقبتم} إلى {لهو ms1546 خير للصابرين} منسوخ بآية ~~السيف. قال الرازي: وهذا في غاية البعد، لأن المقصود من هذه الآية تعليم ~~حسن الأدب في كيفية الدعوى إلى الله تعالى وترك التعدي وطلب الزيادة ولا ~~تعلق لهذه الأشياء بآية السيف. وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله تعالى بما أنعم ~~عليه في دار الدنيا وإن مات في يوم تلاها أو ليلته كان له من الأجر كالذي ~~مات وأحسن الوصية» . حديث موضوع. قال الرازي: في آخر هذه السورة يقول مصنف ~~الكتاب: الحق عزيز، والطريق بعيد، والمركب ضعيف، والقرب بعد، والوصل هجر، ~~والحقائق مصونة، والمعالي في غيب الغيب مكنونة، والأسرار فيما وراء أقفال ~~العزة مخزونة، وبيد الخلق القيل والقال، والكمال ليس إلا لله تعالى ذي ~~الإكرام والجلال. ### | سورة الإسراء # وتسمى سبحان وبني إسرائيل مكية # إلا {وإن كادوا} الآيات الثمان مائة وعشر آيات أو إحدى عشرة وألف ~~وخمسمائة وثلاث وثلاثون كلمة وعدد حروفها ستة آلاف وأربعمائة وستون حرفا. # {بسم الله} الملك المالك لجميع الأمر {الرحمن} لكل ما أوجده بما رباه ~~{الرحيم} لمن خصه بالتزام العمل بما يرضاه. وقوله تعالى: # {سبحان} اسم بمعنى التسبيح الذي هو التنزيه وقد يستعمل علما له فيقطع عن ~~الإضافة ويمنع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون قال الأعشى في مدحه ~~عامر بن الطفيل: # *قد قلت لما جاءني فخره # ... سبحان من علقمة الفاخر # أي: العجب منه إذ يفخر والعرب تقول سبحان من كذا إذا تعجبوا منه الشاهد ~~في سبحان حيث جعله علما على التنزيه فمنعه الصرف وعلقمة المذكور صحابي قدم ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شيخ فأسلم وبايع واستعمله عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه على حوران فمات بها {الذي أسرى بعبده} هو محمد صلى ~~الله عليه وسلم الذي هو أشرف عباده على الإطلاق وأحقهم بالإضافة إليه. وقرأ ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي أسرى بالإمالة محضة وورش بين بين # PageV02P273 # والباقون بالفتح وقوله تعالى: {ليلا} نصب على الظرف والإسراء سير الليل. # وفائدة ms1547 ذكره الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدته فكان هذا الأمر الجليل في ~~جزء يسير من الليل وإلى أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج في الإسراء ~~والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى إلى رياضة بصيام ~~ولا غيره بل كان مهيأ لذلك متأهلا له فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش {من ~~المسجد الحرام} أي: بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن. وروي أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين ~~النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق» وقيل كان نائما في الحطيم، وقيل ~~في بيت أم هانئ بنت أبي طالب قال البقاعي: وهو قول الجمهور، والمراد ~~بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد. {إلى المسجد الأقصى} أي: بيت المقدس ~~الذي هو بعيد المسافة حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقا من مكة المشرفة ~~بينهما أربعون ليلة فصلى بالأنبياء كلهم إبراهيم وموسى ومن سواهما على ~~جميعهم أفضل الصلاة والسلام ورأى من آياتنا الكبرى ما قدرنا له كما سيأتي ~~في حديث المعراج، ورجع بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء ~~اليسير من الليل، وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهرا ذهابا ~~وشهرا إيابا. # ثم وصفه تعالى بما يقتضي تعظيمه، وأنه أهل للقصد بقوله تعالى: {الذي ~~باركنا حوله} أي: بما لنا من العظمة بالمياه والأشجار. وقال مجاهد: سماه ~~مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي ومنه يحشر الناس يوم ~~القيامة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات، وبارك تعالى حوله ~~لأجله فما ظنك به نفسه فهو أبلغ من باركنا فيه، ثم منه إلى السموات العلا ~~إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه وسلم قال البقاعي: ~~ولعل حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور أفهامهم عن إدراك أدلته، لو ~~أنكروه بخلاف الإسراء فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي ~~وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وسلم لم يرها قبل ذلك فلما بان ~~صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر ms1548 بعد ذلك من أراد الله تعالى بالمعراج. # ثم ذكر سبحانه وتعالى الغرض من الإسراء بقوله تعالى: {لنريه} بعينه وقلبه ~~{من آياتنا} أي: عجائب قدرتنا السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل ~~عليه السلام ملكوت السموات والأرض. {إنه} أي: الله {هو السميع} لجميع ~~الأقوال {البصير} أي: العالم بأحوال عباده فيكرم ويقرب من شاء منهم وقيل: ~~إنه أي: هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو أي: خاصة السميع أي: أذنا ~~وقلبا بالإجابة لنا والإذعان لأوامرانا البصير بصرا وبصيرة بدليل ما أخبر ~~به من الآيات وصدقه من الدلالات حتى نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن ~~أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء. واختلف هل أسري بروحه أو ~~بجسده صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقول ما ~~فقدت جسد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن أسري بروحه، والأكثرون على أنه ~~أسري بجسده في اليقظة وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك منها قوله صلى الله ~~عليه وسلم «أوتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره ~~عند منتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس # PageV02P274 # فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ~~ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، قال جبريل ~~عليه السلام: أصبت الفطرة. قال صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي إلى السماء ~~الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: من معك؟ قال: محمد. ~~قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ~~ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ ~~فقال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: قد بعث إليه؟ قال: قد بعث ~~إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير. ~~ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. ~~فقيل: ومن معك؟ قال محمد. فقيل: وقد ms1549 أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه # ففتح لنا فإذا أنا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي ~~بخير. ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: ~~جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ~~ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء ~~الخامسة، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: من معك؟ قال: ~~محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون ~~فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل: ~~من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد ~~بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى ~~السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ ~~قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا ~~بإبراهيم فإذا هو مستند إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ~~ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان ~~الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد ~~من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها. قال صلى الله عليه وسلم فأوحى إلى ~~عبده ما أوحى وفرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى ~~موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال: ~~ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني ~~إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي فقلت له: أي: رب خفف عن أمتي فحط عني ~~خمسا فرجعت إلى موسى فقال: ما فعلت؟ فقلت: قد حط عني خمسا. قال: إن أمتك لا ~~تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، لأن ms1550 أمتك لا تطيق ذلك. قال: فلم ~~أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمسا خمسا حتى قال: يا محمد، هي خمس ~~صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة # عشر فتلك # خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له ~~عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت سيئة واحدة فنزلت ~~حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن ~~أمتك لا تطيق فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت» رواه الشيخان. وروي أنه ~~قال بعد ذلك: «ولكن أرضى وأسلم فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن ~~عبادي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك» . # وروي أنه لما # PageV02P275 # وصل إلى سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت: ~~«ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران ~~فالنيل والفرات، ثم رفع إلي البيت المعمور ثم أوتيت بإناء من خمر وإناء من ~~لبن وإناء من عسل فاخترت اللبن فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك قال: ~~ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة يوم فرضت فمررت على موسى وساق الحديث» . ~~ومنها ما رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «رأيت ربي عز وجل» . قال: هي رؤيا عين أريها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس. قال: والشجرة ~~الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم. # ومنها ما رواه قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة الإسراء به قال: «بينا أنا في الحطيم وربما ~~قال في الحجر، مضطجع ومنهم من قال: بين النائم واليقظان، وذكر بين رجلين ~~وأتيت بطشت من ذهب مملوءة حكمة وإيمانا فشق من النحر إلى مراق البطن ~~واستخرج قلبي فغسل ثم حشي ثم أعيد» ، وقال سعيد وهشام: ثم غسل البطن بماء ~~زمزم ثم ملئ ms1551 إيمانا وحكمة «ثم أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ~~ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته وساق بقية الحديث» . # ومنها ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة ~~العشاء فأسري به، ورجع من ليلته، وقص القصة على أم هانئ. وقال: «مثل لي ~~النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانئ بثوبه فقال: ما ~~لك؟ قالت: أخشى أن يكذبك الناس وقومك إن أخبرتهم. قال: وإن كذبوني فخرج ~~إليهم» . وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، ~~فكان بذي طوى قال: «يا جبريل إن قومي لا يصدقوني. قال: يصدقك أبو بكر ~~الصديق» . قال ابن عباس وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما كانت ~~ليلة أسري بي فأصبحت بمكة قطعت بأمري وعرفت أن الناس يكذبوني» . فروي «أنه ~~عليه الصلاة والسلام قعد معتزلا حزينا فمر به أبو جهل فجلس إليه فقال ~~كالمستهزئ: هل استفدت من شيء؟ قال: نعم، أسري بي الليلة. قال: إلى أين؟ ~~قال: إلى بيت المقدس. قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم. فقال أبو جهل: ~~يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا فانفضت إليه المجالس فجاؤوا حتى جلسوا إليهما ~~قال: حدث قومك بما حدثتني. قال: نعم، إني قد أسري بي الليلة. قالوا: إلى ~~أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قالوا: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم فمن بين ~~مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا وارتد ناس ممن كان آمن به وسعى رجال ~~إلى أبي بكر رضي الله عنه. فقالوا له: هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به ~~الليلة إلى بيت المقدس. قال: أو قد قال؟ قالوا: نعم. قال: إن كان قال ذلك ~~لقد صدق. قالوا: تصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك أصدقه على ~~خبر السماء في غدوة أو روحة فسمي الصديق. قال: وفي القوم من كان يأتي ~~المسجد الأقصى، فقالوا: فهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد الأقصى ms1552 قال: نعم. ~~قال: فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي. قال: فجيء بالمسجد وأنا ~~أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل، فنعت المسجد وأنا أنظر إليه فقال القوم: ~~أما النعت فو الله لقد أصاب ثم # قالوا: يا # PageV02P276 # محمد أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا هل لقيت منها شيئا قال: نعم مررت على ~~عير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح ~~من ماء فعطشت فأخذته وشربته ثم وضعته كما كان فاسألوهم هل وجدوا الماء في ~~القدح حين رجعوا إليه. قالوا هذه آية قال: ومررت بعير بني فلان وفلان وفلان ~~راكبان قعودا لهما فنفر بعيرهما مني فرمى بفلان فانكسرت يده فاسألوهما عن ~~ذلك. قالوا: وهذه آية. قالوا: فأخبرنا عن عيرنا متى تجيء قال: مررت بها ~~بالتنعيم قالوا: فما عدتها وما حملها وما أحمالها ومن فيها. فقال: هيئتها ~~كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع ~~عليكم عند طلوع الشمس قالوا: وهذه آية، ثم خرجوا يشتدون نحو الثنية وهم ~~يقولون: والله لقد قص محمد شيئا وبينه حتى أتوا كداء فجلسوا عليه فجعلوا ~~ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه إذ قال قائل منهم: هذه الشمس والله قد ~~أشرقت فقال آخر: والله وهذه العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ~~ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إلا سحر مبين» والأورق من الإبل الذي في لونه ~~بياض إلى سواد وهو أطيب الإبل لحما قاله الجوهري. # ومنها ما روي عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ~~ماء زمزم، وجاء بطشت من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه، ~~ثم أخذ بيدي وعرج بي إلى السماء فلما جئنا إلى السماء الدنيا قال جبريل ~~لخازن السماء: افتح. قال: ومن هذا؟ قال جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم ~~معي محمد. قال: ms1553 فأرسل إليه؟ قال: نعم ففتح، قال: فلما علونا السماء الدنيا ~~فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر ~~قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. قال: قلت: يا ~~جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن يمينه وعن شماله نسم ~~بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار وإذا ~~نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، ثم عرج بي جبريل حتى أتى إلى ~~السماء الثانية فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها: مثل ما قال خازن ~~السماء الدنيا. فقال أنس بن مالك فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى ~~وعيسى وإبراهيم ولم يبين كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء ~~الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة. قال: فلما مر جبريل ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بإدريس فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال: فقلت: ~~من هذا؟ قال: إنه إدريس. قال: ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح ~~والأخ الصالح. قال: قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى فقال: ثم مررت بعيسى فقال: ~~مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قال: فقلت من هذا؟ قال: عيسى، ثم مررت ~~بإبراهيم فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. قال: فقلت: من هذا؟ ~~قال: هذا إبراهيم. قال ابن شهاب: أخبرني ابن حزم أن ابن عباس كان يقول كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صرير ~~الأقلام» . # وروى معمر عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم «أتى بالبراق ~~ليلة أسري به مسرجا ملجما فاستصعب عليه فقال جبريل أبمحمد تفعل هذا فماركبك ~~أحد أكرم على الله منه فارفض عرقا وقال ابن زيد # PageV02P277 # عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهيت إلى بيت المقدس قال ~~جبريل بأصبعه فخرق بها حجرا وشد به البراق وفي رواية أنه جاء جبريل بالبراق ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ms1554 يامحمد اركب فركبه صلى الله عليه ~~وسلم ومعه جبريل وطار به البراق في الهواء فاخترق به الجو فعطش صلى الله ~~عليه وسلم واحتاج إلى الشراب فأتاه جبريل باناءين إناء من لبن وإناء من خمر ~~وذلك قبل تحريم الخمر فعرضهما عليه فتناول اللبن فقال له جبريل عليه السلام ~~أصبت الفطرة أصاب الله تعالى بك أمتك ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتأول ~~اللبن بالعلم فلما وصل إلى السماء الدنيا استفتح إلى أن قال ثم عرج بي إلى ~~سدرة المنتهى وأخبره جبريل أن أعمال بني آدم تنتهي إلى تلك السدرة وأنها ~~مقر الأرواح فهي نهاية لما ينزل مما فوقها ونهاية لما يعرج إليها مما هو ~~دونها وبها مقام جبريل عليه السلام فنزل صلى الله عليه وسلم عن البراق وجيء ~~إليه بالرفرف وهو نظير المحفة عندنا فقعد عليه وسلمه جبريل إلى الملك ~~النازل بالرفرف فسأله الصحبة ليأنس به فقال له: لا أقدر لو خطوت خطوة ~~لاحترقت فما منا إلا له مقام معلوم وما أسرى الله بك يا محمد إلا ليريك من ~~آياته فلا تغفل، فودعه وانصرف مع ذلك الملك والرفرف، والملك يمشي به إلى أن ~~ظهر لمستوى سمع فيه صرير الأقلام في الألواح وهي تكتب ما يجريه الله تعالى ~~في خلقه وما تنسخه الملائكة من أعمال عباده قال تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون} (الجاثية، 29) # ثم زج بي في النور زجة فأفرده الملك الذي كان معه وتأخر عنه فلم يره معه ~~فعلم أن الرفرف ما تدلى إلا لكون البراق له مكان لا يتعداه كجبريل، لما بلغ ~~إلى المكان الذي لا يتعداه وقف وكذلك الرفرف لما وصل إلى مقام لا يتعداه زج ~~به في النور فغمره النور من جميع نواحيه وأعطي علما آخر لم يكن يعلمه قبل ~~ذلك عن وحي من حيث لا يدري وجهته» : # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد رأيتني وأنا ~~في الحجر وقريش تسألني عن مسراي: فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها ms1555 ~~فكربت كربة ما كربت مثلها قط فرفعه الله إلي لأنظر إليه فما سألوني عن شيء ~~إلا أنبئتهم به وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا بموسى قائم يصلي فإذا ~~رجل جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به ~~شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم ~~يعني به نفسه صلى الله عليه وسلم فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت قال قائل: ~~يا محمد هذا مالك خازن النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام» . وعن ~~جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما كذبني قريش قمت إلى ~~الحجر فجلى الله لي بيت المقدس» وذكر الحديث. وعن أنس رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر ~~وهو قائم يصلي في قبره» . # فإن قيل: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى يصلي في قبره وكيف تصلي ~~الأنبياء بعد الموت وهم في دار الآخرة؟ أجيب: بأن صلاته صلى الله عليه وسلم ~~بالأنبياء عليهم السلام ببيت المقدس يحتمل أن الله تعالى جمعهم له ليصلي ~~بهم ويعرفوا فضله وتقدمه عليهم، ثم إن الله تعالى أراه إياهم في السموات ~~على مراتبهم ليعرف هو مراتبهم وفضلهم، وأما مروره بموسى وهو قائم يصلي في ~~قبره عند الكثيب الأحمر # PageV02P278 # فيحتمل أنه كان بعد رجوعه من المعراج، وأما حكم صلاة الأنبياء وهم في ~~الدار الآخرة فهم في حكم الشهداء بل هم أفضل منهم، وقد قال تعالى: {ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء} (آل عمران، 169) # فالأنبياء بعد الموت أولى، وأما حكم صلاتهم فيحتمل أنها بالذكر والدعاء ~~وذلك من أعمال الآخرة. قال تعالى: {دعواهم فيها سبحانك اللهم} (يونس، 10) # وورد في الحديث أنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ويحتمل أن الله ~~تعالى خصهم بخصائص في الآخرة كما خصهم في الدنيا بخصائص لم يخص بها غيرهم. ~~منها أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رآهم يلبون ms1556 ويحجون فكذلك الصلاة ~~والله أعلم بحقائق الأمور. # وروي عن شريك بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «ليلة أسري برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحى ~~إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو. قال أوسطهم: هو خيرهم ~~فقال آخرهم: خذوا خيرهم» وساق حديث المعراج بقصته. قال: «فإذا هو في السماء ~~الدنيا بنهرين يطردان قال: ما هذان يا جبريل؟ قال: هذان النيل والفرات ~~عنصرهما ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه نهر من لؤلؤ وزبرجد ~~فضرب يده فإذا هو مسك أذفر. قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هو الكوثر الذي خبأ ~~لك ربك» وذكر في آخر حديثه أنه صلى الله عليه وسلم قال في آخر الحديث: «ثم ~~علا بي حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار ورب العزة فتدلى فكان منه كقاب ~~قوسين أو أدنى فأوحى إليه» وذكرت عائشة أن الذي دنا فتدلى جبريل عليه ~~السلام وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة النجم. # فإن قيل: قوله تعالى: {لنريه من آياتنا} (الإسراء، 1) # يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات لأن كلمة من تفيد التبعيض وقال ~~في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض} (الأنعام، 75) # أي: ملكهما فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل من معراج محمد عليهما ~~الصلاة والسلام؟ أجيب: بأنه لما أضيفت تلك الآيات إلى الله تعالى دل على ~~أنها أفضل مما رآه إبراهيم. تنبيه: قال النووي في شرح مسلم قد جاء في رواية ~~شريك في حديثه أوهام أنكر عليه العلماء فيها منها قوله وذلك قبل أن يوحى ~~إليه وهو غلط لم يوافق عليه وإن الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه ~~بخمسة عشر شهرا. وقال الطبراني: كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل ~~الهجرة بسنة، وقال الزهري: كان بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمس سنين قال ~~ابن إسحق أسرى به صلى ms1557 الله عليه وسلم وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل وقيل ~~كان الإسراء في رجب ويقال في رمضان قال النووي وأشبه الأقوال قول الزهري ~~وابن إسحق ومما يدل على أنه أسري بجسده صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ~~{أسرى بعبده} ولفظ العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «أتيت بالبراق» وهو اسم للدابة وهي التي ركبها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به واشتقاقه من البرق لسرعته أو ~~لشدة صفائه وبياضه ولمعانه وتلألؤ نوره والحلقة بإسكان اللام ويجوز فتحها ~~والمراد بربط البراق بالحلقة الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب وأن ~~ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى وقوله جاءني جبريل ~~بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فيه اختصار # PageV02P279 # والتقدير قال لي اختر فاخترت اللبن وقول جبريل اخترت الفطرة يعني فطرة ~~الإسلام وجعل اللبن علامة الفطرة الصحيحة السليمة لكونه سهلا طيبا سائغا ~~للشاربين وإنه سليم العاقبة بخلاف الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع ~~الشر وقوله: ثم عرج بي حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ ~~قال: جبريل. فيه بيان الأدب لمن استأذن أن يقول أنا فلان، ولا يقول أنا فقط ~~فإنه مكروه، وفيه أن للسماء أبوابا وبوابين عليها حرسا وقول بواب السماء ~~وقد أرسل إليه وفي الرواية الأخرى، وقد بعث إليه معناه للاستواء وصعود ~~السماء وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفى عليه ~~إلى هذه المدة، وقوله فإذا أنا بآدم وذكر جماعة من الأنبياء فيه استحباب ~~لقاء أهل الفضل والصلاح بالبشر والترحيب والكلام الحسن وإن كان الزائر أفضل ~~من المزور وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه، إذا أمن عليه من الإعجاب وغيره ~~من أسباب الفتنة وقوله فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور فيه ~~دليل على جواز الاستناد إلى القبلة وتحويل ظهره إليها. # وقوله ذهب بي إلى السدرة المنتهى هكذا وقع في هذه الرواية بالألف واللام ~~وفي باقي الروايات إلى سدرة المنتهى. قال ابن ms1558 عباس وغيره من المفسرين: سميت ~~بذلك لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد غير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال ابن مسعود: سميت بذلك لكونه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها ~~وما يصعد من تحتها من أمر الله عز وجل. وقوله وإذا ثمرها مثل القلال هو ~~بكسر القاف جمع قلة بضمها وهي الجرة الكبيرة التي تسع قربتين أو أكثر وقوله ~~فرجعت إلى ربي. قال النووي: معناه رجعت إلى الموضع الذي ناجيته منه أولا ~~فناجيته فيه ثانيا وقوله فلم أزل أرجع بين موسى وبين ربي معناه ربي موضع ~~مناجاة ربي. وقوله ففرض على أمتي خمسين صلاة إلى قوله فوضع عني خمسا وفي ~~رواية شطرها وفي رواية عشرا ليس بين هذه الروايات منافاة لأن المراد بالشطر ~~الجزء وهو الخمس وليس المراد منه التنصيف وأما رواية العشر فهو رواية شريك ~~ورواية الخمس رواية قتادة وهو أثبت من شريك والمراد حط عني خمسا إلى آخره، ~~ثم قال: هي خمس وهن خمسون يعني خمسين في الأجر والثواب لأن الحسنة بعشر ~~أمثالها، واحتج العلماء بهذا الحديث على جواز نسخ الشيء قبل فعله وفي ~~الحديث أنه شق صدره ليلة المعراج وقد شق صدره أيضا في صغره وهو عند حليمة ~~التي كانت ترضعه فالمراد بالشق الثاني زيادة التطهير لما يراد به من ~~الكرامة ليلة المعراج وقوله: أتيت بطشت من ذهب قد يتوهم أنه يجوز استعمال ~~الذهب لنا وليس الأمر كذلك لأن هذا الفعل من فعل الملائكة وهم مباح لهم ~~استعمال الذهب، أو لعل هذا كان قبل تحريمه. وقوله ممتلئ حكمة وإيمانا ~~فأفرغها في صدري قد يقال الحكمة والإيمان من المعاني والإفراغ صفة الأجسام ~~فما معنى ذلك أجيب بأنه يحتمل أنه جعل في الطشت شيء يحصل به كمال الإيمان ~~والحكمة وزيادتهما تسمى إيمانا وحكمة لكونه سببا لها، وهذا من أحسن المجاز. ~~وقوله في صفة آدم: فإذا رجل عن # يمينه أسودة وعن يساره أسودة هو جمع سواد وقد فسره في الحديث بأنه نسم ~~بنيه يعني أرواح بنيه. # فإن ms1559 قيل: أرواح المؤمنين في السماء وأما أرواح الكفار فتحت # PageV02P280 # الأرض السفلى فكيف تكون في السماء؟ أجيب: بأنه يحتمل أن أرواح الكفار ~~تعرض على آدم عليه السلام وهو في السماء فوافق وقت عرضها على آدم مرور ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر بما رأى. # وقوله: إذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى، ففيه شفقة الوالد ~~على أولاده وسروره وفرحه بحسن حال المؤمن منهم وحزنه على حال الكافر منهم ~~وقوله في إدريس مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قد اتفق المؤرخون أنه هو ~~أخنوخ جد نوح فيكون جد النبي صلى الله عليه وسلم كما أن إبراهيم جده فكان ~~ينبغي أن يقول بالنبي الصالح والابن الصالح كما قال آدم وإبراهيم؟ وأجيب: ~~بأنه قيل إن إدريس المذكور هنا هو إلياس وهو من ذرية إبراهيم فليس هو جد ~~نوح قاله القاضي عياض. وقال النووي: ليس في هذا الحديث ما يمنع كون إدريس ~~أبا لنبينا صلى الله عليه وسلم وأن قوله: الأخ الصالح يحتمل أن يكون قاله ~~تلطفا وتأدبا وهو أخ وإن كان ابنا لأن الأنبياء إخوة والمؤمنون إخوة انتهى. ~~وإنما أطلت في بيان ذلك لأن الكلام مع الأحبة يحلو ولولا خوف الملل ما ~~اقتصرت على ذلك. فقد قال بعض المفسرين لا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت ~~من خصائصه التي فضل بها كافة الأنبياء ما تضمنته هذه السورة ولكن في هذا ~~القدر كفاية لأولي الألباب. ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به صلى الله ~~عليه وسلم عن نفسه المقدسة من عظيم القدرة وما جاءه صلى الله عليه وسلم من ~~الآيات البينات في هذا الوقت اليسير أتبعه ما منح في السير من مصر إلى ~~الأرض المقدسة من الآيات في مدد طوال موسى عليه الصلاة والسلام الذي كان ~~أعظم الأنبياء بركة على هذه الأمة ليلة الإسراء لما أرشد النبي صلى الله ~~عليه وسلم إليه من مراجعة الله تعالى في # تخفيف # الصلاة حتى رجعت من خمسين إلى خمس مع أجر خمسين فقال: {وآتينا} أي: ~~بعظمتنا {موسى ms1560 الكتاب} أي: التوراة {وجعلناه} أي: الكتاب بما لنا من العظمة ~~{هدى لبني إسرائيل} بالحمل على العدل في التوحيد والأحكام وأسرينا بموسى ~~عليه السلام وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى، فأقاموا سائرين إليها ~~أربعين سنة ولم يصلوا ومات كل من خرج إلا المتقين الموفين بالعهد فقد بان ~~الفضل بين الإسراءين كما بان الفضل بين الكتابين، فذكر الإسراء أولا دليل ~~على حذف مثله أولا فالآية من الاحتباك ثم نبه على أن المراد من ذلك كلمة ~~التوحيد اعتقادا وعبادة بقوله تعالى: {أن لا} أي: لئلا {يتخذوا} على قراءة ~~أبي عمرو بالياء على الغيبة، وقرأ غيره بالتاء على أن لا تتخذوا كقولك كتبت ~~إليه أن أفعل كذا. {من دوني وكيلا} أي: ربا تكلون إليه أموركم، وذلك هو ~~التوحيد فلا معراج أعلى ولا درجة أشرف ولا نعمة أعظم من أن يصير المرء ~~غريقا في بحر التوحيد وأن لا يعول في أمر من الأمور إلا على الله تعالى، ~~فإن نطق نطق بذكر الله، وإن تفكر تفكر في دلائل تنزيه الله وإن طلب طلب من ~~الله، فيكون كله لله وبالله وإلى الله. وقوله تعالى: # {ذرية} نصب على الاختصاص في قراءة أبي عمرو وعلى النداء عند الباقين أي: ~~يا ذرية {من حملنا} أي: في السفينة بعظمتنا على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما ~~تحت أديم السماء ونبه تعالى على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى: {مع نوح} ~~ففي ذلك تذكير بإنعام الله تعالى # PageV02P281 # عليهم وإنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح في السفينة. قال قتادة: ~~الناس كلهم من ذرية نوح لأنه كان معه في السفينة ثلاث بنين سام وحام ويافث، ~~فالناس كلهم من ذرية أولئك. قال البقاعي: لأن الصحيح أن من كان معه من غير ~~ذريته ماتوا ولم يعقبوا ولم يقل ذرية نوح ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين ~~لتكون تلك منة أخرى. # ثم إنه تعالى أثنى على نوح حثا على الاقتداء به في التوحيد كما اقتدى به ~~آباؤهم في ذلك بقوله تعالى: {إنه كان عبدا شكورا} أي: مبالغا ms1561 في الشكر الذي ~~هو صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه لما خلق له. روي أنه عليه ~~الصلاة السلام كان إذا أكل قال: «الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني» ~~وفي رواية «أنه يسمي إذا أكل ويحمد إذا فرغ، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي ~~سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء ~~أعراني. وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حداني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى ~~حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه» . وفي ~~رواية أنه كان يقول: «الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى منفعته في جسدي ~~وأخرج عني أذاه» . وفي رواية: أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من ~~مر به فإن وجده محتاجا آثره به. ولما ذكر تعالى إنعامه على بني إسرائيل ~~بإنزال التوراة عليهم، وبأنه جعل التوراة هدى لهم بين أنهم ما اهتدوا بهداه ~~بل وقعوا في الفساد بقوله تعالى: # {وقضينا} أي: أوحينا {إلى بني إسرائيل} أي: إلى بني عبدنا يعقوب عليه ~~السلام الذي كان أطوع أهل زمانه وحيا مقطوعا مثبوتا {في الكتاب} أي: ~~التوراة التي قد أوصلناها إليهم على لسان موسى عليه السلام وقيل: المراد ~~بالكتاب اللوح المحفوظ، وقوله تعالى: {لتفسدن} جواب قسم محذوف ويجوز أن ~~يجري القضاء المثبوت مجرى القسم فيكون لتفسدن جوابا له كأنه قال: وأقسمنا ~~لتفسدن {في الأرض} أي: أرض الشام قاله السيوطي. وقال الرازي: أرض مصر ~~ويوافق الأول قول البقاعي أي: المقدسة التي كأنها لشرفها هي الأرض. {مرتين} ~~أي: إفسادتين. قال في «الكشاف» : أولاهما قتل زكريا عليه السلام وحبس أرميا ~~حين أنذرهم بسخط الله تعالى، والأخرى قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى بن ~~مريم. وقال البيضاوي: الأولى مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا أو قتل أرميا. ~~وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم السلام. {ولتعلن} أي: بما ~~صرتم إليه من البطر لنسيان المنعم {علوا كبيرا} بالظلم والتمرد لأنه يقال ~~لكل متجبر قد علا وتعظم {فإذا جاء وعد ms1562 أولاهما} أي: أولى مرتي الفساد وهو ~~الوقت الذي جددنا لهم الانتقام فيه {بعثنا عليكم عبادا لنا} أي: لا يدان ~~لكم بهم كما قال تعالى: {أولي بأس شديد} أي: أصحاب قوة في الحرب. واختلف ~~فيهم فقال في «الكشاف» : سنحاريب وجنوده، وقيل بختنصر. وقال ابن عباس: ~~جالوت قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المساجد وسبوا منهم سبعين ~~ألفا. وقال البيضاوي: عبادا لنا بختنصر عامل لهراسف على بابل وجنوده، وقيل: ~~جالوت الحزري وهو بحاء فزاي: مفتوحتين فراء نسبة إلى الحزر وهو ضيق العين ~~وصغرها، وهو الذي قتله داود أو جيل من الناس. وذكر الرازي في ذلك قولين: ~~الأول: أن الله تعالى سلط عليهم بختنصر فقتل منهم أربعين ألفا ممن يقرأ ~~التوراة وذهب # PageV02P282 # بالبقية إلى أرض نفسه، فبقوا هناك في الذل. الثاني: أن الله تعالى ألقى ~~الرعب من بني إسرائيل # في قلوب المجوس، فلما كثرت المعاصي فيهم أزال الله ذلك الرعب عن قلوب ~~المجوس فقصدوهم وبالغوا في قتلهم وإفنائهم وإهلاكهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~عطية قال: أفسدوا المرة الأولى، فأرسل الله عليهم جالوت فقتلهم وأفسدوا ~~المرة الثانية فقتلوا يحيى بن زكريا فبعث الله عليهم بختنصر. وعن ابن مسعود ~~قال: كان أول الفساد من قتل زكريا فبعث الله عليهم ملك القبط. وعن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه قال: الأولى قتل زكريا والأخرى قتل يحيى. قاله ~~الرازي. واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم بل ~~المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي سلط الله عليهم أقواما فقتلوهم ~~وأفنوهم. # ثم قال الله تعالى: {فجاسوا} أي: ترددوا لطلبكم {خلال الديار} أي: وسطها ~~للقتل والغارة. قال البيضاوي: فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم وحرقوا التوراة ~~وخربوا المسجد، والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر على ذلك أولوا البعث ~~بالتخلية انتهى. وفي ذلك تعريض بالزمخشري فإنه قال في «كشافه» : فإن قلت ~~كيف جاز أن يبعث الله تعالى الكفرة على ذلك ويسلطهم عليه. قلت: معناه خلينا ~~بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم على أن الله عز وجل أسند ms1563 بعث الكفرة عليهم ~~إلى نفسه فهو كقوله تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون} (الأنعام، 129) # . {وكان} أي: ذلك البعث ووعد العقاب به {وعدا مفعولا} أي: قضاء كائنا ~~لازما لا شك في وقوعه ولا بد أن يفعل. # {ثم رددنا لكم الكرة} أي: الدولة والغلبة {عليهم} حتى تبتم عن ذنوبكم ~~ورجعتم عن الفساد في زمن داود بقتله جالوت وذلك بعد مائة سنة {وأمددناكم ~~بأموال} تستعينون بها على قتال عدوكم {وبنين} تتقوون بهم {وجعلناكم أكثر} ~~من عدوكم {نفيرا} أي: عشيرة تنفر معكم عند إرادة القتال وغيره من المهمات ~~والنفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل: جمع نفر، وهم المجتمعون للذهاب إلى ~~العدو. ولما حكى الله تعالى عنهم أنهم لما عصوا سلط الله عليهم أقواما ~~قصدوهم بالقتل والنهب والسبي ولما تابوا أزال عنهم تلك المحنة، وأعاد عليهم ~~الدولة فعند ذلك ظهر أنهم إن أطاعوا الله فقد أحسنوا إلى أنفسهم، وإن أصروا ~~على المعصية فقد أساؤوا على أنفسهم وقد تقرر في العقول أن الإحسان إلى ~~النفس حسن مطلوب وأن الإساءة إليها قبيحة فلهذا المعنى قال تعالى: # {إن أحسنتم} أي: بفعل الطاعة على حسب الأمر في الكتاب الداعي إلى العدل ~~والإحسان {أحسنتم لأنفسكم} أي: لأن ثوابها لها {وإن أسأتم} بارتكاب ~~المحرمات والإفساد {فلها} أي: الإساءة لأن وبالها عليها. قال النحويون: ~~وإنما قال: {وإن أسأتم فلها} للتقابل، والمعنى فإليها أو فعليها كما مر مع ~~أن حروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض كقوله تعالى: {يومئذ تحدث أخبارها بأن ~~ربك أوحى لها} (الزلزلة: 4، 5) # أي: إليها. تنبيه: قال أهل الإشارات هذه الآية تدل على أن رحمة الله ~~غالبة على غضبه بدليل أنه تعالى لما حكى عنهم الإحسان ذكره مرتين فقال ~~تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها ~~مرة واحدة فقال تعالى: {وإن أسأتم فلها} ولولا أن جانب الرحمة غالب وإلا ~~لما كان كذلك ثم قال: # {فإذا جاء وعد الآخرة} أي: ثانية في # PageV02P283 # الإفساد وهو الوقت الذي حددنا له الانتقام فيه. {ليسوءوا} أي: ms1564 بعثنا ~~عليكم عبادا لنا ليسوءوا {وجوهكم} أي: بجعل آثار الإساءة بائنة فيها وحذف ~~متعلق اللام لدلالة الأول عليه. وقرأ الكسائي بعد اللام بنون مفتوحة على ~~التوحيد والضمير فيه لله والباقون بالياء مفتوحة، وأما الهمزة التي بعد ~~الواو والتي بعد السين فقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص بضم الهمزة ~~ومدها والباقون بفتح الهمزة ولا مد وقوله تعالى: {وليدخلوا المسجد} عطف على ~~ليسوءوا والمراد بالمسجد الأقصى الذي سقناكم إليه من مصر في تلك المدد ~~الطوال وأعطيناكم بلاده بالتدريج وجعلناه محل عزكم وأمنكم ثم جعلناه محلا ~~لإكرام أشرف خلقنا بالإسراء إليه وجمع أرواح النبيين كلهم فيه وصلاته بهم، ~~وهذا تعريض بتهديد لقريش بأنهم إن لم يرجعوا بدل الله أمنهم في الحرم خوفا ~~وعزهم ذلا، وأدخل عليهم جنودا لا قبل لهم بها، وقد فعل ذلك عام الفتح لكنه ~~فعل إكرام لا إهانة ببركة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم {كما دخلوه} ~~أي: الأعداء {أول مرة} بالسيف ويقهروا جميع جنودكم دفعة واحدة {وليتبروا} ~~أي: يهلكوا ويدمروا مع التقطيع والتفريق {ما علوا} أي: عليه من ذلك وقيل ما ~~مصدرية أي: مدة علوهم {تتبيرا} أي: إهلاكا. قال الزجاج: وكل شيء جعلته ~~مكسرا مفتتا فقد تبرته ومنه قيل تبر الزجاج، وتبر الذهب لمكسره، ومنه قوله ~~تعالى: {إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} (الأعراف، 139) # . قال الرازي: وهذه المرة الأخيرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى عليهما ~~السلام. قال البيضاوي: وذلك بأن سلط عليهم الفرس مرة أخرى فغزاهم ملك بابل ~~من ملوك الطوائف اسمه حردون، وقيل جردوس، قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم ~~جمع قربان فوجد فيه دما يغلي فسألهم عنه فقالوا: دم قربان لم يقبل منا ~~فقال: ما صدقتموني فقتل عليه ألوفا منهم فلم يهدأ الدم، ثم قال إن لم ~~تصدقوني ما تركت منكم أحدا فقالوا إنه دم يحيى فقال لمثل هذا ينتقم ربكم ~~منكم، ثم قال: يا يحيى أي: خطابا لدمه قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من ~~أجلك فاهدأ بإذن ms1565 الله قبل أن لا يبقى أحد منهم فهدأ أي: سكن.l # وقال الواحدي: فبعث الله تعالى عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه ~~إليه فسبى بني إسرائيل وخرب بيت المقدس. قال الرازي: أقوال التواريخ تشهد ~~أن بختنصر كان قبل وقت عيسى ويحيى وزكريا بسنين متطاولة، ومعلوم أن الملك ~~الذي انتقم من اليهود ملك الروم يقال له قسطنطين الملك والله أعلم بأحوالهم ~~ولا يتعلق غرض من أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام انتهى. ~~ولما انقضى ذلك كان كأنه قيل هل بقي لهم نصرة على عدوهم؟ فقال تعالى: # يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم فترد الدولة إليكم ثم بعد أن أطمعهم ~~فزعهم بقوله تعالى: {وإن عدتم} أي: إلى المعصية {عدنا} أي: إلى صب البلاء ~~عليكم في الدنيا مرة أخرى. قال القفال: إنما حملنا هذه الآية على عذاب ~~الدنيا لقوله تعالى في سورة الأعراف خبرا عن بني إسرائيل: {وإذ تأذن ربك ~~ليبعثن عليهم إلى يوم القيامةمن يسومهم سوء العذاب} (الأعراف، 167) # . ثم قال وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي وهو التكذيب بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل فعاد الله تعالى عليهم ~~بالتعذيب على أيدي # PageV02P284 # العرب فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من ~~القتل والجلاء ثم الباقي منهم مقهورون بالجزية لا ملك لهم ولا سلطان ثم قال ~~تعالى {وجعلنا} أي: بعد ذلك بعظمتنا {جهنم} أي: التي تلقى داخلها بالتجهيم ~~والكراهة {للكافرين} وذكر الوصف الظاهر موضع الضمير لبيان تعلق الحكم به ~~على سبيل الرسوخ سواء في ذلك هم وغيرهم وقوله تعالى {حصيرا} يحتمل أن يكون ~~فعيلا بمعنى الفاعل أي: جعلنا جهنم حاصرا لهم ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول ~~أي: جعلناها موضعا محصورا لهم والمعنى أن عذاب الدنيا وإن كان شديدا قويا ~~إلا أنه قد ينقلب بعض الناس عنه والذي يقع في ذلك العذاب يتخلص منه إما ~~بالموت وإما بطريق آخر، وأما عذاب الآخرة فإنه يكون حاصرا للإنسان محيطا به ~~لا رجاء في الخلاص عنه فهؤلاء ms1566 الأقوام لهم من عذاب الدنيا ما وصفناه ويكون ~~لهم بعد ذلك من عذاب الآخرة ما يكون محيطا بهم من جميع الجهات ولا يتخلصون ~~منه أبدا. ولما بين سبحانه وتعالى كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل عليه ~~فيما بين مصر وبيت المقدس في تلك المدة المتطاولة وجعله هدى لبني إسرائيل ~~صادق الوعد والوعيد بين تعالى كتاب محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه ~~منه في سبب مسيره إليه في ذلك، ووصفه بثلاثة أنواع من الصفات الأولى قوله ~~تعالى: # {إن هذا القرآن} أي: الجامع لكل حق والفارق بين كل ملتبس {يهدي للتي} أي: ~~إلى الطريق التي {هي أقوم} أي: أصوب من كل طريق فقوله تعالى: {للتي هي ~~أقوم} نعت لموصوف محذوف كما تقرر ويصح أن يقدر الملة والشريعة أي: يهدي إلى ~~الملة والشريعة التي هي أقوم الملل والشرائع ومثل هذه الكناية كثيرة ~~الاستعمال في القرآن كقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} (المؤمنون، 96) # وقيل إلى الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله. تنبيه: لفظ ~~افعل قد جاء بمعنى الفاعل كقولنا الله أكبر أي: الله الكبير وكقولنا الأشج ~~والناقص أعدلا بني مروان، فأقوم يحتمل أن يكون كذلك وأن يبقى على ظاهره. ~~الصفة الثانية قوله تعالى: {ويبشر المؤمنين} أي: الراسخين في هذا الوصف ~~ولهذا قيدهم بيانا لهم بقوله: {الذين} أي: يصدقون إيمانهم بأنهم {يعملون} ~~أي: على سبيل التجديد والاستمرار والبناء على العلم {الصالحات} من التقوى ~~والإحسان {أن لهم أجرا كبيرا} هو الجنة والنظر إلى وجه الله تعالى. وقرأ ~~حمزة والكسائي بفتح الياء وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة والباقون ~~بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين مشددة. فإن قيل: قال هنا {أجرا ~~كبيرا} وفي الكهف {أجرا حسنا} (الكهف، 2) # أجيب: بوقوع ذلك لموافقة الفواصل قبل وبعد في كل منهما. الصفة الثالثة ~~قوله تعالى: # {وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا} أي: أحضرنا وهيأنا {لهم عذابا ~~أليما} وهو النار في الآخرة وهو عطف على أن لهم أجرا كبيرا، والمعنى أنه ~~تعالى بشر المؤمنين ms1567 بنوعين من البشارة بثوابهم وبعقاب أعدائهم، نظيره قولك ~~بشرت زيدا بأنه سيعطى وبأن عدوه سيمنع. فإن قيل: كيف يليق لفظ البشارة ~~بالعذاب؟ أجيب: بأن هذا مذكور على سبيل التهكم أو أنه من باب إطلاق أحد ~~الضدين على الآخر كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى، 40) # أو على يبشر بإضمار يخبر. فإن قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود # PageV02P285 # وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة؟ أجيب: بأن أكثر اليهود ينكرون ~~الثواب والعقاب الجسمانيين وبأن بعضهم قال: {لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات} (آل الأعراف، 24) # فهم بذلك صاروا كالمنكرين للآخرة. ولما بين سبحانه وتعالى أن هذا القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم، والإنسان قد يقدم على ما لا فائدة فيه بينه بقوله ~~تعالى: # {ويدع الإنسان بالشر} عند ضجره على نفسه وأهله وماله {دعاءه} أي: مثل ~~دعائه {بالخير} ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك. روي ~~أنه صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا فأقبل يئن في الليل ~~فقالت له: ما لك؟ فبكى وشكا فرحمته فأرخت كتافه فهرب، فلما أصبح النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعا به فأعلم بشأنه فقال صلى الله عليه وسلم «اللهم اقطع ~~يدها فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع الله تعالى يدها، فندم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضبون فمن دعوت عليه فاجعل ~~دعائي رحمة له وقيل المراد النضر بن الحرث حيث قال: اللهم انصر خيرالحزبين ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إلى آخره فأجاب الله تعالى دعاءه وضربت ~~رقبته يوم بدر صبرا. وكان بعضهم يقول: {ائتنا بعذاب الله} (العنكبوت، 29) # وآخرون يقولون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} (يونس، 48) # وإنما فعلوا ذلك للجهل ولاعتقاد أن محمدا كاذب فيما يقول، وقيل المراد أن ~~الإنسان قد يبالغ في الدعاء طالبا لشيء قد يعتقد أن خيره فيه مع أن ذلك ~~الشيء منبع لشره وضرره وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء وإنما يقدم ~~على مثل ms1568 هذا العمل لكونه عجولا مغترا بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها ~~وأسرارها، كما قال تعالى: {وكان الإنسان} أي: الجنس {عجولا} أي: يسارع إلى ~~كل ما يخطر بباله ولا ينظر إلى عاقبته وقيل المراد آدم عليه السلام لما ~~انتهى الروح إلى سرته ذهب لينهض فسقط. تنبيه: حذفت واو ويدع أي: التي هي ~~لام الفعل خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفها لفظا في العربية لكنها لما ~~كانت لا تظهر في اللفظ حذفت في الخط، ونظيره قوله تعالى: {سندع الزبانية} ~~(العلق، 18) # و {سوف يؤت الله المؤمنين} (النساء، 146) # و {يوم يناد المنادي} (ق، 41) # {فما تغن النذر} (القمر، 5) # . قال الفراء: ولو كان ذلك بالواو والياء لكان صوابا. وقال الرازي: أقول ~~هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قد عظم هذا القرآن المجيد عن التحريف ~~والتغيير فإن إثبات الواو والياء في أكثر ألفاظ القرآن وعدم إثباتها في هذه ~~المواضع المعدودة يدل على أن هذا القرآن نقل كما سمع وأن أحدا لم يتصرف فيه ~~بمقدار فهمه وقوة عقله. ولما بين تعالى ما أوصل من نعم الدين وهو القرآن ~~أتبعه بما وصل إليهم من نعم الدنيا فقال: # {وجعلنا الليل والنهار آيتين} دالتين على تمام العلم وشمول القدرة آية ~~الليل كالآيات المتشابهة وآية النهار كالمحكمة فكما أن المقصود من التكليف ~~لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يتيسر الانتفاع به إلا ~~بهاتين الآيتين {فمحونا} أي: بعظمتنا الباهرة {آية الليل} أي: طمسنا نورها ~~بالظلام ليسكنوا فيه فجعلناها لا يبصر فيها المرئيات كما لا يبصر الكتاب ~~إذا محي. {وجعلنا} مما لنا من القدرة. {آية النهار مبصرة} أي: مبصرا فيها ~~بالضوء فلا تزال هذه الدار الناقصة في تنقل من نور إلى ظلمة ومن الظلمة إلى ~~النور كما أن الإنسان بعجلته التي يدعو إليها طبعه وتأنيه الداعي إليه عقله ~~من انتقال من نقصان إلى كمال ومن كمال إلى # PageV02P286 # نقصان، كما أن القمر الذي هو أنقص من الشمس كذلك. قال ابن عباس: جعل الله ~~نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر كذلك فمحى ms1569 من نور القمر تسعة وستين جزءا ~~فجعلها مع نور الشمس. وحكي أن الله تعالى أمر جبريل فأمر بجناحه على وجه ~~القمر ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور. وسأل ابن ذكوان عليا رضي ~~الله عنه عن السواد الذي في القمر قال هو أثر المحو. تنبيه: المراد من ~~الآيتين بعض الليل والنهار فالإضافة للبيان أي: أنه تعالى جعلهما دليلين ~~للخلق على مصالح الدين والدنيا، أما الدين فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر ~~مغاير له مع كونهما متعاقبين على الدوام وهو من أقوى الدلائل على أنهما غير ~~موجودين بذاتهما بل لا بد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير ~~المخصوصة، وأما في الدنيا فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار ~~فلولا الليل ما حصل السكون والراحة ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرف ~~وقيل الليل والنهار ظرفان والتقدير وجعلنا آيتين في الليل والنهار والمراد ~~بالآيتين على هذا إما الشمس والقمر وإما تكوير هذا على هذا وهذا على هذا ثم ~~ذكر تعالى بعض المنافع المرتب على ذلك بقوله تعالى: {لتبتغوا} # أي: تطلبوا طلبا شديدا {فضلامن ربكم} أي: المحسن إليكم فيهما بضياء هذا ~~تارة ونور هذا أخرى {ولتعلموا} بفصل هذا عن هذا {عدد السنين والحساب} لأن ~~الحساب يبنى على أربع مراتب الساعات والأيام والشهور والسنين، والعدد ~~للسنين والحساب لما دون السنين وهي الشهور والأيام والساعات وبعد هذه ~~المراتب الأربعة لا يحصل إلا التكرار كأنهم رتبوا العدد على أربع مراتب ~~الآحاد والعشرات والمئات والألوف وليس بعدها إلا التكرار. ولما ذكر تعالى ~~أحوال آيتي الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد ومن وجه ~~آخر نعمتان عظيمتان من الله تعالى على أهل الدنيا، وقد ذكر تعالى في آيات ~~كثيرة منافعهما كقوله تعالى: {وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا} ~~(النبأء: 10، 11) # . وكقوله تعالى: {جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} ~~(القصص، 73) # وشرح تعالى حالهما وفصل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق، ومن وجوه ~~النعم العظيمة على الخلق، كان ذلك تفصيلا نافعا وتبيانا كاملا فلا ms1570 جرم، قال ~~تعالى: {وكل شيء} أي: لكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم {فصلناه ~~تفصيلا} أي: بيناه تبيينا، وهو كقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ~~(الأنعام، 38) # وكقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} (النحل، 89) # وقوله: {تدمر كل شيء بأمر ربها} (الأحقاف، 25) # . وإنما ذكر تعالى تفصيلا لأجل توكيد الكلام وتقريره، فكأنه قال: فصلناه ~~حقا. ولما بين تعالى أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في ~~الدنيا والدين مثل آيتي الليل والنهار وغيرهما كان منعما عليهم بوجود النعم ~~وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة ~~فإنه يكون مسؤولا عن أعماله وأقواله كما قال تعالى: # {وكل إنسان ألزمناه} أي: بعظمتنا {طائره} أي: عمله الذي قدرناه عليه من ~~خير وشر، لأن العرب كانوا إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال وأرادوا ~~أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى عمل شر اعتبروا أحوال الطير ~~وهو أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه وإذا طار فهو يطير متيامنا أو ~~متياسرا # PageV02P287 # أو صاعدا إلى الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون ~~بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة والنحوسة فلما كثر ذلك منهم ~~سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه فقوله تعالى: {وكل ~~إنسان ألزمناه طائره في عنقه} (الإسراء، 13) # أي: وكل إنسان ألزمناه عمله {في عنقه} الذي هو محل التزين بالقلادة ~~ونحوها ومحل الشين بالغل ونحوه فإن كان عمله خيرا كان كالقلادة والحلي في ~~العنق وهذا مما يزينه وإن كان عمله شرا كان كالغل في عنقه وهو مما يشينه ~~وقال مجاهد ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، ~~قال الرازي: والتحقيق في هذا الباب أنه تعالى خلق الخلق وخص كل واحد منهم ~~بمقدار مخصوص من العقل والفهم والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة ~~والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك المقدار وإن كان ينحرف عنه بل لا بد وأن ~~يصل إليه ذلك القدر بحسب ms1571 الكمية والكيفية فتلك الأشياء المقدرة كأنها تطير ~~إليه وتصير إليه فلهذا المعنى لا يبعد أن يعبر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ ~~الطائر فقوله تعالى {ألزمناه طائره في عنقه} (الإسراء، 13) # كناية عن كل ما قدره الله ومعنى في عنقه حصوله له فهو لازم له واصل إليه ~~غير منحرف عنه وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم «جف القلم بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة» انتهى ملخصا. ثم قال تعالى: # {ونخرج له يوم القيامة كتابا} أي: مكتوبا فيه عمله لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها. قال الحسن: بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك ~~وعن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ لك ~~سيئاتك، حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم ~~القيامة، وقوله تعالى: {يلقاه منشورا} صفتان لكتابا وقرأ ابن عامر بضم ~~الياء وفتح اللام وتشديد القاف على البناء للمفعول من لقيته كذا أي: ~~استقلبته به والباقون بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، وأمال الألف ~~بعد القاف حمزة والكسائي محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ثم ~~إنه إذا لقي كتابه يوم القيامة يوم العرض قيل له: {اقرأ كتابك} أي: بنفسك ~~{كفى بنفسك اليوم} الذي تكشف فيه الستور وتظهر جميع الأمور {عليك حسيبا} ~~أي: حسابا بليغا فإنك تعطى القدرة على قراءته أميا كنت أو قارئا ولا ترى ~~فيه زيادة ولا نقصانا ولا تقدر أن تنكر منه حرفا وإن أنكره لسانك شهدت عليك ~~أركانك فيا لها من قدرة باهرة وقوة قاهرة ونصفة ظاهرة. قال الحسن: عدل ~~والله في حقك من جعلك حسيب نفسك. وقال السدي: يقول الكافر يومئذ إنك قضيت ~~أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: {اقرأ كتابك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا} فإن قيل: قد قال تعالى: {وكفى بنا حاسبين} فكيف الجمع في ~~ذلك؟ أجيب: بأن المراد بالحسيب هنا الشهيد أي: كفى بشخصك اليوم شاهدا عليك ~~أو أن القيامة مواقف مختلفة ففي موقف يكل الله ms1572 تعالى حسابهم إلى أنفسهم ~~وعلمه محيط بهم وفي آخر يحاسبهم هو. وقوله تعالى: # {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} لأن ثواب اهتدائه له لا ينجي غيره {ومن ضل ~~فإنما يضل عليها} أي: إثمه عليها فلا يضر في ضلاله سواه، كما قال الكلبي ~~دلالة على أن العبد متمكن # PageV02P288 # من الخير والشر وإنه غير مجبور على عمل بعينه أصلا لأن قوله تعالى: {من ~~اهتدى} إلى آخره إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء وأراد، ~~أما المجبور على أحد الطرفين الممنوع عن الطرف الثاني فهذا لا يليق به، هذا ~~مذهب أهل السنة والجماعة فاتبعه ترشد ثم إنه تعالى أعاد تقرير أن كل أحد ~~مختص بأثر عمل نفسه بقوله تعالى: {ولا تزر} أي: نفس {وازرة} أي: آثمة أي: ~~لا تحمل {وزر} نفس {أخرى} بل إنما تحمل وزرها فقط. فإن قيل: ورد أن المظلوم ~~يأخذ من حسنات الظالم فإذا لم يوف يؤخذ من سيئات المظلوم وتطرح على الظالم؟ ~~أجيب: بأن ذلك بسببه فهو كفعله. فإن قيل: قد ورد أن الميت ببكاء أهله؟ ~~أجيب: بأن ذلك محمول على ما إذا أوصى بذلك وكان ذلك الفعل كقول طرفة بن ~~العبد: # *إذا مت فانعيني بما أنا أهله # ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد # وعليه حمل الجمهور الأخبار الواردة بتعذيب الميت على ذلك. فإن قيل: ذنب ~~الميت فيما إذا أوصى أو أمر بذلك فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه؟ أجيب: ~~بأن الذنب على السبب يعظم بوجود المسبب وشاهده «من سن سنة سيئة» الخ وقال ~~الشيخ أبو حامد: إن ما ذكر محمول على الكافر وغيره من أهل الذنوب. ثم قال ~~تعالى: # {وما كنا} أي: على ما لنا من القدرة {معذبين} أحدا {حتى نبعث رسولا} يبين ~~له ما يجب عليه فمن بلغته دعوته فخالف أمره واستكبر عن اتباعه عذبناه بما ~~يستحقه وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء ~~الكرام عليهم السلام في جميع الأمم قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا} (النحل، 36) # . وقال تعالى: {وإن ms1573 من أمة إلا خلا فيها نذير} (فاطر، 24) # فإن دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت وعمت الأقطار واشتهرت. فإن قيل: ~~الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسول لأن معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله ~~تعالى وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستحقاقهم العذاب لإغفالهم النظر ~~فيما معهم، وكفرهم لذلك لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا ~~بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان؟ أجيب: بأن بعثة الرسول من ~~جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة لئلا يقولوا: {إنا كنا عن ~~هذا غافلين} (الأعراف، 172) ، فهلا بعثت إلينا رسولا ينبهنا على النظر في ~~أدلة العقل، وفي الآية دليل على أن لا وجوب قبل الشرع. # فائدة: في حكم أهل الفترتين بين نوح وإدريس وبين عيسى ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم وهم ثلاثة عشر قسما؛ ستة سعداء وأربعة أشقياء وثلاثة تحت ~~المشيئة، فأما السعداء فقسم وحد الله تعالى بنور وجده في قلبه كقس بن ساعدة ~~فإنه كان يقول إذا سئل هل لهذا العالم إله؟ قال: البعرة تدل على البعير ~~وأثر الأقدام يدل على المسير. وقسم وحد الله تعالى بما تجلى لقلبه من النور ~~الذي لا يقدر على دفعه، وقسم ألقى في نفسه واطلع من كشفه على منزلة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فآمن من به في عالم الغيب، وقسم اتبع ملة حق ممن تقدمة، ~~وقسم طالع في كتب الأنبياء فعرف شرف محمد صلى الله عليه وسلم فآمن به وقسم ~~آمن بنبيه الذي أرسل إليه وأدرك رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وآمن به فله ~~أجران. وأما الأشقياء فقسم عطل لا عن نظر بل عن تقليد، وقسم عطل بعدما أثبت ~~لا عن استقصاء بنظر، وقسم أشرك عن # PageV02P289 # تقليد محض، وقسم علم الحق وعانده، وأما الذي تحت المشيئة فقسم عطل فلم ~~يقر بوجوده عن نظر قاصر لضعف في مزاجه، وقسم أشرك عن نظر أخطأ فيه، وقسم ~~عطل بعدما أثبت لا عن نظر بلغ فيه أقصى القوة هكذا قسم محيي الدين بن عربي ~~في الباب ms1574 العاشر من الفتوحات المكية نقل ذلك عن شيخ وقته الشيخ عبد الوهاب ~~الشعراني، ونقل عن السيوطي أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم لم تبلغهما ~~الدعوة والله تعالى يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وحكم من لم ~~تبلغه الدعوة أنه يموت ناجيا ولا يعذب ويدخل الجنة. قال: وهذا مذهب لا خلاف ~~فيه بين المحققين من أئمتنا الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول، ونص ~~على ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه، وتبعه على ذلك الأصحاب، قال السيوطي: ~~وقد ورد في الحديث أن الله تعالى أحيا أبويه حتى آمنا به، وعلى ذلك جماعة ~~من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي وأبو القاسم بن عساكر وأبو حفص بن شاهين ~~والسهيلي والقرطبي والطبري وابن المنير وابن سيد الناس وابن ناصر الدين # الدمشقي والصفدي وغيرهم والأولى لنا الإمساك عن ذلك فإن الله تعالى لم ~~يكلفنا بذلك ونكل الأمر في ذلك إلى الله تعالى، ونقول كما قال النووي لما ~~سئل عن طائفة ابن عربي {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون} (البقرة، 134) # . ولما أشار تعالى إلى عذاب المخالفين قرر أسبابه وعرف أنها بقدره وأن ~~قدره لا يمنع حقوق العذاب بقوله تعالى: # {وإذا أردنا} أن نحيي قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ألقينا في ~~قلوب أهلها امتثال أو أمرنا والتقييد باتباع رسلنا وإذا أردنا {أن نهلك ~~قرية} في الزمن المستقبل {أمرنا} أي: بما لنا من القدرة التامة الشاملة ~~{مترفيها} أي: منعميها الذين لهم الأمر والنهي قال الأكثرون: أمرهم الله ~~تعالى بالطاعة والخير على لسان رسله {ففسقوا فيها} أي: خرجوا عن طاعة الله ~~ورسوله. وقال صاحب «الكشاف» : ظاهر اللفظ يدل على أنه تعالى يأمرهم بالفسق ~~فيفسقون إلا أن هذا مجاز، ومعناه أنه يفتح عليهم أبواب الخيرات والراحات ~~فعند ذلك تمردوا وطغوا وبغوا. قال: والدليل على أن ظاهر اللفظ يقتضي ما ~~ذكرناه أن المأمور به إنما حذف لأن قوله ففسقوا يدل عليه يقال أمرته فقام ~~وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن ms1575 المأمور به قيام وقراءة فكذا هنا لما قال: ~~{أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} وجب أن يكون المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا لا ~~يقال يشكل هذا بقولهم أمرته فعصاني وخالفني فإن هذا كلام لا يفهم منه أني ~~أمرته بالمعصية والمخالفة لأنا نقول: إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له ~~فيكون كونها مأمورا بها مخالفا فلهذه الضرورة تركنا هذا الظاهر انتهى. # قال الرازي: ولقائل أن يقول كما أن قوله أمرته فعصاني يدل على أن المأمور ~~به شيء غير المعصية من حيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله ~~أمرته ففسق يدل على أن المأمور به غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان به ~~فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا به كما أن كونه معصية ينافي كونها مأمورا بها ~~فوجب أن يدل هذا اللفظ على أن المأمور به ليس بفسق وهذا الكلام في غاية ~~الظهور ولم أدر لم أصر صاحب «الكشاف» على قوله مع ظهور فساده فثبت أن الحق ~~ما ذكر الكل وهو أن المعنى # PageV02P290 # أمرناهم بالأعمال الصالحة وهي الإيمان والطاعة والقوم خالفوا ذلك الأمر ~~عنادا وأقدموا على الفسق {فحق عليها القول} أي: الذي توعدناهم به على لسان ~~رسولنا {فدمرناها تدميرا} أي: أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارهم، وخص ~~المترفين بالذكر لأن غيرهم يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على ~~الفجور، وقيل معناه كثرنا وروى الطبراني وغيره حديثا: «خير المال سكة ~~مأبورة ومهرة مأمورة» أي: كثيرة النتاج. والسكة بكسر السين وتشديد الكاف ~~الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة الملقحة قال ذلك الجوهري. وروي أن ~~رجلا من المشركين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أرى أمرك هذا ~~حقيرا؟ فقال صلى الله عليه وسلم «إنه سيأمر» أي: سيكثر وسيكبر. وعن أم ~~المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ~~عليها فزعا يقول: «لا إلى إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ~~ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بين إصبعيه الإبهام والتي تليها. قالت زينب ~~قلت: يا رسول الله ms1576 أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث» أي: ~~الشر. وويل يقال لمن وقع في مهلكة أو أشرف أن يقع فيها. وقوله تعالى: # {وكم أهلكنا} أي: بما لنا من العظمة وبين مدلول كم بقوله تعالى: {من ~~القرون} أي: المكذبين {من بعد نوح} كعاد وثمود من الأمم الماضية يخوف به ~~الكفار أي: كفار مكة قال عبد الله بن أبي أوفى: القرن عشرون ومائة سنة. ~~وقيل: مائة سنة. روي عن محمد بن القاسم عن عبد الله بن بشر المازني أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال: «سيعيش هذا الغلام قرنا» ~~. قال محمد بن القاسم: ما زلنا نعد له حتى تمت له مائة سنة، ثم مات. وقال ~~الكلبي: القرن ثمانون سنة وقيل أربعون. ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم # {وكفى بربك} أي: المحسن إليك {بذنوب عباده خبيرا بصيرا} أي: عالما ~~ببواطنها وظواهرها فكم من إنسان كنتم ترونه من أكابر الصالحين ثم استقرت ~~عاقبته على خلاف ذلك وكم من شخص ترونه مجتهدا في العبادة فإذا خلا بارز ربه ~~بالعظائم، وتقديم الخبر لتقديم متعلقه. ولما قرر أنه سبحانه وتعالى عالم ~~ببواطن عباده وظواهرهم قسمهم إلى قسمين الأول: قوله تعالى: # {من كان يريد العاجلة} أي: الدنيا مقصورا عليها همه {عجلنا له فيها} أي: ~~العاجلة بأن نفيض عليه من منافعها {ما نشاء} أي: من البسط والتقتير {لمن ~~نريد} أي: أن نفعل به ذلك فقيد تعالى الأمر بقيدين أحدهما تقييد المعجل ~~بإرادته ومشيئته. والثاني: تقييد المعجل له بإرادته وهكذا الحال ترى كثيرا ~~من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه وكثير منهم يتمنون ذلك ~~البعض وقد حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة. تنبيه: لمن نريد بدل ~~بعض من كل من الضمير في له بإعادة العامل تقديره لمن نريد تعجيله له ويقال ~~إن الآية في المنافقين كانوا يراؤون المسلمين ويقرؤون معهم ولم يكن غرضهم ~~إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها وهذا هو المناسب لقوله تعالى: {ثم جعلنا له ~~جهنم يصلاها} ms1577 أي: في الآخرة {مذموما} أي: مفعولا به الذم {مدحورا} أي: ~~مدفوعا مطرودا مبعدا وإن ذكره البيضاوي بصيغة قيل. ثم ذكر تعالى القسم ~~الثاني وشرط فيه ثلاثة شروط: الأول: قوله تعالى: # {ومن أراد الآخرة} أي: أراد بعمله ثواب الآخرة فإنه إن لم ينو # PageV02P291 # ذلك لم ينتفع بذلك العمل لقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~(النجم، 39) # . وقوله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات» . الثاني: قوله ~~تعالى: {وسعى لها سعيها} وذلك يقتضي أن يكون ذلك العمل من باب القرب ~~والطاعات وكثير من الضلال يتقربون بعبادة الأوثان ولهم فيها تأويلات، أحدها ~~أنهم يقولون إله العالم أجل وأعظم من أن يقدر الواحد منا على إظهار عبوديته ~~وخدمته ولكن غاية قدرتنا أن نشتغل بعبادة بعض المقربين من عباد الله بأن ~~يشتغل بعبادة كوكب أو ملك من الملائكة ثم إن الملك أو الكوكب يشتغل بعبادة ~~الله تعالى فهؤلاء يتقربون إلى الله تعالى بهذا الطريق وهذه طريقة فاسدة ~~فلا جرم أنه لم ينتفع بها. ثانيها أنهم قالوا اتخذنا هذه التماثيل على صورة ~~الأنبياء والأولياء والمراد من عبادتها أن تصير تلك الأنبياء والأولياء ~~شفعاء لنا عند الله وهذا الطريق أيضا فاسد فلا جرم لم ينتفع بها. ثالثها: ~~أنه نقل عن أهل الهند أنهم يتقربون إلى الله بقتل أنفسهم تارة أخرى أنفسهم ~~أخرى وهذه الطريقة أيضا فاسدة فلا جرم لم ينتفع بها. وكذا القول في جميع ~~الفرق المبطلين الذين يتقربون إلى الله تعالى بمذاهبهم الباطلة. # الثالث: قوله تعالى: {وهو مؤمن} لأن الشرط في كون أعمال البر مقتضية ~~للثواب هو الإيمان فإن لم يوجد لم يحصل المشروط، وعن بعض المتقدمين من لم ~~يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب، وتلا هذه ~~الآية. ثم إنه تعالى أخبر عند وجود هذه الشروط بقوله تعالى: {فأولئك} أي: ~~العالو الرتبة لجمعهم الشرائط الثلاثة {كان سعيهم مشكورا} أي: مقبولا مثابا ~~عليه بالتضعيف وبعضهم يفتح له أبواب الدنيا مع ذلك كداود وسليمان عليهما ~~السلام ويستعمله فيها بما فيه مرضاة ms1578 الله تعالى وبعضهم يزويها عنه كرامة له ~~لا هوانا به فربما كان الفقر خيرا له وأعون على مراده، فالحاصل أنها إن ~~وجدت عند الولي لم تشرفه وإن عدمت عنه لم تحقره، وإنما التشريف وغيره عند ~~الله تعالى بالأعمال. # تنبيه: كل من أتى بفعل إما أن يقصد به تحصيل خيرات الدنيا، وإما أن يقصد ~~به خيرات الآخرة، وإما أن يقصد به مجموعهما، وإما أن لا يقصد به واحدا ~~منهما. فإن قصد به تحصيل الدنيا فقط أو تحصيل الآخرة فقط فالله ذكر حكم ~~هذين القسمين في هذه الآية. وأما القسم الثالث فيقسم إلى ثلاثة أقسام: إما ~~أن يكون طلب الآخرة راجحا أو مرجوحا أو يكون الطلبان متعادلين، فإن كان طلب ~~الآخرة راجحا فهل يكون هذا العمل مقبولا عند الله تعالى؟ فيه رأيان: # أحدهما أنه غير مقبول لقوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله تعالى أنه ~~قال: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه» ~~. وأيضا طلب رضوان الله إما أن يكون سببا مستقلا لكونه باعثا لهم على ذلك ~~الفعل وداعيا إليه، وإما أن لا يكون، فإن كان الأول امتنع أن يكون لغيره ~~مدخل في ذلك البعث والدعاء لأن الحكم إذا أسند لسبب تام كامل امتنع أن يكون ~~لغيره مدخل فيه، وإن كان الثاني فيكون الداعي إلى ذلك الفعل هو المجموع، ~~وذلك المجموع ليس هو طلب رضوان الله لأن المجموع الحاصل من الشيء ومن غيره ~~يجب أن يكون مغايرا لطلب رضوان الله فوجب أن لا يكون مقبولا. # الرأي الثاني: أنه مقبول لأن طلب الآخرة لما كان راجحا على # PageV02P292 # طلب الدنيا تعارض المثل بالمثل فبقي القدر الزائد داعية خالصة لطلب ~~الآخرة فوجب كونه مقبولا، وأما إذا كان طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين أو ~~كان طلب الدنيا راجحا فقد اتفقوا على أنه غير مقبول إلا أنه على كل حال خير ~~مما إذا كان طلب الدنيا خاليا بالكلية عن طلب الآخرة. # وأما القسم الرابع وهو الإقدام على الفعل من غير ms1579 داع فهذا مبني على أن ~~صدور الفعل من القادر هل يتوقف على حصول الداعي أم لا فالذين يقولون إنه ~~يتوقف على حصول الداعي قالوا هذا القسم ممتنع الحصول والذين قالوا لا يتوقف ~~قالوا هذا الفعل لا أثر له في الباطن وهو محرم في الظاهر لأنه عبث. ثم إنه ~~تعالى قال: # {كلا} أي: من الفريقين مريد الدنيا ومريد الآخرة {نمد} أي: بالعطاء ثم ~~أبدل من كلا قوله تعالى {هؤلاء} أي: الذين طلبوا الدنيا نمد {وهؤلاء} أي: ~~الذين طلبوا الآخرة نمد {من عطاء ربك} أي: المحسن إليك إن ضيق على مؤمن ~~فبالحماية من الدنيا الفانية التي إنما هي لعب ولهو وإن وسع فبالاستعمال ~~فيها على حسب ما يرضيه {وما كان عطاء ربك} أي: الموجد لك المدبر لأمرك ~~{محظورا} أي: ممنوعا في الدنيا عن مؤمن ولا كافر بل هو ملء السهل والجبل من ~~الذهب والفضة والحديد والنحاس والجواهر والثمار وأقوات الناس والبهائم وغير ~~ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى حتى لو اجتمع كل الناس على جمعه ليلا ~~ونهارا ولم يكن لهم شغل سوى ذلك لأعياهم ولم يقدروا عليه فسبحان الجواد ~~المعطي المانع ثم إنه تعالى أمر بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في ~~الآخرة مزهد في الدنيا بقوله تعالى: # {انظر} أي: أيها الإنسان أو يا محمد {كيف فضلنا بعضهم على بعض} فأوسعنا ~~على مؤمن وقترنا على مؤمن آخر وأوسعنا على كافر وقترنا على كافر آخر وبين ~~سبحانه وتعالى وجه الحكمة في التفاوت في سورة الزخرف بقوله تعالى: {نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} ~~(الزخرف، 32) # الآية. وقال تعالى في آخر سورة الأنعام: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} ~~(الأنعام، 65) # . تنبيه: كيف: نصب إما على التشبيه بالظرف وإما على الحال وهي معلقة ~~لانظر بمعنى فكر أو أبصر. ولما نبه تعالى على أن ما نراه من التفضيل إنما ~~هو بمحض قدرته أخبر أن ما بعد الموت كذلك بقوله تعالى: {وللآخرة أكبر} أي: ~~أعظم {درجات وأكبر تفضيلا} من درجات الدنيا ms1580 ومن تفضيلها فإن نسبة التفاضل ~~في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا فإن ~~كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب الآخرة ~~أحرى لأنها دار المقامة. روي أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب ~~عمر رضي الله تعالى عنه فخرج الأذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال ~~سهيل بن عمرو: إنما أوتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام ~~فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة. ولما بين تعالى أن ~~الناس فريقان منهم من يريد بعمله الدنيا فقط وهم أهل العذاب ومنهم من يريد ~~طاعة الله وهم أهل الثواب، ثم شرط في ذلك ثلاثة شروط فصل تلك المجملات وبدأ ~~أولا بشرح حقيقة الإيمان وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد ونفي الشريك ~~والأضداد بقوله تعالى: # {لا تجعل مع الله} # PageV02P293 # أي: الذي له جميع صفات الكمال {إلها آخر} قيل الخطاب مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد غيره، والأولى أنه للإنسان فيكون خطابا عاما لكل من يصلح ~~أن يخاطب به. {فتقعد} أي: فيتسبب عن ذلك أن تقعد أي: تصير في الدنيا قبل ~~الآخرة {مذموما مخذولا} لأن المشرك كاذب والكاذب يستوجب الذم والخذلان ~~ولأنه قد ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدبر إلا الله تعالى فحينئذ تكون جميع ~~النعم حاصلة من الله تعالى فمن أشرك بالله فقد أضاف بعض تلك النعم إلى غير ~~الله فاستحق الذم والخذلان. تنبيه: قال الواحدي: قوله تعالى: {فتقعد} () # انتصب لأنه وقع بعد الفاء جوابا للنهي وانتصابه بإضمار أن كقولك لا تنقطع ~~عنا فنجفوك والتقدير لا يكن منك انقطاع فيحصل أن نجفوك فما بعد الفاء متعلق ~~بالجملة المتقدمة بحرف الفاء وإنما سماه النحويون جوابا لكونه مشابها ~~للجزاء وأن الثاني مسبب عن الأول كما تقرر. ولما ذكر تعالى ما هو الركن ~~الأعظم في الإيمان أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائعه وذلك أنواع ~~الأول أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى ويتحرز عن عبادة غيره وهذا ms1581 هو ~~المراد من قوله تعالى: # {وقضى} أي: أمر {ربك} أي: المحسن إليك وقوله تعالى: {أن لا تعبدوا} أي: ~~أنت وجميع أهل دعوتك وهم جميع الناس {إلا إياه} فيه وجوب عبادة الله تعالى ~~والمنع من عبادة غيره لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية ~~التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده ولا ~~منعم إلا الله تعالى فكان هو المستحق للعبادة لا غيره. # تنبيه: روى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: كان الأصل ~~ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين بالصاد فقرئ وقضى ربك ثم قال: ولو كان على ~~القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع وهذا القول كما قاله ~~الرازي بعيد جدا إذ لو فتح هذا الباب لارتفع الأمان عن القرآن وذلك يخرجه ~~عن كونه حجة ولا شك أنه طعن عظيم في الدين ويندفع ما قاله بما فسر قضى به. ~~ولما أمر تعالى بعبادة نفسه أتبعه بالأمر ببر الوالدين بقوله تعالى: ~~{وبالوالدين} أي: وأحسنوا أي: وأوقعوا الإحسان بهما. {إحسانا} أي: بأن ~~تبروهما ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. # تنبيهان: أحدهما المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى والأمر ببر ~~الوالدين من وجوه الأول أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله ~~تعالى وإيجاده والسبب الظاهر هو الأبوان فأمر الله تعالى بتعظيم السبب ~~الحقيقي ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري. الثاني: أن الموجود إما ~~قديم وإما محدث ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الموجود القديم بالتعظيم ~~والعبودية ومع المحدث بإظهار الشفقة وهو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم ~~«التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وأحق الخلق بالشفقة الأبوان لكثرة ~~إنعامهما على الإنسان» فقوله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} ~~إشارة إلى التعظيم لأمر الله تعالى. وقوله تعالى: {بالوالدين إحسانا} إشارة ~~إلى الشفقة على خلق الله. الثالث: أن الاشتغال بشكر المنعم واجب ثم المنعم ~~الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى وقد يكون بعض المخلوقين ms1582 منعما عليك وشكره ~~أيضا واجب لقوله صلى الله عليه وسلم «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» ، ~~وليس لأحد # PageV02P294 # من الخلائق نعمة على الإنسان مثل الأبوين لأن الولد قطعة من الوالدين قال ~~صلى الله عليه وسلم «فاطمة بضعة مني» وأيضا شفقة الوالدين على الولد عظيمة ~~وإيصال الخير إلى الولد منهما أمر طبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه ~~أمر طبيعي أيضا فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة بل هي أكبر من ~~كل نعمة تصل من الإنسان إلى الإنسان وأيضا حال ما يكون الإنسان في غاية ~~الضعف ونهاية العجز يكون إنعام الأبوين في ذلك الوقت واصلا إلى الولد، وإذا ~~وقع الإنعام على هذا الوجه كان موقعه عظيما وأيضا فإيصال الخير إلى الغير ~~قد يكون لداعية إيصال الخير إليه، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض ~~فكان الإنعام فيه أتم وأكمل فثبت بهذه الوجوه أنه ليس لأحد من المخلوقين ~~نعمة على غيره مثل ما للوالدين على الولد، فلهذا بدأ الله بشكر نعمة الخالق ~~وهو قوله تعالى: {وقضى ربك # أن لا تعبدوا إلا إياه} ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله تعالى: ~~{وبالوالدين إحسانا} . فإن قيل: الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لأنفسهما ~~فلزم منه دخول الولد في الوجود ودخوله في عالم الآفات والمخالفات فأي: ~~إنعام للأبوين على الولد، حتى أن بعض المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ~~ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للموت والفقر والعمى ~~والزمانة وقيل لأبي العلاء المعري ماذا نكتب على قبرك فقال: اكتبوا على ~~قبري: هذا جناية أبي علي وما جنيت على أحد. وقال في ترك التزوج والولد: # *وتركت فيهم نعمة العدم التي # ... فيهم لقد سبقت نعيم العاجل # *ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة # ... ترمي بهم في موبقات الآجل # وقيل لإسكندر: أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟ فقال: أستاذي أعظم منة ~~لأنه تحمل أنواع الشدائد عند تعليمي فأوقعني في نور العلم، وأما الوالد فإن ~~طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد. ومن ~~الكلمات ms1583 المأثورة المشهورة خير الآباء من علمك. أجيب: بأنه وإن كان في أول ~~الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن الاهتمام بإيصال الخيرات إليه ودفع الآفات عنه ~~من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أليس أنه أعظم من جميع ما يصل ~~إليه من جهات الخيرات والمبرات فسقطت تلك الشبهات. # التنبيه الثاني: أن لفظ الآية يدل على معان كثيرة كل واحد منها يوجب ~~المبالغة في الإحسان إلى الوالدين منها أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: ~~{ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} ثم ~~أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة ~~الآخرة وجعل من جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من أصول ~~الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة، ومنها أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد ~~وثنى بطاعة الله تعالى وثلث ببر الوالدين، وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة ~~في تعظيم هذه الطاعة منها أنه تعالى لم يقل وإحسانا بالوالدين بل قال ~~{وبالوالدين إحسانا} فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام بهما. ومنها أنه ~~تعالى قال: {إحسانا} بلفظ التنكير، والتنكير يدل على التعظيم أي: إحسانا ~~عظيما كاملا لأن إحسانهما إليك # PageV02P295 # قد بلغ الغاية العظيمة فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك ثم على جميع ~~التقديرات لا تحصل المكافأة لأن إنعامهما عليك على سبيل الابتداء. وفي ~~الأمثال المشهورة أن البادئ بالبر لا يكافأ. # ولما كان سبحانه وتعالى عليما بما في الطباع من ملال الولد لهما عند ~~أخذهما في السن قال تعالى: {إما} مؤكدا بإدخال ما على إن الشرطية لزيادة ~~التقرير للمعنى اهتماما بشأن الوالدين {يبلغن عندك الكبر} أي: كأن يضطرا ~~إليك في حالة الضعف والعجز فلا يكون لهما كافل غيرك فيصيرا عندك في آخر ~~العمر كما كنت عندهما في أوله {أحدهما أو كلاهما} . وقرأ حمزة والكسائي ~~بألف بعد الغين وكسر النون فالألف ضمير الوالدين لتقدم ذكرهما وأحدهما بدل ~~منه أو كلاهما عطف عليه فاعلا أو بدلا. فإن قيل: هلا كان كلاهما توكيدا لا ~~بدلا أجيب: بأنه ms1584 معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيد الاثنين فوجب أن يكون ~~مثله. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون أحدهما بدلا وكلاهما توكيدا ويكون ذلك ~~عطفا للتوكيد على البدل؟ أجيب: بأن العطف يقتضي المشاركة فجعل أحدهما بدلا ~~والآخر توكيدا خلاف الأصل، وقرأ الباقون بغير ألف وفتح النون والإعراب على ~~هذا ظاهر، وجميع القراء يشددون النون. # ثم أنه تعالى أمر الإنسان في حق والديه بخمسة أشياء: الأول منها قوله ~~تعالى: {فلا تقل لهما أف} أي: لا تتضجر منهما قال الزجاج: أف معناه النتن ~~وهذا قول مجاهد لأنه قال معنى قوله {فلا تقل لهما أف} أي: لا تتقذرهما كما ~~أنهما كانا لا يتقذران منك حين كنت تخرأ وتبول. # وفي رواية أخرى عن مجاهد إذا وجدت منهما رائحة توذيك {فلا تقل لهما أف} ~~فلقد بالغ سبحانه وتعالى بالوصية بهما حيث شفع الإحسان إليهما بتوحيده ~~ونظمهما في سلك القضاء بهما معا ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في ~~أدنى كلمة تنفلت من التضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته ومع أحوال لا يكاد ~~يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة وقد قال صلى الله عليه وسلم «إياكم ~~وعقوق الوالدين فإن الجنة يوجد ريحها مع مسيرة ألف عام، ولا يجد ريحها عاق ~~ولا قاطع رحم ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء، إن الكبرياء لله رب ~~العالمين» . وسئل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين فقال: لا يقوم إلى خدمتهما ~~عن كسل. وقرأ نافع وحفص بالتنوين في الفاء مع الكسر وابن كثير وابن عامر ~~بفتح الفاء من غير تنوين، والباقون بكسر الفاء من غير تنوين. # الثاني قوله تعالى: {ولا تنهرهما} أي: لا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا ~~يعجبك يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره. قال تعالى: {وأما السائل ~~فلا تنهر} (الضحى، 10) # . فإن قيل: المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بالأولى فما ~~فائدة ذكره؟ أجيب: بأن المراد بالمنع من التأفيف المنع من إظهار الضجر ~~بالقليل والكثير والمراد من منع الانتهار المنع من إظهار المخالفة ms1585 في القول ~~على سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما. # الثالث قوله تعالى: {وقل لهما قولا كريما} أي: حسنا جميلا طيبا لينا كما ~~يقتضيه حسن الأدب معهما. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو أن يقول يا ~~أبتاه يا أماه. وسئل سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن القول الكريم فقال: هو ~~قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ. وعن عطاء أنه قال: هو أن يتكلم معهما ~~بشرط أن لا يرفع إليهما بصره # PageV02P296 # ولا يشتد إليهما نظره وذلك أن هذين الفعلين ينافيان القول الكريم. فإن ~~قيل: إبراهيم الخليل عليه السلام قال لأبيه: {إني أراك وقومك في ضلال مبين} ~~مع أنه عليه السلام من أعظم الناس أدبا وحلما وكرما؟ أجيب: بأن حق الله ~~تعالى مقدم على حق الأبوين فإقدام إبراهيم عليه السلام على ذلك الإيذاء ~~إنما كان تقديما لحق الله تعالى. والرابع قوله تعالى: # {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} أي: لا من أجل الامتثال للأمر وخوف ~~العار فقط بل من أجل الرحمة لهما بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي ~~وبما تقدم لهما من الإحسان إليك والمقصود المبالغة في التواضع وهذه استعارة ~~بليغة. قال القفال: وفي تقريره وجهان: # الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه فلهذا صار ~~خفض الجناح كناية عن جنس التربية فكأنه قال للولد أكفل والديك بأن تضمهما ~~إلى نفسك، كما فعلا ذلك بك حال صغرك. # والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع وإذا أراد ~~ترك الطيران خفض جناحيه ولم يرفع فجعل خفض الجناح كناية عن التواضع واللين. ~~فإن قيل: كيف أضاف الجناح إلى الذل والذل لا جناح له؟ أجيب: بوجهين: الأول: ~~أنه أضيف الجناح إلى الذل كما يقال حاتم الجود فكما أن المراد هناك حاتم ~~الجواد فكذا هنا المراد اخفض لهما جناحك الذليل، الثاني: أن مدار الاستعارة ~~على الخيلان فهنا تخيل للذل جناحا خفيضا كما جعل لبيد للشمال يدا وللقرة ~~زماما في قوله: # *وغداة ريح قد كشفت وقرة # ... إذ أصبحت بيد ms1586 الشمال زمامها # فأثبت للشمال يدا وللقرة زماما ووضع زمامها في يد الشمال فكذا هنا ومن ~~ظريف ما حكي أن أبا تمام لما نظم قوله: # *لا تسقني ماء الملام فإنني # ... صب قد استعذبت ماء بكائي # جاءه رجل بقصعة وقال له: اعطني شيئا من ماء الملام فقال له: حتى تأتيني ~~بريشة من جناح الذل يريد أن هذا مجازا استعاره لذلك وقال بعضهم: # *راشوا جناحي ثم بلوه بالندى # ... فلم أستطع من حبهم أن أطيرا # الخامس قوله تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} أي: لا تكتف ~~برحمتك عليهما التي لا بقاء لها وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية واجعل ~~ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك هذا إذا كانا مسلمين، فإن ~~كانا كافرين فإن الدعاء لهما بالرحمة منسوخ بقوله تعالى: {ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} (التوبة، 113) # بل يدعو الله تعالى لهما بالهداية والإرشاد فإذا هداهما فقد رحمهما. وسئل ~~بعضهم عن بر الوالدين فقال: لا ترفع صوتك عليهما ولا تنظر إليهما شزرا ولا ~~يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا. وتدعو لهما ~~إذا ماتا وتقوم بخدمة أودائهما من بعدهما لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه» . # تنبيه: قد ورد في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها ما روي عن أبي هريرة أنه ~~قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحسن ~~الناس بصحبتي؟ فقال: أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أبوك ثم أدناك فأدناك» . # PageV02P297 # ومنها عنه أيضا أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أرغم ~~الله أنفه أرغم الله أنفه أرغم الله أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من ~~أدرك والديه أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة» . ومنها ما روي عنه أيضا أنه قال: ~~«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا ~~فيشتريه فيعتقه» ms1587 . ومنها ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ~~«جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد. فقال: أحي ~~والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد» . ومنها ما رواه الترمذي أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط ~~الوالدين» . ومنها ما «روي عن أبي الدرداء أنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن شئت أو ضيع» . ~~ومنها ما «روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أي: العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها قلت: ثم ~~أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» . وسئل ابن ~~عيينة عن الصدقة عن الميت فقال: ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع لهم من ~~الاستغفار ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الوالدين. ولقد كرر الله ~~سبحانه وتعالى في كتابه العزيز الوصية بالوالدين. ومنها ما روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما» . ومنها ~~ما روي عن سعيد بن المسيب أن البار بوالديه لا يموت ميتة سوء. ومنها ما ~~«روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبوي بلغا من الكبر أنى ~~ألى منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما قال: لا فإنهما # كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما» . ~~ومنها ما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رغم أنف ~~رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل أتى عليه شهر رمضان فلم يغفر له، ~~ورغم أنف رجل أدرك أبويه الكبر فلم يدخلاه الجنة» . ومنها ما روي «أن رجلا ~~شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأنه يأخذ ماله فدعاه فإذا هو ~~شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفا وأنا قوي وفقيرا ms1588 وأنا غني ~~فكنت لا أمنعه شيئا من مالي واليوم أنا ضعيف وهو قوي وأنا فقير وهو غني ~~ويبخل علي بماله فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما من حجر ولا ~~مدر يسمع بهذا إلا بكى ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك» . وشكا إليه آخر سوء ~~خلق أمه فقال: «لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر قال: إنها سيئة ~~الخلق قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين قال: إنها سيئة الخلق. قال: لم ~~تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها واظمأت لك نهارها قال: لقد جازيتها. قال: ما ~~فعلت؟ قال: حججت بها على عنقي. قال: ما جزيتها» . وعن ابن عمر أنه رأى رجلا ~~في الطواف يحمل أمه ويقول: # *أنا لها مطية لا تذعر # ... إذا الركائب نفرت لا تنفر # *ما حملت وأرضعتني أكثر # ... الله ربي ذو الجلال الأكبر # تظنني جزيتها يا ابن عمر قال: لا، والله ولا زفرة واحدة. ولما كان ما ذكر ~~في حق الوالدين عسرا جدا يحذر من التهاون به أشار بقوله تعالى: # {ربكم} أي: المحسن إليكم في الحقيقة فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم ~~وهو الذي أعانهم على ذلك {أعلم} أي: من كل أحد {بما في نفوسكم} # PageV02P298 # من قصد البر بهما وغيره، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن فإن ذلك لا ينفعه ~~ولا ينجيه إلا أن يحمل نفسه على ما يكون سببا لرحمتهما {إن تكونوا صالحين} ~~أي: متقين محسنين في نفس الأمر والصلاح استقامة الفعل على ما يدعو الدليل ~~إليه. وأشار تعالى إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بعد ~~كرة بقوله تعالى: {فإنه كان للأوابين} أي: الرجاعين إلى الخير مرة إثر مرة ~~بعد جماح أنفسهم عنه {غفورا} أي: بالغ الستر بمن وقع منه تقصير فرجع عنه ~~فإنه مغفور له. ولما حث تعالى على الإحسان للوالدين بالخصوص عم بالأمر ~~بالإحسان لكل ذي قرابة ورحم وغيره بقوله تعالى: # {وآت ذا القربى} من جهة الأب والأم وإن بعد {حقه} والخطاب لكل أحد أن ~~يؤتي أقاربه ms1589 حقوقهم من صلة الرحم والمودة والزيارة وحسن المعاشرة والمعاضدة ~~ونحو ذلك. وقيل إن كانوا محتاجين ومحاويج وهو موسر لزمه الإنفاق عليهم عند ~~الإمام أبي حنيفة وقال الشافعي: لا يلزم إلا نفقة الوالد على ولده والولد ~~على والده فقط، وقيل المراد بالقرابة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{و} آت {المسكين} حقه وإن لم يكن قريبا {و} آت {ابن السبيل} وهو المسافر ~~المنقطع عن ماله ليكون متقيا محسنا. # ولما رغب تعالى في البذل وكانت النفس قلما يكون فعلها قواما بين الإفراط ~~والتفريط أتبع ذلك بقوله تعالى: {ولا تبذر} بتفريق المال سرفا وهو بذله ~~فيما لا ينبغي وقد كانت الجاهلية تبذر أموالها في الفخر والسمعة وتذكر ذلك ~~في أشعارها فأمر الله تعالى بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف إليه وفي ~~قوله تعالى: {تبذيرا} تنبيه على أن الارتفاع نحو ساحة التبذير أولى من ~~الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير والتبذير بسط اليد في المال على حسب الهوى. ~~وقد سئل ابن مسعود عن التبذير فقال: إنفاق المال في غير حقه، وأما الجود ~~فهو اتباع أمر الله تعالى في حقوق المال. وعن مجاهد لو أنفق الإنسان ماله ~~كله في الحق ما كان تبذيرا ولو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا وقد أنفق بعضهم ~~نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير. ~~وعن عبد الله بن عمر قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ ~~فقال: «ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أوفي الوضوء سرف؟ قال: نعم وإن كنت على ~~نهر جار» . ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إياه إلى أفعال الشياطين ~~بقوله تعالى: # {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي: على طريقتهم أو هم إخوانهم ~~وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف أو هم قرناؤهم وهم ~~في النار على سبيل التوعد، ثم إنه تعالى بين صفة الشيطان بقوله تعالى: ~~{وكان الشيطان} أي: هذا الجنس البعيد من كل خير المحترق بكل شر {لربه} ms1590 أي: ~~الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته {كفورا} أي: ستورا لما يقدر على ستره من ~~آياته الظاهرة ونعمته الباهرة مع الحجة فلا ينبغي أن يطاع لأنه لا يدعو إلا ~~إلى مثل فعله. # قال بعض العلماء: خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب وذلك لأنهم كانوا ~~يجمعون الأموال بالنهب والغارة ثم كانوا ينفقونها في الخيلاء والتفاخر وكان ~~المشركون من قريش وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدوا الناس عن الإسلام وتوهين ~~أهله وإعانة أعدائه فنزلت هذه الآية تنبيها على قبح أفعالهم في هذا الباب # PageV02P299 # وقوله تعالى: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} نزل في مهجع ~~وبلال وصهيب وسالم وخباب وكانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك لانتظار رزق ~~من الله يرجوه أن يأتيه فيعطيه {فقل لهم} أي: في حالة الإعراض {قولا ~~ميسورا} أي: ذا يسر يشرح صدروهم ويبسط رجاءهم لأن ذلك أقرب إلى طريق ~~المتقين المحسنين. قال أبو حيان: روي أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد نزول ~~هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل يقول: «يرزقنا الله تعالى وإياكم ~~من فضله» انتهى. وقد وقع هذا الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له ~~فكان الفقد سببا للابتغاء والابتغاء مسببا عنه فوضع المسبب موضع السبب، ثم ~~أمر تعالى نبيه بما وصف له عباده المؤمنين في الإنفاق في سورة الفرقان ~~بقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} ~~(الفرقان، 67) # . فقال تعالى: {ولا تجعل يدك} أي: بالبخل {مغلولة} أي: كأنها بالمنع ~~مشدودة بالغل {إلى عنقك} أي: لا تستطيع مدها أي: لا تمسك عن الإنفاق بحيث ~~تضيق على نفسك وأهلك في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات، والمعنى لا تجعل يدك ~~في انقباضها كالمغلولة الممنوعة من الانبساط {ولا تبسطها} بالبذل {كل ~~البسط} فتبذر بحيث لا يبقى في يدك شيء. ذكر الحكماء في كتب الأخلاق أن لكل ~~خلق طرفي إفراط وتفريط وهما مذمومان والخلق الفاضل هو العدل والوسط، فالبخل ~~إفراط ms1591 في الإمساك والتبذير إفراط في الإنفاق وهما مذمومان والمعتدل هو ~~الوسط. وعن جابر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبي فقال: يا رسول الله ~~إن أمي تستكسيك درعا أي: قميصا ولم يكن لرسول. الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~قميصه فقال للصبي: «من ساعة إلى ساعة» . هذا متعلق بمحذوف، أي: أخر سؤالك ~~من ساعة ليس لنا فيها درع إلى ساعة يظهر لنا فيها درع فعد إلينا فذهب إلى ~~أمه فقالت له: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونزع قميصه فأعطاه وقعد عريانا أي: في إزار ونحوه فأذن بلال ~~بالصلاة فانتظره فلم يخرج فشغل قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم فرآه عريانا. ~~فأنزل الله تعالى {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} » . ~~فتعطي جميع ما عندك. # تنبيه: ما ذكرته عن جابر تبعا «للكشاف» والبيضاوي والرازي وغيرهم قال ~~الولي العراقي: لم أقف عليه وكذا قال الحافظ ابن حجر وقد يقال من حفظ حجة ~~على من لم يحفظ. # {فتقعد} أي: توجد كالمقعد {ملوما} أي: بليغ الرسوخ فيما يلام بسببه عند ~~الله لأن ذلك مما نهى الله عنه عند نفسك وعند الناس لأنه يلوم نفسه وأصحابه ~~أيضا يلومونه على تضييع المال بالكلية. {محسورا} أي: منقطعا بك لذهاب ما ~~تقوى به. قال القفال: شبه حال من أنفق كل ماله بمن انقطع في سفره بسبب ~~انقطاع مطيته لأن ذلك المقدار من المال كأنه مطية تحمل الإنسان إلى آخر ~~الشهر والسنة، كما أن ذلك البعير يحمله ويبلغه إلى آخر المنزل فإذا انقطع ~~ذلك البعير بقي في وسط الطريق عاجزا متحيرا فكذلك الإنسان إذا أنفق مقدار ~~ما يحتاج إليه في مدة شهر في أقل منه بقي في وسط ذلك الشهر عاجزا متحيرا ~~ومن فعل ذلك لحقه اللوم من أهله والمحتاجين إلى إنفاقه عليهم بسبب # PageV02P300 # سوء تدبيره وترك الحرم في مهمات معاشه ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم # {إن ربك} أي: المحسن إليك {يبسط ms1592 الرزق} أي: بوسعه {لمن يشاء} البسط دون ~~غيره {ويقدر} أي: يضيقه سواء قبض يده أم بسطها لأن الرب هو الذي يربي ~~المربوب ويقوم بإصلاح مهماته ورفع درجاته على مقدار الصلاح في الصواب فيوسع ~~الرزق على البعض ويضيقه على البعض، لأن ذلك هو الصلاح قال تعالى: {ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء} (الشورى، 27) # . {إنه كان بعباده خبيرا} أي: بالغ الخبر {بصيرا} أي: بالغ البصر بما ~~يكون من كل من القبض والبسط لهم مصلحة ومفسدة فالتفاوت في أنه ربى العباد ~~ليس لأجل بخل بل لأجل رعاية مصلحة لا يعلم بها العبد فسبحان المتصرف في ~~عباده كيف يشاء. ولما أتم سبحانه وتعالى الوصية بالأصول وما يتبع ذلك أوصى ~~بالفروع بقوله تعالى: # {ولا تقتلوا أولادكم} فذكرهم بلفظ الولد الذي هو داعية إلى الحنو والعطف ~~{خشية إملاق} أي: فقر متوقع لم يقع بعد ثم وصل بذلك استئنافا بقوله تعالى: ~~{نحن نرزقهم وإياكم} مقدما ضمير الأولاد لكون الإملاق مترقبا من الإنفاق ~~عليهم ثم علل تعالى ذلك بما هو أعم منه فقال تعالى: {إن قتلهم} أي: مطلقا ~~لهذا أو لغيره {كان خطأ} أي: إثما {كبيرا} أي: عظيما وقرأ ابن كثير بفتح ~~الطاء ومد بعدها مدا متصلا، وقرأ ابن ذكوان بفتح الخاء والطاء ولا مد بعد ~~الطاء والباقون بكسر الخاء وسكون الطاء. قال الرماني: الخطء بكسر ثم سكون ~~لا يكون إلا تعمدا إلى خلاف الصواب والخطأ أي: محركا قد يكون من غير تعمد. # وإنما وجب بر الأولاد لأمور: أحدها أنهم في غاية الضعف ولا كافل لهم غير ~~الوالدين وإنما وجب بر الوالدين مكافأة لما صدر منهما من أنواع البر إلى ~~الولد. الثاني أن امتناع الآباء من البر بالأولاد يقتضي خراب العالم. # الثالث: أن قرابة الولادة قرابة الجزئية والبعضية وهي من أعظم الموجبات ~~للمحبة فلو لم تحصل المحبة دل ذلك على غلظ شديد في الروح وقسوة في القلب، ~~وذلك من أعظم الأخلاق الذميمة فرغب الله تعالى في الإحسان إلى الأولاد ~~إزالة لهذه ms1593 الخصلة الذميمة وعبر تعالى بالأولاد ليشمل الإناث، فإن العرب ~~كانوا يقتلون البنات لعجز البنات عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم ~~على النهب والغارة عليهم وأيضا كانوا يخافون أنهن بعد كبرهن تفقد أكفاؤهن ~~فيحتاجون إلى إنكاحهن من غير أكفاء وفي ذلك عار شديد فنهاهم الله تعالى عن ~~ذلك فإن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولدا وهذا المعنى وصف مشترك بين ~~الذكور والإناث وأما ما يخاف من الفقر في البنات فقد يخاف مثله في الذكور ~~في حال الصغر وقد يخاف أيضا في العاجزين من البنين، وكما أنه سبحانه وتعالى ~~يفتح أبواب الرزق على الذكور فكذلك على الإناث. ولما كان في قتل الأولاد حظ ~~من البخل وفي فعل الزنا داع من الإسراف أتبعه به فقال تعالى: # {ولا تقربوا الزنا} أدنى قرب ولو بفعل شيء من مقدماته وإنما أتى تعالى ~~بالقربان تعظيما له لما فيه من المفاسد الجارة إلى الفتن بالقتل وتضييع ~~النسب والتسبب في إيجاد نفس بالباطل وغير ذلك ثم علل تعالى النهي عن ذلك ~~بقوله تعالى مؤكدا إبلاغا في التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية إليه. ~~{إنه كان فاحشة} أي: فعله ظاهرة القبح زائدته وقد نهاكم الله تعالى عن # PageV02P301 # الفحشاء في قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء} (النحل، 90) # الآية. {وساء} أي: وبئس الزنا {سبيلا} أي: طريقا طريقه ثم نهى سبحانه ~~وتعالى عن القتل مطلقا عن التقييد بالأولاد بغير حق بقوله تعالى: # {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} أي: بالإسلام والعهد {إلا بالحق} وهو ~~المبيح للقتل، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم إمرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث؛ رجل كفر بالله بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير ~~حق» . ومثل انتقال المسلم من دين الإسلام إلى دين الكفر انتقال كافر من دين ~~إلى دين آخر سواء كان ذلك الدين يقر عليه أم لا، ومن ذلك قوله تعالى: ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} (التوبة، 29) # وقوله تعالى: ms1594 {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} (المائدة، 33) # . واختلف الفقهاء في أشياء غير ذلك منها أن تارك الصلاة كسلا هل يقتل ~~فعند الشافعي يقتل بشروط معلومة، وعند أبي حنيفة لا يقتل التارك كالزاني. ~~ومنها أن عمل اللواط هل يوجب القتل فعند الشافعي يوجب قتل الفاعل كالزاني، ~~وعند أبي حنيفة لا يوجبه. ومنها أن الساحر إذا قال قتلت فلانا بسحري عمدا ~~هل يوجب القتل فعند الشافعي يوجبه وعند أبي حنيفة لا يوجبه. ومنها أن القتل ~~بالمثقل هل يوجب القصاص فعند الشافعي يوجب وعند أبي حنيفة لا يوجب. ومنها ~~الامتناع من أداء الزكاة هل يوجب القتل اختلفوا فيه في زمان أبي بكر رضي ~~الله عنه. # ومنها أن إتيان البهيمة هل يوجب القتل فعند أكثر الفقهاء لا يوجب وعند ~~قوم يوجبه ولكل ممن ذكر أدلة يستدل بها رضي الله تعالى عنهم أجمعين. # ثم قال تعالى: {ومن قتل مظلوما} أي: بأي: ظلم كان من غير أن يرتكب ما ~~يبيح قتله {فقد جعلنا لوليه} أي: سواء كان قريبا أم بعيدا {سلطانا} أي: ~~أمرا متسلطا به. وقوله تعالى: {فلا يسرف في القتل} قرأ حمزة والكسائي ~~بالتاء على الخطاب أي: أيها الولي والباقون بالياء على الغيبة أي: الولي ~~وفسر الإسراف بوجوه الأول: أن يقتل القاتل وغير القاتل وذلك أن أولياء ~~المقتول كانوا إذا قتل واحد من قبيلة شريفة قتلوا خلقا من القبيلة الدنيئة ~~فنهى الله تعالى عنه وحكم بقتل القاتل وحده. الثاني: أن الإسراف هو أن لا ~~يرضى بقتل القاتل فإن الجاهلية كانوا يقصدون أشرف القبائل ثم يقتلون منهم ~~قوما معينين ويتركون القاتل. الثالث: أن الإسراف هو أن لا يكتفي بقتل ~~القاتل بل يقتله ثم يمثل به ويقطع أعضاءه، قال القفال: ولا يبعد حمله على ~~الكل لأن حمله على هذه المعاني مشترك في كونها إسرافا. واختلف في رجوع ~~الهاء إلى ماذا في قوله تعالى: {إنه كان منصورا} فقال مجاهد: راجعة إلى ~~المقتول في قوله تعالى: {ومن قتل مظلوما} أي: أن ms1595 المقتول منصور في الدنيا ~~بإيجاب القود على قاتله، وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله. ~~وقال قتادة: راجعة لولي المقتول، أي: أنه منصور على القاتل باستيفاء القصاص ~~أو الدية فليكتف بهذا القدر ولا يطمع في الزيادة، وقيل راجعة إلى القاتل ~~الظالم أي: أن القاتل يكتفي منه باستيفاء القصاص ولا يطلب منه زيادة لأنه ~~منصور من عند الله تعالى في تحريم طلب الزيادة منه أو أنه إذا عوقب في ~~الدنيا بأزيد مما فعل نصر في الآخرة. وقيل راجعة إلى الدم وقيل إلى الحق. # ولما ذكر تعالى النهي عن إتلاف النفوس أتبعه بالنهي # PageV02P302 # عن إتلاف الأموال لأن أعز الأشياء بعد النفوس الأموال وأحق الناس بالنهي ~~عن إتلاف أموالهم هو اليتيم لأنه لصغره وضعفه وكمال عجزه يعظم ضرره بإتلاف ~~ماله، فلهذا السبب خصهم الله تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم بقوله تعالى: # {ولا تقربوا مال اليتيم} عبر بالقربان الذي هو قبل الأخذ تعظيما للمقام ~~فهو أبلغ من قوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا} (النساء، 6) # . وفي تفسير قوله تعالى: {إلا بالتي هي أحسن} وجهان الأول إلا بالتصرف ~~الذي ينميه ويكثره. الثاني: روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: إذا أحتاج أكل ~~بالمعروف وإذا أيسر قضاه، فإن لم يوسر فلا شيء عليه، والولي تبقى ولايته ~~على اليتيم. {حتى يبلغ أشده} وهو إيناس الرشد منه بعد بلوغه كما بين تعالى ~~ذلك في آية أخرى وهي قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ~~فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} (النساء، 6) # . ولما نهى سبحانه وتعالى عن ثلاثة أشياء وهي الزنا والقتل وأكل مال ~~اليتيم أتبعها بثلاثة أوامر الأول قوله تعالى: {وأوفوا بالعهد} أي: إذا ~~عاهدتم الله تعالى على فعل المأمورات وترك المنهيات أو الناس على فعل أو ~~قول جائز وفي تفسير قوله تعالى: {إن العهد كان مسؤولا} وجوه الأول: أن يراد ~~أن صاحب العهد كان مسؤولا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله ~~تعالى: {واسأل القرية} (يوسف، 82) # . ثانيها: {أن العهد كان مسؤولا} أي: مطلوبا يطلب من المعاهد ms1596 أن لا يضيعه ~~ويفي. ثالثها: أن يكون هذا تخييلا كأن يقال للعهد لم نكثت وهلا أوفى بك ~~تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة {بأي ذنب قتلت} (التكوير، 9) # . وكقوله تعالى لعيسى عليه السلام: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين} ~~(المائدة، 116) # والمخاطبة لعيسى عليه السلام والإنكار على غيره، الأمر الثاني: قوله ~~تعالى: # {وأوفوا الكيل إذا كلتم} أي: لغيركم فإن كلتم لأنفسكم فلا جناح عليكم إن ~~نقصتم عن حقكم ولم تفوا الكيل. الأمر الثالث: قوله تعالى: {وزنوا} أي: وزنا ~~متلبسا {بالقسطاس} أي: ميزان العدل الذي هو أقوم الموازين وزاد في تأكيد ~~معناه فقال: {المستقيم} دون شيء من الحيف. # تنبيه: القسطاس رومي عرب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لأن الأعجمي إذا ~~استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير ونحوها ~~صار عربيا وقرأ حفص والكسائي وحمزة بكسر القاف والباقون بضمها. {ذلك} أي: ~~الأمر العالي الرتبة الذي أخبرناكم به من الإيفاء بالتمام والكمال {خير} ~~لكم في الدارين الدنيا والآخرة من التطفيف بالكيل أو الوزن من حيث أن ~~الإنسان يتخلص بواسطته عن الذكر القبيح في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة ~~وإن تراءى لكم أن التطفيف خير {وأحسن تأويلا} أي: عاقبة في الدارين، أما في ~~الدنيا فلأنه اشتهر بالاحتراز عن التطفيف عول الناس عليه ومالت القلوب إليه ~~وحصل له الاستغناء في الزمان القليل وكم رأينا من الفقراء من اشتهروا عند ~~الناس بالأمانة والاحتراز عن الخيانة انقلبت القلوب عليهم وحصلت الأموال ~~الكثيرة لهم، وأما في الآخرة فالفوز بالثواب العظيم والخلاص من العقاب ~~الأليم والتأويل وهو تفعيل من الأول وهو الرجوع أو أفعل التفضيل هنا ~~لاستعمال النصفة بإرخاء العنان أي: على تقدير أن يكون في كل منهما خير فهذا ~~المعنى الذي ذكرناه أزيد خيرا والعاقل لا يرضى لنفسه بالدون. # ولما شرح # PageV02P303 # الله تعالى الأوامر الثلاثة عاد إلى ذكر النواهي فنهى عن ثلاثة أشياء ~~أولها قوله تعالى: # {ولا تقف} أي: لا تتبع أيها الإنسان {ما ليس لك به علم} من قول أو فعل ~~وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم ms1597 بما لا يكون معلوما وهو قضية كلية يندرج ~~تحتها أنواع كثيرة، واختلف المفسرون فيها فقال ابن عباس: لا تشهد إلا بما ~~رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك. وقال قتادة: لا تقل سمعت ولم تسمع ~~ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم. وقيل المراد النهي عن القذف، وقيل المراد ~~النهي عن الكذب. وقيل المراد نهي المشركين عن اعتقاداتهم وتقليد أسلافهم ~~لأن الله تعالى نسبهم في تلك العقائد إلى اتباع الهوى فقال تعالى: {إن هي ~~إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا ~~الظن وما تهوى الأنفس} (النجم، 23) # . وقيل القفو هو البهت وأصله من القفا كأنه يقال خلفه وهو في معنى ~~الغيبة. قال صلى الله عليه وسلم «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله تعالى ~~في ردغة الخبال» وراه الطبراني وغيره وردغة بسكون الدال وفتحها عصارة أهل ~~النار. وقال الكميت: # *ولا أرمي البريء بغير ذنب # ... ولا اقفو الحواصن إن قفينا # ببناء قفينا للمفعول والحواصن النساء العفائف واللفظ عام يتناول الكل فلا ~~معنى للتقييد. تنبيه: يقال قفوت أثر فلان أقفوا إذا اتبعت أثره، وسميت ~~قافية الشعر قافية لأن البيت يقفو البيت وسميت القبيلة المشهورة بالقافة ~~لأنهم يتبعون آثار أقفاء الناس أو آثار أقدامهم ويستدلون بها على أحوال ~~الناس. وقال تعالى: {ثم قفينا على آثارهم برسلنا} (الحديد، 27) # وسمي القفا قفا لأنه مؤخر بدن الإنسان فإن مشى يتبعه ويقفوه. فإن قيل: إن ~~هذه الآية تدل على منع القياس فإنه لا يفيد إلا الظن والظن مغاير للعلم؟ ~~أجيب: بأن ذلك عام دخله التخصيص فإن الحكم في الدين بمجرد الظن جائز بإجماع ~~الأمة وبأن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند سواء كان ~~قطعيا أم ظنيا واستعماله بهذا المعنى شائع ذائع وقد استعمل في مسائل كثيرة ~~منها أن العمل بالفتوى عمل بالظن، ومنها أن العمل بالشهادة عمل بالظن، ~~ومنها الاجتهاد في طلب القبلة ولا يفيد إلا الظن، ومنها قيم المتلفات وإرش ~~الجنايات لا سبيل إليهما إلا بالظن، ومنها الفصد والحجامة ms1598 وسائر المعالجات ~~تبنى على الظن، ومنها بعث الحكمين في الشقاق. قال تعالى: {وإن خفتم شقاق ~~بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} (النساء 35) # وحصول ذلك الشقاق مظنون لا معلوم، ومنها الحكم على الشخص المعين بكونه ~~مؤمنا مظنون وينبني على هذا الظن أحكام كثيرة مثل حصول التوارث ومثل الدفن ~~في مقابر المسلمين، ومنها الاعتماد على صدق الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها ~~مظنونة وبناء الأمر على تلك الظنون. وقال صلى الله عليه وسلم «نحن نحكم ~~بالظاهر والله يتولى السرائر» . وذلك تصريح بأن الظن معتبر فبطل قول من ~~يقول أنه لا يجوز بناء الأمر على الظن، ثم علل تعالى النهي مخوفا بقوله ~~تعالى: {إن السمع والبصر} وهما طريقا الإدراك {والفؤاد} الذي هو آلة ~~الإدراك، ثم عول تعالى الأمر بقوله تعالى: {كل أولئك} أي: هذه الأشياء ~~العظيمة العالية المنافع البديعة التكوين. تنبيه: أولاء وجميع أسماء # PageV02P304 # الإشارة يشار بها للعاقل وغيره كقول الشاعر: # *ذم المنازل بعد منزلة اللوى # ... والعيش بعد أولئك الأيام # يجوز في ذم فتح الميم وكسرها وضمها وقوله بعد منزلة اللوى أي: بعد ~~مفارقتها والإضافة في منزلة اللوى للبيان وهو ممدود ولكن قصره هنا للضرورة ~~والعيش عطف على المنازل والأيام صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان له {كان عنه} ~~أي: بوعد لا خلف فيه {مسؤولا} بسؤال يخصه. # تنبيه: ظاهر الآية يدل على أن الجوارح مسؤولة وفيه وجوه الأول: أن معناه ~~أن صاحب السمع والبصر والفؤاد هو المسؤول لأن السؤال لا يصح إلا ممن كان ~~عاقلا وهذه الجوارح ليست كذلك بل العاقل الفاهم هو الإنسان كقوله تعالى: ~~{واسأل القرية} (يوسف، 82) # أي: أهلها والمعنى أنه يقال للإنسان لم سمعت ما لم يحل سماعه ولم نظرت ما ~~لم يحل نظره ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه. # الثاني: أن تقدير الآية أن أولئك الأقوام كلهم مسؤولون عن السمع والبصر ~~والفؤاد فيقال لهم استعملتم السمع فيماذا أفي الطاعة أم في المعصية؟ وكذا ~~القول في بقية الأعضاء وذلك لأن الحواس آلات النفس والنفس كالأمير لها ~~والمستعمل ms1599 لها في مصالحها فإن استعملها في الخيرات استوجب الثواب، وإن ~~استعملها في المعاصي استحق العقاب. # الثالث: أن الله تعالى يخلق الحياة في الأعضاء ثم أنها تسأل لقوله تعالى: ~~{يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} (النور، 24) # فكذلك لا يبعد أن يخلق العقل والحياة والنطق في هذه الأعضاء ثم أنها تسأل ~~روى عن شكل بن حميد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله ~~علمني تعويذا أتعوذ به فأخذ بيدي ثم قال: «قل أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري ~~وشر لساني وشر قلبي وشر منيي» قال: فحفظتها، قال سعد: المني ماؤه. # النهي الثاني: قوله تعالى: # {ولا تمش في الأرض} أي: جنسها {مرحا} أي: ذا مرح وهو شدة الفرح والمراد ~~من الآية النهي عن أن يمشي الإنسان مشيا يدل على الكبرياء والعظمة. قال ~~الزجاج: ولا تمش في الأرض مختالا فخورا، ونظيره قوله تعالى في سورة ~~الفرقان: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} (الفرقان، 63) # وقال تعالى في سورة لقمان: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} (لقمان، 19) # وقال تعالى فيها: {ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور} ~~(لقمان، 18) # . ثم علل تعالى النهي عن ذلك بقوله تعالى: {إنك لن تخرق الأرض} أي: ~~تثقبها حتى تبلغ آخرها بكبرك {ولن تبلغ الجبال طولا} أي: بتطاولك وهو تهكم ~~بالمختال لأن الاختيال حماقة مجردة لا تفيد شيئا ليس في التذلل وفي ذلك ~~إشارة إلى أن العبد ضعيف لا يقدر على خرق أرض ولا وصول إلى جبال فهو محاط ~~به من فوقه ومن تحته بنوعين من الجمادات وهو أضعف منهما بكثير والضعيف ~~المحصور لا يليق به التكبر فكأنه قيل له تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من ~~خلق الله محصور بين حجارة وتراب فلا تفعل فعل المقتدر القوي وقيل ذكر ذلك ~~لأن من مشى خيلاء يمشي مرة على عقبيه ومرة على صدور قدميه فقيل له إنك لن ~~تثقب الأرض إن مشيت على عقبيك ولن تبلغ الجبال طولا إن ms1600 مشيت على صدور ~~قدميك. قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إذا مشى تكفأ تكفأ كأنما ينحط من صبب» . وروى # PageV02P305 # أبو هريرة رضي الله عنه قال: «ما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا وإنه غير مكترث» . ~~وقوله تعالى: {كل ذلك} إشارة إلى ما نهى عنه مما تقدم فإن الذي تقدم منهيات ~~ومأمورات وجملة ذلك من قوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلها آخر} (الإسراء، ~~22) # إلى هنا خمسة وعشرون وها أنا أسردها لك تسهيلا عليك. فأولها: {لا تجعل مع ~~الله إلها آخر} (الإسراء، 22) # . وثانيها وثالثها: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} لاشتماله على ~~تكليفين الأمر بعبادة الله تعالى والنهي عن عبادة غيره. ورابعها: ~~{وبالوالدين إحسانا} . خامسها: {فلا تقل لهما أف} . سادسها: {ولا تنهرهما} ~~. سابعها: {وقل لهما قولا كريما} ثامنها: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} ~~. تاسعها: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} . عاشرها: {وآت ذا القربى ~~حقه} . حادي عشرها: {والمسكين} . ثاني عشرها: {وابن السبيل} . ثالث عشرها: ~~{ولا تبذر تبذيرا} . رابع عشرها: {فقل لهم قولا ميسورا} . خامس عشرها: {ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} . سادس عشرها: {ولا تبسطها كل البسط} . سابع ~~عشرها: {ولا تقتلوا أولادكم} . ثامن عشرها: {ولا تقتلوا النفس} . تاسع ~~عشرها: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} . عشروها: {فلا يسرف في ~~القتل} حادي عشريها: {وأوفوا بالعهد} ثاني عشريها: {وأوفوا الكيل} . ثالث ~~عشريها: {وزنوا بالقسطاس المستقيم} . رابع عشريها: {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم} . خامس عشريها: {ولا تمش في الأرض مرحا} . فكل هذه تكليفات بعضها ~~أوامر وبعضها نواه فالمنهي عنه هو الذي الذي قال تعالى فيه: {كان سيئه عند ~~ربك مكروها} أي: يبغضه والعاقل لا يفعل ما يكرهه المحسن إليه. وقرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو بفتح الهمزة وبالتاء منونة منصوبة وقرأ ms1601 الباقون بضم ~~الهمزة والهاء مضمومة من غير تنوين. # والمعنى على هذا ظاهر، أي: إن سيئ تلك الأقسام يكون مكروها، وأما القراءة ~~الأولى فسيئة خبر كان وأنث حملا على معنى كل ثم قال مكروها حملا على لفظها. ~~وقال الزمخشري: إن السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والاسم زال عنه حكم ~~الصفات فلا اعتبار بتأنثيه ولا فرق بين سيئة وسيأ ألا ترى أنك تقول الزنا ~~سيئة كما تقول السرقة سيئة فلا فرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث، وفي نصب ~~مكروها أوجه أحدها: أنه خبر ثان لكان. الثاني: أنه بدل من سيئة وضعف بأن ~~البدل بالمشتق قليل. الثالث: أنه حال من الضمير المستتر في عند ربك لوقوعه ~~صفة لسيئه. الرابع: أنه نعت لسيئه وإنما ذكر وصف سيئه لأن تأنيثه وتأنيث ~~موصوفه مجازي، ورد بأن ذلك إنما يجوز حيث أسند إلى المؤنث المجازي، أما إذا ~~أسند إلى ضميره فلا نحو الشمس طالعة فلا يجوز طالع. # وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى الأحكام المتقدمة في الأوامر والنواهي {مما ~~أوحى إليك} يا أشرف الخلق {ربك} أي: المحسن إليك {من الحكمة} التي هي معرفة ~~الحق لذاته والخير للعمل به، وإنما سميت هذه الأمور حكمة لوجوه الأول: أن ~~حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد، وأنواع الطاعات والخيرات والإعراض عن ~~الدنيا والإقبال على الآخرة فالآتي بمثل هذه الشريعة لا يكون داعيا إلى دين ~~الشيطان، بل الفطرة الأصلية تشهد بأنه يكون داعيا إلى دين الرحمن. الثاني: ~~أن هذه الأحكام المذكورة في هذه # PageV02P306 # الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل ولا تقبل النسخ ~~والإبطال فكانت محكمة، وحكمة من هذا الاعتبار. الثالث: أن الحكمة عبارة عن ~~معرفة الحق لذاته والخير للعمل به، كما مرت الإشارة إليه، فالأمر بالتوحيد ~~عبارة عن القسم الأول وسائر التكاليف عبارة عن تعليم الخيرات حتى يواظب ~~عليها ولا ينحرف عنها فثبت أن الأشياء المذكورة من هذه الآيات عين الحكمة. ~~وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه ~~السلام وجعل سبحانه وتعالى فاتحتها ms1602 قوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلها آخر} ~~وخاتمتها قوله تعالى: {ولا تجعل مع الله إلها آخر} تنبيها على أن التوحيد ~~مبدأ الأمور ومنتهاه، وأن من قصد بفعل أو ترك غيره ضاع سعيه وأنه رأس ~~الحكمة وملاكها ورتب عليه ما هو عائدة الشرك في قوله تعالى أولا: {ولا تجعل ~~مع الله} ، أي: في الدنيا، وثانيا ما هو نتيجته في العقبى فقال: {فتلقى} ~~أي: فيفعل بك في الآخرة في الحشر {في جهنم} من الإسراع فيه وعدم القدرة على ~~التدارك فعل من ألقى من عال حال كونك. {ملوما} أي: تلوم نفسك {مدحورا} أي: ~~مبعدا من رحمة الله. تنبيه: ذكره سبحانه وتعالى في الآية الأولى بقوله ~~تعالى: {مذموما مخذولا} وفي هذه الآية {ملوما مدحورا} والفرق بين الذم ~~واللوم هو أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر فهذا # معنى كونه مذموما ثم يقال له فعلت هذا الفعل القبيح وما الذي حملك عليه ~~فهذا هو اللوم فأول الأمر يصير مذموما وآخره يصير ملوما، والفرق بين ~~المخذول والمدحور هو أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال تخاذلت أعضاؤه، أي: ~~ضعفت والمدحور هو المطرود والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة فكونه مخذولا ~~عبارة عن ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه وكونه مدحورا عبارة عن إهانته فيصير ~~أول الأمر مخذولا وآخره مدحورا. وقوله تعالى: # {فأصفاكم ربكم بالبنين} خطاب للذين قالوا الملائكة بنات الله والهمزة ~~للإنكار، أي: أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم ~~البنون، ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه {واتخذ من الملائكة إناثا} أي: بنات ~~لنفسه وهذا خلاف ما عليه معقولكم وعادتكم، فإن العبيد لا يستأثرون بأجود ~~الأشياء وأصفاها من الشوائب ويكون أردؤها وأدونها للسادات {إنكم لتقولون ~~قولا عظيما} بإضافة الأولاد إليه لأن إثبات الولد يقتضي كونه تعالى مركبا ~~من الأبعاض والأجزاء وذلك يقدح في كونه قديما واجب الوجود لذاته، وأيضا ~~فبتقدير ثبوت الولد فقد جعلوا أشرف القسمين لأنفسهم وأخس القسمين لله تعالى ~~وهذا جهل عظيم، وأيضا جعلوا الملائكة الذين هم من أشرف خلق الله الذين ms1603 منهم ~~من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها إناثا في غاية الرخاوة. # ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على إنسان ولم يرجعوا أشار إلى أن ~~لهم مثل هذا الإعراض عن أمثال هذا البيان فقال تعالى: # {ولقد صرفنا} أي: بينا بيانا عظيما بأنواع طرق البيان من العبر والحكم ~~والأمثال والأحكام والحجج والإعلام في قوالب الوعد والوعيد والأمر والنهي ~~والمحكم والمتشابه إلى غير ذلك {في هذا القرآن} أي: في مواضع منه من ~~الأمثال كما قال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل # PageV02P307 # مثل} (الروم، 58) # قيل لفظة في زائدة كما في قوله تعالى: {وأصلح لي في ذريتي} (الأحقاف، 15) # . ورد بأن في لا تزاد وما ذكر متأول كما يأتي إن شاء الله تعالى في ~~الأحقاف والتصريف لغة صرف الشيء من جهة إلى أخرى ثم صار كناية عن التبيين ~~قاله أبو حيان. وقوله تعالى: {ليذكروا} متعلق بصرفنا وقرأ حمزة والكسائي ~~بسكون الذال ورفع الكاف من غير تشديد من الذكر الذي هو بمعنى التذكر ~~والباقون بفتح الذال والكاف مع تشديدهما. {وما يزيدهم} أي: التصريف {إلا ~~نفورا} أي: تباعدا عن الحق وقلة طمأنينة إليه، وعن سفيان كان إذا قرأها ~~قال: زادني ذلك لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا. ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم # {قل} أي: لهؤلاء المشركين ولا تيأس من رجوع بعضهم. {لو كان معه آلهة كما ~~تقولون} من هذه الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق أدناكم وهو يريد بها ~~حقيقتها لصار ضحكة للعباد {إذا لابتغوا} أي: طلبوا طلبا عظيما {إلى ذي ~~العرش} أي: صاحب السرير الأعظم المحيط الذي من ناله كان منفردا بالتدبير ~~{سبيلا} أي: طريقا سالكا يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ملكه كما ترون ~~فعل ملوك الدنيا بعضهم مع بعض أو ليتخذوا عنده يدا يقربهم إليه، وقرأ ابن ~~كثير وحفص بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب وأدغم أبو عمرو ~~الشين من العرش في السين بخلاف عنه. # ثم نزه سبحانه وتعالى نفسه فقال ms1604 عز من قائل: # {سبحانه} أي: تنزه التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص {وتعالى} أي: علا أعلى ~~العلو بصفات الكمال {عما يقولون} أي: من هذه النقائص التي لا يرضاها لنفسه ~~أحد من عقلاء خلقه {علوا} أي: تعاليا {كبيرا} أي: متباعدا غاية البعد عما ~~يقولون فإنه تعالى في أعلى مراتب الوجود وهو كونه واجب الوجوب والبقاء ~~لذاته. # تنبيه: جعل العلو مصدر التعالي ومصدره تعاليا كما قدرته فهو المراد ~~ونظيره قوله تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتا} (نوح، 17) # . فإن قيل: ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير؟ أجيب: بأن المنافاة بين ~~ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد ~~منافاة بلغت في القوة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها لأن المنافاة ~~بين الواجب لذاته وبين الممكن لذاته وبين القديم والمحدث وبين الغني ~~والمحتاج منافاة لا تعقل الزيادة عليها فلهذا السبب وصف الله تعالى ذلك ~~العلو بالكبير. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على ~~الغيبة، ثم استأنف تعالى بيان عظمة هذا التنزيه مقرونا بالوصف بالكمال ~~فقال: # {تسبح} أي: توقع التنزيه الأعظم {له} أي: الإله الأعظم الذي تقدم وصفه ~~بالجلال والإكرام خاصة {السموات السبع والأرض} أي: السبع {ومن فيهن} أي: من ~~ذوي العقول {وإن} أي: وما وأغرق في النفي فقال: {من شيء} أي: ذي عقل أو ~~غيره {إلا يسبح بحمده} أي: يقول سبحان الله العظيم وبحمده، أو يقول سبحان ~~الله وبحمده. وقال ابن عباس: وإن من شيء حي إلا يسبح بحمده. وقال قتادة: ~~يعني الحيوانات والناميات. وقال عكرمة: الشجرة تسبح والإسطوانة تسبح وعن ~~المقداد بن عدي: التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح والورقة ~~تسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح والماء يسبح ما دام جاريا ~~فإذا ركد ترك التسبيح والثوب يسبح ما دام جديدا فإذا وسخ ترك التسبيح. وقال ~~السيوطي: # PageV02P308 # في جواب سؤال عن ذلك: # *قد خصصت آية الأسرى بمتصف # ... وصف الحياة كرطب الزرع والشجر # *فيابس مات لا تسبيح منه كذا # ... وما زال عن موضع ms1605 كالقطع للحجر # وقال إبراهيم النخعي: وإن من شيء جماد وحي إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ~~ونقيض السقف، وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله تعالى حيوانا كانت أو جمادا ~~وتسبيحها سبحان الله وبحمده يدل على ذلك ماروي عن ابن مسعود كنا نعد الآيات ~~بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل ~~الماء فقال صلى الله عليه وسلم «اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء ~~قليل فأدخل يده صلى الله عليه وسلم في الإناء ثم قال: حي على الطهور ~~المبارك والبركة من الله فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابعه صلى الله عليه ~~وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل» . وعن جابر بن سمرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بمكة حجرا كان يسلم علي ليالي بعثت إني ~~لأعرفه الآن» . وعن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع فلما ~~اتخذ له المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه وفي رواية فنزل ~~فاحتضنه وساره بشيء ففي هذه الأحاديث دليل على أن الجماد يتكلم وأنه يسبح. # وقال بعض أهل المعاني: تسبيح السموات والأرض والجمادات والحيوانات سوى ~~العقلاء بلسان الحال حيث تدل على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق ~~بذلك ويصير لها بمنزلة التسبيح. قال البغوي: والأول أصح وهو المنقول عن ~~السلف. وقال ابن الخازن: القول الأول أصح لما دلت عليه الأحاديث وأنه منقول ~~عن السلف. قال البغوي: واعلم أن لله تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه ~~غيره فينبغي أن يوكل علمه إليه {ولكن لا تفقهون} أي: لا تفهمون {تسبيحهم} ~~أي: لأنه ليس بلغتكم {إنه كان حليما غفورا} . ولما ذكر سبحانه وتعالى إثبات ~~الإلهية أتبعه بذكر تقرير النبوة بقوله تعالى: # {وإذا قرأت القرآن} أي: الذي لا يدانيه واعظ ولا يساويه مفهم وهو تبيان ~~لكل شيء {جعلنا} أي: بما لنا من العظمة {بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا} أي: يحجب قلوبهم عن فهم ما ms1606 تقرؤه عليهم والانتفاع به. قال ~~قتادة: هو الأكنة فالمستور بمعنى الساتر كقوله تعالى: {كان وعده مأتيا} ~~(مريم، 61) # مفعول بمعنى فاعل وقيل: مستورا عن أعين الناس فلا يرونه وفسره بعضهم ~~بالحجاب عن الأعين الظاهرة كما روي عن سعيد بن جبير أنه لما نزلت {تبت يدا ~~أبي لهب} (المسد، 1) # جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر والنبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي ~~الله عنه فلم تره فقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ لقد بلغني أنه هجاني. فقال: ~~والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله فرجعت وهي تقول: قد كنت جئت بهذا الحجر ~~لأرض به رأسه فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول الله؟ قال: «لا ما يزل ملك ~~بيني وبينها يسترني» . # {وجعلنا} أي: بما لنا من العظمة {على قلوبهم أكنة} أي: أغطية كراهية {أن ~~يفقهوه} أي: يفهموه أي: يفهموا القرآن حق فهمه {وفي آذانهم وقرا} أي: شيئا ~~ثقيلا يمنع سماعهم، وعن أسماء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ومعه ~~أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر تريد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وهي تقول: مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا. فقال أبو بكر: يا رسول ~~الله معها # PageV02P309 # فهر أخشاها عليك، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فجاءت وما ~~رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: إني رأيت قريشا قد علمت أني ابنة ~~سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب الكعبة ورب هذا البيت ما هجاك. ~~وروى ابن عباس أن أبا سفيان والنضر بن الحارث وأبا جهل وغيرهم كانوا ~~يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعون حديثه فقال النضر يوما: ما أرى ~~ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه يتحركان بشيء. وقال أبو سفيان: إني لا أرى ~~بعض ما يقوله إلا حقا. وقال أبو جهل: هو مجنون. وقال أبو لهب: هو كاهن. ~~وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر، فنزلت هذه الآية. وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن ms1607 قرأ قبلها ثلاث آيات وهي في سورة ~~الإسراء: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} (الإسراء، ~~46) # . وفي سورة النحل {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} (النحل، 108) # وفي حم الجاثية {أفرأيت من أتخذ إلهه هواه} (الجاثية، 23) # إلى آخر الآية، فكان الله تعالى يحجبه ببركة هذه الآيات عن عيون المشركين ~~{وإذا ذكرت ربك} أي: المحسن إليك وإليهم {في القرآن وحده} أي: مع الإعراض ~~عن آلهتهم كأن قلت وأنت تتلو القرآن لا إله إلا الله. # تنبيه: في نصب وحده وجهان أحدهما أنه منصوب على الحال وإن كان معرفة لفظا ~~في قوة النكرة إذ هو في معنى منفردا. والثاني: أنه منصوب على الظرف. {ولوا ~~على أدبارهم نفورا} أي: هربا من استماع التوحيد. تنبيه: في نفورا وجهان ~~أحدهما مصدر من غير اللفظ مؤكد لأن التولي والنفور بمعنى والثاني أنه حال ~~من فاعل ولوا وهو حينئذ جمع نافر كقاعد وقعود وشاهد وشهود والضمير في ولوا ~~يعود إلى الكفار وقيل يعود إلى الشيطان وإن لم يجر لهم ذكر. قال المفسرون: ~~إن القوم كانوا عند استماع القرآن على أقسام منهم من كان يلهو عند استماعه. ~~روي أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه ويساره ~~إخوان من ولد قصي يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار، ومنهم من كان إذا ~~سمع من القرآن ما فيه ذكر الله تعالى بقوا مبهوتين لا يفهمون منه شيئا ~~ومنهم من إذا سمع آيات فيها ذكر الله تعالى وذم المشركين ولوا نفورا وتركوا ~~ذلك المجلس. ولما كانوا ربما ادعوا السمع والفهم فشككوا بعض من لم يرسخ ~~إيمانه أتبعه تعالى بقوله تعالى: # {نحن أعلم} أي: من كل عالم {بما يستمعون} أي: يبالغون في الإصغاء والميل ~~لقصد السمع {به} من الآذان والقلوب أو بسببه ولأجله من الهزء بك وبالقرآن ~~{إذ يستمعون} أي: يصغون بجهدهم {إليك} أي: إلى قراءتك {وإذ} أي: حين {هم} ~~ذو {نجوى} أي: يتناجون بأن يرفع كل منهم بصره إلى صاحبه بعد إعراضهم عن ~~الاستماع ثم ذكر تعالى ظرف النجوى ms1608 بقوله تعالى: {إذ} وهو بدل من إذ قبله ~~{يقول الظالمون} وقولهم {إن} أي: ما {تتبعون إلا رجلا مسحورا} أي: مخدوعا ~~مغلوبا على عقله. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليا أن يتخذ ~~طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل ذلك ودخل عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال: # قولوا لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتدين لكم العجم» فأبوا عليه ذلك ~~وكانوا عند استماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والدعوى إلى الله ~~تعالى يقولون: {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} . # PageV02P310 # فإن قيل: أنهم لم يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يصح أن ~~يقولوا {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} أجيب: بأن معناه إن اتبعتموه فقد ~~اتبعتم رجلا مسحورا. وقرأ ابو عمرو وابن ذكوان وعاصم وحمزة بكسر التنوين في ~~الوصل والباقون بالضم ثم قال تعالى: # {انظر كيف ضربوا} أي: هؤلاء الضلال {لك الأمثال} التي هي أبعد شيء من ~~صفتك من قولهم كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون. {فضلوا} عن الحق في جميع ذلك ~~{فلا} أي: فتسبب عن ذلك أنهم لا {يستطيعون سبيلا} أي: وصولا إلى طريق الحق. ~~ولما جرت عادة القرآن بإثبات التوحيد والنبوة والمعاد وقدم الدلالة على ~~الأولين وختم بإثبات جهلهم في النبوة مع ظهورها أتبع ذلك أمرا جليا في ~~ضلالهم عن السبيل في أمر المعاد وقرره غاية التقرير، وحره أتم تحرير. قال ~~تعالى معجبا منهم: # {وقالوا} أي: المشركون المنكرون للتوحيد والنبوة والبعث مع اعترافهم بأنا ~~ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت إنا نحيي الأرض بعد موتها وقولهم: ~~{أئذا} استفهام إنكاري كأنهم على ثقة من عدم ما ينكرونه والعامل في إذا فعل ~~من لفظ مبعوثون لا هو فإن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها فالمعنى أنبعث إذا ~~{كنا} أي: بجملة أجسامنا كونا لازما {عظاما ورفاتا} أي: حطاما مكسرا مفتتا ~~أو غبارا. وقال الفراء: هو التراب وهو قول مجاهد ويؤيده أنه قد يكرر في ~~القرآن ترابا وعظاما. ms1609 ويقال للتبن الرفات لأنه دقاق الزرع. {أئنا لمبعوثون} ~~حال كوننا مخلوقين {خلقا جديدا} . # تنبيه: تقرير شبهة هؤلاء الضلال هي أن الإنسان جفت أعضاؤه وتناثرت وتفرقت ~~في جوانب العالم واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء العالم فالأجزاء المائية ~~مختلطة بمياه العالم والأجزاء الترابية مختلطة بالتراب، والأجزاء الهوائية ~~مختلطة بالهواء فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرة أخرى وكيف يعقل عود الحياة ~~إليها بأعيانها مرة أخرى هذا تقرير شبهتهم؟ أجيب: عنها بأنها لا تتم إلا ~~بالقدح في كمال علم الله تعالى وفي كمال قدرته فإنه تعالى قادر على كل ~~الممكنات فهو قادر على إعادة التأليف والتركيب والحياة والعقل إلى تلك ~~الأجزاء بأعيانها فمن سلم كمال علم الله تعالى وكمال قدرته زالت عنه هذه ~~الشبهة بالكلية. ولما كان كأنه قيل فماذا يقال لهم في الجواب؟ فقال: # {قل} لهم يا أشرف الخلق لا تكونوا رفاتا بل {كونوا} أصلب من التراب ~~{حجارة} أي: هي في غاية اليبس {أو حديدا} أي: زائدا على يبس الحجارة لشدة ~~اتصال الأجزاء. تنبيه: ليس المراد به أمر إلزام بل المراد لو كنتم كذلك لما ~~أعجزتم الله تعالى عن الإعادة وذلك كقول القائل أتطمع في وأنا فلان فيقول ~~كن من شئت كن ابن الخليفة فسأطلب منك حقي. # {أو خلقا} غير ذلك {مما يكبر} أي: يعظم عظمة كبيرة {في صدوركم} أي: مما ~~يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها فإن الله تعالى قادر على ~~إعادة الحياة إليها. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأكثر المفسرين: أنه ~~الموت فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت، أي: لو كنتم الموت بعينه ~~لأميتنكم ولأبعثنكم، وقيل السموات والأرض والجبال لأنها من أعظم المخلوقات ~~{فسيقولون} تماديا في الاستهزاء {من يعيدنا} إذا كنا كذلك {قل الذي فطركم} ~~أي: ابتدأ خلقكم {أول مرة} ولم تكونوا شيئا يعيدكم بالقدرة التي ابتدأكم ~~بها فكما لم تعجز تلك # PageV02P311 # عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة {فسينغضون} أي: يحركون {إليك رؤوسهم} ~~تعجبا واستهزاء كأنهم في شدة جهلهم على غاية البصيرة من العلم ms1610 بما يقولون ~~والنغض والإنغاض تحريك بارتفاع وانخفاض {ويقولون} استهزاء {متى هو} أي: ~~البعث والقيامة. قال الرازي: واعلم أن هذا السؤال فاسد لأنهم حكموا بامتناع ~~الحشر والنشر بناء على الشبهة التي تقدمت ثم إن الله تعالى بين بالبرهان ~~الباهر كونه ممكنا في نفسه فقولهم متى هو كلام لا تعلق له بالمبحث فإنه لما ~~ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بإمكانه فأما ~~أنه متى يوجد فذلك لا يمكن إثباته من طريق العقل بل إنما يمكن إثباته ~~بالدليل السمعي فإن أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف وإلا فلا سبيل ~~إلى معرفته لأنه تعالى بين في القرآن انه لا يطلع احدا من الخلق على وقته ~~المعين فقال تعالى: {إن الله عنده علم الساعة} (لقمان، 34) # وقال: {إنما علمها عند ربي} (الأعراف، 187) # . وقال تعالى: {إن الساعة آتية اكاد أخفيها} (طه، 15) # فلا جرم. قال تعالى: {قل عسى أن يكون قريبا} قال المفسرون: عسى من الله ~~واجب ومعناه أنه قريب إذ كل آت قريب وأمال متى وعسى حمزة والكسائي إمالة ~~محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح وقوله تعالى: # {يوم يدعوكم} بدل من قريبا والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم، أي: ~~بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة كما قال تعالى: {يوم ينادي المنادي ~~من مكان قريب} (ق، 41) # . روي أن إسرافيل ينادي أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء ~~المتفرقة عودي كما كنت. {فتستجيبون} أي: تجيبون والاستجابة موافقة الداعي ~~فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي آكد من ~~الإجابة واختلف في معنى قوله تعالى: {بحمده} فقال ابن عباس: بأمره. وقال ~~سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون سبحانك ~~اللهم وبحمدك فيحمدونه حين لا ينفعهم الحمد. وقال قتادة: بمعرفته وطاعته. ~~وقال أهل المعاني: تستجيبون بحمده، أي: تستجيبون حامدين كما تقول جاء ~~بغضبه، أي: جاء غضبان وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه. وقال الزمخشري: ~~بحمده حال منهم، أي: حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن ms1611 تأمره ~~بركوب ما يشق عليه فيأبى ويمتنع ستركبه وأنت حامد شاكر يعني أنك تحمل عليه ~~وتقسر عليه قسرا حتى إنك تلين لين المستميح الراغب فيه الحامد عليه {وتظنون ~~أن} أي: ما {لبثتم إلا قليلا} أي: مع استجابتكم وطول لبثكم وشدة ما ترون من ~~الهول فعندها تستقصرون مدة لبثكم في الدنيا وتحسبونها يوما أو بعض يوم. وعن ~~قتادة تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة وقال الحسن: معناه تقريب ~~وقت البعث فكأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل فهذا يرجع إلى استقلال ~~مدة اللبث في الدنيا وقيل المراد استقلال مدة لبثهم في برزخ القيامة لأنه ~~لما كان عاقبة أمرهم الدخول في النار استقصروا لبثهم في برزخ القيامة. وقرأ ~~نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء المثناة والباقون ~~بالإدغام. ولما ذكر تعالى الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو قوله تعالى: ~~{قل الذي فطركم أول مرة} قال تعالى: # {وقل} يا محمد {لعبادي} أي: المؤمنين لأن لفظ العباد في أكثر # PageV02P312 # آيات القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى: {فبشر عبادي الذين يستمعون القول} ~~(الزمر: 17، 18) # . وقال تعالى: {فادخلي في عبادي} (لبفجر، 29) # . وقال تعالى: {عينا يشرب بها عباد الله} (الإنسان، 6) # . {يقولوا} للكفار الذين كانوا يؤذونهم الكلمة {التي هي أحسن} ولا ~~يكافؤهم على سفههم بل يقولون يهديكم الله وكان هذا قبل الأذن بالقتال وقيل ~~نزلت في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره الله تعالى بالعفو وقيل ~~أمرالمؤمنين بأن يقولوا ويفعلوا الخلة التي هي أحسن وقيل الأحسن قول لا إلى ~~إلا الله، ثم علل بقوله تعالى: {إن الشيطان} أي: البعيد عن الرحمة المحترق ~~باللعنة {ينزغ بينهم} أي: يفسد ويغري بعضهم على بعض ويوسوس لهم لتقع بينهم ~~المشارة والمشاقة وأصل النزغ الطعن وهم غير معصومين فيوشك أن يأتوا بما لا ~~يناسب الحال. ثم علل تعالى هذه العلة بقوله تعالى: {إن الشيطان كان} أي: في ~~قديم الزمان وأصل الطبع كونا هو مجبول عليه {للإنسان عدوا} أي: بليغ ~~العداوة {مبينا} أي: بين العداوة، ثم فسر تعالى التي هي أحسن مما ms1612 علمهم ~~ربهم من النصفة بقوله تعالى: # {ربكم أعلم بكم} فعلم أن قوله تعالى: {إن الشيطان} إلى آخره جملة ~~اعتراضية بين المفسر والمفسر وسكن أبو عمرو الميم وأخفاها عند الباء بخلاف ~~عنه وكذا أعلم بمن ثم استأنف تعالى: {إن يشأ} أي: رحمتكم {يرحمكم} أي: ~~بهدايتكم {أو إن يشأ} تعذيبكم {يعذبكم} أي: بإضلالكم فلا تحتقروا أيها ~~المؤمنون المشركين فتقطعوا بأنهم من أهل النار فتعيروهم بذلك، فإنه يجر إلى ~~غيظ القلوب فلا فائدة لأن الخاتمة مجهولة ولا تتجاوزوا فيهم ما أمركم الله ~~به من قول وفعل. ثم رقى الله الخطاب إلى أعلى الخلق، ورأس أهل الشرع ليكون ~~من دونه أولى بالمعنى منه فقال تعالى: {وما أرسلناك} أي: مع ما لنا من ~~العظمة الغنية عن كل شيء {عليهم وكيلا} أي: حفيظا وكفيلا تقسرهم على ما ~~يرضي الله، وإنما أرسلناك على حسب ما نأمرك به بشيرا ونذيرا فدارهم ومر ~~أصحابك بمداراتهم، وقد مر أن هذا قبل الإذن بالقتال. ولما أمرهم بأن ينسبوا ~~الأعلمية بهم إليه تعالى أخبر بما هو أعم من ذلك قاصرا الخطاب على أعلم ~~خلقه بقوله تعالى: # {وربك} أي: المحسن إليك بأن جعلك أكمل الخلق {أعلم بمن في السموات ~~والأرض} فعلمه غير مقصور عليكم بل متعلق بجميع الموجودات والمعدومات، ~~ومتعلق بجميع ذات الأرضين والسموات، فيعلم تعالى حال كل أحد، ويعلم ما يليق ~~به من المفاسد والمصالح، ويعلم اختلاف صورهم وأديانهم وأخلاقهم وأحوالهم ~~وجميع ما هم عليه سبحانه وتعالى، لا تخفى عليه خافية، فيفضل بعض الناس على ~~بعض على حسب إحاطة علمه وشمول قدرته، وبعض النبيين على بعض كما قال تعالى: ~~{ولقد فضلنا} بما لنا من العظمة {بعض النبيين} سواء كانوا رسلا أم لا {على ~~بعض} بعد أن جعلنا لكل فضلا لتقوى كل منهم وإحسانه، فخصصنا كلا منهم بفضيلة ~~كموسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمد صلى الله عليه وسلم بالإسراء، فلا ~~ينكر أحد من العرب، أو بني إسرائيل أو غيرهم، تفضيلنا لهذا النبي الكريم، ~~الذي صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق، فإذا نفعل ما نشاء ms1613 بما لنا من ~~القدرة التامة والعلم الشامل. وقرأ نافع بالهمزة والباقون بالياء، وورش على ~~أصله يمد على الهمزة ويوسط ويقصر. {وآتينا} موسى التوراة # PageV02P313 # و {داود زبورا} وعيسى الإنجيل، فلم يبعد أيضا أن نؤتي محمدا صلى الله ~~عليه وسلم القرآن، ولم يبعد أن نفضله على جميع الخلق. فإن قيل: ما السبب في ~~تخصيص داود عليه السلام بالذكر هنا؟ أجيب: بأوجه الأول أنه تعالى ذكر أنه ~~فضل بعض النبيين على بعض، ثم قال: {وآتينا داود زبورا} يعني أن داود أوتي ~~ملكا عظيما، ثم إنه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك، وذكر ما آتاه من ~~الكتاب تنبيها على أن الفضل الذي ذكره قبل ذلك المراد منه التفضيل بالعلم ~~والدين لا بالمال. الثاني: أنه تعالى كتب في الزبور أن محمدا خاتم ~~الأنبياء، وأن أمة محمد خير الأمم قال تعالى: {ولقدكتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء، 105) # وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. # فإن قيل: هلا عرفه كقوله: {ولقد كتبنا في الزبور} ؟ أجيب: بأن التنكير ~~هنا يدل على تعظيم حاله؛ لأن الزبور عبارة عن المزبور، فكان معناه الكتاب، ~~وكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتابا، ويجوز أن يكون زبورا علما، فإذا ~~دخلت عليه أل كقوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور} كانت للمح الأصل كعباس، ~~والعباس وفضل والفضل الثالث أن كفار قريش ماكانوا أهل نظر وجدل بل كانوا ~~يرجعون إلى اليهود في إستخراج الشبهات واليهود كانوا يقولون أنه لا نبي بعد ~~موسى ولا كتاب بعد التوراة فنقض الله عليهم كلامهم بإنزال الزبور على داود. # وروى البخاري في التفسير عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه لتسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ» ، أي: ~~القرآن قال البقاعي: ومن أعظم المناسبات لتخصيص داود عليه السلام وزبوره ~~بالذكر هنا، ذكر البعث الذي هذا مقامه فيه صريحا، وكذا ذكر النار مع خلو ~~التوراة عن ذلك. أما البعث فلا ذكر له فيها أصلا، وأما ms1614 النار فلم يذكر شيء ~~مما يدل عليها إلا الجحيم في موضع واحد، وأما الزبور فذكر فيه النار ~~والهاوية والجحيم في غير موضع انتهى. وقرأ حمزة بضم الزاي والباقون بالفتح، ~~واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {قل ادعوا الذين زعمتم} أنهم آلهة {من دونه} أي: من سواه كالملائكة وعزير ~~والمسيح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي بضم ~~اللام من قل وكسرها عاصم وحمزة كل هذا في حال الوصل، وأما الابتداء فالجميع ~~ابتدؤوا بهمزة مضمومة {فلا يملكون كشف الضر} أي: البؤس الذي من شأنه أن ~~يمرض الجسم كله {عنكم} حتى لا يدعوا شيئا منه {ولا تحويلا} له إلى غيركم. ~~فقال ابن عباس: إنها نزلت في الذين عبدوا المسيح وعزيرا والملائكة والشمس ~~والقمر والنجوم، وقيل: إن قوما عبدوا نفرامن الجن فأسلم النفر من الجن وبقي ~~أولئك القوم متمسكين بعبادتهم فنزلت فيهم هذه الآية. وقيل إن المشركين ~~أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم ليدعوا لهم فنزل {قل} للمشركين {ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دونه} ~~(الأنعام، 94) # وليس المراد الأصنام لأنه تعالى قال في وصفهم: # {أولئك الذين يدعون} أي: يدعونهم الكفار ويتألهونهم {يبتغون} أي: يطلبون ~~طلبا عظيما {إلى ربهم} أي: المحسن إليهم {الوسيلة} أي: المنزلة والدرجة ~~والقربة لأعمالهم الصالحة، وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق ~~بالأصنام البتة. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي ~~بضم # PageV02P314 # الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم. تنبيه: أولئك مبتدأ وخبره ~~يبتغون ويكون الموصول نعتا أو بيانا أو بدلا، والمراد باسم الإشارة ~~الأنبياء أو الملائكة الذين عبدوا من دون الله والمراد بالواو والعباد لهم، ~~ويكون العائد على الذين محذوفا أو المعنى أولئك الأنبياء الذين يدعونهم ~~المشركون لكشف ضرهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة {أيهم أقرب} أي: يتسابقون ~~بالأعمال مسابقة من يطلب كل منهم أن يكون إليه أقرب ولديه أفضل {ويرجون ~~رحمته} رغبة فيما عنده {ويخافون عذابه} فهم كغيرهم موصوفون بالعجز والحاجة ~~فكيف يدعونهم آلهة، وقيل معناه ms1615 أن الكفار ينظرون أيهم أقرب إلى الله تعالى ~~فيتوسلون به. ثم علل خوفهم بأمر عام بقوله تعالى: {أن عذاب ربك} أي: المحسن ~~إليك برفع انتقام الاستئصال منه عن أمتك {كان} أي: كونا لازما {محذورا} ~~جديرا بأن يحذر لكل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل، فضلا عن غيرهم لما شوهد من ~~إهلاكه للقرون الماضية ولما قال تعالى: {إن عذاب ربك كان محذورا} بين بقوله ~~تعالى: # {وإن} أي: وما {من قرية إلا ونحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها ~~عذابا شديدا} إن كل قرية، أي: أهلها لابد وأن يرجع حالهم إلى أحد أمرين: ~~إما الإهلاك بالموت والإستئصال، وإما العذاب بالقتل وأنواع البلاء. وقال ~~مقاتل: أما الصالحة فبالموت وأما الطالحة فبالعذاب. وقال عبد الله بن ~~مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله تعالى في هلاكها. {كان ذلك} ~~أي: الأمر العظيم {في الكتاب} أي: اللوح المحفوظ {مسطورا} أي: مكتوبا. قال ~~عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق ~~الله القلم فقال اكتب فقال وما أكتب قال: القدر ما كان وما هو كائن إلى أبد ~~الأبد» أخرجه الترمذي. ولما كان كفار قريش قد تكرر اقتراحهم للآيات وكان ~~صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على إيمان كل أحد يحب أن الله تعالى يجيبهم ~~إلى مقترحهم طمعا في إيمانهم فأجاب الله تعالى بقوله: # {وما منعنا} أي: على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ولا يمنعها ~~مانع {أن نرسل بالآيات} أي: التي اقترحوها كما حكى الله تعالى عنهم ذلك في ~~قولهم {فأتنا بآية كما أرسل الأولون} (الأنبياء، 5) # وقال آخرون {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} (الإسراء، 90) # الآيات. وقال سعيد بن جبير: أنهم قالوا إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء ~~منهم من سخرت له الريح ومنهم من أحيا الموتى فأتنا بشيء من هذه المعجزات ~~فكان كأنه لا آيات عندهم سوى ذلك {إلا} علمنا في عالم الشهادة بما وقع من ~~{أن كذب بها} أي: المقترحات {الأولون} ms1616 وعلمنا في عالم الغيب أن هؤلاء مثل ~~الأولين أن الشقي منهم لا يؤمن بالمقترحات كما لم يؤمن بغيرها وأنه يقول ~~فيها ما قال في غيرها من أنها سحر ونحو ذلك، والسعيد لا يحتاج في إيمانه ~~إليها فكم أجبنا أمة إلى مقترحها فما زاد ذلك أهل الضلالة منهم إلا كفرا ~~فأخذناهم لأن سنتنا جرت أنا لا نمهل بعد الإجابة إلى المقترحات من كذب بها. ~~قال ابن عباس: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ~~ذهبا وأن ينحي الجبال عنهم ليزرعوا تلك الأراضي فطلب صلى الله عليه وسلم ~~ذلك من الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط إن لم ~~يؤمنوا أهلكتهم فقال صلى الله # PageV02P315 # عليه وسلم «لا أريد ذلك» فتفضل الله تعالى برحمته هذه الأمة وتشريفها على ~~الأمم السالفة بعدم استئصالها لما يخرج من أصلاب كفرتها من خلص عباده، ~~فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم فقال جل ذكره: {بل الساعة ~~موعدها والساعة أدهى وأمر} (القمر، 46) # . ثم ذكر تعالى من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما ~~أرسلت إليهم فأهلكوا ما ذكره تعالى بقوله تعالى: {آتينا ثمود الناقة} حالة ~~كونها {مبصرة} أي: مضيئة بينة جديرة بأن يستبصر بها كل من شاهدها فيستدل ~~بها على صدق قول ذلك النبي {فظلموا بها} أي: ظلموا أنفسهم بتكذيبها. وقال ~~ابن قتيبة: جحدوا بأنها من الله تعالى فأهلكناهم فكيف يتمناها هؤلاء على ~~سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى، وخص تعالى هذه الآية بالذكر لأن ~~آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم. ثم قال ~~تعالى: {وما نرسل بالآيات} أي: المقترحات وغيرها {إلا تخويفا} للمرسل إليهم ~~بها فإن خافوا نجوا وإلا هلكوا بعذاب الاستئصال من كذب بالآيات المقترحات ~~وبعذاب الآخرة من كذب بغيرها كالمعجزات وآيات القرآن فأمر من بعث إليهم ~~مؤخرا إلى يوم القيامة. # فإن قيل: المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعى ~~فكيف حصل المقصود من إظهارها ms1617 في التخويف؟ أجيب: بأنه لما كان هو الحامل ~~والغالب على التصديق فكأنه هو المقصود ولما طلب القوم من النبي صلى الله ~~عليه وسلم تلك الآيات المقترحات وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة ~~صار ذلك سببا لجراءة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له لو كنت رسولا ~~حقا من عند الله لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها كما أتى بها موسى ~~وغيره من الأنبياء، فعند هذا قوى الله تعالى قلبه وبين له أنه ينصره ويؤيده ~~فقال تعالى: # {و} اذكر يا أشرف الخلق {إذ قلنا لك إن ربك} أي: المتفضل بالإحسان إليك ~~بالرفق لأمتك {أحاط بالناس} علما وقدرة فهم في قبضته وقدرته لا يقدرون على ~~الخروج من مشيئته فلا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره، وهو ~~حافظك ومانعك منهم فلا تهتم باقتراحهم، وامض فيما أمرك به من تبليغ الرسالة ~~فهو ينصرك ويقويك على ذلك كما وعدك بقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} ~~(المائدة، 67) # وقيل: إن المراد بالناس أهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم. روي أنه لما ~~تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي ~~بكر رضي الله تعالى عنه كان يدعو ويقول: «اللهم إني أسألك عهدك ووعدك ثم ~~خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} (القمر، 45) # » وكان صلى الله عليه وسلم يقول حين ورد بدرا: «والله كأني أنظر إلى ~~مصارع القوم وهو يومئ إلى الأرض ويقول هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان» ~~فتسامعت قريش بما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم عطف تعالى على {وما ~~نرسل بالآيات} قوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} أي: التي ~~شاهدتها ليلة الإسراء {إلا فتنة} أي: امتحانا واختبارا {للناس} لأنه صلى ~~الله عليه وسلم لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان قد آمن ~~به وازداد المخلصون إيمانا فلهذا السبب كانت امتحانا. # وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس أنه قال: هي رؤيا عين أريها رسول ~~الله صلى الله عليه ms1618 وسلم ليلة أسري به وتقدم # PageV02P316 # أنه قول الأكثر فمنهم سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة ~~وابن جريج وما قاله بعضهم من أن الرؤيا تدل على أنها رؤيا منام ضعيف إذ لا ~~فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة يقال رأيته بعيني رؤية ورؤيا. فائدة: قال ~~بعض العلماء: كانت إسراآته صلى الله عليه وسلم أربعا وثلاثين مرة واحدة ~~بجسده والباقي بروحه رؤيا رآها قال ومما يدل على أن الإسراء ليلة فرض ~~الصلاة كانت بالجسم ما ورد في بعض طرق الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ~~استوحش لما زج به في النور ولم ير معه أحدا إذ الأرواح لا توصف بالوحشة ولا ~~بالاستيحاش قال: ومما يدلك على أن الإسراء كان بجسمه ما وقع له من العطش ~~فإن الأرواح المجردة لا تعطش، ولما كان صلى الله عليه وسلم قد وصل الجحيم ~~وأخبر صلى الله عليه وسلم أن شجرة الزقوم تنبت في أصل الجحيم وكان ذلك في ~~غاية الغرابة ضمها إلى الإسراء في ذلك بقوله تعالى: {والشجرة الملعونة في ~~القرآن} لأن فيها امتحانا أيضا بل قال بعض المفسرين هي على التقديم ~~والتأخير والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في ~~القرآن إلا فتنة للناس. واختلف في هذه الشجرة فالأكثرون قالوا: إنها شجرة ~~الزقوم المذكورة في قوله تعالى: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} (الدخان: 43، ~~44) # فكانت الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين الأول أن أبا جهل قال: زعم ~~صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجارة حيث قال: {وقودها الناس والحجارة} ~~(البقرة، 24) # ثم يقول في النار شجرة والنار تأكل الشجر فكيف يولد فيها الشجر. والثاني: ~~قال ابن الزبعري: ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه فأنزل الله ~~تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجرا {إنا جعلناها فتنة للظالمين} ~~(الصافات، 43) # الآيات {وما قدروا الله حق قدره} (الأنعام، 91) # من قال ذلك فإن الله تعالى قادر على أن يجعل الشجرة من جنس لا تأكله ~~النار فهذا وبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك يتخذ منه مناديل إذا ms1619 اتسخت ~~طرحت في النار فيذهب الوسخ وبقيت سالمة لا تعمل فيها النار، وترى النعامة ~~تبلع الجمر وتبلع الحديد الحمر بإحماء النار فلا يضرها ثم أقرب من ذلك أنه ~~تعالى جعل في الشجر نارا فما تحرقه قال تعالى: {الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا} (يس، 80) # . فإن قيل: ليس في القرآن لعن هذه الشجرة؟ أجيب: عن ذلك بوجوه الأول ~~المراد لعن الكفار الذين يأكلونها لأن الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن على ~~الحقيقة، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. الثاني: أن العرب تقول لكل ~~طعام ضار إنه ملعون. الثالث: أن اللعن في اللغة الإبعاد ولما كانت هذه ~~الشجرة مبعدة عن صفات الخير سميت ملعونة، وقيل إن الشجرة الملعونة في ~~القرآن هي اليهود لقوله تعالى: {لعن الذين كفروا} (المائدة، 78) # الآية. وقيل: هي الشيطان. وقيل أبو جهل. وعن ابن عباس هي الكشوث التي ~~تتلوى بالشجر تجعل في الشراب. # ولما ذكر سبحانه وتعالى أنه يرسل بالآيات تخويفا قال هنا أيضا: {ونخوفهم ~~فما يزيدهم} أي: الكافرين والتخويف بالقرآن. {إلا طغيانا كبيرا} أي: تجاوز ~~للحد هو في غاية العظم فبتقدير أن يظهر الله تعالى لهم المعجزات التي ~~اقترحوها لم يزدادوا بها إلا تماديا في الجهل والعناد فاقتضت الحكمة أن لا ~~يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات فإنهم قد خوفوا بعذاب الدنيا ~~وهو القتل يوم بدر، وخوفوا بعذاب الآخرة وشجرة الزقوم فما أثر فيهم فكيف ~~يخاف قوم هذه حالهم بإرسال # PageV02P317 # ما يقترحون من الآيات. ولما نازع القوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر والحسد، أما الكبر ~~فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ~~ما آتاه الله من النبوة فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا ~~إبليس على الخروج عن الإيمان والدخول في الكفر بقوله تعالى: # {وإذ} أي: واذكر إذ {قلنا} بما لنا من العظمة التي لا ينقض مرادها ~~{للملائكة} حين خلقنا أباك آدم وفضلناه {اسجدوا لآدم} أي: امتثالا لأمري ~~{فسجدوا إلا ms1620 إبليس} أي: أبى أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ولم ينفعه ~~ما يعلمه من قدرة الله وعظمته وذلك معنى قوله تعالى: {قال} أي: منكرا ~~متكبرا {أأسجد} أي: خضوعا {لمن خلقت} حال كون أصله {طينا} فكفر بنسبته لنا ~~إلى الجور متخيلا أنه أفضل من آدم عليه السلام من حيث أن الفروع ترجع إلى ~~الأصول وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين الذي هو أصل آدم وذهب عنه أن ~~الطين أنفع من النار وعلى تقدير التنزل فالجواهر كلها من جنس واحد والله ~~تعالى هو الذي أوجدها من العدم يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من ~~الأعراض. وقد ذكر الله تعالى هذه القصة في سبع سور وهي البقرة والأعراف ~~والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة ~~ولعل هذه القصة إنما كررت تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان في محنة ~~عظيمة من قومه وأهل زمانه فكأنه تعالى يقول ألا ترى أن أول الأنبياء هو آدم ~~عليه السلام ثم أنه كان في محنة شديدة من إبليس وأن الكبر والحسد كل منهما ~~بلية عظيمة ومحنة عظيمة للخلق وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى ~~وتسهيل الثانية وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفا ولم يدخل ورش وابن كثير ~~بينهما ألفا ولورش أيضا إبدال الثانية ألفا، وإذا وقف حمزة سهل الثانية ~~كقراءة ابن كثير وقرأ هشام بالتحقيق في الثانية والتسهيل وإدخال ألف ~~بينهما. وقرأ الباقون بتحقيقهما بلا إدخال. ولما أخبر تعالى بتكبره كان ~~كأنه قيل أن هذه الوقاحة عظيمة واجتراء على الجناب الأعلى فهل كان منه غير ~~ذلك قيل: # {قال أرأيتك} أي: أخبرني وقرأ نافع بتسهيل الهمزة بعد الراء ولورش وجه ~~ثان وهو أن يبدلها ألفا وأسقطها الكسائي والباقون بالتحقيق. {هذا الذي كرمت ~~علي} لم كرمته علي مع ضعفه وقوي فكأنه قيل لقد أتى بالغاية في إساءة الأدب ~~فما كان بعد هذا فقيل: قال مقسما لأجل استبعاد أن يجترئ أحد هذه الجراءة ~~على الملك الأعلى: {لئن ms1621 أخرتن} أي: أيها الملك الأعلى تأخيرا ممتدا. {إلى ~~يوم القيامة} حيا متمكنا وجواب القسم الموطأ له باللام. {لأحتنكن} أي: ~~بالإغواء {ذريته} أي: لاستولين عليهم استيلاء من جعل في حنك الدابة الأسفل ~~حبلا يقودها به فلا تأبى عليه. وقرأ نافع وأبو عمرو بزيادة ياء بعد النون ~~في أخرتني عند الوصل وحذفها في الوقف، وأثبتها ابن كثير وصلا ووقفا وحذفها ~~الباقون وقفا ووصلا اتباعا للرسم. # ولما علم أنه لا يقدر على الجميع قال: {إلا قليلا} وهم أولياؤك الذين ~~حفظتهم مني كما قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} (الحجر، 42) # . فإن قيل: كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ أجيب: بأوجه الأول: ~~أنه سمع الملائكة يقولون {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} # PageV02P318 # فعرف هذه الأحوال. الثاني: أنه وسوس إلى آدم ولم يجد له عزما فقال الظاهر ~~أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم. الثالث: أنه عرف أنه مركب من قوة ~~بهيمية شهوية وقوة وهمية شيطانية وقوة عقلية ملكية، وقوة سبعية غضبية، وعرف ~~أن بعض تلك القوى تكون هي المستولية في بعض أول الخلقة ثم إن القوة العقلية ~~إنما تكمل في آخر الأمر ومن كان كذلك كان ما ذكره إبليس لازما له ثم كأنه ~~قيل لقد أطال عدو الله الاجتراء فما قال له ربه بعد ذلك فقيل: # {قال} ممدا له {اذهب} أي: امض لما قصدته وهو طرد وتخلية بينه وبين ما ~~سولت له نفسه، وتقدم في الحجر أنه إنما يؤخر إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم ~~ينفخ في الصور لا أنه يؤخر إلى يوم القيامة كما طلب، وقرأ أبو عمرو وخلاد ~~والكسائي بادغام الباء الموحدة في الفاء، وأظهرها الباقون. # ولما حكم تعالى بشقاوته وشقاوة من أراد طاعته له تسبب عنه قوله تعالى: ~~{فمن تبعك منهم} أي: أولاد آدم عليه السلام {فإن جهنم} أي: الطبقة النارية ~~التي تتجهم داخلها {جزاؤكم} أي: جزاؤك وجزاء أتباعك تجزون ذلك {جزاء ~~موفورا} أي: مكملا وافيا بما تستحقون على أعمالكم الخبيثة. ولما طلب إبليس ~~اللعين من الله ms1622 تعالى الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم ذكر ~~الله تعالى له أشياء الأول اذهب، أي: امض كما مر فإني أمهلتك هذه المدة ~~وليس من الذهاب الذي هو ضد المجيء. الثاني: قوله تعالى: {واستفزز} أي: ~~استخف {من استطعت منهم} أن تستفزه وهم الذين سلطناك عليهم {بصوتك} قال ابن ~~عباس: معناه بدعائك إلى معصية الله وكل داع إلى معصية الله تعالى فهو من ~~جند إبليس، وقيل أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب. الثالث: قوله تعالى: ~~{وأجلب} أي: صح {عليهم} من الجلبة وهي الصياح {بخيلك ورجلك} . # واختلفوا في الخيل والرجل على أقوال الأول: روى أبو الضحى عن ابن عباس ~~أنه قال: كل راكب أو راجل في معصية الله تعالى وعلى هذا فخيله ورجله كل من ~~شاركه في الدعاء إلى المعصية. الثاني: يحتمل أن يكون لإبليس جيش من ~~الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل. الثالث: أن المراد منه ضرب المثل كما ~~يقال للرجل المجد في الأمر جد بالخيل والرجل. قال الرازي: وهذا أقرب. وقال ~~الزمخشري: هو كلام ورد مورد التمثيل مثل في تسلطه على من يغويه بمغوار وقع ~~على قوم فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ويقلقلهم عن مراكزهم وأجلب عليهم ~~بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم والخيل تقع على الفرسان قال صلى الله ~~عليه وسلم «يا خيل الله اركبي» وقد تقع على الأفراس خاصة. وقرأ حفص عن عاصم ~~بكسر الجيم وسكنها الباقون جمع راجل كصاحب وصحب وراكب وركب ورجل بالكسر ~~والضم لغتان مثل حدث وحدث وهو مفرد أريد به الجمع. الرابع قوله تعالى: ~~{وشاركهم في الأموال والأولاد} أما المشاركة في الأموال فقال مجاهد: هو كل ~~ما أصيب من حرام أو أنفق في حرام. وقال قتادة: هو جعلهم البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام. وقال الضحاك: هو ما يذبحونه لآلهتهم. وقال عكرمة: هو ~~تبتيكهم آذان الأنعام وقيل هو جعلهم من أموالهم شيئا لغير الله، كقولهم: ~~{هذا لله} {وهذا لشركائنا} (الأنعام، 136) # ولا منافاة بين جميع هذه الأقوال. وأما المشاركة في الأولاد فقال عطاء عن ~~ابن عباس: ms1623 هو تسمية الأولاد بعبد شمس وعبد العزى # PageV02P319 # وعبد الحرث وعبد الدار ونحوها وقال الحسن: هو أنهم هودوا أولادهم ونصروهم ~~ومجسوهم وروي عن جعفر بن محمد أن الشيطان يعقد ذكره على ذكر الرجل فإذا لم ~~يقل بسم الله أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها، كما ينزل الرجل ويقال في ~~جميع هذه الأقوال أيضا ما تقدم. # وروي أن رجلا قال لابن عباس: إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة نار قال ~~ذلك من وطء الجن. # وفي الآثار أن إبليس لما خرج إلى الأرض قال: يا رب أخرجتني من الجنة لأجل ~~آدم فسلطني عليه وعلى ذريته. قال: أنت مسلط. قال: لا أستطيعه إلا بك فزدني ~~قال: {استفزز من استطعت منهم بصوتك} . قال: آدم: يا رب سلطت إبليس علي وعلى ~~ذريتي وإني لا أستطيعه إلا بك. قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من ~~يحفظونه. قال: زدني. قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. قال: زدني. ~~قال: التوبة مفروضة ما دام الروح في الجسد. فقال: زدني. فقال: {يا عبادي ~~الذين أسرفوا} (الزمر، 53) # الآية. # وفي الخبر أن إبليس قال: يا رب بعثت أنبياء وأنزلت كتبا فما قرآني؟ قال: ~~الشعر. قال: فما كتابي؟ قال: الوشم. قال: ومن رسولي؟ قال: الكهنة. قال: فما ~~طعامي؟ قال: ما لم يذكر عليه اسمي. قال: فما شرابي؟ قال: كل مسكر. قال: ~~وأين مسكني؟ قال: الحمامات. وقال: وأين مجلسي؟ قال: الأسواق. قال: وما ~~حبائلي؟ قال: النساء. قال: وما أذاني؟ قال: المزمار. الخامس قوله تعالى: ~~{وعدهم} أي: من المواعيد الباطلة ما يستخفهم ويغرهم من ذلك وعدهم بأن لا ~~جنة ولا نار ومن ذلك شفاعة الآلهة والكرامة على الله تعالى بالأنساب ~~الشريفة وتسويف التوبة وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك. وقوله تعالى: ~~{وما يعدهم الشيطان} من باب الالتفات وإقامة الظاهر مقام الضمير ولو جرى ~~على سنن الكلام الأول لقال وما تعدهم بالتاء من فوق. # وقوله تعالى: {إلا غرورا} فيه أوجه أحدها: أنه نعت مصدر محذوف وهو نفسه ~~مصدر والأصل إلا وعدا غروراز الثاني: أنه مفعول ms1624 من أجله، أي: ما يعدهم من ~~الأماني الكاذبة إلا لأجل الغرور. الثالث: أنه مفعول به على الاتساع، أي: ~~ما يعدهم إلا الغرور نفسه والغرور تزيين الباطل بما يظن أنه حق. فإن قيل: ~~كيف ذكر الله تعالى هذه الأشياء لإبليس وهو يقول إن الله لا يأمر بالفحشاء؟ ~~أجيب: بأن هذا على طريق التهديد كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} (فصلت، 40) # . وكقول القائل: اعمل ما شئت فسوف ترى، وكما يقال اجهد جهدك فسوف ترى ما ~~ينزل بك. ولما قال الله تعالى له افعل ما تقدر عليه قال تعالى: # {إن عبادي} أي: الذين أهلتهم للإضافة إلي فقاموا بحق عبوديتي بالتقوى ~~والإحسان {ليس لك عليهم سلطان} أي: فلا تقدر أن تغويهم وتحملهم على ذنب لا ~~يغفر فإني وفقتهم للتوكل علي فكفيتهم أمرك {وكفى بربك} أي: الموجد لك ~~{وكيلا} ، أي: حافظا لهم منك. ولما ذكر تعالى أنه الوكيل الذي لا كافي غيره ~~أتبعه بعض أفعاله الدالة على ذلك بقوله تعالى: # {ربكم} أي: المتصرف فيكم هو {الذي يزجي} أي: يجري {لكم الفلك} ومنها التي ~~حملكم فيها مع أبيكم نوح عليه الصلاة والسلام {في البحر لتبتغوا} أي: ~~لتطلبوا {من فضله} الربح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم ثم إنه تعالى ~~علل ذلك بقوله عز وجل: {إنه} أي: فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه {كان} أي: ~~أزلا وأبدا {بكم رحيما} حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما يعسر من ~~أسبابه. تنبيه: الخطاب # PageV02P320 # في قوله ربكم وفي قوله إنه كان بكم عام في حق الكل والمراد من الرحمة ~~منافع الدنيا ومصالحها وأما قوله تعالى: # {وإذا مسكم الضر} أي: الشدة {في البحر} خطاب للكفار بدليل قوله تعالى ~~{ضل} أي: غاب عن ذكركم وخواطركم {من تدعون} أي: تعبدون من الآلهة {إلا ~~إياه} وحده فأخلصتم له الدعاء علما منكم أنه لا ينجيكم سواه {فلما نجاكم} ~~من الغرق وأوصلكم بالتدريج {إلى البر أعرضتم} عن الإخلاص له ورجعتم إلى ~~الإشراك {وكان الإنسان} أي: هذا النوع {كفورا} أي: جحودا للنعم بسبب أنه ~~عند الشدة يتمسك ms1625 بفضله ورحمته وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره، ~~وقوله تعالى: {أفأمنتم} الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره ~~أنجوتم من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه {أن نخسف بكم جانب البر} فنغيبكم ~~في، أي: جانب كان منه لأن قدرتنا على التغيبين في الماء والتراب على السواء ~~فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله تعالى في جميع الجوانب {أو} أمنتم أن ~~{نرسل عليكم} من جهة الفوق شيئا من أمرنا {حاصبا} أي: نمطر عليكم حجارة من ~~السماء كما أمطرناها على قوم لوط قال الله تعالى: {إنا أرسلنا عليهم حاصبا} ~~(القمر، 34) # وقيل الحاصب الريح {ثم لا تجدوا لكم} أيها الناس {وكيلا} ينجيكم من ذلك ~~ولا من غيره كما لم تجدوا في البحر وكيلا غيره. # {أم أمنتم} أي: جاوزت بكم الغباوة حدها فلم تجوزوا ذلك {أن نعيدكم فيه} ~~أي: البحر الذي يضطركم إلى ذلك فنقسركم عليه وإن كرهتم {تارة أخرى} بأسباب ~~تضطركم إلى أن ترجعوا فتركبوه {فنرسل عليكم قاصفا من الريح} أي: ريحا شديدة ~~لا تمر بشيء إلا قصفته فتكسر فلككم {فنغرقكم} في البحر الذي أعدناكم فيه ~~بقدرتنا {بما كفرتم} أي: بسبب إشراككم وكفرانكم نعمة الانجاء {ثم لا تجدوا ~~لكم علينا به تبيعا} أي: مطالبا يطالبنا بما فعلنا بكم. تنبيه: تارة بمعنى ~~مرة وكرة فهي مصدر وتجمع على تير وتارات. قال الشاعر: # *وإنسان عيني يحسر الماء تارة # ... فيبدو وتارات يجم فيغرق # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أن نخسف أو نرسل أن نعيدكم فنرسل فنغرقكم جميع ~~هذه الخمسة بنون العظمة والباقون بياء الغيبة والقراءة الأولى على سبيل ~~الالتفات من الغائب في قوله تعالى: {ربكم} إلى آخره. والقراءة الثانية على ~~سنن ما تقدم من الغيبة. ثم إن الله تعالى ذكر نعمة أخرى رفيعة جليلة على ~~الإنسان وذكر فيها أربعة أنواع: النوع الأول: قوله تعالى: # {ولقد كرمنا} أي: بعظمتنا تكريما عظيما {بني آدم} وحذف متعلق التكريم ~~فلذا اختلف المفسرون فيه فقال ابن عباس: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم فإنه ~~يأكل بيده. وعن الرشيد أنه ms1626 حضر طعاما عنده فدعاه بالملاعق وعنده أبو يوسف ~~فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس {ولقد كرمنا بني آدم} جعلنا لهم أصابع ~~يأكلون بها فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~بالعقل. وقال الضحاك: بالنطق والتمييز. وقيل على سائر الطين بالنمو، وعلى ~~النامي بالحياة وعلى سائر الحيوان بالنطق. وقال عطاء: بتعديل القامة ~~وامتدادها والدواب منكسة على وجوهها. قال بعضهم: وينبغي أن يشترط مع هذا ~~شرط وهو طول القامة مع استكمال القوة # PageV02P321 # العقلية والحسية والحركية وإلا فالأشجار أطول قامة من الإنسان قيل الرجال ~~باللحى والنساء بالذوائب. وقيل بأن سخر لهم سائر الأشياء وقيل بأن منهم خير ~~أمة أخرجت للناس. وقيل بحسن الصورة. قال تعالى: {وصوركم فأحسن صوركم} ~~(غافر، 64) # . ولما ذكر الله تعالى خلقة الإنسان وهي {ولقد خلقنا الإنسان} (الحجر، ~~26) # الآية قال: {فتبارك الله أحسن الخالقين} (المؤمنون، 14) # . قال الرازي: فإن شئت فتأمل عضوا واحدا من أعضاء الإنسان وهي العين فخلق ~~الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض العين، ثم أحاط بذلك البياض سواد ~~الأشفار ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ثم خلق فوق بياض الجفن سواد ~~الحاجبين، ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ثم خلق فوق ذلك البياض سواد ~~الشعر. وليكن هذا المثال الواحد أنموذجا لك في هذا الباب انتهى. # واستدل أيضا لشرف الإنسان بأن الموجود إما أن يكون أزليا وأبديا وهو الله ~~تعالى وإما أن لا يكون لا أزليا ولا أبديا وهو عالم الدنيا مع كل ما فيه من ~~المعادن والنبات والحيوان وهذا أحسن الأقسام وإما أن يكون أزليا ولا يكون ~~أبديا وهذا ممتنع الوجود لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وإما أن لا يكون ~~أزليا ولكنه يكون أبديا وهو الإنسان والملك ولا شك أن هذا القسم أشرف من ~~الثاني والثالث وذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر المخلوقات. النوع ~~الثاني: قوله تعالى: {وحملناهم في البر} على الدواب وغيرها {و} في {البحر} ~~على السفن وغيرها، من حملته حملا إذا جعلت له ما يركبه أو حملناهم ms1627 فيهما ~~حتى لم نخسف بهم الأرض ولم نغرقهم في الماء. # النوع الثالث: قوله تعالى: {ورزقناهم من الطيبات} أي: المستلذات من ~~الثمرات والأقوات، وذلك لأن الأغذية إما حيوانية وإما نباتية وكلا القسمين ~~فإن الإنسان إنما يتغذى بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة ~~والطبخ الكامل والنضج البالغ وذلك مما لا يحصل إلا للإنسان. # النوع الرابع: قوله تعالى: {وفضلناهم} في أنفسهم بإحسان الشكل وفي صفاتهم ~~بالعلم المنتج لسعادة الدارين {على كثير ممن خلقنا} أي: بعظمتنا التي ~~خلقناهم بها. وأكد الفعل بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى: ~~{تفضيلا} . تنبيه: ظاهر الآية يدل على فضلهم على كثير من خلقه لا على الكل. ~~وقال قوم: فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة. وهو قول ابن عباس ~~واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في بسيطه. وقال الكلبي: فضلوا على جميع ~~الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك ~~الموت وأشباههم. وقال قوم: فضلوا على جميع الخلق وعلى جميع الملائكة كلهم ~~وقد يوضع الأكثر موضع الكل كقوله تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} ~~إلى قوله تعالى: {وأكثرهم كاذبون} (الشعراء: 221، 223) # أي: كلهم. # وروى جابر يرفعه قال: «لما خلق الله تعالى آدم وذريته قالت الملائكة: يا ~~رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. فقال ~~تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه روحي كمن قلت له كن فكان» . ~~والأولى كما قاله بعض المفسرين كالبغوي وابن عادل أن يقال عوام الملائكة ~~أفضل من عوام المؤمنين، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة. قال تعالى: ~~{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} (البينة، 7) # . وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى # PageV02P322 # عنه قال: المؤمن أكرم على الله من الملائكة عنده. رواه البغوي ورواه ~~الواحدي في بسيطه. فإن قيل: قال تعالى في أول الآية: {ولقد كرمنا بني آدم} ~~وقال في آخرها: {وفضلناهم} فلا بد من الفرق بين التكريم والتفضيل وإلا لزم ~~التكرار؟ أجيب: بأنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية ~~طبيعية ms1628 ذاتية كالعقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ثم أنه ~~سبحانه وتعالى عرضه بواسطة العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق ~~الفاضلة. ولما ذكر تعالى أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته ~~في الآخرة بقوله تعالى: # {يوم} أي: اذكر يوم {ندعو} أي: بتلك العظمة {كل أناس} أي: منكم {بإمامهم} ~~الإمام في اللغة كل من ائتم به قوم كانوا على هدى أو ضلالة فالنبي إمام ~~أمته والخليفة إمام رعيته والقرآن إمام المسلمين، وإمام القوم هو الذي ~~يقتدون به في الصلاة. وذكروا في تفسير الإمام هنا أقوالا أحدها إمامهم ~~نبيهم. روي ذلك مرفوعا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «فينادى ~~يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم ثم ~~ينادى الأتباع يا أتباع ثمود يا أتباع فرعون يا أتباع فلان وفلان من رؤوساء ~~الضلال وأكابر الكفر» . الثاني: أن إمامهم كتابهم الذي أنزل عليهم فينادى ~~في القيامة يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل. الثالث: إمامهم ~~كتاب أعمالهم قال تعالى: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} (يس 12) # فسمى الله تعالى هذا الكتاب إماما. قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن ~~الإمام جمع أم وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم وان الحكمة ~~فيه رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين وأن لا تفتضح أولاد الزنا. ~~قال: وليت شعري أيهما أبدع البدع؟ أصحة لفظه أم بهاء حكمته. قال ابن عادل: ~~وهو معذور لأن أما لا يجمع على إمام هذا قول من لا يعرف الصناعة ولا لغة ~~العرب. {فمن أوتي} أي: من المدعوين {كتابه} أي: كتاب عمله {بيمينه} وهم ~~السعداء أولو البصائر في الدنيا {فأولئك يقرؤون كتابهم} ابتهاجا وتبجحا بما ~~يرون فيه من الحسنات {ولا يظلمون} بنقص حسنة ما من ظالم ما {فتيلا} أي: ~~شيئا في غاية القلة والحقارة بل يزدادون بحسب إخلاص النيات وطهارة الأخلاق ~~وزكاة الأعمال. # تنبيه: الفتيل القشرة ms1629 التي في شق النواة تسمى بذلك لأنه إذا رام الإنسان ~~إخراجه انفتل وهذا مثل يضرب للشيء الحقير التافه ومثله القطمير وهو الغلالة ~~التي في ظهر النواة، والنقير وهي النقرة التي في ظهر النواة. وروى مجاهد عن ~~ابن عباس قال: الفتيل هو الوسخ الذي يفتله الإنسان بين سبابته وإبهامه. فإن ~~قيل: لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم مع أن أهل الشمال يقرؤونه؟ أجيب: ~~بأن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملا على المهلكات العظيمة ~~والقبائح الكاملة فيستولي الخوف على قلوبهم ويثقل لسانهم فيعجزون عن ~~القراءة الكاملة وأما اصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك، لا جرم أنهم يقرؤون ~~كتابهم على أحسن الوجوه ثم لا يقنعون بقراءتهم وحدهم بل يقول القارئ لأهل ~~المحشر: {هاؤم اقرؤوا كتابيه} (الحاقة، 19) # جعلنا الله تعالى وجميع أحبابنا منهم. ثم قال الله تعالى: # {ومن كان} منهم {في هذه} # PageV02P323 # أي: الدار {أعمى} أي: ضالا يعمل في الأفعال فعل الأعمى في أخذ الأعيان لا ~~يهتدي إلى أخذ ما ينفعه وترك ما يضره ولا يميز بين حسن وقبيح {فهو في ~~الآخرة أعمى} أي: أشد عمى مما كان عليه في هذه الدار لا ينجح له قصد ولا ~~يهتدي لصواب ولم يقل تعالى أشد عمى كما يقال في الخلق اللازمة لحالة واحدة ~~مثل العور والحمرة والسواد ونحوها لأن هذا مراد به عمى القلب الذي من شأنه ~~التزايد والحدوث في كل لحظة شيئا بعد شيء. {وأضل سبيلا} لأن هذه الدار دار ~~الاكتساب والترقي في الأسباب، وأما تلك فليس فيها شيء من ذلك. وقال عكرمة: ~~جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية فقال: اقرؤوا ما ~~قبلها فقرؤوا: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك} إلى قوله: {تفضيلا} . فقال ابن ~~عباس: من كان أعمى في هذه النعم التي قد رأى وعاين فهو في الآخرة التي لم ~~يعاين ولم ير أعمى وأضل سبيلا، وعلى هذا فالإشارة في قوله هذه إلى النعم ~~المذكورة في الآيات المتقدمة، وحمل بعضهم العمى الثاني على عمى العين ~~والبصر كما ms1630 قال تعالى: {ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد ~~كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} (الحجر، 126) # . وقال تعالى: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما} ~~(الإسراء، 97) # وهذا العمى زيادة في عقوبتهم. ولما عدد تعالى في الآيات المتقدمة أقسام ~~نعمه على خلقه وأتبعها بذكر درجات الخلق في الآخرة وشرح أحوال السعداء ~~أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء عن الاغترار بوسواس أرباب الضلال ~~والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكر والتلبيس فقال تعالى: # {وإن كادوا} أي: قاربوا في هذه الحياة الدنيا لعماهم في أنفسهم عن عصمة ~~الله تعالى لك. ولما كانت إن هذه هي المخففة من الثقيلة أتى باللام الفارقة ~~بينها وبين النافية بقوله تعالى: {ليفتنونك} أي: ليخالطونك مخالطة تميلك ~~إلى جهة قصدهم لكثرة خداعهم. # واختلف في سبب نزول هذه الآية فروى عطاء عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ~~في وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا نبايعك على أن ~~تعطينا ثلاث خصال قال: وما هن قالوا أن لا نجبي في الصلاة بفتح الجيم ~~والباء الموحدة المشددة، أي: لا ننحني فيها ولا نكسر أصنامنا إلا بأيدينا، ~~وأن لا تمنعنا من اللات والعزى سنة من غير أن نعبدها فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود» . وأما أن تكسروا أصنامكم ~~بأيديكم فذلك لكم وأما الطاغية يعني اللات والعزى فإني غير ممتعكم بها، وفي ~~رواية وحرم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم فقالوا: يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب ~~أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا ~~فقل الله أمرني بذلك فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فطمع القوم في سكوته أن ~~يعطيهم ذلك فصاح عليهم عمر وقال: أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~أمسك عن الكلام كراهة لما تذكرونه فأنزل الله تعالى هذه ms1631 الآية» . # وقال سعيد بن جبير: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود ~~فمنعه قريش وقالوا: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا وتمسها فحدث صلى الله عليه ~~وسلم نفسه ما علي أن أفعل ذلك والله يعلم أني لها لكاره بعد أن يدعوني # PageV02P324 # حتى استلم الحجر فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي أن قريشا قالوا له: ~~اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك فنزلت: {وإن كادوا ~~ليفتنونك} . {عن الذي أوحينا إليك} من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا ~~{لتفتري} أي: لتقول {علينا غيره} أي: ما لم نقله {وإذا} أي: لو ملت إلى ما ~~دعوك إليه {لاتخذوك} أي: بغاية الرغبة {خليلا} أي: لوالوك وصافوك وأظهروا ~~للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراض بشركهم ومن يكن خليل الكفار لم يكن ~~خليل الله تعالى، ولكنك أبصرت رشدك فلزمت أمر الله واستمروا على عماهم ~~إتماما لتفضيلنا لك على كل مخلوق. # {ولولا أن ثبتناك} أي: على الحق بعصمتنا إياك {لقد كدت} أي: قاربت {تركن} ~~أي: تميل {إليهم} أي: إلى الأعداء {شيئا} أي: ركونا {قليلا} لمحبتك في ~~هدايتهم وحرصك على منفعتهم ولكنا عصمناك فمنعناك أن تقرب من الركون فضلا من ~~أن تركن إليهم لأن كلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره تقول لولا زيد ~~لهلك عمرو ومعناه أن وجود زيد منع من حصول الهلاك لعمرو فكذلك ههنا قوله ~~تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم} معناه لولا حصل تثبيت الله ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم فكان تثبيت الله مانعا من حصول قرب الركون وهذا ~~صريح في أنه عليه الصلاة والسلام ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إليها ودليل ~~على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه. # {إذا} أي: لو قاربت الركون الموصوف إليهم {لأذقناك ضعف} عذاب {الحياة ~~وضعف} عذاب {الممات} أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة وكان أصل ~~الكلام عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات ثم حذف الموصوف وأقيمت ~~الصفة مقامه ثم أضيفت كما يضاف موصوفها وقيل المراد بضعف الحياة عذاب ms1632 ~~الآخرة وضعف الممات عذاب القبر، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعمة ~~الله تعالى في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم ~~فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر ونظيره قوله تعالى: {يا نساء النبي من ~~يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} (الأحزاب، 30) # وقيل الضعف من أسماء العذاب {ثم لا تجد لك} أي: وإن كنت أعظم الخلق ~~وأعلاهم مرتبة وهمة {علينا نصيرا} أي: مانعا يمنعك من عذابنا. واختلفوا في ~~سبب نزول قوله تعالى: # {وإن} أي: وإن هم {كادوا} أي: الأعداء {ليستفزونك} أي: ليزعجونك ~~بمعاداتهم {من الأرض ليخرجوك منها} فقال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم، فقالوا: يا ~~أبا القاسم إن الأنبياء إنما بعثوا بالشأم وهي بلاد مقدسة وكانت مسكن ~~إبراهيم فلو خرجت إلى الشام آمنا بك وأتبعناك، وقد علمنا أنه لا يمنعك من ~~الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول الله فالله يمنعك منهم فعسكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة وقيل بذي الحليفة حتى يجتمع إليه ~~أصحابه ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام فيدخلون في دين الله فنزلت ~~هذه الآية فرجع وهذا قول الكلبي وعلى هذا فالآية مدنية والمراد بالأرض أرض ~~المدينة. # وقال قتادة ومجاهد: الأرض أرض مكة والآية مكية، هم المشركون أن يخرجوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكفهم الله تعالى عنه حتى أمره # PageV02P325 # بالهجرة فخرج بنفسه. قال ابن عادل تبعا للرازي: وهذا أليق بالآية لأن ما ~~قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية وهذا اختيار الزجاج وكثير في التنزيل ~~ذكر الأرض والمراد منها مكان مخصوص كقوله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} ~~(المائدة، 33) # أي: من مواضعهم. وقوله تعالى حكاية عن أخي يوسف: {فلن أبرح الأرض} (يوسف، ~~80) # يعني الأرض التي كان قصدها لطلب الميرة. فإن قيل: قال تعالى: {وكأين من ~~قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} (محمد، 13) # يعني أهل مكة فالمراد أهلها، فذكر تعالى ms1633 أنهم أخرجوه، وقال تعالى: {وإن ~~كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} فكيف الجمع بينهما على القول ~~الثاني؟ أجيب: بأنهم هموا بإخراجه وهو صلى الله عليه وسلم ما خرج بسبب ~~إخراجهم وإنما خرج بأمر الله تعالى وحينئذ فلا تناقض {وإذا} أي: وإذا ~~أخرجوك {لا يلبثون خلفك} أي: بعد إخراجك لو أخرجوك {إلا} زمنا {قليلا} وقد ~~كان كذلك على القول الثاني، فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته، وعلى القول الأول ~~قتل منهم بني قريظة وأجلى بني النضير بقليل. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وشعبة بفتح الخاء وسكون اللام والباقون بكسر الخاء وفتح اللام وبعدها ألف، ~~قال الشاعر: # عفت الديار، أي: اندرست خلافهم، أي: خلفهم. # *فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا # الشواطب النساء اللاتي يشققن الجريد ليعملن منه الحصير والشطب والشواطب ~~سعف النخل الأخضر يصف دروس ديار الأحبة بعدهم وأنها غير منكوسة كأنما بسط ~~فيها سعف النخل. ولما أخبره بذلك أعلمه أنه سنة في جميع الرسل بقوله تعالى: # {سنة} أي: كسنة أو سننا بك سنة {من قد أرسلنا قبلك} أي: في الأزمان ~~الماضية كلها {من رسلنا} أنا نهلك كل أمة أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم، ~~والسنة لله وإضافتها إلى الرسل لأنها من أجلهم ويدل عليه قوله تعالى: {ولا ~~تجد لسنتنا تحويلا} (الإسراء، 77) # أي: تغييرا. ولما قرر تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم الآلهيات والمعاد ~~والنبوات أردفها بذكر الأمر بالطاعة وأشرف الطاعة بعد الإيمان الصلاة فلذلك ~~قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {أقم الصلاة} بفعل جميع أركانها وشرائطها بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها ~~فإنها لب العبادة لما فيها من المناجاة والإعراض عن كل غير، وفناء عن كل ~~سوى، بما أشرق من أنوار الحضرة التي قد اضمحل إليها كل فان، وفي ذلك إشارة ~~عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز ~~الأولياء ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ثم عين ~~له الأوقات بقوله تعالى: {لدلوك الشمس} في هذه اللام قولان أحدهما أنها ~~بمعنى بعد، ms1634 أي: بعد دلوك الشمس ومثله قول متمم: # *فلما تقرقنا كأني ومالكا # ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # والثاني أنها على بابها لأنها إنما تجب بزوال الشمس والدلوك مصدر دلكت ~~الشمس وفيه أقوال أحدها: أنه الزوال وهو قول ابن عباس وابن عمر وجابر وأكثر ~~التابعين ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم «أتاني جبريل لدلوك الشمس حين ~~زالت فصلى بي الظهر» وقول أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال، ~~ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة. والثاني أنه # PageV02P326 # الغروب وهو قول ابن مسعود ونقله الواحدي في «البسيط» عن علي رضي الله ~~عنه، وبه قال إبراهيم النخعي والضحاك والسدي وهو اختيار الفراء وكما يقال ~~للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة يقال لها أيضا إذا غربت دالكة لأنها في ~~الحالين زائلة. قال الأزهري: والثالث أنه من الزوال إلى الغروب وقال في ~~«القاموس» دلكت الشمس غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء فحينئذ ~~في هذه اللفظة دلالة على الظهر والعصر والمغرب من استمعال المشترك في ~~معانيه أما في الظهر والمغرب فواضح لما مر وأما العصر فلأن أول وقتها أول ~~أخذ الشمس في الاصفرار وأدل دليل على ذلك أنه تعالى غيا الإقامة لوقت ~~العشاء بقوله تعالى: {إلى غسق الليل} أي: ظلمته وهو وقت صلاة عشاء الآخرة ~~والغاية أيضا هنا داخلة لما سيأتي وقد أجمعوا على أن المراد من قوله تعالى: ~~{وقرآن الفجر} أي: صلاة الصبح وهو منصوب قيل على الإغراء، أي: وعليك بقرآن ~~الفجر ورد أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة. وقال الفراء: أنه منصوب بالعطف على ~~الصلاة في قوله تعالى: {أقم الصلاة} والتقدير أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر ~~وحينئذ تدخل الصلوات الخمس في هذه الآية. قال ابن عادل كالرازي: وحمل كلام ~~الله تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى انتهى. # وسميت صلاة الصبح قرآنا لاشتمالها عليه وإن كانت بقية الصلوات أيضا ~~مشتملة عليه لأنه يطول فيها في القراءة ما لا يطول في غيرها فالمقصود من ~~قوله تعالى: {وقرآن الفجر} الحث ms1635 على طول القراءة فيها أكثر من غيرها لأن ~~التخصيص بالذكر يدل على كونه أكمل من غيره. ولما كان القيام عن المنام يشق ~~علل مرغبا مظهرا غير مضمر لأن المقام مقام تعظيم فقال: # {إن قرآن الفجر كان مشهودا} أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ينزل ~~هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل، وأول ديوان النهار. قال الرازي: ~~ثم أن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك وتقول ~~ملائكة النهار ربنا إننا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى لملائكته: ~~اشهدوا بأني قد غفرت لهم. وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تفضل صلاة الجمع صلاة أحدكم وحده بخمس ~~وعشرين درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، ثم يقول ~~أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {إن قرآن الفجر كان مشهودا} » وهذا يدل على أن ~~التغليس أولى من التنوير لأن الإنسان إذا شرع فيها من أول الوقت ففي ذلك ~~الوقت ظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرة ثم امتدت الصلاة بسبب ترتيل ~~القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضرت ملائكة النهار، وأما إذا ~~ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك لم يبق أحد من ملائكة الليل فلا ~~يحصل المعنى المذكور فقوله: {كان مشهودا} يدل على أن التغليس أفضل، وأيضا ~~الإنسان إذا شرع في صلاة الصبح من أول هذا الوقت فكانت الظلمة القوية في ~~العالم فإذا امتدت القراءة ففي أثناء هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة إلى ~~الضوء والظلمة مناسبة للموت والعدم، والضوء مناسب للحياة والوجود، فالإنسان ~~لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى الوجود ~~ومن السكون إلى الحركة، وهذه الحالة # العجيبة # PageV02P327 # تشهد العقول بأنه لا يقدر على هذا التقليب إلا الخالق المدبر بالحكمة ~~البالغة فحينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة ويتخلص من مرض قلبه، فإن ~~أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب وهي حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر ~~والتكاثر وهذه الدنيا مثل دار المرضى ms1636 إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء ~~كالأطباء الحاذقين والمريض ربما كان قد يقوى مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا ~~بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلا فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في أكثر ~~الأمر لأن الطبيب إذا كان مشفقا حاذقا فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل ~~طريق يقدر عليه وإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله وفي تخفيفه ~~فلما كان مرض الدنيا مستوليا على الخلق ولا علاج له إلا بالدعوى إلى معرفة ~~الله سبحانه وتعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس وقل من يقبله ~~وينقاد له لا جرم أن الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض فحملوا الخلق على ~~الشروع في الطاعة والعبودية من أول وقت القيام من النوم لأنه مما ينفع في ~~إزالة هذا المرض. # ثم حث سبحانه وتعالى على التهجد لأفضليته وارشديته بقوله عز من قائل: # {س17ش79/ش82 ومن اليل فتهجد به? نافلة لك عسى? أن يبعثك ربك مقاما محمودا ~~* وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا ~~* وقل جآء الحق وزهق الباطل? إن الباطل كان زهوقا * وننزل من القرءان ما هو ~~شفآء ورحمة للمؤمنين? ويزيد الظالمين إs خسارا} # {ومن الليل} أي: وعليك أو وقم بعض الليل {فتهجد به} أي: واترك الهجود ~~للصلاة يقال هجد وتهجد نام ليلا وهجد وتهجد سهر فهو من الأضداد ومنه قيل ~~لصلاة الليل التهجد قاله في الصحاح. والضمير في به لمطلق القرآن والمراد من ~~الآية قيام الليل لصلاة النافلة فلا يحصل التهجد إلا بصلاة نفل بعد نوم، ~~وكانت فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته في الابتداء بقوله ~~تعالى: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا} (المزمل: 1، 2) # ثم نسخ بما في آخرها، ثم نسخ بما في الصلوات الخمس وبقي قيام الليل على ~~الاستحباب بقوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر منه} (المزمل، 20) # وبقي الوجوب في حقه صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: {نافلة لك} أي: ~~زيادة لك مختصة بك. وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها ms1637 أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «ثلاث هن علي فريضة وهن سنة لكم الوتر والسواك وقيام الليل» ~~والصحيح أنه نسخ في حقه أيضا ودليل النسخ رواه مسلم وقد وردت أحاديث كثيرة ~~في قيام الليل منها ما روي «عن المغيرة بن شعبة أنه قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا» . ومنها ما روي عن زيد بن ~~خالد الجهني أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة ~~فتوسدت عتبته أو فسطاطه فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين ثم ~~ركعتين طويلتين ثم ركعتين طويلتين، ثم ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم أوتر ~~فذلك ثلاث عشرة ركعة، فلهذا قيل: إنه أكثر الوتر وهو أحد قولي الشافعي ~~والمرجح عنده أن أكثره إحدى عشرة ركعة، لما رواه أبو سلمة أنه سأل عائشة ~~رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما كان ~~يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.، أي: وترا يصلي أربعا فلا ~~تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ~~ثلاثا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن ~~توتر؟ فقال: «يا عائشة إن عيني تنام ولا ينام قلبي» . ومنها ما روي عن أنس ~~بن مالك قال: «ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل ~~مصليا إلا رأيناه وما نشاء # PageV02P328 # أن نراه نائما إلا رأيناه» وفي رواية غيره قال: وكان يصوم من الشهر حتى ~~نقول لا يفطر منه شيئا ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئا ثم قال تعالى: {عسى ~~أن يبعثك ربك} أي: المحسن إليك {مقاما محمودا} أتفق المفسرون على أن كلمة ~~عسى من الله واجب. قال أهل المعاني: لأن لفظة عسى تفيد الأطماع # ومن أطمع إنسانا في شيء ثم حرمه كان ms1638 عارا والله أكرم من أن يطمع أحدنا في ~~شيء ثم لا يعطيه ذلك. # وأما المقام المحمود فقال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة ~~كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي» ~~. وقال حذيفة: يجمع الناس في صعيد واحد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى ~~الله عليه وسلم فيقول: «لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك ~~بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك ~~رب البيت» . فقال هذا هو المراد من قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا} . # ويدل للأول أحاديث؛ منها ما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي وهي ~~نائلة منكم إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئا» . ومنها ما روي ~~عن جابر أنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع ~~النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة ~~والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته. حلت له شفاعتي يوم القيامة» . ~~ومنها ما روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحبس المؤمنون يوم ~~القيامة حتى يهموا بذلك فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا ~~فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ~~ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ~~فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهي عنها ولكن ~~ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقول لست هناكم ~~ويذكر خطيئته التي أصاب بسؤال ربه بغير علم ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن ~~فيأتون إبراهيم فيقول لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن ولكن ائتوا موسى ~~عبدا آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيا. قال: فيأتون موسى فيقول: لست ~~هناكم ويذكر خطيئته التي ms1639 أصاب قتله النفس ولكن ائتوا عيسى عبد الله وكلمته ~~قال: فيأتون عيسى فيقول لست هناكم ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر قال: فيأتوني فاستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيته ~~وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني فيقول: ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع ~~واشفع تشفع وسل تعطه. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء يعلمنيه قال ثم ~~أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود فأقع ساجدا ~~فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل ~~تعطه قال: فأرفع # رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه قال: ثم أشفع فيحد لي حدا ~~فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة قال: فلا أدري في الثالثة أو الرابعة ~~فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن، أي: وجب عليه الخلود» . وعن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: مقاما محمودا يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف # PageV02P329 # فيه على جميع الخلائق سل فتعطى واشفع فتشفع ليس أحد إلا تحت لوائك ~~والأخبار في الشفاعة كثيرة وفي هذا القدر كفاية لأولي البصائر جعلنا الله ~~تعالى وجميع أحبابنا من أهلها الداخلين تحت شفاعة سيد الأنبياء والمرسلين ~~آمين. واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: # {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} فقال ابن عباس والحسن: أدخلني ~~مدخل صدق المدينة وأخرجني مخرج صدق مكة، نزل حين أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالهجرة. وقال الضحاك: أخرجني مخرج صدق من مكة آمنا من المشركين ~~وأدخلني مدخل صدق ظاهرا عليها بالفتح. وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي ~~أرسلتني به من النبوة مدخل صدق وأخرجني من الدنيا وقد قمت بما وجب علي من ~~حقها مخرج صدق. وقيل إدخاله الغار وإخراجه منه سالما. وقيل: أدخلني مدخل ~~صدق الجنة وأخرجني مخرج صدق من مكة. وقيل: أدخلني في القبر مدخل صدق إدخالا ~~مرضيا وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق إخراجا ملقى بالكرامة. والجامع لهذه ~~الأقوال ما جرى ms1640 عليه البقاعي في تفسيره بقوله في كل مقام تريد إدخالي فيه ~~حسي ومعنوي دنيا وأخرى مدخل صدق يستحق الداخل فيه أن يقال له أنت صادق في ~~قولك وفعلك فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها. وأخرجني من كل ما ~~تخرجني منه مخرج صدق انتهى. والمراد من المدخل والمخرج الإدخال والإخراج ~~ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق مدحهما، كأنه سأل الله تعالى إدخالا ~~حسنا وإخراجا حسنا لا يرى فيهما ما يكره. ثم سأل الله تعالى أن يرزقه ~~التقوية بالحجة وبالقهر والقدرة فقال: {واجعل لي من لدنك} أي: عندك {سلطانا ~~نصيرا} أي: حجة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني وقد أجاب الله تعالى ~~دعاءه وأعلمه أنه يعصمه من الناس بقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} ~~(المائدة، 67) # . وقال تعالى: {فإن حزب الله هم الغالبون} (المائدة، 56) # . وقال تعالى: {ليظهره على الدين كله} (التوبة، 33) # وقال تعالى: {ليستخلفنهم في الأرض} (النور، 55) # . ووعده تعالى ليظهره على الدين ووعده تعالى لينزعن ملك فارس والروم ~~فيجعله له. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة ~~وقال: «انطلق فقد استعملتك على أهل الله» فكان شديدا على المرائين ~~المنافقين لينا على المؤمنين، وقال: والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة ~~إلا منافقا فقال: أهل مكة يا رسول الله لقد استعملت على أهل الله عتاب بن ~~أسيد أعرابيا جافيا فقال صلى الله عليه وسلم «إني رأيت فيما يرى النائم كأن ~~عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا حتى فتح ~~له فدخلها» فأعز الله تعالى الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم ~~فذلك السلطان النصير، ثم أمره الله تعالى أن يخبر بالإجابة بقوله تعالى: # {وقل} أي: لأوليائك وأعدائك {جاء الحق} وهو ما أمرني به ربي وأنزله إلي ~~{وزهق} أي: اضمحل وبطل وهلك {الباطل} وهو كل ما يخالف الحق ثم علل زهوقه ~~بقوله تعالى: {إن الباطل} أي: وإن ارتفعت له دولة وصولة {كان} في نفسه ~~بجبلته وطبعه {زهوقا} أي: لا يبقى بل ms1641 يزول على أسرع الوجوه وقت وأسرع رجوع ~~قضاء قضاه الله تعالى من الأزل قوله على أسرع الوجوه وقت الخ هكذا في جميع ~~النسخ ولعله على أسرع الوجوه كل وقت ويرجع اه. # روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود قال: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم ~~مكة يوم الفتح وحول # PageV02P330 # الكعبة ثلاثمائة وستون صنما صنم كل قوم بحيالهم فجعل يطعنها بعود في يده ~~ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل} فجعل الصنم ينكب لوجهه» حديث وعن ابن عباس ~~كانت لقبائل العرب أصنام يحجون إليها ويخرون لها فشكى البيت إلى الله تعالى ~~فقال:، أي: رب إلى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك فأوحى الله تعالى إلى ~~البيت أني سأحدث لك نوبة جديدة فاملؤك خدودا سجدا يدفون إليك دفيف النسور ~~ويحنون إليك حنين الطير إلى بيضها لهم عجيج حولك بالتلبية. # ولما نزلت هذه الآية يوم الفتح جاء جبريل عليه السلام وقال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خذ مخصرتك ثم ألقها فجعل يأتي صنما صنما وهو ينكت ~~بالمخصرة في عينه ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل} فينكب الصنم لوجهه حتى ~~ألقاها جميعا وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان قوارير صفر فقال: «يا علي ~~الزم به» فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد ورمى به فكسره فجعل ~~أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد. قال الزمخشري: ~~وشكاية البيت والوحي إليه تخييل وتمثيل ولما بين سبحانه وتعالى الآلهيات ~~والنبوات والحشر والنشر والبعث وإثبات القضاء والقدر ثم أتبعه بالأمر ~~بالصلاة ونبه على ما فيها من الأسرار وكان القرآن هو الجامع لجميع ذلك ~~أتبعه ببيان كونه شفاء ورحمة بقوله تعالى: # {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} أي: ما هو شفاء في تقويم ~~دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمريض. تنبيه: في من هذه ثلاثة أوجه ~~أحدها: أنه لبيان الجنس قاله الزمخشري والبيضاوي وابن عطية وأبو البقاء ورد ~~عليهم أبو حيان بأن التي للبيان لا بد أن تتقدمها عليه ما تبينه لا أن ~~تتقدم عليه ms1642 وهنا قد وجد تقديمها عليه. الثاني: أنها للتبعيض وأنكره الحوفي ~~لأنه يلزم أن لا يكون بعضه شفاء. وأجاب أبو البقاء بأن منه ما يشفي من ~~المرض وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيد الحي الذي لدغ بالفاتحة فشفي ~~من المرض فيكون التبعيض بالنسبة للأمراض الجسمانية وإلا فهو كله شفاء ~~للأبدان وللقلوب من الاعتقادات وغيرها. الثالث: أنها لابتداء الغاية وهو ~~كما قال ابن عادل واضح. {و} من العجيب أن هذا الشفاء {لا يزيد الظالمين} ~~وهم الذين يضعون الشيء في غير موضعه بإعراضهم هما يجب قبوله {إلا خسارا} ~~أي: نقصانا لأنه إذا جاءهم وقامت به الحجة عليهم أعرضوا عنه فكان إعراضهم ~~ذلك زيادة في كفرهم كما أن قبول المؤمنين له وإقبالهم على تدبره زيادة في ~~إيمانهم، وفي الدارمي عن قتادة قال: ما جالس أحد القرآن فقام عنه إلا ~~بزيادة أو نقصان ثم قرأ هذه الآية، ثم إنه تعالى ذكر السبب الأصلي في وقوع ~~هؤلاء الكافرين الجاهلين الضالين في أودية الضلال ومقامات الخزي والنكال ~~وهو حب الدنيا والرغبة في المال والجاه واعتقادهم أن ذلك إنما يحصل بسبب ~~جدهم واجتهادهم فقال تعالى: # {وإذا أنعمنا} أي: بما لنا من العظمة {على الإنسان} أي: هذا النوع هؤلاء ~~وغيرهم وقال ابن عباس: إن الإنسان ههنا هو الوليد بن المغيرة. قال الرازي: ~~وهذا بعيد بل المراد، أي: نوع الإنسان إذا أنعمنا عليه {أعرض} أي: عن ذكرنا ~~ودعائنا إذ شأن نوع الإنسان أنه إذا فاز بمقصوده ووصل إلى مطلوبه اغتر وصار ~~غافلا عن عبودية الله متمردا عن طاعة الله كما قال تعالى: {إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى} (العلق: 6/ 7) . # {ونأى} عن ذكر الله # PageV02P331 # {بجانبه} أي: لوى عطفيه وبعد نفسه كأنه مستغني بأمره ويجوز أن يكون كناية ~~عن الاستكبار لأنه من عادة المستكبرين ومعنى النأي في اللغة البعد والإعراض ~~عن الشيء أن يوليه عرض وجهه. وقرأ ابن ذكوان بألف ممدودة بعد النون وتأخير ~~الهمزة مثل جاء وفي هذه القراءة تخريجان أحدهما من نأى ينوء، أي: نهض. ~~والثاني: أنه مقلوب ms1643 من نأى فيكونان بمعنى. قال ابن عادل: ولكن متى أمكن عدم ~~القلب فهو أولى. وقرأ الباقون بالهمزة بعد النون وألف بعد همزة وآمال الألف ~~بعد الهمزة السوسي وشعبة وخلاد محضة بخلاف عن السوسي وأمالها ورش بين بين ~~وأمال الهمزة والنون محضة خلف والكسائي وفتح الباقون. {وإذا مسه الشر} أي: ~~هذا النوع وإن قل {كان يؤسا} أي: شديد اليأس عما عهده من رحمة ربه والحاصل ~~أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها ونسي ذكر الله وإن بقي في الحرمان عن ~~الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله فهذا المسكين محروم ~~أبدا عن ذكر الله تعالى ونظيره قوله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ~~ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ~~فيقول ربي أهانن} (الفجر: 15، 16) # وكذلك {إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا} ~~(المعارج: 19، 20، 21) # إلا من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان ثم قال ~~تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {قل كل} من الشاكر والكافر {يعمل على شاكلته} أي: طريقته التي تشاكل روحه ~~وتشاكل ما طبعناه عليه من خير أو شر {فربكم} أي: فتسبب عن ذلك أن الذي ~~خلقكم وصوركم {أعلم} من كل أحد {بمن هو} منكم {أهدى سبيلا} أي: أوضح طريقا ~~واتباعا للحق فيشكر ويصبر احتسابا فيعطيه الثواب ومن هو منكم أضل سبيلا ~~فيجعل له العقاب لأنه يعلم ما طبعهم عليه في أصل الخلقة وغيره تعالى إنما ~~يعلم أمور الناس في طرائقهم بالتجربة وقد روى الإمام أحمد لكن بسند منقطع ~~عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا وإذا سمعتم برجل تغير عن طبعه فلا تصدقوا ~~فإنه يصير إلى ما جبل عليه» . واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {ويسئلونك} أي: تعنتا وامتحانا {عن الروح} فعن عبد الله بن مسعود قال ~~بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ms1644 يتوكأ على عسيب معه ~~فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض اسألوه عن الروح وقال بعضهم: لا تسألوه ~~لا يجيء بشيء تكرهونه فقال بعضهم: لنسألن فقام رجل منهم فقال: يا أبا ~~القاسم ما الروح؟ فسكت فقلت أنه يوحى إليه فقمت فلما انجلى عنه قال: ~~{ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ~~قال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. وقال ابن عباس: إن قريشا اجتمعوا ~~فقالوا: إن محمدا نشأ فينا بالصدق والأمانة وما اتهمناه بكذب وقد ادعى ما ~~ادعى فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا ~~جماعة إليهم فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها أو لم يجب ~~عن شيء منها فليس بنبي وإن أجاب عن اثنين فهو نبي فسألوه عن فتية فقدوا في ~~الزمن الأول ما كان أمرهم فإنه كان لهم حديث عجيب. وعن رجل بلغ مشرق الأرض # PageV02P332 # ومغربها وعن الروح فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبركم بما ~~سألتم غدا ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي. قال مجاهد: اثنى عشر ليلة وقيل ~~خمسة عشر يوما وقيل أربعين يوما وأهل مكة يقولون وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا ~~لا يخبرنا بشيء حتى حزن صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله ~~أهل مكة ثم نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا إلا أن يشاء الله} (الكهف: 23، 24) # . ونزل في الفتية: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا} (الكهف، 9) # . ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب {ويسألونك عن ذي القرنين} (الكهف: 83) # ونزل في الروح: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} . وقول الرازي: ~~ومن الناس من طعن في هذه الرواية من وجوه، وذكر من جملة ذلك كيف يليق به أن ~~يقول إني لا أعرف هذه المسألة مع أنها من المسائل المشهورة المذكورة مع ~~جمهور الخلق غير لائق لأن ذلك علامة على نبوته. قال الزمخشري: فبين ms1645 لهم ~~القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة فندموا على سؤالهم انتهى. ~~واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه، فروى عن ابن عباس أنه جبريل عليه ~~السلام وهو قول الحسن وقتادة، وروي عن علي أنه قال: ملك له سبعون ألف وجه ~~لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها. وقال مجاهد: خلق على صورة ~~بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس وليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام. وقال ~~سعيد بن جبير: لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش، لو شاء أن ~~يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهن بلقمة واحدة لفعل، صورة خلقه ~~على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة وجه الآدميين يقوم يوم القيامة على ~~يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى عند الحجب السبعين وأقرب إلى ~~الله تعالى وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا من ~~نور لاحترق أهل السموات من نوره. وقيل الروح هو القرآن وقيل المراد منه ~~عيسى فإنه روح الله تعالى وكلمته ومعناه أنه ليس كما تقوله اليهود ولا كما ~~تقوله النصارى. وقال بعضهم: هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به ~~الإنسان. قال البغوي: وهو الأصح وتكلم فيه قوم فقال بعضهم: هو الدم ألا ترى ~~أن الحيوان إذا مات لا يفوت منه إلا الدم. وقال قوم: هو نفس الحيوان بدليل ~~أنه يموت باحتباس النفس. وقال قوم: عرض. وقال قوم: هو جسم لطيف. وقال ~~بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلم والعلو والبقاء ألا ترى ~~أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات وإذا خرج ذهب ~~الكل. قال البغوي: وأولى الأقاويل أن # يوكل علمه إلى الله عز وجل، وهو قول أهل السنة. قال عبد الله بن بريدة: ~~إن الله تعالى لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا بدليل قوله ~~تعالى: {قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} أي: في جنب ~~علم الله تعالى: # تنبيه: اختلف في المخاطب ms1646 بقوله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ~~() # فقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم وقيل اليهود فإنهم يقولون: أوتينا ~~التوراة وفيها العلم الكبير وقيل عام. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال: «نحن ~~وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا» . فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول {ومن ~~يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا # PageV02P333 # كثيرا} (البقرة، 269) # وساعة تقول: هذا فنزلت. {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده} ~~(لقمان، 27) # الآية قال الزمخشري: وليس ما قالوا بلازم لأن القلة والكثرة يدوران مع ~~الإضافة فيوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافا إلى ما ~~تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى ~~علم الله فهي قليلة. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح ~~ولكن لم يخبر به لأن ترك أخباره كان علما لنبوته. قال البغوي: والأول أصح ~~أن الله استأثره بعلمه انتهى. وعن أبي يزيد لقد مضى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وما يعلم الروح. وقال الرازي: قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} من ~~فعل ربي وهذا الجواب يدل على أنهم سألوه أن الروح قديمة أو حادثة فقال: بل ~~هي حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه وإيجاده، ثم احتج على إحداث الروح ~~بقوله: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} بمعنى أن الروح في مبدأ الفطرة ~~تكون خالية عن العلوم والمعارف ثم تحصل المعارف والعلوم فهي لا تزال تكون ~~في التغير من حال إلى حال، وفي التبديل من نقصان إلى كمال والتغير والتبدل ~~من أمارات الحدوث. فقوله: {قل الروح من أمر ربي} يدل على أنهم سألوه أن ~~الروح هل هي حادثة أو قديمة فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق الله تعالى ~~وتكوينه وهو المراد من قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} . ثم استدل على ~~حدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال، وهو المراد بقوله: {وما أوتيتم ms1647 من ~~العلم إلا قليلا} فهذا ما نقوله في هذا الباب انتهى. وهو نص لطيف. ولما بين ~~سبحانه وتعالى أنهم ما آتاهم من العلم إلا قليلا بين أنه لو شاء أن يأخذ ~~منهم ذلك القليل أيضا لقدر عليه بقوله تعالى: # {ولئن شئنا} أي: ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء واللام موطئة للقسم وأجاب عن ~~القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال: {لنذهبن} أي: بما لنا من العظمة ذهابا ~~محققا {بالذي أوحينا إليك} بأن نمحو حفظه من القلوب وكتابته من الكتب وهذا ~~وإن كان امرا مخالفا للعادة إلا أنه تعالى قادر عليه. {ثم} أي: بعد الذهاب ~~به {لا تجد لك به علينا وكيلا} أي: لا تجد من تتوكل عليه في رد شيء منه ~~وإعادته مسطورا محفوظا. وقوله تعالى: # {إلا رحمة من ربك} استثناء متصل لأنه مندرج في قوله وكيلا. والمعنى إلا ~~أن يرحمك ربك فيرده عليك أو منقطع فتقدر لكن عند البصريين أو بل رحمة من ~~ربك عند الكوفيين. والمعنى ولكن رحمة من ربك أو بل رحمة من ربك بتركه غير ~~مذهوب به وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن. قال الرازي: وهذا تنبيه ~~على أن لله تعالى على جميع العلماء نوعين من المنة أحدهما: تسهيل ذلك العلم ~~عليهم. والثاني: إبقاء حفظه عليهم فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين ~~النعمتين وعن القيام بشكرهما وهما منة من الله تعالى عليه بحفظ العلم ~~ورسوخه في صدره ومنته عليه في بقاء المحفوظ. فإن قيل: كيف يذهب القرآن وهو ~~كلام الله تعالى؟ أجيب: بأن المراد محو ما في المصاحف وإذهاب ما في الصدور. ~~قال عبد الله بن مسعود: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى ~~يرفع قيل هذه المصاحف ترفع فكيف ما في صدور الناس قال: يسري عليه ليلا ~~فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا ولا يجدون في المصاحف شيئا ثم ~~يفيضون في الشعر. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من ~~حيث ms1648 نزل # PageV02P334 # له دوي تحت العرش كدوي النحل فيقول الرب ما لك؟ فيقول: يا رب أتلى ولا ~~يعمل بي. وفي رواية لابن مسعود أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما ~~تفقدون الصلاة وليصلين قوم ولا دين لهم وأن هذا القرآن تصبحون يوما وما ~~فيكم منه شيء فقال رجل: كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا ~~وتعلمه أبناؤنا ويعلمه أبناؤنا أبناؤهم؟ فقال: يسري عليه ليلا فيصبح الناس ~~منه فقراء ترفع المصاحف وينزع ما في القلوب وقوله تعالى: {إن فضله كان} أي: ~~ولم يزل {عليك كبيرا} فيه قولان أحدهما المراد منه أن فضله كان عليك كبيرا ~~بسبب إبقاء العلم والقرآن عليك. ثانيهما أن المراد أن فضله كان عليك كبيرا ~~بسبب أنه جعلك سيد ولد آدم وختم بك النبيين وأعطاك المقام المحمود، وقد ~~أنعم عليك أيضا بإبقاء العلم والقرآن عليك. # ونزل حين قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم لو نشاء لقلنا مثل هذا ~~القرآن. {قل} أي: لهؤلاء البعداء {لئن اجتمعت الأنس} الذين تعرفونهم ~~وتعرفون ما أوتوا من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم {والجن} الذين ~~يأتون كهانهم ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم وغيرهم وترك الملائكة لأنهم لا ~~عهد لهم بشيء من التصدي ولأنهم كانوا وسائط {على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} ~~في البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى {لا يأتون بمثله} أي: لا يقدرون على ~~ذلك فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب وهو كلام في أعلى ~~طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله. # تنبيه: في قوله تعالى: لا يأتون بمثله قولان أظهرهما أنه جواب للقسم ~~الموطأ له باللام والثاني: أنه جواب لشرط واعتذروا عن رفعه بأن الشرط ماض ~~فهو كقوله: # وإن أتاه خليل، أي: فقير يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم # لأن الشرط وقع ماضيا وناقشه أبو حيان بأن هذا ليس مذهب سيبويه ولا ~~الكوفيين والمبرد لأن مذهب سيبويه في مثله أن النية به التقديم ومذهب ~~الكوفيين والمبرد أنه على حذف الفاء وهذا مذهب ثالث ms1649 قال به بعض الناس: {ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا} أي: معينا بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه. ~~تنبيه: قد تقدم في سورة البقرة أن الله تعالى قال: {فأتوا بسورة من مثله} ~~(البقرة، 23) # وقدمنا الكلام على ذلك وفي وجه كون القرآن معجزا قولان أحدهما: أنه معجز ~~في نفسه. والثاني: أنه ليس في نفسه معجزا إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن ~~الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوفرة على الإتيان بهذه المعارضة مع ~~التقديرات المذكورة يكون نقضا للعادة فيكون معجزا والقول الأول أظهر. # {ولقد صرفنا} أي: بينا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان {للناس في ~~هذا القرآن من كل مثل} أي: من كل معنى هو كالمثل في غرابته ووقوعه متوقعا ~~في الأنفس. وقيل معناه من كل وجه من العبر والأحكام والوعد والوعيد والقصص ~~وغيرها. وقيل صفة لمحذوف، أي: مثلا من جنس كل مثل ليتعظوا {فأبى أكثر ~~الناس} وهم من هم في صورة الناس ككفار قريش وقد سلبوا معانيهم {إلا كفورا} ~~أي: جحودا. فإن قيل: كيف جاز {فأبى أكثر الناس إلا كفورا} ولم يجز ضربت إلا ~~زيدا؟ أجيب: بأن أبى متأول بالنفي كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفورا. # ولما تبين بالدليل إعجاز القرآن على وفق دعوى محمد # PageV02P335 # صلى الله عليه وسلم ولزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعللون باقتراح الآيات ~~فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة وذكروا من ذلك ستة أنواع من ~~المعجزات أولها: # {وقالوا} أي: كفار قريش ومن والاهم {لن نؤمن لك حتى تفجر} أي: تفجيرا ~~عظيما {لنا من الأرض ينبوعا} أي: عينا غزيرة الماء من شأنها أن تنبع بالماء ~~ولا ينضب ماؤها. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح التاء وسكون الفاء وضم ~~الجيم مخففة والباقون بضم التاء وفتح الياء وكسر الجيم المشددة ثانيها ~~قولهم: # {أو تكون لك} أنت وحدك {جنة من نخيل وعنب} أي: وأشجار عنب عبر عنه ~~بالثمرة لأن الانتفاع منه بغيرها قليل {فتفجر الأنهار} الجارية {خلالها} ~~أي: وسطها {تفجيرا} أي: تشقيقا والفجر شق الظلام عن عمود الصبح والفجور شق ms1650 ~~جلباب الحياء بما يخرج إلى الفساد ثالثها قولهم: # {أو تسقط السماء} أي: نفسها {كما زعمت} فيما تتوعدنا به {علينا كسفا} أي: ~~قطعا جمع كسفة وهي القطعة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بنصب السين مثل قطعة ~~وقطع وسدرة وسدر، والباقون بسكونها مثل دمنة ودمن وسدرة وسدر وهو نصب على ~~الحال في القراءتين جميعا كأنه قيل أو تسقط السماء علينا مقطعة. رابعها: ~~قولهم: {أو تأتي} معك {بالله} أي: الملك الأعظم {والملائكة قبيلا} أي: ~~عيانا ومقابلة ننظر إليه لا يخفى علينا شيء منه. وقال الضحاك: هو جمع ~~قبيلة، أي: أصناف الملائكة قبيلة قبيلة. قال ابن هانئ كفيلا، أي: يكفلون ~~بما تقول. خامسها: قولهم: # {أو يكون لك} أي: خاصا بك {بيت من زخرف} أي: ذهب كامل الحسن والزينة. ~~سادسها: قولهم: {أو ترقى} أي: تصعد {في السماء} درجة درجة ونحن ننظر إليك ~~صاعدا {ولن نؤمن} أي: نصدق مذعنين {لرقيك} أي: أصلا {حتى تنزل} وحققوا معنى ~~كونه من السماء بقولهم {علينا كتابا} ومعنى كونه في رق أو نحوه بقولهم ~~{نقرؤه} يأمرنا فيه بأتباعك. روى عكرمة عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ~~ربيعة وأبا البحتري بن هشام وعبد الله بن أمية وأمية بن خلف والوليد بن ~~المغيرة وأبا جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبهانا ومنبها ابني الحجاج ~~اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد ~~فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ~~يكلمونك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنهم بدا لهم ~~في أمره بداء وكان عليهم حريصا يحب رشدهم حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد ~~إنا بعثنا إليم لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم أن رجلا من العرب أدخل على ~~قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعيبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت ~~الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإن ~~كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جعلنا لك من أموالنا حتى ms1651 تكون أكثرنا ~~مالا، وإن كنت تريد الشرف سودناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، ~~وإن كان هذا الذي بك رئيا تراه قد غلب عليك لا تستطيع رده بذلنا أموالنا في ~~طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك وكانوا يسمون التابع من الجن ~~الرئي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما بي مما تقولون ما جئتكم بما ~~جئتكم به لطلب أموالكم ولا للشرف عليكم ولا للملك عليكم ولكن الله بعثني ~~إليكم رسولا وأنزل علي كتابا # PageV02P336 # وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا ~~مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه إلي أصبر لأمر الله تعالى حتى ~~يحكم # الله بيني وبينكم. فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك ~~فقد علمت أنه ليس أحد أضيق بلادا وأشد عيشا منا فسل لنا ربك الذي بعثك ~~فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت ويبسط لنا بلادنا ويفجر فيها أنهارا ~~كأنهار الشأم والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن منهم قصي بن كلاب ~~فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدقوك صدقناك. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت فقد بلغتكم ما أرسلت به ~~وإن تقبلوه فهو حظكم وإن تردوه أصبر لأمر الله. قالوا: فإن لم تفعل فسل ربك ~~أن يبعث ملكا يصدقك وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك ~~بها عما نراك فإنا نقوم بالأسواق ونلتمس المعاش كما تلتمسه فقال صلى الله ~~عليه وسلم ما بعثت بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا. قالوا: فأسقط السماء ~~كما زعمت إن ربك إن شاء فعل؟ فقال: ذاك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم. فقال ~~قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا، فلما قالوا ذلك قام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبد الله بن أمية وهو ابن عاتكة بنت ~~عبد المطلب، وقال له: عرض عليك ms1652 قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك أن ~~تجعل ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى ~~السماء سلما ترقى به، وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك، ونفر ~~من الملائكة يشهدون لك بما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك ~~فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا لما رأى من مباعدتهم ~~فأنزل الله هذه الآية» وفيها إشارة إلى أنه ليس من شرط كونه نبيا صادقا ~~تواتر المعجزات الكثيرة وتواليها إذ لو فتح هذا الباب لزم أن لا ينتهي ~~الأمر فيه إلى مقطع وكلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمعجز اقترحوا عليه ~~بمعجز آخر ولا ينتهي الأمر فيه إلى حد ينقطع عنه عناد المعاندين # وتعنت الجاهلين # مع أنه صلى الله عليه وسلم أعطى من الآيات والمعجزات ما أغنى عن هذا كله ~~مثل القرآن وانشقاق القمر وتفجير العيون من بين الأصابع وما أشبه ذلك. # ولما تم تعنتهم وكان لسان الحال طالبا من الله تعالى الجواب عنه أمر الله ~~تعالى بجوابهم بقوله تعالى: {قل} أي: لهؤلاء البعداء والأشقياء: {سبحان ~~ربي} أي: تعجبا من اقتراحاتهم وتنزيها لله من أن يأتي أو يتحكم عليه أو ~~يشاركه أحد في القدرة. وقرأ ابن كثير وابن عامر بصيغة الماضي والباقون قل ~~بصيغة الأمر و {هل كنت إلا بشرا} لا يقدر على غير ما يقدر عليه البشر ~~{رسولا} كما كان من قبلي من الرسل وكانوا لا يؤتون قومهم إلا بما يظهره ~~الله تعالى على أيديهم بما يلائم حال قومهم ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا ~~لهم أن يتحكموا على الله حتى يتخيروها. # هذا هو الجواب المجمل، وأما التفصيلي فقد ذكر في آيات أخر كقوله تعالى: ~~{ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم} (الأنعام، 7) # {ولو فتحنا عليهم بابا} (الحجر، 14) # ونحو ذلك. ولما أمر بما تضمن أنه كإخوانه من الرسل في كونه بشرا أتبعه ~~قوله عطفا على فأبى أو وقالوا: # {وما منع الناس} ms1653 أي: قريشا ومن قال بقولهم لما لهم من الاضطراب {أن ~~يؤمنوا} أي: لم يبق لهم مانع من الإيمان والجملة مفعول # PageV02P337 # منع {إذ جاءهم الهدى} أي: الدليل القاطع على الإيمان وهو القرآن وغيره من ~~الأدلة. وقرأ أبو عمرو وهشام بإدغام ذال إذ عند الجيم والباقون بالإظهار ~~وأمال الألف بعد الجيم حمزة وابن ذكوان محضة وإذا وقف حمزة على جاءهم سهل ~~الهمزة مع المد والقصر. {إلا أن قالوا} فاعل منع أن قالوا، أي: منكرين عليه ~~غاية الإنكار متعجبين متهكمين {أبعث الله بشرا رسولا} لأن الكفار كانوا ~~يقولون: لن نؤمن لك لأنك بشر، ولو بعث الله تعالى رسولا إلى الخلق لوجب أن ~~يكون ذلك الرسول من الملائكة فأجابهم الله تعالى بقوله: {قل} أي: لهؤلاء ~~المطرودين عن الرحمة {لو كان في الأرض ملائكة يمشون} عليها كالآدميين ~~{مطمئنين} أي: مستوطنين فيها كالبشر {لنزلنا عليهم} مرة بعد مرة كما فعلنا ~~في تنزيل جبريل عليه السلام على الأنبياء من البشر وحقق الأمر بقوله تعالى: ~~{من السماء ملكا رسولا} يعلمهم الخير ويهديهم المراشد لتمكنهم من التلقي ~~منه لمشاكلتهم له بخلاف البشر كما هو مقتضى الحكمة لأن رسول كل جنس ينبغي ~~أن يكون منهم إذ الشيء عن شكله أفهم وبه آنس وإليه أحن وله آلف إلا من فضله ~~الله تعالى بتغلب روحه على نفسه، وبتغلب عقله على شهوته فأقدره بذلك على ~~التلقي من الملك كالمرسلين ثم أجابهم الله تعالى جوابا آخر بقوله عز وجل: # {قل كفى بالله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلما. وأمال الألف حمزة ~~والكسائي محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح {شهيدا بيني ~~وبينكم} على أني رسوله إليكم ليظهر المعجزات على وفق دعواهم وإني بلغت ما ~~أرسلت به إليكم وأنكم عاندتم ومن يشهد الله على صدقه فهو صادق فعند ذلك قول ~~القائل بأن الرسول يجب أن يكون ملكا لا إنسانا تحكم فاسد لا يلتفت إليه. ~~تنبيه: شهيدا نصب على الحال أو التمييز، ثم إنه تعالى ذكر ما هو كالتهديد ~~والوعيد بقوله تعالى: {إنه كان بعباده خبيرا ms1654 بصيرا} يعلم ظواهرهم وبواطنهم، ~~ويعلم من قلوبهم أنهم لا ينكرون هذا إلا لمحض الحسد وحب الرياسة والاستنكاف ~~من الانقياد للحق. ولما تقدم أنه تعالى أعلم بالمهتدي والضال عطف عليه قوله ~~تعالى: # {ومن يهد الله} بأن يخلق الهداية في قلبه {فهو المهتدى} لا يمكن أحد غيره ~~أن يضله. تنبيه: أثبت نافع وأبو عمرو الياء بعد الدال مع الوصل دون الوقف ~~وحذفها الباقون وقفا ووصلا. {ومن يضلل فلن تجد لهم} أي: الضالين {أولياء} ~~يهدونهم {من دونه} ولا ينفعونهم بشيء أراد الله تعالى غيره. ولما كان يوم ~~القيامة يظهر الله فيه لكل أحد ما كان يعمله نبه على ذلك بقوله تعالى: ~~{ونحشرهم} بنون العظمة، أي: نجمعهم بكره {يوم القيامة} الذي هو محط الحكمة ~~{على وجوههم} مسحوبين عليها إهانة لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود لنا. قال ~~تعالى: {يوم يسحبون في النار على وجوههم} (القمر، 48) # أي: يمشون عليها. روى أبو هريرة قيل: يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم ~~قال: «إن الذي يمشيهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» . قال ~~حكماء الإسلام: إن الكفار أرواحهم شديدة التعلق بالدنيا ولذاتها وليس لها ~~تعلق بعالم الأنوار وحضرة الإله سبحانه وتعالى، فلما كانت وجوه قلوبهم ~~وأرواحهم متوجهة إلى الدنيا لا جرم كان حشرهم على وجوههم، وأما قوله تعالى: ~~{عميا وبكما وصما} فقد استشكله شخص على ابن عباس # PageV02P338 # فقال: أليس قد قال الله تعالى: {ورأى المجرمون النار} (الكهف، 53) # وقال تعالى: {سمعوا لها تغيظا وزفيرا} (الفرقان، 12) # وقال تعالى: {دعوا هنالك ثبورا} (الفرقان، 13) # وقال تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} (النحل، 111) # . وقال تعالى حكاية عن الكفار: {والله ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام، 23) # . فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون ويتكلمون فكيف قال تعالى هنا: ~~{عميا وبكما وصما} ؟ أجاب ابن عباس وتلامذته عنه من وجوه الأول: قال ابن ~~عباس عميا لا يرون شيئا يسرهم صما لا يسمعون شيئا يسرهم بكما لا ينطقون ~~بحجة الثاني قال في رواية عطاء عميا عن النظر، أي: عما جعله الله تعالى ~~لأوليائه وبكما ms1655 عن مخاطبة الله تعالى ومخاطبة الملائكة المقربين صما عن ~~ثناء الله تعالى عليهم. الثالث: قال مقاتل: إنه حين يقال لهم اخسؤوا فيها ~~ولا تكلمون يصيرون عميا بكما صما، أما قبل ذلك فهم يرون ويسمعون وينطقون. ~~الرابع: أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف ولولا ذلك لما قدروا أن ~~يطالعوا كتبهم ولا أن يسمعوا لإلزام حجة الله تعالى عليهم إلا أنهم إذا ~~أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم الله تعالى عميا بكما صما. قال ~~الرازي: والجواب الأول أولى لأن الآيات السابقة تدل على أنهم في النار ~~يبصرون ويسمعون ويصيحون. ثم بين تعالى مكانهم بقوله عز وجل: {مأواهم جهنم} ~~تسعر عليهم {كلما خبت} أي: أخذ لهبها في السكون عند أكلها لحومهم وجلودهم ~~{زدناهم سعيرا} توقد بإعادة الجلود واللحوم ملتهبة مسعرة كانهم لما كذبوا ~~بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله تعالى بأن لا يزالوا على الإعادة ~~والإفناء. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر بإظهار تاء التأنيث عند ~~الزاي وأدغمها الباقون. ثم بين علة تعذيبهم ليرجع منهم من قضى بسعادته ~~بقوله تعالى: # {ذلك} أي: العذاب العظيم {جزاؤهم بأنهم} أي: أهل الضلالة {كفروا بآياتنا} ~~القرآنية وغيرها وكانوا كل يوم يزدادون كفرا وهم عازمون على الدوام على ذلك ~~ما بقوا {وقالوا} إنكارا لقدرتنا {أئذا كنا عظاما ورفاتا} ممزقين في الأرض ~~ثم كرروا الإنكار كأنهم على ثقة من أمرهم هذا الذي بطلانه أوضح من الشمس ~~بقولهم {أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} فنحن نريهم جزاء على هذا الإنكار المكرر ~~الخلق الجديد في جلودهم ولحومهم مكررا كل لحظة، قال تعالى: {كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} (النسلء، 56) # . ثم أتبعه بقاطع في بيان جهلهم بقوله تعالى: # {أو لم يروا} أي: يعلموا بعيون بصائرهم على ما هو كالرؤية بعيون أبصارهم ~~لما قام عليه من الدلائل بصحته من الشواهد الجلائل {أن الله الذي خلق ~~السموات} جمعها لما دل على ذلك من الحسن، ولما لم تكن الأرض مثل ذلك أفردها ~~مريدا الجنس الصالح للجميع بقوله تعالى: {والأرض} على كبر أجرامها وعظم ms1656 ~~أحكامها، وقوله تعالى: {قادر على أن يخلق مثلهم} فيه قولان الأول: المعنى ~~قادر على أن يخلقهم ثانيا، فعبر عن خلقهم ثانيا بلفظة المثل كما يقوله ~~المتكلمون أن الإعادة مثل الابتداء. الثاني: أن المراد قادر على أن يخلق ~~عبيدا آخرين يوحدونه ويقرون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر هذه الشبهات ~~الفاسدة وعلى هذا فهو كقوله تعالى: {ويأت بخلق جديد} (إبراهيم، 19) # . وقوله تعالى: {ويستبدل قوما غيركم} (التوبة، 39) # . قال الواحدي: والقول هو الأول لأنه أشبه بما قبله. # ولما بين الله تعالى بالدليل المذكور أن البعث والقيام أمر ممكن # PageV02P339 # الوجود في نفسه أردفه ببيان أن لوقوعه في الوجود وقتا معلوما عند الله ~~وهو قوله تعالى: {وجعل لهم أجلا لا ريب} أي: لا شك {فيه} وهو الموت أو ~~القيامة {فأبى الظالمون إلا كفورا} أي: بعد هذه الدلائل الظاهرة أبوا إلا ~~الكفر والجحود. ولما قال الكفار: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا} فطلبوا إجراء الأنهار والعيون في بلدتهم لتكثر أموالهم ويتسع ~~عيشهم، بين تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم ~~بقوله تعالى: # {قل} أي: لهؤلاء المتعنتين {لو أنتم} أي: دون غيركم {تملكون خزائن} عبر ~~بصيغة منتهى الجموع لأن المقام جدير بالمبالغة {رحمة ربي} أي: خزائن رزقه ~~وسائر نعمه وذلك غير متناه. {إذا لأمسكتم} أي: لوقع منكم الإمساك عن ~~الإنفاق في بعض الوجوه التي تحتاجونها {خشية} أي: مخافة عاقبة {الإنفاق} ~~أي: الموصل إلى الفقر فكان المعنى أنكم لو ملكتم من الخير والنعم خزائن لا ~~نهاية لها لبقيتم على الشح والدناءة وهذا مبالغة عظيمة في وصفهم بهذا الشح. ~~وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: أنتم مرفوع بفعل يفسره ما بعده. قال ~~الزمخشري: تقديره لو تملكون جرى فيه على مذهب الكوفيين من أن لو يليها ~~الفعل مضمرا كما يليها ظاهرا والبصريون يمنعون إيلاء لها مضمرا إلا في شذوذ ~~كقول حاتم لو ذات سوار لطمتني، وأصل هذا المثل أن امرأة عطلاء من الحلي ~~والهيئة لطمت حاتما على نحر الناقة وقالت له بقسوة إنما أردناك بفصدها ~~والفصد ms1657 عندهم أن يقطع عرق من عروق ثم يجمع دمها فيشوى وقيل أصله أن المرأة ~~المذكوة لطمت رجلا فقال: لو ذات سوار لطمتني لاحتملتها فصار مثلا يضرب ~~لكريم يلطمه الدني، ثم استدل على صحة هذا المفروض بالشاهد من مضمون قولهم ~~{وكان} أي: جبلة وطبعا {الإنسان} أي: الذي من شأنه الأنس بنفسه فهو لذلك لا ~~يعقل الأمور حق عقلها {قتورا} أي: بخيلا. تنبيه: فتح الياء في ربي نافع ~~وأبو عمرو، وسكنها الباقون وهم على مراتبهم في المد. فإن قيل: قد يوجد في ~~جنس الإنسان من هو جواد كريم؟ أجيب: من وجوه الأول: أن الأصل في الإنسان ~~البخل لأنه خلق محتاجا والمحتاج لا بد وأن يحبس ما به يدفع الحاجة وأن ~~يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود به لأسباب من خارج فثبت أن الأصل في الإنسان ~~البخل. الثاني: أن الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد وليخرج عن عهدة ~~الواجب فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل. ~~الثالث: أن المراد بهذا الإنسان المعهود # السابق وهم الذين قالوا: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} . ~~ولما قدم سبحانه وتعالى أن أكثر الناس جحدوا الآيات لكونه تعالى حكم ~~بضلالهم ومن حكم بضلاله لا يمكن هداه شرع يسلي نبيه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بما أتفق لمن قبله من الأنبياء بقوله تعالى: # {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} أي: واضحات # واختلف في هذه الآيات فقال ابن عباس والضحاك هي العصا واليد البيضاء ~~والعقدة التي كانت بلسانه فحلها وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم. وقال مجاهد وعطاء: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم والعصا واليد والسنون ونقص من الثمرات. وقال البقاعي: وهي كما في ~~التوراة: العصا ثم الدم ثم الضفادع ثم القمل ثم موت البهائم ثم البرد ~~الكبار التي أنزلها # PageV02P340 # الله تعالى مع النار المضطرمة فكانت تهلك كل ما مرت عليه من نبات وحيوان ~~ثم الجراد ثم الظلمة ثم موت الأبكار من الآدميين وجميع الحيوان ثم قال: وقد ~~نظمتها ليهون ms1658 حفظها فقلت: # *عصا قمل موت البهائم ظلمة # ... جراد دم ثم الضفادع والبرد # *وموت بكور الآدمي وغيره # ... من الحي آتاه الذي عز وانفرد # قال: وكأنه عد اليد مع العصا آية، ولم تفرد اليد لأنه ليس فيها ضرر عليهم ~~اه. وقال البيضاوي: هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفجار ~~الماء من الحجر وانفلاق البحر ونتق الطور على بني إسرائيل وذكر محمد بن كعب ~~القرظي الطمس والبحر بدل السنين ونقص من الثمرات. وقال: كان الرجل منهم مع ~~أهله في فراشه وقد صارا حجرين والمرأة منهم قائمة تخبز وقد صارت حجرا. وقال ~~بعضهم: هي آيات الكتاب وهي أحكام يدل عليها. ما روي عن صفوان «أن يهوديا ~~قال لصاحبه: تعال نسأل هذا النبي فقال الآخر: لا تقل نبي، فإنه لو سمع صارت ~~له أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية: {ولقد آتينا موسى تسع آيات ~~بينات} فقال لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ~~ليقلته ولا تسرفوا ولا تقذفوا المحصنة ولا تفروا من الزخف وعليكم خاصة ~~اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبلوا يده، وقالوا: نشهد أنك نبي. قال: فما ~~منعكم أن تتبعوني؟ قالوا: إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا ~~نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود» . # وقال الرازي: علم أنه تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى ~~عليه السلام، أحدها: أنه تعالى أزال العقدة من لسانه، قيل في التفسير ذهب ~~أعجم وجاء فصيحا. ثانيها: انقلاب العصا حية. ثالثها: تلقف الحية حبالهم ~~وعصيهم مع كثرتها. رابعها: اليد البيضاء. وخمسة أخرى وهي الطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع والدم والعاشر شق البحر وهو قوله تعالى: {وإذ فرقنا بكم ~~البحر} (البقرة، 50) # والحادي عشر الحجر، وهو قوله تعالى: {أن اضرب بعصاك الحجر} ، (الأعراف، ~~160) # والثاني عشر: إظلال الجبل، وهو قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ~~ظلة} . (الأعراف، 171) # والثالث عشر: إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه. والرابع ms1659 عشر والخامس ~~عشر: قوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات} (الأعراف، ~~130) # والسادس عشر: الطمس على أموالهم حجارة من النخل والدقيق والأطعمة ~~والدراهم والدنانير. روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب عن قوله ~~تعالى: {تسع آيات بينات} () # فذكر محمد بن كعب في جملة التسع حل عقدة اللسان والطمس. فقال عمر بن عبد ~~العزيز: هكذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال: يا غلام أخرج ذلك الجراب فأخرجه ~~فنفضه فإذا بيض مكسور نصفين وجوز مكسور وفوم وعدس وحمص كلها حجارة، وقوله ~~تعالى: {فاسأل} ، أي: يا أعظم خلقنا {بني إسرائيل} يجوز أن يكون الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره. وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين ~~ولا همزة بعدها، والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ويجوز أن يكون ~~الخطاب له خاصة وأمره بالسؤال لهم ليتبين له كذبهم مع قومهم، أي: فاسأل بني ~~إسرائيل عامة الذين نبهوا قريشا على السؤال عن الروح كما في بعض الروايات، ~~وعن أهل الكهف وذي # PageV02P341 # القرنين وعن حديث موسى عليه السلام والمؤمنين منهم كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه {إذ} ، أي: عن ذلك حين {جاءهم} ، أي: جاء آباءهم فوقع له من ~~التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك {فقال} ، أي: فذهب إلى ~~فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ~~ذلك صدق ما يقتضيه الحال وهو أن قال: {له فرعون} عتوا واستكبارا {إني لآظنك ~~يا موسى مسحورا} ، أي: مخدوعا مغلوبا على عقلك فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار ~~السحر وهذا كما قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم {إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا} . (الإسراء، 47) # وقال في موضع آخر ساحر وأنهم ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل ~~مبالغة لأنه كالمخبر عن الفعل وفي الأمر بسؤال اليهود تنبيه على ضلالهم ~~ولما لم يؤمن فرعون على تواتر تلك الآيات وعظمها فكأنه قيل فما قال موسى ~~عليه السلام؟ فقيل: # {قال} لفرعون {لقد علمت} بفتح التاء قراءة غير الكسائي وقرأ الكسائي ms1660 ~~بضمها على إخباره عن نفسه. {وما أنزل هؤلاء} ، أي: الآيات {إلا رب السموات ~~والأرض} ، أي: خالقهما ومدبرهما حال كون هذه الآيات {بصائر} ، أي: بينات ~~يبصر بها صدقي، وأما السحر فإنه لا يخفى أنه خيال لا حقيقة له ولكنك تعاند. ~~تنبيه: قوله تعالى: هؤلاء الكلام عليه من جهة الهمزتين كالكلام على هؤلاء ~~إن كنتم في البقرة وقد تقدم الكلام على ذلك. # ثم حكى الله تعالى أن موسى قال لفرعون: {وإني} ، أي: وإن ظننتني يا فرعون ~~مسحورا {لأظنك يا فرعون مثبورا} ، أي: ملعونا مطرودا ممنوعا من الخير فاسد ~~العقل فعارضه موسى بذلك وشتان بين الظنين فإن ظن فرعون كذب صرف لعناده لرب ~~العالمين لوضوح مكابرته للبصائر التي كشف عنها ربها الغطاء فهي أوضح من ~~الشمس، وظن موسى عليه السلام قريب إلى الصحة واليقين من نظائر أماراته لأن ~~هذه الآيات ظاهرة وهذه المعجزات قاهرة. ولا يرتاب العاقل أنها من عند الله ~~وفي أنه تعالى أظهرها لأجل تصديقي وأنت منكرها فلا يحملنك على هذا الإنكار ~~إلا الحسد والعناد والبغي والجهل وحب الدنيا ومن كان كذلك كانت عاقبته ~~الدمار والثبور {فأراد} ، أي: فما تسبب عن هذا الذي هو موجب للإيمان في ~~العادة إلاأن فرعون أراد {أن يستفزهم} ، أي: يستخف بموسى وبمن آمن معه ~~ويخرجهم فيكونوا كالماء إذا سال من قولهم فز الجرح إذا سال. {من الأرض} ~~بالنفي والقتل للتمكن منهم كما أراد هؤلاء أن يستفزوك منها مما هم عليه من ~~الكفر والعناد. ثم أخذ تعالى يحذرهم سطواته بما فعل بمن كان قبلهم وأكثر ~~منهم وأشد بقوله تعالى: {فأغرقناه} ، أي: فتسبب عن ذلك أن رددنا كيده في ~~نحره كما قال تعالى: {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} (فاطر، 43) # . أراد فرعون أن يخرج موسى من أرض مصر لتتخلص له تلك البلاد والله تعالى ~~أهلك فرعون وجعل تلك الأرض خالصة لموسى ولقومه فأدخله البحر حين أدخل بني ~~إسرائيل فأنجاهم وأغرق آل فرعون {ومن معه جميعا} كما جرت به سنة الله تعالى ~~فيمن عاند بعد أن رأى الخوارق وكفر ms1661 النعمة وأفرط في البغي بعد ظهور الحق ~~فليحذر هؤلاء مثل ذلك ولا سيما إذا خرج رسولنا من بين أظهرهم ففي هذه الآية ~~وأمثالها بشارة له صلى الله عليه وسلم في أن الله تعالى يسلك به في النصرة ~~والتمكن سبيل إخوانه من الرسل عليهم الصلاة # PageV02P342 # والسلام. # {وقلنا من بعده} ، أي: الإغراق {لبني إسرائيل} الذين كانوا تحت يده أذل ~~من العبيد لتقواهم وإحسانهم {اسكنوا الأرض} ، أي: التي أراد أن يستفزكم ~~منها {فإذا جاء} ، أي: مجيئا محققا {وعد الآخرة} ، أي: القيامة بعد أن ~~سكنتم الأرض أحياء ودفنتم فيها أمواتا {جئنا} ، أي: بما لنا من العظمة ~~والقدرة {بكم} منها {لفيفا} ، أي: بعثناكم وإياهم مختلطين لا حكم لأحد على ~~آخر ولا دفع لأحد عن آخر على غير الحالة التي كانت في الدنيا ثم ميزنا ~~بعضكم عن بعض، ثم عطف سبحانه وتعالى على قوله تعالى: {ولقد صرفنا} قوله عز ~~وجل: # {وبالحق} ، أي: من المعاني الثابتة التي لا مرية فيها لا بغيره {أنزلناه} ~~نحن، أي: القرآن فهو ثابت لا يزول كما أن الباطل هو الذاهب الزائل وهذا ~~القرآن الكريم مشتمل على أشياء لا تزول وذلك لأنه مشتمل على دلائل التوحيد ~~وصفات الجلال والإكرام وعلى تعظيم الملائكة وتقرير نبوة الأنبياء وإثبات ~~الحشر والنشر والقيامة، وكل ذلك مما لا يقبل الزوال ويشتمل أيضا على شريعة ~~باقية لا يتطرق إليها النقص والتغيير والتحريف وأيضا هذا القرآن تكفل الله ~~تعالى بحفظه عن تحريف الزائغين وتبديل الجاهلين كما قال تعالى: {إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر، 9) # . {وبالحق} لا بغيره {نزل} هو ووصل إليهم على لسانك بعد إنزاله عليك كما ~~أنزلناه سواء غضا طريا محفوظا لم يطرأ عليه طارئ فليس فيه من تحريف ولا ~~تبديل كما وقع في كتاب اليهود الذين سألهم قومك ثم قال تعالى: {وما ~~أرسلناك} يا أفضل الخلق بما لنا من العظمة {إلا مبشرا} للمطيع {ونذيرا} ~~للعاصي من العقاب فلا عليك إلا التبشير والإنذار لا ما يقترحونه عليك من ~~المعجزات فإن قبلوا الدين الحق انتفعوا به وإلا فليس ms1662 عليك من كفرهم شيء، ثم ~~إن الله تعالى أخبر أن الحكمة في إنزال القرآن مفرقا بقوله عز وجل: # {وقرآنا} ، أي: وفصلنا أو وأنزلنا قرآنا {فرقناه} ، أي: أنزلناه منجما في ~~أوقات متطاولة قال سعيد بن جبير نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء ~~العليا إلى السماء السفلى، ثم فصل في السنين التي نزل فيها. # قال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة وقيل ثلاث وعشرون سنة والمعنى ~~قطعناه آية آية وسورة سورة ولم ينزل جملة {لتقرأه على الناس} ، أي: عامة ~~{على مكث} ، أي: مهل وتؤدة ليفهموه {ونزلناه} من عندنا بما لنا من العظمة ~~{تنزيلا} بعضه إثر بعض مفرقا بحسب الوقائع لأنه أتقن في فصلها وأعون على ~~الفهم لطول التأمل لما نزل من نجومه في مدة ما بين النجمين لغزارة ما فيه ~~من المعاني ثم إن الله تعالى هددهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله ~~تعالى: # {قل} لهؤلاء المضلين {آمنوا به} ، أي: القرآن {أو لا تؤمنوا} فالإيمان به ~~غير محتاج إليكم ولا موقوف عليكم لأنكم إن آمنتم به كان الحظ لكم وإلا لم ~~تضروا إلا أنفسكم فاختاروا ما تريدون فإن إيمانكم بالقرآن لا يزيده كمالا ~~وامتناعكم منه لا يورثه نقصانا وقوله تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من ~~قبله} ، أي: من قبل إنزاله ممن آمن به من بني إسرائيل تعليل له، أي: إن لم ~~تؤمنوا به وأنتم أهل جاهلية وشرك فإن خيرا منكم وأفضل وهم العلماء الذين ~~قرؤوا الكتب وعلموا ما الوحي وما الشرائع قد آمنوا به وصدقوه وثبت عندهم ~~أنه النبي العربي الموعود في كتبهم {إذا يتلى عليهم} ، أي: القرآن {يخرون ~~للأذقان} منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام. # PageV02P343 # قال الزجاج: الذقن مجمع اللحيين وكما يبتدئ الإنسان بالخرور إلى السجود ~~فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذقن. وقيل: إن الأذقان كناية عن اللحى ~~والإنسان إذا بالغ عند السجود في الخشوع والخضوع ربما مسح لحيته على ~~التراب، فإن اللحية يبالغ في تنظيفها فإذا عفرها الإنسان ms1663 بالتراب في حوض ~~المبالغة فقد أتى بغاية التعظيم، وقيل: إن الإنسان إذا استولى عليه خوف ~~الله تعالى فربما سقط على الأرض في معرض السجود كالمغشي عليه فيكون حينئذ ~~خروره على الذقن فقوله {يخرون للأذقان} كناية عن غاية ولهه وخوفه وخشيته. ~~فإن قيل: لم قال: {يخرون للأذقان سجدا} ولم يقل يسجدون؟ أجيب: بأن المقصود ~~من ذكر هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك حتى كأنهم يسقطون. فإن قيل: لم قال: ~~{يخرون للأذقان} ولم يقل على الأذقان؟ اجيب: بأن العرب تقول إذا خر الرجل ~~فوقع لوجهه خر للذقن ثم بين أن ذلك ليس سقوطا اضطراريا من كل جهة بقوله ~~تعالى: {سجدا} ، أي: يفعلون ذلك لما يعلمون من خيفته بما أوتوا من العلم ~~السالف وما في قلوبهم من الإذعان والخشية للرحمن. # {ويقولون} ، أي: على وجه التجديد المستمر {سبحان ربنا} تنزيها له عن خلف ~~الوعد {إن} ، أي: انه {كان} ، أي: كونا لا ينفك {وعد ربنا} ، أي: المحسن ~~إلينا بالإيمان وما تبعه من وجوه العرفان {لمفعولا} ، أي: دون خلف ولا بد ~~أن يأتي جميع ما وعد به في الكتب المنزلة وبشر به من بعثة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإنزال الفرقان عليه ومن الثواب والعقاب وهو تعريض بقريش حيث ~~كانوا يستهزؤون بالوعيد في قولهم أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ونحوه ~~مما في معناه الطعن في قدرة الله تعالى القادر على كل شيء وقوله تعالى: # {ويخرون للأذقان يبكون} كرره لاختلاف الحال والسبب فإن الأول للشك عند ~~إنجاز الوعد والثاني لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية ~~الله {ويزيدهم} ، أي: سماع القرآن خشوعا، أي: خضوعا وتواضعا ولين قلب ~~ورطوبة عين. ولما طالت الكلمات في المناظرة مع المشركين ومنكري النبوات ~~والجواب عن شبهاتهم أتبعها ببيان كيف يدعون الله ويطيعونه وكيف يذكرونه في ~~وقت الاشتغال بأداء العبودية فقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {قل} لهم {ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} واختلف في سبب نزول هذه الآية ~~فقال ابن عباس: إن رسول الله صلى ms1664 الله عليه وسلم قال: «ذات ليلة وهو ساجد ~~يا الله يا رحمن فسمعها ابو جهل وهم لا يعرفون الرحمن. فقال: إن محمدا ~~ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر مع الله تعالى يقال له الرحمن، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي: إن شئتم قولوا يا الله وإن شئتم قولوا يا ~~رحمن» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يجهر بالدعاء يقول: يا الله يا رحمن فسمعه أهل مكة فأقبلوا عليه فأنزل ~~الله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} الآية» . وعن ابن عباس أن ذكر ~~الرحمن كان في القرآن قليلا في أول ما أنزل وكان الذين قد أسلموا من اليهود ~~يسوءهم قلة ذلك لكثرته في التوراة كابن سلام وابن يامين وابن صوريا وغيرهم، ~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فنزل قوله تعالى: {قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن} ، فقال قريش: ما بال محمد كان يدعو إلها واحدا وهو الآن ~~يدعو إلهين ما نعرف الرحمن # PageV02P344 # إلا صاحب اليمامة فنزل {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} (الأنبياء، 36) ، ~~ونزل أيضا قوله تعالى: {قالوا وما الرحمن} (الرحمن، 60) ، وفرح مؤمنو أهل ~~الكتاب وهو قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن ~~الأحزاب} ، أي: مشركي قريش {من ينكر بعضه} (الرعد، 36) # . وعن ابن عباس «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: ~~{قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن} إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو أمان من السرقة، فإن رجلا من المهاجرين تلاها حين أخذ مضجعه ~~فدخل عليه سارق فجمع ما في البيت وحمله والرجل ليس بنائم حتى انتهى إلى ~~الباب فوجد الباب مردودا فوضع الكارة ففعل ذلك ثلاث مرات فضحك صاحب الدار ~~فقال: إني أحصن بيتي» . فإن قيل: إذا قال الرجل ادع زيدا أو عمرا فهم منه ~~كون زيد مغايرا لعمرو فيوهم كون الله تعالى غير الرحمن وحينئذ تقوى شبهة ~~أبي جهل لعنه الله تعالى؟ أجيب: بأن الدعاء ms1665 هنا بمعنى التسمية لا بمعنى ~~النداء والتسمية تتعدى إلى مفعولين يقال دعوته زيدا ثم يترك أحدهما استغناء ~~عنه فيقال دعوت زيدا والله والرحمن المراد بهما الاسم لا المسمى وأو ~~للتخيير فمعنى الآية ادعوا باسم الله أو ادعوا باسم الرحمن، أي: اذكروه ~~بهذا الاسم أو اذكروه بذلك الاسم فقوله ادعوا الله ينبه على ملزم في كرمه ~~بحكم الوعد من إفاضة الرحمة والكرم، وأيضا تخصيص هذين الاسمين بالذكر يدل ~~على على أنهما أشرف من سائر الأسماء وتقديم اسم الله على اسم الرحمن يدل ~~على أن قولنا الله أعظم الأسماء وتقدم الكلام على ذلك في تفسير بسم الله ~~الرحمن الرحيم والتنوين في قوله تعالى: {أيا ما تدعوا} عوض عن المضاف إليه ~~وما صلة للأبهام المؤكد والمعنى أيا تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله تعالى: ~~{فله الأسماء الحسنى} لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأنهما ~~منها ومعنى كونها أحسن الأسماء أنها مستقلة بمعاني التمجيد والتقديس ~~والتعظيم وقد قدمنا ذكر الأسماء الحسنى في الأعراف عند قوله تعالى: {ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها} (الأعراف، 180) # وبعض الأحاديث الواردة في فضلها فليراجع، ووقف حمزة والكسائي على الألف ~~بعد الياء ووقف الباقون على الألف بعد الميم، واختلف في تفسير ونزول قوله ~~تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} فروى ابن عباس أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به ~~فأوحى الله تعالى إليه {ولا تجهر بصلاتك} فيسمعه المشركون فيسبوا الله ~~تعالى عدوا بغير علم {ولا تخافت بها} فلا تسمع أصحابك {وابتغ بين ذلك ~~سبيلا} وروي «أنه صلى الله عليه وسلم طاف بالليل على دور الصحابة فكان أبو ~~بكر رضي الله تعالى عنه يخفي صوته بالقراءة في صلاته وكان عمر يرفع صوته، ~~فلما جاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ~~بكر: لم تخفي صوتك فقال: أناجي ربي وقد علم حاجتي، وقال لعمر: لم ترفع ~~صوتك؟ فقال: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان فأمر النبي ms1666 صلى الله عليه وسلم أبا ~~بكر أن يرفع صوته قليلا وعمر أن يخفض صوته قليلا» . وقيل معناه ولا تجهر ~~بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلا، بأن تجهر بصلاة الليل ~~وتخافت بصلاة النهار، وقيل إن المراد بالصلاة الدعاء، وهذا قول عائشة رضي ~~الله تعالى عنها وأبي هريرة ومجاهد، قالت عائشة: هي الدعاء. وروي هذا ~~مرفوعا أن # PageV02P345 # النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: «إنما ذلك في الدعاء ~~والمسألة» . قال عبد الله بن شداد كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا مالا وولدا يجهرون فأنزل الله تعالى ~~هذه، والمخافتة خفض الصوت والسكون يقال: صوت خفيت، أي: خفيض، ويقال للرجل ~~إذا مات قد خفت، أي: انقطع كلامه وخفت الزرع إذا ذبل والمستحب من ذلك ~~التوسط وهو أن يسمع نفسه كما روي عن ابن مسعود أنه قال: من لم يخافت لم ~~يسمع أذنيه وقد مدح الله تعالى المؤمنين بقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا ~~لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك # قواما} (الفرقان، 67) # وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عز من قائل: {ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} (الإسراء، 29) # وبعضهم قال الآية منسوخة بقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} ~~(الأعراف، 55) # . قال الرازي: وهو بعيد. ولما أمر الله تعالى أنه لا يذكر ولا ينادى إلا ~~بأسمائه الحسنى علم كيفية التحميد بقوله تعالى: # {وقل الحمد لله} ، أي: الملك الأعظم ثم ذكر سبحانه وتعالى من صفات ~~التنزيه والجلال وهي السلوب ثلاثة أنواع الأول قوله تعالى: {الذي لم يتخذ} ~~، أي: لكونه محيطا بالصفات الحسنى {ولدا} والسبب فيه وجوه الأول أن الولد ~~هو الشيء المتولد من جزء من أجزاء ذلك الشيء فكل من له ولد فهو مركب من ~~الأجزاء والمركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا ~~يستحق كمال الحمد. الثاني: أن كل من له ولد فإنه يمسك جميع النعم لولده ~~فإذا لم يكن له ms1667 ولد أفاض تلك النعم على عبيده. الثالث: أن الولد هو الذي ~~يقوم مقام الوالد بعد انقضائه وفنائه فلو كان له ولد لكان منقضيا ومن كان ~~كذلك لم يقدر على كمال الإنعام في كل الأوقات، فوجب أن لا يستحق الحمد على ~~الإطلاق. النوع الثاني: من الصفات السلبية قوله تعالى: {ولم يكن له} بوجه ~~من الوجوه {شريك في الملك} والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك ~~لم يعرف حينئذ أن هذه النعم والمنافع حصلت منه أو من شريكه فلا يعرف كونه ~~مستحقا للحمد والشكر. النوع الثالث قوله تعالى: {ولم يكن له ولي من الذل} ، ~~أي: ولم يواله من أجل مذلة به يدفعها بموالاته والسبب في اعتباره أنه لو ~~جاز عليه ولي يلي أمره كان مستوجبا لأعظم أنواع الحمد ومستحقا لأقسام الشكر ~~فنفي عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختيارا أو اضطرارا أو ~~ما يعاونه ويقويه ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد ~~لأنه كامل الذات المنفرد # بالإيجاد # المنعم على الإطلاق وما عداه ناقص مملوك نعمة أو منعم عليه ولذلك عطف ~~عليه قوله تعالى: {وكبره تكبيرا} ، أي: وعظمه تعظيما على نفي اتخاذ الولد ~~والشريك والذل وكل ما لا يليق به وترتيب الحمد على ذلك للدلالة على أنه ~~المستحق لجميع المحامد لكمال ذاته وتفرده في صفاته. # روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ الجهني عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يقول: «آية العز {الحمد لله الذين لم يتخذ ولدا ولم يكن له ~~شريك في الملك} إلى آخر السورة» . وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدونه في ~~السراء والضراء» . وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده» . وعن جابر بن عبد الله ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه # PageV02P346 # وسلم «إن أفضل الدعاء ms1668 الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله» . وعن سمرة ~~بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أحب الكلام إلى الله تعالى ~~أربع لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله لا يضرك بأيهن ~~بدأت» . أخرجه مسلم. وروي أن قول العبد الله أكبر خير له من الدنيا وما ~~فيها. وعن عمرو بن شعيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفصح ~~الغلام من بني عبد المطلب علمه وقل الحمد لله الآية، يقال أفصح الصبي في ~~منطقه فهم ما يقول. وعن عبد الله بن كعب قال: افتتحت التوراة بفاتحة سورة ~~الأنعام وختمت بخاتمة هذه السورة. وأما ما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري ~~وتبعهما ابن عادل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة بني ~~إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين كان له قنطار في الجنة والقنطار ألف ~~أوقية ومائتا أوقية» فحديث موضوع. ### | سورة الكهف # مكية # إلا {واصبر نفسك} الآية وهي مائة وعشر آيات وألف وخمسمائة وسبع وسبعون ~~كلمة وعدد حروفها ستة آلاف وثلاثمائة وستون حرفا. # {بسم الله} الذي لا كفء له ولا شريك {الرحمن} الذي أقام عباده على أوضح ~~الطرق بإنزال هذا الكتاب {الرحيم} بتفضيل من اختصه بالصواب وهو قوله تعالى: # {الحمد لله} تقدم الكلام عليه مستقصى في أول الفاتحة: {الذي أنزل على ~~عبده الكتاب} ، أي: القرآن رتب تعالى استحقاق الحمد على إنزاله تنبيها على ~~أنه أعظم إنعامه وخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالذكر لأن إنزال القرآن ~~نعمة عليه على الخصوص وعلى سائر الناس على العموم، أما كونه نعمة عليه فلأن ~~الله تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد ~~والتنزيه. وصفات الجلال والإكرام وأسرار أحوال الملائكة والأنبياء وأحوال ~~القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بأحوال العالم العلوي، وتعلق ~~أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب، وكيفية ~~ارتباط عالم الجسمانيات بعالم الروحانيات، ولا شك أن ذلك من أعظم النعم. ~~وأما كون هذا الكتاب نعمة علينا ms1669 فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام والوعد ~~والوعيد والعقاب. وبالجملة فهو كتاب كامل في أقصى الدرجات فكل أحد ينتفع به ~~بمقدار طاقته وفهمه فوجب عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته أن يحمدوه على ~~هذه النعم الجزيلة. وقال تعالى: {على عبده} لما في كل من الوصف بالعبودية ~~والإضافة إليه سبحانه وتعالى من الإعلام بتشريفه وإشارة إلى أنه الذي أسرى ~~به إلى حضرات مجده ليريه من آياته. ثم إنه تعالى وصف الكتاب بوصفين الأول ~~قوله تعالى: {ولم يجعل له} ، أي: فيه {عوجا} ، أي: اختلافا وتناقضا كما قال ~~تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء 84) ~~والجملة حال من الكتاب. # الوصف الثاني: قوله تعالى: {قيما} قال ابن عباس: يريد مستقيما، أي: ~~معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط. قال الرازي: وهذا عندي مشكل لأنه لا معنى ~~لنفي الإعوجاج إلا حصول الاستقامة فتفسير القيم بالمستقيم # PageV02P347 # يوجب التكرار بل الحق أن المراد من كونه قيما كونه سببا لهداية الخلق ~~وأنه يجري مجرى من يكون قيما للأطفال فالأرواح البشرية كالأطفال والقرآن ~~كالقيم المشفق القائم بمصالحهم وقال قبل ذلك أن الشيء يجب أن يكون كاملا في ~~ذاته ثم يكون مكملا لغيره، ويجب أن يكون تاما في ذاته ثم يكون فوق التمام ~~بأن يفيض عنه كمال الغير فقوله تعالى: {ولم يجعل له عوجا} إشارة إلى كونه ~~كاملا في ذاته وقوله: {قيما} إشارة إلى كونه مكملا لغيره. ونظيره قوله ~~تعالى في سورة البقرة في صفة الكتاب: {لا ريب فيه هدى للمتقين} (البقرة، 2) ~~فقوله: {لا ريب فيه} إشارة إلى كونه في نفسه بالغا في الصحة وعدم الإخلال ~~إلى حيث يجب على العاقل أن لا يرتاب فيه، وقوله: {هدى للمتقين} إشارة إلى ~~كونه سببا لهداية الخلق ولكمال حالهم فقوله تعالى: {ولم يجعل له عوجا} قائم ~~مقام قوله تعالى: {لا ريب فيه} قوله تعالى: {قيما} قائم مقام قوله تعالى: ~~{هدى للمتقين} . # واختلف النحويون في نصب قوله تعالى: {قيما} على أوجه: الأول قال في ~~«الكشاف» : لا يجوز جعله حالا من ms1670 الكتاب لأن قوله تعالى: {ولم يجعل له ~~عوجا} معطوف على قوله تعالى: {أنزل} فهو داخل في حيز الصلة وأنه لا يجوز. ~~قال: ولما بطل هذا وجب أن ينتصب بمضمر والتقدير ولم يجعل له عوجا جعله قيما ~~لأنه تعالى إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة. قال: فإن قلت فما ~~فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة وفي أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت: ~~فائدته التأكيد ورب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند ~~السبر والتصفح. # الوجه الثاني: أنه حال ثانية والجملة المنفية قبله حال أيضا كما مر وتعدد ~~الحال الذي حال واحد جائز، والتقدير أنزله غير جاعل له عوجا قيما. الوجه ~~الثالث: أنه حال أيضا ولكنه بدل من الجملة قبله لأنها حال وإبدال المفرد من ~~الجملة إذا كانت بتقدير مفرد جائز. ولما ذكر تعالى أنه أنزل على عبده هذا ~~الكتاب الموصوف بما ذكر أردفه ببيان ما لأجله أنزله بقوله عز وجل: {لينذر} ~~، أي: يخوف الكتاب الكافرين {بأسا} ، أي: عذابا {شديدا من لدنه} ، أي: ~~صادرا من عنده، وقرأ شعبة بإسكان الدال وكسر النون والهاء وصلة الهاء بياء ~~والباقون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء، وابن كثير على أصله بضم الهاء ~~في الوصل بواو. {ويبشر المؤمنين} ، أي: الراسخين في هذا الوصف، وقرأ حمزة ~~والكسائي بفتح الياء التحتية وسكون الموحدة، وضم الشين مخففة والباقون بضم ~~التحتية وفتح الموحدة وكسر الشين مشددة. {الذين يعملون الصالحات} وهي ما ~~أمر به خالصا له وذانك الشيئان مفتاح الإيمان. {أن لهم} ، أي: بسبب أعمالهم ~~{أجرا حسنا} هو الجنة حال كونهم. # {ماكثين فيه أبدا} بلا انقطاع أصلا فإن الأبد زمان لا آخر له، وقوله ~~تعالى: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} معطوف على قوله تعالى: {لينذر ~~بأسا شديدا من لدنه} والمعطوف يجب كونه مغايرا للمعطوف عليه، فالأول عام في ~~حق كل كافر، والثاني خاص بمن أثبت لله ولدا. وعادة القرآن جارية بأنه ~~إذاذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك ~~الكلي ms1671 كقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة، 98) فكذا ههنا ~~هذا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر إثبات الولد لله تعالى. # تنبيه: الذين أثبتوا لله ولدا ثلاث طوائف الأولى: # PageV02P348 # كفار العرب الذين قالوا الملائكة بنات الله. الثانية: النصارى الذين ~~قالوا المسيح ابن الله. الثالثة: اليهود الذين قالوا عزير ابن الله. ثم إنه ~~تعالى أنكر على القائلين ذلك من وجهين الأول: قوله تعالى: {ما لهم به} ، ~~أي: القول. {من علم} ، أي: أصلا لأنه مما لا يمكن أن يتعلق العلم به لأنه ~~لا وجود له ولا يمكن وجوده، ثم قرر تعالى هذا المعنى وأكده بقوله: {ولا ~~لآبائهم} الذين يغتبطون بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله عاقل ~~ولو أخطؤوا في تصرف دنيوي لم يتبعوهم فيه. فإن قيل: اتخاذ الله ولدا محال ~~في نفسه فكيف قيل ما لهم به من علم؟ أجيب: بأن انتفاء العلم بالشيء قد يكن ~~للجهل بالطريق الموصل إليه وقد لا يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق ~~العلم به، ونظيره قوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} ~~(المؤمنين، 117) . الوجه الثاني: {كبرت} ، أي: مقالتهم {كلمة} ، أي: ما ~~أكبرها من كلمة وصور فظاظة اجترائهم على النطق بهابقوله تعالى: {تخرج من ~~أفواههم} ، أي: لم يكفهم خطورها في أنفسهم وترددها في صدورهم حتى تلفظوا ~~بها وكان صدورهم بها على وجه التكرير كما يشير إليه التعبير بالمضارع. ~~تنبيه: سميت هذه كلمة كما يسمون القصيدة كلمة. ثم بين تعالى ما أفهمه ~~الكلام من أنه كما أنهم لا علم لهم بذلك لا علم لأحد به أصلا لأنه لا وجود ~~له فقال تعالى: {إن} ، أي: ما {يقولون إلا كذبا} ، أي: قولا لا حقيقة له ~~بوجه من الوجوه. ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمان قومه ~~شفقة عليهم وغيرة على المقام الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيما خفض عليه سبحانه ~~وتعالى بقوله تعالى: # {فلعلك باخع} ، أي: قاتل {نفسك} من شدة الغم والوجد وأشار تعالى إلى شدة ~~نفرتهم وسرعة ms1672 مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله عز من قائل: {على آثارهم} ، ~~أي: حين تولوا عن التوحيد وعن إجابتك {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} ، أي: ~~القرآن المتجدد تنزيله على حسب التدريج {أسفا} منك على ذلك والأسف شدة ~~الحزن والغضب. فإن قيل: ذلك يدل على حدوث القرآن؟ أجيب: بأنه محمول على ~~الألفاظ وهي حادثة. ثم بين سبحانه وتعالى علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ~~ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده تعالى، ~~وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره بقوله عز وجل: # {إنا} ، أي: إنا لا نفعل ذلك لأنا {جعلنا ما على الأرض} من الحيوان ~~والنبات والشجر والأنهار والمعادن وغير ذلك. وقال بعضهم: بل المراد الناس ~~فهم زينة الأرض، وبالجملة فليس في الأرض إلا المواليد الثلاثة وهي المعادن ~~والنبات الشامل للشجر والحيوان وأشرف أنواع الحيوان الإنسان. {زينة لها} ، ~~أي: الأرض قيل المراد أهلها، أي: زينة لأهلها. قال الرازي: ولا يمتنع أن ~~يكون ما تحسن به الأرض زينة لها كما جعل الله السماء مزينة بالكواكب. ولما ~~أخبر تعالى بزينتها أخبر تعالى بعلته بقوله تعالى: {لنبلوهم} ، أي: نعاملهم ~~معاملة المختبر {أيهم أحسن عملا} بإخلاص الخدمة لربه فيصير ما كنا نعلمه ~~منهم ظاهرا فإن الله تعالى يعلم السر وأخفى، لتقام به عليهم الحجة على ما ~~يتعارفونه بينهم بأن من أظهر موافقة الأمر فيما نال من الزينة حاز المثوبة ~~ومن اجترأ على مخالفة الأمر بما آتاه منها استحق العقوبة فكأنه تعالى يقول: ~~يا محمد إني خلقت الأرض وزينتها وأخرجت منها أنواع المنافع # PageV02P349 # والمصالح والمقصود من خلقها بما فيها من المنافع ابتلاء الخلق بهذه ~~التكاليف ثم إنهم يكفرون ويتمردون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم ~~فأنت أيضا يا محمد لا ينبغي أن تنتهي في الحزن بسبب كفرهم إلى أن تترك ~~الاشتغال بدعوتهم إلى الدين الحق. ثم إنه تعالى لما بين أنه إنما زين الأرض ~~لأجل الامتحان والابتلاء لا لأجل أن يبقى الإنسان فيها متنعما بها أبدا، ~~زهد فيها بقوله تعالى: # {وإنا ms1673 لجاعلون ما عليها} من جميع تلك الزينة لا يصعب علينا شيء منه ~~{صعيدا} ، أي: فتاتا {جزرا} ، أي: يابسا لا ينبت ونظيره قوله تعالى: {كل من ~~عليها فان} (الرحمن، 26) . وقوله تعالى: {فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا} (طه: 106، 107) . وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء ~~الأرض إلا أن سائر الآيات على أن الأرض أيضا لا تبقى كما قال تعالى: {يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض} (إبراهيم، 84) . ولما أن القوم تعجبوا في قصة أصحاب ~~الكهف وسألوها النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتحان قال تعالى: # {أم حسبت} ، أي: ظننت على ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين {أن أصحاب ~~الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} على ما لزم من تهويل السائلين من ~~الكفرة من اليهود والعرب والواقع أنهم كانوا من العجائب ليسوا بعجب بالنسبة ~~إلى كثرة آياتنا فإن من كان قادرا على تخليق السموات والأرض كيف يستبعد من ~~قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم والكهف ~~الغار الواسع في الجبل، واختلف في الرقيم فقيل هو اسم كلبهم قال أمية بن ~~أبي الصلت: # وليس بها إلا الرقيم مجاورا # وصيدهم؛ وهو بكسر الصاد مفعول مجاورا، أي: فناءهم. والقوم في الكهف هجد؛، ~~أي: نوم، وقيل هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم وقصصهم جعل على باب الكهف. ~~قال البغوي: وهذا أظهر الأقاويل. وقيل: إن الناس رقموا حديثهم نقرا في ~~الجبل وقيل هو الوادي الذي فيه الكهف، وقيل الجبل وقيل قريتهم، وقيل أصحاب ~~الرقيم قوم آخرون غير أصحاب الكهف كانوا ثلاثة يطلبون الكلأ أو نحوه لأهلهم ~~فأخذهم المطر فأووا إلى الكهف فانحطت صخرة وسدت عليهم بابه فقال أحدهم: ~~اذكروا ايكم عمل حسنة لعل الله يرحمنا ببركته فقال واحد: استعملت أجراء ذات ~~يوم فجاء رجل منهم وسط النهار وعمل في بقيته مثل عملهم فأعطيته مثل أجرهم ~~فغضب أحدهم وترك أجره فوضعته في جانب البيت فمر بي بقر فاشتريت فصيلة ~~والفصيلة ولد الناقة إذا انفصل عن أمه فبلغت ما شاء الله ms1674 فرجع إلي بعد حين ~~شيخا ضعيفا لا أعرفه وقال: إن لي عندك حقا وذكره حتى عرفته فدفعتها إليه ~~جميعا اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا فانصدع عنهم الجبل حتى رأوا ~~الضوء والصدع الشق والصداع وجع الرأس. وقال آخر: كان في فضل وأصاب الناس ~~شدة فجاءتني امرأة تطلب مني معروفا فقلت: والله ما هو دون نفسك فأبت وعادت ~~ثم رجعت ثلاثا ثم ذكرت ذلك لزوجها فقال: أجيبي له وأعيني عيالك فأتت وسلمت ~~إلي نفسها فلما كشفتها وهممت بها ارتعدت فقلت لها: ما لك؟ فقالت: أخاف الله ~~تعالى: فقلت لها: خفتيه في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ~~ملتمسها اللهم إن كنت فعلته لوجهك # PageV02P350 # فافرج عنا فانصدع حتى تعارفوا. وقال الثالث: كان لي أبوان هرمان وكان لي ~~غنم وكنت أطعمهما وأسقيهما ثم أرجع إلى غنمي فحبسني ذات يوم غيم فلم أرجع ~~حتى أمسيت فأتيت أهلي وأخذت محلبي فحلبت فيه ومضيت إليهما قوجدتهما نائمين ~~فشق علي أن أوقظهما فوقفت حابسا محلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما ~~اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك الكريم فافرج عنا ففرج # الله عنهم فخرجوا وقد رفع ذلك النعمان بن بشير وقد قدمنا سبب نزول قصة ~~أصحاب الكهف عند قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح} (الإسراء، 85) . # وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة مشروحا فقال: كان النضر بن الحرث ~~من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، ~~وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث رستم واسفنديار، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا جلس مجلسا ذكر فيه الله تعالى وحذر قومه ما أصاب من كان ~~قبلهم من الأمم، وكان النضر يخلفه في مجلسه إذا قام وقال: أنا والله يا ~~معشر قريش أحسن حديثا منه فهلموا فأنا أحدثكم بأحسن من حديثه ثم يحدثهم عن ~~ملوك فارس ثم قال: إن قريشا بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار ~~يهود بالمدينة وقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفته فإنهم أهل ms1675 الكتاب الأول ~~وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما المدينة ~~فسألا أحبار اليهود عن أحوال محمد فقال لهم اليهود سلوه عن ثلاثة؛ عن فتية ~~ذهبوا في الدهر الأول فإن حديثهم عجيب. وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ~~ومغاربها. وسلوه عن الروح وما هي فإن أخبركم فهو نبي وإلا فهو متقول، فلما ~~قدم النضر وصاحبه مكة قالا قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد وأخبراهم بما ~~قالته اليهود، فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «أخبركم بما سألتم عنه غدا» ، ولم يستئن فانصرفوا عنه ~~فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لم ينزل عليه ~~وحي وشق عليه ذلك ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله بسورة أهل الكهف ~~وفيها معاتبة الله تعالى إياه على جراءته عليهم وفيها خبر أولئك الفتية ~~وخبر الرجل الطواف ثم بدأ بالفتية فقال: # {إذ} ، أي: واذكر إذ {أوى الفتية} وهم أصحاب الكهف المسؤول عنهم جميع فتى ~~وهو الشاب الكامل والشباب أقبل إلى الحق وأهدى للسبيل من الشيوخ {إلى ~~الكهف} خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار واختلفوا في سبب مصيرهم إلى ~~الكهف، فقال محمد بن إسحاق بن يسار: مرج اهل الانجيل وكثرت فيهم الخطايا ~~وطغت فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت وفيهم بقايا على دين ~~المسيح متمسكين بعبادة الله وتوحيده وكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من ~~الروم يقال له ذقيانوس عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه وكان ينزل ~~قرى الروم فلا يترك في قرية نزلها أحد إلا فتنه عن دينه حتى يعبد الأصنام ~~أو يقتله ثم نزل مدينة أهل الكهف وهي أفسوس فلما نزل بها كبر على أهل ~~الإيمان فاستخفوا منه وهربوا في كل وجه واتخذ شرطا من الكفار وأمرهم أن ~~يتبعوهم في أماكنهم ويخرجوهم إليه فيخيروهم بين القتل وبين عبادة الأوثان ~~والذبح للطواغيت فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن # PageV02P351 # يعبد ms1676 غير الله تعالى فيقتل فلما رأى ذلك أهل الشدة في الإيمان جعلوا ~~يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل فيقتلون ويقطعون ثم جعل ما قطع من أجسامهم على ~~سور المدينة من نواحيها وعلى كل باب من أبوابها حتى عظمت الفتنة فلما رأى ~~ذلك الفتية حزنوا حزنا شديدا فقاموا واشتغلوا بالصلاة والصيام والدعاء ~~والتسبيح وكانوا من أشراف المدينة ومن أشراف الروم وكانوا ثمانية نفر بكوا ~~وتضرعوا إلى الله تعالى وجعلوا يقولون ربنا اكشف عن عبادك المؤمنين هذه ~~الفتنة وارفع عنهم هذا البلاء حتى يعلنوا عبادتك فبينما هم على ذلك وقد ~~دخلوا مصلى لهم أدركهم الشرط فوجدوهم سجودا على وجوههم يبكون ويتضرعون إلى ~~الله تعالى فقالوا لهم: ما خلفكم عن أمر الملك انطلقوا إليه ثم خرجوا ~~فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس فقالوا: نجمع الناس للذبح لآلهتك وهؤلاء الفتية ~~من أهل بيتك يستهزؤون بك ويعصون أمرك فلما سمع ذلك بعث إليهم فأتى بهم تفيض # أعينهم من الدمع معفرة وجوههم في التراب فقال لهم: # ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض وتجعلوا أنفسكم ~~بأسوة سراة أهل مدينتكم؟ اختاروا إما إن تذبحوا لآلهتنا وإما أن أقتلكم ~~فقال له كبيرهم: واسمه مكسلمينا إن لنا إلها ملء السموات والأرض عظمته لن ~~ندعو من دونه إلها أبدا له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصا ابدا ~~إياه نعبد وإياه نسأل النجاة والخير، وأما الطواغيت فلن نعبدها أبدا، اصنع ~~ما بدا لك وقال أصحابه مثل ما قال، فلما قالوا ذلك أمر الملك بنزع لباسهم، ~~وحلية كانت عليهم من الذهب والفضة، وقال: سأفرغ لكم وأنجز لكم ما وعدتكم من ~~العقوبة، وما يمنعي أن أعجل لكم ذلك إلا أني أراكم شبابا حديثة أسنانكم فلا ~~أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلا تذكرون فيه وترجعون إلى عقولكم ثم أمر بهم ~~فأخرجوا من عنده وانطلق إلى مدينة أخرى قريبة منهم لبعض أموره فلما رأى ~~الفتية خروجه بادروا قدومه وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم فائتمروا ~~بينهم أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه ms1677 فيتصدقوا منها ويتزودوا بما ~~بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة فمكثوا فيه ويعبدوا الله تعالى حتى ~~إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع بهم ما يشاء فلما قال ذلك ~~بعضهم لبعض عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فاخذ نفقة فتصدق منها وانطلقوا ~~بما بقي معهم واتبعهم كلب كان لهم حتى إذا أتوا ذلك الكهف فلبثوا فيه. # وقال كعب الأحبار: مروا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مرارا فقال ~~لهم الكلب ما تريدون مني لا تخشوا جنايتي أنا أحب أحباب الله عز وجل فناموا ~~حتى أحرسكم. # وقال ابن عباس: هربوا ليلا من دقيانوس وكانوا سبعة، فمروا براع معه كلب ~~فتبعهم على دينهم وتبعه كلبه فخرجوا من البلد إلى الكهف وهو قريب من البلد ~~قال ابن اسحق فلبثوا فيه ليس لهم عمل غير الصلاة والصيام والتسبيح والتمجيد ~~ابتغاء وجه الله تعالى وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له تمليخا فكان ~~يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا وكان من أجملهم وأجلدهم وكان إذا دخل ~~المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا ويأخذ ثيابا كثياب المساكين الذين ~~يستطعمون فيها ثم ياخذ ورقه وينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما وشرابا # PageV02P352 # ويتجسس لهم الخبر هل ذكروا أصحابه بشيء ثم يرجع إلى أصحابه فلبثوا في ذلك ~~ما شاء الله أن يلبثوا ثم قدم دقيانوس المدينة وأمر عظماء أهلها أن يذبحوا ~~للطواغيت ففزع من ذلك أهل الإيمان وكان تمليخا يشتري لأصحابه طعامهم فرجع ~~إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل أخبرهم أن الجبار قد دخل المدينة وأنهم ~~قد ذكروا والتمسوا من عظماء المدينة ففزعوا ووقعوا سجودا يدعون ويتضرعون ~~ويتعوذون من الفتنة ثم إن تمليخا قال لهم: يا إخوتاه ارفعوا رؤوسكم واطعموا ~~وتوكلوا على ربكم، فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع فطعموا ذلك مع غروب ~~الشمس ثم جعلوا يتحدثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضا فينما هم كذلك إذ ضرب ~~الله على آذانهم في الكهف وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف فأصابهم ما أصابهم ~~وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند ms1678 رؤوسهم فلما كان الغد تفقدهم دقيانوس ~~فالتمسهم فلم يجدهم فقال لبعض عظمائه وعظماء المدينة لقد ساءني شأن هؤلاء ~~الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوا أن بي غضبا عليهم لجهلهم ما جهلوا من ~~أمري ما كنت لأجهل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتي. # فقال عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة، فقد كنت ~~أجلت لهم أجلا ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا فلما قالوا ~~ذلك غضب غضبا شديدا ثم أرسل إلى آبائهم فأتي بهم فسألهم وقال: أخبروني عن ~~أبنائكم المردة الذين عصوني فقالوا له: أما نحن فلم نعصك فلم تقتلنا بقوم ~~مردة قد ذهبوا بأموالنا وأهلكوها في أسواق المدينة ثم انطلقوا فارتقوا إلى ~~جبل يدعى بنجلوس فلما قالوا ذلك خلا سبيلهم وجعل ما يدري ما يصنع بالفتية، ~~فألقى الله تعالى في قلبه أن يسد باب الكهف عليهم واراد الله تعالى أن ~~يكرمهم بذلك ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم وأن يبين لهم {أن الساعة ~~آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} (الحج، 7) ، قوله بنجلوس ~~هكذا في النسخ والذي في حياة الحيوان منحلوس اه. فأمر دقيانوس بالكهف أن ~~يسد عليهم وقال: دعوهم كما هم في الكهف يموتون جوعا وعطشا ويكون كهفهم الذي ~~اختاروه قبرا لهم وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله ~~أرواحهم وفاة النوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم ~~يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال، ثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس ~~يكتمان إيمانهما ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وخبرهم في لوحين من رصاص ~~ويجعلاهما في تابوت من نحاس ويجعلا التابوت في البنيان وقالا: لعل الله ~~يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة فيعلم من يفتح عليهم ~~خبرهم حين يقرأ الكتاب ففعلا ذلك وبنيا عليه وبقي دقيانوس ما بقي ثم مات ~~وقومه وقرون بعده كثيرة. وقد حكى الله تعالى عنهم أنهم لما أووا إلى الكهف ~~{فقالوا} ، أي: عقب استقرارهم فيه {ربنا ms1679 آتنا من لدنك} ، أي: من عندك ~~{رحمة} توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من عدوك {وهيئ لنا من أمرنا} ، أي: ~~من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار {رشدا} الرشد والرشد والرشاد نقيض ~~الضلال وفي تفسير اللفظ وجهان الأول أن # التقدير هيئ لنا أمرا ذا رشد، أي: حتى نصير بسبببه راشدين مهتدين. ~~الثاني: اجعل أمرنا رشدا كله كقولك رأيت منك رشدا. ولما أجابهم سبحانه ~~وتعالى عبر عن ذلك بقوله تعالى: # {فضربنا} ، أي: عقب هذا القول # PageV02P353 # وبسببه {على آذانهم} حجابا يمنع السماع، أي: أنمناهم نومة لا تنبههم ~~الأصوات الموقظة فحذف المفعول الذي هو الحجاب كما يقال بنى على امرأته ~~يريدون بنى عليها القبة. ثم بين تعالى أنه إنما ضرب على آذانهم {في الكهف} ~~، أي: المعهود وهو ظرف مكان وقوله تعالى: {سنين} ظرف زمان وقوله تعالى: ~~{عددا} ، أي: ذوات عدد يحتمل التكثير والتقليل فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده ~~كقوله تعالى: {لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} (الأنفاق، 35) . وقال الزجاج: ~~إذا قل الشيء فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى أن يعد وإذا كثر أحتاج إلى أن ~~يعد {ثم بعثناهم} ، أي: أيقظناهم من ذلك النوم {لنعلم} ، أي: علم مشاهدة ~~وقد سبق نظير هذه الآية في القرآن كثيرا منها ما سبق في سورة البقرة {إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} (البقرة، 143) # . وفي آل عمران: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} (آل عمران، 142) # وقد نبهنا على ذلك في محله {أي الحزبين} ، أي: الفريقين المختلفين في مدة ~~لبثهم {أحصى لما لبثوا أمدا} واختلفوا في الحزبين المختلفين فقال عطاء عن ~~ابن عباس: المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك ~~وأصحاب الكهف. وقال مجاهد: الحزبان من الفتية أصحاب الكهف لما تيقظوا ~~اختلفوا في أنهم كم لبثوا ويدل له قوله تعالى: {قال قائل منهم كم لبثتم ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} (الكهف، 19) # فالحزبان هما هذان وكان الذين {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} هم الذين ~~علموا أن لبثهم قد تطاول. ms1680 وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان ~~أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم. تنبيه: أحصى فعل ماض، أي: أيهم ضبط أمر ~~أوقات لبثهم وأما من جعله أفعل تفضيل فقال في «الكشاف» : ليس بالوجه السديد ~~وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس ونحو أعدى من الجرب وأفلس ~~من ابن المذلق شاذ والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به. ثم قال ~~الله تعالى: # {نحن} ، أي: بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة {نقص عليك} يا أشرف الخلق ~~{نبأهم} ، أي: خبرهم العظيم قصا ملتبسا {بالحق} ، أي: الصدق {إنهم فتية} ، ~~أي: شبان {آمنوا بربهم} ، أي: المحسن إليهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم، ثم ~~وصفهم الله تعالى بقوله: {وزنادهم} بعد أن آمنوا {هدى} بما قذفناه في ~~قلوبهم من المعارف {وربطنا على قلوبهم} ، أي: قويناها فصار ما فيها من ~~القوى مجتمعا غير مبدد فكانت حالهم في الجلوة حالهم في الخلوة. {إذ قاموا} ~~، أي: وقت قيامهم بين يدي الجبار دقيانوس من غير مبالاة به حين عاتبهم على ~~ترك عبادة الأصنام {فقالوا ربنا رب السموات والأرض} وذلك لأنه كان يدعو ~~الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله تعالى هؤلاء الفتية حتى عصوا ذلك ~~الجبار وأقروا بربوبية الله تعالى وصرحوا بالبراءة من الشرك والأنداد ~~بقولهم: {لن ندعو من دونه إلها} لأن ما سواه عاجز والله {لقد قلنا إذا} ، ~~أي: إذا دعونا من دونه غيره {شططا} ، أي: قولا ذا بعد عن الحق جدا. وقال ~~مجاهد: كانوا أبناء عظماء مدينتهم فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ~~ميعاد فقال رجل منهم هو أكبر القوم: إني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أن أحدا ~~يجده قالوا: ما تجد؟ قال: أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض. قالوا: ~~نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعا فقالوا: {ربنا رب السموات والأرض} . وقال ~~عطاء: قالوا ذلك عند قيامهم من النوم. قال الرازي: وهو بعيد # PageV02P354 # لأن الله تعالى استأنف قصتهم بقوله تعالى: {نحن نقص عليك} . وقال عبيد بن ~~عمير: كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسورين ms1681 ذوي ذوائب، وكان معهم كلب ~~صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي ~~يعبدونها وقد قذف الله تعالى في قلوب الفتية الإيمان، وكان أحدهم وزير ~~الملك فآمنوا وأخفى كل واحد إيمانه فقالوا في أنفسهم: نخرج من بين أظهر ~~هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم فخرج شاب # منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده فرجا أن ~~يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك ثم خرج آخر فخرجوا كلهم جميعا ~~فاجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم وكل واحد يكتم صاحبه مخافة على نفسه ثم ~~قالوا: ليخرج كل فتيين فيخلوا ثم يفشي كل واحد سره إلى صاحبه ففعلوا فإذا ~~هم جميعا على الإيمان، وإذا بكهف في الجبل قريب منهم فقال بعضهم لبعض: # هؤلاء قومنا} وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا {اتخذوا من دونه ~~آلهة} أشركوهم معه تعالى لشبهة واهية {لولا} ، أي: هلا {يأتون عليهم ~~بسلطان} ، أي: دليل {بين} ، أي: ظاهر مثل ما نأتي نحن على تقرير معبودنا ~~بالأدلة الظاهرة فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين فلذلك قالوا: ~~{فمن أظلم} ، أي: لا أحد أظلم {ممن افترى} ، أي: تعمد {على الله} ، أي: ~~الملك الأعظم {كذبا} بنسبة الشريك إليه تعالى. ثم قال بعض الفتية لبعض: # {وإذ} ، أي: وحين {اعتزلتموهم} ، أي: قومكم {وما يعبدون} ، أي: واعتزلتم ~~معبودهم وقولهم: {إلا الله} يجوز أن يكون استثناء منه متصلا على ما روي ~~أنهم كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه كما كان أهل مكة، وأن يكون منقطعا ~~وقيل هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفتية بأنهم لم يعبدوا غير ~~الله تعالى: {فأووا إلى الكهف} ، أي: الغار الذي في الجبل {ينشر} ، أي: ~~يبسط {لكم} ويوسع عليكم {ربكم} ، أي: المحسن إليكم {من رحمته} ما يكفيكم به ~~المهم من أمركم في الدارين {ويهيئ لكم من أمركم} ، أي: الذي من شأنه أن ~~يهمكم {مرفقا} ، أي: ما ترتفقون به وتنتفعون وجزمهم بذلك لخلوص نيتهم وقوة ~~وثوقهم بفضل ms1682 الله. وقرأ نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء والباقون ~~بكسر الميم وفتح الفاء. قال الفراء: وهما لغتان واشتقاقهما من الارتفاق، ~~وكان الكسائي لا يذكر في مرفق الإنسان الذي في اليد إلا كسر الميم وفتح ~~الفاء، والفراء يجيزه في الأمر وفي اليد وقيل هما لغتان إلا أن الفتح أقيس ~~والكسر أكثر والخطاب في قوله تعالى: # {وترى الشمس} للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد وليس المراد أن من ~~خوطب بهذا يرى هذا المعنى ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو ~~ومعناه أنك لو رأيته على هذه الصورة {إذا طلعت تزاور} ، أي: تميل {عن كهفهم ~~ذات اليمين} ، أي: نا حيته {وإذا غربت تقرضهم} ، أي: تعدل في سيرها عنهم ~~{ذات الشمال} ، أي: فلا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم لأن الله تعالى زواها ~~عنهم. وقيل إن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس ~~كانت على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله. وقرأ السوسي بإمالة ألف ترى ~~المنقلبة بعد الراء في الأصل بخلاف عنه، والباقون بالفتح في الوصل وهم على ~~أصولهم في الوقف وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين ~~اللفظين، والباقون # PageV02P355 # بالفتح، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وتزاور بتشديد الزاي وتخفيف الراء ~~مضمومة، وابن عامر بسكون الزاي ولا ألف بعدها وتشديد الواو على وزن تحمر، ~~والباقون وهم عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الزاي والواو ولا خلاف في ضم ~~الراء. # ولما بين أنه تعالى حفظهم من حر الشمس بين أنه أنعشهم بروح الهواء ~~وألطفهم بسعة الموضع في فضاء الغار فقال تعالى: {وهم في فجوة منه} ، أي: في ~~وسط الكهف ومتسعه ينالهم برد الريح ونسيمها، ثم بين تعالى نتيجة هذا الأمر ~~الغريب في النبأ العجيب بقوله تعالى: {ذلك} ، أي: المذكور العظيم {من آيات ~~الله} ، أي: دلائل قدرته {من يهد الله} ، أي: الذي له الملك كله يخلق هذه ~~الهداية في قلبه كأصحاب الكهف {فهو المهتد} في، أي: زمان كان فلن تجد له ~~مضلا مغويا ففي ذلك إشارة إلى أن ms1683 أهل الكهف جاهدوا في الله وأسلموا له ~~وجوههم فلطف بهم وأعانهم وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية والاختصاص ~~بالآية العظيمة، وأن كل من سلك طريق المهتدين الراشدين فهو الذي أصاب ~~الفلاح واهتدى إلى السعادة، وقرأ نافع وأبو عمرو بزيادة ياء بعد الدال في ~~الوصل دون الوقف والباقون بحذفها وقفا ووصلا. {ومن يضلل} ، أي: يضله الله ~~تعالى ولم يرشده كدقيانوس وأصحابه {فلن تجد له وليا} ، أي: معينا {مرشدا} ، ~~أي: يرشده للحق، ثم إنه تعالى عطف على ما مضى بقية أمرهم بقوله تعالى: # {وتحسبهم} ، أي: لو رأيتهم أيها المخاطب {أيقاظا} ، أي: منتبهين لأن ~~أعينهم مفتحة للهواء لأنه يكون أبقى لها، جمع يقظ بكسر القاف {وهم رقود} ، ~~أي: نيام جمع راقد قال الزجاج: لكثرة تقلبهم يظن أنهم أيقاظ والدليل عليه ~~قوله تعالى: {ونقلبهم} ، أي: في ذلك حال نومهم تقلبا كثيرا بحسب ما ينفعهم ~~كما يكون النائم {ذات} ، أي: في الجهة التي هي صاحبة {اليمين} منهم {وذات ~~الشمال} لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول ~~المكث. # تنبيه: اختلف في مقدار مدة التقليب، فعن أبي هريرة أن لهم في كل عام ~~تقليبتين. وعن مجاهد يمكثون رقودا على أيمانهم تسع سنين ثم ينقلبون على ~~شمائلهم فيمكثون رقودا تسع سنين وقيل لهم تقليبة واحدة يوم عاشوراء. قال ~~الرازي: وهذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها ولفظ القرآن لا يدل عليها وما ~~جاء فيه خبر صحيح فكيف يعرف انتهى. ولهذا قلت بحسب ما ينفعهم. وقال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما فائدة تقلبهم لئلا تأكل الأرض لحومهم ولا ثيابهم ~~اه. قال الرازي: وهذا أعجب من ذلك لأنه تعالى لما قدر على أن يمسك حياتهم ~~ثلاثمائة سنة وأكثر أفلا يقدر على حفظ أجسادهم من غير تقليب اه. وهذا ليس ~~بعجيب لأن القدرة صالحة لذلك وأكثر بحسب العادة، وأما إمساك أرواحهم فهو ~~خرق للعادة فلا يقاس عليه. {وكلبهم باسط ذراعيه} ، أي: يديه، أي: ملقيهما ~~على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اعتدلوا ms1684 في ~~السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» . # وقال المفسرون: كان الكلب قد بسط ذراعيه وجعل وجهه عليهما. تنبيه: باسط ~~اسم فاعل ماض وإنما عمل على حكاية الحال والكسائي يعمله ويستشهد بالآية ~~الكريمة وأكثر المفسرين على أن الكلب من جنس الكلاب. وروي عن ابن جريج أنه ~~كان أسدا # PageV02P356 # ويسمى الأسد كلبا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب ~~فقال: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فافترسه الأسد» . وقال ابن عباس: كان ~~كلبا أغز واسمه قطمير وعن علي اسمه ريان واختلف في قوله تعالى: {بالوصيد} ~~فقال ابن عباس: هو باب الكهف وقيل العتبة. قال السدي: والكهف لا يكون له ~~باب ولا عتبة، وإنما أراد موضع الباب والعتبة وقال الزجاج: الوصيد فناء ~~البيت وفناء الدار، قال الشاعر: # *بأرض فضاء لا يسد وصيدها # ... علي ومعروفي بها غير منكر # وقال مجاهد والضحاك: الوصيد الكهف. {لو اطلعت عليهم} بكسر الواو على أصل ~~التقاء الساكنين، أي: وهم على تلك الحالة {لوليت منهم} حال وقوع بصرك عليهم ~~{فرارا} لما البسهم الله تعالى من الهيبة وجعل لهم من الجلالة تدبيرا منه ~~لما أراد منهم حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله. {ولملئت منهم ~~رعبا} ، أي: فزعا، واختلف في ذلك الرعب كان لماذا؟ فقال الكلبي: لأن أعينهم ~~مفتتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام، وقيل من وحشة الكلام وقيل ~~لكثرة شعورهم وطول أظفارهم وتقلبهم من غير حس كالمستيقظ وقيل: إن الله ~~تعالى منعهم بالرعب حتى لا يراهم أحد. # وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية نحو الروم فمررنا ~~بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا ~~إليهم فقال ابن عباس قد منع ذلك من هو خير منك {لو اطلعت عليهم لوليت منهم ~~فرارا} ، فبعث معاوية ناسا فقال: اذهبوا فانظروا فلما دخلوا الكهف بعث الله ~~عليهم ريحا فأخرجتهم. وقرأ نافع وابن كثير بتشديد اللام بعد الميم، ~~والباقون بتخفيفها والسوسي بإبدال الهمزة ياء ms1685 على أصله وقفا ووصلا وحمزة في ~~الوقف فقط. وقرأ ابن عامر والكسائي رعبا بضم العين والباقون بسكونها. # {وكذلك} ، أي: كما فعلنا بهم ما ذكرنا آية {بعثناهم} ، أي: أيقظناهم آية ~~{ليتساءلوا بينهم} ، أي: ليسأل بعضهم بعضا عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم ~~فيتعرفوا حالهم وما صنع الله تعالى بهم فيزدادوا يقينا على كمال قدرة الله ~~تعالى وليستبصروا به أمر البعث ويشكروا ما أنعم الله به عليهم. {قال قائل ~~منهم} مستفهما من إخوانه: {كم لبثتم} نائمين في ذا الكهف من ليلة أو يوم؟ ~~وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم مما رأى من هيئتهم أو بغير ~~ذلك من الأمارات {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} لأنهم دخلوا الكهف طلوع ~~الشمس وبعثوا آخر النهار فلما رأوا الشمس باقية قالوا: أو بعض يوم فلما ~~نظروا إلى طول أظفارهم وشعورهم {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} فأحالوا العلم ~~على الله تعالى قال ابن عباس القائل ذلك هو رئيسهم تمليخا رد علم ذلك إلى ~~الله تعالى، وعلم أن مثل هذا التغيير لا يحصل إلا في الأيام الطويلة، وقرأ ~~نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند المثناة والباقون بالإدغام، ~~ثم لما علموا أن الأمر ملتبس عليهم لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمهم ~~وقالوا: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه} ، أي: بفضتكم، وقرأ أبو عمرو وشعبة ~~وحمزة بسكون الراء والباقون بكسرها والورق اسم للفضة سواء كانت مضروبة أم ~~لا ويدل عليه ما روي أن غرفجة اتخذ # PageV02P357 # أنفا من ورق ويقال لها الرقة وفي الحديث «في الرقة ربع العشر» . {إلى ~~المدينة} ، أي: التي خرجتم منها وهي مدينة طرسوس وهذه الآية تدل على أن ~~السعي في إمساك الزاد أمر مهم مشروع وأنه لا يبطل التوكل على الله تعالى إذ ~~حقيقة التوكل على الله تعالى تهيئة الأسباب واعتقاد أن لا مسبب للأسباب إلا ~~الله تعالى، فحمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأي المتوكلين على الله دون ~~المتوكلين على الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات. ومنه قول عائشة ~~رضي ms1686 الله تعالى عنها لمن سألها عن محرم يشد عليه هميانه أوثق عليك نفقتك. # وما حكي عن بعض صعاليك العلماء أنه كان شديد الحب إلى أن يرزق حج بيت ~~الله الحرام وعلم منه ذلك فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم قوم على حج أتوه ~~أن يحجوا به وألحوا عليه فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم فإذا انفضوا عنه ~~قال لمن عنده ما لهذا السفر إلا شيئان شد الهميان والتوكل على الرحمن ~~{فلينظر أيها أزكى طعاما} قال ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة ~~أهل بلدهم كانوا مجوسا وفيهم قوم يخفون إيمانهم وقال مجاهد: كان ملكهم ~~ظالما فقولهم أيها أزكى طعاما، أي: أيها أبعد عن الغصب وكل سبب حرام، وقيل: ~~أيها أطيب وألذ وقيل أيها أرخص. قال الزجاج: قولهم أيها رفع بالابتداء ~~وأزكى خبره وطعاما تمييز ولا بد هنا من حذف، أي: أي أهلها أزكى، أي: أحل، ~~وقيل لا حذف والضمير عائد على الأطعمة المدلول عليها من السياق. {فليأتكم} ~~ذلك الأحد {برزق منه} لنأكل {وليتلطف} ، أي: وليكن في ستر وكتمان في دخول ~~المدينة وشراء الأطعمة حتى لا يعرف {ولا يشعرن} ، أي: ولا يخبرن {بكم أحدا} ~~من أهل المدينة. # {إنهم} ، أي: أهل المدينة {إن يظهروا} ، أي: يطلعوا عالين {عليكم ~~يرجموكم} ، أي: يقتلوكم والرجم بمعنى القتل كثير في القرآن كقوله تعالى: ~~{ولولا رهطك لرجمناك} (هود، 91) # وقوله: {لأرجمنك} (مريم، 46) # وقوله: {أن ترجمون} (الدخان، 20) # . وقال الزجاج:، أي: يقتلوكم بالرجم والرجم أخبث أنواع القتل. {أو ~~يعيدوكم في ملتهم} إن لنتم لهم {ولن تفلحوا إذا} ، أي: إن رجعتم إلى ملتهم ~~{أبدا} بل تكونوا خاسرين. قال بعض العلماء: ولا خوف على المؤمن الفار بدينه ~~أعظم من هذين الأمرين أحدهما ما فيه هلاك النفس وهو الرجم الذي هو أخبث ~~أنواع القتل والآخر هلاك الدين. فإن قيل: أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر ~~حتى أظهروا الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف قالوا {ولن تفلحوا إذا أبدا} ~~أجيب: بأنهم خافوا أنهم لو بقوا على الكفر مظهرين له فقد يميل بهم ذلك ms1687 إلى ~~الكفر الحقيقي فكان خوفهم بسبب هذا الاحتمال. فإن قيل: ما النكتة في العدول ~~عن واحدكم إلى أحدكم وكل ذلك دال على الوحدة؟ أجيب: بأن النكتة فيه أن ~~العرب إذا قالوا أحد القوم أرادوا به فردا منهم وإذا قالوا واحد القوم ~~أرادوا رئيسهم والمراد في القصة، أي: واحد كان والقرآن الكريم أنزل بلغتهم ~~فراعى ما راعوا. # {س18ش21 وكذالك أعثرنا عليهم ليعلمو?ا? أن وعد الله حق وأن الساعة ريب ~~فيهآ إذ يتنازعون بينهم أمرهم? فقالوا? ابنوا? عليهم بنيانا? ربهم أعلم ~~بهم? قال الذين غلبوا? على? أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} # {وكذلك} ، أي: ومثل ما فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على قلوبهم ~~والستر والحماية من الطالبين لهم والحفظ لأجسادهم على ممر الزمان وتعاقب ~~الحدثان وغير ذلك {أعثرنا} ، أي: أطلعنا غيرهم {عليهم} يقال عثرت على كذا ~~علمته وأصله أن من كان غافلا عن شيء فعثر به نظر إليه فعرفه فكان العثر ~~سببا لحصول العلم فأطلق السبب على السبب بقوله تعالى: {ليعلموا} متعلق ~~بأعثرنا # PageV02P358 # والضمير قيل يعود على مفعول أعثرنا المحذوف تقديره أعثرنا الناس وقيل ~~يعود إلى أهل الكهف وهذا هو الظاهر {أن وعد الله} الذي له صفات الكمال ~~بالبعث للروح والجثة معا {حق} لأن قيامهم بعد نومهم يتقلبون نيفا وثلاثمائة ~~سنة مثل من مات ثم بعث. # قال بعض العارفين: علامة اليقظة بعد النوم علامة البعث بعد الموت. # ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى: {وأن} ، أي: وليعلموا أن ~~{الساعة} ، أي: آتية {لا ريب} ، أي: لا شك {فيها} . # تنبيه: اختلف في السبب الذي عرف الناس واقعة أصحاب الكهف، فقال محمد بن ~~إسحاق: إن ملك تلك البلاد رجل صالح يقال له تندوسيس، فلما ملك بقي في ملكه ~~ثمانية وستين سنة فتحزب الناس في مملكته فكانوا أحزابا؛ منهم من يؤمن بالله ~~ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها فكبر ذلك على الملك الصالح فبكى ~~وتضرع إلى الله تعالى وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون ~~على أهل الحق ويقولون: ms1688 لا حياة إلا الدنيا وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث ~~الأجساد، وجعل الملك يرسل إلى من يظن فيهم خيرا وأنهم أئمة في الخلق فلم ~~يقبلوا منه، وجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا يخرجون الناس عن الحق وملة ~~الحواريين، فلما رأى ذلك الملك دخل بيته وأغلق بابه عليه ولبس مسحا وجعل ~~تحته رمادا، فجلس عليه ودأب ليله ونهاره زمانا يتضرع إلى الله تعالى ويبكي، ~~أي: رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم، قوله يقال له تندوسيس ~~الذي في حياة الحيوان يقال تاودوسيوس فليحرر اه. # ثم إن الله تعالى الذي يكره هلكة عباده أراد أن يظهر على الفتية أصحاب ~~الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أن الساعة آتية لا ~~ريب فيها، ويستجيب لعبده تندوسيس ويتم نعمته عليه، وأن يجمع من كان تبدد من ~~المؤمنين وألقى الله في نفس رجل من تلك البلد الذي فيه الكهف أن يهدم ذلك ~~البنيان الذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه فاستأجر غلامين فجعلا ~~ينزعان تلك الحجارة ويبنيان تلك الحظيرة حتى إذا نزعا ما على فم الكهف ~~وفتحا باب الكهف أذن الله تعالى ذو القدرة والسلطان محيي الموتى للفتية أن ~~يجلسوا بين ظهري الكهف فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم فسلم بعضهم ~~على بعض كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ~~ليلتهم ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذي كانوا يفعلون لا يرى في وجوههم ولا ~~في ألوانهم شيء يكرهونه كهيئتم حين رقدوا وهم يرون أن ملكهم دقيانوس في ~~طلبهم فلما قضوا صلاتهم قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم ائتنا بما قال الناس في ~~شأننا عشية أمس عند الجبار وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون وقد ~~تخيل لهم أنهم قد ناموا أطول ما كانوا ينامون حتى تساءلوا بينهم فقال بعضهم ~~لبعض كم لبثتم نياما، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم. قالوا ربكم أعلم بما ~~لبثتم، وكل ذلك في أنفسهم يسير فقال لهم تمليخا: ألتمستم بالمدينة وهو يريد ~~أن يؤتى ms1689 بكم اليوم فتذبحون للطواغيت أو يقتلكم فما شاء الله بعد ذلك فعل ~~فقال لهم مسكلمينا: يا إخواتاه اعلموا أنكم ملاقو الله فلا تكفروا بعد ~~إيمانكم إذا دعاكم عدو الله ثم قالوا لتمليخا انطلق إلى المدينة فتسمع ما ~~يقال لنا بها وما الذي يذكر عند دقيانوس وتلطف ولا تشعرن بك أحدا وابتع لنا ~~طعاما وائتنا به وزدنا على الطعام الذي جئتنا به فقد أصبحنا # PageV02P359 # جياعا ففعل تمليخا كما كان يفعل ووضع ثيابه وأخذ الثياب التي كان يتنكر ~~فيها وأخذ ورقا من نفقتهم التي كانت معهم # التي ضربت بطابع دقيانوس وكانت كخفاف الربع فانطلق تمليخا خارجا فلما مر ~~بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف فعجب منها ثم مر ولم يبال بها ~~حتى أتى باب المدينة مستخفيا يصد عن الطريق متخوفا أن يراه أحد من أهلها ~~فيعرفه ولا يشعر أن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمئة سنة فلما أتى ~~تمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان ~~إذا كان أمر الإيمان ظاهرا فلما رأى عجب وجعل ينظر إليها مستخفيا وينظر ~~يمينا وشمالا ثم ترك الباب وتحول لباب آخر من أبوابها فرأى مثل ذلك، فجعل ~~يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرفها ورأى ناسا كثيرا محدثين لم يكن ~~رآهم قبل ذلك فجعل يمشي ويتعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي ~~أتى منه فجعل يتعجب بينه وبين نفسه، ويقول: # يا ليت شعري ما هذا أما عشية أمس فكان المسلمون يخبؤون هذه العلامة ~~ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة لعلي حالم ثم يرى أنه ليس بنائم فأخذ ~~بكسائه فجعله على رأسه ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهري سوقها فيسمع ~~ناسا يحلفون باسم عيسى بن مريم فزاده فرقا ورأى أنه حيران فقام مسندا ظهره ~~إلى جدار من جدران المدينة ويقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا عشية أمس ~~فليس على وجه الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلا قتل، وأما اليوم فأسمع كل ms1690 ~~إنسان يذكر عيسى ولا يخاف ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست المدينة التي أعرف، ~~ووالله ما أعلم مدينة بقرب مدينتنا فقام كالحيران ثم لقي فتى فقال له: ما ~~اسم هذه المدينة يا فتى؟ فقال: اسمها أفسوس. فقال في نفسه: لعل بي مسا أو ~~أمرا أذهب عقلي والله يحق لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها أو ~~يصيبني شر فأهلك ثم أنه أفاق فقال: والله لو عجلت الخروج من هذه المدينة ~~قبل أن يفطن بي لكان أكيس فدنا من الذين يبيعون الطعام فأخرج الورق التي ~~كانت معه فأعطاها رجلا منهم فقال: بعني بهذا الورق طعاما فأخذها الرجل فنظر ~~إلى ضرب الورق ونقشها فعجب منها ثم طرحها إلى رجل من أصحابه فنظر إليها ثم ~~إلى آخر، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل ويتعجبون منها، ثم ~~جعلوا يتشاورون بينهم ويقول بعضهم لبعض: # إن هذا أصاب كنزا مخبأ في الأرض منذ زمان ودهر طويل فلما رآهم تمليخا ~~يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا، وجعل يرتعد ويظن أنهم فطنوا به وعرفوه ~~وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أناس آخرون يأتونه ~~فيتعرفونه فقال لهم: وهو شديد الفرق أفضلوا علي قد أخذتم ورقي فأمسكوها، ~~وأما طعامكم فليس لي حاجة به. # فقالوا: من أنت يا فتى؟ وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين ~~وأنت تريد أن تخفيه انطلق معنا وأرنا وشاركنا فيه نخف عليك ما وجدت وإنك إن ~~لم تفعل نأت بك السلطان فنسلمك إليه فيقتلك، فلما سمع قولهم قال: ما وجدت ~~شيئا وقال قد وقعت في كل شيء أحذر منه قالوا: يا فتى إنك والله لا تستطيع ~~أن تكتم ما وجدت فجعل تمليخا لا يدري ما يقول لهم وخاف حتى إنه لم يرد ~~إليهم جوابا، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه وطرحوه # PageV02P360 # في عنقه وجعلوا يقودونه في سكك المدينة حتى سمع من فيها فقيل أخذ رجل ~~عنده كنز واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم فجعلوا ينظرون ms1691 إليه ~~ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة وما رأيناه قط، وما نعرفه ~~فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم، فلما اجتمع عليه أهل المدينة وكان متيقنا ~~أن أباه وإخوته في المدينة وأنه من عظماء أهلها وأنهم سيأتونه إذا سمعوا ~~به، فبينما هو قائم كالحيران ينظر متى يأتيه بعض أهله فيخلصه من بين أيديهم ~~إذ اختطفوه وانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها ~~وهما رجلان صالحان اسم أحدهما أريوس واسم الآخر أسطيوس، فلما انطلقوا به ~~إليهما ظن تمليخا أنه ينطلق به إلى دقيانوس الجبار فجعل يلتفت يمينا وشمالا ~~وجعل الناس يسخرون منه كما يسخرون من المجنون وجعل تمليخا يبكي ويرفع رأسه ~~إلى السماء. # وقال: اللهم إله السماء وإله الأرض أفرغ اليوم علي صبرا وأولج معي روحا ~~منك تؤيدني بها عند هذا الجبار وجعل يقول في نفسه: فرق ما بيني وبين إخوتي ~~يا ليتهم يعلمون ما لقيت ويا ليتهم يأتوني فنقوم جميعا بين يدي هذا الجبار ~~فإنا كنا توافقنا على الإيمان بالله سبحانه وتعالى وأن لا نشرك به شيئا ولا ~~نفترق في حياة ولا موت، فلما انتهى به إلى الرجلين الصالحين ورأى أنه لم ~~يذهب به إلى دقيانوس أفاق وسكن عنه البكاء فأخذ أريوس وأسطيوس الورق فنظرا ~~إليها وعجبا منها ثم قال أحدهما: أين الكنز الذي وجدت يا فتى؟ فقال تمليخا: ~~ما وجدت كنزا ولكن هذا ورق أبائي ونقش المدينة وضربها ولكن والله ما أدري ~~ما شأني وما أقول لكم فقال أحدهما: ممن أنت؟ فقال تمليخا: أما أنا فكنت أرى ~~أني من أهل هذه المدينة قالوا: فمن أبوك؟ ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه ~~فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه فقال له: أحدهما أنت رجل كذاب لا تأتينا ~~بالحق فلم يدر تمليخا ما يقول لهم غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال بعض من ~~حوله: هذا رجل مجنون. وقال بعضهم: ليس بمجنون ولكنه يحمق نفسه عمدا حتى ~~ينفلت منكم. # فقال له أحدهما ونظر إليه نظرا شديدا: أتظن ms1692 انا نرسلك ونصدقك بأن هذا مال ~~أبيك ونقش هذه الورق وضربها أكثر من ثلاثمئة سنة، وأنت غلام شاب وتظن أنك ~~تأفكنا وتسخر بنا ونحن شيوخ وشمط كما ترى وحولك سراة هذه المدنية وولاة ~~أمرها وخزائن هذه البلدة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار ~~وإني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي ~~وجدته، فلما قال ذلك قال لهم تمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه فإن فعلتم ~~صدقتكم عما عندي فقالوا: سل لا نكتمك شيئا. # قال: ما فعل الملك دقيانوس؟ قالوا: ليس نعرف اليوم على وجه الأرض ملكا ~~يسمى دقيانوس ولم يكن إلا ملكا هلك منذ زمان ودهر طويل، وهلكت بعده قرون ~~كثيرة. فقال تمليخا: إني إذا لحيران وما هو بمصدقي أحد من الناس بما أقول ~~لقد كنا فتية وإن الملك أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا ~~منه عشية أمس فنمنا فلما انتبهنا خرجت لأشتري طعاما وأتجسس الأخبار فإذا ~~أنا كما ترون فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي فلما ~~سمع أريوس ما يقول تمليخا قال: يا قوم لعل هذه آية من آيات الله تعالى ~~جعلها الله تعالى لكم على يد هذا الغلام فانطلقوا بنا معه ليرينا أصحابه ~~فانطلق معه أريوس وأسطيوس # PageV02P361 # ومعهما جميع أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصخاب الكهف لينظروا إليهم ~~فلما رأى الفتية أصحاب الكهف تمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم عن ~~القدر الذي كان يأتي فيه فظنوا أنه قد أخذ وذهب به إلى ملكهم دقيانوس ~~فبينما هم يظنون ذلك ويتحققونه إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة عندهم ~~فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث إليهم ليأتوا بهم فقاموا إلى الصلاة ~~وسلم بعضهم على بعض وأوصى بعضهم بعضا. # وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا تمليخا فإنه الآن بين يدي الجبار وهو ~~ينتظرنا حتى نأتيه فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس على هذه الحالة إذا هم ~~باريوس وأصحابه وقوف على باب الكهف فسبقهم تمليخا ودخل وهو يبكي فلما رأوه ms1693 ~~يبكي بكوا معه ثم سألوه عن خبره فقص عليهم الخبر كله فعرفوا أنهم كانوا ~~نياما بأمر الله تعالى ذلك الزمن الطويل، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس ~~وتصديقا للبعث ويعلم الناس أن الساعة آتية لا ريب فيها، ثم دخل على أثر ~~تمليخا أريوس فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة فقام بباب الكهف ثم ~~دعا رجالا من عظماء أهل المدينة ففتح التابوت عندهم فوجد فيه لوحين من رصاص ~~مكتوب فيهما مكسلمينا ومخشلمينا وتمليخا ومطرونس وكشطونس وبيرونس وبيطونس ~~كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم فدخلوا ~~هذا الكهف فلما أخبر بمكانهم أمر بالكهف فسد عليهم بالحجارة وإنا كتبنا ~~أسماءهم وخبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم فلما قرؤوه عجبوا وحمدوا الله ~~تعالى الذي أراهم آية البعث فيهم ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله تعالى وتسبيحه ~~ثم دخلوا على الفتية الكهف فوجدوهم جلوسا مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فخر ~~أريوس وأصحابه سجودا وحمدوا الله تعالى الذي أراهم آية من آياته، ثم كلم ~~بعضهم بعضا وأنبأهم الفتية عن الذي لقوه من ملكهم دقيانوس ثم إن أريوس ~~وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح تندوسيس أن عجل لعلك تنظر إلى آية من ~~آيات الله جعلها الله تعالى على ملكك وجعلها آية للعالمين ليكون لهم نورا ~~وضياء وتصديقا للبعث، فاعجل إلى فتية بعثهم الله تعالى وكان قد توفاهم منذ ~~أكثر من ثلاثمئة سنة، فلما أتى الملك الخبر قام ورجع إليه عقله وذهب همه، ~~فقال: أحمد الله رب السموات والأرض وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني فلم ~~تطفئ النور الذي جعلته لآبائي وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك فلما نبئ به ~~أهل المدينة ركبوا # إليه وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس فتلقاهم أهل المدينة وساروا معه ~~نحو الكهف فلما صعد الجبل ورأى الفتية تندوسيس فرحوا به وخروا سجدا على ~~وجوههم وقام تندوسيس قدامهم ثم اعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض ~~يسبحون الله تعالى ويحمدونه ثم قالوا له: # نستودعك الله السلام عليك ورحمة الله ms1694 وبركاته وحفظك وحفظ ملكك ونعيذك ~~بالله من شر الإنس والجن، فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا ~~وتوفى الله أنفسهم وقام الملك تندوسيس إليهم فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن ~~يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب فلما أمسى ونام أتوه في المنام وقالوا له ~~إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة ولكن خلقنا من تراب وإلى التراب نصير فاتركنا ~~كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله تعالى منه فأمر الملك # PageV02P362 # حينئذ بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله تعالى حين خرجوا من عندهم ~~بالرعب فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم، وقيل إن تمليخا لما حمل إلى الملك ~~الصالح قال له الملك: من أنت؟ # قال: أنا رجل من أهل هذه المدينة وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر ~~منزله وأقواما لم يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أن فتية فقدوا في الزمان ~~الأول وأن أسماؤهم مكتوبة على لوح في خزانته فدعا باللوح فنظر في أسمائهم ~~فإذا اسمه مكتوب في ذكر أسماء ألاخرين فقال تمليخا: هم أصحابي فلما سمع ~~الملك ذلك ركب هو ومن معه من القوم فلما أتوا باب الكهف قال تمليخا: دعوني ~~حتى أدخل على أصحابي وأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل فبشرهم ~~فقضبت روحه وأرواحهم وأغمي على الملك وأصحابه أثرهم فلم يهتدوا عليهم. # ثم وقع التنازع في أمرهم بين أهل المدينة كما قال تعالى: {إذ يتنازعون} ، ~~أي: أهل المدينة {بينهم أمرهم} ، أي: أمر الفتية في البناء حولهم {فقالوا} ~~، أي: الكفار {ابنوا عليهم} ، أي: حولهم {بنيانا} يسترهم فإنهم كانوا على ~~ديننا وقوله تعالى: {ربهم أعلم بهم} يجوز أن يكون من كلام الله تعالى وأن ~~يكون من كلام المتنازعين فيهم {قال الذين غلبوا على أمرهم} ، أي: أمر ~~الفتية وهم المؤمنون {لنتخذن عليهم} ، أي: حولهم {مسجدا} يصلى فيه وفعل ذلك ~~على باب الكهف، وقيل: إن بعضهم قال: الأولى أن نسد باب الكهف عليهم لئلا ~~يدخل أحد عليهم ولا يقف على أحوالهم إنسان. وقال الآخرون: بل ms1695 الأولى أن ~~نبني على باب الكهف مسجدا وهذا القول يدل على أن أولئك الأقوام كانوا ~~عارفين بالله ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: تنازعوا في مقدار مكثهم ~~وقيل في عددهم وأسمائهم. تنبيه: بنيانا يجوز أن يكون مفعولا به جمع بنيانة ~~وأن يكون مصدرا. ولما ذكر أصحاب الكهف عند النبي صلى الله عليه وسلم وقع ~~الاختلاف في عددهم كما قال تعالى: # أي: الخائضون في قصتهم من أهل الكتاب والمؤمنين فقال بعض أهل الكتاب: ~~{ثلاثة رابعهم كلبهم} ، أي: هم ثلاثة رجال ورابعهم كلبهم بانضمامه إليهم ~~{ويقولون} ، أي: بعضهم {خمسة سادسهم كلبهم} فهذان القولان لنصارى نجران ~~وقيل الأول قول اليهود والثاني قول النصارى. فإن قيل: لم جاءت سين ~~الاستقبال في الأول دون الأخيرين؟ أجيب: بان في ذلك وجهين أن تدخل الأخيرين ~~في حكم السين كما تقول قد أكرم وأنعم تريد معنى التوقع في الفعلين وأن تريد ~~بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له. ولما كان قولهم ذلك بغير علم كان ~~{رجما بالغيب} ، أي: ظنا في الغيبة عنهم فهو راجع إلى القولين معا ونصب على ~~المفعول له، أي: لظنهم ذلك {ويقولون} ، أي: المؤمنون {سبعة وثامنهم كلبهم} ~~قال أكثر المفسرين: هذا الأخير هو الحق ويدل عليه وجوه الأول أنه تعالى لما ~~حكى قوله {ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم} قال بعده: {قل ربي أعلم بعدتهم ما ~~يعلمهم إلا قليل} وأتبع القولين الأولين بقوله تعالى: {رجما بالغيب} وتخصيص ~~الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه أن يكون المخصوص بالظن ~~الباطل هو القولان الأولان، وأن يكون القول الثالث مخالفا لهما في كونه ~~رجما بالغيب. الوجه الثاني: أن الواو في قوله تعالى: {وثامنهم} هي الواو ~~التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا من ~~المعرفة في نحو # PageV02P363 # قولك جاءني رجل ومعه آخر توكيد للصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن ~~اتصافه بها أمرثابت مستقر فكانت هذه الواو دالة على أن الذين كانوا في ~~الكهف كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، وقول محمد بن إسحاق: إنهم كانوا ثمانية ~~مردود فكأن ms1696 الله تعالى حكى اختلافهم وتم الكلام عند قوله: {ويقولون سبعة} ~~ثم حقق هذا القول بقوله تعالى: {وثامنهم كلبهم} والثامن لا يكون إلا بعد ~~السبع وهذه الواو يسمونها واو الثمانية لأن العرب تعد فتقول واحد اثنين ~~ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة # وثمانية لأن العقد كان عندهم سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة ونظير هذه ~~الآية في ثلاث آيات وهو قوله تعالى: {والناهون عن المنكر} (التوبة، 112) # وقوله تعالى: {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها} (الزمر، 71) # لأن ابواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة. وقوله تعالى: {ثيبات وأبكارا} ~~(التحريم، 5) # . قال القفال: وقولهم واو الثمانية ليس بشيء بدليل قوله تعالى: {هو الله ~~الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر} (الحشر، 23) # ولم يذكروا الواو في النعت الثامن اه. وقد يجاب بأن ذلك جرى على الغالب. ~~الوجه الثالث: أنه تعالى قال: {ما يعلمهم إلا قليل} وهذا يقتضي أنه حصل ~~العلم بعدتهم لذلك القليل. وكان ابن عباس يقول: أنا من أولئك العدد القليل ~~وكان يقول: إنهم سبعة وثامنهم كلبهم. وكان علي رضي الله تعالى عنه يقول: ~~كانوا سبعة. وقال الرازي: وأسماؤهم تمليخا مكسلمينا مشلينا وهؤلاء الثلاثة ~~كانوا أصحاب يمين الملك وعن يساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش وكان الملك يستشير ~~هؤلاء الستة ليتصرفوا في مهماته، والسابع كشفططيوش وهو الراعي الذي وافقهم ~~لما هربوا من ملكهم. وروي عن ابن عباس أنه قال: هم مكشلمينا وتمليخا ~~ومرطونس ويدنونس ودونواقس وكقشططونس وهو الراعي واسم كلبهم قطمير واسم ~~مدينتهم أفسوس. # تنبيه: في الآية حذف والتقدير سيقولون هم ثلاثة كما تقدم تقديره فحذف ~~المبتدأ لدلالة الكلام عليه وقيل: الأقوال الثلاثة لأهل الكتاب والقليل ~~منهم، أي: ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وأكثرهم على الظن. ثم إنه تعالى ~~لما ذكر هذه القصة أتبعها بأن نهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن شيئين عن ~~المراء وعن الاستفتاء أما النهي عن المراء فبقوله تعالى: {فلا تمار} ، أي: ~~تجادل {فيهم} ، أي: في شأن الفتية {إلا مراء} ، أي: جدالا {ظاهرا} ، أي: ~~غير متعمق فيه ms1697 وهو أن تقص عليهم ما في القرآن من غير أن تكذبهم في تعيين ~~ذلك العدد ونظيره قوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} ~~(العنكبوت، 46) ، وأما النهي عن الاستفتاء فقوله تعالى: {ولا تستفت فيهم} ، ~~أي: ولا تسأل {منهم} ، أي: من أهل الكتاب اليهود {أحدا} عن قصتهم سؤال ~~مسترشد لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم علم في هذا الباب وجب المنع من ~~استفتائهم وفيما أوحى إليك مندوحة عن غيره ولا سؤال متعنت تريد تفضيح ~~المسؤول عنه وتزييف ما عنده فإنه يخل بمكارم الأخلاق. ولما سأل أهل مكة عن ~~خبر أهل الكهف فقال النبي صلى الله عليه وسلم أخبركم به غدا ولم يقل إن شاء ~~الله، فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوما وفي رواية أخرى أربعين يوما نزل: # {ولا تقولن لشيء} ، أي: لأجل شيء تعزم عليه {إني فاعل ذلك} الشيء {غدا} ، ~~أي: فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة. # {إلا أن يشاء الله} الله إلا متلبسا بمشيئته بأن تقول إن شاء الله والسبب ~~في ذلك أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل # PageV02P364 # الفلاني غدا لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد ولم يبعد أيضا إن بقي حيا أن ~~يعيقه عن ذلك الفعل سائر العوائق فإذا لم يقل إن شاء الله صار كاذبا في ذلك ~~الوعد والكذب منفر لا يليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلهذا السبب وجب ~~عليه أن يقول إن شاء الله حتى إذا تعذر عليه الوفاء بذلك الوعد لم يصر ~~كاذبا ولم يحصل التنفير. # تنبيه: قال كثير من الفقهاء: إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله ~~لم يقع عليه الطلاق لأنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئته تعالى لم يقع عليه ~~الطلاق إلا إذا علمنا حصول المشيئة ومشيئة الله تعالى غيب لا سبيل لنا إلى ~~العلم بحصولها إلا إذا علمنا أن متعلق المشيئة وقع وهو الطلاق، وعلى هذا لا ~~يعرف حصول المشيئة إلا إذا وقع الطلاق ولا يعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفت ~~المشيئة فيتوقف العلم بكل ms1698 واحد منهما على العلم بالآخر وهو دور فلهذا لا ~~يقع الطلاق وقيل المراد إلا أن يشاء الله، أي: إلا أن يأذن لك الله تعالى ~~في ذلك القول والمعنى أنه ليس لك أن تخبر عن نفسك بأنك تفعل الفعل الفلاني ~~إلا أن يأذن لك الله تعالى في ذلك الإخبار، وقد احتج القائلون بأن المعدوم ~~شيء بهذه الآية لأن الشيء الذي سيفعله غدا معدوم في الحال فوجب تسمية ~~المعدوم بأنه شيء. وأجيب: بأن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم يسمى ~~بكونه شيئا وعندنا أن السبب فيما سيصير شيئا يجوز تسميته بكونه شيئا في ~~الحال كما قال تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} (النحل، 1) # والمراد سيأتي أمر الله. # واختلف في معنى قوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} فقال ابن عباس ومجاهد ~~والحسن: معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن وعند هذا اختلفوا فقال ~~ابن عباس: لو لم يحصل التذكر إلا بعد مدة طويلة ثم ذكر إن شاء الله كفى في ~~رفع الحنث. وعن سعيد بن جبير بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم، وعن طاوس لا ~~يقدر على الاستثناء إلا في مجلسه. وعن عطاء يستثنى على مقدار حلب ناقة ~~غزيرة وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الكلام ما لم يكن موصولا واحتج ~~ابن عباس بأن قوله إذا نسيت غير مختص بوقت غير معين بل هو متناول لكل ~~الأوقات وظاهره أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلا أما عامة الفقهاء ~~فقالوا: لو جوزنا ذلك للزم أن لا يستقر شيء من العقود والإيمان يحكى أن ~~المنصور بلغه أن أبا حنيفة خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل فاستحضره ~~لينكر عليه فقال له الإمام أبو حنيفة: هذا يرجع عليك لأنك تأخذ البيعة ~~بالإيمان أترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن المنصور ~~كلامه ورضي الله عنه واستدل بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد ~~والعهد. قال تعالى: {أوفوا بالعقود} (المائدة، 1) # وقال تعالى: {وأوفوا بالعهد} (الإسراء، 34) # فإذا أتى بالعقد أو العهد وجب ms1699 عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات ~~خالفنا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلا لأن الاستثناء مع المستثنى منه ~~كالكلام الواحد بدليل أن الاستثناء وحده لا يفيد شيئا فهو جار مجرى بعض ~~الكلمة الواحدة فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة، فإذا لم يكن متصلا ~~أفاد الالتزام التام فوجب الوفاء بذلك الملتزم، وقيل أن قوله تعالى: {واذكر ~~ربك إذا نسيت} كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله. قال عكرمة: واذكر ربك إذا ~~غضبت وقال وهب: مكتوب في الانجيل ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب. ~~وقال # PageV02P365 # الضحاك والسدي هذا في الصلاة المنسية. قال الرازي: وتعلق هذا الكلام بما ~~قبله يفيد إتمام الكلام في هذه القصة وجعله مستأنفا يصير الكلام مبتدأ ~~منقطعا وذلك لا يجوز وفي قوله تعالى: {وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا ~~رشدا} وجوه الأول: أن يكون قوله تعالى: {إلا أن يشاء الله} ليس يحسن تركه ~~وذكره أولى من تركه وهو قوله: {لأقرب من هذا رشدا} والمراد منه ذكر هذه ~~الجملة. الثاني: أنه لما وعدهم بشيء وقال معه إن شاء الله فيقول وعسى أن ~~يهدين ربي لشيء أحسن وأكمل مما وعدتكم به. الثالث: أن قوله: {عسى أن يهدين ~~ربي لأقرب من هذا رشدا} إشارة إلى قصة أصحاب الكهف،، أي: لعل الله يوفقني ~~من البينات والدلائل على صحة نبوتي وصدقي في ادعاء النبوة ما هو أعظم في ~~الدلالة وأقرب رشدا من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل الله تعالى ذلك حين آتاه ~~من قصص الأنبياء والأخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك. ثم شرع تعالى في آية ~~هي آخر الآيات المذكورة في قصة أصحاب الكهف بقوله تعالى: # {ولبثوا في كهفهم} ، أي: نياما {ثلاثمئة} ، أي: مدة ثلاثمئة {سنين} قال ~~بعضهم: وهذه السنون الثلاثمئة عند أهل الكتاب شمسية وتزيد القمرية عليها ~~تسع سنين وقد ذكرت في قوله: {وازدادوا تسعا} ، أي: تسع سنين لأن التفاوت ~~بين الشمسة والقمرية في كل ما ئة سنة ثلاث سنين لأن السنة الشمسية تزيد على ~~السنة القمرية عشرة أيام ms1700 وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة فالثلاثمئة سنة ~~الشمسية ثلاثمئة وتسع قمرية قال الرازي: وهذا مشكل لأنه لا يصح بالحساب هذا ~~القول ويمكن أن يقال لعلهم لما استكملوا ثلاثمئة سنة قرب أمرهم من الإنتباه ~~ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين وقرأ حمزة والكسائي بغير ~~تنوين في الوصل والباقون بالتنوين فسنين عطف بيان لثلاثمائة لأنه لما قال: ~~{ولبثوا في كهفهم ثلاثمئة} لم يعرف أنها أيام أو شهور أو سنون، فلما قال: ~~{سنين} صار هذا بيانا لقوله ثلاثمئة فكان ذلك عطف بيان له وقيل هو على ~~التقديم والتأخير، أي: لبثوا سنين ثلاثمئة. وأما وجه القراءة الأولى فهو أن ~~الواجب في الإضافة أن يقال ثلاثمائة سنة إلا أنه يجوز وضع الجمع موضع ~~الواحد في التمييز، كقوله تعالى: {بالأخسرين أعمالا} (الكهف، 103) # وحذف مميز تسع لدلالة ما تقدم عليه إذ لا يقال عندي ثلاثمئة درهم وتسعة ~~إلا وأنت تعني تسعة دراهم، ولو أردت ثيابا أو نحوها لم يجز لأنه ألغاز. ثم ~~إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم إذا نازعوه في مدة لبثهم في ~~الكهف بقوله تعالى: # {قل الله أعلم بما لبثوا} ، أي: فهو أعلم منكم وقد أخبر بمدة لبثهم، وقيل ~~إن أهل الكتاب قالوا إن المدة من حين دخلوا الكهف إلى يومنا هذا وهو ~~اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمئة سنين وازدادوا تسع سنين، فرد ~~الله تعالى عليهم ذلك وقال: الله أعلم بما لبثوا يعني بعد قبض أرواحهم إلى ~~يومنا هذا لا يعلمه إلا الله {له غيب السموات والأرض} ، أي: ما غاب فيهما ~~وخفي من أحوال أهلهما فالغيب ما يغيب عن إدراكك والله عز ذكره لا يغيب عن ~~إدراكه شيء فيكون عالما بهذه الواقعة لا محالة وقوله تعالى: {أبصر به ~~وأسمع} كلمة تذكر في التعجب، أي: ما أبصر الله تعالى بكل موجود وما أسمعه ~~بكل بمسموع {ما لهم} ، أي: أهل السموات والأرض {من دونه} ، أي: الله {من ~~ولي} ، أي: ناصر {ولا يشرك في حكمه} ، أي: في # PageV02P366 # قضائه ms1701 {أحدا} منهم ولا يجعل له فيه مدخلا لأنه غني بذاته عن كل أحد، وقيل ~~الحكم هنا علم الغيب، أي: لا يشرك في علم غيبه أحدا. وقرأ ابن عامر ~~بالمثناة فوق قبل الشين وبسكون الكاف على نهي كل أحد عن الإشراك، والباقون ~~بالتحتية وضم الكاف. # تنبيه: احتج أصحابنا رحمهم الله تعالى بهذه القصة على صحة القول بالكرامة ~~للأولياء وقد قدمنا معرفة الولي في سورة يونس عند قوله تعالى: {إلا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (يونس، 62) # فمما يدل على جواز كرامات الأولياء القرآن والأخبار والآثار والمعقول، ~~أما القرآن فالمعتمد فيه عندنا آيات الحجة الأولى قصة مريم عليها السلام ~~وقد شرحناها في سورة آل عمران فلا نعيدها. الحجة الثانية: قصة أصحاب الكهف ~~وبقاؤهم في النوم سالمين من الآفات مدة ثلاثمئة سنة وتسع سنين، وأن الله ~~تعالى كان يعصمهم من حر الشمس، ومن الناس من تمسك أيضا في هذه المسألة ~~بقوله تعالى: {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك} (النمل، 40) # على أنه غير السيد سليمان والسيد جبريل. # وأما الأخبار فكثيرة منها ما أخرج في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة؛ عيسى بن مريم وصبي ~~في زمن جريج وصبي آخر؛ وأما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلا عابدا ~~في بني إسرائيل وكانت له أم فكان يوما يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا ~~جريج فقال: يا رب أمي وصلاتي الصلاة خير أم رؤيتها ثم يصلي فدعته ثانيا ~~فقال: مثل ذلك حتى تم ثلاث مرات وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمه فقالت: ~~اللهم لا تمته حتى تريه المومسات. وكانت زانية في بني إسرائيل فقالت لهم: ~~أنا أفتن جريجا حتى يزني بي فأتته فلم تقدر على شيء، وكان هناك راع يأوي ~~بالليل إلى صومعته فلما أعياها جريج راودت الراعي على نفسها فأتاها فولدت ~~ثم قالت: ولدي هذا من جريج، فأتاه بنو إسرائيل ms1702 وكسروا صومعته وشتموه ثم نخس ~~الغلام قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ~~بيده: يا غلام من أبوك؟ فقال: الراعي. فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا ~~إليه وقالوا نبني لك صومعتك من ذهب أو فضة فأبى عليهم وبناها كما كانت. ~~وأما الصبي الآخر فإن امرأة كان معها صبي لها ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو ~~شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا. فقال الصبي: اللهم لا تجعلني مثله، ~~ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللهم لا تجعل ابني ~~مثل هذه. فقال الصبي: اللهم اجعلني مثلها. فقالت له أمه في ذلك، فقال: إن ~~الراكب جبار من الجبابرة فكرهت أن أكون مثله وإن هذه قيل لها زنيت ولم تزن ~~وقيل له سرقت ولم تسرق وهي تقول: حسبي الله فأحببت أن أكون مثلها» . # ومنها خبر الغار وهو مشهور في الصحيح عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم ~~المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار» ~~وقد ذكرت ذلك عند قوله تعالى: {كانوا من آياتنا عجبا} (الكهف، 9) # . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم «رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو ~~أقسم على الله لأبره» . ولم يفرق من شيء وشيء فيما يقسم به على الله تعالى. ~~ومنها ما روي عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «بينما رجل # PageV02P367 # يسوق بقرة قد حمل عليها التفتت البقرة، وقالت: إني لم أخلق لهذا وإنما ~~خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت ~~بهذا وأبو بكر وعمر» . ومنها ما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «بينا رجل سمع رعدا أو صوتا في السحاب أن اسق حديقة فلان قال: ~~فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت ms1703 له: ما اسمك؟ قال: فلان ابن ~~فلان قلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟ قال: ولم تسأل عن ذلك. قلت: ~~لأني سمعت صوتا في السحاب أن اسق حديقة فلان قال: أما إذ قلت فإني أجعلها ~~أثلاثا فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثا وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثا وأنفق ~~عليها ثلثا» . # وأما الآثار فكثيرة ايضا ولنبدأ منها ببعض ما نقل أنه ظهر على يد الخلفاء ~~الراشدين من الكرامات ثم ببعض ما ظهر على يد بعض الصحابة. أما أبو بكر رضي ~~الله تعالى عنه فمن كراماته أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم ونودي السلام عليك يا رسول الله، هذا أبو بكر بالباب فإذا ~~بالباب قد فتح وإذا بهاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب، وأما ~~عمر رضي الله تعالى عنه فقد ظهرت أنواع كثيرة من كراماته النوع الأول ما ~~روي أنه لما بعث جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى سارية بن الحصين فبينما عمر يوم ~~الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته وهو على المنبر يا سارية الجبل الجبل. قال ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه كتبت تاريخ هذه الكلمة فلما قدم رسول ذلك ~~الجيش فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فهزمونا فإذا ~~بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهرنا إلى الجبل فهزم الله تعالى ~~الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة ببركة ذلك الصوت. قال الرازي: قلت سمعت بعض ~~المذكرين قال: كان ذلك معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال لأبي بكر ~~وعمر: «أنتما بمنزلة السمع والبصر» ، فلما كان عمر بمنزلة البصر لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لا جرم قدر على أن يرى من ذلك البعد العظيم. # النوع الثاني: ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة ~~واحدة فكان لا يجري حتى تلقى فيه جارية حسناء فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن ~~العاص إلى عمر فكتب عمر على خرقة أيها النيل إن كنت تجري بأمر الله فاجر ~~وإن كنت إنما ms1704 تجري بأمرك لا حاجة بنا إليك فألقيت تلك الخرقة في النيل فجرى ~~ولم يقف بعد ذلك. # النوع الثالث: لما وقعت الزلزلة في المدينة فضرب عمر بالدرة على الأرض ~~وقال: اسكني بأذن الله فسكنت وما حدثت الزلزلة بالمدينة بعد ذلك الوقت. # النوع الرابع: وقعت النار في بعض دور المدينة فكتب عمر على خرقة يا نار ~~اسكني بأذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال. # النوع الخامس: ما روي أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن ~~داره مثل قصور الملوك فقالوا ليس له ذلك وإنما هو في الصحراء يضرب اللبن ~~فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر وضع درته تحت رأسه ونام على التراب فتعجب ~~الرسول من ذلك وقال أهل المشرق والمغرب يخافون هذا الإنسان وهو على هذه ~~الصفة ثم قال في نفسه إن وجدته خاليا فاقتله وأخلص الناس منه فلما رفع ~~السيف أخرج الله تعالى من الأرض أسدين فقصداه فخاف وألقى السيف من يده ~~وانتبه عمر ولم ير شيئا فسأله عن الحال فذكر له الواقعة وأسلم. قال الرازي: ~~وأقول هذه # PageV02P368 # الواقعة رويت بالآحاد وههنا ما هو معلوم بالتواتر وهو أنه مع بعده عن ~~زينة الدنيا واحترازه عن التكلفات والتهويلات ساس الشرق والغرب وغلب ~~الممالك والدول ولو نظرت في كتب التواريخ علمت أنه لم يتفق لأحد من أول عهد ~~عمر إلى الآن ما تيسر له، فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك ~~السياسات ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات. # وأما عثمان رضي الله تعالى عنه فأشياء كثيرة، منها ما روي عن أنس قال: ~~سرت في الطريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم ~~تدخلون علي وآثار الزنا ظاهرة عليكم فقلت أجاء الوحي بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: لا ولكن فراسة صادقة، ومنها أنه لما طعن بالسيف فأول ~~قطرة من دمه سقطت وقعت على المصحف على قوله تعالى: {فسيكفيكهم الله وهو ~~السميع العليم} (البقرة، 137) # . ومنها أن جهجاها الغفاري ms1705 انتزع العصا من يد عثمان فكسرها على ركبته ~~فوقعت الأكلة في ركبته. # وأما علي رضي الله تعالى عنه فأشياء كثيرة أيضا، منها ما روي أن واحدا من ~~محبيه سرق وكان عبدا أسود فأتي به إلى علي فقال: أسرقت؟ فقال: بلى. فقطع ~~يده فانصرف من عند علي فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء. فقال ابن الكواء: ~~من قطع يدك؟ فقال له: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج ~~البتول. فقال له سلمان: قطع يدك وتمدحه. فقال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي ~~بحق وخلصني من النار، فسمع سلمان ذلك فأخبر به عليا فدعا الأسود ووضع يده ~~على ساعده وغطاه بمنديل، ودعا بدعوات فسمعنا صوتا من السماء: إرفع الرداء ~~عن اليد فرفعناه فإذا اليد قد برئت. # وأما ما روي عن بعض الصحابة فشيء كثير، ونذكر منها شيئا قليلا، منها ما ~~روى محمد بن المنكدر عن سفينة قال: ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت ~~فيها، وركبت لوحا من ألواحها فطرحني اللوح في خيسة فيها أسد فخرج الأسد إلي ~~يريدني فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~فتقدم الأسد إلي ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع. # ومنها ما روى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلا آخر من الأنصار تحدثا ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة لهما حتى ذهب من الليل زمان ثم ~~خرجا من عنده وكانت الليلة شديدة الظلمة وكان في يد كل واحد منهما عصا ~~فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها فلما افترقت بينهما الطريق أضاءت ~~للآخر عصاه فمشى حتى بلغ منزله. ومنها ما روي أنه قيل لخالد بن الوليد أن ~~في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلة فطاف بالعسكر فلقي رجلا على فرس ~~ومعه خمر فقال: ما هذا؟ قال: خل. فقال خالد: اللهم اجعله خلا فذهب الرجل ~~إلى أصحابه فقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثله فلما فتحوا فإذا هو خل ~~فقالوا: والله ما جئتنا إلا ms1706 بخل فقال: والله هذا دعاء خالد. ومنها الواقعة ~~المشهورة وهي أن خالد بن الوليد أكل كفا من السم على اسم الله وما ضره. # ومنها ما روي أن ابن عمر كان في بعض أسفاره فلقي جماعة وقفوا على الطريق ~~من خوف السبع فطرد السبع من طريقهم، ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما ~~يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء. ومنها ما روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعث العلاء الحضرمي في غزاة فحال بينهم وبين المطلوب ~~قطعة من البحر # PageV02P369 # فدعا باسم الله الأعظم ومشوا على الماء. وفي كتب الصوفية من هذا الباب ~~روايات متجاوزة عن الحد والحصر فمن أرادها طالعها. # وأما الدلائل العقلية على جواز الكرامات فمن وجوه: الأول: أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال حاكيا عن رب العزة: «من آذى لي وليا فقد بارزته بالمحاربة» ~~فجعل إيذاء الولي قائما مقام إيذائه وتأكد هذا بالخبر المشهور أنه تعالى ~~يقول يوم القيامة: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، استسقيتك فما سقيتني، ~~استطعمتك فما أطعمتني، فيقول: يا رب كيف أفعل هذا وأنت رب العالمين فيقول: ~~إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي» . وكذا ~~في السقي والإطعام فدلت هذه الأخبار على أن أولياء الله يبلغون هذه الدرجات ~~العالية والمراتب الشريفة. فإذا جاز اتصال العبد إلى هذه الدرجات فأي بعد ~~أن يعطيه الله تعالى كسرة خبز أو جرعة ماء أو يسخر له كلبا أو دودة. # الوجه الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال عن رب العزة: «ما تقرب إلي ~~عبدي بمثل أداء ما افترض عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت له سمعا وبصرا وقلبا ولسانا ويدا ورجلا فبي يسمع وبي يبصر وبي ~~ينطق وبي يمشي» . وهذا الخبر يدل على أنه لم يبق في سمعهم نصيب لغير الله ~~تعالى لما قال: أنا سمعه وأنا بصره، وهذا المقام أشرف من تسخير الحية ~~والسبع، وإعطاء عنقود من العنب أو ms1707 شربة من الماء فلما أوصل برحمته عبده إلى ~~هذه الدرجات العالية فأي بعد في أن يعطيه رغيفا واحدا أو شربة من الماء في ~~مفازة. # الوجه الثالث: لو امتنع إظهار الكرامة لكان ذلك إما لأجل أن الله تعالى ~~ليس أهلا لأن يفعل مثل هذا الفعل أو لأجل أن المؤمن ليس أهلا لأن يعطيه ~~الله هذه العطية والأول قدح في قدرة الله تعالى وهو كفر. والثاني باطل فإن ~~معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته والمواظبة على ذكر تقديسه وتمجيده وتهليله ~~أشرف من إعطاء رغيف واحد في مفازة وتسخير حية أو أسد فإن إعطاءه المحبة ~~والذكر والشكر من غير سؤال أولى من أن يعطيه شربة ماء في مفازة فأي بعد ~~فيه. # واحتج المنكر للكرامات بوجوه: الأول: أن ظهور الفعل الخارق للعادة جعله ~~الله تعالى دليلا على النبوة فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة. # الوجه الثاني: أن الله تعالى قال: {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس} (النحل، 7) . # والقول بأن الولي ينتقل من بلد إلى بلد بعيد لا على هذا الوجه طعن في هذه ~~الآية وأيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل من مكة إلى المدينة إلا في ~~أيام كثيرة مع التعب الشديد فكيف يعقل أن يقال أن الولي ينتقل من بلد نفسه ~~إلى الحج في اليوم الواحد. # الوجه الثالث: أن هذا الولي الذي يظهر عليه الكرامات إذا ادعى على إنسان ~~درهما واحدا فهل يطلب بالبينة أم لا فإن طالبناه بها كان عبثا لأن ظهور ~~الكرامة عليه يدل على أنه لا يكذب ومع قيام الدليل القاطع كيف يطلب الدليل ~~الظني وإن لم يطالب بها فقد تركنا قوله صلى الله عليه وسلم «البينة على ~~المدعي» . # فهذا يدل على أن القول بالكرامة باطل، وأجيب عن الأول بأن الناس اختلفوا ~~هل يجوز للولي دعوى الولاية؟ فقال قوم من المحققين إنه لا يجوز فعلى هذا ~~الفرق بين المعجزة والكرامة، أن المعجزة تكون مسبوقة بدعوى النبوة والكرامة ~~لا تكون مسبوقة # PageV02P370 # بدعوى الولاية وعلى القول ms1708 بالجواز الفرق بينهما أن النبي يدعي المعجزة ~~ويقطع بها والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها لأن المعجز يجب ظهوره، ~~والكرامة لا يجب ظهورها، وأجيب عن الثاني بأن قوله تعالى: {وتحمل أثقالكم} ~~إلى آخره محمول على المعهود المتعارف، وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير ~~كالمستثنيات من ذلك العموم المتعارف، وأجيب عن الثالث بأن التمسك بالأمور ~~النادرة لا يعول عليه في الشرع فلا ينافي ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~«البينة على المدعي» . ومع هذا فصاحب الكرامة يجب عليه أن يكون خائفا وجلا ~~ولهذا قال المحققون: أكثر ما حصل الانقطاع عن حضرة الله إنما وقع في مقام ~~الكرامات فلا جرم ترى المحققين يخافون من الكرامات كما يخافون من أشد أنواع ~~البلاء. # والذي يدل على أن الاستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه: الأول: أن ~~الكرامات أشياء مغايرة للحق سبحانه وتعالى فالفرح بالكرامة فرح بغير الحق ~~والفرح بغير الحق حجاب والمحجوب عن الحق كيف يليق به الفرح والسرور. الوجه ~~الثاني: أن من اعتقد في نفسه أنه صار مستحقا للكرامة بسبب عمله حصل لعمله ~~وقع عظيم في قلبه، ومن كان لعمله وقع عظيم في قلبه كان جاهلا إذ لو عرف ربه ~~لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلاله تقصير وكل شكر في جنب آلائه ونعمائه ~~قصور وكل معارفهم وعلومهم فهي في مقابلة عزته حيرة وجهل. # وجدت في بعض الكتب أنه قرئ في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله تعالى: ~~{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (فاطر، 10) # فقال: علامة أن الحق رفع عملك أن لا يبقى عندك مرتقى عملك في نظرك، فإن ~~بقي عملك في نظرك فهو غير مرفوع وإن لم يبق عملك في نظرك فهو مرفوع مقبول. ~~الوجه الثالث: أن صاحب الكرامة إنما وجد الكرامة لإظهار الذل والتضرع في ~~حضرة الله تعالى، فإذا ترفع وتكبر وتجبر بسبب الكرامات فقد بطل ما به وصل ~~إلى الكرامات فهذا طريق يؤدي ثبوته إلى عدمه فكان مردودا ولهذا المعنى لما ~~ذكر صلى الله عليه وسلم مناقب نفسه ms1709 وفضائلها كان يقول في آخر كل واحد منها ~~ولا فخر، أي: لا أفخر بهذه الكرامات، وإنما أفخر بالمكرم والمعطي. الوجه ~~الرابع: أنه تعالى وصف عباده المخلصين بقوله تعالى: {ويدعوننا رغبا} ~~(الأنبياء، 90) ، أي: في ثوابنا {ورهبا} ، أي: من عذابنا. وقيل رغبا في ~~وصالنا ورهبا من عقابنا. قال بعض المحققين: والأحسن أن يقال رغبا فينا ~~ورهبا عنا، وفي هذا القدر كفاية لأولي الألباب، جعلنا الله تعالى وأحبابنا ~~من أهل ولايته بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحابته. ثم لما دل اشتمال ~~القرآن على قصة أصحاب الكهف من حيث أنها من المغيبات بالإضافة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أنه وحي معجز أمره أن يداوم درسه ويلازم أصحابه ~~بقوله تعالى: # {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك} ، أي: القرآن واتبع ما فيه واعمل بما ~~فيه {لا مبدل لكلماته} ، أي: لا أحد يقدر على تبديلها وتغييرها غيره، وقال ~~بعضهم: مقتضى هذا أن لا يتطرق النسخ إليه وأجاب بأن النسخ في الحقيقة ليس ~~تبديلا لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالمغاير ~~فكيف يكون تبديلا وهذا لا يحتاج إليه مع التفسير المذكور {ولن تجد من دونه} ~~، أي: الله {ملتحدا} ، أي: ملجأ في البيان والإرشاد وقيل إن لم تتبع # PageV02P371 # القرآن. ونزل في عيينة بن حصن الفزاري لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء فيهم سلمان الفارسي وعليه شملة قد عرق ~~فيها وبيده خوص يشقه ثم ينسجه فقال له: أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر ~~وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، أي: كما ~~قال قوم نوح: {أنؤمن لك وأتبعك الأرذلون} (الشعراء، 111) # فنحهم حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا واجعل لهم مجلسا. # {واصبر نفسك} ، أي: احبسها وثبتها {مع الذين يدعون ربهم} ونظير هذه الآية ~~قد سبق في سورة الأنعام وهو قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه} (الأنعام، 52) # ففي تلك الاية نهي لرسول الله صلى الله عليه ms1710 وسلم عن طردهم، وفي هذه ~~الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم وفي قوله تعالى: {بالغداة والعشي} ~~وجوه الأول: أنهم مواظبون على هذا العمل في كل الأوقات كقول القائل ليس ~~لفلان عمل بالغداة والعشي إلا شتم الناس. الثاني: المراد صلاة الفجر ~~والعصر. الثالث: أن المراد الغداة وهو الوقت الذي ينتقل فيه الإنسان من ~~النوم إلى اليقظة، وهذا الانتقال شبيه بالانتقال من الموت إلى الحياة، ~~والعشي هو الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من الحياة إلى الموت ومن اليقظة ~~إلى النوم، والإنسان العاقل يكون في هذين الوقتين كثير الذكر لله تعالى ~~عظيم الشكر لآلاء الله ونعمائه وقرأ ابن عامر بضم الغين المعجمة وسكون ~~الدال وبعدها واو مفتوحة والباقون بفتح الغين والدال وألف بعدها والرسم في ~~المصحف بالواو هنا وفي سورة الأنعام. # {يريدون} بعبادتهم {وجهه} تعالى، أي: رضاه وطاعته لا شيئا من أعراض ~~الدنيا {ولا تعد} ، أي: تنصرف {عيناك عنهم} إلى غيرهم وعبر بالعينين عن ~~صاحبهما فنهى صلى الله عليه وسلم أن يصرف بصره ونفسه عنهم لأجل رغبته في ~~مجالسة الأغنياء لعلهم يؤمنون وقوله تعالى: {تريد زينة الحياة الدنيا} في ~~موضع الحال، أي: إنك إن فعلت ذلك لم يكن إقدامك عليه إلا لرغبتك في زينة ~~الحياة الدنيا. ولما بالغ تعالى في أمره في مجالسة الفقراء من المسلمين ~~بالغ في النهي عن الالتفات إلى أقوال الأغنياء والمتكبرين بقوله تعالى: ~~{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} ، أي: جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا، أي: ~~عيينة بن حصن وقيل أمية بن خلف {واتبع هواه} ، أي: في طلب الشهوات {وكان ~~أمره فرطا} ، أي: إسرافا وباطلا، وهذا يدل على أن أشر أحوال الإنسان أن ~~يكون قلبه خاليا عن ذكر الحق ويكون مملوءا من الهوى الداعي إلى الاشتغال ~~بالخلق، لأن ذكر الله تعالى نور وذكر غيره ظلمة لأن الوجود طبيعة النور ~~والعدم منبع الظلمة والحق تعالى واجب الوجود لذاته فكان النور الحق هو الله ~~تعالى وما سواه فهو ممكن الوجود لذاته والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع ~~الظلمة فالقلب إذا أشرق فيه ms1711 ذكر الله تعالى فقد حصل فيه النور والضوء ~~والإشراق وإذا توجه القلب إلى الخلق فقد حصل فيه الظلم والظلمة بل الظلمات ~~فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحق وأقبل على الخلق فهو الظلمة الخالصة ~~التامة والإعراض عن الحق هو المراد بقوله تعالى: {أغفلنا قلبه عن ذكرنا} ~~والإقبال على الخلق هو المراد بقوله تعالى: {واتبع هواه} . # روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنت جالسا في عصابة من ضعفاء ~~المهاجرين وأن بعضهم # PageV02P372 # ليستتر ببعض من العري وقارئ يقرأ من القرآن فجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال: «ما الذي كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان واحد يقرأ من ~~القرآن ونحن نسمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي جعل من ~~أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا وقال: أبشروا يا صعاليك ~~المهاجرين بالنور التام يوم القيامة فتدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار ~~خمسمائة سنة» . ولما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يلتفت ~~إلى أولئك الأغنياء الذين قالوا: إن طردت الفقراء آمنا بك. قال تعالى بعده: # {وقل الحق} ، أي: وقل لهؤلاء ولغيرهم هذا الذي جئتكم به في أمر أهل الكهف ~~وغيرهم من هذا الوجه العربي المعرى عن العوج الظاهر الإعجاز الباهر الحجج ~~الحق كائنا {من ربكم} المحسن إليكم في أمر أهل الكهف وغيرهم من صبر نفسي مع ~~المؤمنين والإعراض عمن سواهم وغير ذلك لا ما قلتموه في أمرهم، ويجوز أن ~~يكون الحق مبتدأ وخبره الجار بعده {فمن شاء} ، أي: منكم ومن غيركم {فليؤمن} ~~بهذا الذي قصصناه فيهم وفي غيرهم فهو مقبول مرغوب فيه وإن كان فقيرا رث ~~الهيئة ولم ينفع إلا نفسه {ومن شاء} منكم ومن غيركم {فليكفر} فهو أهل لأن ~~يعرض عنه ولا يلتفت إليه وإن كان أغنى الناس وأحسنهم هيئة وإن تعاظمت هيئته ~~وهذا لا يقتضي استقلال العبد بفعله كما تقول المعتزلة، فعن ابن عباس في ~~معنى الآية من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر ms1712 كفر ونقل عن علي ~~رضي الله عنه أنه قال: هذه الصيغة تهديد ووعيد، أي: فهي كقوله تعالى: ~~{اعملوا ما شئتم} (فصلت، 40) # فإن الله تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين بل نفع ~~الإيمان يعود على المؤمن وضرر الكفر بعود على الكافر كما قال تعالى: {إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} (الإسراء، 7) # ولما هدد السامعين بما حاصله ليختار كل امرئ لنفسه ما يجده غدا عند الله ~~أتبعه بذلك الوعيد والأفعال الباطلة، وبذكر الوعد على الإيمان والأعمال ~~الصالحة، أما الوعيد فقوله تعالى: {إنا أعتدنا} ، أي: هيأنا بما لنا من ~~العظمة والقدرة {للظالمين} ، أي: لمن أنف عن قبول الحق لأجل أن الذين قبلوه ~~فقراء ومساكين وكذا كل من لم يؤمن {نارا} وهي الجحيم ثم وصف الله تعالى تلك ~~النار بصفتين؛ الأولى قوله تعالى: {أحاط بهم} كلهم {سرادقها} ، أي: فسطاطها ~~شبه به ما يحيط بهم من النار وقيل هو الحجرة التي تكون حول الفسطاط وقيل ~~حائط من نار والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرجة يتفرجون بالنظر إلى ما ~~وراءها من غير النار بل هي محيطة من كل الجوانب، وقيل هو دخان يغشاهم قبل ~~دخولهم النار يحيط بهم كالسرداق حول الفسطاط. الصفة الثانية قوله تعالى: ~~{وإن يستغيثوا} ، أي: يطلبوا الغوث {يغاثوا بماء} ووصف هذا الماء بصفتين؛ ~~الأولى قوله تعالى: {كالمهل} وهو كما في حديث مرفوع دردي الزيت، وعن ابن ~~مسعود أنه دخل بيت المال وأخرج نقاعة كانت فيه وأوقد عليها النار حتى ~~تلألأت ثم قال: هذا هو المهل. وقال أبو عبيدة والأخفش: كل شيء أذبته من ~~نحاس أو ذهب أو فضة فهو المهل. وقيل إنه الصديد والقيح وقيل إنه ضرب من ~~القطران ثم يحتمل أن تكون هذه الاستغاثة لأنهم طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا ~~المهل قال تعالى: {تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية} (الغاشية: 4، 5) # ويحتمل أن يستغيثوا # PageV02P373 # من حر جهنم فيطلبوا ما يصبونه على أنفسهم للتبريد فيعطون هذا الماء قال ~~تعالى حكاية عنهم: {أفيضوا علينا من الماء} (الأعراف، 50) # . وقال ms1713 تعالى في آية أخرى: {سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار} ~~(إبراهيم، 50) # . فإذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم ~~كالقميص. والصفة الثانية للماء: قوله تعالى: {يشوي الوجوه} ، أي: إذا قرب ~~إلى الفم ليشرب فكيف بالفم والجوف ثم وصل تعالى بذلك ذمه فقال تعالى: {بئس ~~الشراب} ، أي: ذلك الماء الذي هو كالمهل لأن المقصود من شرب الشراب تسكين ~~الحرارة وهذا يبلغ في إحراق الإنسان مبلغا عظيما ثم عطف عليه ذم النار ~~المعدة لهم بقوله تعالى: {وساءت} ، أي: النار وقوله تعالى: {مرتفقا} تمييز ~~منقول من الفاعل، أي: قبح مرتفقها وهو مقابل لقوله تعالى الآتي في الجنة: ~~{وحسنت مرتفقا} وإلا فأي ارتفاق في النار. ولما ذكر تعالى وعيد المبطلين ~~أردفه بوعد المحقين فقال تعالى: # {إن الذين آمنوا} ولما كان الإيمان هو الإذعان للأوامر عطف عليه ما يحقق ~~ذلك بقوله تعالى: {وعملوا الصالحات} ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى: {إنا لا ~~نضيع} ، أي: بوجه من الوجوه {أجر من أحسن عملا} وهذه الجملة خبر إن الذين ~~وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر والمعنى أجرهم، أي: نثيبهم بما تضمنه. # {أولئك لهم جنات عدن} ، أي: إقامة فكأنه قيل فما لهم فيها فقيل: {تجري من ~~تحتهم} ، أي: من تحت منازلهم {الأنهار} وذلك لأن أفضل المساكن ما كان تجري ~~فيه الأنهار أو الماء فكأنه قيل ثم ماذا فقيل: {يحلون فيها} وبنى الفعل ~~المجهول لأن المقصود وجود التحلية وهي لعزتها إنما يؤتى بها من الغيب فضلا ~~من الله تعالى. # ولما كانت نعم الله لا تحصى نوع منها قال تعالى مبعضا: {من أساور} جمع ~~إسورة كاحمرة جمع سوار كما يلبس ذلك ملوك الدنيا من جبابرة الكفرة في بعض ~~الأقاليم كأهل فارس وقيل من زائدة، وقيل للابتداء ومن في قوله تعالى: {من ~~ذهب} للبيان صفة لأساور وتنكيرها لتعظيم جنسها عن الإحاطة به. وقيل ~~للتبعيض. ولما كان اللباس جزاء العمل فكان موجودا عندهم أسند الفعل إليهم ~~فقال: {ويلبسون ثيابا خضرا} لأن الخضرة أحسن الألوان وأكثرها طراوة ثم ~~وصفها بقوله تعالى: {من ms1714 سندس} وهو ما رق من الديباج {وإستبرق} وهو ما غلظ ~~منه جمع بين النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وفي ~~آية أخرى {بطائنها من إستبرق} (الرحمن، 54) # فيكون الغليظ بطانة للرقيق، ثم استأنف الوصف عن حال جلوسهم فيها بأنه ~~جلوس الملوك المتمكنين من النعيم فقال تعالى: {متكئين فيها} ، أي: لأنهم في ~~غاية الراحة {على الأرائك} جمع أريكة وهي السرير في الحجلة وهي بيت يزين ~~بالثياب والستور للعروس ثم مدح هذا بقوله تعالى: {نعم الثواب} ، أي: الجزاء ~~الجنة لو لم يكن لها وصف غير ما سمعتم فكيف ولها من الأوصاف ما لا يعلمه حق ~~علمه إلا الله تعالى وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: {وحسنت} ، أي: الجنة كلها ~~وبين ذلك بقوله تعالى: {مرتفقا} ، أي: مقرا ومرتفقا ومجلسا ولما افتخر ~~الكفار بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين بين الله تعالى أن ذلك مما لا ~~يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنيا والغني فقيرا وأما الذي يجب ~~الافتخار به فطاعة الله تعالى وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين وبين ذلك ~~بضرب هذا المثل المذكور # PageV02P374 # بقوله تعالى: # {واضرب لهم} ، أي: لهؤلاء الأغنياء المتجبرين الذين يستكبرون على ~~المؤمنين ويطلبون طردهم لضعفهم وفقرهم {مثلا} لما آتاهم الله من زينة ~~الحياة والدنيا واعتمدوا عليه وركنوا إليه ولم يشكروا من آتاهم إياه عليه ~~بل أداهم إلى الافتخار والتكبر على من زوي ذلك عنه إكراما له وصيانة عنه ~~{رجلين} إلى آخر الآية. واختلف في سبب نزولها فقيل نزلت في رجلين من أهل ~~مكة من بني مخزوم أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة وكان زوج أم سلمة قبل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والآخر كافر وهو الأسود بن عبد ياليل، وهما ابنا عبد ~~الأسد بن عبد ياليل. # وقيل مثال لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وأصحابه شبههما برجلين من بني ~~إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس، وقال مقاتل: ~~تمليخا والآخر كافر واسمه فطروس وقال وهب قطفر، وهما اللذان وصفهما الله ~~تعالى في سورة والصافات وكانت قصتهما ms1715 على ما حكى عبد الله بن المبارك عن ~~معمر عن عطاء الخراساني قال: كانا رجلين شركين لهما ثمانية آلاف دينار وقيل ~~كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضا ~~بألف دينار فقال صاحبه: اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار وإني مشتر ~~منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار ~~فقال صاحبه: اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار وإني اشتريت منك دارا في ~~الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف دينار ~~فقال هذا: اللهم إني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار فتصدق بها ثم إن ~~صاحبه اشترى خدما ومتاعا بألف دينار فقال هذا: اللهم إني أشتري خدما ومتاعا ~~من الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي ~~لعل ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مر به في حشمه فقام إليه فنظر ~~إليه الآخر فعرفه فقال له: فلان؟ قال: نعم. قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني ~~حاجة بعدك فأتيت لتعينني بخير قال: فما فعل مالك وقد اقتسمنا مالا وأخذت ~~شطره فقص عليه قصته فقال: وإنك لمن المصدقين بهذا إذهب # فلا أعطيك شيئا فطرده. وروي أنه لما أتاه أخذ بيده فجعل يطوف به ويريه ~~أموال نفسه فنزل فيهما {واضرب لهم مثلا رجلين} ، أي: اذكر لهم خبر رجلين؛ ~~{جعلنا لأحدهما جنتين} ، أي: بسانين يسر ما فيهما من الأشجار من يدخلهما ~~{من أعناب} لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر وهي فاكهة وقوت ~~بالعنب والزبيب والخل وغيرها، ثم إنه تعالى وصف الجنتين بصفات الصفة الأولى ~~قوله تعالى: {وحففناهما} ، أي: اطفناهما من جوانبهما {بنخل} لأنها من أشجار ~~البلاد الحارة، وتصبر على الحرور بما منعت عن الأعناب بعض أسباب العاهات ~~وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت بالتمر والخل، فكان النخل كالأكليل من ~~وراء العنب. # تنبيه: الحفاف الجانب وجمعه أحفة يقال: أحف به القوم، أي: أطافوا ~~بجوانبه. الصفة الثانية قوله تعالى: {وجعلنا بينهما} ms1716 ، أي: أرضي الجنتين ~~{زرعا} لبعد شمول الآفة للكل لأن زمان الزرع ومكانه غير زمان ثمار الشجر ~~ومكانه وذلك هو العمدة في القوت فكانت الجنتان أرضا جامعة لخير الفاكهة ~~وأفضل الأقوات وعمارتهما متواصلة # PageV02P375 # متشابكة لم يتوسطها ما يقطعهما ويفصل بينهما مع سعة الأطراف وتباعد ~~الأكتاف وحسن الهيئات والأوصاف. الصفة الثالثة: # قوله تعالى: {كلتا} ، أي: كل واحدة من {الجنتين} المذكورتين {آتت أكلها} ~~، أي: ما يطلب منها ويؤكل من ثمر وحب كاملا غير منسوب شيء منهما إلى نقص ~~ولا رداءة وهو بمعنى {ولم تظلم} ، أي: ولم تنقص {منه شيئا} يعهد في سائر ~~البساتين فإن الثمار تتم في عام وتنقص في عام غالبا والظلم النقصان تقول ~~الرجل ظلمني حقي أي نقصني. # تنبيه: كلا اسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان وكلتا اسم مفرد ومعرفة ~~يؤكد به مؤنثان معرفتان وإنما إذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال ~~الثلاثة كقولك جاءني كلا أخويك ورأيت كلا أخويك ومررت بكلا أخويك وجاءني ~~كلتا أختيك ورأيت كلتا أختيك ومررت بكلتا أختيك. وإذا أضيفا إلى المضمر ~~كانا في الرفع بالألف وفي الجر والنصب بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف ~~في الأحوال الثلاثة أيضا فقوله تعالى: {آتت أكلها} حمل على اللفظ لأن كلتا ~~لفظ مفرد ولو قيل آتتا على المعنى لجاز. الصفة الرابعة: قوله تعالى: ~~{وفجرنا خلالهما نهرا} ، أي: وسطهما وبينهما ومنه قوله تعالى: {ولأوضعوا ~~خلالكم} (التوبة، 47) # ومنه يقال خللت القوم، أي: دخلت القوم وذلك ليدوم شربهما ويستغنيا عن ~~المطر عند القحط ويزيد بهاؤهما. الصفة الخامسة: قوله تعالى: {وكان له} ، ~~أي: صاحب الجنتين {ثمر} ، أي: أنواع من المال سوى الجنتين قال ابن عباس: من ~~ذهب وفضة وغير ذلك من أثمر ماله إذا كثر وعن مجاهد الذهب والفضة خاصة، أي: ~~كان مع الجنتين أشياء من الأموال ليكون متمكنا من العمار بالأعوان والآلات ~~وجميع ما يريد وقرأ أبو عمرو وثمر هنا وثمره الآتي بسكون الميم فيهما بعد ~~ضم الثاء المثلثة، وقرأ عاصم بفتح المثلثة والميم فيهما والباقون بضم ~~المثلثة والميم فيهما ذكر ms1717 أهل اللغة أن الضم أنواع المال من الذهب والفضة ~~وغيرهما وبالفتح حمل الشجر قال قطرب: وكان أبو عمرو بن العلاء يقول الثمر ~~المال والولد وأنشد للحرث بن حلزة: # *ولقد رأيت معاشرا # ... قد أثمروا مالا وولدا # وقال النابغة: # *مهلا فداء لك الأقوام كلهم # ... وما أثمر من مال ومن ولد # {فقال} ، أي: هذا الكافر {لصاحبه} ، أي: المسلم المجعول مثلا للفقراء ~~المؤمنين {وهو} ، أي: صاحب الجنتين {يحاوره} ، أي: يراجعه الكلام من حار ~~يحور إذا رجع افتخارا عليه وتقبيحا لحاله بالنسبة إليه والمسلم يحاوره ~~بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا {أنا أكثر منك مالا} لما ترى من جناتي ~~وثماري، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون والباقون بالقصر هذا في الوصل، وأما ~~في الوقف فبالألف للجميع، وسكن قالون وأبو عمرو والكسائي هاء وهو وضمها ~~الباقون ورقق ورش راء يحاوره {وأعز نفرا} ، أي: ناسا يقومون معي في المهمات ~~وينفعون عند الضرورات لأن ذلك لازم لكثرة المال غالبا وترى أكثر الأغنياء ~~من المسلمين وإن لم يطلقوا بمثل هذا ألسنتهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به ~~منادية عليه. # {ودخل جنته} بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها وأفرد الجنة لإرادة الجنس ~~ودلالة ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة وإشارة # PageV02P376 # إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه لا حظ له في الآخرة {وهو} ، أي: والحال أنه ~~{ظالم لنفسه} لاعتماده على ماله والإعراض عن ربه، ثم استأنف بيان ظلمه ~~بقوله تعالى: {قال ما أظن أن تبيد} ، أي: تنعدم {هذه} ، أي: الجنة {أبدا} ~~لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بجهله ثم زاد في الطغيان والبطر بقصر ~~النظر على الحاضر فأنكر البعث بقوله: # {وما أظن الساعة قائمة} ، أي: كائنة استلذاذا بما هو فيه وإخلادا إليه ~~واعتمادا عليه وقوله: {ولئن رددت إلى ربي} المحسن إلي في هذه الدار في ~~الساعة إقسام منه على أنه إن رد إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وعلى ما ~~يزعم صاحبه أن الساعة قائمة {لأجدن خيرا منها} ، أي: من هذه الجنة {منقلبا} ~~، أي: مرجعا لأنه لم يعطني الجنة في الدنيا ms1718 إلا ليعطيني في الآخرة أفضل ~~منها قال ذلك طمعا وتمنيا على الله وادعاء لكرامته عليه ومكانته عنده، وأنه ~~ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله وأن معه هذا الاستحقاق أينما ~~توجه كقوله: أن لي عنده الحسنى لأوتين مالا وولدا. # {قال له صاحبه} ، أي: المؤمن {وهو} ، أي: والحال أن ذلك الصاحب {يحاوره} ~~، أي: يراجعه منكرا عليه {أكفرت بالذي خلقك من تراب} ، أي: خلق أصلك آدم من ~~تراب لأن خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقه خلقا له {ثم من نطفة} متولدة من ~~أغذية أصلها تراب هي مادتك القريبة {ثم سواك} ، أي: عدلك بعد أن أولدك ~~وطورك في أطوار النشأة {رجلا} ، أي: كملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال ~~جعل كفره بالبعث كفرا بالله تعالى لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى ~~ولذلك ترتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على بدء خلقه مرة ~~قدر على أن يعيده منه، ولما أنكر على صاحبه أخبر عن اعتقاده بما يضاد ~~اعتقاد صاحبه، فقال مؤكدا لأجل إنكار صاحبه مستدركا لأجل كفرانه. # {لكنا} أصله لكن أنا نقلت حركة الهمزة إلى النون وحذفت الهمزة ثم أدغمت ~~النون في مثلها كما قال القائل: # *وترمينني بالطرف، أي: أنت مذنب # ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي # أي لكن أنا لا أقليك. ولما كان سبحانه وتعالى لا شيء أظهر منه ولا شيء ~~أبطن منه أشار إلى ذلك جميعا بإضماره قبل الذكر فقال: {هو} ، أي: الظاهر ~~أتم ظهور فلا يخفى أصلا ويجوز أن يكون الضمير للذي خلقك {الله} ، أي: ~~المحيط بصفات الكمال {ربي} وحده لم يحسن إلي خلقا ورزقا أحد غيره وهذا ~~اعتقادي في الماضي والحال. وقرأ ابن عامر بإثبات الألف بعد النون وقفا ~~ووصلا لاتباع المرسوم والباقون بإثبات الألف بعد النون وقفا وحذفها وصلا. ~~فإن قيل: قوله لكنا استدراك لماذا؟ أجيب: بأنه لقوله {أكفرت} فكأنه قال ~~لأخيه: أكفرت بالله لكني مؤمن موحد، كما تقول زيد غائب لكن عمرو حاضر. # وذكر القفال في قول المؤمن: {ولا أشرك بربي} ، أي: المحسن إلي ms1719 في عبادتي ~~{أحدا} وجوها أحدها: أني لا أرى الفقر والغنى إلا منه فأحمده إذا أعطى ~~وأصبر إذا ابتلى، ولا أكفر عندما ينعم علي ولا أرى كثرة الأموال والأعوان ~~من نفسي وذلك لأن الكافر لما اغتر بكثرة المال والجاه فكأنه قد أثبت لله ~~شريكا في إعطاء العز والغنى. وثانيها: لعل ذلك الكافر مع كونه منكرا للبعث ~~كان عابد صنم فبين هذا # PageV02P377 # المؤمن فساد قوله بإثبات الشركاء. وثالثها: أن هذا الكافر لما عجز الله ~~تعالى عن البعث والحشر فقد جعله مساويا للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت ~~المساواة فقد أثبت الشريك ثم قال المؤمن للكافر: # {ولولا إذ} ، أي: وهلا حين {دخلت جنتك قلت} عند إعجابك بها ما يدل على ~~تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى الله تعالى وهو {ما شاء الله} ، أي: الأمر ~~ما شاء الله أو ما شاء الله كائن على أن ما موصولة، أي: وأي شيء شاء الله ~~كان على أنها شرطية والجواب محذوف، أي: إقرارا بأنها وما فيها بمشيئة الله ~~تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء أهلكها، وقرأ ابن ذكوان وحمزة بالإمالة ~~والباقون بالفتح وإذا وقف حمزة وهشام على شاء أبدل الهمزة ألفا مع المد ~~والتوسط والقصر، وأظهر إذ عند الدال نافع وابن كثير وعاصم والباقون ~~بالإدغام وهلا قلت: {لا قوة إلا بالله} اعترافا بالعجز على نفسك والقدرة ~~لله وأن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها فبمعونة الله تعالى وإقداره أو ~~لا يقوى أحد في بدنه ولا في غير ذلك إلا بالله. وفي الحديث «من أعطى خيرا ~~من أهل أو مال فيقول عند ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه ~~مكروها» ثم إن المؤمن لما أعلم الكافر بالإيمان أجابه عن افتخاره بالمال ~~والنفس فقال: {إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا} أي: من جهة المال والولد، ~~ويحتمل أن يكون أنا فصلا وأن يكون تأكيدا للمفعول الأول. وقرأ قالون وأبو ~~عمرو بإثبات الياء وصلا وحذفها وقفا، وابن كثير بإثباتها وصلا ووقفا، ~~والباقون بالحذف وقفا ووصلا ms1720 وقوله تعالى: # {فعسى ربي} ، أي: المحسن إلي {أن يؤتيني} من خزائن رزقه {خيرا من جنتك} ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة لإيماني جواب الشرط {ويرسل عليها} ، أي: جنتك ~~{حسبانا} جمع حسبانة، أي: صواعق {من السماء فتصبح} بعد كونها قرة للعين بما ~~تهتز به من الأشجار والزروع {صعيدا زلقا} ، أي: أرضا ملساء باستئصال ~~بنيانها وأشجارها فلا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم وقوله: # {أو يصبح ماؤها غورا} ، أي: غائرا في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء مصدر ~~وصف به كالزلق {فلن تستطيع} أنت {له} ، أي: للماء الغائر {طلبا} يصير بحيث ~~لا تقدر على رده إلى موضعه، ثم إنه أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا ~~المؤمن فقال: # {وأحيط} ، أي: وقعت الإحاطة بالهلاك وبني للمفعول لأن النكد حاصل بإحاطة ~~الهلاك من غير نظر إلى فاعل مخصوص والدلالة على سهولته {بثمره} ، أي: الرجل ~~المشرك كله واستؤصل هالكا ما في السهل منه وما في الجبل وما يصبر منه على ~~البرد والحر وما لا يصبر. قال بعض المفسرين: إن الله تعالى أرسل عليها نارا ~~فأهلكتها وغار ماؤها {فأصبح يقلب كفيه} ندما ويضرب أحداهما على الأخرى ~~تحسرا فتقلب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن ~~كما يكنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد لأنه في معنى الندم فعدى تعديته ~~كأنه قيل فأصبح يندم {على ما أنفق فيها} ، أي: في عمارتها ونمائها {وهي ~~خاوية} ، أي: ساقطة {على عروشها} ، أي: دعائمها التي كانت تحتها فسقطت على ~~الأرض وسقطت هي فوقها. وقوله تعالى: {ويقول} عطف على يقلب أو حال من ضميره ~~{يا} للتنبيه {ليتني} تمنيا لرد ما فاته لحيرته وذهول عقله ودهشته وعدم ~~اعتماده على الله تعالى من غير إشراك بالاعتماد على الفاني {لم أشرك بربي # PageV02P378 # أحدا} كما قال له صاحبه فندم حيث لا ينفعه الندم على ما فرط في الماضي ~~لأجل ما فاته على الدنيا لا حرصا على الإيمان لحصول الفوز في العقبى لقصور ~~عقله ووقوفه مع المحسوسات المشاهدة. فإن قيل: إن ms1721 هذا الكلام يوهم أن جنته ~~إنما هلكت بشؤم شركه وليس مرادا لأن أنواع البلاء أكثرها إنما يقع للمؤمنين ~~قال تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون} (الزخرف، 33) # . وقال صلى الله عليه وسلم «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل ~~فالأمثل» . وأيضا لما قال: {يا ليتني لم أشرك بربي أحدا} فقد ندم على الشرك ~~ورغب في التوحيد فوجب أن يصير مؤمنا فلم قال تعالى بعده: # {ولم تكن له فئة} ، أي: جماعة من نفره الذين اغتر بهم ولا من غيرهم ~~{ينصرونه} مما وقع فيه {من دون الله} عند هلاكها {وما كان} هو {منتصرا} ~~بنفسه بل ليس الأمر في ذلك إلا لله وحده. أجيب: عن الأول بأنه لما عظمت ~~حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا وكان معرضا في عمره كله عن طلب ~~الدين فلما ضاعت الدنيا بالكلية بقي محروما من الدنيا والدين، وعن الثاني ~~بأنه إنما ندم على الشرك لاعتقاده أنه لو كان موحدا غير مشرك لبقيت عليه ~~جنته فهو إنما رغب في ذلك لأجل طلب الدنيا فلذلك لم يقبل الله توحيده. وقرأ ~~حمزة والكسائي يكن بالتحتيتة على التذكير والباقون بالفوقية على التأنيث. ~~ولما أنتج هذا المثل قطعا أنه لا أمر لغير الله تعالى المرجو لنصر أوليائه ~~بعد ذلهم ولإغنائهم بعد فقرهم ولإذلال أعدائهم بعد عزهم وكبرهم وإفقارهم ~~بعد إغنائهم وحده وإن غيره إنما هو كالخيال لا حقيقة له، صرح بذلك في قوله ~~تعالى: # {هنالك} ، أي: في مثل هذه الشدائد العظيمة {الولاية لله} ، أي: الذي له ~~الكمال كله، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الواو وأي الملك والباقون بفتحها، أي: ~~النصرة وقوله تعالى: {الحق} قرأه أبو عمرو والكسائي برفع القاف على ~~الاستئناف والقطع تعليلا تنبيها على أن فزعهم في مثل هذه الأزمان إليه ~~تعالى دون غيره برهان قاطع على أنه الحق وما سواه باطل وأن الفخر بالعرض ~~الزائل من أجهل الجهل، وأن المؤمنين لا يصيبهم فقر ولا يسوغ طردهم لأجله ~~وأنه يوشك ms1722 أن يعود فقرهم غنى وضعفهم قوة وقرأه الباقون بخفضها على الوصف، ~~أي: الثابت الذي لا يحول يوما ولا يزول ولا يغفل ساعة ولا ينام ولا ولاية ~~لغيره بوجه {هو خير ثوابا} من ثواب غيره لو كان يثيب {وخير عقبا} ، أي: ~~عاقبة للمؤمنين، وقرأ عاصم وحمزة بسكون القاف والباقون بضمها ونصب على ~~التمييز. # ولما تم المثل لدنياهم الخاصة بهم التي أنظرتهم فكانت سببا لشقاوتهم وهم ~~يحسبون أنها عين إسعادهم ضرب لدار الدنيا العامة لجميع الناس في قلة ثوابها ~~وسرعة فنائها وأن من تكبر كان أخس منها فقال: # {واضرب} ، أي: صير {لهم} ، أي: لهؤلاء الكفار المغترين بالعرض الفاني ~~المفتخرين بكثرة ذكر الأموال والأولاد وعزة النفر. وقوله تعالى: {مثل ~~الحياة الدنيا} مفعول أول ثم ذكر المثل بقوله تعالى: {كماء} وهو المفعول ~~الثاني {أنزلناه} بعظمتنا وقدرتنا وقال تعالى: {من السماء} تنبيها على بليغ ~~القدرة في إمساكه في العلو وإنزاله في وقت الحاجة {فاختلط} ، أي: فتعقب ~~وتسبب عن إنزاله أنه اختلط {به نبات الأرض} ، أي: التف بسببه حتى # PageV02P379 # خالط بعضه بعضا من كثرته وتكاثفه كما قال تعالى: {فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت} (الحج، 5) # . وقيل: اختلط ذلك الماء بالنبات حتى روى واهتز ونما وكان حق اللفظ على ~~هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض لكن لما كان كل من المختلطين موصوفا بصفة ~~صاحبه عكس للمبالغة في كثرته ثم إذا انقطع ذلك بالمطر مدة جف ذلك النبات ~~{فأصبح هشيما} أي يابسا متفرقة أجزاؤه {تذروه} ، أي: تنثره وتفرقه {الرياح} ~~فتذهب به والمعنى أنه تعالى شبه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرقته الرياح ~~حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن وقرأ حمزة والكسائي ~~بالتوحيد والباقون بالجمع {وكان الله} ، أي: المختص بصفات الكمال {على كل ~~شيء} من دون ذلك وغيره إنشاء وإفناء وإعادة. {مقتدرا} أزلا وأبدا بتكوينه ~~اولا وتنميته وسطا وإبطاله آخرا فأحوال الدنيا أيضا كذلك تظهر أولا في غاية ~~الحسن والنضارة ثم تتزايد قليلا قليلا ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن ينتهي ~~إلى الهلاك والفناء ومثل هذا ms1723 الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به. # تنبيه: قوله تعالى: {فأصبح} يجوز أن يكون على بابه فإن أكثر ما يطرق من ~~الآفات صباحا كقوله تعالى: {فأصبح يقلب كفيه} ويجوز أن يكون بمعنى صار من ~~غير تقييد كقول القائل: # *أصبحت لا أحمل السلاح ولا # ... أملك رأس البعير إن نفرا # ولما بين سبحانه وتعالى أن الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على ~~الزوال والبوار والفناء بين بقوله تعالى: # {س18ش46/ش48 المال والبنون زينة الحياة الدنيا? والباقيات الصالحات خير ~~عند ربك ثوابا وخير أم? * ويوم نسير الجبال وترى ا?رض بارزة وحشرناهم فلم ~~نغادر منهم أحدا * وعرضوا? على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة?? ~~بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا} # {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} إدخال هذا الجزئي تحت هذا الكلي ~~فينعقد به قياس بين الإنتاج وهو أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا ولما ~~كانت زينة الحياة الدنيا سريعة الانقضاء والانقراض أنتج إنتاجا بديهيا أن ~~المال والبنون سريع الانقضاء والانقراض وما كان كذلك فإنه ينتج بالعقل أن ~~لا يفتخر به أو يفرح بسببه أو يقيم له في نظره وزنا وهذا برهان ظاهر باهر ~~على فساد قول أولئك المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة ~~الأموال. ثم ذكر تعالى ما يدل على رجحان أولئك الفقراء على أولئك الكفار من ~~الأغنياء فقال: {والباقيات الصالحات خير} ، أي: من الزينة الفانية لأن ~~خيرات الدنيا منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقي خير ~~من المنقرض المنقضي وهذا معلوم بالضرورة لا سيما وقد ثبت أن خيرات الدنيا ~~حقيرة خسيسة وأن خيرات الآخرة رفيعة شريفة. # والمفسرون ذكروا في الباقيات الصالحات أقوالا أحدها أنها سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وزاد بعضهم ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. وللغزالي في تفسير وجه لطيف فقال: روي أن من قال: سبحان الله حصل له ~~من الثواب عشر حسنات فإذا قال: الحمد لله صارت عشرين فإذا قال: ولا إله إلا ~~الله صارت ثلاثين فإذا قال: والله أكبر صارت أربعين وتحقيق القول ms1724 فيه أن ~~مراتب الثواب أعظمها هو الاستغراق في معرفة الله تعالى وفي محبته فإذا قال: ~~سبحان الله فقد عرف كونه تعالى منزها عن كل ما لا يليق به وكل ما لا ينبغي ~~فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة فإذا قال مع ذلك الحمد لله فقد ~~أقر بأن الحق سبحانه وتعالى مع كونه منزها عن كل ما لا ينبغي فهو المبتدئ ~~لكل ما ينبغي ولإفاضة كل # PageV02P380 # فقد تضاعفت درجات المعرفة فلا جرم قلنا بمضاعفة الثواب فإذا قال مع ذلك: ~~لا إله إلا الله فقد أقر بأن الذي تنزه عن كل ما لا ينبغي وهو المبتدئ لكل ~~ما ينبغي ليس في الوجود موجود هكذا إلا هو الواحد فقد صارت مراتب المعرفة ~~ثلاثة فلا جرم صارت درجات الثواب ثلاثة فإذا قال العبد: والله أكبر فمعنى ~~أنه أكبر أنه أعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب ~~المعرفة أربعة فلا جرم صارت درجات الثواب أربعة. وعن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» . وعن أبي سعيد الخدري أنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «استكثروا من الباقيات الصالحات، ~~قيل: وما هن يا رسول الله قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله» ، ثانيها أنها الصلاة الخمس، ثالثها أنها الطيب من ~~القول، رابعها وهو أعمها، وأولاها أنها أعمال الخيرات التي تبقى ثمراتها ~~أبد الآباد فيندرج في ذلك الصلاة وأعمال الحج وصيام رمضان وسبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله والكلام ~~الطيب وغير ذلك من كل عمل وقول دعاك لمحبة الله تعالى ومعرفته وخدمته، وأما ~~ما دعاك من قول أو عمل إلى الاشتغال بأحوال الخلق فهو خارج عن ذلك لأن كل ~~ما سوى الحق فهو فان لذاته فكان الاشتغال به والانفاق عليه باطلا وسعيا ~~ضائعا، ms1725 وأما الحق لذاته فهو الباقي الذي لا يقبل الزوال، لا جرم كان ~~الاشتغال بمحبته ومعرفته وطاعته وخدمته هو الذي يبقى بقاء لا يزول ولما كان ~~أهم ما إلي من حصل البقاء ليس لكفايته بل لمن يحفظها له لوقت حاجته قال ~~تعالى: {عند ربك} أي: الجليل المواهب العالم بالعواقب وخير من المال ~~والبنين في العاجل والآجل {ثوابا وخير} من ذلك كله {أملا} أي: من جملة ما ~~يرجوه فيها من الثواب # ويرجوه فيها من الأمل لأن ثوابها إلى بقاء آملها كل ساعة في تحقق وعلو ~~وارتقاء وآمل المال والبنين يخان أحوج ما يكون إليهما، وعن قتادة كل ما ~~أريد به وجه الله تعالى خير ثوابا أي: ما يتعلق بها من الثواب وما يتعلق ~~بها من الأمل لأن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة. ولما ~~بين سبحانه وتعالى خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وذكر ~~منها أنواعا النوع الأول قوله تعالى: # {ويوم} أي: واذكر لهم يوم {نسير} بأيسر أمر {الجبال} عن وجه الأرض بعواصف ~~القدرة كما نسير نبات الأرض بعد أن صار هشيما بالرياح كما قال تعالى: {وترى ~~الجبال تحسبها جامدة وهي تمرمر السحاب} (النمل، 88) # تنبيه: ليس في لفظ الآية ما يدل إلى أين تسير، قال الرازي: ويحتمل أن ~~يقال: إن الله يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك لخلقه، والحق أن ~~المراد أن الله تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى: {ويسئلونك عن الجبال ~~فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} (طه، ~~105، 106) # ولقوله: {وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا} (الواقعة، 5، 6) # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم التاء الفوقية وفتح الياء التحتية ~~بعد السين على فعل ما لم يسم فاعله ورفع الجبال بإسناد تسير إليها كما في ~~قوله تعالى: {وإذا الجبال سيرت} (التكوير، 3) # والباقون بالنون المضمومة وكسر الياء التحتية بعد السين بإسناد فعل ~~التسيير إليه تعالى نفسه ونصب الجبال لكونه مفعول نسير والمعنى نحن نفعل ~~بها ذلك # PageV02P381 # اعتبارا بقوله تعالى: ms1726 {وحشرناهم} والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ~~ليس إلا الله تعالى. النوع الثاني قوله تعالى: {وترى الأرض} بكمالها ~~{بارزة} لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل فبقيت بارزة ~~ظاهرة ليس عليها ما يسترها وهو المراد من قوله تعالى: {لا ترى فيها عوجا ~~ولا أمتا} (طه، 106) # وقيل: إنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فإذا هي بارزة ~~الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف كما قال تعالى: {وألقت ما فيها وتخلت} ~~(الانشقاق، 4) # وقال تعالى: {وأخرجت الأرض أثقالها} (الزلزلة، 2) # . النوع الثالث قوله تعالى: {وحشرناهم} أي: الخلائق قهرا إلى الوقت الذي ~~تنكشف فيه المخبآت وتظهر القبائح والمغيبات ويقع الحساب فيه على النقير ~~والقطمير والناقد فيه بصير {فلم نغادر} أن نترك {منهم} أي: الأولين ~~والآخرين {أحدا} لأنه لا ذهول ولا عجز، ونظيره قوله تعالى: {قل إن الأولين ~~والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} (الواقعة: 50، 51) # فإن قيل: لم جيء فحشرناهم ماضيا بعد نسير وترى؟ أجيب: بأن ذلك يقال ~~للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال ~~العظائم، كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك. ولما ذكر تعالى حشرهم وكان من المعلوم ~~أنه للعرض ذكر كيفية ذلك العرض فقال بانيا الفعل للمفعول على طريقة كلام ~~القادرين ولأن المخوف العرض لا لكونه من معين # {وعرضوا على ربك} المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك، وقوله تعالى: ~~{صفا} حال أي: مصطفين واختلف في تفسيره على وجوه؛ الأول: أن تعرض الخلق ~~كلهم صفا واحدا لاتساع الأرض ظاهرين لا يحجب بعضهم بعضا، ثانيها: لا يبعد ~~أن يكونوا صفا يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي تكون ~~بعضها خلف بعض وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: صفا صفوفا كقوله تعالى: ~~{يخرجكم طفلا} (غافر، 67) # أي: أطفالا، ثالثها: المراد بالصف القيام كما في قوله تعالى: {فاذكروا ~~اسم الله عليها صواف} (الحج، 36) # أي: قياما وقيل: كل أمة صف ويقال لهم: {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} ~~أي: فرادى حفاة عراة غرلا وليس المراد حصول المساواة من كل ms1727 وجه لأنهم خلقوا ~~صغارا ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد ما مر ويقال لمنكري البعث: ~~{بل زعمتم أن} أي: أنا {لن نجعل لكم موعدا} أي: مكانا ووقتا نجمعكم فيه هذا ~~الجمع فننجز لكم ما وعدناكم به على ألسنة رسلنا فكنتم مع التعزز على ~~المؤمنين بالأموال والأنصار منكرين البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال ~~والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن القيامة والبعث حق. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بموعظة فقال: «أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا ~~أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ألا وإن أول خلق يكسى يوم القيامة ~~إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ~~فأقول: يا رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال ~~العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم، قال: ~~فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين على أعقابهم منذ فارقتهم» وفي رواية فأقول: ~~«سحقا سحقا» وقوله: غرلا أي: قلفا الغرلة القلفة التي تنقطع من جلد الذكر ~~وهو موضع الختان وقوله: سحقا أي: بعدا. قال بعض العلماء: المراد بهؤلاء ~~الذين ارتدوا من العرب بعده، وعن عائشة رضي الله تعالى # PageV02P382 # عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس حفاة ~~عراة غرلا، فقلت: الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض، فقال: الأمر ~~أشد من أن يهمهم ذلك» زاد النسائي في رواية لكم امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. ~~وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله: «يحشر الناس على ~~ثلاث طوائف راغبين راهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير ~~وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث ~~باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا» # {ووضع} بعد العرض المستعقب للجمع بأدنى إشارة {الكتاب} المضبوط فيه دقائق ~~الأعمال وجلائلها على وجه بين لا ms1728 يخفي على قارئ ولا غيره شيء منه، فيوضع ~~كتاب كل إنسان في يده، إما في اليمن وإما في الشمال والمراد الجنس وهو صحف ~~الأعمال {فترى المجرمين مشفقين} أي: خائفين خوف العقاب من الحق وخوف ~~الفضيحة من الخلق {مما فيه} من قبائح أعمالهم وسيء أفعالهم وأقوالهم ~~{ويقولون} عند معاينتهم ما فيه من السيآت وقولهم {يا} للتنبيه {ويلتنا} أي: ~~هلكتنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه كناية عن أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا ~~الهلاك {مال هذا الكتاب} أي: أي شيء له حال كونه على غير حال الكتب في ~~الدنيا {لا يغادر} أي: لا يترك {صغيرة ولا كبيرة} من ذنوبنا وقال ابن عباس ~~الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة، وقال سعيد بن جبير الصغيرة اللمم والمسيس ~~والقبلة والكبيرة الزنا {إلا أحصاها} أي: عدها وأثبتها في هذا الكتاب، ~~ونظيره قوله تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون} ~~(الإنفطار: 10، 11، 12) # وقوله تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} (الجاثية، 29) # تنبيه: إدخال التاء في الصغيرة والكبيرة على تقدير أن المراد الفعلة ~~الصغيرة والكبيرة، قال بعض العلماء: احتجبوا من الصغائر قبل الكبائر لأن ~~الصغائر هي التي جرتهم إلى الكبائر واحترزوا من الصغائر حذرا من أن تقعوا ~~في الكبائر، وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إياكم ~~ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم نزلوا بطن واد فجاء هذا ~~بعود فطبخوا خبزهم وإن محقرات الذنوب لموبقات {ووجدوا ما عملوا حاضرا} أي: ~~مثبتا في كتابهم {ولا يظلم ربك} أي: الذي رباك بخلق القرآن {أحدا} منهم ولا ~~من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب بل يجازي الأعداء بما يستحقونه تعذيبا ~~لهم ويجازي أولياءه الذين عادوهم بما يستحقون تنعيما لهم، روى الإمام أحمد ~~في المسند عن جابر بن عبد الله أنه سافر إلى عبد الله بن أنيس مسيرة شهر ~~يستأذن فاستأذن عليه قال: فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته قلت حديث بلغني ~~عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ms1729 القصاص فخشيت أن تموت ~~قبل أن أسمعه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الله عز ~~وجل الناس أو قال العباد حفاة عراة بهما قلت: وما بهما قال: ليس معهم شيء ~~ثم ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ~~ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق ولا ~~ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عليه حق حتى ~~أقتص منه حتى اللطمة، قال: فقلنا كيف وإنا # PageV02P383 # نأتي حفاة عراة بهما قال: بالحسنات والسيآت» وروى الرازي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحاسب الله الناس في القيامة على ملة يوسف ~~وأيوب وسليمان فيدعوا المملوك فيقال: ما شغلك عني فيقول: جعلتني عبدا لآدمي ~~فلم يفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبدا مثلك فلم يمنعه ذلك أن عبدني ~~فيؤمر به إلى النار ثم يدعو المبتلى، فإذا قال: شغلتني # بالبلاء دعا أيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك من ~~عبادتي، ثم يؤتى بالملك في الدينا مع ما آتاه الله تعالى من الغنى والسعة ~~فيقول: ما عملت فيما آتيتك؟ فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعي سليمان فيقول: ~~هذا عبدي آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشلغه ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك ~~ويؤمر به إلى النار» ، وعن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«لن يزول قدم العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع؛ عن جسده فيم أبلاه وعن ~~عمره فيم أفناه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه كيف عمل به» . ~~ولما كان المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا ~~بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المذكورة في قوله تعالى: # {وإذ} أي: واذكر إذ {قلنا للملائكة} الذين هم أطوع شيء لأوامرنا المقصود ~~من ذكرها عين هذا المعنى وذلك لإن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر ms1730 ~~بأصله ونسبه وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين وأنا أشرف منه في الأصل ~~والنسب فكيف أسجد له وكيف أتواضع له، وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء ~~المسلمين بمعنى هذه المعاملة فقالوا: كيف نجالس هؤلاء الفقراء مع أنا أناس ~~من أنساب شريفة وهم من أنساب باذلة ونحن أغنياء وهم فقراء، ذكر الله تعالى ~~هذه القصة تنبيها على أن هذه الطريقة هي نفسها طريقة إبليس حين أمره الله ~~تعالى في جملة الملائكة بقوله تعالى: {اسجدوا لآدم} سجود انحناء بلا وضع ~~جبهة تحية له {فسجدوا إلا إبليس كان من الجن} قيل: هم نوع من الملائكة ~~فالاستثناء متصل، وقيل: هو منقطع وإبليس أبو الجن فله ذرية ذكرت معه بعد، ~~والملائكة لا ذرية لهم وكررت هذه القصة لهذا المقصود المذكور. قال ~~البيضاوي: وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن أي: إنما يكرر لمناسبة ذلك المحل ~~الذي يذكر فيه {ففسق} أي: خرج بتركه السجود {عن أمر ربه} أي: سيده ومالكه ~~المحسن إليه والفاء للسببية وفيه دليل على أن الملك لا يعصي البتة ورنما ~~عصى إبليس لأنه كان خبيثا في أصله والكلام المستقصى فيه تقدم في سورة ~~البقرة ثم أنه تعالى حذر عن أتباعه بقوله تعالى: {أفتتخذونه} الخطاب لآدم ~~وذريته والهاء هنا وفيما سيأتي لإبليس والهمزة للإنكار والتعجب أي: يفسق ~~باستحقاركم فنطرده لأجلكم فيكون ذلك سببا لأن تتخذوه {وذريته} شركاء لي ~~{أولياء} لكم {من دوني} تطيعونهم بدل طاعتي وقوله تعالى: {وهم لكم عدو} أي: ~~أعداء حال ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم وصل به قوله تعالى: {بئس ~~للظالمين بدلا} من الله إبليس وذريته، وكان الأصل لكم ولكنه أبرز الضمير ~~ليعلق الفعل بالوصف لإفادة التعميم. روى مجاهد عن الشعبي قال: إني لقاعد ~~يوما إذ أقبل جمال فقال: أخبروني هل لإبليس زوجة قلت: # إن ذلك لعرس ما شهدته ثم ذكرت قوله تعالى: {أفتتخذونه # PageV02P384 # وذريته أولياء من دوني} فعلمت أن لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت: نعم ~~وقال قتادة: يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وقيل: إنه يدخل ذنبه في دبره ms1731 ~~فيبيض البيضة فتنفلق عن جماعة من الشياطين، قال مجاهد من ذرية إبليس لاقيس ~~وولهان وهما صاحبا الطهارة والصلاة والهفاف ومرة وبه يكنى وزلنيور وهو صاحب ~~الأسواق يزين اللغو والأيمان الكاذبة ومدح السلع ونبز وهو صاحب المصائب ~~يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في ~~إحليل الرجل وعجز المرأة، ومطوس وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه ~~الناس لا يجدون لها أصلا، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسم الله ~~ولم يذكر الله دخل معه، وإذا أكل ولم يسم الله أكل معه، قال الأعمش: ربما ~~دخلت البيت ولم أذكر الله ولم أسلم فرأيت مطهرة فقلت: ارفعوا وخاصمتهم ثم ~~اذكر فأقول داسم داسم. وعن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول الله إن ~~الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «ذلك شيطان يقال له خترب فإذا أحسسته فتعوذ بالله واتفل عن ~~يسارك ثلاثا قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني» ، وعن أبي بن كعب أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوا وساوس الماء» ، ~~وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن إبليس يضع عرشه على ~~الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول: ~~فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته ~~حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت» ، قال الأعمش: ~~أراه قال: فيلتزمه واختلفوا في عود الضمير في قوله تعالى: # ما أشهدتهم} على وجوه؛ أحدها وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما ~~أشهدت الذين اتخذوهم أولياء {خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} أي: ولا ~~أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله تعالى: {اقتلوا أنفسكم} (النساء، 66) # نفى إحضار إبليس وذريته خلق السماوات والأرض وإحضار بعضهم خلق بعض ليدل ~~على نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله تعالى: {وما كنت متخذ ~~المضلين} أي: الذين ms1732 يضلون الناس ووضع الظاهر موضع المضمر إظهارا لإضلالهم ~~وذما لهم {عضدا} أي: أعوانا، وثانيها قال الرازي: وهو الأقوى عندي إن ~~الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد ~~عن مجلسك هؤلاء الفقراء من عندك فلا تؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء ~~الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في ~~تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ولا ~~اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة بل هم قوم كسائر الخلق فلم أقدموا على ~~الاقتراح الفاسد قال: والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده إلى أقرب ~~المذكورات فالأقرب في هذه الآية هو أولئك الكفار وهو قوله تعالى: {بئس ~~للظالمين بدلا} والمراد بالظالمين أولئك الكفار، وثالثها أن يكون المراد من ~~قوله ما أشهدتهم إلى آخره دون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى به القلم في ~~الأزل من أحوال السعادة والشقاوة فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته ~~والشقي من حكم الله بشقاوته # PageV02P385 # في الأزل وأنتم غافلون عن أحوال الأزل فإنه تعالى قال: ما أشهدتهم إلى ~~آخره وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلو ~~والكمال ولغيركم بالذل والدناءة بل ربما صار الأمر في الدنيا والآخرة على ~~العكس مما حكمتم به. ولما قرر تعالى أن القول الذي قالوه في الافتخار على ~~الفقراء اقتدوا فيه بإبليس عاد بعده إلى التهويل بأهوال القيامة فقال: # {ويوم} التقدير واذكر لهم يا محمد يوم عطفا على قوله وإذ قلنا للملائكة ~~{يقول} أي: الله يوم القيامة لهؤلاء الكفار تهكما بهم وقرأ حمزة بالنون ~~والباقون بالياء {نادوا شركائي} أي: ما عبد من دوني وقيل: إبليس وذريته ثم ~~بين تعالى أن الإضافة ليست على حقيقتها بل توبيخ لهم فقال تعالى: {الذين ~~زعمتم} أنهم شركائي أو شفعاؤكم ليمنعوكم من عذابي {فدعوهم} تماديا في الجهل ~~والضلال {فلم يستجيبوا لهم} أي: فلم يغيثوهم استهانة بهم واشتغالا بأنفسهم ~~فضلا عن أن يعينوهم {وجعلنا بينهم} أي: المشركين والشركاء {موبقا} ms1733 أي: ~~واديا من أودية جهنم يهلكون فيه جميعا، وهو من وبق بالفتح هلك، نقل ابن ~~كثير عن عبد الله بن عمر أنه قال: هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل ~~الهدى وأهل الضلال، وقال الحسن البصري: عداوة أي: يؤل بهم إلى الهلاك ~~والتلف كقول عمر رضي الله تعالى عنه: لا يكون حبك كلفا ولا بغضك تلفا أي: ~~لا يكن حبك يجر إلى الكلف ولا بغضك يجر إلى التلف، وقيل: الموبق البرزخ ~~البعيد أي: وجعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخا بعيدا يهلك ~~فيه الساري لفرط بعده لأنهم في قعر جهم وهم في أعلى الجنان. # ولما قرر سبحانه وتعالى ما لهم مع شركائهم ذكر حالهم في استمرار جهلهم ~~فقال تعالى: # {ورأى المجرمون} أي: العريقون في الإجرام {النار} من مكان بعيد {فظنوا} ~~ظنا {أنهم مواقعوها} أي: مخالطوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة لشدة ~~ما يسمعون من تغيظها وزفيرها كما قال تعالى: {إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا ~~لها تغيظا وزفيرا} (الفرقان، 12) # فإن مخالطة الشيء لغيره إذا كانت قوية تامة يقال لها: مواقعة {ولم} أي: ~~والحال أنهم لم {يجدوا عنها مصرفا} أي: مكانا ينصرفون إليه لأن الملائكة ~~تسوقهم إليها والموضع موضع التحقق ولكن ظنهم جريا على عادتهم في الجهل كما ~~قالوا: اتخذوا الله ولدا بغير علم وما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة ~~قائمة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين مع قيام الأدلة التي لا شك فيها، ~~وقيل: الظن هنا بمعنى العلم واليقين. # ولما افتخر هؤلاء الكفار على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم وبين ~~الله تعالى الوجوه الكثيرة أن قولهم فاسد وشبههم باطلة ذكر فيه المثلين ~~المتقدمين ثم قال بعده: # {ولقد صرفنا} وأظهر نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم الدال وأدغمها ~~الباقون {في هذا القرآن} أي: القيم الذي لا عوج فيه مع جمعه للمعاني ~~{للناس} أي: المزلزلين والثابتين وقوله: {من كل مثل} صفة لمحذوف أي: مثلا ~~من جنس كل مثل ليتعظوا أو أنا حولنا الكلام ms1734 وصرفناه في كل وجه من وجوه ~~المعاني وألبسناه من العبارات الرائقة والأساليب المتناسقة ما صار بها في ~~غرابته كالمثل يقبله كل من سمعه وتضرب به آباط الأبل في سائر البلاد بين ~~العباد فتسر به قلوبهم وتلهج به ألسنتهم فلم يقبلوه ولم يتركوا المجادلة ~~الباطلة كما قال تعالى: {وكان الإنسان أكثر شيء} يتأتى منه الجدال # PageV02P386 # وميز الأكثرية بقوله تعالى: {جدلا} أي: خصومة، قال بعض المحققين والآية ~~دالة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جادلوهم في الدين لأن المجادلة ~~لا تحصل إلا من الطرفين ولهذا قيل: أراد بالإنسان الكافر، وقيل الآية على ~~العموم، قال ابن الخازن: وهو الأصح وكذا قال البغوي فعن علي رضي الله تعالى ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورضي الله تعالى عنها ليلة فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله ~~أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: ~~وكان الإنسان أكثر شيء جدلا، وقال ابن عباس أراد النضر بن الحارث وجدا له ~~في القرآن، وقال الكلبي: أراد به خلفا الجمحي. # ولما بين سبحانه وتعالى إعراضهم بين موجبه عندهم فقال تعالى: # {وما منع الناس} أي: الذين جادلوا بالباطل الإيمان هكذا كان الأصل ولكنه ~~عبر عن هذا المفعول الثاني بقوله: {أن يؤمنوا} ليفيد التجديد وذمهم على ~~الترك {إذ} أي: حين {جاءهم الهدى} أي: القرآن على لسان رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وعطف على المفعول الثاني معبرا بمثل ما مضى لما مضى قوله تعالى: ~~{ويستغفروا ربهم} أي: لا مانع لهم من الإيمان ولا من الاستغفار والتوبة. # ولما كان الاستثناء مفرغا أتى بالفاعل فقال: {إلا أن} أي: طلب أن {تأتيهم ~~سنة الأولين} أي: سنتنا فيهم وهي الإهلاك المقدر عليهم {أو} طلب أن {يأتيهم ~~العذاب قبلا} أي: مقابلة وعيانا وهو القتل يوم بدر، وقيل عذاب الآخرة وقرأ ~~الكوفيون برفع القاف ms1735 والباء الموحدة والباقون بكسر القاف وفتح الباء ~~الموحدة. # ولما كان ذلك ليس إلى الرسول وإنما هو إلى الله تعالى نبه بقوله تعالى: # {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} بالثواب على أفعال الطاعة {ومنذرين} ~~بالعقاب على أفعال المعصية فيطلب منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم ~~{ويجادل الذين كفروا} أي: يجددون الجدال كلما أتاهم أمر من قبلنا {بالباطل} ~~من قولهم ما أنتم إلا بشر مثلنا ولو كنتم صادقين لأتيتم بما يطلب منكم مع ~~أن ذلك ليس كذلك إذ ليس لأحد غير الله من الأمر شيء {ليدحضوا به} أي: ~~ليبطلوا بجدالهم {الحق} أي: القرآن والمعجزات المثبتة لصدقهم {واتخذوا ~~آياتي} أي: القرآن {وما أنذروا} أي: وإنذارهم أو والذي أنذروا به من العقاب ~~{هزوا} أي: استهزاء وقرأ حفص بالواو وقفا ووصلا وحمزة بالواو ووقفا لا وصلا ~~وسكن الزاي حمزة ورفعها الباقون ولحمزة في الوقف أيضا النقل. # ولما حكى الله تعالى عن الكفار أحوالهم الخبيثة وصفهم بما يوجب الخزي ~~بقوله تعالى: # {ومن أظلم} أي: لا أحد أظلم وهو استفهام على سبيل التقرير {ممن ذكر بآيات ~~ربه} أي: المحسن إليه بها وهي القرآن {فأعرض عنها} تاركا لما يعرف من تلك ~~العلامات العجيبة وما يوجب ذلك الإحسان من الشاكر {ونسي ما قدمت يداه} من ~~الكفر والمعاصي فلم يتفكر في عاقبتها ثم علل تعالى ذلك الإعراض بقوله ~~تعالى: {أنا جعلنا على قلوبهم} فجمع رجوعا إلى أسلوب واتخذوا آياتي لأنه ~~أنص على ذم كل واحد {أكنة} أي: أغطية مستعلية عليها استعلاء يدل سياق ~~العظمة على أنه لا يدع شيئا من الخير يصل إليها فهي لا تعي شيئا من آياتنا، ~~ودل تذكير الضمير وإفراده على أن المراد بالآيات # PageV02P387 # القرآن فقال: {أن} أي: كراهة أن {يفقهوه} أي: يفهموه {وفي آذانهم وقرا} ~~أي: ثقلا فهم لا يسمعون حق السمع ولا يعون حق الوعي {وإن تدعهم} أي: تكرر ~~دعاءهم كل وقت {إلى الهدى} لتنجيهم بما عندك من الحرص والجد على ذلك {فلن ~~يهتدوا} أي: بسبب دعائك {إذا} أي: إذا دعوتهم {أبدا} لأن الله تعالى ms1736 حكم ~~عليهم بالضلال فلا يقع منهم إيمان ثم قال تعالى: # {وربك} مشيرا بهذا الاسم إلى ما اقتضاه حال الوصف من الإحسان {الغفور} ~~أي: البليغ المغفرة الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما بالحلم عنها إلى وقت ~~آخر {ذو الرحمة} أي: الموصوف بالرحمة الذي يعامل وهو قادر مع موجبات الغضب ~~معاملة الراحم بالإكرام، ثم استشهد تعالى على ذلك بقوله تعالى: {لو ~~يؤاخذهم} أي: هؤلاء الذين عادوك وهو عالم أنهم لا يؤمنون أو يعاملهم معاملة ~~المؤاخذة {بما كسبوا} من الذنوب {لعجل لهم العذاب} أي: في الدنيا {بل لهم ~~موعد} وهو إما يوم القيامة وإما في الدنيا وهو يوم بدر وسائر أيام الفتح ~~{لن يجدوا من دونه} أي: الموعد {موئلا} أي: ملجأ ينجيهم منه فإذا جاء ~~موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره وقوله تعالى: # {وتلك} مبتدأ وقوله تعالى: {القرى} أي: الماضية من عاد وثمود ومدين وقوم ~~لوط وأشكالهم صفته لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس والخبر ~~{أهلكناهم} والمعنى وتلك أصحاب القرى أهلكناهم {لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا} أي: وقتا معلوما لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، وقرأ شعبة بفتح ~~الميم واللام أي: لهلاكهم، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام والباقون بضم ~~الميم وفتح اللام أي: لإهلاكهم، ثم عطف سبحانه وتعالى على قوله تعالى: {وإذ ~~قلنا للملائكة} (الكهف، 50) # {وإذ} أي: واذكر لهم حين {قال موسى لفتاه} يوشع بن نون بن افراثيم بن ~~يوسف عليهم الصلاة والسلام وإنما قال فتاه لأنه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: ~~كان يأخذ منه العلم وقيل فتاه عبده، وفي الحديث: «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ~~ولا يقل عبدي وأمتي» . # تنبيه: أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية هو موسى بن عمران ~~صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة، وعن كعب الأحبار أنه موسى بن ميشا بن ~~يوسف بن يعقوب وهو قد كان نبيا قبل موسى بن عمران، قال البغوي: والأول أصح ~~واحتج له القفال بأن الله تعالى لم يذكر في كتابه موسى إلا أراد به صاحب ~~التوراة فاطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ms1737 ولو كان المراد شخصا آخر ~~يسمى موسى غيره لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز وإزالة الشبهة كما أنه لما ~~كان المشهور في العرف عن أبي حنيفة هذا الرجل المعين، فلو ذكرنا هذا الاسم ~~وأردنا به رجلا سواه لقيدناه مثل أن نقول: قال أبو حنيفة الدينوري: وعن ~~سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ~~ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله ونوف البكالي هو نوف ~~بن فضالة الحميري الشامي البكالي، ويقال: إنه دمشقي وكانت أمه زوجة كعب ~~الأحبار نقله ابن كثير، وحجة الذين قالوا: موسى هذا غير صاحب التوراة أنه ~~يقال بعد أن أنزل عليه التوراة وكلمه بلا واسطة وخصه بالمعجزات الباهرة ~~العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكبر أكابر الأنبياء يبعد أن يبعثه بعد ذلك ~~إلى التعلم # PageV02P388 # والاستفادة وأجيب: بأنه لا يبعد أن يكون العالم الكامل في كثرة العلوم ~~يجهل بعض العلوم فيحتاج في تعلمها إلى من هو دونه وهو أمر متعارف. # روى البخاري حديث أن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي: الناس أعلم ~~قال: أنا فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله تعالى إليه ~~أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال: يا رب فكيف لي به قال: تأخذ ~~حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم ~~قال: {لا أبرح} أي: لا أزال أسير في طلب العبد الذي أعلمني ربي بفضله {حتى ~~أبلغ مجمع البحرين} أي: ملتقى بحر الروم وبحر فارس ممايلي الشرق قاله قتادة ~~أي: المكان الجامع لذلك فألقاه هناك {أو أمضي حقبا} أي: دهرا طويلا في ~~بلوغه إن لم أظفر به بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعد إلي في لقائه ~~والحقب، قال في «القاموس» ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة والسنون انتهى ~~فسارا وتزودا حوتا مشويا في مكتل كما أمر به فكانا يأكلان منه إلى أن بلغا ~~المجمع كما قال تعالى: # {فلما بلغا ms1738 مجمع بينهما} أي: بين البحرين قال لفتاه: إذا فقدت الحوت ~~فأخبرني وناما واضطرب الحوت في المكتل وخرج وسقط في البحر فلما استيقظا ~~{نسيا حوتهما} أي: نسي يوشع حمله عند الرحيل ونسي موسى عليه السلام تذكيره ~~وقيل: الناسي يوشع فقط وهو على حذف مضاف أي: نسي أحدهما كقوله تعالى: {يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن، 22) # {فاتخذ} الحوت {سبيله في البحر} أي: جعله بجعل الله {سربا} أي: مثل السرب ~~وهو الشق الطويل لا نفاذ له وذلك أن الله تعالى أمسك عن الحوت جري الماء ~~فانجاب عنه فبقي كالكوة لم يلتئم وجمد ما تحته، وقد ورد في حديثه في الصحيح ~~أن الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع جريه في الماء فصار طاقا لا يلتئم وكأن ~~المجمع كان ممتدا فظن عليه السلام أن المطلوب أمامه أو ظن المراد مجمع ~~البحرين آخرا فسارا # {فلما جاوزا} ذلك المكان بالسير بقية يومهما وليلتهما واستمرا إلى وقت ~~الغداء من ثاني يوم {قال} موسى عليه السلام {لفتاه آتنا} أي: أحضر لنا ~~{غداءنا} وهو ما يؤكل أول النهار لنقوى به على ما حصل لنا من الإعياء ولذلك ~~وصل به قوله: {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} أي: تعبا ولم يجد موسى النصب ~~حتى جاوز المكان الذي أمره الله تعالى به فقوله هذا إشارة إلى السفر الذي ~~وقع بعد مجاوزتهما الموعد أو مجمع البحرين ونصبا مفعول بلقينا # {قال} له فتاه {أرأيت} أي: ما دهاني وقرأ نافع بتسهيل الهمزة التي هي عين ~~الكلمة ولورش وجه آخر وهو إبدالها حرف مد وأسقطها الكسائي والباقون ~~بالتحقيق {إذ أوينا إلى الصخرة} التي بمجمع البحرين {فإني نسيت الحوت} أي: ~~نسيت أن أذكر لك أمره ثم علل عدم ذكره بقوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان} ~~بوسواسه، وقرأ حفص بضم الهاء وأمال الألف الكسائي محضة وورش بين بين ~~وبالفتح والباقون بالفتح وقوله: {أن أذكره} لك في محل نصب على البدل من هاء ~~أنسانيه بدل اشتمال أي: أنساني ذكره {واتخذ سبيله} أي: طريقه الذي ذهب فيه ~~{في البحر عجبا} وهو كونه ms1739 كالسرب معجزة لموسى أو الخضر وذكره له الآن مانع ~~من أن يكون للشيطان عليه سلطان على أن هذا النسيان ليس مفوتا لطاعة بل فيه ~~ترقية لهما في معراج المقامات العالية لوجدان التعب بعد # PageV02P389 # المكان الذي فيه البغية وحفظ الماء منجابا على طول الزمان وغير ذلك من ~~الآيات الظاهرة وقوله تعالى: {إنما سلطانه على الذين يتولونه} (النحل، 100) # مبين، أن السلطان الحمل على المعاصي وقوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان أن ~~أذكره} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وقد كان في هذه القصة خوارق منها ~~حياة الحوت ومنها إيجاد ما كان أكل منه ومنها إمساك الماء عن مدخله وقد ~~اتفق لنبينا صلى الله عليه وسلم نفسه وأتباعه ببركته مثل ذلك، أما إعادة ما ~~أكل من الحوت المشوي وهو جنبه، فقد روى البيهقي في أواخر دلائل النبوة عن ~~أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه «أنه صلى الله عليه وسلم أتي بشاة مشوية ~~فقال لبعض أصحابه: «ناولني ذراعها» وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقدمها ثم قال: «ناولني ذراعها» فناوله ثم قال: «ناولني ذراعها» ~~فقال: يا رسول الله إنما هما ذراعان وقد ناولتك فقال صلى الله عليه وسلم ~~«والذي نفسي بيده لو سكت ما زلت تناولني ذراعا ما قلت لك ناولني ذراعا» فقد ~~أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لو سكت أوجد الله تعالى ذراعا ثم ذراعا وهكذا، ~~وأما حياة الحوت المشوي ففي قصة الشاة المشوية المسمومة أن ذراعها أخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسموم فهذا أعظم من عود الحياة من غير نطق ~~وكذا حنين الجذع وتسليم الحجر وتسبيح الحصى ونحو ذلك أعظم من عود الحياة ~~إلى ما كان حيا. # وروى البيهقي في «الدلائل» عن عمرو بن سواد قال: قال الشافعي: ما أعطى ~~الله تعالى نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم قلت: أعطى عيسى عليه ~~السلام إحياء الموتى، فقال: أعطى محمد صلى الله عليه وسلم إحياء الجذع الذي ~~كان يخطب إلى جنبه حين هيئ له المنبر وحن ms1740 الجذع حتى سمع صوته فهذا أكبر من ~~ذلك انتهى، وقد ورد أشياء كثيرة من إحياء الموتى له صلى الله عليه وسلم ~~ولبعض أمته، وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا في الصفة عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتته امرأة ومعها ابن لها فأضاف المرأة إلى ~~النساء وأضاف ابنها إلينا فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم ~~قبض فغمضه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بجهازه فلما أردنا أن نغسله قال: ~~«ائت أمه فأعلمها» فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما ثم قالت: اللهم إني ~~أسلمت لك تطوعا وخلعت الأوثان زهدا وهاجرت إليك رغبة، اللهم لا تشمت بي ~~عبدة الأوثان ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فوالله ~~ما انقضى كلام المرأة حتى حرك قدميه وألقى الثوب عن وجهه وعاش حتى قبض الله ~~رسول صلى الله عليه وسلم وحتى هلكت أمه، وأما آية الماء فمرجعها إلى صلابته ~~ولا فرق بين جموده بعدم الالتئام بعد الانخراق وبين جموده وصلابته ~~بالامتناع من الانخراق، وقد جهز عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جيشا ~~واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي فحصل لهم حر شديد وجهدهم العطش، قال بعض ~~الجيش: فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مد يده وما نرى في ~~السماء شيئا فوالله ما حط يده حتى بعث الله تعالى ريحا وأنشأ سحابا فأفرغت ~~حتى ملأت القدور والشعاب فشربنا وسقينا واستقينا ثم أتينا عدونا وقد جاوزنا ~~خليجا في البحر إلى جزيرة فوقف على الخليج وقال: «يا علي يا عظيم يا حليم ~~يا كريم» ثم قال: «أجيزوا بسم الله» فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا ~~فأصبنا العدو عليه # فقتلنا وأسرنا # PageV02P390 # وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا وما بل الماء حوافر ~~دوابنا والأخبار في ذلك كثيرة. # ولما قال فتاه ذلك كأنه قيل فما قال موسى عليه السلام حينئذ؟ {قال} له ~~{ذلك} أي: الأمر العظيم من فقد الحوت {ما كنا نبغ} أي: نريد ms1741 من هذا الأمر ~~المغيب عنا فإن الله تعالى جعله موعدا في لقاء الخضر، وقرأ نافع وأبو عمرو ~~والكسائي بإثبات الياء وصلا لا وقفا وابن كثير يثبتها وصلا ووقفا والباقون ~~بالحذف {فارتدا على آثارهما} أي: فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يقصانها ~~{قصصا} أي: يتبعان أثرهما إتباعا أو مقتصين حتى يأتيا الصخرة، قال البقاعي: ~~يدل على أن الأرض كانت رملا لا علم فيها فالظاهر والله أعلم أنه مجمع النيل ~~والملح عند دمياط أو رشيد من بلاد مصر ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ~~ركب في سفينته للتعدية كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح ومن ~~المشهور في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم وأن عندهم سمكا ذاهب الشق يقولون: ~~إنه من نسل تلك السمكة والله أعلم انتهى. وتقدم عن قتادة أنه ملتقى بحر ~~فارس والروم، وقال محمد بن كعب طنجة، وقال أبي بن كعب: إفريقية، وقيل: ~~البحران موسى والخضر لأنهما كانا بحري علم، قال ابن عادل: وليس في اللفظ ما ~~يدل على تعيين هذين البحرين فإن صح في الخبر الصحيح شيء فذاك وإلا فالأولى ~~السكوت عنه انتهى. ثم استمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت {فوجدا ~~عبدا من عبادنا} مضافا إلى حضرة عظمتنا قيل: كان ملكا من الملائكة والصحيح ~~الذي جاء في التواريخ، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الخضر واسمه ~~بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس، قيل: كان من بني إسرائيل وقيل: من أبناء ~~الملوك الذين تنزهوا وتركوا الدنيا، والخضر لقب سمي بذلك لأنه جلس على فروة ~~بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء والفروة قطعة نبات مجتمعة يابسة، وقيل: سمي ~~خضرا لأنه كان إذا صلى اخضر ما # حوله، روي أن # موسى عليه السلام رأى الخضر مسجى موكأ فسلم عليه فقال الخضر: وأني بأرضك ~~السلام، قال: أنا موسى أتيتك تعلمني مما علمت رشدا، وفي رواية لقيه وهو ~~مسجى بثوب مستلقيا على قفاه بعض الثوب تحت رأسه وبعضه تحت رجليه، وفي رواية ~~لقيه وهو يصلي، ويروى لقيه ms1742 وهو على طنفسة خضراء على كبد البحر، وروي أن ~~موسى عليه السلام لما وصل إليه قال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام يا ~~نبي بني إسرائيل، فقال موسى: ما عرفك هذا؟ فقال: الذي بعثك إلي، وكان الخضر ~~في أيام أفريدون وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى، ~~وقيل: إن موسى سأل ربه أي عبادك أحب إليك؟ قال: «الذي يذكرني ولا ينساني» ، ~~قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» فقال: فأي ~~عبادك أعلم؟ قال: «الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله ~~على هدى أو ترده عن ردى» ، فقال: إن كان في عبادك أفضل مني فادللني عليه ~~قال: أعلم منك الخضر، قال: أين أطلبه؟ قال: على ساحل عند الصخرة، قال كيف ~~لي به؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك {آتيناه} بعظمتنا {رحمة ~~من عندنا} أي: وحيا ونبوة وكونه نبيا هو قول الجمهور، وقيل: إنه ليس بنبي. ~~قال البغوي: عند أهل العلم أي: فعندهم أنه ولي {وعلمناه من لدنا} أي: مما ~~لم يجر على قوانين العادات على أنه ليس بمستغرب عند أهل # PageV02P391 # الاصطفاء {علما} قذفناه في قلبه بغير واسطة، وأهل التصوف سموا العلم ~~بطريق المكاشفة العلم اللدني فإذا سعى العبد في الرياضات بتزين الظاهر ~~بالعبادات وتخلي النفس عن العلائق وعن الأخلاق الرذيلة بتحليتها بالأخلاق ~~الجميلة صارت القوى الحسية والخيالية ضعيفة فإذا ضعفت قويت القوى العقلية ~~وأشرقت الأنوار الإلهية في جوهرة العقل وحصلت المعارف وكملت العلوم من غير ~~واسطة سعي وطلب في التفكر والتأمل وهذا هو المسمى بالعلوم اللدنية، ثم أورد ~~سبحانه وتعالى القصة على # طريق الاستئناف على تقدير # سؤال سائل عن كل كلام يرشد إليه ما قبله وذلك أنه من المعلوم أن الطالب ~~للشخص إذا لقيه كمله لكن لا يعرف عين ذلك الكلام فقال: لمن؟ كأنه سأل عن ~~ذلك # {قال له موسى} طالبا منه على سبيل التأدب والتلطف بإظهار ذلك في قالب ~~الاستئذان {هل أتبعك} أي: اتباعا بليغا حيث توجهت ms1743 والاتباع الإتيان بمثل ~~فعل الغير لمجرد كونه آتيا به وبين أنه لا يطلب منه غير العلم بقوله: {على ~~أن تعلمني} أثبت الياء نافع وأبو عمرو وصلا لا وقفا وابن كثير وصلا ووقفا ~~والباقون بالحذف وزاد في التعطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ما عنده ~~ليطول عليه الزمان بل جوامع منه يسترشد بها إلى باقيه فقال: {مما علمت} ~~وبناه للمفعول لعلم المتخاطبين لكونهما من المخلصين بأن الفاعل هو الله ~~تعالى وللإشارة إلى سهولة كل أمر إلى الله تعالى {رشدا} أي: علما يرشدني ~~إلى الصواب فيما أقصده، وقرأ أبو عمرو بفتح الراء والشين والباقون بضم ~~الراء وسكون الشين. # ولما أتم موسى عليه السلام العبارة عن السؤال. # {قال} له الخضر عليه السلام {إنك} يا موسى {لن تستطيع معي صبرا} نفى عنه ~~استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنها لا تصح ولا تستقيم وفتح الياء ~~من معي صبرا في المواضع الثلاثة هنا حفص وسكنها الباقون ثم علل عدم الصبر ~~معه واعتذر عنه بقوله: # {وكيف تصبر} يا موسى {على ما لم تحط به خبرا} أي: وكيف تصبر على أمور ~~وأنت نبي ظاهرها مناكير والرجل الصالح لا يتمالك أن يصبر إذا رأى ذلك بل ~~يبادر ويأخذ في الإنكار وخبرا مصدر لمعنى لم تحط به أي: لم تخبر حقيقته. # {قال} له موسى عليه السلام آتيا بنهاية التواضع لمن هو أعلم منه إرشادا ~~لما ينبغي في طلب العلم رجاء تسهيل الله تعالى له النفع به {ستجدني} فأكد ~~الوعد بالسين ثم أخبر تعالى أنه قوي تأكيده بالتبرك بذكر الله تعالى لعلمه ~~بصعوبة الأمر على الوجه الذي تقدم الحق عليه في هذه السورة في قوله تعالى ~~ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ليعلم أنه منهاج ~~الأنبياء فقال: {إن شاء الله} أي: الذي له صفات الكمال {صابرا} على ما يجوز ~~الصبر عليه ثم زاد التأكيد بقوله: عطفا بالواو على صابرا لبيان التمكن في ~~كل من الموضعين {ولا أعصي} أي: وغير عاص {لك أمرا} تأمرني ms1744 به غير مخالف ~~لظاهر أمر الله تعالى. # تنبيه: دلت هذه الآية الكريمة على أن موسى عليه السلام راعى أنواعا كثيرة ~~من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر، منها أنه جعل نفسه تبعا له ~~بقوله: هل أتبعك ومنها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية كأنه قال: هل تأذن ~~لي أن أجعل نفسي تبعا لك؟ وهذه مبالغة عظيمة في التواضع، ومنها قوله صلى ~~الله عليه وسلم «على أن تعلمني» وهذا اقرار منه على نفسه بالجهل وعلى ~~أستاذه بالعلم، ومنها قوله: # PageV02P392 # {مما علمت} وصيغة من للتبعيض وطلب منه تعليم بعض ما علم، وهذا أيضا اقرار ~~بالتواضع كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساويا لك في العلم بل أطلب منك ~~أن تعطيني جزءا من أجزاء ما علمت، ومنها أن قوله: مما علمت اعتراف منه بأن ~~الله تعالى علمه ذلك العلم، ومنها قوله: {رشدا} طلب منه الإرشاد والهداية، ~~ومنها قوله: {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} ، ومنها أنه ثبت ~~بالأخبار أن الخضر عرف أولا أن موسى صاحب التوراة وهو الرجل الذي كلمه الله ~~من غير واسطة وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنه عليه السلام مع هذه ~~المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من ~~التواضع، وذلك يدل على كونه عليه السلام آتيا في طلب العلم بأعظم أبواب ~~المبالغة في التواضع وذلك يدل على أن هذا هو اللائق به، لأن كل من كانت ~~إحاطته بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر كان طلبه لها ~~أشد، فكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأرشد، وكل ذلك يدل على أن الواجب على ~~المتعلم إظهار التواضع بكل الغايات، وأما المعلم فإن رأى أن في التغليظ على ~~المتعلم ما يفيد نفعا وإرشادا إلى الخير فالواجب عليه ذكره فإن السكوت عنه ~~يوقع المتعلم في الغرور وذلك يمنعه من التعلم. وروي أن موسى عليه السلام ~~لما قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا؟ قال له الخضر: كفى ~~بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا، ms1745 فقال له موسى: الله أمرني بهذا # {قال} له الخضر: {فإن اتبعتني} أي: صحبتني ولم يقل اتبعني ولكن جعل ~~الاختيار إليه إلا أنه شرط عليه شرطا فقال: {فلا تسألني عن شيء} أقوله أو ~~أفعله {حتى أحدث لك} خاصة {منه ذكرا} أي: حتى أبدأك بوجه صوابه فإني لا ~~أقدم على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر، وإن كان ظاهره غير ذلك فقبل ~~موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم من العالم، ولما تشارطا وتراضيا على الشرط ~~تسبب عن ذلك قوله تعالى: {فانطلقا} أي: موسى والخضر عليهما السلام على ~~الساحل فانتهيا إلى موضع احتاجا فيه إلى ركوب السفينة فما زالا يطلبان ~~سفينة يركبان فيها واستمرا {حتى إذا ركبا في السفينة} التي مرت بهما وأجاب ~~الشرط بقوله: {خرقها} أي: أخذ الخضر فأسا فخرق السفينة بأن قلع لوحا أو ~~لوحين من ألواحها من جهة البحر لما بلغت اللجة ولم يقترن خرق بالفاء لأنه ~~لم يكن مسببا عن الركوب، ثم استأنف قوله: {قال} أي: موسى عليه السلام منكرا ~~لذلك لما في ظاهره من الفساد بإتلاف المال المفضي إلى فساد أكبر منه بإهلاك ~~النفوس ناسيا لما عقد على نفسه على أنه لو لم ينس لم يترك الإنكار كما فعل ~~عند قتل الغلام لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد، لأن المستثنى شرعا ~~كالمستثنى وضعا {أخرقتها} وبين عذره في الإنكار لما في غاية الخرق من ~~الفظاعة فقال: {لتغرق أهلها} فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى ~~غرق أهلها، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية مفتوحة وفتح الراء ورفع ~~اللام من أهلها والباقون بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الراء ونصب لام أهلها، ~~ثم قال له موسى: والله {لقد جئت شيئا أمرا} أي: عظيما منكرا. # {قال} الخضر: {ألم أقل إنك} يا موسى {لن تستطيع معي صبرا} فذكره بما قال ~~له عند الشرط. # {قال} موسى: {لا تؤاخذني} يا خضر {بما نسيت} أي: غفلت عن التسليم لك وترك ~~الإنكار عليك، قال ابن # PageV02P393 # عباس: إنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام أي: وهي التورية ms1746 بالشيء عن ~~الشيء، وفي المثل: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، أي: سعة فكأنه نسي ~~شيئا آخر وقيل معناه بما تركت من عهدك والنسيان الترك. وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا ~~والثالثة عمدا» {ولا ترهقني من أمري عسرا} أي: لا تكلفني مشقة يقال: أرهقه ~~عسرا وأرهقته عسرا أي: كلفته ذلك، يقول: لا تضيق علي أمري ولا تعسر متابعتك ~~علي ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة وعاملني باليسر ولا تعاملني بالعسر، ~~وعسرا مفعول ثان لترهقني من أرهقه كذا إذا حمله إياه وغشاه به وما في بما ~~نسيت مصدرية أو بمعنى الذي والعائد محذوف. وروي أن الخضر لما خرق السفينة ~~لم يدخلها الماء، وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشا به الخرق، وروي ~~أن الخضر أخذ قدحا من زجاج ورقع به خرق السفينة فإن قيل: قول موسى عليه ~~السلام أخرقتها لتغرق أهلها إن كان صادقا في هذا دل ذلك على صدور ذنب عظيم ~~من الخضر إن كان نبيا، وإن كان كاذبا دل ذلك على صدور الذنب من موسى وأيضا ~~فقد التزم موسى أن لا يعترض عليه وجرت العهود المذكورة بذلك ثم إنه خالف ~~تلك العهود وذلك ذنب أجيب: بأن كلا منهما صادق فيما قال موف بحسب ما عنده، ~~أما موسى عليه السلام فإنه ما خطر له قط أن يعاهد على أن لا ينهى بما ~~يعتقده منكرا، وأما الخضر فإنه عقد على ما في نفس الأمر أنه لا يقدم على ~~منكر. # {فانطلقا} بعد نزولهما من السفينة وسلامتهما من الغرق والعطب {حتى إذا ~~لقيا غلاما} قال ابن عباس: لم يبلغ الحنث {فقتله} حين لقيه كما دلت عليه ~~الفاء العاطفة على الشرط، قال البغوي في القصة: إنهما خرجامن البحر يمشيان ~~فمر بغلمان يلعبون فأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، ~~قال السدي: كان أحسنهم وجها كان وجهه يتوقد حسنا، قال البقوي: وروينا أنه ~~أخذ رأسه فاقتلعه بيده، وروى عبد الرزاق هذا الخبر ms1747 وأشار بيده بأصابعه ~~الثلاثة الإبهام والسبابة والوسطى وقلع رأسه، وروي أنه رضخ رأسه بالحجارة، ~~وقيل: ضرب رأسه بالجدار فقتله وكونه لم يبلغ الحنث هو قول الأكثرين. # وقال الحسن: كان رجلا، قال شعيب الحياني: وكان اسمه جيسور، وقال الكلبي: ~~كان فتى يقطع الطريق ويأخذ المتاع ويلتجئ إلى أبويه، وقال الضحاك: كان ~~غلاما يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه، وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق ~~أبويه طغيانا وكفرا» . قال الرازي: وليس في القرآن كيف لقياه، هل كان يلعب ~~مع جمع من الغلمان أو كان منفردا؟ وهل كان مسلما أوكافرا؟ وهل كان بالغا أو ~~صغيرا؟ وكان اسم الغلام بالصغير أليق وإن احتمل الكبير إلا أن قوله بغير ~~نفس أليق بالبالغ منه بالصبي لأن الصبي لا يقتل وإن قتل، قال البقاعي: إلا ~~أن يكون شرعهم لا يشترط البلوغ، وقال ابن عباس: ولم يكن نبي الله يقول: ~~أقتلت نفسا زاكية بغير نفس إلا وهو صبي، قال الرازي أيضا: وكيفية قتله هل ~~قتله بأن حز رأسه أو بأن ضرب رأسه بالجدار أو بطريق آخر فليس في القرآن ما ~~يدل على شيء من هذه الأقسام انتهى. ثم أجاب الشرط بقوله مشعرا بأن شروعه في ~~الإنكار في هذه أسرع # PageV02P394 # {قال} موسى: {أقتلت} يا خضر {نفسا زاكية بغير نفس} قتلتها ليكون قتلها ~~لها قودا، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بألف بعد الزاي وتخفيف الياء ~~التحتية والباقون بغير ألف بعد الزاي وتشديد التحتية، قال الكسائي: الزاكية ~~والزكية لغتان ومعنى هذه الطهارة، وقال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب ~~والزكية التي اذنبت ثم تابت ثم استأنف قوله: {لقد} أظهر الدال نافع وابن ~~كثير وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون {جئت} في قتلك إياها {شيئا} وصرح ~~بالإنكار في قوله: {نكرا} لأن مباشرة الخرق سبب، ولهذا قال بعضهم: النكر ~~أعظم من الأمر في القبح لأن قتل الغلام أعظم من خرق السفينة لأنه يمكن أن ~~لا يحصل الغرق، وأما ms1748 هنا فقد حصل الإتلاف قطعا، والنكر ما أنكرته العقول ~~ونفرت منه النفوس فهو أبلغ في القبح من الأمر، وقيل: الأمر أعظم لأن خرق # السفينة يؤدي إلى إتلاف نفوس كثيرة وهذا القتل ليس إلا إتلاف شخص واحد، ~~وقرأ نافع وابن ذكوان وشعبة برفع الكاف والباقون بكسونها. # ولما كانت هذه ثانية. # {قال} له الخضر: {ألم أقل لك إنك} يا موسى {لن تستطيع معي صبرا} وهذا عين ~~ما ذكره في المسألة الأولى إلا أنه هنا زاد لفظه لك {فإن قيل} لم زادها ~~هنا؟ أجيب: بأنه زادها مكافحة بالعقاب على رفض الوصية ووسما بقلة الصبر ~~والثبات لما تكرر منه الاشمئزاز والاستكبار ولم يرعو بالتذكير أول مرة، قال ~~ابن الأثير: المكافحة المدافعة والمضاربة والاشمئزاز من اشمأز الرجل أي: ~~انقبض قلبه، قال البغوي: وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى يا نبي الله ~~اذكر العهد الذي أنت عليه # {قال} موسى حياء منه لما أفاق بتذكيره ما حصل من فرط الوجد لأمر الله ~~تعالى فذكر أنه ما تبعه إلا بأمر الله تعالى {إن سألتك عن شيء بعدها} أي: ~~بعد هذه المرة وأعلم بشدة ندمه على الإنكار بقوله: {فلا تصاحبني} أي: لا ~~تتركني أتبعك بل فارقني ثم علل ذلك بقوله: {قد بلغت} وأشار إلى أن ما وقع ~~منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر إليها فقال: {من لدني} ~~أي: من قبلي {عذرا} باعتراضي مرتين واحتمالك لي فيهما، وقد أخبر الله بحسن ~~حالك في غزارة عملك فمدحه بهذه الطريقة من حيث أنه احتمله مرتين أولا ~~وثانيا مع قرب المدة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله ~~أخي موسى استحيا فقال ذلك، ولو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب» وعن أبي ~~بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رحمة الله علينا وعلى موسى ~~وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه لولا أن عجل لرأى العجب ولكنه ~~أخذته من صاحبه ذمامة أي: حياء واشفاق، فقال: إن سألتك إلى آخره» ، وقرأ ~~نافع ms1749 بضم الدال وتخفيف النون، وقرأ شعبة كذلك إلا أنه يشم الدال فتصير ~~ساكنة قريبة من الضم والباقون بضم الدال وتشديد النون. # {فانطلقا} أي: موسى والخضر يمشيان لينظر الخضر أمرا ينفذ فيه ما عنده من ~~علمه وورش يغلظ اللام في لفظ انطلقا على أصله بعد قتل الغلام {حتى إذا أتيا ~~أهل قرية} ، قال ابن عباس: هي انطاكية، وقال ابن سيرين: هي الأيلة وهي أبعد ~~أرض الله من السماء وعبر عنها بالقرية دون المدينة لأنه أدل على الذم، ~~وقيل: برقة، وعن أبي هريرة بلدة بالأندلس {استطعما أهلها} أي: طلبا من أهل ~~القرية أن يطعموهما، وفي الحديث أنهما كانا يمشيان على # PageV02P395 # مجالس أولئك القوم يستطعمانهم {فأبوا أن يضيفوهما} أي: أن ينزلوهما ~~ويطعموهما يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته مال إليه من ضاف السهم عن ~~الغرض وضيفه وأضافه أنزله وجعله ضيفا فإن قيل: الاستطعام ليس من عادة ~~الكرام وكيف قدم عليه موسى والخضر وقد حكى الله تعالى عن موسى أنه قال عند ~~ورود ماء مدين رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير؟ أجيب: بأن إقدام الجائع ~~على الاستطعام أمر مباح في كل الشرائع بل ربما وجب ذلك عند الخوف من الضرر ~~الشديد فإن قيل: لم قال: حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها ولم يقل ~~استطعماهم؟ أجيب: بأن التكرير قد يكون للتأكيد كقول الشاعر: # *ليت الغراب غداة يبعث دائبا # ... كان الغراب مقطع الأوداج» # وعن قتادة شر القرى التي لا تضيف الضيف. # فائدة: قال الرازي: وفي كتب الحكايات أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول ~~هذه الآية استحيوا وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذهب ~~وقالوا: يا رسول الله جئناك بهذا الذهب لتجعل الباء تاء حتى تصير القراءة ~~هكذا فأتوا أن يضيفوهما أي: أتيناهم لأجل الضيافة حتى يندفع عنا هذا اللوم ~~فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «تغيير هذه النقطة يوجب دخول ~~الكذب في كلام الله تعالى وذلك يوجب القدح في الإلهية» فعلمنا أن تغيير ~~النقطة الواحدة ms1750 من القرآن يوجب بطلان الربوبية والعبودية. ولما أبوا أن ~~يضيفوهما انصرفا {فوجدا فيها} أي: القرية ولم يقل فيهم إيذانا بأن المراد ~~وصف القرية بسوء الطبع {جدارا} أي: حائطا مائلا مشرفا على السقوط ولذا قال: ~~مستعيرا لما لم يعقل صفة من يعقل {يريد أن ينقص} أي: يسقط وهذا من مجاز ~~كلام العرب لأن الجدار لا إرادة له وإنما معناه قرب ودنا من السقوط كما ~~تقول العرب داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها فاستعير الإرادة ~~للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم في قوله: # *يريد الرمح صدر أبي براء # ... ويعدل عن دماء بني عقيل» # وقول الآخر: # *إن دهرا يلف صدري بجمل # ... لزمان يهم بالإحسان» # ففي البيت الأول دليل على استعارة الإرادة للمشارفة، وفي الثاني دليل على ~~استعارة الهم لها وجمل اسم محبوبته يقول: إن دهرا يجمع بيني وبينها زمان ~~قصده الإحسان لا الإساءة ونظير ذلك من القرآن قوله تعالى: {ولما سكت عن ~~موسى الغضب} (الأعراف، 154) # وقوله تعالى: {أن يقول له كن فيكون} (يس، 82) # وقوله تعالى: {قالتا أتينا طائعين} (فصلت، 11) ، قال الزمخشري ولقد بلغني ~~أن بعض المحرفين لكلام الله تعالى ممن لا يعلم كان يجعل الضمير للخضر، ~~وقيل: إن الله تعالى خلق للجدار حياة وإرادة كالحيوان {فأقامه} أي: سواه، ~~وفي حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم «فقال الخضر بيده فأقامه» ~~، وقال ابن عباس: هدمه وقعد يبنيه، وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار بيده ~~فاستقام وذلك من معجزاته، وقال السدي: بل طينا وجعل يبني الحائط فشق ذلك ~~على موسى عليه السلام فإن قيل: الضيافة من المندوبات فتركها ترك مندوب وذلك ~~غير منكر فكيف يجوز من موسى عليه السلام مع علو منصبه أنه غضب عليهم الغضب ~~الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه في # PageV02P396 # قوله: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} وأيضا مثل الغضب لأجل ترك ~~الأكل في ليلة واحدة لا يليق بأدون الناس فضلا عن كليم الله تعالى أجيب: ~~بأن تلك الحالة كانت حالة افتقار واضطرار إلى الطعام ms1751 فلأجل تلك الضرورة نسي ~~موسى عليه السلام ما قاله فلا جرم {قال} موسى: {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} ~~أي: لطلبت على عملك أجرة تصرفها في تحصيل المطعوم وتحصيل سائر المهمات، ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف التاء بعد اللام وكسر الخاء، وأظهر ابن ~~كثير الذال عند التاء على أصلها، وأدغمها أبو عمرو والباقون بتشديد التاء ~~وفتح الخاء، وأظهر حفص الذال على أصله وأدغمها الباقون. # ولما كان كلام موسى هذا متضمنا للسؤال. # {قال} له الخضر: {هذا} أي: هذا الإنكار على ترك الأجر {فراق بيني وبينك} ~~وقيل: إن موسى عليه السلام لما شرط أنه إن سأله بعد ذلك سؤالا آخر حصل به ~~الفراق حيث قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فلما ذكر هذا السؤال ~~فارقه وهذا فراق بيني وبينك أي: هذا الفراق المعهود الموعود فإن قيل: كيف ~~ساغ إضافة بين إلى غير متعدد؟ أجيب: بأن مسوغ ذلك تكريره بالعطف بالواو، ~~ألا ترى أنك لو اقتصرت على قولك المال بيني لم يكن كلاما حتى تقول: بيننا ~~أو بيني وبين فلان ثم قال له الخضر: {سأنبئك} أي: سأخبرك يا موسى قبل فراقي ~~لك {بتأويل} أي: بتفسير {ما لم تستطع عليه صبرا} لأن هذه المسائل الثلاثة ~~مشتركة في شيء واحد وهو أن أحكام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مبنية على ~~الظواهر كما قال صلى الله عليه وسلم «نحن نحكم بالظواهر والله يتولى ~~السرائر» والخضر ما كانت أموره وأحكامه مبنية على ظواهر الأمور بل كانت ~~مبنية على الأسباب الخفية الواقعة في نفس الأمر، وذلك لأن الظاهر في أموال ~~الناس وفي أرواحهم أنه يحرم التصرف فيها، والخضر تصرف في أموال الناس وفي ~~أرواحهم في المسألة الأولى وفي الثانية من غير سبب ظاهر يبيح ذلك التصرف ~~لأن الإقدام على خرق السفينة وقتل الإنسان من غير سبب ظاهر يبيح ذلك التصرف ~~محرم، والإقدام على إقامة ذلك الجدار المائل في المسألة الثالثة تحمل للتعب ~~والمشقة من غير سبب ظاهر، ثم أخذ الخضر في تأويل ذلك مبتدئا بالمسألة ~~الأولى بقوله: ms1752 # {أما السفينة} أي: التي أحسن إلينا أهلها فخرقتها {فكانت لمساكين} عشرة ~~إخوة خمسة زمني وخمسة {يعملون في البحر} أي: يؤاجرون ويكتسبون، واحتج ~~الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على أن حال الفقير أشد في الحاجة والضرر ~~من حال المسكين لأن الله تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك ~~السفينة {فأردت أن أعيبها} أي: أن أجعلها ذات عيب بأن تفوت منفعتها بذلك ~~ساعة من نهار وتكلف أهلها لوحا أو لوحين يسدونها بذلك أخف عليهم من أن ~~تفوتهم منفعتها بالكلية كما يعلم من قوله: {وكان وراءهم} أي: أمامهم كقوله ~~تعالى: {ومن ورائهم برزخ} (المؤمنين، 100) # وقيل خلفهم، وكان طريقهم في رجوعهم عليه {ملك} كان كافرا واسمه الجلندي، ~~وقال محمد بن إسحاق اسمه سولة بن خليد الأزدي، وقيل: اسمه هدد بن بدد {يأخذ ~~كل سفينة} أي: صالحة وحذف التقييد بذلك للعلم به {غصبا} من أصحابها ولم يكن ~~عند أصحابها علم به فإذا مرت به تركها لعيبها فإذا جاوزته أصلحوها فانتفعوا ~~بها قيل: سدوها بقارورة وقيل: بالفار فإن قيل: قوله: # PageV02P397 # فأردت أن أعيبها مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب فلم ~~قدم عليه؟ أجيب: بأن النية به التأخير وإنما قدم للعناية ولأن خوف الغصب ~~ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين، فلما كان كل من الغصب والمسكنة ~~سبب الفعل قدمها على الغصب إشارة إلى أن أقوى السببين الحاملين على فعله ~~الرأفة بالمساكين. ثم شرع في تأويل المسألة الثانية بقوله: # {وأما الغلام} الذي قتلته {فكان أبواه مؤمنين} التثنية للتغليب يريد أباه ~~وأمه فغلب المذكر وهو شائع ومثله العمران، قيل: إن ذلك الغلام كان بالغا ~~وكان يقطع الطريق ويقدم على الأفعال المنكرة، وكان أبواه يحتاجان إلى دفع ~~شر الناس عنه والتعصب له وتكذيب من يرميه بشيء من المنكرات وكان يصير سببا ~~لوقوعهما في الفسق وربما قاد ذلك الفسق إلى الكفر، وقيل: إنه كان صبيا إلا ~~أنه علم منه أنه لو صار بالغا لحصلت فيه هذه المفاسد، وفي الحديث أنه طبع ~~كافرا ms1753 ولو عاش لأرهقهما ذلك كما قال {فخشينا} أي: خفنا، والخشية خوف يشوبه ~~تعظيم {أن يرهقهما} أي: يغشيهما ويلحقهما {طغيانا وكفرا} أي: لمحبتهما له ~~يتبعانه في ذلك فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان بمثل ذلك؟ أجيب: ~~بأنه إذا تأكد ذلك بوحي من الله تعالى جاز، وعن ابن عباس أن نجدة الحروري ~~كتب إليه كيف قتله أي: كيف قتل الخضر الغلام، وقد نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن قتل الولدان فكتب إليه: «إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى ~~فلك أن تقتل» . # رواه بمعناه مسلم. ولما ذكر ما يلزم على تقدير بقائه من الفساد تسبب عنه ~~قوله: # {فأردنا} أي: بقتله وإراحتهما من شره {أن يبدلهما ربهما} أي: المحسن ~~إليهما بإعطائه وأخذه، قال مطرف: فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ~~ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض كل امرىء بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله ~~تعالى للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب ولهذا أبدلهما الله تعالى ~~{خيرا منه زكاة} أي: طهارة وبركة من الذنوب والأخلاق الرديئة وصلاحا وتقوى ~~{وأقرب رحما} أي: رحمة وعطفا عليهما، وقيل: هو من الرحم والقرابة، قال ~~قتادة: أي: أوصل للرحم وأبر للوالدين، قال الكلبي: أبدلهما الله تعالى ~~جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبيا فهدى الله تعالى على يديه أمة ~~من الأمم، وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أبدلهما الله تعالى جارية ولدت ~~سبعين نبيا، وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم، وقرأ نافع وأبو عمرو أن ~~يبدلهما بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال والباقون بسكون الموحدة وتخفيف ~~الدال، وقرأ ابن عامر رحما برفع الحاء والباقون بالسكون. # ثم شرع في تأويل المسألة الثالثة بقوله: # {وأما الجدار} أي: الذي أشرت بأخذ الأجر عليه {فكان لغلامين} ودل على ~~كونهما دون البلوغ بقوله: {يتيمين} وكان اسم أحدهما أصرم والآخر صريما. ~~ولما كانت القرية لا تنافي التسمية بالمدينة وكان التعبير بالقرية أولا ~~أليق عبر بها لأنها مشتقة من معنى الجمع فكان أليق بالذم ms1754 في ترك الضيافة، ~~ولما كانت المدينة بمعنى محل الإقامة عبر بها فقال: {في المدينة} فكان ~~التعبير بها أليق للإشارة به إلى أن الناس يعملون فيها فينهدم الجدار وهم ~~مقيمون فيأخذون الكنز كما قال، {وكان تحته كنز لهما} فلذلك أقمته احتسابا، ~~واختلف في ذلك الكنز كما قال: {وكان تحته كنز لهما} فلذلك أقمته احتسابا ~~واختلف في ذلك الكنز فعن أبي الدرداء أن # PageV02P398 # النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان ذهبا وفضة» رواه البخاري في تاريخه ~~والترمذي والحاكم وصححه والذم على كنزهما في قوله تعالى: {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة} (التوبة، 34) # لمن لا يؤدي زكاتهما وما يتعلق بهما من الحقوق، وعن سعيد بن جبير قال: ~~كان الكنز صحفا فيها علم رواه الحاكم وصححه، وعن ابن عباس قال: كان لوحا من ~~ذهب مكتوبا فيه عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ~~يغضب عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبا ~~لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله، وفي الجانب الآخر مكتوب أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا ~~شريك لي خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل ~~كل الويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه، قال البغوي: وهذا قول أكثر أهل ~~التفسير وروي أيضا ذلك مرفوعا. قال الزجاج: الكنز إذا أطلق ينصرف إلى كنز ~~المال ويجوز عند التقييد أن يقال عنه كنز علم وهذا اللوح كان جامعا لهما، ~~وقوله: {وكان أبوهما صالحا} فيه تنبيه على أن سعيه في ذلك كان لصلاحه ~~فيراعى وتراعى ذريته، وكان سياحا واسمه كاسح، قال ابن عباس: حفظا لصلاح ~~أبيهما وقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء، قال محمد بن المنكدر: ~~إن الله تعالى يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعشيرته وأهل دويرات حوله ~~فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم، قال سعيد بن المسيب: إني أصلي فأذكر ~~ولدي فأزيد في صلاتي، وعن الحسن أنه ms1755 قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: ~~بم حفظ الله الغلامين قال: بصلاح أبيهما، قال: فأبي وجدي خير منه، قال: قد ~~أنبأنا الله أنكم قوم خصمون وذكروا أيضا أن ذلك الأب الصالح كان من الذين ~~تضع الناس الودائع عنده فيردها إليهم {فأراد ربك أن يبلغا} أي: الغلامان ~~{أشدهما} أي: الحلم وكمال الرأي {ويستخرجا كنزهما} لينتفعا به وينفعا ~~الصالحين. # تنبيه: أسند الإرادة في قوله: فأردت أن أعيبها إلى نفسه لأنه المباشر ~~للتعييب، وثانيا في قوله: فأردنا إلى الله وإلى نفسه لأن التبديل بإهلاك ~~الغلام وإيجاد الله تعالى بدله، وثالثا في قوله: فأراد ربك إلى الله وحده ~~لأنه لا مدخل له في بلوغ الغلامين، أولأن الأول في نفسه شر والثالث خير ~~والثاني ممتزج، أو لأنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه، ولما ذكر ~~القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيها على أنه من العظماء في علوم الحكمة ~~فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية، ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين ~~لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله تعالى لأن التكفل بصلاح الأبناء لرعاية حق ~~الآباء ليس إلا لله تعالى أو لاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسايط ~~فإن قيل: اليتيمان هل أحد منهما عرف حصول ذلك الكنز تحت ذلك الجدار أم لا ~~فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار، وإن كان الثاني فكيف ~~يمكنهم بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز ومعرفته والانتفاع به؟ وأجيب: لعلهما ~~كانا جاهلين به إلا أن وصيهما كان عالما به ثم إن ذلك الوصي غاب وأشرف ذلك ~~الجدار في غيبته على السقوط، ولما قرر الخضر هذه الجوابات قال: رحمة من ربك ~~أي: إنما فعلت هذه الأفعال لغرض أن تظهر رحمة الله لأنها بأسرها ترجع إلى ~~حرف واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى كما تقرر # PageV02P399 # {وما فعلته} أي: شيئا من ذلك {عن أمري} أي: عن اجتهادي ورأيي بل بأمر من ~~له الأمر وهو الله تعالى. # تنبيه: احتج من ادعى نبوة الخضر بأمور أحدها قوله تعالى: {آتيناه ms1756 رحمة من ~~عندنا} والرحمة هي النبوة، قال تعالى: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب ~~إلا رحمة من ربك} (القصص، 86) # والمراد من هذه الرحمة النبوة، قال الرازي: ولقائل أن يقول مسلم: إن ~~النبوة رحمة ولكن لا يلزم أن تكون كل رحمة نبوة، الثاني: قوله تعالى: ~~{وعلمناه من لدنا علما} وهذا يقتضي أن الله تعالى علمه بلا واسطة تعليم ~~معلم ولا إرشاد مرشد وكل من علمه الله تعالى بلا واسطة البشر وجب أن يكون ~~نبيا يعلم الأمور بالوحي من الله تعالى، قال الرازي: وهذا الاستدلال ضعيف ~~لأن العلوم الضرورية تحصل ابتداء من الله وذلك لا يدل على النبوة، الثالث: ~~أن موسى عليه السلام قال: {هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت} والنبي لا ~~يتبع غير نبي في التعلم؟ قال الرازي: وهذا أيضا ضعيف لأن النبي لا يتبع غير ~~نبي في العلوم التي باعتبارها صار نبيا أما غير تلك العلوم فلا، الرابع: ~~أنه أظهر على موسى الترفع حيث قال: وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، وأما ~~موسى فإنه أظهر له التواضع حيث قال: ولا أعصي لك أمرا، وهذا يدل على أنه ~~كان فوق موسى ومن لا يكون نبيا لا يكون فوق نبي. قال الرازي: وهذا أيضا ~~ضعيف لأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها، ~~الخامس: قوله وما فعلته عن أمري، وفي المعنى: أني فعلته بوحي من الله وهذا ~~يدل على النبوة. قال الرازي: وهذا أيضا ضعيف ظاهر الحجة، السادس: ما روي أن ~~موسى عليه السلام لما وصل إليه قال: السلام عليك، قال: وعليك السلام يا نبي ~~بني إسرائىل، فقال موسى: من عرفك هذا؟ قال: الذي بعثك إلي، وهذا يدل على ~~أنه إنما عرف ذلك بالوحي والوحي لا يكون إلا مع النبوة، قال الرازي: ولقائل ~~أن يقول: لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات والإلهامات انتهى. # وبالجملة فالجمهور على أنه نبي كما مر واختلفوا هل هو حي أو ميت؟ فقيل: ~~إن الخضر ms1757 وإلياس حيان يلتقيان كل سنة بالموسم، قال البغوي: وكان سبب حياته ~~فيما يحكى أنه شرب من عين الحياة وذلك أن ذا القرنين دخل الظلمة ليطلب عين ~~الحياة وكان الخضر على مقدمته فوقع الخضر على العين فنزل فاغتسل وشرب وشكر ~~الله تعالى وأخطأ ذو القرنين الطريق، وذهب آخرون إلى أنه ميت لقوله تعالى: ~~{وما جعلنا البشر من قبلك الخلد} (الأنبياء، 34) # وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما صلى العشاء ليلة: «أرأيتكم ليلتكم ~~هذه فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» ولو كان ~~الخضر حيا لكان لا يعيش بعده. ولما بين لموسى سر تلك القضايا قال له {ذلك} ~~أي: هذا التأويل العظيم {تأويل ما لم تسطع} يا موسى {عليه صبرا} وحذف تاء ~~الاستطاعة هنا تخفيفا فإن استطاع واسطاع بمعنى واحد. # تنبيه: من فوائد هذه القصة أن لا يعجب المرء بعمله ولا يبادر إلى إنكار ~~ما لا يستحسنه فلعل فيه سرا لا يعرفه وأن يداوم على التعلم ويتذلل للعلماء ~~ويراعي الأحب في المقال، وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حين يتحقق ~~إصراره ثم يهاجره، روي أن موسى لما أراد أن يفارق الخضر قال له: أوصني؟ ~~قال: لا تطلب العلم لتحدث به واطلبه للعمل به. ولما فرغ من هذه القصة التي ~~حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم # PageV02P400 # عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب الجهاد وقدم الأول إشارة إلى علو درجة ~~العلم لأنه أساس كل سعادة وقوام كل امرئ فقال عاطفا على {ويجادل الذين ~~كفروا بالباطل} (الكهف، 56) # {ويسألونك} أي: اليهود وقيل: مشركو مكة يا أشرف الخلق {عن ذي القرنين} ~~وذكروا في سبب تسميته بذلك وجوها، الأول: قال أبو الطفيل سئل علي رضي الله ~~عنه عن ذي القرنين أكان نبيا أم ملكا؟ قال: لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان ~~عبدا صالحا أمر قومه بتقوى الله تعالى فضربوه على قرنه الأيمن فمات، ثم ~~بعثه الله تعالى فأمرهم بتقوى الله تعالى فضربوه على قرنه الأيسر فمات، ثم ~~بعثه الله ms1758 تعالى فسمي ذا القرنين، فيكم مثله يعني نفسه، الثاني: أنه انقرض ~~في وقته قرنان من الناس، الثالث: أنه كان صفحتا رأسه من نحاس، الرابع: كان ~~على رأسه ما يشبه القرنين، الخامس: كان لتاجه قرنان، السادس: أنه طاف قرني ~~الدنيا شرقها وغربها، السابع: كان له قرنان أي: ضفيرتان، الثامن: أن الله ~~تعالى سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهدي النور من أمامه وتمتد الظلمة من ~~ورائه، التاسع: أنه لقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح ~~أقرانه، العاشر: أنه رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس ~~وقرنيها أي: جانبيها فسمي بذلك لهذا السبب، الحادي عشر: أنه كان له قرنان ~~تواريهما العمامة، الثاني عشر: أنه دخل النور والظلمة، وذكروا في اسمه أيضا ~~وجوها الأول: اسمه مرزبان اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح، الثاني: ~~اسمه اسكندر بن فيلفوس الرومي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه أقصى ~~المشرق والمغرب وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر وبنى ~~الاسكندرية وسماها باسم نفسه، الثالث: شمر بن عمر بن أفريقيس الحميري وهو ~~الذي بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وافتخر به أحد الشعراء من حمير حيث ~~قال: # *قد كان ذو القرنين قبلي مسلما # ... ملكا علا في الأرض غير مفند # *بلغ المشارق والمغارب يبتغي # ... أسباب ملك من كريم سيد # واختلفوا في نبوته مع الاتفاق على إيمانه فقال بعضهم: كان نبيا واحتجوا ~~على ذلك بوجوه، الأول: قوله تعالى: # {إنا مكنا له في الأرض} وحمل على التمكين في الدنيا والتمكين الكامل في ~~الدين هو النبوة، الثاني: قوله تعالى: {وآتيناه من كل شيء سببا} وهذا يدل ~~على أنه تعالى آتاه من النبوة سببا، الثالث: قوله تعالى: {يا ذا القرنين ~~إما أن تعذب} الخ والذي يتكلم الله معه لا بد أن يكون نبيا ومنهم من قال: ~~إنه كان عبدا صالحا ملكه الله تعالى الأرض وأعطاه الله سبحانه وتعالى الملك ~~والحكمة وألبسه الهيبة وقد قالوا: ملك الأرض مؤمنان ذوالقرنين وسليمان ~~وكافران نمروذ وبختنصر ومنهم من ms1759 قال: إنه كان ملكا من الملائكة، عن عمر رضي ~~الله تعالى عنه أنه سمع رجلا يقول: يا ذا القرنين فقال: اللهم غفرا أما ~~رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة، والأكثر على ~~القول الثاني، ويدل له قول علي رضي الله تعالى عنه المتقدم. # تنبيه: قد قدمنا أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن قصة أصحاب الكهف وعن قصة ذي القرنين وعن الروح، والمراد من ~~قوله تعالى: {ويسألونك عن ذي القرنين} # PageV02P401 # هو ذلك السؤال، ثم قال الله تعالى: {قل} أي: لهؤلاء المتعنتين {سأتلو} ~~أي: أقص قصا متتابعا في مستقبل الزمان أعلمني الله تعالى به {عليكم} أي: ~~أيها البعداء، والضمير في قوله تعالى: {منه} لذي القرنين وقيل لله تعالى ~~{ذكرا} أي: خبرا كافيا لكم في تعرف أمره جامعا لمجامع ذكره # {إنا مكنا له في الأرض} أي: مكنا له أمره من التصرف فيها مكنة يصل بها ~~إلى جميع مسالكها ويظهر بها على سائر ملوكها {وآتيناه} بعظمتنا {من كل شيء} ~~يحتاج إليه في ذلك {سببا} أي: وصله توصله إليه من العلم والقدرة والآلة # {فأتبع سببا} أي: سلك طريقا نحو المغرب قال البقاعي: ولعله بدأ به لأن ~~باب التوبة فيه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمر واتبع في المواضع الثلاثة ~~بتشديد التاء الفوقية ووصل الهمزة قبل الفوقية والباقون بقطع الهمزة وسكون ~~التاء الفوقية واستمر متبعا له # {حتى إذا بلغ} في ذلك السير {مغرب الشمس} أي: موضع غروبها {وجدها تغرب في ~~عين حمئة} أي: ذات حمأة وهي الطين الأسود أي: بلغ موضعا في الغرب لم يبق ~~بعده شيء من العمران وجد الشمس كأنها تغرب في وهدة مظلمة وغروبها في رأي ~~العين كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغرب في البحر إذا لم ير الشط وهي ~~في الحقيقة تغيب وراء البحر وإلا فهي أكبر من الأرض مرات كثيرة فكيف يعقل ~~دخولها في عين من عيون الأرض، قال البيضاوي: ولعله بلغ ساحل المحيط فرأى ~~ذلك إذ لم يكن في ms1760 مطمح بصره غير الماء ولذلك قال: وجدها تغرب ولم يقل كانت ~~تغرب، وقرأ شعبة وحمزة والكسائي وابن عامر بألف بعد الحاء وياء مفتوحة بعد ~~الميم. عن أبي در قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل فرأى ~~الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم ~~قال: فإنها تغرب في عين حمئة، وقرأ الباقون بغير ألف بعد الحاء وبعد الميم ~~همزة مفتوحة، واتفق أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن ~~عباس: حمئة فقال معاوية لعبد الله بن عمر: كيف تقرأ قال: كما يقرأ أمير ~~المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار وسأله كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء ~~وطين كذلك نجده في التوراة {ووجد عندها} أي: عند تلك العين على الساحل ~~المتصل بها {قوما} أي: أمة، قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا ~~ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجب أي: تغرب، قيل: كان لباسهم جلود الوحش ~~وطعامهم ما يلفظه البحر كانوا كفارا فخيره الله تعالى بين أن يعذبهم أو ~~يدعوهم إلى الإيمان كما حكى ذلك بقوله تعالى: {قلنا يا ذا # القرنين} إما بواسطة الملك إن كان نبيا أو بواسطة نبي زمانه إن لم يكن أو ~~باجتهاد في شريعته {إما أن تعذب} بالقتل على كفرهم {وإما أن تتخذ} أي: ~~بغاية جهدك {فيهم حسنا} بالإرشاد وتعليم الشرائع، وقيل: خيره بين القتل ~~والأسر وسماه حسنا في مقابلة القتل ويؤيد الأول قوله {قال أما من ظلم} ~~باستمراره على الكفر فإنا نرفق به حتى نيأس منه ثم نقتله وإلى ذلك أشار ~~بقوله: {فسوف نعذبه} بوعد لا خلف فيه بعد طول الدعاء والترفق، وقال قتادة ~~كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب المنكر {ثم يرد إلى ربه} في الآخرة ~~{فيعذبه عذابا نكرا} أي: شديدا جدا في النار وتقدم في نكرا سكون الكاف ~~وضمها # {وأما من آمن وعمل صالحا} تصديقا لما أخبر به من تصديقه # PageV02P402 # {فله} في الدارين {جزاء ms1761 الحسنى} أي: الجنة، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بفتح ~~الهمزة بعد الزاي منونة وتكسر في الوصل لالتقاء الساكنين، قال الفراء: نصبه ~~على التفسير أي: لجهة النسبة، وقيل: منصوب على الحال أي: فله المثوبة ~~الحسنى مجزيا بها، والباقون بضم الهمزة من غير تنوين فالإضافة للبيان، قال ~~المفسرون: والمعنى على قراءة النصب فله الحسنى جزاء كما تقول له هذا الثوب ~~هبة، وعلى قراءة الرفع وجهان، الأول: فله جزاء الفعلة الحسنى والفعلة ~~الحسنى هي الإيمان والعمل الصالح، والثاني: فله جزاء المثوبة الحسنى وإضافة ~~الموصوف إلى الصفة مشهورة كقوله: ولدار الآخرة، وأمال ألف الحسنى حمزة ~~والكسائي محضة وأبو عمرو بين بين وورش بالفتح والإمالة بين بين {وسنقول} ~~بوعد لا خلف فيه بعد اختباره بالأعمال الصالحة {له} أي: لأجله {من أمرنا} ~~أي: ما نأمره به {يسرا} أي: قولا غير شاق من الصلاة والزكاة والخراج ~~والجهاد وغيرها وهو ما يطيقة ولا يشق عليه مشقة كثيرة # {ثم أتبع} لإرادة طلوع مشرق الشمس {سببا} من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق ~~واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مر عليها # {حتى إذا بلغ} في مسيره ذلك {مطلع الشمس} أي: الموضع الذي تطلع عليه أولا ~~من المعمور من الأرض {وجدها تطلع على قوم} ، قال الجلال المحلى: هم الزنج ~~وقوله تعالى: {لم نجعل لهم من دونها} أي: الشمس {سترا} فيه قولان، الأول: ~~أنه لا شيء لهم من سقف ولا جبل يمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم لأن أرضهم لا ~~تحمل بنيانا، قال الرازي: ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوع الشمس ويظهرون ~~عند غروبها فيكونون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش وعند ~~غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش وأحوالهم بالضد من أحوال سائر الخلق، ~~وقال قتادة: يكونون في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا فرعوا ~~كالبهائم، والثاني: أن معناه لا ثياب لهم ويكونون كسائر الحيوانات عراة ~~أبدا وفي كتب الهيئة أن أكثر حال الزنج كذلك وحال كل من سكن البلاد القريبة ~~من خط الاستواء، كذلك قال الكلبي: هم عراة يفرش ms1762 أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف ~~بالأخرى، وقال الزمخشري وعن بعضهم قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن ~~هؤلاء القوم فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة فبلغتهم وإذا أحدهم يفرش ~~إحدى أذنيه ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتا كهيئة الصلصلة ~~فغشى علي ثم أفقت فلما طلعت الشمس فإذا هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلوني ~~سربالهم فلما ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج ~~لهم، وعن مجاهد من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع ~~أهل الأرض وقوله تعالى: # {كذلك} فيه وجوه؛ الأول: أن معناه كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها، ~~الثاني: أن أمره كما وصفناه من رفعة المكان وبسطة الملك، قال البغوي: ~~والصحيح أن معناه كما حكم في القوم الذين هم عند غروب الشمس كذلك في القوم ~~الذين هم عند مطلعها {وقد أحطنا بما لديه} أي: عند ذي القرنين من الآلات ~~والجند وغيرهما {خبرا} أي: علما تعلق بظواهره وخفاياه والمعنى أن كثرة ذلك ~~بلغت مبلغا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير # {ثم} إن ذا القرنين لما بلغ المغرب والمشرق # PageV02P403 # {أتبع سببا} آخر من جهة الشمال في إرادة ناحية السد مخرج يأجوج ومأجوج ~~واستمر آخذا فيه # {حتى إذا بلغ} في مسيره ذلك {بين السدين} أي: بين الجبلين وهما جبلا ~~أرمينية وأذربيجان وقيل: جبلان في أواخر الشمال، وقيل: هذا المكان في منقطع ~~بلاد الترك من ورائهما يأجوج ومأجوج، قال الرازي: والأظهر أن موضع السد في ~~ناحية الشمال سد الاسكندر ما بينهما كما سيأتي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وحفص بفتح السين والباقون بضمها وهما لغتان معناهما واحد، وقال عكرمة: ما ~~كان من صنع بني آدم فهو السد بالفتح وما كان من صنع الله فهو بالضم وقاله ~~أبو عمرو وقيل بالعكس {وجد من دونهما} أي: بقربهما من الجانب الذي هو أدنى ~~منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين {قوما} أي: أمة من الناس لغتهم ~~في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم عن ms1763 بقية البلاد فهم كذلك {لا ~~يكادون} أي: لا يقربون {يفقهون} أي: يفهمون {قولا} ممن مع ذي القرنين فهما ~~جيدا كما يفهم غيرهم لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم، وقرأ حمزة والكسائي بضم ~~الياء وكسر القاف والباقون بفتحهما، وقال ابن عباس: لا يفقهون كلام أحد ولا ~~يفهم الناس كلامهم واستشكل بقولهم: # {قالوا يا ذا القرنين} وأجيب بأنه تكلم عنهم مترجم ممن هو مجاورهم ويفهم ~~كلامهم {إن يأجوج ومأجوج} وهما اسمان أعجميان لقبيلتين فلم ينصرفا، وقرأ ~~عاصم بهمزة ساكنة بعد الياء والميم والباقون بالألف فيهما وهما لغتان ~~أصلهما من أجيج النار وهو ضوءها وشررها شبهوا به لكثرتهم وشدتهم وهم من ~~أولاد يافث بن نوح عليه السلام، قال الضحاك: هم جيل من الترك، قال السدي: ~~الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت فضرب ذو القرنين السد فبقيت خارجة فجميع ~~الترك منهم، وعن قتادة أنهم اثنان وعشرون قبيلة بنى ذو القرنين السد على ~~إحدى وعشرين قبيلة وبقيت قبيلة واحدة فهم الترك سموا الترك لأنهم تركوا ~~خارجين، قال: أهل التواريخ أولاد نوح عليه السلام ثلاثة: سام وحام ويافث، ~~فسام أبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو ~~الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وقال ابن عباس في رواية عطاء هم ~~عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء، وروي عن حذيفة مرفوعا أن يأجوج أمة ومأجوج ~~أمة وكل أمة أربعمائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من ~~صلبه كلهم قد حمل السلاح وهم من ولد آدم يسيرون في خراب الأرض، وقال: هم ~~ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومائة ذراع في ~~السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة وهؤلاء لا تقوم لهم الجبال ~~ولا الحديد، وصنف منهم يفرش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا ~~وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه مقدمتهم بالشام وساقتهم ~~بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية، ومنهم أن ثبت لهم مخالب في ~~أظفارهم وأضراسهم كأضراس السباع، وعن علي رضي الله ms1764 تعالى عنه أنه قال: منهم ~~من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، وقال كعب: هم نادرة في ولد آدم ~~وذلك أن آدم احتلم ذات # PageV02P404 # يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم ~~يتصلون بنا من جهة الأب دون الأم، # وذكر وهب بن منبه أن ذا القرنين كان رجلا من الروم ابن عجوز فلما بلغ كان ~~عبدا صالحا قال الله تعالى: إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم منهم أمتان ~~بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، والأخرى عند ~~مطلعها يقال لها منسك وأمتان بينهما عرض الأرض إحداهما في القطر الأيمن ~~يقال لها: هاويل والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: ناويل وأمم في وسط ~~الأرض منهم الجن والأنس ويأجوج ومأجوج، فقال ذو القرنين: بأي قوة أكاثرهم ~~وبأي لسان أناطقهم، قال الله تعالى: إني سأطوقك وأبسط لك لسانك وأشد عضدك ~~فلا يهولنك شيء وألبسك الهيبة فلا يروعنك شيء وأسخر لك النور والظلمة ~~وأجعلهما من جنودك يهديك النور من أمامك وتحفظك الظلمة من ورائك فانطلق حتى ~~أتي مغرب الشمس فوجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله تعالى فكاثرهم بالظلمة ~~حتى جمعهم في مكان واحد فدعاهم إلى الله تعالى وإلى عبادته فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ومنهم من صد عنه فعمد إلى الذين تولوا عنه وأدخل عليهم الظلمة ~~فدخلت أجوافهم وبيوتهم فدخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب جندا عظيما ~~فانطلق يقودهم والظلمة تسوقهم حتى أتى هاويل فعمل فيهم كعمله في ناسك ثم ~~مضى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند منها جنودا كفعله في ~~الأمتين ثم أخذ بناحية الأرض اليسرى فأتى ناويل فعمل فيها كعمله فيما قبلها ~~ثم عمد إلى الأمم التي وسط الأرض فلما كان مما يلي منقطع الترك نحو المشرق ~~قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا أشباه ~~البهائم أي: وهم يأجوج ومأجوج {مفسدون في الأرض} يفترسون الدواب والوحوش ~~والسباع ويأكلون ms1765 الحيات والعقارب وكل ذي روح خلقه الله في الأرض وليس يزداد ~~خلق كزيادتهم فلا يشك أنهم سيملكون الأرض ويظهرون عليها ويفسدون فيها، وقال ~~الكلبي: فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها ~~شيئا أخضر # إلا أكلوه # ولا يابسا إلا احتملوه وأدخلوه أرضهم وقد بالغوا ولقوا منهم أذى شديدا ~~وقتلا، وقيل: فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس، وقيل: معناه أنهم سيفسدون في ~~الأرض بعد خروجهم {فهل نجعل لك خرجا} أي: جعلا من المال، وقرأ حمزة ~~والكسائى بفتح الراء وألف بعدها والباقون بسكون الراء ولا ألف بعدها فقيل: ~~هما بمعنى، وقيل: الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك {على أن تجعل} في جميع ~~ما {بيننا وبينهم} من الأرض التي يمكن توصلهم إلينا منها بما آتاك الله من ~~المكنة {سدا} أي: حاجزا بين هذين الجبلين فلا يصلون إلينا، وقرأ نافع وابن ~~عامر وشعبة برفع السين والباقون بالنصب، # قال} لهم ذو القرنين {ما مكنى فيه ربي} أي: المحسن إلي مما ترونه من ~~الأموال والرجال والتوصل إلى جميع الممكن للمخلوق {خير} من خراجكم الذي ~~تريدون بذله كما قال سليمان عليه السلام: {فما آتاني الله خير مما آتاكم} ~~(النمل، 36) ، وقرأ ابن كثير بنون مفتوحة بعد الكاف وبعدها نون مكسورة ~~والباقون بنون واحدة مكسورة مشددة {فأعينوني بقوة} أي: أني لا أريد المال ~~بل أعينوني بأيديكم وقوتكم # PageV02P405 # وبالآلات التي أتقوى بها في فعل ذلك فإن ما معي إنما هو للقتال وما يكون ~~من أسبابه لا لمثل هذا {أجعل بينكم} أي: بين ما تحتصون به {وبينهم ردما} ~~أي: حاجزا حصينا موثقا بعضه فوق بعض من التلاصق والتلاحم وهو أعظم من السد ~~من قولهم ثوب ردم إذا كان رقاعا فوق رقاع قالوا: وما تلك القوة؟ قال: فعلة ~~وصناع يحسنون البناء، قالوا: وما تلك الآلات؟ قال: # {آتوني} أي: أعطوني {زبر الحديد} أي: قطعة وهو جمع زبرة كغرفة وغرف، قال ~~الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة فأتوه به وبالحطب حفر له الأساس ~~حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس ms1766 المذاب والبنيان من زبر الحديد ~~بينها الحطب والفحم {حتى إذا ساوى} أي: بذلك البناء {بين الصدفين} أي: بين ~~جانبي الجبلين أي: سوى بين طرفي الجبلين سميا بذلك لأنهما يتصادفان أي: ~~يتقابلان من قولهم: صادفت الرجل لاقيته وقابلته، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر برفع الصاد والدال وشعبة برفع الصاد وسكون الدال والباقون بنصب ~~الصاد والدال، ثم وضع المنافخ وأطلق النار في الحطب والفحم و {قال} أي: ~~للعملة {انفخوا} فنفخوا {حتى إذا جعله} أي: الحديد {نارا} أي: كالنار {قال ~~آتوني} أي: أعطوني {أفرغ عليه قطرا} أي: أصب النحاس المذاب على الحديد ~~المحمى فصبه عليه فدخل في خلال الحديد مكان الحطب لأن النار أكلت الحطب حتى ~~لزم الحديد النحاس فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا، قال الزمخشري: ~~قيل ما بين السدين مائة فرسخ، وروي أن عرضه كان خمسين ذراعا وارتفاعه مائتي ~~ذراع، وعن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا «وفي رواية عن رجل من أهل المدينة ~~قال: يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: انعته لي قال: كالبرد ~~المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء» وهذه معجزة عظيمة إن كان نبيا أو كرامة ~~إن لم يكن؛ لأن هذه الزبرة الكبيرة إذا نفخ عليها حتى صارت كالنار لم يقدر ~~الحيوان أن يقرب منها والنفخ عليها لا يكون إلا بالقرب منها فكأنه تعالى ~~صرف تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين عليها حتى تمكنوا من ~~العمل فيها. # تنبيه: قطرا هو المتنازع فيه وهذه الآية أشهر أمثلة النحاة في باب ~~التنازع وبها تمسك البصريون على أن أعمال الثاني من العاملين المتوجهين نحو ~~معمول واحد أولى إذ لو كان قطرا مفعول آتوني لأضمر مفعول أفرغ حذرا من ~~الإلباس، ثم قال تعالى: # {فما} أي: فتسبب عن ذلك أنه لما أكمل عمل الردم وأحكمه ما {اسطاعوا} أي: ~~يأجوج ومأجوج وغيرهم {أن يظهروه} أي: يعلوا ظهره لعلوه وملاسته، وقرأ حمزة ~~بتشديد الظاء والباقون بالتخفيف {وما استطاعوا له نقبا} أي: خرقا لصلابته ~~وسمكه وزيادة التاء هنا تدل على ms1767 أن العلو عليه أصعب من نقبه لارتفاعه ~~وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ونحاس في علو الجبل ~~فإنهم ولو احتالوا ببناء درج من جانبهم أو وضع تراب حتى ظهروا عليه لم ~~ينفعهم ذلك لأنهم لا حيلة لهم على النزول من الجانب الآخر، ويؤيده أنهم ~~إنما يخرجون في آخر الزمان بنقبه لا بظهورهم عليه ولا ينافي نفي الاستطاعة ~~لنقبه ما رواه الإمام أحمد والترمذي في التفسير وابن ماجه في الفتن «عن أبي ~~رافع عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج # PageV02P406 # ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي ~~عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم ~~وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ~~قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله تعالى فيستثني فيعودون ~~إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس» الحديث، وفي حديث ~~الصحيحين عن زينب بنت جحش عن النبي صلى الله عليه وسلم فتح اليوم من ردم ~~يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وروياه عن أبي ~~هريرة وفيه مثل هذا وعقد تسعين لأن هذا في آخر الزمان، ثم إنه قيل فما قال ~~حين فراغه قيل: # {قال هذا} أي: السد يعني الإقدار عليه {رحمة} أي: نعمة {من ربي} أي: ~~المحسن إلي بإقداري عليه ومنع العادية {فإذا جاء وعد ربي} بقرب قيام الساعة ~~أو بوقت خروجهم {جعله دكا} أي: مدكوكا مبسوطا، روي أنهم يخرجون على الناس ~~فيتبعون المياه ويتحصن الناس في حصونهم منهم فيرمون بسهامهم إلى السماء ~~فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء قسوة ~~وعلوا، فيبعث الله تعالى عليهم نغفا في رقابهم، وفي رواية في آذانهم ~~فيهلكون، قال صلى الله عليه وسلم «فو الذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن ~~وتشكر من لحومهم شكرا» أخرجه الترمذي، قوله قسوة وعلوا أي: ms1768 غلظة وفظاظة ~~وتكبرا، والنغف دود يخرج في أنوف الإبل والغنم، وقوله: وتشكر من لحومهم ~~شكرا يقال: شكرت الشاة شكرا حين امتلأ ضرعها لبنا، والمعنى أنها تمتلئ ~~أجسادها لحما وتسمن، وعن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة من النخل فلما ~~رحلنا إليه عرف ذلك فينا فقال: ما شأنكم قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال ~~غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: غير الدجال أخوفني ~~عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ ~~حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم وإنه شاب قطط أي: شديد الجعودة، وقيل: ~~حسن الجعودة عينه طافية أي: بارزة، وقيل: مخسوفة كأني أشبهه بعبد العزى بن ~~قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف إنه خارج من حلة بين ~~الشام والعراق فعاث أي: أفسد يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا قلنا: ~~يا رسول الله وما مكثه في الأرض قال: أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم ~~كجمعة وسائر أيام كأيامكم قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا ~~فيه صلاة يوم؟ قال: لا أقدروا له قدره أي: واليوم الثاني والثالث كذلك، ~~وسكت عن ذلك للعلم به من الأول، # قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض قال: «كالغيث استدبرته الريح ~~فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر ~~والأرض فتنبت وتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت درا واسعة ضروعها وأملأها ~~خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ~~ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنزك فيتبعه ~~كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شابا فيضربه بالسيف فيقطعه ~~جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل # PageV02P407 # ويتهلل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند ~~المنارة البيضاء في دمشق بين مهرودتين أي: حلتين واضعا كفيه على أجنحة ~~ملكين ms1769 إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان كاللؤلؤ فلا يحل ~~لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه حتى يدركه بباب لد ~~قرية بالشام قريبة من الرملة فيقتله ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم ~~الله منه فيمسح عن وجوههم ويخبرهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ ~~أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد ~~بقتالهم فجوز عبادي إلى الطور ويبعث يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ~~فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول: لقد كان ~~بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من ~~مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل ~~الله تعالى عليهم النغف في رقابهم وهو بالتحريك دود يكون في أنوف الإبل ~~والغنم كما مر واحدتها نغفة فيصبحون فرسا أي: قتلى الواحد فريس، ثم يهبط ~~نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه ~~رممهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله تعالى عليهم ~~طيرا كأعناق البخت فتحملهم حيث شاء الله تعالى، ثم يرسل # الله تعالى # مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة وهي ~~بالتحريك جمعها زلف مصانع الماء، ويجمع على المزالف أيضا أي: فتصير الأرض ~~كأنها مصنعة من مصانع الماء، وقيل كالمرآة، وقيل الزلفة الروضة، وقيل ~~بالقاف أيضا ثم يقال للأرض انبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من ~~الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل وهو بتحريك الراء والسين من الإبل ~~والغنم من عشرة إلى خمسة وعشرين حتى أن اللقحة من الأبل لتكفي الفئام من ~~الناس وهو مهموز الجماعة الكثيرة واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس ~~واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى ~~عليهم ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن ms1770 وكل مسلم ويبقى شرار ~~الناس يتهارجون فيهاتهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة {وكان وعد ربي} الذي ~~وعد به في خروج يأجوج ومأجوج وإحراقهم الأرض وإفسادهم لها قرب قيام الساعة ~~{حقا} كائنا لا محالة فلذلك أعان تعالى على هدمه هذا آخر حكاية ذي القرنين. ~~وفي القصة أن ذا القرنين دخل الظلمة فلما رجع توفي بشيرزور وذكر بعضهم أن ~~عمره كان نيفا وثلاثين سنة، سبحان من يدوم عزه وبقاؤه، ثم إنه تعالى قال ~~عاطفا على ما تقديره فقد بان أمر ذي القرنين أي بيان وصدق في قوله فإذا جاء ~~وعد ربي فإنه إذا جاء وعدنا جعلناه بقدرتنا التي نؤتيها ليأجوج ومأجوج دكا ~~فأخرجناهم على الناس بعد خروج الدجال # وتركنا بعضهم} أي: يأجوج ومأجوج {يومئذ} أي: حين يخرجون {يموج} أي: يضطرب ~~{في بعض} كموج البحر أو يموج بعض الخلق في بعض فيضطربون ويختلطون إنسهم ~~وجنهم حيارى ويؤيده {ونفخ في الصور} أي: القرن النفخة الثانية لقوله تعالى: ~~{فجمعناهم} أي: الخلائق في مكان واحد يوم # PageV02P408 # القيامة، قال البقاعي: ويجوز أن تكون هذه الفاء فاء الفصيحة فيكون المراد ~~النفخة الأولى أي: ونفخ فمات الخلائق كلهم فبليت أجسامهم وتفتت عظامهم كما ~~كان من تقدمهم، ثم نفخ الثانية فجمعناهم من التراب بعد تمزقهم فيه وتفرقهم ~~في أقطار الأرض بالسيول والرياح وغير ذلك {جمعا} فأمتناهم دفعة واحدة كلمح ~~البصر وحشرناهم إلى الموقف للحساب ثم للثواب والعقاب، # {وعرضنا} أي: أظهرنا {جهنم يومئذ} أي: إذ جمعناهم لذلك {للكافرين عرضا} ~~ظاهرة لهم بكل ما فيها من الأهوال وهم لا يجدون لهم عنها مصرفا. ثم وصفهم ~~بما أوجب لهم ذلك بقوله تعالى: # {الذين كانت} كونا كأنه جبلة لهم {أعينهم} وهو بدل من الكافرين {في غطاء ~~عن ذكري} أي: عن القرآن فهم لا يهتدون به وعما جعلنا على الأرض من زينة ~~دليلا على الساعة بإفنائه ثم إحيائه وإعادته بعد إبداده {وكانوا} بما ~~جعلناهم عليه {لا يستطيعون سمعا} أي: لا يقدرون أن يسمعوا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يتلو عليهم بغضاله فلا يؤمنون به. ms1771 ولما بين تعالى أمر ~~الكافرين أنهم أعرضوا عن الذكر وعن استماع ما جاء به النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتبعه بقوله تعالى: # {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي} من الأحياء كالملائكة وعزير والمسيح ~~والأموات كالأصنام {من دوني} وقوله تعالى: {أولياء} أي: أربابا مفعول ثان ~~ليتخذوا، والمفعول الثاني لحسب محذوف والمعنى أظنوا أن الاتخاذ المذكور ~~ينفعهم ولا يغضبني ولا أعاقبهم عليه كلا، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء ~~والباقون بسكونها وهم على مراتبهم في المد. ولما كان معنى الاستفهام ~~الإنكاري ليس الأمر كذلك حسن جدا قوله تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم {إنا ~~أعتدنا جهنم} التي تقدم أنا عرضناها لهم {للكافرين} أي: هؤلاء وغيرهم ~~{نزلا} أي: هي معدة لهم كالمنزل المعد للضعيف وهذا على سبيل التهكم ونظيره ~~قوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران، 21) # {س18ش103/ش110 قل هل ننبئكم با?خسرين أعما? * الذين ضل سعيهم فى الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أو?لا???ك الذين كفروا? ب?ايات ربهم ~~ولقآ??ه? فحبطت أعمالهم ف نقيم لهم يوم القيامة وزنا * ذالك جزآؤهم جهنم ~~بما كفروا? واتخذو?ا? ءاياتى ورسلى هزوا * إن الذينءامنوا? وعملوا? ~~الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نز? * خالدين فيها يبغون عنها حو? * قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا ~~بمثله? مددا * قل إنمآ أنا? بشر مثلكم يوحى? إلى أنمآ الهكم اله واحد? فمن ~~كان يرجوا? لقآء ربه? فليعمل عم? صالحا ويشرك بعبادة ربه? أحد?ا} # ثم ذكر تعالى ما فيه تنبيه على جهل القوم فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم. # {قل} لهم {هل ننبئكم} أي: نخبركم وأدغم الكسائي لام هل في النون والباقون ~~بالإظهار {بالأخسرين أعمالا} أي: الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به فضلا ~~ونوالا فنالوا هلاكا وبوارا، واختلفوا فيهم فقال ابن عباس وسعد بن أبي ~~وقاص: هم اليهود والنصارى وهو قول مجاهد، قال سعد بن أبي وقاص: أما اليهود ~~فكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأما النصارى فكفروا بالجنة فقالوا: لا ~~طعام فيها ولا شراب انتهى. ms1772 قال البقاعي: وكذا قال اليهود لأن الفريقين ~~أنكروا الحشر الجسماني وخصوه بالروحاني، وقيل: هم الرهبان الذين حبسوا ~~أنفسهم في الصوامع. # تنبيه: أعمالا تمييز للأخسرين جمع عمل وإن كان مصدر التنوع أعمالهم، ثم ~~وصفهم تعالى بضد ما يدعونه لأنفسهم من نجاح السعي وإحسان الصنع فقال تعالى: ~~{الذين ضل} أي: ضاع وبطل {سعيهم في الحياة الدنيا} لكفرهم. # تنبيه: محل الموصول الجر نعتا أو بدلا أو بيانا أو النصب على الذم أو ~~الرفع على الخبر المحذوف فإنه جواب السؤال، ومعنى خسرانهم أنه مثلهم بمن ~~يشتري سلعة يرجو فيها ربحا فخسر وخاب سعيه كذلك أعمال هؤلاء الذين أتعبوا ~~أنفسهم مع ضلالهم فبطل جدهم # PageV02P409 # واجتهادهم في الحياة الدنيا {وهم يحسبون} أي: يظنون، وقرأ ابن عامر وعاصم ~~وحمزة بفتح السين والباقون بالكسر {أنهم يحسنون صنعا} أي: عملا يجازون عليه ~~لاعتقادهم أنهم على الحق. ثم بين تعالى السبب في بطلان سعيهم بقوله تعالى: # {أولئك} أي: البعداء البغضاء {الذين كفروا بآيات ربهم} أي: بدلائل توحيده ~~من القرآن وغيره {ولقائه} أي: رؤيته لأنه يقال: لقيت فلانا أي: رأيته فإن ~~قيل: اللقاء عبارة عن الوصول قال تعالى: فالتقى الماء على أمر قد قدر وذلك ~~في حق الله تعالى محال فوجب حملة على لقاء ثواب الله تعالى كما قال بعض ~~المفسرين أجيب: بأن لفظ اللقاء، وإن كان عبارة عن الوصول إلا أن استعماله ~~في الرؤية مجاز ظاهر مشهور والذي يقول: إن المراد لقاء ثواب الله قال: لا ~~يتم إلا بالإضمار وحمل اللفظ على المجاز المتعارف المشهور أولى من حمله على ~~ما يحتاج إلى الإضمار، ثم قال تعالى: {فحبطت} أي: فبسبب جحدهم الدلائل بطلت ~~{أعمالهم} فصارت هباء منثورا فلا يثابون عليها، وفي قوله تعالى: {فلا نقيم ~~لهم يوم القيامة وزنا} قولان؛ أحدهما: أنا نزدري بهم وليس لهم عندنا وزن ~~ومقدار، تقول العرب: ما لفلان عندي وزن أي: قدر لخسته، وروى أبو هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليأتي الرجل العظيم السمين يوم ~~القيامة فلا يزن عند الله جناح ms1773 بعوضة» ، وقال: اقرؤوا إن شئتم {فلا نقيم ~~لهم يوم القيامة وزنا} » ، الثاني: لا نقيم لهم ميزانا لأن الميزان إنما ~~يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليتميز مقدار الطاعات ومقدار ~~السيئات، وقال أبو سعيد الخدري: تأتي ناس بأعمالهم يوم القيامة عندهم في ~~التعظيم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئا فذلك قوله تعالى: {فلا نقيم ~~لهم يوم القيامة وزنا} . # ولما كان هذا السياق في الدلالة على أن لهم جهنم أوضح من الشمس قال ~~تعالى: # {ذلك} أي: الأمر العظيم الذي بيناه من وعيدهم {جزاؤهم} ثم بين ذلك الجزاء ~~بقوله تعالى: {جهنم} وصرح بالسببية بقوله تعالى: {بما كفروا} أي: بما ~~أوقعوا التغطية للدلائل {واتخذوا آياتي} الدالة على واحدانيتنا {ورسلي} ~~المؤيدين بالمعجزات الظاهرات {هزوا} أي: مهزوءا بهما فلم يكتفوا بالكفر ~~الذي هو طعن في الإلهية حتى ضموا إليه الهزو الذي هو أعظم احتقارا. ولما ~~بين سبحانه وتعالى ما لا حد قسمي أهل الجمع تنفيرا عنهم بين ما للآخرين على ~~تقدير الجواب لسؤال يقتضيه الحال ترغيبا في اتباعهم والاقتداء بهم بقوله: # {إن الذين آمنوا} أي: باشروا الإيمان {وعملوا} تصديقا لإيمانهم ~~{الصالحات} من الخصال {كانت لهم} أي: في علم الله قبل أن يخلقوا البناء ~~أعمالهم على الأساس {جنات} أي: بساتين {الفردوس} أي: أعلى الجنة وأوسطها ~~والإضافة إليه للبيان، روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط ~~الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» وقال كعب: ليس ~~في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن ~~المنكر، وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها، وقال ~~كعب: الفردوس هو بستان الجنة الذي فيه الأعناب، وقال مجاهد: هو البستان ~~بالرومية، وقال الزجاج: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية، # PageV02P410 # وقال عكرمة: هي الجنة بلسان الحبش، وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة ~~الأشجار {نزلا} أي: منزلا كما كان السعير والأغلال لأولئك نزلا وقوله ~~تعالى: # {خالدين فيها} حال مقدرة {لا ms1774 يبغون} أي: لا يريدون أدنى إرادة {عنها ~~حولا} أي: تحويلا إلى غيرها، قال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها كما ~~ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى. ولما ذكر تعالى في هذه ~~السورة أنواع الدلائل والبينات وشرح فيها أقاصيص الأولين والآخرين نبه على ~~حال كمال القرآن بقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم. # {قل} يا أشرف الخلق للخلق {لو كان البحر} أي: ماؤه على عظمته عندكم ~~{مدادا} وهو اسم لما يمد به الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج {لكلمات} ~~أي: لكتب كلمات {ربي} أي: المحسن إلي {لنفد} أي: فني مع الضعف فناء لا ~~تدارك له {البحر} لأنه جسم متناه {قبل أن تنفذ} أي: تفنى وتفرغ {كلمات ربي} ~~لأن معلوماته تعالى غير متناهية والمتناهي لا يفي البتة بغير المتناهي، ~~وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية على التذكير والباقون بالفوقية على ~~التأنيث. ولما لم يكن أحد غيره يقدر على إمداد البحر قال تعالى: {ولو جئنا ~~بمثله} أي: بمثل البحر الموجود {مددا} أي: زيادة ومعونة ونظيره قوله تعالى: ~~{ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله} (لقمان، 27) ، واختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال البغوي وابن ~~عباس: قالت اليهود: تزعم يا محمد أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك {ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} (النبوة، 269) ، ثم تقول: {وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا} ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال البيضاوي: وسبب ~~نزولها أن اليهود قالوا: في كتابكم ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~وتقرؤون وما أوتيتم من العلم إلا قليلا انتهى. وقال في «الكشاف» يعني أن ~~ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله، وقيل: لما نزل وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا، قالت اليهود: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. ولما كانوا ربما قالوا: مالك لا تحدث من # هذه الكلمات بكل ما سألنا عنه قال الله تعالى: # {قل} يا خير الخلق لهم {إنما ms1775 أنا بشر} في استبداد القدرة على إيجاد ~~المعدوم والإخبار بالغيب {مثلكم} أي: لا أمر لي ولا قدرة إلا ما يقدرني ربي ~~عليه ولكن {يوحى إلي} أي: من الله تعالى الذي خصني بالرسالة كالوحي إلى ~~الرسل قبلي {أنما إلهكم} الذي يجب أن يعبد {إله واحد} لا ينقسم بمجانسة ولا ~~غيرها قادر على ما يريد، لا منازع له لم يؤخر جواب ما سألتموني عنه من عجز ~~ولا من جهل هذا الذي يعني كل أحد علمه، وأما ما سألتم عنه في أمر الروح ~~والقصتين تعنتا لي فأمر لو جهلتموه ما ضركم جهله {فمن} أي: فتسبب عن وحدته ~~المستلزمة لقدرته أنه من {كان يرجو لقاء ربه} أي: يخاف المصير إليه وقيل ~~يأمل رؤية ربه والرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعا قال الشاعر: # *فلا كل ما ترجو من الخير كائن # ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع # فجمع بين المعنيين {فليعمل عملا} ولو قليلا {صالحا} يرتضيه الله {ولا ~~يشرك} أي: وليكن ذلك العمل مبنيا على الأساس وهو أن لا يشرك ولو بالرياء ~~{بعبادة ربه أحدا} فإذا عمل ذلك حاز فخار علوم الدنيا والآخرة، روي أن جندب ~~بن زهير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعمل # PageV02P411 # العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: «إن الله لا يقبل ما شورك فيه فنزلت ~~تصديقا، وروي أنه قال له: لك أجران أجر السر وأجر العلانية» وذلك إذا قصد ~~أن يقتدي به، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الشرك الأصغر قالوا: ~~وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء» وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك ~~فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء هو للذي عمله» ، وعن سعيد بن ~~فضالة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جمع الله تبارك ~~وتعالى الناس ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان يشرك في عمل عمله لله ~~فليطلب ثوابه منه ms1776 فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك» والآية جامعة ~~لخلاصتي العلم والعمل وهما التوحيد والإخلاص في الطاعة. # خاتمة: روي في فضائل سورة الكهف أحاديث كثيرة منها ما رواه الترمذي وغيره ~~من قرأها عند مضجعه كان له نور يتلألأ في مضجعه إلى مكة حشو ذلك النور ~~ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نور يتلألأ من مضجعه ~~إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ، وروي أبو ~~الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حفظ عشر آيات من أول ~~سورة الكهف عصم من فتنة الدجال» ، وقال البيضاوي وعنه عليه السلام: «من قرأ ~~سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه» ، ولكن الذي رواه ~~الإمام أحمد: «من قرأ أول سورة الكهف كانت له نورا من فرقه إلى قدمه، ومن ~~قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» ، وروى البغوي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من ~~قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» فنسأل ~~الله تعالى أن ينور قلوبنا وأبصارنا وأن يغفر زلاتنا ولا يؤاخذنا بسوء ~~أفعالنا، وأن يفعل ذلك بوالدينا وأولادنا وأقاربنا وأصحابنا ومشايخنا وجميع ~~إخواننا المسلمين وأحبابنا آمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم ~~الدين. ### | سورة مريم # عليها السلام مكية # وهي ثمان وتسعون آية، وسبعمائة واثنان وستون كلمة، وثلاثة آلاف وثمانمائة ~~حرف وحرفان # {بسم الله} المنزه عن كل شائبة نقص القادر على كل ما يريد {الرحمن} الذي ~~عم نواله سائر مخلوقاته {الرحيم} بسائر خلقه، واختلف في تفسير قوله تعالى: # {كهيعص} قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقال قتادة: هو اسم ~~من أسماء القرآن، وقيل: هو اسم الله الأعظم، وقيل: هو اسم السورة، وقيل: ~~قسم أقسم الله به. وعن الكلبي: هو ms1777 ثناء أثنى الله به على نفسه، وعنه معناه ~~كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق أيديهم عالم ببريته صادق في وعده. # وعن ابن عباس قال: الكاف من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، ~~والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقيل: إنه من المتشابه الذي استأثر ~~الله تعالى بعلمه، وقد تقدم الكلام على ذلك في أول سورة البقرة، # PageV02P412 # وقرأ نافع بإمالة الهاء والياء بين بين وأمالهما محضة شعبة والكسائي ~~وأمال الهاء محضة أبو عمرو وابن عامر وحمزة، وللسوسي في الياء خلاف في ~~الإمالة محضة والفتح والباقون، وهم ابن كثير وحفص بفتحهما بلا خلاف ولجميع ~~القراء في العين المد والتوسط، وقوله تعالى: # {ذكر} مبتدأ محذوف الخبر تقديره مما يتلى عليكم أو خبر محذوف المبتدأ ~~تقديره المتلو ذكر أو هذا ذكر {رحمت ربك} وقوله تعالى: {عبده} مفعول رحمة ~~لأنها مصدر بني على التاء لأنها دالة على الوحدة ورسمت بتاء مجرورة، ووقف ~~عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ووقف بالتاء على الرسم الباقون ~~وقوله تعالى: {زكريا} بيان له. # تنبيه: اعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصص جملة من الأنبياء. # الأولى: هذه القصة وهي قصة زكريا فيحتمل أن المراد من قوله تعالى: {رحمة ~~ربك} أنه عني عبده زكريا في كونه رحمة وجهان: أحدهما: أنه يكون رحمة على ~~أمته لأنه هداهم إلى الإيمان والطاعة، والثاني: أن يكون رحمة على نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى لما شرع له صلى الله عليه وسلم ~~طريقته في الإخلاص والابتهال في جميع الأمور إلى الله تعالى صار ذلك لطفا ~~داعيا له ولأمته إلى تلك الطريقة، فكان زكريا رحمة ويحتمل أن يكون المراد ~~أن هذه السورة فيها ذكر الرحمة التي يرحم بها عبده زكريا # {إذ نادى ربه نداء} مشتملا على دعاء {خفيا} أي: سرا جوف الليل؛ لأنه أسرع ~~إلى الإجابة وإن كان الجهر والإخفاء عند الله سيان، وقيل: أخفاه لئلا يلام ~~على طلب الولد في زمن الشيخوخة، وقيل: أسره من مواليه الذين خافهم، وقيل: ms1778 ~~خفت صوته لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ صوته خفات وسمعه تارات. # فإن قيل: من شرط النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيا؟. # أجيب: بوجهين، الأول: أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن ~~صوته كان ضعيفا لنهاية ضعفه بسبب الكبر فكان نداء نظرا إلى القصد خفيا نظرا ~~إلى الواقع، الثاني: أنه دعا في الصلاة لأن الله تعالى أجابه في الصلاة ~~لقوله تعالى: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك} ~~(آل عمران، 39) # وكون الإجابة في الصلاة يدل على كون الدعاء فيها فيكون النداء فيها خفيا. # تنبيه: في ناصب إذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنه ذكر ولم يذكر الحوفي غيره، ~~والثاني: رحمة ولم يذكر الجلال المحلى غيره وذكر الوجهين أبو البقاء، ~~والثالث: أنه بدل من زكريا بدل اشتمال لأن الوقت مشتمل عليه ثم كأنه قيل: ~~ما ذلك النداء؟ فقيل: # {قال رب} بحذف الأداة للدلالة على غاية القرب {إني وهن} أي: ضعف جدا ~~{العظم مني} أي: هذا الجنس الذي هو أقوى ما في بدني ولو جمع لأوهم أنه وهن ~~مجموع عظامه لا جميعها وقوله: {واشتعل الرأس} أي: مني {شيبا} تمييز محول عن ~~الفاعل أي: انتشر الشيب في شعره كما ينتشر شعاع النار في الحطب وإني أريد ~~أن أدعوك {ولم أكن بدعائك} أي: بدعائي إياك {رب شقيا} أي: خائبا فيما مضى ~~فلا تخيبني فيما يأتي وإن كان ما أدعو به في غاية البعد في العادة لكنك ~~فعلت مع أبي إبراهيم مثله فهو دعاء وشكر واستعطاف، ثم عطف على قوله: إني ~~وهن قوله: # {وإني خفت الموالي} أي: الذين يلوني في النسب كبني العم أن يسيئوا ~~الخلافة {من ورائي} أي: في بعض الزمان الذي بعدي {وكانت # PageV02P413 # امرأتي عاقرا} لا تلد أصلا بما دل عليه فعل الكون {فهب لي} أي: فتسبب عن ~~شيخوختي وضعفي وتعويدك لي بالإجابة وخوفي من سوء خلافة أقاربي ويأسي عن ~~الولد عادة بعقم امرأتي وبلوغي من الكبر حدا لا حراك بي معه أني أقول لك: ms1779 ~~يا قادر على كل شيء هب لي {من لدنك} أي: من الأمور المستبطنة المستغربة ~~التي عندك لم تجرها على مناهج العادات والأسباب المطردات {وليا} أي: ابنا ~~من صلبي # {يرثني} في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوة والعمل {ويرث} زيادة على ~~ذلك {من آل يعقوب} جزءا مما خصصتهم به من المنح وفضلتهم به من النعم ومحاسن ~~الأخلاق ومعالي الشيم فإن الأنبياء لا يورثون المال، وقيل: يرثني الحبورة ~~أي: العلم بتحبير الكلام وتحسينه فإنه كان حبرا هو بالفتح والكسر وهو أفصح، ~~يقال: للعالم بتحبير الكلام وتحسينه وهو يعقوب بن إسحاق عليهما السلام. # وقيل: يرثني العلم ويرث من آل يعقوب النبوة ولفظ الإرث يستعمل في المال ~~وفي العلم والنبوة، أما في المال فلقوله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم} (الأحزاب، 27) ، وأما في النبوة فلقوله تعالى: {وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب} (غافر، 53) # الآية، وقال صلى الله عليه وسلم «العلماء ورثة الأنبياء» ولأن الأنبياء ~~لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما يورثون العلم وخص اسم يعقوب اقتداء به ~~نفسه إذ قال ليوسف عليه السلام: {ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب} (يوسف، 6) # ولأن إسرائيل قد صار علما على الأسباط كلهم وكانت قد غلبت عليهم الأحداث، ~~وقرأ أبو عمرو والكسائي بجزم الثاء المثلثة فيهما على أنهما جواب الأمر إذ ~~تقديرهما إن تهب يرث والباقون بالضم فيهما على أنهما صفة واعتراض بأن زكريا ~~دعا الله تعالى أن يهبه ولدا يرثه مع أن يحيى قتل قبله فلم يجبه إلى أرثه ~~منه وأجيب: بأن إجابة دعاء الأنبياء غالبة لا لازمة فقد يتخلف لقضاء الله ~~تعالى بخلافه كما في دعاء إبراهيم عليه السلام في حق أبيه وكما في دعاء ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: «وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض ~~فمنعنيها» ، ولما كان من قضاء الله تعالى وقدره أن يوجد يحيى نبيا صالحا ثم ~~يقتل استجيب دعاء زكريا في إيجاده دون إرثه. ولما ختم دعاءه بقوله: {واجعله ~~رب} أي: أيها المحسن إلي {رضيا} أي: مرضيا عندك، أجابه الله تعالى ms1780 بقوله ~~تعالى: # {يا زكريا إنا نبشرك بغلام} يرث كما سألت {اسمه يحيى} وقرأ حمزة بفتح ~~النون وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة والباقون بضم النون وفتح ~~الموحدة وكسر الشين مشددة وكذلك في آخر السورة. # تنبيه: يحيى اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة وقيل: منقول من ~~الفعل المضارع كما سموا بيعمر، وإنما تولى تعالى تسميته تشريفا له قال ~~تعالى: {لم نجعل له من قبل سميا} (مريم، 65) # أي: مسمى بيحيى، قال قتادة والكلبي: لم يسم أحد قبله بيحيى. # تنبيه: سميا مأخوذ من السمو وفيه دلالة لقول البصريين إن الاسم من السمو، ~~ولو كان من الوسم لقيل وسيما، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبها ~~ومثلا كما قال تعالى: {هل تعلم له سميا} أي: مثلا والمعنى أنه لم يكن له ~~مثل لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط، ورد هذا لأن هذا يقتصي تفضيله على ~~الأنبياء قبله كإبراهيم وموسى وليس كذلك، وقيل: لم يكن له ميل إلى أمر ~~النساء لأنه كان سيدا وحصورا، وعن ابن عباس لم تلد العواقر مثله ولدا، ثم ~~كأنه قيل: فما قال في جواب هذه البشارة العظيمة؟ فقيل: # {قال} عالما # PageV02P414 # بصدقها طالبا لتأكيدها وللتلذذ بترديدها وهل ذلك من امرأته أو من غيرها؟ ~~وهل إذا كان منها يكونان على حالتهما من الكبر أو غيرها غير طائش ولا عجل؟ ~~{رب} أيها المحسن إلي بإجابة الدعاء دائما {أنى} أي: من أين وكيف وعلى أي: ~~حال {يكون لي غلام} يولد في غاية القوة والنشاط والكمال في الذكورة {وكانت} ~~أي والحال أنه كانت {امرأتي} إذ كانت شابة {عاقرا} غير قابلة للولد وأنا ~~وهي شابان فلم يأتنا ولد لاختلال أحد السبيلين فكيف بها وقد أيست؟ قال ~~الجلال المحلي: بلغت ثمانا وتسعين سنة {وقد بلغت} أنا {من الكبر عتيا} من ~~عتا يبس أي: نهاية السن، قال الجلال المحلي: مائة وعشرين سنة وبما تقرر سقط ~~ما قيل لم تعجب زكريا عليه السلام بقوله: أنى يكون لي غلام مع أنه هو الذي ~~طلب الغلام، وقرأ ms1781 حفص وحمزة والكسائي عتيا وصليا وجثيا بكسر عين الأول وصاد ~~الثاني وجيم الثالث وضم الباقون، وأما بكيا فكسر الباء الموحدة حمزة ~~والكسائي وضمها الباقون، وأصل عتي عتو وكسرت التاء تخفيفا وقلبت الواو ~~الأولى ياء لمناسبة الكسرة، والثانية ياء لتدغم فيها وإنما استعجب للولد من ~~شيخ فان وعجوز عاقر اعترافا بأن المؤثر فيه كامل القدرة وأن الوسايط عند ~~المحققين ملغاة ولذلك # {قال} أي: الله تعالى كما قال الأكثرون لأن زكريا إنما كان يخاطب الله ~~ويسأله بقوله: رب إني وهن العظم مني أو الملك المبلغ للبشارة تصديقا له ~~لقوله تعالى: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك ~~بيحيى} (آل عمران، 39) # وأيضا فإنه لما قال: وقد بلغت من الكبر عتيا قال: {كذلك} أي: الأمر كذلك ~~فهو خبر مبتدأ محذوف ثم علله بقوله: {قال ربك} أي: الذي عودك بالإحسان فدل ~~ذلك على أنه كلام الملك، قال ابن عادل: ويمكن أن يجاب بأنه يحتمل أن يحصل ~~النداآن نداء الله تعالى ونداء الملك، ثم ذكر مقول القول فقال: {هو} أي: ~~خلق يحيى منكما على هذه الحالة {علي} أي: خاصة {هين} أي: بأن أرد عليك قوة ~~الجماع وأفتق رحم امرأتك للعلوق {وقد خلقتك} أي: قدرتك وصورتك وأوجدتك {من ~~قبل ولم} أي: والحال أنك لم {تك شيئا} بل كنت معدوما صرفا وفيه دليل على أن ~~المعدوم ليس بشيء ولإظهار الله تعالى هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ~~ليجاب بما يدل عليها، وقرأ حمزة والكسائي بعد القاف بنون بعدها ألف ~~والباقون بعد القاف بتاء مضمومة. ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به # {قال رب اجعل لي} على ذلك {آية} أي: علامة تدلني على وقوعه {قال آيتك} ~~على وقوع ذلك {أن لا تكلم الناس} أي: لا تقدر على كلامهم بخلاف ذكر الله ~~تعالى {ثلاث ليال} أي: بأيامها كما في آل عمران ثلاثة أيام حال كونك {سويا} ~~من غير خرس ولا مرض وجعلت الآية الدالة عليه سكوت ثلاثة أيام ولياليهن من ~~غير ذكر الله دلالة على اخلاصه وانقطاعه بكليته ms1782 إلى الله تعالى دون غيره # {فخرج} عقب إعلام الله تعالى له بهذا {على قومه من المحراب} أي: من ~~المسجد وهم ينتظرونه أن يفتح لهم الباب متغيرا لونه فأنكروه وهو منطلق ~~اللسان بذكر الله تعالى منحسبه عن كلام الناس فقالوا: مالك يا نبي الله؟ ~~{فأوحى إليهم} أي: أشار بشفتيه من غير نطق، وقال مجاهد: كتب لهم في الأرض ~~{أن سبحوا} أي: أوجدوا التنزيه والتقديس لله تعالى بالصلاة وغيرها {بكرة ~~وعشيا} أي: أوائل النهار وأواخره على العادة فعلم بمنعه من كلامهم حملت ~~امرأته # PageV02P415 # بيحيى، قال الجلال المحلي: وبعد ولادته بسنين قال الله تعالى له: # {يا يحيى خذ الكتاب} أي: التوراة {بقوة} أي: جد ثم إن الله تعالى وصفه ~~بصفات الأولى قوله تعالى: {وآتيناه الحكم} قال ابن عباس النبوة {صبيا} قال ~~الجلال المحلي: تبعا للبغوي ابن ثلاث سنين أي: أحكم الله عقله في صباه ~~واستنبأه وقيل المراد بالحكم الحكمة وفهم التوراة فقرأ التوراة وهو صغير. ~~قال البغوي: وعن بعض السلف من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم ~~صبيا. الصفة الثانية قوله تعالى: # {وحنانا} أي: وآتيناه رحمة وهيبة ووقارا ورقة قلب ورزقا وبركة {من لدنا} ~~أي: من عندنا بلا واسطة تعليم ولا تجربة. الصفة الثالثة قوله تعالى: ~~{وزكاة} أي: وآتيناه طهارة في دينه، قال ابن عباس: يعني بالزكاة الطاعة ~~والإخلاص، وقال قتادة: هي العمل الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق الله ~~بها على أبويه. الصفة الرابعة قوله تعالى: {وكان} أي: جبلة وطبعا {تقيا} ~~أي: مخلصا مطيعا، روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها. الصفة الخامسة قوله ~~تعالى: # {وبرا بوالديه} أي: بارا لطيفا بهما محسنا إليهما لأنه لا عبادة بعد ~~تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين يدل عليه قوله تعالى: {وقضى ربك أن ~~لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} (الإسراء، 23) # . الصفة السادسة قوله تعالى {ولم يكن جبارا} أي: متكبرا والمراد وصفه ~~بالتواضع ولين الجانب وذلك من صفات المؤمنين قال تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم {واخفض جناحك للمؤمنين} (الحجر، 88) ، وقال ms1783 تعالى: {ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران، 159) # ولأن رأس العبادة معرفة الإنسان نفسه بالذل ومعرفة ربه بالعظمة والكمال ~~ومن عرف نفسه بالذل وعرف ربه بالكمال كيف يليق به التجبر والترفع ولذلك لما ~~تجبر إبليس وتمرد صار مبعدا عن رحمة الله تعالى وعن المؤمنين، وقيل: الجبار ~~هو الذي لا يرى لأحد على نفسه حقا وهو من التعظيم والذهاب بنفسه من أنه لا ~~يلزمه قضاء حق لأحد، وقيل: هو كل من عاقب على غضب نفسه. الصفة السابعة قوله ~~تعالى: {عصيا} أي: عاقا أو عاصي ربه وهو أبلغ من العاصي كما أن العليم أبلغ ~~من العالم. الصفة الثامنة قوله تعالى: # {وسلام عليه} منا {يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} . فإن قيل: لم خص ~~هذه الأوقات الثلاثة؟ أجيب: بوجوه: # الأول: قال محمد بن جرير الطبري: وسلام عليه يوم ولد أي: أمان من الله ~~تعالى عليه يوم ولد من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم ويوم يموت ~~أي: أمان من الله من عذاب القبر، ويوم يبعث أي: ومن عذاب الله يوم القيامة. # الثاني: قال ابن عيينة أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن؛ يوم ولد فيرى ~~نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما ما شاهدهم قط ويوم يبعث فيرى ~~في محشر عظيم، فأكرم الله تعالى يحيى عليه السلام فخصه بالسلام في هذه ~~المواطن. # الثالث: قال عبد الله بن نفطوية: وسلام عليه يوم ولد أي: أول ما يرى في ~~الدنيا ويوم يموت أي: أول يوم يرى فيه أمر الآخرة، ويوم يبعث حيا أي: أول ~~يوم يرى فيه الجنة والنار وهو يوم القيامة وإنما قال: حيا تنبيها على كونه ~~من الشهداء لأنه قتل، وقد قال تعالى {أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران، ~~169) # فروع: الأول: هذا السلام يمكن أن يكون من الله وأن يكون من الملائكة وعلى ~~التقديرين ففيه دلالة على تشريفه لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله ~~تعالى. # الثاني: ليحيى مزية في هذا السلام على ما ms1784 لسائر الأنبياء # PageV02P416 # لقوله تعالى: {سلام على نوح} (الصافات، 79) # {سلام على إبراهيم} (الصافات، 109) # لأنه تعالى قال يوم ولد وليس كذلك سائر الأنبياء. # الثالث: روي أن عيسى عليه السلام قال ليحيى عليه السلام: أنت أفضل مني ~~لأن الله تعالى قال: سلام عليه وأنا سلمت على نفسي، قال الرازي: وهذا ليس ~~بقوي لأن سلام عيسى على نفسه يجري مجرى سلام الله تعالى على يحيى لأن عيسى ~~معصوم لا يفعل إلا ما أمر الله تعالى انتهى ولكن بين السلامين مزية. # تنبيه: هذه القصة قد ذكرت في آل عمران بقوله تعالى: {كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا} (آل عمران، 37) # إلى أن قال: {هنالك دعا زكريا ربه قال: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك ~~سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم} (آل عمران، 38) # لأن زكريا عليه السلام لما رأى خرق العادة في حق مريم طمع في حق نفسه ~~فدعا وقد وقعت المخالفة في ذكر ما هنا وهناك في الألفاظ من وجوه، الأول ~~منها: أن الله تعالى صرح في آل عمران بأن المنادي هو الملائكة بقوله تعالى: ~~{فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} (آل عمران، 39) # وفي هذه السورة الأكثر على أن المنادي بقوله يا زكريا إنا نبشرك بغلام ~~اسمه يحيى هو الله تعالى وأجيب: بأن الله تعالى هو المبشر سواء كان بواسطة ~~أم لا، الثاني: أنه قال تعالى في آل عمران: {أنى يكون لي غلام وقد بلغني ~~الكبر وامرأتي عاقر} (آل عمران، 40) # فذكر أولا كبر سنه ثم عقر امرأته، وفي هذه السورة قال: {أنى يكون لي غلام ~~وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا} ، وأجيب بأن الواو لا تقتضي ~~الترتيب، الثالث: قال في آل عمران وقد بلغني الكبر، وقال هنا: وقد بلغت من ~~الكبر عتيا وأجيب بأن ما بلغك فقد بلغته، الرابع: قال في آل عمران: {آيتك ~~أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} ، وقال هنا: ثلاث ليال سويا وأجيب ~~بأن الآيتين دلتا على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن كما مر. ms1785 # القصة الثانية قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام ولما كانت قصة عيسى ~~عليه السلام أغرب من قصة يحيى لأن خلق الولد من شخصين فانيين أقرب إلى ~~مناهج العادات من خلق الولد لا من أب البتة وأحسن طرق التعليم والفهم الأخذ ~~من الأقرب فالأقرب مرتقيا إلى الأصعب فالأصعب، أشار إلى ذلك بتغيير السياق ~~فقال عاطفا على ما تقديره اذكر هذا لهم # {واذكر} بلفظ الأمر {في الكتاب} أي: القرآن {مريم} أي: قصتها وهي ابنة ~~عمران خالة يحيى كما في الصحيح من حديث أنس بن مالك بن صعصعة الأنصاري في ~~حديث الإسراء «فلما خلصت فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة» ثم أبدل من مريم ~~بدل اشتمال فقال: {إذ} أي: اذكر ما اتفق لها حين {انتبذت} أي: كلفت نفسها ~~أن اعتزلت وانفردت {من أهلها} حالة {مكانا شرقيا} أي: شرقي بيت المقدس. ~~وقال الرازي: شرقي دارها، وعن ابن عباس إني لأعلم خلق الله تعالى لأي شيء ~~اتخذت النصارى الشرق قبلة لقوله تعالى: {مكانا شرقيا} فاتخذت ميلاد عيسى ~~قبلة، واقتصر الجلال المحلي على الشرق من الدار وتردد البيضاوي بينهما ~~فقال: شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها انتهى، ويحتمل أن يكون شرقي بيت ~~المقدس هو شرقي دارها فلا مخالفة # {فاتخذت} أي: أخذت بقصد وتكلف ودل على قرب المكان بالإتيان بالجار فقال: ~~{من دونهم} أي: أدنى مكان من مكانهم {حجابا} أي: أرسلت سترا تستتر به لغرض ~~صحيح وليس بمذكور، واختلف المفسرون فيه على وجوه: # أحدها: # PageV02P417 # أنها طلبت الخلوة كيلا تشتغل عن العبادة. # ثانيها: أنها عطشت فخرجت إلى المفازة تستقي. # ثالثها: أنها كانت في منزل زوج أختها زكريا وفيه محراب على حدة تسكنه، ~~وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي ~~رأسها وثوبها فانفجرت لها الشمس فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها ~~الملك كما قال تعالى: {فأرسلنا} لأمر يدل على عظمتنا {إليها روحنا} أي: ~~جبريل عليه السلام ليعلمها بما يريد بها من الكرامة بولادة عيسى عليه ~~السلام من غير أب لئلا يشتبه ms1786 عليها الأمر فتقتل نفسها غما {فتمثل لها} أي: ~~تشبح بشين معجمة ثم باء موحدة ثم حاء مهملة وهو روحاني بصورة الجسماني ~~{بشرا سويا} في خلقه حسن الشكل. # رابعها: أنها قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض متحجبة بشيء يسترها، وكانت ~~تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت فبينما هي في ~~مغتسلها أتاها جبريل بعد لبسها ثيابها متمثلا بصورة شاب أمرد سوي الخلق ~~تستأنس بكلامه إذ لو أتاها في الصورة الملكية لنفرت منه ولم تقدر على ~~استماع كلامه، قال البيضاوي: ولعله لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها ~~أي: مع أمنها الفتنة لعفتها، قال الرازي: وكل هذه الوجوه محتملة وليس في ~~اللفظ ما يدل على ترجيح واحد منها. # ولما رأت مريم جبريل نحوها # {قالت إني أعوذ} أي: أعتصم {بالرحمن} ربي الذي رحمته عامة لجميع خلقه ~~{منك} أي: أن تقربني وفتح ياء أني نافع وابن كثير وأبو عمرو وسكنها الباقون ~~وهم على مراتبهم في المد، ولما تفرست فيه بما أنار الله تعالى من بصيرتها ~~وأصفى من سريرتها التقوى قالت {إن كنت تقيا} أي: مؤمنا مطيعا، وجواب الشرط ~~محذوف دل عليه ما قبله أي: إني عائذة منك أو نحو ذلك دل تعوذها من تلك ~~الصورة الحسنة على عفتها وورعها فإن قيل: إنما يستعاذ من الفاجر فكيف قالت: ~~إن كنت تقيا؟ أجيب: بأن هذا كقول القائل إن كنت مؤمنا فلا تظلمني أي: ينبغي ~~أن يكون إيمانك مانعا لك من الظلم كذلك هنا ينبغي أن تكون تقواك مانعة لك ~~من الفجور وهذا في نهاية الحسن لأنها علمت أنها لا تؤثر الاستعاذة إلا في ~~التقي وهو كقوله تعالى: {وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} (البقرة، ~~278) # أي: إن شرط الإيمان يوجب هذا لا أن الله تعالى يخشى في حال دون حال، ~~وقيل: كان في ذلك الزمان إنسان فاجر يتبع النساء اسمه تقي فظنت مريم أن ذلك ~~الشخص المشاهد هو ذلك فاستعاذت منه، قال الرازي: والأول هو الوجه. ولما علم ~~جبريل عليه السلام ms1787 خوفها # {قال} مجيبا لها بما معناه: إني لست ممن تخشين أن يكون متهما مؤكدا لأجل ~~استعاذتها {إنما أنا رسول ربك} أي: الذي عذت به فأنا لست متهما بل متصف بما ~~ذكرت وزيادة الرسالة وعبر باسم الرب المقتضى للإحسان لطفا بها، ولأن هذه ~~السورة مصدرة بالرحمة ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده وقوله: ~~{ليهب لك} قرأ ورش وأبو عمرو وقالون بخلاف عنه بالياء أي: ليهب الله تعالى ~~لك، وقرأ الباقون بالهمز أي: لأهب أنا لك وفي مجازه وجهان، الأول: أن الهبة ~~لما جرت على يده بأن كان هو الذي ينفخ في جيبها بأمر الله تعالى جعل نفسه ~~كأنه هو الذي وهب لها وإضافة الفعل إلى من هو سبب مستعمل، قال الله تعالى ~~في الأصنام: {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} (إبراهيم، 36) ، الثاني: أن ~~جبريل عليه السلام لما # PageV02P418 # بشرها بذلك كانت البشارة الصادقة جارية مجرى الهبة. ثم بين الموهوب ~~بقوله: {غلاما} أي: ولدا ذكرا في غاية القوة والرجولية ثم وصفه بقوله: ~~{زكيا} أي: نبيا طاهرا من كل ما يدنس البشر ناميا على الخير والبركة # {قالت} مريم {أنى} أي: من أين وكيف {يكون لي غلام} ألده {ولم يمسسني بشر} ~~بنكاح {ولم أك بغيا} أي: زانية فتعجبت مما بشرها به جبريل عليه السلام ~~لأنها قد عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل، والعادة عند أهل ~~المعرفة معتبرة في الأمور وإن جوزوا خلاف ذلك في القدرة فليس في قولها هذا ~~دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداء وكيف وقد عرفت ~~أنه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحد ولأنها كانت منفردة للعبادة ومن يكون ~~كذلك لا بد أن يعرف قدرة الله تعالى على ذلك وبما تقرر سقط ما قيل، قولها ~~ولم يمسسني بشر يدخل تحته قولها: ولم أك بغيا ولهذا اقتصر عليه في سورة آل ~~عمران بقولها: {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} (آل عمران، 47) # فلم تذكر البغي، ويجوز أن يقال: إنها أفردت ms1788 ذكر البغي مع دخوله في الكلام ~~الأول لأنه أعظم ما في بابه فهو نظير قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى} (البقرة، 238) # وقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة، 98) # {قال} لها جبريل عليه السلام الأمر {كذلك} من خلق غلام منك بغير أب. ولما ~~كان لسان الحال قائلا كيف يكون بغير سبب أجاب جبريل بقوله: {قال ربك هو} ~~أي: المذكور وهو إيجاد الولد على هذه الهيئة {علي} وحدي لا يقدر عليه غيري ~~{هين} أي: بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به ولكون ما ذكر في معنى العلة ~~عطف عليه {ولنجعله} بما لنا من العظمة {آية للناس} أي: علامة على كمال ~~قدرتنا على البعث أدل من الآية في يحيى عليه السلام وبه تمام القسمة ~~الرباعية في خلق البشر فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر وحواء من ذكر بلا أثنى ~~وآدم عليه السلام لا من ذكر ولا أنثى وبقية أولاده من ذكر وأنثى معا {ورحمة ~~منا} على العباد يهتدون به {وكان} ذلك كله {أمرا مقضيا} به في علمي وقوله ~~تعالى: # {فحملته} فيه حذف تقديره فنفخنا فيها فحملته دل على ذلك قوله تعالى في ~~سورة التحريم: {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} ~~(الأنبياء، 91) ، واختلف في النافخ فقال بعضهم: كان النفخ من الله تعالى ~~لهذه الآية ولأنه تعالى قال: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} (آل عمران، ~~59) # ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل، وفي حق آدم النافخ ~~هو الله تعالى قال تعالى: {ونفخت فيه من روحي} (الحجر، 29) # فكذا ههنا، وقال بعضهم: النافخ جبريل لأن الظاهر من قول جبريل عليه ~~السلام: {لأهب لك} على أحد القراءتين أنه النافخ، واختلف في كيفية نفخه ~~فقيل: إن جبريل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبها فحملت حين لبسته، ~~وقيل: مد إلى جيب درعها أصابعه ونفخ في الجيب، وقيل: نفخ في كم قميصها، ~~وقيل: في فيها، وقيل: نفخ جبريل نفخا من بعيد فوصل النفخ إليها فحملت بعيسى ~~في الحال، وقيل: نفخ في ذيلها ms1789 فدخلت النفخة في صدرها فحملت فجاءت أختها ~~امرأة زكريا تزورها فلما التزمتها عرفت أنها حبلى وذكرت مريم حالها فقالت ~~امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى: ~~{مصدقا بكلمة من الله} (آل عمران، 39) # وقيل: حملت وهي بنت ثلاث عشرة سنة، وقيل: بنت عشرين وقد # PageV02P419 # كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل، قال الرازي: وليس في القرآن ما يدل على ~~شيء من هذه الأقوال المذكورة. ثم عقب بالحمل قوله: {فانتبذت به} أي: ~~فاعتزلت به وهو في بطنها حالة {مكانا قصيا} أي: بعيدا من أهلها أو من ~~المكان الشرقي، وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله: # {فأجاءها} أي: فأتى بها وألجأها {المخاض} وهو تحرك الولد في بطنها ~~للولادة {إلى جذع النخلة} وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان وكأن ~~تعريفها لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها فكانت كالعلم لما فيها من ~~العجب لأن النخل من أقل الأشجار صبرا على البرد ولعلها ألجئت إليها دون ~~غيرها من الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة لها لأنها لا تحمل إلا ~~باللقاح من ذكر النخل فحملها بمجرد هزها أنسب شيء بإتيانها بولد من غير ~~والد فكيف إذا كان ذلك في غير وقته، وكانت يابسة مع مالها فيها من المنافع ~~بالاستناد إليها والاعتماد عليها وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها ~~وغير ذلك والخرسة بخاء معجمة مضمومة طعام النفساء وهو مراد الجوهري بقوله: ~~طعام الولادة. # قال ابن عباس: الحمل والولادة في ساعة واحدة، وقيل: ثلاث ساعات حملته في ~~ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وقيل: كانت ~~مدته تسعة أشهر كحمل سائر النساء، وقيل: كانت مدة حملها ثمانية أشهر وذلك ~~آية أخرى له لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر وولد عيسى لهذه المدة وعاش، ~~وقيل: ولد لستة أشهر. ولما كان ذلك أمرا صعبا عليها جدا كان كأنه قيل: يا ~~ليت شعري ما كان حالها؟ فقيل: {قالت} لما حصل عندها ms1790 من خوف العار {يا ليتني ~~مت} وأشارت إلى استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جار ~~{قبل هذا} أي: الأمر العظيم، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي مت بكسر الميم ~~والباقون بالضم {وكنت نسيا} أي: شيئا من شأنه أن يطرح وينسى {منسيا} أي: ~~متروكا بالفعل لا يخطر على بال. # فإن قيل: لم قالت ذلك مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل عليه ~~السلام إليها ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين؟. # أجيب عن ذلك بأجوبة: الأول: أنها تمنت ذلك استحياء من الناس فأنساها ~~الاستحياء بشارة الملائكة بعيسى. الثاني: أن عادة الصالحين إذا وقعوا في ~~بلاء أن يقولوا ذلك كما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه نظر إلى طائر على ~~شجرة فقال: طوبى لك يا طائر تقع على الشجر وتأكل من الثمر وددت أني ثمرة ~~ينقرها الطائر، وعن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني ~~هذه التبنة ولم أكن شيئا، وعن علي رضي الله عنه يوم الجمل: ليتني مت قبل ~~هذا اليوم بعشرين سنة، وعن بلال: ليت بلالا لم تلده أمه فثبت أن هذا الكلام ~~يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. الثالث: لعلها قالت ذلك لئلا يقع ~~في المعصية من يتكلم فيها وإلا فهي راضية بما بشرت به، وقرأ حفص وحمزة نسيا ~~بفتح النون والباقون بالكسر وقوله تعالى: # {فناداها من تحتها} قرأه نافع وحفص وحمزة بكسر من وجر التاء من تحتها ~~والباقون بفتح من ونصب تحتها وأمال ألف ناداها حمزة والكسائى إمالة محضة، ~~وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح، وفي المنادي أوجه. # أحدها: أنه عيسى عليه السلام وهو قول الحسن وسعيد بن جبير. # ثانيها: أنه جبريل عليه # PageV02P420 # السلام وأنه كالقابلة للولد. # ثالثها: أن المنادي على القراءة بالفتح هو عيسى وعلى القراءة بالكسر هو ~~جبريل وهو مروي عن ابن عيينة وعاصم، قال الرازي: والأول أقرب وصدر به ~~البيضاوي واقتصر الجلال المحلي على الثاني، والمعنى على الأول أن الله ~~تعالى أنطقه لها حين ms1791 ولدته تطييبا لقلبها وإزالة للوحشة عنها حتى تشاهد في ~~أول الأمر ما بشرها به جبريل من علو شأن ذلك الولد، وعلى الثاني أن الله ~~تعالى أرسله إليها ليناديها بهذه الكلمات كما أرسل إليها في أول الأمر ~~تذكيرا للبشارات المتقدمة والضمير في تحتها للسيدة مريم وعلى تقدير أن يكون ~~المنادي هو عيسى فهو ظاهر، وإن كان جبريل فقيل: إنه كان تحتها يقبل الولد ~~كالقابلة، وقيل: تحتها أسفل من مكانها، وقيل: الضمير فيه للنخلة أي: ناداها ~~من تحتها {أن لا تحزني} يجوز في أن أن تكون مفسرة لتقدمها ما هو بمعنى ~~القول ولا على هذا ناهية وحذف النون للجزم وأن تكون الناصبة و {لا} حينئذ ~~نافية وحذف النون للنصب ومحل {أن} إما نصب أو جر لأنها على حذف حرف الجر ~~أي: فناداها بكذا {قد جعل ربك} أي: المحسن إليك {تحتك} في هذه الأرض التي ~~لا ماء جار فيها {سريا} أي: جدولا من الماء تطيب به نفسك، قال الرازي: اتفق ~~المفسرون إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن السري: هو النهر والجدول سمي ~~بذلك لأن الماء يسري فيه، وأما الحسن وابن زيد فإنهما جعلا السري هو عيسى ~~والسري هو النبيل الجليل يقال: فلان من سروات قومه أي: أشرافهم، واحتج من ~~قال: هو النهر بأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السري فقال: «هو ~~الجدول» # وبقوله تعالى: {فكلي واشربي} فدل على أنه النهر حتى يضاف الماء إلى الرطب ~~فتأكل وتشرب، واحتج من قال: إنه عيسى بأن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ~~ولا يجوز أن يجاب عنه بأن المراد أنه جعل النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف ~~بأمرها كقول فرعون: {وهذه الأنهار تجري من تحتي} (الزخرف، 51) # لأن هذا حمل للفظ على مجازه ولو حملناه على عيسى لم يحتج إلى هذا المجاز ~~وأيضا فإنه موافق لقوله وجعلنا ابن مريم وأمه آية وأجيب: بأن المكان ~~المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق وكل من كان ~~أبعد منه كان ms1792 تحت. # تنبيه: إذا قيل بأن السري هو النهر ففيه وجهان؛ الأول: قال ابن عباس: إن ~~جبريل ضرب برجله الأرض، وقيل: عيسى فظهر عين ماء عذب وجرى، وقيل: كان هناك ~~ماء جار، قال ابن عادل: والأول أقرب لأن قوله قد جعل ربك تحتك سريا يدل على ~~الحدوث في ذلك الوقت ولأن الله تعالى ذكره تعظيما لشأنها، وقيل: كان هناك ~~نهر يابس أجرى الله فيه الماء وحييت النخلة اليابسة وأورقت وأثمرت وأرطبت، ~~قال أبو عبيدة والفراء: لسري هو النهر مطلقا، وقال الأخفش: هو النهر ~~الصغير. # {وهزي إليك} أي: أوقعي الهز وهو جذب بتحريك {بجذع النخلة} أي: التي أنت ~~تحتها مع يبسها وكون الوقت ليس وقت حملها {تساقط عليك} من أعلاها {رطبا ~~جنيا} طريا آية أخرى عظيمة روي أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر، ~~وكان الوقت شتاء فهزتها فجعل الله تعالى لها رأسا وخوصا ورطبا، وقرأ حمزة ~~بفتح التاء والسين مخففة وفتح القاف وحفص بضم التاء وفتح السين مخففة وكسر ~~القاف والباقون بفتح التاء # PageV02P421 # وتشديد السين مفتوحة وفتح القاف. # تنبيه: الباء في بجذع زائدة والمعنى هزي إليك جذع النخلة كما في قوله ~~تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم} (البقرة، 195) # قال الفراء: تقول العرب: هزه وهزيه وخذ الخطام وخذ بالخطام وزوجتك فلانة ~~وبفلانة، وقال الأخفش: يجوز أن يكون على معنى هزي إليك رطبا بجذع النخلة ~~أي: على جذعها ورطبا تمييز وجنيا صفته والرطب اسم جنس بخلاف تخم فإنه جمع ~~لتخمة والفرق: أنهم التزموا تذكيره فقالوا: هو الرطب وتأنيث ذلك فقالوا: هي ~~التخم فذكروا الرطب باعتبار الجنس وأنثوا التخم باعتبار الجمعية، قال ابن ~~عادل: وهو فرق لطيف والرطب ما قطع قبل يبسه وجفافه وخص الرطب بالذكر قال ~~الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل ~~وهذه الأفعال الخارقة للعادة كرامات لمريم أو إرهاص لعيسى، وفي ذلك تنبيه ~~على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل ~~وتطييب لنفسها فلذلك قال: # {فكلي} ms1793 أي: من الرطب {واشربي} من السري أو كلي من الرطب واشربي من عصيره، ~~{وقري عينا} أي: وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنها، وقدم الأكل على الشرب ~~لأن حاجة النفساء إلى الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال ~~منها من الدم. # فإن قيل: إن مضرة الخوف أشد من مضرة الجوع والعطش لأن الخوف ألم الروح ~~والجوع ألم البدن وألم الروح أقوى من ألم البدن، روي أنه أجيعت شاة فقدم ~~إليها علف وعندها ذئب فبقيت الشاة مدة مديدة لا تتناول العلف مع جوعها خوفا ~~من الذئب، ثم كسر رجلها وقدم إليها العلف فتناولت العلف مع ألم البدن فدل ~~ذلك على أن ألم الخوف أشد من ألم البدن، وإذا كان كذلك فلم قدم ضرر الجوع ~~والعطش على دفع ضرر الخوف؟ # أجيب: بأن هذا الخوف كان قليلا لأن بشارة جبريل عليه السلام كانت قد ~~تقدمت فما كانت تحتاج إلا إلى التذكير مرة أخرى، وقيل: قري عينا بولدك عيسى ~~وقيل: بالنوم فإن المهموم لا ينام، وقوله: {فإما} فيه إدغام نون إن الشرطية ~~في ما الزائدة {ترين} حذفت منه لام الفعل وعينه وألقيت حركتها على الراء ~~وكسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين، {من البشر أحدا} ينكر عليك {فقولي} يا ~~مريم لذلك المنكر جوابا له مع التأكيد تنبيها على البراءة لأن البريء يكون ~~ساكنا لاطمئنانه والمرتاب يكثر كلامه وحلفه، {إني نذرت للرحمن} أي: الذي ~~عمت رحمته {صوما} أي: إمساكا عن الكلام في شأنه وغيره مع الإناسي بدليل ~~{فلن أكلم اليوم إنسيا} فإن كلامي يقبل الرد والمجادلة، ولكن يتكلم عني ~~المولود الذي كلامه لا يقبل الدفع وأما أنا فأنزه نفسي عن مجادلة السفهاء، ~~قالوا: ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها فلا أكلم إلا الملائكة أو الخالق ~~بالتسبيح والتقديس وسائر أنواع الذكر. # وقيل: صياما لأنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم فعلى هذا كان ذكر الصوم ~~دالا على الصمت وهذا النوع من النذر كان جائزا في شرعهم، وهل يجوز مثل هذا ~~النذر في شرعنا؟ قال القفال: لعله ms1794 يجوز لأن الاحتراز عن كلام الآدميين ~~وتجريد الفكر بذكر الله تعالى قربة ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق ~~وتعذيب النفس كنذر القيام في الشمس، وروي أنه دخل أبو بكر رضي الله عنه على ~~امرأة قد نذرت أنها لا تتكلم فقال # PageV02P422 # أبو بكر: إن الإسلام قد هدم هذا فتكلمي. # تنبيه: اختلفوا في أنها هل قالت لهم إني نذرت للرحمن صوما؟ فقال قوم: ~~إنها ما تكلمت معهم بذلك لأنها كانت مأمورة بأنها تأتي بهذا النذر فلو ~~تكلمت معهم بعد ذلك لوقعت في المناقضة ولكنها سكتت وأشارت برأسها وقال ~~آخرون: إنها ما نذرت في الحال بل صبرت حتى أتاها القوم فذكرت لهم أنها نذرت ~~للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا بعد هذا الكلام # {فأتت} أي: فلما سمعت هذا الكلام اشتد قلبها وزال حزنها فأتت {به} أي: ~~عيسى {قومها} وإن كان فيهم قوة المحاولة لكل ما يريدون إتيانه البرئ الموقن ~~بأن الله معه حالة كونها {تحمله} غير مبالية بأحد ولا مستحيية واختلفوا في ~~أنها كيف أتت به؟ فقيل: ولدته ثم حلمته في الحال إلى قومها، وقيل: احتمل ~~يوسف النجار مريم وابنها إلى غار ومكثت فيه أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها ~~ثم حملته إلى قومها فكلمها في الطريق فقال يا أماه أبشري فإني عبد الله ~~ومسيحه فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين ~~قال الرازي وليس في القرآن ما يدل على التعيين ثم كأنه قيل فلما أتت به ~~قومها ماذا قالوا لها فقيل {قالوا يا مريم} ما هذا الولد؟ لأن حالها في ~~إتيانها به أمر عجيب {لقد جئت شيئا فريا} أي: عظيما منكرا فيكون ذلك منهم ~~على وجه الذم فهو من أفرى الجلد يقال أفريت الأديم إذا قطعته على جهة ~~الإفساد لا من فريته يقال فريته قطعته على جهة الإصلاح ويدل على أن مرادهم ~~الأول قولهم بعده # {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء} أي: زانيا {وما كانت أمك بغيا} أي: ~~زانية فمن أين لك هذا الولد ms1795 لأن هذا القول ظاهره التوبيخ وفي هارون هذا ~~أربعة أقوال؛ # أحدها: أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح والمراد ~~أنك كنت في الزهد كهارون فكيف صرت هكذا؟ وروي أن هارون هذا لما مات تبع ~~جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل تبركا باسمه، سوى سائر ~~الناس شبهوها به على معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح وليس المراد منه ~~الأخوة في النسب كقوله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} ~~(الإسراء، 27) # وروى المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون يا ~~أخت هارون، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سألته عن ذلك فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين ~~قبلهم» قال ابن كثير وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى ~~وهارون نسبا فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على من عنده أدنى علم ~~وكأنه غره في أول التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله ~~تعالى موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه وجنوده فاعتقد أن هذه هي تلك وهذا في ~~غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح المتقدم. # الثاني: أنه هارون أخو موسى لأنها كانت من نسله كما يقال التميمي يا أخا ~~تميم وللهمداني يا أخا همدان أي: يا واحدا منهم. # الثالث: أنه كان فاسقا في بني إسرائيل فنسبت إليه أي: شبهوها به. # الرابع: أنه كان لها أخ من أبيها يسمى هارون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت ~~به قال الرازي وهذا هو الأقرب لوجهين؛ الأول: أن الأصل في الكلام الحقيقة ~~فيحمل الكلام على أخيها المسمى بهارون الثاني: أنها # PageV02P423 # أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح فحينئذ يصير التوبيخ أشد لأن من كان حال ~~أبويه وأخيه بهذا الحال يكون صدور الذنب منه أفحش # {فأشارت إليه} أي: لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إلى عيسى عليه ~~السلام أنه هو الذي يجيبكم قال ابن مسعود لما لم يكن لها حجة أشارت إليه ~~ليكون كلامه ms1796 حجة لها وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا وقالوا سخريتها بنا ~~أشد من زناها ثم {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} لم يبلغ سن هذا ~~الكلام الذي لا يقوله إلا الأكابر العقلاء بل الأنبياء والتعبير بكان يدل ~~على أنه عند الإشارة إليه لم يحوجهم إلا أن يكلموه بل حين سمع المحاورة ~~ورأى الإشارة بدا منه قول خارق لعادة الرضعاء بل الصبيان روي أنه كان يرضع ~~فلما سمع ذلك ترك الرضاعة وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابة ~~يمينه وقيل: كلمهم ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان # تنبيه: في كان هذه أقوال أحدها: إنها زائدة وهو قول أبي عبيد أي: كيف ~~نكلم من في المهد وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار ~~والمجرور الواقع صلة. # ثانيها: أنها تامة بمعنى حدث ووجدوا والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا؟ ~~وصبيا حال من الضمير في كان قال الرازي وهذا هو الأقرب. # الثالث: أنها بمعنى صار أي: كيف نكلم من صار في المهد صبيا وصبيا على هذا ~~خبرها، فإن قيل: كيف عرفت مريم من حال عيسى أنه يتكلم؟ أجيب: بأن جبريل أو ~~عيسى عليه السلام لما ناداها من تحتها أن لا تحزني وأمرها عند رؤية الناس ~~بالسكوت صار ذلك كالتنبيه لها على أن المجيب هو عيسى عليه السلام أو لعلها ~~عرفت ذلك بالوحي إلى زكريا أو إليها على سبيل الكرامة واختلفوا في المهد ~~فقيل: هو حجرها لما روي أنها أخذته عليه السلام في خرقة فأتت به قومها فلما ~~رأوها قالوا لها ما قالوا فأشارت إليه وهو في حجرها ولم يكن لها منزل بعد ~~حتى يعد لها المهد وقيل: هو المهد بعينه والمعنى كيف نكلم صبيا سبيله أن ~~ينام في المهد وقال وهب: أتى زكريا مريم عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: ~~انطق بحجتك إن كنت أمرت بها فوصف نفسه بثمان صفات الصفة الأولى: # {قال إني عبد الله} أي: الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لا أتعبد ms1797 لغيره ~~وفي ذلك إشارة إلى أن عبد الله لا يتخذ إلها من دونه ولا يستعبده شيطان ولا ~~هوى. # الصفة الثانية: قوله تعالى {آتاني الكتاب} واختلف في ذلك الكتاب فقال ~~بعضهم هو التوراة لأن الألف واللام في الكتاب تنصرف للمعهود والكتاب ~~المعهود لهم هو التوراة وقال أبو مسلم هو الإنجيل لأن الألف واللام ههنا ~~للجنس وقال قوم التوراة والإنجيل لأن الألف واللام تفيد الاستغراق واقتصر ~~البيضاوي على الأول والبقاعي على الثالث وزاد عليه والزبور وغيرها من ~~الصحف. # الصفة الثالثة: قوله {وجعلني نبيا} واختلف في معنى ذلك فقيل معناه ~~سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا وأتى بلفظ الماضي بجعل المحقق وقوعه كالواقع ~~كما في قوله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} (النحل، 1) # وقيل: هو إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ كما قيل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم متى كنت نبيا قال كنت وآدم بين الروح والجسد وقال الأكثرون أوتي ~~الإنجيل وهو صغير طفل وكان يعقل عقل الرجال وقال الحسن ألهم التوراة وهو في ~~بطن أمه. الصفة الرابعة قوله: # {وجعلني مباركا} بأنواع البركات # PageV02P424 # {أينما} أي في أي مكان {كنت} وذكروا في تفسير المبارك وجوها. # أحدها: أن البركة في اللغة هي الثبات وأصله من بروك البعير ومعناه وجعلني ~~ثابتا على دين الله تعالى مستمرا عليه. # ثانيها: إنما كان مباركا لأنه كان يعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى طريق ~~الحق فإن ضلوا فمن قبل أنفسهم لا من قبله، روى الحسن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: سلمت أم عيسى عيسى إلى الكتاب فقالت للمعلم أدفعه إليك ~~على أن لا تضربه فقال له المعلم اكتب فقال: أي شيء أكتب؟ فقال: اكتب أبجد، ~~فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال هل تدري ما أبجد؟ فعلاه بالدرة ليضربه ~~فقال: يا مؤدب لا تضربني إن كنت لا تدري فاسألني فإنني أعلمك؛ الألف من ~~آلاء الله والباء من بهائه والجيم من جماله والدال من أداء الحق إلى الله ~~تعالى» . # ثالثها: البركة الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأحوال منجحا ~~مفلحا لأني ms1798 ما دمت أتقي الله في الدنيا أكون مستعليا على الغير بالحجة فإذا ~~جاء الوقت المعلوم أكرمني الله تعالى بالرفع إلى السماء. # رابعها: مباركا على الناس من حيث يحصل بسبب دعائه إحياء الموتى وإبراء ~~الأكمه والأبرص، وعن قتادة أن امرأة رأته وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه ~~والأبرص فقالت طوبى لبطن حملك وثدي أرضعت به فقال عيسى مجيبا لها طوبى لمن ~~تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا # تنبيه: قوله: أينما كنت يدل على أن حاله لم يتغير كما قيل أنه عاد إلى ~~حال الصغر وزوال التكليف. # الصفة الخامسة قوله: {وأوصاني بالصلاة} له طهرة للنفس {والزكاة} طهرة ~~للمال فعلا في نفسي وأمرا لغيري {ما دمت حيا} ليكون ذلك حجة على من ادعى ~~أنه إله لأنه لا شبهة في أن من يصلي إلى إله ليس بإلاه. # فإن قيل: كيف يؤمر بالصلاة والزكاة مع أنه كان طفلا والقلم مرفوع عن ~~الصغير لقوله صلى الله عليه وسلم «رفع القلم عن ثلاث» الحديث. أجيب بوجهين؛ ~~الأول: أن ذلك لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل بعد البلوغ ~~فيكون المعنى أوصاني بأدائهما في وقت وجوبهما علي وهو وقت البلوغ، الثاني: ~~أن عيسى لما انفصل صيره الله بالغا عاقلا تام الخلقة ويدل عليه قوله تعالى: ~~{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} (آل عمران، 59) # فكما أنه تعالى خلقه آدم تاما كاملا دفعة فكذا القول في عيس عليه السلام، ~~قال الرازي: وهذا أقرب إلى ظاهر اللفظ لقوله ما دمت حيا فهذ يفيد أن هذا ~~التكليف متوجه عليه جميع زمان حياته. # فإن قيل: لو كان الأمر كذلك لكان القوم حين رأوه رأوا شخصا كامل الأعضاء ~~تام الخلقة وصدور الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجبا فكان ينبغي أن لا ~~يتعجبوا. # أجيب: بأنه تعالى جعله مع صغر جثته قوي التركيب كامل العقل بحيث كان ~~يمكنه أداء الصلاة والزكاة والآية والة على أن تكليفه لم يتغير حين كان في ~~الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ms1799 ينزل. # الصفة السادسة قوله: # {وبرا} أي: وجعلني بارا ولما كان السياق لبراءة والدته قال: {بوالدتي} ~~أي: التي أكرمها الله تعالى بإحصان الفرج والحمل بي من غير ذكر وفي ذلك ~~إشارة إلى تنزيه أمه عن الزنا إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم ~~مأمورا بتعظيمها. # الصفة السابعة: قوله: {ولم يجعلني جبارا} متعاظما {شقيا} أي: عاصيا بأن ~~أفعل فعل الجبارين بغير استحقاق إنما أفعل ذلك بمن يستحق وروي عن عيسى عليه ~~السلام أنه قال قلبي لين وإني ضعيف في نفسي وعن بعض العلماء # PageV02P425 # لا أجد العاق إلا جبارا شقيا ولا أجد سي الملكية إلا مختالا فخورا وتلا ~~وما ملكت أيمانكم أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا الصفة الثامنة: قوله: # {والسلام} من الله {علي} فلا يقدر أحد على ضرى {يوم ولدت} فلا يضرني ~~شيطان {ويوم أموت} فلا يضرني أيضا ومن يولد ويموت فليس بإلاه {ويوم أبعث ~~حيا} يوم القيامة كما تقدم في يحيى عليه السلام وفي ذلك إشارة إلى أنه في ~~البشرية مثله سواء لم يفارقه أصلا إلا في كونه من غير ذكر وإذا كان جنس ~~السلام عليه كان اتباعه كذلك ولم يبق لأعدائه إلا اللعن، ونظيره قول موسى ~~عليه السلام {والسلام على من اتبع الهدى} (طه، 47) # بمعنى أن العذاب على من كذب وتولى # {ذلك} أي: الذي تقدم نعته بقوله: {إني عبد الله} إلى آخره هو {عيسى بن ~~مريم} لا ما يصفه النصارى بقولهم أنه الله أو ابنه أو إله ثالث فهو تكذيب ~~لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعل الموصوف بأضداد ~~ما يصفونه وفي ذلك تنصيص على أنه ابن هذه المرأة وقوله تعالى: {قول الحق} ~~قرأ عاصم وابن عامر بنصب اللام على أنه مصدر مؤكد والباقون بالرفع على أنه ~~خبر محذوف أي: هو قول الحق الذي لا ريب فيه والإضافة للبيان والضمير للكلام ~~السابق أو لتمام القصة ثم عجب تعالى من ضلالهم فيه بقوله تعالى {الذي فيه ~~يمترون} أي: يشكون شكا يتكلفونه ويجادلون فيه فتقول اليهود ms1800 ساحر وتقول ~~النصارى ابن الله مع أن أمه امرأة في غاية الوضوح ليس موضعا للشك أصلا ثم ~~دل على كونه حقا في كونه ابنا لأمه مريم لا غيرها بقوله ردا على من ضل # {ما كان} أي: ما صح ولا يتأتى ولا يتصور في العقول ولا يصح ولا يأتي لأنه ~~من المحال لكونه يلزم منه الحاجة {لله} الغني عن كل شيء {أن يتخذ من ولد} ~~وأكده بمن لأن المقام يقتضي النفي العام، ولما كان اتخاذ الولد من النقائص ~~أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله تعالى: {سبحانه} أي: تنزه عن كل نقص أي: ~~من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله عز وجل {إذا قضى أمرا} أي: أي ~~أمر كان أي: أراد أن يحدثه {فإنما يقول له كن} أي: يريده ويعلق قدرته به ~~وقوله تعالى: {فيكون} قرأه ابن عامر بنصب النون بتقدير أن أو على الجواب ~~والباقون بالرفع بتقدير هو وقوله: # {وإن الله ربي وربكم} إخبار عن عيسى عليه السلام أنه قال ذلك وقرأ ابن ~~عامر والكوفيون بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون بفتحها بتقدير حذف حرف ~~الجر متعلق بما بعده والتقدير ولأن الله ربي وربكم {فاعبدوه} وحده لتفرده ~~بالإحسان كما أعبده كقوله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} ~~(الحجر، 18) ، والمعنى لوحدانيته أطيعوه وقيل: إنه عطف على الصلاة والتقدير ~~وأوصاني بالصلاة وبأن الله وإليه ذهب الفراء {هذا} أي: الذي أمرتكم به ~~{صراط} أي: طريق {مستقيم} أي: يقود إلى الجنة وقرأ قنبل بالسين وخلف بإشمام ~~الصاد والباقون بالصاد الخالصة، واختلف في قوله تعالى: # {فاختلف الأحزاب من بينهم} فقيل هم النصارى واختلافهم في عيسى أهو ابن ~~الله أو إله معه أو ثالث ثلاثة وسموا أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر ~~عيسى النسطورية والملكانية واليعقوبية، وقيل: هم اليهود والنصارى فجعله ~~بعضهم ولدا وبعضهم كذابا، وقيل: هم الكفار الشامل لليهود والنصارى وغيرهم ~~من الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال # PageV02P426 # ابن عادل: وهذا هو الظاهر لأنه لا تخصيص ms1801 فيه ويؤيده قوله تعالى: {فويل ~~للذين كفروا} أي: شدة عذاب لهم {من مشهد يوم عظيم} أي: حضور يوم القيامة ~~وأهواله وقوله تعالى: # {أسمع بهم وأبصر} أي: بهم، صيغتا تعجب بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم {يوم ~~يأتوننا} في الآخرة لأن حالهم في شدة السمع والبصر جديرة بأن يتعجب منها ~~فيندمون حيث لا ينفعهم الندم ويتمنون المحال من الرجوع إلى الدنيا ~~ليتداركوا فلا يجابون إلى ذلك بل يسلك بهم في كل ما يؤذيهم ويهلكهم ويرديهم ~~وقوله تعالى: {لكن الظالمون} من إقامة الظاهر مقام المضمر إشعارا بأنهم ~~ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر والأصل ولكنهم {اليوم} أي: في ~~الدنيا {في ضلال مبين} أي: بين بذلك الضلال صموا عن سماع الحق وعموا عن ~~إبصاره أي: اعجب منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة بعد أن كانوا ~~في الدنيا صما وعميا، وقيل: معناه التهديد بما سيسمعونه وسيبصرون ما يسوءهم ~~ويصدع قلوبهم ثم إن الله تعالى أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن ينذر ~~قومه بقوله: # {وأنذرهم} أي: خوفهم {يوم الحسرة} هو يوم القيامة يتحسر فيه المسيء على ~~ترك الإحسان والمحسن على عدم الازدياد من الإحسان لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «ما من أحد يموت إلا ندم قالوا وما ندمه يا رسول الله قال إن كان ~~محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع» وفي قوله ~~تعالى: {إذ قضى الأمر} وجوه: # أحدها: إذ قضى الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب. # ثانيها: إذ قضى الأمر يوم الحسرة بفناء الدنيا وزوال التكليف. # ثالثها: قضى الأمر فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ~~وذبح الموت كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: {إذ ~~قضي الأمر} فقال: «حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ~~ينظران فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح وأهل النار غما إلى غم» وقوله تعالى: ~~{وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} جملتان حاليتان وفيهما قولان؛ أحدهما: ms1802 أنهما ~~حالان من الضمير المستتر في قوله في ضلال مبين أي: استقروا في ضلال مبين ~~على هاتين الحالتين السيئتين، والثاني: أنهما حالان من مفعول أنذرهم أي: ~~أنذرهم على هذه الحالة وما بعدها وعلى الأول يكون قوله وأنذرهم اعتراضا ~~والمعنى وهم في غفلة عما يفعل بهم في الآخرة وهم لا يصدقون بذلك اليوم ولما ~~كان الإرث هو حوز الشيء بعد موت أهله وكان سبحانه وتعالى قد قضى بموت ~~الخلائق أجمعين وأنه تعالى يبقى وحده عبر عن ذلك بالإرث مقررا به مضمون ~~الكلام السابق فقال مؤكدا تكذيبا لقولهم: إن الدهر لا يزال هكذا حياة لناس ~~وموت لآخرين # {إنا نحن} بعظمتنا التي اقتضت ذلك {نرث الأرض} فلا ندع بها شيئا من عاقل ~~ولا غيره ولما كان العاقل أقوى من غيره صرح به بعد دخوله فقال {ومن عليها} ~~أي: من العقلاء بأن نسلبهم جميع ما في أيديهم {وإلينا} لا إلى غيرنا ~~{يرجعون} فنجازيهم بأعمالهم. # القصة الثالثة: قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {واذكر في الكتاب إبراهيم} أي: خبره وقرأ هشام إبراهام بألف بعد الهاء ~~والباقون بالياء وإنما أمر الله تعالى نبيه بالذكر لذلك؛ لأنه صلى الله ~~عليه وسلم ما كان هو ولا قومه ولا أهل بلده مشتغلين بالتعليم ومطالعة الكتب ~~فإذا أخبر # PageV02P427 # عن هذه القصة كما كانت من غير زيادة ولا نقصان كان ذلك إخبارا عن الغيب ~~ومعجزا باهرا دالا على نبوته، وإنما ذكر الاعتبار بقصة إبراهيم عليه السلام ~~لوجوه: # الأول: أن منكري التوحيد والذين أثبتوا توحيدا ومعبودا سوى الله تعالى ~~فريقان منهم من أثبت معبودا غير الله تعالى حيا عاقلا وهم النصارى، ومنهم ~~من أثبت معبودا غير الله تعالى جمادا ليس بحي ولا عاقل وهم عبدة الأوثان ~~والفريقان وإن اشتركا في الضلال، إلا أن ضلال عبدة الأوثان أعظم فلما بين ~~الله تعالى ضلال الفريق الأول تكلم في ضلال الفريق الثاني وهم عبدة ~~الأوثان. # الثاني: أن إبراهيم عليه السلام كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلو شأنه ~~وطهارة دينه على ما قال تعالى ms1803 أبيكم إبراهيم، وقال تعالى: {ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم إلا من سفه نفسه} (البقرة، 130) # فكأنه تعالى قال للعرب: إن كنتم مقلدين لأبيكم على قولكم: {إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة} (الزخرف، 22) # فأشرف آبائكم وأعلاهم قدرا هو إبراهيم عليه السلام فقلدوه في ترك عبادة ~~الأصنام والأوثان، وإن كنتم مستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها ~~إبراهيم عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا إبراهيم ~~إما تقليدا وإما استدلالا. # الثالث: أن كثيرا من الكفار في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يقولون نترك دين آبائنا وأجدادنا فذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام ~~وهو أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل ورجح متابعة الدليل على متابعة ~~أبيه ثم قال تعالى في صفة إبراهيم {إنه كان} جبلة وطبعا {صديقا} أي: بليغ ~~الصدق في نفسه في أقواله وأفعاله أي: كان من أول وجوده إلى انتهائه موصوفا ~~بالصدق والصيانة وسيأتي الكلام على قوله: {بل فعله كبيرهم هذا} (الأنبياء، ~~63) # {وإني سقيم} (الصافات، 89) # في محله ولما كانت مرتبة النبوة أرفع من مرتبة الصديقية قال تعالى: ~~{نبيا} أي: استنبأه الله تعالى: # إذ لا رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه وبين عباده وقوله تعالى ~~{إذ قال} بدل من إبراهيم وما بينهما اعتراض أو متعلق بكان أو بصديقا نبيا ~~أي: كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين قال {لأبيه} آزر هاديا له من ~~تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفا له في كل جملة بقوله: {يا أبت} والتاء ~~عوض عن ياء الإضافة ولا يجمع بينهما وقرأ ابن عامر بفتح التاء في الوصل ~~والباقون بكسرها وأما الوقف فوقف ابن كثير وابن عامر بالهاء والباقون ~~بالتاء، ثم إن الله تعالى حكى عنه أيضا: أنه تكلم مع أبيه بأربعة أنواع من ~~الكلام النوع الأول قوله: {لم تعبد} مريدا بالاستفهام المجاملة واللطف ~~والرفق واللين والأدب الجميل في نصحه له كاشفا الأمر غاية الكشف بقوله: {ما ~~لا يسمع ولا يبصر} أي: ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت ~~فيه من خدمته ms1804 أو يجيبك إذا ناديته حالا أو مآلا {ولا يغني عنك شيئا} في جلب ~~نفع ودفع ضر فوصف الأوثان بصفات ثلاث كل واحدة منها قادحة في الآلهية وبيان ~~ذلك من وجوه: # أحدها: أن العبادة غاية التعظيم فلا تستحق إلا لمن له غاية الإنعام وهو ~~الإله الذي منه أصول النعم وفروعها على ما تقرر في تفسير قوله: {وإن الله ~~ربي وربكم} (مريم، 36) # وكما أنه لا يجوز الاشتغال بشكر ما لم تكن منعمة وجب أن لا يجوز الاشتغال ~~بعبادتها. # وثانيها: أنها إذا لم تسمع ولا تبصر ولا تميز من يطيعها عمن يعصيها فأي ~~فائدة في عبادتها؟ وهذا تنبيه على أن الإله يجب أن يكون عالما بكل ~~المعلومات. # PageV02P428 # وثالثها: أن الدعاء مخ العبادة فإذا لم يسمع الوثن دعاء الداعي فأي منفعة ~~في عبادته وإذا لم يبصر تقرب من يتقرب إليه فأي منفعة في ذلك التقرب. # ورابعها: أن السامع المبصر الضار النافع أفضل ممن كان عاريا عن كل ذلك ~~والإنسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل ~~عبودية الأخس. # وخامسها: إن كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى بها منفعة ولا يخاف من ضررها ~~فأي فائدة في عبادتها؟. # وسادسها: إذا كانت لا تحفظ نفسها عن الكسر والإفساد حين جعلها إبراهيم ~~عليه السلام جذاذا فأي رجاء فيها للغير؟ فكأنه عليه السلام قال: ليست ~~الإلهية إلا لرب يسمع ويبصر ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه، النوع الثاني: ~~قوله: # {يا أبت إني قد جاءني} من المعبود الحق {من العلم ما لم يأتك} منه ~~{فاتبعني} أي: فتسبب من ذلك أني أقول لك وجوبا علي للنهي عن المنكر ونصيحة ~~لمالك علي من الحق اجتهد في تبعي {أهدك صراطا} أي: طريقا {سويا} أي: ~~مستقيما كما أني لو كنت معك في طريق محسوس وأخبرتك أن أمامنا مهلكا لا ينجو ~~منه أحد وأمرتك أن تسلك مكانا غير ذلك لأطعتني ولو عصيتني فيه عدك كل أحد ~~غاويا. # النوع الثالث: قوله: # {يا أبت لا تعبد الشيطان} فإن الأصنام ليس لها دعوة أصلا ms1805 والله تعالى قد ~~حرم عبادة غيره مطلقا على لسان كل ولي فتعين أن يكون الآمر بذلك الشيطان ~~فكأنه هو المعبود بعبادتها في الحقيقة ثم علل هذا النهي بقوله {أن الشيطان} ~~البعيد من كل خير المحترق باللعنة {كان للرحمن عصيا} بالقوة من حين خلق ~~وبالفعل من حين أمره بالسجود لأبيك آدم عليه السلام فأبى فهو عدو لله وله ~~والمطيع للعاصي لشيء عاص لذلك الشيء لأن صديق العدو عدو. # فإن قيل: هذا القول يتوقف على إثبات أمور؛ أحدها: إثبات الصانع، وثانيها: ~~إثبات الشيطان، وثالثها: أن الشيطان عاص، ورابعها: أنه لما كان عاصيا لم ~~تجز طاعته، وخامسها: أن الاعتقاد الذي كان عليه آزر مستفاد من طاعة الشيطان ~~ومن شأن الدلالة التي تورد على الشخص أن تكون مركبة من مقدمات معلومة ~~ليسلمها الخصم ولعل إبراهيم كان منازعا في هذه المقدمات وكيف والمحكي عنه ~~أنه ما كان يثبت إلها سوى نمروذ فكيف يسلم وجود الرحمن وإذا لم يسلم وجوده ~~فكيف يسلم أن الشيطان عاص للرحمن وبتقدير تسليم ذلك فكيف يسلم الخصم بمجرد ~~هذا الكلام أن مذهبه مقتبس من الشيطان بل لعله يغلب ذلك على خصمه؟ وأجيب: ~~بأن الحجة المعول عليها في إبطال مذهب آزر هو قوله: {لم تعبد ما لا يسمع ~~ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا} وهذا الكلام جرى مجرى التخويف والتحذير الذي ~~يحمله على النظر في تلك الدلالة فيسقط السؤال. النوع الرابع قوله: # {يا أبت إني أخاف} لمحبتي لك وعزتي عليك {أن يمسك عذاب} أي: كائن {من ~~الرحمن} الذي هو مولى كل من تولاه لعصيانك إياه {فتكون} أي: فتسبب عن ذلك ~~أن تكون {للشيطان وليا} أي: ناصرا وقرينا في النار ولما دعا إبراهيم عليه ~~السلام أباه إلى التوحيد وذكر الدلائل على فساد عبادة الأوثان وأردف تلك ~~الدلائل بالوعظ البليغ وأورد كل ذلك مقرونا بالرفق واللطف قابله أبوه بجواب ~~يضاد ذلك فقابل حجته بالتقليد فإنه لم يذكر في مقابلة حجته إلا أن # n # {قال أراغب أنت عن آلهتي} بإضافتها إلى نفسه # PageV02P429 # فقط إشارة إلى ms1806 مبالغته في تعظيمها والرغبة عن الشيء تركه عمدا فأصر على ~~ادعاء إلهيتها جهلا وتقليدا وقابل قوله بالرفق يا أبت بالعنف حيث لم يقل يا ~~بني بل قال {يا إبراهيم} وقابل وعظه بالسفاهة حيث هدده بالضرب والشتم بقوله ~~مقسما {لئن لم تنته} عما أنت عليه {لأرجمنك} أي: لأقتلنك أو لأرجمنك ~~بالحجارة حتى تموت أو تبعد عني أو بالكلام القبيح فاحذرني {واهجرني} أي: ~~بعد عني بالمفارقة من الدار والبلد وهي كهجرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين أي: تباعد عني {مليا} أي: دهرا طويلا لكي لا أراك، وقيل: اهجرني ~~بالقول ولا تخاطبني دهرا طويلا لأجل ما صدر منك من هذا الكلام وفي ذلك ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسية فيما كان يلقى من الأذى ويقاسي من ~~قومه من العناد ومن عمه أبي لهب من الشدائد بأعظم آبائه وأقربهم به شبها، ~~فلما سمع إبراهيم عليه السلام كلام أبيه أجاب بأمرين أحدهما أن # {قال} له مقابلا لما كان منه من طيش الجهل بما يحق لمثله من رزانة العقل ~~والعلم {سلام عليك} توديع ومتاركة أي: سلمت مني لا أصيبك بمكروه ما لم أؤمر ~~فيك بشيء فإنه لم يؤمر بقتاله على كفره كقوله: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} (القصص، 55) # {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان، 63) # وهذا يدل على جواز متاركة المنصوح إذا ظهر منه اللجاج وعلى أنه يحسن ~~مقابلة الإساءة بالإحسان ويجوز أن يكون دعاء له بالسلامة استمالة، ألا ترى ~~أنه وعده بالاستغفار فيكون سلام بر ولطف وهو جواب الحليم للسفيه كقوله ~~تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان، 63) # ثم استأنف قوله: {سأستغفر لك ربي} أي: المحسن إلي بأن أطلب لك منه غفران ~~ذنوبك بأن يوفقك للإسلام {إنه كان بي حفيا} أي: مبالغا في إكرامي مرة بعد ~~مرة وكرة في إثر كرة وقد وفى بوعده بقوله المذكور في الشعراء: {واغفر لأبي} ~~(الشعراء، 86) # وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو لله كما ذكره في براءة، وثانيهما: أنه قال ~~له انقيادا لأمر أبيه ms1807 # {وأعتزلكم} أي: جميعا بترك بلادكم وأشار إلى أن من شرط المعبود أن يكون ~~أهلا للمناداة في الشدائد بقوله {وما تدعون} أي: تعبدون {من دون الله} الذي ~~له الكمال كله فمن أقبل عليه وحده أصاب ومن أقبل على غيره ولو طرفة عين فقد ~~خاب وخسر {وأدعو} أي: أعبد {ربي} وحده لاستحقاقه ذلك مني ولم يقيد الاعتزال ~~بزمن بل أشار إلى أنهم ما داموا على هذا الدين فهو معتزل لهم ثم دعا لنفسه ~~بما ينبههم به على خسة مسعاهم فقال غير جازم بإجابة دعوته وقبول عبادته ~~إجلالا لربه وهضما لنفسه {عسى أن لا أكون بدعاء ربي} المنفرد بالإحسان إلي ~~{شقيا} أي: كما شقيتم بعبادة الأصنام فإنها لا تجيب دعاءكم ولا تنفعكم ولا ~~تضركم ولما رأى من أبيه ومعاشرته ما رأى عزم على غربة مشقة النوى مختارا ~~للغربة في البلاد على غربة الأضداد فكان كما قال الإمام أبو سليمان ~~الخطابي: # *وما غربة الإنسان في شقة النوى # ... ولكنها والله في عدم الشكل # *وإني غريب بين بست وأهلها # ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي # وحقق ما عزم عليه فبين سبحانه وتعالى تحقيق رجائه وإجابة دعائه فقال: # {فلما اعتزلهم} أي: بالهجرة إلى الأرض المقدسة {وما يعبدون من دون الله} ~~لم يضره ذلك دينا ولا دنيا بل نفعه # PageV02P430 # وعوضه الله أولادا كما قال تعالى {وهبنا له} كما هو الشأن في كل من ترك ~~شيئا لله {إسحاق} ولدا له لصلبه من زوجته العاقر العقيم بعد تجاوزها سن ~~اليأس وأخذه هو في السن إلى حد لا يولد لمثله {ويعقوب} ولدا لإسحاق وخصهما ~~بالذكر للزومهما محل إقامته وقيامهما بعد موته بخلافته فيه وأما إسماعيل ~~عليه السلام فكان الله سبحانه وتعالى هو المتولي لتربيته بعد نقله رضيعا ~~إلى المسجد الحرام وإحيائه تلك المشاعر العظام فأفرده بالذكر جاعلا له أصلا ~~برأسه بقوله بعد {واذكر في الكتاب إسماعيل} فترك ذكره مع إسحاق الذي هو ~~أخوه لذلك ثم صرح بما وهب لأولاده جزاء على هجرته بقوله تعالى: {وكلا} أي: ~~منهما {جعلنا نبيا} عالي المقدار ms1808 ويخبر بالأخبار العظيمة كما جعلنا إبراهيم ~~عليه السلام نبيا # {ووهبنا لهم} كلهم {من رحمتنا} أي: شيئا منها عظيما من النسل الطاهر ~~والذرية الطيبة وإجابة الدعاء واللطف في القضاء والبركة في المال والأولاد ~~وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} وهو الثناء ~~الحسن وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهو ~~العطية واستجاب الله تعالى دعوته في قوله تعالى: {واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين} (الشعراء، 84) # فصيره قدوة حتى ادعاه أهل الأديان كلهم فقال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم} ~~(الحج، 87) # وقد اجتمعت فيه خصال لم تجتمع في غيره أولها أنه اعتزل عن الخلق على ما ~~قال {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} فلا جرم بارك الله له في أولاده ~~فقال: {ووهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا} . ثانيها: أنه تبرأ من أبيه ~~كما قال عز وجل {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} (التوبة، 114) # لا جرم سماه الله أبا المسلمين فقال: ملة أبيكم إبراهيم ثالثها: تل ولده ~~للجبين ليذبحه في الله على ما قال تعالى: {وتله للجبين} (الصافات، 103) # لا جرم فداه الله تعالى على ما قال {وفديناه بذبح عظيم} (الصافات، 107) # . رابعها: أسلم نفسه فقال: {أسلمت لرب العالمين} فجعل الله تعالى النار ~~بردا وسلاما عليه فقال: {يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} (الأنبياء، ~~69) # خامسها: أشفق على هذه الأمة فقال: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} (البقرة، ~~129) # لا جرم أشركه الله تعالى في الصلوات في قوله: {كما صليت على إبراهيم وعلى ~~آل إبراهيم} سادسها: وفي حق سارة في قوله تعالى: {وإبراهيم الذي وفى} ~~(النجم، 37) # لا جرم جعل موطئ قدميه مباركا {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} (البقرة، ~~125) # سابعها: عادى كل الخلق في الله فقال فإنهم عدو لي إلا رب العالمين فاتخذه ~~الله خليلا كما قال: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} (النساء، 125) # ليعلم صحة قولنا ما خير على الله أحدا. # القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى # {واذكر في الكتاب} أي: الذي لا كتاب مثله ms1809 في الكمال {موسى} أي: الذي أنقذ ~~الله به بني إسرائيل من العبودية ثم إن الله تعالى وصفه بأمور أحدها قوله ~~تعالى: {إنه كان مخلصا} قرأه عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام أي: مختارا ~~اختاره الله تعالى واصطفاه وقيل أخلصه الله تعالى من الدنس والباقون بالكسر ~~أي: أخلص التوحيد لله والعبادة ومتى ورد القرآن بقراءتين فكل منهما ثابت ~~مقطوع به فجعل الله تعالى من صفة موسى عليه السلام كلا الأمرين. ثانيها: ~~قوله تعالى: {وكان رسولا} إلى بني إسرائيل والقبط {نبيا} ينبئه الله بما ~~يريد من وحيه لينبئ به المرسل إليهم فيرتفع بذلك قدره فلذلك صرح بها بعد ~~دخولها في الرسالة ضمنا إذ كل رسول نبي وليس # PageV02P431 # كل نبي رسولا خلافا للمعتزلة فإنهم زعموا كونهما متلازمين فكل رسول نبي ~~وكل نبي رسول وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة الحج عند ~~قوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} (الحج، 52) # ثالثها: قوله تعالى: # {وناديناه} أي: بما لنا من العظمة {من جانب الطور} هو اسم جبل {الأيمن} ~~أي: الذي يلي يمين موسى حين أقبل من مدين فأنبأناه هناك حين كان متوجها إلى ~~مصر بأنه رسولنا ثم واعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون فكان لبني إسرائيل به ~~من العجائب في رحمتهم بإنزال الكتاب والإلذاذ بالخطاب من جوف السحاب وفي ~~إماتتهم لما طلبوا الرؤية ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف. رابعها: ~~قوله تعالى {وقربناه} بما لنا من العظمة تقريب تشريف حالة كونه {نجيا} ~~نخبره من أمرنا بلا واسطة من النجوى وهي السر والكلام بين اثنين كالسر وقيل ~~قرب مكان أي: مكانا عاليا، عن أبي العالية أنه قرب حتى سمع صرير القلم حيث ~~يكتب التوراة في الألواح وقيل أنجيناه من أعدائه، خامسها: قوله تعالى: # {ووهبنا له} أي: هبة تليق بعظمتنا {من رحمتنا} أي: من أجل رحمتنا أو بعض ~~رحمتنا {أخاه} أي: معاضدة أخيه وموازرته لا شخصه وإخوته وذلك إجابة لدعوته ~~{واجعل لي وزيرا من أهلي هارون} (طه: 29، 30) # فإنه كان أسن من ms1810 موسى # تنبيه: أخاه مفعول أو بدل على تقدير أن تكون من للتبعيض وقوله: {هارون} ~~عطف بيان وقوله {نبيا} حال منه هي المقصودة بالهبة. # القصة الخامسة: قصة إسماعيل عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {واذكر في الكتاب إسماعيل} بن إبراهيم عليهما السلام الذين هم معترفون ~~بنبوته ومفتخرون برسالته وأبوته فلزم من ذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك بأنك ~~من البشر ثم إن الله تعالى وصف إسماعيل بأمور: # أولها: قوله تعالى: {إنه كان} أي: جبلة وطبعا {صادق الوعد} في حق الله ~~وفي حق غيره لمعونة الله له على ذلك بسبب أنه لا يعد وعدا إلا مقرونا ~~بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبره بأمر ذبحه: {ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين} (الصافات، 102) # وخصه بالمدح به وإن كان الأنبياء كلهم كذلك لقصة الذبح فلا يلزم منه ~~تفضيله مطلقا وروي عن ابن عباس أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره ~~سنة وروي أن عيسى عليه السلام قال له رجل انتظرني حتى آتيك فقال عليه ~~السلام نعم وانطلق الرجل ونسي الميعاد فجاء إلى حاجته إلى ذلك المكان وعيسى ~~عليه السلام هناك للميعاد، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه واعد ~~رجلا ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى غروب الشمس» وسئل الشعبي عن ~~الرجل يعد ميعادا إلى أي وقت ينتظره؟ قال: فإن واعده نهارا فكل النهار وإن ~~واعده ليلا فكل الليل، وسئل إبراهيم بن زيد عن ذلك فقال: إذا واعدته في وقت ~~الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى. # ثانيها: قوله تعالى: {وكان رسولا نبيا} قد مر تفسيره. وثالثها: قوله ~~تعالى: # {وكان يأمر أهله بالصلاة} أي: التي هي طهرة البدن وقرة العين وخير العون ~~على جميع المآرب {والزكاة} أي: التي هي طهرة المال كما أوصى الله تعالى ~~بذلك جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمراد بالأهل قومه، وقيل: أهله ~~جميع أمته كان رسولا إلى جرهم قاله الأصفهاني وإلى أهل تلك البراري بدين ~~أبيه إبراهيم والمراد بالصلاة قال ابن عباس: يريد التي افترضها الله تعالى ~~عليهم قال ms1811 # PageV02P432 # البغوي وهي الحنيفية التي افترضت علينا قيل كان يبدأ بأهله في الأمر ~~بالعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم كما قال تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} ~~(الشعراء، 214) # {وأمر أهلك بالصلاة} (طه، 132) # {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} (التحريم، 6) # وبالزكاة قال ابن عباس إنها طاعة الله والإخلاص فكأنه تأوله على ما يزكو ~~به الفاعل عند ربه تعالى والظاهر كما قال ابن عادل إن الزكاة إذا قرنت ~~بالصلاة أن يراد بها الصدقات الواجبة. # رابعها: قوله تعالى: {وكان عند ربه} بعبادته على حسب ما أمره به {مرضيا} ~~وهذا في نهاية المدح لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعة بأعلى ~~الدرجات فاقتد أنت به فإنه من أجل آبائك لتجمع بين طهارة القول والبدن ~~والمال فتنال رتبة الرضا. # القصة السادسة: قصة إدريس عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {واذكر في الكتاب} أي: الجامع لكل ما يحتاج إليه حتى ما يحتاج إليه من ~~قصص المتقدمين والمتأخرين {إدريس} وهو جد أبي نوح عليه السلام قيل: سمي ~~إدريس لكثرة دراسته الكتب واسمه أحنوخ بمهملة ونون وآخره خاء معجمة وصفه ~~الله تعالى بأمور أحدها: وثانيها: قوله تعالى: {إنه كان صديقا نبيا} أي: ~~صادقا في أفعاله وأقواله ومصدقا بما آتاه الله من آياته وعلى ألسنة ~~الملائكة، ثالثها: قوله تعالى: # {ورفعناه مكانا عليا} وفيه قولان: # أحدهما: أنه من رفع المنزلة كقوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ~~{ورفعنا لك ذكرك} (الإنشراح، 40) # فإن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وهو أول من خط ~~بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا من ~~قبله يلبسون الجلود وأول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار. # وثانيهما: أنه من رفعة المكان ثم اختلفوا فقال بعضهم: رفعه الله تعالى ~~إلى السماء الرابعة وهي التي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بها ليلة ~~الإسراء وقيل: إلى الجنة وهو حي لا يموت وقالوا أربعة من الأنبياء أحياء ~~اثنان في الأرض الخضر وإلياس واثنان في السماء عيسى وإدريس وقال وهب كان ~~يرفع لإدريس كل يوم من العبادة ما ms1812 يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه فعجبت منه ~~الملائكة واشتاق له ملك الموت فاستأذن ربه في زيارته فأذن له فأتاه في صورة ~~بني آدم وكان إدريس يصوم الدهر فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن ~~يأكل معه ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس وقال له الليلة الثالثة: إني ~~أريد أن أعلم من أنت، قال أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك فقال: لي ~~إليك حاجة قال ما هي قال تقبض روحي فأوحى الله تعالى إليه أن اقبض روحه، ~~فقبض روحه وردها إليه بعد ساعة، فقال له ملك الموت: ما الفائدة في سؤالك ~~قبض الروح؟ قال لأذوق كرب الموت وغمته فأكون أشد استعداد له، ثم قال له ~~إدريس: إن لي إليك حاجة أخرى، قال: وما هي قال ترفعني إلى السماء لأنظر ~~إليها وإلى الجنة والنار فأذن الله تعالى له في ذلك فرفعه فلما قرب من ~~النار قال: لي إليك حاجة، قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكا أن يفتح أبوابها ~~فأردها، ففعل ثم قال: كما أريتني النار فأرني الجنة فذهب به إلى الجنة ~~فاستفتح ففتح أبوابها فأدخله الجنة ثم قال له ملك الموت اخرج لتعود إلى ~~مكانك فتعلق بشجرة وقال ما أخرج منها فبعث الله تعالى ملكا حكما بينهما، ~~فقال له الملك: ما لك لا تخرج؟ قال: إن الله تعالى قال: {كل نفس ذائقة ~~الموت} (آل عمران، 185) # وقد # PageV02P433 # ذقته، وقال: {وإن منكم إلا واردها} (مريم، 71) # وقد وردتها وقال: {وما هم منها بمخرجين} (الحجر، 48) # فلست أخرج فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبإذني لا ~~يخرج فهو حي هناك، وقال آخرون: بل رفع إلى السماء وقبض روحه. # وقال كعب الأحبار: إن إدريس سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال ~~يا رب إني مشيت يوما فكيف يمشي من يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد ~~اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما ~~لا يعرفه فقال: يا رب خففت عني حر ms1813 الشمس فما الذي قضيت فيه؟ فقال تعالى: إن ~~عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته قال يا رب اجعل بيني ~~وبينه خلة، فأذن له حتى أتى إدريس فكان إدريس يسأله فكان مما سأله أن قال ~~له: إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي ليؤخر ~~أجلي فازداد شكرا وعبادة، فقال الملك: لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ~~وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملك الموت فقال ~~لي حاجة إليك لي صديق من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله فقال ليس ذلك إلي ~~ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيقدم لنفسه قال نعم فنظر في ديوانه فقال: إنك ~~كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا، قال: وكيف ذلك؟ قال: لا أجده يموت إلا ~~عند مطلع الشمس، قال: إني أتيتك وتركته هناك، قال: فانطلق فلا أراك تجده ~~إلا وقد مات فو الله ما بقي من أجل إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتا. ولما ~~انقضى كشف هذه الأخبار العلية المقدار الجليلة الأسرار شرع سبحانه وتعالى ~~ينسب أهلها بأشرف نسبهم ويذكر المنن بينهم، فقال عز من قائل: # {أولئك} أي: العالو الرتبة الشرفاء النسب المذكورون في هذه السورة من لدن ~~زكريا إلى إدريس وهو مبتدأ وقوله {الذين أنعم الله عليهم} بما خصهم به من ~~مزيد القرب إليه وعظيم المنزلة لديه صفة له وقوله تعالى {من النبيين} أي: ~~المصطفين بالنبوة الذين أنبأهم الله تعالى بدقائق الحكم ورفع محالهم بين ~~الأمم بيان لهم وهو في معنى الصفة وما بعده إلى جملة الشرط صفة للنبيين ~~فقوله: {من ذرية آدم} أي: إدريس لقربه منه لأنه جد أبي نوح {وممن حملنا مع ~~نوح} في السفينة أي: إبراهيم ابن ابنه سام {ومن ذرية إبراهيم} أي: إسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب {و} من ذرية {إسرائيل} وهو يعقوب أي: موسى وهارون وزكريا ~~ويحيى وكذا عيسى لأن مريم من ذريته {وممن هدينا} إلى أقوم الطرق {واجتبينا} ~~للنبوة والكرامة أي: من جملتهم. وخبر أولئك {إذا تتلى ms1814 عليهم} من أي: تال ~~كان {آيات الرحمن خروا سجدا} للمنعم عليهم تقربا إليه لما لهم من البصائر ~~النيرة في ذكر نعمه عليهم وإحسانه إليهم {وبكيا} خوفا منه وشوقا إليه ~~فكونوا مثلهم # تنبيه: سجدا حال مقدرة قال الزجاج لأنهم وقت الخرور ليسوا سجدا وهو جمع ~~ساجد وبكيا جمع باك وليس بقياس بل قياس جمعه على فعلة كقاض وقضاة ولم يسمع ~~فيه هذا الأصل وأصل بكيا بكويا قلبت الواو ياء والضمة كسرة، واختلف في هذا ~~السجود فقال بعضهم: إنه الصلاة وقال بعضهم: سجود التلاوة على حسب ما تعبدوا ~~به. قال الرازي: ثم يحتمل أن يكون المراد سجود القرآن ويحتمل أنهم عند ~~الخوف كانوا قد تعبدوا بسجود فيفعلون ذلك لأجل ذكر السجود في الآية انتهى. # وروى ابن # PageV02P434 # ماجه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اتلوا القرآن وابكوا ~~فإن لم تبكوا فتباكوا» وعن صالح المزني قرأت القرآن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المنام فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟ وعن ابن ~~عباس: إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين ~~أحدكم فليبك قلبه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما غرغرت عين بماء ~~إلا حرم الله تعالى على النار جسدها» وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~القرآن نزل محزنا فإذا قرأتموه فتحازنوا» وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «لا يلج النار من بكى من خشية الله» . # وقال العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بآيتها فإن قرأ آية تنزيل ~~السجدة قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن ~~أكون من المتكبرين عن أمرك، وإذا قرأ سجدة سبحان قال اللهم اجعلني من ~~الباكين إليك الآسفين لك، وإن قرأ هذه قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم ~~عليهم المهتدين الباكين عند تلاوة آيات كتابك وقرأ حمزة والكسائي بكيا بكسر ~~الباء والباقون بضمها ولما وصف سبحانه وتعالى هؤلاء الأنبياء بصفة المدح ~~ترغيبا لنا في التأسي بهم ms1815 ذكر بعدهم من هو بالضد منهم فقال: # {فخلف من بعدهم} أي: في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعا {خلف} ~~في غاية الرداءة من أولادهم يقال خلفه إذا عقبه خلف سوء بإسكان اللام ~~والخلف بفتح اللام الصالح كما قالوا وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر ~~وفي الحديث: «في الله خلف من كل هالك» وفي الشعر: # *ذهب الذي يعاش في أكنافهم # ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # وقال السدي: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم وقال قتادة: في {أضاعوا الصلاة} ~~تركوا الصلاة المفروضة، وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها، وقال ~~سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا يصلي العصر حتى ~~تغرب الشمس. {واتبعوا الشهوات} أي: المعاصي قال ابن عباس: هم اليهود تركوا ~~الصلاة المفروضة وشربوا الخمور واستحلوا نكاح الأخت من الأب، وقال مجاهد: ~~هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة ~~{فسوف يلقون غيا} وهو كما قال وهب وابن عباس: واد في جهنم بعيد قعره تستعيذ ~~منه أوديتها كما رواه الحاكم وصححه، وقيل: هو الخسران وقيل هو الشر كقول ~~القائل: # *فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # على الغي متعلق بلائما وقيل: يلقون جزاء الغي كقوله يلق أثاما أي: مجازاة ~~الآثام # تنبيه: قوله تعالى: يلقون ليس معناه يرون فقط بل معناه الاجتماع ~~والملابسة مع الرؤية. ولما أخبر تعالى عن هؤلاء بالخيبة فتح لهم باب التوبة ~~وحداهم إلى غسل هذه الحوبة بقوله: # {إلا من تاب} أي: مما هو عليه من الضلال وبادر بالأعمال وحافظ على ~~الصلوات وكف نفسه عن الشهوات {وآمن} بما أخذ عليه به العهد {وعمل} بعد ~~إيمانه تصديقا له {صالحا} من الصلوات والزكوات وغيرها {فأولئك} العالو ~~الهمم الطاهرو الشيم {يدخلون الجنة} التي وعد المتقون {ولا يظلمون} من ظالم ~~ما {شيئا} من أعمالهم. فإن قيل: الاستثناء دل على أنه لا بد من التوبة ~~والإيمان والعمل # PageV02P435 # الصالح وليس الأمر كذلك لأن من تاب عن ms1816 كفره ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت ~~المرأة حائضا فإنه لا يجب عليهم الصلاة والزكاة أيضا غير واجبة وكذلك الصوم ~~فهذا لو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر منه عمل فلم ~~يجز توقف الأجر على العمل الصالح؟ أجيب بأن هذه الصورة نادرة والأحكام إنما ~~تناط بالأعم الأغلب # تنبيه: في هذا الاستثناء وجهان قال ابن عادل أظهرهما: أنه متصل وقال ~~الزجاج: هو منقطع وهذا بناء منه على أن المضيع للصلاة من الكفار ووافق ~~الزجاج الجلال المحلي. ولما ذكر تعالى في التائب أنه يدخل الجنة وصفها ~~بأمور أحدها قوله تعالى: # {جنات عدن} أي: إقامة لا يظعن عنها بوجه من الوجوه وصفها بالدوام على ~~خلاف وصف الجنان في الدنيا التي لا تدوم ثم بين تعالى أنها {التي وعد ~~الرحمن عباده} الذين هو أرحم بهم وقوله {بالغيب} فيه وجهان؛ أحدهما: أن ~~الباء حالية وفي صاحب الحال احتمالان؛ أحدهما: ضمير الجنة وهو عائد الموصول ~~أي: وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها، والثاني: عباده أي: وهم غائبون ~~عنها لا يرونها إنما آمنوا بها بمجرد الأخبار منه. والوجه الثاني: أن الباء ~~سببية أي: بسبب تصديق الغيب وسبب الإيمان به ولما كان من شأن الوعود ~~الغائبة على ما يتعارفه الناس بينهم احتمال عدم الوقوع بين أن وعده ليس ~~كذلك بقوله تعالى: {إنه كان} أي: كونا هو سنة ماضية {وعده مأتيا} أي: ~~مقصودا بالفعل فلا بد من وقوعه فهو كقوله إن كان وعد ربنا لمفعولا ثانيها ~~قوله تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا} وهو فضول الكلام وما لا طائل تحته وفيه ~~تنبيه ظاهر على تجنب اللغو واتقائه حيث نزه الله تعالى عنه الدار الآخرة ~~التي لا تكليف فيها، وقد مدح الله تعالى أقواما بقوله: {وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما} (الفرقان، 72) # {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام ~~عليكم لا نبتغي الجاهلين} (القصص، 55) # نعوذ بالله من اللغو والجهل والخوض فيما لا يعنينا وقوله تعالى: {إلا ~~سلاما} استثناء منقطع أي: ولكن يسمعون ms1817 قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة ~~أو سلاما من الله أو من الملائكة أو من بعضهم على بعض ويجوز أن يراد باللغو ~~مطلق الكلام قال في القاموس لغا لغوا تكلم، فيكون الاستثناء متصلا أي: لا ~~يسمعون فيها كلاما إلا كلاما يدل على السلامة أو سلاما من الله أو من ~~الملائكة أو من بعضهم على بعض. # ثالثها: قوله تعالى: {ولهم رزقهم فيها} أي: على ما يتمنونه ويشتهونه على ~~وجه لا بد من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا منة عليهم به {بكرة وعشيا} أي: ~~على قدرهما في الدنيا وليس في الجنة نهار ولا ليل بل ضوء ونور أبدا وقيل: ~~إنهم يعرفون النهار برفع الحجب والليل بإرخائها، فإن قيل: المقصود من هذه ~~الآيات وصف الجنة بأحوال مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشيا ليس من ~~الأمور المستعظمة أجيب بوجهين؛ الأول: قال الحسن: أراد الله تعالى أن يرغب ~~كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة ولبس الحرير التي ~~كانت عادة العجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وكانت عادة ~~أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك ~~الثاني أن المراد دوام الرزق تقول أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيا ~~تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين، وقيل: المراد رفاهية العيش وسعة ~~الرزق أي: لهم رزقهم # PageV02P436 # متى شاؤوا، ولما باينت بهذه الأوصاف دار الباطل أشار إلى علو رتبتها وما ~~هو سببها بقوله تعالى: # {تلك الجنة} بأداة البعد لعلو قدرها وعظم أمرها {التي نورث من عبادنا} ~~أي: نعطي عطاء الإرث الذي لا كد فيه ولا استرجاع وتبقى له الجنة كما يبقى ~~للوارث مال الموروث وقيل تنقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا ~~الذين اتقوا ربهم فجعل النقل إرثا قاله الحسن {من كان تقيا} أي: المتقين من ~~عباده. # فإن قيل: الفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك الوصف فلا يدخلها؟. # أجيب: بأن الآية تدل على أن الجنة يدخلها المتقي وليس فيها دلالة على أن ~~غير ms1818 المتقي لا يدخلها وأيضا صاحب الكبيرة متق عن الكفر ومن صدق عليه أنه ~~متق عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق وإذا كان صاحب الكبيرة يصدق عليه أنه ~~متق وجب أن يدخل الجنة فدلالة الآية على أن صاحب الكبيرة يدخلها أولى من أن ~~تدل على أنه لا يدخلها. واختلف في سبب نزول قول جبريل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم # {وما نتنزل إلا بأمر ربك} فقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا» فنزلت الآية وقال ~~مجاهد: أبطأ الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال لعلى أبطأت ~~قال: قد فعلت، قال: ولم لا أفعل وأنتم لا تتسوكون ولا تقصون أظفاركم ولا ~~تنقون براجمكم وقال وما نتنزل إلا بأمر ربك فنزلت وقال قتادة والكلبي احتبس ~~جبريل عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب ~~الكهف وذي القرنين والروح وسبب سؤالهم عن ذلك ما روي «أن قريشا بعثت خمسة ~~رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم وهل يجدونه ~~في كتابهم وسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه وقالت اليهود نجده في ~~كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمن اليمامة عن ثلاث فلم يعرف فسلوه عنهن فإن ~~أخبركم عن خصلتين فاتبعوه فسألوه عن قصة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن ~~الروح فلم يدر كيف يجيب فوعدهم أن يجيبهم غدا ولم يقل إن شاء الله فاحتبس ~~الوحي عنه أربعين يوما وقيل خمسة عشر يوما فشق ذلك عليه مشقة عظيمة وقال ~~المشركون ودعه ربه وقلاه فلما نزل جبريل عليه السلام قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم أبطأت حتى ساء ظني واشتقت إليك، قال إني إليك أشوق ولكني عبد ~~مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فنزلت هذه الآية وأنزل قوله تعالى: ~~{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} (الكهف، 23) # وسورة الضحى» فإن قيل: قوله: {تلك الجنة التي نورث ms1819 من عبادنا من كان ~~تقيا} كلام الله وقوله: وما نتنزل إلا بأمر ربك كلام غير الله فكيف جاز عطف ~~هذا على ما قبله من غير فصل؟ أجيب: بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح ~~كقوله تعالى: {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (البقرة، 117) # وهذا كلام الله تعالى ثم عطف عليه قوله: {وأن الله ربي وربكم فاعبدوه} ~~(مريم، 36) # ثم علل جبريل قوله ذلك بقوله: {له ما بين أيدينا} أي: أمامنا من أمور ~~الآخرة {وما خلفنا} أي: من أمور الدنيا {وما بين ذلك} أي: ما يكون من هذا ~~الوقت إلى قيام الساعة أي: له علم ذلك جميعه وقيل: ما بين ذلك ما بين ~~النفختين وبينهما أربعون سنة وقيل ما بين أيدينا ما بقي من الدنيا وما ~~خلفنا ما مضى منها وما بين ذلك مدة حياتنا وقيل: ما بين أيدينا بعد أن نموت # PageV02P437 # وما خلفنا قبل أن نخلق وما بين ذلك مدة الحياة وقيل: ما بين أيدينا الأرض ~~إذا أردنا النزول إليها وما خلفنا السماء وما ينزل منها وما بين ذلك الهواء ~~يريد أن ذلك كله لله فلا نقدر على شيء إلا بأمره {وما كان ربك} المحسن إليك ~~{نسيا} بمعنى ناسيا أي: تاركا لك بتأخير الوحي عنك لقوله تعالى: {ما ودعك ~~ربك وما قلى} (الضحى، 3) # أي: وما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به وما كان ذلك عن ترك الله ~~تعالى لك وتوديعه إياك ثم استدل على ذلك بقوله: # {رب السموات والأرض وما بينهما} فلا يجوز عليه النسيان إذ لا بد أن ~~يمسكهما حالا بعد حال وإلا لبطل الأمر فيهما وفيمن يتصرف، والآية دالة على ~~أن الله تعالى رب لكل شيء حصل بينهما ففعل العبد مخلوق له تعالى لأن فعل ~~العبد حاصل بين السماء والأرض # تنبيه: يجوز في رب أن يكون بدلا من ربك وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: هو ~~رب وقوله تعالى {فاعبده واصطبر لعبادته} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~مرتب على ما تقدم أي: لما عرفت أن ms1820 ربك لا ينساك فاعبده بالمراقبة الدائمة ~~على ما ينبغي من مثلك واصطبر عليها ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفار بك. # فإن قيل: لم لم يقل واصطبر على عبادته لأنها صلته فكان حقه تعديه بعلى؟ ~~أجيب: بأنه ضمن معنى الثبات لأن العبادة ذات تكاليف قل من يثبت لها فكأنه ~~قيل اثبت لها مصطبرا كقولك للمحارب اصبر لقرنك ثم علل ذلك بقوله: {هل تعلم ~~له سميا} قال ابن عباس: هل تعلم له مثلا أي: نظيرا فيما يقتضي العبادة ~~والذي يقتضيها كون منعما بأصول النعم وفروعها وهي خلق الأجسام والحياة ~~والعقل وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه سبحانه وتعالى وإذا كان قد ~~أنعم عليك بغاية الإنعام وجب أن تعظمه بغاية التعظيم وهي العبادة. # وقال الكلبي هل تعلم أحدا تسمى الله غيره فإنهم وإن كانوا يطلقون لفظ ~~الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله تعالى على شيء. ولما أمر تعالى ~~بالعبادة والمصابرة عليها فكأن سائلا سأل وقال هذه العبادة. # لا منفعة فيها في الدنيا وأما في الآخرة فقد أنكرها بعضهم فلا بد من ذكر ~~الدلالة على القول بالحشر حتى يظهر أن الاشتغال بالعبادة يفيد فلهذا حكى ~~الله سبحانه وتعالى قول منكري الحشر فقال تعالى: # {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} قال الكلبي: نزلت في أبي بن ~~خلف حين أخذ عظاما بالية فتتها بيديه ويقول زعم لكم محمد أنا نبعث بعدما ~~نموت وقيل: نزلت في أبي جهل، وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث ~~ثم إن الله تعالى أقام الدليل على صحة البعث بقوله: # {أولا يذكر الإنسان} أي: المجترئ بهذا الإنكار على ربه {أنا خلقناه من ~~قبل} أي: من قبل جدله {ولم يك شيئا} أصلا وأنا بمقتضى ذلك قادرون على ~~إعادته فلا ينكر ذلك قال بعض العلماء لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في ~~البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه إذ لا شك أن الإعادة ثانيا أهون من ~~الإيجاد أولا. ونظيره قوله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} ms1821 (يس، ~~79) # وقوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} (الروم، 27) # وهو أهون عليه وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بسكون الذال وضم الكاف مخففة ~~والباقون بفتح الذال مشددة وكذا الكاف. # فإن قيل: كيف أمر الله الإنسان بالتذكر مع أن التذكر هو العلم بما علمه ~~من قبل ثم تخللهما سهو؟ أجيب: بأن المراد أولا يتفكر فيعلم خصوصا # PageV02P438 # إذا قرئ أولا يذكر مشددا، أما إذا قرئ مخففا فالمراد أولا يعلم ذلك من ~~حال نفسه لأن كل أحد يعلم أنه لم يكن حيا في الدنيا ثم صار حيا. ثم إنه ~~تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتهديد من وجوه أولها قوله تعالى: # {فوربك} أي: المحسن إليك بالانتقام منهم {لنحشرنهم} بعد البعث ~~{والشياطين} الذين يضلونهم بأن نحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة وفائدة ~~القسم أمران: # أحدهما: أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين والثاني: في إقسام الله ~~باسمه مضافا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تفخيم لشأنه ورفع منه كما ~~رفع من شأن السماء والأرض في قوله تعالى: {فورب السماء والأرض أنه لحق} ~~(الذاريات، 23) # والواو في والشياطين يجوز أن تكون للعطف وبمعنى مع وهو أولى. ثانيها: ~~قوله تعالى {ثم لنحضرنهم} بعد طول الوقوف {حول جهنم} من خارجها ليشاهد ~~السعداء الأحوال التي نجاهم الله تعالى منها وخلصهم فيزدادوا لذلك غبطة إلى ~~غبطتهم وسرورا إلى سرورهم ويشمتوا بأعداء الله وأعدائهم فتزداد مساءتهم ~~وحسرتهم وما يغبطهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم وقوله تعالى {جثيا} ~~حال مقدرة من مفعول لنحضرنهم وهو جمع جاث جمع على فعول نحو قاعد وقعود ~~وجالس وجلوس وأصله جثوو بواوين أو جثوى من جثا يجثو ويجثى لغتان. # فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى: {وترى كل أمة جاثية} ~~(الجاثية، 28) # ولأن العادة جارية بأن الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم ~~لما في ذلك من القلق أو لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها ~~القيام على أرجلهم، وإذا كان هذا حاصلا للكل فكيف يدل على مزيد ذل الكفار؟ ~~أجيب: ms1822 بأنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور على هذه الحالة وذلك يوجب ~~مزيد ذلهم وقرأ حفص وحمزة والكسائي جثيا وعتيا وصليا بكسر أولها والباقون ~~بضمه ثالثها: قوله تعالى: # {ثم لننزعن} أي: لنأخذن أخذا بشدة وعنف {من كل شيعة} أي: فرقة مرتبطة ~~بمذهب واحد {أيهم أشد على الرحمن} الذي غمرهم بالإحسان {عتيا} أي: تكبرا ~~مجاوزا للحد والمعنى أن الله تعالى يحضرهم أولا حول جهنم ثم يميز البعض من ~~البعض فمن كان أشدهم تمردا في كفره خص بعذاب عظيم لأن عذاب الضال المضل يجب ~~أن يكون فوق عذاب من يضل تبعا لغيره وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب ~~المقلد ففائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب، ~~ولذلك قال تعالى في جميعهم: # {ثم لنحن أعلم} من كل عالم {بالذين هم} بظواهرهم وبواطنهم {أولى بها} أي: ~~بجهنم {صليا} أي: دخولا واحتراقا فنبدأ بهم ولا يقال أولى إلا مع اشتراكهم ~~وأصله صلوى من صلى بكسر اللام وفتحها # تنبيه: في إعراب أيهم أشد أقوال كثيرة أظهرها عند جمهور المعربين وهو ~~مذهب سيبويه أن أيهم موصولة بمعنى الذي وإن حركتها حركة بناء بنيت عند ~~سيبويه لخروجها عن النظائر وأشد خبر مبتدأ مضمر والجملة صلة لأيهم وأيهم ~~وصلتها في محل نصب مفعول بها، ولأي أحوال أربعة ذكرتها في شرح القطر. ولما ~~كانوا بهذا الإعلام المؤكد بالإقسام من ذي الجلال والإكرام جديرين بإصغاء ~~الأفهام إلى ما توجه إليها من الكلام التفت إلى مقام الخطاب إفهاما للعموم ~~فقال تعالى: # {وإن} أي: وما {منكم} أيها الناس أحد {إلا واردها # PageV02P439 # كان} ذلك الورود {على ربك} الموجد لك المحسن إليك {حتما مقضيا} أي: حتمه ~~وقضى به لا يتركه والورود موافاة المكان فاختلفوا في معنى الورود هنا. فقال ~~ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول والكناية راجعة إلى النار ~~وقالوا يدخلها البر والفاجر ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها ويدل على أن ~~الورود هو الدخول قوله تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} (هود، ~~98) # وروى ابن عيينة عن عمرو بن ms1823 دينار أن نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في ~~الورود فقال ابن عباس: هو الدخول وقال نافع ليس الورود الدخول، فتلا ابن ~~عباس {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} (الأنبياء، ~~98) # أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها وأنا ~~أرجو أن يخرجني الله منها وما أرى الله يخرجك منها بتكذيبك، ويدل عليه أيضا ~~قوله تعالى: # {ثم ننجي الذين اتقوا} أي: الكفر منها ولا يجوز أن يقول ثم ننجي الذين ~~اتقوا {ونذر الظالمين} بالكفر {فيها جثيا} على الركب ألا والكل واردون ~~والأخبار المروية دالة على هذا القول روي أن عبد الله بن رواحة قال أخبر ~~الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصدر فقال صلى الله عليه وسلم «يا ابن ~~رواحة اقرأ ما بعدها ثم ننجي الذين اتقوا» فدل على أن ابن رواحة فهم من ~~الورود الدخول ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعن جابر أنه ~~سأل عن هذه الآية فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الورود ~~الدخول ولا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما حتى ~~أن للنار ضجيجا من بردها» ولأن حرارة النار ليست بطبعها فالأجزاء الملاصقة ~~لأبدان الكفار يجعلها الله تعالى محرقة مؤذية والأجزاء الملاصقة لأجزاء ~~المؤمنين يجعلها بردا وسلاما كما في حق إبراهيم عليه السلام وكما أن ~~الملائكة الموكلين بها لا يجدون ألمها وكما في الكوز الواحد من الماء كان ~~يشربه القبطي فيكون دما ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذبا. # وعن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال: ~~«إذا دخل أهل الجنة الجنة وقال بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا أن نرد النار ~~فيقال لهم قد وردتموها وهي خامدة» وخامدة بخاء معجمة أي: ساكنة وروي بالجيم ~~أي: باردة ولا بد من ذلك في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار ~~مع المعاقبين. # فإن قيل: فإذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما ms1824 الفائدة في ذلك ~~الدخول؟ أجيب بوجوه؛ أحدها: أن ذلك مما يزيدهم سرورا إذا علموا الخلاص ~~منها. # ثانيها: أن فيه مزيد غم على أهل النار حيث يرون المؤمنين الذين هم ~~أعداؤهم يتخلصون منها وهم يبقون فيها. # ثالثها: أن فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند المؤمنين. # رابعها: أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سببا لمزيد التذاذهم بنعيم ~~الجنة، وقيل: المراد بالذين يردونها من تقدم ذكرهم من الكفار فكنى عنهم ~~أولا كناية الغيبةثم خاطب خطاب المشافهة وعلى هذا القول فلا يدخل النار ~~مؤمن واستدل له بقوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون لا يسمعون حسيسها} (الأنبياء: 101، 102) # والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها بقوله ~~تعالى: {وهم من فزع يومئذ آمنون} (النمل، 89) # وروي عن مجاهد من حم من المؤمنين فقد وردها وفي الخبر الحمى كير من جهنم ~~وهي حظ المؤمن # PageV02P440 # من النار وفي رواية الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء وقوله من فيح جهنم ~~أي: وهجها وحرها وقال ابن مسعود وإن منكم إلا واردها يعني القيامة والكناية ~~راجعة إليها قال البغوي والأول أصح وعليه أهل السنة وروي أنه يخرج من النار ~~من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال ~~لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا ~~الله وفي قلبه وزن ذرة من خير وفي رواية من إيمان وعن ابن مسعود قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر ~~أهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله له: اذهب فادخل ~~الجنة قال فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول وجدتها ملأى فيقول ~~الله: له اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشر أمثالها فيقول له أتسخر ~~بي وأنت الملك فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه» ~~فكان ms1825 يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة قوله حتى بدت نواجذه أي: أنيابه ~~وأضراسه وقيل: هي أعلى الأسنان. # وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يعذب ناس من أهل التوحيد ~~في النار حتى يكونوا حمما ثم تدركهم الرحمة قال فيخرجون فيطرحون على باب ~~الجنة قال فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة ~~السيل الحمم الفحم والغثاء كل ما جاء به السيل» وقرأ الكسائي ننجي بسكون ~~النون الثانية وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون الثانية وتشديد الجيم ولما ~~أقام تعالى الحجة على مشركي قريش المنكرين للبعث قال تعالى عطفا على قوله ~~ويقول الإنسان: # {وإذا تتلى عليهم} أي: الناس من المؤمنين والكفار من أي تال كان {آياتنا} ~~أي: القرآن حال كونها {بينات} أي: واضحات وقيل مرتبات الألفاظ ملخصات ~~المعاني وقيل: ظاهرات الإعجاز {قال الذين كفروا} بآيات ربهم البينة جهلا ~~منهم ونظرا إلى ظاهر الحياة الدنيا الذي هو مبلغهم من العلم {للذين آمنوا} ~~أي: لأجلهم أو مواجهة لهم إعراضا عن الاستدلال بالآيات بالإقبال على هذه ~~الشبهة الواهية وهي المفاخرة بالمكاثرة في الدنيا من قولهم {أي الفريقين} ~~نحن بما لنا من الاتساع أم أنتم بما لكم من خشونة العيش ورثاثة الحال ولو ~~كنتم أنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن من حالنا ~~لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في الذل وأعداءه المعرضين ~~عن خدمته في العز والراحة وإنما كان الأمر بالعكس فإن الكفار كانوا في ~~النعمة والراحة والاستعلاء والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف والقلة ~~هذا حاصل شبهتهم والقائل ذلك هو النضر بن الحارث وذووه من قريش للذين آمنوا ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ~~ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويلبسون خير ثيابهم فقالوا ~~للمؤمنين أي الفريقين {خير مقاما} أي: موضع قيام أو إقامة على قراءة ابن ~~كثير بضم الميم والباقون بفتحها ففي كلتا القراءتين يحتمل أن يكون اسم مصدر ~~أو اسم ms1826 مكان إما من قام ثلاثيا أو من أقام # تنبيه: قالوا زيد خير من عمرو وشر من بكر ولم يقولوا أخير منه ولا أشر ~~منه لأن هاتين اللفظتين كثر استعمالهما فحذفت همزتاهما ولم يثبتا إلا في ~~فعل التعجب فقالوا # PageV02P441 # أخير بزيد وأشرر بعمرو وما أخير زيدا وما أشر عمرا، والعلة في إثباتهما ~~في فعلي التعجب أن استعمال هذين اللفظين اسما أكثر من استعمالهما فعلا ~~فحذفت الهمزة في موضع الكثرة وبقيت على أصلها في موضع القلة {وأحسن نديا} ~~أي: مجمعا ومتحدثا والندي المجلس يقال ندي وناد والجمع الأندية منه {وتأتون ~~في ناديكم المنكر} (العنكبوت، 29) # وقال تعالى: {فليدع ناديه} (العلق، 17) # ويقال ندوت القوم أندوهم إذا جمعتهم في مجلس ومنه دار الندوة وكانت تجمع ~~القوم فجعلوا ذلك الامتحان بالإنعام والإحسان دليلا على رضا الرحمن مع ~~التكذيب والكفران وغفلوا عن أن في ذلك مع التكذيب بالبعث تكذيبا بما ~~يشاهدون منا من القدرة على العقاب بإحلال النقم وسلب النعم ولو شئنا ~~لأهلكناهم وسلبنا جميع ما يفتخرون به. # {وكم أهلكنا قبلهم} ثم بين إبهام كم بقوله: {من قرن} شاهدوا ديارهم ورأوا ~~آثارهم {هم} أي: أهل تلك القرون {أحسن} من هؤلاء {أثاثا} أي: أمتعة {ورئيا} ~~أي: ومنظرا فلو دل حصول نعم الدنيا للإنسان على كونه حبيب الله لوجب أن لا ~~يصل إلى هؤلاء غم في الدنيا وقرأ قالون وابن ذكوان بإبدال الهمزة ياء ~~وإدغامها في الياء وقفا ووصلا وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ياء وله فيها ~~الإدغام والإظهار # تنبيه: كم مفعول أهلكنا مقدم واجب التقديم لأن له صدر الكلام لأنها إما ~~استفهامية أو خبرية وهي محمولة على الاستفهامية أي: كثيرا من القرون أهلكنا ~~ومن قرن تمييز لكم مبين لها وإنما سمى أهل كل عصر قرنا لأنهم يتقدمون من ~~بعدهم وقول البيضاوي وهم أحسن صفة لكم تبع فيه الزمخشري وغيره ورد بأن كم ~~الاستفهامية والخبرية لا توصف ولا يوصف بها فهم أحسن في محل جر صفة لقرن ~~وجمعه نظرا للمعنى لأن القرن مشتمل على أفراد كثيرة ثم قال تعالى ms1827 لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم. # {قل} لهؤلاء المبعدين ردا عليهم وقطعا لمعاذيرهم وهتكا لشبههم هذا الذي ~~افتخرتم به لا يدل على حسن الحال في الآخرة بل على عكس ذلك فقد جرت عادته ~~تعالى أنه {من كان في الضلالة} مثلكم كونا راسخا بسط له في الدنيا وطيب ~~عيشه في ظاهر الحال فيها ونعم بأنواع الملاذ وقوله {فليمدد له الرحمن مدا} ~~أمر بمعنى الخبر معنا فندعه في طغيانه ونمهله في كفره بالبسط في الآثار ~~والسعة في الديار والطول في الأعمال وإنفاقها فيما يستلذ به من الأوزار ولا ~~يزال يمد له استدراجا {حتى إذا رأوا} أي: كل من كفر بأعينهم {ما يوعدون} من ~~قبل الله {إما العذاب} في الدنيا بأيدي المؤمنين وغيرهم أو في البرزخ {وإما ~~الساعة} أي: القيامة التي هم بها مكذبون وعن الاستعداد لها معرضون ولا شيء ~~يشبه أهوالها وخزيها ونكالها {فسيعلمون} إذا رأوا ذلك {من هو شر مكانا} أي: ~~من جهة المكان الذي قوبل به المقام في قولهم خير مقاما {وأضعف جندا} أي: ~~أقل ناصرا أهم أم المؤمنون أي: أضعف من جهة الجند أي: الذي أشير به إلى ~~الندي في قولهم وأحسن نديا لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة فهذا ردأ ~~عليهم في قولهم أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # {ويزيد الله الذين اهتدوا} إلى الإيمان {هدى} بما ينزل عليهم من الآيات ~~عوض ما زوى عنهم من الدنيا لكرامتهم عنده مما بسط للضلال لهوانهم عليه ~~وأشار إلى أن مثل ما خذل أولئك بالنوال وفق هؤلاء لمحاسن الأعمال بإقلال ~~الأموال # PageV02P442 # فقال عز من قائل {والباقيات الصالحات} أي: الطاعات والمعارف التي شرحت ~~لها الصدور وأنارت بها القلوب وأوصلت إلى علام الغيوب {خير عند ربك} مما ~~متع به الكفرة والخيرية هنا في مقابلة قولهم أي: الفريقين خير مقاما وقيل: ~~الباقيات الصالحات هي الصلوات وقيل: التسبيح روى أبو الدرداء قال: «جلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأخذ عودا يابسا وأزال الورق عنه ثم ~~قال: إن قول لا إله إلا الله والله ms1828 أكبر وسبحان الله تحط الخطايا كما يحط ~~ورق هذه الشجرة الريح خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن ~~الباقيات الصالحات وهي من كنوز الجنة» فكان أبو الدرداء يقول: لأعملن ذلك ~~ولأكثرن عمله حتى إذا رآني الجهال حسبوا أني مجنون. قال الرازي: والقول ~~الأول أولى لأنه تعالى إنما وصفها بالباقيات الصالحات من حيث يدوم ثوابها ~~فلا تختص ببعض العبادات فهي بأسرها باقية صالحة نظرا إلى أثرها الذي هو ~~الهداية ثم بين تعالى خيريتها بقوله تعالى {ثوابا} أي: من جهة الثواب {وخير ~~مردا} أي: من جهة العاقبة يوم الحسرة. # فإن قيل: لا يجوز أن يقال هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره والذي ~~عليه الكفار لا خير فيه أصلا أجيب بأن المراد خير مما ظنه الكفار بقولهم ~~خير مقاما وأحسن نديا، وقيل: هو كقولهم الصيف أحر من الشتاء بمعنى أنه في ~~حره أبلغ منه في برده فالكفرة يردون إلى فناء وخسارة والمؤمنون إلى ربح ~~وبقاء. # ولما ذكر تعالى الدلائل أولا على صحة البعث ثم أورد شبهة المنكرين وأجاب ~~عنها أورد عليهم الآن ما ذكروه على سبيل الاستهزاء طعنا في القول بالحشر ~~فقال تعالى: # {أفرأيت الذي} أي: الذي يعرض عن هذا اليوم ويزيد على ذلك بأن {كفر ~~بآياتنا} الدالات على عظمتنا بالدلالات البينات {وقال} جرأة منه وجهلا ~~{لأوتين} أي: والله لأوتين في الساعة على تقدير قيامها {مالا وولدا} أي: ~~عظيمين فلم يكفه في جهله تعجيز القادر حتى ضم إليه إقدار العاجز وقرأ حمزة ~~والكسائي وولدا وكذا ولدا في جميع ما في هذه السورة بضم الواو وسكون اللام ~~والباقون بفتح الواو واللام في الجميع يقال ولد وولد كما يقال عرب وعرب ~~وعدم وعدم أما القراءة بفتحتين فواضحة وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع وأما ~~قراءة الضم والإسكان فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى وقيل: بل هي جمع لولد ~~نحو أسد وأسد وأنشدوا على ذلك # *ولقد رأيت معاشرا ... قد أثمروا مالا وولدا # وأنشدوا شاهدا على أن الولد والولد مترادفان قول الآخر # *فليت ms1829 فلانا كان في بطن أمه ... وليت فلانا كان ولد حماره # ولما كان ما ادعاه لا علم به إلا بأحد أمرين لا علم له بواحد منهما أنكر ~~قوله ذلك بقوله تعالى: # {أطلع الغيب} الذي هو غائب عن كل مخلوق فهو في بعد عن الخلق كالعالي الذي ~~لا يمكن أحدا منهم الاطلاع إليه وتفرد به الواحد القهار {أم اتخذ} أي: ~~بغاية جهده {عند الرحمن عهدا} عاهده عليه بأن يؤتيه ما ذكر بطاعة فعلها على ~~وجهها ليقف سبحانه فيه عند قوله وقيل في العهد كلمة الشهادة، وعن قتادة هل ~~له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول، وعن الكلبي هل عهد الله إليه أن ~~يؤتيه ذلك وعن الحسن رحمه الله تعالى نزلت في الوليد بن المغيرة والمشهور # PageV02P443 # أنها في العاص بن وائل قال خباب بن الأرت كان لي عليه دين فاقتضيته فقال: ~~لا والله حتى تكفر بمحمد فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حيا ولا ميتا ولا ~~حين تبعث قال: فإني إذا مت بعثت قلت: نعم قال: إذا بعثت جئني وسيكون لي ثم ~~مال وولد فأعطيك وقيل: صاغ له خباب حليا فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون ~~أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا فأنا أقضيك ثم فإني أوتي مالا ~~وولدا فأعطيك حينئذ ثم إنه سبحانه وتعالى بين من حاله ضد ما ادعاه فقال ~~تعالى: # {كلا} وهي كلمة ردع وتنبيه على الخطأ أي: هو مخطئ فيما يقول ويتمناه ~~{سنكتب} أي: نحفظ عليه {ما يقول} فنجازيه به في الآخرة وقيل: نأمر الملائكة ~~حتى يكتبوا عليه ما يقول {ونمد له من العذاب مدا} أي: نزيده بذلك عذابا فوق ~~عذاب كفره وقيل: نطيل مدة عذابه # {ونرثه} بموته {ما يقول} أي: ما عنده من المال والولد {ويأتينا} يوم ~~القيامة {فردا} لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا فضلا أن يؤتى ثم ~~زائدا قال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى} (الأنعام، 94) # وقيل: فردا رافضا لهذا القول منفردا عنه ولما تكلم سبحانه وتعالى في ~~مسألة الحشر والنشر تكلم ms1830 الآن في الرد على عباد الأصنام فقال: # {واتخذوا} أي: كفار قريش {من دون الله} أي: الأوثان {آلهة} يعبدونها ~~{ليكونوا لهم عزا} أي: منفعة بحيث يكونون لهم شفعاء وأنصارا ينقذونهم من ~~الهلاك ثم أجاب تعالى بقوله تعالى: # {كلا} ردع وإنكار لتعززهم بها {سيكفرون بعبادتهم} أي: تستجحد الآلهة ~~عبادتهم ويقولون ما عبدتمونا كقوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا} (البقرة، 166) # وفي آية أخرى: {ما كانوا إيانا يعبدون} (القصص، 63) # وقيل: أراد بذلك الملائكة لأنهم كانوا يكفرون بعبادتهم ويتبرؤون منهم ~~ويخصمونهم وهو المراد من قوله تعالى: {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} (سبأ، ~~40) # وقيل: إن الله تعالى يحي الأصنام يوم القيامة حتى يوبخوا عبادهم ويتبرؤوا ~~منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم ويجوز أن يراد الملائكة والأصنام {ويكونون ~~عليهم ضدا} أي: أعوانا وأعداء. # فإن قيل: لم وحده وهو خبر عن جمع؟ أجيب: بأنه إما مصدر في الأصل والمصادر ~~موحدة مذكرة وإما لأنه مفرد في معنى الجمع قال الزمخشري: والضد العون وحد ~~توحيد قوله عليه الصلاة والسلام: «وهم يد على من سواهم لاتفاق كلمتهم وأنهم ~~كشيء واحد لفرط تضامهم وتوافقهم» انتهى. والحديث رواه أبو داوود وغيره ~~والشاهد فيه قوله يد حيث لم يقل أيد. ولما ذكر تعالى ما لهؤلاء الكفار مع ~~آلهتهم في الآخرة ذكر بعده ما لهم مع الشياطين في الدنيا وأنهم يتولونهم ~~وينقادون إليهم فقال تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم. # {ألم تر} أي: تنظر {أنا أرسلنا} أي: سلطنا {الشياطين على الكافرين تؤزهم ~~أزا} الأز والهز والاستفزاز أخوات ومعناها التهييج وشدة الإزعاج أن تغريهم ~~على المعاصي وتهيجهم لها بالوساوس والتسويلات # {فلا تعجل عليهم} أي: تطلب عقوبتهم بأن يهلكوا ويبيدوا حتى تستريح أنت ~~والمسلمون من شرورهم {إنما نعد لهم عدا} أي: ليس بينك وبين ما تطلب من ~~هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة، ونظيره قوله تعالى: {ولا تستعجل لهم ~~كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} (الأحقاف، 35) # وعن ابن عباس كان إذا قرأها بكى وقال آخر العدد خروج نفسك آخر ms1831 العدد دخول ~~قبرك آخر العدد فراق أهلك. # وعن # PageV02P444 # ابن السماك أنه كان عند المأمون فقرأها فقال إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم ~~يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد، وقيل: نعد أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم على ~~قليلها وكثيرها، وقيل نعد الأوقات إلى وقت الأجل المعين لكل أحد الذي لا ~~يتطرق إليه الزيادة والنقصان. ثم بين تعالى ما سيظهر في ذلك اليوم من الفصل ~~بين المتقين والمجرمين في كيفية الحشر فقال: # {يوم} أي: واذكر يوم {نحشر المتقين} بإيمانهم {إلى الرحمن} أي: إلى محل ~~كرامته وقوله تعالى {وفدا} حال أي: وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك ~~منتظرين لكرامتهم وإنعامهم والوفد الجماعة الوافدون يقال وفد يفد وفدا ~~ووفودا ووفادة أي: قدم على سبيل التكرمة فهو في الأصل مصدر ثم أطلق على ~~الأشخاص كالصف، وقال أبو البقاء وفد جمع وافد مثل ركب وراكب وصحب وصاحب ~~وهذا الذي قاله ليس بمذهب سيبويه لأن فاعلا لا يجمع على فعل عند سيبويه ~~وأجازه الأخفش وجرى عليه الجلال المحلي فقال: وفد جمع وافد بمعنى راكب ~~انتهى. # وقال ابن عباس: وفدا ركبانا، وقال أبو هريرة على الإبل وقال علي رضي الله ~~تعالى عنه والله ما يحشرون على أرجلهم ولكن فوق نوق رحالها الذهب ونجائب ~~سروجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن هموا بها طارت # {ونسوق المجرمين} بكفرهم {إلى جهنم} وقوله تعالى: {وردا} حال أي: مشاة ~~بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء وقيل: عطاش قد تقطعت ~~أعناقهم من شدة العطش لأن من يرد الماء لا يرد إلا بعطش وحقيقة الورد ~~المسير إلى الماء وقوله تعالى: # {لا يملكون الشفاعة} الضمير فيه للعباد المدلول عليهم بذكر المتقين ~~والمجرمين وقيل للمتقين وقيل: للمجرمين وقوله تعالى: {إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا} استثناء متصل على القولين الأولين، منقطع على الثالث والمعنى ~~أن الشافعين لا يشفعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا كقوله تعالى: {ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى} (الأنبياء، 28) # ويدخل في ذلك أهل الكبائر من المسلمين إذ كل من اتخذ عند الرحمن عهدا ms1832 وجب ~~دخوله فيه وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا وهو التوحيد فوجب دخوله تحته ~~ويؤيده ما روى عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم: ~~«أيعجز أحدكم أن يتخذ عند كل صباح ومساء عند الله عهدا قالوا: وكيف ذلك ~~قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ~~ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني ~~من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهد توفينيه يوم القيامة ~~إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش ~~فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون ~~الجنة» فظهر أن المراد من العهد كلمة الشهادة وظهر وجه الدلالة على ثبوت ~~الشفاعة لأهل الكبائر ولما رد سبحانه وتعالى على عبدة الأوثان عاد إلى الرد ~~على من أثبت له ولدا بقوله تعالى: # {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} أي: قالت اليهود: عزير ابن الله وقالت ~~النصارى: المسيح ابن الله وقالت العرب: الملائكة بنات الله. # {لقد جئتم شيئا إدا} قال ابن عباس أي: منكرا وقال قتادة أي: عظيما وقال # PageV02P445 # ابن خالويه: الأد والإد العجب وقيل: العظيم المنكر والإدة الشدة وأدني ~~الأمر وأدني أثقلني وعظم علي وقرأ: # {تكاد السموات} نافع والكسائي بالياء على التذكير والباقون بالتاء على ~~التأنيث وقرأ {يتفطرن منه} أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة بعد الياء بنون ~~ساكنة وكسر الطاء مخففا والباقون بعد الياء بتاء وفتح الطاء مشددة يقال ~~انفطر الشيء وتفطر أي: تشقق وقراءة التشديد أبلغ لأن التفعل مطاوع فعل ~~والانفعال مطاوع فعل ولأن أصل التفعل التكلف {وتنشق الأرض} أي: تنخسف بهم ~~{وتخر الجبال هدا} أي: تسقط وتنطبق عليهم # {أن} أي: من أجل أن {دعوا للرحمن ولدا} قال ابن عباس وكعب: فزعت السموات ~~والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول ms1833 وغضبت الملائكة ~~واستعرت جهنم حين قالوا اتخذ الله ولدا. # فإن قيل: كيف يؤثر القول في انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟ ~~أجيب بوجوه؛ الأول: أن الله تعالى يقول كدت أفعل هذا بالسموات والأرض ~~والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا مني على من تفوه بها لولا حلمي وإني لا ~~أعجل بالعقوبة، الثاني: أن يكون استعظاما للكلمة وتهويلا وتصويرا لأثرها في ~~الدين وهدمها لقواعده وأركانه الثالث: أن السموات والأرض والجبال تكاد أن ~~تفعل كذلك لو كانت تعقل هذا القول ثم نفى الله تعالى عن نفسه الولد بقوله ~~تعالى: # {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} أي: ما يليق به اتخاذ الولد؛ لأن ذلك ~~محال أما الولادة المعروفة فلا مقالة في امتناعها وأما التبني فإن الولد لا ~~بد وأن يكون شبيها بالوالد ولا شبيه لله تعالى لأن اتخاذ الولد إنما يكون ~~لأغراض إما من سرور أو استعانة أو ذكر جميل وكل ذلك لا يصح في حق الله ~~تعالى # {إن} أي: ما {كل من في السموات والأرض} أي: أن كل معبود من الملائكة في ~~السموات والأرض من الناس منهم العزير وعيسى {إلا آتي الرحمن} أي: ملتجئ إلى ~~ربوبيته {عبدا} منقادا مطيعا ذليلا خاضعا كما يفعل العبيد ومن المفسرين ~~كالجلال المحلي من حمله على يوم القيامة خاصة والأول أولى لأنه لا تخصيص في ~~الآية # {لقد أحصاهم} أي: حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوزه وعلمه وقبضته ~~وقدرته وكلهم تحت تدبيره وقهره {وعدهم عدا} أي: عد أشخاصهم وأيامهم ~~وأنفاسهم وأفعالهم فإن كل شيء عنده بمقدار لا يخفى عليه شيء من أمورهم. # {وكلهم آتيه} أي: كل واحد منهم يأتيه {يوم القيامة فردا} أي: وحيدا ليس ~~معه من الدنيا شيء من مال أو نصير يمنعه ولما رد سبحانه وتعالى على أصناف ~~الكفرة وبالغ في شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال ~~المؤمنين فقال: # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} أي: سيحدث لهم في ~~القلوب مودة من غير تعرض منهم لأسبابها من قرابة أو ms1834 صداقة أو اصطناع معروف ~~أو غير ذلك. روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله عبدا ~~يقول لجبريل أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء قد أحب ~~الله فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم توضع له المحبة في الأرض» وإذا أبغض ~~الله العبد قال مالك لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك والسين في سيجعل ~~إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين # PageV02P446 # الكفرة فوعدهم الله تعالى ذلك إذا قوي الإسلام والمعنى سيحدث لهم في ~~القلوب مودة وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم الله إلى خلقه بما يظهر ~~من حسناتهم، وروي عن كعب قال مكتوب في التوراة لا محبة لأحد في الأرض حتى ~~يكون ابتداؤها من السماء من الله عز وجل ينزلها على أهل السماء ثم على أهل ~~الأرض ومصداق ذلك في القرآن قوله سيجعل لهم الرحمن ودا وقال أبو مسلم معناه ~~يهب لهم ما يحبون والود والمحبة سواء، ولما ذكر سبحانه وتعالى في هذه ~~السورة التوحيد والنبوة والحشر والرد على فرق المبطلين بين تعالى أنه يسر ~~ذلك بلسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # {فإنما يسرناه} أي: القرآن {بلسانك} أي: العربي أي: لولا أنه تعالى نقل ~~قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسر ذلك لك {لتبشر به المتقين} أي: المؤمنين ~~{وتنذر} أي: تخوف {به قوما لدا} جمع ألد أي: جدل بالباطل وهم كفار مكة ثم ~~إنه تعالى ختم السورة بموعظة عظيمة بليغة فقال تعالى: # {وكم} أي: كثيرا {أهكلنا قبلهم من قرن} أي: أمة من الأمم الماضية بتكذيب ~~الرسل لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا وأنه لا بد فيها ~~من الموت وخافوا سوء العاقبة في الآخرة كانوا إلى الحذر من المعاصي أقرب. ~~ثم أكد ذلك بقوله تعالى {هل تحس} أي: ترى وقيل: تجد {منهم من أحد أو تسمع ~~لهم ركزا} أي: صوتا خفيا لا قال الحسن بادوا جميعا فلم يبق منهم عين ولا ~~أثر أي: فكما أهلكنا أولئك ms1835 نهلك هؤلاء. # تنبيه: الركز الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم ومنه ركز الرمح أي: غيبه ~~في الأرض وأخفاه ومنه الركاز وهو المال المدفون لخفائه واستتاره، والحديث ~~الذي ذكره البيضاوي تبعا للزمخشري وهو «من قرأ سورة مريم أعطى عشر حسنات ~~بعدد من كذب زكريا وصدق به ويحيى ومريم وعيسى وسائر الأنبياء المذكورين ~~فيها وبعدد من دعا الله في الدنيا ومن لم يدع الله تعالى» حديث موضوع. ### | سورة طه # مكية # وهي مائة وخمس وثلاثون آية وعدد كلماتها ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعون ~~كلمة وعدد حروفها خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا وعن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعطيت السورة التي ذكرت فيها البقرة من ~~الذكر الأول وأعطيت طه ويس والطواسين من ألواح موسى وأعطيت فواتيح القرآن ~~وخواتيم السورة التي ذكرت فيها البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة» . # {بسم الله} الملك الحق المبين {الرحمن} الذي عم نعمه على خلقه أجمعين ~~{الرحيم} الذي خص بجنته عباده المؤمنين وقرأ # {طه} شعبة وحمزة والكسائي بإمالة الطاء والهاء ووافقهم ورش وأبو عمرو على ~~إمالة الهاء محضة ولم يمل ورش محضة إلا هذه الهاء وقد تقدم الكلام في ~~الحروف المقطعة في أول سورة البقرة وفي هذه ههنا قولان: الصحيح أنها من تلك ~~وقيل: إنها كلمة مفيدة أما على القول الأول فقد تقدم الكلام فيه في أول ~~سورة البقرة والذي زادوه هنا أمور: # أحدها: قال الثعالبي: الطاء شجرة طوبى والهاء الهاوية فكأنه أقسم بالجنة ~~والنار. # ثانيها: يحكى # PageV02P447 # عن جعفر الصادق الطاء طهارة أهل البيت والهاء هدايتهم. # ثالثها: قال سعيد بن جبير: هذا افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي. # رابعها: مطمع الشفاعة للأمة وهادي الخلق إلى الملة. # خامسها: الطاء من الطهارة والهاء من الهداية فكأنه قيل يا طاهرا من ~~الذنوب يا هاديا إلى علام الغيوب. # سادسها: الطاء طول القراءة والهاء هيبتهم في قلوب الكفار قال تعالى: ~~{سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} (آل عمران، 151) # سابعها: الطاء بتسعة في الحساب والهاء بخمسة تكون أربعة عشر ومعناها ms1836 يا ~~أيها البدر وأما على القول الثاني فقيل: معنى طه يا رجل وهو يروى عن ابن ~~عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة والكلبي، ثم قال سعيد بن ~~جبير بالنبطية، وقال قتادة بالسريانية وقال عكرمة بالحبشية وقال الكلبي ~~بلغة عك وهو بتشديد الكاف ابن عدنان أخو معد، وحكى الكلبي أنك لو قلت في عك ~~يا رجل لم تجب حتى تقول طه، وقال السدي: معناه يا فلان وقيل: إنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فؤمر أن يطأ الأرض بقدميه معا ~~وقال الكلبي: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد ~~في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه وكان يصلي الليل ~~كله فأنزل الله عليه هذه الآية وأمره أن يخفف على نفسه فقال تعالى: # {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي: لتتعب بما فعلت بعد نزوله من طول ~~قيامك بصلاة الليل أي: خفف عن نفسك فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم صلى ~~الليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل عليه السلام ابق على نفسك فإن لها ~~عليك حقا ما أنزلناه لتهلك نفسك بالصلاة وتذيقها المشقة وما بعثت إلا ~~بالحنيفية السمحة وروى أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام ~~وقيل: لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا: إنك لتشقى حيث تركت دين ~~آبائك أي: لتتعنى وتتعب وما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك فنزلت، ~~وأصل الشقاء في اللغة العناء وقيل: المعنى أنك لا تلام على كفر قومك، كقوله ~~تعالى: {لست عليهم بمسيطر} (الغاشية، 22) # وقوله تعالى: {وما أنت عليهم بوكيل} (الأنعام، 107) # أي: أنك لا تؤاخذ بذنبهم وقيل: إن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت مقهورا تحت ذل الأعداء فكأنه ~~تعالى قال لا تظن أنك تبقى أبدا على هذه الحالة بل يعلو أمرك ويظهر قدرك ~~فإنا ما أنزلنا عليك القرآن لتبقى شقيا فيما ms1837 بينهم بل لتصير معظما مكرما. ~~وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة وأبو عمرو بين بين وورش بين اللفظين والفتح ~~عنده ضعيف جدا، وكذلك جميع رؤوس آي هذه السورة من ذوات الياء وقوله تعالى: # {إلا تذكرة} استثناء منقطع أي: لكن أنزلناه تذكرة. قال الزمخشري: فإن قلت ~~هل يجوز أن يكون تذكرة بدلا من محل لتشقى قلت لا لاختلاف الجنسين ولكنها ~~نصب على الاستثناء المنقطع الذي إلا فيه بمعنى لكن {لمن يخشى} أي: لمن في ~~قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار أو لمن علم الله تعالى منه أن يخشى بالتخويف ~~منه، فإنه المنتفع به وقوله تعالى: # {تنزيلا} بدل من اللفظ بفعله الناصب له {ممن خلق الأرض} أي: من الله الذي ~~خلق الأرض {والسموات العلى} أي: العالية الرفيعة التي لا يقدر على خلقها في ~~عظمها غير الله تعالى والعلي جمع عليا كقولهم كبرى وكبر وصغرى وصغر وقدم # PageV02P448 # الأرض على السموات لأنها أقرب إلى الجنس وأظهر عنده من السموات ثم أشار ~~إلى وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش وأجرى منه الأحكام ~~والتقادير وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسبما اقتضته حكمته وتعلقت ~~به مشيئته فقال تعالى: # {الرحمن على العرش} وهو سرير الملك {استوى} أي: استواء يليق به فإنه ~~سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان وإذا خلق الله الخلق لا يحتاج إلى مكان ~~فهو بالصفة التي كان لم يزل عليها وتقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف ~~مستوفي فراجعه، ثم استدل سبحانه وتعالى على كمال قدرته بقوله تعالى: # {له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى} فهو مالك لما ~~في السموات من ملك ونجم وغيرهما ومالك لما في الأرض من المعادن والفلوات ~~ومالك لما بينهما من الهواء ومالك لما تحت الثرى وهو التراب الندي والمراد ~~الأرضون السبع لأنها تحته وقال ابن عباس: إن الأرضين على ظهر النون والنون ~~على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش والبحر على صخرة خضراء خضرة السماء ~~منها وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قصة لقمان ms1838 {فتكن في صخرة} (لقمان، ~~16) # والصخرة على قرن ثور والثور على الثرى وما تحت الثرى لا يعلمه إلا الله ~~عز وجل وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله تعالى البحار بحرا واحدا سالت في ~~جوف ذلك الثور فإذا وقعت في جوفه يبست. # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة وورش بين اللفظين وكذا جميع رؤوس ~~أي السورة من ذوات الراء. ولما كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنفك عن ~~العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليات الأمور وخفياتها على حد سواء فقال ~~تعالى: # {وإن تجهر بالقول} أي: تعلن بالقول في ذكر أو دعاء فالله تعالى غني عن ~~الجهر به {فإنه يعلم السر وأخفى} قال الحسن: في السر ما أسر الرجل إلى غيره ~~وأخفى من ذلك ما أسر في نفسه، وعن ابن عباس السر ما تسر في نفسك وأخفى من ~~السر ما يلقيه الله تعالى في قلبك من بعد ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك لأنك ~~تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدا والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسر ~~غدا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس السر ما أسر ابن آدم في نفسه وأخفى ~~ما خفى عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه، وقال مجاهد السر العمل الذي يسر من ~~الناس وأخفى الوسوسة، وقيل: السر هو العزيمة وأخفى ما يخطر على القلب ولم ~~يعزم عليه، وقال زيد بن أسلم: يعلم أسرار العباد وأخفى سره من عباده فلا ~~يعلمه. أحد ولما ذكر صفاته وحد نفسه فقال تعالى: # {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} التسعة والتسعون الوارد بها ~~الحديث والحسنى تأنيث الأحسن وفضل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في ~~الحسن لدلالتها على معان هي أشرف المعاني وأفضلها. # روي أن لله تعالى أربعة آلاف اسم ألف لا يعلمها إلا هو وألف لا يعلمها ~~إلا الله والملائكة وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة والأنبياء وأما ~~الألف الرابعة فالمؤمنون يعلمونها فثلاثمائة في التوراة وثلاثمائة في ~~الإنجيل وثلاثمائة في الزبور ومائة ms1839 في القرآن تسعة وتسعون منها ظاهرة وواحد ~~مكنون من أحصاها دخل الجنة وذكر في لا إله إلا الله فضائل كثيرة أذكر بعضها ~~وأسأل الله تعالى أن يجعلنا ومحبينا من أهلها. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل ~~الدعاء أستغفر الله ثم تلا رسول # PageV02P449 # الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات» . # وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى خلق ملكا من الملائكة ~~قبل أن يخلق السموات والأرض وهو يقول أشهد أن لا إله إلا الله مادا بها ~~صوته لا يقطعها ولا يتنفس فيها ولا يتمها فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في ~~الصور وقامت القيامة تعظيما لله» . # وعن أنس قال صلى الله عليه وسلم «مازلت أشفع إلى ربي ويشفعني وأشفع إليه ~~ويشفعني حتى قلت يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله فقال يا محمد ليست ~~لك ولا لأحد وعزتي وجلالي لا أدع أحدا في النار قال لا إله إلا الله» . # وقال سفيان الثوري: سألت جعفر بن محمد عن حم عسق فقال الحاء حلمه والميم ~~ملكه والعين عظمته والسين سناؤه والقاف قدرته يقول الله عز وجل بحلمي وملكي ~~وعظمتي وسنائي وقدرتي لا أعذب بالنار من قال لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله. # روي عن موسى عليه السلام أنه قال: يا رب علمني شيئا أذكرك به قال: قل لا ~~إله إلا الله، قال: إنما أردت شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السموات ~~السبع ومن فوقهن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا ~~الله، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة ~~طيبة كشجرة طيبة} (إبراهيم، 24) # أنها لا إله إلا الله {إليه يصعد الكلم الطيب} (فاطر، 10) # لا إله إلا الله {وتواصوا بالحق} (العصر، 4) # لا إله إلا الله {قل إنما أعظكم بواحدة} (سبأ، 46) # لا إله إلا الله {وقفوهم إنهم مسؤولون} (الصافات، 24) # عن ms1840 قول لا إله إلا الله {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} (الصافات، 37) # هو لا إله إلا الله {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة} (إبراهيم، 27) # هو لا إله إلا الله {ويضل الله الظالمين} (إبراهيم، 27) # عن قول لا إله إلا الله. # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قال في السوق لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير ~~وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى ~~له بيتا في الجنة» قال الرازي وفي النكت ينبغي لأهل لا إله إلا الله أن ~~يخلصوا في أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إله إلا الله التصديق والتعظيم ~~والجلالة والحرمة فمن ليس له التصديق فهو منافق ومن ليس له التعظيم فهو ~~مبتدع ومن ليس له الجلالة فهو مراء ومن ليس له الحرمة فهو فاجر وكذاب. # وحكي أن بشرا الحافي رأى كاغدا فيه بسم الله الرحمن الرحيم فرفعه وطيبه ~~بالمسك فرأى في النوم كأنه نودي يا بشر طيبت اسمنا فنحن نطيب اسمك في ~~الدنيا والآخرة. # وذكر أن صيادا كان يصيد السمك وكانت ابنته تطرحها في الماء وتقول إنما ~~وقعت في الشبكة لغفلتها إلهنا تلك الصبية كانت ترحم غفلتها وكانت تلقيها ~~مرة أخرى في البحر ونحن قد اصطادتنا وسوسة الشيطان وأخرجنا من بحر رحمتك ~~فارحمنا بفضلك وخلصنا منه وألقنا في بحار رحمتك مرة أخرى. # وعن محمد بن كعب القرظي قال: قال موسى: إلهي أي: خلقك أكرم عليك؟ قال: ~~الذي لا يزال لسانه رطبا من ذكري، قال: فأي خلقك أعظم؟ قال: الذي يلتمس إلى ~~علمه علم غيره، قال: فأي خلقك أعدل؟ قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على ~~الناس، قال: وأي خلقك أعظم جرما؟ قال: الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا ~~يرضى بما قسمت له. إلهنا إنا لانتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت به فهو فضل ~~وكل ما ms1841 لا تفعله فهو عدل فلا تؤاخذنا بسوء أفعالنا وأعمالنا. # وعن الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد سيعلم الجمع من # PageV02P450 # أولى بالكرم أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون فيتخطون ~~رقاب الناس، ثم يقال: أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ ثم ~~ينادي مناد أين: الحامدون الله كثيرا على كل حال؟ ثم يكون الحساب على من ~~بقي. إلهنا نحن حمدناك وأثنينا عليك بمقدار طاقتنا ومنتهى قدرتنا فاعف عنا ~~بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، ولما عظم الله تعالى حال القرآن وحال رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بما كلفه أتبع ذلك بما يقوي قلب رسوله صلى الله عليه ~~وسلم من ذكر أحوال الأنبياء تقوية لقلبه في الإبلاغ كقوله تعالى: {وكلا نقص ~~عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} (هود، 120) # وبدأ بموسى عليه السلام لأن فتنته كانت أعظم الفتن ليتسلى قلب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ويصبر على حمل المكاره، فقال تعالى: # {وهل أتاك حديث موسى} وهذا محتمل لأن يكون هذا أول ما أخبر به من أمر ~~موسى فقال: وهل أتاك أي: لم يأتك إلى الآن فتنبه له وهذا قول الكلبي ومحتمل ~~أن يكون قد أتاه ذلك في الزمان المتقدم فكأنه قال: أليس قد أتاك؟ وهذا قول ~~مقاتل والضحاك عن ابن عباس وهذا وإن كان على لفظ الاستفهام الذي لا يجوز ~~على الله تعالى لكن المقصود منه تقرير الخبر في نفسه وهذه الصورة أبلغ في ~~ذلك كقولك لصاحبك هل بلغك عني كذا؟ فيتطلع السامع إلى معرفة ما يومئ إليه ~~ولو كان المقصود هو الاستفهام لكان الجواب يصدر من قبل موسى لا من قبل الله ~~تعالى، وقيل: إن هل بمعنى قد وجرى على ذلك الجلال المحلي تبعا للبغوي وقوله ~~تعالى: # {إذ رأى} يجوز أن يكون منصوبا بالحديث وهو الظاهر ويجوز أن ينصب باذكر ~~مقدرا أي: واذكر إذ رأى {نارا} وذلك أن موسى عليه السلام استأذن شعيبا عليه ~~السلام في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة والدته وأخيه فأذن له ms1842 فخرج بأهله ~~وماله وكانت أيام شتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام وامرأته حامل ~~في شهرها لا تدري ليلا تضع أو نهارا فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه ~~المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد. # قيل: كانت ليلة جمعة وأخذت امرأته في الطلق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده ~~وجعل يقدح زنده فلا يوري فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور ~~{فقال لأهله امكثوا} أي: أقيموا في مكانكم والخطاب لامرأته وولدها والخادم ~~ويجوز أن يكون للمرأة وحدها خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على ~~الجمع وأيضا قد يخاطب الواحد بلفظ الجمع تفخيما وقرأ حمزة بضم الهاء في ~~الوصل والباقون بالكسر {إني آنست} أي: أبصرت {نارا} والإيناس الإبصار البين ~~الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين لأنه يتبين به الشيء والإنس لظهورهم كما ~~قيل الجن لاستتارهم. # وقيل: إبصار ما يؤنس به ولما وجد منه الإيناس وكان متيقنا حققه لهم بكلمة ~~إني ليوطن أنفسهم. ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين ~~بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع فقال: {لعلي آتيكم منها بقبس} أي: شعلة ~~في رأس فتيلة أو عود أو نحو ذلك وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء ~~في إني ولعلي الآتية والباقون بالسكون إلا ابن عامر ففتح لعلى مع من ذكروهم ~~على مراتبهم في المد {أو أجد على النار هدى} أي: هاديا يدلني على الطريق ~~ومعنى الاستعلاء في على النار أن أهل # PageV02P451 # النار يستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في مررت بزيد إنه لصوق ~~بمكان يقرب من زيد أو لأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا مشرفين عليها. # وقال بعضهم: النار أربعة أقسام نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا ونار ~~تشرب ولا تأكل وهي التي في الشجر الأخضر كما قال تعالى: {الذي جعل لكم من ~~الشجر الأخضر نارا} (يس، 80) # ونار تأكل وتشرب وهي نار المعدة ونار لا تأكل ولا تشرب وهي نار موسى عليه ~~السلام. ms1843 # وقيل أيضا: النار أربعة؛ أحدها: نار لها نور بلا حرقة وهي نار موسى عليه ~~السلام، ثانيها: لها حرقة بلا نور وهي نار جهنم أعاذنا الله تعالى منها، ~~ثالثها: لها الحرقة والنور وهي نار الدنيا، رابعها: لا حرقة ولا نور وهي ~~نار الأشجار # تنبيه: إن وصلت هدى ب {فلما} فليس فيها إلا التنوين للجميع وإن وقف عليها ~~فهم على أصولهم في الفتح والإمالة وبين اللفظين # {فلما أتاها} أي: النار قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى ~~أعلاها أطافت بها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك ~~النار وشدة خضرة تلك الشجرة فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة ~~يغير ضوء النار قال ابن مسعود كانت الشجرة مثمرة خضراء وقال مقاتل وقتادة ~~والكلبي: كانت من العوسج، وقال وهب: كانت من العليق، وقيل: من العناب قال ~~أكثر المفسرين: إن الذي رآه موسى لم يكن نارا بل كان من نور الرب تعالى وهو ~~قول ابن عباس وعكرمة وغيرهما ذكر بلفظ النار لأن موسى عليه السلام حسبه ~~نارا فلما دنا منها سمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما قال وهب ظن موسى ~~أنها نار أوقدت فأخذ من دقاق الحطب وهو الحشيش اليابس ليقتبس من لهبها ~~فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها ثم ~~لم يكن بأسرع من خمودها كأنها لم تكن ثم رمى موسى ببصره إلى فروعها فإذا ~~خضرتها ساطعة في السماء وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه ~~الأبصار فلما رأى موسى عليه السلام ذلك وضع يديه على عينيه وألقيت عليه ~~السكينة {نودي يا موسى} . # {إني أنا ربك} قال وهب نودي من الشجرة فقيل: يا موسى فأجاب سريعا ولم يدر ~~من دعاه فقال إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت فقال أنا فوقك ومعك ~~وأمامك وخلفك وأقرب إليك منك فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله تعالى فأيقن به. # وقيل: إنه سمع بكل أجزائه حتى أن كل جارحة ms1844 منه كانت أذنا وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بفتح الهمزة من إني على تقدير الباء أي: بأني لأن النداء يوصل ~~بها تقول ناديته بكذا وأنشد الفارسي قول الشاعر: # *ناديت باسم ربيعة بن مكدم # ... أن المنوه باسمه الموثوق # وجوز ابن عطية أن تكون بمعنى لأجل وليس بظاهر والباقون بالكسر إما على ~~إضمار القول كما هو رأي البصريين أي: فقيل: وإما لأن النداء في معنى القول ~~عند الكوفيين وقوله تعالى أنا يجوز أن يكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة ~~خبر إن ويجوز أن يكون توكيد للضمير المنصوب ويجوز أن يكون فصلا. # وروى ابن مسعود مرفوعا في قوله تعالى: {فاخلع نعليك} إنهما كانا من جلد ~~حمار ميت ويروى غير مدبوغ فأمر بخلعهما صيانة للوادي المقدس وقال عكرمة ~~ومجاهد: إنما أمر بذلك ليباشر بقدمه تراب الأرض المقدسة فيناله بركتها ويدل ~~لذلك أنه قال # PageV02P452 # تعالى عقبه: {إنك بالوادي المقدس} أي: المطهر أو المبارك فخلعهما ~~وألقاهما من وراء الوادي هذا ما قاله أهل التفسير. # وذكر أهل الإشارة في ذلك وجوها: # أحدها: أن النعل في النوم يعبر بالزوجة وقوله فاخلع نعليك إشارة إلى أنه ~~لا يلتفت بخاطره إلى الزوجة والولد وأن لا يبقى مشغول القلب بأمرهما. # ثانيها: المراد بخلع النعلين ترك الالتفات إلى الدنيا والآخرة كأنه أمره ~~أن يصير مستغرق القلب بالكلية في معرفة الله تعالى فلا يلتفت إلى ~~المخلوقات. # ثالثها: أن الإنسان حال الاستدلال على وجود الصانع لا يمكنه أن يتوصل ~~إليه إلا بمقدمتين مثل أن يقول العالم المحسوس محدث وكل ما كان كذلك فله ~~مؤثر ومدبر وصانع فهاتان المقدمتان شبيهتان بالنعلين لأن بهما يتوصل العقل ~~إلى المقصود وينتقل من النظر في الخلق إلى معرفة الخالق ثم بعد الوصول إلى ~~معرفة الخالق وجب أن لا يبقى ملتفتا إلى تلك المقدمتين، فكأنه قيل: لا تكن ~~مشتغل الخاطر بتلك المقدمتين فإنك وصلت إلى الوادي المقدس الذي هو بحر ~~معرفة الله تعالى: وقوله تعالى: {طوى} بدل أو عطف بيان وقرأه هنا وفي ~~النازعات نافع وابن كثير وأبو عمرو بغير ms1845 تنوين فهو ممنوع من الصرف باعتبار ~~البقعة مع العلمية وقيل: لأنه معدول عن طاو فهو مثل عمر للعدل عن عامر ~~وقيل: إنه اسم أعجمي ففيه العلمية والعجمة والباقون بالتنوين فهو مصروف ~~باعتبار المكان ففيه العلمية فقط وعند هؤلاء ليس بأعجمي وقوله تعالى: # {وأنا اخترتك} أي: اصطفيتك للرسالة من قومك قرأ حمزة بتشديد النون من أنا ~~وقرأ اخترناك بنون بعدها ألف بلفظ الجمع والباقون بتاء مضمومة وقوله تعالى: ~~{فاستمع لما يوحى} أي: إليك مني فيه نهاية الهيبة والجلالة كأنه تعالى قال: ~~لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل كل عقلك وخاطرك مصروفا إليه وفي قوله ~~تعالى وأنا اخترتك نهاية اللطف والرحمة فيحصل له من الأول نهاية الرجاء ومن ~~الثاني نهاية الخوف. # تنبيه: يجوز في لام لما أن تتعلق فاستمع وهو أولى وأن تكون مزيدة في ~~المفعول على حد قوله تعالى: {ردف لكم} (النحل، 72) # وجوز الزمخشري أن يكون ذلك من باب التنازع ونازعه أبو حيان بأنه لو كان ~~كذلك لأعاد الضمير مع الثاني فكان يقول فاستمع له لما يوحى، وأجيب عنه بأن ~~مراده التعلق المعنوي من حيث الصلاحية وأما تقدير الصناعة فلم يعنه. # وقوله تعالى: # {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} بدل مما يوحى دال على أنه مقصور ~~على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل ~~وفي هذه الآية دلالة على أن علم أصول الدين مقدم على علم الفروع، وأيضا ~~فالفاء في قوله تعالى فاعبدني تدل على أن عبادته إنما لزمت لآلهيته لأن ~~التوحيد من علم الأصول والعبادة من علم الفروع وخص الصلاة بالذكر وأفردها ~~في قوله تعالى {وأقم الصلاة لذكرى} للعلة التي أناط بها إقامتها وهو تذكير ~~المعبود وشغل القلب واللسان بذكره. # وقيل: لذكرى لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها وقيل: لأوقات ذكري وهي ~~مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي لما روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها إن الله يقول وأقم الصلاة لذكري» ~~وقيل: ms1846 لأن أذكرك بالثناء والمدح واجعل لك عليها لسان صدق عليا وقيل: لذكري ~~خاصة لا تشوبه بذكر غيري. # ولما خاطب # PageV02P453 # تعالى موسى عليه السلام بقوله تعالى: {فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} أتبعه ~~بقوله تعالى: # {إن الساعة آتية} أي: كائنة {أكاد أخفيها} قال أكثر المفسرين معناه أكاد ~~أخفيها من نفسي فكيف يعلمها غيري من الخلق وكيف أظهرها لكم ذكر تعالى على ~~عادة العرب إذا بالغوا في كتمان الشيء يقول الرجل كتمت سري من نفسي أي: ~~أخفيته غاية الإخفاء والله تعالى لا يخفى عليه شيء والمعنى في إخفائها ~~التهويل والتخويف لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها ~~كل وقت وكذلك المعنى في إخفاء وقت الموت لأن الله تعالى وعد قبول التوبة ~~فإذا عرف وقت موته وانقضاء أجله اشتغل بالمعاصي إلى أن يقرب ذلك الوقت ~~فيتوب ويصلح العمل فيتخلص من عقاب المعاصي بتعريف وقت موته فتعريف وقت ~~الموت كالإغراء بفعل المعصية فإذا لم يعلم وقت موته لا يزال على قدم الخوف ~~والوجل فيترك المعاصي أو يتوب منها في كل وقت خوف معاجلة الأجل. وقال أبو ~~مسلم: أكاد بمعنى أريد وهو كقوله تعالى: {كذلك كدنا ليوسف} (يوسف، 76) # ومن أمثالهم المتداولة لا أفعل ذلك ولا أكاد أي: لا أريد أن أفعله وقال ~~الحسن: إن أكاد من الله واجب فمعنى قوله تعالى: أكاد أخفيها أي: أنا أخفيها ~~عن الخلق كقوله تعالى: {عسى أن يكون قريبا} (الإسراء، 51) # أي: هو قريب وقيل: أكاد صلة في الكلام والمعنى أن الساعة آتية أخفيها. ~~قال زيد الخيل: # *سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه # ... فما أن يكاد قرنه يتنفس # أي فما أن يتنفس قرنه وقوله تعالى: {لتجزى كل نفس بما تسعى} أي: تعمل من ~~خير أو شر متعلق بآتية، واختلف في المخاطب بقوله تعالى: # {فلا يصدنك} أي: يصرفنك {عنها من لا يؤمن بها} فقيل: وهو الأقرب كما قاله ~~الرازي أنه موسى عليه السلام لأن الكلام أجمع خطاب له، وقيل: هو محمد صلى ~~الله عليه وسلم واختلف أيضا في عود هذين الضميرين ms1847 على وجهين: # أحدهما: قال أبو مسلم لا يصدنك: عنها أي: عن الصلاة التي أمرتك بها من لا ~~يؤمن بها أي: بالساعة فالضمير الأول عائد إلى الصلاة والثاني إلى الساعة ~~ومثل هذا جائز في اللغة فالعرب تلف الخبرين ثم ترمي بجوابهما جملة ليرد ~~السامع إلى كل خبر حقه. # ثانيهما: قال ابن عباس: فلا يصدنك عن الساعة أي: عن الإيمان بها من لا ~~يؤمن بها فالضميران عائدان إلى يوم القيامة وهذا أولى لأن الضمير يعود إلى ~~أقرب المذكورات وههنا الأقرب هو الساعة وما قاله أبو مسلم إنما يصار إليه ~~عند الضرورة ولا ضرورة ههنا. # تنبيه: المقصود من ذلك نهى موسى عليه السلام عن التكذيب بالبعث ولكن ظاهر ~~اللفظ يقتضي نهي من لم يؤمن عن صد موسى وفيه وجهان: # أحدهما: أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على ~~حمله على المسبب. # الثاني: أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين فذكر المسبب ليدل على ~~السبب كقولهم لا أرينك ههنا المراد نهي المخاطب عن حضوره له لا أن يراه هو ~~فالرؤية مسببة عن الحضور كما أن صد الكافر مسبب عن الرخاوة والضعف في الدين ~~فقيل: لا تكن رخوا بل كن شديدا صلبا حتى لا يلوح منك لمن يكفر بالبعث أنه ~~يطمع في صدك عما أنت عليه {واتبع هواه} أي: ميل نفسه إلى اللذات المحبوبة ~~المخدجة لقصر نظره عن غيرها وخالف أمر الله {فتردى} أي: فتهلك إن انصددت ~~عنها وما في قوله # PageV02P454 # تعالى: # {وما تلك بيمينك} مبتدأ استفهامية وتلك خبره وبيمينك حال من معنى الإشارة ~~وقوله تعالى: {يا موسى} تكرير لأنه ذكره قبل في قوله تعالى: {نودي يا موسى} ~~وبعد في مواضع كألقها يا موسى لزيادة الاستئناس والتنبيه. # فإن قيل: السؤال إنما يكون لطلب العلم وهو على الله تعالى محال فما ~~الفائدة في ذلك؟ # أجيب: بأن في ذلك فوائد؛ الأولى: توقيفه على أنها عصا حتى إذا قلبها حية ~~علم أنها معجزة عظيمة وهذا على عادة العرب يقول الرجل لغيره هل ms1848 تعرف هذا؟ ~~وهو لا يشك أنه يعرفه ويريد أن يضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه. ~~الثانية: أن يقرر عنده أنها خشبة حتى إذا قلبها ثعبانا لا يخافها. الثالثة: ~~أنه تعالى لما أراه تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء وأسمعه ~~كلام نفسه ثم أورد عليه التكليف الشاق وذكر له المعاد وختم ذلك بالتهديد ~~العظيم فتحير موسى عليه السلام ودهش فقيل له وما تلك بيمينك يا موسى؟ وتكلم ~~معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة. # فإن قيل: هذا خطاب من الله تعالى لموسى بلا واسطة ولم يحصل ذلك لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم أجيب: بالمنع فقد خاطبه في قوله تعالى: {فأوحى إلى عبده ما ~~أوحى} (النجم، 10) # إلا أن الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه إلى الخلق والذي ذكره مع ~~محمد صلى الله عليه وسلم كان سرا لم يؤهل له أحد من الخلق وأيضا إن كان ~~موسى تكلم معه فأمة محمد يخاطبون الله تعالى في كل يوم مرارا على ما قاله ~~صلى الله عليه وسلم «المصلي يناجي ربه والرب يتكلم مع آحاد أمة محمد يوم ~~القيامة بالتسليم والتكريم لقوله تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} (يس، 58) # تنبيه: قوله تعالى: وما تلك إشارة إلى العصا وقوله تعالى بيمينك إشارة ~~إلى اليد وفي هذا نكت ذكرها الرازي رحمه الله تعالى الأولى: أنه تعالى لما ~~أشار إليهما جعل كل واحدة منهما معجزة قاهرة وبرهانا ساطعا ونقله من حد ~~الجمادية إلى مقام الكرامة، فإذا صار الجماد بالنظر الواحد حيوانا صار ~~الجسم الكثيف نورانيا لطيفا ثم إنه تعالى ينظر كل يوم ثلاثمائة وستين مرة ~~إلى قلب العبد فأي عجب لو انقلب قلبه من موت العصيان إلى السعادة بالطاعة ~~ونور المعرفة. ثانيها: أن بالنظر الأول الواحد صار الجماد ثعبانا فبلغ سحر ~~النفس الأمارة بالسوء. ثالثها: أن العصا كانت في يمين موسى عليه السلام ~~فبسبب بركته انقلبت ثعبانا فبلع سحر السحرة فأي عجب لو صار القلب ثعبانا ~~وبرهانا وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن فإذا حصلت ليد ms1849 موسى عليه ~~السلام هذه المنزلة فأي عجب لو انقلب قلب المؤمن بسبب أصبعي الرحمن من ظلمة ~~المعصية إلى نور العبودية. # ولما سأل تعالى موسى عليه السلام عن ذلك أجاب بأربعة أشياء ثلاثة على ~~التفصيل وواحد على الإجمال أولها: # {قال هي عصاي} وقد تم الجواب بذلك إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر ~~لأنه كان يحب المكالمة مع ربه فجعل ذلك كالوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض. ~~ثانيها: قوله: {أتوكأ} أي: أعتمد {عليها} إذا مشيت وإذا عييت وإذا وقفت على ~~رأس القطيع وعند الطفرة. ثالثها: قوله: {وأهش} أي: أخبط ورق الشجر {بها} ~~ليسقط {على غنمي} لتأكله فبدأ عليه السلام أولا بمصالح نفسه في قوله أتوكأ ~~عليها ثم بمصالح رعيته في قوله: أهش بها على غنمي وكذلك في القيامة يقول ~~نفسي نفسي ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يشتغل في # PageV02P455 # الدنيا إلا بإصلاح أمر الأمة {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} (الأنفال، ~~33) # «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» فلا جرم يوم القيامة يبدأ أيضا بأمته ~~فيقول: أمتي أمتي رابعها قوله {ولي فيها مآرب} جمع مأربة بتثلث الراء حوائج ~~ومنافع {أخرى} كحمل الزاد والسقي وطرد الهوام وإنما أجمل في المآرب رجاء أن ~~يسأله ربه عن تلك المآرب فيسمع كلام الله تعالى مرة أخرى ويطول أمر ~~المكالمة بسبب ذلك وقيل: انقطع لسانه بالهيبة فاجمل وقيل: اسم العصا نبعة ~~وقيل: في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناء بالمحجن وإذا ~~طلب كسره لواه بالشعبتين وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أداوته من ~~القوس والكنانة والحلاب وغيرها وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على ~~شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل والزندين بفتح الزاي تثنية زند وزندة ~~والزند العود الأعلى الذي تقدح به النار والزندة السفلى فيها ثقب فإذا ~~اجتمعا قيل: زندان ولم نقل زندتان وإذا قصر رشاؤه وصله بها وكان يقاتل بها ~~السباع عن غنمه وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول ~~البئر وتصير شعبتاها دلوا ويكونان شمعتين بالليل وإذا ms1850 ظهر عدو حاربت عنه ~~وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت ~~تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب وكانت تقيه الهوام وروي عن ابن ~~عباس أنها كانت تماشيه وتحدثه ولما ذكر موسى هذه الجوابات لربه # {قال} له {ألقها} أي: أنبذها {يا موسى} {فألقاها فإذا هي حية} أي: ثعبان ~~عظيم {تسعى} أي: تمشي على بطنها سريعا وهنا نكت خفية. # إحداها: أنه عليه السلام لما قال ولي فيها مآرب أخرى أراد الله تعالى أن ~~يعرفه أن فيها مآرب لا يفطن لها ولا يعرفها وأنها أعظم من سائرها وأربى. # ثانيها: كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا فالرجل آلة ~~الهرب واليد آلة الطلب، فقال أولا: فاخلع نعليك إشارة إلى ترك الهرب، ثم ~~قال: ألقها وهو إشارة إلى ترك الطلب، كأنه تعالى قال: إنك ما دمت في مقام ~~الهرب والطلب كنت مشتغلا بنفسك طالبا لحظك فلا تكن خالصا لمعرفتي، فكن ~~تاركا للهرب والطلب تكن خالصا لي. # ثالثها: أن موسى عليه السلام مع علو درجته وكمال صفته لما وصل إلى الحضرة ~~ولم يكن معه إلا النعلان والعصا أمره بإلقائها حتى أمكنه الوصول إلى الحضرة ~~فأنت في ألف وقر من المعاصي فكيف يمكنك الوصول إلى جنابه؟ فإن قيل: كيف قال ~~هنا حية وفي موضع آخر جان وهي الحية الخفيفة الصغيرة وقال في موضع آخر ~~ثعبان وهو أكبر ما يكون من الحيات؟ أجيب: بأن الحية اسم جنس يقع على الذكر ~~والأنثى والصغير والكبير وأما الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان ~~العظيم من الحيات كما مرو الجان الدقيق وفي ذلك وجهان؛ أحدهما: أنها كانت ~~وقت انقلابها حية صغيرة دقيقة ثم تورمت وتزايد جلدها حتى صارت ثعبانا فأريد ~~بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها. الثاني: أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة ~~حركة الجان لقوله تعالى: {فلما رآها تهتز كأنها جان} (النمل، 10) # قال وهب: لما ألقى العصا على وجه الأرض نظر إليها فإذا هي حية تسعى صفراء ~~من أعظم ما يكون من ms1851 الحيات تمشي بسرعة لها عرف كعرف الفرس وكان بين لحييها ~~أربعون ذراعا صارت شعبتاها شدقين لها والمحجن عنقا وعرفا يهتز وعيناها ~~تتقدان # PageV02P456 # كالنار تمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل فتلتقمها وتقصف الشجرة ~~العظيمة بأنيابها ويسمع لأنيابها صريفا عظيما فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا ~~وهرب ثم نودي يا موسى ارجع حيث كنت فرجع وهو شديد الخوف # {قال} تعالى له {خذها} أي: بيمينك {ولا تخف} وكان على موسى مدرعة من صوف ~~قد خلها بعيدان فلما قال تعالى له خذها لف طرف المدرعة على يده فأمره الله ~~أن يكشف يده، وذكر بعضهم أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له الملك أرأيت ~~إن أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئا قال: لا ولكنني ضعيف ~~ومن ضعف خلقت وكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت ويده ~~في شعبتيها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ عليها كما قال تعالى: ~~{سنعيدها سيرتها الأولى} وقد أظهر الله تعالى في هذه العصا معجزات لموسى ~~عليه السلام منها انقلاب العصا حية ومنها وضع يده في فمها من غير ضرر ومنها ~~انقلابها خشبة مع الأمارات التي تقدمت # تنبيه: في نصب سيرتها أوجه: # أحدها: أن تكون منصوبة على الظرف أي: في سيرتها أي: طريقتها: # ثانيها: على البدل من هاء سنعيدها بدل اشتمال لأن السيرة الصفة أي: ~~سنعيدها صفتها وشكلها. # ثالثها: على إسقاط الخافض أي: إلى سيرتها وقيل غير ذلك. فإن قيل: لما ~~نودي يا موسى وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى ~~إلى الخلق فلماذا خاف؟ أجيب عن ذلك بأوجه أحدها: أن ذلك الخوف كان من نفرة ~~الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك قط وهذا معلوم بدلائل العقول ~~ثانيها: إنما خافها لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم عليه السلام منها. ~~ثالثها: أن مجرد قوله ولا تخف لا يدل على حصول الخوف كقوله تعالى: {ولا تطع ~~الكافرين} (الأحزاب، 1) # لا يدل على وجود تلك ms1852 الطاعة لكن قوله: {فلما رآها تهتز كأنها جان ولى ~~مدبرا} (النمل، 10) # يدل عليه ولكن ذلك الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه وبين أفضل الخلق محمد ~~صلى الله عليه وسلم فما أظهر الرغبة في الجنة ولا النفرة عن النار وقوله ~~تعالى: # {واضمم يدك} أي: اليمنى {إلى جناحك} أي: جنبك الأيسر تحت العضد في الإبط ~~{تخرج بيضاء} أي: نيرة مشرقة تضيء كشعاع الشمس تعشى البصر لا بد فيه من حذف ~~والتقدير واضمم يدك تنضم وأخرجها تخرج فحذف من الأول والثاني وأبقى ~~مقابليهما ليدلا على ذلك إيجازا واختصارا وإنما احتيج إلى هذا لأنه لا ~~يترتب على مجرد الضم الخروج وبيضاء حال من فاعل تخرج وقوله تعالى: {من غير ~~سوء} متعلق بتخرج وروي عن ابن عباس إلى جناحك إلى صدرك والأول أولى كما قال ~~الرازي لأنه يقال لكل ناحيتين جناحان كجناحي العسكر لطرفيه وجناحا الإنسان ~~جانباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا بذلك لأنه يجنحهما أي: ~~يميلهما عند الطيران وجناحا الإنسان عضداه فعضداه يشبهان جناحي الطير، ~~ولأنه قال: تخرج بيضاء ولو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله تخرج ~~معنى والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة ~~بالسوأة. والبرص أبغض شيء إلى العرب ولهم عنه نفرة عظيمة وإسماعهم لاسمه ~~مجاجة فكان جديرا بأن يكنى عنه ولا ترى أحسن ولا أظرف ولا أخف للمفاصل من ~~كنايات القرآن وآدابه. # يروى أن موسى عليه السلام كان شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى # PageV02P457 # في جيبه فأدخلها في إبطه الأيسر وأخرجها فكانت تبرق مثل البرق وقيل مثل ~~الشمس من غير مرض ثم إذا أردها عادت إلى لونها الأول من غير نور وقوله ~~تعالى: {آية أخرى} أي: معجزة ثابتة حال من ضمير تخرج كبيضاء وقوله تعالى: # {لنريك} متعلق بما دل عليه آية أي: دللنا بها لنريك وقوله تعالى: {من ~~آياتنا الكبرى} أي: العظمى على رسالتك متعلق بمحذوف على أنه حال من الكبرى ~~والكبرى مفعول ثان لنريك والتقدير لنريك الكبرى حال كونها من ms1853 آياتنا أي: ~~بعض آياتنا واختلف أي الآيتين أعظم في الإعجاز فقال الحسن: اليد لأنه تعالى ~~قال: لنريك من آياتنا الكبرى والذي عليه الأكثر أن العصا أعظم إذ ليس في ~~اليد إلا تغير اللون وأما العصا ففيها تغير اللون وخلق الزيادة في الجسم ~~وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الحجر والشجر ثم إعادتها ~~عصا بعد ذلك فقد وقع التغير في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم وأما قوله ~~تعالى: {لنريك من آياتنا الكبرى} فقد ثبت أنه عائد إلى الكلام وأنه غير ~~مختص باليد، فإن قيل: لم لم يقل تعالى من آياتنا الكبر؟ أجيب: بأن ذلك ذكر ~~لرؤوس الآي وقيل فيه إضمار معناه لنريك من آياتنا الآية الكبرى وهذا ~~التقدير يقوي قول القائل بأن اليد أعظم آية. ولما أظهر سبحانه وتعالى لموسى ~~هذه الآيات عقبها بأمره بالذهاب إلى فرعون بقوله تعالى: # {اذهب} أي: رسولا {إلى فرعون} وبين تعالى العلة في ذلك بقوله تعالى: {إنه ~~طغى} أي: جاوز الحد في كفره إلى أن ادعى الإلهية ولهذا خصه الله تعالى ~~بالذكر مع أنه عليه السلام مبعوث إلى الكل قال وهب: قال الله تعالى لموسى ~~عليه السلام اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإن ~~معك يدي ونصري وإني ألبسك جبة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمرك أبعثك ~~إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ~~ربوبيتي، أقسم بعزتي لولا الحجة التي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة ~~جبار ولكن هان علي وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي ~~وقل له قولا لينا لا يغتر بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس ~~إلا بعلمي في كلام طويل قال فسكت موسى عليه السلام سبعة أيام لا يتكلم ثم ~~جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك فعند ذلك # {قال رب اشرح لي صدري} أي: وسعه لتحمل الرسالة، قال ابن عباس: يريد حتى ~~لا أخاف غيرك والسبب في هذا السؤال ما حكى ms1854 الله تعالى عنه في موضع آخر ~~بقوله: {قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني} (الشعراء: ~~12، 13) # وذلك أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون اللعين خوفا شديدا لشدة شوكته ~~وكثرة جنوده وكان يضيق صدرا بما كلف من مقاومة فرعون وحده فسأل الله تعالى ~~أن يوسع قلبه حتى يعلم أن أحدا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله تعالى وإذا ~~علم ذلك لم يخف فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده، وقيل: اشرح لي صدري بالفهم ~~عنك ما أنزلت علي من الوحي # {ويسر} أي: سهل {لي أمري} أي: ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون ~~وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال والأقوال والحركات والسكنات فالله ~~تعالى هو الميسر له، فإن قيل: قوله لي في اشرح لي صدري ويسر لي أمري ما ~~جدواه والأمر مستتم مستتب بدونه؟ أجيب: بأنه # PageV02P458 # قد أبهم الكلام أولا فقال اشرح لي ويسر لي فعلم أن ثم مشروحا وميسرا ثم ~~بين ورفع الإبهام بذكرهما فكان آكد لطلب الشرح لصدره والتيسير لأمره من أن ~~يقول: اشرح صدري ويسر أمري على الإيضاح الساذج لأنه تكرير للمعنى الواحد من ~~طريقي الإجمال والتفصيل # {واحلل عقدة من لساني} قال ابن عباس كان في لسانه عليه السلام رته وذلك ~~أن موسى عليه السلام كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره فلطم فرعون لطمة ~~وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته إن هذا عدوي وأراد أن يقتله فقالت له ~~آسية: إنه صبي لا يعقل ولا يميز وفي رواية أن أم موسى لما فطمته ردته إلى ~~فرعون فنشأ موسى في حجر فرعون وامرأته يربيانه واتخذاه ولدا فبينما هو ذات ~~يوم يلعب بين يدي فرعون وبيده قضيب يلعب به إذ رفع القضيب فضرب به رأس ~~فرعون فغضب فرعون وتطير بضربه وهم بقتله فقالت آسية: أيها الملك إنه صغير ~~لا يعقل جربه إن شئت فجاءت بطشتين في أحدهما جمر وفي الآخر جوهر فأراد أن ~~يأخذ الجوهر فأخذ جبريل يد موسى عليه السلام فوضعها ms1855 على النار فأخذ جمرة ~~فوضعها في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة. # وقيل: قربا إليه تمرة وجمرة فأخذ الجمرة فجعلها في فيه فاحترق لسانه، ~~ويروى أن يده احترقت وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ ولما دعاه قال إلى ~~أي: رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها وعن بعضهم أنها لم تبرأ ~~يده لئلا يدخلها مع فرعون في قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المؤاكلة. # وقيل: كان ذلك التعقد خلقة فسأل الله تعالى إزالته واختلفوا في أنه لم ~~طلب حل تلك العقدة؟ فقيل: لئلا يقع خلل في أداء الوحي وقيل لئلا يستخف ~~بكلامه فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه وقيل: لإظهار المعجزة كما أن حبس لسان ~~زكريا عليه السلام عن الكلام كان معجزا في حقه فكذا إطلاق لسان موسى معجز ~~في حقه واختلفوا في زوال العقدة بكمالها فقيل: بقي بعضها لقوله: {وأخي ~~هارون هو أفصح مني لسانا} (القصص، 34) # وقول فرعون ولا يكاد يبين وكان في لسان الحسين بن علي رضى الله تعالى ~~عنهما رته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ورثها من عمه موسى» وقال ~~الحسن: زالت بالكلية لقوله تعالى: {قد أوتيت سؤلك يا موسى} (طه، 36) # وضعف هذا الرازي بأنه عليه السلام لم يقل واحلل العقد من لساني بل قال ~~واحلل عقدة من لساني فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله قال والحق أنه ~~انحل أكثر العقد وبقي منها شيء وقال الزمخشري وفي تنكير العقدة ولم يقل ~~واحلل عقدة لساني أنه طلب حل بعضها إرادة أن يفهم عنه فهما جيدا أي: ولذا ~~قال: # {يفقهوا} أي: يفهموا {قولي} عند تبليغ الرسالة ولم يطلب الفصاحة الكاملة ~~ومن لساني صفة للعقدة كأنه قيل: عقدة من عقد لساني # تنبيه: استدل على أن في النطق فضيلة عظيمة بوجوه: أولها: قوله تعالى: ~~{خلق الإنسان علمه البيان} (الرحمن، 3) # فماهية الإنسان هي الحيوان الناطق. ثانيها: اتفاق العقلاء على تعظيم أمر ~~اللسان قال زهير: # *لسان الفتى نصف ونصف فؤاده # ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # وقالوا ms1856 ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة أي: لو ذهب النطق اللساني ~~لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم، وقالوا: المرء بأصغريه ~~قلبه ولسانه، وقالوا المرء مخبوء تحت لسانه. # PageV02P459 # ثالثها: أن في مناظرة آدم عليه السلام مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا ~~بالنطق حيث قال: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل ~~لكم إني أعلم غيب السموات والأرض} (البقرة: 33) # ولما رأى موسى عليه السلام أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع مخالصة ~~الود وزوال التهمة قربة عظيمة في الدعاء إلى الله تعالى طلب المعاونة على ~~ذلك بقوله: # {واجعل لي وزيرا} أي: معينا على الرسالة ولذلك قال عيسى بن مريم عليه ~~السلام: {من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله} (آل عمران، 52) # وقال محمد صلى الله عليه وسلم «إن لي في السماء وزيرين وفي الأرض وزيرين ~~فاللذان في السماء جبريل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر» وقال صلى ~~الله عليه وسلم «إذا أراد الله تعالى بملك خيرا قيض له وزيرا صالحا إن نسي ~~ذكره وإن نوى خيرا أعانه وإن أراد شرا كفه» وقال أنوشروان: لا يستغني أجود ~~السيوف عن الصقل ولا أكرم الدواب عن السوط ولا أعلم الملوك عن الوزير. ولما ~~كان التعاون على الدين منقبة عظيمة أراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا لأهله ~~فقال: {من أهلي} أي: أقاربي وقوله: # {هارون} قال الجلال المحلي: مفعول ثان وقوله: {أخي} عطف بيان وذكر غيره ~~أعاريب غير ذلك لا حاجة لنا بذكرها. # تنبيه: الوزير مشتق من الوزر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه، أو من ~~الوزر لأن الملك يعتصم برأيه ويلجئ إليه أموره، أو من الموازرة وهي ~~المعاونة. قال الرازي: وكان هارون مخصوصا بأمور منها الفصاحة لقول موسى: ~~{هو أفصح مني لسانا} (القصص، 34) # ومنها الرفق لقول هارون: {يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} (طه، 94) # أنه كان أكبر سنا منه وقال ابن عادل كان أكبر سنا من موسى بأربع سنين ~~وكان أفصح لسانا منه وأجمل ms1857 وأوسم أبيض اللون وكان موس آدم اللون أقنى جعدا. # ولما طلب موسى عليه السلام من الله تعالى أن يجعل هارون وزيرا له طلب منه ~~أن يشد أزراره بقوله: {اشدد به أزري} أي: أقوي به ظهري # {وأشركه في أمري} أي: في النبوة والرسالة، وقرأ ابن عامر بسكون الياء من ~~أخي وهمزة مفتوحة من أشدد وهو على مرتبته في المد وهمزة مضمومة من أشركه ~~وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء من أخي وهمزة وصل من اشدد وأشركه بهمزة ~~مفتوحة والباقون بسكون الياء من أخي وهمزة وصل من أشدد وفتح الهمزة من ~~أشركه ثم إنه تعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال: # {كي نسبحك} تسبيحا {كثيرا} قال الكلبي: نصلي لك كثيرا نحمدك ونثني عليك ~~والتسبيح تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته عما لا يليق به. # {ونذكرك} ذكرا {كثيرا} أي: نصفك بصفات الكمال والجلال والكبرياء وجوز أبو ~~البقاء أن يكون كثيرا نعتا لزمان محذوف أي: زمانا كثيرا. # {إنك كنت بنا بصيرا} أي: عالما بأنا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهك ورضاك ~~أو بصيرا بأن الاستعانة بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليها أو بصيرا ~~بوجوه مصالحنا فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ولما سأل موسى عليه السلام ربه تلك ~~الأمور المتقدمة وكان من المعلوم أن قيامه بما كلف به لا يتم إلا بإجابته ~~إليها لا جرم # {قال} الله تعالى: {قد أوتيت سؤلك يا موسى} أي: أعطيت جميع ما سألته منا ~~عليك لما فيه من وجوه المصالح # {ولقد مننا عليك مرة أخرى} أي: أنعمنا عليك في وقت آخر وفي ذلك تنبيه على ~~أمور أحدها: كأنه تعالى قال: إني # PageV02P460 # راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال ثانيها: إني كنت ~~ربيتك فلو منعتك الآن كان ذلك ردا بعد القبول وإساءة بعد الإحسان فكيف يليق ~~بكرمي ثالثها: إنا أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك ~~الدرجة العالية وهي منصب النبوة فكيف يليق بمثل هذه التربية المنع عن ~~المطلوب فإن قيل: لم ذكر ms1858 تلك النعم بلفظ المنة مع أن هذه اللفظة مؤذية ~~والمقام مقام تلطف؟ أجيب: بأنه إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه ~~النعم التي وصل إليها ما كان مستحقا لشيء منها بل إنما خصه الله تعالى بها ~~لمحض فضله وإحسانه، فإن قيل: لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر مننا كثيرة؟ ~~أجيب: بأنه لم يعن بمرة أخرى واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل ~~والكثير، ثم بين تلك المنة وهي ثمانية أولها قوله تعالى: # {إذ أوحينا إلى أمك} وحيا لا على وجه النبوة إذ المرأة لا تصلح للقضاء ~~ولا للإمامة ولا تلي عند أكثر العلماء تزويج نفسها فكيف تصلح للنبوة ويدل ~~على ذلك قوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم} (النحل، 43) # والوحي جاء لا بمعنى النبوة في القرآن كثيرا قال تعالى: {وأوحى ربك إلى ~~النحل} (النحل، 68) # {وإذا أوحيت إلى الحواريين} (المائدة، 111) # ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه: # أحدها: أنه رؤيا رأتها أم موسى وكان تأويلها وضع موسى في التابوت وقذفه ~~في البحر وأن الله تعالى يرده عليها. # ثانيها: أنه عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة. # ثالثها: المراد خطور البال وغلبته على القلب، فإن قيل: هذه الوجوه ~~الثلاثة يعترض عليها بأن الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساو للخوف ~~الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل ~~الصيانة عن الثاني؟ أجيب: بأنها لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان ~~الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون. # رابعها: لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو ~~غيره ثم إن ذلك النبي عرفها إما مشافهة أو مراسلة واعترض على هذا بأن الأمر ~~لو كان كذلك لما لحقها الخوف. وأجيب: بأن ذلك الخوف كان من لوازم البشرية ~~كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أن الله تعالى كان أمره بالذهاب ~~إليه مرارا. # خامسها: لعل بعض الأنبياء المتقدمين كإبراهيم ms1859 وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ~~أخبروا بذلك الخبر وانتهى ذلك الخبر إلى أمه. # سادسها: لعل الله تعالى بعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى ~~مريم في قوله: {فتمثل لها بشرا سويا} (مريم، 17) # وأما قوله تعالى: {ما يوحى} فمعناه ما لا يعلم إلا بالوحي أو ما ينبغي أن ~~يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام ويبدل منه # {أن اقذفيه} أي: ألقيه {في التابوت} أي: ألهمناها أن اجعليه في التابوت ~~{فاقذفيه} أي: موسى بالتابوت {في اليم} أي: نهر النيل {فليلقه اليم ~~بالساحل} أي: شاطئه والأمر بمعنى الخبر والضمائر كلها لموسى فالمقذوف في ~~البحر والملقى إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر ~~فيتنافر النظم الذي هو أم إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدي ~~ومراعاته أهم ما يجب على المفسر # تنبيه: اليم البحر والمراد به هنا نيل مصر في قول الجميع واليم اسم يقع ~~على النهر والبحر العظيم قال الكسائي والساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك # PageV02P461 # لأن الماء يسحله أي: يحسره إذا علاه وقوله تعالى: {يأخذه عدو لي وعدو له} ~~أي: فرعون جواب فليلقه وتكرير عدو للمبالغة أو لأن الأول باعتبار الواقع ~~والثاني باعتبار المتوقع أي: سيصير عدوا له بعد ذلك فإنه لم يكن في ذلك ~~الوقت بحيث يعادى، روي أنها اتخذت تابوتا قال مقاتل: إن الذي صنع التابوت ~~حزقيل مؤمن آل فرعون وجعلت في التابوت قطنا محلوجا فوضعته فيه وجصصته ~~وقيرته ثم ألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينما هو ~~جالس على رأس بركة مع آسية بنت مزاحم إذا بتابوت يجري به الماء فأمر فرعون ~~الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي أصبح الناس وجها ~~فأحبه عدو الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه كما قال تعالى: {وألقيت ~~عليك محبة مني} وهذه هي المنة الثانية قال الزمخشري: مني لا يخلو إما أن ~~يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، ~~وإما أن يتعلق بمحذوف ms1860 وهو صفة لمحبة أي محبة خالصة أو واقعة مني قد ركزتها ~~أنا في القلوب وزرعتها فيها فلذلك أحبك فرعون وآسية حتى قالت قرة عين لي ~~ولك لا تقتلوه. روي أنه كان على وجهه مسحة جمال وفي عينه ملاحة لا يكاد ~~يصبر عنه من يراه وهو كقوله تعالى: {سيجعل لهم الرحمن ودا} (مريم، 96) # المنة الثالثة قوله تعالى {ولتصنع على عيني} أي: تربى على رعايتي وحفظي ~~لك فأنا مراعيك ومراقبك كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به ويقول ~~للصانع اصنع هذا على عيني أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادي وبغيتي. # تنبيه: ولتصنع معطوف على علة مضمرة مثل ليتلطف بك ولتصنع أو على الجملة ~~السابقة بإضمار فعل معلل مثل فعلت ذلك، وقرأ بفتح الياء نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو وسكنها الباقون. المنة الرابعة قوله تعالى: # {إذ تمشي أختك} والعامل في إذ ألقيت أو تصنع ويجوز أن يكون بدلا من إذ ~~أوحينا واستشكل بأن الوقتين مختلفان متباعدان وأجيب: بأنه يصح مع اتساع ~~الوقت كما يصح أن يقول لك الرجل لقيت فلانا سنة كذا فتقول وأنا لقيته إذ ~~ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها {فتقول هل أدلكم على من يكفله} ~~يروى أن أخته واسمها مريم جاءت متعرفة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ~~ثديها وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فقالت لهم ذلك فقالوا نعم فجاءت ~~بالأم فقبل ثديها فذلك قوله تعالى: {فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها} بلقائك ~~ورؤيتك {ولا تحزن} أي: هي بفراقك أو أنت بفراقها وفقد إشفاقها ويروى أن ~~آسية استوهبته من فرعون وتبنته وهي التي أشفقت عليه وطلبت له المراضع. # المنة الخامسة: قوله تعالى: {وقتلت نفسا} قال ابن عباس: هو الرجل القبطي ~~الذي قتله خطأ بأن وكزه حين استغاثه الإسرائيلي إليه قال الكسائي: كان عمره ~~إذ ذاك اثنتي عشرة سنة {فنجيناك من الغم} أي: من غم قتله خوفا من اقتصاص ~~فرعون كما قال تعالى في آية: {فأصبح في المدينة خائفا يترقب} (القصص، 18) # بالمهاجرة إلى مدين. ms1861 # المنة السادسة: قوله تعالى: {وفتناك فتونا} قال ابن عباس: اختبرناك ~~اختبارا وقيل: ابتليناك ابتلاء، قال ابن عباس: الفتون وقوعه في محنة بعد ~~محنة وخلصه الله تعالى منها أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون ~~يذبح فيها الأطفال ثم إلقاؤه في البحر في التابوت ثم منعه الرضاع # PageV02P462 # إلا من ثدي أمه ثم أخذه بلحية فرعون حتى هم بقتله ثم تناوله الجمرة بدل ~~الجوهرة ثم قتله القبطي وخروجه إلى مدين خائفا. # فإن قيل: إنه تعالى عدد أنواع مننه على موسى في هذا المقام فكيف يليق ~~بهذا الموضع وفتناك فتونا؟ # أجيب: بجوابين الأول: فتناك أي: خلصناك تخليصا من قولهم فتنت الذهب إذا ~~أردت تخليصه من الفضة أو نحوها. الثاني: أن الفتنة تشديد المحنة يقال فتن ~~فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى: {فإذا أوذي ~~في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} (العنكبوت، 10) # وقال تعالى: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ~~(العنكبوت: 2، 3) # ولما كان التشديد في المحنة يوجب كثرة الثواب عده الله تعالى من جملة ~~النعم وتقدم تفسير ابن عباس وهو قريب من ذلك، فإن قيل: هل يصح إطلاق الفتان ~~على الله تعالى اشتقاقا من قوله تعالى: وفتناك فتونا؟ أجيب: بأنه لا يصح ~~لأنه صفة ذم في العرف وأسماء الله تعالى توقيفية لا سيما فيما يوهم ما لا ~~ينبغي. # المنة السابعة: قوله تعالى: {فلبثت سنين في أهل مدين} والتقدير وفتناك ~~فخرجت خائفا إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم عند شعيب عليه السلام وتزوجت ~~بابنته وهي إما عشر أو ثمان لقوله: {على أن تأجرني ثمان حجج فإن أتممت عشرا ~~فمن عندك} (القصص، 27) # وقال وهب: لبث موسى عند شعيب عليه السلام ثمانا وعشرين سنة منها عشر سنين ~~مهر امرأته فإنه قضى أوفى الأجلين والآية دالة على أنه لبث عشر سنين وليس ~~فيها ما ينفي الزيادة على العشر كما قاله الرازي وإن قال ms1862 ابن عادل يرده ~~قوله تعالى: {فلما قضى موسى الأجل} (القصص، 29) # أي: الأجل المشروط عليه في تزويجه وسار بأهله ومدين بلدة شعيب على ثمان ~~مراحل من مصر {ثم جئت على قدر} أي: على القدر الذي قدرت أنك تجي فيه لأن ~~أكلمك وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر وقال عبد الرحمن بن ~~كيسان على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه للأنبياء وهذا قول أكثر ~~المفسرين أي: على الموعد الذي وعد الله وقدر أنه يوحي إليه بالرسالة وهو ~~أربعون سنة وكرر تعالى قوله: {يا موسى} عقب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ~~ذلك. المنة الثامنة: قوله تعالى: # {واصطنعتك} أي: اخترتك {لنفسي} لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل إلا بما ~~أمرتك به وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا ~~لنفسك ولا لغيرك ثم بين تعالى ماله اصطنعه وهو الإبلاغ والأداء بقوله ~~تعالى: # {اذهب أنت وأخوك بآياتي} أي: بمعجزاتي وقال ابن عباس: الآيات التسع التي ~~بعث بها موسى وقيل: إنها العصا واليد لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا ~~الموضع ولم يذكر أنه عليه السلام أوتي قبل مجيئه إلى فرعون ولا بعد مجيئه ~~حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى حكاية عن فرعون: ~~{إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} (الأعراف: 106، 107، 108) # وقال تعالى: {فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه} (القصص، 32) # فإن قيل: كيف أطلق لفظ الجمع على الاثنين؟ أجيب: بأن العصا كانت آيات ~~انقلابها حيوانا ثم إنها في أول الأمر كانت صغيرة لقوله تعالى: تهتز كأنها ~~جان ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى ثم # PageV02P463 # كانت تصير ثعبانا وهذه آية أخرى ثم إنه عليه السلام كان يدخل يده في فمها ~~فما كانت تضره فهذه آية أخرى ثم كانت تنقلب خشبة فهذه آية أخرى وكذلك اليد ~~فإن بياضها آية وشعاعها آية أخرى ثم زوالها بعد ذلك آية أخرى فدل ذلك على ms1863 ~~أنها كانت آيات كثيرة. # وقيل: الآيات العصا واليد وحل عقدة لسانه وقيل: معناه أمدكما بآياتي ~~وأظهر على أيديكما من الآيات ما تنزاح به العلل من فرعون وقومه {ولاتنيا} ~~أي: لا تفترا ولا تقصرا {في ذكري} أي: بتسبيح وغيره فإن من ذكر جلال الله ~~استخف غيره فلا يخاف أحدا وتقوى روحه بذلك الذكر فلا تضعف في مقصوده، ومن ~~ذكر الله لا بد وأن يكون ذاكر إحسانه، وذاكر إحسانه لا يفتر في أداء أوامره ~~وقيل: لاتنيا في ذكرى عند فرعون بأن تذكرا لفرعون وقومه أن الله لا يرضى ~~منهم الكفر وتذكرا لهم أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب وقيل: المراد ~~بالذكر تبليغ الرسالة # {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} أي: بادعاء الربوبية # تنبيه: ذكر الله تعالى المذهوب إليه هنا وهو فرعون وحذفه في قوله اذهب ~~أنت وأخوك بآياتي اختصارا في الكلام وقال القفال فيه وجهان؛ أحدهما: أن ~~قوله اذهب أنت وأخوك بآياتي يحتمل أن يكون كل واحد منهما مأمورا بالذهاب ~~على الانفراد فقيل مرة أخرى اذهبا لتعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك ~~جميعا لا أن ينفرد به أحدهما دون الآخر والثاني: أن قوله اذهب أنت وأخوك ~~بآياتي أمر بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون ثم إن قوله ~~تعالى: اذهبا إلى فرعون أمر بالذهاب إلى فرعون وحده واستبعد هذا بل ~~الذهابان متوجهان لشيء واحد وقد حذف من كل من الذهابين ما أثبته في الآخر ~~وقيل: إنه حذف المذهوب إليه من الأول وأثبته في الثاني، وحذف المذهوب به ~~وهو بآياتي من الثاني وأثبته في الأول. # {فقولا له قولا لينا} أي: مثل {هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى} ~~(النازعات: 18، 19) # فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة، فإن قيل: لم أمر الله تعالى باللين مع ~~الكافر الجاحد؟ أجيب: بأن عادة الجبار إذا أغلظ عليه في الوعظ يزداد عتوا ~~وتكبرا فأمر باللين حذرا من أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليهما واحتراما ~~لما له من حق التربية وقيل: كنياه وكان له ثلاث كنى ms1864 أبو العباس وأبو الوليد ~~وأبو مرة وقيل: عداه شبابا لا هرم بعده وملكا لا يزول إلا بالموت وأن تبقى ~~له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته وإذا مات دخل الجنة فأعجبه ذلك ~~وكان لا يقطع أمرا دون هامان وكان غائبا فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه ~~موسى وقال أردت أن أقبل منه فقال له هامان كنت أرى أن لك عقلا ورأيا أنت رب ~~تريد أن تكون مربوبا وأنت تعبد تريد أن تعبد فغلبه على رأيه وقوله تعالى: ~~{لعله يتذكر أو يخشى} متعلق باذهبا أو قولا أي: باشرا الأمر على رجائكما ~~وطمعكما مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه فهو يجتهد بطوقه ~~ويسعى بأقصى وسعه، قال الزمخشري: ولا يستقيم أن يراد ذلك في حق الله تعالى ~~إذ هو عالم بعواقب الأمور، وعن سيبويه كل ما ورد في القرآن من لعل وعسى فهو ~~من الله واجب بمعنى أنه يستحيل بقاء معناه في حق الله تعالى وقال الفراء: ~~إن لعل بمعنى كي فتفيد العلية كما تقول اعمل لعلك تأخذ أجرتك. # فائدة: قرأ رجل عند يحيى بن معاذ {فقولا له قولا # PageV02P464 # لينا} فبكى يحيى وقال إلهي هذا برك بمن يقول أنا الإله فكيف برك بمن يقول ~~أنت الإله فإن قيل: ما الفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد ~~مع علمه تعالى بأنه لا يؤمن؟ أجيب: بأن ذلك الإلزام الحجة وقطع المعذرة ~~وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم ~~ولذلك قدم الأول أي: إن لم يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه ~~فيخشى. ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة ~~فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه فلا يؤمن ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم ~~تنفعه الذكرى والخشية، وذلك حين ألجمه الغرق قال: {آمنت أنه لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين} (يونس، 90) # ثم إن موسى وهارون. # {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط} أي: يعجل ms1865 {علينا} بالعقوبة {أو أن يطغى} ~~أي: يتجاوز الحد في الإساءة علينا، فإن قيل: لما تكرر الأمر من الله تعالى ~~بالذهاب، فعدم الذهاب والتعلل بالخوف هل يدل على معصية؟ أجيب: بأن الأمر ~~ليس على الفور فسقط السؤال وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي ~~الفور، فإن قيل: قوله تعالى: قالا ربنا يدل على أن المتكلم موسى وهارون ولم ~~يكن هارون هناك حاضرا؟ أجيب: بأن الكلام كان مع موسى إلا أنه كان متبوع ~~هارون فجعل الخطاب معه خطابا مع هارون وكلام هارون على سبيل التقدير في تلك ~~الحالة وإن كان موسى وحده إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله تعالى: ~~{وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها} (البقرة، 72) # وقوله: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} (المنافقون، 8) # روي أن القائل عبد الله بن أبي وحده، فإن قيل: إن موسى عليه السلام قال: ~~{رب اشرح لي صدري} (طه، 25) # فأجابه الله تعالى بقوله: {قد أوتيت سؤلك يا موسى} (طه، 36) # وهذا يدل على أنه تعالى قد شرح صدره ويسر له ذلك الأمر.u # فكيف قال بعده إنا نخاف فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر؟ أجيب: ~~بأن شرح الصدر عبارة عن تقويته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ تلك ~~الشرائع على وجه لا يتطرق إليها السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير الخوف # {قال} الله تعالى لهما {لا تخافا إنني معكما} حافظكما وناصركما {أسمع ~~وأرى} أي: ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل ما يوجبه حفظي ونصري، ~~وقال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما فأمنع فلست بغافل ~~عنكما فلا تهتما، وقال القفال: قوله تعالى: {أسمع وأرى} يحتمل أن يكون ~~مقابلا لقوله تعالى {يفرط علينا أو أن يطغى} ؛ يفرط علينا بأن لا يسمع منا ~~أو أن يطغى بأن يقتلنا، قال تعالى: إنني معكما أسمع كلامكما فأسخره ~~للاستماع منكما، وأرى أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه ثم إنه ~~سبحانه وتعالى أعاد ذلك التكليف فقال: # {فأتياه} لأنه سبحانه وتعالى قال في ms1866 المرة الأولى: {اذهبا إلى فرعون} ~~(طه، 43) # وفي الثانية قال: {اذهب أنت وأخوك} (طه، 42) # وفي الثالثة قال: {اذهب إلى فرعون} (طه، 24) # وفي الرابعة قال ههنا: فأتياه، فإن قيل: إنه تعالى أمرهما في الثانية بأن ~~يقولا له قولا لينا، وههنا أمرهما بقوله تعالى: {فقولا إنا رسولا ربك فأرسل ~~معنا بني إسرائيل} أي: إلى الشام {ولا تعذبهم} أي: خل عنهم من استعمالك ~~إياهم في أشغالك الشاقة كالحفر والبناء وحمل الثقيل وقطع الصخور وكان فرعون ~~يستعملهم في ذلك مع قتل الأولاد وفي هذا تغليظ من وجوه؛ # PageV02P465 # الأول: قوله: إنا رسولا ربك، وهذا يقتضي انقياده لهما والتزامه لطاعتهما ~~وذلك يعظم على الملك المتبوع. الثاني: قولهما: فأرسل معنا بني إسرائيل فيه ~~إدخال النقص على ملكه لأنه كان محتاجا إليهم فيما يريده من الأعمال أيضا. ~~الثالث: قولهما: ولا تعذبهم. الرابع: قولهما {قد جئناك بآية من ربك} فما ~~الفائدة في التليين أولا والتغليظ ثانيا؟ أجيب: بأن الإنسان إذا ظهر لجاجه ~~فلا بد له من التغليظ حيث لم ينفع التليين. # فإن قيل: أليس الأولى أن يقول إنا رسولا ربك قد جئناك بآية فأرسل معنا ~~بني إسرائيل ولا تعذبهم لأن ذكر المعجز مقرونا بالدعاء للرسالة أولى من ~~تأخيره عنه؟. # أجيب: بأن هذا أولى لأنهما ذكرا مجموع الدعاوي ثم استدلا على ذلك المجموع ~~بالمعجز وقولهما: قد جئناك بآية من ربك قال الزمخشري: هذه الجملة جارية من ~~الجملة الأولى وهي أنا رسولا ربك مجرى البيان والتفسير لأن دعوى الرسالة لا ~~تثبت إلا ببينتهما التي هي مجيء الآية. # فإن قيل: إن الله تعالى قد أعطاهما آيتين هما العصا واليد ثم قال تعالى: ~~{اذهب أنت وأخوك بآياتي} ، وذلك يدل على ثلاث آيات وقالا هنا قد جئناك بآية ~~من ربك وذلك يدل على أنها كانت واحدة فكيف الجمع؟ أجاب القفال: بأن معنى ~~الآية الإشارة إلى جنس الآيات كأنهما قالا قد جئناك ببينات من عند الله ثم ~~يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججا كثيرة وتقدم الجواب عن التثنية والجمع ~~وأن في العصا واليد آيات. ms1867 # وقوله تعالى: {والسلام على من اتبع الهدى} يحتمل أن يكون من كلام الله ~~تعالى كأنه تعالى قال: فقولا إنا رسولا ربك وقولا له والسلام على من اتبع ~~الهدى ويحتمل أن يكون كلام الله قد تم عند قوله قد جئناك بآية من ربك، ~~وقوله تعالى بعد ذلك والسلام على من اتبع الهدى وعد من قبلهما لمن آمن وصدق ~~بالسلامة له من عقوبات الله في الدنيا والآخرة أو أن سلام الملائكة وخزنة ~~الجنة على المهتدين، وقال بعضهم: إن على بمعنى اللام أي: والسلام لمن اتبع ~~الهدى كقوله تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} (فصلت، 46) # وقال تعالى في موضع آخر: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} ~~(الإسراء، 7) # نا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب ما جئنا به {وتولى} أعرض عنه، قال ~~البيضاوي: ولعل تغيير النظم والتصريح بالوعيد والتوكيد فيه لأن التهديد في ~~أول الأمر أهم وأنجع وبالواقع أليق. ولما أتياه وقالا: إنا رسولا ربك ~~وبلغاه ما أمرا به # {قال} لهما {فمن ربكما يا موسى} إنما نادى موسى وحده بعد مخاطبته لهما ~~معا إما لأن موسى هو الأصل في الرسالة وهارون تبع وردء ووزير وإما لأن ~~فرعون كان لخبثه يعلم الرتة التي كانت في لسان موسى عليه الصلاة والسلام ~~ويعلم فصاحة أخيه بدليل قوله: {هو أفصح مني لسانا} (القصص، 34) # فأراد أن يفحمه ويدل عليه قول فرعون ولا يكاد يبين وإما لأنه حذف المعطوف ~~للعلم به أي: يا موسى وهارون قاله أبو البقاء، ثم إن فرعون لم يشتغل مع ~~موسى بالبطش والإيذاء لما دعاه إلى الله تعالى مع أنه كان شديد القوة عظيم ~~الغلبة كثير العسكر بل خرج معه في المناظرة لأنه لو أذاه لنسب إلى الجهل ~~والسفاهة فاستنكف من ذلك وشرع في المناظرة وذلك يدل على أن السفاهة من غير ~~حجة لم يرضه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام ~~والعلم # تنبيه: قال ههنا {فمن ربكما يا موسى} وقال في سورة الشعراء: # PageV02P466 # {وما رب العالمين} ms1868 (الشعراء، 23) # وهو سؤال عن الماهية فهما سؤالان مختلفان والواقعة واحدة قال ابن عادل ~~والأقرب أن يقال سؤال من كان مقدما على سؤال ما لأنه كان يقول: إني أنا ~~الله والرب فقال: فمن ربكما فلما أقام موسى الدلالة على الوجود وعرف أنه لا ~~يمكنه أن يقاومه في هذا المقام لظهوره وجلائه عدل إلى طلب الماهية لأن ~~العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر. # فإن قيل: لم قال فمن ربكما ولم يقل فمن إلهكما؟ أجيب: بأنه أثبت نفسه ربا ~~في قوله: {ألم نربك فينا وليدا} (الشعراء، 18) # فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال أنا ربك فلم تدع ربا آخر وهذا يشبه ~~كلام نمروذ حين قال له إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال له نمروذ أنا أحيي ~~وأميت فلم تكن الإماتة التي ذكرها إبراهيم هي الإماتة مع الإحياء التي ~~عارضه نمروذ بها إلا في اللفظ فكذا ههنا لما ادعى موسى ربوبية الله تعالى ~~ذكر فرعون هذا الكلام أي: أنا الرب الذي ربيتك ومعلوم أن الربوبية التي ~~ادعاها موسى عليه السلام غير الربوبية في المعنى وأنه لا مشاركة بينهما، ثم ~~كأنه قيل: فما أجاب به موسى فقيل: # {قال} مستدلا على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات {ربنا الذي أعطى كل شيء} ~~أي: من الأنواع {خلقه} أي: صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به كما ~~أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار والأذن الشكل الذي يوافق الإسماع ~~وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان كل واحد منها مطابق لما علق به من ~~المنفعة غير ناء عنه أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث جعل ~~الحصان والحجرة زوجين والبعير والناقة كذلك والرجل والمرأة كذلك فلم يزاوج ~~منهما شيئا غير جنسه وما هو على خلاف خلقه {ثم هدى} أي: ثم عرف الله تعالى ~~الحيوان الكائن من المخلوق كيف يرتفق بما أعطي وكيف يتوصل إليه. قال ~~الزمخشري: ولله در هذا الجواب ما أحضره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ~~ونظره بين الأنصاف وكان طالبا للحق ولما خاف فرعون أن يزيد ms1869 موسى في إظهار ~~تلك الحجة فيظهر للناس صدقه # {قال} لموسى {فما بال} أي: حال {القرون} أي: الأمم {الأولى} كقوم نوح ~~وهود ولوط وصالح في عبادتهم الأوثان فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث ~~فمن شقي منهم ومن سعد أراد أن يصرفه عن ذلك الكلام ويشغله بهذه الحكايات ~~فلم يلتفت إليه فلذلك # {قال علمها عند ربي} استأثر به لا يعلمه إلا هو وما أنا إلا عبد مثلكم لا ~~أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب وعلم أحوال هذه القرون مثبت عند ربي ~~{في كتاب} هو اللوح المحفوظ ويجوز أن يكون ذلك تمثيلا لتمكنه في علمه تعالى ~~بما استحفظه العالم وقيده بالكتابة ويؤيده قوله {لا يضل ربي ولا ينسى} ~~والضلال أن يخطئ الشيء في مكانه فلم يتهد إليه، والنسيان أن يذهب عنه بحيث ~~لا يخطر بباله، وهما محالان على علام الغيوب بخلاف العبد الذليل والبشر ~~الضئيل أي: لا يضل تعالى ولا ينسى كما تضل أنت وتنسى يا مدعي الربوبية ~~بالجهل والوقاحة ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول وإبراز الدلائل الظاهرة على ~~الوحدانية فقال # {الذي جعل لكم} في جملة الخلق {الأرض مهدا} أي: فراشا # تنبيه: هذا الموصول في محل رفع صفة لربي وخبره محذوف تقديره هو، أو منصوب ~~على المدح. وقرأ عاصم وحمزة هنا وفي سورة الزخرف مهدا بفتح الميم وسكون ~~الهاء أي: # PageV02P467 # مهدها مهدا أو تتمهدونها فهي لهم كالمهاد وهو ما يمهد للصبي، وقرأ ~~الباقون بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها وهو اسم ما يمهد كالفراش أو جمع ~~مهد {وسلك} أي: سهل {لكم فيها سبلا} أي: طرقا بين الجبال والأودية والبراري ~~تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها {وأنزل من السماء ماء} أي: مطرا ~~وعدل بقوله {فأخرجنا به} عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام ~~الله تعالى تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته والحكمة ~~وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته وعلى هذا نظائره كقوله ~~تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ms1870 ثمرات مختلفا ~~ألوانها} (فاطر، 27) # {أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق} ~~(النحل، 60) # {أزواجا} أي: أصنافا سميت بذلك لأنها مزدوجة مقترنة بعضها مع بعض وقوله ~~تعالى {من نبات} بيان وصفة لا زواجا وكذلك {شتى} وهو جمع شتيت من شت الأمر ~~تفرق نحو مرضى جمع مريض وجرحى جمع جريح فألفه للتأنيث أي: أزواجا متفرقة ~~ويجوز أن يكون صفة للنبات فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد ~~والجمع أي: أنها مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل بعضها يصلح ~~للناس وبعضها للبهائم فلذلك قال تعالى: # {كلوا وارعوا أنعامكم} والأنعام جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم يقال ~~رعت الأنعام ورعيتها والأمر للإباحة وتذكير النعمة والجملة حال من ضمير ~~أخرجنا أي: مبيحين لكم الأكل ورعي الأنعام أي: وبقية الحيوانات {إن في ذلك} ~~أي: فيما ذكرت من هذه النعم {لآيات} أي: لعبرا {لأولي النهى} أي: أصحاب ~~العقول جمع نهية كغرفة وغرف سمي به العقل لأنه ينهي صاحبه عن ارتكاب ~~القبائح. ولما ذكر سبحانه وتعالى منافع الأرض والسماء بين أنها غير مطلوبة ~~لذاتها بل هي مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال: # {منها} أي: الأرض {خلقناكم} فإن قيل: إنما خلقنا من النطفة على ما بين في ~~سائر الآيات؟ أجيب: بأوجه. # أحدها: أنه لما خلق أصلنا آدم عليه السلام من تراب كما قال تعالى: {كمثل ~~آدم خلقه من تراب} (آل عمران، 59) # حسن إطلاق ذلك علينا. # ثانيها: أن تولد الإنسان إنما هو من النطفة ودم الطمث وهما متولدان من ~~الأغذية والغذاء إما حيواني أو نباتي، والحيواني ينتهي إلى النباتي والنبات ~~إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب فصح أنه تعالى خلقنا منها وذلك لا ينافي ~~كوننا مخلوقين من النطفة. # ثالثها: روى ابن مسعود أن ملك الأرحام يأتي إلى الرحم حين يكتب أجل ~~المولود ورزقه والأرض التي يدفن فيها فإنه يأخذ من تراب تلك البقعة وينثره ~~على النطفة ثم يدخلها في الرحم وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني قال: إن ~~الملك ينطلق فيأخذ ms1871 من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق من ~~التراب ومن النطفة {وفيها نعيدكم} أي: مقبورين بعد الموت {ومنها نخرجكم} ~~أي: عند البعث {تارة} أي: مرة {أخرى} أي: بتألف أجزائكم المتفتتة المختلطة ~~بالتراب ونردهم كما كانوا أحياء ونخرجهم إلى المحشر يوم يخرجون من الأجداث ~~سراعا ولما كان المقام لتعظيم القدرة عطف عليه قوله تعالى: # {ولقد أريناه} أي: أبصرناه {آياتنا كلها} أي: التسع المختصة بموسى عليه ~~السلام وهي العصا واليد وفلق البحر والحجر # PageV02P468 # والجراد والقمل والضفادع والدم ونتق الجبل {فكذب} بها وزعم أنها سحر ~~{وأبى} أن يسلم، فإن قيل: قوله تعالى: كلها يفيد العموم والله تعالى ما ~~أراه جميع الآيات فإن من جملة الآيات ما أظهرها على أيدي الأنبياء قبل موسى ~~عليه السلام وبعده؟ أجيب: بأن لفظ الكل وإن كان للعموم قد يستعمل في الخصوص ~~مع القرينة كما يقال: دخلت السوق فاشتريت كل شيء أو يقال: إن موسى عليه ~~السلام أراه آياته وعدد عليه آيات غيره من الأنبياء فكذب فرعون بالكل أو ~~يقال تكذيب بعض المعجزات يقتضي تكذيب الكل فحكى سبحانه وتعالى ذلك على ~~الوجه الذي يلزم ثم كأنه قيل: كيف صنع في تكذيبه وإبائه فقيل: # {قال} حين علم حقيقة ما جاء به موسى وظهوره وخاف أن يتبعه الناس ويتركوه ~~ووهن في نفسه وهنا عظيما {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا} أي: الأرض التي نحن ~~مالكوها ويكون لك الملك فيها فصارت فرائصه ترعد خوفا مما جاء به موسى لعلمه ~~وإيقانه أنه على الحق وأن المحق لو أراد قود الجبال لانقادت له وإن مثله لا ~~يخذل ولا يذل ناصره وأنه غالبه على ملكه لا محالة ثم خيل لأتباعه أن ذلك ~~سحر بقوله {بسحرك يا موسى} فكان ذلك مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال صارفا ~~لهم عن اتباع ما رأوه من البيان ثم أظهر لهم أنه يعارضه بمثل ما أتى به ~~بقوله: # {فلنأتينك بسحر مثله} أي: مثل سحرك يعارضه {فاجعل بيننا وبينك موعدا} أي: ~~من الزمان والمكان {لا نخلفه} أي: لا نجعله ms1872 خلفنا {نحن ولا أنت} أي: لا ~~نجاوزه ولما كان كل من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال: {مكانا} وآثر ~~ذلك المكان لأجل وصفه بقوله {سوى} أي: عدلا وقال ابن عباس نصفا تستوي مسافة ~~الفريقين إليه فانظر إلى هذا الكلام الذي زوقه ونمقه وصنعه بما وقف به قومه ~~عن السعادة واستمر يقودهم بعناده حتى أوردهم البحر فأغرقهم ثم في غمرات ~~النار أحرقهم، وقيل: معنى سوى أي: سوى هذا المكان، وقرأ شعبة وابن عامر ~~وحمزة والكسائي بضم السين والباقون بكسرها وأمال شعبة وحمزة والكسائي في ~~الوقف محضة والباقون بالفتح، وقيل: المراد بالموعد الوعد لأن الإخلاف لا ~~يلائم الزمان والمكان أي: بل الوعد هو الذي يصح وصفه بالخلف وعدمه وإلى هذا ~~نحا جماعة مختارين له. ورد عليهم بقوله: # {قال موعدكم يوم الزينة} فإنه لا يطابقه. # تنبيه: يحتمل أن قوله: قال موعدكم يوم الزينة أن يكون من قول فرعون فبين ~~الوقت وأن يكون من قول موسى عليه السلام وهذا أظهر كما قال الرازي لوجوه؛ ~~الأول: أنه جواب لقول فرعون: {فاجعل بيننا وبينك موعدا} الثاني: وهو أن ~~تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع فتعيينه إنما يليق بالمحق ~~الذي يعرف أن اليد له لا المبطل الذي يعرف أنه ليس معه إلا التلبيس. ~~ثالثها: أن قوله: موعدكم خطاب للجمع فلو جعلناه من فرعون لموسى وهارون لزم ~~إما أن نحمله على التعظيم أو أن أقل الجمع اثنان فالأول لا يليق بحال فرعون ~~معهما والثاني غير جائز، فإذا جعلناه من موسى عليه السلام استقام الكلام ~~واختلف في يوم الزينة فقال مجاهد وقتادة: النيروز، وقال ابن عباس وسعيد بن ~~جبير: هو يوم عاشوراء، وقيل: كان يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون في كل ~~سنة، وقيل: يوم كانوا يتخذون فيه سوقا ويتزينون # PageV02P469 # ذلك اليوم. # وبنى قوله: {وأن يحشروا} للمفعول؛ لأن القصد الجمع لا كونه من معين ~~{الناس} أي: يجتمعوا {ضحى} أي: وقت الضحوة، فيكون أظهر لما يعمل، وأجلى، ~~فلا يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر، وعرف المحق ms1873 من المبطل، ويكثر التحديث ~~بذلك في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر. # {فتولى} أي: أعرض {فرعون} عن موسى إلى تهيئة ما يريد من الكيد بعد توليه ~~عن الانقياد لأمر الله تعالى {فجمع كيده} أي: مكره وحيلته وخداعه الذي دبره ~~على موسى عليه السلام بجميع من يحصل بهم الكيد، وهم السحرة حشرهم من كل فج، ~~وكان أهل مصر أسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحرا، وكانوا في ذلك الزمان أشد ~~اعتناء بالسحر، وأمهر ما كانوا وأكثر {ثم أتى} للميعاد الذي وقع القرار ~~عليه بمن حشره من السحرة والجنود ومن تبعهم من الناس مع توفر الدواعي على ~~الإتيان للعيد، والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن مثلها، ولما تشوق ~~السامع إلى ما كان من موسى عليه السلام عند ذلك استأنف تعالى الخبر عنه ~~بقوله تعالى: # {قال لهم} أي: لأهل الكيد والعناد، وهم السحرة وغيرهم {موسى} حين رأى ~~اجتماعهم ناصحا لهم {ويلكم} يا أيها الناس الذين خلقكم الله تعالى لعبادته ~~{لا تفتروا} أي: لا تتعمدوا {على الله كذبا} بإشراك أحد معه {فيسحتكم} قال ~~مقاتل: يهلككم، وقال قتادة: يستأصلكم {بعذاب} من عنده، وقرأ حفص وحمزة ~~والكسائي بضم الياء، وكسر الحاء من الإسحات، وهو لغة نجد وتميم، والباقون ~~بفتحهما، والسحت لغة الحجاز {وقد خاب من افترى} كما خاب فرعون، فإنه افترى ~~واحتال ليبقى الملك له، فلم ينفعه. # {فتنازعوا} أي: تجاذب السحرة {أمرهم بينهم} لما سمعوا هذا الكلام علما ~~منهم أنه لا يقدر أن يواجه فرعون بمثله في جمع جنوده وأتباعه، ثم يسلم منه ~~إلا من الله تعالى معه {وأسروا النجوى} قال الكلبي: قالوا سرا: إن غلبنا ~~موسى اتبعناه، وقال محمد بن إسحاق: لما قال لهم موسى: لا تفتروا على الله ~~كذبا، قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر، وبالغوا في إخفاء ذلك، فإن النجوى ~~الإسرار لئلا يظهر فرعون وأتباعه على ذلك، فكأنه قيل: ما قالوا حين انتهى ~~تنازعهم؟ فقيل: # {قالوا} أي السحرة: {إن هذان لساحران} أي: موسى وهارون، وقرأ ابن كثير ~~وحفص بسكون النون ms1874 من إن، وشددها الباقون، وقرأ أبو عمرو بالياء بعد الذال، ~~والباقون بالألف على لغة من يجعل ألف المثنى لازما في كل حال، قال أبو ~~حيان: وهي لغة لطوائف من العرب بني الحارث بن كعب، وبعض كنانة وخثعم وزيد ~~وبني النضر وبني الجهيم ومراد وعذرة، وقال شاعرهم: # تزود مني بين أذناه ضربة # يريد أذنيه، وقال آخر: # *إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها* # وقيل: تقدير الآية أنه هذان، فحذف الهاء، وذهب جماعة إلى أن حرف أن ههنا ~~بمعنى نعم، أي: نعم هذان، روي أن أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا، فحرمه، ~~فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، أي: نعم، ~~وشدد ابن كثير النون، فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام، وتزويره خوفا من ~~غلبتهما، وتثبيطا للناس عن اتباع موسى وهارون {يريدان} أي بما يقولان من ~~دعوى الرسالة وغيرها {أن يخرجاكم} أيها الناس {من أرضكم} هذه التي ~~ألفتموها، وهي وطنكم خلفا # PageV02P470 # عن سلف {بسحرهما} الذي أظهراه لكم وغيره. ولما كان كل حزب بما لديهم ~~فرحين قالوا: {ويذهبا بطريقتكم المثلى} مؤنث الأمثل، وهو الأفضل، أي: ~~بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبه، وإعلاء دينه لقوله تعالى: {إني ~~أخاف أن يبدل دينكم} (غافر، 26) ، وقيل: أراد أهل طريقتكم، وهم بنو ~~إسرائيل، فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم لقول موسى: {أرسل معنا بني ~~إسرائيل} (الشعراء، 17) ، وقيل: الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم من حيث ~~إنهم قدوة لغيرهم. # {فأجمعوا كيدكم} أي: من السحر وغيره، فلا تدعوا منه شيئا إلا جئتم به، ~~وقرأ أبو عمرو بهمزة الوصل بين الفاء والجيم، وفتح الميم، والباقون بهمزة ~~مقطوعة وكسر الميم {ثم ائتوا} أي: للقاء موسى وهارون {صفا} أي مصطفين؛ لأنه ~~أهيب في صدور الرائين. # تنبيه: اختلفوا في عدد السحرة، فقال الكلبي: كانوا اثنين وسبعين ساحرا؛ ~~اثنان من القبط، وسبعون من بني إسرائيل، وقال عكرمة: كانوا تسعمائة؛ ~~ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الاسكندرية، وقال ~~وهب: خمسة عشرة ألفا، وقال السدي: بضعة وثلاثون ألفا، وقال القاسم ms1875 بن سلام: ~~كانوا سبعين ألفا، وقيل: اثني عشر ألفا مع كل منهم على كل قول حبل وعصا، ~~وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وظاهر القرآن لا يدل على شيء من هذه الأقوال. # ولما كان التقدير: فمن أتى كذلك فقد استعلى عطف عليه قوله: {وقد أفلح ~~اليوم} في هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط {من استعلى} أي: فاز بالمطلوب ~~من غلب، فلما أتى السحرة موسى. # {قالوا} له متأدبين؛ لأن لين القول مع الخصم إن لم ينفع لم يضر؛ بل نفعهم ~~قال بعضهم: ولذلك رزقهم الله تعالى الإيمان ببركته {يا موسى إما أن تلقي} ~~أي: ما معك مما تناظرنا به أولا {وإما أن نكون} نحن {أول من ألقى} ما معه # {قال} لهم موسى عليه السلام مقابلا لأدبهم بأحسن منه، ولأنه فهم أن ~~مرادهم الابتداء، وليكون هو الآخر، فتكون له العاقبة بتسليط معجزته على ~~سحرهم، فلا يكون بعدها شك لا ألقي أنا أولا {بل ألقوا} أنتم أولا، فانتهزوا ~~الفرصة؛ لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه من تغيير السياق والتصريح بالأول، ~~فألقوا ما معهم من الحبال والعصي {فإذا حبالهم وعصيهم} أي: التي ألقوها قد ~~فاجأت أنه {يخيل إليه} تخييلا مبتدأ {من سحرهم} أي: الذي قد فاقوا به أهل ~~الأرض {أنها} لشدة اضطرابها {تسعى} فإن قيل: كيف يجوز أن يقول موسى عليه ~~السلام: بل ألقوا فيأمرهم بما هو سحر أجيب: بأن ذلك الأمر كان مشروطا، ~~والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين؛ كما في قوله تعالى: {فأتوا ~~بسورة من مثله} ، أي: إن كنتم صادقين، وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال ~~والعصي أخذوا أعين الناس، فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات، وكانت ~~قد أخذت ميلا من كل جانب، ورأوا أنها تسعى، وقيل: لطخوها بالزئبق، فلما ~~وقعت عليها الشمس اضطربت، فخيل إليهم أنها تتحرك، وقرأ ابن ذكوان تخيل ~~بالتاء الفوقية على التأنيث، والباقون بالياء على إسناده إلى ضمير الحبال # {فأوجس} أي: أحس {في نفسه خيفة موسى} عليه الصلاة والسلام فإن قيل: كيف ~~استشعر الخوف، وقد عرض ms1876 عليه المعجزات الباهرات كالعصا واليد، ثم إن الله ~~تعالى قال له بعد ذلك: إنني معكما أسمع وأرى # PageV02P471 # فكيف وقع الخوف في قلبه؟ أجيب بأوجه أحدها: أنه خاف من جهة أن سحرهم من ~~جنس معجزته أن يلتبس أمره على الناس، فلا يؤمنوا به، الثاني: أنه خوف طبع ~~البشرية مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها كذلك، الثالث: لعله كان مأمورا أن ~~لا يفعل شيئا إلا بالوحي، فلما تأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت خاف أن ~~لا ينزل عليه الوحي في ذلك الجمع، فيبقى الخجل؛ ثم إنه أزال ذلك الخوف ~~بقوله تعالى: # {قلنا لا تخف} من شيء من أمرهم ولا غيره، ثم علل ذلك بقوله تعالى، وأكده ~~أنواعا من التأكيد لاقتضاء الحال إنكار أن يغلب أحد ما أظهروا من سحرهم ~~لعظمه {إنك أنت} خاصة {الأعلى} أي الغالب غلبة ظاهرة لا شبهة فيها {وألق ما ~~في يمينك} أبهمه، ولم يقل: عصاك تحقيرا لها؛ أي: لا تبال بكثرة حبالهم، ~~وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، أو تعظيما لها أي: لا تحتفل بكثرة هذه ~~الأجرام وعظمها، فإن في يمينك ما هو أعظم منها أي: العصا، وهي التي قلنا لك ~~أول ما شرفناك بالمناجاة: {وما تلك بيمينك يا موسى} (ظه، 17) ، ثم أريناك ~~منها ما أريناك {تلقف} أي: تبتلع بقوة واجتهاد مع سرعة لا تكاد تدرك {ما ~~صنعوا} أي: فعلوه بعد تدرب كثير وممارسة طويلة، فلما ألقاها صارت أعظم حية ~~من حياتهم، ثم أخذت تزداد عظما حتى ملأت الوادي، ثم صعدت حتى علقت ذنبها ~~بطرف الثنية، ثم هبطت وأكلت كل ما عملوه في الميلين والناس ينظرون إليها لا ~~يحسبون إلا أنه سحر، ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها نحو ثمانين ~~ذراعا، فصاح بموسى، فأخذها، فإذا هي عصا كما كانت، ونظرت السحرة، فإذا هي ~~لم تدع من حبالهم، وعصيهم شيئا إلا أكلته، وعرفوا أنه ليس بسحر، وأصل تلقف ~~تتلقف حذفت إحدى التاءين، وتاء المضارعة تحتمل التأنيث على إسناد الفعل إلى ~~العصا، والخطاب على إسناد الفعل ms1877 إلى السبب، وقرأ ابن ذكوان برفع الفاء على ~~الحال أو الاستئناف، والباقون بسكونها، وحفص بسكون اللام وتخفيف القاف على ~~أنه من لقفته بمعنى تلقفته {إنما} أي: الذي {صنعوا} أي: زوروا وافتعلوا ~~وهالك أمره {كيد ساحر} أي: كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات، وقرأ حمزة ~~والكسائي بكسر السين، وسكون الحاء بمعنى ذي سحر، أو بتسمية الساحر سحرا على ~~المبالغة، أو بإضافة الكيد إلى السحر للبيان كقولهم: علم فقه، والباقون ~~بفتح السين وكسر الحاء وألف بينهما. # فإن قيل: لم وحد الساحر ولم يجمع؟ أجيب بأن القصد من هذا الكلام معنى ~~الجنسية لا معنى العدد، فلو جمع خيل أن المقصود هو العدد؛ ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: {ولا يفلح الساحر} أي هذا الجنس {حيث أتى} أي: كيفما سار، وقال ابن ~~عباس: لا يسعد حيث كان، وقيل: معناه حيث احتال، فإنه إنما يفعل ما لا حقيقة ~~له. # فإن قيل: لم نكر أولا، ثم عرف ثانيا أجيب بأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم ~~واحد من أقسام السحر لا فائدة فيه، ولا شك أن الكلام على هذا الوجه أبلغ، ~~ثم أنه امتثل ما أمره به ربه من إلقاء العصا، فكان ما وعده به سبحانه من ~~تلقفها لما صنعوا من غير أن يظهر عليها زيادة في ثخن ولا في غيره مع أن ~~حبالهم وعصيهم كانت شيئا كثيرا، فعلم كل من رأى ذلك حقيته، وبطلان ما فعل ~~السحرة، فبادر السحرة منهم إلى الخضوع لأمر الله تعالى ساجدين مبادرة من ~~كأنه ألقاه ملق على وجهه، ولذلك قال تعالى بعد أن ذكر مكرهم واجتهادهم في ~~معارضة موسى عليه السلام، وحذف ذكر الإلقاء، وما سببه من التلقف؛ # PageV02P472 # لأن مقصود السورة القدرة على تليين القلوب القاسية. # {فألقي السحرة} أي: فألقاهم ما رأوا من أمر الله تعالى بغاية السرعة، ~~وبأيسر أمر {سجدا} على وجوههم لله تعالى توبة مما صنعوا وإغبانا لفرعون ~~بسجودهم، وتعظيما لما رأوا، وذلك لأنهم كانوا في الطبقة العليا من علم ~~السحر، فلما رأوا فعل موسى عليه السلام خارجا ms1878 عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من ~~السحر البتة، ويقال: قال رئيسهم: كنا نغلب الناس بالسحر، وكانت الآلات تبقى ~~علينا، فلو كان هذا سحرا، فأين الذي ألقيناه، فاستدلوا بتغيير أحوال ~~الأجسام على الصانع القادر، وبظهورها على يد موسى عليه السلام على كونه ~~رسولا صادقا من عند الله لا جرم تابوا وآمنوا، وأتوا بما هو النهاية في ~~الخضوع وهو السجود؛ قال الأصبهاني: سبحان الله ما أعظم شأنهم ألقوا حبالهم ~~وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم ~~الفرق بين الإلقاءين، فكأن قائلا قال هذا فعلهم، فماذا قالوا؟ فقيل: ~~{قالوا: آمنا برب هارون وموسى} ولم يقولوا: آمنا برب العالمين؛ لأن فرعون ~~ادعى الربوبية في قوله: {أنا ربكم الأعلى} (النازعات، 24) # والإلهية في قوله: {ما علمت لكم من إله غيري} (القصص، 38) ، فلو أنهم ~~قالوا ذلك لكان فرعون يقول: إنهم آمنوا بي لا بغيري، فلقطع هذه التهمة ~~اختاروا هذه العبارة، والدليل على ذلك أنهم لم يقتصروا على موسى بل قدموا ~~هارون لأن فرعون ربى موسى في صغره، فلو اقتصروا على موسى أو قدموا ذكره ~~فربما توهم أن المراد فرعون، وذكر هارون على الاستتباع وقيل: قدموه لكبر ~~سنه، أو لروي الآية، فسبحان الله ما أعظم أمرهم كانوا أول النهار سحرة ~~يقرون لفرعون بالربوبية، وآخره شهداء بررة روي أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى ~~رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها، وعن عكرمة لما خروا سجدا أراهم الله ~~تعالى في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة، فكأنه قيل: ما قال ~~لهم فرعون حينئذ؟ فقيل: # {قال} لهم: {آمنتم} أي: بالله {له} أي: مصدقين أو متبعين لموسى {قبل أن ~~آذن لكم} في ذلك، قال ذلك إيهاما بأنه سيأذن فيه ليقف الناس عن المبادرة ~~إلى الاتباع بين خوف العقوبة ورجاء الإذن، ثم استأنف قوله معلما مخيلا ~~لاتباعه صدا لهم عن الاقتداء بالسحرة {إنه} أي: موسى {لكبيركم} أي: معلمكم ~~{الذي علمكم السحر} أي: فلم تتبعوه لظهور الحق بل لإرادتهم شيئا من المكر ~~وافقتموه عليه قبل حضوركم في هذا الموطن، ms1879 وهذا على عادته في تخييل أتباعه ~~بما يوقفهم عن اتباع الحق. ولما خيلهم شرع يزيدهم حيرة بتهديد السحرة، فقال ~~مقسما {فلأقطعن} أي: بسبب ما فعلتم {أيديكم} على سبيل التوزيع {وأرجلكم} ~~أي: من كل رجل يدا ورجلا، وقوله: {من خلاف} حال يعني مختلفة، أي: الأيدي ~~اليمنى والأرجل اليسرى {ولأصلبنكم} وعبر عن الاستعلاء بالظرف إشارة إلى ~~تمكينهم في المصلوب عليه تمكين المظروف في ظرفه، فقال: {في جذوع النخل} ~~تشنيعا لقتلكم وردعا لأمثالكم {ولتعلمن أينا} يريد نفسه لعنه الله وموسى ~~عليه السلام بدليل قوله: آمنتم له، واللام مع الإيمان في كتاب الله لغير ~~الله؛ كقوله: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، وفيه تبجح باقتداره وقهره، وما ~~ألفه وضري به من تعذيب الناس بأنواع العذاب، وتوضيع لموسى عليه السلام، ~~واستضعاف له مع الهزء به؛ لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء. # وقيل: يريد رب # PageV02P473 # موسى الذي آمنوا به {أشد عذابا وأبقى} أي: أدوم على مخالفته فإن قيل: إن ~~فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حية، وقصدها له وآل الأمر أن ~~استغاث بموسى من شرها، وعجزه عن دفعها كيف يعقل أن يهدد السحرة ويبالغ في ~~وعيدهم إلى هذا الحد، ويستهزىء بموسي في قوله: أينا أشد عذابا وأبقى؟ أجيب: ~~بأنه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنه يظهر الجلادة والوقاحة تمشية ~~لناموسه وترويجا لأمره، قال الرازي: ومن استقرىء أحوال العالم علم أن ~~الفاجر قد يفعل أمثال هذه الأشياء، ومما يدل على معاندته قوله: إنه لكبيركم ~~الذي علمكم السحر لأنه كان يعلم أن موسى ما خالطهم البتة، وما لقيهم، وكان ~~يعلم من سحرته أستاذ كل واحد من هو، وكيف حصل ذلك العلم، ثم إنه كان يقول ~~مع ذلك هذه الأشياء، ثم كأنه قيل فما قالوا له؟ فقيل: # {قالوا} له: {لن نؤثرك} أي: نختارك {على ما جاءنا} على لسان موسى {من ~~البينات} التي عايناها، وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضادتها. ولما بدؤوا ~~بما يدل على الخالق من الفعل ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله إشارة ms1880 إلى ~~علو قدره، فقالوا: {والذي} أي: ولا نؤثرك بالإتباع على الذي فطرنا أي: ~~ابتدأ خلقنا إشارة إلى شمول ربوبية الله تعالى لهم وله ولجميع الناس، ~~وتنبيها على عجز فرعون عند من استخفه، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله ~~تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم. # تنبيه: قد علم مما تقرر أن والذي معطوف على ما وإنما أخروا ذكر الباري ~~تعالى؛ لأنه من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، وقيل: الواو قسم والموصول ~~مقسم به وجواب القسم محذوف، أي: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على الحق، ولما ~~تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به، وعلموا أن ما يفعله بهم هو بإذن الله تعالى ~~قالوا له: {فاقض} أي: فاصنع في حكمك الذي تمضيه {ما أنت قاض} أي: فاقض الذي ~~أنت قاضيه، ثم عللوا ذلك بقولهم: {إنما تقضي} أي: تصنع بنا ما تريد إن قدرك ~~الله عليه {هذه الحياة الدنيا} النصب على الاتساع أي: إنما حكمك فيها على ~~الجسد خاصة، فهي ساعة تعقبها راحة، ونحن لا نخاف إلا ممن يحكم على الروح، ~~وإن فني الجسد فذاك هو العذاب الشديد الدائم، ثم عللوا تعظيم الله تعالى، ~~واستهانتهم بفرعون بقولهم: # {إنا آمنا بربنا} أي: المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره ~~{ليغفر لنا} من غير نفع يلحقه بالفعل، أو ضرر يدركه بالترك {خطايانا} التي ~~قابلنا بها إحسانه، ثم خصوا بعد العموم فقالوا: {وما أكرهتنا عليه} وبينوا ~~ذلك بقولهم: {من السحر} لنعارض المعجزة، فإنه كان الأكمل لنا عصيانك فيه؛ ~~لأن الله تعالى أحق بأن يتقى. # فإن قيل: كيف قالوا ذلك وقد جاؤوا مختارين يحلفون بعزة فرعون آن لهم ~~الغلبة؟ أجيب: بأنه قد روي أن رؤوساء السحرة كانوا اثنين وسبعين اثنان من ~~القبط والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر، وروي أنهم ~~رأوا موسى عليه السلام نائما، وعصاه تحرسه، فقالوا لفرعون: إن الساحر إذا ~~نام بطل سحره، فهذا لا نقدر على معارضته، فأبى عليهم، وأكرههم على ~~المعارضة. # وقيل: إن الملوك في ذلك الزمان ms1881 كانوا يأخذون البعض من رعيتهم، ويكلفونه ~~تعلم السحر، فإذا شاخ بعثوا إليه أحداثا ليعلمهم ليكون في كل وقت من يحسنه. ~~ولما كان التقدير فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة عطفوا عليه مستحضرين ~~لكماله {والله} أي: الجامع لصفات الكمال {خير} جزاء منك فيما وعدتنا # PageV02P474 # به {وأبقى} ثوابا وعقابا قال أبو حيان: والظاهر أن الله تعالى سلمهم من ~~فرعون، ويؤيده قوله تعالى: {ومن اتبعكما الغالبون} (القصص، 35) ، وقال ~~الرازي: ليس في القرآن أن فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما أوعدهم، ولم ~~يثبت في الأخبار، وقال البقاعي: سيأتي في آخر الحديد ما هو صريح في نجاتهم، ~~ثم عللوا هذا الحكم بقولهم: # {إنه} أي: الأمر والشأن {من يأت ربه} أي: الذي رباه وأحسن إليه بأن أوجده ~~وجعل له جميع ما يصلحه {مجرما} بأن يموت على كفره {فإن له جهنم} دار ~~الإهانة {لا يموت فيها} فيستريح من عذابها بخلاف عذابك، فإن آخره الموت وإن ~~طال {ولا يحيى} فيها حياة مهنأة، وبها يندفع ما قيل: إن الجسم الحي لا بد ~~أن يبقى إما حيا أو ميتا، فخلوه عن الوصفين محال، وقال بعضهم: إن لنا حالة ~~ثالثة، وهي كحالة المذبوح قبل أن يهدأ، فلا هو حي لأنه قد ذبح ذبحا لا تبقى ~~الحياة معه، ولا هو ميت؛ لأن الروح لم تفارقه بعد، فهي حالة ثالثة # {ومن يأته} أي: ربه الذي قد أوجده ورباه {مؤمنا} أي: مصدقا به {قد} ضم ~~إلى تصديق الإيمان أنه {عمل} أي: في الدنيا الصالحات أي: التي أمر بها، ~~فكان صادق الإيمان مستلزما لصالح الأعمال {فأولئك} أي: العالوا الرتبة {لهم ~~الدرجات العلى} جمع علياء مؤنث أعلى التي لا نسبة لدرجاتك التي أوعدتناها ~~إليها، ثم بينوها بقولهم: # {جنات عدن} أي: أعدت للإقامة وهيئت فيها أسبابها {تجري من تحتها الأنهار} ~~أي: من تحت غرفها وأسرتها وأرضها، فلا يراد موضع منها؛ لأن يجري فيه نهر ~~الأجرى، وقولهم: {خالدين فيها} حال والعامل فيها معنى الإشارة أو الاستقرار ~~{وذلك جزاء} كل {من تزكى} أي: تطهر من أدناس الكفر. # تنبيه: هذه الآيات ms1882 الثلاث وهي من قوله أنه من يأت ربه مجرما إلى هنا ~~يحتمل أن تكون من كلام السحرة كما تقرر، وأن تكون ابتداء كلام من الله ~~تعالى، وقوله تعالى: # عطف على قوله: {ولقد أريناه آياتنا} (طه، 56) # وفيه دليل على أن موسى عليه السلام كثر مستجيبوه، فأراد الله تعالى ~~تمييزهم من طبقة فرعون وخلاصهم، فأوحى إليه أن يسري بهم ليلا، والسري اسم ~~لسير الليل، والإسراء مثله، والحكمة في السري بهم لئلا يشاهدهم العدو ~~فيمنعهم عن مرادهم، أو ليكون ذلك عائقا لفرعون عن طلبه وتتبعه، أو ليكون ~~إذا تقارب العسكر أن لا يرى عسكر موسى عليه الصلاة والسلام عسكر فرعون لعنه ~~الله فلا يهابونهم. # وقرأ نافع وابن كثير بكسر النون وهمزة وصل بعدها من سرى، والباقون بسكون ~~النون، وهمزة قطع بعدها من أسرى لغتان أي أسر ببني إسرائيل من أرض مصر التي ~~لينت قلب فرعون لهم حتى أذن لهم في مسيرهم بعد أن كان قد أبى أن يطلقهم، أو ~~يكف عنهم العذاب فأقصد بهم ناحية بحر القلزم {فاضرب} أي: اجعل {لهم} بالضرب ~~بعصاك {طريقا في البحر} والمراد بالطريق الجنس، فإنه كان لكل سبط طريق، ~~وقوله {يبسا} صفة لطريق وصف به لما يؤول إليه؛ لأنه لم يكن يبسا إلا بعد أن ~~مرت عليه الصبا، فجففته كما روي، وقيل في الأصل مصدر وصف به مبالغة، وقيل: ~~جمع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة، فلما امتثل ما أمر به، وأيبس ~~الله تعالى له الأرض، وأراد المرور بها قال الله تعالى له: {لا تخاف دركا} ~~أي: أن يدركك فرعون {ولا تخشى} غرقا وقرأ حمزة بجزم الفاء ولا ألف بينها ~~وبين # PageV02P475 # الخاء على أن يكون نهيا مستأنفا، والباقون برفع الفاء، وألف بينهما وبين ~~الخاء على أنه مستأنف، فلا محل له من الإعراب، أو أنه في محل نصب على الحال ~~من فاعل اضرب، أي: اضرب غير خائف # {فاتبعهم فرعون بجنوده} أي: وهو معهم على كثرتهم وعلوهم، وعزتهم، فكانوا ~~كالتابع الذي لا معنى له بدون متبوعه، والمتبوع بنو إسرائيل، ms1883 وذلك أن موسى ~~خرج بهم أول الليل، فأخبر فرعون بذلك، فقص أثرهم، والمعنى: فأتبعهم فرعون ~~نفسه ومعه جنوده، فحذف المفعول الثاني، وقيل: إن الباء زائدة {فغشيهم} أي: ~~فرعون وقومه {من اليم} أي: البحر {ما غشيهم} أي: أمر لا تحتمل العقول وصفه، ~~فأهلكهم، وقطع دابرهم، ولم يبق منهم أحدا وما شاك أحدا من عبادنا ~~المستضعفين شوكة # {وأضل فرعون قومه} أي: بدعائهم إلى عبادته {وما هدى} أي: ما أرشدهم، وهذا ~~تكذيب لفرعون وتهكم به في قوله: {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} (غافر، 29) # تنبيه: لا بأس بذكر شيء من هذه القصة، فنقول: قال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما لما أمر الله تعالى موسى أن يقطع بقومه البحر، وكان بنو ~~إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحلي والدواب لعيد يخرجون إليه، فخرج بهم ~~ليلا، وكان يوسف عليه الصلاة والسلام عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه ~~معهم من مصر، فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عجوز على موضع العظم، فأخذوه، ~~وقال موسى عليه السلام للعجوز: احتكمي، أي: انظري لك شيئا اطلبيه، فقالت: ~~أكون معك في الجنة، فلما خرجوا تبعهم فرعون وعلى مقدمته ألف ألف وخمسمائة ~~ألف سوى الجنبين والقلب، فلما انتهى موسى إلى البحر قال: هنا أمرت، فأوحى ~~الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فقال لهم موسى: ~~ادخلوا فيه، فقالوا: كيف وهي رطبة؟ فدعا ربه فهبت عليها الصبا، فجفت، ~~فقالوا: نخاف الغرق في بعضنا، فجعل بينهم كوى يرى بعضم بعضا، ثم دخلوا حتى ~~جاوزوا البحر، وأقبل فرعون إلى تلك الطرق، فقال له قومه: إن موسى قد سحر ~~البحر كما ترى، وكان على فرس حصان، فأقبل جبريل عليه السلام على فرس أنثى ~~في ثلاثة وثلاثين من الملائكة، فسار جبريل بين يدي فرعون، فأبصر الحصان ~~الفرس، فاقتحم بفرعون على أثرها، فصاحت الملائكة في الناس: الحقوا حتى إذا ~~لحق آخرهم، وكاد أولهم أن يخرج التقى البحر عليهم، فغرقوا، فرجع بنو ~~إسرائيل حتى ينظروا إليهم، وقالوا: يا موسى ادع الله يخرجهم لنا حتى ننظر ~~إليهم، فلفظهم ms1884 البحر إلى الساحل، وأصابوا من سلاحهم، وذكر ابن عباس أن ~~جبريل قال: يا محمد لو رأيتني وأنا أدس في في فرعون الماء والطين مخافة أن ~~يتوب، فهذا معنى قوله تعالى: فغشيهم من اليم ما غشيهم، ولما أنعم الله ~~تعالى على قوم موسى عليه السلام بأنواع النعم ذكر أولادهم تلك النعم، ~~فناداهم بقوله تعالى: # {يا بني إسرائيل} والمنادى من وجد من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وخوطبوا بما أنعم به على أجدادهم زمن موسى عليه السلام، ولا شك أن ~~إزالة الضرر يجب تقديمها على إيصال المنفعة، وإيصال المنفعة الدينية أعظم ~~من إيصال المنفعة الدنيوية، فلهذا بدأ تعالى بإزالة الضرر بقوله: {قد ~~أنجيناكم من عدوكم} ، فإن فرعون كان ينزل بهم من أنواع الظلم كثيرا من ~~القتل والإذلال والخراج والأعمال الشاقة، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية ~~بقوله تعالى: {وواعدناكم جانب الطور الأيمن} أي: الذي على أيمانكم في # PageV02P476 # توجهكم هذا الذي وجوهكم فيه إلى بيت أبيكم إبراهيم عليه السلام، وهو ~~جانبه الذي يلي البحر، وناحية مكة واليمن، ووجه المنفعة فيه أنه أنزل في ~~ذلك القرب عليهم كتابا فيه بيان دينهم، وشرح شريعتهم. # ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية بقوله: {ونزلنا عليكم} بعد إنزال هذا ~~الكتاب في هذه المواعدة لإنعاش أرواحكم {المن} أي: الترنجبين {والسلوى} أي: ~~الطير السماني بتخفيف الميم والقصر، وقوله تعالى: # v # {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أمر إباحة أن فسر الطيب باللذيذ؛ لأن المن ~~والسلوى من لذائذ الأطعمة، وإن فسر بالحلال؛ لأن الله تعالى أنزله إليهم، ~~ولم تمسه يد الآدميين، فهو أمر إيجاب، وقرأ حمزة والكسائي قد أنجيناكم ~~ووعدناكم ما رزقناكم بتاء مضمومة بعد التحتية من أنجينا، وبعد الدال من ~~وعدنا، وبعد القاف من رزقنا، ولا ألف في الثلاثة، والباقون بالنون، وألف ~~بعدها في الثلاثة، وأسقط أبو عمرو الألف قبل العين من وعدنا، وأثبتها ~~الباقون، ثم زجرهم عن العصيان بقوله تعالى: {ولا تطغوا فيه} أي: فيما ~~رزقناكم بالإخلال بشكره، والتعدي بما حد الله لكم فيه من السرف والبطر ~~والمنع عن ms1885 المستحقين، وقرأ الكسائي {فيحل} بضم الحاء، أي: ينزل، والباقون ~~بكسرها، أي: يجب {عليكم غضبي} أي: عقوبتي {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} أي: ~~هلك، وقيل: شقي، وقيل: وقع في الهاوية، وقرأ الكسائي بضم اللام الأولى، ~~وكسرها الباقون، ولما كان الإنسان محل الزلل، وإن اجتهد رجاه واستعطفه ~~بقوله سبحانه: # {وإني لغفار} أي: ستار بإسبال ذيل العفو {لمن تاب} أي: رجع عن ذنوبه من ~~الشرك، وما يقاربه {وآمن} بكل ما يجب الإيمان به {وعمل صالحا} تصديقا ~~لإيمانه {ثم اهتدى} باستمراره على ذلك إلى موته. # فائدة: اعلم أنه تعالى وصف نفسه بكونه غافرا وغفورا وغفارا، وبأن له ~~غفرانا ومغفرة، وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر، أما وصف كونه ~~غافرا، فقوله تعالى {غافر الذنب} (غافر، 3) # وأما كونه غفورا، فقوله تعالى: {وربك الغفور} (الكهف، 58) ، وأما كونه ~~غفارا، فقوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن} ، وأما الغفران، فقوله ~~تعالى: {غفرانك ربنا} (البقرة، 285) ، وأما المغفرة، فقوله تعالى: {وإن ربك ~~لذو مغفرة للناس} (الرعد، 6) ، وأما صيغة الماضي فقوله تعالى في حق داوود ~~عليه السلام: {فغفرنا له} (ص، 25) ، وأما صيغة المستقبل فقوله تعالى: {يغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء، 48) ، وقوله تعالى في حق نبينا صلى الله ~~عليه وسلم {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} (الفتح، 2) ، وأما لفظ ~~الاستغفار، فقوله تعالى: {استغفروا ربكم} (هود، 3) ، {ويستغفرون لمن في ~~الأرض} (الشورى، 5) # {ويستغفرون للذين آمنوا} (غافر، 7) # وههنا نكتة لطيفة وهي أن العبد له أسماء ثلاثة؛ الظالم والظلوم والظلام ~~إذا كثر منه الظلم، ولله تعالى في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم، ~~فكأنه تعالى قال: إن كنت ظالما فأنا غافر، وإن كنت ظلوما فأنا غفور، وإن ~~كنت ظلاما فأنا غفار، فيجب على كل من ارتكب معصية كبيرة أو صغيرة أن يتوب ~~منها لهذه الآية، ودلت على أن العمل الصالح غير داخل في الإيمان؛ لأنه ~~تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان والمعطوف غاير المعطوف عليه. ولما أمر ~~تعالى موسى عليه السلام بحضور الميقات مع قوم مخصوصين قال المفسرون: هم ~~السبعون ms1886 الذين اختارهم الله تعالى من جملة بني إسرائيل ليذهبوا معه إلى ~~الطور ليأخذوا التوراة، فسار بهم موسى، ثم عجل موسى عليه السلام من بينهم ~~شوقا إلى ربه # PageV02P477 # وخلف السبعين، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال تعالى له: # أي: لمجيء ميعاد أخذ التوراة {يا موسى} # {قال} مجيبا لربه تعالى: {هم أولاء} أي: بالقرب مني يأتون {على أثري} أي: ~~ماشين على آثار مشي قبل أن ينطمس، وما تقدمتهم إلا بخطا يسيرة لا يعتد بها ~~عادة، وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدم بها الرفقة بعضهم على بعض ~~{وعجلت إليك رب لترضى} أي: لتزداد عني رضا، فإن المسارعة إلى امتثال أمرك ~~والوفاء بعهدك يوجب مرضاتك. # تنبيه: في الآية سؤالات: # الأول: قوله تعالى: وما أعجلك استفهام، وهو على الله تعالى وأجيب عنه: ~~بأنه كان في صورة الاستفهام، ولا مانع منه. # الثاني: أن موسى عليه السلام لا يخلو إما أن يكون ممنوعا من ذلك التقدم، ~~أو لم يكن، فإن كان الأول كان التقدم معصية، وإن لم يكن فلا إنكار، وأجيب ~~عنه: بأنه عليه السلام لعله ما وجد نصا في ذلك، فاجتهد، فأخطأ في اجتهاده، ~~فاستوجب العتاب. # الثالث: قوله: وعجلت، والعجلة مذمومة، أجيب عنه بأنها ممدوحة في الدين ~~قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} (آل عمران، 133) # الرابع: قوله لترضى يدل على أنه إنما فعل ذلك ليحصل الرضا، وإذا لم يكن ~~راضيا عنه، وجب أن يكون ساخطا عليه، وذلك لا يليق بحال الأنبياء عليهم ~~السلام، أجيب عنه: بأن المراد تحصيل دوام الرضا، أو زيادته كما مر. # الخامس: قوله إليك يقتضي كون الله تعالى في جهة لأن إلى لانتهاء الغاية، ~~وأجيب عنه: بأنا اتفقنا على أن الله تعالى لم يكن في الجبل، فالمراد مكان ~~وعدك. # السادس: قوله تعالى: ما أعجلك عن قومك سؤال عن سبب العجلة، فكان جوابه ~~اللائق به أن يقول: طلب زيادة رضاك، أو التشوق إلى كلامك، وأما قوله: هم ~~أولاء على أثري، فغير منطبق عليه كما ترى؛ أجيب عنه بأن سؤال الله تعالى ~~يتضمن ms1887 شيئين؛ أحدهما: إنكار نفس العجلة، والثاني: السؤال عن سببب التقدم، ~~فأجاب عن السؤال عن العجلة؛ لأنها أهم، فقال: وعجلت إليك رب لترضى # {قال} تعالى: {فإنا} أي: تسبب عن عجلتك عنهم أنا {قد فتنا} أي: ابتلينا ~~{قومك من بعدك} أي: بعد فراقك لهم بعبادة العجل، وهم الذين خلفهم مع هارون، ~~وكانوا ستمائة ألف، وما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفا {وأضلهم ~~السامري} باتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته، فأطاعه بعضهم، وامتنع بعضهم، ~~والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لهم السامرة، وقيل: كان علجا ~~من أهل كرمان وقع إلى مصر، وقيل: كان من قوم يعبدون البقر جبران لبني ~~إسرائيل، ولم يكن منهم، واسمه موسى بن ظفر، وكان منافقا # {فرجع موسى} لما أخبره ربه بذلك {إلى قومه} بعدما استوفى الأربعين ذا ~~القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، وأخذ التوراة {غضبان} عليهم {أسفا} أي: ~~حزينا بما فعلوا {قال} أي: لقومه لما رجع إليهم مستعطفا لهم: {يا قوم} ~~وأنكر عليهم بقوله: {ألم يعدكم ربكم} أي: الذي أحسن إليكم {وعدا حسنا} أي: ~~بأنه ينزل عليكم كتابا حافظا، ويكفر عنكم خطاياكم، وينصركم على أعدائكم إلى ~~غير ذلك من إكرامه، ولما جرت العادة بأن طول الزمان ناقض للعزائم مغير ~~للعهود كما قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري: # *لا أنسينك طال الزمان بنا # ... وكم حبيب تمادى عهده فنسى # قال لهم: {أفطال عليكم العهد} أي: زمن لطف الله تعالى بكم، فتغيرتم عما ~~فارقتكم عليه كما تغير أهل # PageV02P478 # الرذائل والانحلال في العزائم لضعف العقول وقلة التدبر {أم أردتم} أي: ~~بالنقض مع قرب العهد، وذكر الميثاق {أن يحل} # أي يجب {عليكم} بسبب عبادة العجل {غضب من ربكم} المحسن إليكم، أي: وكلا ~~الامرين لم يكن أما الأول فواضح، وأما الثاني: فلا يظن بأحد إرادته، ~~والحاصل أنه يقول: فعلتم ما لا يفعله عاقل {فأخلفتم} أي: فتسبب عن فعلكم ~~ذلك أن أخلفتم {موعدي} أي: وعدكم إياي بالثبات على الإيمان بالله، والقيام ~~على ما أمركم به، ولما تشوق السامع إلى جوابهم ms1888 استأنف ذكره، فقال: # {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي: بأن ملكنا أمرنا إذ لو خلينا، وأمرنا ~~ولم يسول لنا السامري لما أخلفناه، واختلف في هذا المجيب على وجهين. # الأول: هم الذين لم يعبدوا العجل، فكأنهم قالوا: ما أخلفنا موعدك بملكنا ~~أي: بأمر كنا نملكه، وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه كقوله تعالى: {وإذ ~~فرقنا بكم البحر} (البقرة، 50) ، {وإذ قتلتم نفسا} (البقرة، 72) ، وإن كان ~~الفاعل لذلك آباءهم لا هم، فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل، فلم ~~نقدر على منعهم عنه، ولم نقدر أيضا على مفارقتهم لأنا خفنا أن يصير ذلك ~~سببا لوقوع النفرة، وزيادة الفتنة. # الثاني: أن هذا قول عبدة العجل، والمراد أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا، ~~وفاعل السبب فاعل المسبب، فمخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة، فإنه كان ~~كالمالك لنا فإن قيل: كيف كان رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء ~~المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة عجل يعرف فسادها بالضرورة؟ ~~أجيب: بأن هذا غير ممتنع في حق البله من الناس وقرأ عاصم ونافع بفتح الميم، ~~وحمزة والكسائي بضمها، والباقون بكسرها، وثلاثتها في الأصل لغات في مصدر ~~ملكت الشيء، ثم إن القوم فسروا الضرر الحامل لهم على ذلك الفعل، فقالوا: ~~{ولكنا حملنا} قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بضم الحاء وكسر الميم ~~مشددة، وأبو عمرو، وشعبة وحمزة والكسائي بفتح الحاء والميم مخففة {أوزارا} ~~أي: أثقالا {من زينة القوم} أي: حلي قوم فرعون استعارها منهم بنو إسرائيل ~~بسبب عرس، وقيل: استعاروها لعيد كان لهم، ثم لم يردوها عند الخروج مخافة أن ~~يعلموا به، وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم، فأخذوه، قال ~~البيضاوي: ولعلهم سموها أوزارا لأنها آثام فإن الغنائم لم تكن تحل بعد، ~~ولأنهم كانوا مستأمنين، وليس للمستأمن أن يأخذ من مال الحربي {فقذفناها} ~~أي: في النار {فكذلك ألقى السامري} أي: ما كان معه إما من المال أو من أثر ~~الرسول، روي أن موسى عليه السلام لما وعده ربه أن يكلمه ms1889 استخلف على قومه ~~أخاه هارون، وأجلهم ثلاثين يوما، وذهب فصامها ليلها ونهارها، ثم كره أن ~~يكلم # ربه، وريح فمه متغير، فمضغ شيئا من نبات الأرض، فقال له ربه: أوما علمت ~~أن ريح الصائم أطيب من ريح المسك، ارجع فصم عشرا، وقيل: إنهم أقاموا بعد ~~مفارقته عشرين ليلة، وحسبوها أربعين بأيامها، وقالوا: قد كملت العدة، فلما ~~رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم ~~خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عوار، فاحفروا حفرة وألقوها فيها، ثم ~~أوقدوا عليها نارا، فلا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري قد رأى أثرا، فقبض ~~منه قبضة، فمر بهارون فقال له: يا سامري ألا تلقي ما في يدك، فقال: هذه ~~قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها على شيء إلا أن تدعوا ~~الله # PageV02P479 # إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له هارون فقال: أريد أن يكون ~~عجلا، فاجتمع ما في الحفرة وصار عجلا، فهذا معنى قوله تعالى: # {فأخرج لهم عجلا جسدا} من ذلك الحلي المذاب به جوف ليس فيه روح {له خوار} ~~أي: صوت يسمع؛ قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط، وإنما كان الريح ~~يدخل في دبره، فيخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، وقيل: إنه صاغه، ووضع ~~التراب بعد صوغه في فمه {فقالوا} : أي السامري: ومن افتتن به أول ما رأوه ~~مشيرين إلى العجل {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} أي: فنسيه موسى، وذهب يطلبه ~~عند الطور، أو فنسي السامري، أي: ترك ما كان عليه من الإيمان # {أفلا يرون} أي: قالوا ذلك فتسبب عن قولهم علمهم عن روية {أن} أي: أنه ~~{لا يرجع إليهم قولا} والإله لا يكون أبكم {ولا يملك لهم ضرا} فيخافوه كما ~~كانوا يخافون فرعون، فيقولون ذلك خوفا من ضرره {ولا نفعا} فيقولون ذلك رجاء ~~له # {ولقد قال لهم هارون من قبل} أي: قبل رجوع موسى مستعطفا لهم {يا قوم إنما ~~فتنتم} أي: وقع اختياركم فاختبرتم في ms1890 صحة إيمانكم وصدقكم فيه، وثباتكم عليه ~~{به} أي: بهذا العجل في إخراجه لكم على هذه الهيئة الخارقة للعادة، وأكد ~~لأجل إنكارهم، فقال: {وإن ربكم} أي: الذي أخرجكم من العدم، ورباكم بالإحسان ~~{الرحمن} وحده الذي فضله عام ونعمه شاملة، فليس على بر ولا فاجر نعمة إلا ~~وهي منه تعالى قبل أن يوجد العجل، وهو كذلك بعده، ومن رحمته قبول التوبة، ~~فخافوا نزع نعمه بمعصيته، وأرجوا إسباغها بطاعته {فاتبعوني} بغاية جهدكم في ~~الرجوع إليه {وأطيعوا أمري} أي: في الثبات على الدين # {قالوا لن نبرح عليه} أي: العجل {عاكفين} أي: مقيمين {حتى يرجع إلينا ~~موسى} فدافعهم فهموا به، وكان معظمهم قد ضل فلم يكن معه من يقوى بهم، فخاف ~~أن يجاهد بهم الكفار، فلا يفيد ذلك شيئا مع أن موسى لم يأمره بجهاد من ضل، ~~وإنما قال له: {وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} ، فرأى من الإصلاح اعتزالهم ~~إلى أن يأتي. # تنبيه: إنما قال هارون ذلك شفقة على نفسه وعلى الخلق؛ أما شفقته على ~~نفسه، فلأنه كان مأمورا من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وكان مأمورا من عند أخيه بقوله: {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين} (الأعراف، 142) ، فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~لكان مخالفا لأمر الله تعالى، ولأمر موسى، وذلك لا يجوز. أوحى الله تعالى ~~إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، ومائتي ألف من ~~شرارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا ~~لغضبي، وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أصبح وهمه غير الله ~~فليس من الله في شيء، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين، فليس منهم» وعن النعمان ~~بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ~~وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد» وعن عبد الله ~~بن أبي أوفى قال: «خرجت أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أبو بكر وعمر ~~عنده، فجاء صغير ms1891 يبكي، فقال لعمر: ضم الصبي إليك، فإنه ضال، فأخذه عمر، ~~وإذا أم الصبي تولول كاشفة عن رأسها جزعا على ابنها، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم أدرك المرأة، فنادها، فجاءت، وأخذت ولدها، وجعلت تبكي والصبي في ~~حجرها، فالتفتت، فرأت النبي صلى الله عليه وسلم فاستحيت، فقال # PageV02P480 # النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: أترون هذه رحيمة بولدها؟ قالوا: يا ~~رسول الله كفى بهذه رحمة، فقال: والذي نفسي بيده إن الله أرحم بالمؤمنين من ~~هذه بولدها» ولقد سلك هارون في موعظته أحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم عن الباطل ~~أولا بقوله: إنما فتنتم به، ثم دعاهم إلى معرفة الله ثانيا بقوله: وإن ربكم ~~الرحمن، ثم دعاهم ثالثا إلى النبوة بقوله: فاتبعوني، ثم دعاهم رابعا بقوله: ~~وأطيعوا أمري، وهذا هو الترتيب الجيد؛ لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة ~~الأذى عن الطريق، وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة # الله تعالى، فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة، فثبت أن هذا الترتيب ~~أحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولا، ولما ذكر الله تعالى ما قال هارون ~~تشوقت النفس إلى علم ما قال موسى فقيل: # {قال يا هارون} أنت نبي الله، وأخي ووزيري وخليفتي، فأنت أولى الناس بأن ~~ألومه، وأحقهم بأن أعاتبه {ما منعك إذ} أي: حين {رأيتهم ضلوا} عن طريق ~~الهدى واتبعوا سبيل الردى # {أن لا تتبعني} في سيرتي من الأخذ على يد الظالم طوعا أو كرها. # تنبيه: لا مزيدة للتأكيد؛ لأن النافي إذا زيد في كلام كان نافيا لضد ~~مضمونه فيفيد إثباتا للمضمون ونفيا لضده، فيكون ذلك في غاية التأكيد، وأثبت ~~الياء بعد النون ابن كثير وقفا ووصلا، وأثبتها نافع، وأبو عمرو وصلا لا ~~وقفا، وحذفها الباقون وصلا ووقفا {أفعصيت} أي: فتكبرت عن اتباعي، فتسبب عن ~~ذلك أنك عصيت {أمري} وأخذ بلحيته وبرأسه يجره إليه غضبا لله تعالى، فكأنه ~~قيل: ما قال له؟ فقال: # {قال} مجيبا له مستعطفا بذكر أول وطن ضمهما بعد نفخ الروح مع ما له من ~~الرقة والشفقة {يا ابن أم} ms1892 فذكره بها خاصة وإن كان شقيقه؛ لأنها يسوءها ما ~~يسوءه، وهي أرق من الأب، وقرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو وحفص بفتح الميم، ~~وكسرها ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي {لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} أي: ~~بشعرهما. ثم علل ذلك بقوله: {إني خشيت أن تقول} إذا شددت عليهم حتى يصل ~~الأمر إلى القتال {فرقت بين بني إسرائيل} يفعلك هذا الذي لم يجسد شيئا لقلة ~~من كان معك وضعفك عن ردهم {ولم ترقب قولي} {اخلفني في قومي، وأصلح ولا تتبع ~~سبيل المفسدين} (الأعراف، 142) ، ولم تقل: وارددهم، ولو أدى الأمر إلى ~~السيف، ولما فرغ من نصيحة أقرب الناس إليه، وأحقهم بنصيحته وحفظه على الهدى ~~إذ كان رأس الهداة تشوف السامع إلى ما كان من غيره، فاستأنف تعالى ذكره ~~بقوله: # {قال} أي موسى عليه السلام لرأس أهل الضلال معرضا عن أخيه بعد قبول عذره ~~جاعلا ما نسب إليه سببا لسؤاله عن الحامل له عليه {فما خطبك} ؟ أي: أمرك ~~هذا العجب العظيم الذي حملك على ما صنعت، وأخبرني ربي أنك أضللتهم به {يا ~~سامري} # {قال} السامري: مجيبا له {بصرت} من البصر والبصيرة {بما لم يبصروا به} ~~أي: رأيت ما لم ير بنو إسرائيل، وعرفت ما لم يعرفوا، وقال ابن عباس: علمت ~~ما لم يعلموا، ومنه قولهم: رجل بصير، أي: عالم قاله أبو عبيدة وأراد أنه ~~رأى جبريل عليه السلام، فأخذ من موضع حافر دابته قبضة من تراب كما قال: ~~{فقبضت} أي: فكان ذلك سببا؛ لأن قبضت {قبضة} أي: مرة من القبض أطلقها على ~~المقبوض تشبيها للمفعول بالمصدر {من أثر} فرس ذلك {الرسول} أي: المعهود ~~{فنبذتها} أي: في الحلي الملقى في النار، أو في العجل {وكذلك} أي: وكما ~~سولت لي نفسي أخذ أثره {سولت} أي: حسنت وزينت {لي نفسي} نبذها في # PageV02P481 # الحلي، فنبذتها، وكان منها ما كان، ولم يدعني إلى ذلك داع، ولا حملني ~~عليه حامل غير التسويل. # تنبيه: كون المراد بالرسول جبريل عليه السلام هو ما عليه عامة المفسرين، ~~وأراد بأثره التراب الذي أخذه من ms1893 موضع حافر دابته لما رآه يوم فلق البحر، ~~وعن علي رضي الله تعالى عنه أن جبريل عليه السلام لما نزل ليذهب بموسى إلى ~~الطور أبصره السامري من بين الناس، واختلفوا في أنه كيف اختص السامري برؤية ~~جبريل عليه السلام ومعرفته من بين الناس، فقال ابن عباس في رواية الكلبي: ~~إنما عرفه لأنه رباه في صغره، وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني ~~إسرائيل، فكانت المرأة إذا ولدت طرحت ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون، فتأخذ ~~الملائكة الولدان ويربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامري ممن ~~أخذه جبريل عليه السلام، وجعل كف نفسه في فيه، وارتضع منه العسل واللبن، ~~فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فلما رآه عرفه؛ قال ابن جريح: فعلى هذا قوله: ~~بصرت بما لم يبصروا به يعني: رأيت ما لم يروه. # ومن فسر الإبصار بالعلم، فهو صحيح، ويكون المعنى: علمت أن تراب فرس جبريل ~~عليه السلام له خاصية الإحياء؛ قال أبو مسلم ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ~~ذكره المفسرون، فههنا وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالرسول موسى عليه ~~السلام وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به، فقد يقول الرجل: إن فلانا يقفوا أثر ~~فلان، ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير أن موسى عليه السلام لما ~~أقبل على السامري باللوم، والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في ~~العجل، قال: بصرت بما لم يبصروا به؛ أي: عرفت أن الذي أنت عليه ليس بحق، ~~وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول؛ أي: شيئا من دينك، فقذفته؛ أي: ~~طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى عليه السلام بما له من العذاب في الدنيا ~~والآخرة، وإنما أورد لفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه ~~له ما يقول الأمير في كذا، أو بماذا يأمر الأمير، وأما ادعاؤه أن موسى رسول ~~مع جحده وكفره. # فعلى مذهب من حكى الله فيه قوله: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون، وإن لم يؤمنوا بالإنزال قال الرازي: وهذا ms1894 القول الذي ذكره أبو مسلم ~~ليس فيه إلا أنه مخالف للمفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه: # أحدها: أن جبريل عليه السلام ليس معهود باسم الرسول، ولم يجر له فيما ~~تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه، فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل ~~كأنه تكليف بعلم الغيب. # وثانيها: أنه لا بد فيه من الإضمار، وهو قبضة من أثر حافر دابة الرسول، ~~والإضمار خلاف الأصل. # وثالثها: أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع ~~الناس برؤية جبريل ومعرفته، وكيف عرف أن تراب حافر فرسه له هذا الأثر، ~~والذي ذكروه من أن جبريل هو الذي رباه فبعيد؛ لأن السامري إن عرف أنه جبريل ~~حال كمال عقله عرف قطعا أن موسى نبي صادق، فكيف يحاول الإضلال، وإن كان ما ~~عرفه حال البلوغ، فأنى ينفعه كون جبريل مر بباله حال الطفولية في حصول تلك ~~المعرفة، ثم إن موسى عليه السلام لما سمع من السامري ما ذكر # {قال} له {فاذهب} أي: فتسبب عن فعلك أن أقول لك: اذهب من بيننا، وحيث ~~ذهبت {فإن لك في الحياة} أي: ما دمت حيا {أن تقول} لكل من # PageV02P482 # رأيته {لا مساس} أي: لا تمسني ولا أمسك، فلا تقدر أن تنفك عن ذلك، فكان ~~يهيم في البرية مع الوحوش والسباع، وإذا مس أحدا أو مسه أحد حما جميعا ~~عاقبه الله تعالى بذلك، وكان إذا لقي أحدا يقول لا مساس؛ أي: لا تقربني ولا ~~تمسني، وقال ابن عباس لا مساس لك ولولدك حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك، ~~وإذا مس أحد من غيرهم أحدا منهم حما جميعا في ذلك الوقت {وإن لك} بعد ~~الممات {موعدا} للثواب إن تبت، والعقاب إن أبيت {لن تخلقه} قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بكسر اللام أي: لن تغيب عنه، والباقون بفتحها أي: بل تبعث إليه، ~~فلا انفكاك لك عنه كما أنك في الحياة لا تقدر أن تنفك عن النفرة من الناس، ~~فاختر لنفسك ما يحلو. ولما ذكر ما للإله الحق من ms1895 القدرة التامة في الدارين ~~أتبعه عجز العجل، فقال: {وانظر إلى إلهك} أي: بزعمك {الذي ظلت} أي: دمت في ~~مدة يسيرة جدا بما أشار إليه تخفيف التضعيف، فإن أصله ظللت بلامين أولاهما ~~مكسورة حذفت تخفيفا {عليه عاكفا} أي: مقيما تعبده {لنحرقنه} أي: بالنار ~~وبالمبرد قال البقاعي: كما سلف عن نص التوراة، وكان معنى ذلك أنه أحماه حتى ~~لان، فهان على المبارد انتهى، {ثم لننسفنه} أي: لنذرينه إذا صار سحالة {في ~~اليم} أي: في البحر الذي أغرق الله تعالى فيه آل فرعون، ثم يجمع الله تعالى ~~سحالته التي هي من حليهم، فيحميها في نار جهنم، ويكويهم بها، ويجعلها من ~~أشد العذاب عليهم، وأكد الفعل إظهارا لعظمة الله تعالى الذي أمره بذلك، ~~وتحقيقا للصدق في الوعد، فقال: {نسفا} قال الجلال المحلي، وفعل موسى عليه ~~السلام بعد ذبحه ما ذكره انتهى، وعلى هذا لا يصح أن يبرد بالمبرد؛ قال ~~الرازي: ويمكن أن يقال صار لحما ودما، وذبح ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت ~~بحيث يمكن نسفها، ولما أراهم بطلان ما هم # عليه بالعيان أخبرهم بالحق على وجه الحصر، فقال: # {إنما إلهكم الله} أي: الجامع لصفات الكمال، ثم كشف المراد من ذلك، وحققه ~~بقوله: {الذي لا إله إلا هو} أي: لا يصلح لهذا المنصب أحد غيره؛ لأنه {وسع ~~كل شيء} وقوله: {علما} تمييز محمول على الفاعل، أي: أحاط علمه بكل شيء، فكل ~~شيء إليه مفتقر، وهو غني عن كل شيء، وأما العجل الذي عبدوه، فلا يصلح ~~للإلهية بوجه، ولا في عبادته شيء من حق، ولما شرح الله تعالى قصة موسى عليه ~~السلام مع فرعون أولا، ثم مع السامري ثانيا على هذا الأسلوب الأعظم والسبيل ~~الأقوم كان كأنه قيل: هل يعاد شيء من القصص على هذا الأسلوب البديع، ~~والمثال الرفيع، فقيل: نعم # {كذلك} أي: مثل هذا القص العالي في هذا النظم العزيز الغالي كقصة موسى ~~ومن ذكر معه {نقص عليك من أنباء} أي: أخبار {ما قد سبق} من الأمم زيادة في ~~علمك وإجلالا لمقدارك، وتسلية لقلبك، ms1896 وإذهابا لحزنك بما اتفق للرسل من ~~قبلك، وتكثيرا لبيناتك، وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر ~~في دينه بصيرة، وتتأكد الحجة على من عاند وكابر {وقد أتيناك} أي: أعطيناك ~~تشريفا لك وتعظيما لقدرك {من لدنا} أي: من عندنا {ذكرا} أي: كتابا هو ~~القرآن وفي تسمية القرآن بالذكر وجوه أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج ~~إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم، وثانيها: أنه يذكر فيه أنواع آلاء الله ~~ونعمائه، وفيه التذكير والموعظة، وثالثها: فيه الذكر والشرف لك ولقومك كما ~~قال الله تعالى: وإنه لذكر لك ولقومك، وسمى الله تعالى كل كتاب # PageV02P483 # أنزله ذكرا فقال: {فاسألوا أهل الذكر} ، والتنتكير فيه للتعظيم، فإنه ~~مشتمل على أسرار كتب الله تعالى المنزلة # {من أعرض عنه} فلم يؤمن به {فإنه يحمل يوم القيامة وزرا} أي: حملا ثقيلا ~~من الإثم # {خالدين فيه} أي: في عذاب الوزر {وساء} أي: وبئس {لهم} أي: ذلك الحمل ~~{يوم القيامة} وقوله: {حملا} تمييز مفسر للضمير في ساء، والمخصوص بالذم ~~محذوف تقديره وزرهم، واللام للبيان، ومن أقبل عليه كان مذكرا له بكل ما ~~يريد من العلوم النافعة ويبدل من يوم القيامة # {يوم ينفخ في الصور} أي: القرن النفخة الثانية، وقرأ أبو عمرو بنونين ~~الأولى مفتوحة، وضم الفاء على إسناد الفعل إلى الآمر به تعظيما له، أو إلى ~~النافخ، والباقون بياء مضمومة، وفتح الفاء {ونحشر المجرمين} أي: الكافرين ~~{يومئذ زرقا} أي: عيونهم مع سواد وجوههم؛ لأن زرقة العيون أبغض شيء من ~~ألوان العيون إلى العرب؛ لأن الروم أعداؤهم، وهم زرق العيون، ولذلك قالوا ~~في صفة العدو: أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين، وقيل: المراد العمى؛ ~~لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق، وقيل: عطاشا حال كونهم # {يتخافتون} أي: يخفضون أصواتهم {بينهم} لما يملأ صدورهم من الرعب والهول، ~~والخفت خفض الصوت وإخفاؤه {إن} أي: يقول بعضهم لبعض ما {لبثتم} أي: مكثتم ~~{إلا عشرا} أي: من الليالي بأيامها في الدنيا، وقيل: في القبور وقيل: بين ~~النفختين، وهو مقدار أربعين سنة؛ قالوا: ذلك إما استقصارا لمدة ms1897 الراحة في ~~جنب ما بدا لهم من المخاوف؛ لأن أيام السرور قصار، وإما لأنها ذهبت عنهم، ~~وانقضت، والذاهب وإن طالت مدته قصيرة بالانتهاء، ومنه توقيع عبد الله بن ~~المعتز أطال الله تعالى بقاءك كفى بالانتهاء قصرا، وإما لاستطالتهم الآخرة، ~~فإنه يستقصر إليها عمر الدنيا، ويتقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في ~~الآخرة كما قال تعالى: {كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا: لبثنا يوما أو ~~بعض يوم فاسأل العادين} (المؤمنين: 112، 113) ، وإما غلطا ودهشة قال الله ~~تعالى: # {نحن أعلم} أي: من كل أحد {بما يقولون} في ذلك اليوم أي: ليس كما قالوا: ~~{إذ يقول أمثلهم} أي: أعدلهم {طريقة} أي: رأيا أو عملا في الدنيا فيما ~~يحسبون {أن} أي: ما {لبثتم إلا يوما} أي: مبدأ الآحاد لا مبدأ العقود كما ~~قال تعالى في آية أخرى: {يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا ~~يؤفكون} (الروم، 55) ، فلا يزالون في إفك وصرف عن الحق في الدارين؛ لأن ~~الإنسان يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ولما وصف سبحانه ~~وتعالى أمر يوم القيامة حكى سؤال من لا يؤمن بالحشر فقال تعالى: # {ويسئلونك} يا أشرف الخلق {عن الجبال} كيف تكون يوم القيامة؟ قال الضحاك: ~~نزلت في مشركي مكة قالوا: يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة، وكان ~~سؤالهم على سبيل الاستهزاء، ولما كان مقصودهم من هذا السؤال الطعن في الحشر ~~والنشر، فلا جرم أمره الله تعالى بالجواب مقرونا بحرف التعقيب بقوله: {فقل} ~~لهم {ينسفها ربي نسفا} ؛ لأن تأخير البيان في هذه المسألة الأصولية غير ~~جائز، وأما المسائل الفروعية فجائز فلذلك ذكر هناك في نحو قوله تعالى: ~~{يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} (البقرة، 219) ، وقوله تعالى: {ويسألونك عن ~~اليتامى قل إصلاح لهم خير} (البقرة، 220) # بغير حرف التعقيب والنسف التذرية، وقيل: القلع الذي يقلعها من أصلها ~~ويجعلها هباء منثورا؛ قال الخليل: ينسفها يذهبها ويطيرها، وفي ضمير # {فيذرها} قولان # PageV02P484 # أحدهما: أنه ضمير الأرض أضمرت للدلالة عليها كقوله تعالى: {ما ترك على ~~ظهرها من دابة} (فاطر، 45) ، والثاني: ms1898 ضمير الجبال، وذلك على حذف مضاف أي: ~~فيذر مراكزها ومقارها، ويذر يجوز أن يكون بمعنى يخليها، فيكون {قاعا} حالا ~~وأن يكون بمعنى يترك التصييريه، فيتعدى لاثنين فقاعا ثانيهما، والقاع هو ~~المكان المستوي، وقيل: الأرض التي لا بناء فيها، ولا نبات، وفي قوله تعالى: ~~{صفصفا} قولان أحدهما: الأرض الملساء، والثاني: المستوية، والقاع والصفصف ~~قريبان من الترادف، وجمع القاع أقوع وأقواع وقيعان # {لا ترى فيها} أي: الأرض أو مواضع الجبال {عوجا} أي: انخفاضا {ولا أمتا} ~~أي: ارتفاعا بوجه من الوجوه، وعبر هنا في العوج بالكسر، وهو للمعاني، ولم ~~يعبر بالفتح الذي توصف به الأعيان، فإن الأرض أو مواضع الجبال أعيان لا ~~معان نفيا للاعوجاج على أبلغ وجه بمعنى أنك لو جمعت أهل الخبرة بتسوية ~~الأرض لاتفقوا على الحكم باستوائها، ثم لو جمعت أهل الهندسة فحكموا ~~بمقاييسهم العلمية فيها لحكموا بمثل ذلك. # {يومئذ} أي: يوم إذ نسفت الجبال {يتبعون} أي: الناس بعد القيام من القبور ~~بغاية جهدهم {الداعي} أي: إلى المحشر، وهو إسرافيل يضع الصور على فيه ويقف ~~على صخرة بيت المقدس ويقول: أيتها العظام البالية، والجلود الممزقة واللحوم ~~المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن {لا عوج له} أي: الداعي في شيء من قصدهم ~~إليه؛ لأنه ليس في الأرض ما يحوجهم إلى التعويج، ولا يمنع الصوت من النفوذ ~~على السواء، وقيل: لا عوج لدعائه، وهو من المقلوب، أي: لا عوج له عن دعاء ~~الداعي لا يزيغون عنه يمينا ولا شمالا، ولا يقدرون عليه، بل يتبعونه سراعا ~~{وخشعت الأصوات} أي: سكنت وذلت وتطامنت لخشوع أهلها {للرحمن} الذي عمت ~~نعمه، فيرجى كرمه، وتخشى نقمه {فلا} أي: فتسبب عن خشوعها أنك لا {تسمع إلا ~~همسا} أخفى ما يكون من الأصوات، وقيل: أخفى شيء من أصوات الأقدام في نقلها ~~إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل في مشيها. # {يومئذ} أي: إذا كان ما تقدم {لا تنفع الشفاعة} أحدا {إلا من أذن له ~~الرحمن} أن يشفع له {ورضي له قولا} ولو الإيمان المجرد قال ابن عباس: يعني ~~قال: لا إله إلا ms1899 الله، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن، ولما نفى أن ~~تنفع شفاعة بغير إذنه علل ذلك كما سلف في آية الكرسي بقوله: # {يعلم ما بين أيديهم} أي: الخلائق من أمور الآخرة {وما خلفهم} من أمور ~~الدنيا، وقيل: ما بين أيديهم ما قدموا وما خلفهم ما خلفوا من الأعمال {ولا ~~يحيطون به علما} أي: لا يحيط علمهم بمعلوماته، وقيل: الضمير إلى ما أي: ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم لا يعلمونه، وقيل: راجع إلى الله تعالى ~~أي: ولا يحيطون بالله علما، ولما ذكر خشوع الأصوات أتبعه خضوع ذويها، فقال: # {وعنت الوجوه} أي: ذلت وخضعت في ذلك اليوم، ويصير الملك والقهر لله تعالى ~~دون غيره، وخص الوجوه بالذكر مع أن المراد الأشخاص لشرف الوجوه، ولأنها أول ~~ما يظهر فيها الذل {للحي} الذي هو مطلع على الدقائق والجلائل {القيوم} الذي ~~لا يغفل عن التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت؛ روى ابن أسامة الباهلي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اطلبوا اسم الله الأعظم في هذه السور ~~الثلاث: البقرة وآل عمران، وطه» ، قال الرازي: فوجدنا المشترك في السور ~~الثلاث: الله لا إله إلا هو الحي القيوم {وقد خاب} أي: خسر خسارة # PageV02P485 # ظاهرة {من حمل ظلما} قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله، والظلم الشرك. ~~ولما شرح الله تعالى أحوال القيامة ختم الكلام فيها بشرح أحوال المؤمنين، ~~فقال: # {ومن يعمل من الصالحات} أي: التي أمره الله تعالى بها بحسب طاقته؛ لأنه ~~لن يقدر الله أحد حق قدره، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه {وهو مؤمن} ليكون ~~بناؤها على الأساس كما في قوله تعالى: {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات} ~~(ظه، 75) # {فلا يخاف ظلما} أي: بزيادة في سيئاته {ولا هضما} أي: بنقص من حسناته؛ ~~قاله ابن عباس، وقيل: لا يؤاخذ بذنب لم يعمله، ولا تبطل حسنة عملها، وعبر ~~تعالى بالفاء إشارة إلى قبول الأعمال وجعلها سببا لذلك الحال، وأما غير ~~المؤمن، فلو عمل أمثال الجبال لم يكن لها وزن، وقوله تعالى: ms1900 # {وكذلك} معطوف على قوله تعالى: {وكذلك نقص} ، أي: ومثل إنزال ما ذكر ~~{أنزلناه} أي: القرآن {قرآنا} جامعا لجميع المعاني المقصودة، ثم وصفه تعالى ~~بأمرين؛ أحدهما: قوله تعالى {عربيا} أي: بلسان العرب ليفهموه، ويقفوا على ~~إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر، الثاني: قوله تعالى: {وصرفنا فيه ~~من الوعيد} أي: كررناه، وفصلناه، ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم؛ ~~لأن الوعد بهما يتعلق بتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام، فلذلك قال ~~تعالى: {لعلهم يتقون} أي: يجتنبون الشرك والمحارم، وترك الواجبات، فتصير ~~التقوى لهم ملكة {أو يحدث لهم ذكرا} أي: عظة واعتبارا حين يسمعونها، ~~فيثبطهم عنها، ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم، والأحداث إلى القرآن. # {فتعالى الله} في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين لا يماثل كلامه كلامهم ~~كما لا تماثل ذاته وصفاته ذاتهم وصفاتهم {الملك} الذي لا يعجزه شيء، فلا ~~ملك في الحقيقة غيره {الحق} أي: الثابت الملك، فلا زوال لكونه ملكا في زمن ~~ما، ولعظمة ملكه وحقية ذاته وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور ~~المتباينة، ولما شرح الله تعالى كيفية نفع القرآن للمكلفين، وبين أنه ~~سبحانه وتعالى متعال عن كل ما لا ينبغي موصوف بالإحسان والرحمة، ومن كان ~~كذلك صان رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي، فلذلك قال تعالى: {ولا ~~تعجل بالقرآن} أي: بقراءته {من قبل أن يقضى إليك وحيه} من الملك النازل به ~~إليك من حضرتنا كما أنا لم نعجل بإنزاله عليك جملة بل رتلناه لك ترتيلا، ~~ونزلناه إليك تنزيلا مفصلا تفصيلا، وموصلا توصيلا، فاستمع له ملقيا جميع ~~تأملك إليه، ولا تساوقه بالقراءة، فإذا فرغ فاقرأه، فإنا نجمعه في قلبك، ~~ولا نكلفك المساوقة بتلاوته {وقل رب} أيها المحسن إلي بإفاضة العلوم علي ~~{زدني علما} أي: سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال، فإن ما أوحي إليك ~~تناله لا محالة؛ روى الترمذي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما، ~~والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من ms1901 حال أهل النار» وكان ابن مسعود إذا ~~قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني علما ويقينا، ولما قال تعالى: {كذلك نقص ~~عليك من أنباء ما قد سبق} (طه، 99) # ذكره هذه القصة إنجازا للوعد، فقال تعالى: # {ولقد عهدنا} بما لنا من العظمة {إلى آدم} أبي البشر أي: وصيناه أن لا ~~يأكل من الشجرة، وإنما عطفها على قوله تعالى: {وصرفنا فيه من الوعيد} (طه، ~~113) # للدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان، وعرقهم راسخ بالنسيان {من قبل} ~~أي: في # PageV02P486 # زمن من الأزمان الماضية قبل هؤلاء الذين تقدم في هذه السورة ذكر نسيانهم ~~وإعراضهم {فنسي} عهدنا، وأكل منها {ولم نجد له عزما} أي: تصميم رأي وثبات ~~على الأمر؛ إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله الشيطان، ولم يستطع تغريره؛ ~~قال البيضاوي: ولعل ذلك كان في بدء أمره قبل أن يجرب الأمور ويذوق أريها ~~وشريها انتهى، والأري العسل، والشري: الحنظل؛ قال البغوي: قال أبو أمامة ~~الباهلي: لو وزن حلم آدم بحلم ولده لرجح حلمه، وقد قال الله تعالى: {ولم ~~نجد له عزما} ، وقال البيضاوي: وعن النبي صلى الله عليه وسلم «لو وزنت ~~أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه» ، وقد قال تعالى: ولم نجد له عزما، قال ~~ابن الأثير: والحلم بالكسرة الأناة والتثبت في الأمور. # فإن قيل: ما المراد بالنسيان أجيب بأنه يجوز أن يراد بالنسيان الذي هو ~~نقيض الذكر، وإنه لم يعن بالوصية العناية الصادقة، ولم يستوثق منها بقصد ~~القلب عليها، وضبط النفس حتى تولد من ذلك النسيان، ولم يكن النسيان في ذلك ~~الوقت مرفوعا عن الإنسان بل كان يؤاخذ به، وإنما رفع عنا، وكان الحسن يقول: ~~ما عصى أحد قط إلا بنسيان، وإن يراد الترك وأنه ترك ما أوصي به من الاحتراز ~~عن الشجرة وأكل ثمرتها، وقيل: نسي عقوبة الله تعالى، وظن أنه نهي تنزيه. # تنبيه: هذا هو المرة الخامسة من قصة آدم في القرآن أولها في البقرة، ثم ~~في الأعراف، ثم في الحجر، ثم في الكهف، ثم ههنا، وقوله تعالى: {وإذا ms1902 قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} تقدم الكلام على ذلك مفصلا في سورة ~~البقرة، وقوله تعالى: {أبى} جملة مستأنفة؛ لأنها جواب سؤال مقدر؛ أي: ما ~~منعه من السجود؟ فأجيب بأنه أبى، ومفعول الإباء يجوز أن يكون مرادا، وقد ~~صرح به في الآية الأخرى في قوله تعالى: {أبى أن يكون من الساجدين} (الحجر، ~~31) ، وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة، ويجوز أن لا يراد أصلا، وأن ~~المعنى أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق الإباء ما هو # {فقلنا} بسبب امتناعه بعد أن حلمنا عليه ولم نعاجله بالعقوبة {يا آدم إن ~~هذا} الشيطان الذي تكبر عليك {عدو لك ولزوجك} حواء بالمد لأنها منك، وسبب ~~تلك العداوة من وجوه؛ الأول: أن إبليس كان حسودا، فلما رأى آثار نعم الله ~~في حق آدم حسده، فصار عدوا له، الثاني: أن آدم عليه السلام كان شابا عالما ~~لقوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} (البقرة، 30) ، وإبليس كان شيخا ~~جاهلا؛ لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، وذلك جهل، والشيخ الجاهل أبدا يكون ~~عدوا للشاب العالم، الثالث: أن إبليس مخلوق من النار، وآدم مخلوق من الماء ~~والتراب، فبين أصليهما عداوة، فثبتت تلك العداوة فإن قيل: لم قال تعالى: ~~{فلا يخرجنكما من الجنة} مع أن المخرج لهما منها هو الله تعالى؟ أجيب بأنه ~~لما كان هو الذي فعل بوسوسته ما ترتب عليه الخروج صح ذلك فإن قيل: لم قال ~~تعالى: {فتشقى} أي: فتتعب وتنصب في الدنيا، ولم يقل: فتشقيا؟ أجيب بوجهين؛ ~~أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله وأميرهم شقاءهم كما أن في ضمن ~~سعادته سعادتهم، فاختص الكلام بإسناده إليه دونها مع المحافظة على كونه رأس ~~فاصلة، وعن سفيان بن عيينة قال: لم يقل فتشقيا؛ لأنها داخلة معه، فوقع ~~المعنى عليهما جميعا وعلى أولادهما جميعا كقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء} (الطلاق، 1) ، و {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك قد ~~فرض الله لكم تحلة أيمانكم} (التحريم، 1) ، فدخلوا في المعنى معه، ms1903 وإنما ~~كلم النبي وحده، الثاني: أريد # PageV02P487 # بالشقاء التعب في طلب القوت، وذلك على الرجل دون المرأة؛ لأن الرجل هو ~~الساعي على زوجته، روي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح ~~العرق عن جبينه ويحتاج بعد الحرث إلى الحصد والطحن والخبز وغير ذلك مما ~~يحتاج إليه، وعن الحسن قال: عنى به شقاء الدنيا، فلا تلقى ابن آدم إلا شقيا ~~ناصبا أي: ولو أراد شقاوة الآخرة ما دخل الجنة بعد ذلك، ولما كان # الشبع والري والكسوة والمكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الناس ذكر ~~الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب، ~~وذكرها بلفظ النفي لأضدادها بقوله تعالى: # {إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى} # {وإنك لا تظمأ} أي: تعطش {فيها ولا تضحى} أي: لا يحصل لك حر شمس الضحى ~~لانتفاء الشمس في الجنة بل أهلها في ظل ممدود وهذه الأشياء كأنها تفسير ~~للشقاء المذكور في قوله تعالى: فتشقى # {فوسوس} أي: فتعقب تحذيرنا هذا من غير بعد في زمان أن وسوس {إليه ~~الشيطان} المحترق المطرود وهو إبليس أي: أنهى إليه الوسوسة، وأما وسوس له، ~~فمعناه لأجله، فلذلك عدي تارة باللام في قوله تعالى: {فوسوس لهما} ~~(الأعراف، 20) ، وتارة بإلى، ثم بين تعالى تلك الوسوسة ما هي بقوله تعالى: ~~{قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد} أي: على الشجرة التي إن أكلت منها ~~بقيت مخلدا {وملك لا يبلى} أي: لا يبيد ولا يفنى، قال الرازي: واقعة آدم ~~عجيبة، وذلك لأن الله تعالى رغبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله ~~تعالى: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك ~~لا تظمأ فيها ولا تضحى} ، ورغبة إبليس أيضا في دوام الراحة بقوله تعالى: هل ~~أدلك على شجرة الخلد وفي انتظام المعيشة بقوله، وملك لا يبلى، فكان الشيء ~~الذي رغب الله تعالى فيه آدم هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ~~ذلك الأمر على الاحتراس عن تلك ms1904 الشجرة، وإبليس وقفه على الإقدام عليها، ثم ~~إن آدم عليه السلام مع كمال عقله وعلمه بأن الله مولاه وناصره ومربيه وعلمه ~~بأن إبليس عدوه حيث امتنع من السجود له وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته كيف ~~قبل في الواقعة الواحدة، والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بعداوته له، ~~وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه الناصر له والمربي، ومن تأمل هذا ~~الباب طال تعجبه، وعرف آخر الأمر أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع ~~لقضاء # الله، ولا # مانع له منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة، فإنه لا ~~يحصل النفع به إلا إذا قضى الله ذلك وقدره انتهى.w # ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح روى البخاري ومسلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى ~~أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك ~~في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي ~~اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها بيان كل شيء، وقربك نجيا ~~فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن يخلقني؛ قال موسى: بأربعين عاما قال ~~آدم: فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت ~~عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؛ قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فحج آدم موسى» ، وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن # PageV02P488 # يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء، وقال: كل شيء ~~بقدر حتى العجز والكيس» ، ثم كأن إبليس قال لآدم بلسان الحال أو المقال ~~مشيرا إلى الشجرة التي نهي عنها ما بينك وبين الملك الدائم إلا أن تأكل ~~منها # {فأكلا} أي: فتسبب عن قوله وتعقب أن أكل {منها} هو وزوجته متبعين لقوله ~~ناسين ما عهد إليهما لأمر ms1905 قدره الله في الأزل {فبدت لها سوآتهما} قال ابن ~~عباس عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما، وإنما جمع ~~سوآتهما كما قال: صغت قلوبكما، أي: فظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره، ~~وسمى كل منهما سوأة؛ لأن انكشافه يسوء صاحبه {وطفقا يخصفان} أي: أخذا ~~يلزقان {عليهما من ورق الجنة} ليستترا به، قال ابن عادل: وهو ورق التين ~~{وعصى آدم} بالأكل من الشجرة، وإن كان إنما فعل المنهي نسيانا لأن عظم ~~مقامه وعلو رتبته يقتضيان له مزيد الاعتناء، ودوام المراقبة {ربه} المحسن ~~إليه بما لم ينله أحد من بنيه من تصويره له بيده، وإسجاد ملائكته له، ~~ومعاداة من عاداه {فغوى} أي: فعل ما لم يكن له فعله، وقيل: أخطأ طريق الحق، ~~وقيل: حيث طلب الخلد بأكل ما نهى عنه، فخاب، ولم ينل مراده وصار من العز ~~إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب؛ قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال: عصى آدم، ~~ولا يجوز أن يقال: آدم عاص؛ لأنه إنما يقال: عاص لمن اعتاد فعل المعصية ~~كالرجل يخيط ثوبه، فيقال: خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط حتى يعاوده ويعتاده. # تنبيه: تمسك بعضهم بقوله تعالى: وعصى آدم ربه فغوى في صدور الكبيرة عنه ~~من وجهين؛ الأول: أن العاصي اسم للذم، فلا ينطلق إلا على صاحب الكبيرة ~~لقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها} (الجن، 23) ~~، ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلا يعاقب عليه، الثاني: أن الغواية ~~والضلالة اسمان مترادفان، والغي ضد الرشاد، ومثل هذا لا يتناول إلا الفاسق ~~المنهمك في فسقه، وأجيب: بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب ~~وقد يكون بالمندوب، فإنك تقول: أمرته فعصاني، وأمرته بشرب الدواء فعصاني، ~~وإذا كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه للمندوب، وإن كان ~~وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز، وأجاب أبو مسلم الأصبهاني بأنه عصى في ~~مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف، وكذا القول في غوى؛ قال الرازي: ~~والأولى عندي في هذا الباب ms1906 أن يقال: هذه الواقعة كانت قبل النبوة، وقد تقدم ~~شرح ذلك في البقرة، وقيل: بل أكل من الشجرة متأولا، وهو لا يعلم أن الشجرة ~~التي نهى الله عنها شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل: إنما كانت التوبة ~~من ترك التحفظ لا من المخالفة، فهو كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين ~~أي: يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات # {ثم اجتباه ربه} أي: اختاره واصطفاه {فتاب عليه} أي: قبل توبته، وأعاد ~~عليه بالعفو والمغفرة {وهدى} أي: هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار، ~~ولما كانت دار الملوك لا تحتمل مثل ذلك وإن كان قد هيأه بالاجتباء لها قال ~~على طريق الاستئناف. # {قال} الرب سبحانه وتعالى: الذي انتهكت حرمة داره {اهبطا} أي: آدم وحواء ~~بما اشتملتما عليه من ذريتكما {منها} أي: الجنة {جميعا} وقيل: الخطاب لآدم ~~ومعه ذريته، ولإبليس، فقوله تعالى: {بعضكم لبعض عدو} يكون على التفسير ~~الأول بعض الذرية لبعض عدو # PageV02P489 # من ظلم بعضهم لبعض، وعلى الثاني آدم وذريته، وإبليس وذريته، وقوله تعالى: ~~{فإما} فيه إدغام نون أن الشرطية في ما المزيدة {يأتينكم مني هدى} أي: كتاب ~~ورسول {فمن اتبع هداي} الذي أسعفته به من أوامر الكتاب والرسول {فلا يضل} ~~أي: بعد ذلك عن طريق السداد في الدنيا {ولا يشقى} في الآخرة؛ قال ابن عباس: ~~من قرأ القرآن، واتبع ما فيه هداه الله تعالى من الضلالة، ووقاه الله تعالى ~~يوم القيامة سوء الحساب، وذلك أن الله تعالى يقول: فمن اتبع هداي، فلا يضل ~~ولا يشقى، ولما وعد تعالى من اتبع الهدى أتبعه بوعيد من أعرض فقال تعالى: # {ومن أعرض عن ذكري} أي: عن القرآن، فلم يؤمن به ولم يتبعه {فإن له معيشة ~~ضنكا} والضنك أصله الضيق والشدة، وهو مصدر، فكأنه قال: له معيشة ذات ضنك، ~~واختلف في ذلك، فقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن مسعود: المراد ~~بالمعيشة الضنك عذاب القبر، وروى أبو هريرة أن عذاب القبر للكافر، قال: قال ~~صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده ليسلط عليه في قبره ms1907 تسعة وتسعون تنينا ~~هل تدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية تسعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه، ~~وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون» ، وقال الحسن وقتادة والكلبي: هو الضيق في ~~الآخرة في جهنم، فإن طعامهم الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين، فلا ~~يموتون فيها ولا يحيون، وقال ابن عباس: المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه ~~أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، وعن عطاء: المعيشة الضنك هي معيشة ~~الكافر؛ لأنه غير موقن بالثواب والعقاب، وروي عن علي رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عقوبة المعصية ثلاثة؛ ضيق المعيشة والعسر في ~~الشدة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله» ، وذلك أن مع الدين التسليم ~~والقناعة والتوكل على الله تعالى، وعلى قسمته، فهو ينفق ما رزقه الله تعالى ~~بسماح وسهولة، فيعيش عيشا رفيعا كما قال الله تعالى: {فلنحيينه حياة طيبة} ~~(النحل، 97) ، والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى ~~الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق فعيشه ضنك، ~~وحاله مظلمة، قال صلى الله عليه وسلم «لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى ~~إليه ثانيا، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم ~~إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» متفق عليه. قال بعض الصوفية: لا يعرض ~~أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتشوش عليه رزقه، وقال تعالى: ~~{استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا} (نوح: 10، 11) # الآية، وقال تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} ~~(الجن، 16) # . ثم ذكر حال المعرض في الآخرة بقوله تعالى: {ونحشره يوم القيامة أعمى} ~~قال ابن عباس: إذا خرج من القبر خرج بصيرا، فإذا سيق إلى المحشر عمي، ولعله ~~جمع بذلك بين هذا وبين قوله تعالى: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} (مريم، ~~38) ، وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم، وفي لفظ قال: لا يبصر إلا ~~النار، وعن مجاهد المراد بالعمى عدم الحجة، ويؤيد الأول قوله تعالى: ms1908 # {قال رب لم حشرتني أعمى} في هذا اليوم؟ {وقد كنت بصيرا} أي: في الدنيا، ~~أو في أول هذا اليوم، فكأنه قيل: بما أجيب؟ فقيل: # {قال} له ربه {كذلك} أي: مثل ذلك فعلت، ثم فسره، فقال: {أتتك آياتنا} ~~واضحة نيرة {فنسيتها} فعميت # PageV02P490 # عنها، وتركتها غير منظور إليها {وكذلك} أي: ومثل تركك إياها {اليوم تنسى} ~~أي: تترك في العمى والعذاب # {وكذلك} أي: ومثل هذا الجزاء الشديد {نجزي من أسرف} في متابعة هواه، ~~فتكبر عن متابعة أوامرنا {ولم يؤمن} بل كذب {بآيات ربه} وخالفها {ولعذاب ~~الآخرة أشد} مما نعذبهم به في الدنيا والقبر لعظمه {وأبقى} فإنه غير منقطع. ~~ولما بين الله تعالى أن من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة اتبعه بما ~~يعتبر به المكلف من الأفعال الواقعة في الدنيا ممن كذب الرسل، فقال: # أي: يبين بيانا يقود إلى المقصود {لهم} أي: هؤلاء الذين أرسلت إليهم أعظم ~~رسلي، وفاعل يهد مضمون قوله: {كم أهلكنا} وقال أبو البقاء: الفاعل ما دل ~~عليه أهلكنا أي: إهلاكنا، والجملة مفسرة له، وقال الزمخشري: فاعل لم يهد ~~الجملة بعده يريد: ألم يهدلهم هذا بمعناه ومضمونه، ونظيره قوله تعالى: ~~{وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين} (الصافات: 78، 79) ، ~~أي: تركنا عليه هذا الكلام، ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول انتهى. ~~وكم خبرية مفعول أهلكنا {قبلهم من القرون} أي: بتكذيبهم لرسلنا حال كونهم ~~{يمشون} أي: هؤلاء العرب من أهل مكة وغيرهم {في مساكنهم} أي: في سفرهم إلى ~~الشام، ويشاهدون آثار هلاكهم {إن في ذلك} أي: الإهلاك العظيم الشأن ~~المتوالي في كل أمة {لآيات} عظيمات بينات {لأولي النهى} أي: لذوي العقول ~~الناهية عن التغافل والتعامي. ولما هددهم بإهلاك الماضين ذكر سبب التأخير ~~عنهم بقوله تعالى: # {ولولا كلمة} أي: عظيمة قاضية نافذة {سبقت} أي: في أزل الآزال {من ربك} ~~الذي عودك بالإحسان بتأخير العذاب عنهم إلى الآخرة فإنه يعامل بالحلم ~~والأناة {لكان} أي: العذاب {لزاما} أي: لازما أعظم لزوم لهم في الدنيا مثل ~~ما نزل بعاد وثمود، ولكن ms1909 نمد لهم لنرد من شئنا منهم، ونخرج من أصلاب بعضهم ~~من يؤمن، وإنما فعلنا ذلك إكراما لك ورحمة لأمتك، فيكثر أتباعك، فيعملوا ~~الخيرات، فيكون ذلك زيادة في شرفك، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه ~~وسلم «وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم ~~تابعا» ، وفي رفع قوله تعالى {وأجل مسمى} وجهان؛ أظهرهما: عطفه على كلمة ~~أي، ولولا أجل مسمى لكان العذاب لازما لهم، وهذا ما صدر به البيضاوي، ~~والثاني: أنه معطوف على الضمير المستتر في كان، وقام الفصل بخبرها مقام ~~التأكيد، واقتصر الجلال المحلي على هذا، وجوزه الزمخشري والبيضاوي، وفي هذا ~~الأجل المسمى قولان؛ أحدهما: ولولا أجل مسمى في الدنيا لذلك العذاب، وهو ~~يوم بدر، والثاني: ولولا أجل مسمى في الآخرة لذلك العذاب، وهذا كما قال ~~الرازي أقرب قال أهل السنة تعالى بحكم المالكية أن يخص من شاء بفضله، ومن ~~شاء بعذابه من غير علة إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إما قديمة، ~~فيلزم قدم الفعل، وإما حادثة، فيلزم افتقارها إلى علة أخرى، ويلزم التسلسل، ~~ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه لا يهلك أحدا قبل ~~استيفاء أجله أمره بالصبر، فقال: # {فاصبر على ما يقولون} لك من الاستهزاء وغيره، وهذا كان أول الأمر، ثم ~~نسخ بآية القتال {وسبح} أي: صل، وقوله تعالى: {بحمد ربك} حال أي: وأنت حامد ~~لربك على أنه وفقك لذلك، وأعانك عليه {قبل طلوع الشمس} صلاة الصبح {وقبل # PageV02P491 # غروبها} صلاة العصر {ومن أناء الليل} أي: ساعاته {فسبح} أي: صل المغرب ~~والعشاء، وقوله تعالى: {وأطراف النهار} معطوف على محل من آناء المنصوب أي: ~~صل الظهر؛ لأن وقتها يدخل بزوال الشمس، فهو طرف النصف الأول، وطرف النصف ~~الثاني قال ابن عباس: دخلت الصلوات الخمس في ذلك، وقيل: المراد الصلوات ~~الخمس والنوافل؛ لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، ~~فالليل والنهار داخلان في هاتين العبارتين. # وأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما، فبقي قوله: ومن آناء الليل ms1910 فسبح ~~وأطراف النهار للنوافل، وقال أبو مسلم: لا يبعد حمل التسبيح على التنزيه ~~والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات. # فإن قيل: النهار له طرفان، فكيف قال: وأطراف النهار، ولم يقل: طرفي ~~النهار أجيب بوجهين أظهرهما: أنه إنما جمع لأنه يلزم في كل نهار ويعود، ~~والثاني: أن أقل الجمع اثنان، وقرأ قوله تعالى {لعلك ترضى} أبو بكر ~~والكسائي بضم التاء أي: ترضى بما تنال من الثواب كقوله تعالى: {وكان عند ~~ربه مرضيا} (مريم، 55) ، وقرأ الباقون بفتحها أي: ترضى بما تنال من الشفاعة ~~قال تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} (الضحى، 5) ، وقال تعالى: {عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا} (الإسراء، س79) ، والمعنى: على القراءتين لا ~~يختلف؛ لأن الله تعالى إذا أرضاه، فقد رضيه، وإذا رضيه، فقد أرضاه، ولما ~~كانت النفس ميالة إلى الدنيا مرهونة بالحاضر من فاني العطايا، وكان تخليها ~~عن ذلك هو الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها قال تعالى مؤكدا إيذانا ~~بصعوبة ذلك: # {ولا تمدن} مؤكدا له بالنون الثقيلة {عينيك} أي: لا تطول نظرهما بعد ~~النظرة الأولى المعفو عنها {إلى ما متعنا به} في هذه الحياة الفانية ~~{أزواجا} أي: أصنافا {منهم} أي: الكفرة استحسانا له وتمنيا أن يكون لك مثله ~~والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة، ويسمع من الأصوات المطربة ~~ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح، وقوله تعالى: {زهرة ~~الحياة الدنيا} أي: زينتها وبهجتها منصوب بمحذوف دل عليه متعنا، أو به على ~~تضمنه معنى أعطينا، فأزواجا مفعول أول، وزهرة هو الثاني، وذكر ابن عادل غير ~~هذين الوجهين سبعة أوجه لا حاجة لنا بذكرها، ثم علل تعالى تمتعهم بقوله ~~تعالى: {لنفتنهم فيه} أي: لنفعل بهم فعل المختبر، فيكون سبب عذابهم في ~~الدنيا بالعيش الضنك لما مضى، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، فصورته تغر من لم ~~يتأمل معناه حق التأمل، فما أنت فيه خير مما هم فيه {ورزق ربك} في الجنة ~~{خير} مما أوتوه في الدنيا {وأبقى} أي: أدوم أو ما رزقته من نعمة الإسلام ~~والنبوة، أو ms1911 لأن أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة من بعض ~~الوجوه، والحلال خير وأبقى، قال الزمخشري: لأن الله تعالى لا ينسب إلى نفسه ~~إلا ما حل وطاب دون ما حرم وخبث، والحرام لا يسمى زرقا انتهى، وهذا جار على ~~مذهبه المخالف لأهل السنة من أن الحرام لا يسمى زرقا، وقال أبو مسلم الذي ~~نهى عنه بقوله: ولا تمدن عينيك ليس هو النظر بل هو الأسف أي: لا تأسف على ~~ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا، وقال أبو رافع: نزلت هذه الآية في ضيق نزل ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي يبيع أو يستلف إلى مدة، فقال: ~~والله لا أفعل إلا برهن، فأخبرته بقوله فقال صلى الله عليه وسلم «إني لأمين ~~في السماء وإني لأمين في الأرض احمل إليه درعي الحديد» # PageV02P492 # فنزل قوله: ولا تمدن عينيك، وقال صلى الله عليه وسلم «إن الله لا ينظر ~~إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم # وأعمالكم» ، وقال أبو الدرداء: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال ~~له ولها يجمع من لا عقل له، وعن الحسن لولا حمق الناس لخربت الدنيا، وعن ~~عيسى ابن مريم عليه السلام: لا تتخذوا الدنيا دارا، فتتخذكم لها عبيدا. ~~ولما أمر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بتزكية النفس أمره بأن ~~يأمر أهله بالصلاة بقوله عز وجل: # {وأمر أهلك بالصلاة} أي: أمر أهل بيتك والتابعين لك من أمتك بالصلاة كما ~~كان أبوك إسماعيل عليه السلام يدعوهم إلى كل خير إذ الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر، وليتعاونوا على الاستعانة على خصاصتهم، ولا يهتموا بأمر المعيشة، ~~ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة، وكان صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ~~يذهب إلى فاطمة وعلي رضي الله عنهما كل صباح ويقول: الصلاة {واصطبر} أي: ~~داوم {عليها لا نسألك} أي: نكلفك {رزقا} لنفسك ولا لغيرك {نحن نرزقك} وغيرك ~~كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما ~~أريد إن ms1912 يطعمون إن الله هو الرازق ذو القوة المتين} (الذاريات، 58) # ففرغ بالك لأمور الآخرة، وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان ~~الله في عمله. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة، وتلا ~~هذه الآية، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلطان قرأ: ولا ~~تمدن عينيك الآية، ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله وعن بكر بن عبد الله ~~المزني كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله، ثم ~~يتلو هذه الآية: {والعاقبة} أي: الجميلة المحمودة {للتقوى} أي: لأهل التقوى ~~قال ابن عباس: الذين صدقوك واتبعوك واتقوني، ويؤيده قوله تعالى في موضع ~~آخر: {والعاقبة للمتقين} (الأعراف، 128) ، ولا معونة على الرزق وغيره بشيء ~~يوازي الصلاة، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر أي بالباء الموحدة ~~أي: إذا أحزنه فزع إلى الصلاة قال ثابت: وكان الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال صلى الله عليه وسلم «يقول الله تعالى: تفرغ لعبادتي املأ صدرك غنى ~~وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك» ، وعن ابن مسعود رضي ~~الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من جعل الهموم هما ~~واحدا هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به هموم أحوال الدنيا لم ~~يبال الله في أي أوديتها هلك» وعن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين ~~عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه جمع الله له ~~أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» ، ثم إنه تعالى بعد هذه ~~الوصية حكى عنهم شبها بقوله تعالى: # {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه} فكأنه من لوازم قوله تعالى: {فاصبر على ~~مايقولون} وهو قولهم لولا أي: هلا يأتينا ms1913 بآية، وقال في موضع آخر: لو ما ~~تأتينا بآية كما أرسل الأولون، ثم أجاب الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: {أولم تأتهم بينة} أي: بيان {ما في الصحف الأولى} من التوراة ~~والإنجيل وسائر الكتب السماوية المشتمل عليه القرآن أنباء الأمم الماضية ~~وإهلاكهم # PageV02P493 # بتكذب الرسل فما يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك، وقرأ ~~نافع وأبوعمرو وحفص بالفوقية على التأنيث، والباقون بالتحتية على التذكير # {ولو أنا أهلكناهم} معاملة لهم في عصيانهم {بعذاب من قبله} أي: هذا ~~القرآن المذكور في الآية الماضية وما قاربها، وفي قوله تعالى: {ولا تعجل ~~بالقرآن} (طه، 114) # وفي مثنى السورة في: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} (طه، 2) # أو من قبل محمد صلى الله عليه وسلم {لقالوا} أي: يوم القيامة {ربنا} يا ~~من هو متصف بالإحسان إلينا {لولا} أي: هلا ولم لا {أرسلت إلينا رسولا} ~~يأمرنا بطاعتك {فنتبع} أي: فيتسبب عنه أن نتبع آياتك التي تنجينا بها {من ~~قبل أن نذل} بالعذاب هذا الذل {ونخزى} بالمعاصي التي عملناها على جهل، ~~فلأجل ذاك أرسلناك إليهم، وأقمنا بك الحجة عليهم، ولما علم بهذا أن إيمانهم ~~كالممتنع، وجدالهم لا ينقطع بل إن جاءهم الهدى طعنوا فيه، وإن عذبوا قبله ~~تظلموا كان كأنه قيل: فما الذي أفعل معهم؟ فقيل: # {قل} لهم {كل} أي: كل مني ومنكم {متربص} أي: منتظر ما يؤول إليه أمري ~~وأمركم {فتربصوا} فأنتم كالبهائم ليس لكم تأمل {فستعلمون} أي: عما قريب ~~بوعد لا خلف فيه، وهو يوم القيامة {من أصحاب الصراط} أي: الطريق {السوي} ~~أي: المستقيم {ومن اهتدى} أي: من الضلال، فحصل على جميع ما ينفعه واجتنب ~~جميع ما يضره أنحن أم أنتم؟ قال ابن عادل: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إن الله عز وجل قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام، ~~فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمة ينزل عليها هذا، وطوبى لألسن ~~تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا» ، وعن الحسن أن النبي صلى الله عليه ms1914 ~~وسلم قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلا يس وطه» انتهى، ولم يذكر لذلك ~~سندا، وأما ما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من قرأ طه أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار» فحديث موضوع. ### | سورة الأنبياء # عليهم الصلاة والسلام مكية # قال الرازي بإجماع: وهي مائة وإحدى أو ثنتا عشرة آية وألف ومائة وستون ~~كلمة وأربعة آلاف وثمان وتسعون حرفا # {بسم الله} الحكم العدل الذي تمت قدرته وعم أمره {الرحمن} الذي ساوى بين ~~خلقه في رحمة إيجاده {الرحيم} الذي نجى من شاء من عباده في معاده قال أبو ~~جعفر بن الزبير في برهانه لما تقدم قوله تعالى: {ولا تمدن عينيك} (الحجر، ~~88) # إلى قوله: {فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى} (طه، 135) # قال تعالى: # {اقترب} أي: قرب {للناس حسابهم} أي: في يوم القيامة أي: فلا تمدن عينيك ~~إلى ذلك فإني جعلته فتنة، وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب؛ لأنه لا ~~أمة بعد هذه ينتظر أمرها، وأخر الفاعل تهويلا لتذهب النفس في تعيينه كل ~~مذهب فإن قيل: كيف وصف ذلك اليوم بالاقتراب وقد عدت دون هذا القول أكثر من ~~تسعمائة عام أجيب بأنه مقترب عند الله، والدليل عليه قوله تعالى: ~~{ويستعجلونك بالعذاب وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الحج، 47) # ولأن كل آت، وإن طالت أوقات استقباله وترقبه قريب وإنما البعيد هو الذي ~~وجد وانقرض # PageV02P494 # قال الشاعر: # *فلا زال ما تهواه أقرب من غد # ... ولا زال ماتخشاه أبعد من أمس # ولأن ما بقي من الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها بدليل انبعاث خاتم النبيين ~~صلوات الله وسلامه عليه الموعود ببعثه في آخر الزمان، وقال: «بعثت أنا ~~والساعة كهاتين» ، وأشار بإصبعيه وقال صلى الله عليه وسلم «ختمت النبوة بي» ~~كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي، وعن ابن عباس أن ~~المراد بالناس المشركون وهو من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم، ~~وهو ما يتلوه من صفات المشركين، وهو قوله تعالى: {وهم} أي: ms1915 والحال أنهم {في ~~غفلة} أي: عن الحساب {معرضون} عن التأهب لهذا اليوم لا يتفكرون في عاقبتهم، ~~ولا يتفطنون لما يرجع إليه خاتمة أمرهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء ~~المحسن والمسيء، وأيضا إن هذه الآية نزلت في كفار مكة، ولما أخبر تعالى عن ~~غفلتهم وإعراضهم دل على ذلك بقوله: # {ما يأتيهم} وأغرق في النفي بقوله: {من ذكر} أي: وحي ينبههم عن سنة ~~الغفلة والجهالة، وقوله تعالى: {من ربهم} صفة ذكر أوصلة ليأتيهم {محدث} ~~إنزاله أي: ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به، ~~وبهذا سقط احتجاج المعتزلة بأن القرآن حادث لهذه الآية، وقيل: معناه أن ~~الله تعالى يحدث الأمر بعد الأمر، فينزل الآية بعد الآية والسورة بعد ~~السورة في وقت الحاجة لبيان الأحكام وغيرها من الأمور والوقائع، وقيل: ~~الذكر المحدث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ ~~سوى ما في القرآن، وإضافه إليه؛ لأن الله تعالى قال: {وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى} (النجم: 3، 4) # {إلا استمعوه} أي: قصدوا إسماعه وهو أجد الجد وأحق الحق {وهم} أي: والحال ~~أنهم {يلعبون} أي: يفعلون فعل اللاعبين بالاستهزاء والسخرية لتناهي غفلتهم ~~وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور، والتفكر في العواقب # {لاهية} أي: غافلة معرضة {قلوبهم} عن ذكر الله. # تنبيه قوله تعالى: وهم يلعبون لاهية قلوبهم حالان مترادفتان، أو ~~متداخلتان، ولما ذكر تعالى ما يظهرونه في حالة الاستماع من اللهو واللعب ~~ذكر ما يخفونه بقوله تعالى عطفا على استمعوه: {وأسروا} أي: الناس المحدث ~~عنهم {النجوى} أي: بالغوا في إسرار كلامهم، وقوله تعالى: {الذين ظلموا} بدل ~~من واو وأسروا للإيماء بأنهم ظالمون فيما أسروا به أومبتدأ والجملة ~~المتقدمة خبره، والمعنى: وهؤلاء أسروا النجوى، فوضع المظهر موضع المضمر ~~تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم، وقيل: جاء على لغة من قال: أكلوني البراغيث ~~وقيل: منصوب المحل على الذم، ثم بين تعالى ما تناجوا به بقوله تعالى: {هل} ~~أي: فقالوا في تناجيهم هذا، معجبين من ادعائه النبوة ms1916 مع مماثلته لهم في ~~البشرية هل {هذا} الذي أتاكم بهذا الذكر {إلا بشر مثلكم} أي: في خلقه ~~وأخلاقه من الأكل والشرب، والحياة والممات، فكيف يختص عنكم بالرسالة ما هذا ~~الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله إلا سحر لا حقيقة له، فحينئذ تسبب عن ~~هذا الإنكار قولهم: {أفتأتون السحر وأنتم} أي: والحال أنكم {تبصرون} ~~بأعينكم أنه بشر مثلكم، فكأنهم استدلوا بكونه بشرا على كذبه في ادعاء ~~النبوة والرسالة # PageV02P495 # لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكا، واستلزموا منه أن ما جاء به من ~~الخوارق كالقرآن سحر، فأنكروا حضوره. # فإن قيل: لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه أجيب: بأن ذلك كان يشبه ~~التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعادة ~~المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في مشورتهم، ويجتهدوا في طي سرهم ~~عنهم ما أمكن واستطيع. # ومنه قول الناس: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، قال البقاعي: ~~فيالله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم، فلم يجوزوا أن يكون ذلك عن الرحمن ~~الداعي إلى الفوز بالجنان، وجزموا أنه من الشيطان الداعي إلى الهوان ~~باصطلاء النيران والعجب أيضا أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم ~~بما يخص الله تعالى به بعض الناس عن بعض من الذكاء والفطنة، وحسن الخلائق ~~والأخلاق والقوة والصحة، وطول العمر وسعة الرزق ونحو ذلك انتهى، ولا عجب ~~فإنها عقول أضلها باريها، ثم كأنه قيل: فإذا يقال لهؤلاء فقال: # {قال} لهم: {ربي} المحسن إلي {يعلم القول} سواء كان سرا أم جهرا كائنا ~~{في السماء والأرض} على حد سواء؛ لأنه لا مسافه بينه وبين شيء من ذلك {وهو ~~السميع العليم} ، فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون. # فإن قيل: هلا قيل يعلم السر لقوله تعالى: {وأسروا النجوى} (طه، 62) # أجيب بأن القول عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر ~~وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السر كما أن ~~قوله: يعلم السر آكد من أن يقول يعلم سرهم. # فإن قيل: ms1917 لم ترك هذا الآكد في سوره الفرقان في قوله تعالى: {قل أنزله ~~الذي يعلم السر في السموات والأرض} (الفرقان، 6) ، ولم يقل: يعلم القول كما ~~هنا؟ أجيب: بأنه ليس بواجب أن يأتي بالآكد في كل موضع، ولكن يجيء بالوكيد ~~تارة وبالآكد تارة أخرى، كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتن ~~الكلام افتتانا، ويجمع الغاية وما دونها، على أن أسلوب تلك الآية خلاف ~~أسلوب هذه من قبل أنه قدم ههنا أنهم أسروا النجوى، فكأنه أراد أن يقول: إن ~~ربي يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد وصف ذاته بأنه ~~أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض، فهو كقوله تعالى: {علام الغيوب} ~~(المائدة، 109) # {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة} (سبأ، 3) ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي ~~قال بصيغة الماضي بالإخبار عن الرسول والباقون قل بصيغة الأمر، ثم إنه ~~تعالى بين أن المشركين اقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم وفيما ~~يقوله بقوله تعالى: # {بل قالوا} أي: قال بعضهم هذا الذي قال لكم: {أضغاث أحلام} أي: أخلاط ~~أحلام رآها في النوم، وقال بعضهم: {بل افتراه} أي: اختلقه من عند نفسه، ~~ونسبه إلى الله تعالى، وقال بعضهم: {بل هو} أي: النبي صلى الله عليه وسلم ~~{شاعر} فما جاءكم به شعر، والشاعر يخيل ما لا حقيقة له لغيره، أو أنهم كلهم ~~أضربوا عن قولهم: هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى من ~~عنده، ثم إلى أنه قول شاعر، وهكذا المبطل متحير رجاع غير ثابت على قول ~~واحد؛ قال الزمخشري: ويجوز أن يكون تنزيلا من الله تعالى لأقوالهم في درج ~~الفساد، وأن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، وكذا ~~الرابع أفسد من الثالث، ثم إنهم لما قدحوا في أعظم المعجزات طلبوا آية ~~غيره، فقالوا: {فليأتنا} دليلا على # PageV02P496 # رسالته {بآية كما} أي: مثل ما {أرسل الأولون} بالآيات كتسبيح الجبال ~~وتسخير الريح وتفجير الماء، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وصحة ~~التشبيه من حيث إن الإرسال يتضمن الإتيان ms1918 بالآية قال الله تعالى مجيبا لهم: # {ما آمنت قبلهم} أي: قبل مشركي مكة {من قرية} أي: من أهل قرية أتتهم ~~الآيات {أهلكناها} باقتراح الآيات لما جاءتهم {أفهم يؤمنون} أي: لو جئتهم ~~بها وهم أغنى منهم، وفيه دليل على أن عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم ~~إذ لو أتى به لم يؤمنوا، واستوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم، ولما بين ~~تعالى بطلان ما اقترحوا به في رسوله صلى الله عليه وسلم بكونه بشرا قال ~~تعالى عاطفا على آمنت مجيبا عن قولهم: {هل هذا إلا بشر مثلكم} # {وما أرسلنا قبلك} أي: في جميع الزمان الذي تقدم زمانك في جميع طوائف ~~البشر {إلا رجالا} أي: لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالا ~~{نوحي إليهم} مثلك ثم إنه تعالى أمر المشركين أن يسألوا أهل الكتاب بقوله ~~تعالى: {فاسألوا أهل الذكر} وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا لا ينكرون ~~أن الرسل كانوا بشرا، وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: ~~المراد بالذكر القرآن، أي: فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن، وقرأ ~~ابن كثير والكسائي بفتح السين، ولا همزة بعدها، وكذا يفعل حمزة في الوقف، ~~والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها، ثم نبه تعالى على أنهم غير ~~محتاجين فيه إلى السؤال بما قد كان بلغهم على الإجمال من أحوال موسى وعيسى ~~وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم عليهم السلام بقوله تعالى معبرا بأداة الشك محركا ~~لهم على المعالي {إن كنتم} أي: بجبلاتكم {لا تعلمون} أي: لا أهلية لكم في ~~اقتناص علم بل كنتم أهل تقليد محض، وتبع صرف، ولما بين تعالى أنه صلى الله ~~عليه وسلم على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلا بين أنه على سنتهم في جميع ~~الأوصاف التي حكم بها على البشر في العيش والموت، فنبه على الأول بقوله ~~تعالى: # {وما جعلناهم} أي: الذين اخترنا بعثتهم إلى الناس ليأمروهم بأوامرنا ~~{جسدا} أي: ذوي جسد ولحم ودم متصفين بأنهم {لا يأكلون الطعام} بل جعلناهم ~~أجسادا يأكلون ويشربون، وليس ذلك بمانع من إرسالهم. # فائدة: قال ms1919 ابن فارس في المجمل وفي كتاب الخليل: إن الجسد لا يقال لغير ~~الإنسان، وتوحيد الجسد لإرادة الجنس كأنه قيل: ذوي ضرب من الأجساد، أو على ~~حذف المضاف، أي: ذوي جسد كما مر، أو تأويل الضمير لكل واحد، وهو جسم ذو ~~لون، قال البيضاوي: ولذلك أي: ولكون الجسد جسما ذا اللون لا يطلق على الماء ~~والهواء، وهو في الماء مبني على أنه لا لون له، وإنما يتلون بلون ظرفه أو ~~مقاله؛ لأنه جسم شفاف؛ لكن قال الإمام الرازي: بل له لون ويرى، ومع ذلك لا ~~يحجب عن رؤية ما وراءه، ثم نبه على الثاني بقوله تعالى: {وما كانوا خالدين} ~~أي: بأجسادهم، بل ماتوا كما مات الناس قبلهم وبعدهم، وإنما امتازوا عن ~~الناس بما يأتيهم عن الله تعالى ورسولكم صلى الله عليه وسلم ليس بخالد، ~~فتربصوا كما أشار إليه ختم طه، فإنه متربص بكم، وأنتم عاصون الملك الذي ~~اقترب حسابه لخلقه وهو مطيع له # {ثم صدقناهم الوعد} أي: الذي وعدناهم بإهلاكهم، وهذا مثل قوله تعالى: ~~{واختار موسى قومه} (الأعراف، 155) # في حذف الجار والأصل # PageV02P497 # في الوعد، ومن قومه ومنه صدقوهم القتال، وصدقني سن بكره والأصل في هذا ~~المثل أن أعرابيا عرض بعيرا للبيع، فقال له المشتري: ما سنه؟ قال: بكر، ~~فاتفق أنه ند، فقال صاحبه هدع هدع، وهذه اللفظة مما يسكن بها صغار الإبل لا ~~الكبار، فقال المشتري: صدقني سن بكره، وأعرض، فصار مثلا. # تنبيه: أشار تعالى بأداة التراخي إلى أنهم طال بلاؤهم بهم، وصبرهم عليهم، ~~ثم أحل بهم سطوته، وأراهم عظمته {فأنجيناهم} أي: الرسل {ومن نشاء} وهم ~~المؤمنون أو من في إبقائه حكمة كمن سيؤمن هو أو واحد من ذريته، ولذلك حميت ~~به العرب من عذاب الاستئصال، {وأهلكنا المسرفين} أي: المشركين؛ لأن المشرك ~~مسرف على نفسه # {لقد أنزلنا إليكم} يا معشر قريش {كتابا} أي: القرآن {فيه ذكركم} أي: ~~شرفكم ووصيتكم كما قال تعالى: وإنه لذكر لك ولقومك، أو فيه مكارم الأخلاق ~~التي كنتم تطلبون بها الثناء وحسن الذكر كحسن الجوار والوفاء بالعهد ms1920 ودق ~~الحديث وأداء الأمانة والسخاء وما أشبه ذلك، وقيل: فيه ذكر ما تحتاجون إليه ~~من أمر دينكم، أو لأنه نزل بلغتكم، وقيل: فيه تذكرة لكم لتحذروا، فيكون ~~الذكر بمعنى الوعد والوعيد {أفلا تعقلون} فتؤمنوا به، وفي ذلك حث على ~~التدبر؛ لأن الخوف من لوازم العقل # {وكم قصمنا} أي: أهلكنا {من قرية} أي: أهلها بغضب شديد؛ لأن القصم أفظع ~~الكسر، وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم، وقوله تعالى: {كانت ~~ظالمة} أي: كافرة صفة لأهلها وصفت بها لما أقيمت مقامها، ثم بين الغنى عنها ~~بقوله تعالى: {وأنشأنا بعدها} أي: بعد إهلاك أهلها {قوما آخرين} مكانهم، ثم ~~بين حالها عند إحلال البأس بها بقوله تعالى: # {فلما أحسوا} أي: أدرك أهلها بحواسهم {بأسنا} أي: عذابنا {إذا هم منا} ~~أي: القرية {يركضون} هاربين منها مسرعين راكضين دوابهم لما أدركتهم مقدمة ~~العذاب والركض ضربة الدابة بالرجل، ومنه اركض برجلك، أو مشبهين بهم من فرط ~~إسراعهم بعد تجبرهم على الرسل، وقولهم لهم: لنخرجنكم من أرضنا، أو لتعودن ~~في ملتنا، فناداهم لسان الحال تقريعا وتشنيعا لحالهم # {لا تركضوا} أو المقال والقائل ملك أو من ثم من المؤمنين {وارجعوا} إلى ~~قريتكم {إلى ما أترفتم} أي: تمتعتم {فيه} من التنعم والتلذذ والإتراف إبطار ~~النعمة والترفه، ولما كان أعظم ما يؤسف عليه بعد العيش الناعم المسكن قال: ~~{ومساكنكم} أي: التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء بما أوسعتم من فنائها، ~~وعليتم من بنائها، وحسنتم من مشاهدها {لعلكم تسألون} وفي هذا تهكم بهم ~~وتوبيخ أي: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما يجري عليكم، ~~وينزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو ارجعوا، ~~واجلسوا كما كنتم في مجالسكم وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ~~ومن تملكون أمره، وينفذ فيه أمركم ونهيكم، فيقولوا لكم بم تأمرون وماذا ~~ترسمون، أو شيئا من دنياكم على العادة، أو تسألون في الإيمان كما كنتم ~~تسألون، فتأبوا بما عندكم من الأنفة والحمية والعظمة، أو في المهمات كما ~~تكون الرؤساء في مقاعدهم العلية، ومراتبهم السنية، ms1921 فيجيبون سائلهم بما ~~شاؤوا، ولما كان كأنه قيل: بم أجابوا هذا القائل؟ قيل: # {قالوا} حين لا نفع لقولهم عند نزول البأس # PageV02P498 # {يا ويلنا} إشارة إلى أنه حل بهم؛ لأنه ينادي بيا القريب ترفقا به كما ~~يقول الشخص لمن يضربه: يا سيدي كأنه يستغيث به ليكف عنه، وذلك غباوة منهم، ~~وعمى عن الذي أحله بهم؛ لأنهم كالبهائم لا ينظرون إلا السبب الأقرب، ثم ~~عللوا حلوله بهم تأكيدا لترفقهم بقولهم: {إنا كنا} جبلة وطبعا {ظالمين} حيث ~~كذبنا الرسل، وعصينا أمر ربنا، فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف لفوات ~~محله، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه القرية حضور بفتح الحاء وبالضاد ~~المعجمة، وهي وسحول قريتان قريبتان من اليمن تنسب إليهما الثياب، وفي ~~الحديث: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين» ، وروي ~~حضوريين بعث الله لهم نبيا، فقتلوه، فسلط الله تعالى عليهم بختنصر كما سلطه ~~الله على أهل بيت المقدس، فاستأصلهم، وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد ~~من السماء: يا لثأرات الأنبياء، وهي بفتح اللام، وبمثلثة وهمزة ساكنة أي: ~~يا لأهل ثأراتهم أي: الطالبة بدمهم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ~~فندموا وقالوا ذلك # {فما} أي: فتسبب عن إحلالنا بهم ذلك البأس أنه ما {زالت تلك} الدعوى ~~البعيدة عن الخير والسلامة، وهي قولهم: يا ويلنا {دعواهم} يرددونها لا دعوى ~~لهم غيرها؛ لأن الويل ملازم لهم غير منفك عنهم، وترفقهم له غير نافعهم {حتى ~~جعلناهم حصيدا} كالزرع المحصود بالمناجل بأن قتلوا بالسيف، # تنبيه: حصيد على وزن فعيل بمعنى مفعول، ولذلك لم يجمع؛ لأنه يستوي فيه ~~الجمع وغيره {خامدين} أي: ميتين كخمود النار إذا طفئت وصارت رمادا فإن قيل: ~~كيف ينصب جعل ثلاثة مفاعيل أجيب بأن حكم الاثنين الأخيرين حكم الواحد؛ لأن ~~معنى قولك: جعلته حلوا حامضا جعلته جامعا للطعمين، وكذلك معنى جعلناهم ~~جامعين لمماثلة الحصد والخمود أو خامدين صفة لحصيدا أو حال من ضميره، ثم ~~نبههم سبحانه وتعالى على النظر في خلق السموات وما بينهما ليعتبروا، فقال ~~تعالى: # {وما خلقنا ms1922 السماء} على علوها وإحكامها {والأرض} على عظمها واتساعها {وما ~~بينهما} مما دبرناه لتمام المنافع من أصناف البدائع وغرائب الصنائع ~~{لاعبين} أي: عابثين كما تسوي الجبابرة سقوفهم وفرشهم، وسائر زخارفهم للهو ~~واللعب، وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار، وتذكيرا لذوي ~~الاعتبار، وتسبيبا لما ينتظم به أمر العباد في المعاش والمعاد، ولما نفى ~~عنه اللعب أتبعه دليله، فقال عز وجل: # {لو أردنا} أي: بما لنا من العظمة {أن نتخذ لهوا} أي: ما يتلهى به ويلعب، ~~وقيل: هو الولد بلغة اليمن، وقيل: الزوجة والمراد الرد على النصارى ~~{لاتخذناه من لدنا} أي: من عندنا مما يليق أن ينسب لحضرتنا من الحور العين ~~والملائكة بما لنا تمام القدرة، وكمال العظمة {إن كنا فاعلين} ذلك لكنا لم ~~نفعله؛ لأنه لا يليق بجنابنا، فلم نرده، وقوله تعالى: # {بل نقذف} أي: نرمي {بالحق} أي: الإيمان {على الباطل} أي: الكفر إضراب عن ~~اتخاذ اللهو وتنزيه لذاته عن اللعب بل شأننا أن نرمي بالحق الذي من جملة ~~الجد على الباطل الذي من عداد اللهو {فيدمغه} أي: يذهبه، واستعار لدحض ~~الباطل بالحق القذف والدمغ تصويرا لإبطاله به، وإهداره ومحقه، فجعله كأنه ~~جرم صلب كالصخرة، ووجه استعارة القذف والدمغ لما ذكر أن أصل استعمالهما في # PageV02P499 # الأجسام، ثم استعير القذف لدحض الباطل بالحق والدمغ لإذهاب الباطل، ~~فالمستعار منه حسي، والمستعار له عقلي {فإذا هو} في الحال {زاهق} أي: ذاهب، ~~والزهوق ذهاب الروح، وذكره لترشيح المجاز من إطلاق القذف على دحض الباطل، ~~ثم عطف على ما أفادته إذا قوله تعالى: {ولكم} أي: وإذا لكم أيها المبطلون ~~{الويل} أي: العذاب الشديد {مما تصفون} الله تعالى به بما تهوى أنفسكم ~~كالزوجة والولد # تنبيه: ما إما مصدرية أو موصولة أو موصوفة، ولما حكى الله تعالى كلام ~~الطاعنين في النبوات، وأجاب عنها بأن أغراضهم من تلك المطاعن التمرد، وعدم ~~الانقياد بين بقوله تعالى: # {وله من في السموات} أي: الأجرام العالية، وهي ما تحت العرش، وجمع السماء ~~هنا لاقتضاء تفخيم الملك ذلك، ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدد ms1923 الأرض وحدها، ~~فقال: {والأرض} أي: له ذلك خلقا وملكا أنه منزه عن طاعتهم؛ لأنه هو المالك ~~لجميع المحدثات والمخلوقات، وعبر بمن تغليبا للعقلاء، وقوله تعالى: {ومن ~~عنده} أي: وهم الملائكة بإجماع الأمة، ولأن الله تعالى وصفهم بأنهم يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون، وهذا لا يليق بالبشر، مبتدأ خبره {لا يستكبرون عن ~~عبادته} بنوع كبر طلبا ولا إيجادا، وخصهم بالذكر لكرامتهم عليه تنزيلا لهم ~~منزلة المقربين عند الملك. # تنبيه: هذه العندية للشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة، فكأنه تعالى ~~قال: الملائكة مع كمال شرفهم وعلو مراتبهم، ونهاية جلالتهم لا يستكبرون عن ~~عبادته، فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته {و} مع ذلك أيضا {لا ~~يستحسرون} أي: لا يعيون، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور ~~تنبيها على أن عبادتهم من ثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا ~~يستحسرون، ولا يطلبون أن ينقطعوا عنها، فأنتج ذلك قوله تعالى: # H # {يسبحون} أي: ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال ~~{الليل والنهار} أي: جميع آنائهما دائما {لا يفترون} أي: عن ذلك وقتا من ~~الأوقات، فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل، ولما كانوا عند هذا ~~البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد، فلم يفعلوا كانوا حقيقين بعد ~~الإعراض عنهم بالتوبيخ والتهكم والتعنيف، فقال تعالى: # {أم اتخذوا} أي: بل اتخذوا، فأم بمعنى بل للانتقال والهمزة لإنكار ~~اتخاذهم {آلهة من الأرض} ومعنى نسبتها إلى الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد ~~في الأرض؛ لأن الآلهة على ضربين؛ أرضية وسماوية، ومن ذلك حديث الأمة التي ~~قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «أين ربك؟ فأشارت إلى السماء، فقال: ~~إنها مؤمنة» ؛ لأنه فهم منها أن مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام ~~لا إثبات أن السماء مكان الله تعالى، ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض؛ ~~لأنها إما أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض {هم ينشرون} ~~أي: يحيون الموتى لا يقدرون على ذلك، وهم وإن لم يصرحوا بذلك لزم من ~~ادعائهم لها ms1924 آلهة أنهم يقدرون على ذلك، فإن من لوازمها الاقتدار على جميع ~~الممكنات، فالمراد به تجهيلهم والتهكم بهم، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير ~~الموهم لاختصاص الانتشار بهم، ثم إنه سبحانه وتعالى أقام البرهان القطعي ~~على نفي إله غيره ببرهان التمانع، وهو أشد برهان لأهل الكلام، فقال: # {لو كان فيهما} أي: السموات والأرض أي: في تدبيرهما {آلهة إلا الله} # PageV02P500 # أي: غير الله تعالى {لفسدتا} أي: لخرجتا عن نظامهما المشاهد لوجود ~~التمانع بينهم على وفق العادة عند تعدد الحاكم، وعن عبد الملك بن مروان حين ~~قتل عمرو بن سعيد الأشدق كان والله أعز علي من دم ناظري، ولكن لا يجتمع ~~فحلان في شول، وهذا ظاهر. # وأما طريقة التمانع فقال المتكلمون: القول بوجود إلهين مفض إلى المحال ~~لأنا لو فرضنا وجود إلهين، فلا بد أن يكون كل واحد منهما قادرا على كل ~~المقدورات، ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادرا على تحريك زيد وتسكينه، ~~ولو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه والآخر أراد تسكينه، فإما أن يقع المرادان ~~وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين، أو لا يقع واحد منهما، وهو محال؛ لأن ~~المانع من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر، فلا يمتنع مراد هذا إلا عند ~~وجود مراد ذلك وبالعكس، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر، وذلك أيضا محال؛ لأن ~~الذي وقع مراده يكون قادرا، والذي لم يقع مراده يكون عاجزا، والعجز نقص، ~~وهو على الإله محال، فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات، وإذا وقفت على ~~حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات ~~دليل على أن وحدانية الله تعالى والدلائل السمعية على الوحدانية كثيرة في ~~القرآن، ولما أفاد هذا الدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر للسموات والأرض ~~إلا واحدا، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا الله تعالى قال: {فسبحان الله} أي: ~~فتسبب عن ذلك تنزه المتصف بصفات الكمال {رب} أي: خالق {العرش} أي: الكرسي ~~المحيط بجميع الأجسام الذي هو محل التدابير، ومنشأ التقادير {عما يصفون} ms1925 ~~أي: الكفار الله به من الشريك له وغيره، ثم بين تعالى ذلك بقوله عز وجل: # {لا يسأل} أي: من سائل ما {عما يفعل} لعظمته وقوة سلطانه، وإذا كانت عادة ~~الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم وعما يوردون ~~ويصدرون من تدبير ملكهم تهيبا وإجلالا مع جواز الخطأ والزلل، وأنواع الفساد ~~عليهم كان ملك الملوك ورب الأرباب خالقهم ورازقهم أولى بأن لا يسأل عن ~~أفعاله مع ما علم واستقر في العقول من أن ما يفعله كله مفعول بدواعي ~~الحكمة، ولا يجوز عليه تعالى الخطأ {وهم يسألون} لأنهم مملوكون مستعبدون ~~خطاؤون، فما أخلقهم بأن يقال لهم: لم فعلتم؟ في كل شيء فعلوه، ولما قام ~~الدليل ووضح السبيل واضمحل كل قال وقيل، وانمحقت الأباطيل كرر تعالى: # {أم اتخذوا من دونه آلهة} كرره استفظاعا لشأنهم واستعظاما لكفرهم، ~~وإظهارا لجهلهم، ولما كان جوابهم: اتخذنا ولا نرجع، أمر الله تعالى نبيه ~~بجوابهم فقال: {قل هاتوا برهانكم} على ما ادعيتموه من عقل أو نقل كما أتيت ~~أنا ببرهان النقل المؤيد بالعقل، ولما كان تعالى لا يؤاخذ بمخالفة العقل ما ~~لم ينضم إليه دليل النقل أتبعه قوله مشيرا إلى ما بعث الله تعالى به الرسل ~~من الكتب {هذا ذكر} أي: موعظة وشرف {من معي} ممن آمن بي وهو القرآن الذي ~~عجزتم عن معارضته {وذكر} أي: وهذا ذكر {من قبلي} من الأمم الماضية وهو ~~التوراة والإنجيل، وغيرهما من الكتب السماوية، فانظروا هل تجدون فيها إلا ~~الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ولما كانوا لا يجدون شبهة لهم فضلا عن ~~حجة ذمهم الله تعالى على جهلهم بمواضع الحق # PageV02P501 # فقال تعالى: {بل أكثرهم} أي: هؤلاء المدعون {لا يعلمون الحق} فلا يميزون ~~بينه وبين الباطل بل أكثرهم جهلة، والجهل أصل الشر والفساد {فهم} أي: فتسبب ~~عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم {معرضون} عن التوحيد واتباع الرسل، ~~ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدم كما أن الرسالة لا يقوم ~~بها كل واحد، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل ms1926 زمن أثبت الجار في قوله تعالى: # {وما أرسلنا من قبلك} وأغرق في النفي فقال: {من رسول} في شيع الأولين ~~{إلا نوحي إليه} من عندنا {أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وهذا مقرر لما سبقه ~~من آي التوحيد، وقال تعالى: إلا أنا، ولم يقل: نحن لئلا يجعلوا ذلك وسيلة ~~إلى ما ادعوه من تعدد الآلهة، ولذلك قال: فاعبدون بالإفراد، وقرأ حفص وحمزة ~~والكسائي بالنون وكسر الحاء، والباقون بالياء وفتح الحاء، ولما بين سبحانه ~~وتعالى بالدلائل الباهرة كونه منزها عن الشريك والضد والند أردف ذلك ~~ببراءته عن اتخاذ الولد بقوله: # {وقالوا اتخذ} أي: تكلف كما يتكلف من لا يكون له ولد {الرحمن} أي: الذي ~~كل موجود من فيض نعمه {ولدا} نزل في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، ~~وقيل: نزل ذلك في اليهود حيث قالوا: إنه تعالى صاهر الجن، فكانت منهم ~~الملائكة كما حكى الله تعالى عنهم قولهم، وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا، ثم ~~إنه سبحانه وتعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى: {سبحانه} أي: تنزه عن أن ~~يكون له ولد، فإن ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين الولد، ولا تصح مجانسة ~~النعمة للمنعم الحقيقي {بل} أي: الذين جعلوهم له ولدا وهم الملائكة {عباد} ~~من عباده أنعم عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم لا أولاد، فإن العبودية ~~تنافي الولدية {مكرمون} بالعصمة من الزلل ولذلك فسر الإكرام بقوله تعالى: # {لا يسبقونه} أي: لا يسبقون إذنه {بالقول} أي: لا يقولون شيئا حتى يقوله ~~كما هو شأن العبيد المؤدبين {وهم بأمره} إذا أمرهم {يعملون} لا بغيره لأنهم ~~في غاية المراقبة له تعالى، فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل، وذلك غاية ~~الطاعة، ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه بقوله ~~تعالى: # {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي: ما عملوا وما هم عاملون لا تخفى عليه ~~تعالى خافية مما قدموا وأخروا، ثم صرح تعالى بلازم الجملة الأولى، فقال: ~~{ولا يشفعون} أي: لا في الدنيا، ولا في الآخرة {إلا لمن ارتضى} فلا تطمعوا ~~في ms1927 شفاعتهم لكم بغير رضاه تعالى؛ قال ابن عباس والضحاك: إلا لمن ارتضى أي: ~~لمن قال: لا إله إلا الله، فسقط بذلك قول المعتزلة: إن الشفاعة في الآخرة ~~لا تكون لأهل الكبائر، ثم صرح بلازم الجملة الثانية فقال: {وهم من خشيته} ~~أي: لا من غيرها {مشفقون} أي: خائفون، وأصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذلك خص ~~بها العلماء والإشفاق خوف مع اعتناء، فإن عدى بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، ~~وإن عدى بعلى فبالعكس، ولما نفى تعالى الشريك مطلقا، ثم مقيدا بالولدية ~~أتبعه التهديد على ادعائه بتعذيب المتبوع الموجب لتعذيب التابع بقوله ~~تعالى: # {ومن يقل منهم} أي: من الخلائق حتى العباد المكرمين الذين وصف كرامتهم ~~وقرب منزلتهم عنده، وأثنى عليهم {إنى إله من دونه} أي: الله أي غيره، والذي ~~قال ذلك كما قال الجلال المحلي هو إبليس دعا إلى عبادة نفسه، وأمر بطاعتها ~~{فذلك} أي: اللعين # PageV02P502 # الذي لا يصلح للتقريب أصلا {نجزيه جهنم} لظلمه {كذلك} أي: مثل هذا الجزاء ~~الفظيع جدا {نجزي الظالمين} أي: المشركين، ثم إنه سبحانه وتعالى شرع الآن ~~في الدلائل الدالة على وجود الصانع، فذكر منها ستة أنواع؛ النوع الأول: ~~قوله تعالى: # {أولم ير} أي: يعلم {الذين كفروا} علما هو كالمشاهدة {أن السموات والأرض ~~كانتا} ولم يقل: كن؛ لأن المراد جماعة السموات وجماعة الأرض {رتقا} قال ابن ~~عباس والضحاك: كانتا شيئا واحدا ملتزقتين زبدة واحدة {ففتقناهما} أي: فصلنا ~~بينهما بالهواء، والرتق في اللغة السد، والفتق الشق، قال كعب: خلق الله ~~السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحا توسطتهما، ففتحهما بها، وقال ~~مجاهد والسدي: كانت السموات رتقا طبقة، ففتقها، فجعلها سبع سموات، وكذلك ~~الأرض كانت رتقا طبقة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين، وقال عكرمة وعطية: كانت ~~السموات رتقا لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض ~~بالنبات، فيكون المراد بالسموات سماء الدنيا، وجمعها باعتبار الآفاق أو ~~السموات بأسرها على أن لها مدخلا في الأمطار، وإنما قال تعالى: رتقا على ~~التوحيد، وهو نعت للسموات والأرض لأنه مصدر، والكفرة وإن لم ms1928 يعلموا ذلك، ~~فهم متمكنون من العلم بالنظر، أو باستفسار من العلماء، أو مطالعة الكتب، ~~وقرأ ابن كثير ألم بغير واو بين الهمزة ولم، والباقون بالواو بين الهمزة ~~واللام. # النوع الثاني من الدلائل: قوله تعالى: {وجعلنا} أي: خلقنا بما اقتضته ~~عظمتنا {من الماء} الماء هو الدافق وغيره {كل شيء حي} مجازا في النبات ~~وحقيقة في الحيوان فإن قيل: قد خلق الله تعالى بعض ما هو حي من غير الماء ~~كآدم وعيسى والملائكة؟ أجيب: بأن هذا خرج مخرج الأغلب والأكثر، أي: أن أكثر ~~ما خلق الله خلق من الماء وبقاؤه بالماء، وقيل: المراد بالماء ما نزل من ~~السماء أو نبع من الأرض {أفلا يؤمنون} مع ظهور هذه الآيات الواضحات ~~بتوحيدي، النوع الثالث من الدلائل: قوله تعالى: # {وجعلنا في الأرض رواسي} أي: جبالا ثوابت كراهة {أن تميد} أي: تتحرك ~~{بهم} قيل: إن الأرض بسطت على الماء، فكانت تتحرك كما تتحرك السفينة في ~~الماء، فأرساها الله وأثبتها بالجبال، النوع الرابع من الدلائل: قوله ~~تعالى: {وجعلنا فيها} أي: في الرواسي {فجاجا} أي: مسالك واسعة سهلة، ثم ~~أبدل منها {سبلا} أي: مذللة للسلوك، ولولا ذلك لتعسر أو تعذر الوصول إلى ~~بعض البلاد {لعلهم يهتدون} إلى منافعهم من ديارهم وغيرها، وإلى ما فيها من ~~دلائل الوحدانية، النوع الخامس من الدلائل: قوله تعالى: # {وجعلنا السماء} وأفردها مع إرادة الجنس؛ لأن أكثر الناس لا يشاهدون منها ~~إلا السماء الدنيا، ولأن الحفظ للشيء الواحد أتقن {سقفا} أي: للأرض كالسقف ~~للبيت {محفوظا} أي: عن السقوط بالقدرة، وعن الفساد والانحلال إلى الوقت ~~المعلوم بالمشيئة، وعن الشياطين بالشهب {وهم} أي: أكثر الناس {عن آياتها} ~~أي: من الكواكب الكبار والصغار، والرياح والأمطار وغير ذلك من الدلائل التي ~~تفوت الانحصار الدالة على قدرتنا على كل ما نريد من البعث وغيره، وعلى ~~عظمتنا بالتفرد بالإلهية وغير ذلك من أوصاف الكمال من الجلال والجمال ~~{معرضون} لا يتفكرون فيما فيها من السير والتدبير وغير ذلك، فيعلمون أن ~~خالقها # PageV02P503 # لا شريك له، النوع السادس من الدلائل: قوله تعالى: # {وهو} ms1929 أي: لا غيره {الذي خلق الليل والنهار} ثم أتبعهما أعظم آيتهما ~~بقوله تعالى: {والشمس} التي هي أعظم آية النهار {والقمر} الذي هو أعظم آية ~~الليل {كل} أي: من الشمس والقمر، وتابعه وهو النجوم {في فلك} أي: مستدير ~~كالطاحونة في السماء {يسبحون} أي: يسيرون بسرعة كالسابح في الماء، وللتشبيه ~~به أتى بضمير جمع من يعقل والمراد بالفلك الجنس كقولك: كساهم الأمير حلة، ~~وقلدهم سيفا، أي: كل واحد منهم، أو كساهم وقلدهم هذين الجنسين، فاكتفى بما ~~يدل على الجنس اختصارا، ولأن الغرض الدلالة على الجنس، ونزل لما قال ~~الكفار: إن محمدا سيموت: # {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} أي: البقاء في الدنيا {أفإن} أي: أيتمنون ~~موتك، فإن {مت فهم الخالدون} فيها لا والله ليسوا بخالدين، فالجملة الأخيرة ~~هي محل الاستفهام الإنكاري، وفي معنى ذلك قول فروة بن مسيك الصحابي: # *وقل للشامتين بنا أفيقوا # ... سيلقى الشامتون كما لقينا # وقرأ نافع وحفص والكسائي بكسر الميم والباقون بضمها، ثم بين تعالى أن ~~أحدا لا يبقى في هذه الدنيا بقوله تعالى: # {كل نفس ذائقة الموت} أي: ذائقة مرارة الموت، أي: مرارة مفارقة روحها ~~جسدها، فلا يفرح أحد، ولا يحزن لموت أحد بل يشتغل بما يهمه، وإليه الإشارة ~~بقوله: {ونبلوكم} أي: نعاملكم معاملة المبتلي المختبر ليظهر في عالم ~~الشهادة الشاكر والصابر، والمؤمن والكافر كما هو عندنا في عالم الغيب بأن ~~نخالطكم {بالشر} ، وهو المضار الدنيوية من الفقر والألم، وسائر الشدائد ~~النازلة بالمكلفين {والخير} وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور، ~~والتمكن من المرادات، وقوله تعالى: {فتنة} مفعول له أي: لننظر أتصبرون ~~وتشكرون أم لا كما يفتن الذهب إذا أريد تصفيته بالنار عما يخالطه من الغش، ~~فبين تعالى أن العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين لكي يشكر على ~~المنح ويصبر على المحن، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم {وإلينا} بعد الموت ~~لا إلى غيرنا {ترجعون} فنجازيكم بما فعلتم، ثم عطف تعالى على قوله: {وأسروا ~~النجوى} قوله تعالى: # {وإذا رآك} أي: وأنت أشرف الخلق {الذين كفروا إن} أي: ms1930 ما {يتخذونك} أي: ~~حال الرؤية {إلا هزوا} أي: مهزوا به يقولون إنكارا واستصغارا {أهذا الذي ~~يذكر آلهتكم} أي: بسوء، والذكر يكون بالخير والشر، فإذا دلت القرينة على ~~أحدهما أطلق عليه وذكر العدو لا يكون إلا بسوء {وهم} أي: والحال أنهم {بذكر ~~الرحمن} أي: إذا ذكر لهم الرحمن {هم كافرون} وذلك أنهم كانوا يقولون: لا ~~نعرف الرحمن إلا مسيلمة، وهم الثانية للتأكيد، ونزل في استعجالهم العذاب # {خلق الإنسان من عجل} كأنه خلق منه لفرط استعجاله وقلة ثباته، والعرب ~~تقول للذي يكثر منه الشيء: خلقت منه كقولك: خلق زيد من الكرم، فجعل ما طبع ~~عليه بمنزلة المطبوع هو منه مبالغة في لزومه له، ولذلك قيل: إنه على القلب ~~أي: خلق العجل من الإنسان، ومن عجلته مبادرته إلى الكفر، واستعجال الوعد، ~~وقال سعيد بن جبير والسدي: لما دخل الروح في رأس آدم وعينيه نظر إلى ثمار ~~الجنة، فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى ~~رجليه عجلا إلى ثمار الجنة، فوقع، فقيل: خلق الإنسان # PageV02P504 # من عجل، والمراد بالإنسان آدم وأورث أولاده العجلة، وقال قوم: معناه خلق ~~الإنسان يعني آدم عليه السلام من تعجيل في خلق الله تعالى إياه لأن خلقه ~~كان بعد خلق كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه قبل مغيب ~~الشمس، قال مجاهد: فلما أحيا الروح رأسه قال: يارب استعجل بخلقي قبل غروب ~~الشمس وقيل بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم ~~العلقة ثم المضغة وغيرها، وقال قوم: من عجل أي: من طين قال الشاعر: # *والنبع في الصخرة الصماء منبته # ... والنخل ينبت بين الماء والعجل # ثم قال تعالى مهددا للمكذبين: {سأريكم آياتي} أي: مواعيدي بالعذاب {فلا ~~تستعجلون} أي: تطلبون أن أوجد العجلة بالعذاب، أو غيره فإني منزه عن العجلة ~~التي هي من جملة نقائصكم؛ لأنها إرادة الشيء قبل أوانه فإن قيل: لم نهاهم ~~عن الاستعجال مع قوله: خلق الإنسان من عجل وقوله تعالى: {وكان الإنسان ~~عجولا} ، أليس هذا من ms1931 تكليف ما لا يطاق؟ أجيب: بأن هذا كما ركب فيه الشهوة ~~وأمره أن يغلبها لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك ~~العجلة، وقد أراهم بعض آياته وهو القتل ببدر. # {ويقولون} في استهزائهم {متى هذا الوعد} أي: بإتيان الآيات من الساعة ~~ومقدماتها وغيرها {إن كنتم} فيما توعدون به {صادقين} أي: عريقين في هذا ~~الوصف يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا هو الاستعجال المذموم ~~المذكور على سبيل الاستهزاء، ثم بين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم بقوله ~~تعالى: # {لو يعلم الذين كفروا} وذكر المفعول به بقوله تعالى: {حين} أي: وقت {لا ~~يكفون} أي: لا يدفعون {عن وجوههم} التي هي أشرف أعضائهم {النار} استسلاما ~~وعجزا {ولا عن ظهورهم} التي هي أشد أجسامهم السياط {ولا هم ينصرون} أي: لا ~~يمنعون من العذاب في القيامة وجواب لو محذوف والمعنى: لو علموا لما أقاموا ~~على كفرهم ولما استعجلوا العذاب، ولا قالوا: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. # {بل تأتيهم} أي: القيامة {بغتة} أي: فجأة {فتبهتهم} أي: تحيرهم، يقال: ~~فلان مبهوت أي: متحير {فلا يستطيعون ردها} أي: لا يطلبون طوع ذلك لهم في ~~ذلك الوقت ليأسهم منه {ولا هم ينظرون} أي: يمهلون لتوبة أو معذرة، ولما كان ~~التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك أتبعه ما يدل على أن الرسل في ذلك شرع ~~واحد تسلية له صلى الله عليه وسلم فقال عاطفا على وإذا رآك: # {ولقد استهزئ برسل من قبلك} أي: كثيرين فلك بهم أسوة، وقرأ أبو عمرو ~~وعاصم وحمزة في الوصل بكسر الدال والباقون بالضم وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ~~ياء ساكنة {فحاق} أي: نزل {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} وهو ~~العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك، ولما أعلم الله تعالى أن الكفار في الآخرة ~~لا يكفون عن وجهوهم النار ولا عن ظهورهم بسائر ما وصفهم به. أتبعه بأنهم في ~~الدنيا أيضا لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة، فقال ~~تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم # {قل} يا أشرف ms1932 المرسلين للمستهزئين {من يكلؤكم} أي: يحفظكم {بالليل ~~والنهار من الرحمن} أي: من عذابه إن نزل بكم أي: لا أحد يفعل ذلك {بل هم عن ~~ذكر ربهم} أي: القرآن {معرضون} لا يتفكرون فيه ولا يخطرونه ببالهم فضلا أن ~~يخافوا بأسه. # {أم} فيها معنى الهمزة للإنكار # PageV02P505 # أي: الله {لهم آلهة} {موصوفة بأنها تمنعهم} مما يسوءهم {من دوننا} ليس ~~لهم ذلك ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال تعالى: {لا يستطيعون} أي: الآلهة {نصر ~~أنفسهم} فكيف ينصرون عابديهم {ولا هم} أي: الكفار {منا} أي: من عذابنا ~~{يصحبون} أي: يجارون يقال: صحبك الله أي: حفظك وأجارك. # {بل متعنا هؤلاء} أي: الكفار على حقارتهم {وآباءهم} من قبلهم بالنعم ~~استدراجا {حتى طال عليهم العمر} أي: امتدت بهم أيام الدنيا بالروح ~~والطمأنينة فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا ينزع عنهم ثوب ~~أمنتهم واستمتاعهم فاغتروا بذلك وذلك طمع فارغ وأمل كاذب، وغلظ ورش اللام ~~بخلاف عنه {أفلا يرون} أي: يعلمون علما هو في وضوحه مثل الرؤية بالبصر {أنا ~~نأت الأرض} أي: أرض الكفرة {ننقصها من أطرافها} بتسليط المسلمين عليها ~~وإظهارهم على أهلها بقتل بعض ورد بعض عن دينه إلى الإسلام فهم في نقص ~~وأولياؤنا في زيادة {أفهم الغالبون} أي: مع مشاهدتهم لذلك أم أولياؤنا. ~~ولما كرر سبحانه وتعالى في القرآن الأدلة وبالغ في التنبيه عليها على ما ~~تقدم أتبعه بقوله تعالى: # {قل} يا أشرف الخلق لهؤلاء المشركين {إنما أنذركم} أي: أخوفكم {بالوحي} ~~أي: بالقرآن الذي هو كلام ربكم فلا تظنوا أنه من قبل نفسي {ولا يسمع الصم ~~الدعاء} أي: ممن يدعوهم {إذا ما ينذرون} أي: يخوفون فهم لترك العمل بما ~~سمعوه كالصم فإن قيل: الصم لا يسمعون دعاء البشر كما لا يسمعون دعاء ~~المنذر، فكيف قيل: إذا ما ينذزون؟ أجيب: بأنه وضع الظاهر موضع المضمر ~~للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إذا أنذروا، أي: هم على هذه الصفة من ~~الجراءة والجسارة وعلى التصام عن آيات الإنذار، وقرأ ابن عامر ولا تسمع ~~بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الميم ونصب ميم ms1933 الصم على الخطاب النبوي ~~والباقون بالياء التحتية وفتح الميم ورفع ميم الصم وفي الدعاء، وإذا همزتان ~~مختلفتان من كلمتين؛ الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة قرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والياء والباقون بتحقيق ~~الهمزتين، وهذا في حال الوصل، فإن وقف على الهمزة الأولى فالجميع يبتدئون ~~الثانية بالتحقيق، ويقف حمزة وهشام بإبدال الهمزة ألفا مع المد والتوسط ~~والقصر. # {ولئن مستهم} أي: أصابتهم {نفحة} أي: دفعة خفيفة وفي ذلك مبالغات ذكر ~~المس وما في النفحة من معنى القلة فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء والتاء ~~الدالة على المرة {من عذاب ربك} المحسن إليك بنصرك عليهم من الذي ينذرون به ~~{ليقولن} وقد أذهلهم أمرها {يا ويلنا} الذي لا نرى بحضرتنا الآن غيره {إنا ~~كنا ظالمين} دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقروا بالظلم، ثم ذكر تعالى بعض ~~ما يفعل في حساب الساعة من العدل، فقال عاطفا على قوله تعالى: {بل تأتيهم ~~بغتة} : # {ونضع الموازين القسط} أي: ذوات العدل {ليوم القيامة} أي: فيه وإنما جمع ~~الموازين لكثرة من توزن أعمالهم ويجوز أن يرجع إلى الوزنات وقيل: وضع ~~الموازين تمثيلا لإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل ~~والصحيح الذي عليه أئمة السلف أن الله تعالى يضع ميزانا حقيقة توزن به ~~أعمال العباد وعن الحسن هو الميزان له كفتان ولسان، ويروى أن داود عليه ~~السلام سأل ربه أن يريه الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب، فغشي ~~عليه # PageV02P506 # ثم أفاق فقال: إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، قال: يا داود إني ~~إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة فإن قيل: كيف توزن الأعمال مع أنها أعراض؟ ~~أجيب: بأن فيه طريقين؛ أحدهما أن توزن صحائف الأعمال فتوضع صحائف الحسنات ~~في كفة وصحائف السيئات في كفة والثاني أن توضع في كفة الحسنات جواهر بيض ~~مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل: هذه الآية يناقضها قوله ~~تعالى في الكفار: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} (الكهف، 105) # أجيب: بأن المراد ms1934 منه أنا لا نكرمهم ولا نعظمهم {فلا تظلم نفس شيئا} أي: ~~من نقص حسنة أو زيادة سيئة {وإن كان} أي: العمل {مثقال} أي: وزن {حبة من ~~خردل} أو أصغر منه وإنما مثل به لأنه غاية عندنا في القلة، وقرأ نافع برفع ~~اللام على أن كان تامة والباقون بالنصب وكذا في لقمان {أتينابها} أي: ~~بوزنها ولما كان حساب الخلائق كلهم في كل ما صدرمنهم أمرا باهرا للعقل حقره ~~عند عظمته فقال: {وكفى بنا} أي: بما لنا من العظمة {حاسبين} أي: محصين في ~~كل شيء، فلا يكون في الحساب أحد مثلنا، ففيه توعد من جهة أن معناه أن لا ~~يروج عليه شيء من خداع، ولا يقبل غلطا ولا يضل ولا ينسى إلى غير ذلك من كل ~~ما يلزم منه نوع لبس وشوب منقص ووعد من جهة أنه مطلع على حسن قصد وإن دق ~~وخفي. ولما تكلم سبحانه وتعالى في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في ~~قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يناله من ~~قومه وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض وذكر منها عشرا: ~~القصة الأولى: قصة موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {ولقد آتينا موسى وهرون} أي: أخاه الذي سأل ربه أن يشد أزره به {الفرقان} ~~أي: التوراة الفارقة بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام {وضياء} بهاء لا ~~ظلام معه أي: ليستضاء بها في ظلمات الحيرة والجهل وقرأ قنبل بعد الضاد ~~بهمزة مفتوحة ممدودة والباقون بياء بعدها ألف {وذكرا} أي: عظة {للمتقين} أو ~~ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع وقيل الفرقان النصر وقيل فلق البحر ويراد ~~بالضياء على هذين التوراة، ثم بين المتقين بوصفهم بقوله تعالى: # {الذين يخشون} أي: يخافون خوفا عظيما {ربهم} أي: المحسن إليهم بعد ~~الإيجاد بالتربية وأنواع الإحسان {بالغيب} عن الناس أي: في الخلاء عنهم أو ~~بالغيب قبل أن يكشف لهم الحجاب في الجنة {وهم من الساعة} التي توضع فيها ~~الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها أعظم حامل على ms1935 كل خير ومباعد عن ~~كل ضير {مشفقون} أي: خائفون لأنهم لقيامها متحققون ولنصب الموازين فيها ~~عالمون، ولما ذكر تعالى فرقان موسى عليه السلام وكان العرب يشاهدون تمسك ~~اليهود به حثهم على كتابهم هو أشرف منه بقوله تعالى: # {وهذا} أي: القرآن وأشار إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم ~~{ذكر} أي: موعظة {مبارك} أي: كثير خيره {أنزلناه} على أشرف الرسل محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقوله تعالى: {أفأنتم له منكرون} أي: جاحدون استفهام توبيخ، ~~القصة الثانية: قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {ولقد أتينا} بما لنا من العظمة {إبراهيم رشده} أي: صلاحه وهداه {من قبل} ~~أي: من قبل موسى وهارون ومحمد صلى الله وسلم عليهم وقيل: # PageV02P507 # من قبل استنبائه أو بلوغه حيث قال: إني وجهت وجهي {وكنا به} ظاهرا وباطنا ~~{عالمين} بأنه أهل لما آتيناه لأنه جبلة خير جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم ~~الأخلاق والخصال يدوم على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى درجاته لما طبعناه ~~عليه، وفي ذلك إشارة إلى أنه فعله تعالى باختيار وحكمة وأنه عالم ~~بالجزئيات. # وتعليق {إذ قال} أي: إبراهيم {لأبيه وقومه} بعالمين إشارة إلى أن قوله ~~لما كان بإذن منا ورضا لنا نصرناه وهو وحده على قومه كلهم، ولو لم يكن ~~يرضينا لمنعناه منه بنصر قومه عليه وتمكين النار منه، ثم ذكر مقول القول في ~~قوله: منكرا عليهم محقرا لأصنامهم {ما هذه التماثيل} أي: الصور التي ~~صنعتموها مماثلين بها ما فيه روح الله جاعلين لها ما لا يكون إلا لمن لا ~~مثل له وهي الأصنام {التي أنتم لها} أي: لأجلها وحدها مع كثرة ما يشابهها ~~وما هو أفضل منها {عاكفون} أي: مقيمون على عبادتها فإن قيل: هلا قال عليها ~~عاكفون، كقوله تعالى: يعكفون على أصنام لهم؟ أجيب: بأن اللام للاختصاص لا ~~للتعدية، ولو قصد التعدية لعداه بصلته التي هي على، ثم إنه تعالى ذكر ~~جوابهم له بما لزم الاستفهام عن السؤال بأنهم # {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} فاقتدينا بهم لا حجة لنا غير ذلك فانظر ms1936 ~~ما أقبح التقليد وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حتى استدرجهم إلى أن قلدوا ~~آباءهم في عبادة التماثيل وعفروا لها جباههم وهم معتقدون أنهم على شيء ~~وجادون في نصرة مذهبهم ومجادلون أهل الحق عن باطلهم وكفى أهل التقليد مسبة ~~أن عبدة الأصنام منهم والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه ~~على حق. # ولذا {قال} إبراهيم عليه السلام {لقد كنتم} وأكده بقوله: {أنتم} لأجل صحة ~~العطف لأن الضمير المرفوع المتصل حكمه حكم جزء الفعل والعطف على ضمير هو في ~~حكم بعض الفعل ممتنع ونحوه: {اسكن أنت وزوجك الجنة} (البقرة، 35) ، ~~{وآباؤكم} أي: من قبلكم {في ضلال مبين} فبين أن المقلدين والمقلدين جميعا ~~منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة لاستناد الفريقين إلى غير ~~دليل بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع لاستبعادهم أن يكون ماهم عليه ضلالا بقوا ~~متعجبين من تضليله إياهم. # فلذا {قالوا} ظنا منهم أنه لم يقل لهم ذلك على ظاهره {أجئتنا} في هذا ~~الكلام {بالحق} الذي يطابقه الواقع {أم أنت من اللاعبين} أي: تقوله على وجه ~~المزاح والملاعبة لا على وجه الجد. # {قال} عليه السلام بانيا على ما تقديره ليس كلامي لعبا بل هو جد وهذه ~~التماثيل ليست أربابا {بل ربكم} أي: الذي يستحق منكم اختصاصه بالعبادة {رب ~~السموات والأرض} أي: مدبرهن القائم بمصالحهن {الذي فطرهن} أي: خلقهن على ~~غير مثال سبق وأنتم وتماثيلكم بما فيهما من مصنوعاته أنتم تشهدون بذلك إذا ~~رجعتم إلى عقولكم مجردة عن الهوى وقيل: الضمير في فطرهن للتماثيل قال ~~الزمخشري: وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم {وأنا على ~~ذلكم} أي: الأمر البين من أنه ربكم وحده فلا تجوز عبادة غيره {من الشاهدين} ~~أي: الذين يقدرون على إقامة الدليل على ما يشهدون به لم يشهدوا إلا على ما ~~هو عندهم مثل الشمس لا كما فعلتم أنتم حين اضطركم السؤال إلى الضلال، ولما ~~أقام البرهان على إثبات الإله الحق أتبعه البرهان على إبطال الباطل بقوله: # {وتالله} وهو قسم والأصل ms1937 في القسم # PageV02P508 # الباء الموحدة والواو بدل منها والتاء بدل من الواو وفيها مع كونها بدلا ~~زيادة على التأكيد التعجب {لأكيدن أصنامهم} أي: لأجتهدن في كسرها والتأكيد ~~وما في التاء من التعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا ~~مقنوطا منه لصعوبته وتعذره ولعمري إن مثله صعب متعذر في كل زمان خصوصا في ~~زمن نمروذ مع عتوه واستكباره وقوة سلطانه وتهالكه على نصرة دينه، ولكن إذا ~~الله سنى عقد شيء تيسرا، ولما كان عزمه على إيقاع الكيد في جميع الزمان ~~الذي يقع فيه توليهم في أي جزء تيسر له منه أسقط الجار فقال: {بعد أن تولوا ~~مدبرين} أي: بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم قال مجاهد وقتادة: إنما قال ~~إبراهيم هذا سرا من قومه ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد فأفشاه عليه وقال: إنا ~~سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع عيد ~~فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى ~~منازلهم، فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا ~~إلى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه ~~وقال: إني سقيم أشتكي برجلي فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ~~تالله لأكيدن أصنامكم فسمعوها منه ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهي في ~~بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه والأصنام بعضها إلى ~~جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه ~~بين يدي الآلهة، وقالوا: إذا رجعنا وقد بركت الأصنام الآلهة عليه أكلنا منه ~~فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق ~~الاستهزاء: ألا تأكلون؟ فلما لم يجيبوه قال لهم مالكم لا تنطقون، فراغ ~~عليهم ضربا باليمين وجعل يكسرهن بفأس في يده حتى لم يبق إلا الصنم الأكبر ~~علق الفأس في عنقه ثم خرج، فذلك قوله عز ms1938 وجل: # {فجعلهم جذاذا} أي: فتاتا وقرأ الكسائي بكسر الجيم والباقون بضمها {إلا ~~كبيرا لهم} فإنه لم يكسره ووضع الفأس في عنقه وقيل ربطه بيده وكانت اثنين ~~وسبعين صنما بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد ورصاص وخشب وحجر ~~وكان الصنم الكبير من الذهب مكللا بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان ~~{لعلهم} أي: هؤلاء الضلال {إليه} أي: إبراهيم {يرجعون} عند إلزامه بالسؤال ~~فتقوم عليهم الحجة فلما عادوا إلى أصنامهم فوجدوها على تلك الحال {قالوا من ~~فعل هذا} الفعل الفاحش {بآلهتنا إنه لمن الظالمين} حيث وضع الإهانة في غير ~~موضعها فإن الآلهة حقها الإكرام لا الإهانة والانتقام # {قالوا} أي: الذين سمعوا قول إبراهيم وتاالله لأكيدن أصنامكم {سمعنا فتى} ~~أي: شابا من الشباب {يذكرهم} أي: يعيبهم ويسبهم {يقال له إبراهيم} أي: هو ~~الذي نظن أنه صنع هذا، فلما بلغ ذلك نمروذ الجبار وأشراف قومه # {قالوا فأتوا به} إلى بيت الأصنام {على أعين الناس} أي: جهرة والناس ~~ينظرون إليه نظر الإخفاء معه حتى كأنه ماش على أبصارهم متمكن منها تمكن ~~الراكب على المركوب {لعلهم يشهدون} عليه بأنه الذي فعل بالآلهة هذا الفعل ~~كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، وقيل معناه: لعلهم يحضرون عذابه وما يصنع به، ~~فلما أتوا به # {قالوا} منكرين # PageV02P509 # عليه {أأنت فعلت هذا} الفعل الفاحش {بآلهتنا يا إبراهيم} . # تنبيه: هنا همزتان مفتوحتان من كلمة فالقراء الجميع على تحقيق الأولى، ~~وأما الثانية فيسهلها نافع وابن كثير وأبو عمرو، وهشام بخلاف عنه وأدخل ~~بينهما ألفا قالون وأبو عمرو والباقون بتحقيقهما وعدم الإدخال بينهما. # ثم {قال} إبراهيم متهكما بهم وملزما بالحجة {بل فعله كبيرهم} غيرة أن ~~يعبد معه من هو دونه وتقييده بقوله: {هذا} إشارة إلى الذي تركه من غير كسر، ~~ولما أخبرهم ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله وكانوا قد أحلوهم بعبادتهم ~~ووضع الطعام لهم محل من يعقل تسبب عنه أمرهم بسؤالهم فقال: {فاسألوهم} أي: ~~عن الفاعل ليخبروكم به وقوله: {إن كانوا ينطقون} أي: على زعمكم أنهم آلهة ~~يضرون وينفعون فيه تقديم ms1939 جواب الشرط أي: فإن قدروا على النطق أمكنت عنهم ~~القدرة وإلا فلا، فأراهم عجزهم عن النطق وفي ضمنه أنا فعلت ذلك. روي عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث ~~كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله إني سقيم وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، ~~وقوله لسارة: هذه أختي» ، وقال في حديث الشفاعة، ويذكر كذباته أي: إنه لم ~~يتكلم بكلمات صورتها صورة الكذب وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات، ~~وقيل في قوله: إن سقيم أي: سأسقم، وقيل سقيم القلب أي: مغتم بضلالتكم، ~~وقوله لسارة هذه أختي أي: في الدين وقوله بل فعله كبيرهم هذا؛ روي عن ~~الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل فعله ويقول: معناه بل فعله من فعله، ~~وقوله: كبيرهم هذا مبتدأ وخبر قال البغوي: وهذه التأويلات لنفي الكذب، ~~والأولى هو الأول للحديث فيه، ويجوز أن يكون الله تعالى قد أذن له في ذلك ~~لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم كما أذن ليوسف عليه السلام حتى نادى ~~مناديه فقال: {أيتها العير إنكم لسارقون} (يوسف، 70) # ولم يكونوا سرقوا، وقال الرازي: الحديث محمول على المعاريض، فإن فيها ~~مندوحة عن الكذب، أي: تسمية المعاريض كذبا لما أشبهت صورتها صورته، وقرأ ~~ابن كثير والكسائي بفتح السين وترك الهمزة، وكذا يفعل حمزة في الوقف ~~والباقون بسكون السين وبعدها همزة مفتوحة، وقيل: الوقف على بل فعله، ثم ~~يبتدىء بقوله: كبيرهم هذا. # ولما اضطرهم الدليل أن يحققوا أنهم على محض الباطل {فرجعوا إلى أنفسهم} ~~بالتفكر {فقالوا} أي: بعضهم لبعض {إنكم أنتم الظالمون} لكونكم وضعتم ~~العبادة في غير موضعها إلا إبراهيم، فإنه أصاب بإهانتها. # {ثم نكسوا على رؤوسهم} أي: انقلبوا غير مستحبين مما يلزمهم من الإقرار ~~بالسفه إلى المجادلة له بعدما استقاموا بالمراجعة من قولهم نكس المريض إذا ~~عاد إلى حاله الأول، شبه عودهم إلى الباطل بصورة جعل أسفل الشيء مستعليا ~~على أعلاه، ثم إنهم قالوا في مجادلتهم عن شركائهم والله {لقد علمت} يا ~~إبراهيم {ما هؤلاء} لا ms1940 صحيحهم ولا جريحهم {ينطقون} أي: فكيف تأمرنا ~~بسؤالهم؟ ولما تسبب عن قولهم هذا إقرارهم بأنهم لا فائدة فيهم اتجه ~~لإبراهيم عليه السلام الحجة عليهم. # {قال} منكرا عليهم موبخا لهم {أفتعبدون من دون الله} أي: بدله {ما لا ~~ينفعكم شيئا} من رزق وغيره لترجوه {ولا يضركم} شيئا إذا لم تعبدوه لتخافوه. # {أف} أي: تبا وقبحا {لكم ولما تعبدون من دون الله} # PageV02P510 # أي: غيره، وقرأ نافع وحفص بتنوين الفاء مكسورة وابن كثير وابن عامر بفتح ~~الفاء من غير تنوين والباقون بكسر الفاء من غير تنوين، ولما تسبب عن فعلهم ~~هذا وضوح أنه لا يقربه عاقل، أنكر عليهم ووبخهم بقوله: {أفلا تعقلون} قبح ~~صنيعكم وأنتم شيوخ قد مرت بكم الدهور وحنكتكم التجارب ولما دحضت حجتهم وبان ~~عجزهم، وظهر الحق واندفع الباطل # {قالوا} عادلين إلى العناد، واستعمال القوة الحسية {حرقوه} بالنار ~~لتكونوا قد فعلتم فيه فعلا أعظم مما فعل بآلهتكم {وانصروا آلهتكم} التي ~~جعلها جذاذا {إن كنتم فاعلين} نصرتها قال ابن عمر: إن الذي قال هذا رجل من ~~الأكراد قيل: اسمه هيتون، فخسف الله تعالى به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى ~~يوم القيامة، وقيل: قاله نمروذ بن كوش بن حام بن نوح عليه السلام، وروي أن ~~نمروذ وقومه حين هموا بإحراقه حبسوه في بيت، ثم بنوا عليه بيتا كالحظيرة ~~بقرية يقال لها كوثى، ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدة شهر حتى ~~كان الرجل يمرض، فيقول: لئن عوفيت لأجمعن حطبا لإبراهيم، وكانت المرأة تغزل ~~وتشتري بغزلها الحطب احتسابا في دينها، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب ~~وإلقائه فيه، فلما جمعوا ما أرادوا وأشعلوا في كل ناحية من الحطب نارا، ~~فاشتعلت النار، واشتدت حتى كان الطير يمر بها، فيحترق من شدة وهجها وحرها، ~~وأوقدوا عليه سبعة أيام، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف ~~يلقوه، فجاءهم إبليس عليه اللعنة، فعلمهم عمل المنجنيق فعملوا ثم عمدوا إلى ~~إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا، ~~فصاحت السماء والأرض، ومن فيهما من ms1941 الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة ~~واحدة ربنا خليلك يلقى في النار وليس في أرضك من يعبدك غيره فأذن لنا في ~~نصرته، فقال عز وجل: إنه خليلي وليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله ~~غيري، فإن استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم ~~يدع أحدا غيري فأنا أعلم به وأنا وليه، فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا ~~إلقاءه في النار أتاه خازن المياه، فقال: إن أردت أخمدت النار وأتاه خازن ~~الرياح، فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم عليه السلام: لا ~~حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل، وروي عن كعب الأحبار أن إبراهيم قال ~~حين أوثقوه ليلقوه في النار لا # إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، ثم رموا ~~به في المنجنيق إلى النار، فاستقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ ~~قال: أما إليك فلا، فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم عليه السلام: حسبي ~~من سؤالي علمه بحالي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل} (آل عمران، 173) # قالها إبراهيم عليه السلام: حين ألقي في النار وقالها أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} (آل ~~عمران، 173) # ؛ قال كعب الأحبار جعل كل شيء يطفىء النار عنه إلا الوزغ، فإنه كان ينفخ ~~في النار، وعن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ، ~~وقال: «كان ينفخ على إبراهيم» ، ولما أراد الله تعالى الذي له القوة جميعا ~~سلامته منها قال تعالى: # {قلنا يا نار كوني} بإرادتنا التي لا يتخلف عنها مراد {بردا} قال ابن ~~عباس: لو لم يقل: {وسلاما} لمات إبراهيم من بردها، وفي الآثار أنه لم يبق ~~يومئذ نار في الأرض # PageV02P511 # إلا طفئت، فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم، ولو لم يقل تعالى: ~~{على إبراهيم} لبقيت ذات برد أبدا، والمعنى كوني ذات برد وسلام على ms1942 ~~إبراهيم، فبولغ في ذلك حتى كان ذاتها برد وسلام، والمراد: ابردي فيسلم منك ~~إبراهيم أو ابردي بردا غير ضار، قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم ~~فأقعدوه على الأرض، فإذا بعين ماء عذب وورد أحمر، ونرجس قال كعب: ما أحرقت ~~النار من إبراهيم إلا وثاقه، قالوا: وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام ~~قال المنهال ابن عمرو قال إبراهيم: ما كنت أياما قط أنعم مني في الأيام ~~التي كنت في النار، وقال ابن يسار وبعث الله تعالى ملك الظل في صورة ~~إبراهيم فقعد فيها إلى جنب إبراهيم يؤنسه قال وبعث الله تعالى جبريل عليه ~~السلام بقميص من حرير الجنة وطنفسة، فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد ~~معه يحدثه، وقال جبريل: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر ~~أحبابي، ثم نظر نمروذ وأشرف على النار من صرح له، فرآه جالسا في روضة ~~والملك قاعد إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب فناداه يا إبراهيم بإلهك ~~الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: ~~نعم، قال: هل تخشى إن قمت فيها أن تضرك قال: لا، قال: قم فاخرج منها، فقام ~~إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال له: من الرجل الذي ~~رأيته معك في مثل صورتك قاعدا إلى جنبك قال: ذاك ملك الظل أرسله إلي ربي ~~ليؤنسني فيها، فقال نمروذ: إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته ~~وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح له أربعة آلاف ~~بقرة قال: إذا لا يقبل الله منك ما كنت على دينك حتى تفارقه إلى ديني، ~~فقال: لا أستطيع ترك ملكي، ولكن # أذبحها له فذبحها له نمروذ، ثم كف عن إبراهيم ومنعه الله تعالى منه وكان ~~إبراهيم إذ ذاك ابن ست عشرة سنة واختاروا المعاقبة بالنار لأنها أهول ما ~~يعاقب به وأفظعه، ولذلك جاء في الحديث: «لا يعذب بالنار إلا خالقها» ، ~~وقيل: إن الله تعالى نزع عنها ms1943 طبعها الذي طبعها عليه من الحر والإحراق، ~~وأبقاها على الإضاءة والإشراق والاشتعال كما كانت والله على كل شيء قدير، ~~فدفع عن إبراهيم حرها كما يدفع ذلك عن خزنة جهنم. # {وأرادوا به كيدا} أي: مكرا في إضراره بالنار، وبعد خروجه منها ~~{فجعلناهم} أي: بما لنا من الجلال {الأخسرين} أي: أخسر من كل خاسر عاد ~~سعيهم برهانا قاطعا على أنهم على الباطل، وإبراهيم على الحق، وموجبا لزيادة ~~درجته واستحقاقهم أشد العذاب، وقد أرسل الله تعالى على نمروذ، وعلى قومه ~~البعوض فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم ودخلت في دماغه بعوضة، فأهلكته. # فائدة: وقع مثل هذه القصة لبعض أتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو ~~أبو مسلم الخولاني طلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: اشهد أني ~~رسول الله، قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فأمر ~~بنار، فألقي فيها، ثم وجده قائما يصلي فيها، وقد صارت عليه بردا وسلاما، ~~وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي ~~بكر رضي الله عنهم، وقال عمر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله. # {ونجيناه ولوطا} من نمروذ وقومه من أرض العراق {إلى الأرض التي باركنا ~~فيها للعالمين} وهي الشام بارك # PageV02P512 # الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر ~~الأنبياء قال أبي بن كعب بارك الله فيها وسماها مباركة؛ لأن ما من ماء عذب ~~إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس أي: يهبط من السماء إلى ~~الصخرة ثم يتفرق في الأرض قاله أبو العالية، وعن قتادة أن عمر رضي الله ~~تعالى عنه قال لكعب الأحبار ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقبره، فقال كعب: إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير ~~المؤمنين إن الشام كنز الله في أرضه، وبها كنزه من عباده، وعن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص قال: ms1944 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ستكون هجرة ~~بعد هجرة، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم؛ قال محمد بن إسحاق استجاب ~~لإبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله عز وجل به من جعل النار عليه ~~بردا وسلاما على خوف من نمروذ وملئهم، وآمن به لوط، وكان ابن أخيه وهو لوط ~~بن هاران بن تارح وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له ناحور ~~بن تارح، وآمنت به أيضا سارة وهي بنت عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عم ~~إبراهيم، فخرج من كوثى وهي بضم الكاف ومثلثة قال ابن الأثير هي كوثن العراق ~~وهي سرة السواد، وبها ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، وخرج مهاجرا إلى ربه ~~ومعه لوط وسارة كما قال تعالى: {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي} فخرج ~~يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران، فمكث بها ما شاء ~~الله، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل ~~السبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي على مسيرة ~~يوم وليلة من السبع فبعثه الله تعالى نبيا إلى أهلها وما قرب منها فذلك ~~قوله تعالى: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} ~~(الأنبياء، 71) # أي: كما أنجيناك أنت يا أشرف الخلق ويا أفضل أولاده، وصديقك أبا بكر رضي ~~الله تعالى عنه إلى طيبة التي شرفناها بك وبثثنا من أنوارها في أرجاء الأرض ~~وأقطارها ما لم نبث مثله قط وباركنا فيها للعالمين بالخلفاء الراشدين ~~وغيرهم من العلماء والصالحين الذين انبثت خيراتهم العملية والعلمية ~~والمالية في جميع الأقطار، ولما ولد لإبراهيم عليه السلام في حال شيخوخته ~~وعجز امرأته مع كونها عقيما، وكان ذلك دالا على الاقتدار على البعث الذي ~~السياق كله له قال تعالى: # {ووهبنا له} دالا على ذلك بنون العظمة {إسحاق} أي: من شبه العدم وترك شرح ~~حاله لتقدمه أي: فكان ذلك دليلا على اقتدارنا على ما نريد لا سيما من إعادة ~~الخلق ms1945 في يوم الحساب، ثم إنه قد يظن أنه لتولده بين شيخ فان وعجوز عقيم كان ~~على حالة من الضعف لا يولد لمثله معها نفى ذلك بقوله تعالى: {ويعقوب نافلة} ~~أي: ولدا لإسحاق زيادة على ما دعا به إبراهيم عليهما السلام، ثم نمى سبحانه ~~وتعالى أولاد يعقوب، وهو إسرائيل وذرياتهم إلى أن ساموا النجوم عدة وباروا ~~الجبال شدة {وكلا} من هؤلاء الأربعة وهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وعظم ~~رتبتهم بقوله تعالى: {جعلنا صالحين} أي: مهيئين لطاعتهم لله تعالى لكل ما ~~يرونه أو يرادون له، أو يراد منهم، ثم لما ذكر أنه تعالى أعطاهم رتبة ~~الصلاح في أنفسهم ذكر أنه تعالى أعطاهم رتبة لإصلاح لغيرهم، فقال تعالى ~~معظما لإمامتهم: # {وجعلناهم أئمة} أي: أعلاما ومقاصد يقتدى بهم في الدين لما آتيناهم من ~~العلم والنبوة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل # PageV02P513 # الهمزة الثانية المكسورة بين الهمزة والياء، ويجوز إبدالها عندهم ياء ~~خالصة ولا يدخلون بينهما شيئا وقرأ هشام بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما ~~بخلاف عنه في الإدخال وعدمه، والباقون بتحقيق الهمزتين من غير إدخال بلا ~~خلاف {يهدون} أي: يدعون إلينا من وفقناه للهداية {بأمرنا} أي: بإذننا ~~{وأوحينا إليهم} أيضا {فعل} أي: أن يفعلوا {الخيرات} ليحثوهم عليها، فيتم ~~كمالهم بانضمام العلم إلى العمل، قال البقاعي: ولعله تعالى عبر بالفعل ~~دلالة على أنهم امتثلوا كل ما يوحي إليهم، وقال الزمخشري: أصله أن تفعل ~~الخيرات، ثم فعلا الخيرات، ثم فعل الخيرات، وكذلك إقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة انتهى. وقوله تعالى: {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} من عطف الخاص على ~~العام تعظيما لشأنهما؛ لأن الصلاة تقرب العبد إلى الحق تعالى، والزكاة ~~إحسان إلى الخلق، قال الزجاج: الإضافة في الصلاة عوض عن تاء التأنيث يعني: ~~فيكون من الغالب لا من القليل {وكانوا لنا} دائما جبلة وطبيعة {عابدين} أي: ~~موحدين مخلصين في العبادة ولذلك قدم الصلة، القصة الثالثة: قصة لوط عليه ~~السلام المذكورة في قوله تعالى: # {ولوطا} أي: وآتينا لوطا أو واذكر لوطا، ثم استأنف قوله تعالى: {آتيناه ~~حكما} أي: نبوة ms1946 وعملا محكما بالعلم، وقيل: فصلا بين الخصوم {وعلما} مزينا ~~بالعمل مما ينبغي علمه للأنبياء {ونجيناه من القرية} أي: قرية سدوم {التي ~~كانت} قبل إنجائنا له منها {تعمل} أي: أهلها الأعمال {الخبائث} من اللواط ~~والرمي بالبندق واللعب بالطيور والتضارط في أنديتهم وغير ذلك وإنما وصف ~~القرية بصفةأهلها وأسندها إليها على حذف المضاف وأقامته مقامه ويدل عليه ~~{إنهم كانوا} أي: بما جبلوا عليه {قوم سوء} أي: ذوي قدرة على الشر ~~بانهماكهم في الأعمال السيئة {فاسقين} أي: خارجين من كل خير # {وأدخلناه} دونهم {في رحمتنا} أي: في الأحوال السنية والأقوال العلية ~~والأفعال الزكية التي هي سببب للرحمة العظمى ومسببة عنها ثم علل ذلك بقوله ~~تعالى {إنه من الصالحين} أي: الذين سبقت لهم منا الحسنى أي: لما جبلناه ~~عليه من الخير. القصة الرابعة: قصة نوح عليه السلام المذكورة في قوله ~~تعالى: # {ونوحا} أي: واذكر نوحا {إذ} أي: حين {نادى} أي: دعا الله تعالى على قومه ~~بالهلاك بقوله: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} (نوح، 26) # ونحوه من الدعاء {من قبل} أي: من قبل لوط ومن تقدمه {فاستجبنا} أي: أردنا ~~الإجابة وأوجدناها بعظمتنا {له} في ذلك النداء، ثم تسبب عن ذلك قوله تعالى: ~~{فنجيناه وأهله} أي: الذين دام ثباتهم على الإيمان وهم من كان معه في ~~السفينة {من الكرب العظيم} أي: من أذى قومه ومن الغرق والكرب الغم الشديد ~~قاله السدي وقال أبو حيان الكرب أقصى الغم والأخذ بالنفس وهو هنا الغرق عبر ~~عنه بأول أحوال مأخذ الغريق. # {ونصرناه} أي: منعناه {من القوم} أي: المتصفين بالقوة {الذين كذبوا ~~بآياتنا} من أن يصلوا إليه بسوء، وقيل: من بمعنى على {أنهم كانوا قوم سوء} ~~أي: لا عمل لهم إلا ما يسوء {فأغرقناهم أجمعين} لاجتماع الأمرين تكذيب الحق ~~والانهماك في الشر لم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله تعالى. # القصة الخامسة: قصة داود وسليمان عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى: # {وداود وسليمان} ابنه أي: اذكرهما واذكر # PageV02P514 # شأنهما {إذ} أي: حين {يحكمان في الحرث} الذي أنبت الزرع وهو ms1947 من إطلاق اسم ~~السبب على المسبب كالسماء على المطر والنبت، قال ابن عباس: وأكثر المفسرين ~~كان ذلك كرما قد تدلت عناقيده، وقال قتادة: كان زرعا قال ابن الخازن وهو ~~أشبه للعرف {إذ نفشت} أي: انتشرت ليلا بغير راع {فيه غنم القوم} فرعته، قال ~~قتادة: النفش في الليل والعمل في النهار {وكنا لحكمهم} أي: الحكمين ~~والمتحاكمين إليهما {شاهدين} أي: كان ذلك بعلمنا ومرأى منا لا يخفى علينا ~~علمه، وقال الفراء: جمع الاثنين فقال لحكمهم ويريد داود وسليمان؛ لأن ~~الاثنين جمع وهو مثل قوله تعالى: {فإن كان له أخوة فلأمه السدس} (النساء، ~~110) # وهو يريد أخوين، قال ابن عباس وقتادة وذلك أن رجلين دخلا على داود عليه ~~السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن هذا انفلتت ~~غنمه ليلا، فوقعت في حرثي، فأفسدته، فلم تبق منه شيئا، فأعطاه داود رقاب ~~الغنم بالحرث فخرجا فمرا على سليمان عليه السلام فقال: كيف قضى بينكما، ~~فأخبراه، فقال سليمان وهو ابن إحدى عشر سنة: لو وليت أمرهما لقضيت بغير ~~هذا، وروي أنه قال: غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال: ~~كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق ~~بالفريقين، قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرها ونسلها وصوفها، ~~ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى ~~أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيت. كما قال تعالى: # {ففهمناها} أي: الحكومة {سليمان} أي: علمناه القضية وألهمناها له. # تنبيه: يجوز أن تكون حكومتهما بوحي إلا أن حكومة داود نسخت بحكومة ~~سليمان، ويجوز أن تكون باجتهاد إلا أن اجتهاد سليمان أشبه بالصواب فإن قيل: ~~ما وجه كل واحدة من الحكومتين؟ أجيب: بأن وجه حكومة داود أن الضرر وقع ~~بالغنم فسلمت بجنايتها إلى المجني عليه. # كما قال أبو حنيفة في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو ~~يفديه، وعند الشافعي يبيعه في ذلك، أو يفديه، ولعل قيمة الغنم كانت على ms1948 قدر ~~النقصان في الحرث. # ووجه حكومة سليمان: أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع ~~بالحرث من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل ~~في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، مثاله ما قال أصحاب الشافعي فيمن غصب ~~عبدا وأبق من يده أنه يضمن بالقيمة، فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته ~~الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر ترادا. # فإن قيل: لو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ أجيب: بأن أبا حنيفة ~~وأصحابه لا يرون فيها ضمانا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق ~~أو قائد لقوله صلى الله عليه وسلم «جرح العجماء جبار» ، أي: هدر رواه ~~الشيخان وغيرهما، والشافعي وأصحابه يوجبون الضمان بالليل إذ المعتاد ضبط ~~الدواب ليلا، ولذلك قضى النبي صلى الله عليه وسلم لما دخلت ناقة البراء ~~حائطا وأفسدته، فقال على: «أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل الماشية ~~حفظها بالليل» ، ولما كان ذلك ربما أوهم شيئا في أمر داود، نفاه بقوله ~~تعالى: {وكلا} أي: منهما {آتينا حكما} أي: نبوة وعملا # PageV02P515 # مؤسسا على حكمة العلم {وعلما} مؤيدا بصالح العمل، وعن الحسن لولا هذه ~~الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان عليه السلام ~~لصوابه، وعلى داود باجتهاده انتهى، وهذا على الرأي الثاني، وعليه أكثر ~~المفسرين، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «إذا حكم الحاكم فاجتهد، فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله ~~أجر» ، وهل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد لا بعينه؟ رأيان أظهرهما الثاني، ~~وإن كان مخالفا لمفهوم الآية إذ لو كان كل مجتهد مصيبا لم يكن للتقسيم في ~~الحديث معنى وقوله صلى الله عليه وسلم وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر لم ~~يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده ~~عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع. # فائدة: من أحكام داود وسليمان عليهما السلام ما روي عن أبي هريرة ms1949 رضي ~~الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كانت امرأتان معهما ~~ابناهما، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، ~~وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا ~~على سليمان، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا ~~تفعل يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى» أخرجاه في الصحيحين، ثم إنه ~~تعالى ذكر لداود وسليمان بعض معجزات، فمن بعض معجزات الأول ما ذكره بقوله ~~تعالى: {وسخرنا مع داود الجبال} مع صلابتها وعظمها {يسبحن} معه أي: يقدسن ~~الله تعالى، ولو شئنا لجعلنا الحرث والغنم تكلمه بصواب الحكم، وقال ابن ~~عباس: كان يفهم تسبيح الحجر والشجر، وقوله تعالى: {والطير} عطف على الجبال ~~أو مفعول معه، وقال: وهب كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذا الطير، وقال ~~قتادة: يسبحن أي: يصلين معه إذا صلى، وقيل: كان داود إذا فتر يسمعه الله ~~تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه، وقيل: يسبحن ~~بلسان الحال، وقيل: يسبح من رآها تسير معه بتسيير الله تعالى، فلما جبلت ~~على التسبيح وصفت به {وكنا غافلين} أي: من شأننا الفعل لأمثال هذه ~~الأفاعيل، ولكل شيء نريده، فلا تستكثروا علينا أمرا، وإن كان عندكم عجبا، ~~وقد اتفق نحو هذا لغير واحد من هذه الأمة. كان مطرف بن عبد الله بن الشخير ~~إذا دخل بيته سبحت معه أبنيته، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان الطعام ~~يسبح بحضرته والحصى وغيره # {وعلمناه صنعة لبوس} أي: صنعة الدروع التي تلبس في الحرب؛ قال قتادة: أول ~~من صنع هذه الدروع وسردها واتخذها حلقا داود، وكانت من قبل صفائح، وقد ألان ~~الله تعالى لداود الحديد فكان يعمل منه بغير نار كأنه طين؛ قال البغوي: وهو ~~أي: اللبوس في اللغة: اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها وهو بمعنى ~~الملبوس كالحلوب والركوب، وقوله تعالى: {لكم} متعلق بعلم أو صفة للبوس، ~~وقوله تعالى: {لتحصنكم من بأسكم} بدل منه بدل اشتمال بإعادة الجار ومرجع ~~الضمير يختلف باختلاف ms1950 القراءات، فقرأ شعبة بالنون فالضمير لله تعالى، وقرأ ~~ابن عامر وحفص بالتاء على التأنيث، فالضمير للصنعة أو للبوس على تأويل ~~الدرع، وقرأ الباقون بالياء التحتية، فالضمير لداود أو للبوس، وقوله تعالى: ~~{فهل أنتم شاكرون} أي: لنا على ذلك أمر أخرجه في صورة الاستفهام للمبالغة ~~أو التقريع، ومن بعض معجزات # PageV02P516 # الثاني ما ذكره بقوله: # {ولسليمان} أي: وسخر لسليمان {الريح} قال البغوي: وهو هواء يتحرك وهو جسم ~~لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه، ويظهر للحس بحركته والريح تذكر وتؤنث ~~{عاصفة} أي: شديدة الهبوب فإن قيل: قد قال تعالى في موضع آخر تجري بأمره ~~رخاء، والرخاء اللين؟ أجيب: بأنها كانت تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت، ~~وإن أراد أن تلين لانت، وقيل: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت ~~بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال تعالى: {غدوها شهر ورواحها شهر} ~~(سبأ، 12) # وقوله تعالى: {تجري بأمره} أي: بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأول أو حال ~~من ضميرها {إلى الأرض التي باركنا فيها} أي: الشام، وذلك أنها كانت تجري ~~بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان، ثم يعود إلى منزله بالشام. # قال وهب بن منبه: كان سليمان عليه السلام إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه ~~الطير، وقام إليه الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان امرأ غزاء قلما ~~يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، فكان ~~إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب ثم نصب له على الخشب ثم حمل عليه ~~الناس والدواب وآلة الحرب فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت ~~تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمرت به شهرا في ~~روحته، وشهرا في غدوته إلى حيث أراد، وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء ~~بالمزرعة، فما تحركها ولا تثير ترابا، ولا تؤذي طائرا. # وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، ~~وكان يوضع له منبر من الذهب في وسطه البساط، فيقعد ms1951 عليه وحوله ثلاثة آلاف ~~كرسي من ذهب وفضة تقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسي الذهب، والعلماء ~~على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير ~~بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من ~~الصباح إلى الرواح، ومن الرواح إلى الغروب. # وقال سعيد بن جبير: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي تجلس الإنس ما ~~يليه، ثم تليهم الجن، ثم تظلهم الطير، ثم تحملهم الريح، وقال الحسن لما ~~شغلت الخيل نبي الله سليمان حتى فاتته صلاة العصر غضب لله فعقر الخيل، ~~فأبدله الله مكانها خيرا منها، وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف يشاء، فكان ~~يغدو من إيلياء فيقيل بإصطخر، ثم يروح منها، فيكون رواحها ببابل. # وقال ابن زيد: كان له مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت ~~تركب معه فيه الجن والإنس تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك الركن، فإذا ~~ارتفعت أتت الريح الرخاء، فسارت به وبهم يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر، ولا ~~يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش {وكنا} أي: أزلا وأبدا بإحاطة العظمة ~~{بكل شيء} أي: من هذا وغيره من أمره وغيره {عالمين} ومن علمنا أن ذلك لا ~~يزيدهم إلا تواضعا، وكما سخرنا الريح له سخرناها للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ليالي الأحزاب قال حذيفة رضي الله عنه حتى كانت تقذفهم بالحجارة ما تجاوز ~~عسكرهم، فهزمهم الله تعالى بها، وردوا بغيظهم لم ينالوا خيرا وأعطي صلى ~~الله عليه وسلم أعم مما أعطي جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقد أعطي ~~صلى الله عليه وسلم التصرف في العالم العلوي الذي جعل الله تعالى منه الفيض ~~على العالم السفلي بالاحتراق لطباقه # PageV02P517 # بالإسراء تارة وبإمساك المطر لما دعا بسبع كسبع يوسف عليه السلام ~~وبإرساله أخرى كما في أحاديث كثيرة، وأتى مع ذلك بمفاتيح خزائن الأرض كلها، ~~فردها صلى الله عليه وسلم. # {ومن} أي: وسخرنا لسليمان من {الشياطين} الذين هم أكثر شيء تمردا وعتوا ~~{من يغوصون له} أي: يدخلون في ms1952 البحر، فيخرجون منه الجواهر وغيرها من ~~المنافع وذلك بأن أكثفنا أجسامهم مع لطافتها لتقبل الغوص في الماء معجزة في ~~معجزة، وقد خنق نبينا صلى الله عليه وسلم العفريت الذي جاءه بشهاب من نار، ~~وأسر جماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم عفاريت أتوا إلى تمر الصدقة، ~~وأمكنهم الله تعالى منهم {ويعملون عملا دون ذلك} أي: سوى الغوص كبناء المدن ~~والقصور واختراع الصنائع الغريبة كقوله تعالى: {يعملون له ما يشاء من ~~محاريب وتماثيل} (سبأ، 13) # الآية {وكنا لهم حافظين} أي: حتى لا يخرجوا عن أمره، وقال الزجاج: معناه: ~~حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان من عادة الشياطين إذا عملوا عملا ~~بالنهار، وفرغوا منه قبل الليل أفسدوه وخربوه، وفي القصة أن سليمان كان إذا ~~بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له: إذا فرغ من عمله قبل الليل ~~فأشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل ويخربه. # القصة السادسة: قصة أيوب عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {س21ش83 وأيوب إذ نادى ربه?? أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين} # {وأيوب} أي: واذكر أيوب ويبدل منه {إذ نادى ربه} قال وهب بن منبه: كان ~~أيوب عليه السلام رجلا من الروم وهو أيوب بن أموص بن رزاح بن روم بن عيصو ~~بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران، وكان الله تعالى قد ~~اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا. # وكانت له الثنية من أرض البلقاء من أعمال حوران من أرض الشام كلها سهلها ~~وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل والبقر والغنم، والخيل ~~والحمير ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدة والكثرة.u # وكان له خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وعبد وولد ومال، ~~ويحمل آلة كل فدان أتان لكل أتان من الولد اثنان أو ثلاث أو أربع أو خمس ~~وفوق ذلك. # وكان الله تعالى قد أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء، وكان برا تقيا رحيما ~~بالمساكين يطعمهم ويكفل الأيتام والأرامل، ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل، ~~وكان شاكرا ms1953 لأنعم الله مؤديا لحق الله تعالى قد امتنع من عدو الله إبليس أن ~~يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما ~~هو فيه من الدنيا. # وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وصدقوه رجل من اليمن يقال له اليفن، ~~ورجلان من بلده يقال لأحدهما بلدد، والآخر صابر، وكانوا كهولا، وكان إبليس ~~لا يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهن حيثما أراد حتى رفع الله تعالى ~~عيسى عليه السلام، فحجب من أربع، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم عن ~~السموات كلها إلا من استرق السمع، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على ~~أيوب عليه السلام، وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه، فأدركه البغي ~~والحسد، فصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه، فقال: إلهي نظرت في ~~أمر عبدك أيوب، فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك، ولو ابتليته ~~بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك، ولخرج من طاعتك؛ قال ~~الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله، فانقض عدو الله إبليس حتى وقع على ~~الأرض، ثم جمع عفاريت # PageV02P518 # الجن ومردة الشياطين وقال لهم: ماذا عندكم من القوة، فإني قد سلطت على ~~مال أيوب وهي المصيبة الفادحة، والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال، فقال ~~عفريت من الشياطين: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار، وأحرقت ~~كل شيء آتى عليه؛ قال إبليس: فأت الإبل ورعاتها، فأتى الإبل، وقد وضعت ~~رؤوسها ورعت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار ~~لا يدنو منها أحد إلا احترق، فأحرق الإبل ورعاتها حتى أتى على آخرها. # ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قبيحة على قعود إلى أيوب، فوجده قائما ~~يصلي فقال: يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك، فأحرقتها ومن فيها غيري، فقال ~~أيوب: الحمد لله الذي أعطانيها، وهو أخذها وإنها مال الله أعارنيها، وهو ~~أولى بها إذا شاء تركها، وإذا شاء نزعها، وقديما كنت وطنت ms1954 نفسي ومالي على ~~الفناء؛ قال إبليس: فإن الله ربك أرسل عليها نارا من السماء، فاحترقت، ~~فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها؛ منهم من يقول: ما كان أيوب يعبد شيئا ~~وما كان أيوب إلا في غرور، ومنهم من يقول: لو كان إله أيوب يقدر على أن ~~يصنع شيئا لمنع وليه، ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ليشمت به عدوه ويفجع ~~صديقه، فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني، وحين نزع مني عريانا خرجت من بطن ~~أمي، وعريانا أعود في التراب، وعريانا أحشر إلى الله عز وجل ليس ينبغي لك ~~أن تفرح حين أعطاك الله وتجزع حين قبض الله على عاريته الله أولى بك وبما ~~أعطاك، ولو علم الله تعالى فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع تلك الأرواح، ~~وصرت شهيدا، ولكنه علم منك شرا، فأخرجك فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا، ~~فقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلبه؟ قال عفريت: عندي من ~~القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت روحه؛ قال إبليس: فأت ~~الغنم ورعاتها، فانطلق حتى توسطها، ثم صاح صيحة فتجثمت أمواتا من عند ~~آخرها، وماتت رعاتها. # ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي فقال له مثل القول ~~الأول، فرد عليه أيوب مثل الرد الأول، ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال: ماذا ~~عندكم من القوة، فإني لم أكلم قلب أيوب، فقال عفريت: عندي من القوة ما إذا ~~شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف كل شيء تأتي عليه، قال: فأت الفدادين والحرث، ~~فانطلق حين شرع الفدادون في الحرث والزرع، فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف ~~فنسفت كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن. # ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان الحرث إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل ~~قوله الأول، فرد عليه أيوب مثل رده الأول، وجعل إبليس يهلك أمواله مالا ~~مالا حتى مر على آخره كلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله تعالى، ~~وأحسن الثناء عليه ورضي عنه بالقضاء، ms1955 ووطن نفسه بالصبر على البلاء حتى لم ~~يبق له مال، فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء صعد سريعا ~~حتى وقف في الموقف الذي يقف فيه وقال: إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته ~~بولده، فأنت تعطيه المال، فهل أنت مسلطي على ولده، فإنها المصيبة التي لا ~~تقوم لها قلوب الرجال. # قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ولده، فانقض عدو الله إبليس حتى جاء ~~بني أيوب وهم في قصرهم، فلم يزل يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده وجعل جدره ~~يضرب بعضها بعضا، ويرميهم بالخشب والحجارة حتى مثل بهم كل مثلة # PageV02P519 # ورفع القصر فقلبه، فصاروا منكبين وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي ~~كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه، فأخبره وقال: لو ~~رأيت بنيك كيف عذبوا وقلبوا فكانوا منكبين على رؤوسهم تسيل دماؤهم، ولو ~~رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك، فلم يزل يقول: هذا أو نحوه ~~حتى رق قلب أيوب وبكى، وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه وقال: ليت أمي ~~لم تلدني، فاغتنم إبليس ذلك، فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به، ~~ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، فصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته، ~~فسبقت توبته إلى الله عز وجل، وهو أعلم، فوقف إبليس خاسئا ذليلا. # وقال: إلهي إنما هون على أيوب المال والولد إنه يرى أنك ما متعته بنفسه، ~~فإنك تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده، فقال الله عز وجل: ~~انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا ~~على عقله، وكان الله عز وجل أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة لأيوب ليعظم له ~~الثواب ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعالمين في كل بلاء نزل بهم ليتأسوا به ~~في الصبر ورجاء الثواب، فانقض عدو الله سريعا فوجد أيوب في مصلاه ساجدا، ~~فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها ~~سائر ms1956 جسده، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكة، ~~فحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها ~~بالفخار والحجارة الخشنة، فلم يزل يحكها حتى بقل لحمه، وتقطع وتغير وأنتن، ~~وأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشا فرفضه خلق الله كلهم ~~غير امرأته، وهي رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ~~عليهم الصلاة والسلام، فكانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، ولما رأى ~~الثلاثة من أصحابه وهم اليفن وبلدد وصابر ما ابتلاه الله تعالى به اتهموه ~~ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه، فبكتوه ~~ولاموه، وقالوا له: تب إلى الله تعالى من الذنب الذي عوقبت عليه، قال وحضره ~~معهم فتى حديث السن قد آمن به وصدقه فقال لهم: إنكم تكلمتم أيها الكهول، ~~وأنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم، ولكنكم تركتم من القول أحسن من الذي قلتم، ~~ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان ~~لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول حق ~~من انتقصتم وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم؛ ألم تعلموا أنه ~~أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض إلى يومكم هذا، ثم لم تعلموا ولم ~~يطلعكم الله على أنه قد سخط # شيئا من أمره منذ ما آتاه الله ما آتاه إلى يومكم هذا ولا أنه نزع شيئا ~~منه من الكرامة التي أكرمه بها، ولا أن أيوب قال على الله غير الحق في طول ~~ما صحبتموه إلى يومكم هذا، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في ~~أنفسكم فقد علمتم أن الله تعالى يبتلي المؤمنين والصديقين والشهداء ~~والصالحين، وليس بلاؤه لأولئك على سخطه عليهم، ولا لهوانه لهم، ولكنها ~~كرامة وخبرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة إلا أنه أخ ~~آخيتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحكيم أن يعذل أخاه عند # PageV02P520 # البلاء ms1957 ولا يعيره بالمصيبة، ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه ~~يرحمه ويبكي معه، ويستغفر له، ويحزن لحزنه ويدله على أرشد أمره، وليس بحكيم ~~ولا رشيد من جهل هذا، فالله الله أيها الكهول، فقد كان في عظمة الله وجلاله ~~وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم، ويكسر قلوبكم، ألم تعلموا أن لله عبادا ~~أسكتتهم خشيته من غير عي، ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء ~~الألباء العالمون بالله، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم، ~~واقشعرت جلودهم، وانكسرت قلوبهم، وطاشت عقولهم إعظاما لله وإجلالا له، فإذا ~~استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع ~~الظالمين والخاطئين، وإنهم لأبرار براء، ومع المقصرين المفرطين، وإنهم ~~لأكياس أقوياء. # فقال أيوب: إن الله سبحانه وتعالى يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير ~~والكبير، فمتى ثبتت في القلب يظهرها الله تعالى على اللسان، وليست تكون ~~الحكمة من قبل السن والشيبة، ولا طول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيما ~~في الصبا لم تسقط منزلته عند الحكماء، وهم يرون عليه من الله تعالى نور ~~الكرامة، ثم أعرض عنهم أيوب عليه السلام يعني الثلاثة وقال: أتيتموني غضابا ~~رهبتم قبل أن تسترهبوا، وبكيتم قبل أن تضربوا، فكيف بي لو قلت تصدقوا علي ~~بأموالكم لعل الله أن يخلصني، أو قربوا قربانا لعل الله أن يتقبله ويرضى ~~عني، وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم، وظننتم أنكم عوضتم بإحسانكم، ولو نظرتم فيما ~~بينكم وبين ربكم، ثم صدقتم لوجدتم لكم عيوبا قد سترها الله تعالى بالعافية ~~التي ألبسكم، وقد كنتم فيما خلا توقرونني وأنا مسموع كلامي معروف حقي منتصف ~~من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام، وأنتم كنتم أشد علي من ~~مصيبتي، ثم أعرض عنهم أيوب وأقبل على ربه مستعينا به مستغفرا متضرعا إليه. # فقال: يا رب لأي شيء خلقتني ليتني إذ كرهتني لم تخلقني يا ليتني عرفت ~~الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت، فصرفت وجهك الكريم عني لو كنت أمتني، ~~فألحقتني بآبائي، فالموت كان أجمل بي؛ ألم أكن للغريب دارا وللمسلمين ms1958 ~~قرارا، ولليتيم وليا، وللأرملة قيما؛ إلهي أنا عبدك إن أحسنت إلي فالمن لك، ~~وإن أسأت فبيدك عقوبتي؛ جعلتني للبلاء غرضا وللفتنة نصبا، وقد وقع بي بلاء ~~لو سلطته على جبل ضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي، فإن قضاءك هو الذي أذلني، ~~وإن سلطانك هو الذي أسقمني وأنحل جسمي، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري ~~وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي، فأدلي بعذري، وأتكلم ببراءتي وأخاصم عن ~~نفسي لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عني، فهو يراني ~~ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه، فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام ~~حتى ظن أصحابه أنه عذاب. # ثم نودي: يا أيوب إن الله تعالى يقول: ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك ~~قريبا، قم فأدل بعذرك وتكلم بحجتك، وخاصم عن نفسك، واشدد أزرك، وقم مقام ~~جبار يخاصم جبارا إن استطعت، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي؛ لقد ~~منتك نفسك يا أيوب أمرا ما بلغ مثله قوتك أين أنت مني يوم خلقت الأرض ~~فوضعتها على أساسها؟ هل كنت معي تمد بأطرافها؟ هل أنت علمت بأي مقدار ~~قدرتها أم على أي: شيء وضعت أكنافها؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض أم بحكمتك ~~كانت # PageV02P521 # الأرض للماء غطاء؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا تعلق ~~بسبب من فوقها، ولا يقلها دعم من تحتها؟ هل تبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو ~~تسير نجومها، أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها؟ أين أنت مني يوم أنبعت ~~الأنهار، وسكرت البحار؟ أبسلطانك حبست أمواج البحار على حدودها أم قدرتك ~~فتحت الأرحام حتى بلغت مدتها؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب ونصبت ~~شوامخ الجبال؟ هل تدري على أي شيء أرسيتها، أم بأي مثقال وزنتها؟ أم هل لك ~~من ذراع تطيق حملها؟ أم هل تدري أين الماء الذي أنزلت من السماء؟ أم هل ~~تدري من أي شيء أنشىء السحاب؟ أم هل تدري أين خزانة الثلج؟ أم أين جبال ~~البرد؟ أم أين ms1959 خزانة الليل بالنهار، وخزانة النهار بالليل؟ وأين خزانة ~~الريح؟ وبأي لغة تتكلم الأشجار؟ من جعل العقول في أجواف الرجال؟ ومن شق ~~الأسماع والأبصار؟ ومن دانت الملائكة لملكه، وقهر الجبارين بجبروته، وقسم ~~الأرزاق بحكمته؟ في كلام كثير يدل على كمال قدرته ذكرها لأيوب. # فقال أيوب عليه الصلاة والسلام: كل شأني وكل لساني وكل عقلي ورأيي وضعفت ~~قوتي عن هذا الأمر الذي تعرض لي يا إلهي، قد علمت أن كل الذي ذكرت صنع يدك، ~~وتدبير حكمتك، وأعظم من ذلك وأعجب لو شئت عملت، لا يعجز عنك شيء، ولا تخفى ~~عليك خافية؛ أذلني البلاء يا إلهي، فتكلمت فكان البلاء هو الذي أنطقني، ~~فليت الأرض انشقت بي فذهبت فيها، ولم أتكلم بشيء يسخط ربي وليتني مت بغمي ~~في أشد بلائي قبل ذلك، إنما تكلمت حين تكلمت لتعذرني وسكت حين سكت لترحمني ~~كلمة زلت مني فلم أعد قد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني، وألصقت بالتراب ~~خدي أعوذ بك اليوم منك وأستجير بك من جهد البلاء، فأجرني، وأستغيث بك من ~~عقابك فأغثني، وأستعين بك على أمري فأعني، وأتوكل عليك فاكفني، وأعتصم بك ~~فاعصمني، وأستغفرك فاغفر لي فلن أعود لشيء تكرهه مني. # قال الله تعالى: يا أيوب نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي، فقد غفرت لك. # فقال أيوب: {أني} قد {مسني الضر} بتسليطك الشيطان علي في بدني وأهلي ~~ومالي، وقد طمع الآن في ديني وذلك أنه زين لامرأة أيوب أن تأمره أن يذبح ~~لصنم فإنه يبرأ ثم يتوب، ففطن لذلك، وحلف ليضربنها إن برأ مائة جلدة، وقال ~~وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين، وروي عن أنس يرفعه «أن أيوب لبث ببلائه ~~ثمان عشرة سنة» ، وقال كعب سبع سنين، وقال الحسن: مكث أيوب مطروحا على ~~كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وشهرا يختلفون في الدواء ولا يقربه أحد غير ~~امرأته رحمة صبرت معه تحمد الله معه إذا حمد وأيوب مع ذلك لا يفتر عن ذكر ~~الله تعالى والصبر على بلائه، فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع ms1960 منه شيئا ~~اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ~~ليس من مراكب الناس له عظم وبهاء وكمال، فقال لها: أنت صاحبة أيوب هذا ~~الرجل المبتلى؛ قالت: نعم، قال: هل تعرفيني قالت: لا فقال لها أنا إله ~~الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك لأنه أطاع إله السماء، وتركني فأغضبني، ولو ~~سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان من مال وولد، وأراها إياهم ~~ببطن الوادي الذي لقيها فيه؛ قال وهب: وقد سمعت أنه إنما قال لها: لو أن ~~صاحبك أكل طعاما ولم يسم عليه لعوفي مما به من البلاء، وفي بعض الكتب أن ~~إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة حتى أرد عليك المال # PageV02P522 # والأولاد وأعافي زوجك فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها، وما أراها ~~قال: لقد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم أن الله عافاه ليضربنها ~~مائة جلدة، وعند ذلك قال: مسني الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي ودعائه ~~إياها وإياي إلى الكفر {وأنت} أي: والحال أنت {أرحم الراحمين} فافعل بي ما ~~يفعل الرحمن بالمضرور، وهذا تعريض بسؤال الرحمة حيث ذكر نفسه بما يوجب ~~الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح فكان ذلك ألطف في السؤال، فهو ~~أجدر بالنوال. # ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين مشت ~~جرذان بيتي على العصا، فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثب ~~الفهود، وملأ بيتها حبا، ثم إن الله تعالى رحم رحمة امرأة أيوب بصبرها معه ~~على البلاء وخفف عليها، وأراد أن يبر يمين أيوب فأمره أن يأخذ ضغثا يشتمل ~~على مائة عود صغار، فيضربها به ضربة واحدة كما قال الله تعالى في آية أخرى: ~~{وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} (ص، 44) # وروي أن إبليس اتخذ تابوتا وجعل فيه أدوية وجلس على طريق امرأة أيوب ~~يداوي الناس فمرت به امرأة أيوب، فقالت: إن لي مريضا أفتداويه قال: نعم ولا ~~أريد شيئا إلا أن يقول ms1961 إذا شفيته: أنت شفيتني، فذكرت ذلك لأيوب فقال: هو ~~إبليس قد خدعك وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة، وقال وهب ~~وغيره: كانت امرأة أيوب تعمل للناس وتجيئه بقوته، فلما طال عليه البلاء ~~سئمها الناس فلا يستعملها أحد، فالتمست له يوما من الأيام ما تطعمه فما ~~وجدت شيئا، فجزت قرنا من رأسها فباعته برغيف فأتته به، فقال لها: أين قرنك، ~~فأخبرته فحينئذ قال: مسني الضر، وقال قوم: إنما قال ذلك حين قصد الدود إلى ~~قلبه ولسانه، فخشي أن يمتنع عن الذكر والفكر، وقال حبيب بن أبي ثابت: لم ~~يدع الله تعالى بالكشف حتى ظهرت له ثلاثة أشياء. # أحدها: قدم عليه صديقان حين بلغهما خبره، فجاءا إليه ولم تبق إلا عيناه، ~~ورأيا أمرا عظيما فقالا: لو كان عند الله لك منزلة ما أصابك هذا. # والثاني: أن امرأته طلبت طعاما. # فلم تجد ما تطعمه، فباعت ذؤابتها، وحملت إليه طعاما. # والثالث: قول إبليس إني أداويه على أن يقول: أنت شفيتني، وقيل: إن إبليس ~~وسوس إليه أن امرأته زنت، فقطعت ذؤابتها فحينئذ عيل صبره، وحلف ليضربنها ~~مائة جلدة، وقيل معناه مسني الضر من شماتة الأعداء، وقيل: قال ذلك حين وقعت ~~دودة من فخذه فردها إلى موضعها، وقال: كلي جعلني الله طعامك، فعضته عضة زاد ~~ألمها على جميع ما قاسى من عض الديدان فإن قيل: إن الله تعالى سماه صابرا، ~~وقد أظهر الشكوى والجزع بقوله: أني مسني الضر، ومسني الشيطان بنصب؟ أجيب: ~~بأن هذا ليس بشكاية إنما هو دعاء بدليل قوله تعالى: # {س21ش84/ش86 فاستجبنا له? فكشفنا ما به? من ضر? وءاتيناه أهله? ومثلهم ~~معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين * وإسماعيل وإدريس وذا الكفل? كل من ~~الصابرين * وأدخلناهم فى رحمتنآ? إنهم من الصالحين} # {فاستجبنا له} والجزع إنما هو الشكوى إلى الخلق، وأما الشكوى إلى الله ~~تعالى، فلا يكون جزعا، ولا ترك صبر، كما قال يعقوب عليه السلام: {إنما أشكو ~~بثي وحزني إلى الله} (يوسف، 86) # وقال سفيان بن عيينة من أظهر الشكوى إلى الناس وهو راض ms1962 بقضاء الله تعالى ~~لا يكون ذلك جزعا، كما روي «أن جبريل عليه السلام دخل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: كيف تجدك، قال: أجدني مغموما أجدني مكروبا» ، وقال صلى ~~الله عليه وسلم «لعائشة رضي الله تعالى عنها حين قالت: وارأساه، بل أنا ~~وارأساه» وروي أن امرأة أيوب قالت له يوما: لو دعوت # PageV02P523 # الله فقال لها: كم كانت مدة الرخاء، فقالت: ثمانين سنة، فقال: أستحي من ~~الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي، ثم تسبب عن الإجابة قوله ~~تعالى: {فكشفنا} أي: بما لنا من العظمة {ما به من ضر} بأن أمرناه أن يركض ~~برجله فتنبع له عين من ماء كما قال تعالى: {اركض برجلك هذا مغتسل بارد ~~وشراب} (ص، 42) # فركض برجله، فانفجرت له عين ماء فدخل فيها فاغتسل، فأذهب الله تعالى كل ~~ما كان به من البلاء بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة، فأمره أن يضرب برجله ~~الأرض مرة أخرى، ففعل، فنبع عين ماء بارد، فأمره فشرب منها فذهب كل داء كان ~~بباطنه، فصار كأصح ما يكون من الرجال وأجملهم، فأقبلت امرأته تلتمسه في ~~مضجعه، فلم تجده، فقامت كالوالهة، ثم جاءت إليه وهي لا تعرفه، فقالت: يا ~~عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ههنا؟ قال: نعم وما لي لا ~~أعرفه، فتبسم وقال: أنا هو، فعرفته بضحكه، فاعتنقته قال ابن عباس: فوالذي ~~نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى رد لهما كل ما كان لهما كما قال ~~تعالى: {وآتيناه أهله} أي: أولاده الذكور والإناث بأن أحيوا له وكل من ~~الصنفين ثلاث أو سبع {ومثلهم معهم} أي: من زوجته رحمة، وزيد في شبابها هذا ~~ما دل عليه أكثر المفسرين، وقيل: آتاه الله تعالى المثل من نسل ماله وولده ~~الذي رده إليه، أي: فولد له من ولده نوافل، وقال: وهب كان له سبع بنات، ~~وثلاثة بنين، وروى الضحاك عن ابن عباس رد إلى امرأته شبابها، فولدت له ستة ~~وعشرين ذكرا، وقال قوم: آتى الله تعالى أيوب في ms1963 الدنيا مثل أهله الذين ~~هلكوا، فأما الذين هلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا، وقال عكرمة: قيل ~~لأيوب: إن أهلك لك في الآخرة، وإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا ~~لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم في الدنيا، فعلى هذا يكون معنى الآية: وآتيناه ~~أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا، فقال: يكونون لي في الآخرة، وأوتي ~~مثلهم في الدنيا، وروي عن أنس يرفعه «كان لأيوب أندران؛ أندر للقمح، وأندر ~~للشعير، فبعث الله تعالى سحابتين، فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب، ~~وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض» وروي أن الله تعالى بعث إليه ~~ملكا فقال: إن ربك يقرئك السلام بصبرك فاخرج إلى أندرك فخرج إليه فأرسل ~~عليه جرادا من ذهب قيل: إنه لما اغتسل # وخرج الدود منه جعل الله تعالى لها أجنحة، فطارت فجعلها الله تعالى جرادا ~~من ذهب، وأمطرت عليه، فطارت واحدة فاتبعها وردها إلى أندره، فقال له الملك: ~~أما يكفيك ما في أندرك، فقال: هذا بركة من بركات ربي، ولا أشبع من بركته، ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بينما ~~أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ~~ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن ~~بركتك» ، وقوله تعالى: {رحمة} مفعول له: أي: نعمة عظيمةوفخمها بقوله تعالى: ~~{من عندنا} بحيث لا يشك من ينظر ذلك أنا ما فعلناه إلا رحمة منا له، وإن ~~غيرنا لا يقدر على ذلك {وذكرى} أي: عظمة عظيمة {للعابدين} أي: كلهم ليتأسوا ~~به، فيصبروا إذا ابتلوا ولا يظنوا أن ذلك إنما نزل بهم لهوانهم، ويشكروا ~~فيثابوا كما أثيب، وقيل: لرحمتنا العابدين فإنا نذكرهم بالإحسان ولا ~~ننساهم.l # القصة السابعة: قصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل المذكورة في قوله تعالى: # {وإسماعيل} أي: واذكر إسماعيل بن # PageV02P524 # إبراهيم عليهما السلام الذي سخرنا له من الماء بواسطة الروح الأمين ما ~~عاش به صغيرا بعدما ms1964 كان هالكا لا محالة، ثم جعلناه طعام طعم وشفاء سقم ~~دائما وصناه وهو كبير من الذبح حين رأى أبوه في المنام أنه يذبحه ورؤيا ~~الأنبياء وحي، {وفديناه بذبح عظيم} (الصافات، 107) # {و} اذكر {إدريس} أي: ابن شيث بن آدم عليهم السلام الذي أحييناه بعد موته ~~ورفعناه مكانا عليا وهو أول نبي بعث من بني آدم عليهم السلام وتقدمت قصته ~~في سورة مريم {و} اذكر {ذا الكفل} سمي بذلك قال عطاء: لأن نبيا من أنبياء ~~بني إسرائيل أوحى الله تعالى إليه أني أريد أن أقبض روحك، فاعرض ملكك على ~~بني إسرائيل، فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر ويصوم بالنهار لا يفطر، ~~ويقضي بين الناس ولا يغضب فادفع ملكك إليه، ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا ~~أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى به، فشكر الله له، ونبأه فسمي ذا الكفل، وقال ~~مجاهد لما كبر إليسع قال: لو أني استخلفت رجلا من الناس يعمل عليهم في ~~حياتي حتى أنظر كيف يعمل قال: فجمع الناس، فقال: من يقبل مني ثلاثا أستخلفه ~~يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب، فقام رجل فقال: أنا، فاستخلفه، فأتاه ~~إبليس في صورة شيخ ضعيف حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل ~~والنهار إلا تلك النومة، فدق الباب فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم، ~~فقام ففتح الباب فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا ما ~~فعلوا، وجعل يطول حتى ذهبت القائلة، فقال: إذا رحت فأتني فإني آخذ حقك، ~~فانطلق وراح فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره فقام يتبعه فلم ~~يجده، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينظره، فلم يره. # فلما رجع إلى القائلة، وأخذ مضجعه أتاه، فدق الباب، فقال من أنت؟ فقال: ~~الشيخ المظلوم، ففتح له وقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني، فقال: إنهم أخبث ~~قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني قال: فانطلق ~~فإذا جلست فأتني وفاتته القائلة، فلما جلس جعل ينظر فلا يراه، وشق عليه ms1965 ~~النعاس فلما كان اليوم الثالث قال لبعض أهله: لا تدعوا هذا الرجل يقرب من ~~هذا الباب حتى أنام، فإنه قد شق علي النعاس، فلما كانت تلك الساعة جاء، فلم ~~يأذن له الرجل فلما أعياه نظر، فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في ~~البيت يدق عليه الباب من داخل فاستيقظ فقال: يا فلان ألم آمرك قال: أما من ~~قبلي فلم تؤت فانظر من أين أتيت فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه ~~وإذا بالرجل معه في البيت، فقال: أتنام والخصوم ببابك، فقال: أعدو الله ~~قال: نعم أعييتني ففعلت ما ترى لأغضبك، فعصمك الله تعالى، فسمي ذا الكفل ~~لأنه تكفل بأمر فوفى به، وقيل إن إبليس جاءه وقال: إن لي غريما يظلمني، ~~فأحب أن تقوم معي وتستوفي حقي منه، فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاه ~~وذهب وروي أنه اعتذر إليه وقال صاحبي هرب وقيل: إن ذا الكفل رجل كفل أن ~~يصلي كل ليلة مائة ركعة إلى أن يقبضه الله تعالى، فوفى به واختلفوا في أنه ~~هل كان نبيا؟ فقال الحسن: كان نبيا، وعن ابن عباس أنه إلياس، وقيل: هو ~~زكريا، وقيل: هو يوشع بن نون، وقال أبو موسى: لم يكن نبيا، ولكن كان عبدا ~~صالحا، ولما قرن الله تعالى بين هؤلاء الثلاثة استأنف مدحهم بقوله تعالى ~~{كل} أي: كل واحد منهم {من الصابرين} على ما ابتليناه به فآتيناهم ثواب ~~الصابرين # {وأدخلناهم في رحمتنا} أي: فعلنا بهم # PageV02P525 # من الإحسان ما يفعله الراحم بمن يرحمه على وجه عمهم من جميع جهاتهم، فكان ~~ظرفا لهم، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إنهم من الصالحين} أي: لكل ما يرضاه ~~تعالى منهم يعني أنهم جبلوا جبلة خير، فعملوا على مقتضى ذلك فكانوا من ~~الكاملين في الصلاح وهم الأنبياء لأن صلاحهم معصوم عن كدر الفساد. # القصة الثامنة: قصة يونس عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى: # {وذا النون} أي: واذكر صاحب الحوت وهو يونس بن متى ويبدل منه {إذ ذهب ~~مغاضبا} واختلفوا في معنى ms1966 ذلك، فقال الضحاك: مغاضبا لقومه، وهو رواية ~~العوفي وغيره عن ابن عباس قال: كان قوم يونس يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك ~~فسبى منهم تسعة أسباط ونصفا وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله تعالى إلى شعيب ~~النبي عليه السلام أن سر إلى حزقيل الملك وقل له يوجه نبيا قويا إلى هؤلاء ~~فإني ألقي في قلوبهم الرعب حتى يرسلوا معه بني إسرائيل فقال له الملك فمن ~~ترى؟ وكان في مملكته خمسة أنبياء فقال يونس: فإنه قوي أمين، فدعا الملك ~~يونس وأمره أن يخرج فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي قال: لا قال: فهل ~~سماني لك، قال: لا، قال: فههنا أنبياء غيري أقوياء فألحوا عليه، فخرج من ~~بينهم مغاضبا للنبي والملك ولقومه، فأتى بحر الروم فركبه، وقال عروة بن ~~الزبير وسعيد بن جبير وجماعة ذهب عن قومه مغاضبا لربه إذا كشف عن قومه ~~العذاب بعد ما وعدهم به وكره أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما ~~وعدهم واستحيا منهم، ولم يعلم السبب الذي رفع به العذاب عنهم، وكان غضبه ~~أنفة من ظهور خلف وعده وأن يسمى كذابا لا كراهية الحكم لله تعالى. # وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أن يقتلوا من جرب عليه الكذب، فخشي ~~أن يقتلوه لما لم يأتهم العذاب للميعاد، فغضب والمغاضبة ههنا من المفاعلة ~~التي تكون من واحد كالمنافرة والمعاقبة، فمعنى قوله مغاضبا أي: غضبانا. # وقال الحسن: إنما غاضب ربه من أجل أنه أمره بالمسير إلى قوم لينذرهم بأسه ~~ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليذهب، فقيل له: إن الأمر أسرع من ذلك حتى ~~سأله أن ينظره إلى أن يأخذ نعلا يلبسها، فلم ينظره، وكان في خلقه ضيق، فذهب ~~مغاضبا، وعن ابن عباس قال: أتى جبريل يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى ~~فأنذرهم، قال التمس دابة قال: الأمر أعجل من ذلك، فغضب فانطلق إلى السفينة ~~وقال وهب: إن يونس كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلما حمل عليه أثقال ~~النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، ms1967 فقذفها بين يديه وخرج ~~هاربا، فلذلك أخرجه الله تعالى من أولي العزم، فقال تعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} (الأحقاف، 35) ، وقال: {ولا ~~تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم} (القلم، 48) # {فظن أن لن نقدر عليه} أي: لن نقضي عليه بالعقوبة قاله مجاهد وقتادة ~~والضحاك، وقال عطاء وكثير من العلماء معناه، فظن أن لن نضيق عليه الحبس من ~~قوله تعالى: {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} (الرعد، 26) # وعن ابن عباس أنه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة ~~فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك، قال: وما هي يا معاوية؟ فقرأ هذه ~~الآية فقال: أويظن نبي الله أن لن يقدر عليه، قال هذا من القدر الذي معناه ~~الضيق لا من القدرة، وقال ابن زيد: هو استفهام معناه أفظن أنه يعجز ربه فلا ~~يقدر عليه {فنادى} أي: فاقتضت # PageV02P526 # حكمتنا أن عاتبناه حتى يستسلم، فألقى نفسه في البحر، فالتقمه الحوت، فمكث ~~فيه أربعين من بين يوم وليلة، وقال عطاء: سبعة أيام. # وقيل: إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة، وقيل: بلغ به تخوم الأرض ~~السابعة، ومنعناه أن يكون له طعاما، فنادى {في الظلمات} ظلمة الليل وظلمة ~~البحر، وظلمة بطن الحوت وقيل: في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت ~~كقوله تعالى: {ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات} (البقرة، 17) # وقوله: {يخرجهم من النور إلى الظلمات} (البقرة، 257) ، وقيل: ابتلع حوته ~~حوت أكبر منه فجعل في ظلمتي بطن الحوتين، وظلمة البحر {أن لا إله إلا أنت} ~~ولما نزهه عن الشريك عمم فقال تعالى: {سبحانك} أي: تنزهت عن كل نقص فلا ~~يقدر على الإنجاء مما أنا فيه إلا أنت، ثم أفصح بطلب الخلاص بقوله ناسبا ~~إلى نفسه من النقص ما نزه الله عن مثله {إني كنت من الظالمين} أي: في خروجي ~~من بين قومي قبل الإذن فاعف عني كما هي سيرة القادرين. روي عن أبي هريرة ~~مرفوعا «أوحى الله تعالى إلى الحوت أن خذه، ولا ms1968 تخدش له لحما، ولا تكسر له ~~عظما، فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر ~~سمع يونس حسا فقال في نفسه: ما هذا، فأوحى الله تعالى إليه أن هذا تسبيح ~~دواب البحر؛ قال: فسبح هو في بطن الحوت فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ~~ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة، وفي رواية صوتا معروفا من مكان مجهول، ~~فقال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، فقالوا: العبد الصالح الذي ~~كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم فشفعوا فيه عند ذلك، ~~فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال تعالى فنبذناه بالعراء وهو سقيم» فذلك ~~قوله تعالى: # {فاستجبنا له} أي: أجبناه {ونجيناه من الغم} أي: من تلك الظلمات بتلك ~~الكلمات {وكذلك} أي: وكما نجيناه {ننجي المؤمنين} من كربهم إذا استغاثوا ~~بنا داعين قال الرازي في اللوامع: وشرط كل من يلتجىء إلى الله أن يبدأ ~~بالتوحيد ثم بعده بالتسبيح والثناء، ثم بالاعتراف والاستغفار والاعتذار، ~~وهذا شرط كل داع1.ه. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب ~~له» ، وعن الحسن ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم، وقرأ ابن عامر ~~وأبو بكر بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم على أن أصله ننجي، فحذفت النون ~~الثانية كما حذفت التاء الثانية في تظاهرون، وهي إن كانت فاء فحذفها أوقع ~~من حذف حرف المضارعة الذي لمعنى وقيل: هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر ~~وهو النجاء، وقرأ الباقون بنونين الثانية مخفاة عند الجيم. # تنبيه: اختلفوا في متى كانت رسالة يونس عليه الصلاة والسلام فروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس كانت بعد أن أخرجه الله تعالى من بطن الحوت بدليل قوله ~~تعالى في سورة والصافات: {فنبذناه بالعراء} (الصافات، 145) ، ثم ذكر بعده: ~~{وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} (الصافات، 147) ، وقال آخرون: إنها كانت ~~من قبل بدليل قوله تعالى: {وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون، فساهم فكان من المدحضين، ms1969 فالتقمه الحوت وهو مليم، فلولا أنه كان ~~من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} (الصافات، 144) # القصة التاسعة: قصة زكريا عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى: # {وزكريا} أي: واذكر زكريا ويبدل منه {إذ نادى ربه} نداء الحبيب القريب ~~فقال: {رب} بإسقاط أداة البعد {لا تذرني فردا} أي: وحيدا من غير # PageV02P527 # ولد ذكر يرث ما آتيتني من الحكمة {وأنت} أي: والحال أنك {خير الوارثين} ~~أي: الباقي بعد فناء خلقك، وكثيرا ما تمنح إرث بعض عبيدك عبيدا آخرين، فأنت ~~الحقيق بأن تفعل في إرثي من العلم والحكمة ما أحب، فتهبني ولدا تمن علي به # {فاستجبنا له} بعظمتنا وإن كان في حد من السن لا حراك به معه، وزوجه في ~~حال من العقم لا يرجى معه حبلها فكيف وقد جاوزت سن اليأس، ولذلك عبر بما ~~يدل على العظمة، فقال تعالى: {ووهبنا له يحيى} ولدا وارثا نبيا حكيما عظيما ~~{وأصلحنا له} خاصة من بين أهل ذلك الزمان {زوجه} أي: جعلناها صالحة لكل خير ~~خالصة له، فأصلحناها للولادة بعد عقمها، وأصلحناها لزكريا بعد أن كانت ~~سريعة الغضب سيئة الخلق، فأصلحناها له ورزقناها حسن الخلق {إنهم} أي: ~~الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة وقيل: زكريا وزوجه ويحيى {كانوا} أي: ~~جبلة وطبعا {يسارعون في الخيرات} أي: الطاعات يبالغون في الإسراع بها ~~مبالغة من يسابق آخر، ودل على عظيم أفعالهم بقوله تعالى: {ويدعوننا} ~~مستحضرين لجلالنا وعظمتنا وكمالنا {رغبا} أي: طمعا في رحمتنا {ورهبا} أي: ~~خوفا من عذابنا {وكانوا} أي: جبلة وطبعا {لنا} خاصة {خاشعين} أي: خائفين ~~خوفا عظيما يحملهم على الخضوع والانكسار، قال مجاهد: الخشوع هو الخوف ~~اللازم للقلب، وقيل: متواضعين، وسئل الأعمش عن هذه الآية فقال: أما إني ~~سألت إبراهيم فقال: ألا تدري؟ قلت: أفدني، قال: بينه وبين الله إذا أرخى ~~ستره عليه وأغلق بابه فلير الله منه خيرا لعلك ترى أنه يأكل خشنا ويلبس ~~خشنا ويطأطىء رأسه. # القصة العاشرة: قصة مريم وابنها عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى: # {والتي} أي: واذكر مريم التي {أحصنت فرجها} ms1970 أي: حفظته من الحلال والحرام ~~حفظا يحق له أن يذكر ويتحدث به كما قال تعالى حكاية عنها، {ولم يمسسني بشر ~~ولم أك بغيا} (مريم، 20) # ؛ لأن ذلك غاية في العفة والصيانة والتخلي عن الملاذ إلى الانقطاع إلى ~~الله تعالى بالعبادة مع ما جمعت مع ذلك من الأمانة والاجتهاد في متانة ~~الديانة والصحيح أنها ليست بنبية {فنفخنا فيها من روحنا} أي: أمرنا جبريل ~~حتى نفخ في جيب درعها فأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح ~~إليه تعالى تشريفا لعيسى عليه السلام كبيت الله وناقة الله. # ثم بين تعالى ما خص مريم وعيسى من الآيات فقال تعالى: {وجعلناها وابنها} ~~أي: قصتهما أو حالهما، ولذلك وحد قوله تعالى: {آية للعالمين} من الجن ~~والإنس والملائكة، وإن تأمل حالهما تحقق كمال قدرة الله تعالى فإن قيل: هلا ~~قال تعالى آيتين كما قال تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} (الإسراء، ~~12) # أجيب: بما تقدم وبأن الآية كانت فيهما واحدة وهي أنها أتت به من غير فحل. # وههنا آخر القصص. ولما دل ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ~~أنهم كلهم متفقون على التوحيد الذي هو أصل الدين قال تعالى: # {إن هذه} أي: ملة الإسلام {أمتكم} أي: دينكم أيها المخاطبون أي: يجب أن ~~تكونوا عليها حال كونها {أمة} قال البغوي وأصل الأمة الجماعة التي هي على ~~مقصد واحدأ. ه فجعل الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحدأ. ه ثم أكد ~~سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله تعالى: {واحدة} فأبطل ما سوى الإسلام من ~~الأديان {وأنا ربكم} أي: المحسن إليكم لا غيري في كل زمان فإني # PageV02P528 # لا أتغير على طول الدهر، ولا يشغلني شأن عن شأن {فاعبدون} دون غيري فإنه ~~لا كفء لي، ثم إن بعضهم خالف الأمر بالاجتماع كما أخبر الله تعالى # {وتقطعوا} أي: بعض المخاطبين {أمرهم بينهم} أي: تفرقوا أمر دينهم ~~متخالفين فيه وهم طوائف اليهود والنصارى؛ قال الكلبي: فرقوا دينهم بينهم ~~يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض. # تنبيه: الأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة ms1971 على طريقة الالتفات ~~كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى آخرين، ويقبح عليهم فعلهم عندهم، ويقول لهم: ~~ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى، والمعنى: جعلوا أمر ~~دينهم فيما بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه بينهم، فيصير ~~لهذا نصيب، ولذاك نصيب تمثيلا لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى، ~~ثم توعدهم بقوله تعالى: {كل} أي: من هذه الفرق وإن بالغ في التمرد {إلينا} ~~يوم القيامة {راجعون} فنحكم بينهم فيتسبب عن ذلك أنا نجازيهم إقامة للعدل، ~~فنعطي كلا من المحق التابع لأصفيائنا والمبطل المائل إلى الشياطين أعدائنا ~~ما يستحقه، وذلك هو معنى قوله تعالى فارقا بين المحسن والمسيء تحقيقا للعدل ~~وتشويقا إلى الفضل # {فمن يعمل} أي: منهم الآن {من الصالحات وهو} أي: والحال أنه {مؤمن} أي: ~~يأتي بعمله على الأساس الصحيح {فلا كفران} أي: لا جحود {لسعيه} بل يشكر ~~ويثاب عليه. # تنبيه: قوله تعالى: فلا كفران نفى الجنس ليكون أبلغ من أن يقول: فلا نكفر ~~سعيه {وإنا له} أي: لسعيه {كاتبون} أي: مثبتون في صحيفة عمله وما أثبتناه ~~فهو غير ضائع فلا يفقد منه شيئا قل أو جل، ومن المعلوم أن قسيمه وهو من ~~يعمل من السيئات وهو كافر، فلا نقيم له وزنا، ومن يعمل منها وهو مؤمن فهو ~~تحت مشيئتنا قال البقاعي: ولعله حذف هذين القسمين ترغيبا في الإيمان، ولما ~~كان هذا غير صريح في أن هذا الرجوع بعد الموت بينه بقوله تعالى: # {وحرام} أي: ممنوع {على قرية} أي: أهلها {أهلكناها} أي: بالموت {أنهم لا ~~يرجعون} أي: إلينا بأن يذهبوا تحت التراب باطلا من غير إحباس بل إلينا ~~بموتهم راجعون فحبسناهم في البرزخ منعمين أو معذبين نعيما أو عذابا دون ~~النعيم والعذاب الأكبر. # تنبيه: ما قدرناه في الآية هو ما جرى عليه البقاعي والذي قدره الزمخشري ~~أن معنى أهلكناها عزمنا على إهلاكها، أو قدرنا إهلاكها، ومعنى الرجوع ~~الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة، فتكون لا مزيدة والذي قدره الجلال ~~المحلي أن لا زائدة أي: يمتنع رجوعهم إلى ms1972 الدنيا فيكون الإهلاك بالموت، ~~وهذا قريب مما قاله ابن عباس فإنه قال: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا ~~بعد الهلاك، فجعل لا زائدة قال البغوي وقال آخرون: الحرام بمعنى الواجب، ~~فعلى هذا يكون لا ثابتا ومعناه واجب على أهل قرية أهلكناهم أي: حكمنا ~~بهلاكهم أن لا تتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي: لا يتوبون والدليل على ~~هذا المعنى أنه تعالى قال في الآية التي قبلها: {ومن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا كفران لسعيه} أي: يتقبل عمله، ثم ذكر هذه الآية عقبه وبين أن ~~الكافر لايتقبل عمله انتهى والذي قدره البيضاوي قريب مما قدره الزمخشري وكل ~~هذه التقادير صحيحة؛ لكن الأول أظهر، وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بكسر الحاء ~~وسكون الراء والباقون بفتح الحاء والراء وألف بعد الراء # PageV02P529 # قال البغوي: وهما لغتان مثل حل وحلال، وقوله تعالى: # {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} متعلق كما قال الزمخشري بحرام وحتى غاية له؛ ~~لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة وهي حتى التي يحكى بعدها ~~الكلام أي: فهي الابتدائية لا الجارة ولا العاطفة والمحكي هو الجملة ~~الشرطية، وقرأ ابن عامر بتشديد التاء بعد الفاء والباقون بالتخفيف ويأجوج ~~ومأجوج اسمان أعجميان اسم لقبيلتين من جنس الإنس ويقدر قبله مضاف أي: ~~سدهما، وذلك قرب الساعة يقال الناس عشرة أجزاء؛ تسعة منها يأجوج ومأجوج، ~~وقرأهما عاصم بهمزة ساكنة والباقون بالألف، ثم عبر عن كثرتهم التي لا ~~يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى بقوله تعالى: {وهم} أي: والحال أنهم {من كل ~~حدب} أي: نشز عال من الأرض {ينسلون} أي: يسرعون من النسلان، وهو تقارب ~~الخطا مع السرعة كمشي الذئب، وفي العبارة إيماء إلى أن الأرض كرة، وقيل: ~~الضمير راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر. روي عن حذيفة بن أسيد الغفاري ~~قال: «اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة فقال صلى ~~الله عليه وسلم ما تتذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة، قال: إنها لن تقوم ~~الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدجال والدخان والدابة وطلوع الشمس ~~من ms1973 مغربها، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف ~~بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد ~~الناس إلى محشرهم» # {واقترب الوعد الحق} أي: يوم القيامة؛ قال حذيفة: لو أن رجلا اقتنى فلوا ~~بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة {فإذا هي شاخصة أبصار ~~الذين كفروا} قال الكلبي: شخصت أبصار الكفار فلا تكاد تطرف من شدة ذلك ~~اليوم. # تنبيه: فإذا هي إذا للمفاجأة وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله ~~تعالى: {إذا هم يقنطون} (الروم، 36) ، فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على ~~وصل الجزاء بالشرط، فيتأكد، ولو قيل: إذا هي شاخصة أو فهي شاخصة كان سديدا، ~~قال سيبويه: والضمير للقصة بمعنى فإذا القصة شاخصة يعني القصة أن أبصار ~~الذين كفروا تشخص عند ذلك، وقال الزمخشري: هي ضمير مبهم توضحه الأبصار، ~~وتفسره كما فسر الذين ظلموا وأسروا النجوى وقولهم: {يا ويلنا} أي: هلاكنا ~~متعلق بمحذوف تقديره: يقولون يا ويلنا، ويقولون في موضع الحال من الذين ~~كفروا ويا للتنبيه {قد كنا} أي: في الدنيا {في غفلة من هذا} أي: اليوم حيث ~~كذبنا وقلنا: إنه غير كائن، ثم أضربوا عن الغفلة فقالوا: {بل كنا ظالمين} ~~أنفسنا بعدم اعتقاده واضعين الشيء في غير موضعه حيث أعرضنا عن تأمل دلائله، ~~والنظر في مخايله، وكذبنا الرسل وعبدنا الأوثان، وقوله تعالى: # d # {إنكم} خطاب لأهل مكة، وأكده لإنكارهم مضمون الخبر {وما تعبدون من دون ~~الله} أي: غيره من الأوثان {حصب جهنم} أي: وقودها، وهو ما يرمى به إليها ~~وتهيج به من حصبه يحصبه إذا رماه بالحصب والحصب في لغة أهل اليمن الحطب، ~~وقال عكرمة: هو الحطب بالحبشية قال الضحاك: يعني يرمون بهم في النار كما ~~يرمى بالحصب، وقوله تعالى: {أنتم لها واردون} أي: داخلون استئناف أو بدل من ~~حصب جهنم، واللام معوضة من على للاختصاص والدلالة على أن ورودهم لأجلها # {لو كان هؤلاء} أي: الأوثان # PageV02P530 # {آلهة} أي: كما زعمتم {ما وردوها} أي: ما دخل الأوثان وعابدوها النار، ms1974 ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة في الوصل ~~بعد تحقيق الأولى، والباقون بتحقيقهما {وكل} أي: من العابدين والمعبودين ~~{فيها} أي: في جهنم {خالدون} لا انفكاك لهم عنها بل يحمى بكل منهم فيها على ~~الآخر فإن قيل: لم قرنوا بآلهتهم؟ أجيب: بأنهم لا يزالون لمقارنتهم في ~~زيادة غم وحسرة حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من ~~العذاب؛ لأنهم قدروا أنهم يستشفعون في الآخرة وينتفعون بشفاعتهم، فإذا ~~صادفوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم. # فإن قيل: إذا عنيت بما تعبدون الأوثان فما معنى قوله تعالى: # {لهم فيها زفير} أي: تنفس عظيم على غاية من الشدة والمد تكاد تخرج معه ~~النفس؟ أجيب: بأنهم إذا كانوا هم وأوثانهم في قرن واحد جاز أن يقال لهم: ~~زفير، وإن لم يكن الزافرون إلا هم دون الأوثان للتغليب ولعدم الإلباس {وهم ~~فيها لا يسمعون} شيئا لشدة غليانها، وقال ابن مسعود في هذه الآية: إذا بقي ~~في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في ~~توابيت أخرى عليها مسامير من نار فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن ~~أحدا يعذب في النار غيره، وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ~~المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجلس ~~إليهم، فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أفحمه، ثم تلا عليهم إنكم وما تعبدون من دون الله الآية، فأقبل عبد الله بن ~~الزبعري السلمي، فرآهم يتهامسون فقال: فيم خوضكم، فأخبره الوليد بن المغيرة ~~بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله: أما والله لو وجدته ~~لخصمته، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعري: أأنت قلت ~~ذلك؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيرا والنصارى ~~عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة، فقال صلى الله عليه وسلم بل هم ms1975 ~~عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك، فأنزل الله تعالى: # {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} أي: الحكم بالموعدة البالغة في الحسن في ~~الأزل، ومنهم من ذكر سواء أضل بأحد منهم الكفار فأطروه أم لا {أولئك} أي: ~~العالو الرتبة {عنها} أي: جهنم {مبعدون} برحمة الله تعالى لأنهم أحسنوا في ~~العبادة واتقوا، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وفي رواية ابن عباس «أن ابن ~~الزبعرى لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت ولم يجب، فضحك القوم، ~~فنزل قوله تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا: ~~أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} ، ونزل في عيسى ~~والملائكة أن الذين سبقت لهم منا الحسنى الآية، وقد أسلم ابن الزبعري بعد ~~ذلك رضي الله تعالى عنه، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم وادعى جماعة أن ~~المراد من الآية الأصنام؛ لأن الله تعالى قال: وما تعبدون من دون الله، ولو ~~أراد الملائكة والناس لقال: ومن تعبدون، يروى أن عليا رضي الله تعالى عنه ~~قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد ~~وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن الجراح، ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه وهو ~~يقول: # {لا يسمعون حسيسها} أي: حركتها البالغة وصوتها الشديد، فكيف # PageV02P531 # بما دونه؛ لأن الحس مطلق الصوت أو الصوت الخفي كما قاله البغوي، فإذا ~~زادت حروفه زاد معناه، فذكر ذلك بدلا من مبعدون أو حال من ضميره للمبالغة ~~في إبعادهم عنها {وهم} أي: الذين سبقت لهم منا الحسنى {في ما اشتهت أنفسهم} ~~في الجنة كما قال تعالى: {وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين} (الزخرف، 71) # والشهوة طلب النفس اللذة {خالدون} أي: دائما أبدا في غاية التنعم وتقديم ~~الظرف للاختصاص والاهتمام به. # فائدة: في هنا مقطوعة من ما ولما كان معنى ذلك أن سرورهم ليس له زوال ~~أكده بقوله تعالى: # {لا يحزنهم الفزع الأكبر} قال الحسن: هو حين يؤمر بالعبد إلى النار، وقال ~~ابن عباس: هو النفخة الأخيرة ms1976 لقوله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في ~~السموات ومن في الأرض} (النمل، 78) ، وقال ابن جريج: هو حين يذبح الموت ~~وينادى: يا أهل النار خلود بلا موت، وقال سعيد بن جبير هو أن تنطبق جهنم، ~~وذلك بعد أن يخرج الله تعالى منها من يريد أن يخرجه {وتتلقاهم} أي: ~~تستقبلهم {الملائكة} قال البغوي: على أبواب الجنة يهنونهم، وقال الجلال ~~المحلي: عند خروجهم من القبور، ولا مانع أنها تستقبلهم في الحالين ويقولون ~~لهم: {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} أي: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم به ~~في الدنيا فأبشروا فيه بجميع ما يسركم، ولما كانت هذه الأفعال على غاية من ~~الأهوال تتشوف بها النفس إلى معرفة اليوم الذي تكون فيه قال تعالى: # {يوم} أي: تكون هذه الأشياء يوم {نطوي السماء} طيا، فتكون كأنها لم تكن ~~ثم صور طيها بما يعرفونه، فقال مشبها للمصدر الذي دل عليه الفعل {كطي ~~السجل} ، واختلف في السجل فقال بعضهم: هو الكاتب الذي له العلو والقدرة على ~~مكتوبه {للكتاب} أي: القرطاس الذي يكتبه ويرسله إلى أحد، وقال السدي: هو ~~ملك يكتب أعمال العباد، وقيل: كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والكتاب على هذه الأقوال اسم للصحيفة المكتوب فيها، وقال ابن عباس ومجاهد ~~والأكثرون: السجل الصحيفة والمعنى كطي الصحيفة على مكتوبها، والطي هو ~~الدرج، وهو ضد النشر، وإنما وقع هذا الاختلاف؛ لأن السجل يطلق على الكتاب ~~وعلى الكاتب قاله في القاموس، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الكاف والتاء ~~على الجمع، والباقون بكسر الكاف وفتح التاء، وبين الكاف والتاء ألف على ~~الإفراد، فقراءة الإفراد لمقابلة لفظ السماء والجمع للدلالة على أن المراد ~~الجنس، فجميع السموات تطوى. # روي عن ابن عباس أنه قال: يطوي الله تعالى السموات السبع بما فيها من ~~الخليقة والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي ذلك كله بيمينه أي ~~بقدرته، حتى يكون ذلك بمنزلة خردلة، وروي عن ابن عباس أنه قال: قام فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: «أيها الناس إنكم ms1977 محشورون إلى ~~الله حفاة عراة غرلا أي: غير مختونين» {كما بدأنا أول خلق نعيده} أي: كما ~~بدأناهم في بطون أمهاتهم عراة غرلا غير مختونين نعيدهم يوم القيامة؛ نظيره ~~قوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} (الأنعام، 94) # {وعدا} وأكد ذلك بقوله تعالى {علينا} وزاده بقوله تعالى: {إنا كنا} أي: ~~أزلا وأبدا على حالة لا تحول {فاعلين} أي: شأننا أن نفعل ما نريد لا كلفة ~~علينا في شيء من ذلك، ثم إنه تعالى حقق ذلك بقوله تعالى: # {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} قال سعيد بن جبير ومجاهد الزبور ~~جميع # PageV02P532 # كتب الله تعالى المنزلة والذكر أم الكتاب الذي عنده، ومعناه من بعدما كتب ~~ذكره في اللوح المحفوظ، وقال ابن عباس والضحاك: الزبور والتوراة والذكر ~~الكتب المنزلة من بعد التوراة، وقال الشعبي: الزبور كتاب داود الذكر ~~التوراة، وقيل: الزبور كتاب داود عليه السلام، والذكر القرآن، وبعد بمعنى ~~قبل كقوله تعالى: {وكان وراءهم ملك} (الكهف، 79) # أي: أمامهم، وقوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} (النازعات، 30) # أي: قبله، وقرأ حمزة بضم الزاي والباقون بفتحها {أن الأرض} أي: أرض الجنة ~~{يرثها عبادي} وحقق ذلك ما أفادته إضافتهم إليه بقوله تعالى: {الصالحون} ~~أي: المتحققون بأخلاق أهل الذكر، المقبلون على ربهم الموحدون له، المشفقون ~~من الساعة، الراهبون من سطوته، الراغبون في رحمته، الخاشعون له، فهذا عام ~~في كل صالح، وقال مجاهد: يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم دليله قوله ~~تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة ~~حيث نشاء} (الزمر، 74) # وقال ابن عباس: أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون، وهذا حكم من الله ~~تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين، وقيل: أراد بالأرض الأرض المقدسة، ~~وقيل: أراد جنس الأرض الشامل لبقاع أرض الدنيا كلها ولأرض المحشر والجنة ~~وغير ذلك مما يعلمه الله تعالى، وجرى على هذا البقاعي في تفسيره، وقرأ حمزة ~~بسكون الياء، والباقون بفتحها # {إن في هذا} أي: القرآن كما قاله البغوي {لبلاغا} أي: وصولا إلى البغية، ~~فإن من اتبع القرآن وعمل ms1978 به وصل إلى ما يرجو من الثواب، وقيل: بلاغا أي: ~~كفاية يقال في هذا الشيء بلاغ وبلغة أي: كفاية، والقرآن زاد الجنة كبلاغ ~~المسافر، وقال الرازي: هذا إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار ~~والوعد والوعيد والمواعظ البالغة {لقوم عابدين} أي: عاملين به، وقال ابن ~~عباس: عالمين، قال الرازي: والأولى أنهم الجامعون بين أمرين؛ لأن العلم ~~كالشجرة، والعمل كالثمر والشجر بدون الثمر غير مفيد، والثمر بدون الشجر غير ~~كائن، وقال كعب الأحبار هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس، ~~وشهر رمضان، ولما كان هذا مشيرا إلى إرشادهم فكان التقدير فما أرسلناك إلا ~~لإسعادهم عطف عليه قوله تعالى: # {وما أرسلناك} أي: على حالة من الأحوال {إلا} على حال كونك {رحمة ~~للعالمين} كلهم أهل السموات وأهل الأرض من الجن والإنس وغيرهم طائعهم ~~بالثواب وعاصيهم بتأخير العقاب الذي كنا نستأصل الأمم به، فنحن نمهلهم ~~ونترفق بهم إظهارا لشرفك، وإعلاء لقدرك، ثم نرد كثيرا منهم إلى دينك ~~ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك بعد طول ارتكابهم الضلال، وارتباكهم ~~في إشراك المحال، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت ~~الشفاعة العظمى يوم يجمع الله تعالى الأولين والآخرين، وتقوم الملائكة ~~صفوفا والثقلان وسطهم، ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه يطلبون من يشفع ~~لهم فيقصدون أكابر الأنبياء نبيا نبيا عليهم الصلاة والسلام، فيحيل بعضهم ~~على بعض وكل منهم يقول: لست لها حتى ىأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول: «أنا ~~لها» ، ويقوم معه لواء الحمد، فيشفعه الله تعالى، وهو المقام المحمود الذي ~~يغبطه به الأولون والآخرون، فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق أجمعين، ~~ولما أورد تعالى على الكفار الحجج في أن لا إله سواه وبين أنه أرسل # PageV02P533 # رسوله رحمة للعالمين أتبع ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {قل إنما يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد} أي: ما يوحى إلي في أمر الإله ~~إلا وحدانيته وما إلهكم إلا إله واحد لم يوح إلي فيما تدعون ms1979 من الشركة غير ~~ذلك فالأول من قصر الصفة على الموصوف، والثاني: من قصر الموصوف على الصفة ~~والمخاطب بهما من يعتقد الشركة فهو قصر قلب، وقال الزمخشري: إنما لقصر ~~الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد قائم، وإنما يقوم ~~زيد، وقد اجتمع المثالان في هذه الآية؛ لأن إنما يوحي إلي مع فاعله بمنزلة ~~إنما يقوم زيد وإنما إلهكم إله واحد بمنزلة إنما زيد قائم، وفائدة ~~اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصور ~~على استئثار الله تعالى بالوحدانية انتهى. ولما كان الوحي الوارد على هذه ~~السنن موجبا أن يخلصوا التوحيد لله تعالى قال صلى الله عليه وسلم {فهل أنتم ~~مسلمون} أي: منقادون لما يوحى إلي من وحدانية الإله، والاستفهام بمعنى ~~الأمر أي: أسلموا # {فإن تولوا} أي: لم يقبلوا ما دعوتهم إليه {فقل} أي: لهم {آذنتكم} أي: ~~أعلمتكم بالحرب كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم بغدرة، فنبذ إليهم ~~العهد وأشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك، وقوله: {على سواء} حال من ~~الفاعل والمفعول أي: مستوين في الإعلام به لم أطوه عن أحد منكم ولا أستبد ~~به دونكم لتتأهبوا {وإن} أي: وما {أدري أقريب} جدا بحيث يكون قربه على ما ~~يتعارفونه {أم بعيد ما توعدون} من غلب المسلمين عليكم أو عذاب الله أو ~~القيامة المشتملة عليه، وإن ذلك كائن لا محالة ولا بد أن يلحقكم بذلك الذلة ~~والصغار، وإن كنت لا أدري متى يكون ذلك؛ لأن الله تعالى لم يعلمني علمه، ~~ولم يطلعني عليه، وإنما يعلمه الله تعالى # {إنه} تعالى {يعلم الجهر من القول} أي: مما يجهرون به من العظائم وغير ~~ذلك، ونبه تعالى على ذلك فإن من أحوال الجهر أن ترتفع الأصوات جدا بحيث ~~تختلط ولا يميز بينها ولا يعرف كثير من حاضريها ما قاله أكثر القائلين، ~~فأعلم سبحانه وتعالى أنه لا يشغله صوت عن آخر، ولا يفوته شيء من ذلك ولو ~~كثر {ويعلم ما تكتمون} مما تضمرونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، ms1980 ونظير ~~ذلك قوله تعالى في أول السورة: {قل ربي يعلم القول في السماء والأرض} ~~(الأنبياء، 4) # ومن لازم ذلك من المجازاة عليه بما يحق لكم من تعجيل وتأجيل فستعلمون كيف ~~تخيب ظنونكم ويتحقق ما أقول فتنطقون حينئذ بأني صادق ولست بساحر ولا شاعر ~~ولا كاهن، فهو من أبلغ التهديد، فإنه لا أبلغ من التهديد بالعلم، ولما كان ~~الإمهال قد يكون نعمة وقد يكون نقمة قال: # {وإن} أي: وما {أدري} أن يكون تأخير عذابكم نعمة لكم كما تظنون أم لا ~~{لعله} أي: تأخير العذاب {فتنة} أي: اختبار {لكم} ليظهر ما يعلمه منكم من ~~السر لغيره لأن حالكم حال من يتوقع منه ذلك {ومتاع} لكم تتمتعون به {إلى ~~حين} أي: بلوغ مدة آجالكم التي ضربها لكم في الأزل، ثم يأخذكم بغتة وأنتم ~~لا تشعرون، ولما كان لله أن يفعل ما يشاء من عدل وفضل، وكان من العدل جواز ~~تعذيب الله تعالى الطائع وتنعيم المؤمن العاصي، وكان صلى الله عليه وسلم قد ~~بلغ الغاية في البيان لهم، وهم قد بلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه أمر الله ~~تعالى أن يفوض الأمر إليه تسلية له بقوله تعالى: # {قل رب} أيها المحسن إلي {احكم} أي: أنجز الحكم بيني وبين قومي {بالحق} # PageV02P534 # أي: بالأمر الذي يحق لكل منا من نصر وخذلان، وقرأ حفص بفتح القاف وألف ~~بعدها، وفتح اللام بصيغة الماضي على حكاية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والباقون بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر فإن قيل: كيف قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم احكم بالحق والله تعالى لا يحكم إلا بالحق؟ أجيب: بأن ~~الحق ههنا بمعنى العذاب، فكأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر، نظيره ~~قوله: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} (الأعراف، 89) ، وقال أهل ~~المعاني: معناه رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه، والله ~~تعالى يحكم بالحق طلب أم لم يطلب، ومعنى الطلب ظهور الرغبة من الطالب في ~~حكمه الحق {وربنا} أي: المحسن إلينا أجمعين {الرحمن} أي: العام الرحمة لنا ~~ولكم بإدرارها ms1981 علينا، ولولا عموم رحمته لأهلكنا أجمعين، وإن كنا نحن أطعناه ~~لأنا لا نقدره حق قدره، {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها ~~من دابة} (فاطر، 45) # {المستعان} أي: المطلوب منه العون {على ما تصفون} من كذبكم على الله ~~تعالى في قولكم: اتخذ الله ولدا، وعلي في قولكم ساحر، وعلى القرآن في قولكم ~~شعر قال الرازي: روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في حروبه، ولم ~~يذكر له سندا، وأما ما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من قرأ اقترب حاسبه الله حسابا يسيرا، وصافحه وسلم عليه كل نبي ~~ذكر اسمه في القرآن» ، فحديث موضوع والله تعالى أعلم بالصواب. ### | سورة الحج # مكية # إلا {ومن الناس من يعبد الله على حرف} الآيتين وإلا {هذان خصمان} الست ~~آيات فمدنيات، وهي ثمان، وقيل: خمس أو ست أو سبع وسبعون آية. # {بسم الله} أي: الذي اقتضت عظمته خضوع كل شيء {الرحمن} الذي عم برحمته كل ~~موجود {الرحيم} الذي خص بفضله من شاء من عباده. ولما ختمت السورة التي قبل ~~هذه بالترهيب من الفزع الأكبر وطي السماء وإتيان ما يوعدون، وكان أعظم ذلك ~~يوم الدين افتتحت هذه السورة بالأمر بالتقوى المنجية من هول ذلك اليوم ~~بقوله تعالى: # {يا أيها الناس} أي: الذين تقدم أول تلك أنه اقترب لهم حسابهم إن أريد أن ~~ذلك عام وإلا فهم وغيرهم {اتقوا} أي: احذروا عقاب {ربكم} أي: المحسن إليكم ~~بأنواع الإحسان بأن تجعلوا بينكم وبين عقابه وقاية الطاعات، ولما أمرهم ~~بالتقوى علل ذلك مرهبا لهم بقوله تعالى: {إن زلزلة الساعة} أي: حركتها ~~الشديدة للأشياء على الإسناد المجازي، فتكون الزلزلة مصدرا مضافا إلى ~~فاعله، ويصح أن يكون إلى المفعول فيه على طريق الاتساع في الظرف وإجرائه ~~مجرى المفعول به كقوله تعالى: {بل مكر الليل والنهار} (سبأ، 33) ، وهي ~~الزلزلة المذكورة في قوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} (الزلزلة، 1) # واختلف في وقتها، فعن الحسن أنها تكون يوم القيامة، وعن علقمة والشعبي ~~عند طلوع الشمس ms1982 من مغربها الذي هو أقرب للساعة {شيء عظيم} أي: أمر كبير ~~وخطر جليل وحادث هائل لا تحتمل العقول وصفه وهذا للزلزلة نفسها، فكيف بجميع ~~ما يحدث في ذلك اليوم الذي لا بد لكم من الحشر فيه # PageV02P535 # إلى الله تعالى ليجازيكم على ما كان منكم لا ينسى منه نقير ولا قطمير # {يوم ترونها} أي: الزلزلة أو الساعة، أو كل مرضعة أضمرها قبل الذكر ~~تهويلا للأمر، وترويعا للنفس {تذهل} بسبب ذلك {كل مرضعة} أي: بالفعل أي: ~~تنسى وتغفل حائرة مدهوشة، والعامل في يوم تذهل. # فإن قيل: لم قال تعالى: {مرضعة} ، ولم يقل: مرضع؟ أجيب: بأن المرضعة هي ~~التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها للطفل والمرضع التي شأنها أن ترضع، وإن لم ~~تباشر الإرضاع في حال وضعها، فقال: مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت ~~به هذه وقد ألقمت ثديها تنزعه من فيه لما يلحقها من الدهشة {عما أرضعت} عن ~~إرضاعها أو عن الذي أرضعته، وهو الطفل، فما إما مصدرية أو موصولة {وتضع كل ~~ذات حمل حملها} أي: تسقطه قبل التمام رعبا وفزعا. # تنبيه: هذا ظاهر على القول الثاني وهو قول علقمة والشعبي على أن ذلك يكون ~~عند طلوع الشمس من مغربها، وأما على القول الأول وهو قول الحسن على أن ذلك ~~يوم القيامة كيف يكون ذلك؟ فقيل: هو تصوير لهولها، قاله البيضاوي، وقال ~~البقاعي في المرضعة: هي من ماتت مع ابنها رضيعا، وفي ذات الحمل: من ماتت ~~حاملا، فإن كل أحد يقوم على ما مات عليه، وهذا أولى فإني في حال كتابتي في ~~هذا المحل حضر عندي سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني نفعنا الله تعالى ~~ببركته، فذكرت له هذين القولين، فانشرح صدره لترجيح هذا الثاني، وذلك يوم ~~تاسوعاء من شهر الله المحرم سنة ست وخمسين وتسعمائة، وعن الحسن تذهل ~~المرضعة عن ولدها بغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام. # ويؤيد أن هذه الزلزلة تكون بعد البعث ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله ms1983 عليه وسلم «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، ~~فيقول: لبيك وسعديك زاد في رواية والخير في يديك فينادى بصوت إن الله يأمرك ~~أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار؛ قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ~~ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحوامل حملها، ويشيب الوليد وساق ~~بقية الآية» ، وهي {وترى الناس سكارى} أي: لما هم فيه من الدهشة والحيرة، ~~ثم بين الله تعالى أن ذلك ليس بسكر حقيقة بقوله تعالى: {وما هم بسكارى} أي: ~~من الشراب، ولما نفى أن يكونوا سكارى من الشراب أثبت ما أوجب لهم تلك ~~الحالة بقوله: {ولكن عذاب الله} ذي العزة والجبروت {شديد} فهو الذي أوجب أن ~~يظن بهم السكر؛ لأن هوله أذهب عقولهم وطير تمييزهم، تم الحديث عند آخر ~~الآية، «فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم زاد في رواية قالوا: يا رسول ~~الله أينا ذلك الواحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأجوج ومأجوج ~~تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في ~~الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وفي رواية كالرقمة في ~~ذراع الحمار، وإني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: ثلث أهل ~~الجنة، فكبرنا، ثم قال: شطر أهل الجنة فكبرنا» ، وفي رواية: «إني لأرجو أن ~~تكونوا ثلثي أهل الجنة» . # روى عمران بن حصين رضي الله عنه أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني ~~المصطلق ليلا، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثوا المطي حتى كانوا ~~حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليهم فلم نر أكثر باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا # PageV02P536 # السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدرا، وكانوا ~~ما بين حزين وباك ومفكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يوم ذلك؟ ~~قالوا: الله ورسوله أعلم، قال ذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث بعث النار ~~وذلك نحو حديث أبي ms1984 سعيد وزاد فيه ثم قال: «يدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة ~~بغير حساب» قال عمر: سبعون ألفا؟ قال: «نعم ومع كل واحد سبعون ألفا» . # وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وسكون الكاف فيهما، والباقون بضم السين ~~وفتح الكاف وبعد الكاف ألف، وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو وحمزة والكسائي ~~محضة، وورش بين بين، والباقون بالفتح. ونزل في النضر بن الحرث، وكان كثير ~~الجدل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول: الملائكة بنات الله، ~~والقرآن أساطير الأولين، وكان ينكر البعث وإحياء من صار ترابا # {ومن الناس} أي: المذبذبين {من} لا يسعى في إعلاء نفسه وتهذيبها، فيكذب ~~فيؤبق بسوء عمله؛ لأنه {يجادل في الله} أي: في قدرته على ذلك اليوم، وفي ~~غير ذلك بعد أن جاءه العلم بها اجتراء على سلطانه العظيم {بغير علم} بل ~~بالباطل الذي هو جهل صرف فيترك اتباع الهداة {ويتبع} بغاية جهده في جداله ~~{كل شيطان} محترق بالسوء مبعد باللعن {مريد} أي: متجرد للفساد ولا شغل له ~~غيره؛ قال البيضاوي: وأصله العري أي: عن الساتر # {كتب} أي: قدر وقضي على سبيل الحتم الذي لا بد منه تعبيرا باللازم عن ~~الملزوم {عليه} أي: على ذلك الشيطان {أنه} أي: الشأن {من تولاه} أي: فعل ~~معه فعل الولي مع وليه باتباعه والإقبال على ما يزينه {فإنه يضله} بما يبغض ~~إليه من الطاعات، فيخطىء سبيل الخير {ويهديه} أي: بما يزين له من الشهوات ~~الحاملة على الزلات {إلى عذاب السعير} أي: النار، ثم ألزم الحجة منكري ~~البعث بقوله تعالى: # {يا أيها الناس} أي: كافة ويجوز أن يراد به المنكر فقط {إن كنتم في ريب} ~~أي: شك وتهمة وحاجة إلى البيان {من البعث} وهو قيام الأجسام بأرواحها كما ~~كانت قبل مماتها فتفكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم ~~أولا قادر على خلقكم ثانيا، ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر مراتب الخلقة الأولى ~~أمورا سبعة: # المرتبة الأولى: قوله تعالى: {فإنا خلقناكم} بقدرتنا التي لا يتعاظمها ~~شيء {من تراب} لم يسبق له اتصاف بالحياة، وفي ms1985 الخلق من تراب وجهان؛ أحدهما: ~~أنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه الصلاة والسلام من تراب كما قال تعالى: {كمثل ~~آدم خلقه من تراب} (آل عمران، 59) ، الثاني: من الأغذية والأغذية إما ~~حيوانية وإما نباتية وغذاء الحيوان ينتهي إلى النبات قطعا للتسلسل والنبات ~~إنما يتولد من الأرض والماء، فصح قوله تعالى: {إنا خلقناكم من تراب} . # المرتبة الثانية: قوله تعالى: {ثم من نطفة} وحالها أبعد شيء عن حال ~~التراب فإنها بيضاء سائلة لزجة صافية كما قال تعالى: {من ماء دافق} وأصلها ~~الماء القليل؛ قاله البغوي، وأصل النطف الصب؛ قاله البيضاوي. # المرتبة الثالثة: قوله تعالى: {ثم من علقة} أي: قطعة دم حمراء جامدة ليس ~~فيها أهلية للسيلان، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة. # المرتبة الرابعة: قوله تعالى: {ثم من مضغة} أي: قطعة لحم صغيرة وهي في ~~الأصل قدر ما يمضغ {مخلقة} أي: مسواة لا نقص فيها ولا عيب يقال: خلق السواك ~~والعود سواه وملسه من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء {وغير مخلقة} أي: ~~وغير مسواة، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها # PageV02P537 # ما هو كامل الخلقة وأملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك ~~التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم، هذا ~~قول قتادة والضحاك، وقال مجاهد: المخلقة الولد الذي يخرج حيا وغير المخلقة ~~السقط، وقال قوم: المخلقة المصورة وغير المخلقة غير المصورة، وهو الذي يبقى ~~لحما من غير تخطيط وتشكيل، واحتجوا بما روى علقمة عن عبد الله بن مسعود ~~موقوفا عليه قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، وقال: أي ~~رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال: غير مخلقة قذفها في الرحم دما، ولم تكن ~~نسمة، وإن قال: مخلقة قال الملك: أي رب ذكر أم أنثى، وشقي أم سعيد، ما ~~الأجل ما العمل ما الرزق بأي أرض تموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك ~~تجد فيها كل ذلك فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها، فلا يزال معه حتى ms1986 يأتي ~~على آخر صفتها، والذي أخرجاه في الصحيحين عنه قال: حدثنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ~~يوما نطفه، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا ~~يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله ~~غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل ~~أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل ~~أهل الجنة فيدخلها» فكأنه تعالى يقول: إنما نقلناكم من حال إلى حال، ومن ~~خلقه إلى خلقة {لنبين لكم} بهذا التدريج # قدرتنا وحكمتنا، وإن من قدر على خلق البشر من التراب والماء أولا، ثم من ~~نطفة ثانيا، ولا تناسب بين التراب والماء وقدر على أن يجعل النطفة علقة ~~وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاما قدر على إعادة ما ~~أبدأه بل هو أدخل في القدرة من تلك وأهون في القياس، وورود الفعل غير معدى ~~إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يحيط به ~~الوصف ولا يكتنهه الذكر {ونقر في الأرحام} أي: من ذلك الذي خلقناه {ما ~~نشاء} إتمامه {إلى أجل مسمى} هو وقت الوضع وأدناه بعد ستة أشهر وأقصاه آخر ~~أربع سنين بحسب قوة الأرحام وضعفها، وقوة المخلقات وضعفها وكثرة تغذيه من ~~الدماء، وقلته إلى غير ذلك من أحوال وشؤون لا يعلمها إلا باريها جلت قدرته ~~وتعالت عظمته، وما لم نشأ إقراره مجته الأرحام وأسقطته دون التمام، أو ~~تحرقه فيضمحل. # المرتبة الخامسة: قوله تعالى: {ثم نخرجكم طفلا} وهو معطوف على نبين، ~~ومعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين أحدهما: أن نبين قدرتنا، ~~والثاني: أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا في حال الطفولية من صغر ~~الجثة وضعف البدن والسمع والبصر، وجميع الحواس لئلا تهلكوا أمهاتكم ms1987 بكبر ~~أجرامكم وعظم أجسامكم. # المرتبة السادسة: قوله تعالى: {ثم} أي: نمد أجلكم {لتبلغوا} بهذا ~~الانتقال في أسنان الأجسام من الرضاع إلى المراهقة إلى البلوغ إلى الكهولة ~~{أشدكم} أي: الكمال والقوة، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين جمع شدة ~~كالأنعم جمع نعمة كأنه شدة في الأمور. # المرتبة السابعة: قوله تعالى: {ومنكم من يتوفى} أي: عند بلوغ الأشد أو ~~قبله {ومنكم من يرد} بالشيخوخة وبناه للمجهول إشارة إلى سهولته عليه ~~لاستبعاده لولا تكرار المشاهدة عند الناظر لتلك القوة والنشاط # PageV02P538 # وحسن التواصل بين أعضائه والارتباط {إلى أرذل} أي: أخس {العمر} وهو سن ~~الهرم فتنقص جميع قواه {لكيلا يعلم من بعد علم} كان أوتيه {شيئا} أي: ليعود ~~كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما علمه ~~وينكر من عرفه حتى يسأل عنه من ساعته يقول لك: من هذا؟ فتقول: فلان فما ~~يلبث لحظة إلا سألك عنه. # فإن قيل: هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى: {ثم رددناه أسفل ~~سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أجيب: بأن معنى قوله تعالى: {ثم ~~رددناه أسفل سافلين} هو دلالة على الذم، فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة، ~~ولذلك قال تعالى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكن قال عكرمة: من قرأ ~~القرآن لم يصر إلى هذه الحالة، وقد علم بعود الإنسان في ذهاب العلم وصغر ~~الجسم إلى نحو ما كان عليه في ابتداء الخلق قطعا أن الذي أعاده إلى ذلك ~~قادر على إعادته بعد الممات، ولما تم هذا الدليل على الساعة بحكم المقدمات ~~وأصح النتائج، وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد ذكر الله تعالى دليلا آخر ~~على البعث مشاهدا بقوله: {وترى الأرض هامدة} أي: يابسة ساكنة سكون الميت ~~{فإذا أنزلنا} أي: بما لنا من القدرة {عليها الماء اهتزت} أي: تحركت وتأهلت ~~لإخراج النبات {وربت} أي: ارتفعت، وذلك أول ما يظهر منها للعين، وزادت ونمت ~~بما يخرج منها من النبات الناشىء عن التراب والماء، وقوله تعالى: {وأنبتت} ~~مجاز؛ لأن الله تعالى هو المنبت وأضيف إلى الأرض ms1988 توسعا أي: أنبتت بتقديرنا ~~لا أنها المنبتة {من كل زوج} أي: صنف {بهيج} أي: حسن نضير من أشتات النبات ~~في اختلاف ألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها ومنافعها ومقاديرها، قال ~~الجلال المحلي: من زائدة، ولم أر من ذكر ذلك من المفسرين. # تنبيه: في الآية إشارة إلى أن النبات كما يتوجه من نقص إلى كمال، فكذلك ~~الإنسان المؤمن يترقى من نقص إلى كمال، ففي المعاد يصل إلى كماله الذي أعد ~~له من البقاء والغنى والعلم والصفاء والخلود في دار السلام مبرأ عن عوارض ~~هذا العالم، ولما قرر سبحانه هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب ~~والنتيجة، وذكر أمورا خمسة أحدها قوله تعالى: # {ذلك} أي: المذكور من بدء الخلق إلى آخر إحياء الأرض {بأن} أي: بسبب أن ~~تعلموا أن {الله} أي: الجامع لأوصاف الكمال {هو} أي: وحده {الحق} أي: ~~الثابت الدائم وما سواه فان، ثانيها قوله تعالى: {وأنه يحيي الموتى} أي: ~~قادر على ذلك وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة، ثالثها: قوله تعالى: ~~{وأنه على كل شيء} من الخلق وغيره {قدير} {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون} (يس، 82) ، رابعها: قوله تعالى: {وأن الساعة} التي تقدم ذكرها ~~وتقدم التحذير منها وهي حشر الخلائق كلهم {آتية لا ريب} أي: لا شك {فيها} ~~أي: بوجه من الوجوه مما دل عليها مما لا سبيل إلى إنكاره بقول من لا مرد ~~لقوله، وهو حكيم لا يخلف ميعاده، ولا يسوغ بوجه أن يترك عباده بغير حساب، ~~خامسها: قوله تعالى: {وأن الله يبعث} بالإحياء {من في القبور} بمقتضى وعده ~~الذي لا يقبل الخلف، وقد وعد الساعة والبعث، فلا بد أن يفي بما وعد ونزل في ~~أبي جهل بن هشام كما قاله ابن عباس: # {ومن الناس من يجادل} أي: بغاية # PageV02P539 # جهده {في الله} أي: في قدرته وما يجمعه هذا الاسم الشريف من صفاته بعد ~~هذا البيان الذي لا مثل له ولا خفاء فيه {بغير علم} أتاه عن الله تعالى على ~~لسان أحد من أصفيائه أعم من أن يكون ms1989 كتابا أو غيره {ولا هدى} أرشده إليه ~~أعم من كونه بضرورة أو استدلال {ولا كتاب منير} له نور منه صح لديه أنه من ~~الله تعالى، ومن المعلوم أنه بانتفاء هذه الثلاثة لا يكون جداله إلا ~~بالباطل، وقيل: قوله تعالى: {ومن الناس} كرر كما كررت سائر الأقاصيص، وقيل: ~~الأول في المقلدين، وهذا في المقلدين، وقوله تعالى: # {ثاني عطفة} حال أي: لاوي عنقه تكبرا عن الإيمان كما قال تعالى: {وإذا ~~تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا} (لقمان، 7) # والعطف في الأصل الجانب عن يمين أو شمال، وقوله تعالى: {ليضل عن سبيل ~~الله} علة للجدال، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بضمها. # فإن قيل: على قراءة الضم ما كان غرضه في جداله الضلال لغيره عن سبيل ~~الله، فكيف علل به وما كان على قراءة الفتح مهتديا حتى إذا جادل خرج ~~بالجدال عن الهدى إلى الضلال؟ أجيب عن الأول: بأن جداله لما أدى إلى الضلال ~~جعل كأنه غرضه، وعن الثاني: بأن الهدى لما كان معرضا له فتركه وأعرض عنه ~~وأقبل على الجدال الباطل جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال. ولما ذكر فعله ~~وثمرته ذكر ما أعد له عليه في الدنيا بقوله تعالى: {له في الدنيا خزي} أي: ~~إهانة وذل وإن طال زمن استدراجه بتنعيمه حق على الله أن لا يرفع شيئا من ~~الدنيا إلا وضعه، وما أعد له عليه في الآخرة بقوله تعالى: {ونذيقه يوم ~~القيامة} الذي يجمع فيه الخلائق بالإحياء بعد الموت {عذاب الحريق} أي: ~~الإحراق بالنار، وعن الحسن قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف ~~مرة ويقال له حقيقة أو مجازا. # {ذلك} أي: العذاب العظيم {بما قدمت يداك} أي: بعملك، ولكن جرت عادة العرب ~~أن تضيف الأعمال إلى اليد؛ لأنها آلة أكثر العمل وإضافة ما يؤدي إليهما ~~أنكى {وأن} أي: وبسبب أن {الله ليس بظلام} أي: بذي ظلم ما {للعبيد} وإنما ~~هو مجاز لهم على أعمالهم أو أن المبالغة لكثرة العبيد. ونزل في قوم من ~~الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين ms1990 من باديتهم، فكان أحدهم إذا قدم ~~المدينة فصح بها جسمه ونتجت بها فرسه مهرا وولدت امرأته غلاما وكثر ماله ~~قال هذا دين حسن وقد أصبت به خيرا، واطمأن به، وإن كان الأمر بخلافه قال: ~~ما أصبت إلا شرا، فينقلب عن دينه # {ومن الناس من يعبد الله} أي: يعمل على سبيل الاستمرار والتجدد بما أمر ~~الله به من طاعته {على حرف} فهو مزلزل كزلزلة من يكون على حرف شفير أو جبل ~~أو غيره لا استقرار له، وكالذي على طرف من العسكر، فإن رأى غنيمة استمر، ~~وإن توهم خوفا طار وفر، وذلك معنى قوله تعالى: {فإن أصابه خير} أي: من ~~الدنيا {اطمأن به} أي: بسببه وثبت على ما هو عليه {وإن أصابته فتنة} أي: ~~محنة وسقم في نفسه وماله {انقلب على وجهه} أي: رجع إلى الكفر، وعن أبي سعيد ~~الخدري: «أن رجلا من اليهود أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالإسلام، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني، فقال: إن الإسلام لا يقال، فنزلت» ~~ولما كان انقلابه هذا مفسدة لدنياه ولآخرته قال تعالى: {خسر الدنيا} بفوات ~~ما أمله منها ويكون ذلك سبب التقتير عليه قال تعالى: {ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل، وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا # PageV02P540 # من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وروي إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيب} . # {والآخرة} بالكفر، ثم عظم مصيبته بقوله تعالى: {ذلك} أي: الأمر العظيم ~~{هو} أي: لا غيره. {الخسران المبين} أي: البين إذ لا خسران مثله ثم بين هذا ~~الخسران الذي رده إلى ما كان فيه قبل الإيمان الحرفي بقوله تعالى: # {يدعو} أي: يعبد حقيقة أو مجازا {من دون الله} أي: غير من الصنم {ما لا ~~يضره} إن لم يعبده {وما لا ينفعه} إن عبده {ذلك} أي: الدعاء {هو الضلال ~~البعيد} عن الحق والرشاد استعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ~~ضالا فطالت وبعدت مسافة ضلاله. # ولما كان الإحسان جالبا للإنسان لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها ~~بين أن ما قيل في جلب ms1991 النفع إنما هو على سبيل الفرض، فقال تعالى: {يدعو ~~لمن} أي: من {ضره} بكونه معبودا، لأنه يوجب القتل والخزي في الدنيا والعذاب ~~في الآخرة {أقر من نفعه} الذي يتوقع منه بعبادته، وهو الشفاعة والتوسل بها ~~إلى الله تعالى. # تنبيه: علم مما تقرر أن اللام في لمن مزيدة كما قال الجلال المحلي، {فإن ~~قيل} : الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين وهذا متناقض. # (أجيب) بأن المعنى إذا حصل ذهب هذا الوهم وذلك أن الله تعالى سفه الكافر ~~بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا فيه بجهله وضلاله أنه ينتفع به حين ~~يستشفع به ثم يوم القيامة يقوم هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره ~~بالأصنام ودخوله الرؤساء وهم الذين كانوا يفزعون إليهم بدليل قوله تعالى: ~~{لبئس المولى} أي: الناصر هو {ولبئس العشير} أي: الصاحب هو قال الرازي وهذا ~~الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان فبين تعالى أنهم ~~يعدلون عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء. # ولما بين سبحانه وتعالى حال الكفار عقبه بحال المؤمنين بقوله تعالى: {إن ~~الله} أي: الجامع لجميع صفات الكمال المنزه عن جميع شوائب النقص {يدخل ~~الذين آمنوا} بالله ورسله {وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} من الفروض ~~والنوافل الخالصة الشاهدة بثباتهم في الإيمان {جنات تجري من تحتها} أي: في ~~أي مكان من أرضها {الأنهار} . # ولما بين سبحانه وتعالى حال الفريقين قال تعالى {إن الله} أي: المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما {يفعل ما يريد} من إكرام من يطيعه وإهانة من بعصيه لا دافع ~~له ولا مانع وقوله تعالى: {من كان يظن أن لن بنصره الله في الدنيا والآخرة} ~~فيه اختصار والمعنى أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخر فمن كان يظن خلاف ~~ذلك ويتوقعه من غيظه فالضمير راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن قيل لم ~~يجرل ه ذكر في هذه الآية {أجيب} بأن فيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في ~~قوله تعالى: {إن الله يدخل الذين آمنوا} والإيمان ms1992 لا يتم إلا بالله ورسوله، ~~وقيل: الضمير راجع إلى من في أول الآية لأنه المذكور ومن حق الكناية أن ~~ترجع إلى المذكور إذا أمكن ذلك، وعلى هذا المراد بالنصر الرزق. قال أبو ~~عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله؟ أي: من يعطني ~~أعطاه الله فكأنه قال من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة ~~{فليمدد بسبب} أي: # PageV02P541 # بحبل {إلى السماء} أي: سقف بيته يشد بينه وبين عنقه {ثم ليقطع} أي: ~~ليختنق به بأن يقطع نفسه من الأرض كما في الصحاح. وقيل: فليمدد حبلا إلى ~~سماء الذنيا ثم ليصعد عليه فيجتهد في دفع نصر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الأول، أو يحصل رزقه على الثاني، وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام ~~والباقون بسكونها {فلينظر} ببصره وبصيرته {هل يذهبن} وإن اجتهد {كيده} في ~~عدم نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته أو أن ذلك لا يغلب القسمة ~~فإن الأرزاق بيد الله لا تنال إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى وهذا كما يقال ~~لمن أدبر عنه أمر فجزع: اضرب برأسك الجدار إن لم ترض هذا، مت غيظا ونحو ~~ذلك، والحاصل: إن لم يصبر طوعا صبر كرها واختلف في سبب نزول هذه الآية على ~~القولالأول فذكروا فيها وجوها. # أحدها: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم على الكفار يستبطؤن ما وعد الله ~~رسوله من النصر فنزلت. # ثانيها: قال مقاتل: نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ~~ينصر محمدا فينقطع الذي بيننا وبين حلفائهنا من اليهود فلا يميروننا. # ثالثها: أن حساده وأعداءه كثيرة وكانوا يتوقعون أن لا ينصره وأن لا يعينه ~~على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك {وكذلك} أي: ومثل ما أنزلنا ~~هذه الآيات لبيان حكمها وإظهار أسرارها {أنزلناه} أي: القرآن الباقي وقوله ~~تعالى: {آيات بينات} أي: معجزا نظمها كما كان معجزا حكمها حال وقوله تعالى: ~~{وأن الله} أي: الموصوف بالإكرام كما هو موصوف على محل أنزلناه. # ولما قال ms1993 تعالى: {وأن الله يهدي من يريد} أنبعه ببيان من يهديه ومن لا ~~يهديه، وبدأ بالقسم الأول بقوله: {إن الذين آمنوا} بالله ورسوله وعبر ~~بالفعل ليشمل الإقرار باللسان الذي هو أدنى وجوه الإيمان ثم شرع في القسم ~~الثاني بقوله تعالى: {والذين هادوا} أي: انتحلوا دين اليهودية {والصابئين} ~~وهم فرقة من النصارى سميت بذلك قيل: لنسبتها إلى صابي عم نوح عليه السلام، ~~وقيل: لخروجهم عن دين إلى دين لآخر، وإطلاق الصابئة على هذا هو المشهور ~~وتارة يوافقونهم في أصول دينهم فتحل مناكحتهم وتارة يخالفونهم فلا تحل ~~مناكحتهم وتطلق أيضا على قوم أقدم من النصارى يعبدون الكواكب السبعة ~~ويضيفون الآثار إليها وينفون الصانع المختار فهؤلاء لا تحل مناكحتهم وقد ~~أفتى الإصطخري والمحاملي بقتلهم لما استفتى القاهر الفقهاء فيهم فبذلوا له ~~أموالا كثيرة فتركهم والبلاء قديم وقرأ نافع بالياء التحتية بعد الباء ~~والباقون بهمزة مكسورة بعد الباء الموحدة {والنصارى} أي: الذين انتحلوا دين ~~النصرانية {والمجوس} قال قتادة: هم عبدة الشمس والقمر والنيران قال: ~~{والذين اشركوا} هم عبدة الأوثان قال مقاتل: الأديان كلها ستة واحد للرحمن ~~وهو الإسلام، وخمسة للشيطان وقيل: خمسة، أربعة للشيطان، وواحد للرحمن بجعل ~~الصابئين مع النصارى لأنهم فرع منهم كما مر على المشهور وقد تقدم الكلام ~~على هذه الآية في سورة البقرة {إن الله} الذي هو أحكم الحاكمين {يفصل بينهم ~~يوم القيامة} بإدخال المؤمنين الجنة وغيرهم النار وأدخلت إن # PageV02P542 # على كل واحد من جزأى الجملة لزيادة التأكيد ونحوه قول جرير: # u # *إن الخليفة إن الله سربله # ... سربال ملك به ترجى الخواتيم # ثم ذلك بقوله تعالى: {إن الله} أي: الجامع لجميع صفات الكمال {على كل ~~شيء} من الأشياء كلها {شهيد} أي: عالم به علم مشاهدة {ألم تر} أي تعلم {أن ~~الله يسجد له} أي: يخضع منقادا لأمره سبحانه مسخرا لما يريد منه تسخير من ~~هو في غاية الإجتهاد في العبادة والإخلاص فيها {من في السموات ومن في ~~الأرض} إن خصصت بذلك العاقل أفهم خضوع غيره من باب أولى وإن أدخلت غير ~~العاقل ms1994 فبالتغليب ثم أتبعه بأشرف ما ذكر مما لا يعقل لأن كلا منهما عبد من ~~دون الله أو عبد شيء منه فقال تعالى: {والشمس والقمر والنجوم} من الأجرام ~~العلوية فعبد الشمس حمير، والقمر كنانة، والدبران تميم، والشعري لخم، ~~والثريا طيىء، وعطارد أسد، قاله أبو حيان، روى عن عمرو بن دينار قال: سمعت ~~رجلا يطوف بالبيت ويبكي فإذا هو طاووس فقال أعجبت من بكائي؟ قلت: نعم. قال: ~~ورب الكعبة إن هذا القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له. # ثم أتبع ذلك أعلى الذوات السفلية فقال {والجبال} أي: التي قد نختت منها ~~الأصنام {والشجر} أي: التي عبد بعضها {والدواب} أي: التي عبد منها البقر، ~~كل هذه الأشياء تنقاد لأمر الله ولا تأبى عن تدبيره {وكثير من الناس} وهم ~~المؤمنون بزيادة الخضوع سجد سجودا هو منه عبادة مشروعة فحق له الثواب ~~{وكثير} أي: من الناس {حق عليه العذاب} وهم الكافرون؛ لأنهم أبو، السجود ~~المتوقف على الإيمان {ومن يهن الله} أي: يشقه {فما له من مكرم} أي: مسعد، ~~لأنه لا قدرة لغيره أصلا {إن الله} أي: الملك الأعظم {يفعل ما يشاء} من ~~الإكرام والإهانة، لا مانع له من ذلك، نقل عن علي رضي الله تعالى عنه أنه ~~قيل له: إن رجلا يتكلم في المشيئة فقال له علي يا عبد الله خلقك الله لما ~~يشاء أو لما شئت؟ قال بل لما يشاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: ~~بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو ءذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك ~~حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت ~~الذي فيه عيناك بالسيف. # ولما بين تعالى أن الله قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ~~ذكر كيفية اختصامهم بقوله تعالى: # {هذان خصمان} أي: المؤمنون خصم والكفار الخمسة خصم وهو يطلق على الواحد ~~والجماعة وقرأ ابن كثير بتشديد النون والباقون بالتخفيف {اختصموا} أي: ~~أوقعوا الخصومة بغاية الجهد {في ربهم} أي: ms1995 دينه، وروى عن قيس بن عباد قال: ~~سمعت أبا ذر يقسم قسما إن هذه الآية {هذان خصمان اختصموا في ربهم} نزلت في ~~الذين برزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيد بن الحارث وعتبة وشيبة بن ربيعة ~~والوليد بن عتبة أخرجاه في الصحيحن وعن ابن عباس قال لما بارز علي وحمزة ~~وعبيدة عتبة وشيبة والوليد قالوا لهم: تكلموا نعرفكم. قال أنا علي وهذا ~~حمزة وهذا عببيدة فقالوا: أكفاء كرام فقال علي أدعوكم إلى الله وءلى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم فقال عتبة هلم للمبارزة فبارز علي شيبة فلم يلبث أن ~~قتله بارز حمزة عتبة فقتله وبارز عبيدة الوليد فصعق عليه فأتى علي فقتله ~~فنزلت وعن قتادة نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب # PageV02P543 # نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم قال المسلمون ~~كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء فنحن ~~أولى بالله منكم، وعن ابن عباس أنها نزلت كذلك لكن قال أهل الكتاب: نحن ~~أولى بالله وأقدم بين يديكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم وقال المسلمون: نحن ~~أحق بالله منكم آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وآمنا بنبيكم وبما ~~أنزل الله من كتاب وأنكم تعرفون نبينا وكتابنا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا، ~~فهذه خصومتهم في ربهم، وقيل: المؤمنون والكافرون من أي ملة كانوا فالمؤمنون ~~خصم والكفار خصم، وقيل: الخصمان الجنة والنار لما روي عن أبي هريرة أنه قال ~~«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت ~~بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس ~~وسقطهم فقال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال ~~للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من # عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها» وعن عكرمة فقالت النار خلقني الله لعقوبته ~~وقال الجنة خلقني الله لرحمته وهذا القول بعيد عن لاسياق لأن الله تعالى ~~ذكر جزاء الخصمين بقوله تعالى: {فالذين كفروا} وهو الفصل بينهم المعني ms1996 ~~بقوله تعالى: {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} {قطعت} أي: قدرت {لهم} على ~~تقادير جثثهم {ثبات من نار} أي: نيران تحيط بهم إحاطة الثياب سابغة عليهم ~~كما كانوا يسبلون الثياب في الدنيا تفاخرا وتكبرا وعن إبراهيم التيمي أنه ~~قال: سبحان من قطع من النار ثيابا. وعن سعيد بن جبير قال: قطعت من نحاس ~~وليس من الآنية شيء إذا حمى أشد حرارة منه. وقال في قوله: {يصب} أي: ~~ادخلوها {من فوق رؤوسهم الحميم} قال ابن النحاس يذاب على رؤوسهم ولكن ~~المشهور أنه الماء الحار وعن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا ~~لأذابتها، والجملة حال من الضمير في لهم، أو خبر ثان وقرأ أبو عمرو في ~~الوصل بكسر الهاء والميم وقرأ حمزة والكسائي بضم الهاء والميم والباقون ~~بكسر الهاء وضم الميم هذا في الوصل، فإن وقف على رؤوسهم فالجميع بكسر الهاء ~~وسكون الميم وحمزة على أصله في الوقف على رؤوسهم بتسهيل الهمزة {يصهر} أي: ~~يذاب {به} من شدة حرارته {ما في بطونهم} من شحم وغيره {والجلود} فيكون أثره ~~في الباطن والظاهر سواء وقال ابن عباس يسقون ماء إذا دخل بطونهم أذابها ~~والجلود مع البطون {ولهم مقامع} جمع مقمعة بكسر ثم فتح وهو عمود حديد وقيل: ~~سوط يضرب به الوجه والرأس ليرد المضروب عن مراده ردا عنيفا ثم نفي المجاز ~~بقوله تعالى: {من حديد} أي: يقمعون بها روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان ~~ما أقلوه من الأرض ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان {كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها} أي: من تلك الثياب أو من النار {من غم} أي: كلما ~~حاولوا الخروج من النار # لما يلحقهم # من الغم والكرب الذي يأخذ بأنفسهم {أعيدوا فيها} أي: ردوا إليها ~~بالمقامع، وعن الحسن أنهم يضربون بلهب النار فترفعهم حتى إذا كانوا في ~~أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفا، وعن الفضيل بن عياض ms1997 قال: ~~والله ما طمعوا في الخروج لأن الأرجل مقيدة والأيدي # PageV02P544 # موثقة ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها وعن الحسن قال كان عمر يقول ~~أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد، وقعرها بعيد، وإن مقامعها من حديد {و} قيل ~~لهم {ذوقوا عذاب الحريق} أي: البالغ نهاية الإحراق. # ولما ذكر تعالى مالا حد الخصمين وهم الكافرون أتبعه ما للآخر وهم ~~المؤمنون، وغير الأسلوب فيه حيث لم يقل والذين آمنوا عطفا على الذين كفروا ~~وأسند الإدخال فيه إلى الله تعالى وأكده بأن احمادا لحال المؤمنين وتعظيما ~~لشأنهم فقال {إن الله} أي الذي له الأمر كله {يدخل الذين آمنوا} بالله ~~ورسوله {وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} من الفروض والنوافل الخالصة ~~الشاهدة بثباتهم في الإيمان {جنات تجري} أي: دائما {من تحتها الأنهار} أي: ~~المياه الواسعة أينما أردت من أرضها جري لك نهر في مقابلة ما يجري من فوق ~~رؤوس أهل النار، عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال إن في الجنة ~~بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعده» أخرجه ~~الترمذي وقال: حديث صحيح {يحلون فيها} من حليت المرأة إذا لبست الحلي في ~~مقابلة ما يزال من بواطن الكفرة وظواهرهم وقوله تعالى {من أساور} صفة مفعول ~~محذوف أي: حليا من أساور ومن زائدة أو تبعيضية وأساور جمع أسورة وهي جمع ~~سوار. # ولما كان المقصود الحث على التقوى المعلية إلى الإنعام بالفضل شوق إليه ~~بأعلى ما يعرف من الحلية فقال {من ذهب} وقوله تعالى: {ولؤلؤ} معطوف على ~~أساور لا على ذهب لأنه لم يعهد السوار منه إلا أن يراد المرصعة وعن أبي ~~موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جنتان من فضة آنيتهما ~~وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا ~~إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» وعن أبي سعيد قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن عليهم التيجان أدنى لؤلؤة منها لتضىء ما ~~بين المشرق والمغرب» أخرجه ms1998 الترمذي وقال: حديث غريب وقرأ نافع وعاصم بنصب ~~الهمزة الثانية مع التنوين عطفا على محل أساور أو إضمار الناصب مثل ويؤتون ~~والباقون بالخفض مع التنوين وأبدل الهمزة الأولى الساكنة حرف مد السوسي ~~وأبو بكر هذا حالة الوصل، وأما الوقف فحمزة يبدل الأولى واوا وكذا الثانية ~~تبدل واوا له أيضا فيها الروم وقوله تعالى: {ولباسهم فيها حرير} وهو ~~الإبريسم المحرم لبسه على الرجال المكلفين في الدنيا في مقابلة ثياب الكفار ~~كما كان لبسا الكفار في الدنيا حريرا ولباس المؤمنين دون ذلك، وقد ورد في ~~الصحيحين عن عبد الله ابن الزبير عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في ~~الآخرة» # قال ابن كثير قال عبد الله بن الزبير ومن لم يلبس الحرير في الآخرة لم ~~يدخل الجنة قال الله تعالى: {ولباسهم فيها حرير} انتهى وفي الصحيحين أيضا ~~عن عمر رضي الله عنه أن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما يلبس هذه ~~من لا خلاق له في الآخرة» قال البقاعي: فيوشك المتشبه بالكفار في لباسهم أن ~~يلحقه الله بهم فلا يموت ملسما اه والأولى أن يحمل ذلك على أنه لا يلبسه مع ~~السابقين فإن من مات على الإسلام لا بد من دخوله الجنة أو على من استحله من ~~الرجال المكلفين {وهدوا} أي: في الدنيا {إلى الطيب من القول} قال ابن عباس: # PageV02P545 # هو شهادة أن لا إله إلا الله وقيل هو لا إله إلا الله والله أكبر والحمد ~~لله وسبحان الله، وقال السدي: هو القرآن. وقال عطاء: هو قول أهل الجنة ~~الحمد لله الذي صدقنا وعده {وهدوا إلى صراط الحميد} أي طريق الله المحمود ~~ودينه فكان فعلهم حسنا كما كان قولهم حسنا فدخلوا الجنة التي هي أشرف دار ~~عند خير جار، وحلوا فيها أشرف الحلي كما تحلوا في الدنيا بأشرف الطرائق عكس ~~الكفار فإنهم آثروا الفاني لحضوره وأعرضوا عن الباقي مع شرفه لغياته فدخلوا ~~نارا كلما أرادوا ms1999 أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ثم ذكر تعالى بعد ما فصل بين ~~الفريقين حرمة البيت وعظم جرممن صد عنه فقال تعالى: {إن الذين كفروا} أي: ~~أوقعوا هذا الفعل الخبيث وصح عطف {ويصدون} وإن كان مضارعا على الماضي لأن ~~المضارع قد لا يلاحظ منه زمان معين م حال أو استقبال بل يكون المقصود منه ~~الدلالة على مجرد الاستمرار كما يقال: فلا يحسن إلى الفقراء لا يراد حال ~~ولا استقبال وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه فالصدود منهم مستمر دائم ~~للناس {عن سبيل الله} أي: عن طاعته باقتسامهم طرق مكة يقول بعضهم لمن يمر ~~به خرج فينا ساحر وآخر يقول شاعر وآخر يقول كاهن فلا تسمعوا منه فإنه يريد ~~أن يردكم عن دينكم حتى قال من أسلم لم يزالوا بي حتى جعلت في أذني الكرسف ~~مخافة أن أسمع # شيئا من كلامهم وكانوا يؤذون من أسلم إلى غير ذلك من أعمالهم {و} يصدون ~~عن {المسجد الحرام} أن تقام شعائره من الطواف بالبيت، والصلاة، والحج، ~~والاعتمار ممن هو أهل ذلك من أوليائنا، ثم وصفه بما يبين شديد ظلمهم في ~~الصد عنه بقوله تعالى: {الذين جعلناه} بما لنا من العظمة {للناس} أي: كلهم ~~ثم بين جعله لهم بقوله تعالى: {سواء العاكف} أي: المقيم {فيه والباد} أي: ~~الطارىء من البادية وهو الجائي إليه من غربة، وقال بعضهم: يدخل في العاكف ~~الغريب إذا جاءه للتعبد وإن لم يكن من أهله قال الزمخشري: وقد استشهد بهذا ~~أصحاب أبي حنيفة قائلين إن المراد بالمسجد الحرام مكة على امتناع جواز بيع ~~دور مكة وإجارتها انتهى. وأيضا هو مذهب ابن عمر وعمر ابن عبد العزيز وإسحاق ~~الحنطي المعروف بابن راهويه قال البيضاوي وهو مع ضعفه معارض بقوله تعالى: ~~{الذين أخرجوا من ديارهم} الآية. وشرى عمر دارا ليسجن فيها من غير نكير ~~انتهى ووجه الرازي الضعيف بقوله: لأن العاكف قد يراد به الملازم للمسجد ~~المعتكف فيه على الدوام أو في الأكثر فلا يلزم ما ذكر ويحتمل أن يراد ~~بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن ms2000 في كل وقت من الأوقات من التعبد فيه فلا ~~وجه لصرف الكلام عن ظاهره مع هذه الاحتمالات انتهى واستدل أيضا للجواز ~~بقوله صلى الله عليه وسلم لما قال له أسامة بن زيد «يا رسول الله أتنزل غدا ~~بدارك بمكة فقال وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور» وكان عقيل ورث أبا طالب ~~دون علي وجعفر لأنهما كانا مسلمين ولا يورث إلا ما كان الميت مالكا له قال ~~الروياني: ويكره بيعها وإجارتها للخروج من الخلاف ونازعه النووي في مجموعه ~~وقال: إنه خلاف الأولى لأنه لم يرد فيه نهي مقصود والأول كما قال الزركشي ~~هو المنصوص بل اعترض على النووي فإنه صرح بكراه بيع المصحف والشطرنج ولم ~~يرد في ذلك نهي مقصود. # تنبيه: محل الخلاف بين العلة # PageV02P546 # في بيع نفس الأرض أما البناء فهو مملوك يجوز بيعه بلا خلاف أي: إذا لم ~~يكن من أجزاء أرضها قيل: إن إسحاق الحنطي ناظر الشافعي رضي الله تعالى عنه ~~بمكة في بيع دور مكة فاستدل الشافعي بما مر واستدل هو على المنع بقوله ~~حدثني بعض التابعين بأنها لا تباع فقال له الشافعي: لو قام غيرك مقامك ~~لأمرت بفرك أذنيه، أقول لك: قال الله ورسوله تقول: حدثني بعض التابعين وقال ~~الرازي فقال إسحاق: فلما علمت أن الحجة لزمتني تركت قولي. وقرأ حفص سواء ~~بالنصب على أنه ثاني مفعولي جعلناه أي: جعلناه مستويا العاكف فيه والباد، ~~والباقون بالرفع على أن الجملة مفعول ثان لجعلناه، ويكون للناس حالا من ~~الهاء ويصح أن يكون حالا من المستكن في للناس بجعله مفعولا ثانيا لجعلنا ~~وقرأ ورش وأبو عمرو البادي بإثبات الياء بعد الدال وصلا لا وقفا وأثبتها ~~ابن كثير وقفا ووصلا وحذفها الباقون وقفا ووصلا {ومن يرد فيه} أي: المسجد ~~الحرام {بإلحاد بظلم} أي: بميل إلى الظلم والإلحاد العدول عن القصد وأصله ~~إلحادا لحافر وقيل: الإلحاد فيه هو الشرك وعبادة غير الله، وقيل: هو كل شيء ~~منهي عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم، وقيل: هو دخول الحرم ms2001 بغير إحرام أو ~~ارتكاب شيء من محظورات الإحرام من قتل صيد أو قطع شجر، وقال ابن عباس: هو ~~أن تقتل فيه من لا يقتلك، أو تظلم فيه من لا يظلمك. وقال مجاهد: هو تضاعف ~~السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. وقال سعيد بن جبير: احتكار الطعام بمكة ~~بدليل ما روى يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~احتكار الطعام في الحرم إلحاد وعن عطاء قول الرجل في المبايعة لا والله بلى ~~والله وعن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في ~~الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له فقال كنا نحدث أن ~~من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: لا والله وبلى والله. # تنبيه: قوله: بإلحاد بظلم حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل ~~متناول كأنه قال: ومن يرد فيه مرادا أما عادلا عن القصد ظالما {نذقه من ~~عذاب أليم} أي: مؤلم أي: بعضه وخبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره ~~إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، ~~فكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك فينبغي لمن كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك ~~طريق السداد والعدل في جميع ما يهم به ويقصده. # ولما ذكر تعالى الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت أتبعه التذكير به ~~فقال تعالى: # {وإذ} أي: واذكر إذ {بوأنا لإبراهيم مكان البيت} أي: جعلنا له مكان البيت ~~مبوأ أي: مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة، فإن البيت رفع إلى السماء أيام ~~الطوفان وكان من ياقوتة حمراء فأعلم الله إبراهيم عليه السلام مكانه بريح ~~أرسلها يقال لها: الخجوج كشفت ما حوله فبناه على أسه القديم، وقيل: بعث ~~الله تعالى له سحابة بقدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم يا ~~إبراهيم ابن علي دوري فبني عليه، وعن عطاء بن أبي رباح قال: لما أهبط الله ~~آدم عليه السلام كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع تسبيح أهل السماء ~~ودعاءهم وأنس ms2002 إليهم فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله تعالى في دعائها، ~~وقيل في صلاتها فأخفضه الله تعالى إلى الأرض، فلما فقدما كان يسمع منهم ~~استوحش وقيل: أول من بني البيت إبراهيم لما روى وورد # PageV02P547 # في الصحيحين عن بي ذر قال: «قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أولا؟ قال ~~المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس قلت كم بينهما قال أربعون سنة» ~~ثم فسر التبوئة بقوله تعالى: {أن لا تشرك بي شيئا} فابتدأ بأس العبادة ~~ورأسها وعطف على النهي قوله تعالى: {وطهر بيتي} أي: عن كل ما لا يليق به من ~~الأوثان والأقذار وطواف عريان به كما كان العرب تفعل {للطائفين} أي: الذين ~~يطوفون بالبيت فإن قيل كيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسير ~~للتبوئة؟ (أجيب) بأن التبوئة لما كانت مقصودة من أجل العبادة فكأنه قيل ~~تعبدنا إبراهيم قلنا له لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفتين، وقال ابن ~~عباس للطائفين بالبيت من غير أهله {والقائمين} أي: المقيمين {والركوع ~~السجود} أي: المصلين من الكل وقال غيره القائمين هم المصلون لأن المصلي لا ~~بد أن يكون في صلاته جامعا بين القيام والركوع والسجود، قال البيضاوي: ~~ولعله عبر عن الصلاة بأركانها للدلالة على أن كل واحد منها مستقل باقتضاء ~~ذلك كيف وقد اجتمعت {وأذن في الناس} أي: أعلمهم وناد # فيهم {بالحج} وهو قصد البيت على سبيل التكرار للعبادة المخصوصة بالمشاعر ~~المنصوصة، وفي المأمور بذلك قولان أحدهما وعليه أكثر المفسرين أنه إبراهيم ~~عليه السلام، قالوا: لما فرغ من بناء البيت قال الله تعالى له أذن في الناس ~~بالحج. قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: عليك الأذان وعلي البلاغ فصعد ~~إبراهيم الصفا وفي رواية أخرى أبا قبيس وفي أخرى على المقام قال إبراهيم: ~~كيف أقول قال جبريل قل لبيك اللهم لبيك فهو أول من لبى وفي رواية أخرى صعد ~~على الصفا فقال: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم حج هذا البيت العتيق، ~~فسمعه ما بين السماء والأرض فما بقي ms2003 شيء سمع صوته إلا أقبل يلبي يقول لبيك ~~اللهم لبيك، وفي رواية أخرى: إن الله يدعوكم إلى حج بيته الحرام ليثيبكم به ~~الجنة ويجيركم من الناس فأجابه يومئذ من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء ~~وكل من وصل إليه صوته من حجر، أو شجر، أو آنية، أو تراب قال مجاهد فما حج ~~إنسان ولا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا وقد أسمعه ذلك النداء فمن أجاب مرة ~~حج مرة، ومن أجاب مرتين أو أكثر فيحج مرتين أو أكثر بذلك المقدار، وفي ~~رواية فنادى على جبل أبي قبيس يا أيها الناس إن ربكم بنى بيتا وأوجب الحج ~~عليكم إليه فأجيبوا ربكم والتفت بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا فأجابه كل ~~من كتب له أن يحج من أصلاب الرجل وأرحام الأمهات لبيك اللهم لبيك، وعن ابن ~~عباس قال لما أمر الله إبراهيم بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له ~~القرى، القول الثاني أن المأمور بذلك هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو ~~قول الحسن واختاره أكثر المعتزلة واحتجوا عليه بأن ما جاء في القرآن وأمكن ~~حمله على أن محمد صلى الله عليه وسلم هو المخاطب به فهو أولى لأن قوله ~~تعالى: {وإذ بوأنا} تقديره واذكر يا محمد إذ بوأنا فهو في حكم المذكور، ~~فإذا قال تعالى: وأذن فإليه يرجع الخطاب أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، # روي عن أبي # هريرة قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس قد ~~فرض عليكم الحج فحجوا» وجواب الأمر {يأتوك} أي يأتوا بيتك الذي بنيته لذلك ~~مجيبين لصوتك بإذننا سامعين طائعين مجنبين خاشعين من أقطار الأرض كما # PageV02P548 # يجيبون صوت الداعي من قبلنا إذا دعاهم بعد الموت بمثل ذلك {رجالا} أي: ~~مشاة على أرجلهم جمع راجل كقائم وقيام {و} ركبانا {على كل ضامر} أي: بعير ~~مهزول وهو يطلق على الذكر والأنثى. # تنبيه على كل ضامر حال معطوف على حال كأنه قال رجلا وركبانا وقوله تعالى: ~~{يأتين} صفة لكل ضامر لأنه في معنى ms2004 الجمع {من كل فج} أي: طريق واسع بين ~~جبلين {عميق} أي بعيد روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي ~~سبعمائة من حسنات الحرم قيل يا رسول الله وما حسنات الحرم قال كل حسنة ~~بمائة ألف حسنة» وفي هذا دلالة على أن المشي أفضل من الركوب وفي ذلك خلاف ~~بين الأئمة محله كتب الفقه. # ولما كان الإنسان ميالا إلى الفوائد متشوفا إلى جميل العوائد علل الإتيان ~~بما يرغبه مبيحا من فضله ما يقصده من أمر المعاش بقوله تعالى: {ليشهدوا} ~~أي: ليحضروا حضورا تاما {منافع لهم} واختلف في تلك المنافع فبعضهم حملها ~~على منافع الدنيا وهي أن يتجروا في أيام الحج وبعضهم حملها على منافع ~~الآخرة وهي العفو والمغفرة وبعضهم حملها على الأمرين جميعا وهو كما قال ~~الرازي أولى فيأتون لتلك المنافع يتنقلون من مشعر من مشاعر الحج إلى مشعر، ~~ومن مشهد إلى مشهد، مجموعين بالدعوة، خاشعين بالهيبة، خائفين من السطوة، ~~راجين للمغفرة، ثم يتفرقون إلى منازلهم ومواطنهم ويتوجهون إلى مساكنهم ~~كالسائرين إلى مواقف الحشر يوم البعث والنشر، المتفرقين إلى داري النعيم ~~والجحيم، فيا أيها المصدقون بأن خليلنا إبراهيم عليه السلام نادى بالحج ~~فأجابه بقدرتنا كرامة له من أراد الله تعالى حجه على بعد أقطارهم وتناي ~~دارهم ممن كان موجودا في ذلك الزمان وممن كان في ظهور الآباء والأمهات ~~الأقربين والأبعدين صدقوا أن الداعي من قبلنا بالنفح في الصور يجيبه كل من ~~كان على ظهرها ممن حفظنا له جسده أو سلطنا عليه الأرض فمزقناه حتى صار ~~ترابا وما بين ذلك لأن الكل علينا يسير، قال الزمخشري: وعن أبي حنيفة رحمه ~~الله أنه كان يفاضل بين العبادات كلها قبل أن يحج فلما حج فضل الحج على ~~العبادات كلها لما شاهد من تلك الخصائص. # ولما كانت المنافع لا تطيب ولا تثمر إلا بالتقوى وكان الحامل على التقوى ~~ذكر الله تعالى قال تعالى: {ويذكروا اسم الله} أي: الجامع لجميع ms2005 الكمالات ~~بالتكبير وغيره عند الذبح وغيره وقيل كنى بالذكر عن الذبح لأن ذبح المسلمين ~~لا ينفك عنه تنبيها على أن المقصود مما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر ~~اسمه. # واختلف في الأيام المعلومات في قوله تعالى {في أيام معلومات} فالذي عليه ~~أكثر المفسرين وهو اختيار الشافعي وأبي حنيفة أنه عشر ذي الحجة واحتجوا ~~بأنها معلومة عند الناس بحرصهم على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها ثم ~~للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة، والمشعر الحرام، ولتلك الذبائح ~~وقت منها وهو يوم النحر وعن ابن عباس أنها أيام التشريق وقيل يوم عرفة إلى ~~آخر أيام التشريق وقيل يوم النحر إلى آخر أيام التشريق واستدل لهذا بقوله ~~تعالى {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} وهي الإبل والبقر والغنم من الهدايا ~~والضحايا أي: يذكروا اسم الله تعالى عند نحرها ونحر الضحيا والهدايا يكون ~~في هذه الأيام وتقدم الكلام على الأيام المعدودات في سورة البقرة عند قوله ~~تعالى: {واذكروا الله # PageV02P549 # في أيام معدودات} (البقرة: 203) وقوله تعالى {فكلوا منها} أي: لحومها أمر ~~إباحة، وذلك أن الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا فأمر الله ~~تعالى بمخالفتهم، واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعا يجوز للمهتدي ~~أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطوع لما روى عن جابر بن عبد الله في قصة حجة ~~الوداع «فأتى علي ببدن من اليمن وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ~~بدنة فنحر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة ونحر علي ما ~~غبر أي ما بقي وأشركه في بدنه ثم أمر من كل بدنة ببضعة أي بقطعة فجعلت في ~~قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها» أخرجه مسلم واختلفوا في الهدي ~~الواجب بالشرع مثل دم التمتع والقرآن والدم الواجب بإفساد الحج وفوته وجزاء ~~الصيد هل يجوز للمهدي أن يأكل شيئا منه؟ قال الشافعي رضي الله عنه لا يأكل ~~منه شيئا وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر وقال ابن عمر رضي الله ms2006 عنهما لا ~~يأكل من جزاء الصيد والنذر ويأكل مما سوى ذلك وبه قال أحمد وإسحاق وقال ~~مالك يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء # الصيد والنذر، وعن أصحاب أبي حنيفة أنه يأكل من كل من دم التمتع والقرآن ~~ولا يأكل من واجب سواهما وقوله تعالى: {وأطعموا البائس} أي: الذي أصابه بؤس ~~أي: شدة {الفقير} أي: المحتاج أمر إيجاب وقد قيل به في الأول {ثم ليقضوا ~~تفثهم} أي: يزيلوا أوساخهم وشعثهم كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط ~~والاستحداد عند الإحلال {وليوفوا نذورهم} من الهدايا والضحايا {وليطوفوا} ~~طواف الإفاضة الذي به تمام التحلل {بالبيت العتيق} أي القديم لأنه أول بيت ~~وضع للناس وقال ابن عباس سمي عتيقا لأن الله تعالى أعتقه من تسلط الجبابرة ~~فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى منه فإن قيل: قد تسلط عليه ~~الحجاج فلم يمنع أجيب بأنه ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصن به ابن ~~الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه ولما قصد التسلط عليه أبرهة فعل به ما فعل، ~~وقيل لأن الله تعالى أعتقه من الغرق فإنه رفع في أيام الطوفان، وقال مجاهد ~~لأنه لم يملك قط وقيل بيت كريم أي: العتيق بمعنى الكريم، من قولهم عتاق ~~الخيل والطير، والطواف ينقسم إلى ثلاثة هذا ويدخل وقته بعد الوقوف وهذا لا ~~يجبر تركه بدم لأنه ركن الثاني: طواف الوداع ووقته عند إرادة السفر من مكة ~~وهو واجب يجبر تركه بدم، الثالث: طواف القدوم وهو مستحب للحاج والحلال إذا ~~قدم مكة روت عائشة رضي الله تعالى عنها «أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة ثم حج» أبو بكر وعمر ~~مثله وقرأ ابن ذكران وليوفوا وليطوفوا بكسر اللام فيهما والباقون بإسكانها ~~وفتح أبو بكر الواو ومن وليوفوا وشدد الفاء وقوله تعالى: {ذلك} خبر مبتدأ ~~مقدر أي: الأمر أو الشأن ذلك المذكور كما تقدم الكاتب جملة من كتابه في ms2007 بعض ~~المعاني ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا فقد كان كذا {ومن يعظم} أي ~~بغاية جهده {حرمات الله} ذي الجلال والإكرام كلها وهي ما لا يحل انتهاكه من ~~مناسك الحج # وغيرها وقيل: # الحرمات هنا مناسك الحج وتعظيمها إقامتها وإتمامها، وعن زيد بن أسلم ~~الحرمات خمس الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، ~~والمحرم حتى يحل {فهو} أي: # PageV02P550 # التعظيم الحامل له على امتثال الأمر فيها على وجه واجتناب المنهي عنه ~~كالذبح بذكر اسم غير الله والطواف عريانا {خير} كائن {له عند ربه} أي: الذي ~~أسدى إليه كل ما هو فيه من النعم في الآخرة ومن انتهكها فهو شر عليه عند ~~ربه ثم إنه تعالى بين أحكام الحج بقوله تعالى: {وأحلت لكم الأنعام} أي: ~~أكلها بعد الذبح وهي الإبل والبقر والغنم {إلا ما يتلى} أي: على سبيل ~~التحذير مستمرا {عليكم} تحريمه في قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} ~~(المائدة: 3) الآية فالاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا والتحريم لما عرض ~~من الموت ونحوه فحافظوا على حدوده وإياكم أن تحرموا مما أحل شيئاكتحريم ~~عبدة الأوثان البحيرة والسائبة وغير ذلك وأن تحلوا مما حرم الله شيئا ~~كإحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك. # ولما فهم من ذلك حل السوائب وما معها وتحريم المذبوح للأنصاب وكان سبب ~~ذلك كله الأوثان تسبب عنه قوله تعالى {فاجتنبوا} أي: بغاية الجهد اقتداء ~~بأبيكم إبراهيم عليه السلام الذي تقدم الإيصاء له بمثل ذلك عند جعل البيت ~~له مباءة {الرجس} أي: القذر الذي من حقه أن يجتنب من غير أمر ثم بينه وميزه ~~بقوله تعالى: {من الأوثان} أي: الذي هو الأوثان كما تجتنب الأنجاس فهو بيان ~~للرجس وتمييز له، كقولك عندي عشرون من الدراهم وسمى الأوثان رجسا وكذا ~~الخمر والميسر والأزلام على طريق التشبيه يعني أنكم كما تنفرون بطباعكم من ~~الرجس وتجتنبونه فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك النفرة، ونبه على ~~هذا المعنى بقوله تعالى {رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} (المائدة: 90) جعل ~~العلة في اجتنابه أنه رجس ms2008 والرجس مجتنب وقوله تعالى {واجتنبوا قول الزور} ~~تعميم بعد تخصيص فإن عبادة الأوثان رأس الزور لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق ~~له العبادة كأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا ~~قول الزور كله لا تقربوا منه شيئا لتماديه في القبح والسماجة وما ظنك بشيء ~~من قبيله عبادة الأوثان، والزور من الزور والإزورار وهو الانحراف كما أن ~~الإفك من أفكه إذا صرفه فإن الكذب منحرف مصروف عن الواقع وقيل: قول الزور ~~قولهم: هذا حلال وهذا حرام. وما أشبه ذلك من افترائهم وقيل: هو قول ~~المشركين في تلبيتهم لبيك لا شريك له إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. وقيل: ~~هو شهادة الزور لما روى أبو داود والترمذي «أنه صلى الله عليه وسلم صلى ~~الصبح فلما سلم قام قائما مستقبل الناس بوجهه الكريم وقال عدلت شهادة الزور ~~الإشراك بالله قالها ثلاثا وتلا هذه الآية» وقوله تعالى {حنفاء} أي: مسلمين ~~عادلين عن كل دين سوى دينه {غير مشركين به} تأكيد لما قبله وهما حالان من ~~الواو {ومن يشرك} أي: يوقع شيئا من الشرك {با} الذي له العظمة كلها بشيء من ~~الأشياء في وقت من # الأوقات {فكأنما خر} أي: سقط {من السماء} لعلو ما كان فيه من أوج التوحيد ~~وسفول ما انحط إليه من حضيض الإشراك {فتخطفه الطير} أي: تأخذه بسرعة وهو ~~نازل في الهواء قبل أن يصل إلى الأرض {أو تهوي به الريح} أي: حيث لم يجد في ~~الهواء ما يهلكه {في مكان} من الأرض {سحيق} بعيد فهو لا يرجى خلاصه. # تنبيه قال الزمخشري يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق فإن ~~كان تشبيها مركبا فكأنه قال من # PageV02P551 # أشرك بالله تعالى فقد أهلك نفسه هلاكا ليس بعده هلاك بأن صور حاله بصورة ~~حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق مزعا في حواصلها أو عصفت به ~~الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في ~~علوه بالسماء والذي ترك الإيمان وأشرك بالله ms2009 بالساقط من السماء والأهواء ~~التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة ~~بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة اه قوله يطوح به ~~الباء مزيدة للتأكيد قال الجوهري: طوحه أي توهه وذهب به ههنا وههنا وقرأ ~~نافع بفتح الخاء وتشديد الطاء والباقون بإسكان الخاء وتخفيف الطاء ثم عظم ~~ما تقدم من التوحيد وما هو مسبب عنه بالإشارة بأداة البعد فقال تعالى: # {ذلك} أي: الأمر العظيم الكبير فمن راعاه فاز ومن حاد عنه خاب، ثم عطف ~~عليه ما هو أعم من هذا القدر فقال تعالى: {ومن يعظم شعائر الله} جمع شعيرة ~~وهي البدن التي تهدي للحرم لأنها من معالي الحج بأن يختار عظام الأجرام ~~حسانا سمانا غالية الأثمان ويترك المكاس في شرائها فقد كانوا يغالون في ~~ثلاث، ويكرهون المكاس فيهن الهدي والأضحية والرقبة، وروى ابن عمر عن أبيه ~~رضي الله عنهما «أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار فسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب» وكان ~~ابن عمر يسوق البدن مجللة بالقباطي فيتصدق بلحومها وجلالها ويعتقد أن طاعة ~~الله في التقرب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لا بد أن يقام به ~~ويسارع فيه {فإنها} أي: تعظيمها ناشىء {من تقوى القلوب} فمن للابتداء فإن ~~جعلت تبعيضية فلا بد من حذف تقديره: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب ~~فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بدمن راجع من ~~الجزاء إلى من ليرتبط به وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى التي إذا ~~ثبتت فيها وتمكنت ظهر أثرها في سائر الأعضاء وسميت تلك البدن شعائر ~~لإشعارها بما يعرف به أنهار هدي كطعن حديدة بسنامها قال البقاعي: ولعله ~~مأخوذ من الشعر لأنها إذا جرحت قطع شيء من شعرها أو أزيل عن محل الجرح ~~فيكون من الإزالة {لكم فيها} أي: البدن {منافع} كركوبها والحمل عليها بما ~~لا يضرها وعن إبراهيم: من احتاج إلى ms2010 ظهرها ركب ومن احتاج إلى لبنها شرب ~~وقال أصحاب الرأي: لا يركبها إلا إذا اضطر إليها {إلى أجل مسمى} وهو وقت ~~نحرها {ثم محلها} أي: مكان حل نحرها {إلى البيت العتيق} أي: عنده والمراد ~~الحرم جميعه وقيل المراد بالشعائر المناسك ومشاهد الحج وبالمنافع الأجر ~~والثواب في قضاء المناسك إلى انقضاء آجالها وبحملها إلى محل الناس من ~~إحرامهم إلى البيت يطوفون به طواف الزيارة {ولكل # أمة} أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم {جعلنا منسكا} أي: متعبدا وقربانا ~~يتقربون به إلى الله تعالى، وقرأ حمزة والكسائي منسكا هنا وفي آخر السورة ~~بكسر السين في الموضعين فيكون بمعنى الموضع والباقون بفتحها مصدر بمعنى ~~النسك {ليذكروا اسم الله} أي: الملك لا على وحده على ذبائحهم وقرابتهم لأنه ~~الرازق لهم وحده فيقولون عند النحر الله # PageV02P552 # أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك ثم علل الذكر بالنعمة ~~تنبيها على التفكر فيها فقال تعالى: {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} فوجب ~~شكره لذلك عليهم، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام ~~{فإلهكم} أي: الذي شرع هذه المناسك كلها {إله واحد} وإن اختلفت فروع ~~شرائعه، ونسخ بعضها بعضا، وإذا كان واحدا وجب اختصاصه بالعبادة فلذا قال ~~تعالى: {فله} وحده {أسلموا} أي: انقادوا بجميع طواهركم وبواطنكم في كل ما ~~أمر به أو نهى عنه {وبشر المخبتين} أي: المطيعين المتواضعين من الخبث، وهو ~~المطمئن من الأرض وقيل: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. # ثم بين علاماتهم بقوله تعالى: {الذين إذا ذكر الله} أي: الذي له الجلال ~~والجمال {وجلت} أي: خافت خوفا مزعجا {قلوبهم} فيظهر عليها الخشوع والتواضع ~~لله تعالى {والصابرين} الذين صار الصبر عادتهم {على ما أصابهم} من الكلف ~~والمصائب ولماكان ذلك قد يشغل عن الصلاة قال تعالى {والمقيمي الصلاة} في ~~أوقاتها والمحافظة عليها، وإن حصل لهم من المشاق بأفعال الحج وغيره ما عسى ~~أن يحصل، ولذلك عبر بالوصف دون الفعل إشارة إلى أنه لا يقيمها على الوجه ~~المشروع مع تلك المشاق والشواغل ms2011 إلا راسخ في حبها فهم لما تمكن حبها في ~~قلوبهم والخوف من الغفلة عنها كأنهم دائما في صلاة {ومما رزقناهم ينفقون} ~~في وجوه الخير من الهدايا التي يغالون في أثمانها وغير ذلك إحسانا إلى خلق ~~الله تعالى. # ولما قدم تعالى الحث على التقرب بالأنعام كلها وكانت الإبل أعظمها خلقا ~~وأجلها في أنفسهم أمرا خصها بالذكر فقال تعالى: {والبدن} أي: الإبل ~~المعروفة جمع بدنة كخشب وخشبة وانتصابه بفعل يفسره {جعلناها لكم من شعائر ~~الله} أي: من أعلام دينه التي شرعها الله تعالى وقيل لأنها تشعر وهي أن ~~تطعن بحديدة في سنامها ليعلم بذلك أنها هدي {لكم فيها خير} أي: نفع في ~~الدنيا وثواب في العقبى كما قال ابن عباس دنيا وأخرى، وروى الترمذي وحسنه ~~عن عائشة رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما عمل ~~ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من هراقة الدم وأنه ليؤتي يوم القيامة ~~بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى ~~الأرض فطيبوا بها نفسا» وروى الدارقطني في السنن عن ابن عباس قال «قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد» ~~وعن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك ~~فقال سمعت ربي يقول {لكم فيها خير} {فاذكروا اسم الله عليها} أي: على ذبحها ~~بالتكبير حال كونها {صواف} أي قائمة على ثلاث معقولة اليد اليسرى لأن ~~البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث {فإذا وجبت جنوبها} أي: سقطت سقوطا ~~بردت به بزوال أرواحها فلا حركة لها أصلا، من وجب الحائط وجبة سقط، ووجبت ~~الشمس وجبة غربت، قال ابن كثير وقد جاء في حديث مرفوع ولا تعجلوا النفوس أن ~~تزهق وقوله تعالى {فكلوا منها} أي: إذا كانت تطوعا أمر إباحة دفعا لما قد ~~يظن أنه يحرم الأكل منها للأمر بتقريبها لله تعالى: {وأطعموا القانع} أي ~~المتعرض للسؤال بخشوع ms2012 وانكسار {والمعتر} أي: السائل وقيل بالعكس وهو قول ~~الشافعي رحمه الله تعالى # PageV02P553 # قال في كتاب اختلاف الحديث القانع هو السائل، والمعتر هو الزائر، وقيل: ~~القانع هو الجالس في بيته المتعفف الذي يقنع بما يعطى ولا يسأل ولا يتعرض، # والمعتر المعترض وقيل القانع هو المسكين والمعتر الذي ليس بمسكين، ولا ~~تكون له ذبيحة فيجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم {كذلك} أي مثل هذا ~~التسخير العظيم الذي وصفناه من نحرها قياما {سخرناها} بعظمتنا التي لولاها ~~ما كان ذلك {لكم} وذللناها ليلا ونهارا مع عظمها وقوتها تأخذونها منقادة ~~فتعقلونها وتحبسونها ولو شئنا لجعلناها وحشية لم تطق ولم تكن بأعجز من بعض ~~الوحش التي هي أصغر منها جرما وأقل قوة {لعلكم تشكرون} إنعامنا عليكم ~~لتعرفوا أن ما ذللها لكم إلا الله تعالى، فيكون حالكم حال من يرجو شكره ~~فتوقعوا لشكر بأن لا تحرموا منها إلا ما حرم عليكم ولا تحلوا منها إلا ما ~~أحل، وتهدوا منها ما حث على إهدائه وتتصرفوا بحسب ما أمركم. # ولما حث تعالى على التقرب بها مذكورا اسمه عليها قال تعالى: {لن ينال ~~الله} الذي له صفات الكمال {لحومها} المأكولة {ولا دماؤها} المهراقة أي: لا ~~يرفعان إليه {ولكن يناله التقوى منكم} أي: يرفع إليه منكم العمل الصالح ~~الخالص له مع الإيمان، كما قال تعالى: {والعمل الصالح يرفعه} (فاطر: 10) ~~أي: يقبله وقيل: كان أهل الجاهلية إذ انحروا البدن نضحوا الدماء حول البيت ~~ولطخوه بالدم فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك فنزلت. # ثم كرر سبحانه وتعالى التنبيه على عظيم تسخيرها منبها على ما أوجب عليهم ~~به بقوله تعالى: {كذلك} أي: التسخير العظيم {سخرها لكم} بعظمته وغناه عنكم ~~{لتكبروا الله على ما هداكم} أي: أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه، كأن ~~تقولوا الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا، فاختصر الكلام ~~بأن ضمن التكبير معنى الشكر وعدي تعديته. # ثم وعد من امتثل الأمر بقوله تعالى: {وبشر المحسنين} أي: المخلصين فيما ~~يفعلونه ويذرونه كما قال تعالى من قبل {وبشر المخبتين} والمحسن ms2013 هو الذي ~~يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير مخبتا إلى نفسه بتوفير الثواب عليه، ~~وقال ابن عباس: الموحدين. وقوله تعالى: # {إن الله} أي: الذي لا كفء له {يدفع عن الذين آمنوا} وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو بفتح الياء وسكون الدال وفتح الفاء والباقون بضم الياء وفتح الدال ~~وبعدها ألف وكسر الفاء أي: يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه ولم يذكر ~~الله تعالى ما يدفعه عنهم حتى يكون أعظم وأفخم وأعم وإن كان في الحقيقة أنه ~~يدفع بأس المشركين فلذلك قال تعالى بعده {إن الله} أي: الذي له صفات الكمال ~~{لا يحب} أي: لا يكرم كما يفعل المحب {كل حوان} في أمانته {كفور} لنعمته ~~وهم المشركون، قال ابن عباس: خانوا الله فجعلوا معه شريكا وكفروا نعمه، ~~فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته وقال مقاتل: يدفع عن ~~الذين آمنوا بمكة حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم ~~فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في قتلهم سرا فنهاهم عن ذلك ثم أذن ~~الله تعالى لهم قتالهم بقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون} أي: المشركين ~~والمأذون فيه وهو في القتال محذوف لدلالة يقاتلون عليه {بأنهم} أي بسبب ~~أنهم {ظلموا} فكانوا يأتونه صلى الله عليه وسلم بين مضروب ومشجوج يتظلمون ~~إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت وهي أول # PageV02P554 # آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية وقيل نزلت في قوم ~~بأعيانهم مهاجرين من مكة إلى المدينة فاعترضهم مشركو مكة فأذن الله لهم في ~~قتال الكفار الذي منعوهم من الهجرة بأنهم ظلموا واعتدوا عليهم بالإيذاء ~~وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم بضم الهمزة والباقون بفتحها. # ولماكان التقدير فإن الله أراد إظهار دينه بهم عطف عليه قوله تعالى: {وإن ~~الله} أي: الذي هو الملك الأعلى {على نصرهم لقدير} وفي ذلك وعد من الله ~~بنصر المؤمنين ثم وصفهم بقوله تعالى: {الذين أخرجوا من ديارهم} إلى الشعب ~~والحبشة والمدينة {بغير حق} ms2014 أوجب ذلك ما أخرجوا {إلا أن يقولوا} أي: بقولهم ~~{ربنا الله} وهذا القول حق والإخراج به إخراج بغير حق ونظير ذلك قوله ~~تعالى: {هل تنقمون منا إلا أن آمنا با} (المائدة: 59) . # تنبيه: الذين أخرجوا مجرور نعت للذين يقاتلون، أو بدل منه، أو منصوب على ~~المدح، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف {ولولا دفع الله} أي: المحيط بكل شيء علما ~~{الناس بعضهم ببعض} أي: بتسليط المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهدة ~~لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمانهم وعلى متعبداتهم كما ~~قال تعالى: {لهدمت} أي: خربت {صوامع} وهي: معابد صغار للرهبان مرتفعة ~~{وبيع} كنائس للنصارى {وصلوات} أي: كنائس لليهود وسميت بها لأنها يصلى ~~فيها، وقيل: هي كلمة معربة أصلها بالعبرانية صلوتا {ومساجد} للمسلمين {يذكر ~~فيها} أي: هذه المواضع المذكورة {اسم الله} العلي العظيم {كثيرا} وتنقطع ~~العبادات بخرابها، وقيل: الضمير يرجع للمساجد فقط تشريفا لها بأن ذكر الله ~~يحصل فيها كثيرا فإن قيل لم قدم الصوامع والبيع في الذكر على المساجد أجيب ~~بأنها أقدم في الوجود وقيل: أخرها في الذكر كما في قوله تعالى ومنهم سابق ~~بالخيرات ولأن الذكر آخر العمل فلما كان نبينا صلى الله عليه وسلم خير ~~الرسل وأمتنا خير الأمم لا جرم كانوا آخرهم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ~~«نحن الآخرون والسابقون» وقيل: أخرها لتكون بعيدة عن الهدم قريبة من الذكر ~~وقرأ نافع دفاع بكسر الدال وفتح الفاء وألف بعدها والباقون بفتح الدال ~~وسكون الفاء وقرى نافع وابن كثير لهدمت بتخفيف الدال والباقون بتشديدها ~~وأظهر التاء عند الصاد نافع وابن كثير وعاصم وأدغمها الباقون {ولينصرن ~~الله} أي: الملك الأعظم {من ينصره} أي: ينصر دينه وأولياءه كائنا من كان ~~منهم أو من غيرهم وقد أنجز الله تعالى وعده بأن سلطا المهاجرين والأنصار ~~على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم وأورثهم أرضهم وديارهم {إن الله} ~~أي: الذي لا كفء له {لقوي} أي: على ما يريد {عزيز} أي: منيع في سلطانه ~~وقدرته وقوله تعالى: {الذين إن مكناهم} أي: بما لنا من القدرة {في ms2015 الأرض} ~~بإعلائهم على ضدهم {أقاموا الصلاة} أي: التي هي # عماد الدين الدالة على المراقبة والإعراض عن تحصيل الفاني {وآتوا الزكاة} ~~أي المؤذنة بالزهد في الحاصل منه المؤذن بعمل النفس للرحيل {وأمروا ~~بالمعروف} أي: الذي أمر الله تعالى ورسوله به {ونهوا عن المنكر} أي: الذي ~~نهى الله ورسوله عنه وصف للذين هاجروا وهو إخبار من الله تعالى بظهر الغيب ~~عما ستكون عليه سيرة المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم، وعن عثمان ~~رضي الله تعالى عنه هذا والله ثناء قبل بلاء يريد أن الله تعالى أثنى # PageV02P555 # عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. # تنبيه: في ذلك دليل على صحة خلافة الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين إذ لم ~~يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين وإذا ثبت ذلك وجب أن يكونوا على الحق ولا ~~يجوز حمل الآية على أمير المؤمنين علي وحده لأن الآية دالة على الجمع، وعن ~~الحسن هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: الذين منصوب بدل من قوله تعالى ~~من ينصره {و} أي: الملك الأعلى {عاقبة الأمور} أي: آخر أمور الخلق ومصيرها ~~إليه في الآخرة فلا يكون لأحد فيها أمر حتى أنه لا ينطق أحد إلا بإذن منه. # ولما بين سبحانه وتعالى فيما تقدم إخراج الكفار للمؤمنين من ديارهم بغير ~~حق وأذن في مقاتلتهم وضمن لرسوله صلى الله عليه وسلم النصرة وبين أن الله ~~عاقبة الأمور أردفه بما يرجي مجرى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصبر على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره فقال تعالى: ~~{وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم} أي: قبل قومك {قوم نوح} وتأنيث قوم ~~باعتبارالمعنى وتحقير المكذبين في قدرته وإن كانوا من أشد الناس {وعاد} أي: ~~ذوو الأبدان الشداد قوم هود {وثمود} ولو الأبنية الطوال في السهول والجبال ~~قوم صالح {وقوم إبراهيم} التجبرون المتكبرون {وقوم لوط} الأنجاس بما لم ~~يسبقهم إليه أحد من الناس {وأصحاب مدين} أرباب الأموال المجموعة من خزائن ~~الضلال فأنت يا أشرف الخلق لست بأوحدي في التكذيب، فإن هؤلاء قد ms2016 كذبوا ~~رسلهم قبل قومك. # ولما كان موسى عليه السلام قد أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم ~~يأت بمثله أحدهن تقدمه فكان تكذيبه في غاية البعد غير سبحانه وتعالى ~~الأسلوب تنبيها على ذلك وعلى أن الذين أطبقوا على تكذيبه القبط وأما قومه ~~فما كذبه منهم إلا أناس يسير فقال تعالى: {وكذب موسى} وفي ذلك أيضا تعظيم ~~للتأسية وتفخيم للتسلية {فأمليت للكافرين} أي: أمهلتهم بتأخير العقاب عنهم ~~إلى الوقت الذي ضربته لهم وعبر عن طول الإملاء بأداة التراخي لزيادة ~~التأسية فقال تعالى {ثم أخذتهم} أخذ عزيز مقتدر. # ثم نبه سبحانه وتعالى بالاستفهام في قوله تعالى: {فكيف كان نكير} أي: ~~إنكاري لأفعالهم على أنه كان في أخذهم عبر وعجائب وأهوال وغرائب حيث أيد ~~لهم بالنعمة محنة، وبالحياة هلاكا، وبالعمارة خرابا، والاستفهام للتقرير ~~أي: وهو واقع موقعه فليحذر هؤلاء الذين أتبتهم بأعذم ما أتى به رسول قومه ~~مثل ذلك فإن لم يؤمنوا بك فعلت بهم كما فعلت بهؤلاء وإنكانوا أمكن الناس ~~فلا يحزنك أمرهم. # تنبيه: أثبت ورش الياء بعد الراء من نكير في الوصل وحذفها الباقون وقفا ~~وصلا {وكأين} أي: وكن {من قرية} وقيل: معنى كأين رب، وقوله تعالى: ~~{أهلكتها} قرأه أبو عمرو بعد الكاف بتاء فوقية مضمومة والباقون بعد الكاف ~~بنون وبعدها ألف والمراد أهلها بدليل قوله تعالى {وهي} أي والحال أنها ~~{ظالمة} أي أهلها بكفرهم ويحتمل أن يكون المراد أهلاك نفس القرية فيدخل تحت ~~هلاكها هلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير ~~منهدمة جعل هالكا لمن فيها وإن كان الأول أقرب {فهي} أي: فتسبب عن إهلاكها ~~أنها {خاوية} أي: منهدمة ساقطة أي: جدرانها {على عروشها} أي: سقوفها إذ كل ~~مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظله # PageV02P556 # أو كرم فهو عرش والخاوي الساقط من خوى إذا سقط أو الخالي من خوى المنزل ~~إذا خلا من أهله وخوى بطن الحامل. # تنبيه: قوله: {على عروشها} لا يخلو من أن يتعلق بخاوية، فيكون المعنى ~~إنها ساقطة على ms2017 عروشها أي: سقوفها، أي: تقصفت الأخشاب أولا من كثرة الأمطار ~~وغير ذلك من الأشرار، فسقطت ثم سقط عليها الجدران، فسقطت فوق السقوف أو ~~خالية مع بقاء عروشها وسلامتها وإما أن يكون خبرا بعد خبر كأنه قيل: هي ~~خاوية وهي على عروشها، أي: قائمة مظلة على عروشها على معنى أن السقوف سقطت ~~إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان مائلة فهي مشرفة على السقوف الساقطة، ~~وقوله: {فهي خاوية} جملة معطوفة على {أهلكتها} لا على {وهي ظالمة} ، فإنها ~~حال كما قدرته، والإهلاك ليس حال خرابها، فلا محل لها إن نصبت كأين بمقدر ~~يفسره أهلكتها لأنها معطوفة على جملة أهلكتها كما مر، وهي مفسرة لا محل ~~لها، وإن رفعت كأين بالابتداء فمحلها رفع خبرا ثانيا لكأين والخبر الأول ~~أهلكتها {و} كم من {بئر معطلة} أي: متروكة بموت أهلها {وقصر مشيد} أي: رفيع ~~خال بموت أهله. # تنبيه: علم مما قدرته أن بئر معطوف على قرية، وهو يقوي على أن عروشها ~~بمعنى مع أوجه، وروي أن هذه بئر نزل عليها صالح عليه السلام مع أربعة آلاف ~~نفر ممن آمن به ونجاهم الله تعالى من العذاب وهي بحضرموت، وإنما سميت بذلك؛ ~~لأن صالحا حين حضرها مات، وثم بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح ~~وأمروا عليهم جهلس بن جلاس وأقاموا بها زمانا، ثم كفروا وعبدوا صنما فأرسل ~~الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان عليه السلام نبيا فقتلوه، فأهلكهم الله ~~تعالى وعطل بئرهم، وخرب قصورهم، وقوله تعالى: # {أفلم يسيروا} أي: كفار مكة {في الأرض} يحتمل أنهم لم يسافروا فحثوا على ~~السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله تعالى بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا، ~~وإن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا، فجعلوا كأن لم يسافروا ~~ولم يروا {فتكون} أي: فتسبب عن سيرهم أن تكون {لهم قلوب} واعية {يعقلون ~~بها} ما رأوه بأبصارهم مما نزل بالمكذبين قبلهم {أو} أي: أو يكون لهم إن ~~كانوا عمي الأبصار كما دل عليه جعل هذا قسيما {آذان يسمعون بها} أخبارهم ~~بالإهلاك وخراب الديار ms2018 فيعتبروا {فإنها} أي: القصة {لا تعمى الأبصار} ويجوز ~~أن يكون الضمير مبهما يفسره الأبصار وفي تعمى راجع إليه، والمعنى أن ~~أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى فيها، وإنما العمى لقلوبهم كما قال تعالى: ~~{ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ولا يعتد بعمى الأبصار، فإنه ليس بعمى ~~بالإضافة إلى عمى القلوب. # فإن قيل: فأي فائدة في ذكر الصدور؟ أجيب: بأن الذي قد تعورف واعتقد أن ~~العمى على الحقيقة للبصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في ~~القلب استعارة وتمثيل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى ~~إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا التصوير إلى زيادة تبيين وفضل ~~تعريف ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما تقول: ليس المضاء ~~للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك: الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته ~~للسانه وتثبيت؛ لأن محل المضاء هو لا غير، فكأنك قلت: ما نفيت المضاء عن # PageV02P557 # السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهوا مني ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمدا. ~~قيل: لما نزل قوله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى} فهو في الآخرة أعمى؛ قال ~~ابن أم مكتوم: يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى، ~~فنزلت: # {ويستعجلونك بالعذاب} الذي توعدتهم به تكذيبا واستهزاء {و} الحال أنه {لن ~~يخلف الله} أي: الذي لا كفء له {وعده} لامتناع الخلف فيه وفي خبره سبحانه ~~وتعالى فيصيبهم ما وعدهم به، ولو من بعد حين لكنه تعالى حليم لا يعجل ~~بالعقوبة، وقد أنجزه يوم بدر {وإن يوما عند ربك} أي: المحسن إليك بتأخير ~~العذاب عنهم إكراما لك من أيام الآخرة بالعذاب {كألف سنة مما تعدون} في ~~الدنيا وطول أيامه حقيقة أو من حيث أن أيام الشدائد مستطالة، وقرأ ابن كثير ~~وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب # {وكأين من قرية أمليت لها} أي: أمهلتها كما أمهلتكم {وهي ظالمة} كظلمكم ~~بالاستعجال وغيره {ثم أخذتها} أي: بالعذاب والمراد أهلها {وإلي المصير} أي: ~~المرجع فينقطع كل حكم ms2019 دون حكمي ففيه وعيد وتهديد. # فإن قيل: لم قال: {فكأين من قرية أهلكناها} (الحج، 45) # بالفاء، وقال هنا بالواو؟ أجيب: بأن الأولى وقعت بدلا عن قوله تعالى: ~~{فكيف كان نكير} ، وأما هذه فحكمها حكم ما تقدم من الجملتين المعطوفتين ~~بالواو أعني قوله تعالى: ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون، ولما كان الاستعجال لا يطلب من الرسول وإنما يطلب من المرسل، أمره ~~الله تعالى بأن يديم لهم التخويف والإنذار بقوله تعالى: # {قل} أي: لهم ولا يصدنك عن دعائهم ما أخبرناك به من عملهم {يا أيها ~~الناس} أي: جميعا من قومك وغيرهم {إنما أنا لكم نذير مبين} أي: بين الإنذار ~~والاقتصار على الإنذار مع عموم الخطاب، وذكر الفريقين لأن صدر الكلام ~~وسياقه للمشركين، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم بقوله: # {فالذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان {وعملوا} أي: تصديقا لدعواهم تلك ~~{الصالحات لهم مغفرة} أي: لما فرط منهم {ورزق} أي: في الدنيا بالغنائم ~~وغيرها، وفي الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~{كريم} أي: لا خسة فيه ولا دناءة بانقطاع ولا غيره زيادة في غيظهم، ولما ~~كان في سياق الإنذار قال معبرا بالماضي زيادة في التخويف # {والذين سعوا} أي: أوقعوا السعي ولو مرة واحدة {في آياتنا} أي: القرآن ~~بإبطالها {معجزين} من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم أي: ينسبونهم إلى ~~العجز ويثبطونهم عن الإيمان أو مقدرين عجزنا عنهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بتشديد الجيم بعد العين على أنها حال مقدرة والباقون بألف بعد العين وتخفيف ~~الجيم أي: مسابقين مشاقين للساعين فيها بالتثبيط {أولئك} البعداء البغضاء ~~{أصحاب الجحيم} أي: النار استحقاقا بما سعوا فيسكنهم فيها ليعلموا أنهم هم ~~العاجزون، ولما لاح من ذلك أن الشيطان ألقى شبها يفاخرون فيها بجدالهم في ~~دين الله الذي أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بإظهاره وتقريره وإشهاره ~~عطف عليه تسلية له صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: # {وما أرسلنا} أي: بعظمتنا {من قبلك} ثم أكد الاستغراق بقوله ms2020 تعالى: {من ~~رسول} وهو نبي أمر بالتبليغ {ولا نبي} وهو من لم يؤمر بالتبليغ وهذا هو ~~المشهور، فمعنى أرسلنا أوحينا، فالنبي أعم من الرسول، ويدل عليه ما رواه ~~الإمام أحمد من أنه صلى الله عليه وسلم # PageV02P558 # «سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، قيل: فكم الرسل، ~~فقال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا» . # وقيل: كما هو ظاهر الآية الرسول من جمع إلى المعجزة كتابا منزلا عليه، ~~والنبي غير الرسول من لا كتاب له، وقيل: يمكن حمل الآية عليه أيضا، والرسول ~~من يأتيه الكتاب، والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام {إلا إذا تمنى} ~~أي: تلا على الناس ما أمره الله تعالى به أو حدثهم به، واشتهى في نفسه أن ~~يقبلوه حرصا منه على إيمانهم شفقة عليهم {ألقى الشيطان} من التشبيه ~~والتخييلات {في أمنيته} أي: فيما تلاه أو حدث به واشتهى أن يقبل ما يتلقفه ~~منه أولياؤه فيجادلون به أهل الطاعة ليضلوهم، وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم، {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} (الأنعام، 112) # كما يفعل هؤلاء فيما يفترقون به في وجه الشريعة أصولا وفروعا من قولهم في ~~القرآن شعر وسحر وكهانة، وقولهم: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} ~~(الأنعام، 148) ، وقولهم: إن ما قتله الله تعالى بالموت حتف أنفه أولى ~~بالأكل مما ذبح، وقولهم: نحن أهل الله وسكان حرمه، ولا نخرج من الحرم فنقف ~~في الحج بالمشعر الحرام، وتقف الناس بعرفة، ونحن نطوف في ثيابنا وكذا من ~~ولدناه، وأما غيرنا فلا يطوف إلا عاريا ذكرا كان أو أنثى إلا أن يعطيه ~~أحدنا ما يلبسه، ونحو ذلك مما يريدون أن يطفئوا به نور الله تعالى، وكذا ~~تأويلات الباطنية والاتحادية، وأنظارهم التي ألحدوا فيها يضل الله تعالى ~~بها من يشاء، ثم يمحوها ممن أراد من عباده، وما أراد من أمره {فينسخ} أي: ~~فيتسبب عن إلقائه أنه ينسخ {الله} أي: المحيط بكل شيء علما وقدرة {ما يلقي ~~الشيطان} فيبطله بإيضاح أمره ms2021 {ثم يحكم الله آياته} أي: ثم يجعلها جلية فيما ~~يريد منها وأدل دليل على أن هذا هو المراد من الافتتاح بالمتأخرة في الآيات ~~الختام بقوله عطفا على ما تقديره فالله على ما يشاء قدير {والله عليم} ~~بأحوال خلقه {حكيم} فيما يفعله بهم. وقيل: # إنه صلى الله عليه وسلم حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت، وقال ابن عباس ~~ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسريين لما رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم لما جاءهم به تمنى في ~~نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم، ~~فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، وأحب يومئذ أن يأتيه من الله ~~تعالى شيء لم ينفروا عنه وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة والنجم إذا هوى، ~~فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة ~~الثالثة الأخرى وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهوا إلى أن قال: تلك ~~الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى ففرح به المشركون، ومضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قراءة السورة كلها، وسجد في آخرها، وسجد المسلمون لسجوده ~~وجميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد ~~سوى الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة من ~~البطحاء ورفعاها على جبهتهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم ~~يستطيعا السجود، وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا، وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا ~~تشفع بأحسن الذكر وقالوا: قد عرفنا أن الله تعالى يحيي ويميت ويرزق، ولكن ~~هذه آلهتنا تشفع لنا عنده، فإذا # PageV02P559 # جعل لهم محمدا نصيبا فنحن معه، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أتاه جبريل فقال: يا محمد ماذا صنعت لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن ~~الله عز وجل، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله ~~تعالى خوفا شديدا، فأنزل ms2022 الله تعالى هذه الآية تعزية له وكان به رحيما، ~~وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبلغهم ~~سجود قريش، وقيل: قد أسلمت أهل مكة، فرجع أكثرهم إلى عشائرهم وقالوا: هم ~~أحب إلينا حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا يتحدثون به من إسلام # أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار مستخفيا، فلما نزلت هذه ~~الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله تعالى، ~~فغير ذلك. قال الرازي: هذه رواية عامة المفسرين الظاهرية أما أهل التحقيق ~~فقد قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا على البطلان بالقرآن والسنة ~~والمعقول. # أما القرآن فبوجوه أحدها: قوله تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل ~~لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين} (الحاقة: 44، 45، 46) # ثانيها: قوله تعالى: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي} (يونس، 15) ، ثالثها: قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} ~~(النجم، 3) # وأما السنة فمنها ما روي عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة، فقال: ~~هذا من وضع الزنادقة وصنف فيه كتابا، وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من ~~جهة النقل، فقد روى البخاري في صحيحه: «أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة ~~النجم وسجد فيها، وسجد المسلمون والكفار والإنس والجن» ، وليس فيه حديث ~~الغرانيق. # وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من جوز على النبي صلى الله عليه وسلم ~~تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن النبي كان معظم سعيه في ~~نفي الأوثان، ثانيها: قوله تعالى: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم ~~الله آياته} (الحج، 52) ، وإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أقوى من نسخ هذه الآيات التي تبقى الشبهة معها فإذا أراد الله تعالى ~~إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنا، فبأن يمنع الشيطان من ذلك ~~أصلا أولى، ثالثها: وهو أقوى الوجوه لو جوزنا ذلك ارتفع الإيقان عن شرعه ~~ولجوزنا في كل واحد ms2023 من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك فيبطل قوله تعالى: ~~{بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من ~~الناس} (المائدة، 67) ، فإنه لا فرق في العقل بين النقصان من الوحي وبين ~~الزيادة فيه. # وزاد الرازي أدلة أخرى على ذلك ثم قال: وقد عرفنا أن هذه القصة موضوعة ~~أكثر ما في الباب أن جمعا من المفسرين ذكروها وخبر الواحد لا يعارض الدلائل ~~العقلية والنقلية المتواترة، انتهى. وهذا هو الذي يطمئن إليه القلب وإن ~~أطنب ابن حجر العسقلاني في صحتها، ثم قال: وحينئذ فيتعين تأويل ما وقع فيها ~~مما ينكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق إلخ، انتهى. # وعلى القول بها قد سلك العلماء في ذلك مسالك أحسنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك ~~الكلمات محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها، وقال ~~البيضاوي: بعد أن ذكر بعض هذه القصة وهو مردود عند المحققين، وإن صح ~~فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه، انتهى.l # قال ابن الأثير: والغرانيق هنا الأصنام، وهي في الأصل للذكور من طير ~~الماء واحدها غرنوق وغرنيق سمي به # PageV02P560 # لبياضه قال: وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم فشبهت ~~بالطيور التى تعلو إلى السماء وترتفع، وقيل: تمنى أي: قرأ، كقول حسان في حق ~~عثمان بن عفان: # *تمنى كتاب الله أول ليلة # ... تمنى داود الزبور على رسل # أي: على تأن وتمهل. ولما ذكر سبحانه وتعالى ما حكم به من تمكين الشيطان ~~من هذا الإلقاء ذكر العلة في ذلك بقوله تعالى: # {ليجعل ما يلقي الشيطان} أي: في المتلو أو المحدث به من تلك الشبهة في ~~قلوب أوليائه على التفسير الأول، وعلى الثاني وغيره يؤول بما يناسبه {فتنة} ~~أي: اختبارا وامتحانا {للذين في قلوبهم مرض} أي: شك ونفاق {والقاسية} أي: ~~الجافية {قلوبهم} عن قول الحق وهم المشركون {وإن الظالمين} أي: الواضعين ~~لأقوالهم وأفعالهم في غير مواضعها ms2024 كفعل من هو في الظلام {لفي شقاق} أي: ~~خلاف لكونهم في شق غير شق حزب الله بمعاجزتهم في الآيات بتلك الشبهة التي ~~تلقوها من الشيطان، وجادلوا بها أولياء الرحمن {بعيد} عن الصواب {لتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} ~~(الأنعام، 113) ، وعلى ثبوت ذكر القصة وجرى عليه الجلال المحلي؛ قال: إنهم ~~في خلاف طويل مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حيث جرى على لسانه ذكر ~~آلهتهم بما يرضيهم، ثم أبطل ذلك. # {وليعلم الذين أوتوا العلم} بإتقان حججه وإحكام براهينه وضعف شبه ~~المعاجزين {أنه} أي: الشيء الذي تلوته أو تحدثت به {الحق} أي: الثابت الذي ~~لا يمكن زواله {من ربك} أي: المحسن إليك بتعليمك إياه {فيؤمنوا به} لما ظهر ~~لهم من صحته بما ظهر من ضعف تلك الشبهة {فتخبت} أي: تطمئن وتخضع {له ~~قلوبهم} وتسكن به نفوسهم {وإن الله} بجلاله وعظمته {لهادي الذين آمنوا} في ~~جميع ما يلقيه أولياء الشيطان {إلى صراط مستقيم} أي: قويم، وهو الإسلام ~~يصلون به إلى معرفة بطلانه حتى لا تلحقهم حيرة، ولا تعتريهم شبهة، فيوصلهم ~~ذلك إلى سعادة الدارين # {ولا يزال الذين كفروا} أي: وجد منهم الكفر وطبعوا عليه {في مرية} أي: شك ~~{منه} قال ابن جريج: أي: من القرآن، وقيل: مما ألقى الشيطان على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قولون: فما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها، وقيل: من ~~الدين وهو الصراط المستقيم {حتى تأتيهم الساعة} أي: القيامة، وقيل: ~~أشراطها، وقيل: الموت {بغتة} أي: فجأة {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم} قال عكرمة ~~والضحاك: لا ليل بعده وهو يوم القيامة، والأكثرون على أنه يوم بدر، وسمي ~~عقيما لأنه لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير كالريح العقيم التي لا تأتي ~~بخير، وقيل: لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، ويقوي التفسير ~~الأول قوله تعالى: # {الملك يومئذ} أي: يوم القيامة {لله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال وحده، ~~ولما كان كأنه قيل: ما معنى اختصاصه به، وكل الأيام له ms2025 قيل: {يحكم بينهم} ~~أي: المؤمنين والكافرين بالأمر الفصل الذي لا حكم فيه ظاهرا ولا باطنا ~~لغيره كما ترونه الآن بل يمشي فيه الأمر على أتم شيء من العدل {فالذين ~~آمنوا وعملوا} أي: وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا {الصالحات} وهي ما ~~أمرهم الله به {في جنات النعيم} فضلا منه ورحمة لهم بما رحمهم الله تعالى ~~من توفيقهم للأعمال الصالحات # {والذين كفروا} أي: ستروا ما أعطيناهم من المعرفة بالأدلة على وحدانيتنا ~~{وكذبوا # PageV02P561 # بآياتنا} أي: ساعين بما أعطيناهم من الفهم في تعجيزها بالمجادلة بما يوحي ~~إليهم أولياؤهم من الشياطين من الشبه {فأولئك} أي: البعداء عن أسباب الكرم ~~{لهم عذاب مهين} أي: شديد بسبب ما سعوا في إهانة آياتنا مريدين إعزاز ~~أنفسهم بمغالبتنا والتكبر عن آياتنا. # فإن قيل: لم أدخل الفاء في خبر الثاني دون الأول؟ أجيب: بأن في ذلك ~~تنبيها على أن إثابة المؤمنين بالجنان تفضل من الله تعالى، وأن عقاب ~~الكافرين مسبب عن أعمالهم، ولذلك قال: {لهم عذاب} ولم يقل: هم في عذاب، ~~ولما كان المؤمنون في حصر مع الكفار رغبهم الله في الهجرة بقوله تعالى: # {والذين هاجروا في سبيل الله} أي: فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله ~~وطلب مرضاته من مكة إلى المدينة {ثم قتلوا} في الجهاد بعد الهجرة، وقرأ ابن ~~عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف، وألحق به مطلق الموت فضلا منه بقوله ~~تعالى: {أو ماتوا} أي: من غير قتل {ليرزقنهم الله} أي: الجامع لصفات الكمال ~~{رزقا حسنا} هو رزق الجنة من حين تفارق أرواحهم أشباحهم؛ لأنهم أحياء عند ~~ربهم {وإن الله} أي: الملك الأعلى القادر على الإحياء كما قدر على الإماتة ~~{لهو خير الرازقين} فإنه يرزق بغير حساب يرزق الخلق عامة البار منهم ~~والفاجر. # فإن قيل: الرازق في الحقيقة هو الله تعالى لا رازق للخلق غيره فكيف قال: ~~{لهو خير الرازقين} ؟ أجيب: بأن غير الله يسمى رازقا على المجاز كقولهم: ~~رزق السلطان الجيش أي: أعطاهم أرزاقهم، وإن كان الرازق في الحقيقة هو الله ~~تعالى، ولما كان الرزق لا يتم إلا ms2026 بحسن الدار وكان ذلك من أفضل الرزق قال ~~تعالى دالا على ختام التي قبل: # {ليدخلنهم مدخلا يرضونه} هو الجنة يكرمون فيه بما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر ولا ينالهم فيها مكروه، وقيل: هو خيمة في الجنة ~~من درة بيضاء لها سبعون ألف مصراع، وقرأ نافع بفتح الميم أي: دخولا، أو ~~مكان دخول، والباقون بالضم أي: إدخالا أو مكان إدخال {وإن الله} أي: الذي ~~عمت رحمته وتمت عظمته {لعليم} أي: بمقاصدهم وما عملوا مما يرضيه وغيره ~~{حليم} عما قصروا فيه من طاعته وما فرطوا في جنبه تعالى، فلا يعاجل أحدا ~~بالعقوبة. # روي أن طوائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله ~~هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك ~~كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين # {ذلك} أي: الأمر المقرر من صفات الله تعالى الذي قصصناه عليك {ومن عاقب} ~~أي: جازى من المؤمنين {بمثل ما عوقب به} ظلما من المشركين أي: قاتلهم كما ~~قاتلوه في الشهر الحرام {ثم بغي عليه} أي: ظلم بإخراجه من منزله، قال ~~مقاتل: نزلت في قوم من المشركين أتوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من ~~محرم، فقال بعضهم لبعض: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام، ~~فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون وكرهوا قتالهم وسألوهم أن يكفوا عن القتال ~~لأجل الشهر الحرام، فأبى المشركون، فقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت ~~المسلمون لهم فنصرهم الله تعالى عليهم فذلك قوله تعالى: {لينصرنه الله} أي: ~~الذي لا كفء له {إن الله} أي: الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما {لعفو} عن ~~المؤمنين {غفور} لهم. # فإن قيل: لم سمى ابتداء فعلهم عقوبة مع أن العقاب من العقب وهو منتف في ~~الابتداء؟ # PageV02P562 # أجيب: بأنه أطلق عليه ذلك للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى: ~~{وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى، 40) # {يخادعون الله وهو خادعهم} (النساء، 142) ، وكما في قوله: كما تدين تدان. # فإن قيل: كيف ms2027 طابق ذكر العفو الغفور في هذا الموضع مع أن ذلك الفعل جائز ~~للمؤمنين؛ لأنهم مظلومون؟ أجيب: بأن المنتصر لما اتبع هواه في الانتقام، ~~وأعرض عما ندب الله تعالى له بقوله تعالى: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم ~~الأمور} (الشورى، 43) # وبقوله تعالى: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} (الشورى، 40) # وبقوله تعالى: {وأن تعفو أقرب للتقوى} (البقرة، 237) ، فكان في إعراضه ~~عما ندب إليه نوع إساءة أدب فكأنه تعالى قال: عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها ~~له، فإني أنا الذي أذنت له فيها، وفي ذكر العفو تنبيه على أنه تعالى قادر ~~على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده # {ذلك} أي: النصر {بأن الله} أي: المتصف بجميع صفات الكمال {يولج} أي: ~~يدخل لأجل مصالح العباد المسيء والمحسن {الليل في النهار} فيمحو ظلامه ~~بضيائه، ولو شاء الله تعالى مؤاخذة الناس لجعله سرمدا فتعطلت مصالح النهار ~~{ويولج النهار في الليل} فينسخ ضياءه بظلامه ولولا ذلك لتعطلت مصالح الليل، ~~أو بأن يدخل كلا منهما في الآخر فيزيد به وذلك من أثر قدرته التي بها النصر ~~{وأن الله} بجلاله وعظمته {سميع} لكل ما يقال {بصير} لكل ما يفعل، دائم ~~الاتصاف بذلك، فهو غير محتاج إلى سكون الليل ليسمع، ولا لضياء النهار ~~ليبصر؛ لأنه سبحانه وتعالى منزه عن الأغراض، ولما وصف تعالى نفسه بما ليس ~~لغيره علله بقوله تعالى: # {ذلك} أي: الاتصاف بتمام القدرة وشمول العلم {بأن الله} أي: القادر على ~~كل ما أراد {هو} وحده {الحق} أي: الثابت الواجب الوجود {وأن ما يدعون} أي: ~~يعبد المشركون {من دونه} وهو الأصنام {هو الباطل} الزائل، وقرأ نافع وابن ~~كثير وابن عامر وشعبة بالتاء على الخطاب للمشركين، والباقون بالياء على ~~الغيبة، وأن هذه مقطوعة من ما في الرسم {وأن الله} لكونه هو الحق الذي لا ~~كفء له {هو} وحده {العلي} أي: العالي على كل شيء بقدرته {الكبير} وكل ما ~~سواه سافل حقير تحت قهره وأمره، ثم إنه سبحانه وتعالى استدل على كمال قدرته ~~بأمور ستة: # الأول: قوله تعالى: ms2028 # {ألم تر} أي: أيها المخاطب {أن الله} أي: المحيط قدرة وعلما {أنزل من ~~السماء ماء} أي: مطرا بأن يرسل رياحا فتثير سحابا، فيمطر على الأرض الماء ~~{فتصبح الأرض} أي: بعد أن كانت مسودة يابسة ميتة جامدة {مخضرة} حية يانعة ~~مهتزة نامية بما فيه رزق العباد وعمارة البلاد فإن قيل: لم قال تعالى: ~~{فتصبح} ، ولم يقل: فأصبحت؟ أجيب: بأن ذلك لنكتة وهي إفادة بقاء المطر ~~زمانا بعد زمان كما تقول: أنعم علي فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكرا له، ولو ~~قلت: فرحت وغدوت شاكرا له لم يقع ذلك الموقع. فإن قيل: لم رفع ولم ينصب ~~جوابا للاستفهام؟ أجيب: بأنه لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض؛ لأن معناه ~~أنبتت الأخضر فينقلب بالنصب إلى نفي الأخضر، ووجه ذلك: بأن النصب بتقدير أن ~~وهو علم للاستقبال فيجعل الفعل مترقبا والرفع جزم بإثباته مثاله أن تقول ~~لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، فإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك في ~~تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره، وهذا وأمثاله مما يجب أن يتنبه له ~~من اتسم بالعلم في علم الإعراب، وتوقير أهله {إن الله} أي: الذي له تمام ~~النعم وكمال العلم {لطيف} بعباده في # PageV02P563 # إخراج النبات بالماء {خبير} أي: بمصالح الخلق ومنافعهم، فإنه مطلع على ~~السرائر، وإن دقت فلا يستبعد عليه إحياء من أراد بعد موته، وقال ابن عباس: ~~لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط. # الأمر الثاني: قوله تعالى: # {له ما في السموات} أي: التي أنزل منها الماء {وما في الأرض} أي: التي ~~استقر فيها ملكا وخلقا {وإن الله} أي: الذي له الإحاطة التامة {لهو} أي: ~~وحده {الغني} في ذاته عن كل شيء {الحميد} أي: المستوجب للحمد بصفاته ~~وأفعاله. # الأمر الثالث: قوله تعالى: # {ألم تر} أي: أيها المخاطب {أن الله} ذا الجلال والإكرام {سخر لكم} فضلا ~~منه {ما في الأرض} كله من مسالكها وفجاجها، وما فيها من حيوان وجماد وزرع ~~وثمار، فلولا تسخيره تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى ذللهما للضعيف ms2029 من ~~الناس لما انتفع بهما أحد منهم. # الأمر الرابع: قوله تعالى: {والفلك} أي: وسخر لكم الفلك أي: السفن، ثم ~~بين تسخيرها بقوله: {تجري في البحر} العجاج المتلاطم بالأمواج بريح طيبة ~~للركوب والحمل {بأمره} أي: بإذنه. # الأمر الخامس: قوله تعالى: {ويمسك السماء} أي: كراهة {أن تقع على الأرض} ~~التي تحتها مع علوها وعظمها وكونها بغير عمد فتهلكوا {إلا بإذنه} أي: ~~بمشيئته، فيقع ذلك يوم القيامة حين يريد طي هذا العالم وإيجاد عالم البقاء ~~{إن الله} أي: الذي له الخلق والأمر {بالناس} أي: على ظلمهم {لرؤوف} أي: ~~بما يحفظ من سرائرهم {رحيم} أي: حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال وفتح لهم ~~أبواب المنافع، ودفع عنهم أبواب المضار. # {وهو} أي: وحده {الذي أحياكم} أي: عن الجمادية بعد أن أوجدكم من العدم ~~{ثم يميتكم} أي: عند انقضاء آجالكم ليكون الموت واعظا لأولي البصائر منكم ~~{ثم يحييكم} أي: يوم البعث للثواب والعقاب وإظهار العدل في الجزاء {إن ~~الإنسان} أي: المشرك {لكفور} أي: لبليغ الكفر حيث لم يشكر على هذه النعم ~~المحيطة به فيوحد الله تعالى، وقال ابن عباس: هو الأسود بن عبد الأسد، وأبو ~~جهل، والعاص بن وائل، وأبي بن خلف، قال الرازي: والأولى تعميمه في كل ~~المنكرين. # {لكل أمة} أي: في كل زمان {جعلنا منسكا} قال ابن عباس: شريعة يتعبدن بها ~~{هم ناسكوه} أي: عاملون بها، وروي عنه أنه قال: عيدا، وقال مجاهد وقتادة: ~~موضع قربان يذبحون فيه، وقيل: موضع عبادة، وقرأ حمزة والكسائي: منسكا، بكسر ~~السين، والباقون بفتحها {فلا ينازعنك في الأمر} أي: أمر الذبائح، نزلت في ~~بديل بن ورقاء، وبشر بن سفيان، ويزيد بن خنيس قالوا لأصحاب النبي: صلى الله ~~عليه وسلم ما لكم تأكلون مما تقتلون، ولا تأكلون مما قتله الله تعالى؟ ~~يعنون الميتة، وقال الزجاج: هو نهي له صلى الله عليه وسلم عن منازعتهم كما ~~تقول: لا يضاربنك فلان أي: فلا تضاربه، وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون ~~إلا بين اثنين معناه لا تنازعهم أنت {وادع} أي: أوقع الدعوة لجميع ms2030 الخلق ~~{إلى ربك} المحسن إليك أي: إلى دينه، ثم علل ذلك بقوله: {إنك} مؤكدا له ~~بحسب ما عندهم من الإنكار {لعلى هدى} أي: دين واضح {مستقيم} هو دين ~~الإسلام. # {وإن جادلوك} أي: في أمر الدين بعد أن ظهر الحق ولزمت الحجة {فقل الله} ~~أي: الملك المحيط بالعز والعلم {أعلم بما تعملون} من المجادلة الباطلة ~~وغيرها، فيجازيكم عليه وهذا وعيد فيه رفق، وكان ذلك قبل الأمر بالقتال، ~~ولما أمر الله تعالى بالإعراض عنهم، وكان # PageV02P564 # ذلك شديدا على النفس لتشوقها إلى النصرة رجاه في ذلك بقوله تعالى مستأنفا ~~تحذيرا لهم: # {الله} أي: الذي لا كفء له {يحكم بينكم} أي: بينك مع اتباعك وبينهم {يوم ~~القيامة} الذي هو يوم التغابن {فيما كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين ومن ~~نصر ذلك اليوم لم يبال بما حل به، فهو كقوله: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون} (الشعراء، 227) # ؛ قال البغوي: والاختلاف ذهاب كل واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه ~~الآخر. # {ألم تعلم أن الله} بجلال عزه وعظيم سلطانه {يعلم ما في السماء والأرض} ~~فلا يخفى عليه شيء {إن ذلك} أي: ما ذكر {في كتاب} كتب فيه كل شيء حكم ~~بوقوعه قبل وقوعه، وكتب جزاؤه وهو اللوح المحفوظ {إن ذلك} أي: علم ما ذكر ~~{على الله} وحده {يسير} أي: سهل؛ لأن علمه مقتضى ذاته المتعلق بكل ~~المعلومات على السواء. # {ويعبدون} أي: المشركون على سبيل التجدد والاستمرار {من دون الله} أي: من ~~أدنى رتبة من رتبه الذي قامت جميع الدلائل على احتوائه على جميع صفات ~~الكمال وتنزيهه عن شوائب النقص {ما لم ينزل به سلطانا} أي: حجة واحدة من ~~الحجج وهو الأصنام {وما ليس لهم به علم} حصل لهم من ضرورة العقل واستدلاله ~~بالحجة {وما للظالمين} أي: الذين وضعوا التعبد في غير موضعه لارتكابهم لهذا ~~الأمر العظيم الخطر، وأكد النفي واستغرق المنفي بإثبات الجار، فقال تعالى: ~~{من نصير} أي: ينصرهم من الله لا مما أشركوه به ولا من غيره فيدفع عنهم ~~عذابه أو يقرر مذهبهم. # {وإذا ms2031 تتلى} أي: على سبيل التحذير والمبالغة من أي تال كان {عليهم ~~آياتنا} أي: من القرآن حال كونها {بينات} لا خفاء فيها عند من له بصيرة في ~~شيء مما دعت إليه من الأصول والفروع {تعرف في وجوه الذين كفروا} أي: تلبسوا ~~بالكفر {المنكر} أي: الإنكار الذي هو منكر في نفسه، فيظهر أثره في وجوههم ~~من الكراهة والعبوس لما حصل لهم من الغيظ، ثم بين ما لاح في وجوههم بقوله ~~تعالى: {يكادون يسطون} أي: يوقعون السطوة بالبطش والعنف {بالذين يتلون ~~عليهم آياتنا} أي: الدالة على أسمائنا الحسنى وصفاتنا العليا القاضية ~~بوحدانيتنا مع كونها بينات في غاية الوضوح في أنها كلامنا لما فيها من ~~الحكم والبلاغة التي عجزوا عنها، ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقابلهم بالوعيد بقوله تعالى: {قل أفأنبئكم} أي: أفأخبركم خبرا ~~عظيما {بشر من ذلكم} بأكره إليكم من القرآن المتلو عليكم، وقوله تعالى: ~~{النار} كأنه جواب سائل قال: ما هو؟ فقيل: النار، أي: هو النار، ويجوز أن ~~تكون مبتدأ خبره {وعدها الله الذين كفروا} جزاء لهم فبئس الموعد هي {وبئس ~~المصير} أي: النار، ولما بين تعالى أنه لا حجة لعابد غيره اتبعه بأن الحجة ~~قائمة على أن ذلك الغير في غاية الحقارة، فقال تعالى مناديا أهل العقل ~~منبها تنبيها عاما: # {يا أيها الناس ضرب مثل} حاصله أن من عبدتموه من الأصنام أحقر منكم ~~{فاستمعوا} أي: أنصتوا {له} وتدبروه، ثم فسره بقوله تعالى: {إن الذين ~~تدعون} أي: تعبدون وتدعونهم في حوائجكم وتجعلونهم آلهة {من دون الله} أي: ~~الملك الأعلى من هذه الأصنام التي أنتم بها مغترون {لن يخلقوا ذبابا} أي: ~~لا قدرة لهم على ذلك في زمن من الأزمان على حال من الأحوال مع صغره فكيف ~~بما هو أكبر منه {ولو اجتمعوا} أي: الذين زعمتموهم شركاء {له} أي: الخلق ~~فهم # PageV02P565 # في هذا أمثالكم. # تنبيه: {محل ولو اجتمعوا له} النصب على الحال كأنه قال تعالى: يستحيل أن ~~يخلقوا الذباب مشروطا عليهم اجتماعهم لخلقه وتعاونهم عليه، وهذا من أبلغ ms2032 ما ~~أنزل الله تعالى في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أن الشيطان ~~قد خدعهم بخداعه حيث وصفوا بالإلهية التي تقتضي الاقتدار على المقدورات ~~كلها والإحاطة بالمعلومات عن آخرها صورا وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على ~~أقل ما خلقه الله تعالى وأذله وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا ~~وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم أن هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف ~~منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا كما قال تعالى: {وإن ~~يسلبهم الذباب} أي: الذي تقدم أنهم لا قدرة لهم على خلقه، وهو غاية في ~~الحقارة {شيئا} أي: من الأشياء جل أو قل {لا يستنقذوه منه} لعجزهم، فكيف ~~يجعلونهم شركاء لله؟ هذا أمر مستغرب عبر عنه بضرب مثل. # تنبيه: الذباب مفرد وجمعه القليل: أذبة، والكثير: ذبان مثل غراب وأغربة ~~وغربان، وعن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل، ~~ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. وعن ابن زيد: كانوا ~~يحلون الأصنام باليواقيت واللآلىء، وأنواع الجواهر ويطيبونها بألوان الطيب ~~فربما يسقط شيء منها فيأخذه طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استرداده منه ~~{ضعف الطالب} قال الضحاك: هو العابد {والمطلوب} المعبود، وقال ابن عباس: ~~الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب الذي على الصنم، والمطلوب هو الصنم، ~~وقيل: على العكس الطالب الصنم، والمطلوب الذباب، أي: لو طلب الصنم أن يخلق ~~الذباب لعجز عنه، ولما أنتج هذا جهلهم بالله عز وجل عبر عنه بقوله تعالى: # {ما قدروا الله} أي: الذي له الكمال كله {حق قدره} أي: ما عظموه حق ~~تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته حيث أشركوا به ما لا يمتنع ~~عن الذباب ولا ينتصف منه {إن الله} أي: الجامع لصفات الكمال {لقوي} على خلق ~~الممكنات بأسرها {عزيز} أي: لا يغلبه شيء وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة عن ~~أقلها مقهورة من أذلها؛ قال الكلبي في هذه الآية وفي نظيرها في سورة ~~الإنعام أنها نزلت في جماعة من اليهود مالك بن الصيف، وكعب بن ms2033 الأشرف، وكعب ~~بن أسد، وغيرهم حيث قالوا: إن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض ~~وأجناس خلقها استلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى فنزلت هذه الآية ~~تكذيبا لهم، ونزل قوله تعالى: {وما مسنا من لغوب} (ق، 38) # ؛ قال الرازي: واعلم أن منشأ هذه الشبهة هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ~~ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة، وتنزيه صفاته ~~عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية، وتنزيه أفعاله عن مشابهة ~~سائر الأفعال أعني عن الغرض والدواعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما يقوله ~~المعتزلة، قال أبو القاسم الأنصاري رحمه الله تعالى: فهو سبحانه وتعالى خير ~~النعت عزيز الوصف، فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره، والعقول لا تمثله ~~والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده، صمدي الذات سرمدي الصفات.v # ولما ذكر سبحانه وتعالى ما يتعلق بالإلهيات ذكر ما يتعلق بالنبوات بقوله ~~تعالى: # {الله} أي: الملك الأعلى {يصطفي} أي: يختار ويختص # PageV02P566 # {من الملائكة رسلا} كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم الصلاة ~~والسلام {ومن الناس} كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم ~~نزلت حين قال المشركون: {أأنزل عليه الذكر من بيننا} (ص، 8) # فأخبر تعالى أن الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه {إن الله} أي: الذي ~~له الجلال والجمال {سميع} لمقالتهم {بصير} بمن يتخذه رسولا. # {يعلم ما بين أيديهم} أي: الرسل {وما خلفهم} أي: علمه محيط بما هم مطلعون ~~عليه، وبما غاب عنهم، فلا يفعلون شيئا إلا بإذنه {وإلى الله} أي: وحده ~~تعالى {ترجع} بغاية السهولة {الأمور} يوم يتجلى لفصل القضاء فيكون أمره ~~ظاهرا لا خفاء فيه، ولا يصدر شيء من الأشياء إلا على وجه العدل الظاهر لكل ~~أحد، ولا يكون لأحد التفات إلى غيره، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح ~~التاء وكسر الجيم، والباقون بضم التاء وفتح الجيم، ولما أثبت سبحانه وتعالى ~~أن الملك والأمر له وحده خاطب المقبلين على دينه وهم الخلص من الناس بقوله ~~تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: تلبسوا بالإيمان {اركعوا} تصديقا ms2034 لإيمانكم ~~{واسجدوا} أي: صلوا الصلاة التي شرعتها لكم فإنها رأس العبادة ليكون دليلا ~~على صدقكم في الإقرار بالإيمان. # تنبيه: إنما خص هذين الركنين في التعبير عن الصلاة لأنهما لمخالفتهما ~~الهيئات المعتادة هما الدالان على الخضوع، فحسن التعبير بهما، وذكر عن ابن ~~عباس أن الناس كانوا في أول الإسلام يركعون ولا يسجدون، وقيل: كان الناس ~~أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود حتى نزلت هذه الآية، ولما ~~خص أفضل العبادة عمم بقوله تعالى: {واعبدوا} أي: بأنواع العبادة {ربكم} أي: ~~المحسن إليكم بكل نعمة دينية ودنيوية، ولما ذكر عموم العبادة أتبعها ما قد ~~يكون أعم منها مما صورته صورتها، أو قد يكون بلا نية، فقال: {وافعلوا ~~الخير} أي: كله من القرب كصلة الأرحام وعيادة المريض ونحو ذلك من معالي ~~الأخلاق بنية وبغير نية حتى يكون لكم ذلك عادة فيخف عليكم عمله لله تعالى؛ ~~قال أبو حيان: بدأ تعالى بخاص وهو الصلاة، ثم بعام وهو: واعبدوا ربكم، ثم ~~بأعم وهو: وافعلوا الخير {لعلكم تفلحون} أي: افعلوا هذا كله وأنتم راجون ~~الفلاح وهو الفوز بالبقاء في الجنة طامعون فيه غر مستيقنين، ولا تتكلوا على ~~أعمالكم، وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري: لعل كلمة ترج تشعر بأن الإنسان ~~قلما يخلو في أداء فريضة من تقصير، وليس هو على يقين من أن الذي أتى به ~~مقبول عند الله والعواقب مستورة وكل ميسر لما خلق له. # تنبيه: اختلف في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية فذهب قوم إلى أنه يسجد ~~عندها، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس، وبه قال ابن ~~المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود وقول ~~البيضاوي ولقوله صلى الله عليه وسلم «فضلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما ~~فلا يقرأهما» حديث ضعيف رواه الترمذي وضعفه، وذهب قوم إلى أنه لا يسجد وهو ~~قول سفيان الثوري، وقول أبي حنيفة وأصحابه؛ لأنهم يقولون: قرن السجود ~~بالركوع في ذلك، فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة، ولما ms2035 كان ~~الجهاد أساس العبادة وهو مع كونه حقيقة في جهاد الكفار صالح لأن يعم كل أمر ~~بمعروف ونهي عن منكر بالمال والنفس بالقول والفعل، بالسيف وغيره وكل جهاد # PageV02P567 # في تهذيب النفس وإخلاص العمل ختم به فقال تعالى: # {وجاهدوا في الله} أي: لله ومن أجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ ~~والباطنة كالهوى والنفس، وقول البيضاوي: وعنه عليه الصلاة والسلام أنه رجع ~~من غزوة تبوك فقال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» . حديث ~~رواه البيهقي وضعف إسناده، وقال غيره: لا أصل له، قيل: أراد بالأصغر جهاد ~~الكفار وبالأكبر جهاد النفس {حق جهاده} أي: باستفراغ الطاقة في كل ما أمر ~~به من جهاد العدو والنفس على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو وغيرهما. # فإن قيل: ما وجه هذه الإضافة، وكان القياس في حق الجهاد في الله أو حق ~~جهادكم في الله، كما قال تعالى: {وجاهدوا في الله} ؟ أجيب: بأن الإضافة ~~تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث أنه مفعول ~~لأجله صحت إضافته إليه، وعن مجاهد عن الكلبي أن هذه الآية منسوخة بقوله ~~تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (التغابن، 16) ، ولما أمر الله تعالى بهذه ~~الأوامر أتبعها ببعض ما يجب به شكره وهو كالتعليل لما قبله فقال تعالى: {هو ~~اجتباكم} أي: اختاركم لدينه ولنصرته، وجعل الرسالة فيكم والرسول منكم وجعله ~~أشرف الرسل، ودينه أشرف الأديان، وكتابه أعظم الكتب، وجعلكم لكونكم أتباعه ~~خير الأمم {وما جعل عليكم في الدين} أي: الذي اختاره لكم {من حرج} أي: من ~~ضيق وشدة وهو أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله تعالى له منه ~~مخرجا بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها بأنواع الكفارات ~~من الأمراض والمصائب وغير ذلك، فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلا ~~إلى الخلاص من الذنوب ومن العقاب لمن وفقه الله تعالى وسهله عند الضرورات ~~كالقصر والتيمم وأكل الميتة والفطر للمريض والمسافر، وغير ذلك؛ قال صلى ~~الله عليه وسلم «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ms2036 استطعتم» رواه البخاري، وعن ~~ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم ~~وضعها الله تعالى عن هذه الأمة، وقوله تعالى: {ملة أبيكم} نصب بنزع الخافض ~~وهو الكاف أو على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبله بحذف المضاف أي: وسع ~~دينكم توسعة ملة أبيكم أو على الإغراء أي: اتبعوا ملة أبيكم، أو على ~~الاختصاص أي: أعني بالدين ملة أبيكم كقولك: الحمد لله الحميد، وقوله تعالى: ~~{إبراهيم} عطف بيان. # فإن قيل: لم كان إبراهيم أبا للأمة كلها؟ أجيب: بأنه أبو رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكان أبا لأمته؛ لأن أمة الرسول في حكم أولاده. واختلف في ~~عود ضمير {هو} على قولين أحدهما أنه يعود على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ~~وأن لكل نبي دعوة مستجابة، ودعوة إبراهيم عليه السلام: {ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} ، فاستجاب الله تعالى له فجعلها محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وأمته، والثاني: أنه يعود على الله تعالى في قوله ~~تعالى: {هو اجتباكم} ، وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال إن الله تعالى {سماكم ~~المسلمين من قبل} أي: في كل الكتب المنزلة التي نزلت قبل إنزال هذا لقرآن ~~{وفي هذا} أي: وسماكم في هذا القرآن الذي أنرل عليكم من بعد إنزال تلك ~~الكتب، وهذا القول كما قال الرازي: أقرب لأنه تعالى قال: {ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم} أي: يوم القيامة أنه بلغكم {وتكونوا شهداء على الناس} أي: أن ~~رسلهم # PageV02P568 # بلغتهم، فبين أنه تعالى سماهم بذلك لهذا الغرض، وهذا لا يليق إلا بالله ~~تعالى، وإنما كانوا شهداء على الناس لسائر الأنبياء؛ لأنهم لم يفرقوا بين ~~أحد منهم وعلموا أن أخبارهم من كتابهم على لسان نبيهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم فلذلك صحت شهادتهم وقبلها الحكم العدل وعن كعب أعطيت هذا الأمة ثلاثا ~~لم يعطهن إلا الأنبياء: جعلهم شهداء على الناس وما جعل عليهم في الدين من ~~حرج، وقال تعالى: {ادعوني أستجب لكم} ، وعن أبي حاتم عن ابن زيد أنه ms2037 قال: ~~لم يذكر الله بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة ذكرها بهما وكررهما جميعا، ~~ولم يسمع بأمة ذكرت بالإسلام والإيمان غيرها وعن مكحول أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «تسمى الله عز وجل باسمين سمى بهما أمتي؛ هو السلام وسمى ~~أمتي المسلمين، وهو المؤمن وسمى أمتي المؤمنين» . # تنبيه: في الآية دليل على أن شهادة غير المسلم ليست مقبولة، ولما ندبهم ~~تعالى ليكونوا خير الأمم تسببب عن ذلك قوله تعالى: {فأقيموا الصلاة} التي ~~هي أركان قلوبكم وصلة ما بينكم وبين ربكم أي: داوموا عليها {وآتوا الزكاة} ~~التي هي طهرة أبدانكم، وصلة بينكم وبين إخوانكم {واعتصموا بالله} أي: ~~المحيط بجميع صفات الكمال في جميع ما أمركم به من المناسك التي تقدمت ~~وغيرها، ثم علل تعالى أهليته بقوله تعالى: {هو} أي: وحده {مولاكم} أي: ~~المتولي لجميع أموركم فهو ينصركم على كل من يعاديكم بحيث أن تتمكنوا من ~~إظهار هذا الدين من مناسك الحج وغيرها، ثم علل الأمر بالاعتصام وتوحده ~~بالولاية بقوله تعالى: {فنعم المولى} أي: هو {ونعم النصير} أي: الناصر لكم ~~لأنه تعالى إذا تولى أحدا كفاه كل ما أهمه وإذا نصر أحد أعلاه عن كل من ~~خاصمه «ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببت الحديث إنه ~~لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، وهذا نتيجة التقوى، وما قبله من أفعال ~~الطاعة دليلها فقد انطبق آخر السورة على أولها ورد مقطعها على مطلعها، وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الحج ~~أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما ~~بقي» حديث موضوع. ### | سورة المؤمنين # مكية # وهي مائة وثمان أو تسع عشرة آية، وألف وثمانمائة وأربعون كلمة، وأربعة ~~آلاف وثمانمائة حرف # {بسم الله} الذي له الأمر كله {الرحمن} الذي عم إنعامه {الرحيم} الذي خص ~~من أراد بالإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع ms2038 عند وجهه دوي كدوي النحل، ~~فأنزل عليه يوما فمكث ساعة حتى سري عنه، فاسقبل القبلة ورفع يديه فقال: ~~اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا ~~تؤثر علينا، اللهم أرضنا وارض عنا، ثم قال: لقد أنزل علي عشر آيات من ~~أقامهن دخل الجنة» ، ثم قرأ: # {قد أفلح المؤمنون} حتى ختم العشرة آيات، قال ابن عباس: قد سعد المصدقون ~~بالتوحيد وبقوا في الجنة، وقيل: الفلاح البقاء والنجاة، روى هذا الحديث ~~الترمذي وغيره وأنكره النسائي # PageV02P569 # وغيره. # تنبيه: قال الزمخشري قد نقيضة لما هي تثبت المتوقع ولما تنفيه، ولا شك أن ~~المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، ~~فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. فإن قيل: ما المؤمن؟ أجيب: بأنه في ~~اللغة هو المصدق وأما في الشريعة فقد اختلف فيه على قولين: أحدهما: أن كل ~~من نطق بالشهادتين مواطئا قلبه لسانه، فهو مؤمن والآخر أنه صفة مدح لا ~~يستحقها إلا البر التقي دون الفاسق، ثم إنه تعالى حكم بحصول الفلاح لمن كان ~~مستجمعا لصفات سبعة: # الصفة الأولى: كونهم مؤمنين. # الصفة الثانية: المذكورة في قوله تعالى: # {الذين هم} أي: بضمائرهم وظواهرهم {في صلاتهم خاشعون} قال ابن عباس: ~~مخبتون أذلاء، وقيل: خائفون، وقيل: متواضعون، وعن قتادة: الخشوع إلزام موضع ~~السجود، روى الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين: «أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي رافعا بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره إلى نحو ~~مسجده» أي: موضع سجوده وكان الرجل إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشد ~~بصره إلى شيء أو يحدث بشيء من شأن الدنيا، وقيل: هو جمع الهمة لها والإعراض ~~عما سواها، ومن الخشوع أن يستعمل الأدب فيتوقى كف الثوب والعبث بجسده ~~وثيابه والتشبيك والالتفات والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم والسدل ~~والفرقعة والاختصار، وتقليب الحصى؛ روى الترمذي لكن بسند ضعيف: «أنه صلى ~~الله عليه وسلم أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا خشعت ~~جوارحه» ، ونظر الحسن إلى ms2039 رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زوجني الحور ~~العين فقال: بئس الخاطب أنت تخطب وأنت تعبث، وعنه أنه قال: كل صلاة لا يحضر ~~فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع، وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه ~~وشماله وهو في الصلاة فلا صلاة له، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنما ~~يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها» ، وقال صلى الله عليه وسلم «كم من قائم ~~حظه من قيامه التعب والنصب» وقال: «من لم تنهه الصلاة عن الفحشاء والمنكر ~~لم يزدد من الله إلا بعدا» . # فينبغي للشخص أن يحتاط في صلاته ليوقعها على التمام، فإن بعض العلماء ~~اختار عدم الإمامة، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني ~~الشافعي وإن قرأتها أن يعاتبني أبو حنيفة فاخترت عدم الإمامة طلبا للخلاص ~~من هذا الخلاف. فإن قيل: لم أضيفت الصلاة إليهم؟ أجيب: بأن الصلاة وصلة بين ~~الله وبين عباده والمصلي هو المنتفع بها وحده، وهي عدته وذخيرته فهي صلاته، ~~وأما الله تعالى فهو غني متعال عن الحاجة إليها والانتفاع بها. # الصفة الثالثة المذكورة في قوله تعالى: # {والذين هم} أي: بضمائرهم التي تتبعها ظواهرهم {عن اللغو} قال ابن عباس: ~~عن الشرك {معرضون} أي: تاركون، وقال الحسن: عن المعاصي، وقال الزجاج: هو كل ~~باطل ولهو وما لا يحمد من القول والفعل، وقيل: هو كل ما لا يعني الشخص من ~~قول أو فعل وهو ما يستحق أن يسقط ويلغى، فمدحهم الله تعالى بأنهم معرضون عن ~~هذا اللغو والإعراض عنه هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه ~~كما قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} أي: إذا سمعوا الكلام القبيح ~~أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه. # الصفة الرابعة المذكورة في قوله تعالى: # PageV02P570 # {والذين هم للزكاة فاعلون} أي: مؤدون. # تنبيه: الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى فالعين هو القدر الذي يخرجه ~~المزكي من النصاب إلى المستحق والمعنى فعل المزكي الذي هو التزكية، وهو ~~المراد هنا؛ لأنه ما من مصدر ms2040 إلا ويعبر عن معناه بالفعل، ويقال لمحدثه: ~~فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكي: فاعل ~~التزكية، ويجوز أن يراد بالزكاة العين ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء، وقيل: ~~الزكاة هنا هي العمل الصالح؛ لأن هذه السورة مكية وإنما فرضت الزكاة ~~بالمدينة سنة اثنتين من الهجرة قال البقاعي: والظاهر أن التي فرضت بالمدينة ~~هي ذات النصب، وأن أصل الزكاة كان واجبا بمكة كما قال تعالى في سورة ~~الأنعام: {وآتوا حقه يوم حصاده} (الأنعام، 141) # انتهى. # الصفة الخامسة المذكورة في قوله تعالى: # {والذين هم لفروجهم} في الجماع ومقدماته {حافظون} أي: دائما لا يتبعونها ~~شهوتها، والفرج اسم لسوأة الرجل والمرأة، وحفظه التعفف عن الحرام، ثم ~~استثنى من ذلك قوله تعالى: # {إلا على أزواجهم} اللاتي استحقوا أبضاعهن بعقد النكاح، ولعلو الذكر عبر ~~بعلى ونظيره كان زياد على البصرة أي: واليا عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت ~~فلان، ومن ثم سميت المرأة فراشا، وقيل: على بمعنى من، وجرى على ذلك البغوي ~~{أو ما ملكت إيمانهم} رقابه من الإماء. فإن قيل: هلا قال تعالى: أو من ~~ملكت؟ أجيب: بأنه إنما عبر بما لقرب الإماء مما لا يعقل لنقصهن عن الحرائر ~~الناقصات عن الذكر ولأنه اجتمع فيها وصفان: أحدهما: الأنوثة وهي مظنة نقصان ~~العقل والأخرى: كونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع، قال البغوي: والآية في ~~الرجال خاصة؛ لأن المرأة لا يجوز لها أن تستمتع بفرج مملوكها {فإنهم غير ~~ملومين} على ذلك إذا كان على وجه أذن فيه الشرع دون الإتيان في غير المأتي، ~~وفي حال الحيض أو النفاس أو نحو ذلك كوطء الأمة قبل الاستبراء، فإنه حرام ~~ومن فعله فإنه ملوم. # {فمن ابتغى} أي: طلب متعديا {وراء ذلك} العظيم المنفعة الذي وقع استثناؤه ~~بزنا أو لواط أو استمناء بيد أو بهمية أو غيرها {فأولئك} المبعدون من ~~الفلاح {هم العادون} أي: المبالغون في تعدي الحدود، عن سعيد بن جبير قال: ~~عذب الله تعالى أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم، أي: في أيديهم، وقيل: يحشرون ~~وأيديهم حبالى. # الصفة السادسة: المذكورة في قوله ms2041 تعالى: # {والذين هم لأماناتهم} أي: في الفروج وغيرها سواء كانت بينهم وبين الله ~~كالصلاة والصيام، أو بينهم وبين الخلق كالودائع والبضائع، أو في المعاني ~~الباطنة كالإخلاص والصدق {وعهدهم راعون} أي: حافظون بالقيام والرعاية ~~والإصلاح، والعهد ما عقده الشخص على نفسه فيما يقربه إلى ربه، ويقع أيضا ~~على ما أمر الله تعالى به كقوله تعالى: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} ~~(آل عمران، 183) # تنبيه: سمي الشىء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا، ومنه قوله ~~تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} (النساء، 58) ، وقال ~~تعالى: {وتخونوا أماناتكم} (الأنفال، 37) ، وإنما تؤدى العيون لا المعاني ~~ويخان المؤتمن عليه لا الأمانة في نفسها. وقرأ ابن كثير: لأمانتهم بغير ألف ~~بين النون والتاء على الإفراد لا من الإلباس أو لأنها في الأصل مصدر، ~~والباقون بالألف على الجمع. # الصفة السابعة المذكورة في قوله تعالى: # {والذين هم على صلواتهم} التي وصفوا بالخشوع فيها {يحافظون} أي: يواظبون # PageV02P571 # عليها ولا يتركون شيئا من مفروضاتها ولا مسنوناتها يجتهدون في كمالاتها ~~جهدهم، ويؤدونها في أوقاتها. # فإن قيل: كيف كرر الصلاة أولا وآخرا؟ أجيب: بأنهما ذكران مختلفان فليس ~~بمكرر وصفوا أولا بالخشوع في صلاتهم وآخر بالمحافظة عليها وذلك أن لا يسهوا ~~عنها ويؤدوها في أوقاتها، ويقيموا أركانها ويوطنوا أنفسهم بالاهتمام بها ~~وبما ينبغي أن تتم به أوصافها، وأيضا فقد وحدت أولا ليفاد الخشوع في جنس ~~الصلاة أي صلاة كانت وجمعت آخرا على غير قراءة حمزة والكسائي، فإن غيرهما ~~قرأ بالجمع، وأما هما فقرأا بالإفراد لتفاد المحافظة على أعدادها وهي ~~الصلوات الخمس والسنن المرتبة مع كل صلاة، وصلاة الجمعة وصلاة الجنازة ~~والعيدين والكسوفين والاستسقاء، والوتر والضحى وصلاة التسبيح، وصلاة ~~الحاجة، وغيرها من النوافل، ولما ذكر تعالى مجموع هذه الصفات العظيمة فخم ~~جزاءهم فقال تعالى: # {أولئك} أي: البالغون من الإحسان أعلى مكان {هم الوارثون} أي: المستحقون ~~لهذا الوصف، فيرثون منازل أهل الجنة في الجنة روي عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما منكم من أحد إلا وله منزلان، ms2042 منزل في ~~الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله» وقال ~~مجاهد: لكل واحد منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني ~~منزله الذي له في الجنة ويهدم منزله الذي له في النار، وأما الكافر فيهدم ~~منزله الذي في الجنة ويبني منزله الذي له في النار» ، وقال بعض المفسرين: ~~معنى الوراثة هو أن يؤول أمرهم إلى الجنة وينالوها كما يؤول أمر الميراث ~~إلى الوارث. # {الذين يرثون الفردوس} وهو أعلى الجنة، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة مائة درجة ما بين كل ~~درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، منها تفجر أنهار ~~الجنة الأربعة ومن فوقها يكون عرش الرحمن، فإذا سألتم الله فاسألوه ~~الفردوس» اللهم بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أن تجعلنا ووالدينا وأحبابنا ~~من أهله {هم فيها خالدون} أي: لا يخرجون منها ولا يموتون وأنث الفردوس ~~بقوله تعالى: {فيها} ، على تأنيث الجنة، وهو البستان الواسع الجامع لأصناف ~~الثمر، روي «أن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل ~~خلالها المسك الإذفر وفي رواية: ولبنة من مسك مذرى وغرس فيها من جيد ~~الفاكهة وجيد الريحان» ، وروي «أن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم ~~بيده وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي لا يدخلها مدمن ~~خمر ولا ديوث» ، والمراد أن الله تعالى لم يكل ذلك إلى غيره من ملك من ~~الملائكة، والجنة مخلوقة الآن؛ قال تعالى: {أعدت للمتقين} (آل عمران، 133) ~~، ولما أمر سبحانه وتعالى بالعبادات في هذه الآيات والاشتغال بعبادة الله ~~لا يصح إلا بعد معرفة الله تعالى عقبها بذكر ما يدل على وجوده واتصافه ~~بصفات الجلال والوحدانية فذكر من الدلائل أنواعا: # الأول: الاستدلال بتقليب الإنسان في أدوار الخلقة وأدوار الفطرة، وهي تسع ~~مراتب. # الأولى: قوله تعالى: # {ولقد خلقنا الإنسان} أي: آدم {من سلالة} هي من سللت الشيء من الشيء أي: ~~استخرجته منه، وهو خلاصته، ms2043 وقال ابن عباس: السلالة صفرة الماء، وقوله ~~تعالى: {من طين} متعلق بسلالة، وقيل: المراد # PageV02P572 # بالإنسان هذا النوع؛ والسلالة قال مجاهد: من بني آدم، وقال عكرمة: هو ~~الماء يسيل من الظهر، والعرب تسمي النطفة سلالة، والولد سليلا وسلالة؛ ~~لأنهما مسلولان منه. # المرتبة الثانية: قوله تعالى: # {ثم جعلناه} أي: نسله، فحذف المضاف {نطفة} أي: منيا من الصلب والترائب ~~بأن خلقناه منها {في قرار مكين} أي: مستقر حصين هو الرحم. # تنبيه: مكين في الأصل صفة للمستقر في الرحم وصف به المحل للمبالغة كما ~~عبر عنه بالقرار. # المرتبة الثالثة: قوله تعالى: # {ثم} أي: بعد تراخ في الزمان، وعلو في المرتبة والعظمة {خلقنا} أي: بما ~~لنا من العظمة {النطفة} أي: البيضاء جدا {علقة} حمراء دما غليظا. # شديد الحمرة جامدا غليظا، المرتبة الرابعة: قوله تعالى: {فخلقنا} أي: بما ~~لنا من القوة والقدرة العظيمة {العلقة مضغة} أي: قطعة لحم قدر ما يمضغ لا ~~شكل فيها ولا تخطيط. # المرتبة الخامسة: قوله تعالى: {فخلقنا المضغة} أي: بتقليبها بما شئنا لها ~~من الحرارة والأمور اللطيفة الغامضة {عظاما} من رأس ورجلين وما بينهما. # المرتبة السادسة: قوله تعالى: {فكسونا} بما لنا من قوة الاختراع تلك ~~{العظام لحما} بما ولدنا منها ترجيعا لحالها قبل كونها عظاما فسترنا تلك ~~العظام، وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب. وقرأ ابن عامر وأبو بكر: ~~عظاما، والعظام بفتح العين وإسكان الظاء من غير ألف على التوحيد اكتفاء ~~باسم الجنس عن الجمع، والباقون بكسر العين وفتح الظاء وألف بعدها على ~~الجمع؛ قال الجلال المحلي: وخلقنا في المواضع الثلاثة بمعنى صيرنا. # المرتبة السابعة: قوله تعالى: {ثم أنشأناه} أي: هذا المحدث عنه بعظمتنا ~~{خلقا آخر} أي: خلقا مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيوانا، ~~وكان جمادا وناطقا، وكان أبكم وسميعا، وكان أصم وبصيرا وكان أكمه وأودع ~~ظاهره وباطنه بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطره وغرائب ~~حكمه لا تدرك بوصف الواصف، ولا تبلغ بشرح الشارح، وثم لما بين الخلقين من ~~التفاوت؛ قال الزمخشري: وقد احتج به أبو ms2044 حنيفة رحمه الله فيمن غصب بيضة ~~فأفرخت عنده، فقال: يضمن البيضة ولا يرد الفرخ؛ لأنه خلق آخر سوى البيضة، ~~اه. ولما كان هذا التفصيل لتطوير الإنسان سببا لتعظيم الخالق؛ قال تعالى: ~~{فتبارك الله} أي: تنزه عن كل شائبة نقص وحاز جميع صفات الكمال، وأشار إلى ~~جمال الإنسان بقوله تعالى: {أحسن الخالقين} أي: المقدرين، ومميز أحسن محذوف ~~أي: خلقا. روي «عن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما بلغ قوله {خلقا آخر} قال: فتبارك الله أحسن الخالقين» وروي «أن عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنطق بذلك ~~قبل إملائه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب هكذا فنزلت فقال عبد ~~الله: إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي» ، فلحق بمكة كافرا، ~~ثم أسلم يوم الفتح، وروى «سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه ~~الآية قال عمر بن الخطاب: فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هكذا أنزلت يا عمر وكان عمر يقول: وافقني ربي في أربع: ~~الصلاة خلف المقام، وضرب الحجاب على النسوة، وقولي لهن أو ليبدلن الله خيرا ~~منكن فنزل قوله تعالى: {عسى ربه إن طلقكن} (التحريم، 5) # الآية، والرابع: قلت: فتبارك الله أحسن الخلقين، فقال: هكذا نزل» # PageV02P573 # قال العارفون: هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر والشقاوة لعبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح فإنه قيل: إنه مات كافرا؛ قال الله تعالى: {يضل به كثيرا} ~~(البقرة، 26) # ويهدي به كثيرا، المرتبة الثامنة: قوله تعالى: # {ثم إنكم بعد ذلك} أي: الأمر العظيم من الوصف بالحياة والمد فى العمر في ~~آجال متفاوتة ما بين طفل ورضيع ومحتلم شديد وشاب نشيط وكهل عظيم وشيخ هرم ~~إلى ما بين ذلك من شؤون لا يحيط بها إلا اللطيف الخبير {لميتون} أي: ~~لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النعت الذي للثبوت وهو ميت دون اسم ~~الفاعل، وهو مائت، فإنه ms2045 للحدوث لا للثبوت. # المرتبة التاسعة: قوله تعالى: {ثم إنكم يوم القيامة} أي: الذي تجمع فيه ~~جميع الخلائق {تبعثون} للحساب والجزاء. # النوع الثاني: من الدلائل الاستدلال بخلق السموات وهو قوله تعالى: # {ولقد خلقنا فوقكم} في جميع جهة الفوق في ارتفاع لا تدركونه حق الإدراك ~~{سبع طرائق} أي: سموات جمع طريقة؛ لأنها طرق الملائكة ومتعلقاتهم، وقيل: ~~الأفلاك لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها، وقيل: لأنها طرق بعضها فوق بعض ~~كطارقة النعل، وكل شيء فوقه مثله، فهو طريقة {وما كنا} أي: بمالنا من ~~العظمة {عن الخلق} أي: الذي خلقناه تحتها {غافلين} أي: أن تسقط عليهم ~~فتهلكهم بل نمسكها كآية ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ولا ~~مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلاف وتدبير أمرها حتى تبلغ منتهى ~~أمرها، وما قدر لها من الكمال حسب ما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة. # النوع الثالث من الدلائل: الاستدلال بنزول الأمطار وكيفية تأثيرها في ~~النبات، وهو قوله تعالى: # {وأنزلنا من السماء} أي: من جرمها وهو ظاهر اللفظ وعليه أكثر المفسرين أو ~~من السحاب وسماه سماء لعلوه {ماء بقدر} أي: بقدر ما يكفيهم لمعاشهم في ~~الزرع والغرس والشرب وأنواع المنفعة، ويسلمون معه من المضرة إذ لو كان فوق ~~ذلك لأغرقت البحار الأقطار، ولو كان دون ذلك لأدى إلى جفاف النبات والأشجار ~~{فأسكناه} أي: فجعلناه ثابتا مستقرا {في الأرض} كقوله تعالى: {فسلكه ينابيع ~~في الأرض} (الزمر، 21) ، و «عن ابن عباس عن النبي: صلى الله عليه وسلم أن ~~الله تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار سيحون نهر الهند، وجيحون نهر بلخ، ~~ودجلة والفرات نهرا العراق، والنيل نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة ~~من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل فاستودعها الجبال ~~وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس من أصناف معايشهم، فإذا كان عند ~~خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله تعالى جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم كله ~~والحجر الأسود من ركن البيت، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه، وهذه ~~الأنهار الخمسة فيرفع ms2046 كل ذلك إلى السماء» وذلك قوله تعالى: {وإنا على ذهاب ~~به لقادرون} قدرة هي في نهاية العظمة، فإنا كما قدرنا على إيجاده واختراعه ~~نقدر على رفعه وإزالته وزواله، فإذا رفعت هذه الأشياء كلها من الأرض فقد ~~أهلها خير الدين والدنيا؛ قال البغوي: وروى هذا الحديث الإمام الحسن بن ~~سفيان عن عثمان بن سعيد عن سابق الإسكندري عن سلمة بن علي عن مقاتل بن ~~حبان. # تنبيه: في تنكير ذهاب إيماء إلى تكثير طرقه، وفيه إيذان باقتدار المذهب ~~وأنه لا يتعايا عليه شيء إذا أراده، وهو أبلغ # PageV02P574 # في الإيعاد من قوله تعالى: {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بماء معين} (الملك، 30) ، فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء ~~ويقيدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفادها إذا لم تشكر ثم إنه تعالى سبحانه ~~لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء ذكر بعده هذه النعمة الحاصلة من الماء ~~بقوله تعالى: # {فأنشأنا} أي: فأخرجنا وأحيينا {لكم} خاصة لا لنا {به} أي: بذلك الماء ~~الذي جعلنا منه كل شيء حي {جنات} أي: بساتين {من نخيل وأعناب} صرح بهذين ~~الصنفين لشرفهما ولأنهما أكثر ما عند العرب من الثمار، وسمى الأول باسم ~~شجرته لكثرة ما فيها من المنافع المقصودة بخلاف الثاني، فإنه المقصود من ~~شجرته، وأشار إلى غيرهما بقوله تعالى: {لكم} أي: خاصة {فيها} أي: الجنات ~~{فواكه كثيرة} تتفكهون بها {ومنها} أي: ومن الجنات من ثمارها وزروعها ~~{تأكلون} رطبا ويابسا وتمرا وزبيبا، وقوله تعالى: # {وشجرة} عطف على جنات أي: وأنشأنا لكم شجرة أي: زيتونة {تخرج من طور ~~سيناء} وهو الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى بن عمران عليه السلام بين ~~مصر وإيلة، وقيل: بفلسطين، وفي رواية أخرى: طور سينين، ولا يخلو إما أن ~~يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء أو سينين، وإما أن يكون اسما للجبل ~~مركبا من مضاف ومضاف إليه كامرىء القيس، وبعلبك فيمن أضاف، فمن كسر سين ~~سيناء وهو نافع وابن كثير وأبو عمرو، فقد منع الصرف للتعريف والعجمة ~~والتأنيث لأنها بقعة، وفعلاء لا ms2047 تكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء، ومن قرأ ~~بفتح السين وهم الباقون لم يصرفه؛ لأن الألف للتأنيث كصحراء؛ قال مجاهد: ~~معناه البركة أي: من جبل مبارك، وقال قتادة: معناه الحسن أي: الجبل الحسن، ~~وقال الضحاك: هو بالقبطية ومعناه الحسن، وقال عكرمة: بالحبشية، وقال مقاتل: ~~كل جبل فيه أشجار مثمرة، فهو سيناء وسينين بلغة القبط. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {تنبت} بضم التاء الفوقية، وكسر الباء الموحدة ~~من الرباعي، والباقون بفتح الفوقية وضم الموحدة من الثلاثي فقوله تعالى: ~~{بالدهن} تكون الباء على الأول زائدة، وعلى الثاني معدية قال المفسرون: ~~وإنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل؛ لأن منه تشعبت في البلاد وانتشرت؛ ~~ولأن معظمها هناك. # قال بعض المفسرين: وإنما عرف الدهن؛ لأنه أجل الأدهان وأكملها، وهو في ~~الأصل مائع لزج خفيف يتقطع ولا يختلط بالماء الذي هو أصله فيسرج ويدهن به، ~~وقوله تعالى: {وصبغ للآكلين} عطف على الدهن أي: إدام يصبغ اللقمة بغمسها ~~فيه، وهو الزيت؛ قيل: إنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان ووصفها الله تعالى ~~بالبركة في قوله تعالى: {يوقد من شجرة مباركة} (النور، 35) # النوع الرابع من الدلائل: الاستدلال بأحوال الحيوانات، وهو قوله تعالى: # {وإن لكم في الأنعام} وهي الإبل والبقر والغنم {لعبرة} عظيمة تعتبرون بها ~~وتستدلون بها على البعث وغيره {نسقيكم مما في بطونها} أي: اللبن نجعله لكم ~~شرابا نافعا للبدن موافقا للشهوة تلتذون به من بين الفرث والدم {ولكم فيها} ~~أي: جماعة الأنعام، وقدم الجار تعظيما لمنافعها حتى كأن غيرها عدم {منافع ~~كثيرة} باستسلامها لما يراد منها مما لا يتيسر من أصغر منها وبأولادها ~~وأصوافها وأوبارها وأشعارها وغير ذلك من آثارها {ومنها تأكلون} أي: وكما ~~تنتفعون بها وهي حية تنتفعون بها بعد الذبح أيضا بسهولة من غير امتناع ما ~~من شيء من # PageV02P575 # ذلك ولو شاء لمنعها وسلطها عليكم، ولو شاء لجعل لحمها لا ينضج أو جعله ~~قذرا لا يؤكل، ولكنه بقدرته وعلمه هيأها لما ذكر وذللها. # {وعليها} أي: الأنعام الصالحة للحمل وهي الإبل والبقر، وقيل: المراد ~~الإبل خاصة؛ لأنها ms2048 هي المحمول عليها في العادة وقرنها بالفلك التي هي السفن ~~في قوله تعالى: {وعلى الفلك تحملون} لأنها سفائن البر، فكما يحمل على الفلك ~~في البحر فيحمل على هذه في البر قال ذو الرمة في المعنى: # *سفينة بر تحت خدي زمامها # قال الزمخشري: يريد صيدحه أي: ناقته؛ لأن اسمها كان صيدح قال: # *رأيت الناس ينتجعون غيثا # ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا # يريد بلال بن أبي بردة الأشعري والي الكوفة، ولما بين سبحانه وتعالى ~~دلائل التوحيد أردفها بذكر القصص كما هو العادة في سائر السور مبتدئا بقصة ~~نوح عليه السلام، فقال تعالى: # {ولقد أرسلنا} أي: بما لنا من العظمة {نوحا} وهو الأب الثاني بعد آدم ~~عليهما الصلاة والسلام، وكان اسمه يشكر، وسمي نوحا لوجوه: أحدها: لكثرة ما ~~ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك، فأهلكهم الله تعالى بالطوفان، فندم ~~على ذلك، ثانيها: لمراجعته ربه في شأن ابنه، ثالثها: أنه مر بكلب مجذوم ~~فقال له: اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك. {إلى قومه} وهم جميع أهل الأرض ~~لتواصل ما بينهم لكونهم على لغة واحدة محصورين لا أنه أرسل إلى الخلق كافة؛ ~~لأن ذلك من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء {فقال} ~~أي: فتسبب عن ذلك أن قال {يا قوم} ترفقا بهم {اعبدوا الله} وحده لأنه إلهكم ~~وحده لاستحقاقه لجميع خلال الكمال، واستأنف على سبيل التعليل قوله: {ما لكم ~~من إله} أي: معبود بحق {غيره} فلا تعبدوا سواه {أفلا تتقون} أي: أفلا ~~تخافون عقوبته إن عبدتم غيره، وقرأ الكسائي بكسر الراء والهاء، والباقون ~~بضمهما. # {فقال} أي: فتسبب عن ذلك أن كذبوه بأن قال {الملأ} أي: الأشراف الذي تملأ ~~رؤيتهم الصدور عظمة {الذين كفروا من قومه} لعوامهم {ما هذا} أي: نوح عليه ~~السلام {إلا بشر مثلكم} أي: فلا يعلم ما لا تعلمون فأنكروا أن يكون بعض ~~البشر نبيا، ولم ينكروا أن يكون بعض الطين إنسانا وبعض الماء علقة، وبعض ~~العلقة مضغة إلى آخره، فكأنه قيل: ما حمله على ذلك فقالوا: {يريد ms2049 أن يتفضل} ~~يتكلف الفضل بادعاء مثل هذا {عليكم} لتكونوا أتباعا له ولا خصوصية له دونكم ~~{ولو شاء الله} أي: الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره {لأنزل} ~~كذلك {ملائكة} رسلا بإبلاغ الوحي إلينا قال الزمخشري: وما أعجب شأن الضلال ~~لم يرضوا للنبوة ببشر، وقد رضوا للألوهية بحجر {ما سمعنا بهذا} أي: الذي ~~دعا إليه نوح من التوحيد {في آبائنا الأولين} أي: الأمم الماضية. # {إن} أي: ما {هو إلا رجل به جنة} أي: جنون ولأجله يقول ما يدعيه {فتربصوا ~~به} أي: فتسبب عن الحكم بجنونه إنا نأمركم بالكف عنه لأنه لا حرج على جنونه ~~{حتى} أي: إلى {حين} لعله يفيق أو يموت، فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: # {قال} عندما أيس من فلاحهم {رب انصرني} أي: أعني عليهم {بما كذبون} أي: ~~بسبب تكذيبهم لي فإن تكذيب الرسول استخفاف بالمرسل. # {فأوحينا} أي: فتسبب عن دعائه أن أوحينا {إليه أن اصنع الفلك} أي: ~~السفينة {بأعيننا} أي: إنه لا يغيب عنا شيء من أمرك # PageV02P576 # ولا من أمرهم، وأن تعرف قدرتنا على كل شيء، فثق بحفظنا ولا تخف شيئا من ~~أمرهم، روي أنه لما أوحي إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر؛ قال ~~الجوهري: جؤجؤ الطائر والسفينة صدرهما والجمع الجآجىء. ولما كان لا يعلم ~~الصنعة قال تعالى: {ووحينا} أي: وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع، فإن جبريل علمه ~~عمل السفينة، ووصف كيفية اتخاذها له، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في سورة ~~هود {فإذا جاء أمرنا} أي: بالهلاك عقب فراغك منها أو بالركوب {وفار التنور} ~~قال ابن عباس: وجه الأرض، وفي القاموس: التنور الكانون يخبز فيه، ووجه ~~الأرض، وعن قتادة: أنه أشرف موضع في الأرض أي: أعلاه، وعن علي: طلع الفجر، ~~وعن الحسن: أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه، وقيل: هو ~~مثل كقولهم: حمي الوطيس، والأقرب كما قال الرازي، وعليه أكثر المفسرين، هو ~~التنور المعروف بتنور الخباز، فيكون له فيه آية، روي أنه قيل لنوح: إذا ~~رأيت الماء يفور في التنور فاركب أنت ومن معك في ms2050 السفينة، فلما نبع الماء ~~من التنور أخبرته امرأته، فركب وقيل: كان تنور آدم، وكان من حجارة، فصار ~~إلى نوح، واختلف في مكانه، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما ~~يلي باب كندة، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد، وقيل: بالشام بموضع يقال ~~له عين وردة، وقيل: بالهند. # وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى من الهمزتين ~~المفتوحتين من كلمتين، وحقق الأولى وسهل الثانية ورش وقنبل {فاسلك} أي: ~~أدخل {فيها} أي: السفينة {من كل زوجين،} من الحيوان {اثنين} ذكرا وأنثى، ~~وقرأ حفص بتنوين اللام من كل أي: من كل نوع زوجين، فزوجين مفعول واثنين ~~تأكيد، والباقون بغير تنوين، فاثنين مفعول، ومن متعلق باسلك، وفي القصة إن ~~الله تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب يده في كل جمع، فتقع ~~يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة، وروي أنه لم ~~يحمل إلا ما يلد ويبيض {وأهلك} أي: وأهل بيتك من زوجك وأولادك {إلا من سبق ~~عليه} لا له {القول منهم} بالهلاك وهو زوجته وولده كنعان بخلاف سام وحام ~~ويافث، فحملهم وزوجاتهم الثلاثة، وفي سورة هود {ومن آمن وما آمن معه إلا ~~قليل} (هود، 40) ، قيل: كانوا ستة رجال ونساءهم، وقيل: جميع من كان في ~~السفينة ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء {ولا تخاطبني} أي: بالسؤال ~~في النجاة {في الذين ظلموا} أي: كفروا، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إنهم ~~مغرقون} أي: قد حتم القضاء عليهم لظلمهم بالإشراك والمعاصي، ومن هذا شأنه ~~لا يشفع له، فإنه تعالى بعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فلم يزيدوا إلا ~~ضلالا ولزمتهم الحجة البالغة لم يبق إلا أن يجعلوا عبرة للمعتبرين ونحن ~~نكرمك عن سؤال لا يقبل، ولقد بالغ سبحانه وتعالى حيث اتبع النهي عنه الأمر ~~بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم بقوله تعالى: # {فإذا استويت} أي: اعتدلت {أنت ومن معك} أي: من البشر وغيرهم {على الفلك} ~~ففرغت من امتثال الأمر بالحمل {فقل الحمد لله} أي: الذي لا كفء له؛ لأنه ~~مختص بصفات ms2051 الحمد {الذي نجانا} بحملنا فيه {من القوم} أي: الأعداء الأغبياء ~~{الظالمين} أي: الكافرين لقوله تعالى: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد ~~لله رب العالمين} (الأنعام، 45) # تنبيه: إنما قال تعالى: قل، ولم يقل: قولوا؛ لأن نوحا عليه السلام كان ~~لهم نبيا وإماما # PageV02P577 # فكان قوله قولا لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء ~~الربوبية، وإن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي، ولما أشار ~~له بهذا القول إلى السلامة بالحمل أتبعه بالإشارة إلى الوعد بإسكان الأرض ~~بقوله تعالى: # {وقل رب أنزلني} في الفلك ثم في الأرض، وفي كل منزل تنزلني به وتورثني ~~إياه {منزلا مباركا} أي: يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين، وقرأ ~~أبو بكر بفتح الميم وكسر الزاي أي: مكان النزول، والباقون بضم الميم وفتح ~~الزاي مصدر أو اسم مكان، ثم إن الله تعالى أمره أن يشفع الدعاء بالثناء ~~عليه المطابق لمسألته وهو قوله تعالى: {وأنت خير المنزلين} ما ذكر لأنك ~~تكفي نزيلك كل ملم وتعطيه كل أمر، ولما كانت هذه القصة من أغرب القصص حث ~~على تدبرها بقوله تعالى: # {إن في ذلك} أي: الأمر العظيم من أمر نوح والسفينة وإهلاك الكفار {لآيات} ~~أي: دلالات على قدرة الله تعالى وصدق الأنبياء في أن المؤمنين هم المفلحون ~~وأنهم الوارثون للأرض بعد الظالمين، وإن عظمت شوكتهم واشتدت صولتهم {وإن ~~كنا} بما لنا من العظمة والوصف الثابت الدال على تمام القدرة {لمبتلين} أي: ~~فاعلين فعل الخبير المختبر لعبادنا بإرسال الرسل ليظهر في عالم الشهادة ~~الصالح منهم من غيره، ثم نبتلي الصالحين منهم بما يزيد حسناتهم وينقص ~~سيئاتهم ويعلي درجاتهم، ثم نجعل لهم العاقبة كما قال تعالى: {والعاقبة ~~للمتقين} (الأعراف، 128) # تنبيه: إن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واللام هي الفارقة. # القصة الثانية: قصة هود، وقيل: صالح عليهما السلام المذكورة في قوله ~~تعالى: # {ثم أنشأنا} أي: أحدثنا وأحيينا {من بعدهم} أي: من بعد إهلاكهم {قرنا} ~~أي: قوما {آخرين} هم عاد قوم هود، وقيل: ثمود قوم صالح. ms2052 # {فأرسلنا} أي: فتعقب إنشاءنا لهم وتسبب عنه أنا أرسلنا {فيهم رسولا منهم} ~~هو هود، وقيل: صالح؛ قال البغوي: والأول هو الأظهر وهو المروي عن ابن عباس ~~ويشهد له حكاية الله قول هود: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} ~~(الأعراف، 69) # ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء، ثم ~~بين تعالى ما أرسل به بقوله تعالى: {أن اعبدوا الله} أي: وحدوه لأنه لا ~~مكافىء له، ثم دل على الاستغراق بقوله تعالى: {ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون} أي: هذه الحالة التي أنتم عليها مخافة عقابه فتؤمنون، وقرأ نافع ~~وابن كثير وابن عامر والكسائي بضم النون في الوصل والباقون بكسرها، ~~والقراءة في غيره ذكرت قريبا.k # {وقال الملأ} أي: الأشراف التي تملأ رؤيتهم الصدور {من قومه الذين كفروا} ~~أي: غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد والانتقام من المشركين {وكذبوا بلقاء ~~الآخرة} أي: بالمصير إليها {وأترفناهم} أي: والحال أنا بما لنا من العظمة ~~نعمناهم {في الحياة الدنيا} بالأموال والأولاد وكثرة السرور يخاطبون ~~أتباعهم {ما هذا} أشاروا إليه تحقيرا له عند المخاطبين {إلا بشر مثلكم} في ~~الخلق والحال، ثم وصفوه بما يوهم المساواة لهم في كل وصف فقالوا: {يأكل مما ~~تأكلون منه} أي: من طعام الدنيا {ويشرب مما تشربون} أي: من شرابها فكيف ~~يكون رسولا دونكم، وقولهم: # {ولئن} اللام لام قسم أي: والله لئن {أطعتم بشرا مثلكم} أي: فيما يأمركم ~~به {إنكم إذا} أي: إن أطعتموه {لخاسرون} أي: مغبونون لكونكم فضلتم مثلكم ~~عليكم بما يدعيه، ثم بينوا # PageV02P578 # إنكارهم بقولهم: # {أيعدكم أنكم إذا متم} ففارقت أرواحكم أجسادكم {وكنتم} أي: وكانت أجسادكم ~~{ترابا} باستيلاء التراب على ما دون عظامكم {وعظاما} مجردة عن اللحوم ~~والأعصاب {أنكم مخرجون} أي: من تلك الحالة التي صرتم إليها فراجعون إلى ما ~~كنتم عليه من الحياة على ما كان لكم من الأجسام. # تنبيه: قوله تعالى: مخرجون خبر إنكم الأولى، وإنكم الثانية تأكيد لها لما ~~طال الفصل، ثم استأنفوا التصريح بما دل عليه الكلام من استبعاد ms2053 ذلك فقالوا: # {هيهات هيهات} اسم فعل ماض بمعنى مصدر أي: بعد بعد جدا، وقال ابن عباس: ~~هي كلمة بعد أي: بعيد، ثم كأنه قيل: لأي شيء هذا الاستبعاد؟ فقيل: {لما ~~توعدون} من الإخراج من القبور فإن قيل: ما توعدون هو المستبعد ومن حقه أن ~~يرفع بهيهات كما ارتفع به في قوله: # *فهيهات هيهات العقيق وأهله # فما هذه اللام؟ أجيب: بأن الزجاج قال في تفسيره: البعد لما توعدون فنزل ~~منزلة المصدر، ويصح أن تكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة ~~الاستبعاد كما جاءت اللام في هيت لك لبيان المهيت به أو أن اللام زائدة ~~للبيان. # فائدة: وقف البزي والكسائي على هيهات الأولى والثانية بالهاء، والباقون ~~بالتاء على المرسوم. # وقولهم: {إن هي} ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله ~~إن الحياة {إلا حياتنا الدنيا} ثم وضع هي موضع الحياة؛ لأن الخبر يدل عليها ~~ويبينها، ومنه هي النفس تتحمل ما حملت، والمعنى: لا حياة إلا هذه الحياة؛ ~~لأن إن النافية دخلت على هي التي بمعنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها، ~~فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس {نموت ونحيى} أي: يموت منا من هو ~~موجود وينشأ آخرون بعدهم، وقيل: يموت قوم ويحيا قوم، وقيل: تموت الآباء ~~وتحيا الأبناء، وقيل: في الآية تقديم وتأخير أي: نحيا ونموت لأنهم كانوا ~~ينكرون البعث بعد الموت كما قالوا: {وما نحن بمبعوثين} بعد الموت فكأنه ~~قيل: فما هذا الكلام الذي يقوله؟ فقيل: كذب ثم حصروا أمره في الكذب فقالوا: # {إن} أي: ما {هو إلا رجل افترى} أي: تعمد {على الله} أي: الملك الأعلى ~~{كذبا} فلا يلتفت إليه {وما نحن له بمؤمنين} أي: بمصدقين فيما يخبرنا به من ~~البعث والرسالة، فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: # {قال رب} أيها المحسن إلي بالرسالة وبإرسالي إليهم وبغيره من أنواع النعم ~~{انصرني} أي: أوقع لي النصر {بما كذبون} فأجابه ربه بأن: # {قال عما قليل} من الزمان وما زائدة وأكدت القلة بزيادتها {ليصبحن} أي: ~~ليصيرن {نادمين} ms2054 أي: على كفرهم وتكذيبهم إذا عاينوا العذاب. # {فأخذتهم الصيحة} أي: صيحة العذاب والهلاك كائنة {بالحق} أي: الأمر ~~الثابت من العذاب الذي لا يمكن مدافعته لهم ولا لغيرهم غير الله تعالى ~~فماتوا، وقيل: صيحة جبريل عليه السلام، ويكون القوم ثمود على الخلاف السابق ~~{فجعلناهم} بسبب الصيحة {غثاء} أي: مطروحين ميتين كما يطرح الغثاء شبهوا في ~~دمارهم بالغثاء وهو حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان ومنه قوله: ~~{فجعله غثاء أحوى} (الأعلى، 5) # أي: أسود يابسا، ولما كان هلاكهم على هذا الوجه سببا لهوانهم عبر عنه ~~بقوله تعالى: {فبعدا} أي: هلاكا وطردا عن الرحمة {للقوم الظالمين} الذين ~~وضعوا قوتهم التي كان يجب عليهم بذلها في نصر الرسل في خذلانهم. # تنبيه: يحتمل هذا الدعاء عليهم والإخبار عنهم، ووضع # PageV02P579 # الظاهر موضع ضميرهم للتعليل وبعدا وسحقا ونفرا وتخويفا ونحوها مصادر ~~موضوعة مواضع أفعالها وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه: نصبت بأفعال لا ~~يستعمل إظهارها. # القصة الثالثة: المذكورة في قوله تعالى: # {ثم أنشأنا} أي: بعظمتنا التي يضرها تقديم ولا تأخير {من بعدهم} أي: من ~~بعد من قدمنا ذكره من نوح والقرن الذي بعده {قرونا} أي: أقواما {آخرين} فهو ~~سبحانه وتعالى تارة يقص علينا في القرآن مفصلا كما تقدم، وتارة يقص مجملا ~~كما هنا، وقيل: المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام، وعن ابن ~~عباس: بني إسرائيل، ثم إنه تعالى أخبر بأنه لم يعجل على أحد منهم قبل الأجل ~~الذي أجل لهم بقوله تعالى: # {ما تسبق من أمة أجلها} أي: الذي قدر لها بأن تموت قبله {وما يستأخرون} ~~عنه. # تنبيه: ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية للمعنى ومن زائدة. # {ثم أرسلنا رسلنا تترا} أي: متتابعين بين كل اثنين زمان طويل، وقرأ أبو ~~عمرو: رسلنا بسكون السين، والباقون برفعها، وقرأ تترا، ابن كثير وأبو عمرو ~~في الوصل بتنوين الراء على أنه مصدر بمعنى التواتر وقع حالا، والباقون بغير ~~تنوين، ولما كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ قيل: {كلما جاء أمة رسولها} أي: بما ~~أمرناه من التوحيد {كذبوه} أي: ms2055 كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك. # تنبيه: أضاف الرسول مع الإرسال إلى الرسل ومع المجيء إلى المرسل إليهم؛ ~~لأن الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه والمجيء الذي هو منتهاه إليهم، وقرأ ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والواو، ~~والباقون بتحقيقهما، وهم على مراتبهم في المد {فأتبعنا} القرون بسبب ~~تكذيبهم {بعضهم بعضا} في الإهلاك، فلم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم كما ~~قال تعالى: {وجعلناهم أحاديث} أي: أخبار يسمعونها ويتعجب منها ليكونوا عظة ~~للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون، وما أحسن قول ~~القائل: # *ولا شيء يدوم فكن حديثا # ... جميل الذكر فالدنيا حديث # والأحاديث تكون جمعا للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتكون جمعا للأحدوثة التي هي مثل الأعجوبة والألعوبة وهي ما يتحدث به الناس ~~تلهيا وتعجبا وهو المراد هنا، ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم ~~قال تعالى: {فبعدا لقوم} أي: أقوياء على ما يطلب منهم {لا يؤمنون} أي: لا ~~يوجد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة لأنه لا مزاج لهم معتدل. # القصة الرابعة: قصة موسى وهارون عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى: # {ثم أرسلنا} أي: بما لنا من العظمة {موسى وأخاه هارون بآياتنا} قال ابن ~~عباس: الآيات التسع وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والبحر ~~والسنين ونقص الثمرات {وسلطان مبين} أي: حجة بينة وهي العصا وأفردها ~~بالذكر؛ لأنها قد تعلق بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته ~~السحرة وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها، وكونها حارسا وشمعة ~~وشجرة خضراء مثمرة ودلوا ورشاء، فجعلت كأنها ليست بعصا لما استبدت به من ~~الفضائل فلذلك عطفت عليها كقوله تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال} ، ويجوز أن يراد بالآيات نفس تلك المعجزات وبالسلطان المبين ~~كيفية # PageV02P580 # دلالتها على الصدق وذلك لأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها ~~آيات، فقد فارقتها في قوة دلالتها على قول موسى عله السلام، وإن يراد ~~بالسلطان المبين المعجزات وبالآيات ms2056 الحجج، وإن يراد بها المعجزات فإنها ~~آيات النبوة وحجة بينة على ما يدعيه النبي، قال الرازي: واعلم أن الآية تدل ~~على أن معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضا وأن النبوة كما كانت مشتركة ~~بينهما، فكذلك المعجزات. # {إلى فرعون وملئه} أي: وقومه ولكن لما كان الأطراف لا يخافون الأشراف ~~عدهم عدما، ومن الواضح أن التقدير أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ~~وأشار بقوله تعالى: {فاستكبروا} إلى أنهم أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما ~~دعوهم إليه عقب الإبلاغ من غير تأمل ولا تثبت، وطلبوا أن لا يكونوا تحت أمر ~~من دعاهم، وأشار بالكون إلى فساد جبلتهم بقوله تعالى: {وكانوا قوما} أي: ~~أقوياء {عالين} أي: متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم، ولما تسبب عن استكبارهم ~~وعلوهم إنكارهم للاتباع قال تعالى: # {فقالوا أنؤمن} أي: بالله تعالى مصدقين {لبشرين مثلنا} أي: في البشرية ~~والمأكل والمشرب وغيرهما مما يعتري البشر كما قال من تقدمهم: {وقومهما} أي: ~~والحال أن قومهما أي: بني إسرائيل {لنا عابدون} خضوعا وتذللا أي: في غاية ~~الذل والانقياد كالعبيد، فنحن أعلى منهما بهذا، أو لأنه كان يدعي الإلهية، ~~فادعى للناس العبادة وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة. # {فكذبوهما} أي: فرعون وملؤه موسى وهارون، {فكانوا} أي: فرعون وملؤه بسبب ~~تكذيبهم {من المهلكين} أي: بالغرق ببحر القلزم ولم تغن عنهم قوتهم في ~~أنفسهم، ولا قوتهم على خصوص بني إسرائيل واستعبادهم ولا ضر بني إسرائيل ~~ضعفهم عن دفاعهم ولا ذلهم لهم وصغارهم في أيديهم، ولما كان ضلال بني ~~إسرائيل بعد إنقاذهم من عبودية فرعون وقومه أعجب قال تعالى تسلية لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم # {ولقد آتينا} أي: بعظمتنا {موسى الكتاب} أي: التوراة {لعلهم} أي: قوم ~~موسى وهارون عليهما السلام {يهتدون} من الضلالة إلى المعارف والأحكام، ولا ~~يصح عود الضمير إلى فرعون وملئه؛ لأن التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد ~~إغراق فرعون وملئه بدليل قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما ~~أهلكنا القرون الأولى} (القصص، 43) # القصة الخامسة: قصة عيسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {وجعلنا} ms2057 أي: بعظمتنا وقدرتنا {ابن مريم} نسبه إليها تحقيقا لكونه لا أب ~~له، وكونه بشرا محمولا في البطن مولودا لا يصلح لرتبة الإلهية، وزاد في ~~تحقيق ذلك بقوله: {وأمه} وقال تعالى: {آية} ولم يقل: آيتين؛ لأن الآية ~~فيهما واحدة ولادته من غير فحل، ويحتمل أن الآية الأولى حذفت لدلالة ~~الثانية عليها، والتقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية لأن الله تعالى: ~~جعل مريم آية لأنها حملته من غير ذكر، وقال الحسن: قد تكلمت في صغرها كما ~~تكلم عيسى وهو قولها: {هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} ، ~~ولم تلتقم ثديا قط. # تنبيه: قال بعض المفسرين: ولعل في ذلك إشارة إلى أنه تكلمت به آية للقدرة ~~على إيجاد الإنسان بكل اعتبار من غير ذكر ولا أنثى، وهو آدم عليه السلام، ~~ومن ذكر بلا أنثى وهي حواء عليها السلام، ومن أنثى بلا ذكر وهو عيسى عليه ~~السلام، ومن الزوجين وهو بقية الناس {وآويناهما} أي: # PageV02P581 # بعظمتنا {إلى ربوة} أي: مكان عال من الأرض. # تنبيه: قد اختلف في هذه الربوة، فقال عطاء عن ابن عباس: هي بيت المقدس، ~~وهو قول قتادة وكعب، قال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، ~~وقال عبد الله بن سلام: هي دمشق، وقال أبو هريرة: هي الرملة، وقال السدي: ~~هي أرض فلسطين، وقال ابن زيد: هي مصر، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء، ~~والباقون بضم الراء {ذات قرار} أي: منبسطة مستوية واسعة يستقر عليها ~~ساكنوها {ومعين} أي: ماء جار ظاهر تراه العيون. # تنبيه: قد اختلف في زيادة ميم معين وأصالتها فوجه من جعلها مفعولا أنه ~~مدرك بالعين لظهوره من عانه إذا أدركه بعينه نحو ركبه إذا ضربه بركبته، ~~ووجه من جعله فعيلا أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة قيل: سبب ~~الإيواء أنها مرت بابنها إلى الربوة، وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، ثم رجعت ~~إلى أهلها بعدما مات ملكهم وههنا آخر القصص. وقد اختلف في المخاطب بقوله ~~تعالى: # {يا أيها الرسل كلوا من ms2058 الطيبات} على وجوه؛ أحدها: أنه محمد صلى الله ~~عليه وسلم وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة، ثانيها: أنه ~~عيسى عليه السلام؛ لأنه روي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه، ~~ثالثها: أنه كل رسول خوطب بذلك، ووصي به لأنه تعالى في الأزل متكلم آمر ~~ناه، ولا يشترط في الأمر وجود المأمورين بل الخطاب أزلا على تقدير وجود ~~المخاطبين، فقول البيضاوي: لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في ~~أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلا منهم خوطب به في زمانه، تبع فيه «الكشاف» ~~، فإن المعتزلة أنكروا قدم الكلام فحملوا الآية على خلاف ظاهرها، وأنت خبير ~~بأن عدم اشتراط ما ذكر إنما هو في التعلق المعنوي لا التنجيزي الذي الكلام ~~فيه، فإنه مشروط فيه ذلك، وإنما خاطب جميع الرسل بذلك ليعتقد السامع أن ~~أمرا خوطب به جميع الرسل ووصوا به حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، وهذا كما ~~قال الرازي أقرب؛ لأنه روي «عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم، ~~فرد صلى الله عليه وسلم إليها وقال: من أين لك هذا؟ فقالت: من شاة لي، ثم ~~رده صلى الله عليه وسلم وقال: من أين هذه الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، ~~فأخذه ثم إنها جاءته فقالت: يا رسول الله لم رددته؟ فقال صلى الله عليه ~~وسلم بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيبا، ولا تعمل إلا صالحا» ، والمراد ~~بالطيب الحلال، وقيل: # طيبات الرزق الحلال الصافي القوام، فالحلال هو الذي لا يعصى الله تعالى ~~فيه، والصافي هو الذي لا ينسى الله فيه، والقوام هو الذي يمسك النفس ويحفظ ~~العقل، وقيل: المراد بالطيب المستلذ أي: ما تستلذه النفس من المأكل والمشرب ~~والفواكه، ويشهد له مجيئه على عقب قوله تعالى: {وآويناهما إلى ربوة ذات ~~قرار ومعين} (المؤمنون، 50) ، واعلم أنه سبحانه وتعالى كما قال للمرسلين: ~~{يا أيها الرسل كلوا ms2059 من الطيبات} قال للمؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا كلوا ~~من طيبات ما رزقناكم} ، ودل سبحانه وتعالى على أن الحلال عون على الطاعة ~~بقوله تعالى: {واعملوا صالحا} فرضا ونفلا سرا وجهرا غير خائفين من أحد غير ~~الله تعالى، ثم حثهم على دوام المراقبة بقوله تعالى: {إني بما} أي: بكل شيء ~~{تعملون عليم} أي: بالغ العلم فأجازيكم عليه، وقرأ: # {وإن هذه} بكسر # PageV02P582 # الهمزة الكوفيون على الاستئناف، والباقون بفتحها على تقدير واعلموا أن ~~هذه أي: ملة الإسلام، وخفف النون ساكنة ابن عامر وشددها مفتوحة الباقون ~~{أمتكم} أي: دينكم أيها المخاطبون أي: يجب أن تكونوا عليها حال كونها {أمة ~~واحدة} لا شتات فيها أصلا، فما دامت موحدة، فهي مرضية {وأنا ربكم} أي: ~~المحسن إليكم بالخلق والرزق وحدي، فمن وحدني نجا، ومن أشرك معي غيري هلك ~~{فاتقون} أي: فاحذرون. # {فتقطعوا} أي: الأمم وإنما أضمرهم لوضوح إرادتهم؛ لأن الآية التي قبلها ~~قد صرحت بأن الأنبياء ومن نجا منهم أمة واحدة لا خلاف بينهما، فعلم قطعا أن ~~الضمير للأمم، ومن نشأ بعدهم ولذلك كان النظر إلى الأمر الذي كان واحدا أهم ~~فقدم، وقوله: {أمرهم} أي: دينهم بعد أن كان مجتمعا متصلا {بينهم} وقوله ~~تعالى: {زبرا} حال من فاعل تقطعوا أي: أحزابا متخالفين، فصاروا فرقا ~~كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الأديان المختلفة جمع زبور بمعنى ~~الفرقة، وقيل: معنى زبرا كتبا أي: تمسك كل قوم بكتاب فآمنوا به وكفروا بما ~~سواه من الكتب {كل حزب} أي: فرقة من المتحزبين {بما لديهم} أي: عندهم من ~~ضلال وهدى، وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها {فرحون} أي: مسرورون فضلا ~~عن أنهم راضون، وقوله تعالى: # {فذرهم} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: اترك كفار مكة {في غمرتهم} ~~أي: ضلالتهم، شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها {حتى حين} ~~أي: إلى أن يقتلوا أو يموتوا، سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ونهى ~~عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره، ولما كان الموجب لغرورهم ظنهم أن ~~حالهم في بسط الأرزاق من الأموال ms2060 والأولاد حالة رضا عنهم أنكر ذلك عليهم ~~تنبيها لمن سبقت له السعادة، وكتبت له الحسنى وزيادة فقال تعالى: # {أيحسبون} أي: لضعف عقولهم، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين ~~والباقون بكسرها {أنما نمدهم} أي: نعطيهم ونجعله مددا لهم {به من مال} ~~نيسره لهم {وبنين} نمتعهم بهم، ثم أخبر عن أن بقوله تعالى: # {نسارع} أي: نعجل {لهم} أي: به {في الخيرات} لا نفعل ذلك {بل لا يشعرون} ~~أنهم في غاية البعد عن الخيرات {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} (الأعراف، ~~182) ، وقال تعالى في موضع آخر: {فلا تعجبك أمولهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} (التوبة، 55) ~~، وروي عن زيد بن ميسرة أنه قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء ~~أيفرح عبدي أن أبسط إليه الدنيا، وهو أبعد له مني، ويحزن أن أقبض عنه ~~الدنيا وهو أقرب له مني، وعن الحسن أنه لما أتي عمر رضي الله عنه بسواري ~~كسرى فأخذهما ووضعهما في يد سراقة بن مالك فبلغا منكبيه، فقال عمر: اللهم ~~إني قد علمت أن نبيك عليه الصلاة والسلام كان يحب أن يصيب مالا لينفقه في ~~سبيلك، فزويت ذلك عنه، ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك اللهم لا يكون ذلك مكرا ~~منك، ثم تلا: {أيحسبون} الآية. ولما ذكر أهل الافتراق ذكر أهل الوفاق ~~ووصفهم بأربع صفات. # الأولى: قوله تعالى: # {إن الذين هم} أي: ببواطنهم {من خشية ربهم} أي: الخوف العظيم من المحسن ~~إليهم المنعم عليهم {مشفقون} أي: دائمون على الحذر. # الصفة الثانية: قوله تعالى: # {والذين # PageV02P583 # هم بآيات ربهم} أي: القرآن {يؤمنون} أي: يصدقون. # الصفة الثالثة: قوله تعالى: # {والذين هم بربهم} أي: الذي لا محسن إليهم غيره {لا يشركون} أي: شيئا من ~~شرك في وقت من الأوقات كما لم يشركه في الإحسان إليهم أحد، ولما أثبت لهم ~~الإيمان الخالص نفى عنهم العجب بقوله تعالى: # {والذين يؤتون} أي: يعطون {ما آتوا} أي: ما أعطوا من الصدقة والأعمال ~~الصالحة، وهذه الصفة الرابعة {وقلوبهم وجلة} أي: شديدة ms2061 الخوف أن لا يقبل ~~منهم ولا ينجيهم من عذاب الله، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {أنهم إلى ربهم} ~~أي: الذي طال إحسانه إليهم {راجعون} بالبعث، فيجازيهم على النقير والقطمير، ~~ويجزيهم بكل قليل وكثير، وهو الناقد البصير، ولا تنفع هناك الندامة، وليس ~~هناك إلا الحكم العدل والحكم القاطع من جهة مالك الملك؛ قال الحسن البصري: ~~المؤمن جمع إيمانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا، ثم أثبت لهم ما أفهم ~~أن ضده لأضدادهم بقوله تعالى: # {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} أي: يبادرون إلى الأعمال ~~الصالحة قبل الموت، ولما ذكر تعالى كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر أنه ~~تعالى لا يكلف أحدا فوق طاقته بقوله تعالى: # {ولا نكلف نفسا إلا وسعها} أي: طاقتها، فمن لم يستطع أن يصلي الفرض قائما ~~فليصل قاعدا، ومن لم يستطع أن يصلي قاعدا فليصل مضطجعا، ومن لم يستطع أن ~~يصوم رمضان فليفطر؛ لأن مبنى المخلوق على العجز {ولدينا} أي: وعندنا {كتاب ~~ينطق بالحق} بما عملته كل نفس، وهو اللوح المحفوظ تسطر فيه الأعمال، وقيل: ~~كتب الحفظة ونظيره قوله تعالى: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} (الجاثية، ~~29) ، وقوله تعالى: {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} (الكهف، 49) ، ~~فشبه تعالى الكتاب بمن يصدر عنه البيان، فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرف بما ~~فيه كما يعرف بنطق الناطق إذا كان محقا فإن قيل: ما فائدة ذلك الكتاب مع أن ~~الله تعالى يعلم ذلك إذ لا تخفى عليه خافية؟ أجيب: بأن الله تعالى يفعل ما ~~يشاء، وقد يكون في ذلك حكمة لا يطلع عليها إلا هو تعالى {وهم} أي: الخلق ~~كلهم {لا يظلمون} أي: لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد في سيئاتهم، ثم ذكر حال ~~الكفار فقال تعالى: # {بل قلوبهم} أي: الكفرة من الخلق {في غمرة} أي: جهالة قد أغرقتها {من ~~هذا} أي: القرآن أو الذي وصف به حال هؤلاء أو من كتاب الحفظة {ولهم أعمال ~~من دون ذلك} المذكور للمؤمنين {هم} أي: الكفار {لها} أي: لتلك الأعمال ~~الخبيثة {عاملون} أي: لا بد ms2062 أن يعملوها فيعذبون عليها لما سبق من الشقاوة. # {حتى إذا أخذنا مترفيهم} أي: رؤساءهم وأغنياءهم {بالعذاب} قال ابن عباس: ~~هو السيف يوم بدر، وقيل: هو الجوع دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فابتلاهم ~~الله تعالى بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحرقة والقذر ~~والأولاد {إذا هم يجأرون} أي: يصيحون ويستغيثون ويجزعون، وأصل الجأر رفع ~~الصوت بالتضرع؛ قاله البغوي، فكأنه قيل: فهل يقبل اعتذارهم أو يرحم ~~انكسارهم؟ فقيل: لا بل يقال لهم بلسان الحال أو المقال. # {لا تجأروا اليوم} فإن الجأر غير نافع لكم، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ~~{إنكم منا لا تنصرون} أي: بوجه من الوجوه، ومن عدم نصرنا لم يجد له ناصرا ~~فلا فائدة لجأره إلا إظهار الجزع، ثم علل عدم # PageV02P584 # نصره لهم بقوله تعالى: # {قد كانت آياتي} أي: من القرآن {تتلى عليكم} أي: من أوليائي وهم الهداة ~~النصحاء {فكنتم} كونا هو كالجبلة {على أعقابكم} عند تلاوتها {تنكصون} أي: ~~تعرضون مدبرين عن سماعها والعمل بها، والنكوص الرجوع القهقرى. # {مستكبرين} عن الإيمان، واختلف في عود الضمير في {به} فقال ابن عباس: ~~بالبيت الحرام، وشهرة استكبارهم وافتخارهم أنهم قوامه أغنت عن سبق ذكره، ~~وذلك أنهم يقولون: نحن أهل حرم الله وجيران بيته، فلا يظهر علينا أحد ولا ~~نخاف أحدا، فيأمنون فيه، وسائر الناس في الخوف، وقيل: بالقرآن، فلم يؤمنوا ~~به، وقوله تعالى: {سامرا} نصب على الحال أي: جماعة يتحدثون بالليل حول ~~البيت، وقوله تعالى: {تهجرون} قرأه نافع بضم التاء وكسر الجيم من الإهجار ~~وهو الإفحاش أي: تفحشون وتقولون الخنا ذكر أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه والباقون بفتح التاء وضم الجيم، أي: تعرضون عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعن الإيمان وعن القرآن وترفضونها وتسمون القرآن سحرا ~~وشعرا، ثم إنه تعالى لما وصف حالهم رد عليهم بأن بين أن إقدامهم على هذه ~~الأمور لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة: # أحدها: أن لا يتأملوا في ms2063 دليل نبوته، وهو المراد من قوله تعالى: # {أفلم يدبروا القول} أي: القرآن الدال على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصل يدبروا يتدبروا أدغمت التاء في الدال. # ثانيها: أن يعتقدوا أن ما جاء به الرسول أمر على خلاف العادة وهو المراد ~~من قوله تعالى: {أم جاءهم} في هذا القول {ما لم يأت آباءهم الأولين} الذين ~~بعد إسماعيل وقبله. # ثالثها: أن لا يكونوا عالمين بأمانته وحسن حاله قبل ادعائه النبوة، وهو ~~المراد من قوله تعالى: # {أم لم يعرفوا رسولهم} أي: الذي أتاهم بهذا القول الذي لا قول مثله، وهم ~~يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، وما جاءهم به من معالي الأخلاق حتى أنهم لا ~~يجدون فيه إذا تحققت الحقائق نقيصة يذكرونها ولا وصمة يستحلونها كما دلت ~~عليه الأحاديث الصحاح منها حديث أبي سفيان بن حرب الذي في أول البخاري في ~~سؤال هرقل ملك الروم له عن شأنه صلى الله عليه وسلم وقد اتفقت كلمتهم ~~بتسميته الأمين {فهم} أي: فتسبب عن جهلهم به أنهم {له} أي: نفسه أو القول ~~الذي أتى به {منكرون} فيكونوا ممن جهل الحق لجهل حال الآتي به، وفي هذا ~~غاية التوبيخ لهم بجهلهم وبغباوتهم بأنهم يعرفون أنه أصدق الخلق وأعلاهم في ~~كل معنى جميل، ثم كذبوه. # رابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون فيقولوا إنما حمله على ادعائه الرسالة ~~جنونه، وهو المراد من قوله تعالى: # {أم يقولون} أي: بعد تدبر ما أتى به وعدم عثورهم فيه على وجه من وجوه ~~الطعن {به} أي: رسولهم {جنة} أي: جنون فلا يوثق به. # ولما كانت هذه الأقسام منفية عنه فإنهم أعرف الناس بهذا النبي الكريم، ~~وإنه أكملهم خلقا وأشرفهم خلقا، وأظهرهم شيما، وأعظمهم همما، وأرجحهم عقلا ~~وأمتنهم رأيا، وأرضاهم قولا وأصوبهم فعلا أضرب عنها وقال تعالى: {بل} أي: ~~لم ينكصوا عند سماع الآيات ويسمروا ويهجروا لاعتقاد شيء مما مضى، وإنما ~~فعلوا ذلك لأن هذا الرسول الكريم {جاءهم بالحق} أي: القرآن المشتمل على ~~التوحيد وشرائع الإسلام، وقال الجلال المحلي: الاستفهام فيه للتقرير بالحق ~~من صدق النبي ms2064 ومجيء الرسول للأمم # PageV02P585 # الماضية ومعرفة رسولهم بالصدق والأمانة وأن لا جنون به، وبل للانتقال ~~{وأكثرهم} أي: والحال أن أكثرهم {للحق كارهون} متابعة للأهواء الردية ~~والشهوات البهيمية عنادا، وإنما قيد تعالى الحكم بالأكثر؛ لأن بعضهم يتركه ~~جهلا وتقليدا وخوفا من أن يقال صبأ، وبعضهم يتبعه توفيقا من الله تعالى ~~وتأييدا، ثم بين تعالى أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم بقوله تعالى: # {ولو اتبع الحق} أي: القرآن {أهواءهم} بأن جاء بما يهووه من الشرك والولد ~~لله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا {لفسدت السموات} على علوها وإحكامها ~~{والأرض} على كثافتها وانتظامها {ومن فيهن} على كثرتهم وانتشارهم وقوتهم ~~أي: خرجت عن نظامها المشاهد بسبب ادعائهم تعدد الآلهة لوجود التمانع في ~~الشيء عادة عند تعدد الحاكم كما سبق تقريره في قوله تعالى: {لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا} (الأنبياء، 22) ، {بل أتيناهم} بعظمتنا {بذكرهم} أي: ~~بالقرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم، وقيل: بالذكر الذي تمنوه بقولهم: لو أن ~~عندنا ذكرا من الأولين {فهم عن ذكرهم} أي: الذي هو شرفهم {معرضون} لا ~~يلتفتون إليه، ثم بين تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يطمع فيهم حتى ~~يكون ذلك سببا لنفرتهم بقوله تعالى: # {أم تسألهم} أي: على ما جئتم به {خرجا} أي: أجرا، وقرأ حمزة والكسائي ~~بفتح الراء وبعدها ألف، والباقون بسكون الراء، ولما كان الإنكار معناه ~~النفي حسن موقع فاء السببية في قوله تعالى: # {فخراج ربك} أي: رزقه في الدنيا وثوابه في العقبى {خير} لسعته ودوامه، ~~ففيه مندوحة لك عن عطائهم، وقرأ ابن عامر بسكون الراء والباقون بفتحها وألف ~~بعدها قال أبو عمرو بن العلاء: الخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه؛ ~~قال الزمخشري: والوجه أن الخرج أخص من الخراج كقولك: خراج القرية، وخرج ~~الكردة أي: الرقبة زيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذلك حسنت قراءة من قرأ ~~خرجا فخراج ربك يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق، ~~فالكثير من عطاء الخالق خير، وقوله تعالى: {وهو خير الرازقين} تقرير لخيرية ~~خراجه. ولما ms2065 زيف سبحانه وتعالى طريق القوم أتبعه بصحة ما جاء به الرسول ~~عليه السلام بقوله تعالى: # {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} تشهد عقولهم السليمة على استقامته لا عوج ~~فيه يوجب اتهامهم له، كما تشهد له به العقول الصحيحة، فمن سلكه أوصله إلى ~~الغرض، فحاز كل شرف. # تنبيه: قد ألزمهم الله تعالى الحجة في هذه الآيات، وقطع معاذيرهم وعللهم، ~~فإن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله مخبور سره وعلنه خليق بأن يجتبى ~~مثله للرسالة من بين ظهرانيهم وأنه لم يعرض له حتى يدعي مثل هذه الدعوى ~~العظيمة بباطل، ولم يجعل له سلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ~~ولم يدعهم إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم إلا مع إبراز المكنون ~~من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل من غير برهان. # {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: بالبعث والثواب والعقاب {عن الصراط} ~~أي: الذي لا صراط غيره؛ لأنه لا موصل إلى القصد غيره {لناكبون} أي: عادلون ~~منحرفون في سائر أحوالهم سائرون على غير منهج أصلا بل خبط عشواء. # {ولو رحمناهم} أي: عاملناهم معاملة المرحوم في إزالة ضرره وهو معنى قوله ~~تعالى: {وكشفنا ما بهم من ضر} أي: جوع أصابهم بمكة سبع سنين {للجوا} # PageV02P586 # أي: عادوا وتمادوا {في طغيانهم} الذي كانوا عليه قبل هذا {يعمهون} أي: ~~يترددون. # {ولقد أخذناهم بالعذاب} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قريش ~~أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط، فجاء أبو سفيان إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة ~~للعالمين فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فقد ~~أكلوا الفرث والعظام والعلهز وشكا إليه الضرع فادع الله تعالى يكشف عنا هذا ~~القحط فدعا فكشف عنهم فأنزل الله تعالى هذه الآية. # تنبيه: العلهز وبر يخلط بدماء اللحم، فيؤكل في الجدب والعلهز أيضا: ~~القراد الضخم، وشكا بعض الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم السنة فقال: # *ولا شي مما يأكل الناس عندنا # ... سوى الحنظل العامي والعلهز ms2066 الفسل # *وليس لنا إلا إليك فرارنا # ... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل # فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم «واستسقى لرفع هذه المحن» فقال الله ~~تعالى عنهم: {فما استكانوا} أي: خضعوا خضوعا هو كالجبلة لهم وأصله طلب ~~السكون {لربهم} أي: المحسن إليهم عقب المحنة {وما يتضرعون} أي: يجددون ~~الدعاء بالخضوع والذل والخشوع في كل وقت بحيث يكون لهم عادة بل هم على ما ~~جبلوا عليه من الاستكبار والعتو. # {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا} أي: صاحب {عذاب شديد} قال ابن عباس: يعني ~~القتل يوم بدر، وهو قول مجاهد، وقيل: هو الموت، وقيل: هو قيام الساعة {إذا ~~هم فيه} أي: ذلك الباب مطروحون لا يقدرون منه على نوع خلاص {مبلسون} ~~متحيرون آيسون من كل خير، ثم إنه سبحانه التفت إلى خطابهم وبين عظيم نعمته ~~من وجوه: # أحدها: ما ذكره بقوله تعالى: # أي: خلق {لكم} يا من يكذب بالآخرة {السمع} بمعنى الإسماع {والأبصار} على ~~غير مثال سبق لتحسنوا بها ما نصب من الآيات {والأفئدة} أي: التي هي مراكز ~~العقول فتتفكروا في الآيات وتستدلوا بها على الوحدانية فكنتم بها أعلى من ~~بقية الحيوان جمع فؤاد وهو القلب، وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنه يتعلق ~~بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها، فمن لم يعملها فيما ~~خلقت له، فهو بمنزلة عادمها كما قال عز وجل: {فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم، ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله} (الأحقاف، 26) ، ~~ولما صور لهم هذه النعم وهي بحيث لا يشك عاقل في أنه لو تصور أن يعطي آدمي ~~شيئا منها لم يقدر على مكافأته حسن تبكيتهم في كفر النعم، فقال تعالى: ~~{قليلا ما تشكرون} لمن أولاكم هذه النعم التي لا يقدر غيره على شيء منها مع ~~ادعائكم أنكم أشكر الناس لمن أسدى إليكم أقل ما يكون من النعم التي يقدر ~~على مثلها كل أحد، فكنتم بذلك مثل الحيوانات العجم صما بكما عميا؛ قال أبو ~~مسلم: ليس المراد أن لهم شكرا وإن قل، ms2067 لكنه يقال للكفور الجاحد النعمة ما ~~أقل شكر فلان. # ثانيها: ما ذكره في قوله تعالى: {وهو} أي: وحده {الذي ذرأكم} أي: خلقكم ~~وبثكم {في الأرض} للتناسل {وإليه} وحده {تحشرون} يوم النشور. # ثالثها: ما ذكره بقوله تعالى: # {وهو} أي: وحده {الذي} من شأنه أنه {يحي # PageV02P587 # ويميت} فلا مانع له من البعث ولا غيره مما يريده. # رابعها: ما ذكره بقوله تعالى: {وله اختلاف الليل والنهار} أي: التصرف ~~فيهما بالسواد والبياض والزيادة والنقصان {أفلا تعقلون} أي: بالنظر والتأمل ~~أن الكل منا وأن قدرتنا تعم الممكنات كلها، وأن البعث من جملتها فتعتبرون، ~~ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري النفي حسن بعده بقوله تعالى: # {بل قالوا} أي: هؤلاء العرب {مثل ما قال الأولون} من قوم نوح ومن بعدهم ~~فقالوا ذلك تقليدا للأولين، ثم حكى الشبهة عنهم من وجهين: أحدهما: ما ذكره ~~بقوله تعالى: # {قالوا} أي: منكرين للبعث متعجبين من أمره {أئذا متنا وكنا} أي: بالبلاء ~~بعد الموت {ترابا وعظاما} نخرة، ثم أكدوا الإنكار بقولهم: {أئنا لمبعوثون} ~~أي: لمحشورون بعد ذلك قالوا ذلك استبعادا ولم يتأملوا أنهم قبل ذلك أيضا ~~كانوا ترابا فخلقوا. ثانيهما: ما ذكره بقوله تعالى: إنهم قالوا: # {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا} أي: البعث بعد الموت {من قبل} كأنهم قالوا: ~~إن هذا الوعد كما وقع منه صلى الله عليه وسلم فقد وقع قديما من سائر ~~الأنبياء ولم يوجد مع طول العهد، وظنوا أن الإعادة تكون في دار الدنيا، ثم ~~قالوا: {إن} أي: ما {هذا إلا أساطير} أي: أكاذيب {الأولين} كالأضاحيك ~~والأعاجيب جمع أسطورة بالضم، وقيل: جمع أسطار جمع سطر؛ قال رؤبة: # *إني وأسطار سطرن سطرا # وهو ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له. # ولما أنكروا البعث هذا الإنكار المؤكد ونفوه هذا النفي المحتم أمره الله ~~تعالى أن يقررهم بثلاثة أشياء هم بها مقرون، ولها عارفون يلزمهم من تسليمها ~~الإقرار بالبعث قطعا: # أحدها: قوله تعالى: # {قل} أي: مجيبا لإنكارهم البعث ملزما لهم {لمن الأرض} أي: على سعتها ~~وكثرة عجائبها {ومن فيها} على كثرتهم واختلافهم {إن ms2068 كنتم} أي: مما هو ~~كالجبلة لكم {تعلمون} أي: أهلا للعلم وفيه تنبيه على أنهم أنكروا شيئا لا ~~ينكره عاقل، ولما كانوا مقرين بذلك أخبر تعالى عن جوابهم قبل جوابهم ليكون ~~من دلائل النبوة وإعلام الرسالة بقوله تعالى استئنافا: # {سيقولون} أي: قطعا ذلك كله {لله} أي: المختص بصفات الكمال، ثم إنه تعالى ~~أمره بقوله: {قل} أي: لهم إذا قالوا لك ذلك منكرا عليهم {أفلا تذكرون} أي: ~~في ذلك المركوز في طباعكم المقطوع به عندكم ما غفلتم عنه من تمام قدرته ~~وباهر عظمته فتصدقوا ما أخبر به من البعث الذي هو دون ذلك، وتعلموا أنه لا ~~يصلح شيء منها وهو ملكه أن يكون شريكا له تعالى ولا ولدا وتعلموا أن القادر ~~على الخلق ابتداء قادر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يصح في الحكمة أصلا ~~أن يترك البعث لأن أقلكم لا يرضى بترك حساب عبيده والعدل بينهم، وقرأ حفص ~~وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد بإدغام التاء الثانية في ~~الذال. # ثانيها: قوله تعالى: # {قل} أي: لهم {من رب} أي: خالق ومدبر {السموات السبع} كما تشاهدون من ~~حركاتها وسير أفلاكها {ورب العرش} أي: الكرسي {العظيم} كما قال تعالى: {وسع ~~كرسيه السماوات والأرض} (البقرة، 255) # {سيقولون لله} أي: الذي له كل شيء هو رب ذلك لا جواب لهم غير ذلك، ولما ~~تأكد الأمر وزاد الوضوح حسن التهديد على التمادي فقال تعالى: {قل} أي: ~~منكرا عليهم {أفلا تتقون} أي: تحذرون عبادة غيره. # ثالثها قوله: # {قل} أمره الله تعالى بعدما قررهم بالعالمين العلوي والسفلي # PageV02P588 # أن يقررهم بما هو أعم وأعظم وهو قوله تعالى: {من بيده} أي: من تحت قدرته ~~ومشيئته {ملكوت كل شيء} من إنس وجن وغيرهما، والملكوت: الملك البليغ، قال ~~ابن الأثير: كانت العرب إذا كان السيد فيهم أجار أحدا لا يخفر جواره، وليس ~~لمن دونه أن يجير عليه لئلا يعاب عليه، ولو أجار ما أفاد، ولهذا قال تعالى: ~~{وهو يجير} أي: يمنع ويغيث من شاء فيكون في حرز لا يقدر أحد على الدنو من ~~ساحته ms2069 {ولا يجار عليه} أي: ولا يمكن أحدا أبدا أن يجير جوارا يكون مستعليا ~~عليه بأن يكون على غير مراده بل يأخذ من أراد وإن نصره جميع الخلائق ويعلي ~~من أراد وإن تحاملت عليه كل المصائب فتبين كالشمس أنه لا شريك يمانعه ولا ~~ولد يضارعه، وأنه السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر ولا ~~معقب لحكمه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ثم ألهبهم إلى المبادرة إلى ~~الاعتراف به وهيجهم بقوله تعالى: {إن كنتم تعلمون} أي: في عداد من يعلم، ~~ولذلك استأنف قوله تعالى: # {سيقولون لله} أي: الذي بيده ذلك خاصا به. # تنبيه: سيقولون لله الأول لا خلاف فيها، وأما الثانية والثالثة فقرأ أبو ~~عمرو: سيقولون الله بزيادة همزة الوصل مع التفخيم فيهما، ورفع الهاء ~~والباقون بغير همز الوصل مع الترقيق وكسر الهاء والتقدير ذلك كله لله، ولما ~~كان جوابهم بذلك يقتضي إنكار توقفهم في الإقرار بالبعث استأنف قوله تعالى: ~~{قل} أي: لهم منكرا عليهم {فأنى تسخرون} أي: فكيف بعد إقراركم بهذا كله ~~تخدعون وتصرفون عن الحق وكيف يخيل لكم أنه باطل، ولما كان الإنكار بمعنى ~~النفي حسن قوله تعالى: # {بل} أي: ليس الأمر كما يقولون بل {أتيناهم بالحق} أي: بالصدق من التوحيد ~~والوعد بالنشور {وإنهم لكاذبون} في كل ما ادعوه من الولد والشريك وغيرهما ~~مما بين القرآن فساده ومن أعظم كذبهم قولهم: {اتخذ الرحمن ولدا} (مريم، 88) # قال تعالى ردا عليهم: # {ما اتخذ الله} أي: الذي لا كفء له {من ولد} أي: لا من الملائكة ولا من ~~غيرهم لما قام من الأدلة على غناه وأنه لا مجانس له، ولما كان الولد أخص من ~~مطلق الشريك قال تعالى: {وما كان معه} أي: بوجه من الوجوه {من إله} يشابهه ~~في الألوهية {إذا} لو كان معه إله آخر {لذهب كل إله بما خلق} بالتصرف فيه ~~وحده ليتميز ما له مما لغيره. # فإن قيل: إذا لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله تعالى: ~~{لذهب} جزاء وجوابا، ms2070 ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل؟ أجيب: بأن الشرط محذوف ~~تقديره ولو كان معه آلهة، وإنما حذف لدلالة قوله تعالى: وما كان معه من إله ~~عليه وهو جواب لمن معه المحاجة من المشركين {ولعلا بعضهم} أي: بعض الآلهة ~~{على بعض} إذا تخالفت أوامرهم، فلم يرض أحد منهم أن يضاف ما خلقه إلى غيره، ~~ولا أن يمضي فيه أمر على غير مراده كما هو مقتضى العادة، فلا يكون المغلوب ~~إلها لعجزه ولا يكون مجيرا غير مجار عليه بيده وحده ملكوت كل شيء. ولما ~~طابق الدليل الإلزامي نفي الشريك نزه نفسه الشريفة بما هو نتيجة ذلك من ~~قوله تعالى: {سبحان الله} أي: المتصف بجميع صفات الكمال المنزه عن شائبة كل ~~نقص {عما يصفون} من كل ما لا يليق بجناية المقدس من الأنداد والأولاد لما ~~سبق من الدليل على فساده، ثم أقام دليلا آخر على كماله يوصفه بقوله تعالى: # {عالم # PageV02P589 # الغيب والشهادة} أي: ما غاب وما شوهد، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي ~~برفع الميم على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو، والباقون بالخفض على أنه ~~صفة لله، ثم رتب على هذا الدليل قوله تعالى: {فتعالى} أي: تعاظم {عما ~~يشركون} معه من الآلهة، ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بقوله تعالى: # {قل رب} أي: أيها المحسن إلي {إما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما ~~الزائدة أي: إن كان لا بد أن {تريني} لأن ما والنون للتأكيد {ما يوعدون} من ~~العذاب في الدنيا والآخرة. # {رب فلا تجعلني} بإحسانك إلي {في القوم الظالمين} أي: قرينا لهم في ~~العذاب. # فإن قيل: كيف يجوز أن يجعل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم المعصوم ~~مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ أجيب: بأنه يجوز أن يسأل العبد ربه ~~ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهارا للعبودية ~~وتواضعا لربه وإخباتا له واستغفاره صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه ~~سبعين مرة أو مائة مرة لذلك وما ms2071 أحسن قول الحسن في قول أبي بكر الصديق رضي ~~الله تعالى عنه: وليتكم ولست بخيركم، كان يعلم أنه خيرهم ولكن المؤمن يهضم ~~نفسه وإنما ذكر ربه مرتين مرة قبل الشرط، ومرة قبل الجزاء مبالغة في ~~التضرع. # {وإنا} أي: بما لنا من العظمة {على أن نريك} أي: قبل موتك {ما نعدهم} من ~~العذاب {لقادرون} لكنا نؤخره علما بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون وهو ~~صادق بالقتل يوم بدر أو فتح مكة، ثم كأنه قال: فماذا أفعل فيما تعلم من ~~أمرهم، فقال تعالى: # b # {ادفع بالتي هي أحسن} أي: من الأقوال والأفعال بالصفح والمداراة {السيئة} ~~أذاهم إياك وهذا قبل الأمر بالقتال فهي منسوخة، وقيل: محكمة لأن المداراة ~~محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دين أو مروءة {نحن أعلم بما يصفون} في حقك ~~وحقنا، فلو شئنا منعناهم منه أو عاجلناهم بالعذاب، وليس أحد بأغير منا ~~فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولما أدب سبحانه وتعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بأن يدفع بالتي هي أحسن علمه ما به يقوى على ذلك بقوله تعالى: # {وقل رب} أي: أيها المحسن إلي {أعوذ بك} أي: ألتجىء إليك {من همزات ~~الشياطين} أي: أن يصلوا إلي بوساوسهم، وأصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض ~~شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز الرائض الدواب على المشي وإنما جمع همزات ~~لتنوع الوسواس أو لتعدد المضاف إليه. # {وأعوذ بك رب} أي: أيها المربى لي {أن يحضرون} في حال من الأحوال خصوصا ~~حال الصلاة وقراءة القرآن وحلول الأجل؛ لأنها أحرى الأحوال، وهم إنما ~~يحضرون بالسوء، ولو لم تصل إلي وساوسهم، فإن بعدهم بركة، وعن جبير بن مطعم ~~قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة قال عمر: ولا أدري أي صلاة ~~هي فقال: «الله أكبر كبيرا ثلاثا، والحمد لله كثيرا ثلاثا، وسبحان الله ~~بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه؛ قال: ~~نفثه الشعر ونفخه الكبر، وهمزه الموتة» أخرجه أبو داود؛ لأن الشعر يخرج من ~~القلب فيلفظ ms2072 به اللسان، وينفثه كما ينفث الريق والمتكبر ينتفخ ويتعاظم ~~ويجمع نفسه ويحتاج إلى أن ينفخ، والموتة الجنون والمجنون يصير في الدنيا ~~كالميتة، ثم إن الله تعالى أخبر أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون ~~الرجعة إلى الدنيا # PageV02P590 # عند معاينة الموت بقوله تعالى: {حتى} وهي هنا كما قال الجلال المحلي ~~ابتدائية أو متعلقة بيصفون أو بكاذبون كما قال الزمخشري، وقدم المفعول ~~ليذهب الوهم في فاعله كل مذهب فقال: # {إذا جاء أحدهم الموت} فكشف له الغطاء وظهر له الحق ولاحت له بوارق ~~العذاب، ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب {قال} متحسرا على ما فرط فيه من ~~الإيمان والطاعة مخاطبا لملائكة العذاب على عادة جهله ووقوفه مع المحسوس من ~~دأب البهائم {رب ارجعون} أي: ردوني إلى الدنيا دار العمل، ويجوز أن يكون ~~الجمع له تعالى وللملائكة أو للتعظيم على عادة مخاطبات الأكابر سيما الملوك ~~كقوله: # *ألا فارحموني يا إله محمد # وقوله: # *فإن شئت حرمت النساء سواكم # أو القصد تكرير الفعل للتأكيد؛ لأنه في معنى أرجعني كما قيل في قفا ~~واطرقا فإنهما بمعنى قف قف واطرق اطرق، ولما كان في تلك الحالة مع وصوله ~~إلى الغرغرة ليس على القطع من اليأس قال: # {لعلي أعمل} أي: لأن كون على رجاء من أن اعمل {صالحا فيما تركت} أي: ضيعت ~~من الإيمان بالله وتوابعه فيدخل في الأعمال الأعمال البدنية والمالية وعنه ~~صلى الله عليه وسلم «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا ~~فيقول إلى دار الهموم والأحزان بلى قدوما على الله، وأما الكافر فيقول: رب ~~ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت» قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهله ~~ولا عشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة ~~الله فرحم الله امرأ عمل فيما تمناه الكافر إذا رأى العذاب، وقال ابن كثير: ~~كان العلاء بن زياد يقول: لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت واستقال ربه، ~~فأقاله فليعمل بطاعة الله تعالى، ولما كان القضاء قد قطع بأنه لا يرجع ولو ~~رجع ms2073 لم يعمل بطاعة الله عز وجل، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم ~~لكاذبون، قال الله تعالى له ردعا وردا لكلامه: {كلا} أي: لا يكون شيء من ~~ذلك وكأنه قيل: فما حكم ما قال؟ فقيل: {إنها كلمة} والمراد بالكلمة في ~~اللغة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض رب ارجعون إلى آخره {هو ~~قائلها} وقد عرف منه الخداع والكذب فهي كما عهد منه لا حقيقة لها، فلا يجاب ~~إليها ولا تسمع منه وهو لا محالة لا يخليها، ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة ~~عليه، وتسلط الندم {ومن ورائهم} أي: أمامهم والضمير للجماعة {برزخ} أي: ~~حاجز حائل بينهم وبين الرجعة، واختلف في معناه فقال مجاهد: حجاب بينهم وبين ~~الرجوع إلى الدنيا، وقال قتادة: بقية الدنيا، وقال الضحاك: البرزخ ما بين ~~الموت إلى البعث، وقيل: هو الموت، وقيل: هو القبر هم فيه {إلى يوم يبعثون} ~~وهو يوم القيامة، وفي هذا إقناط كلي من الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا ~~رجعة يوم البعث إلى الدنيا، وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة. # {فإذا نفخ في الصور} أي: القرن، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنها ~~النفخة الأولى ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض {فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون} ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون، وعن ابن مسعود أنها النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد ~~العبد والأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد ~~هذا فلان بن فلان، فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه فيفرح المرء أن يكون ~~له # PageV02P591 # حق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه، فيأخذه منهم، ثم قرأ ابن مسعود ~~فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنها ~~النفخة الثانية فلا أنساب بينهم أي: لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ كما كانوا ~~يتفاخرون بها في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في ~~الدنيا من أنت ومن أي ms2074 قبيل أنت، ولم يرد أن الإنسان ينقطع نسبه، فإن قيل: ~~قد قال تعالى هنا: ولا يتساءلون، وقال تعالى في موضع آخر: {وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون} (الصافات، 27) # أجيب: بأن ابن عباس قال: إن للقيامة أحوالا ومواطن ففي موطن يشتد عليهم ~~الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة ~~فيتساءلون، وقيل: التساؤل بعد دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. # {فمن ثقلت موازينه} أي: بالأعمال المقبولة، قال البقاعي: ولعل الجمع لأن ~~لكل عمل ميزانا يعرف أنه لا يصلح له غيره، وذلك أدل دليل على القدرة ~~{فأولئك} أي: خاصة قال أيضا: ولعله جمع للبشارة بكثرة الناجي بعد أن أفرد ~~للدلالة على كثرة الأعمال أو على عموم الوزن لكل فرد {هم المفلحون} أي: ~~الفائزون بالنجاة والدرجات العلى. # {ومن خفت موازينه} لإعراضه عن تلك الأعمال المؤسسة على الإيمان {فأولئك} ~~خاصة {الذين خسروا أنفسهم} لإهلاكهم إياها باتباعها شهواتها في دار الأعمال ~~وشغلها بأهوائها عن مراتب الكمال وقوله تعالى: {في جهنم خالدون} بدل من ~~الصلة، أو خبر ثان لأولئك، وهي دار لا ينفك أسيرها ولا ينطفىء سعيرها، ثم ~~استأنف قوله تعالى: # {تلفح} أي: تغشى بشدة حرها وسمومها ووهجها {وجوههم النار} فتحرقها، فما ~~ظنك بغيرها، واللفح كالنفح إلا أنه أشد تأثيرا {وهم فيها كالحون} أي: ~~عابسون قد شمرت شفاههم العليا والسفلى عن أسنانهم، وعن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى ~~تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته» وقوله تعالى: # {ألم تكن آياتي} أي: من القرآن على إضمار القول أي: يقال لهم: ألم تكن ~~آياتي {تتلى عليكم} أي: تتابع لكم قراءتها في الدنيا شيئا فشيئا {فكنتم بها ~~تكذبون} ثم استأنف جوابه بقوله تعالى: # {قالوا ربنا} أي: المسبغ علينا نعمه {غلبت علينا شقوتنا} أي: ملكتنا بحيث ~~صارت أحوالها مؤدية إلى سوء العاقبة {وكنا} أي: بما جبلنا عليه {قوما ~~ضالين} في ذلك عن الحق أقوياء في موجبات الشقوة فكان سببا للضلال عن طريق ms2075 ~~السعادة. # {ربنا} يا من عودنا بالإحسان {أخرجنا منها} أي: من النار تفضلا منك على ~~عادة فضلك وردنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك {فإن عدنا} إلى مثل ذلك ~~الضلال {فإنا ظالمون} لأنفسنا، ثم استأنف جوابهم بأن: # {قال} لهم بلسان ملك بعد قدر الدنيا مرتين كما يقال للكلب {اخسؤوا} أي: ~~انزجروا زجر الكلاب وانطردوا عن مخاطبتي ساكتين سكوت هوان {فيها} أي: النار ~~{ولا تكلمون} أصلا، فإنكم لستم بأهل لمخاطبتي لأنكم لن تزالوا متصفين ~~بالظلم فييأس القوم بعد ذلك، ولا يتكلموا بكلمة إلا الزفير والشهيق والعواء ~~كعواء الكلاب، وقال القرطبي: إذا قيل لهم ذلك انقطع رجاؤهم، وأقبل بعضهم ~~ينبح في وجه بعض فانطبقت عليهم، وعن ابن عباس أن لهم ست # PageV02P592 # دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة: ربنا أبصرنا وسمعنا، فيجابون: حق ~~القول مني، فينادون ألفا: ربنا أمتنا اثنتين، فيجابون: ذلكم بأنه إذا دعي ~~الله وحده كفرتم، فينادون ألفا: يا مالك ليقض علينا ربك، فيجابون: إنكم ~~ماكثون، فينادون ألفا: ربنا أخرجنا منها، فيجابون: أولم تكونوا أقسمتم، ~~فينادون ألفا: أخرجنا نعمل صالحا، فيجابون: أولم نعمركم، فينادون ألفا: رب ~~ارجعون، فيجابون: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، ثم لا يكون لهم إلا الزفير ~~والشهيق والعواء، ثم علل ذلك بقوله تعالى: # {إنه كان} أي: كونا ثابتا {فريق} أي: ناس قد استضعفتموهم {من عبادي} وهم ~~المؤمنون {يقولون} مع الاستمرار {ربنا} أي: أيها المحسن إلينا بالخلق ~~والرزق {آمنا} أي: أوقعنا الإيمان بجميع ما جاءتنا به الرسل {فاغفر لنا} ~~أي: استر لنا زللنا {وارحمنا} أي: افعل بنا فعل الراحم {وأنت خير الراحمين} ~~لأنك تخلص برحمتك من كل شقاء وهوان. # {فاتخذتموهم} أي: فتسبب عن إيمانهم أن اتخذتموهم {سخريا} أي: تسخرون منهم ~~وتستهزؤن بهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بضم السين، والباقون بالكسر وهو ~~مصدر سخر كالسخر إلا أن في ياء النسب زيادة قوة في الفعل كما قيل: الخصوصية ~~في الخصوص، وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من السخرية ~~والعبودية، أي: تسخرونهم وتتعبدونهم؛ قال الزمخشري: والأول مذهب الخليل ~~وسيبويه، انتهى. وأظهر ms2076 الذال عند التاء ابن كثير وحفص، والباقون بالإدغام ~~{حتى أنسوكم ذكري} أي: بأن تذكروني فتخافوني، وأضاف ذلك إليهم لأنهم كانوا ~~السبب فيه لفرط اشتغالهم بالاستهزاء بهم {وكنتم منهم تضحكون} استهزاء بهم ~~نزلت في كفار قريش كانوا يستهزئون بالفقراء من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مثل بلال وعمار وصهيب وخباب، ولما تشوقت النفس بعد العلم بما فعل ~~بأعدائهم إلى جزائهم قال الله تعالى: # {إني جزيتهم اليوم} أي: بالنعيم المقيم {بما صبروا} أي: على عبادتي ولم ~~يشغلهم عنها تألمهم بأذاكم، كما يشغلكم عنها التذاذكم بإهانتهم ففازوا ~~دونكم وهو معنى قوله تعالى: {إنهم هم الفائزون} أي: بمطلوبهم الناجون من ~~عذاب النار، وقرأه حمزة والكسائي بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون ~~بفتحها على أنها مفعول ثان لجزيتهم، ثم إن الله تعالى: # {قال} لهم على لسان الملك المأمور بسؤالهم تبكيتا وتوبيخا لأنهم كانوا ~~يظنون أن بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا ~~أنها دائمة، وأنهم فيها مخلدون سألهم {كم لبثتم في الأرض} على تلك الحال في ~~الدنيا التي كنتم تعدونها فوزا {عدد سنين} أنتم فيها ظافرون ولأعدائكم ~~قاهرون، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: قل كم، بضم القاف وسكون اللام على ~~الأمر للملك أو لبعض رؤساء أهل النار، والباقون بفتح القاف واللام وألف ~~بينهما خبرا وتقدم توجيهه وأظهر الثاء المثلثة عند التاء المثناة فوق نافع ~~وابن كثير وعاصم وأدغمها فيها الباقون. # {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} يشكون في ذلك. فإن قيل: كيف يصح في جوابهم ~~أن يقولوا ذلك، ولا يقع من أهل النار الكذب؟ أجيب: بأنهم نسوا ذلك لكثرة ما ~~هم فيه من الأهوال، وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا: {فاسأل العادين} ~~أي: الملائكة المحصين أعمال الخلق وأعمارهم؛ قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا ~~فيه من العذاب بين النفختين، وقيل: قالوا ذلك # PageV02P593 # تصغيرا للبثهم وتحقيرا له بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من دوام العذاب قال ~~بعضهم: # *لا أن أيام الشقاء طويلة # ... كما أن أيام السرور قصار # وقرأ ابن كثير والكسائي ms2077 بفتح السين وترك الهمز بعدها وكذا يفعل حمزة في ~~الوقف والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ثم: # {قال} الله تعالى لهم على لسان الملك: {إن} أي: ما {لبثتم} أي: في الدنيا ~~{إلا قليلا} ، لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلا في جنب ~~ما يلبث في الآخرة {لو أنكم كنتم تعلمون} أي: في عداد من يعلم في ذلك الوقت ~~لما آثرتم الفاني على الباقي ولأقبلتم على ما ينفعكم ولتركتم أفعالكم التي ~~لا يرضاها عاقل، ولكنكم كنتم في عداد البهائم، وقرأ حمزة والكسائي: قل؛ ~~أمرا، والباقون: قال؛ خبرا، ولبثتم تقدم مثله، وتوجيه قال وقل، ثم وبخهم ~~الله تعالى على تغافلهم بقوله تعالى: # {أفحسبتم أنما خلقناكم} على ما لنا من العظمة، وقوله تعالى: {عبثا} حال ~~أي: عابثين كقوله: لاعبين، أو مفعول له أي: ما خلقناكم للعبث، ولم يدعنا ~~إلى خلقكم إلا حكمة اقتضت ذلك، وهي أن نتعبدكم ونكلفكم المشاق من الطاعات ~~وترك المعاصي {و} حسبتم {أنكم إلينا لا ترجعون} في الآخرة للجزاء، وروى ~~البغوي بسنده عن أنس «أن رجلا مصابا مر به على ابن مسعود فرقاه في أذنه ~~أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون، ثم ختم السورة فبرىء ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها ~~على جبل لزال» ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء الفوقية وكسر الجيم، ~~والباقون بضم الفوقية وفتح الجيم، ثم نزه سبحانه وتعالى نفسه عما يقوله ~~ويصفه به المشركون بقوله تعالى: # {فتعالى الله} أي: الذي له الجلال والجمال علوا كبيرا عن العبث، وغيره ~~مما لا يليق به {الملك} أي: المحيط بأهل مملكته علما وقدرة وسياسة وحفظا ~~ورعاية {الحق} أي: الذي لا يتطرق الباطل إليه في شيء في ذاته ولا في صفاته ~~فلا زوال له ولا لملكه {لا إله إلا هو} فلا يوجد له نظير أصلا في ذاته ولا ~~في صفاته ولا في أفعاله، فهو متعال عن سمات النقص والعبث، ثم زاد في ~~التعيين والتأكيد والتفرد بوصفه بصفة لا ms2078 يدعيها غيره بقوله تعالى: {رب ~~العرش} أي: السرير المحيط بجميع الكائنات التي تنزل منه محكمات الأقضية ~~والأحكام ولذا وصفه بالكرم فقال: {الكريم} أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، ~~ولما بين سبحانه وتعالى أنه الملك الحق لا إله إلا هو أتبعه بأن من ادعى ~~إلها آخر، فقد ادعى باطلا بقوله تعالى: # {ومن يدع مع الله} أي: الملك الذي لا كفء له {إلها آخر} يعبده {لا برهان ~~له به} أي: بسبب دعائه بذلك إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد، ثم ~~ذكر أن من قال ذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله تعالى: {فإنما حسابه} أي: ~~جزاؤه الذي لا يمكن زيادته ولا نقصه {عند ربه} أي: الذي رباه ولم يربه أحد ~~سواه الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته، فلا يخفى عليه شيء من أمره، ولما ~~افتتح السورة بقوله: {قد أفلح المؤمنون} ختمها بقوله: {إنه لا يفلح ~~الكافرون} أي: لا يسعدون، فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة. ولما شرح الله ~~تعالى أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر الله تعالى ~~رسوله عليه الصلاة والسلام بالانقطاع إليه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته ~~بقوله تعالى: # {وقل رب} أي: أيها المحسن إلي {اغفر وارحم} أي: أكثر من هذين # PageV02P594 # الوصفين {وأنت خير الراحمين} فمن رحمته أفلح بما توفقه له من امتثال ما ~~أشرت إليه أول السورة، فكان من المؤمنين وكان من الوارثين الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون، فقد انطبق على الأول هذا الآخر بفوز كل مؤمن وخيبة ~~كل كافر، فنسأل الله تعالى أن يكون لنا ولوالدينا ولأحبابنا أرحم راحم وخير ~~غافر إنه المتولي للسرائر والمرجو لإصلاح الضمائر، وما رواه البيضاوي تبعا ~~للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة المؤمنون بشرته ~~الملائكة بالروح والريحان، وما تقر به عينه عند نزول ملك الموت» حديث ~~موضوع، وقوله أيضا تبعا للزمخشري: روي أن أول سورة قد أفلح وآخرها من كنوز ~~العرش من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع آيات من آخرها فقد نجا ~~وأفلح، قال شيخ ms2079 شيخنا ابن حجر حافظ عصره: لم أجده. ### | سورة النور # مدنية # وهي ثنتان أو أربع وستون آية # {بسم الله} الذي تمت كلمته فبهرت قدرته {الرحمن} الذي ظهرت الحقائق كلها ~~بشمول رحمته {الرحيم} الذي شرف من اختاره بخدمته قوله تعالى: # {سورة} خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه سورة أي: عظيمة أو سورة أنزلناها، ~~مبتدأ موصوف والخبر محذوف أي: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، وقال ~~الأخفش: لا يبعد الابتداء بالنكرة، فسورة مبتدأ، وأنزلناها خبره، ثم رغب في ~~امتثال ما فيها مبينا أن تنوينها للتعظيم بقوله تعالى: {أنزلناها} أي: بما ~~لنا من العظمة وتمام العلم والقدرة {وفرضناها} أي: قدرنا ما فيها من ~~الحدود، وقيل: أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بتشديد الراء لكثرة الفروض، والباقون بالتخفيف {وأنزلنا ~~فيها آيات} من الحدود والأحكام والمواعظ والأمثال وغيرها {بينات} أي: ~~واضحات الدلالة {لعلكم تذكرون} أي: تتعظون، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف ~~الذال والباقون بالتشديد، ثم إنه تعالى ذكر في السورة أحكاما كثيرة: الحكم ~~الأول: قوله تعالى: {الزانية والزاني} أي: غير المحصنين لرجمهما بالسنة وأل ~~فيما ذكر موصولة وهو مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو {فاجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة} أي: ضربة يقال: جلده إذا ضرب جلده، ويزاد على ذلك ~~بالسنة تغريب عام، والرقيق على النصف مما ذكر، ولا رجم عليه لأنه لا يتنصف. # واعلم أن الزنا من الكبائر، ويدل عليه أمور: أحدها: أن الله تعالى قرنه ~~بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى: {ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ~~(الفرقان، 68) ، ثانيها: قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء ~~سبيلا} (الإسراء، 32) ، ثالثها: أن الله تعالى أوجب المائة فيه بكمالها ~~بخلاف حد القذف وشرب الخمر وشرع فيه الرجم، وروى حذيفة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في ~~الدنيا وثلاث في الآخرة، أما اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر، ~~وينقص العمر، وأما اللاتي في الآخرة فسخط ms2080 الله سبحانه وتعالى وسوء الحساب ~~وعذاب النار» ، وعن عبد الله قال: «قلت: يار رسول الله أي الذنب أعظم عند ~~الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، # PageV02P595 # قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن ~~تزني بحليلة جارك» فأنزل الله تعالى تصديقا لذلك: {والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} » ~~(الفرقان، 86) # والزنا إيلاج حشفة أو قدرها من مقطوعها من الذكر المتصل الأصلي من الآدمي ~~الواضح ولو أشل وغير منتشر، وكان ملفوفا في خرقة بقبل محرم في نفس الأمر ~~لعينه خال عن الشبهة المسقطة للحد مشتهي طبعا بأن كان فرج آدمي حي ولا ~~يشترط إزالة البكارة حتى لو كانت غوراء وأدخل الحشفة فيها، ولم يزل بكارتها ~~ترتب عليه حد الزنا بخلاف التحليل لا بد فيه من إزالة البكارة لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ، واختلف في اللواط هل ~~يطلق عليه اسم الزنا أو لا؟ فقال بعضهم: يطلق عليه لقوله صلى الله عليه ~~وسلم «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان» ، والذي عليه أكثر أصحابنا أنه غير ~~داخل تحت اسم الزنا لأنه لو حلف لا يزني فلاط لم يحنث، والحديث محمول على ~~الإثم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» ~~، وللشافعي في حده قولان؛ أصحهما أن الفاعل إن كان محصنا فإنه يرجم، وإلا ~~فيجلد مائة ويغرب عاما، وأما المفعول فلا يتصور فيه إحصان فيجلد ويغرب، ~~والقول الثاني: يقتل الفاعل والمفعول به سواء كان محصنا أم لا لما روي عن ~~ابن عباس أنه قال: من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به. # وأما إتيان البهائم فحرام بإجماع الأئمة، واختلف في عقوبته على أقوال: ~~أحدها: حد الزنا فيرجم الفاعل المحصن ويجلد غيره ويغرب، والثاني: أنه يقتل ~~محصنا كان أو غير محصن لما روي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «من أتى ms2081 بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه» ، والثالث: وهو الأصح ~~أنه يعزر؛ لأن الحد شرع للزجر عما تميل النفس إليه، وضعفوا حديث ابن عباس ~~لضعف إسناده، وهو وإن ثبت فهو معارض بما روي أنه صلى الله عليه وسلم «نهى ~~عن ذبح الحيوان إلا لمأكله» . # وأما السحاق من النساء وإتيان المرأة الميتة والاستمناء باليد فلا يشرع ~~فيه شيء من ذلك إلا التعزير والمقيم للحد هو الإمام أو نائبه، وللسيد أن ~~يقيم الحد على رقيقه ولا تجوز الشفاعة في إسقاط الحد ولا تركه ولا تخفيفه ~~كما قال تعالى: {ولا تأخذكم} أي: على أي حال من الأحوال {بهما رأفة} أي: ~~رحمة ورقة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها، وقرأ ابن كثير بفتح الهمزة والباقون ~~بسكونها، والسوسي على أصله من البدل، وقيل: معنى الرأفة أن يخففوا الضرب ~~{في دين الله} أي: الذي شرعه لكم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «لو سرقت ~~فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» ، روي أن عمر رضي الله عنه جلد جارية له زنت، ~~فقال للجلاد: اضرب ظهرها ورجليها، فقال له ابنه: ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله، فقال: يا بني إن الله تعالى لم يأمرنا بقتلها وقد ضربت فأوجبت. ~~ثم إنه سبحانه وتعالى زاد في الحض على ذلك بقوله تعالى: {إن كنتم تؤمنون ~~با} أي: الذي هو أرحم الراحمين فإنه ما شرع ذلك الا رحمة للناس عموما ~~وللزانين خصوصا فلا تزيدوا في الحد ولا تنقصوا منه شيئا، وفي الحديث «يؤتى ~~بوال نقص من الحدود سوطا فيقول: رحمة لعبادك، فيقال له: أنت أرحم مني، ~~فيؤمر به إلى النار، ويؤتي بمن زاد سوطا فيقول: لينتهوا عن معاصيك، فيؤمر ~~إلى النار» وعن أبي هريرة: إقامة حد بأرض خير من مطر # PageV02P596 # أربعين ليلة ثم أتبع ذلك بما يرهبه بقوله تعالى: {واليوم الآخر} الذي ~~يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي {وليشهد} أي: وليحضر ~~{عذابهما} أي: حدهما إذا أقيم عليهما {طائفة من المؤمنين} والطائفة الفرقة ~~التي يمكن أن تكون حلقة وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفة غالبة كأنها الجماعة ms2082 ~~الحافة حول الشيء، وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعة إلى أربعين رجلا من ~~المصدقين بالله تعالى، وعن الحسن: عشرة، وعن قتادة: ثلاثة فصاعدا، وعن ~~عكرمة: رجلان فصاعدا، وعن مجاهد: أقلها رجل فصاعدا، وقيل: رجلان وفضل قول # ابن عباس؛ لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها الزنا ولا يجب على ~~الإمام حضور رجم ولا على الشهود لأنه صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز ~~والغامدية ولم يحضر رجمهما، وإنما خص المؤمنين بالحضور؛ لأن ذلك أفضح، ~~والفاسق بين صلحاء قومه أخجل، ويشهد له قول ابن عباس: إلى أربعين رجلا من ~~المصدقين بالله. # تنبيه: الضرب يكون بسوط لا حديد يجرح ولا خلق لا يؤلم، ويفرق بين السياط ~~على أعضائه ولا يجمعها في موضع واحد، واتفقوا على أنه يتقي المهالك كالوجه ~~والبطن والفرج ويضرب على الرأس لقول أبي بكر رضي الله عنه: اضرب على الرأس ~~فإن الشيطان فيه، ولا يشد يده وينزع الثياب التي تمنع ألم الضرب كالفرو، ~~ولو فرق سياط الحد تفريقا لا يحصل به التنكيل مثل أن يضرب كل يوم سوطا أو ~~سوطين، فإن فرق وضرب والألم موجود كفى، وإن وجب الحد على حامل لا يقام ~~عليها حتى تضع وترضعه حتى ينفطم ويندب أن يحفر للمرأة إلى صدرها إن ثبت ~~زناها بالبينة لا بإقرارها ولا يندب للرجل مطلقا، وإن وجب الحد على المريض ~~نظر إن كان يرجى زواله كصداع انتظر أو لا يرجى كالزمانة فلا يؤخر ولا يضرب ~~بالسياط بل بعثكال عليه مائة شمراخ، فيقوم ذلك مقام جلده، وأما في حال الحر ~~والبرد الشديدين فإن كان الحد رجما لم يؤخر لأن النفس مستوفاة، وإن كان ~~جلدا أخر إلى اعتدال الهواء، ويقبل رجوع الزاني عن إقراره، ولو في أثناء ~~الحد، وإذا مات في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. # الحكم الثاني قوله تعالى: {الزاني لا ينكح} أي: لا يتزوج {إلا زانية أو ~~مشركة} أي: المعلوم اتصافه بالزنا مقصور نكاحه على زانية أو مشركة ~~{والزانية لا ينكحها} أي: لا يتزوجها {إلا ms2083 زان أو مشرك} ، أي: والمعلوم ~~اتصافها بالزنا مقصور نكاحها على زان أو مشرك إذ الغالب أن المائل إلى ~~الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء، فإن ~~المشاكلة علة الألفة والانضمام والمخالفة سبب النفرة والافتراق، وقال ~~بعضهم: الجنسية علة الضم والمشاكلة سبب المواصلة، والمخالفة توجب المباعدة ~~وتحرم المؤالفة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ، وعن علي رضي الله ~~تعالى عنه أنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم، فقال: يا أهل ~~الكوفة قد علمنا شراركم من خياركم، فقالوا: كيف وما لك إلا ثلاثة أيام؟ ~~فقال: كان معنا شرار وخيار فانضم خيارنا إلى خياركم وشرارنا إلى شراركم، ~~وعن الشعبي أنه قال: إن لله ملكا موكلا بجمع الأشكال بعضها إلى بعض، وقال ~~القائل: # PageV02P597 # *عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # ... فكل قرين بالمقارن يقتدي # فإن قيل: لما قدمت الزانية على الزاني أولا، ثم قدم عليها ثانيا؟ أجيب: ~~بأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا والمرأة هي المادة التي منها ~~نشأت الجناية؛ لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن فلما ~~كانت أصلا وأولا في ذلك بدىء بذكرها، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح ~~والرجل أصل فيه لأنه الراغب فيه والخاطب، ومنه يبدو الطلب {وحرم ذلك} أي: ~~نكاح الزاني والزانية تحريما لا مشوبة فيه {على المؤمنين} واختلف العلماء ~~في معنى الآية وحكمها، فقال قوم منهم مجاهد وعطاء وقتادة والزهري والشعبي، ~~ورواية عن ابن عباس قدم المهاجرون لمدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا ~~عشائر، وبالمدينة نساء بغاياهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب ناس من فقراء ~~المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ذلك، فنزلت هذه الآية، وحرم ذلك على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا ~~لأنهن كن مشركات، وقال عكرمة: نزلت في نساء كن بمكة وبالمدينة لهن رايات ~~يعرفن بهن منهن: أم مهزول جارية السائب ms2084 بن أبي السائب المخزومي، وكان الرجل ~~ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على ~~تلك الصفة فاستأذن رجل منهم النبي صلى الله عليه وسلم في نكاح أم مهزول ~~فاشترطت أن تنفق عليه فنزلت هذه الآية، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~قال: «كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان يحمل الأسارى من مكة ~~حتى يأتي بهم المدينة، وكانت بمكة بغي يقال لها عناق، وكانت صديقة له في ~~الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد: إن الله حرم ~~الزنا، فقالت: فانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا، فأمسك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد علي شيئا، فنزل: {الزاني لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا # زان أو مشرك} ، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأها علي وقال: لا ~~تنكحها» أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داوود بألفاظ متقاربة المعنى. # فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصا في حق أولئك دون سائر الناس، وقال قوم ~~منهم سعيد بن جبير والضحاك، ورواية عن ابن عباس: المراد من النكاح هو ~~الجماع، ومعنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا ~~تزني إلا بزان أو مشرك، وقال يزيد بن هارون: إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك ~~وإن جامعها وهو محرم فهو زان، وعن عائشة رضي الله عنها: إن الرجل إذا زنا ~~بامرأة ليس له أن يتزوجها لهذه الآية، وإذا باشرها كان زانيا. وكان ابن ~~مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول: إذا تزوج الزاني الزانية فهما زانيان أبدا. ~~وقال الحسن: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة، والزانية المجلودة ~~لا ينكحها إلا زان مجلود. وقال سعيد بن المسيب وجماعة منهم الشافعي رحمه ~~الله تعالى: إن حكم الآية منسوخ، وكان نكاح الزانية حراما بهذه الآية ~~فنسخها الله تعالى بقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} (النور، 32) ، وهو ms2085 ~~جمع أيم وهي من لا زوج لها، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين واحتج من جوز ~~نكاح الزانية بما روي عن جابر «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها، قال فإني # PageV02P598 # أحبها وهي جميلة، قال: استمتع بها، وفي رواية غيره أمسكها إذا» وقد أجازه ~~ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~سئل عن ذلك فقال: «أوله سفاح وآخره نكاح» ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ~~ضرب رجلا وامرأة زنيا، وحرض أن يجمع بينهما فأبى الغلام. # ولما نفر سبحانه وتعالى عن نكاح من اتصف بالزنا من رجل أو امرأة نهى عن ~~الرمي به فقال تعالى: # {والذين يرمون} أي: بالزنا {المحصنات} جمع محصنة وهي هنا المسلمة الحرة ~~المكلفة العفيفة وهذا هو الحكم الثالث والذي يدل على أن المراد الرمي ~~بالزنا أمور: أحدها: تقدم ذكر الزنا، ثانيها: أنه تعالى ذكر المحصنات وهن ~~العفائف فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميها بضد ذلك، ثالثها: انعقاد ~~الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو ~~الرمي بالزنا، رابعها: قوله تعالى: {ثم لم يأتوا} أي: إلى الحكام {بأربعة ~~شهداء} أي: ذكور ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير شرط إلا في الزنا وشرط ~~القاذف الذي يحد بسبب القذف التكليف والاختيار والتزام الأحكام والعلم ~~بالتحريم وعدم إذن المقذوف، وأن يكون غير أصل، وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح ~~وكناية وتعريض فمن الصريح قوله لرجل أو امرأة زنيت أو زنيت، أو يا زاني أو ~~يا زانية، ولو كسر التاء في خطاب الرجل وفتحها في خطاب المرأة أو زنيت في ~~الجبل، ومن الكناية زنأت وزنأت في الجبل بالهمز، فإن نوى بذلك القذف كان ~~قذفا وإلا فلا، ومن التعريض يا ابن الحلال، وأما أنا فلست بزان، فهذا ليس ~~بقذف وإن نواه. # فإن قيل: إذا كان ذلك القذف يشمل الذكر والأنثى فلم كانت الآية الكريمة ~~في ms2086 الإناث فقط؟ أجيب: بأن الكلام في حقهن أشنع وتنبيها على عظيم حق أم ~~المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها، وحد القاذف الحر ثمانون كما ~~قال تعالى: {فاجلدوهم} أي: أيها المؤمنون من الأئمة ونوابهم {ثمانين جلدة} ~~لكل واحد منهم لكل محصنة وحد القاذف الرقيق ولو مبعضا أو مكاتبا أربعون ~~جلدة على النصف من الحر لآية النساء فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ~~فهذه الآية مخصوصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى، ولا بين حد الزنا وحد ~~القذف، ويدل على أن المراد بالآية الأحرار قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم} ~~أي: بعد قذفهم {شهادة} أي: شهادة كانت {أبدا} للحكم بافترائهم؛ لأن العبد ~~لا تقبل شهادته، وإن لم يقذف. ولما كان التقدير أنهم قد افتروا عطف عليه ~~تحذيرا من الإقدام عليه من غير تثبت {وأولئك} أي: الذين تقدم ذمهم بالقذف ~~فنزلت رتبتهم جدا {هم الفاسقون} أي: المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا الوصف، ~~وإن كان القاذف منهم محقا في نفس الأمر وفي ذلك دليل على أن القذف من ~~الكبائر؛ لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة، واختلف العلماء في قبول ~~شهادة القاذف بعد التوبة، وحكم هذا الاستثناء المذكور في قوله: # {إلا الذين تابوا} أي: رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره، وندموا عليه ~~وعزموا على أن لا يعودوا {من بعد ذلك} أي: الأمر الذي أوجب إبعادهم، فذهب ~~قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف، فإذا تاب وصلح حاله كما قال ~~تعالى: {وأصلحوا} أي: بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن الحال، وهي سنة ~~يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف # PageV02P599 # الطبائع {فإن الله} أي: الذي له صفات الكمال {غفور} أي: ستور لهم ما ~~أقدموا عليه لرجوعهم عنه {رحيم} أي: يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم ~~بالمرحوم في قبول الشهادة، وقبلت شهادته سواء قبل الحد وبعده وزال عنه اسم ~~الفسق، وقالوا: هذا الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة، وإلى الفسق، ويروى ذلك ~~عن ابن عمرو وابن عباس، وجمع من الصحابة ms2087 وبه قال مالك والشافعي، وذهب قوم ~~إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب، وقالوا: الاستثناء ~~رجع إلى قوله: {وأولئك هم الفاسقون} ، ويروى ذلك عن النخعي وشريح، وبه قال ~~أصحاب الرأي قالوا: بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم يحد؛ قال الشافعي: هو ~~قبل أن يحد شر منه حين يحد؛ لأن الحدود كفارات، فكيف يرد بها في أحسن ~~حاليه، وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة. # فإن قيل: إذا قلتم بالأول فما معنى قوله تعالى: {أبدا} ؟ أجيب: بأن معنى ~~أبدا ما دام مصرا على القذف؛ لأن أبد كل إنسان مدته على ما يليق بحاله كما ~~يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا؛ يراد بذلك ما دام على كفره، فإذا أسلم ~~قبلت شهادته. # تنبيهان: الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين أو أربع كالزنا؟ فيه ~~قولان: أصحهما أنه يثبت برجلين بخلاف فعل الزنا؛ لأن الفعل يغمض الاطلاع ~~عليه، وإذا شهد على فعل الزنا يجب أن يذكر الزاني ومن زنا بها؛ لأنه قد ~~يراه على جارية لأبيه فيظنه زنا يوجب الحد، وأن يقول في شهادته: رأيت ذكره ~~يدخل في فرجها، وإن لم يقل دخول الميل في المكحلة لكن قوله ذلك أولى، فلو ~~شهدوا مطلقا أنه زنا لم يقبلوا لأنهم ربما يرون المفاخذة زنا، ويشترط أيضا ~~أن يفسر في إقراره كالشهود ويصح رجوعه عن الإقرار، ولو في أثناء الحد كما ~~مر، ولا فرق في قبول الشهادة بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين كما ~~قاله الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حد القذف، ~~ولو شهد على الزنا أقل من أربعة أو أربعة وفيهم الزوج لم يثبت الزنا وعليهم ~~الحد؛ لأن شهادة الزوج لا تقبل في حق زوجته؛ قال ابن الرفعة في الكفاية: ~~لأمرين أحدهما: أن الزنا تعرض لمحل حق الزوج، فإن الزاني يستمتع بالمنافع ~~المستحقة له فشهادته في حقها تتضمن إثبات جناية الغير على ما هو مستحق له، ~~فلم تسمع كما إذا شهد أنه جنى على عبده، ms2088 والثاني: أن من شهد بزنا زوجته ~~فنفس شهادته دال على إظهار العداوة؛ لأن زناها يوغر صدره بتلطيخ فراشه ~~وإدخال الغير عليه وعلى ولده، وهو أبلغ من مؤلم الضرب وفاحش السب، ولو قذف ~~رجل وجاء بأربعة فساق شهدوا على المقذوف بالزنا لم يحدوا؛ لأن شرائط ~~الشهادة بالزنا قد وجدت عند القاضي إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة ~~فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه، فكذلك أوجبنا اعتبارها ~~في نفي الحد عنهم، ولما كان لفظ المحصنات عاما للزوجات، وكان لهن حكم غير ~~ما تقدم وهو الحكم الرابع أفردهن بقوله: # {والذين يرمون} أي: بالزنا {أزواجهم} أي: من المؤمنات والكافرات الحرائر ~~والإماء {ولم يكن لهم شهداء} يشهدون على صحة ما قالوه {إلا أنفسهم} أي: غير ~~أنفسهم وهذا ربما يفهم أنه إذا كان الزوج أحد الأربعة كفى وهذا المفهوم ~~معطل لكونه حكاية حال واقعة لا شهود فيها، وقوله تعالى في الآية قبلها: {ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء} فإنه يقتضي كون الشهداء غير الرامي بالزنا، ولعله ~~استثناه # PageV02P600 # من الشهداء؛ لأن لعانه يكون بلفظ الشهادة، ومذهب الشافعي أنه لا يقبل في ~~ذلك كما قدمناه {فشهادة أحدهم} أي: فالواجب شهادة أحدهم على من رماها أو ~~فعليهم شهادة أحدهم {أربع شهادات} من خمس في مقابلة أربعة شهداء {بالله} ~~أي: مقرونة بهذا الاسم الكريم الأعظم الموجب لاستحضار جميع صفات الجلال ~~والجمال {إنه لمن الصادقين} أي: فيما قذفها به، وقرأ حفص وحمزة والكسائي ~~برفع العين على أنه خبر شهادة والباقون بنصبها على المصدر {والخامسة أن ~~لعنت الله} أي: الملك الأعظم {عليه} أي: القاذف نفسه {إن كان من الكاذبين} ~~فيما رماها به، وقرأ نافع بتخفيف أن ساكنة ورفع لعنة، والباقون بتشديد ~~النون منصوبة ونصب لعنة ورسمت لعنة بتاء مجرورة، ووقف عليها بالهاء ابن ~~كثير وأبو عمرو والكسائي، ووقف الباقون بالتاء، وإذا وقف الكسائي أمال ~~الهاء هذا لعان الرجل وحكمه سقوط حد القذف عليه وحصول الفرقة بنفسه فرقة ~~فسخ عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» وبتفريق ms2089 ~~الحاكم فرقة طلاق عند أبي حنيفة ونفي الولد إن تعرض له فيه وثبوت حد الزنا ~~على المرأة بقوله تعالى: {ويدرأ} أي: يدفع {عنها} أي: المقذوفة {العذاب} ~~أي: المعهود وهو الحد الذي أوجبه عليها كما تقدم {أن تشهد أربع شهادات} من ~~خمس {بالله} الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا كما تقدم في الزوج ~~{إنه لمن الكاذبين} فيما قاله عليها {والخامسة} من الشهادات {أن غضب الله} ~~الذي له الأمر كله {عليها إن كان # من الصادقين} أي: فيما رماها به. # روى البخاري في تفسيره وغيره عن ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم البينة أو حد في ظهرك فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته ~~رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البينة أو ~~حد في ظهرك، فقال هلال بن أمية: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ~~ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه: {والذين يرمون ~~أزواجهم} حتى بلغ {إن كان من الصادقين} ، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية، فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: والله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب، ثم قامت فشهدت، فلما ~~كانت عند الخامسة أوقفوها وقالوا: إنها موجبة؛ قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت ~~حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج ~~الساقين، فهو لشريك بن سمحاء، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» . # وقد روى البخاري أيضا عن سهل ابن سعد أن سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر ~~رضي الله عنه وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب معا ~~أو متفرقة. # تنبيه: خصت المرأة بالغصب ms2090 لأنه أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لأنه قد يكون ~~بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يصدق ~~الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو ~~صادق، ولأنها مادة الفساد وخالطة الأنساب، ويشترط في اللعان أمر القاضي ~~وتلقينه # PageV02P601 # كلماته في الجانبين فيقول: قل أشهد بالله إلخ؛ لأن اللعان يمين واليمين ~~لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلب فيه معنى الشهادة، فهي لا تؤدى ~~عنده إلا بإذنه وأن يتأخر لعانها عن لعانه لأن لعانها لإسقاط الحد الذي وجب ~~عليها بلعان الزوج كما علم مما مر، ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة ~~ويكرر كلمة الشهادة أربعا أو يكتبها مرة ويشير إليها أربعا، ويصح اللعان ~~بالعجمية، وإن عرف العربية ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس فيؤثر الفصل ~~الطويل ولا يشترط الولاء بين لعاني الزوجين، ولو أبدل لفظ شهادة بحلف ونحوه ~~أو لفظ غضب بلعن أو عكسه أو ذكره قبل تمام الشهادة لم يصح ذلك ويصح أن ~~يتلاعنا قائمين وإن يغلظ اللعان بزمان وهو بعد عصر الجمعة فيؤخر إليه إن لم ~~يكن طلب أكيد وإلا فبعد عصر أي يوم كان وبمكان عند أشرف بلد اللعان فبمكة ~~بين الحجر الأسود والمقام، وهو المسمى بالحطيم، والمدينة على المنبر، وبيت ~~المقدس عند الصخرة، وغيرها على منبر الجامع، وتلاعن حائض بباب المسجد وذمي ~~في بيعة للنصارى، وكنيسة لليهود وبيت نار لمجوس؛ لأنهم يعظمونها لا بيت ~~أصنام وثني؛ لأنه لا حرمة له. # وقرأ حفص: والخامسة الأخيرة بالنصب، والباقون بالرفع. وقرأ نافع بتخفيف ~~النون ساكنة وكسر الضاد ورفع الهاء من الاسم الجليل والباقون بتشديد النون ~~منصوبة ونصب الضاد وخفض الهاء. ولما حرم سبحانه وتعالى بهذه الجمل الأعراض ~~والأنساب فصان بذلك الدين والأموال، علم أن التقدير فلولا أنه سبحانه خير ~~الغافرين وخير الراحمين لما فعل بكم ذلك ولا فضح المذنبين وأظهر سرائر ~~المستخفين، ففسد النظام فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله تعالى: # {ولولا فضل الله} أي: بما له من الكرم والاتصاف ms2091 بصفات الكمال {عليكم ~~ورحمته} أي: بكم بالستر في ذلك {وإن الله} أي: الذي أحاط بكل شيء قدرة ~~وعلما {تواب} بقبوله التوبة في ذلك وغير ذلك {حكيم} يحكم الأمور فيمنعها من ~~الفساد بما يعلم من عواقب الأمور لفضح كل عاص، ولم يوجب أربعة شهداء سترا ~~لكم، الحكم الخامس: قصة الإفك المذكورة في قوله تعالى: # {إن الذين جاؤوا بالإفك} أي: أسوأ الكذب سمي إفكا لكونه مصروفا عن الحق ~~من قولهم: أفك الشيء إذا صرفه عن جهته، وذلك أن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~وعن أبويها كانت تستحق الثناء لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة ~~والكرم، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أفضائه. # فإن قيل: لم ترك تسميتها؟ أجيب: بأنه تركه تنزيها لها عن هذا القال ~~وإبعادا لصون جانبها العلي عن هذا المراد، وقوله تعالى: {عصبة} خبر إن أي: ~~جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم أربعون وكذا العصابة وقوله تعالى: {منكم} خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة وصفوان ومن يعد عندكم في عداد ~~المسلمين يريد عبد الله بن أبي وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة ~~وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم، وقوله تعالى: {لا تحسبوه شرا لكم} مستأنف أي: لا ~~تنشأ عنه فتنة ولا يصدقه أحد {بل هو خير لكم} لاكتسابكم به الثواب العظيم؛ ~~لأنه كان بلاء مبينا ومحنة ظاهرة، وظهور كرامتكم على الله تعالى بإنزال ~~ثمان عشرة آية في براءتكم وتعظيم شأنكم وتهويل الوعيد لمن تكلم فيكم، ~~والثناء على من ظن بكم خيرا كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن # PageV02P602 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له، وتبرئة لأم المؤمنين رضوان الله ~~تعالى عليها وتطهير لأهل البيت وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به، فلم تمجه ~~أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية وأحكام ~~وآداب لا تخفى على متأملها، ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار ~~الملك الديان له علل ذلك بقوله تعالى: {لكل امرىء ms2092 منهم} أي: الآفكين {ما ~~اكتسب} أي: بخوضه فيه {من الإثم} الموجب لشقائه {والذي تولى كبره} أي: ~~معظمه {منهم} أي: من الخائضين وهو ابن أبي فإنه بدأ به وأذاعه عداوة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو هو وحسان ومسطح فإنهما تابعاه بالتصريح به ~~والذي بمعنى الذين على هذا {له عذاب عظيم} في الآخرة أو في الدنيا بأن ~~جلدوا وصار ابن أبي مطرودا مشهورا بالنفاق وحسان أعمى أشل اليدين ومسطح ~~مكفوف البصر. # تنبيه: قصة الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرهما شهيرة جدا ولكن نذكر ~~منها طرفا تبركا بذكر النبي صلى الله عليه وسلم وبذكر السيدة عائشة وأبويها ~~رضي الله تعالى عنهم، فنقول: «عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج ~~سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه؛ قالت عائشة: فأقرع بيننا ~~في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعدما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين فأذن ~~ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت ~~شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري وإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت ~~فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت: وأقبل الرهط الذين يرحلون بي فاحتملوا ~~هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه، وكان ~~النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهم اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام ~~فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن ~~فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما سار الجيش، فجئت منازلهم وليس بها ~~منهم داع ولا مجيب، فيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون ~~إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن معطل السهمي ~~ثم الذكواني رضي الله ms2093 تعالى عنه قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند ~~منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، ~~فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ~~ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطىء على يدها فقمت ~~إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين ~~في نحر الظهيرة وهم نزول فهلك من هلك، # وكان الذي تولى كبر الإفك منهم عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة ~~فاشتكيت بها شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك ~~وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف ~~الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم، ثم ينصرف ~~فذلك الذي يريبني فيه ولا أشعر بالشر حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح # PageV02P603 # قبل المناصع، وكان متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا وذلك # قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأولى في البرية، ~~وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فأقبلت أنا وأم مسطح حين فرغنا من ~~شأننا نمشي فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، ~~أتسبين رجلا شهدا بدرا، فقالت: يا هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قالت: وما قال ~~فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: كيف تيكم، فقلت له: أتأذن لي أن آتي ~~أبوي، قالت: وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما؛ قالت: فأذن لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأتيت أبوي فقلت لأمي: يا أماه ماذا يتحدث الناس؟ قالت: ~~يا بنية هوني عليك فوالله ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر ~~إلا أكثرن عليها؛ قالت: فقلت سبحان الله، ولقد تحدث الناس بهذا، قالت: ~~فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل ms2094 بنوم، ثم أصبحت ~~أبكي؛ قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن ~~زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة ~~فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم ~~لهم في نفسه من الود، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا ~~خيرا، وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ~~وسل الجارية تصدقك قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: ~~أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا ~~قط أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن ~~فتأكله قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد ~~الله بن أبي بن سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: ~~يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت ~~على أهلي إلا # خيرا وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، ولم يدخل على أهلي إلا معي؛ ~~قالت: فقام سعد أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان ~~من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك ~~فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج؛ قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن ~~حملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو ~~كان من رهطك ما أحببت أن تقتله، فقام أسيد بن حضير # ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه كأنك منافق ~~تجادل عن المنافقين قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت؛ قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ ~~لي ms2095 دمع ولا أكتحل بنوم قالت: وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا ~~أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع حتى أني لأظن أن البكاء فالق كبدي فبينما أبواي ~~جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي ~~معي قالت: فبينما نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسلم ثم جلس؛ قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا ~~يوحى إليه في شأني بشيء؛ قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين # PageV02P604 # جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة ~~فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا ~~اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه؛ قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مقالته قلص دمعي حتى لا أحس منه بقطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله فيما ~~قال، فقال: إني والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلت ~~لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقالت أمي: والله ما ~~أدري ما أقول لرسول الله، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن ~~كثيرا: والله لقد علمت ما سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم ~~به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم ~~أني منه بريئة لتصدقوني فوالله لا أجد لي ولا لكم مثلا إلا ما قال العبد ~~الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه حين قال: فصبر جميل والله المستعان على ما ~~تصفون، ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم حينئذ أني بريئة، والله ~~مبرئي ببراءتي؛ ولكن والله ما كنت أظن أن # الله ينزل في شأني وحيا يتلى لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله ~~تعالى في بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما ms2096 رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله تعالى على نبيه فأخذه ما كان ~~يأخذه عند الوحي من البرحاء حتى أنه لا ينحدر منه العرق مثل الجمان في ~~اليوم الشاتي من ثقل الذي أنزل عليه فسجي بثوب، فوالله ما سري عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى ظننت أن نفس أبوي ستخرجان فرقا من أن يأتي الله ~~بتحقيق ما قال الناس، فلما سرى عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن ~~قال: أبشري يا عائشة قد برأك الله فكنت أشد ما كنت غضبا، فقال لي أبواي: ~~قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا ~~الله الذي أنزل براءتي؛ لقد سمعتموه فما أنكرتموه، ولا غيرتموه، وأنزل الله ~~تعالى: {إن الذين جاؤوا} العشر آيات كلها، فقال أبو بكر: والله لا أنفق على ~~مسطح بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم} ~~إلى قوله: {غفور رحيم} ، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: بلى والله إني ~~لأحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح التي كان ينفقها عليه، وقال: ~~والله لا أنزعها منه أبدا؛ قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسأل زينب بنت حجش عن أمري فقال لزينب: ما علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول ~~الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرا؛ قالت عائشة: وهي التي ~~تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع؛ قالت ~~عائشة: «والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله، فوالذي نفسي ~~بيده ما كشفت كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله تعالى» ؛ ~~قالت: ولما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك وتلا ~~القرآن وضرب عبد الله بن أبي مسطحا # وحسان وحمنة # الحد. قال عروة: وكانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي ~~قال: # فإن ms2097 أبي ووالده وعرضي # ... لعرض محمد منكم وقاء # وقال الحافظ بن عمر بن عبد البر في الاستيعاب وأنكر قوم أن يكون حسان خاض ~~في الإفك # PageV02P605 # وجلد فيه، وروي عن عائشة أنها برأته من ذلك، انتهى. وقال غيره: والله لا ~~أظن به ذلك أصلا وإن جاءت تسميته في الصحيح فقد يخطىء الثقة لأسباب لا تحصى ~~كما يعرف ذلك من مارس نقل الأخبار وكيف يظن به ذلك ولا شغل له إلا مدح ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمدافعة عنه والذم لأعدائه، وقد شهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن جبريل معه وهو القائل يمدح عائشة ويكذب من نقل عنه ذلك: # *حصان رزان ما تزن بريبة # ... وتصبح غرثي من لحوم الغوافل # *حليلة خير الناس دينا ومنصبا # ... نبي الهدى والمكرمات الفواضل # *عقيلة حي من لؤي بن غالب # ... كرام المساعي مجدها غير زائل # *مهذبة قد طيب الله خيمها # ... وطهرها من كل شين وباطل # *وإن كانت ما بلغت عني قلته # ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي # *فكيف وودي ما حييت ونصرتي # ... لآل رسول الله زين المحافل # *له رتبة عال على الناس فضلها # ... تقاصر عنها سورة المتطاول # وفي هذا القدر كفاية لأولي الألباب، فإن هذه القصة عبرة لمن اعتبر فإن ~~أهل الإفك استمروا في هذا أكثر من شهر والله تعالى عالم بما يقولون، وإن ~~قولهم يكاد يقطع الأكباد في أحب خلقه إليه وهو قادر على تكذيبهم عند أول ما ~~خاضوا فيه ولكنه سبحانه أراد لناس رفع الدرجات ولآخرين الهلكات ولا بأس ~~ببيان غريب هذه الألفاظ التي وقعت في هذه القصة من كلام عائشة وغيرها ~~قولها: إذن أي: أعلم بالرحيل، وقولها فقدت عقدا لي من جزع أظفار: هو نوع من ~~الخرز وهو الحجر اليماني المعروف، وقولها: لم يهبلن أي: لم يكثر لحمهن من ~~السمن فيثقلن، وقولها إنما يأكلن العلقة من الطعام وهو بضم العين أي: ~~البلغة من الطعام وهي قدر ما يمسك الرمق وقولها: ليس بها منهم داع ولا مجيب ~~أي: ليس بها أحد لا من يدعو ولا من يرد ms2098 جوابا، وقولها: فيممت أي: قصدت، ~~وقولها: قد عرس من وراء الجيش، فأدلج التعريس نزول المسافر بالليل للراحة ~~والإدلاج بالتشديد سيرا آخر الليل وبالتخفيف سير الليل كله، وقولها: ~~باسترجاعه هو قول القائل: إنا لله وإنا إليه راجعون. قولها: خمرت أي: غطيت ~~وجهي بجلبابي أي: إزاري، وقولها: موغرين في نحو الظهيرة الوغر: شدة الحر ~~وكذلك نحر الظهيرة أي: أولها، وقولها: والناس يفيضون أي: يخوضون ويتحدثون، ~~وقولها: وهو يريبني يقال: رابني الشيء يريبني أي: تشككت فيه، وقولها: ولا ~~أرى من النبي اللطف أي: الرفق بها، واللطف في الأفعال الرفق، وفي الأقوال ~~لين الكلام، وقولها: حين نقهت أي: أفقت من المرض والمناصع المواضع الخالية ~~تقضى فيها الحاجة من غائط وبول، وأصله المكان الواسع الخالي والمرط كساء من ~~صوف أو خز، قولها فقالت: تعس مسطح أي: خسر، وقولها: يا هنتاه أي: يا بلهاء ~~كأنها نسبتها إلى البله وقلة المعرفة، وقولها: لا يرقأ أي: لا ينقطع، وقول ~~بريرة: إن رأيت بمعنى النفي أي: ما رأيت منها أمرا أغمصه عليها بالصاد ~~المهملة أي: أعيبه، والداجن الشاة التي # تألف البيت وتقيم به، وقوله صلى الله عليه وسلم من يعذرني أي: إن أنا ~~أكافئه # PageV02P606 # على سوء صنيعه إن عاتبت أو عاقبت، فلا تلوموني على ذلك، وقولها: ولكن ~~حملته الحمية أي: حمله الغضب والأنفة والتعصب على الجهل للقرابة، وقولها: ~~فتثاور الحيان أي: ثاروا ونهضوا للقتال والمخاصمة، وقولها: فلم يزل يخفضهم ~~أي: يهون عليهم ويسكت، وقوله صلى الله عليه وسلم إن كنت ألممت قيل: هو من ~~اللمم وهو صغار الذنوب، قيل: معناه مقارفة الذنب من غير فعل، وقولها: قلص ~~دمعي أي: انقطع جريانه، قوله: ما رام أي: ما برح من مكانه والبرحاء الشدة، ~~والجمانة الدرة وجمعه جمان، وقولها: فسري عنه أي: كشف عنه، وقول زينب: أحمي ~~سمعي وبصري أي: أمنعهما عن أن أخبر بما لم أسمع ولم أبصر وقولها: وهي التي ~~كانت تساميني من السمو وهو العلو والغلبة، فعصمها الله تعالى أي: منعها ~~الله من الوقوع في الشر بالورع، وقول الرجل: ms2099 ما كشفت كنف أنثى أي: ستر ~~أنثى، وقول حسان في عائشة: حصان بفتح الحاء امرأة حصان أي: متعففة رزان أي: ~~ثابتة ما تزن أي: ترمي ولا تتهم بريبة أي: أمر يريب الناس وتصبح غرثى أي: ~~خائفة الموت، والغرث: الجوع من لحوم الغوافل جمع غافلة والمعنى أنها لا ~~تغتاب أحدا ممن هو غافل، وقرأ لا تحسبوه وتحسبونه ابن عامر وعاصم وحمزة ~~بفتح السين والباقون بكسرها، ولما أخبر سبحانه وتعالى بعقاب أهل الإفك، ~~وكان في المؤمنين من سمعه وسكت، وفيهم من سمعه فتحدث به متعجبا من قائله أو ~~متثبتا في أمره وفيهم من أكذبه أتبعه سبحانه وتعالى بعتابهم في أسلوب ~~خطابهم مثنيا على من كذبه، فقال سبحانه وتعالى مستأنفا محرضا: # {لولا} أي: هلا ولم لا {إذ} أي: حين {سمعتموه} أيها المدعون للإيمان {ظن ~~المؤمنون} أي: منكم {والمؤمنات} وكان الأصل ظننتم أي: أيها العصبة ولكنه ~~التفت إلى الغيبة تنبيها على التوبيخ، وصرح بالنساء ونبه على الوصف المقتضي ~~لحسن الظن تخويفا للذي ظن السوء من سوء الخاتمة {بأنفسهم} حقيقة {خيرا} وهم ~~دون من كذب عليها فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن في الناس إلا ما هو ~~متصف به أو بإخوانهم لأن المؤمنين كالجسد الواحد وذلك نحو ما يروى أن أبا ~~أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان ~~كنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوءا قال: لا، قالت: ولو كنت ~~أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعائشة خير مني وصفوان ~~خير منك {وقالوا هذا إفك مبين} أي: كذب بين. # فإن قيل: هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم ولم عدل عن ~~الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر؟ أجيب: بأن ذلك مبالغة في ~~التوبيخ على طريقة الالتفات وليصرح بلفظ الإيمان دالا على أن الاشتراك فيه ~~يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، ~~وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع ms2100 قالة في أخيه أن يبني الأمر فيها على ~~الظن لا على الشك، وأن يقول بملء فيه بناء على ظنه بالمؤمن الخير هذا إفك ~~مبين هكذا اللفظ المصرح ببراءة ساحته لا يقول كما يقول المستيقن المطلع على ~~حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له وليتك تجد ~~من يسمع فيسكت ولا يشيع ما يسمعه بإخوانه، ثم علل سبحانه وتعالى كذب ~~الآفكين أن قال موبخا لمن اختلقه وأذاعه ملفتا لمريديه إلى ظن الخير: # {لولا} أي: هلا ولم لا {جاؤوا عليه # PageV02P607 # بأربعة شهداء} كما تقدم أن القذف لا يباح إلا بها {فإذ} أي: حين {لم ~~يأتوا بالشهداء} أي: الموصوفين {فأولئك} أي: البعداء من الصواب {عند الله ~~هم الكاذبون} قد جعل الله التفضل بين الرمي الصادق والرمي الكاذب بثبوت ~~شهادة الشهود الأربعة وانتفائها، والذين رموا عائشة لم تكن لهم بينة على ~~قولهم، فقامت عليهم الحجة، وكانوا عند الله أي: في حكمه وشريعته كاذبين، ~~وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره واحتجاج ~~عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة في ~~التنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء المسلمين فكيف بأم المؤمنين ~~الصديقة بنت الصديق حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيبة حبيب رب ~~العالمين. ولما بين الله سبحانه وتعالى الدليل على كذب الخائضين في هذا ~~الكلام وأنهم استحقوا الملام قال عاطفا على لولا الماضية التي للتحضيض: # {ولولا} التي هي لامتناع الشيء لوجود غيره {فضل الله} أي: المحيط بصفات ~~الكمال {عليكم ورحمته} أي: معاملته لكم بمزيد الإنعام والإكرام اللازم ~~للرحمة {في الدنيا} بقبول التوبة والمعاملة بالحلم {والآخرة} بالعفو عمن ~~يريد أن يعفو عنه منكم {لمسكم} أي: عاجلكم {في ما أفضتم} أي: أيها العصبة ~~أي: خضتم {فيه} من حديث الإفك {عذاب عظيم} أي: يحتقر معه اللوم والجلد. # فائدة: في مقطوعة في الرسم من ما كما ترى، ثم بين تعالى وقت حلول العذاب ~~وزمان تعجيله بقوله تعالى: # {إذ} أي: مسكم حين ms2101 {تلقونه} أي: تجتهدون في تلقي أي: قبول هذا الكلام ~~الفاحش وإلقائه {بألسنتكم} أي: يرويه بعضكم عن بعض وذلك أن الرجل منهم كان ~~يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقيا يلقيه بعضهم إلى بعض، ~~وحذفت من الفعل إحدى التاءين {وتقولون بأفواهكم} أي: كلاما مختصا بالأفواه ~~فهو كلام لا حقيقة له فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل وأكد هذا المعنى ~~بقوله تعالى: {ما ليس لكم به علم} أي: بوجه من الوجوه وتنكيره للتحقير. # فإن قيل: القول لا يكون إلا بالفم، فما معنى قوله تعالى: {بأفواهكم} ؟ ~~أجيب: بأن معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه اللسان ~~وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة ~~عن علم به في القلب كقوله تعالى: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} (آل ~~عمران، 167) # {وتحسبونه} بدليل سكوتكم عن إنكاره {هينا} أي: لا إثم فيه {وهو} أي: ~~والحال أنه {عند الله} أي: الذي لا يبلغ أحد مقدار عظمته {عظيم} في الوزر ~~واستجرار العذاب فهذه ثلاثة آثام مرتبة علق بها مس العذاب العظيم تلقي ~~الإفك بألسنتهم والتحدث به من غير تحقق واستصغارهم لذلك، وهو عند الله ~~تعالى عظيم: # {ولولا} أي: وهلا ولم لا {إذ} أي: حين {سمعتموه قلتم} من غير توقف ولا ~~تلعثم {ما يكون} أي: ما ينبغي وما يصح {لنا أن نتكلم بهذا} أي: القول ~~المخصوص ويجوز أن تكون الإشارة إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس محرم، فكيف بمن ~~اختارها العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق. # فإن قيل: كيف جاز الفصل بين لولا وقلتم؟ أجيب: بأن الظروف تنزل من الشيء ~~منزلة نفسه لوقوعه فيها وأنها لا انفكاك لها عنه فلذلك يتسع فيها ما لا ~~يتسع في غيرها. # فإن قيل: أي فائدة في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلا؟ # PageV02P608 # أجيب: بأن الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يذبوا أول ما سمعوا ~~بالإفك عن التكلم به فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم. # فإن قيل: ما معنى يكون والكلام بدونه ms2102 ملتئم لو قيل ما لنا أن نتكلم بهذا؟ ~~أجيب: بأن معناه ينبغي ويصح أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا وما يصح لنا ~~كما تقدم تقريره، ونحوه ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، وقوله تعالى: ~~{سبحانك} تعجب من أن يخطر ذلك بالبال في حال من الأحوال. # فإن قيل: ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؟ أجيب: بأن الأصل في ذلك أن ~~يسبح الله تعالى عند رؤية التعجب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب، ~~وقيل: تنزيه، فهو منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء القذفة، وعن أن لا يعاقبهم ~~وعن أن تكون حرمة نبيه صلى الله عليه وسلم فاجرة، قال البيضاوي: فإن فجورها ~~ينفر عنه ويخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها فإنه لا ينفر أي: ولهذا كانت ~~امرأة نوح ولوط كافرتين، وهذا يقتضي حل نكاح الكتابية مع أنها لا تحل له ~~صلى الله عليه وسلم لأنها تكره صحبته؛ ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم ~~كافرة بنكاح ولقوله تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} (الأحزاب، 6) # ولا يجوز أن تكون الكافرة أم المؤمنين، ولخبر «سألت ربي أن لا أزوج إلا ~~من كانت معي في الجنة فأعطاني» رواه الحاكم وصحح إسناده. # أما التسري بالكافرة فلا يحرم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تسرى بريحانة ~~وكانت يهودية من بني قريظة ولا يشكل تعليلهم السابق من أنه أشرف أن يضع ~~ماءه في رحم كافرة؛ لأن القصد بالنكاح أصالة التوالد فاحتيط له، وبأنه يلزم ~~منه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك فيهما {هذا بهتان} أي: ~~كذب يبهت من يواجه به ويحيره لشدة ما يفعل في القوى الباطنة؛ لأنه في غاية ~~الغفلة عنه لكونه أبعد الناس منه، ثم هونه بقوله {عظيم} لعظمة المبهوت ~~عليه، فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها، ولما كان هذا كله وعظا ~~لهم واستصلاحا ترجمه بقوله: # {يعظكم الله} أي: يرقق قلوبكم الذي له الكمال كله، فيمهل بحلمه ولا يهمل ~~بحكمته {أن} أي: كراهة أن {تعودوا لمثله أبدا} أي: ما دمتم أحياء مكلفين، ms2103 ~~ثم عظم هذا الوعظ بقوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} أي: متصفين بالإيمان ~~راسخين فيه، فإنكم لا تعودون، فإن الإيمان يمنع عنه، وهذا تهييج وتقريع لا ~~أنه يخرج عن الإيمان كما تقول المعتزلة. # فإن قيل: هل يجوز أن يسمى الله واعظا كقوله تعالى: {يعظكم الله} ؟ أجيب: ~~بأنه لا يجوز كما قاله الرازي، قال: كما لا يجوز أن يسمى الله معلما كقوله ~~تعالى: {الرحمن علم القرآن} (الرحمن، 1) # ؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية. # {ويبين الله} أي: بما له من صفات الكمال والإكرام {لكم الآيات} أي: ~~الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتعظوا وتتأدبوا {والله} أي: المحيط ~~بجميع الكمال {عليم} أي: بما يأمر به وينهى عنه {حكيم} لا يضع شيئا إلا في ~~أحكم مواضعه وإن دق عليكم فهم ذلك فلا تتوقفوا في أمر من أوامره، ولماكان ~~من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب بينه بقوله تعالى: # {إن الذين يحبون} أي: يريدون وعبر بالحب إشارة إلى أنه لا يرتكب هذا مع ~~شناعته إلا محب له، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة {أن تشيع} أي: تنتشر ~~بالقول أو الفعل {الفاحشة} الفعلة الكبيرة القبح {في الذين آمنوا} أي: ~~بنسبتها إليهم وهم العصبة، وقيل: المنافقون {لهم عذاب أليم في الدنيا} # PageV02P609 # أي: بالحد للقذف {والآخرة} أي: بالنار لحق الله تعالى إن لم يتب {والله} ~~أي: المستجمع لصفات الجلال والجمال {يعلم} أي: له العلم التام فهو يعلم ~~مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة في إظهاره أو ستره أو غير ~~ذلك من جميع الأمور {وأنتم لا تعلمون} أي: ليس لكم علم من أنفسكم فاعملوا ~~بما علمكم فلا تتجاوزوه ولا تضلوا، وقيل: معناه يعلم ما في قلب من يحب أن ~~تشيع الفاحشة فيجازيه عليها وأنتم لا تعلمون ذلك، وقيل: والله يعلم انتفاء ~~الفاحشة عنهم وأنتم أيها العصبة لا تعلمون وجودها فيهم، وقوله تعالى: # {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} أي: بكم تكرير للمنة بترك المعاجلة ~~بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة، ولذا عطف عليه {وأن الله} أي: الذي ms2104 له ~~القدرة التامة، فسبقت رحمته غضبه {رؤوف رحيم} على حصول فضله ورحمته، وجواب ~~لولا محذوف كأنه قال: لعذبكم واستأصلكم لكنه رؤوف رحيم؛ قال ابن عباس: ~~الخطاب لحسان ومسطح وحمنة قال الرازي: ويجوز أن يكون الخطاب عاما، وقيل: ~~الجواب في قوله تعالى: {ما زكى منكم من أحد} ، وقرأ: رؤوف؛ نافع وابن كثير ~~وابن عامر وحفص بمد الهمزة والباقون بقصرها. # {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات} أي: طرق {الشيطان} بتزيينه أي: لا ~~تسلكوا مسالكه في إشاعة الفاحشة ولا في غيرها {ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه} أي: المتبع {يأمر بالفحشاء} أي: بالقبائح من الأفعال {والمنكر} أي: ~~ما أنكره الشرع وهو كل ما يكرهه الله تعالى، وقرأ قنبل وابن عامر وحفص ~~والكسائي بضم الطاء والباقون بالسكون {ولولا فضل الله} أي: الذي لا إله ~~غيره {عليكم ورحمته} أي: بكم بتوفيق التوبة الماحية للذنوب وتشريع الحدود ~~المكفرة لها {ما زكى} أي: ما طهر من ذنبها {منكم من أحد أبدا} آخر الدهر، ~~والآية عند بعض المفسرين على العموم قالوا: أخبر الله أنه لولا فضل الله ~~ورحمته ما صلح منكم من أحد، وقال ابن عباس: الخطاب للذين خاضوا في الإفك ~~ومعناه ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل بالتوبة منه {ولكن ~~الله} أي: العليم بأحوال خلقه {يزكي} أي: يطهر {من يشاء} من الذنوب بقبول ~~التوبة منها {والله سميع} أي: لأقوالهم {عليم} أي: بما في قلوبهم. # {ولا يأتل} أي: يحلف افتعال من الآلية وهو القسم {أولو الفضل} أي: أصحاب ~~الغنى {منكم والسعة أن} أي: أن لا {يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين ~~في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا} عنهم في ذلك {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} ~~أي: على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم، قال المفسرون: نزلت هذه ~~الآية في أبي بكر رضي الله عنه حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة ~~أبي بكر رضي الله تعالى عنه وكان يتيما في حجره، وكان ينفق عليه فلما فرط ~~منه ما فرط قال ms2105 لهم أبو بكر: قوموا لستم مني ولست منكم وكفى بذلك داعيا في ~~المنع، فإن الإنسان إذا أحسن إلى قريبه وكافأه بالإساءة كان أشد عليه مما ~~إذا صدرت الإساءة من أجنبي؛ قال الشاعر: # *وظلم ذوي القربى أشد مضاضة # ... على المرء من وضع الحسام المهند # فقال له مسطح: نشدتك الله والإسلام والقرابة لا تحوجنا إلى أحد فما كان ~~لنا أول الأمر من # PageV02P610 # ذنب فقال: ألم تتكلم؟ فقال: قد كان بعض ذلك عجبا من قول حسان فلم يقبل ~~عذره، وقال: انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذرا ولا فرجا، ~~فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض، وناس من الصحابة أقسموا ~~أن لا يتصدقوا على من تكلم بشيء من الإفك، فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى أبي بكر وقرأ عليه الآية، فلما وصل إلى قوله: {ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم} {والله غفور رحيم} أي: مع كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه قال: بلى ~~يا رب إني أحب أن تغفر لي، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه، ~~وقال: قبلت ما أنزل الله تعالى على الرأس والعين وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ ~~سخط الله عليكم أما إذ عفا عنكم فمرحبا بكم، وجعل له مثلي ما كان له، وقال: ~~والله لا أنزعها أبدا، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات، ولا شك أن هذا أعظم ~~من مقاتلة الكفار؛ لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكفار ومجاهدة ~~النفس أشد من مجاهدة الكفار، ولهذا روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رجعنا ~~من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» . # {إن الذين يرمون المحصنات} أي: العفائف {الغافلات} أي: عن الفواحش وهن ~~السليمات الصدور النقيات القلوب بأن لا يقع في قلوبهن فعلها اللاتي ليس ~~فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال فلا يفطن لما ~~تفطن له المجربات العرافات؛ قال في ذلك القائل متغزلا: # *ولقد لهوت بطفلة ميالة # ... بلهاءتطلعني على أسرارها # وكذلك البله من الرجال في قوله صلى الله عليه ms2106 وسلم «أكثر أهل الجنة ~~البله» ، وقيل: البله هم الراضون بنعيم الجنة والفطناء لم يرضوا إلا بالنظر ~~إلى وجهه الكريم {المؤمنات} بالله ورسوله {لعنوا في الدنيا والآخرة} أي: ~~عذبوا في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بالنار {ولهم عذاب عظيم} لعظم ذنوبهم؛ ~~قال مقاتل: هذا خاص في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وروي أنه قيل ~~لسعيد بن جبير: من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة، فقال: ذلك ~~لعائشة رضي الله عنها خاصة. قال الزمخشري: ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما ~~أوعد به العصاة لم تر أن الله عز وجل قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة ~~رضوان الله عليها ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد ~~والعتاب البليغ والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم ~~عليه ما أنزل فيه على طرق مختلفة أو أساليب مفتنة كل واحد منها كاف في بابه ~~ولو لم تنزل إلا هذه الثلاث آيات لكفى بها حيث جعل القذفة ملعونين في ~~الدارين جميعا وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم تشهد عليهم كما قال تعالى: # {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} أي: من قول ~~وفعل، وهو يوم القيامة بما أفكوا وبهتوا فإنه تعالى يوفيهم جزاءهم الحق كما ~~قال تعالى: # {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} أي: جزاءهم الواجب الذين هم أهله ~~{ويعلمون} عند ذلك {أن الله هو الحق المبين} حيث حقق لهم جزاء الذي كانوا ~~يشكون فيه فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر، وجاء بما لم يقع في ~~وعيد المشركين وعبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاعة وما ذاك إلا لأمر ~~عظيم، وعن ابن عباس # PageV02P611 # أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن حتى سئل عن هذه ~~الآيات فقال: من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة، ~~وهذا منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك ولقد برأ الله تعالى أربعة بأربعة برأ ~~يوسف عليه السلام بلسان الشاهد فقال ms2107 تعالى: {وشهد شاهد من أهلها} (يوسف، ~~26) # الآية، وبرأ موسى عليه الصلاة والسلام من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب ~~بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها عليه الصلاة والسلام حين نادى من تحتها {إني ~~عبد الله} (مريم، 30) # الآية، وبرأ عائشة رضي الله تعالى عنها بهذه الآيات العظام في كتابه ~~المعجز المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات فانظر كيف ~~بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والتنبيه على أنافة محل سيد ولد آدم وخيرة الأولين والآخرين وحجة ~~الله على العالمين، ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه وتقدم قدمه وإحرازه لقصب ~~السبق دون كل سابق فليتلق ذلك من آيات الإفك وليتأمل كيف غضب الله تعالى له ~~في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه، وقال قوم: ليس لمن قذف عائشة ~~وبقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توبة؛ لأن الله تعالى لم يذكر في ~~قذفهن توبة، وما ذكر من أول السورة فذاك في قذف غيرهن. # فإن قيل: إن كانت عائشة هي المرادة، فكيف قيل المحصنات؟ أجيب: بأنها لما ~~كانت أم المؤمنين جمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة الموصوفات ~~بالإحصان والغفلة والإيمان ولذا قيل: إن هذا حكم كل قاذف ما لم يتب. # فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: {هو الحق المبين} ؟ أجيب: بأن معناه ذو ~~الحق المبين أي: العادل الظاهر العدل الذي لا ظلم في حكمه والمحق الذي لا ~~يوصف بباطل ومن هذه صفته كان له أن يجازي المحسن على إحسانه والمسيء على ~~إساءته فحق مثله أن يتقى ويجتنب محارمه، وقرأ: يشهد؛ حمزة والكسائي بالياء ~~التحتية والباقون بالفوقية، ويوم ناصبه الاستقرار الذي تعلق به لهم، وقرأ ~~أبو عمرو: يوفيهم الله، بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضم الهاء ~~والميم، والباقون بكسر الهاء وضم الميم هذا كله في الوصل، وأما الوقف ~~فالجميع بكسر الهاء وسكون الميم. # {الخبيثات} أي: من النساء والكلمات {للخبيثين} من الناس {والخبيثون} أي: ~~من الناس {للخبيثات} أي: مما ذكر {والطيبات} ms2108 أي: مما ذكر {للطيبين} أي: من ~~الناس {والطيبون} أي: منهم {للطيبات} أي: مما ذكر فاللائق بالخبيث مثله ~~وبالطيب مثله {أولئك} أي: الطيبون والطيبات من النساء، ومنهم صفوان وعائشة ~~{مبرؤون مما يقولون} أي: الخبيثون والخبيثات من النساء، وقيل: عائشة وصفوان ~~ذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى: {فإن كان له أخوة} أي: إخوان {لهم} أي: ~~الطيبين والطيبات من النساء على الأول، ولصفوان وعائشة على الثاني {مغفرة} ~~أي: عفو عن الذنوب {ورزق كريم} هو الجنة، وروي أن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها منها أن جبريل عليه ~~السلام أتى بصورتها في سرقة من حرير وقال للنبي صلى الله عليه وسلم هذه ~~زوجتك، وروي أنه أتى بصورتها في راحته، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يتزوج بكرا غيرها، ومنها أنه قبض صلى الله عليه وسلم ورأسه الشريف في ~~حجرها، ومنها أنه دفن في بيتها، ومنها أنه كان ينزل # PageV02P612 # عليه الوحي وهو معها في لحاف، ومنها أن براءتها نزلت من السماء، ومنها ~~أنها ابنة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه، وخلقت طيبة، ووعدت ~~بمغفرة ورزق كريم، وكان مسروق رحمه الله تعالى إذا روى عن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المبرأة من السماء. # الحكم السادس: ما ذكره بقوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} أي: التي تسكنونها، ~~فإن المؤجر والمعير لا يدخلان إلا بإذن، وقرأ ورش وأبو عمر وحفص بضم الباء ~~الموحدة، والباقون بكسرها، وفي قوله تعالى: {حتى تستأنسوا} وجهان: أحدهما: ~~أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش؛ لأن الذي يطرق باب غيره ~~لا يدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له فقد ~~استأنس، والمعنى حتى يؤذن لكم كقوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن ~~يؤذن لكم} (الأحزاب، 53) ، وهذا من باب الكناية والإرداف؛ لأن هذا النوع من ~~الاستئناس يردف الإذن، فوضع موضع الإذن، ms2109 والثاني: أن يكون من الاستئناس ~~بمعنى الاستعلام والاستكشاف استفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا، ~~والمعنى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم أم لا، ومنه قولهم: ~~استأنس هل ترى أحدا، واستأنست فلم أر أحدا أي: تعرفت واستعلمت، وقال الخليل ~~بن أحمد: الاستئناس: الاستبصار، من قولهم: آنست نارا؛ أي: أبصرت، وقيل: هو ~~أن يتكلم بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة ويتنحنح يؤذن أهل البيت، وعن أبي ~~أيوب الأنصاري قال: يا رسول الله: ما الاستئناس؟ قال: «أن يتكلم الرجل» ~~{وتسلموا على أهلها} كأن يقول الواحد: السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات، فإن ~~أذن له دخل، وإلا رجع قال قتادة: المرة الأولى للتسميع، والثانية: ليتهيأ، ~~والثالثة: إن شاء أذن، وإن شاء رد، وهذا من محاسن الآداب، فإن أول مرة ربما ~~منعهم بعض الأشتغال من الإذن، وفي الثانية ربما كان هناك مانع يقتضي المنع، ~~فإن لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع، ولهذا كان الأولى في ~~الاستئذان ثلاثا أن لا تكون متصلة، بل يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ما. # ولا بد من إذن صريح إذا كان الداخل أجنبيا أو قريبا غير محرم سواء كان ~~الباب مغلقا أم لا، وإن كان محرما فإن كان ساكنا مع صاحبه فيه لم يلزمه ~~الاستئذان، ولكن عليه أن يشعره بدخوله بتنحنح أو شدة وطء أو نحو ذلك ليستتر ~~العريان فإن لم يكن ساكنا فإن كان الباب مغلقا لم يدخل إلا بإذن، وإن كان ~~مفتوحا فوجهان، والأوجه الاستئذان، وعن أبي موسى الأشعري أنه أتى باب عمر، ~~فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قالها ثلاثا، ثم رجع وقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «الاستئذان ثلاثا» ، و «استأذن رجل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: ألج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة يقال ~~لها روضة: قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن، قولي له يقول: ~~السلام عليكم أدخل، فسمع الرجل فقال: أدخل» . # وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته: حييتم صباحا ms2110 ~~وحييتم مساء، ثم يدخل، فربما أصاب صاحب البيت مع امرأته في لحاف واحد، فصد ~~الله عز وجل عن ذلك، وعلم # PageV02P613 # ما هو الأحسن الأجمل، وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة ~~المنسوخة قد تركوا العمل به وباب الاستئذان من ذلك. # قال الزمخشري: بينا أنت في بيتك إذ رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ~~ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممن يسمع ما أنزل الله فيه، وما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أين الأذن الواعية. {ذلكم خير لكم} ~~أي: من تحية الجاهلية، ومن أن تدخلوا من غير استئذان. «روي أن رجلا قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أأستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: إنها ليس لها ~~خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: ~~لا، قال: فاستأذن» ، وقوله تعالى: {لعلكم تذكرون} متعلق بمحذوف أي: أنزل ~~عليكم، وقيل: بين لكم هذا إرادة أن تذكروا وتتعظوا وتعملوا بما أمرتم به في ~~باب الاستئذان، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد. # {فإن لم تجدوا فيها} أي: البيوت {أحدا} يأذن لكم في دخولها {فلا تدخلوها ~~حتى يؤذن لكم} أي: حتى يأتي من يأذن لكم فإن المانع من الدخول فيها ليس ~~الاطلاع على العورات فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي تطويها ~~الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ولأنه تصرف في ملك ~~غيرك، فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب {وإن قيل لكم ارجعوا} ~~أي: بعد الاستئذان {فارجعوا} أي: إذا كان في البيت أحد، وقال لكم: ارجعوا ~~فارجعوا {هو} أي: الرجوع {أزكى} أي: أطهر وأصلح {لكم} من الوقوف على ~~الأبواب منتظرين؛ لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس خصوصا إذا ~~كانوا ذوي مروءة مرتاضين للآداب الحسنة وإذا نهي عن ذلك لأدائه إلى الكراهة ~~وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف والتصييح بصاحب الدار ~~وغير ذلك مما يدخل في ms2111 عادات من لم يتهذب من أكثر الناس، وعن أبي عبيد رحمه ~~الله تعالى: ما قرعت بابا على عالم قط، وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل ~~فيها من قوله تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} ~~، (الحجرات، 4) # وعن قتادة رحمه الله تعالى: إذا لم يؤذن له لا يقعد وراء الباب فإن للناس ~~حاجات، وإن حضر ولم يستأذن وقعد على الباب منتظرا جاز، وكان ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما يأتي باب الأنصاري لطلب الحديث فيقعد على الباب حتى يخرج، ~~ولا يستأذن فيخرج الرجل فيقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~أخبرتني فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم، فإذا وقف فلا ينظر من شق الباب ~~إذا كان الباب مردودا لما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «من اطلع في بيت قوم فقد حل لهم يفقؤوا عينه» وفي رواية ~~للنسائي قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته ففقأت عينه ما كان ~~عليك جناح» ، ولو عرض أمر في دار من حريق أو هدم أو هجوم سارق أو ظهور منكر ~~يجب إنكاره جاز الدخول بغير إذن {والله} أي: الذي لا يخفى عليه شيء {بما ~~تعملون} من الدخول بإذن وبغير إذن {عليم} فيجازيكم عليه. # لما نزلت آية الاستئذان قالوا: يا رسول الله كيف بالبيوت التي بين مكة ~~والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها إنسان فأنزل الله تعالى: # {ليس عليكم جناح} أي: إثم {أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} أي: # PageV02P614 # بغير استئذان منكم، وذلك كبيوت الخانات والربط المسبلة {فيها متاع} أي: ~~منفعة {لكم} والمنفعة فيها بالنزول وأنواع المتاع والاتقاء من الحر والبرد ~~ونحو ذلك، وقال ابن زيد: هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلها ~~للبيع والشراء وهو المنفعة، وقال إبراهيم النخعي: ليس على حوانيت الأسواق ~~إذن، وكان ابن سيرين رحمه الله تعالى إذا جاء إلى حانوت السوقي يقول: ~~السلام عليكم أدخل ثم يلج، وقال عطاء: هي البيوت الخربة والمتاع هو ms2112 قضاء ~~الحاجة فيها من البول والغائط، وذلك استثناء من الحكم السابق لشموله البيوت ~~المسكونة وغيرها {والله يعلم ما تبدون} أي: تظهرون {وما تكتمون} أي: تخفون ~~في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره، وفي ذلك وعيد من الله تعالى لمن ~~دخل لفساد أو تطلع على عورات وسيأتي أنهم إذا دخلوا بيوتهم سلموا على ~~أنفسهم. # والحكم السابع حكم النظر المذكور في قوله تعالى: # {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} أي: عما لا يحل لهم نظره {ويحفظوا ~~فروجهم} أي: عما لا يحل لهم فعله بها. # تنبيه: من للتبعيض، والمراد غض البصر عما لا يحل كما مر والاقتصار به على ~~ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه. # فإن قيل: لم دخلت من في غض البصر دون حفظ الفرج؟ أجيب: بأن في ذلك دلالة ~~على أن المراد أن أمر النظر أوسع بدليل جواز النظر للمحارم فيما عدا ما بين ~~السرة والركبة، وأما نظر الفروج فالأمر فيه ضيق وكفاك فرقا أن أبيح النظر ~~إلا ما استثني منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه، ويجوز أن يراد مع حفظها ~~عن الإفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإبداء، وعن ابن زيد: كل ما في القرآن ~~من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا هذا فإنه أراد به الاستتار. # فإن قيل: لم قدم غض البصر على حفظ الفرج؟ أجيب: بأن البلوى فيه أشد. وروي ~~عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: سألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال: «اصرف بصرك» . وعن بريدة رضي الله تعالى عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة ~~النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية» أخرجه أبو داود والترمذي، وعن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل ~~إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة ms2113 إلى المرأة في ثوب واحد» {ذلك} أي: ~~غض البصر وحفظ الفرج {أزكى} أي: خير {لهم} لما فيه من البعد عن الريبة، سئل ~~الشيخ الشبلي رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: {يغضوا من أبصارهم} ، فقال: ~~أبصار الرؤوس عن المحرمات وأبصار القلوب عن المحرمات، ثم أخبر سبحانه ~~وتعالى بأنه خبير بأحوالهم وأفعالهم بقوله تعالى: {إن الله} أي: الملك الذي ~~لا يخفى عليه شيء {خبير بما يصنعون} بسائر حواسهم وجوارحهم، فعليهم إذا ~~عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون. # {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} عما لا يحل لهن نظره {ويحفظن فروجهن} ~~عما لا يحل لهن فعله بها، روي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ~~«كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة بنت الحرث إذ أقبل ابن ~~أم مكتوم، فدخل عليه وذلك بعدما أمرنا بالحجاب فقال صلى الله عليه وسلم ~~احتجبا # PageV02P615 # منه فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه» ، وقوله تعالى: {ولا يبدين} أي: يظهرن ~~{زينتهن} أي: لغير محرم، والزينة خفية وظاهرة، فالخفية مثل الخلخال والخضاب ~~في الرجل، والسوار في المعصم، والقرط في الأذن والقلائد في العنق، فلا يجوز ~~للمرأة إظهارها، ولايجوز للأجنبي النظر إليها، والمراد من الزينة مواضعها ~~من البدن، وذكر الزينة للمبالغة في الأمر بالصون والستر؛ لأن هذه الزينة ~~واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها {إلا ما ظهر منها} أي: من ~~الزينة الظاهرة، واختلف أهل العلم في هذه الزينة التي استثناها الله تعالى ~~فقال سعيد بن جبير وجماعة: هي الوجه والكفان، وقال ابن مسعود رضي الله ~~تعالى عنه: هي الثياب، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي الكحل ~~والخاتم والخضاب في الكف فما كان من الزينة الظاهرة، يجوز للأجنبي النظر ~~إليها إن لم يخف فتنة في أحد وجهين وعليه الأكثر. # وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة في ~~الصلاة وسائر ms2114 بدنها عورة فيها، ولأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد بدا ~~من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة ~~والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وخاصة الفقيرات، والوجه ~~الثاني يحرم؛ لأنه محل الفتنة ورجح حسما للباب {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} ~~أي: يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع، فإن جيوبهن كانت واسعة تبدو ~~منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة ~~فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى تغطيها، ويجوز أن يراد بالجيوب الصدور ~~تسمية لها باسم ما يليها ويلابسها، ومنه قولهم: ناصح الجيب بالنون والصاد ~~أي: سليم الصدر، وقولك: ضربت بخمارها على جيبها كقولك: ضربت بيدي على ~~الحائط إذا وضعتها عليه؛ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يرحم الله تعالى ~~نساء المهاجرات لما أنزل الله وليضربن بخمرهن على جيوبهن شققن مروطهن ~~فاختمرن بها، والمرط كساء من صوف أو خز أو كتان، وقيل: هو الإزار، وقيل: هو ~~الدرع. # وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وعاصم بضم الجيم، والباقون بكسرها، وكرر قوله ~~تعالى: {ولا يبدين زينتهن} لبيان من يحل له الإبداء، ومن لا يحل له أي: ~~الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهي ما عدا ~~الوجه والكفين {إلا لبعولتهن} أي: فإنهم المقصودون بالزينة، ولهم أن ينظروا ~~إلى جميع بدنهن حتى الفرج ولو الدبر ولكنه يكره، وقال ابن عباس: لا يضعن ~~الجلباب والخمار عنهن إلا لأزواجهن {أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن ~~أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن} فيجوز لهؤلاء ~~أن ينظروا إلى الزينة الخفية ولا ينظروا إلى ما بين السرة والركبة، وإنما ~~سومح في الزينة الخفية لأولئك المذكورين في الآية للحاجة المضطرة إلى ~~مداخلتهم ومخالطتهم ولقلة الفتنة من جهتهم، ولما في الطباع من النفرة عن ~~مماسة القرائب وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ~~ذلك {أو نسائهن} أي: المؤمنات، فإن الكافرات لا يتحرجن عن وصفهن للرجال، ~~فلا يجوز للمسلمة أن تتجرد من ms2115 ثيابها عند النساء الكافرات؛ لأنهن أجنبيات ~~عن الدين # PageV02P616 # فكن كالرجال الأجانب، لكن يجوز أن ترى الكافرة منها ما يبدو عند المهنة، ~~وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن ~~يدخلن الحمامات مع المسلمات، وقيل: النساء كلهن، وللعلماء في ذلك خلاف. # تنبيه: العورة على أربعة أقسام؛ عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع ~~المرأة، وعورة المرأة مع الرجل، وعورة الرجل مع المرأة، أما الرجل مع الرجل ~~فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه ما عدا ما بين السرة والركبة، وكذلك المرأة ~~مع المرأة، وأما المرأة مع الرجل أو الرجل مع المرأة، فلا ينظر أحدهما من ~~الآخر شيئا، وقيل: يجوز للأجنبي أن ينظر إلى وجهها وكفيها إذا أمن الفتنة ~~ولم تكن شهوة، وقيل: يجوز لها أن تنظر منه ما عدا ما بين السرة والركبة، ~~ويجوز لمن أراد أن يخطب حرة أن ينظر وجهها وكفيها، وهي تنظر منه إذا أرادت ~~أن تتزوج به ما عدا ما بين السرة والركبة، وإن أراد أن يتزوج بأمة جاز أن ~~ينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة، ويحرم أن ينظر بشهوة، ويحرم النظر ~~بشهوة لكل منظور إليه إلا لمن أرد أن يتزوج بها وإلا حليلته ويباح النظر من ~~الأجنبي لمعاملة وشهادة حتى يجوز النظر إلى الفرج للشهادة على الزنا ~~والولادة، وإلى الثدي للشهادة على الرضاع وتعليم ومداواة بقدر الحاجة. # وكل ما حرم نظره متصلا حرم نظره منفصلا كشعر عانة من رجل أو قلامة ظفر من ~~أجنبية، ويحرم اضطجاع رجلين أو امرأتين في ثوب واحد إذا كانا عاريين، وإن ~~كان كل منهما في جانب من الفراش للخبر المتقدم، ويجب التفريق بين ابن عشر ~~سنين وإخوته وأخواته في المضجع إذا كانا عاريين، وتسن مصافحة الرجلين ~~والمرأتين لخبر: «ما من مسلمين يلتقيان ويتصافحان إلا غفر لهما قبل أن ~~يتفرقا» . # وتكره مصافحة من به عاهة كجذام أو برص، والمعانقة والتقبيل في الرأس ~~للنهي عن ذلك إلا لقادم من سفر أو تباعد عهد، ms2116 ويسن تقبيل الطفل ولو لغير ~~أبويه شفقة، ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح، ويسن تقبيل يد الحي لصلاح أو ~~علم أو زهد أو نحو ذلك، ويكره لغني أو وجاهة أو نحو ذلك، وقوله تعالى: {أو ~~ما ملكت أيمانهن} يعم الإماء والعبيد، فيحل نظر العبد العفيف غير المبعض ~~والمشترك والمكاتب إلى سيدته العفيفة لما روى أبو داود: أنه صلى الله عليه ~~وسلم أتى فاطمة رضي الله تعالى عنها بعبد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به ~~رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رآها النبي صلى ~~الله عليه وسلم وما تلقى قال صلى الله عليه وسلم «إنه ليس عليك بأس إنما هو ~~أبوك وغلامك» . # وعن عائشة أنها قالت لعبدها ذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت ~~حر، وأما الفاسق والمبعض والمشترك والمكاتب فكالأجنبي بل قيل: إن المراد ~~بالآية الإماء وعبدا وأمة كالأجنبي وبه قال ابن المسيب آخرا، وقال: لا ~~تغرنكم آية النور فإن المراد بها الإماء {أو التابعين} أي: الذين يتبعون ~~القوم ليصيبوا من فضل طعامهم {غير أولي الإربة} أي: أصحاب الحاجة إلى ~~النساء {من الرجال} أي: ليس لهم همة إلى ذلك ولا حاجة لهم في النساء لأنهم ~~بله لا يعرفون شيئا من أمرهن، وقيل: هم شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا ~~أبصارهم، وقيل: هم الممسوحون سواء كان حرا أم لا وهو ذاهب الذكر والأنثيين، ~~أما ذاهب الذكر # PageV02P617 # فقط أو الأنثيين فقط فكالفحل، وعن أبي حنيفة لا يحل إمساك الخصيان ~~واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم. قال الزمخشري: فإن قلت: روي: «أنه أهدي لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خصي فقبله» قلت: لا يقبل فيما تعم به البلوى إلا ~~حديث مكشوف وإن صح فلعله قبله ليعتقه أو لسبب من الأسباب، انتهى. وعندنا ~~يجوز جميع ذلك إذ لا مانع منه، وقيل: المراد بأولي الإربة هو المخنث، وقرأ ~~ابن عامر وشعبة بنصب الراء على الاستثناء والحال، والباقون بكسرها على ~~الوصفية، وقوله تعالى: {أو الطفل} بمعنى الأطفال وضع الواحد موضع الجمع ~~لأنه ms2117 يفيد الجنس ويبينه ما بعده، وهو قوله تعالى: {الذين لم يظهروا} أي: لم ~~يطلعوا {على عورات النساء} للجماع فيجوز لهن أن يبدين لهم ما عدا ما بين ~~السرة والركبة؛ قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: إذا لم يبلغ الطفل حدا ~~يحكي ما يراه فكالعدم أو بلغه من غير شهوة فكالمحرم، أو بشهوة فكالبالغ ~~{ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} وذلك أن المرأة كانت تضرب ~~برجلها الأرض ليقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال، وقيل: كانت تضرب بإحدى ~~رجليها على الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين فنهين عن ذلك لأن ذلك يورث ميلا ~~في الرجال، وإذا وقع النهي عن إظهار صوت # الحلي فمواضع الحلي أبلغ في النهي وأوامر الله ونواهيه في كل باب لا يكاد ~~العبد الضعيف يقدر على مراعاتها، وإن ضبط نفسه واجتهد ولا يخلو من تقصير ~~يقع منه فلذلك قال تعالى: {وتوبوا إلى الله} أي: الذي يقبل التوبة عن عباده ~~ويعفو عن السيئات {جميعا أيها المؤمنون} أي: مما وقع لكم من النظر الممنوع ~~منه ومن غيره. # وشروط التوبة أن يقلع الشخص عن الذنب ويندم على ما مضى منه ويعزم على ألا ~~يعود إليه ويرد الحقوق لأهلها، وقرأ ابن عامر في الوصل: أيها المؤمنون بضم ~~الهاء لأنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت الألف لالتقاء ~~الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها والباقون بفتحها، وأما الوقف فوقف أبو ~~عمرو والكسائي بالألف بعد الهاء، ووقف الباقون على الهاء ساكنة {لعلكم ~~تفلحون} أي: تنجون من ذلك بقبول التوبة منه، وفي الآية تغليب الذكور على ~~الإناث، وعن ابن عباس توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في ~~الدنيا والآخرة. # فإن قيل: على هذا قد صحت التوبة بالإسلام لأنه يجب ما قبله فما معنى هذه ~~التوبة؟ أجيب: بأن بعض العلماء قال: إن من أذنب ذنبا ثم تاب لزمه كلما ذكره ~~أن يجدد التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه على عدم العودة إلى أن ~~يلقى الله تعالى، والذي عليه الأكثر أنه لا ms2118 يلزمه تجديدها. # وعن أبي بردة أنه سمع الأغر يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إلى ربي كل يوم ~~مائة مرة» ، وعن ابن عمر قال: إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المجلس يقول: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة» ، ~~وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تاب قبل طلوع ~~الشمس من مغربها تاب الله عليه» ، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يسقط على بعيره، وقد أضله في ~~أرض فلاة» . # ولما نهى عما سيفضي إلى السفاح المخل بالنسب المقتضي للألفة وحسن التربية ~~ومزيد الشفقة المؤدية # PageV02P618 # إلى بقاء النوع بعد الزجر عنه مبالغة فيه عقبه بالحكم الثامن وهو الأمر ~~بالنكاح المذكور في قوله تعالى: # {وأنكحوا الأيامى منكم} جمع أيم والأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم ~~فقلبا، والأيم هي من ليس لها زوج بكرا كانت أو ثيبا، ومن ليس له امرأة ~~فيشمل ذلك الذكر والأنثى قال الشاعر: # *فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي # ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم # أي: أقرب إلى الشباب منك وأتأيم بالرفع على قلة جواب إن تتأيمي، وما ~~بينهما جملة معترضة، والمعنى أوافقك في حالتي التزوج والتأيم، وإن كنت أقرب ~~إلى الشباب منك، وعنه صلى الله عليه وسلم «اللهم إنا نعوذ بك من العيمة ~~والغيمة، والأيمة والقزم والقرم العيمة: شهوة اللبن، والغيمة: العطش، ~~والأيمة: شهوة النكاح مع الخلو من الزوجية، والقزم: البخل، والقرم: شهوة ~~اللحم، وهذا في الأحرار والحرائر، وأما غيرهم فهو قوله تعالى: {والصالحين} ~~أي: المؤمنين {من عبادكم} وهو من جموع عبد، {وإمائكم} والخطاب للأولياء ~~والسادة، وهذا الأمر أمر ندب، فيستحب لمن تاقت نفسه للنكاح ووجد أهبته أن ~~يتزوج ومن لم يجد أهبته استحب له أن يكسر شهوته بالصوم لما ورد أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «يا معشر الشباب من استطاع ms2119 منكم الباءة فليتزوج، فإنه ~~أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» أي: قاطع ~~لشهوته لأن الوجاء بكسر الواو نوع من الخصاء وهو أن ترض عروق الأنثيين ~~وتترك الخصيتان كما هما، فشبه الصوم في قطعه شهوة النكاح بالوجاء الذي يقطع ~~النسل، والباءة بالمد مؤن النكاح، وهي المهر وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه. # فإن لم تنكسر شهوته بالصوم فلا يكسرها بالكافور ونحوه بل يتزوج، ويكره ~~لغير التائق إن فقد الأهبة أو وجدها وكان به علة كهرم فإن وجدها ولا علة به ~~وهو غير تائق فالتخلي للعبادة أفضل من النكاح إن كان متعبدا فإن لم يتعبد ~~فالنكاح أفضل من تركه لقوله صلى الله عليه وسلم «من أحب فطرتي فليستن ~~بسنتي» وهي النكاح، وعنه صلى الله عليه وسلم «من كان له مال يتزوج به فلم ~~يتزوج فليس منا» ، وعنه صلى الله عليه وسلم «إذا تزوج أحدكم عج شيطانه يا ~~ويلاه عصم ابن آدم مني ثلثي دينه» والأحاديث في ذلك كثيرة، وربما كان واجب ~~الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة، وعنه صلى الله عليه وسلم «إذا أتى على ~~أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزوبة والعزلة والترهب على رؤوس ~~الجبال» ، وفي رواية: «يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا ~~بالمعصية، فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة» ، ويندب النكاح للمرأة التائقة ~~وفي معناها المحتاجة إلى النفقة، والخائفة من اقتحام الفجرة، ويستحب أن ~~تكون المنكوحة بكرا إلا لعذر لقوله صلى الله عليه وسلم «هلا بكرا تلاعبها ~~وتلاعبك» ، ولودا لقوله صلى الله عليه وسلم «تزوجوا الولود الودود فإني ~~مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» ، وفي رواية: «يا عياض لا تتزوج عجوزا ولا ~~عاقرا، فإني مكاثر دينة» لما روى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» . # وقيل: المراد بالصالحين الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه، وقوله تعالى: ~~{إن يكونوا} أي: الأحرار {فقراء يغنهم الله} أي: بالتزويج {من فضله} رد لما ms2120 ~~عساه # PageV02P619 # أن يمنع من النكاح والمعنى لا يمنعهن فقر الخاطب والمخطوبة من المناكحة، ~~فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غاد ورائح، أو وعد من الله تعالى ~~بالغنى لقوله صلى الله عليه وسلم «اطلبوا الغنى في هذه الآية» . # لكن ينبغي أن تكون شريطة الله تعالى غير منسية في هذا الوعد ونظائره، وهي ~~مشيئته ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة، ونحوه: {ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} (الطلاق، 3) ، وقد جاءت الشريطة منصوصة ~~في قوله تعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله ~~عليم حكيم} (التوبة، 28) ، ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضا بعزب ~~كان غنيا فأفقره النكاح. # وبفاسق تاب واتقى الله وكان له شيء ففني وأصبح مسكينا، وورد: «التمسوا ~~الرزق بالنكاح» ، وشكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل الحاجة فقال: ~~«عليك بالباءة» أي: النكاح، وعن عمر رضي الله عنه: عجبت لمن يبتغي الغنى ~~بغير النكاح، والله تعالى يقول: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} ، ~~وحكي عنه أنه قال: عجبت لمن لم يطلب الغنى بالباءة، وقال طلحة بن مطرف: ~~تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم وأوسع في أخلاقكم ويزيد الله في ثروتكم؛ قال ~~الزمخشري: ولقد كان عندنا رجل رازح الحال ثم رأيته بعد سنين وقد انتعشت ~~حاله وحسنت، فسألته فقال: كنت في أول أمري على ما علمت وذلك قبل أن أرزق ~~ولدا، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر فلما ولد لي الثاني ازددت خيرا ~~فلما تتاموا ثلاثة صب الله علي الخير، فأصبحت إلى ما ترى، انتهى. {والله} ~~أي: الذي له الملك كله {واسع} أي: ذو سعة لخلقه لا تنفد نعمه إذ لا تنتهي ~~قدرته {عليم} بهم يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. ولما ذكر تعالى تزويج الحرائر ~~والإماء ذكر حال من يعجز عن ذلك بقوله: # {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا} أي: وليجهد في طلب العفة عن الزنا ~~والحرام الذين لا يجدون ما ينكحون به من مهر ونفقة ms2121 يوم التمكين وكسوة فصله، ~~وقيل: لا يجدون ما ينكحون {حتى يغنيهم الله} أي: يوسع عليهم {من فضله} ~~فينكحون، ولما ذكر تعالى نكاح الصالحين من العبيد والإماء حث على كتابتهم ~~بالحكم التاسع وهو الأمر بالكتابة المذكور في قوله تعالى: {والذين يبتغون ~~الكتاب} أي: يطلبون الكاتبة {مما ملكت أيمانكم} أي: من العبيد والإماء ~~{فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} أي: أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال ~~الكتابة. # وسبب نزول هذه الآية ما روي أن غلاما لحويطب بن عبد العزى يقال له: ~~الصبيح، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فأنزل الله هذه الآية، فكاتبه حويطب على ~~مائة دينار ووهب له منها عشرين فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب وأركانها ~~أربعة رقيق وصيغة وعوض وسيد وشرط في السيد كونه مختارا أهل تبرع وولاء ~~وكتابة المريض مرض الموت محسوبة من الثلث، فإن خلف مثلي قيمته صحت الكتابة ~~في كله أو مثل قيمته صحت في ثلثيه أو لم يخلف غيره صحت في ثلثه، وشرط في ~~الرقيق اختيار وعدم صبا وجنون وأن لا يتعلق به حق آدمي لازم، وشرط في ~~الصيغة لفظ يشعر بالكتابة كأن يقول السيد لمملوكه: كاتبتك على ألفين في ~~شهرين كل شهر ألف، فإذا أديتهما فأنت حر، فيقول العبد: قبلت ذلك، فلا يصح ~~عقدها إلا مؤجلا منجما بنجمين فأكثر، كما جرى عليه الصحابة فمن بعدهم، فلا ~~بد من بيان قدرالعوض وصفته وعدد النجوم وقسط كل نجم فلا تجوز عند الشافعي # PageV02P620 # رضي الله تعالى عنه بنجم واحد ولا بحال لأن العبد لا يملك شيئا فعقدها ~~بحال يمنع من حصول الغرض لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلا، وعند أبي ~~حنيفة رضي الله تعالى عنه تجوز حالا ومؤجلا ومنجما وغير منجم؛ لأن الله ~~تعالى لم يذكر التنجيم، وقياسا على سائر العقود وهي سنة لا واجبة، وإن ~~طلبها الرقيق لئلا يتعطل أثر الملك وتتحكم المماليك على الملاك بطلب رقيق ~~أمين قوي على الكسب وبهما فسر الشافعي الخير في الآية واعتبرت الأمانة لئلا ~~يضيع ما يحصله فلا يعتق، والطلب والقدرة ms2122 على الكسب ليوثق بتحصيل النجوم. / # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث حق على الله عونهم المكاتب الذي ~~يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله» ، فإن فقدت هذه ~~الشروط أو بعضها فهي مباحة إذ لا يقوى رجاء العتق بها ولا تكره بحال لأنها ~~عند فقد ما ذكر فقد تفضي إلى العتق، نعم إن كان الرقيق فاسقا بسرقة أو ~~نحوها، وعلم سيده أنه لو كاتبه مع العجز عن الكسب اكتسب بطريق الفسق لم ~~يبعد تحريمها حينئذ لتضمنها التمكين من الفساد، وتصح على عوض قليل وكثير، ~~ويجب أن يحط عنه قبل عتقه شيئا متمولا من النجوم، أو يدفعه إليه من جنسها ~~أو من غيرها، كما قال تعالى: {وآتوهم} أمر للسادة {من مال الله الذي آتاكم} ~~ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم أيها السادة، وفي معنى الإيتاء حط ~~شيء متمول مما التزموه بل الحط أولى من الدفع؛ لأن القصد بالحط الإعانة على ~~العتق وهي محققة فيه موهومة في الدفع إذ قد يصرف المدفوع في جهة أخرى، وكون ~~ذلك في النجم الأخير أولى منه فيما قبله لأنه أقرب إلى العتق. # يروى أن عمر رضي الله تعالى عنه كاتب عبدا له يكنى أبا أمية وهو أول عبد ~~كوتب في الإسلام فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمر وقال: استعن به على كتابتك، ~~فقال: لو أخرته إلى آخر نجم، فقال: أخاف أن لا أدرك ذلك وكونه ربعا من ~~النجوم أولى، فإن لم تسمح به نفسه فكونه سبعا أولى، روى حط الربع النسائي ~~وغيره، وحط السبع مالك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وعند أبي حنيفة أمر ~~للمسلمين على جهة الوجوب بإعانتهم للمكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله ~~لهم من بيت المال كقوله: {وفي الرقاب} ولما بين تعالى ما يصح من تزويج ~~العبيد والإماء أتبع ذلك بالحكم العاشر وهو الإكراه على الزنا المذكور في ~~قوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم} أي: إماءكم {على البغاء} أي: الزنا. # كان لعبد الله بن أبي رأس المنافقين ms2123 ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة ~~وأروى وقتيلة، يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت اثنتان منهن إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية ~~يؤاجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت مسيكة لمعاذة: إن هذا الأمر الذي ~~نحن فيه لا يخلو من وجهين، فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرا فقد ~~آن لنا أن ندعه، فأنزل الله هذه الآية، وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوما ~~ببرد، وجاءت الأخرى بدينار فقال لهما: ارجعا فازنيا، فقالا: والله لا نفعل ~~قد جاء الإسلام وحرم الزنا، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكيا إليه ~~فنزلت. # ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي» {إن أردن # PageV02P621 # تحصنا} أي: تعففا عنه وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط؛ لأن ~~الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن ~~فإنها بغي الطبع طوعا، وكلمة إن وإيثارها على إذا إيذان بأن الباغيات كن ~~يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ ~~النادر ولأن الكلام ورد على سبب، وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية، فخرج ~~النهي على صورة صفة السبب وإن لم تكن شرطا فيه، وقال الحسين بن الفضل: في ~~الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصنا، ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغاء {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} أي: تطلبوا من ~~أموال الدنيا بكسبهن وأولادهن {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور} ~~أي: لهن {رحيم} بهن، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال لهن: والله لهن أي: ~~لا للمكره إلا إذا تاب. # فإن قيل: إن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة؟ أجيب: بأن الزنا لا ~~يباح بالإكراه فهي آثمة لكن لا حد عليها للإكراه، ولما ذكر تعالى في هذه ~~السورة هذه الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث: # أحدها: قوله تعالى: # {ولقدأنزلنا إليكم آيات ms2124 مبينات} أي: الآيات التي بينت في هذه السورة ~~وأوضحت فيها الأحكام والحدود، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر ~~الياء التحتية والباقون بفتحها؛ لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة ~~والعقول السليمة من بين بمعنى تبين أو لأنها بينت الأحكام والحدود. # ثانيها: قوله تعالى: {ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} أي: من جنس أمثالهم، ~~أي: وقصة عجيبة مثل قصصهم وهي قصة عائشة رضي الله تعالى عنها، فإنها كقصة ~~يوسف ومريم عليهما السلام. # ثالثها قوله تعالى: {وموعظة للمتقين} أي: ما وعظ به في قوله تعالى: {ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله} (النور، 2) ، وقوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ~~ظن المؤمنون} (النور، 12) # إلخ، وفي قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه قلتم} (النور، 16) # إلخ، وفي قوله تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا} (النور، 17) # إلخ وتخصيصها بالمتقين لأنهم المنتفعون بها، واختلف في معنى قوله تعالى: # {الله نور السموات والأرض} فقال ابن عباس: الله هادي أهل السموات والأرض ~~فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهدايته من حيرة الضلال ينجون، وقال الضحاك: ~~منور السموات والأرض، فقال: نور السماء بالملائكة، ونور الأرض بالأنبياء، ~~وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض، وقال أبي بن كعب والحسن وأبو ~~العالية: مزين السموات والأرض؛ زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين ~~الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين، ويقال: بالنبات والأشجار، وقيل: معناه ~~الأنوار كلها منه؛ كما يقال: فلان رحمة أي: منه الرحمة وقد يذكر مثل هذا ~~اللفظ على طريق المدح كما قال القائل: # *إذ سار عبد الله من مرو ليلة # ... فقد سار منها نورها وجمالها # وسبب هذا الاختلاف أن النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولا ~~وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيران على الأجرام الكثيفة ~~المحاذية لها وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا على ضرب من ~~التجوز كالأمثلة المتقدمة أو على تقدير مضاف كقولك: زيد كرم وجود، ثم تقول: ~~ينعش الناس بكرمه وجوده، والمعنى ذو نور السموات # PageV02P622 # والأرض ونور السموات والأرض الحق شبه بالنور في ظهوره وبيانه كقوله ~~تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم ms2125 من الظلمات إلى النور} (البقرة، 257) # أي: من الباطل إلى الحق، وأضاف النور إلى السموات والأرض لأحد معنيين إما ~~للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، وإما أن ~~يراد أهل السموات والأرض وأنهم يستضيئون به، واختلف أيضا في معنى قوله ~~تعالى: {مثل نوره} فقال ابن عباس: مثل نوره الذي أعطى المؤمن أي: مثل نور ~~الله في قلب المؤمن وهو النور الذي يهتدي به كما قال تعالى: {فهو على نور ~~من ربه} (الزمر، 22) ، وقال الحسن وزيد بن أسلم: أراد بالنور القرآن، وقال ~~سعيد بن جبير والضحاك: هو محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: أراد بالنور: ~~الطاعة سمى طاعة الله نورا، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضلا أي: صفة نوره ~~العجيبة الشأن في الإضاءة {كمشكاة} أي: كصفة مشكاة وهي الكوة في الجدار غير ~~النافذة {فيها مصباح} أي: سراج ضخم ثاقب {المصباح في زجاجة} أي: قنديل من ~~زجاج شامي أزهر وإنما ذكر الزجاجة؛ لأن النور وضوء النهار فيها أبين من كل ~~شيء وضوءه يزيد في الزجاج. # ثم وصف الزجاجة بقوله تعالى: {الزجاجة كأنها} أي: النور فيها {كوكب دري} ~~أي: مضيء شبهها في الضوء بإحدى الدراري من الكواكب الخمسة العظام وهي ~~المشاهير المشتري والزهرة والمريخ وزحل وعطارد. # فإن قيل: لم شبه بالكواكب ولم يشبه بالشمس والقمر؟ أجيب: بأنهما يلحقهما ~~الخسوف والكسوف والكواكب لا يلحقها ذلك. # وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال من الدرء بمعنى الدفع لدفعه الظلام ~~والباقون بضمها منسوب إلى الدر أي: اللؤلؤ في صفاته وحسنه، وإن كان الكوكب ~~أكثر ضوء من الدر لكن يفضل الكواكب بصفائه كما يفضل الدر سائر الحب، وهمز ~~مع المد أبو عمر وشعبة وحمزة والكسائي والباقون بغير همز وكل من أهل الهمز ~~على مرتبته في المد {توقد من شجرة مباركة زيتونة} أي: ابتداء توقده من شجرة ~~الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت فتيلة المصباح بزيت الشجرة، وهي شجرة كثيرة ~~البركة وفيها منافع كثيرة؛ لأن الزيت يسرج به ويدهن به وهو أدام وهو أصفى ~~الأدهان وأضوؤها. وقرأ ms2126 ابن كثير وأبو عمرو بفتح التاء والواو وبتشديد القاف ~~على وزن تفعل على الماضي أي: المصباح، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بضم ~~التاء الفوقية وتخفيف القاف أي: المصباح {لاشرقية ولاغربية} أي: ليست ~~بشرقية وحدها لاتصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية وحدها فلا تصيبها الشمس ~~إذا طلعت بل هي مصاحبة للشمس طول النهار تصيبها الشمس عند طلوعها وعند ~~غروبها فتكون شرقية وغربية تأخذ حظها من الأمرين فيكون زيتها أضوأ، وهذا ~~كما يقال: فلان ليس أسود ولا أبيض أي: ليس أسود خالصا ولا أبيض خالصا بل ~~اجتمع فيه كل واحد منهما، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض أي: اجتمع فيه ~~الحلاوة والحموضة، هذا قول ابن عباس والأكثرين، وقال السدي وجماعة: معناه ~~أنها ليست مقنأة لا تصيبها الشمس ولا في مضحاة لايصيبها الظل فهي لا تضرها ~~شمس ولا ظل، والمقنأة بقاف فنون فهمزة وهي بفتح النون وضمها المكان الذي لا ~~تطلع عليه الشمس، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري # PageV02P623 # وفي الحديث: «لا خير في شجرة مقنأة ولا في نبات في مقنأة، ولا خير فيهما ~~في مضحى» قال ابن حجر العسقلاني: لم أجده، وقيل: معناه أنها معتدلة ليست في ~~شرق يصيبها الحر، ولا في غرب يضرها البرد، وقيل: معناه هي شامية لأن الشام ~~وسط الأرض لا شرقي ولا غربي، وقيل: ليست هذه الشجرة من أشجار الدنيا لأنها ~~لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى ~~لنوره {يكاد زيتها} أي: من صفائه {يضيء ولو لم تمسسه نار} أي: يكاد يتلألأ ~~ويضيء بنفسه من غير نار {نور على نور} أي: نور المصباح على نور الزجاجة. # تنبيه: اختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل فقال بعضهم: وقع التمثيل ~~لنور محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله ~~تعالى: {مثل نوره كمشكاة} قال كعب: هذا مثل ضربه الله لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة تتوقد من شجرة ~~مباركة هي شجرة النبوة يكاد نور ms2127 محمد صلى الله عليه وسلم وأمره يتبين ~~للناس، ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء، ولو لم تمسسه نار. # وروى سالم عن عمر في هذه الآية قال: المشكاة جوف النبي صلى الله عليه ~~وسلم والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى فيه، لا شرقية ~~ولا غربية لا يهودي ولا نصراني، توقد من شجرة مباركة إبراهيم، نور على نور ~~نور قلب إبراهيم ونور قلب محمد صلى الله عليهما وسلم، وقال محمد بن كعب ~~القرظي: المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل عليهما السلام، والمصباح محمد ~~صلى الله عليه وسلم سماه الله تعالى مصباحا كما سماه سراجا، فقال تعالى: ~~{وسراجا منيرا} (الأحزاب، 46) # توقد من شجرة مباركة، وهي إبراهيم عليه السلام سماه مباركا؛ لأن أكثر ~~الأنبياء من صلبه، لا شرقية ولا غربية يعني إبراهيم لم يكن يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل ~~المشرق، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد محاسن محمد صلى الله عليه ~~وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه، نور على نور نبي من نسل نبي نور محمد ~~على نور إبراهيم عليهما السلام، وقال بعضهم: وقع هذا التمثيل لنور قلب ~~المؤمن، روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: هذا مثل المؤمن فالمشكاة نفسه ~~والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله من الإيمان والقرآن في قلبه توقد من ~~شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده، فمثله كمثل شجرة التف بها الشجر فهي ~~خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت، فكذلك المؤمن قد ~~احترس من أن يصيبه شيء من الفتن، فهو بين أربع خلال؛ إن أعطي شكر، وإن ~~ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، يكاد زيتها يضيء؛ أي: يكاد قلب ~~المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته إياه، نور على نور؛ قال أبي: أي: ~~فهو يتقلب في خمسة أنوار قوله نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره ~~إلى النور يوم القيامة؛ قال ابن عباس: هذا ms2128 مثل نور الله وهداه في قلب ~~المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ~~ازداد ضوءا على ضوء كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، ~~فإذا جاء العلم ازداد هدى على هدى، ونورا على نور، وقال الكلبي: قوله ~~تعالى: نور على نور يعني إيمان المؤمن وعمله، وقال السدي: نور الإيمان ونور ~~القرآن، وقال الحسن وابن زيد: هذا مثل للقرآن، فالمصباح هو القرآن فكما ~~يستضاء بالمصباح يهتدى # PageV02P624 # بالقرآن، والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة ~~الوحي، يكاد زيتها يضيء يعني: تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ، نور على ~~نور يعني القرآن نور من الله لخلقه # مع ما قام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نورا ~~على نور {يهدي الله لنوره} قال ابن عباس: دين الإسلام وقيل: القرآن {من ~~يشاء} فإن الأسباب بدون مشيئته لاغية، وقيل: يوفق الله لإصابة الحق من نظر ~~وتدبر بعين عقله والإنصاف من نفسه ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يمينا ~~وشمالا، ومن لم يتدبر فهو كالأعمى، سواء عليه جنح الليل الدامس وضحوة ~~النهار الشامس {ويضرب} أي: يبين {الله الأمثال للناس} تقريبا للأفهام ~~وتسهيلا للأكدار {والله بكل شيء عليم} معقولا كان أو محسوسا، ظاهرا كان أو ~~خفيا، وفيه وعيد لمن تدبرها ولم يكترث بها، وقوله تعالى: # {في بيوت} يتعلق بما قبله أي: كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد كأنه ~~قيل: مثل نوره، كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت، أو ~~بما بعده وهو يسبح أي: يسبح رجال في بيوت، وفي قوله: فيها تكرير لقوله: في ~~بيوت كقوله: زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف كقوله {تعالى في تسع آيات} ~~(النمل، 12) # أي: سبحوا في بيوت، والبيوت هي المساجد؛ قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس ~~قال: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم ~~لأهل الأرض، وقيل: المراد بالبيوت المساجد الثلاثة، وقيل: المراد أربعة ~~مساجد لم ms2129 يبنها إلا نبي؛ الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ~~فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام، ومسجد ~~المدينة، ومسجد قباء بناهما النبي صلى الله عليه وسلم وأتى فيها بجمع ~~الكثرة دون جمع القلة للتعظيم {أذن الله أن ترفع} قال مجاهد: تبنى، نظيره ~~قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} ، وقال الحسن: تعظم أي: ~~فلا يذكر فيها الفحش من القول وتطهر من الأنجاس والأقذار، وقوله تعالى: ~~{ويذكر فيها اسمه} عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله، والمباحثة ~~في أحكامه، وقال ابن عباس: يتلى فيها كتابه {يسبح} أي: يصلى {له فيها ~~بالغدو والآصال} أي: بالغداة والعشي، قال أهل التفسير: أراد به الصلوات ~~المفروضة، فالتي تؤدى بالغداةصلاة الفجر، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر ~~والعصر والعشاءين؛ لأن اسم الأصيل يقع على هذا الوقت، وقيل: أراد به الصبح ~~والعصر؛ قال صلى الله عليه وسلم «من صلى البردين دخل الجنة» ؛ أراد صلاة ~~الصبح وصلاة العصر، وقال ابن عباس: التسبيح بالغدو صلاة الضحى، وروى «من ~~مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى تسبيح ~~الضحى، لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر وصلاة على إثر صلاة لا لغو ~~بينهما كتاب في عليين» ، وقرأ ابن عامر وشعبة بفتح # الباء الموحدة والباقون بكسرها. # {رجال لا تلهيهم تجارة} أي: معاملة رابحة، وقيل: المراد بالتجارة الشراء ~~لقوله تعالى: {ولا بيع عن ذكر الله} إطلاقا لاسم الجنس على النوع كما تقول: ~~رزق فلان تجارة صالحة إذا اتجه له بيع صالح أو شراء، وعلى الأول ذكر مبالغة ~~للتعظيم والتعميم بعد التخصيص، وقيل: التجارة لأهل الجلب تقول تجر فلان في ~~كذا أي: جلب. # تنبيه: قوله تعالى: {رجال} فاعل يسبح بكسر الباء وعلى فتحها نائب الفاعل # PageV02P625 # له ورجال فاعل فعل مقدر جواب سؤال مقدر كأنه قيل: من يسبحه وحذف من قوله ~~تعالى: {وإقام الصلاة} الهاء تخفيفا أي: وإقامة الصلاة، وأراد أداءها في ~~وقتها لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وإنما ذكر ms2130 إقام ~~الصلاة مع أن المراد من ذكر الله الصلوات الخمس لأنه تعالى أراد بإقامة ~~الصلاة حفظ المواقيت. روى سالم عن ابن عمر: أنه كان في السوق فأقيمت ~~الصلاة، فقام الناس وغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد؛ قال ابن عمر: فيهم نزلت ~~هذه الآية: {وإيتاء الزكاة} قال ابن عباس: إذا حضر وقت أداء الزكاة لم ~~يحبسوها أي: فيخرجون ما يجب إخراجه من المال للمستحقين، وقيل: هي الأعمال ~~الصالحة ومع ما هم عليه {يخافون يوما} هو يوم القيامة {تتقلب} أي: تضطرب ~~{فيه القلوب} بين النجاة والهلاك {والأبصار} بين ناحيتي اليمين والشمال، ~~وقيل: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشك إلى اليقين وتنفتح ~~الأبصار من الأغطية، وقوله تعالى: # {ليجزيهم الله} متعلق بيسبح أو بلا تلهيهم، أو بيخافون {أحسن ما عملوا} ~~في الطاعات فرضها ونقلها أي: ثوابه الموعود لهم، وأحسن بمعنى حسن {ويزيدهم ~~من فضله} ما لم يستحقوه بأعمالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وقوله ~~تعالى: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} تقرير للزيادة، وتنبيه على كمال ~~القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإحسان وكمال جوده فكأنه سبحانه وتعالى لما ~~وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة ومع ذلك يكونون في نهاية الخوف، فالله ~~سبحانه وتعالى يعطيهم الثواب العظيم على طاعتهم، ويزيدهم الفضل الذي لا حد ~~له في مقابلة خوفهم، وقوله تعالى: # {والذين كفروا أعمالهم كسراب} أي: فحالهم على ضد ذلك، فإن أعمالهم التي ~~يحسبونها صالحة نافعة عند الله تعالى يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كسراب ~~وهو ما يرى في الغلاة وقت الضحى الأكبر شبيها بالماء الجاري، وهو ليس بماء، ~~ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جاريا، وقيل: هو الشعاع الذي يرى نصف ~~النهار في شدة الحر في البراري الذي يخيل للناظر أنه الماء السارب أي: ~~الجاري، فإذا قرب منه انغش فلم ير شيئا، وأما الآل فإنما يكون أول النهار ~~كأنه ماء بين السماء والأرض، وقال البغوي: والآل ما ارتفع عن الأرض وهو ~~شعاع يجري بين السماء والأرض بالغدوات شبه بالمرآة ترفع فيها الشخوص ms2131 يرى ~~فيها الصغير كبيرا، والقصير طويلا والرقراق يكون بالعشاء وهو ما ترقرق من ~~السراب أي: جاء وذهب، وقوله تعالى: {بقيعة} جمع قاع وهي أرض سهلة مطمئنة قد ~~انفرجت عنها الجبال والآكام قاله في القاموس، وقيل: القيعة بمعنى القاع، ~~وهو الأرض المستوية المنبسطة، وفيها يكون السراب، وقال الفراء: جمع قاع ~~كجار وجيرة، وقال الفارسي: جمعه قيعة وقيعان {يحسبه} أي: يظنه {الظمآن} أي: ~~العطشان الشديد العطش من ضعف العقل {ماء} فيقصده ولا يزال سائرا {حتى إذا ~~جاءه} أي: ما قدر أنه ماء، وقيل: جاء إلى موضع السراب {لم يجده شيئا} مما ~~حسبه ووجه التشبيه أن الذي جاء به الكافر إن كان من أفعال البر، فهو لا ~~يستحق عليه ثوابا مع أنه يعتقد أن له ثوابا عليه، وإن كان من أفعال الإثم ~~فهو يستحق عليه العقاب مع أنه يعتقد أن له ثوابا، فكيف كان فهو يعتقد أن له ~~ثوابا عند الله تعالى فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب ~~العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه # PageV02P626 # فيشبه حاله حال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب في ~~البر تعلق به قلبه، فإذا جاء له لم يجده شيئا، فكذلك حال الكافر يحسب أن ~~عمله نافعه فإذا احتاج إلى عمله لم يجده شيئا ولا ينفعه، وقال # مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا. # فإن قيل: قوله تعالى: {حتى إذا جاءه} يدل على كونه شيئا، وقوله تعالى: لم ~~يجده شيئا مناقض له؟ أجيب: بأن معناه {لم يجده شيئا} نافعا كما يقال: فلان ~~ما عمل شيئا وإن كان قد اجتهد، أو أنه إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب ~~يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء، فإذا قرب منه رق وانتشر وصار ~~كالهواء {ووجد الله عنده} أي: ووجد عقاب الله الذي توعد به الكفار أو وجد ~~زبانية الله، أو وجده محاسبا إياه أو قدم على الله {فوفاه حسابه} أي: جزاء ~~عمله قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة فإنه قد تعبد ولبس ms2132 المسوح والتمس الدين في ~~الجاهلية، ثم كفر بالإسلام؛ قال ابن الخازن: والأصح أن الآية عامة في حق ~~جميع الكفار {والله سريع الحساب} لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلا ~~يشغله محاسبة واحد عن واحد، وفي هذا رد على المشبهة قبحهم الله تعالى لأنه ~~تعالى لو كان متكلما بآلة كما يقولون لما صح ذلك، وقوله تعالى: # Y # {أو كظلمات} عطف على كسراب على حذف مضاف واحد تقديره: أو كذي ظلمات، ودل ~~على هذا المضاف قوله تعالى: {إذا أخرج يده لم يكد يراها} (النور، 40) # فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف، وهو قول أبي علي، وقال غيره على حذف ~~مضافين تقديره أو كأعمال ذي ظلمات فقدر ذي ليصح عود الضمير إليه في قوله ~~تعالى: {إذا أخرج يده} وقدر أعمال ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب ~~الظلمة إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمة، وأو للتخيير فإن أعمالهم ~~لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات ~~المتراكمة من لجج البحر والأمواج والسحاب، أو للتنويع، فإن أعمالهم إن كانت ~~حسنة فكالسراب، وإن كانت قبيحة فكالظلمات أو للتقسيم باعتبار وقتين، فإنها ~~كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة، وقوله تعالى: {في بحر لجي} صفة ~~لظلمات فيتعلق بمحذوف، واللجي منسوب إلى اللج، وهو معظم البحر، وقيل: منسوب ~~إلى اللجة بالتاء، وهي أيضا معظمه، فاللجي هو العميق الكثير الماء، وقوله ~~تعالى: {يغشاه} أي: يغطي هذا البحر ويعلوه {موج} كائن {من فوقه موج} أي: ~~أمواج مترادفة متراكمة {من فوقه} أي: الموج الثاني المركوم، وقوله تعالى: ~~{سحاب} أي: غيم غطى النجوم وحجب أنوارها صفة أخرى لبحر، وقوله تعالى: ~~{ظلمات} أي: من البحر والموجين والسحاب خبر مبتدأ مضمر تقديره هذه ظلمات أو ~~تلك ظلمات، ويجوز أن يكون ظلمات مبتدأ والجملة من قوله تعالى: {بعضها فوق ~~بعض} خبره، قاله الحوفي. # فإن قيل: لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة؟ أجيب: بأنها موصوفة تقديرا؛ أي: ~~ظلمات كثيرة متكاثفة، وقرأ البزي سحاب بلا تنوين وجر ظلمات وقنبل ينون سحاب ~~ويجر ظلمات، والبزي جعل الموج المتراكم ms2133 بمنزلة السحاب، وأما قنبل: فإنه جعل ~~ظلمات بدلا من ظلمات الأولى والباقون بتنوين سحاب، وظلمات بالرفع فيهما ~~{إذا أخرج} أي: الكافر في هذا البحر بدلالة المعنى، وإن لم يجر له ذكر ~~{يده} وهي أقرب ما يرى إليه في هذه الظلمات {لم يكد} أي: الكائن فيه ~~{يراها} أي: لم يقرب من # PageV02P627 # رؤيتها فضلا عن أن يراها كقول ذي الرمة: # إذا غير النأي (أي: البعد وفي نسخة الهجر) المحبين لم يكد # رسيس الهوى (أي: ثابته بمعنى الهوى الثابت) من حب مية يبرح # أي: يزول، والمعنى لم يقرب من البراح فضلا عن أن يبرح. # تنبيه: في كيفية هذا التشبيه وجوه؛ أحدها: قال الحسن: إن الله تعالى ذكر ~~ثلاثة أنواع من الظلمة؛ ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب؛ كذا ~~الكافر له ظلمات ثلاثة: ظلمةالاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل، ثانيها: ~~قال ابن عباس: شبه قلبه وسمعه وبصره بهذه الظلمات الثلاث، ثالثها: أن ~~الكافر لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه يدري، فهذه المراتب ~~الثلاثة شبه تلك الظلمات الثلاث، رابعها: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد ~~مظلم، خامسها: أن هذه الظلمات متراكمة، فكذا الكافر لشدة إصراره على كفره، ~~قد تراكمت عليه الضلالات حتى لو ذكر عنده أظهر الدلائل لم يفهمه. # {ومن لم يجعل الله} أي: الملك الأعظم {له نورا فما له من نور} ، قال ابن ~~عباس: من لم يجعل الله له دينا وإيمانا فلا دين له، وقيل: من لم يهده الله ~~فلا هادي له؛ لأنه تعالى قادر على ما يريد، ولما وصف تعالى أنوار القلوب ~~قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد بقوله تعالى: # {ألم تر} أي: تعلم علما يشبه المشاهدة في اليقين والوثاقة بالوحي ~~والاستدلال {أن الله} أي: الحائز لصفات الكمال {يسبح له} أي: ينزهه عن كل ~~شائبة نقص {من في السموات والأرض} لأن التسبيح لا يرى بالبصر بل يعلم ~~بالقلب، وهذا استفهام والمراد به التقرير والبيان، وهذا التسبيح إما أن ~~يكون المراد منه دلالته بخلق هذه الأشياء على كونه ms2134 تعالى منزها عن النقائص ~~موصوفا بنعوت الجلال، أو يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه، ~~وفي حق الباقين النطق باللسان؛ قال الرازي: والأول أقرب؛ لأن القسم الثاني ~~متعذر؛ لأن في الأرض من لا يكون مكلفا لا يسبح بهذا المعنى، والمكلفون منهم ~~من لا يسبح أيضا بهذا المعنى كالكفار، وأما القسم الثالث: وهو أن يقال: إن ~~من في السموات وهم الملائكةيسبحون باللسان، وأما الذين في الأرض فمنهم من ~~يسبح باللسان، ومنهم من يسبح على لسان الدلالة، فهذا يقتضي استعمال اللفظ ~~الواحد في الحقيقة والمجاز معا وهو غير جائز أي: عند أكثر العلماء فلم يبق ~~إلا القسم الأول وهو أن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على ~~تنزيه الله تعالى وقدرته وإلهيته وتوحيده وعدله، فسمي ذلك تنزيها توسعا. # فإن قيل: فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع المخلوقات، فما وجه تخصيصه ~~ههنا بالعقلاء؟ أجيب: بأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه ~~وتعالى؛ لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر، وهي العقل والنطق والفهم، ~~ولما كان أمر الطير دلالته أعجب، ولأنها قد تكون بين السماء والأرض فتكون ~~خارجة عن حكم من فيهما خصها بالذكر من جملة الحيوان بقوله تعالى: {والطير ~~صافات} أي: باسطات أجنحتها في جو السماء لا شبهة في أنه لا يمسكها إلا الله ~~تعالى وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة وإقداره لها فيه على القبض ~~والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته تعالى. # واختلف في عود الضمائر في قوله تعالى: {كل} أي: من المخلوقات {قد علم # PageV02P628 # صلاته وتسبيحه} على قولين أحدهما: أنها كلها عائدة على كل أي: كل قد علم ~~هو صلاة نفسه وتسبيحها؛ قال ابن عادل: وهذا أولى لتوافق الضمائر، ثانيهما: ~~أن الضمير في علم عائد إلى الله تعالى وفي صلاته وتسبيحه عائد على كل ويدل ~~عليه قوله تعالى: {والله} أي: المحيط علما وقدرة {عليم بما يفعلون} وقيل: ~~إن ضرب أجنحة الطير صلاته وتسبيحه، وهذا يؤيد أن المراد من التسبيح دلالة ~~هذه الأمور على التنزيه لا ms2135 النطق باللسان روي أن أبا ثابت قال: كنت جالسا ~~عند أبي جعفر الباقر فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس ~~وبعد طلوعها؟ قال: لا، قال: فإنهن يقدسن الله ربهن ويسألنه قوت يومهن؛ قال ~~بعض العلماء: إنا نشاهد من الطيور وسائر الحيوانات أعمالا لطيفة يعجز عنها ~~كثير من العقلاء، فإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه ~~وتسبيحه، وبيان أنه تعالى ألهمها الأعمال اللطيفة بوجوه. # أحدها: أن الدب يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويرمي الإنسان حتى يتوهم أنه ~~مات فيتركه وربما عاد يشمه ويتجسس نفسه، ويصعد الشجرة أخف صعود، ويهشم ~~الجوز بين كفيه تفريقا بالواحدة، وصدمة بالأخرى، ثم يفتح فاه فيذر قشره، ~~ويتغذى به، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة. # ثانيها: أمر النحل وما لها من الرياسة، والبيوت المسدسة التي لا يتمكن من ~~بنائها أفاضل المهندسين. # ثالثها: انتقال الكركي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طالبا لما ~~يوافقه من الأهوية، ويقال: من خواص الخيل أن كل واحد يعرف صوت الفرس الذي ~~قاتله وقتا ما، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها يقال لها القطقاط، ~~وينظف ما بين أسنانها، وعلى رأس ذلك الطائر كالشوكة فإذا هم التمساح ~~بالتقام ذلك الطائر تأذى من تلك الشوكة فيفتح فاه، فيخرج ذلك الطائر، ~~والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية سعترا جبليا، ثم تعود وقد عوفيت من ذلك، ~~وحكي عن بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحباري تقاتل الأفعى وتنهزم ~~عنها إلى بقلة تتناول منها ثم تعود، ولا تزال كذلك، وكان ذلك الشخص قاعدا ~~في كن، وكانت البقلة قريبة من مسكنه، فلما اشتغل الحباري بالأفعى قلع ~~البقلة، فعاد الحباري إلى منبتها فلم يجدها فأخذ يدور حول منبتها دورانا ~~متتابعا حتى خر ميتا، فعلم الشخص أنه يعالج بأكلها من اللسعة، وتلك البقلة ~~هي الجرجير البري، وابن عرس يستظهر في مقاتلة الحية بأكل السذاب فإن النكهة ~~السذابية تنفر منها الأفعى، والكلاب إذا مرضت بطونها أكلت سنبل القمح، وإذا ~~جرحت داوت الجراحة بالسعتر الجبلي. # رابعها: ms2136 القنافذ تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب، فتغير المدخل إلى ~~جحرها، وكان رجل بالقسطنطينية قد أثرى بسبب أنه ينذر بالرياح قبل هبوبها، ~~وينفع الناس بإنذاره، وكان السبب فيه قنفذا في داره يفعل الصنيع المذكور ~~فيستدل به، والخطاف صناع في اتخاذ العش من الطين، وقطع الخشب، فإن أعوزه ~~الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدرا من الطين، وإذا فرخ بالغ في ~~تعهد الفراخ وتأخذ رزقها بمنقارها، وترميها من العش، والغرانيق تصعد في ~~الجو عند الطيران، فإن حجب بعضها عن بعض سحاب أو ضباب أحدثت عن أجنحتها ~~حفيفا مسموعا يتبع به بعضها بعضا، وإذا باتت على جبل فإنها تضع رأسها تحت ~~أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه # PageV02P629 # وإذا سمع جرسا صاح، وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ ~~بعضها بعضا أمر عجيب، وإذا كشف عن بيوتها الساتر الذي كان يسترها، وكان ~~تحته بيض لها، فإن كل نملة تأخذ بيضة في فمها وتذهب في أسرع وقت، ~~والاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان، والمقصود في ذلك أن ~~الفضلاء من العقلاء يعجزون عن أمثال تلك الحيل وإذا كان كذلك فلم لا يجوز ~~أن يقال: إنها تسبح الله تعالى وتثني عليه، وإن كانت غير عارفة بسائر ~~الأمور التي تعرفها الناس، ويؤيد هذا قوله تعالى: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} ~~(الإسراء، 44) ، وقوله صلى الله عليه وسلم «إن نوحا عليه السلام أوصى بنيه ~~عند موته بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو كن في حلقة ~~مبهمة قصمتهن، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء، ~~وقال الغزالي في الإحياء: روي «أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: تولت عني الدنيا، وقلت ذات يدي، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق، وبها يرزقون؛ قال: فقلت: ~~وما هي يا رسول الله، قال: قل سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم # أستغفر الله مائة مرة ما بين ms2137 طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح تأتيك الدنيا ~~راغمة صاغرة، ويخلق الله عز وجل من كل كلمة ملكا يسبح الله إلى يوم القيامة ~~لك ثوابه» ، ثم نبه سبحانه وتعالى بقوله: # {ولله ملك السموات والأرض} على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث، ~~والممكن والمحدث لا يوجد إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب الوجود ويدخل ~~في هذا جميع الأجرام والأعراض، وأفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم، وفي قوله ~~تعالى: {وإلى الله} أي: الذي له الإحاطة بكل شيء {المصير} دليل على المعاد ~~وأنه لا بد من مصير الكل إليه بعد الفناء. والرؤية في قوله تعالى: # {ألم تر} نظرية {أن الله} أي: ذا الجلال والجمال {يزجي سحابا} أي: يسوقه ~~برفق بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل وتارة من العلو ضعيفا رقيقا ~~متفرقا؛ قال أبو حيان: وهو اسم جنس واحده سحابة والمعنى يسوق سحابة إلى ~~سحابة، وهو معنى قوله تعالى: {ثم يؤلف بينه} أي: بين أجزائه بعد أن كان ~~قطعا في جهات مختلفة، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة، {ثم يجعله ركاما} ~~في غاية العظمة متراكما بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة {فترى} أي: ~~في تلك الحالة المستمرة {الودق} أي: المطر {يخرج من خلاله} أي: من فتوقه ~~التي حدثت بالتراكم وإرهاص بعضه في بعض. # فإن قيل: بين إنما تدخل على مثنى فما فوقه فلم دخلت هنا على مفرد؟ أجيب: ~~بأن المراد بالسحاب الجنس فعاد الضمير على حكمه أو على حذف مضاف أي: بين ~~أجزائه كما مر وبين قطعه فإن كل قطعة سحابة، وقرأ السوسي فترى في الوصل ~~بالإمالة بخلاف عنه والباقون بالفتح، وأما في الوقف فأبو عمرو وحمزة ~~والكسائي بالإمالة محضة وورش بالإمالة بين بين، والباقون بالفتح، {وينزل من ~~السماء} أي: من الغمام وكل ما علا فهو سماء {من جبال فيها} أي: في السماء ~~وهي السحاب الذي صار بعد تراكمه كالجبال وقوله تعالى: {من برد} بيان ~~للجبال، والمفعول محذوف أي: ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من برد ~~بردا، ms2138 فمن الأولى: لابتداء الغاية باتفاق، والثانية: للتبعيض، والثالثة: ~~للبيان، ويجوز أن تكون الثانية لابتداء الغاية أيضا # PageV02P630 # ومجرورها بدل من الأولى بإعادة العامل والتقدير وينزل من جبال أي: من ~~جبال فيها فهو بدل اشتمال، والأخيرة للتبعيض واقع موقع المفعول. # فإن قيل: ما معنى من جبال فيها من برد؟ أجيب: بأن فيه معنيين؛ أحدهما: أن ~~يخلق الله في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر وليس في العقل ~~قاطع يمنعه، الثاني: أن يراد الكثرة بذكر الجبال كما يقال: فلان يملك جبالا ~~من ذهب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وإخفائها عند الزاي وتخفيف ~~الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي، ثم بين تعالى أن ذلك باختياره ~~وإرادته بقوله تعالى: {فيصيب به} أي: بكل من البرد والمطر على وجه النقمة ~~أو الرحمة {من يشاء} أي من الناس وغيرهم {ويصرفه عن من يشاء} صرفه عنه: ~~فائدة: عن مقطوعة من من في الرسم، ثم نبه تعالى على ما هو غاية في العجب في ~~ذلك مما في الماء من النور الذي ربما نزل منه صاعقة فأحرقت ما لا تحرق ~~النار بقوله تعالى. # {يكاد} أي يقرب {سنا} أي ضوء {برقه} وهو اضطراب النور في خلاله {يذهب} أي ~~هو ملتبسا {بالأبصار} أي الناظرة له أي يخطفها لشدة لمعانه وتلألئه فتكون ~~قوة البرق دليلا على تكاثف السحاب وبشيرا بقوة المطر ونذيرا بنزول الصواعق، ~~واعلم أن البرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون نارا عظيمة خالصة، والنار ضد ~~الماء والبرد فظهوره يقتضي ظهور الضد من الضد وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر ~~حكيم، ثم ذكر تعالى ما هو أدل على الاختيار بقوله تعالى مترجما لما يشمل ما ~~مضى وزيادة: # {يقلب الله} أي الذي له الأمر كله بتحويل الظلام ضياء والضياء ظلاما ~~والنقص تارة والزيادة أخرى مع المطر تارة والصحو أخرى {الليل والنهار} ~~فينشأ عن ذلك التقليب من الحر والبرد والنمو والتنويع واليبس ما يبهر ~~العقول، ولهذا قال منبها على النتيجة {إن في ذلك} الأمر العظيم الذي ذكر ms2139 من ~~جميع ما تقدم {لعبرة} أي دلالة على وجود الصانع القديم، وكمال قدرته وإحاطة ~~علمه، ونفاذ مشيئته، وتنزيهه عن الحاجة وما يفضي إليها {لأولي الأبصار} أي ~~لأصحاب البصائر على قدرة الله تعالى وتوحيده، ولما استدل تعالى أولا بأحوال ~~السماء والأرض وثانيا بالآثار العلوية استدل ثالثا بأحوال الحيوانات بقوله ~~تعالى: # {والله} أي: الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة {خلق كل دابة} أي: ~~حيوان {من ماء} وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الخاء وكسر اللام ورفع القاف ~~وكسر لام كل والباقون بفتح اللام والخاء ولا ألف بينهما ونصب لام كل. # فإن قيل: كثير من الحيوانات لم يخلق من الماء كالملائكة خلقوا من النور ~~وهم أعظم الحيوانات عددا، وكذا الجن وهم مخلوقون من النار وخلق آدم من ~~التراب كما قال تعالى: {خلقه من تراب} وخلق عيسى من الريح، كما قال تعالى: ~~{فنفخنا فيه من روحنا} ونرى كثيرا من الحيوانات يتوالد لا من نطفة؟ أجيب: ~~بوجوه؛ أحسنها: ما قال القفال: إن من ماء صلة كل دابة وليس هو من صلة خلق. ~~والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى، ثانيها: إن أصل ~~جميع المخلوقات من الماء على ما روي «أن أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر ~~إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم قسم ذلك الماء فخلق منه النار والهواء ~~والنور والتراب» ، والمقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة، فكان أصل الخلقة ~~الماء، # PageV02P631 # فلهذا ذكره الله تعالى، ثالثها: المراد من الدابة التي تدب على وجه الأرض ~~ومسكنها هنالك، فتخرج الملائكة والجن، رابعها: لما كان الغالب من هذه ~~الحيوانات كونها مخلوقة من الماء إما لأنها متولدة من النطفة، وإما لأنها ~~لا تعيش إلا بالماء أطلق عليها لفظ كل تنزيلا للغالب منزلة الكل. # فإن قيل: لم نكر الماء في قوله تعالى {من ماء} وعرفه في قوله تعالى {من ~~الماء كل شيء حي} (الأنبياء، 30) # أجيب: بأنه جاء ههنا منكرا لأن المعنى خلق كل دابة من نوع من الماء مختصا ~~بتلك الدابة، وعرفه في قوله تعالى: ms2140 {من الماء كل شيء حي} ؛ لأن المقصود ~~هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وههنا بيان أن ذلك الجنس. # ينقسم إلى أنواع كثيرة {فمنهم} أي: الدواب {من يمشي على بطنه} . كالحية ~~والحيتان والديدان واستعير المشي للزحف على البطن كما قالوا في الأمر ~~المستمر: قد مشى هذا الأمر ويقال فلان ما مشى له أمر أو سمي بذلك للمشاكلة ~~بذكر الزاحف مع الماشي {ومنهم من يمشي على رجلين} أي: فقط كالآدمي والطير ~~{ومنهم من يمشي عل أربع} أي: من الأيدي والأرجل كالنعم والوحش فإن قيل: لم ~~حصر القسمة في هذه الثلاثة أنواع من المشي، وقد نجد من يمشي على أكثر من ~~أربع كالعناكب والعقارب والحيوان الذي له أربع وأربعون رجلا الذي يسمى دخال ~~الأذن؟ أجيب: بأن هذا القسم الذي لم يذكر كالنادر، فكان ملحقا بالعدم، وقال ~~النقاش: إنه اكتفى بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر من أربع؛ ~~لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع وهي قوائم مشيه وكثرة الأرجل لبعض ~~الحيوان زيادة في الخلقة لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها وبأن ~~قوله تعالى: {يخلق الله ما يشاء} كالتنبيه على سائر الأقسام فإن قيل: لم ~~جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب؟. # أجيب: بأنه قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو ~~قوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع. # تنبيه: إنما أطلق من على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل في المفصل بمن، وهو ~~كل دابة وكان التعبير بمن أولى ليوافق اللفظ، ولما كانت هذه الأدلة ناظرة ~~إلى البعث أتم نظر وكانوا منكرين له أكد ذلك بقوله تعالى: {إن الله} أي: ~~الذي له الكمال المطلق {على كل شيء} من ذلك وغيره {قدير} لأنه القادر على ~~الكل والعالم بالكل، فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات، فأي عقل يقف ~~عليها، وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها؛ بل هو الذي يخلق ما يشاء كيف ~~يشاء، ولا يمنعه منه مانع، ولما اتضح بهذا ما لله ms2141 تعالى من صفات الكمال ~~والتنزه عن كل شائبة نقص وقامت أدلة الوحدانية على ساق واتسقت براهين ~~الألوهية أي اتساق؛ قال تعالى مترجما لتلك الأدلة: # {لقد أنزلنا} أي: في هذه السورة وما تقدمها بما لنا من العظمة {آيات} أي: ~~مما لنا من الحكم والأحكام والأدلة والأمثال {مبينات} للحقائق بأنواع ~~الدلائل التي لا خفاء فيها {والله} أي: الملك الأعظم {يهدي من يشاء} من ~~عباده {إلى صراط} طريق {مستقيم} هو دين الإسلام الموصل إلى دار الحق والفوز ~~بالجنة، ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين ~~بألسنتهم ولكنهم لم يفعلوه بقلوبهم، فقال تعالى: # {ويقولون} أي: الذين ذمهم الله تعالى: {آمنا بالله} أي: # PageV02P632 # الذي أوضح لنا جلاله وعظمته وكماله {وبالرسول} أي: الذي علمنا كمال ~~رسالته وعمومها بما قام عليها من الأدلة {وأطعنا} أي: وأوجدنا الطاعة لله ~~ولرسوله، ثم عظم المخالفة بين الفعل والقول بأداة البعد فقال تعالى: {ثم ~~يتولى} أي: يرتد بإنكار القلب، ويعرض عن طاعة الله ورسوله ضلالا منهم عن ~~الحق {فريق منهم} أي: ناس يقصدون الفرقة من هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة ~~{من بعد ذلك} أي: القول السديد المؤكد مع الله الذي هو أكبر من كل شيء، ومع ~~رسوله الذي هو أشرف الخلائق {وما أولئك} أي: البعداء البغضاء الذين صاروا ~~بتوليهم في محل البعد {بالمؤمنين} أي: المعهودين الموافقة قلوبهم ألسنتهم ~~فإن قيل: إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون: آمنا، ثم حكى عن فريق منهم ~~التولي، فكيف يصح أن يقول في جميعهم: وما أولئك بالمؤمنين مع أن المتولي ~~فريق؟ أجيب: بأن قوله تعالى: {وما أولئك بالمؤمنين} راجع إلى الذين تولوا ~~لا إلى الجملة الأولى، ولو رجع إلى الجملة الأولى لصح، ويكون معنى قوله ~~تعالى: {ثم يتولى فريق منهم} أي: يرجع عن هذا الفريق إلى الباقي، فيظهر ~~بعضهم لبعض الرجوع كما أظهروه بينهم، ولما فضحهم بما أخفوه من توليهم قبح ~~عليهم ما أظهروه فقال تعالى معبرا بأداةالتحقيق: # n # {وإذا دعوا} أي: الفريق الذين ادعوا الإيمان من أي داع كان {إلى الله} ms2142 ~~أي: إلى ما نصب الملك الأعظم من أحكامه {ورسوله} وأفرد الضمير في قوله ~~تعالى: {ليحكم} وقد تقدمه اسمان وهما الله ورسوله، فهو كقوله تعالى: {والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة، 62) # ؛ لأن حكم رسوله هو حكمه. قال الزمخشري: كقولك: أعجبني زيد وكرمه، تريد ~~كرم زيد ومنه قوله: # *ومنهل من الفلافي أوسطه # ... غلسته قبل القطا وفرطه # أي: قبل فرط القطا {بينهم} أي: بما أراه الله {إذا فريق منهم} أي: ناس ~~مجبولون على الأذى {معرضون} أي: فاجؤوا الإعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم ~~بأنك لا تحكم لهم وهو شرح للتولي ومبالغة فيه. # {وإن يكن لهم} أي: على سبيل الفرض {الحق} أي: بلا شبهة {يأتوا إليه} أي: ~~الرسول {مذعنين} أي: منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم لأنهم يعلمون أنه دائر ~~مع الحق لهم وعليهم، فليس انقيادهم لطاعة الله ورسوله. # تنبيه: قوله تعالى: {إليه} يجوز تعليقه بيأتوا لأن أتى وجاء قد يتعديان ~~بإلى، ويجوز أن يتعلق بمذعنين؛ لأنه بمعنى مسرعين في الطاعة، وصححه ~~الزمخشري قال: لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص ومذعنين حال، ثم قسم تعالى ~~الأمر في عدولهم عن حكومته صلى الله عليه وسلم إذا كان الحق عليهم بين أن ~~يكونوا مرضى القلوب بقوله تعالى: # {أفي قلوبهم مرض} أي: نوع فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال، أو ~~مرتابين في نبوته بقوله تعالى: {أم ارتابوا} أي: بأن رأوا منك تهمة فزالت ~~ثقتهم ويقينهم بك أو خائفين الحيف في قضائه بقوله تعالى: {أم يخافون أن ~~يحيف} أي: يجور {الله} أي: الغني عن كل شيء لأن له كل شيء {عليهم ورسوله} ~~أي: الذي لا ينطق عن الهوى، ثم أضرب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم ~~الأول بقوله تعالى: {بل أولئك} أي: البعداء البغضاء {هم الظالمون} أي: ~~الكاملون في الظلم، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، ~~والثاني: إما أن يكون محققا # PageV02P633 # عندهم أو متوقعا، وكل منهما باطل لأن منصب نبوته وفرط أمانته تمنعه فتعين ~~الأول فظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف وضمير الفصل لنفي ms2143 ذلك ~~عن غيرهم فإن قيل: إذا خافوا أن يحيف الله عليهم ورسوله فقد ارتابوا في ~~الدنيا، وإذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض والكل واحد فأي فائدة في التعديد؟ # أجيب: بأن قوله تعالى: {في قلوبهم مرض} أشار به إلى النفاق، وقوله تعالى: ~~{أم ارتابوا} إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا حيث يتركون الدين بسببه ~~فإن قيل: هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة أم؟ ~~أجييب بأنه تعالى نبههم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو ~~النفاق وكان فيها شك وارتياب وكانوا يخافون الحيف من الرسول، وكل واحد من ~~ذلك كفر ونفاق، واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال مقاتل: نزلت في بشر ~~المنافق وكان قد خاصم يهوديا في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإن محمدا يحيف ~~علينا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد مضت قصتها في سورة النساء. # وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي رضي الله تعالى ~~عنه أرض تقاسماها فوقع إلى علي ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة فقال المغيرة: ~~بعني أرضك فباعه إياها وتقابضا، فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء، ~~فقال لعلي: اقبض أرضك فإنما أشتريتها إن رضيتها ولم أرضها، فقال علي: بل ~~اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها لا أقبلها منك، ودعاه إلى أن يخاصمه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المغيرة: أما محمد فلا نأتيه ولا ~~أحاكم إليه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف علي، فنزلت الآية. # وقال الحسن: نزلت في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر، ~~ولما نفى تعالى عنهم الإيمان الكامل بما وصفهم به كان كأنه سئل عن حال ~~المؤمنين، فقال تعالى: # {إنما كان} أي: دائما {قول المؤمنين} أي: العريقين في ذلك الوصف {إذا ~~دعوا} أي: من أي داع كان {إلى الله} أي: إلى ما أنزل الملك الذي لا كفء له ~~من أحكامه {ورسوله} الذي لا ينطق عن الهوى ms2144 {ليحكم} أي: الرسول {بينهم} بما ~~أراه الله تعالى أي حكومة من الحكومات لهم أو عليهم {أن يقولوا سمعنا} أي: ~~الدعاء {وأطعنا} أي: بالإجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وهذا ليس على ~~طريق الخبر ولكنه تعليم أدب الشرع بمعنى أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا هكذا ~~{وأولئك} أي: العالوا الرتبة {هم المفلحون} الذين وصفهم الله تعالى في أول ~~المؤمنين، وهذا يدل على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق المبطل والتنبيه ~~على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي، ولما رتب تعالى الفلاح على هذا ~~النوع الخاص أتبعه عموم الطاعة بقوله تعالى: # {ومن يطع الله} أي: الذي له الأمر كله {ورسوله} أي: فيما ساءه وسره {ويخش ~~الله} أي: فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي ليحمله ذلك على كل خير {ويتقه} ~~أي: الله فيما بقي من عمره بأن يجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية من المباحات ~~فيتركها ورعا {فأولئك} أي: العالوا الرتبة {هم الفائزون} بما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم المقيم، وعن ابن عباس في تفسير ~~هذه الآية ومن يطع الله في فرائضه ورسوله في سننه ويخش الله على ما مضى من ~~ذنوبه ويتقه فيما يستقبل، وعن بعض # PageV02P634 # الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت عليه هذه الآية. # وقرأ أبو عمرو وشعبة وخلاد ويتقه بسكون الهاء بخلاف عن خلاد وقالون ~~باختلاس كسرة الهاء وحفص بسكون القاف، وقصر كسرة الهاء، والباقون وخلاد في ~~أحد وجهيه بإشباع كسرة الهاء، ولما ذكر تعالى ما رتب على الطاعة الظاهرة ~~التي هي دليل الانقياد الباطن ذكر حال المنافقين بقوله تعالى: # {وأقسموا بالله} أي: الذي له الكمال المطلق، وقوله تعالى: {جهد أيمانهم} ~~مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية ~~شدتها ووكادتها، وعن ابن عباس: من قال بالله فقد بالغ في اليمين، وبلغ غاية ~~شدتها {لئن أمرتهم} أي: أمر من الأمور {ليخرجن} مما هم متلبسون به من خلافه ~~كائنا ما كان، وذلك أن ms2145 المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أينما كنت نكن معك لئن خرجت خرجنا ولئن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا ~~بالجهاد جاهدنا، فقال الله تعالى: {قل} أي: لهم {لا تقسموا} أي: لا تحلفوا ~~فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى الإقسام، وههنا قد تم الكلام، ولو ~~كان قسمهم صادقا لما نهوا عنه؛ لأن من حلف على القيام بالبر لا ينهى عنه، ~~فثبت أن قسمهم كان لنفاقهم، وكان باطنهم يخالف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا ~~الوفاء فقسمه قبيح؛ قال المتنبي: # *وفي اليمين على ما أنت واعده # ... ما دل أنك في الميعاد متهم # وفي رفع قوله تعالى: {طاعة معروفة} ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره أمرنا طاعة أو المطلوب طاعة، ثانيها: ~~أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: أمثل أو أولى أو خير أي: طاعة معروفة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه، ثالثها: طاعة مبتدأ ~~أي: هذه الحقيقة ومعروفة هو الخبر أي: معروفة منكم ومن غيركم وإرادة ~~الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها؛ لأن العموم الذي تصلح له ~~قد تخصص بإرادة الحقيقة كما قالوه في أعرف المعارف. # والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها عل ~~شمائله، وكذا المعصية؛ لأنه «ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها» رواه ~~الطبراني عن عثمان، وعن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: لو أن رجلا ~~دخل بيتا في جوف بيت فأدى هناك عملا أوشك الناس أن يتحدثوا به، وما من عامل ~~عمل عملا إلا كساه الله رداء عمله إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، وعن ~~سعيد: لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس ~~كائنا من كان {إن الله} أي: الذي له الإحاطة بكل شيء {خبير بما تعملون} أي: ~~لا يخفى عليه شيء من سرائركم فإنه فاضحكم لا محالة، ومجازيكم على نفاقكم، ~~ولما نبه الله تعالى على خداعهم، ms2146 وأشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم أمر ~~بترغيبهم وترهيبهم مشيرا إلى الإعراض عن عقوبتهم بقوله تعالى: # {قل} أي: لهم {أطيعوا الله} أي: الذي له الكمال المطلق {وأطيعوا الرسول} ~~أي: الذي له الرسالة المطلقة ظاهرا وباطنا، وقوله تعالى: {فإن تولوا} أي: ~~عن طاعته بحذف إحدى التاءين خطاب لهم أي: فإن تتولوا فما ضررتموه، وإنما ~~ضررتم أنفسكم {فإنما عليه} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {ما حمل} أي: ما ~~حمله الله تعالى من أداء الرسالة، وإذا أدى فقد خرج من عهدة التكليف ~~{وعليكم} أي: وأما # PageV02P635 # أنتم فعليكم {ما حملتم} أي: ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان، فإن لم ~~تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم أنفسكم لسخط الله وعذابه، وإن أطعتموه فقد أحرزتم ~~نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى، فالنفع والضر عائد إليكم {وإن ~~تطيعوه} بالإقبال على كل ما يأمركم به {تهتدوا} أي: إلى كل خير {وما على ~~الرسول} أي: من جهة غيره {إلا البلاغ} أي: وما الرسول إلا ناصح وهاد، وما ~~عليه إلا أن يبلغ ما له نفع في قبولكم، ولا عليه ضرر في توليتكم، والبلاغ ~~بمعنى التبليغ كالأداء بمعنى التأدية، ومعنى {المبين} كونه مقرونا بالآيات ~~والمعجزات. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: «من لم يشكر القليل ~~لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، ~~وتركه كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب» ، وقال أبو أمامة الباهلي: عليكم ~~بالسواد الأعظم، فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية في ~~سورة النور، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم، وقوله تعالى: # {وعد الله} أي: الذي له الإحاطة بكل شيء {الذين آمنوا منكم وعملوا} أي: ~~تصديقا لإيمانهم {الصالحات} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة أو له ~~ولمن معه ومن للبيان، ثم أكد غاية التأكيد بلام القسم لما عند أكثر الناس ~~من الريب في ذلك بقوله تعالى: {ليستخلفنهم في الأرض} أي: أرض العرب والعجم ~~بأن يمد زمانهم وينفذ أحكامهم، فيجعلهم متصرفين في الأرض تصرف الملوك ms2147 في ~~مماليكهم {كما استحلف الذين من قبلهم} أي: من الأمم من بني إسرائيل وغيرهم ~~من كل من حصلت له مكنة وظفر على الأعداء بعد الضعف الشديد كما كتب في ~~الزبور أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وكما قال موسى عليه السلام: إن ~~الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وقرأ أبو بكر بضم ~~التاء الفوقية وكسر اللام، والباقون بفتح التاء واللام {وليمكنن لهم} أي: ~~في الباطن والظاهر {دينهم الذي ارتضى لهم} وهو دين الإسلام، وتمكينه تثبيته ~~وتوكيده، وأضافه إليهم إشارة إلى رسوخ أقدامهم فيه، وأنه الذي لا ينسخ، ~~ولما بشرهم بالتمكين أشار لهم إلى مقداره بقوله تعالى: {وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم} أي: الذي كانوا عليه {أمنا} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في ~~السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح، ~~فقال صلى الله عليه وسلم «لا تصبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في ~~الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة» وأنجز الله تعالى وعده وأظفرهم على ~~جزيرة العرب، وافتتحوا بعض بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا ~~خزائنهم، واستولوا على الدنيا واستعبدوا أبناء القياصرة وتمكنوا اشرقا ~~وغربا مكنة لم تحصل قبلهم لأمة من الأمم، كما قال صلى الله عليه وسلم «إن ~~الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» ~~، ولما قتلوا عثمان رضي الله عنه وخرجوا على علي # ثم ابنه الحسن نزع الله ذلك الأمر كما أشير إليه بمن، وتنكير أمنا، ~~وجاءالخوف واستمر يتطاول ويزداد قليلا قليلا إلى أن صار في زماننا هذا إلى ~~أمر عظيم، وذلك تصديق لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «الخلافة بعدي ~~ثلاثون سنة، ثم يملك الله من يشاء، فتصير ملكا ثم تصير بزيزي قطع سبيل # PageV02P636 # وسفك دماء وأخذ أموال بغير حقها» ، والثلاثون: خلافة أبي بكر سنتان، ~~وخلافة عمر عشرة، وخلافة عثمان اثنا عشر، وخلافة علي ستة، والبزيزي بكسر ~~الباء وتشديد ms2148 الزاي الأولى، والقصر السلب والتغلب، وقوله: قطع سبيل إما عطف ~~بيان لقوله: نصب بزيزي، أو بدل منه، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بسكون الباء ~~الموحدة وتخفيف الدال، والباقون بفتح الموحدة وتشديد الدال، ثم أتبع ذلك ~~بنتيجته بقوله تعالى تعليلا للتمكين وما معه {يعبدونني} أي: وحدي، وقوله ~~تعالى: {لا يشركون بي شيئا} حال من الواو أي: يعبدونني غير مشركين فإن قيل: ~~فما محل يعبدونني؟ أجيب: بأنه مستأنف لا محل له كأن قائلا قال ما لهم ~~مستخلفين ويؤمنون؟ فقال: يعبدونني ويجوز أن يكون حالا عن وعدهم أي: وعدهم ~~الله ذلك في حال عبادتهم وإخلافهم فمحله النصب، ولما كان التقدير فمن ثبت ~~على دين الإسلام وانقاد لأحكامه واستقام، نال هذه البشرى عطف عليه قوله ~~تعالى: {ومن كفر} أي: ارتد وكفر هذه النعمة {بعد ذلك} أي: بعد الوعد أو ~~الخلافة {فأولئك} أي: البعداء من الخير {هم الفاسقون} أي: الخارجون عن ~~الدين خروجا كاملا لا يقبل معه معذرة، ولا يقال لصاحبه عثرة، بل تقام عليهم ~~الأحكام بالقتل وغيره، ولا يراعى منهم ملام ولا تؤخذ بهم رأفة عند انتقام ~~كما تقدم أول السورة فيمن لزمه الجلد، وقيل: المراد بالكفر كفران النعمة لا ~~الكفر بالله، وقوله تعالى: {فأولئك هم الفاسقون} أي: العاصون لله، وقوله ~~تعالى: # وأقيموا الصلاة} أي: فإنها قوام ما بينكم وبين ربكم معطوف على أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول؛ قال الزمخشري: وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف ~~والمعطوف عليه فاصل وإن طال؛ لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ~~{وآتوا الزكاة} فإنها نظام ما بينكم وبين إخوانكم {وأطيعوا الرسول} أي: في ~~كل حال يأمركم به، وكررت طاعة الرسول تأكيدا لوجوبها {لعلكم ترحمون} أي: ~~لتكونوا على رجاء من الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره. والفاعل في قوله ~~تعالى: # {لا تحسبن} ضمير المخاطب أي: لا تحسبن أيها المخاطب {الذين كفروا} أي: ~~وإن ازدادت كثرتهم على العد وتجاوزت عظمتهم الحد {معجزين} أي: لأهل ودنا، ~~وقيل: لنا {في الأرض} أي: فإنهم مأخوذون لا محالة، وقرأ ابن عامر وحمزة، ms2149 ~~بالياء على الغيبة قال النحاس: ما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا ~~كوفيا إلا وهو يلحن قراءة حمزة فمنهم من يقول: هي لحن؛ لأنه لم يأت إلا ~~بمفعول واحد ليحسبن، وأجيب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن المفعول الأول ~~محذوف تقديره: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين إلا أن حذف أحد ~~المفعولين ضعيف عند البصريين، ومنه قول عنترة: # *ولقد نزلت فلا تظني غيره # ... مني بمنزلة المحب المكرم # أي: فلا تظني غيره واقعا. # والثاني: أن المفعولين هما قوله: {معجزين في الأرض} قاله الكوفيون، وقرأ ~~الباقون بالتاء على الخطاب، وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة، وكسرها ~~الباقون، وقوله تعالى: {ومأواهم النار} أي: مسكنهم معطوف على لا تحسبن ~~الذين كفروا معجزين، كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون أهل ودنا أو لا ~~يفوتوننا ومأواهم النار المراد بهم المقسمون عليه بالله جهد # PageV02P637 # أيمانهم، ولما كانت سكنى الشيء لا تكون إلا بعد المصير إليه، قال تعالى: ~~{ولبئس المصير} أي: المرجع مصيرها، فكيف إذا كان على وجه السكنى؟ واختلف في ~~سبب نزول قوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} الآية، فقال ابن ~~عباس: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما من الأنصار يقال له: مدلج بن ~~عمرو إلى عمر رضي الله تعالى عنه وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة ~~كره عمر رؤيته ذلك، فنزلت. # وقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مرثد كان لها غلام كبير، فدخل عليها في ~~وقت فكرهته فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا وغلماننا ~~يدخلون علينا في حال نكرهها، فنزلت، واللام في {ليستأذنكم} للأمر، وملك ~~اليمين يشمل العبيد والإماء. قال بعض المفسرين: هذا الخطاب وإن كان ظاهره ~~للرجال، فالمراد به الرجال والنساء؛ لأن التذكير يغلب على التأنيث قال ~~الرازي: والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي؛ لأن النساء في ~~باب العورة أشد حالا من الرجال، فهو كتحريم الضرب بالقياس على حرمة ~~التأفيف، وقال ابن عباس: هي في الرجال والنساء أي: البالغين أو ms2150 من قاربوا ~~البلوغ يستأذنون على كل حال في الليل والنهار للدخول عليكم كراهة الاطلاع ~~على عوراتكم والتطرق بذلك إلى مساءتكم، واختلف العلماء في هذا الأمر فقيل: ~~للندب، وقيل: للوجوب، واستظهر {والذين} أي: وليستأذنكم الذين ظهروا على ~~عورات النساء، ولكنهم {لم يبلغوا الحلم} وقيده بقوله تعالى: {منكم} ليخرج ~~الكفار والأرقاء، وعبر عن البلوغ بالاحتلام؛ لأنه أقوى دلائله {ثلاث مرات} ~~في اليوم والليلة، وقيل: ثلاث استئذانات في كل مرة، فإن لم يحصل الإذن رجع ~~المستأذن كما تقدم المرة الأولى من الأوقات الثلاث {من قبل صلاة الفجر} ؛ ~~لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم {و} المرة الثانية {حين تضعون ~~ثيابكم} أي: التي للخروج بين الناس {من الظهيرة} أي: شدة الحر، وهو انتصاف ~~النهار {و} المرة الثالثة {من بعد صلاة العشاء} ؛ لأنه وقت الانفصال من ~~ثياب اليقظة والاتصال بثياب النوم، وخص هذه الأوقات؛ لأنها ساعات الخلوة ~~ووضع الثياب # والالتحاف باللحاف، وأثبت من في الموضعين دلالة على قرب الزمن من الوقت ~~المذكور لضبطه، وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه؛ لأنه غير منضبط، ثم ~~علل بقوله تعالى: {ثلاث عورات} أي: اختلالات في التستر والتحفظ {لكم} ؛ ~~لأنها من ساعات وضع الثياب والخلوة؛ قال البيضاوي: وأصل العورة الخلل، ~~ومنها اعور المكان، ورجل أعور إذا بدا فيه خلل انتهى. # وسميت هذه الأوقات عورات؛ لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فربما تبدو عورته، ~~وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي في الوصل ثلاث بالنصب بتقدير أوقات منصوبا بدل ~~من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه، والباقون بالرفع على أنها خبر مبتدأ ~~مقدر بعده مضاف، وقام المضاف إليه مقامه أي: هي أوقات، ويجوز أن يكون مبتدأ ~~وخبره ما بعده، ثم بين سبحانه وتعالى حكم ما عدا ذلك بقوله تعالى مستأنفا ~~{ليس عليكم} أي: في ترك الأمر {ولا عليهم} أي: المماليك والصبيان في ترك ~~الاستئذان {جناح} أي: إثم وأصله الميل في الدخول عليكم في جميع الساعات ~~{بعدهن} أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة إذا # PageV02P638 # هجموا عليكم، ثم علل الإباحة في غيرها مخرجا لغيرهم بقوله ms2151 تعالى: {طوافون ~~عليكم} أي: لعمل ما تحتاجون في الخدمةكما أنتم طوافون عليهم لعمل ما يصلحهم ~~ويصلحكم في الاستخدام {بعضكم} طواف {على بعض} لعمل يعجز عنه الآخر أو يشق ~~عليه فلو عم الأمر بالاستئذان لأدى إلى الحرج. # فإن قيل: بما رفع {بعضكم على بعض} ؟ أجيب: بأنه رفع بالابتداء وخبره على ~~بعض أي: طواف على بعض، وحذف؛ لأن طوافون يدل عليه، ويجوز أن يرتفع بيطوف ~~مضمرا لتلك الدلالة {كذلك} أي: كما بين ما ذكر {يبين الله} أي: بما له من ~~إحاطة العلم والقدرة {لكم} أيتها الأمة {الآيات} في الأحكام وغيرها بعلمه ~~وحكمته {والله} أي: الذي له الإحاطة العامةبكل شيء {عليم} بكل شيء {حكيم} ~~فيما يريده، فلا يقدر أحد على نقضه، وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها ~~محكمة لم تنسخ، واختلف في ذلك فقال الزمخشري: عن ابن عباس أنه قال: آية لا ~~ىؤمن بها أكثر الناس آية الأذن، وإني لآمر جاريتي أي: زوجتي أن تستأذن علي، ~~وسأله عطاء: أستأذن على أختي؟ قال: نعم وإن كانت في حجرك تمونها، وتلا هذه ~~الآية، وعنه ثلاث آيات جحدهن الناس؛ الإذن كله، وقوله تعالى: {إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم} فقال الناس: أعظمكم بيتا، وقوله: {وإذا حضر القسمة} ، وعن ~~ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم، وعن الشعبي: ~~ليست منسوخة، فقيل له: إن الناس لا يعملون بها، فقال: الله المستعان، وعن ~~سعيد بن جبير: إن الناس يقولون: هي منسوخة والله ما هي منسوخة، ولكن الناس ~~تهاونوا بها، وقال قوم: هي منسوخة.l # روى البغوي عن ابن عباس أنه قال: لم يكن للقوم ستر، ولا حجاب فكان الخدم ~~والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، وقد بسط ~~الله الرزق واتخذ الناس الستور، فلعل الرواية اختلفت عن ابن عباس، ولما بين ~~تعالى حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر، وأقبل لكل خبر أتبعه حكم ~~البالغين من الأحرار بقوله تعالى: # {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} أي: إذا بلغ أطفالكم الأحرار بلوغ السن ~~الذي يكون فيه إنزال ms2152 المني سواء رأى منيا أم لا، واختلف في ذلك السن، فقال ~~عامة العلماء: هو خمس عشرة سنة، أي: قمرية تحديدية لا فرق في ذلك بين الذكر ~~وغيره، وقال أبو حنيفة: هو ثماني عشرة سنة في الغلام، وسبع عشرة سنة في ~~الجارية، وعن علي رضي الله عنه: أنه تعتبر القامة وتقدر بخمسة أشبار، وبه ~~أخذ الفرزدق في قوله: # *ما زال مذ عقدت يداه إزاره # ... وسما فأدرك خمسة الأشبار # واعتبر غيره الإنبات أي: للعانة، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه سأل ~~عن غلام له فقال: هل اخضر إزاره، أي: نبت شعر عانته؟ فأسند الاخضرار إلى ~~الإزار على المجاز، ولأنه مما اشتمل عليه الإزار، ونبات العانة الخشن عندنا ~~علامة على بلوغ ولد الكافر فقط أما إذا رأى المني في وقت إمكانه وهو ~~استكمال تسع سنين قمرية فإنا نحكم ببلوغه سواء كان ذكرا أم أنثى مسلما أم ~~كافرا، وأما الخنثى فلا بد أن يمني من فرجيه أو يحيض بالفرج، ويمني من ~~الذكر {فليستأذنوا} أي: على غيرهم في جميع الأوقات {كما استأذن الذين من ~~قبلهم} أي: من الأحرار الكبار الذين # PageV02P639 # جعلوا قسيما للمماليك، فلا يدخل في ذلك الأرقاء، فلا يستدل بذلك على أن ~~العبد البالغ يستأذن على سيدته، وقيل: المراد الذين كانوا مع إبراهيم وموسى ~~وعيسى عليهم السلام {كذلك} أي: كما بين لكم ما ذكر {يبين الله} أي: الذي له ~~الإحاطة والقدرة {لكم} أيتها الأمة {آياته} أي: دلالاته {والله} أي: الذي ~~يعلم السر وأخفى {عليم} أي: بأحوال خلقه {حكيم} أي: فيما دبر لهم، قال سعيد ~~بن المسيب: يستأذن الرجل على أمه، فإنما أنزلت هذه الآية في ذلك، وسئل ~~حذيفة: أيستأذن الرجل على والدته؟ فقال: نعم إن لم تفعل رأيت منها ما تكره، ~~وعن أنس قال: لما كانت صبيحة يوم احتلمت دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرته أني قد احتلمت، فقال: «لا تدخل على النساء فما أتى علي يوم كان أشد ~~منه» . ولما ذكر تعالى إقبال الشباب في تعيين حكم الحجاب أتبعه الحكم ms2153 عند ~~إدبار الشباب في اتقاء الظاهر من الشباب بقوله تعالى: # {والقواعد من النساء} أي: اللاتي قعدن عن الولد والحيض من الكبر، فلا ~~يلدن ولا يحضن، واحدتهن قاعد بلا هاء، وقيل: قعدن عن الأزواج وهو معنى ~~قوله: {اللاتي لا يرجون نكاحا} أي: لا يردن الرجال لكبرهن، قال ابن منبه: ~~سميت المرأة قاعدا إذا كبرت؛ لأنها تكثر القعود، وقال ربيعة: هن العجز ~~اللواتي إذا رآهن الرجل استقذرهن، فأما من كان فيها بقية من جمال وهي محل ~~الشهوة فلا تدخل في هذه الآية {فليس عليهن جناح} أي: حرج في {أن يضعن ~~ثيابهن} أي: الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال كالجلباب والرداء ~~والقناع فوق الخمار، أما الخمار فلا يجوز وضعه لما فيه من كشف العورة {غير ~~متبرجات بزينة} أي: من غير أن يردن بوضع الجلباب والرداء إظهار زينتهن، ثم ~~إن الزينة الخفية في قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} أو غير ~~قاصدات بالوضع التبرج، والتبرج هو أن تظهر المرأة محاسن ما ينبغي لها أن ~~تستره، ولما ذكر الله تعالى الجائز عقبه بالمستحب بعثا منه على اختيار أفضل ~~الأعمال وأحسنها بقوله تعالى: {وأن يستعففن} أي: فلا يلقين الرداء أو ~~الجلباب {خير لهن} من الإلقاء كقوله تعالى: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} ، {وأن ~~تصدقوا} لأنه أبعد عن التهمة {والله} أي: الذي جلت عظمته {سميع} لقولكم ~~{عليم} بما في قلوبكم، واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {ليس على الأعمى حرج} أي: في مؤاكلة غيره {ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج} كذلك، فقال ابن عباس لما أنزل الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} : تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى ~~والزمني والعمى والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى ~~عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا ~~يتمكن من الجلوس ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول ~~فلا يستوفي من الطعام حقه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعلى هذا تكون على ~~بمعنى في؛ أي: ليس ms2154 في الأعمى أي: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج ~~والمريض حرج. # وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما: كان العرجان والعميان والمرضى ~~يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء؛ لأن الناس يستقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم، وعن ~~عكرمة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا ~~استغنوا، وكان # PageV02P640 # هؤلاء يقولون: الأعمى ربما أكل أكثر، وربما سبقت يده إلى ما سبقت عين ~~آكليه إليه، وهو لا يشعر، والأعرج ربما أخذ في مجلسه مكان اثنين فيضيق على ~~جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة تؤذي أو جرح يبض أو نحو ذلك فنزلت، وقال ~~مجاهد: نزلت الآية ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه ~~الآية، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون محل الرجل لطلب الطعام، فإذا لم يكن ~~عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيت أبيه وبيت أمه، وبعض من سمى الله تعالى في ~~هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من هذا الطعام ويقولون: ذهب بنا إلى ~~بيت غيره فنزلت الآية. # وقال سعيد بن المسيب: كان المسلمون إذا غزوا غلقوا منازلهم ويدفعون إليهم ~~مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا ~~يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~رخصة لهم، وقال الحسن: نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد، وقال: تم ~~الكلام عند قوله تعالى: {ولا على المريض حرج} ، وقوله تعالى: {ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا في بيوتكم} كلام مستأنف منقطع عما قبله فإن قيل: أي فائدة ~~في إباحة أكل الإنسان طعاما في بيته؟ أجيب: بأن المراد من البيوت التي فيها ~~أزواجكم وعيالكم فيدخل فيه بيوت الأولاد؛ لأن بيت ولده كبيته؛ قال صلى الله ~~عليه وسلم «أنت ومالك لأبيك» ، وقال صلى الله عليه وسلم «إن أطيب ما يأكل ~~المرء من كسبه وإن ولده من كسبه» ، وقيل لما نزل قوله تعالى: {لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل} () # قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله تعالى: {ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا ms2155 من بيوتكم} أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم {أو ~~بيوت آبائكم} أي: وإن بعدت أنسابهم قال البقاعي: ولعله جمع لذلك فإنها ~~مرباكم وحرمتها حرمتكم {أو بيوت أمهاتكم} كذلك وقدم الأب؛ لأنه أجل وهو ~~حاكم بيته دائما والمال له {أو بيوت إخوانكم} أي: من الأبوين أو الأب أو ~~الأم بالنسب أو الرضاع، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين؛ لأنهم ~~منكم، وهم أولياء بيوتهم {أو بيوت أخواتكم} ، فإنهن بعدهم من أولي البيت، ~~فإن كن مزوجات فلا بد من إذن الزوج {أو بيوت أعمامكم} فإنهم شقائق آبائكم ~~سواء كانوا أشقاء أو لأب أم لأم، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط، فإنه ~~أحق بالاسم {أو بيوت عماتكم} فإنهن بعد الأعمام لضعفهن؛ ولأنهن ربما كان ~~أولياء بيوتهن الأزواج {أو بيوت أخوالكم} لأنهم شقائق أمهاتكم {أو بيوت ~~خالاتكم} أخرهن لما ذكر في العمات {أو ما ملكتم مفاتحه} قال ابن عباس: عنى ~~بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ~~ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخر، وملك المفاتح كونها في يده وحفظه، ~~وقال الضحاك: يعني من بيوت عبيدكم ومماليككم؛ لأن السيد يملك منزل عبده ~~والمفاتح الخزائن بقوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} () # ويجوز أن تكون الذي يفتح به، وقال عكرمة: إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن ~~فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير، وقال السدي: الرجل يولي طعام غيره ويقوم ~~عليه فلا بأس أن يأكل منه، وقيل: أو ما ملكتم مفاتحه ما خزنتموه عندكم، ~~وقال مجاهد وقتادة: من بيوت أنفسكم مما ادخرتم وملكتم {أو صديقكم} أي: أو ~~بيوت أصدقائكم، والصديق هو الذي # PageV02P641 # صدق في المودة ويكون واحدا وجمعا، وكذا الخليط والقطين والعدو قال ابن ~~عباس: نزلت في الحرث بن عمرو خرج غازيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وخلف مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال: تحرجت ~~أكل طعامك بغير إذنك، فأنزل الله هذه ms2156 الآية. يحكى عن الحسن أنه دخل داره، ~~وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص ولطائف ~~الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك وقال: هكذا ~~وجدناهم يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين، وكان الرجل منهم يدخل ~~دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها، ~~فأخبرته أعتقها سرورا بذلك، وعن جعفر بن محمد: من عظم حرمة الصديق أن جعله ~~الله تعالى في الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب ~~والابن والأخ. # وعن ابن عباس: الصديق أكبر من الوالدين، إن الجهنميين لما استغاثوا لم ~~يستغيثوا بالآباء والأمهات بل قالوا: {فمالنا من شافعين ولا صديق حميم} (،) ~~، والمعنى يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يحضروا إذا علم رضا صاحب البيت ~~بإذن أو قرينة ظاهرة الحال، فإن ذلك يقوم مقام الإذن الصريح، ولذلك خصص ~~هؤلاء فإنهم يعتادون التبسط بينهم وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه ~~طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه، فإن قيل: إذا كان ذلك لا بد فيه من العلم ~~بالرضا فحينئذ لا فرق بينهم وبين غيرهم؟ أجيب: بأن هؤلاء يكفي فيهم أدنى ~~قرينة بل ينبغي أن يشترط فيهم أن لا يعلم عدم الرضا بخلاف غيرهم لا بد فيه ~~من صريح الإذن أو قرينة قوية، هذا ما ظهر لي ولم أر من تعرض لذلك، وكان ~~الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والأكل من طعامه بغير إذنه لهذه ~~الآية، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا ~~يقطع؛ لأن الله تعالى أباح لهم الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم. # فإن قيل: فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه؟ أجيب: بأن من سرق من ~~ماله لا يكون صديقا له، وقيل: إن هذا كان أول الإسلام ثم نسخ فلا دليل له ~~فيه، وقرأ بيوتكم وبيوت وبيوتا ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء الموحدة، ~~والباقون بالكسر، وقرأ حمزة والكسائي أمهاتكم في ms2157 الوصول بكسر الهمزة، ~~والباقون بالضم، وكسر الميم حمزة، وفتحها الباقون، ولما ذكر تعالى معدن ~~الأكل ذكر حاله بقوله تعالى: # {ليس عليكم جناح} أي: إثم {أن تأكلوا جميعا} أي: مجتمعن {أو أشتاتا} أي: ~~متفرقين، واختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال الأكثرون: نزلت في بني ليث بن ~~عمرو من كنانة، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظرا نهاره ~~إلى الليل، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة، وقال عطاء عن ابن عباس: كان ~~الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته، فيدعوه إلى طعامه، فيقول: ~~والله إني لأجنح أي: أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير، فنزلت هذه ~~الآية، وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا ~~نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاؤوا مجتمعين أو ~~أشتاتا متفرقين، وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا ~~للأعمى طعاما وحده، وكذلك الزمن والمريض، فبين الله تعالى لهم أن ذلك غير # PageV02P642 # واجب، وقيل: تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل ~~وزيادة بعضهم على بعض. # تنبيه: {جميعا} حال من فاعل تأكلوا، وأشتاتا عطف عليه وهو جمع شتت، وشتى ~~جمع شتيت وشتان تثنية شت، روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا ~~نأكل ولا نشبع، قال: «فلعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا على طعامكم واذكروا ~~اسم الله عليه يبارك لكم فيه» ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كلوا ~~جميعا ولا تفرقوا واذكروا اسم الله فإن البركة مع الجماعة» . # ولما بين تعالى مواطن الأكل وكيفيته ذكر الحال التي عليها الداخل إلى تلك ~~المواطن أو غيرها بقوله تعالى: {فإذا دخلتم} أي: بسبب ذلك أو غيره {بيوتا} ~~أي: من هذه البيوت {فسلموا على أنفسكم} أي: على أهلها الذين هم منكم دينا ~~وقرابة، جعل أنفس المؤمنين كالنفس الواحدة كقوله تعالى: {ولا تقتلوا ~~أنفسكم} (النساء، 29) # وقال ابن عباس: إذا لم يكن في البيت أحد فليقل: السلام علينا من ربنا، ~~السلام علينا وعلى عباد ms2158 الله الصالحين، وقال قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على ~~أهلك، فهم أحق بالسلام ممن سلمت عليهم، وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل: ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، حدثنا أن الملائكة ترد عليه {تحية ~~من عند الله} أي: ثابتة بأمره مشروعة من لدنه {مباركة} أي: لأنه يرجى بها ~~زيادة الخير والثواب {طيبة} أي: تطيب بها نفس المستمع، والتحية طلب سلامة ~~وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله، ووصفها بالبركة والطيب؛ لأنها دعوة ~~مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله تعالى زيادة الخير وطيب الرزق، وعن أنس قال: ~~خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وقيل: تسع سنين، فما قال لي ~~لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا قال لي لشيء تركته: لم تركته؟ وكنت واقفا على ~~رأسه أصب الماء على يديه، فرفع رأسه فقال: «ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها» ~~قلت: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال: «متى لقيت من أمتي أحدا فسلم ~~عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى ~~فإنها صلاة الأبرار الأوابين» . # تنبيه: تحية منصوب على المصدر من معنى فسلموا، فهو من باب قعدت جلوسا ~~فكأنه قال: فحيوا تحية، وقال القفال: وإن كان في البيت أهل الذمة، فليقل: ~~السلام على من اتبع الهدى، وكرر قوله تعالى: {كذلك يبين الله} أي: الذي ~~أحاط علمه بكل شيء {لكم الآيات} ثالثا لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام ~~المختتمة به، وفصل الأولين بما هو المقتضي لذلك وهذا بما هو المقصود منه، ~~فقال تعالى: {لعلكم تعقلون} أي: عن الله أمره ونهيه وأدبه، ولما كان أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من ~~الأوطان قال تعالى: # {إنما المؤمنون} أي: الكاملون في الإيمان {الذين آمنوا بالله} أي: الملك ~~الأعلى {ورسوله} أي: ظاهرا وباطنا {وإذا كانوا معه} أي: الرسول صلى الله ~~عليه وسلم {على أمر جامع} أي: يجمعهم من حرب حضرت أو صلاة جمعة أو عيد أو ~~جماعة أو تشاور في ms2159 أمر نزل، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة أو من الإسناد ~~المجازي؛ لأنه لما كان سببا في جمعهم نسب الفعل إليه مجازا {لم يذهبوا} أي: ~~يتفرقوا عنه ولم ينصرفوا عما اجتمعوا له لعذر لهم {حتى يستأذنوه} قال ~~الكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض في خطبته بالمنافقين، ويعيبهم ~~فينظر المنافقون يمينا وشمالا فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا # PageV02P643 # ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد لبثوا وصلوا خوفا، فنزلت هذه الآية، فكان ~~المؤمن بعد نزولها لا يخرج لحاجةحتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان المنافقون يخرجون بغير إذن، قال مجاهد: إن إذن الإمام يوم الجمعة أن ~~يشير بيده قال أهل العلم: كذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا ~~يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وهذا إذا لم يكن سبب يمنعه من المقام، ~~فإن حدث سبب يمنعه عن المقام كأن يكونوا في المسجد فتحيض منهم امرأة أو ~~يجنب الرجل أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان، ولما كان اعتبار الإذن ~~كالمصدق لصحة كمال الإيمان، والمميز للمخلص فيه أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ ~~بقوله تعالى: {إن الذين يستأذنونك} أي: تعظيما لك ورعاية للأدب {أولئك} أي: ~~العالو الرتبة {الذين يؤمنون بالله} أي: الذي له الأمر كله {ورسوله} فإنه ~~يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك، ولما نص على ~~الاستئذان تسبب عن ذلك إعلامه صلى الله عليه وسلم بما يفعل إذ ذاك بقوله ~~تعالى: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم} وهو ما تشتد الحاجة إليه، {فأذن لمن شئت ~~منهم} بالانصراف أي: إن شئت فأذن، وإن شئت فلا تأذن، ففي ذلك تفويض الأمر ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدل به # على أن بعض الأحكام مفوض إلى رأيه. # قال الضحاك ومقاتل: المراد عمر بن الخطاب وذلك «أنه استأذن في غزوة تبوك ~~في الرجوع إلى أهله، فأذن له وقال: انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد أن ~~يسمع المنافقون ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا: ما بال محمد إذا استأذنه ~~أصحابه ms2160 أذن لهم وإذا استأذناه أبى، فوالله ما نراه يعدل» ، قال ابن عباس: ~~«إن عمر استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ثم قال: يا أبا ~~حفص لا تنسنا من صالح دعائك» ، ولما كان في الاستئذان ولو لعذر قصور؛ لأن ~~فيه تقديما لأمر الدنيا على أمر الدين أمره الله تعالى بأن يستغفر لهم ~~بقوله تعالى: {واستغفر لهم الله} أي: الذي له الأمر كله بعد الإذن ليكون ~~ذلك شاملا لمن صحت دعواه وغيره، ثم علل ذلك ترغيبا في الاستغفار وتطييبا ~~لقلوب أهل الأوزار بقوله تعالى: {إن الله} أي: الذي لا يخفى عليه شيء ~~{غفور} أي: لفرطات العباد {رحيم} أي: بالتستر عليهم، ولما أظهرت هذه السورة ~~بعمومها، وهذه الآيات بخصوصها من شرف الرسول ما أبهر العقول صرح بتفخيم ~~شأنه وتعظيم مقامه بقوله تعالى: # {لا تجعلوا} أي: يا أيها الذين آمنوا {دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا} قال سعيد بن جبير وجماعة: معناه: لا تنادوه باسمه فتقولوا: يا محمد، ~~ولا بكنيته فتقولوا: يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه بالتوقير، فقولوا: يا ~~رسول الله يا نبي الله، وعلى هذا يكون المصدر مضافا لمفعوله، وقال المبرد ~~والقفال: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم لبعض، فتتباطؤون عنه كما ~~يتباطأ بعضكم عن بعض إذا دعاه لأمر بل يجب عليكم المبادرة لأمره، ويؤيده ~~قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} (النور، 63) ، وعلى هذا يكون ~~المصدر مضافا للفاعل، وقال ابن عباس: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا ~~أسخطتموه، فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، وروي عنه أيضا: لا ترفعوا ~~أصواتكم في دعائه، وهو المراد من قوله: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله} (الحجرات، 3) ، وقول المبرد كما قال ابن عادل: أقرب إلى نظم الآية. # ولما كان بعضهم يظهر الموافقة ويبطن المخالفة # PageV02P644 # حذر من ذلك بقوله تعالى: {قد يعلم الله} أي: الذي لا تخفى عليه خافية ~~{الذين يتسللون منكم} أي: ينسلون قليلا قليلا ليجعلوا ذهابهم في غاية ~~الخفاء، ونظير تسلل تدرج وتدخل، وقوله تعالى: {لواذا} حال أي: ملاوذين، ~~واللواذ ms2161 والملاوذة التستر يقال: لاذ فلان بكذا إذا استتر به، وقال ابن ~~عباس: أي: يلوذ بعضهم ببعض، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في ~~المسجد يوم الجمعة لا سيما في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يلوذون ~~ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار، وقد للتحقيق وتسبب عن علمه تعالى ~~قوله تعالى: {فليحذر} أي: يوقع الحذر {الذين يخالفون عن أمره} أي: يعرضون ~~عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصرفون عنه بغير إذنه، وقال أبو بكر ~~الرازي: الضمير في أمره لله؛ لأنه يليه، وقال الجلال المحلي: أي: الله ~~ورسوله وكل صحيح، فإن مخالفة أمر أحدهما مخالفة أمر الآخر {أن} أي: لئلا ~~{تصيبهم فتنة} قال مجاهد: بلاء في الدنيا، وعن ابن عباس: فتنة قتل، وعن ~~عطاء: زلازل وأهوال، وعن جعفر بن محمد: يسلط الله عليهم سلطانا جائرا {أو ~~يصيبهم عذاب أليم} أي: وجيع في الآخرة. # تنبيه: الآية تدل على أن الأمر للوجوب؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر، ~~ومخالف الأمر يستحق العذاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك، ولما أقام تعالى ~~الأدلة على أنه نور السموات والأرض وختم بالتحذير لكل مخالف أنتج ذلك أن له ~~كل شيء فقال تعالى: # {ألا إن لله ما في السموات والأرض} خلقا وملكا وعبيدا، فإن قيل: ما فائدة ~~ذكر عبيدا بعد ملكا؟ أجيب: عنه إنما ذكر لئلا يتوهم أن ما لما لا يعقل فقط، ~~ولما كانت أحوالهم من جملة ما هو له، وإنها بخلقه قال تعالى: {قد يعلم ما ~~أنتم} أي: أيها المكلفون {عليه} أي: من الموافقة والمخالفة والإخلاص ~~والنفاق، وإنما أكد علمه بقد لتأكيد الوعيد، وذلك أن قد إذا دخلت على ~~المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير في نحو ~~قول بعضهم: # *فإن تمس مهجور الفناء فربما # ... أقام به بعد الوفود وفود # ونحوه يقول زهير: # *أخي ثقة لا تهلك الخمر # ... ماله ولكنه قد يهلك المال نائله # والمعنى: أن جميع ما في السموات والأرض مختص به تعالى فكيف يخفى عليه ~~أحوال المنافقين، ms2162 وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها؟ وقوله ~~تعالى: {ويوم} أي: ويعلم يوم {يرجعون إليه} فيه التفات عن الخطاب أي: متى ~~تكون، أو ويوم يرجع المنافقون إليه للجزاء {فينبئهم} أي: فتسبب عن ذلك أنه ~~يخبرهم {بما عملوا} أي: من الخير والشر فيجازيهم عليه {والله} أي: الذي لا ~~تخفى عليه خافية {بكل شيء} أي: من أعمالهم وغيرها {عليم} عن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها وعن أبويها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تنزلوا ~~النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن الغزل وسورة النور» أخرجه أبو ~~عبد الله في البيع في صحيحه، وأما قول البيضاوي: تبعا للكشاف: «من قرأ سورة ~~النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي» ~~فهو حديث موضوع. # PageV02P645 ### | سورة الفرقان # مكية # إلا قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} إلى {رحيما} فمدني، ~~وآياتها سبع وسبعون آية، وثمانمائة واثنان وسبعون كلمة، وعدد حروفها ثلاثة ~~آلاف وسبعمائة وثمانون حرفا # {بسم الله} الذي له الحجة البالغة {الرحمن} الذي عم الخلق بنعمه {الرحيم} ~~الذي وسعت رحمته كل شيء. # {تبارك} قال الزجاج: تفاعل من البركة وهي كثرة الخير وزيادته، ومنه تبارك ~~الله، وفيه معنيان: تزايد خيره وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في ~~صفاته وأفعاله، وعن ابن عباس كأن معناه جاءنا بكل بركةوخير، وقال الضحاك: ~~تبارك تعاظم، ولا يستعمل إلا لله تعالى ولا يتصرف فيه، ثم وصف ذاته الشريفة ~~بما يدل على ذلك بقوله تعالى: {الذي نزل الفرقان} أي: القرآن، والفرقان ~~مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما، وسمي به القرآن لفصله بين الحق ~~والباطل ولأنه لم ينزل جملة واحدة، ولكن مفروقا مفصولا بين بعضه وبعض في ~~الإنزال؛ ألا ترى قوله تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} ~~(الإسراء، 106) # {على عبده} أي: محمد صلى الله عليه وسلم وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف، ~~وفي عود ضمير {ليكون} ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه يعود على الذي نزل أي: ليكون الذي نزل الفرقان نذيرا. ms2163 # الثاني: أنه يعود على الفرقان أي: ليكون الفرقان نذيرا، وأضاف الإنذار ~~إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم} (الإسراء، 9) # ؛ قال ابن عادل: وهو بعيد؛ لأن المنذر والنذير في صفات الفاعل المخوف ~~ووصف القرآن به مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى. # الثالث: أنه يعود على عبده أي: ليكون عبده محمد صلى الله عليه وسلم ~~{للعالمين نذيرا} أي: وبشيرا، وهذا أحسن الوجوه معنى وصناعة لقربه مما يعود ~~عليه والضمير يعود على أقرب مذكور، وللعالمين متعلق بنذيرا، وإنما قدم لأجل ~~الفواصل، ونذيرا بمعنى منذر أي: مخوف ويجوز أن يكون مصدرا بمعى الإنذار ~~كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى: {فكيف كان عذابي ونذر} (القمر، 16) # تنبيه: المراد بالعالمين قال البقاعي: أي: المكلفين كلهم من الجن والإنس ~~والملائكة اه. ولكن في إرساله للملائكة خلاف بين العلماء، فقد نقل الجلال ~~المحلي في شرحه على «جمع الجوامع» الإجماع على أنه لم يرسل إليهم، وغيره ~~صرح بأنه أرسل إليهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. # فإن قيل: قوله تعالى: تبارك يدل على كثرة الخير والبركة، فالمذكور عقبه ~~لا بد وأن يكون مبينا لكثرة الخير والمنافع، والإنذار يوجب الغم والخوف ~~فكيف يليق ذكره بهذا الموضع؟ أجيب: بأن الإنذار يجري مجرى تأديب الوالد كما ~~أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الوالد أكثر كان رجوع الخلق إلى الله ~~تعالى أكثر، وكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا ~~التفات إلى المنافع العاجلة؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه يعطي الخيرات الكثيرة ~~لم يذكر إلا منافع الدين، ولم يذكر منافع الدنيا البتة، وقوله تعالى: # {الذي له ملك السموات والأرض} إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه ~~سبحانه وتعالى حال حدوثها، وأنه تعالى هو المتصرف فيها كيف يشاء، فلا إنكار ~~أن يرسل رسولا إلى كل من فيها. # تنبيه: يجوز في # PageV02P646 # الذي الرفع نعتا للذي الأول أو بيانا أو بدلا، أو خبرا لمبتدأ محذوف ~~والنصب على المدح، وما بعده يدل على أنه من تمام الصلة، فليس ms2164 أجنبيا فلا ~~يضر الفصل به بين الموصول الأول والثاني إذا جعلنا الثاني تابعا له {ولم ~~يتخذ ولدا} أي: هو الفرد أبدا ولا يصح أن يكون غيره تعالى معبودا ووارثا ~~للملك عنه، وهذا رد على النصارى، {ولم يكن له شريك في الملك} أي: هو ~~المنفرد بالألوهية، وإذا عرف العبد ذلك انقطع رجاؤه عن كل من سواه تعالى ~~ولم يشتغل قلبه إلا برحمته وإحسانه، وفيه رد على الوثنية القائلين ~~بعبادةالنجوم والأوثان، ولما نفى تعالى الشريك، فكأن قائلا يقول: هاهنا ~~أقوام يعترفون بنفي الشريك والشركاء والأنداد ومع ذلك يقولون: يخلق أفعال ~~أنفسهم، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {وخلق كل شيء} أي: من شأنه أن يخلق ~~ومنه أفعال العباد، والخلق هنا بمعنى الإحداث أي: أحدث كل شيء إحداثا مراعى ~~فيه التقدير والتسوية {فقدره تقديرا} أي: هيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق ~~الإنسان على هذا الشكل المقدر الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة ~~به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة ~~المستوية المقدرة، وسمي إحداث الله خلقا؛ لأنه لا يحدث شيئا لحكمة إلا على ~~وجه التقدير من غير تفاوت. # فإذا قيل: خلق الله كذا، فهو بمنزلة قولك: أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه ~~الاشتقاق، فكأنه قيل: وأوجد كل شيء فقدره تقديرا في إيجاده، ولم يوجده ~~متفاوتا، ولو حمل خلق كل شيء على معناه الأصلي من التقدير لصار الكلام: ~~وقدر كل شيء فقدره، فلم يصر له كبير فائدة، وقيل: فجعل له غاية ومنتهى ~~ومعناه: فقدره للبقاء إلى أمد معلوم، واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: # {واتخذوا من دونه} أي: الله تعالى أي: غيره {آلهة} على ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه يعود على الكفار الذين تضمنهم لفظ العالمين. # ثانيها: أنه يعود على من ادعى لله شريكا وولدا لدلالة قوله تعالى: {ولم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك} . # ثالثها: أنه يعود على المنذرين لدلالة نذيرا عليهم، ولما وصف نفسه سبحانه ~~وتعالى بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب من ms2165 يعبد غيره من وجوه ~~منها: أنها ليست خالقة للأشياء بقوله تعالى: {لا يخلقون شيئا} والإله يجب ~~أن يكون قادرا على الخلق والإيجاد، ومنها: أنها مخلوقة بقوله تعالى: {وهم ~~يخلقون} والمخلوق محتاج والإله يجب أن يكون غنيا، وغلب العقلاء على غيرهم؛ ~~لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح والملائكة، وغيرهم كالكواكب ~~والأصنام التي ينحتونها ويصورونها، ومنها: أنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا ~~نفعا بقوله تعالى: {ولا يملكون} أي: لا يستطيعون {لأنفسهم ضرا} أي: دفعه ~~{ولا نفعا} أي: جلبه ومن كان كذلك، فليس بإله، ومنها: أنها لا تقدر على موت ~~ولا حياة ولا نشور بقوله تعالى: {ولا يملكون موتا ولا حياة} أي: إماتة لأحد ~~وإحياء لأحد {ولا نشورا} أي: بعثا للأموات، فيجب أن يكون المعبود قادرا على ~~إيصال الثواب إلى المطيعين، والعقاب إلى العصاة، فمن لا يكون كذلك يجب أن ~~لا يصلح للإلهية. # تنبيه: احتج أهل السنة بقوله تعالى: {لايخلقون شيئا} على أن فعل العبد ~~مخلوق لله تعالى؛ لأنه تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق ~~شيئا، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، # PageV02P647 # فلو كان العبد خالقا لكان معبودا إلها، ولما تكلم تعالى أولا على ~~التوحيد، وثانيا في الرد على عبدة غيره تكلم، ثالثا في مسألة النبوة، وحكى ~~شبه الكفار في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم # الشبهة الأولى: قوله تعالى: # {وقال الذين كفروا} أي: مظهرو الوصف الذي حملهم على هذا القول، وهو ستر ~~ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه {إن} أي: ما {هذا} أي: ~~القرآن {إلا إفك} أي: كذب مصروف عن وجهه {افتراه} اختلقه محمد صلى الله ~~عليه وسلم {وأعانه عليه} أي: القرآن {قوم آخرون} أي: من غير قومه، وهم ~~اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر عنها بعبارته، وقيل: عداس ~~مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي ~~كانوا بمكة من أهل الكتاب فزعم المشركون أن محمدا يأخذ منهم فرد الله تعالى ~~عليهم بقوله تعالى: ms2166 {فقد جاؤوا} أي: قائلوا هذه المقالة {ظلما} وهو جعل ~~الكلام المعجز إفكا مختلقا متلقفا من اليهود، وجعلوا العربي يتلقن من ~~العجمي الرومي كلاما عربيا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب {وزورا} أي: ~~بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار ~~الدال، والباقون بالإدغام. # تنبيه: جاء وأتى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته، وظلما مفعول به، ~~وقيل: إنه على إسقاط الخافض أي: جاؤوا بظلم. # الشبهة الثانية: قوله تعالى: # {وقالوا أساطير الأولين} أي: ما سطره الأولون من أكاذيبهم جمع أسطورة ~~بالضم كأحدوثة، أو أسطار {اكتتبها} أي: تطلب كتابتها له من ذلك القوم ~~وأخذها، والمعنى أن هذا القرآن ليس من الله تعالى إنما هو مما سطره الأولون ~~الأول كأحاديث رستم واسفنديار استنسخها محمد من أهل الكتاب {فهي} أي: فتسبب ~~عن تكلفه ذلك أنها {تملى عليه} أي: تقرأ عليه ليحفظها {بكرة} قبل أن تنتشر ~~الناس {وأصيلا} أي: عشيا حين يأوون إلى مساكنهم، أو دائما ليتكلف حفظها ~~بالانتساخ؛ لأنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب، أو ليكتب وهذا كما ترى لا ~~يقوله من له مسكة في عقل، أو مروءة كيف وهو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة ~~من مثله وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء، وهم أكثر منه مالا وأعظم ~~أعوانا ولا يقدرون على شيء منه، فإن قيل: كيف؟ قيل: اكتتبها فهي تملى عليه، ~~وإنما يقال: أمليت عليه فهو يكتبها؟ أجيب: بوجهين: أحدهما: أراد اكتتابها ~~وطلبه، فهي تملى عليه، الثاني: أنها كتبت له وهو أمي فهي تملى أي: تلقى ~~عليه من كتاب ليحفظها؛ لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على ~~الكاتب، وقرأ {فهي} قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون ~~بكسرها، ثم أمره الله تعالى بجوابهم بقوله تعالى: # {قل} أي: دالا على بطلان ما قالوه ومهددا لهم {أنزله الذي يعلم السر} أي: ~~الغيب {في السموات والأرض} ؛ لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه أخبارا ~~عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار، فكيف تجعلونه ~~أساطير الأولين مع علمكم أن ms2167 ما تقولونه باطل وزور؟ وكذلك باطن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبراءته مما يبهتونه، وهو يجازيكم على ما علم منكم وعلم ~~منه. # فإن قيل: كيف يطابق هذا قوله تعالى: {إنه كان} أي: أزلا وأبدا {غفورا ~~رحيما} ؟ أجيب: بأنه لما كان ما يقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على ~~القدرة # PageV02P648 # عليه؛ لأنه لا يوصف بالرحمة والمغفرة إلا القادر على العقوبة، أو هو ~~تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا، ولكن صرف ~~ذلك عنهم؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل. # الشبهة الثالثة: قوله تعالى: # {وقالوا ما لهذا الرسول} أي: ما لهذا الذي يزعم الرسالة، وفيه استهانة ~~وتهكم وتصغير لشأنه، وتسميته بالرسول سخرية منه كأنهم قالوا: ما لهذا ~~الزاعم أنه رسول، ونحوه قول فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} ~~(الشعراء، 27) ، أي: إن صح أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا {يأكل ~~الطعام} أي: كما نأكله {ويمشي} أي: ويتردد {في الأسواق} لطلب المعاش كما ~~نمشي، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة يعنون: أنه يجب أن يكون ملكا مستغنيا ~~عن الأكل والشرب والتعيش، وكذلك كانوا يقولون له: لست أنت بملك؛ لأنك تأكل ~~الطعام، والملك لا يأكل، ولأن الملك لا يتسوق وأنت تتسوق، وما قالوه فاسد؛ ~~لأن أكله الطعام لكونه آدميا ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفته في ~~التوراة، ولم يكن صخابا في الأسواق، وليس شيء من ذلك ينافي النبوة، ولأنه ~~لم يدع أنه ملك من الملوك، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى اقتراح ~~أن يكون إنسانا معه ملك حتى يسانده في الإنذار والتخويف، فقالوا: {لولا} ~~أي: هلا {أنزل إليه ملك} أي: يصدقه ويشهد له {فيكون معه نذيرا} أي: داعيا، ~~ثم نزلوا أيضا إلى أنه لم يكن مرفودا بملك، فليكن مرفودا بكنز، فقالوا: # {أو يلقى إليه كنز} أي: ينزل عليه كنز من السماء ينفقه فلا يحتاج إلى ~~المشي في الأسواق لطلب المعاش، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان، ~~فقالوا: {أو تكون له جنة} ms2168 أي: بستان {يأكل منها} أي: إن لم يلق إليه كنز ~~فلا أقل أن يكون له بستان كالمياسير فيتعيش بريعه، وقرأ حمزة والكسائي ~~بالنون أن نأكل نحن منها فيكون له مزية علينا بها، والباقون بالياء وقوله ~~تعالى: {وقال الظالمون} وضع فيه الظاهر موضع المضمر إذ الأصل وقالوا تسجيلا ~~عليهم بالظلم فيما قالوا {إن} أي: ما {تتبعون إلا رجلا مسحورا} أي: مخدوعا ~~مغلوبا على عقله، وقيل: مصروفا عن الحق، ولما أنهى تعالى ما ذكر من أقوالهم ~~الناشئة عن ضلالهم التفت سبحانه وتعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم مسليا ~~له بقوله تعالى: # {انظر} أي: يا أفضل الخلق {كيف ضربوا لك الأمثال} أي: بالمسحور والمحتاج ~~إلى ما ينفقه وإلى ملك يقوم معه بالأمر {فضلوا} أي: بذلك عن جميع طرق الهدى ~~{فلا يستطيعون} أي: في الحال ولا في المآل بسبب الضلال {سبيلا} أي: سلوك ~~سبيل من السبل الموصلة إلى ما يستحق أن يقصد، بل هم في مجاهل موحشة وفيافي ~~مهلكة، ولما أثبت أنهم لا علم لهم ولا قدرة ولا يمن ولا بركة أثبت لنفسه ~~سبحانه وتعالى ما يستحق من الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما ~~يشاء بقوله تعالى: # {تبارك} أي: ثبت ثباتا مقترنا باليمن والبركة لا ثبات إلا هو {الذي إن ~~شاء} فإنه لا مكره له {جعل لك} أي: في الدنيا {خيرا من ذلك} أي: من الذي ~~قالوه على طريق التهكم من الكنز والبستان، وقوله تعالى: {جنات} بدل من ~~خيرا، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني، ثم وصفها بقوله تعالى: {تجري من ~~تحتها الأنهار} أي: تكون أرضها عيونا نابعة أي: في أي موضع أريد منه إجراء ~~نهر جرى، فهي # PageV02P649 # لا تزال ريا تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجة في استمرارها إلى سقي ~~{ويجعل لك قصورا} أيضا وهي جمع قصر، وهو المسكن الرفيع، قال المفسرون: ~~القصور هي البيوت المشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرا، ويحتمل أن يكون ~~لكل جنة قصر، فيكون مسكنا ومنتزها، ويجوز أن تكون القصور مجموعة والجنات ms2169 ~~مجموعة، وقال مجاهد: إن شاء جعل جنات في الآخرة وقصورا في الدنيا، ولم يشأ ~~الله سبحانه وتعالى ما أشار إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا ~~الفانية وأخره إلى الآخرة الباقية، وقد عرض عليه سبحانه وتعالى ما شاء في ~~ذلك في الدنيا فأباه. # روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا ~~فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، أو قال: ثلاثا أو نحو هذا فإذا ~~جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو شئت لسارت معي جبال مكة ذهبا جاءني ~~ملك فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت نبيا عبدا وإن شئت ~~نبيا ملكا، فنظرت إلى جبريل عليه السلام فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبيا ~~عبدا، قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا، ويقول: ~~آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» . # وعن ابن عباس قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبريل عليه ~~السلام معه، فقال جبريل عليه السلام: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه ~~في زيارتك، فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: إن الله يخيرك أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطه أحدا قبلك، ~~ولا يعطيه أحدا بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئا، فقال صلى الله عليه ~~وسلم «بل يجمعها لي في الآخرة» فنزل {تبارك الذي إن شاء} الآية، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة برفع اللام من يجعل، وفيه وجهان: أحدهما: ~~أنه مستأنف، والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيا ~~جاز في جوابه الجزم والرفع كقوله: # *وإن أتاه خليل يوم مسألة # ... يقول لا غائب مالي ولا حرم # والباقون بالجزم، ويجوز في {يجعل لك} إذا أدغمت أن تكون اللام في تقدير ~~الجزم والرفع، ثم أضرب ms2170 سبحانه وتعالى عن كلامهم في حق رسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم بقوله تعالى: # {بل} أي: لا يظنوا أنهم كذبوا بما جئت به؛ لأنهم لا يعتقدون فيك كذبا بل ~~{كذبوا بالساعة} أي: القيامة، فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوي، وظنوا أن ~~الكرامة إنما هي بالمال فلا يرجون ثوابا ولا عقابا، فلا يتكلفون النظر ~~والفكر، ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل {وأعتدنا} أي: والحال ~~أنا اعتدنا أي: هيأنا بما لنا من العظمة {لمن كذب} من هؤلاء وغيرهم ~~{بالساعة سعيرا} أي: نارا شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من ~~كذبوهم من الأنبياء وأتباعهم، وعن الحسن: أن السعير اسم من أسماء جهنم. # تنبيه: احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: {أعدت للمتقين} ~~(آل عمران، 133) # وعلى أن النار وهي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية: # {إذا رأتهم من مكان بعيد} وهو أقصى ما تمكن رؤيتها منه، وقال الكلبي ~~والسدي: من مسيرة عام، وقيل: من مسيرة مائة سنة، # PageV02P650 # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني ~~جهنم مقعدا، قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم، ألم تسمع قوله تعالى: إذا ~~رأتهم من مكان بعيد» . # وقال البيضاوي: تبعا للزمخشري: إذا كانت بمرأى منهم كقوله عليه الصلاة ~~والسلام: لا «تراءي ناراهما» أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من ~~الأخرى على المجاز. انتهى، وهذا تأويل للمعتزلة بناء منهم على أن الرؤية ~~مشروطة بالحياة بخلاف الأشاعرة فإنهم يجوزون رؤيتها حقيقة كتغيظها وزفيرها ~~في قوله تعالى: {سمعوا لها تغيظا} أي: غليانا كالغضبان إذ غلى صدره من ~~الغضب {وزفيرا} أي: صوتا شديدا إذ لا امتناع من أنها تكون رائية مغتاظة ~~زافرة، وأشار البيضاوي إلى ذلك بعد ما ذكر بقوله: هذا. وإن الحياة لما لم ~~تكن مشروطة عندنا بالبينة أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر، ~~وقال الجلال المحلي: وسماع التغيظ رؤيته وعلمه انتهى. قال عبد الله بن عمر: ~~تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي ms2171 مرسل إلا خر لوجهه، ~~وقيل: إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا عل الكفار للانتقام منهم، ~~فنسب إليها على حذف مضاف. # {وإذا ألقوا} أي: طرحوا طرح إهانة {منها} أي: النار {مكانا} ثم وصفه ~~تعالى بقوله تعالى: {ضيقا} زيادة في فظاعتها، قال ابن عباس: يضيق عليهم كما ~~يضيق الزج في الرمح {مقرنين} أي: مصفدين زيادة قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم ~~من الأغلال، وقد قيل: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف ~~الله تعالى الجنة بأن عرضها السموات والأرض، وجاء في الأحاديث أن لكل مؤمن ~~من القصور والجنان كذا وكذا، ولقد جمع الله تعالى على أهل النار أنواع ~~الضيق والإرهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا كما مر عن ابن ~~عباس: أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، وهو منقول أيضا عن ابن عمر، ~~وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «والذي نفسي بيده إنهم ~~يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون ~~مقرنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم ويقرن مع كل كافر شيطانه في ~~سلسلة في أرجلهم» .Y # تنبيه: {مكانا} منصوب على الظرف، ومنها في محل نصب على الحال من مكانا؛ ~~لأنه في الأصل صفة له، ومقرنين حال من مفعول {ألقوا} ، وقرأ ابن كثير ضيقا ~~بسكون الياء والباقون بكسر الياء مشددة {دعوا هنالك} أي: في ذلك المكان ~~البغيض البعيد عن الرفق {ثبورا} قال ابن عباس: ويلا، وقال الضحاك: هلاكا، ~~فيقولون: واثبوراه هذا حينك وزمانك؛ لأنه لا منادم لهم غيره، وليس يحضر أحد ~~منهم سواه، قال البغوي: وفي الحديث «إن أول من يكسى حلة من النار إبليس ~~فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه وهو يقول: يا ثبوراه ~~وهم ينادون: يا ثبورهم حتى يقفوا على النار» فيقال لهم: # {لا تدعوا اليوم} أي: أيها الكفار {ثبورا واحدا} ؛ لأنكم لا تموتون إذا ~~حلت بكم أسباب العذاب والهلاك {وادعوا ثبورا كثيرا} أي: هلاككم أكثر من أن ~~تدعوا مرة واحدة، أو ms2172 ادعوا أدعية كثيرة، وقال الكلبي: نزل هذا كله في أبي ~~جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبه، ولما وصف تعالى: # PageV02P651 # العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة بقوله ~~تعالى: # { {قل} أي: لهؤلاء البعداء البغضاء {أذلك} أي: المذكور من الوعيد وصفة ~~النار {خير أم جنة الخلد} أي: الإقامة الدائمة {التي وعد المتقون} أي: ~~وعدها الله تعالى لهم، فالراجع إلى الموصوف وهو هاء وعدها محذوف. # فإن قيل: كيف يقال: العذاب خير أم جنة الخلد، وهل يجوز أن يقول القائل: ~~السكر أحلى أم الصبر؟ أجيب: بأنه يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد ~~عبده مالا فتمرد وأبى واستكبر، فضربه ويقول له: هذا خير أم ذلك؟ قال أبو ~~مسلم: جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر ~~والشكور، قال تعالى: {لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} (الإنسان، 9) # فإن قيل: الجنة اسم لدار الخلد، فأي فائدة في قوله تعالى: {جنة الخلد} ؟ ~~أجيب: بأن الإضافة قد تكون للبيتين، وقد تكون لبيان صفة الكمال كقوله ~~تعالى: {هو الله الخالق البارئ} (الحشر، 24) # وهذا من هذا البيان أو للتمييز عن جنات الدنيا، ثم حقق تعالى أمرها ~~تأكيدا للبشارة بقوله: {كانت لهم جزاء} أي: ثوابا على أعمالهم بفضل الله ~~تعالى وكرمه {ومصيرا} أي: مرجعا. # فإن قيل: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيرا لكنها بعدما صارت كذلك فلم ~~قال تعالى: {كانت} ؟ أجيب: من وجهين: الأول: أن ما وعده الله تعالى فهو في ~~تحققه كالواقع، الثاني: أنه كان مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم ~~الله تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم، فإن قيل: لم جمع تعالى ~~بين الجزاء والمصير؟ أجيب: بأن ذلك كقوله تعالى: {نعم الثواب وحسنت مرتفقا} ~~(الكهف، 31) ، فمدح الثواب ومكانه، كما قال تعالى: {بئس الشراب وساءت ~~مرتفقا} (الكهف، 29) # فذم العذاب ومكانه؛ لأن النعيم لا يتم للمتنعم إلا بطيب المكان وسعته ~~وموافقته للمراد والشهوة، وإلا تنغص، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع ~~وضيقه وظلمته، فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء. # تنبيه: المتقي يشمل من اتقى ms2173 الكفر وإن لم يتق المعاصي وإن كان غيره أكمل، ~~ثم ذكر تعالى تنعمهم فيها بعد أن ذكر نعيمهم بقوله تعالى: # {لهم فيها} أي: الجنة {ما يشاؤون} من كل ما تشتهيه أنفسهم كما قال تعالى: ~~{ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم} (فصلت، 31) # {وفيها ما تشتهي الأنفس} (الزخرف، 71) # فإن قيل: أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لابد وأن ~~يريدوها، فإذا سألوها ربهم فإن أعطاها لهم لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت ~~في الدرجة، وإن لم يعطها لهم قدح ذلك في قوله تعالى: {لهم فيها ما يشاؤون} ~~؟ أجيب: بأن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما هم ~~فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم، وقوله تعالى: {خالدين} منصوب على ~~الحال إما من فاعل يشاؤون، وإما من فاعل لهم لوقوعه خبرا، والعائد على ما ~~محذوف أي: لهم فيها الذي يشاؤونه حال كونهم خالدين وقوله تعالى: {كان على ~~ربك} أي: وعدهم ما ذكر {وعدا} يدل على أن الجنة جعلت لهم بحكم الوعد ~~والتفضل لا بحكم الاستحقاق، وقوله تعالى: {مسؤولا} أي: مطلوبا، اختلف في ~~السائل، فالأكثر على أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا: {ربنا ~~وآتنا ما وعدتنا على رسلك} (آل عمران، 194) # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من يدعو بدعوة ليس فيها إثم ~~ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن ~~يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من # PageV02P652 # السوء مثلها، قالوا: إذا نكثر؟ قال: الله تعالى أكثر» ، وروي: «أنه يدعى ~~بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه الله تعالى بين يديه فيقول: عبدي فيقول: نعم ~~يارب فيقول: إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني؟ أما ~~إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن ~~أفرج عنك ففرجت عنك؟ فيقول: نعم يا رب فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ~~ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ms2174 فلم تر فرجا؟ قال: نعم يارب ~~فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في ~~يوم كذا وكذا فقضيتها؟ فيقول: نعم يارب فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ~~ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها؟ فيقول: نعم يارب، ~~فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له، إما أن يكون عجل ~~له في الدنيا وإما أن يكون ادخر له في الآخرة فيقول المؤمن في هذا المقام: ~~يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه» ، وروي: «لا تعجلوا في الدعاء فإنه ~~لايهلك مع الدعاء أحد» ، وروي: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» وروي: ~~«يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي» ، وروي: «لا يزال ~~يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل: يا رسول الله ~~ما الإستعجال قال: يقول: قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر» أي: يمل عند ذلك ~~ويدع الدعاء، فليدع الإنسان وهو موقن بالإجابة. # وقال محمد بن كعب القرظي: الطلب من الملائكة للمؤمنين سألوا ربهم ~~للمؤمنين بقولهم {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} وقيل: إن المكلفين ~~سألوها بلسان الحال؛ لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعة الله كان ذلك ~~قائما مقام السؤال، قال المتنبي: # *في النفس حاجات وفيك فطانة # ... سكوتي كلام عندها وخطاب # ولما ذكر تعالى حالهم في نفسهم أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه ~~بقوله تعالى: # {ويوم} أي: واذكر لهم يوم {نحشرهم} أي: المشركين، وقرأ ابن كثير وحفص ~~بالياء، والباقون بالنون، واختلف في المراد بقوله تعالى: {وما يعبدون من ~~دون الله} أي: غيره فقال الأكثرون: من الملائكة والجن والمسيح وعزير ~~وغيرهم، وقال عكرمة والضحاك والكلبي: من الأصنام، فقيل لهم: كيف يخاطب الله ~~تعالى الجماد بقوله تعالى: {فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء} أي: أوقعتموهم ~~في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم {أم هم ضلوا السبيل} ms2175 أي: طريق الحق ~~بأنفسهم، فأجابوا بوجهين: # أحدهما: أنه تعالى يخلق الحياة فيها ويخاطبها. # ثانيهما: أن يكون ذلك بالكلام النفساني لا بالقول اللساني بل بلسان الحال ~~كما ذكره بعضهم في تسبيح الجماد وكلام الأيدي والأرجل، ويجوز أن يكون ~~السؤال عاما لهم جميعا، فإن قيل: كيف صح استعمال ما في العقلاء؟ أجيب: على ~~الأول: بأنه أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم ألا تراك تقول إذا أردت ~~السؤال عن صفة زيد: ما زيد تعني أطويل أم قصير، فقيه أم طبيب؟، وقال تعالى: ~~{والسماء وما بناها} (الشمس، 5) # {ولا أنتم عابدون ما أعبد} (الكافرون، 30) ، وأما على القول الثاني: ~~فواضح، وأما على القول الثالث: فغلب غير العاقل # PageV02P653 # لغلبة عباده أو تحقيرا، فإن قيل: ما فائدة هذا السؤال مع أن الله تعالى ~~كان عالما في الأزل بحال المسؤول عنه؟ أجيب: بأن هذا سؤال تقريع للمشركين ~~كما قال لعيسى عليه السلام: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله} (المائدة، 116) ، وقرأ ابن عامر فنقول بالنون، والباقون بالياء، وقرأ ~~أأنتم نافع وابن كثير بتسهيل الثانية وإدخال ألف بينها وبين همزة ~~الاستفهام، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية ولا ألف بينهما وبين الأولى ~~ولورش وجه آخر وهو إبدال الثانية ألفا، وهشام بتسهيل الثانية وتحقيقها مع ~~الإدخال، والباقون بتحقيقهما، وقرأ هؤلاء أم هم نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~في الوصل بإبدال الهمزة من أم ياء خالصة، والباقون بتحقيقها. # {قالوا سبحانك} أي: تنزيها لك عما لا يليق بك، أو تعجبا مما قيل لهم؛ ~~لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون فما أبعدهم عن الضلال الذي هو مختص ~~بإبليس وجنوده، أو جمادات وهي لا تقدر على شيء، أو إشعارا بأنهم الموسومون ~~بتسبيحه وتوحيده، فكيف يليق بهم إضلال عبيده؟ {ما كان ينبغي} أي: يستقيم ~~{لنا أن نتخذ} أي: نتكلف أن نأخذ باختيارنا بغير إرادة منك {من دونك} أي: ~~غيرك {من أولياء} للعصمة أو لعدم القدرة، فكيف يستقيم لنا أن نأمر ~~بعبادتنا؟ فإن قيل: ما فائدة أنتم وهم، وهلا قيل: أأضللتم عبادي هؤلاء أم ~~ضلوا السبيل؟ ms2176 أجيب: بأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده؛ لأنه لولا وجوده؛ لما ~~توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام ~~حتى يعلم أنه المسؤول عنه. # تنبيه: من أولياء مفعول أول، ومن زائدة لتأكيد النفي، وما قبله المفعول ~~الثاني، ولما تضمن كلامهم أنا لم نضللهم ولم نحملهم على الضلال حسن ~~الاستدراك بقولهم: {ولكن متعتهم وآباءهم} وهو أن ذكروا سببه أي: أنعمت ~~عليهم وعلى آبائهم من قبلهم بأنواع النعم والصحة وطول العمر في الدنيا، ~~فجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم عكس القضية {حتى نسوا الذكر} أي: تركوا ~~الإيمان بالقرآن، وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه {وكانوا} أي: في علمك بما ~~قضيت عليهم في الأزل {قوما بورا} أي: هلكى، وهو مصدر وصف به، ولذلك يستوي ~~فيه الواحد والجمع، أو جمع بائر كعائذ وعوذ، وقوله: # {فقد كذبوكم} فيه التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإلزام على حذف القول، ~~والمعنى: فقد كذب المعبودون العابدين {بما} أي: بسبب ما {تقولون} أي: أيها ~~العابدون من أنهم يستحقون العبادة، وأنهم يشفعون لكم وأنهم أضلوكم، ولما ~~تسبب عن تخليهم عن عبدتهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ضر قال تعالى: {فما ~~يستطيعون} أي: المعبودون {صرفا} أي: لشيء من الأشياء عن أحد من الناس لا ~~أنتم ولا غيركم من عذاب ولا غيره بوجه حيلة ولا شفاعة ولا معاداة {ولا ~~نصرا} أي: منعا لكم من الله تعالى إن أراد بكم سوءا، وهذا نحو قوله تعالى: ~~{لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} (الإسراء، 56) ، وقرأ حفص بالتاء على ~~الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة {ومن يظلم} أي: بالشرك {منكم} أي: أيها ~~المكلفون {نذقه} أي بما لنا من العظمة {عذابا كبيرا} أي: شديدا في الدنيا ~~بالقتل أو الأسر أو ضرب الجزية، وفي الآخرة بنار جهنم، روى الضحاك عن ابن ~~عباس أنه قال: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم: {ما ~~لهذا الرسول} إلى آخرها أنزل الله تعالى: # {وما أرسلنا قبلك} أي: يا أشرف الخلق أحدا {من # PageV02P654 # المرسلين إلا} وحالهم {أنهم ms2177 ليأكلون الطعام} كما تأكل ويأكل غيرك من ~~الآدمين {ويمشون في الأسواق} كما تفعل فهذه عادة مستمرة من الله تعالى في ~~كل رسله وهم يعلمون ذلك بالسماع من أخبارهم، وهذا تأكيد من الله تعالى؛ ~~لأنهم لا يكذبونه صلى الله عليه وسلم وقيل: معنى الآية وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين إلا قد قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما ~~قال تعالى في موضع آخر: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} (فصلت، ~~43) # {وجعلنا} أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة {بعضكم} أي: أيها الناس ~~{لبعض فتنة} أى: بلية والمعنى: أنه تعالى ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم ~~وبمناصبتهم والعدواة لهم وأقاويلهم الخارجة عن حد الإنصاف، وجعل الغني فتنة ~~للفقير والصحيح فتنة للمريض والشريف فتنة للوضيع، يقول الثاني من كل: مالي ~~لا أكون كالأول؟ وقال ابن عباس: جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما ~~تسمعون منهم وترون من خلافهم فتتبعوا الهدى أم لا، وقال مقاتل: نزلت هذه ~~الآية في أبي جهل والوليد بن عقبة والعاصي بن وائل والنضر بن الحرث، وذلك ~~أنهم رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمارا وبلالا وصهيبا وعامر بن فهيرة ومن ~~دونهم قد أسلموا قبلهم، فقالوا: أنسلم ونكون مثل هؤلاء؟ وقيل: جعلناك فتنة ~~لهم؛ لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا، ~~فتكون ممزوجة بالدنيا، وإنما بعثناك فقيرا لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه ~~الله من غير طمع دنيوي وقوله تعالى: {أتصبرون} أي: على ما تسمعون مما ~~ابتليتم، به استفهام بمعنى الأمر أي: اصبروا {وكان ربك} أي: المحسن إليك ~~إحسانا لم يحسنه إلى أحد سواك لا سيما بجعلك نبيا عبدا {بصيرا} أي: بكل شيء ~~فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان لم يفده ذلك علما لم يكن عنده، ولكن يعلم ~~ذلك شهادة كما يعلم علم الغيب، ولتقوم عليهم بذلك الحجة فلا يضيقن صدرك ولا ~~تستخفنك أقاويلهم، فإن صبرك عليها سعادتك وفوزك في الدارين. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نظر ms2178 أحدكم من فضل عليه في المال ~~والجسم فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم» ، وروي: «انظروا إلى من هو ~~أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم حذر أن تزدروا نعمة الله عليكم» . ~~الشبهة الرابعة: لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: # {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يخافون البعث، قال الفراء: الرجاء ~~بمعنى الخوف لغة تهامة، ومنه قوله تعالى: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} ~~(نوح، 13) # أي: لا تخافون لله عظمة {لولا} أي: هلا ولم لا {أنزل} أي: على أي وجه كان ~~من أي منزل كان {علينا الملائكة} كما نزلت عليه فيما يزعم وكانوا رسلا ~~إلينا، أو فتخبرنا بصدقه {أو نرى ربنا} بما له علينا من الإحسان، وبما لنا ~~نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى ~~واسطة؛ قال الله ردا عليهم: {لقد استكبروا} أي: تعظموا {في} شأن {أنفسهم} ~~أي: أظهروا الاستكبار عن الحق، وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه كما ~~قال تعالى: {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} (غافر، 56) # {وعتوا} أي: تجاوزوا الحد في الظلم {عتوا كبيرا} أي: بالغا أقصى مراتبه ~~حيث عاينوا المعجزات الظاهرة، فأعرضوا عنها واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما ~~سدت دونه مطامح النفوس القدسية، واللام جواب قسم محذوف، وفي فحوى هذا الفعل ~~دليل على التعجب من غير لفظ تعجب، ألا ترى # PageV02P655 # أن المعنى ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوهم؟ ثم بين تعالى لهم حالهم عند ~~بعض ما طلبوا بقوله تعالى: # {يوم يرون الملائكة} أي: يوم القيامة، وقال ابن عباس: عند الموت {لا ~~بشرى} أي: من البشر أصلا {يومئذ} وقوله تعالى: {للمجرمين} أي: الكافرين إما ~~ظاهر في موضع ضمير، وإما؛ لأنه عام فقد تناولهم بعمومه بخلاف المؤمنين فلهم ~~البشرى بالجنة. # تنبيه: في نصب يوم أوجه: أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله ~~تعالى: {لا بشرى} أي: يمنعون البشرى يوم يرون، الثاني: باذكر فيكون مفعولا ~~به. الثالث: بيعذبون مقدرا ولا يجوز أن يعمل فيه نفس البشرى ms2179 لوجهين: ~~أحدهما: أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله، والثاني: أنها منفية بلا، ~~وما بعد لا لا يعمل فيما قبلها. وقوله: {ويقولون} أي: في ذلك الوقت {حجرا ~~محجورا} عطف على المدلول ويقول الكفرة لهم حينئذ: هذه الكلمة استعاذة وطلبا ~~من الله تعالى أن يمنع لقاء الملائكة عنهم مع أنهم كانوا يطلبون نزول ~~الملائكة ويقترحونه وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم ~~وفزعوا منهم؛ لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا ~~يقولونه عند لقاء العدو والشدة النازلة أو نحو ذلك: حجرا محجورا يضعونها ~~موضع الاستعاذة، فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة. قال سيبويه: يقول ~~الرجل للرجل: تفعل كذا وكذا فيقول: حجرا، وهي من حجره إذا منعه؛ لأن ~~المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه عنه فلا يلحقه، وكأن المعنى: أسأل ~~الله أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا، وقال ابن عباس: تقول الملائكة: حراما ~~محرما أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله، وقيل: إذا خرج الكفار من ~~قبورهم تقول الملائكة لهم: حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى، ولما كان ~~المريد لإبطال شيء لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره بل يأتيه بنفسه ~~فيبطله، عبر تعالى بقوله: # {وقدمنا} أي: وعمدنا بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة في ذلك اليوم ~~الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أم في الآخرة {إلى ما عملوا من ~~عمل} أي: من مكارم الأخلاق من الجود وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونحو ذلك ~~{فجعلناه} لكونه لم يؤسس على الإيمان، وإنما هو للهوى والشيطان {هباء} وهو ~~ما يرى في شعاع الشمس الداخل من كوة مما يشبه الغبار {منثورا} أي: مفرقا ~~أي: مثله في عدم النفع إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا، ~~فتكون النار مستقرهم ومقيلهم، ولهذا بين حال أضدادهم وهم المؤمنون بقوله ~~تعالى: # {أصحاب الجنة يومئذ} أي: يوم إذ يرون الملائكة {خير مستقرا} من الكفار ~~{وأحسن مقيلا} منهم، والمستقر المكان الذي يكونون فيه في ms2180 أكثر أوقاتهم ~~مستقرين يتجالسون ويتحادثون، والمقيل: المكان الذي يأوون إليه للاسترواح ~~إلى أزواجهم والتمتع بمغازلتهن وملامستهن كما أن المترفين في الدنيا يعيشون ~~على ذلك الترتيب، روي: أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيل أهل ~~الجنة في الجنة وأهل النار في النار؛ قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم ~~القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وقال ابن عباس ~~في هذه الآية: الحساب في ذلك اليوم في أوله، وقال: يوم القيامة يقصر على ~~المؤمنين حتى يكون قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس. # تنبيه: في أفعل قولان: أحدهما: أنها على # PageV02P656 # بابها من التفضيل، والمعنى: أن المؤمنين خير في الآخرة مستقرا من مستقر ~~الكفار، وأحسن مقيلا من مقيلهم ولو فرض أن يكون لهم ذلك أو على أنهم خير في ~~الآخرة منهم في الدنيا. # والثاني: أن يكون لمجرد الوصف من غير مفاضلة ومن ذلك المعنى قوله تعالى: ~~{إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك ~~متكئون} (يس، 55) # ذكروا في تفسير الشغل افتضاض الأبكار، وإنما سمي مكان دعتهم واسترواحهم ~~الحور مقيلا مع أنه لا نوم في الجنة على طريق التشبيه. ثم عطف تعالى على ~~قوله تعالى يوم يرون قوله تعالى: # {ويوم تشقق السماء} أي: كل سماء {بالغمام} أي: كما تشقق الأرض بالنبات ~~فيخرج من خلال شقوقها، وهو غيم أبيض رقيق مثل الضبابة ولم يكن إلا لبني ~~إسرائيل في تيههم. # تنبيه: في هذه الباء ثلاثة أوجه: أحدها: أنها سببية، أي: بسبب الغمام ~~يعني سبب طلوعه منها، ونحوه {السماء منفطر به} (المزمل، 18) # كأنه الذي تتشقق به السماء، الثاني: أنها للحال أي: ملتبسة بالغمام، ~~الثالث: أنها بمعنى عن أي: عن الغمام كقوله تعالى: {يوم تشقق الأرض عنهم ~~سراعا} (ق، 44) # والباء وعن يتعاقبان تقول: رميت عن القوس، وبالقوس، وقرأ أبو عمرو ~~والكوفيون بتخفيف الشين، والباقون بتشديدها، ثم أشار تعالى إلى جهل من طلب ~~نزول الملائكة دفعة واحدة بقوله تعالى: {ونزل الملائكة} أي: بالتدريج بأمر ~~حتم لا يمكنهم ms2181 التخلف عنه بأمر من الأمور وغيره من الذين طلبوا أن يروهم في ~~حال واحد {تنزيلا} أي في أيديهم صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس: تتشقق السماء ~~الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تتشقق ~~السماء الثانية فينزل أهلها، وهم أكثر من أهل سماء الدنيا وأهل الأرض جنا ~~وإنسا، ثم كذلك حتى تتشقق السماء السابعة، وأهل كل سماء يدورون على السماء ~~التي قبلها، ثم تنزل الكروبيون ثم حملة العرش. # فإن قيل: ثبت أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف تسع ~~الأرض هؤلاء؟ أجاب بعض المفسرين: بأن الملائكة تكون في الغمام والغمام يكون ~~مقر الملائكة، ويجوز أن الله تعالى يوسع الأرض حتى تسع الجميع، وقرأ ابن ~~كثير بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة وتخفيف الزاي ورفع اللام، ونصب ~~الملائكة، والباقون بنون واحدة والزاي مشددة ونصب اللام ورفع الملائكة، ثم ~~بين تعالى أن ذلك اليوم لا يقضي فيه غيره بقوله تعالى: # {الملك يومئذ} أي: إذ تشقق السماء بالغمام، ثم وصف الملك بقوله تعالى: ~~{الحق} أي: الثابت ثباتا لا يمكن زواله، ثم أخبر عنه بقوله تعالى: {للرحمن} ~~أي: العام الرحمة في الدارين، ومن عموم رحمته وحقية ملكه أن يسر قلوب أهل ~~وده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع الباطل، ~~ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة، فإن قيل: مثل هذا الملك لم يكن قط ~~إلا للرحمن، فما الفائدة في قوله تعالى: {يومئذ} ؟ أجيب: بأن في ذلك اليوم ~~لا مالك له سواه لا في الصورة ولا في المعنى، فتخضع له الملوك وتعنو له ~~الوجوه، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام {وكان} أي: ذلك اليوم الذي ~~تظهر فيه الملائكة الذي طلب الكفار رؤيتهم له {يوما على الكافرين عسيرا} ~~أي: شديد العسر والاستعار. # تنبيه: هذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمنين عسيرا جاء في الحديث ~~«أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون عليه # PageV02P657 # أخف من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا» وقوله تعالى: # {ويوم يعض الظالم} ms2182 أي: المشرك لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال، معمول ~~لمحذوف أو معطوف على يوم تشقق، وأل في الظالم تحتمل العهد والجنس لكن قال ~~ابن عباس: أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم ~~من سفر إلا صنع طعاما ودعا إليه جهرا جيرانه وأشراف قومه، وكان يكثر مجالسة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه، فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما ~~ودعا الناس ودعا النبي صلى الله عليه وسلم فلما قرب الطعام قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله» ، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ~~فأكل صلى الله عليه وسلم من طعامه، وكان عقبة صديقا لأبي بن خلف، فلما أتى ~~أبي بن خلف قال له: يا عقبة صبأت؟ فقال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل علي ~~رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحيت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، ~~فشهدت له فطعم، والشهادة ليست في نفسي، فقال: ما أنا بالذي أرضى منك أبدا ~~إلا أن تأتيه وتبصق في وجهه وتطأ قفاه وتلطم وجهه وعينه، فوجده ساجدا في ~~دار الندوة ففعل ذلك عقبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا ألقاك خارجا ~~من مكة إلا علوت رأسك بالسيف» فقتل عقبة يوم بدر صبرا أمر عليا رضي الله ~~عنه فقتله، وقيل: قتله عاصم بن ثابت بن أفلح الأنصاري، وأما أبي بن خلف ~~فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يوم أحد طعنه في المبارزة فرجع إلى ~~مكة ومات. # قال الضحاك: لما بصق عقبة في وجه النبي صلى الله عليه وسلم عاد بصاقه في ~~وجهه فاحترق خداه، فكان أثر ذلك فيه حتى مات، وقال الشعبي: كان عقبة خليل ~~أمية، فأسلم عقبة فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمدا، فكفر ~~وارتد، فأنزل الله تعالى: {ويوم يعض الظالم} أي: عقبة {على يديه} قال ms2183 ~~الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق، ثم تنبت ولا يزال هكذا كلما أكلها نبتت، ~~وقال المحققون: هذه اللفظة للتحسر والغم يقال: عض أنامله وعض على يديه وهو ~~لا يشعر حال كونه مع هذا الفعل {يقول} : أي: يجدد في كل لحظة قوله: {يا ~~ليتني اتخذت} أي: أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا {مع الرسول} أي: ~~محمد صلى الله عليه وسلم {سبيلا} أي: طريقا إلى الهدى، ولما تأسف على ~~مجانبة الرسول ندم على مصادقة غيره بقوله: # {يا ويلتي} أي: يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره؛ لأنه ليس يحضرني سواه ~~{ليتني لم أتخذ فلانا} أي: أبيا {خليلا} أي: صديقا أوافقه في أعماله لما ~~علمت من سوء عاقبتها، فكنى عن اسمه وإن أريد به الجنس، فكل من اتخذ من ~~المضلين خليلا كان لخليله اسم علم عليه لا محالة فجعله كناية عنه، وقرأ أبو ~~عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون، وأظهر الدال عند التاء ابن كثير وحفص، ~~وأدغمها الباقون ثم استأنف قوله: الذي يتوقع كل سامع أن يقوله: # {لقد} أي: والله لقد {أضلني عن الذكر} أي: عمى علي طريق القرآن الذي لا ~~ذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه، والجملة في موضع العلة لما قبلها {بعد إذ ~~جاءني} ولم يكن لي منه مانع يردني عن الإيمان به، وقرأ نافع وابن ذكوان ~~وعاصم بإظهار الذال، والباقون بالإدغام وقوله تعالى: {وكان الشيطان} إشارة ~~إلى خليله سماه شيطانا؛ لأنه أضله كما يضل الشيطان، أو إلى كل من كان سببا ~~للضلال من عتاة الجن والإنس {للإنسان خذولا} أي: # PageV02P658 # شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكون لا ينصره ولو أراد ما ~~استطاع بل هو في شر من ذلك؛ لأن عليه إثمه في نفسه، ومثل إثم من أضله. # تنبيه: حكم هذه الآية عام في كل خليلين ومتحابين اجتمعا على معصية الله ~~تعالى قال صلى الله عليه وسلم «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ~~ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ~~ريحا طيبة، ms2184 ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة» وقال ~~صلى الله عليه وسلم «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» وقال صلى ~~الله عليه وسلم «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» ، ولما ذكر ~~تعالى أقوال الكفار ذكر قول رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {وقال الرسول يا رب} أي: أيها المحسن إلي بأنواع الإحسان وعبر بأداة ~~البعد هضما لنفسه، ومبالغة في التضرع {إن قومي} أي: قريشا الذين لهم قوة ~~ومنعة {اتخذوا هذا القرآن} أي: المقتضي للإجماع عليه والمبادرة إليه ~~{مهجورا} أي: متروكا بعيدا لم يؤمنوا به ولم يقبلوه، وأعرضوا عن استماعه. # تنبيه: أشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجا كثيرا ~~لما يرون من حسن نظمه ويذوقون من لذيذ معانيه ورائق أساليبه، ولطيف عجائبه ~~وبديع غرائبه، وأكثر المفسرين على أن هذا القول وقع من النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال أبو مسلم: بل المراد أنه يقوله في الآخرة كقوله تعالى: {فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد} (النساء، 41) # الآية، والأول أولى؛ لأن قوله تعالى: # {وكذلك} أي: كما جعلنا لك عدوا من مشركي قومك {جعلنا لكل نبي} من ~~الأنبياء قبلك رفعة لدرجاتهم {عدوا من المجرمين} أي: من المشركين تسلية له ~~صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى يقول له: فاصبر كما صبروا، ولا يكون ذلك إلا ~~إذا وقع القول منه {وكفى بربك} أي: المحسن إليك {هاديا} أي: يهدي بك من قضى ~~بسعادته {ونصيرا} أي: ينصرك على من حكم بشقاوته. # تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر؛ لأن ~~قوله تعالى: {لكل نبي عدوا} يدل على أن تلك العداوة من جعل الله تعالى وتلك ~~العداوة كفر، فإن قيل: قوله تعالى: {يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا} كقول نوح عليه السلام: {رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم ~~دعائي إلا فرارا} (نوح: 5، 6) # فكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب، فكذلك ما هنا فكيف يليق هذا بمن ms2185 ~~وصفه الله تعالى بالرحمة في قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ~~(الأنبياء، 107) # أجيب: بأن نوحا عليه السلام لما ذكر ذلك دعا عليهم، وأما النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما ذكر هذا لم يدع عليهم، بل انتظر فلما قال تعالى: {وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا} كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم ~~فافترقا. # الشبهة الخامسة: لمنكري النبوة ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى: # {وقال الذين كفروا} أي: الذين غطوا عداوة وحسدا ما تشهد عقولهم بصحته من ~~أن القرآن كلام الله تعالى لإعجازه لهم مفرقا فضلا عن كونه مجتمعا {لولا} ~~أي: هلا {نزل عليه القرآن} أي: أنزل كخير بمعنى أخير؛ لئلا يناقض قولهم ~~{جملة} وأكدوا بقولهم {واحدة} أي: من أوله إلى آخره كما أنزلت التوراة على ~~موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود لتحقق أنه من عند الله تعالى، ~~ويزول عنا ما نتوهمه من أنه الذي يرتبه قليلا قليلا، وهذا # PageV02P659 # الاعتراض في غاية السقوط؛ لأن الإعجاز لا يتخلف بنزوله جملة أو متفرقا مع ~~أن للتفريق فوائد منها: # ما أشار إليه بقوله تعالى: {كذلك} أي: أنزلناه شيئا فشيئا على هذا الوجه ~~العظيم الذي أنكروه {لنثبت} أي: نقوي {به فؤادك} أي: قلبك فتعيه وتحفظه؛ ~~لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا فشيئا وجزءا عقب جزء، ولو ~~ألقي عليه جملة واحدة لتعيا بحفظه والرسول صلى الله عليه وسلم فارقت حاله ~~حال داود وموسى عليهم السلام وعيسى حيث كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وهم ~~كانوا قارئين كاتبين، فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ، فأنزله الله عليه ~~منجما في عشرين سنة، وقيل: في ثلاث وعشرين سنة، وأيضا فكان ينزل على حسب ~~الحوادث وجوابات السائلين؛ ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ، ولا يتأتى ذلك إلا ~~فيما أنزل مفرقا. # فإن قيل: ذا في كذلك يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدم هو ~~إنزاله جملة، فكيف فسر كذلك بأنزلناه مفرقا؟ أجيب: بأن الإشارة إلى الإنزال ~~مفرقا لا إلى جملة، والدليل ms2186 على فساد هذ الاعتراض أيضا أنهم عجزوا عن أن ~~يأتوا بنجم واحد من نجومه، وتحدوا بسورة واحدة من أقصر السور فأبرزوا صفحة ~~عجزهم وسجلوا به على أنفسهم حين لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المجاذبة، ثم ~~قالوا: هلا نزل جملة واحدة؟ كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته، ~~وقوله تعالى: {ورتلناه ترتيلا} معطوف على الفعل الذي تعلق به كذلك كأنه قال ~~تعالى: كذلك فرقناه ورتلناه ترتيلا، ومعنى ترتيله قال ابن عباس: بيناه ~~بيانا، والترتيل التبيين في تؤدة وتثبت، وقال السدي: فصلناه تفصيلا، وقال ~~مجاهد: بعضه في إثر بعض، وقال الحسن: تفريقا آية بعد آية ووقعة عقب وقعة، ~~ويجوز أن يكون المعنى: وأمرنا بترتيل قراءته، وذلك قوله تعالى: {ورتل ~~القرآن ترتيلا} (المزمل، 4) # أي: اقرأه بترتل وتثبت. # ومنه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صفة قراءته: لا كسردكم هذا لو ~~أراد السامع أن يعد حروفه لعدها، وقيل: هو أن ننزله مع كونه متفرقا على ~~تمكث وتمهل في مدة متباعدة، وهي عشرون سنة، ولم نفرقه في مدة متقاربة، ولما ~~كان التقدير قد بطل ما أتوا به من هذا الاعتراض عطف عليه. # {ولا يأتونك} أي: يا أشرف الخلق أي: المشركون {بمثل} أي: باعتراض في ~~إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى ~~يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظا ومعنى {إلا جئناك} في جوابه ~~{بالحق} أي: الذي لا محيد عنه، فيزهق ما أتوا به لبطلانه، فسمى ما يوردون ~~من الشبه مثلا، وسمى ما يدفع به الشبه حقا {وأحسن} أي: من مثلهم {تفسيرا} ~~أي: بيانا وتفصيلا، ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع ~~موضع معناه، فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا، ~~أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون: هلا كانت هذه صفتك وحالك؟ نحو أن ~~يقرن بك ملك ينذر معك أو يلقي إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل عليك ~~القرآن جملة واحدة إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في ms2187 حكمتنا ~~ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه ودلالة على صحته، ثم ~~بين تعالى: حال هؤلاء المعاندين في الآخرة بقوله تعالى: # {الذين} أي: هم الذين {يحشرون} أي: يجمعون قهرا ماشين مقلوبين {على ~~وجوههم} # PageV02P660 # مسحوبين {إلى جهنم} أي: كما أنهم لم ينظروا في الدنيا بعين الإنصاف فإن ~~الآخرة مرآة الدنيا مهما عمل هنا رآه هناك كما أن الدنيا مزرعة الآخرة مهما ~~عمل فيها جنى ثمره هناك. روى البخاري أن رجلا قال: «يا نبي الله كيف يحشر ~~الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر ~~أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» ، وروى البيهقي: «يحشر الناس يوم القيامة ~~على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على الوجوه، وصنف على الأقدام» ، ~~ولما وصف الله تعالى المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف استأنف الإخبار ~~عنهم بقوله تعالى: {أولئك} أي: البعداء البغضاء {شر} أي: شر الخلق {مكانا} ~~هو جهنم {وأضل سبيلا} أي: أخطأ طريقا من غيرهم وهو كفرهم، ولما قال تعالى ~~{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين} ، وذكر ذلك في معرض التسلية له صلى ~~الله عليه وسلم ذكر قصص جماعة من الأنبياء، وعرفه تكذيب أممهم زيادة في ~~تسليته، القصة الأولى: قصة موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {ولقد آتينا} أي: بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي: التوراة {وجعلنا ~~معه أخاه هارون وزيرا} أي: معينا، فإن قيل: كونه وزيرا كالمنافي لكونه ~~شريكا له في النبوة والرسالة؟ أجيب: بأنه لا منافاة بين النبوة والرسالة ~~والوزارة قد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء متعددون، ويؤمرون بأن يؤازر ~~بعضهم بعضا. # تنبيه: هارون بدل أو بيان أو منصوب على القطع ووزيرا مفعول ثان، وقيل: ~~حال والمفعول الثاني معه ويدل على رسالة هارون عليه السلام قوله تعالى: # {فقلنا اذهبا إلى القوم} أي: الذين فيهم قوة وقدرة على ما يعانونه وهم ~~القبط فرعون وقومه {الذين كذبوا بآياتنا} فذهبا إليهم بالرسالة فكذبوهما ~~{فدمرناهم تدميرا} أي: أهلكناهم إهلاكا أي: فأنت يا محمد لست أول ms2188 من كذب من ~~الرسل فلك أسوة بمن قبلك، فإن قيل: الفاء للتعقيب والإهلاك لم يحصل عقب ~~بعثة موسى وهارون إليهم بل بعده بمدة مديدة؟ أجيب: بأن فاء التعقيب محمولة ~~هنا على الحكم بإهلاكهم لا على الوقوع أو على أنه على إرادة اختصار القصة ~~فاقتصر على حاشيتيها أي: أولها وآخرها لأنهما المقصودان من القصة بطولها ~~أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم. # تنبيه: قوله تعالى: كذبوا بآياتنا إن حملنا تكذيب الآيات على الآيات ~~الإلهية فهو ظاهر، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ، وإن كان ~~للماضي فالمراد به المستقبل، القصة الثانية: قصة نوح عليه السلام المذكورة ~~في قوله تعالى: # {وقوم} أي: ودمرنا قوم {نوح لما كذبوا الرسل} كأنهم كذبوا نوحا ومن قبله ~~من الرسل صريحا أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيبا للجميع بالقوة، لأن ~~المعجزات هي البرهان على صدقهم وهي متساوية الأقدام في كونها خوارق لا يقدر ~~على معارضتها فالتكذيب بشيء منها تكذيب للجميع أولم يروا بعثة الرسل أصلا ~~كالبراهمة وهم قوم يمنعون بعثة الرسل نسبوا إلى رجل يقال له برهام قد مهد ~~لهم ذلك وقرره في عقولهم، ولأنهم عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم تكذيب ~~كل رسول من البشر، ثم بين تعالى تدميرهم بقوله تعالى: {أغرقناهم} قال ~~الكلبي: أمطرنا عليهم السماء أربعين يوما، وأخرج ماء الأرض أيضا في تلك ~~الأربعين، فصارت الأرض بحرا واحدا {وجعلناهم} أي: # PageV02P661 # قوم نوح في ذلك {للناس آية} أي: لمن بعدهم عبرة ليعتبر كل من سلك طريقهم ~~{وأعتدنا} أي: هيأنا في الآخرة {للظالمين} أي: للكافرين، وكان الأصل لهم ~~ولكنه تعالى أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف {عذابا أليما} أي: مؤلما سوى ~~ما يحل بهم في الدنيا. القصة الثالثة: قصة هود عليه السلام المذكورة في ~~قوله تعالى: # {وعادا} أي: ودمرنا عادا قوم هود بالريح. القصة الرابعة: قصة صالح عليه ~~السلام المذكورة في قوله: {وثمودا} أي: ودمرنا ثمودا قوم صالح بالصيحة. ~~القصة الخامسة المذكورة في قوله تعالى: {وأصحاب الرس} أي: البئر التي هي ~~غير مطوية أي: مبنية قال ms2189 ابن جرير: والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر ~~والقبر أي: ودمرناهم بالخسف. # واختلف في نبيهم، فقيل: شعيب وقيل غيره، كانوا قعودا حولها فانهارت بهم ~~وبمنازلهم فهلكوا جميعا، وقال الكلبي: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم ~~فأهلكهم الله تعالى وفلج بفتح الفاء واللام والجيم قرية عظيمة بناحية اليمن ~~من مساكن عاد وبسكون اللام واد قريب من البصرة، وقيل: الرس الأخدود، وقيل: ~~بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار، وقيل: أصحاب حنظلة بن صفوان كانوا ~~مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها، وكانت ~~تسكن جبلهم الذي يقال له: تخ، قيل: هو بتاء فوقية، فخاء معجمة أو مهملة، ~~وبياء تحتية وجيم وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها ~~حنظلة فأصابتها الصاعقة، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا. # {وقرونا} أي: ودمرنا قرونا {بين ذلك} أي: الأمر العظيم المذكور وهو بين ~~كل أمتين من هذه الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة، ثم يشير إليها بذلك ~~ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول: فذلك كيت وكيت على معنى فذلك المحسوب ~~أو المعدود، ثم قال الله تعالى: {كثيرا} وناهيك بما يقول فيه سبحانه وتعالى ~~أنه كثير وأسند البغوي في تفسير أمة وسطا في البقرة عن أبي سعيد الخدري ~~قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة العصر فما ترك ~~شيئا إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس ~~النخل وأطراف الحيطان قال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من ~~يومكم هذا ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأكرمها على الله عز ~~وجل» ، ثم إنه تعالى قال تسلية لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتأسية ~~وبيانا لشريعته بالعفو عن أمته: # {وكلا} أي: من هذه الأمم {ضربنا} أي: بما لنا من العظمة {له الأمثال} حتى ~~وضح له السبيل وقام من غير شبهة الدليل {وكلا تبرنا تتبيرا} أي: أهلكنا ~~إهلاكا، وقال الأخفش: كسرنا تكسيرا، وقال الزجاج: ms2190 كل شيء كسرته وفتته فقد ~~تبرته. # {ولقد أتوا} أي: هؤلاء المكذبون من قومك {على القرية التي أمطرت} أي: وقع ~~إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة ولذا قال تعالى: {مطر ~~السوء} مصدر ساء وهي قرى قوم لوط، قال البغوي: كانت خمس قرى، فأهلك الله ~~تعالى أربعا منها لعملهم الفاحشة، وبختنصر واحدة منهم وهي صغر وكان أهلها ~~لا يعملون العمل الخبيث فإن قيل: لم عبر تعالى بالقرية وهي قرى؟ أجيب: بأنه ~~تعالى قال ذلك تحقيرا لشأنها في جنب قدرته تعالى وإهانة لمن يريد عذابه. ~~ولانهماكهم على الفاحشة جميعهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد # PageV02P662 # وقوله تعالى: {أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون} أي: لا يخافون ~~{نشورا} أي: بعثا بعد الموت؛ لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب ~~بالآخرة واستمروا عليه قرنا بعد قرن حتى تمكن منهم ذلك تمكينا لا ينفع معه ~~الاعتبار إلا من شاء الله. # {وإذا رأوك} أي: مع ما يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك ولو لم تأتهم ~~بمعجزة فكيف وقد أتيتهم بما بهر العقول {إن} أي: ما {يتخذونك إلا هزوا} أي: ~~مهزوء بك وعبر تعالى بالمصدر إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة بعده ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك يقولون: {أهذا الذي بعث الله رسولا} أي: في ~~دعواه محتقرين له أن تأتيه الرسالة، وقولهم. # {إن} مخففة من الثقيلة أي: إنه {كاد ليضلنا} أي: يصرفنا {عن آلهتنا} أي: ~~عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة ما يورد مما سبق إلى ~~الذهن أنها حجج ومعجزات {لولا أن صبرنا} أي: بما لنا من الاجتماع والتعاضد ~~{عليها} أي: على التمسك بعبادتها قال الله تعالى: {وسوف يعلمون} أي: في حال ~~لا ينفعهم فيه العمل ولا العلم وإن طالت مدة الإمهال في التمكين {حين يرون ~~العذاب} عيانا في الآخرة {من أضل سبيلا} أي: أخطأ طريقا أهم أم المؤمنون، ~~ولما كان صلى الله عليه وسلم حريصا على رجوعهم ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما ~~يضرهم سلاه تعالى بقوله تعالى متعجبا من حالهم: # {أرأيت} ms2191 أي: أخبرني {من اتخذ إلهه هواه} أي: أطاعه وبنى عليه دينه، لا ~~سمع حجة ولا نظر دليلا فإن قيل: لم أخر هواه والأصل قولك: اتخذ الهوى إلها؟ ~~أجيب: بأنه ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية كما تقول: ~~علمت منطلقا زايدا لفضل عنايتك بالمنطلق، ولما كان لا يقدر على صرف الهوى ~~إلا الله تعالى تسبب عن شدة حرصه على هداهم قوله تعالى: {أفأنت تكون عليه ~~وكيلا} أي: حافظا تحفظه من اتباع هواه لا قدرة لك على ذلك. # {أم تحسب أن أكثرهم} أي: هؤلاء المدعوين {يسمعون} أي: سماع من ينزجر ولو ~~كان غير عاقل كالبهائم {أو يعقلون} أي: كالبهائم ما يرون، وإن لم يكن لهم ~~سمع حتى تطمع في رجوعهم باختيارهم من غير قسر فإن قيل: إنه تعالى لما نفى ~~عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين وكيف بعث إليهم الرسول، ~~فإن من شرط التكليف العقل؟ أجيب: بأنه ليس المراد أنهم لا يعقلون شيئا بل ~~المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم: ~~إنما أنت أعمى وأصم فإن قيل: لم خص الأكثر بذلك دون الكل؟ أجيب: بأنه كان ~~منهم من آمن، ومنهم من عقل الحق فكابر استكبارا وخوفا على الرياسة. # ولما كان هذا الاستفهام مفيدا للنفي استأنف ما أفهمه بقوله تعالى: {إن} ~~أي: ما {هم إلا كالأنعام} أي: في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم ~~تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات {بل هم أضل} أي: منها {سبيلا} ~~لأنها تنقاد لمن يتعهدها، وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ~~ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ~~ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون ~~الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ~~والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي، # PageV02P663 # ولما بين تعالى جهل المعرضين عن دلائل التوحيد وبين فساد طريقهم ذكر ~~أنواعا من الدلائل على وجود ms2192 الصانع أولها: الاستدلال بالنظر إلى حال الظل ~~مخاطبا رأس المخلصين الناظرين هذا النظر حثا لأهل وده على مثل ذلك بقوله ~~تعالى: # {ألم تر} أي: تنظر {إلى ربك} أي: إلى صنعه وقدرته {كيف مد الظل} وهو ما ~~بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بجعله ممدودا؛ لأنه ظل لا شمس معه، كما قال ~~تعالى في ظل الجنة: {وظل ممدود} (الواقعة، 30) # إذ لم يكن معه شمس وإن كان بينهما فرق وهو الليل لأن ظل الأرض الممدود ~~على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس عما قابل قرصها من الأرض حتى ~~امتد بساطه وضرب فسطاطه كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم وغفلة طباعهم نفوذ ~~أسماعهم {ولو شاء لجعله} أي: الظل {ساكنا} أي: دائما ثابتا لا يزول ولا ~~تذهبه الشمس لاصقا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجر غير منبسط فلم ينتفع به ~~أحد، سمى انبساط الظل وامتداده تحركا منه وعدم ذلك سكونا لكنه تعالى لم يشأ ~~بل جعله متحركا كما يسوق الشمس له، وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس ~~وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال سمي فيئا؛ لأنه فاء من ~~جانب المشرق إلى جانب المغرب {ثم جعلنا الشمس عليه} أي: الظل {دليلا} أي: ~~أن الناس يستدلون بالشمس وأحوالها في مسيرها على أحوال الظل من كونه ثابتا ~~في مكان أو زائلا ومتسعا أو متقلصا فلو لم تكن الشمس لما عرف الظل ولولا ~~النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها. # {ثم قبضناه} أي: الظل {إلينا} أي: إلى الجهة التي أردنا لا يقدر أحد ~~غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها، والقبض جمع المنبسط من الشيء ومعناه أن الظل ~~يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت قبض الله الظل {قبضا يسيرا} أي: ~~على مهل، وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شيء من المنافع ما لم يعد ولا ~~يحصى، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا، ~~وقيل: المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام الساعة، وذلك بقبض أسبابها وهي ms2193 ~~الأجرام التي تلقي الظلال، وقوله تعالى: يسيرا كقوله تعالى: {حشر علينا ~~يسير} (ق، 44) # فإن قيل: ثم في هذين الموضعين كيف موقعها؟ أجيب: بأن موقعها بيان تفاضل ~~الأمور الثلاثة كان الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم منهما تشبيها لتباعد ~~ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت، ولما تضمنت هذه الآية ~~الليل والنهار وهو النوع الثاني قال تعالى مصرحا بهما: # {وهو} أي: ربك المحسن إليك وحده {الذي جعل} دليلا على الحق وإظهارا ~~للنعمة على الخلق {لكم الليل} أي: الذي تكامل به مد الظل {لباسا} أي: ساترا ~~للأشياء، شبه ظلامه باللباس في ستره {والنوم سباتا} أي: راحة للأبدان بقطع ~~المشاغل، وهو عبارة عن كونه موتا أصغر طاويا لما كان من الإحساس قاطعا لما ~~كان من الشعور والتقلب فيه دلائل لأهل البصائر، قال البغوي وغيره: وأصل ~~السبت القطع، وفي جعله تعالى لذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد ~~ولا يحصى، وكذا في قوله تعالى: {وجعل} أي: وحده {النهار نشورا} أي: منشورا ~~فيه لابتغاء الرزق وغيره، وفي ذلك إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذجان ~~للموت والنشور. يحكى # PageV02P664 # أن لقمان قال لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر، ثم ذكر ~~النوع الثالث بقوله تعالى: # {وهو} أي: وحده {الذي أرسل الرياح} وقرأه ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس ~~وقرأه الباقون بالجمع لكونها تارة صبا وتارة دبورا وتارة شمالا وتارة جنوبا ~~وغير ذلك، ويسن الدعاء عند هبوب الريح ويكره سبها لخبر «الريح من روح الله ~~تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها، ~~واستعيذوا بالله من شرها» رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن، وقوله تعالى: ~~{نشرا} قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم النون والشين أي: ناشرات للسحاب، ~~وقرأه ابن عامر بضم النون وسكون الشين على التخفيف، وقرأه عاصم ~~بالباءالموحدة مضمومة وسكون الشين جمع بشور بمعنى مبشر، وقرأه حمزة ~~والكسائي بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر وصف به {بين يدي رحمته} أي: ~~قدام المطر، ولما كان الماء مسببا عما ms2194 تحمله الريح من السحاب أتبعه به ~~بقوله تعالى: {وأنزلنا} أي: بما لنا من العظمة {من السماء} أي: من السحاب ~~أو الجرم المعهود {ماء} ثم أبدل منه بيانا للنعمة به، فقال تعالى: {طهورا} ~~أي: طاهرا في نفسه مطهرا لغيره كما قال تعالى في آية أخرى: {ليطهركم به} ، ~~فهو اسم لما يتطهر به كالوضوء لما يتوضأ به، وكالسحور اسم لما يتسحر به ~~والفطور اسم لما يفطر به. قال صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته» أراد به المطهر فالماء المطهر؛ لأنه يطهر الإنسان من ~~الحدث والخبث. # وذهب بعض الأئمة إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوز إزالة النجاسة ~~بالمائعات الطاهرة مثل الخل، ورد بأنه لو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة ~~الحدث بها، وذهب بعض منهم إلى أن الطهور ما يتكرر به التطهير، كالصبور اسم ~~لمن يتكرر منه الصبر، والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر، حتى جوز الوضوء ~~بالماء الذي يتوضأ به مرة بعد مرة ورد بأن فعولا يأتي اسما للآلة كسحور لما ~~يتسحر به كما مر فيجوز أن يكون طهور كذلك، ولو سلم اقتضاؤه التكرر فالمراد ~~جمعا بين الأدلة فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يجمعوا الماء في أسفارهم ~~القليلة الماء، بل عدلوا عنه إلى التيمم ثبوت ذلك لجنس الماء أو في المحل ~~الذي كان يمر عليه فإنه يطهر كل جزء منه. # {لنحيي به} أي: بالماء {بلدة ميتا} أي: بالنبات وذكر ميتا باعتبار المكان ~~{ونسقيه} أي: بالماء وهو من أسقاه مزيد سقاه وهما لغتان قال ابن القطاع: ~~سقيتك شرابا وأسقيتك، والله تعالى أسقى عباده وأرضه {مما خلقنا أنعاما} أي: ~~إبلا وبقرا وغنما {وأناسي كثيرا} جمع إنسان وأصله أناسين فأبدلت النون ياء ~~وأدغمت فيها الياء أو جمع أنسي وقدم تعالى النبات؛ لأن به حياة الأنعام، ~~والأنعام على الإنسان؛ لأن بها كمال حياته فإن قيل: لما خص الأنعام من بين ~~ما خلق من الحيوان؟ أجيب: بأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها ~~الشرب بخلاف الأنعام ولأنها قنية ms2195 الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها، فكان ~~الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام بسقيهم. # فإن قيل: لما نكر الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة؟ أجيب: بأن جل الناس ~~منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ومنابع الماء فبهم غنية عن سقي السماء ~~وأعقابهم، وهم كثير منهم لا يعيشون إلا بما ينزل الله من رحمته وسقيا ~~سمائه، وكذلك قوله تعالى: {لنحيي به بلدة ميتا} (الفرقان، 49) # يريد به بعض بلاد هؤلاء المتبعدين عن مظان # PageV02P665 # الماء، واختلف في عود الهاء في قوله تعالى: # {ولقد صرفناه بينهم} على ثلاثة أوجه: أولها: قال الجمهور: إنها ترجع إلى ~~المطر أي: صرفنا نزول الماء من وابل وطل وغير ذلك مرة ببلد ومرة ببلدة ~~أخرى، قال ابن عباس: ما عام بأمطر من عام آخر، ولكن الله تعالى يصرفه في ~~الأرض، وقرأ هذه الآية وهذا كما روي مرفوعا «ما من ساعة من ليل أو نهار إلا ~~والسماء تمطر فيها فيصرفه الله تعالى حيث يشاء» ، وروي عن ابن مسعود يرفعه ~~قال: «ليس من سنة بأمطر من أخرى ولكن الله تعالى قسم هذه الأرزاق فجعلها في ~~السماء في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم ~~بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى ~~الفيافي والبحار» ، وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر مقداره في كل عام ~~لأنه لا يختلف ولكن تختلف فيه البلاد، ثانيها: قال أبو مسلم: الضمير راجع ~~إلى المطر والسحاب والظلال، وسائر ما ذكره الله من الأدلة، ثالثها: صرفنا ~~هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر {ليذكروا} أي: ~~ليتفكروا ويعملوا كمال القدرة وحق النعمة، ويقوموا بشكره. # تنبيه: أصل يذكروا يتذكروا أدغمت التاء في الذال وقرأ حمزة والكسائي ~~بسكون الذال ورفع الكاف مخففة، والباقون بفتح الذال والكاف مشددتين {فأبى} ~~أي: لم يرد {أكثر الناس} أي: بعبادتهم {إلا كفورا} أي: جحودا للنعمة وقلة ~~الاكتراث بها وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا: ms2196 مطرنا بنوء كذا وهو بفتح ~~النون وهمزة آخره وقت النجم الفلاني على عادة العرب في إضافة المطر إلى ~~الأنواء فيكره أن يقول ذلك لإيهامه أن النوء فاعل المطر حقيقة، فإن اعتقد ~~أنه الفاعل له حقيقة كفر، روى زيد بن خالد الجهني قال: «صلى بنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما ~~انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم قال: قال أصبح من عبادي من هو مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: ~~مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بفضل ~~الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب» ، وأفاد تعليق الحكم بالباء أنه ~~لو قال: مطرنا في نوء كذا لم يكره، ونقل الشافعي عن بعض الصحابة أنه كان ~~يقول عند المطر: مطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ: {ما يفتح الله للناس من رحمة ~~فلا ممسك لها} (فاطر، 2) # {ولو شئنا لبعثنا} أي: بما لنا من العظمة ونفوذ الكلمة {في كل قرية ~~نذيرا} أي: رسولا ينذرهم من البشر أو الملائكة أو غيرهم كما قسمنا المطر ~~عليها وإنما قصرنا الأمر عليك وعظمناك به، وأجللناك وفضلناك على سائر ~~الرسل. # {فلا تطع الكافرين} فيما قصدوا من التنفير عن الدعاء بما يبدونه من ~~المقترحات أو يظهرون لك من المداهنة أو من القلق من صادع الإنذار ويخيلون ~~لك أنك لو أقللت منه رجوا أن يوافقوك وقابل ذلك بالتشدد والتصبر {وجاهدهم} ~~أي: بالدعاء {به} أي: القرآن الذي تقدم التحدث عنه في قوله تعالى: ولقد ~~صرفناه، أو بترك طاعتهم المدلول عليه بقوله تعالى: فلا تطع أو بالسيف ~~والأقرب الأول؛ لأن السورة مكية، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان ~~{جهادا كبيرا} أي: جامعا لكل المجاهدات الظاهرة والباطنة؛ لأن في ذلك إقبال ~~كثير # PageV02P666 # من الناس إليك واجتماعهم عليك، فيقوى أمرك ويعظم خطبك وتضعف شوكتهم ~~وتنكسر سورتهم، فإن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف، ~~ثم ذكر النوع الرابع بقوله ms2197 تعالى: # {وهو الذي مرج البحرين} أي: الماءين الواسعين الكبيرين بأن خلاهما ~~متجاورين متلاصقين، وهو بقدرته تعالى يفصل بينهما ويمنعهما التمازج {هذا ~~عذب} أي: حلو سائغ {فرات} أي: شديد العذوبة بالغ الغاية فيها حتى يضرب إلى ~~الحلاوة لا فرق بين ما كان منه على وجه الأرض، وما كان في بطنها {وهذا ملح} ~~أي: شديد الملوحة {أجاج} أي: مر محرق بملوحته ومرارته لا يصلح لسقي ولا ~~شرب. # تنبيه: أشار تعالى بأداة القرب في الموضعين تنبيها على وجود الوصفين مع ~~شدة المقاربة لا يلتبس أحدهما بالآخر حتى أنه إذا حفر على شاطىء البحر ~~الملح بالقرب جدا منه خرج الماء عذبا {وجعل} أي: الله تعالى {بينهما برزخا} ~~أي: حاجزا من قدرته مانعا من اختلاطهما، ثم إنه تعالى أتم تقرير النعمة في ~~منعهما من الاختلاط بالكلمة التي جرت عادتهم بقولها عند التعوذ تشبيها لكل ~~منهما بالمتعوذ بقوله تعالى: {وحجرا محجورا} فكأن كل واحد من البحرين يتعوذ ~~من صاحبه ويقول له ذلك كما قال تعالى: {لا يبغيان} (الرحمن، 20) # أي: لا يبغي أحدهما على صاحبه بالملوحة أو العذوبة، فانتقاء البغي ~~كالتعوذ ههنا، ثم جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ ~~منه وهو من أحسن الإستعارات وأشهدها على البلاغة فإن قيل: لا وجود للبحر ~~العذب فكيف ذكره الله تعالى هنا؟ أجيب: بأن المراد منه الأودية العظام ~~كالنيل وجيحون ومن البحر الأجاج البحار الكبار. ثم ذكر النوع الخامس بقوله ~~تعالى: # {وهو} أي: وحده {الذي خلق من الماء} أي: المني من الرجل والمرأة {بشرا} ~~أي: إنسانا {فجعله} أي: بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة والتدوير في ~~أدوار التربية {نسبا} أي: ذكرا ينسب إليه {وصهرا} أي: أنثى يصاهر بها فيقسم ~~هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين عذبا وملحا ~~ونحو هذا قوله تعالى: {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} (القيامة، 39) ، ~~وقيل: النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه، فالنسب ما يوجب الحرمة، ~~والصهر ما لا يوجبها، قال البغوي: وقيل وهو الصحيح: ms2198 النسب من القرابة ~~والصهر الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب المحرم للنكاح، وقد ذكر الله ~~تعالى أنه حرم للنسب سبعا في قوله تعالى في النساء: {حرمت عليكم أمهاتكم} ~~(النساء، 23) # {وكان ربك} أي: المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك {قديرا} حيث ~~خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطبائع متباعدة، وجعله قسمين ذكرا ~~وأنثى، وربما يخلق من نطفة واحدة نوعين ذكرا وأنثى فهو يوفق من يشاء فيجعله ~~عذب المذاق سهل الأخلاق، ويخذل من يشاء فيجعله مر الأخلاق كثير الشقاق ~~غريقا في النفاق، ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم، فقال ~~تعالى: # {ويعبدون} أي: هؤلاء الكفرة {من دون الله} أي: مما يعلمون أنه في الرتبة ~~دون الله المستجمع لصفات الكمال والعظمة بحيث أنه لا ضر ولا نفع إلا وهو ~~بيده {ما لا ينفعهم} بوجه من الوجوه إن عبدوه في إزالة كربة {ولا يضرهم} في ~~أزلة نعمة من نعم الله تعالى عليهم إن تركوه {وكان الكافر} أي: مع علمه ~~بضعفه وعجزه {على ربه} أي: المحسن إليه # PageV02P667 # لا غيره {ظهيرا} أي: معينا للشيطان من الإنس والجن على أولياء الله ~~تعالى، روي أنها نزلت في أبي جهل ويجوز أن يراد بالظهير الجماعة كقوله ~~تعالى: {والملائكة بعد ذلك ظهير} (التحريم، 4) ، كما جاء الصديق والخليط ~~وعلى هذا يكون المراد بالكافر الجنس، فإن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور ~~دين الله قال تعالى: {وإخوانهم يمدونهم في الغي} (الأعراف، 202) # وهذا أولى لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، ولأنه أوفق لظاهر قوله ~~تعالى: {ويعبدون من دون الله} ، وقيل: معناه وكان الذي يفعل هذا الفعل وهو ~~عبادة ما لا ينفع ولا يضر على ربه هينا مهينا من قولهم ظهرت به إذا خلفته ~~خلف ظهرك لا تلتفت إليه وهو نحو قوله تعالى: {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ~~ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم} (آل عمران، 77) ، ولما كان التقدير تسلية ~~له صلى الله عليه وسلم فالزم ما نأمرك به ولا يزد همك بردهم عما هم فيه، ms2199 ~~فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلا عطف عليه قوله تعالى: # {وما أرسلناك} يا أشرف الخلق بما لنا من العظمة {إلا مبشرا} بالثواب على ~~الإيمان والطاعة {ونذيرا} أي: مخوفا بالعقاب على الكفر والمعصية، ثم كأنه ~~قيل: فماذا أقول لهم إذا طعنوا في الرسالة؟ فقال تعالى: # {قل} أي: لهم يا أكرم الخلق حقيقة وأعدلهم طريقة محتجا عليهم بإزالة ما ~~يكون موضعا للتهمة {ما أسألكم عليه} أي: على تبليغ ما أرسلت به {من أجر} ~~فتتهموني أني أدعوكم لأجله إذ لا غرض لي إلا نفعكم، ثم أكد هذا المعنى ~~بقوله تعالى مستثنيا؛ لأن الاستثناء معيار العموم {إلا من} أي: إلا أجر من ~~{شاء أن يتخذ} أي: يكلف نفسه ويخالف هواه، ويجعل له {إلى ربه سبيلا} فإنه ~~إذا اهتدى بهداية ربه كان لي مثل أجره لا نفع لي من جهتكم إلا هذا فإن ~~سميتم هذا أجرا فهو مطلوبي، ولا مرية في أنه لاينقص أحدا شيئا من دنياه ~~فأفاد فائدتين؛ الأولى: أنه لا طمع له أصلا في شيء ينقصهم، والثانية: إظهار ~~الشفقة البالغة حيث لم يقصد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثوابا لنفسه، ~~وقيل: الاستثناء منقطع أي: لكن من يشاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل، وجرى ~~على هذا الجلال المحلي، وقال ابن عادل: في الأول نظر؛ لأنه لم يسند السؤال ~~المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما أسنده إلى المخاطبين فكيف يصح هذا ~~التقدير؟ انتهى. وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد ~~والقصر وسهل ورش وقنبل الثانية، ولهما أيضا إبدالها ألفا والباقون بتحقيق ~~الهمزتين، ولما بين تعالى أن الكفار يتظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب ~~منهم أجرا أمره أن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وجلب جميع المنافع بقوله ~~تعالى: # {وتوكل} أي: أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله، ولا سيما في ~~مواجهتهم بالإنذار، وفي ردهم من عنادهم {على الحي الذي لا يموت} فلا ضياع ~~لمن توكل عليه، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون، ~~فإنهم إذا ماتوا ضاع ms2200 من توكل عليهم، وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح ~~لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق {وسبح} متلبسا {بحمده} أي: نزهه عن كل نقص ~~مثبتا له كل كمال، وقيل: صل له شكرا على نعمه، وقيل: قل سبحان الله والحمد ~~لله وحده وعلى هذا اقتصر الجلال المحلى {وكفى به بذنوب عباده} أي: ما ظهر ~~منها وما بطن وكل ما سواه عبد {خبيرا} أي: عالما مطلقا فلا يخفى عليه خافية ~~شيء منها، وإن دق فلا عليك إن آمنوا أو كفروا، وهذه الكلمة يراد بها ~~المبالغة # PageV02P668 # يقال: كفى بالعلم كمالا وكفى بالأدب مالا وهو معنى حسبك أي: لا تحتاج معه ~~إلى غيره، لأنه تعالى خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم، وهذا وعيد شديد، ~~ولما أمر الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يتوكل عليه وصف ~~تعالى نفسه بأمور منها أنه حي لا يموت، ومنها أنه عالم بجميع المعلومات، ~~ومنها أنه قادر على كل الممكنات، وهو قوله تعالى: # {الذي خلق السموات والأرض} على عظمهما {وما بينهما} من الفضاء والعناصر ~~والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها ألا يعلم من خلق وقوله تعالى: {في ستة ~~أيام} أي: من أيام الدنيا تعجيب للغبي الجاهل وتدريب للفطن العالم في الحلم ~~والأناة والصبر على عباد الله تعالى في دعوتهم، فإن قيل: الأيام عبارة عن ~~حركة الشمس في السموات، فقبل السموات لا أيام فكيف قال تعالى: في ستة أيام؟ ~~أجيب: بأنه تعالى خلقها في مدة مقدارها هذه الأيام، فإن قيل: يلزم على هذا ~~قدم الزمان وهو ممنوع؟ أجيب: بأن الله تعالى خلق هذه المدة أولا ثم خلق ~~السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام فلا يلزم من ذلك قدم الزمان، وقيل: في ~~ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة وهو بعيد؛ لأن التعريف لا ~~بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول. # فإن قيل: لما قدر الخلق والإيجاد بهذا المقدار؟ أجيب: بأنه يجب على ~~المكلف أن يقطع الطمع عن مثل هذا فإنه بحر لا ساحل له من ms2201 ذلك تقدير ~~الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر، وحملة العرش بثمانية والشهور ~~بإثني عشر والسموات بالسبع وعدد الصلوات ومقادير النصب في الزكوات والحدود ~~والكفارات، فالإقرار بأن كل ما قاله الله حق هو الدين والواجب ترك البحث عن ~~هذه الأشياء، وقد نص الله تعالى على ذلك في قوله عز وجل: {وما جعلنا أصحاب ~~النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين ~~أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا} ~~ثم قال الله تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} (المدثر، 31) # وهذا جواب أيضا عن أنه لم لم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك، وعن سعيد ~~ابن جبير: إنما خلقها في ستة أيام وهو قادر أن يخلقها في لحظة واحدة، ~~تعليما لخلقه الرفق والتثبت، وقيل: اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله عيدا ~~للمسلمين، وعن مجاهد أول الأيام يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، ولما كان ~~تدبير هذا الملك أمرا باهرا أشار إليه بأداة التراخي بقوله تعالى: {ثم ~~استوى على العرش} أي: شرع في التدبير لهذا الملك الذي اخترعه وأوجده، ولا ~~يجوز أن يفسر بالاستقرار، لأنه يقتضي التغير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي ~~التركيب وكل ذلك على الله محال، فإن قيل: يلزم من ذلك أن يكون خلق العرش ~~بعد خلق السموات، وقال الله تعالى: {وكان عرشه على الماء} (هود، 7) # أجيب: بأن كلمة ثم ما دخلت على خلق العرش بل على رفعه على السموات وهو في ~~اللغة سرير الملك وفي رفع قوله تعالى {الرحمن} أوجه؛ أحدها: أنه خبر الذي ~~خلق أو خبر مبتدأ مضمر أي: هو الرحمن ولهذا أجاز الزجاج وغيره الوقف على ~~العرش، ثم يبتدىء الرحمن أي: هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا ~~له، أو يكون بدلا من الضمير في استوى، وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي. # واختلف في معنى الفاء في قوله تعالى: {فاسأل به} على # PageV02P669 # قولين؛ أحدهما: أنها على بابها ms2202 وهي متعلقة بالسؤال، والمراد بقوله: ~~{خبيرا} أي: عالما يخبرك بحقيقته هو الله تعالى، ويكون من التجريد كقوله: ~~رأيت به أسدا والمعنى: فاسأل الله الخبير بالأشياء قال الزمخشري: أو فاسأل ~~بسؤاله خبيرا كقولك: رأيت به أسدا أي: برؤيته انتهى. فقال الكلبي: فقوله به ~~يعود إلى ما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش، والباء من صلة ~~الخبير وذلك الخبير هو الله تعالى، لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق ~~السموات والأرض، والاستواء على العرش، ولا يعلمها أحد إلا الله تعالى، ~~والثاني: أن تكون الباء بمعنى عن إما مطلقا وإما مع السؤال خاصة كهذه ~~الآية، وكقول علقمة بن عبيدة: # *فإن تسألوني بالنساء فإنني # ... خبير بأدواء النساء طبيب # والضمير في به لله وخبيرا من صفات الملك وهو جبريل عليه السلام، فعن ابن ~~عباس أن ذلك الخبير هو جبريل وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم، وقال ابن ~~جرير: الباء في به صلة والمعنى: فاسأله خبيرا، وخبيرا نصب على الحال وقيل: ~~به يجري مجرى القسم كقوله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به} ، وقيل: ~~فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى تعرف من ينكره ومن ثم كانوا ~~يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة الكذاب، وكان يقال ~~له: رحمن اليمامة، وقيل: فاسأل بسبب سؤالك إياه خبيرا عن هذه الأمور وكل ~~أمر تريده فيخبرك بحقيقة أمره ابتداء وحالا ومآلا، فلا يضيق صدرك بسبب ~~هؤلاء المدعوين، فإنه ما أرسلك إلا وهو عالم بهم فسيعلي كعبك عليهم ويحسن ~~لك العاقبة، وقرأ ابن كثير والكسائي بالنقل، وكذا يقرأ حمزة في الوقف، ~~والباقون بسكون السين وفتح الهمزة، ولما ذكر تعالى إحسانه إليهم وإنعامه ~~عليهم ذكر ما أبدوه من كفرهم في موضع شكرهم بقوله: # {وإذا قيل لهم} : أي: من أي قائل قال لهؤلاء الذين يتقلبون في نعمه: ~~{اسجدوا} أي: اخضعوا بالصلاة وغيرها {للرحمن} أي: الذي لا نعمة لكم إلا منه ~~{قالوا وما الرحمن} متجاهلين في معرفته فضلا عن كفر نعمته معبرين بأداة ما ~~لا يعقل، وقال ms2203 ابن عربي: إنما عبروا بذلك إشارة إلى جهلهم بالصفة دون ~~الموصوف، ثم عجبوا من أمره بذلك منكرين عليه بقولهم: {أنسجد لما تأمرنا} ~~فعبروا عنه بعد التجاهل في أمره، والإنكار على الداعي إليه أيضا بأداة ما ~~لا يعقل {وزادهم} أي: هذا الأمر الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكرا ~~للنعمة وطمعا في الزيادة {نفورا} أي: عن الإيمان والسجود. # تنبيه: هذه السجدة من عزائم سجود التلاوة يسن للقارئ والمستمع والسامع أن ~~يسجد عند قراءتها أو سماعها، وقرأ وإذا قيل لهم هشام والكسائي بالإشمام وضم ~~القاف مع سكون الياء والباقون بكسر القاف، وقرأ لما يأمرنا حمزة والكسائي ~~بالياء التحتية والباقون بالتاء الفوقية، وأبدل ورش والسوسي الهمزة وقفا ~~ووصلا وحمزة وقفا لا وصلا، ولما حكى تعالى عن الكفار مزيد النفرة عن السجود ~~وذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن قال عز من قائل: # {تبارك} أي: ثبت ثباتا لا نظير له {الذي جعل في السماء} التي تقدم أنه ~~اخترعها، واختلف في معنى قوله: {بروجا} فقال الزجاج ومجاهد وقتادة: هي ~~النجوم الكبار سميت بروجا # PageV02P670 # لظهورها، وقال عطية العوفي: هي القصور فيها الحرس كما قال تعالى: {ولو ~~كنتم في بروج مشيدة} (النساء، 78) # وقال عطاء عن ابن عباس: هي الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة ~~السيارة وهي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان ~~والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور ~~والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، ~~والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، ~~وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربعة فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة ~~بروج تسمى المثلثات فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة ~~والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان ~~والعقرب والحوت مثلثة مائية. # {وجعل فيها} أي: السماء وقيل: البروج {سراجا} أي: شمسا وقرأ حمزة ~~والكسائي بضم السين والراء على الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك من حيث أنه ~~أعظم من ألوف من السرج فهو قائم مقام الوصف كما في ms2204 الذي بعده كما سيأتي ~~وقيل: المراد بالجمع الشمس والكواكب الكبار، والباقون بكسر السين وفتح ~~الراء وألف بعدها على التوحيد {وقمرا منيرا} أي: مضيئا بالليل، ولما ذكر ~~تعالى هاتين الآيتين ذكر ماهما آيتاه بقوله تعالى: # {وهو الذي جعل الليل} أي: الذي آيته القمر {والنهار} أي: الذي آيته الشمس ~~{خلفة} أي: ذوي حالة معروفة في الاختلاف، فيأتي هذا خلف ذاك بضد ما له من ~~الأوصاف، وقال ابن عباس والحسن: يعني خلفا وعوضا يقوم أحدهما مقام صاحبه ~~فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر قال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فقال: فاتتني الصلاة الليلة قال: أدرك ما فاتك من ~~ليلتك في نهارك، فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة {لمن أراد أن ~~يذكر} أي: يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أنه لا بد له من صانع حكيم ~~واجب الذات رحيم على العباد، وقرأ حمزة بسكون الذال وضم الكاف مخففة من ذكر ~~بمعنى تذكر والباقون بفتح الكاف والذال مشددتين. # {أو أراد شكورا} أي: شكر نعمة ربه عليه من الإتيان بكل منهما بعد الآخر ~~لاجتناء ثمراته ولو جعل أحدهما دائما لفاتت مصالح الآخر ولحصلت السآمة ~~والملل منه والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات وفتر العزم الذي إنما ~~يثيره لتداركها دخول وقت آخر وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير، ~~وعن الحسن من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب، ~~ومن فاته بالليل كان له في النهار مستعتب، ولما ذكر الله تعالى عباده الذين ~~خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزبا ولم يضفهم إلى اسم من أسمائه ~~إيذانا بإهانتهم لهوانهم عنده أشار إلى عباده الذين أخلصهم لنفسه قوله ~~تعالى: # {وعباد الرحمن} فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان الخلق كلهم عباده وأضافهم ~~إلى وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك تبشيرا لهم، ثم وصفهم بضد ما وصف ~~به المتكبرين عن السجود إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا ~~إليها بصفات كثيرة؛ الصفة الأولى: قوله تعالى: ms2205 {الذين يمشون} وقال تعالى: ~~{على الأرض} تذكيرا بما يصيرون إليه وحثا على السعي في # PageV02P671 # معالي الأخلاق {هونا} أي: هينين أو مشيا هينا مصدر وصف به مبالغة والهون ~~الرفق واللين، ومنه الحديث: «أحبب حبيبك هونا ما» ، وقوله: المؤمنون هينون، ~~والمثل: إذا عز أخوك فهن، والمعنى إذا عاسر فياسر، والمعنى أنهم يمشون ~~بسكينة وتواضع ووقار لا يضربون لوقارهم بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا ~~وبطرا ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق لقوله تعالى: {ويمشون في ~~الأسواق} (الفرقان، 30) # تنبيه: عباد مرفوع بالإبتداء وفي خبره وجهان؛ أحدها: الجملة الأخيرة في ~~آخر السورة أولئك يجزون وبه بدأ الزمخشري والذين يمشون وما بعده صفات ~~للمبتدأ، والثاني: أن الخبر الذين يمشون. الصفة الثانية {وإذا خاطبهم ~~الجاهلون} أي: بما يكرهون {قالوا سلاما} أي: تسلما منكم لا نجاهلكم ومتاركة ~~لا خير بيننا ولا شر أي: فنسلم منكم تسلما فأقيم السلام مقام التسلم وقيل: ~~قالوا: سدادا من القول أي: يسلمون فيه من الإثم والإيذاء وليس المراد ~~التحية؛ لأن المؤمنين لم يؤمروا بالسلام على المشركين، وعن أبي العالية: ~~نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ادعاء النسخ بآية القتال ولا غيرها؛ لأن ~~الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة أسلم ~~للعرض والورع، وأطلق الخطاب إعلاما بأن أكثر خصال الجاهل وهو الذي يخالف ~~العلم والحكمة الجهل وهو السفه وقلة الأدب من قوله: # *ألا لا يجهلن أحد علينا # ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # ولما ذكر تعالى ما بينهم وبين الخلق ذكر ما بينهم وبينه وهي الصفة ~~الثالثة بقوله تعالى: # {والذين يبيتون} من البيتوتة قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل: بات وإن ~~لم ينم كما يقال: بات فلان قلقا والمعنى يبيتون {لربهم} أي: المحسن إليهم ~~{سجدا} على وجوههم في الصلاة وقدمه لأنه أنهى الخضوع، وأخر عنه قوله تعالى: ~~{وقياما} أي: على أقدامهم وإن كان تطويل القيام أفضل للروي، وتخصيص ~~البيتوتة؛ لأن العبادة في الليل أشق وأبعد من الرياء، قال الزمخشري: ~~والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره، وقيل: من قرأ شيئا ms2206 من القرآن ~~في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما، وقال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ~~ركعتين فقد بات ساجدا وقائما، وقيل: هما لركعتان بعد المغرب والركعتان بعد ~~العشاء، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «من صلى عشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الصبح في ~~جماعة كان كقيام ليلة» ، ولما ذكر تعالى تهذيبهم للخلق والخالق وصفهم الله ~~تعالى أنهم مع ذلك خائفون وجلون وهي الصفة الرابعة بقوله تعالى: # {والذين يقولون ربنا} أي: المحسن إلينا {اصرف عنا عذاب جهنم} قال ابن ~~عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول، ثم علل سؤالهم بقوله تعالى: {إن ~~عذابها كان} أي: كونا جبلت عليه {غراما} أي: هلاكا وخسرانا ملحا لازما لا ~~ينفك عنه كما قال: # *إن يعاقب يكن غراما وإن يع # ... ط جزيلا فإنه لا يبالي # ومنه الغريم لملازمته وإلحاحه فهم يبتهلون إلى الله تعالى في صرف العذاب ~~عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم، ولما ثبت لهم ~~هذا الوصف أنتج قوله تعالى. # {إنها ساءت} # PageV02P672 # أي: تناهت هي في كل ما يحصل منه سوء وهي في معنى بئست في جميع المذام ~~{مستقرا} أي: موضع استقرار {ومقاما} أي: موضع إقامة. # تنبيه: ساءت في حكم بئست كما مر ففيها ضمير مبهم يفسره مستقرا، والمخصوص ~~بالذم محذوف معناه ساءت مستقرا ومقاما هي وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة ~~باسم إن وجعلها خبرا لها، ويجوز أن تكون ساءت بمعنى أحزنت ففيها ضمير اسم ~~إن ومستقرا حال أو تمييز والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين أو مترادفين وأن ~~يكونا من كلام الله تعالى وحكاية لقولهم، ولما ذكر تعالى أفعالهم وأقوالهم ~~أتبع ذلك بذكر إنفاقهم وهو الصفة الخامسة بقوله تعالى: # {والذين إذا أنفقوا} أي: للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب أو مباح {لم ~~يسرفوا} أي: لم يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير فيضيعوا الأموال في غير ~~حقها {ولم يقتروا} أي: لم يضيقوا فيضيعوا الحقوق {وكان} أي: إنفاقهم ms2207 بين ~~ذلك أي: الإسراف والإقتار {قواما} أي: وسطا. # تنبيه: اسم كان ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله تعالى: أنفقوا ~~وخبرها قواما، وبين ذلك معمول له، وقيل: غير ذلك وذكر المفسرون في الإسراف ~~والتقتير وجوها؛ أحدها: قال الرازي وهو الأقوى وصفهم بالقصد الذي هو بين ~~الغلو والتقتير، وبمثله أمر صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} (الإسراء، 29) # إذ يقال: ما عال من اقتصد، وسأل رجل بعض العلماء ما البناء الذي لا سرف ~~فيه قال: ما سترك من الشمس وأكنك من المطر، قال: فما الطعام الذي لا سرف ~~فيه؟ قال: ما سد الجوعة، قال: فما اللباس الذي لا سرف فيه؟ قال: ما ستر ~~عورتك وأدفأك من البرد، ثانيها: وهو قول ابن عباس: الإسراف النفقة في معصية ~~الله تعالى، والإقتار منع حق الله تعالى، وقال مجاهد: لو أنفق أحد مثل جبل ~~أبي قبيس ذهبا في طاعة الله تعالى لم يكن سرفا، ولو أنفق صاعا في معصية ~~الله تعالى كان سرفا، وقال الحسن: لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عما ~~ينبغي وأنشدوا: # *ذهاب المال في حمد وخير # ... ذهاب لا يقال له ذهاب # وسمع رجل رجلا يقول: لا خير في الإسراف، فقال: لا إسراف في الخير، وعن ~~عمر بن عبد العزيز أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوجه ابنته وأحسن إليه ~~فقال: وصلت الرحم وفعلت وصنعت وجاء بكلام كثير حسن فقال ابن لعبد الملك ~~إنما هو كلام أعده لهذا المقام، فسكت عبد الملك، فلما كان بعد أيام دخل ~~عليه والابن حاضر فسأله عن نفقته وأحواله، فقال: النفقة بين الشيئين، فعرف ~~عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه: يا بني هذا أيضا مما أعده، ~~وثالثها السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا وإن كان من حلال؛ ~~لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فكانت الصحابة لا يأكلون طعاما ~~للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة ولكن كانوا يأكلون ما يسد ms2208 ~~جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم ويلبسون ما يستر عوراتهم ويقيهم من الحر ~~والبرد، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كفى سرفا أن لا يشتهي الرجل شيئا ~~إلا اشتراه فأكله، وقرأ نافع وابن عامر يقتروا بضم التحتية وكسر الفوقية من ~~أقتر، وابن كثير وأبو عمر بفتح التحتية وكسر الفوقية والكوفيون بفتح ~~التحتية وضم الفوقية، ولما # PageV02P673 # ذكر تعالى ما تحلوا به من أصول الطاعات أتبعه بذكر ما تخلوا عنه من أمهات ~~المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر وهو الصفة السادسة بقوله تعالى: # {والذين لا يدعون} أي: رحمة لأنفسهم واستعمالا للعدل {مع الله} أي: الذي ~~اختص بصفات الكمال {إلها آخر} أي: دعاء جليا بالعبادة ولا خفيا بالرياء، ~~ولما نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها أتبعه نفي قتل غيرهم ~~بقوله سبحانه: {ولا يقتلون النفس} رحمة للخلق وطاعة للخالق ولما كان من ~~الأنفس ما لا حرمة له بين المراد بقوله تعالى: {التي حرم الله} أي: منع من ~~قتلها {إلا بالحق} أي: بأن تعمل بما يبيح قتلها، ولما ذكر القتل الجلي ~~أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد بقوله تعالى: {ولا يزنون} أي: رحمة للمزني ~~بها ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم مع رحمته لنفسه على أن الزنا أيضا جار إلى ~~القتل والفتن وفيه التسبب إلى إيجاد نفس بالباطل كما أن القتل سبب إلى ~~إعدامها بذلك، وقد روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنه سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي الذنب أعظم وفي رواية أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ~~ندا وهو خلقك قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ثم ~~أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديق ذلك، {والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر} الآية. # وقد استشكل تصديق هذه الآية للخبر من حيث أن الذي فيه قتل خاص وزنا خاص، ~~والتقييد بكونه أكبر والذي فيها مطلق القتل والزنا من غير تعرض لعظم؟ ~~وأجيب: بدفع الإشكال بأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه؛ الأول: الاعتراض ~~من ms2209 بين المبتدأ الذي هو وعباد الرحمن وما عطف عليه والخبر الذي هو أولئك ~~يجزون الغرفة على إحدى الروايتين بذكر هذه الثلاثة خاصة وذلك دال على مزيد ~~الاهتمام الدال على الإعظام، الثاني: الإشارة بأداة البعد في قوله تعالى: ~~{ومن يفعل ذلك} أي: هذا الفعل العظيم القبيح مع قرب المذكورات فدل على أن ~~البعد من رتبتها فهو إشارة إلى جميع ما تقدم؛ لأنه بمعنى ما ذكر، فلذلك ~~وحده وأدغم لام يفعل في الذال أبو الحارث والباقون بالإظهار، الثالث: ~~التعبير باللقي مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله: {يلق ~~أثاما} دون يأثم ويلق إثما أي: جزاء إثمه، الرابع: التقييد بالمضاعفة في ~~قوله تعالى مستأنفا: # {يضاعف} بأسهل أمر {له العذاب} جزاء ما أتبع نفسه هواها، الخامس: التهويل ~~بقوله تعالى: {يوم القيامة} الذي هو أهول من غيره بما لا يقاس، السادس: ~~الإخبار بالخلود الذي أقل درجاته أن يكون مكثا طويلا بقوله تعالى: {ويخلد ~~فيه} وقرأ يضاعف ويخلد ابن عامر وشعبة برفع الفاء والدال، والباقون بجزمهما ~~وأسقط الألف من يضاعف مع تشديد العين ابن كثير وابن عامر فالجزم على أنهما ~~بدلان من يلق بدل اشتمال، والرفع على الاستئناف، السابع: التصريح بقوله ~~تعالى: {مهانا} فلما أعظم الأمر من هذه الأوجه علم أن كلا من هذه الذنوب ~~كبير، وإذا كان الأعم كبيرا كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم؛ لأنه ~~زاد عليه بما صار به خاصا فثبت بهذا أنها كبائر وإن قتل الولد والزنا ~~بحليلة الجار أكبر ما ذكر فوجد تصديق الآية للخبر. # وقرأ حفص مع ابن كثير بصلة الهاء بالياء من فيه قبل مهانا، فإن قيل: ذكر ~~أن من صفات عباد الرحمن صفات حسنة فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور ~~العظيمة مثل الشرك والقتل # PageV02P674 # والزنا فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى؟ أجيب: بأن الموصوف بتلك الصفات ~~السابقة قد يكون متمسكا بالشرك تدينا وبقتل الموؤدة تدينا وبالزنا تدينا ~~فبين تعالى أن المراد لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يجتنب ~~تلك الكبائر، ms2210 وأجاب الحسن بأن المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة ~~المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال تعالى: وعباد الرحمن الذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر، وأنتم تدعون ولا يقتلون وأنتم تقتلون الموؤدة ولا يزنون ~~وأنتم تزنون، ولما أتم تعالى: تهديد الفجار على هذه الأوزار أتبعه ترغيب ~~الأبرار إلى العزيز الغفار بقوله تعالى: # {إلا من تاب} أي: رجع عن كل شيء كان فيه من هذه النقائص {وآمن} أي: أوجد ~~الأساس الذي لا يثبت عمل بدونه وهو الإيمان وأكد رجوعه بقوله تعالى: {وعمل ~~عملا صالحا} أي: مؤسسا على أساس الإيمان، فإن قيل: العمل الصالح يدخل فيه ~~التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح يستغني عنه؟ أجيب: بأنهما أفردا ~~بالذكر لعلو شأنهما. # تنبيه: اختلف في هذا الاستثناء على وجهين؛ أحدهما: أنه استثناء متصل وهو ~~ما دل عليه كلام الجمهور لأنه من الجنس، والثاني: أنه منقطع ورجحه أبو حيان ~~معللا بأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب، فيصير التقدير ~~إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فلا يضاعف له العذاب، ولا يلزم من انتفاء ~~التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف بخلافه في المنقطع، فإن التقدير لكن من ~~تاب إلى آخره، فلا يلقى عذابا البتة، ووجه كلام الجمهور بأن ما ذكر ليس ~~بلازم إذ المقصود الإخبار بأن من فعل كذا فإنه يحل به ما ذكر إلا أن يتوب ~~وأما إصابة أصل العذاب وعدمه فلا تعرض في الآية له، ثم زاد تعالى في ~~الترغيب بالإتيان بالفاء ربطا للجزاء بالشرط دليلا على أنه سببه، فقال ~~تعالى: {فأولئك} أي: العالو المنزلة {يبدل الله} أي: الذي له العظمة ~~والكبرياء {سيئاتهم حسنات} قال ابن عباس ومجاهد: هذا التبديل في الدنيا ~~فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، ~~فيبدلهم بالشرك إيمانا وبقتل المؤمنين قتل المشركين وبالزنا إحصانا وعفة، ~~فكأنه تعالى يبشرهم بتوفيقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب. # وقال الزجاج: إن السيئة بعينها لا تصير حسنة فالتأويل أن السيئة تمحى ~~بالتوبة وتكتب مع التوبة حسنة، والكافر ms2211 يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات، ~~وقال سعيد بن المسيب ومكحول: إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له ~~بدلها الحسنة بحكم هذه الآية وهذا هو ظاهر الآية ويدل له ما روى أبو هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار ~~رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال له اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه ~~كبارها، فيعر ض عليه صغارها، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت ~~يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم فلا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ~~ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له: إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول: يا رب قد ~~عملت أشياء لا أراها ههنا، قال أبو هريرة: فلقد رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه» {وكان الله} أي: الذي له الجلال والإكرام ~~على الإطلاق أزلا وأبدا {غفورا} أي: ستور الذنوب كل من تاب بهذا الشرط ~~{رحيما} به بأن يعامله بالإكرام كما # PageV02P675 # يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل سيئة حسنة. # روى البخاري عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك ولما نزل صدرها ~~قال أهل مكة: قد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش ~~فأنزل الله إلا من تاب إلى رحيما. روى البخاري في التفسير أن ناسا من أهل ~~الشرك كانوا قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمد صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت ~~هذه الآية ونزل {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله} (الزمر، 53) # {ومن تاب} أي: عن ذنوبه غير ما ذكر {وعمل} تصديقا لادعائه التوبة {صالحا} ~~ولو كان كل من نيته وعمله ضعيفا ورغب سبحانه في ذلك بقوله تعالى معلما أنه ~~يصل إلى الله {فإنه يتوب} أي: يرجع واصلا {إلى الله} أي: الذي له صفات ~~الكمال فهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات {متابا} أي: رجوعا ms2212 مرضيا ~~عند الله بأن يرغبه الله تعالى في الأعمال الصالحة فلا يزال كل يوم في ~~زيادة بنيته وعمله فيخف عليه ما كان ثقيلا ويتيسر عليه ما كان عسيرا، ويسهل ~~عليه ما كان صعبا كما مر في أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم ~~بإيمانهم ولا يزال كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر ~~به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها بأن يوفقه للخير فلا يسمع إلا ~~ما يرضيه وهكذا، ولما وصف سبحانه وتعالى عباده بأنهم تحلوا بأصول الفضائل ~~وتخلوا عن أمهات الرذائل ورغب في التوبة؛ لأن الإنسان لعجزه لا ينفك عن ~~النقص مدحهم بصفة أخرى وهي الصفة المذكورة في قوله تعالى: # {والذين لا يشهدون} أي: لا يحضرون {الزور} أي: القول المنحرف عن الصدق ~~كذبا كان أو مقاربا له فضلا عن أن يتفوهوا به للخبر فلا يسمعوا أو يقروا ~~عليه في مواعظ عيسى بن مريم عليه السلام إياكم ومجالسة الخطائين ويحتمل ~~أنهم لا يشهدون شهادة الزور فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعن ~~قتادة مجالس الباطل وعن ابن الحنفية اللهو والغناء، وعن مجاهد أعياد ~~المشركين، ثم عطف عليه بما هو أعم منه بقوله تعالى: {وإذا مروا باللغو} أي: ~~الذي ينبغي أن يطرح من الكلام القبيح وغيره {مروا كراما} أي: آمرين ~~بالمعروف ناهين عن المنكر إن تعلق بهم أمر أو نهي إشارة أو عبارة على حسب ~~ما يرون نافعا، فإن لم يتعلق بهم ذلك كانوا معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن ~~الوقوف عليه والخوض فيه لقوله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا ~~لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} (القصص، 55) ، ومن ~~ذلك الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما ما يستهجن التصريح ~~به، وعن الحسن لم تشقهم المعاصي، وقيل: إذا سمعوا من الكفار الأذى أعرضوا ~~عنه، ثم ذكر الصفة الثامنة بقوله تعالى: # {والذين إذا ذكروا} أي: ذكرهم غيرهم كائنا من كان لأنهم يعرفون الحق ~~بنفسه لا بقائله {بآيات ربهم} أي: الذي وفقهم ليذكر ms2213 إحسانه إليهم في حسن ~~تربيته لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة {لم يخروا} أي: لم يسقطوا ~~{عليها صما} أي: غير واعين لها {وعميانا} أي: غير متبصرين بما فيها كمن لا ~~يسمع ولا يبصر كأبي جهل والأخنس بن شريق بل خروا سامعين بآذان واعية مبصرين ~~بعيون راعية، فالمراد من النفي نفي الحال وهي: صما وعميانا دون # PageV02P676 # الفعل وهو الخرور، فالمراد نفي القيد دون المقيد كما تقول: لا يلقاني زيد ~~مسلما هو نفي للسلام لا للقاء، الصفة التاسعة المذكورة في قوله تعالى: # {والذين يقولون} أي: علما منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل ~~للإمامة {ربنا هب لنا من أزواجنا} اللاتي قرنتهن بنا كما فعلت بنبيك محمد ~~صلى الله عليه وسلم فمدحت أزواجه في كلامك القديم، وجعلت مدحهن يتلى على ~~تعاقب الأزمان والسنين {وذرياتنا قرة أعين} لنا بأن نراهم مطيعين لك ولا ~~شيء أسر للمؤمن من أن يرى حبيبه يطيع الله تعالى، وعن محمد بن كعب ليس شيء ~~أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده يطيعون الله، وعن ابن عباس هو ~~الولد إذا رآه يكتب الفقه وخصوا الأزواج والذرية بذلك؛ لأن الأقربين أولى ~~بالمعروف. # تنبيه: من في قوله تعالى من أزواجنا يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل: هب ~~لنا قرة أعين، ثم بينت القرة وفسرت بقوله: من أزواجنا وذرياتنا، ومعناه أن ~~اجعلهم لهم قرة أعين وهو من قولهم رأيت منك أسدا أي: أنت أسد، وأن تكون ~~ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وإصلاح وأتوا ~~بجمع القلة في أعين؛ لأن المتقين الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها قليلون في ~~جنب العاصين، وقيل: سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم ~~لهم سرورهم ووحد القرة لأنها مصدر، وأصلها من البرد لأن العرب تتأذى من ~~الحر وتتروح إلى البرد وتذكر قرة العين عند السرور وسخنة العين عند الحزن ~~ويقال: دمع العين عند السرور بارد وعند الحزن حار، وقال الأزهري: معنى قرة ~~العين أن يصادف قلبه من يرضاه ms2214 فتقر عينه عن النظر إلى غيره، وقرأ نافع وابن ~~كثير وابن عامر وحفص بألف بعد الياء على الجمع والباقون بغير ألف على ~~الإفراد {واجعلنا للمتقين إماما} أي: أئمة يقتدون بنا في أمر الدين بإضافة ~~العلم والتوفيق للعمل فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كقوله ~~تعالى: {ثم يخرجكم طفلا} (غافر، 67) # أو أرادوا واجعل كل واحد منا أو أرادوا جمع آم كصائم وصيام أو أرادوا ~~اجعلنا إماما واحدا لاتحادنا واتفاق كلمتنا، وعن بعضهم في الآية ما يدل على ~~أن الرياسة في الدين يحسن أن تطلب ويرغب فيها، وقال الحسن: نقتدي بالمتقين ~~ويقتدي المتقون بنا، وقيل: هذا من المقلوب، أي: واجعل المتقين لنا إماما ~~واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم، وهو قول مجاهد، وقيل: نزلت هذه الآية في العشرة ~~المبشرين بالجنة، ولما بين تعالى صفات المتقين المخلصين بين بعده إحسانه ~~إليهم بقوله تعالى: # {أولئك} أي: العالو الرتبة العظيمة العظيمو المنزلة {يجزون} أي: فضلا من ~~الله تعالى على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية والأحوال الصافية ~~{الغرفة} أي: الغرفات وهي العلالي في الجنة فوحد اقتصارا على الواحد الدال ~~على الجنس والدليل على ذلك قوله تعالى: {وهم في الغرفات آمنون} (سبأ، 37) ، ~~وقيل: هي من أسماء الجنة، ولما كانت القرب في غاية التعب لمنافاتها لشهوات ~~النفس وهواها وطبع البدن رغب فيها بأن جعلها سببا لهذا الجزاء بقوله تعالى: ~~{بما صبروا} أي: أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في ~~أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وغير ذلك من معالي خلالهم، ولما كان المنزل لا ~~يطيب إلا بالكرامة والسلامة. # قال تعالى {ويلقون فيها} أي: الغرفة {تحية} أي: دعاء # PageV02P677 # الحياة من بعضهم لبعض ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم ولا يمترى في ~~إخبارهم، لأنهم عن الله تعالى ينطقون وذلك على وجه الإعظام والإكرام مكان ~~ما أهانهم عباد الشيطان وقيل: ملكا وقيل: بقاء دائما {وسلاما} أي: من الله ~~والملائكة وغيرهم وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب: اللهم وفقنا ~~لطاعتك واجعلنا من أهل رحمتك وارزقنا مما رزقتهم في دار ms2215 رضوانك يا أرحم ~~الراحمين، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف ~~من لقي كما قال تعالى: {فسوف يلقون غيا} (مريم، 59) ، والباقون بضم الياء ~~وفتح اللام وتشديد القاف أي: يجعلهم الله تعالى لاقين بأيسر أمر كما قال ~~تعالى {ولقاهم نضرة وسرورا} (الإنسان، 11) # {خالدين فيها} أي: الغرفة لا يموتون ولا يخرجون مكان ما أزعجوهم من ~~ديارهم حتى هاجروا ودل على علو أمرها وعظيم قدرها بإبراز مدحها في مظهر ~~التعجب بقوله تعالى: {حسنت} أي: ما أحسنها {مستقرا} أي: موضع استقرار ~~{ومقاما} أي: موضع إقامة وهذا مقابل ساءت ومثله في الإعراب، ولما شرح ~~سبحانه وتعالى صفات المتقين وأثنى عليهم من أجلها وشرح ثوابهم أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {قل} أي: لكفار مكة {ما يعبأ} أي: ما يصنع {بكم} أيها الكافرون من عبأت ~~الجيش أو لا يعتد بكم {ربي} أي: المحسن إلي وإليكم برحمانيته المخصص لي ~~بالإحسان برحيميته وإنما خص بالإضافة لاعترافه دونهم {لولا دعاؤكم} أي: ~~عبادتكم وما متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر ~~كأنه قيل: وأي عبء يعبأ بكم لولا عبادتكم وطاعتكم إياه كما قال تعالى: {وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات، 56) # {فقد كذبتم} بما أخبرتكم به حيث خالفتموه وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد، ~~وقال قوم: ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة وما يفعل ~~بعذابكم لولا شرككم كما قال تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} ~~لولا دعاؤكم أي: نداؤكم في الشدائد كما قال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك ~~دعوا الله مخلصين له الدين} (العنكبوت، 65) ، وقوله تعالى: {فأخذناهم ~~بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون} (الأنعام، 42) # ويجوز أن تكون ما نافية وجرى على ذلك الجلال المحلي {فسوف} أي: فتسبب عن ~~تكذيبهم أن يجازيكم على ذلك ولكنه مع قدرته واختياره وقوته لا يعاجلكم بل ~~{يكون} جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال {لزاما} أي: ~~لازما يحيق بكم لا محالة، فاعتدوا وتهيؤوا لذلك اليوم فكل آت قريب وكل ms2216 بعيد ~~عنكم قريب عنده، وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وإنه لوزم بين القتلى لزاما ~~قتل منهم تسعون وأسر منهم سبعون، وعن ابن مسعود: خمس قد مضين الدخان والقمر ~~والروم والبطشة واللزام، وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أن «من قرأ سورة الفرقان لقي الله وهو مؤمن بأن الساعة ~~آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير حساب» حديث موضوع والله أعلم. # PageV02P678 ### | سورة الشعراء # مكية إلا قوله والشعراء إلى آخرها فمدنية وهي مائتان وست وعشرون آية وألف ~~ومائتان وسبع وتسعون كلمة وخمسة آلاف وخمسمائة وإثنان وأربعون حرفا # روى البغوي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت طه ~~والطواسين من ألواح موسى. # عليه السلام {بسم الله} الذي دل علو كلامه على عظمة شأنه وعز مرامه ~~{الرحمن} الذي لا يعجل على من عصاه {الرحيم} الذي يحي قلوب أهل وده ~~بالتوفيق لما يرضاه. # {طسم} قال ابن عباس: عجزت العلماء عن علم تفسيرها، وفي رواية عنه: أنه ~~قسم وهو من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن وقال مجاهد ~~اسم السورة، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم بطوله وسناه وملكه، ولهذا ~~الاختلاف قال الجلال المحلي: الله أعلم بمراده بذلك، وقد قدمنا الكلام على ~~أوائل السور في أول سورة البقرة وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بإمالة الطاء، ~~والباقون بالفتح، وأظهر حمزة النون من سين عن الميم، وأدغمها الباقون وهي ~~في مصحف عبد الله بن مسعود ط س م مقطوعة من بعضها. # {تلك} أي: هذه الآيات العالية المرام الحائزة أعلى مراتب التمام المؤلفة ~~من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات ألسنتكم {آيات الكتاب} أي: القرآن ~~الجامع لكل فرقان {المبين} أي: الظاهر إعجازه المظهر الحق من الباطل ولما ~~كان عنده صلى الله عليه وسلم من مزيد الشفقة وعظيم الرحمة على قومه قال ~~تعالى تسلية له. # {لعلك باخع} أي: هالك {نفسك} غما وأسفا من أجل # PageV03P002 # {ألا يكونوا} أي: قومك {مؤمنين} أي: راسخين في الإيمان أي: لا تبالغ ms2217 في ~~الحزن والأسف فإن هذا الكتاب في غاية البيان في نفسه والإبانة للغير، وقد ~~تقدم في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ ولو شئنا لهديناهم طوعا أو كرها. ~~والبخع: أن يبلغ بالذبح البخاع بالخاء والباء وهو عرق مستبطن الفقار وذلك ~~أقصى حد الذابح. ولعل: للإشفاق أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما ~~فاتك من إيمان قومك فصبره وعزاه وعرفه أن حزنه وغمه لا ينفع كما أن وجود ~~الكتاب ووضوحه لا ينفع، ثم إنه تعالى أعلمه بأن كل ما هم فيه إنما هو ~~بإرادته بقوله تعالى: # {إن نشأ ننزل عليهم} وعبر بالمضارع فيهما إعلاما بدوام القدرة. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بسكون النون الثانية وإخفائها عند الزاي وتخفيف الزاي، ~~والباقون بفتح النون وتشديد الزاي، ثم قال تعالى محققا للمراد {من السماء} ~~أي: التي جعلنا فيها بروجا للمنافع، وأشار إلى تمام القدرة بتوحيدها بقوله ~~تعالى: {آية} أي: قاهرة كما فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه. # تنبيه: هنا همزتان مختلفتان، أبدل نافع وابن كثير وأبو عمرو الهمزة ~~الثانية المفتوحة بعد المكسورة ياء خالصة، وحققها الباقون. ثم أشار تعالى ~~إلى تحقق هذه الآية بالتعبير بالماضي في قوله تعالى عطفا على ننزل لأنه في ~~معنى أنزلنا {فظلت} أي: عقب الإنزال من غير مهلة {أعناقهم} أي: التي هي ~~موضع الصلابة وعنها تنشأ حركات الكبر والإعراض {لها خاضعين} أي: منقادين. # تنبيه: خاضعين: خبر عن أعناقهم، واستشكل جمعه جمع سلامة لأنه مختص ~~بالعقلاء؟ وأجيب عنه بأوجه: أحدها: أن المراد بالأعناق رؤساءهم ومقدموهم ~~شبهوا بالأعناق كما يقال لهم الرؤوس والنواصي والصدور، قال القائل: # *في محفل من رؤوس الناس مشهود* # ثانيها: أنه على حذف مضاف أي: فظل أصحاب الأعناق ثم حذف وبقي الخبر على ~~ما كان عليه قبل الحذف المخبر عنه مراعاة للمحذوف. # ثالثها: أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم كما يكتسب ~~التأنيث بالإضافة لمؤنث في قوله: # *كما شرقت صدر القناة من الدم* # رابعها: قال الزمخشري: أصل الكلام فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق ms2218 لبيان ~~موضع الخضوع وترك الكلام على أصله كقولهم: ذهبت أهل اليمامة كأن الأهل غير ~~مذكور، ونوزع في التنظير لأن أهل ليس مقحما البتة لأنه المقصود بالحكم. # خامسها: أنها عوملت معاملة العقلاء، كقوله تعالى: {ساجدين} (يوسف، 4) ~~{وطائعين} (فصلت، 11) في يوسف والسجدة، وقيل إنما قال تعالى: {خاضعين} ~~لموافقة رؤوس الآي لتكون على نسق واحد. # {وما يأتيهم} أي: الكفار {من ذكر} أي: موعظة أو طائفة من القرآن يذكروننا ~~به فيكون سبب ذكرهم وشرفهم {من الرحمن} أي: الذي أنكروه مع إحاطة نعمه بهم ~~{محدث} أي: بالنسبة إلى تنزيله وعلمهم به وأشار تعالى إلى دوام كبرهم بقوله ~~تعالى: {إلا كانوا عنه معرضين} أي: إعراضا هو صفة لهم لازمة، ولما كان حال ~~المعرض عن الشيء حال المكذب به قال تعالى. # {فقد} أي: فتسبب عن هذا الفعل منهم أنه قد {كذبوا} أي: بالذكر بعد ~~إعراضهم وأمعنوا في تكذيبه بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ~~ضمنا في قوله تعالى: {وسيأتيهم} أي: إذا مسهم عذاب الله تعالى يوم بدر ويوم ~~القيامة {أنباء} أي: عظيم أخبار # PageV03P003 # وعواقب {ما} أي: العذاب الذي {كانوا به يستهزؤن} أي: يهزؤون من أنه كان ~~حقا أو باطلا وكان حقيقا بأن يصدق ويعظم أمره أو يكذب فيستخف أمره. # ثم قال تعالى: معجبا منهم. # {أو لم يروا إلى الأرض} أي: على سعتها واختلاف نواحيها، ونبه على كثرة ما ~~صنع من جميع الأصناف بقوله تعالى: {كم أنبتنا} أي: بما لنا من العظمة ~~{فيها} بعد أن كانت يابسة ميتة لا نبات فيها {من كل زوج} أي: صنف متشاكل ~~بعضه لبعض فلم يبق صنف يليق بهم في العاجلة إلا أكثرنا من الإنبات منه ~~{كريم} أي: كثير المنافع محمود العواقب وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى وهو ضد ~~اللئيم، وههنا يحتمل معنيين أحدهما: النبات على نوعين: نافع وضار فذكر كثرة ~~ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وخلى ذكر الضار، والثاني: أن ~~يعم جميع النبات نافعه وضاره ويصفهما جميعا بالكرم وينبه على أنه تعالى ما ~~أنبت ms2219 شيأ إلا فيه فائدة، لأن الحكيم لا يفعل فعلا إلا لحكمة بالغة وإن غفل ~~عنها الغافلون ولم يتصل إلى معرفتها العاقلون، ولما كان ذلك باهرا للعقل ~~منبها له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه وبديع اختياره، وصل به قوله ~~تعالى: # {إن في ذلك} أي: الأمر العظيم {لآية} أي: دلالة على كمال قدرته تعالى، ~~فإن قيل: حين ذكر الأزواج دل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكان لا يحصيها ~~إلا عالم الغيب، فكيف قال إن في ذلك لآية؟ وهلا قال لآيات؟ أجيب بوجهين: ~~أحدهما: أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر أنبتنا فكأنه قال: إن في ذلك ~~الإنبات لآية، ثانيهما: أن يراد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية {و} ~~الحال أنه {ما كان أكثرهم} أي: البشر {مؤمنين} في علم الله تعالى وقضائه ~~فلذلك لا ينفعهم مثل هذه الآيات العظام، وقال سيبويه: كان زائدة # {وإن} أي: والحال أن {ربك} أي: الذي أحسن إليك بالإرسال وسخر لك قلوب ~~الأصفياء وزوى عنك اللد والأشقياء {لهو العزيز} أي: ذو العزة ينتقم من ~~الكافرين {الرحيم} يرحم المؤمنين، ولما كان مع ما ذكر في ذكر القصص تسلية ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم فيما يقاسيه من الأذى والتكذيب وكان موسى عليه ~~السلام قد اختص بالكتاب الذي ما بعد القرآن مثله والآيات التي ما أتى ~~بمثلها أحد قبله، بدأ بذكره فقال تعالى: # {وإذ} أي: واذكر إذ {نادى ربك} أي: المحسن إليك بكل ما يمكن الإحسان به ~~في هذه الدار، ثم ذكر المنادى بقوله تعالى: {موسى} أي: حين رأى الشجرة ~~والنار، واختلف أهل السنة في النداء الذي سمعه موسى عليه السلام أهو الكلام ~~القديم أو صوت من الأصوات؟. # قال أبو الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنه: هو الكلام القديم فكما أن ~~ذاته تعالى لا تشبه سائر الذوات مع أن الدليل دال على أنها معلومة ومرئية ~~في الآخرة من غير كيف ولا جهة فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحرف والصوت مع ~~أنه مسموع. # وقال الماتريدي: هو من جنس الحروف والأصوات، ms2220 وأما المعتزلة: فقد اتفقوا ~~على أن ذلك النداء كان بحروف وأصوات علم به موسى من قبل الله تعالى فصار ~~معجزا علم به موسى أن الله تعالى مخاطبا له فلم يحتج مع ذلك لواسطة، ثم ذكر ~~تعالى ما له النداء بقوله تعالى: {أن} أي: بأن {أئت القوم} أي: الذين فيهم ~~قوة وأي قوة {الظالمين} رسولا، ووصفهم بالظلم لكفرهم، # PageV03P004 # واستبعادهم بني إسرائيل وذبح أولادهم وقوله تعالى: # {قوم فرعون} أي: معه بدل أو عطف بيان للقوم الظالمين، وقوله تعالى: {ألا ~~يتقون} استئناف أتبعه إرساله إليهم للإنذار تعجبا من إفراطهم في الظلم ~~واجترائهم عليه ولما كان من المعلوم أن من أتى الناس بما يخالف أهواءهم لم ~~يقبل. # {قال رب} أي: أيها الرفيق بي {إني أخاف أن يكذبون} أي: فلا يترتب على ~~إتياني إليهم أثر فاجعل لي قبولا ومهابة تحرسني بها ممن يريدني بسوء، وقرأ ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون. # {ويضيق صدري} من تكذيبهم لي {ولا ينطلق لساني} بأداء الرسالة للعقدة التي ~~فيه بواسطة تلك الجمرة التي لذعته في الطفولية {فأرسل} أي: فتسبب عن ذلك ~~الذي اعتذرت به عن المبادرة إلى الذهاب عند الأمر طلب الإرسال {إلى هارون} ~~أخي ليكون لي عضدا على ما أمضي له من الرسالة، فيحتمل أن تكون تلك العقدة ~~باقية عند الرسالة، وأن تكون قد زالت عند الدعوة، ولكن لا يكون مع حل ~~العقدة من لسانه من الفصحاء المصاقع الذين أوتوا سلاطة الألسنة وبسطة ~~المقال، وهارون كان بتلك الصفة فأراد أن يقرن به، ويدل عليه قوله تعالى: ~~{وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} (القصص: 34) # ومعنى فأرسل إلى هارون: أرسل إليه جبريل واجعله نبيا وأزرني به واشدد به ~~عضدي، وهذا الكلام مختصر وقد بسطه في غير هذا الموضع وقد أحسن في الاختصار ~~حيث قال: {فأرسل إلى هارون} فجاء بما يتضمن معنى الاستنباء، ومثله في تقصير ~~الطويلة والحسن قوله تعالى: {فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ~~فدمرناهم تدميرا} (الفرقان، 36) # حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أولها وآخرها وهما ms2221 الإنذار والتدمير، ودل ~~بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها وهو أنهم قوم كذبوا بآيات ~~الله فأراد الله إلزام الحجة عليهم فبعث إليهم رسولين فكذبوهما فأهلكهم. # فإن قيل: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يأمره ربه بأمر فلا يقبله بسمع ~~وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل، وقد علم أن الله تعالى عليم بحاله؟ أجيب: ~~بأنه قد امتثل وتقبل ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه حتى يتعاونا على ~~تنفيذ أمره وتبليغ رسالته فمهد قبل التماسه عذرا فيما التمسه ثم التمس بعد ~~ذلك، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس بتوقف في امتثال ~~الأمر ولا بتعلل فيه، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل لا على التعلل، ثم ~~زاد في الاعتذار في طلب العون خوفا من أن يقتل قبل تبليغ الرسالة بقوله: # {ولهم علي ذنب} أي: تبعه ذنب فحذف المضاف، أو سمى باسمه كما يسمى جزاء ~~السيئة سيئة وهو قتله القبطي وسماه ذنبا على زعمهم، وهذا اختصار قصته ~~المبسوطة في مواضع. {فأخاف} بسبب ذلك {أن يقتلون} أي: يقتلونني به. # {قال} الله تعالى {كلا} أي: ارتدع عن هذا الكلام فإنه لا يكون شيء، مما ~~خفت لا قتل ولا غيره، وكأنه لما كان التكذيب مع ما قام عليه من الصدق من ~~البراهين المقوية لصاحبها الشارحة لصدره العلية لأمره عد عدما، وقد أجبناك ~~إلى الإعانة بأخيك. # {فاذهبا} أي: أنت وأخوك متعاضدين إلى ما أمرتك به مؤيدين {بآياتنا} ~~الدالة على صدقكما. # تنبيه: {فاذهبا} عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل كأنه قيل: ارتدع ~~عما تظن فاذهب أنت وأخوك بآياتنا {إنا} أي: بما لنا من العظمة # PageV03P005 # {معكم مستمعون} أي: سامعون لأنه تعالى لا يوصف بالمستمع على الحقيقة لأن ~~الاستماع جار مجرى الإصغاء والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية، ~~ومنه قوله تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا ~~قرآنا عجبا} (الجن، 1) # ويقال استمع إلى حديثه وسمع حديثه: أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع، ومنه ~~قوله عليه الصلاة ms2222 والسلام: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في ~~أذنيه البرم» وهو الكحل المذاب ويروى: البيرم وهو بزيادة الياء، فإن قيل: ~~لم قال معكم بلفظ الجمع وهما اثنان؟ أجيب: بأنه تعالى أجراهما مجرى الجمع ~~تعظيما لهما، أو معكما ومع بني إسرائيل يسمع ما يجيبكم فروعون. # {فأتيا} أي: فتسبب عن ذهاب ما ذكرت بالحراسة والحفظة أني أقول لكما ائتيا ~~{فرعون} نفسه وإن عظمت مملكته وجلت جنوده {فقولا} أي: ساعة وصولكما له ولمن ~~عنده {إنا رسول رب العالمين} أي: المحسن إلى جميع الخلق المدبر لهم ~~مصالحهم، فإن قيل: هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله تعالى: {إنا رسولا ربك} ~~؟ (طه، 47) أجيب: بأن الرسول يكون بمعنى المرسل فلم يكن بد من تثنيته، وأما ~~ههنا فهو إما لأنه مصدر بمعنى الرسالة والمصدر يوحد ومن مجيء رسول بمعنى ~~الرسالة قوله: # *لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول* # أي: برسالة، والواشون الساعون بالكذب عند ظالم وما فهت بمعنى ما تكلمت، ~~وإما لأنهما ذوا شريعة واحدة فنزلا منزلة رسول، وإما لأنه من وضع الواحد ~~موضع التثنية لتلازمهما فصارا كالشيئين المتلازمين كالعينين واليدين، وقال ~~أبو عبيدة: يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع تقول العرب هذا رسولي ~~ووكيلي وهذان رسولي ووكيلي وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال تعالى: {وهم لكم ~~عدو} (الكهف: 50) ، ثم ذكر له ما قصد من الرسالة إليه فقال معبرا بأداة ~~التفسير، لأن الرسول فيه بمعنى الرسالة التي تتضمن القول. # {أن} أي: بأن {أرسل} أي: خل وأطلق، وأعاد الضمير على معنى رسول فقال ~~{معنا بني إسرائيل} أي: قومنا الذين استعبدتهم ظلما ولا سبيل لك عليهم نذهب ~~بهم إلى الأرض المقدسة التي وعدنا الله تعالى بها على ألسنة الأنبياء من ~~آبائنا عليهم الصلاة والسلام، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة وكانوا في ~~ذلك الوقت ستمائة وثلاثين ألفا، ويروى أن موسى رجع مصر وعليه جبة صوف وفي ~~يده عصاه ومكتل معلق في رأس العصا وفيه زاده فدخل داره نفسه وأخبر هارون ~~بأن الله تعالى أرسلني ms2223 إلى فرعون وأرسل إليك حتى ندعو فرعون إلى الله ~~تعالى، فخرجت أمهما وصاحت، وقالت إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه ~~قتلكما فلم يمتنع بقولها: وذهبا إلى باب فرعون ليلا ودقا الباب ففزع ~~البوابون وقالوا من بالباب، وروي أن البواب اطلع عليهما وقال من بالباب ومن ~~أنتما؟ فقال موسى أنا رسول رب العالمين فذهب البواب إلى فرعون وقال إن ~~مجنونا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين فقال فرعون ائذن له لعلنا نضحك ~~منه، وقيل: لم يؤذن لهما إلى سنة فدخلا عليه وأديا رسالة الله عز وجل فعرف ~~فرعون موسى لأنه نشأ في بيته فلما عرفه. # {قال} له منكرا عليه {ألم نربك} حذف، فأتيا فرعون فقالا له ذلك لأنه ~~معلوم لا يشتبه وهذا النوع من الاختصار كثير في القرآن # PageV03P006 # {فينا} أي: في منازلنا {وليدا} أي: صغيرا قريبا من الولادة بعد فطامه ~~{ولبثت فينا} أي: في عزنا باعتبار انقطاعك إلينا وتعززك بنا {من عمرك سنين} ~~ثلاثين سنة فما لنا عليك من الحق ينبغي أن يمنعك من مواجهتنا بمثل هذا، ~~وكأنه عبر بما يفهم النكد كناية عن مدة مقامه عنده بأنها كانت نكدة لأنه ~~وقع فيما كان يخافه وفاته ما كان يحتاط به من ذبح الأطفال، وكان موسى يلبس ~~من ملابس فرعون ويركب من مراكبه وكان يسمى ابنه، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم ~~بإظهار الثاء المثلثة عند التاء، والباقون بالإدغام، ولما ذكره ما يحمله ~~على الحياء منه ذكره ذنبا يخاف من عاقبته فقال مهولا له بالكناية. # {وفعلت فعلتك} أي: من قتل القبطي، ثم أكد نسبته إلى ذلك مشيرا إلى أنه ~~عامله بالحلم تخجيلا له فقال {التي فعلت وأنت} أي: والحال أنك {من ~~الكافرين} قال الحسن والسدي من الكافرين بإلهك ومعناه: على ديننا هذا الذي ~~تعيبه، وقال أكثر المفسرين أي: الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم ~~الاستعباد يقول ربيناك فكافأتنا أن قتلت منا نفسا وكفرت بنعمتنا وهذا رواية ~~العوفي عن ابن عباس: وقال إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية. # {قال} له موسى مجيبا ms2224 على طريقة النشر المشوش واثقا بوعد الله تعالى ~~بالسلامة {فعلتها إذا} أي: إذ قتلته {وأنا من الضالين} أي: من الجاهلين بأن ~~ذلك يؤدي إلى قتله، أو المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل. قال ابن ~~جرير: والعرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال. وقيل: لا أعرف ~~ذنبا فأنا واثق من كل جهة حتى يوجهني ربي إلى ما شاء. # {ففررت} أي: فتسبب عن فعلها أني فررت {منكم} أي: منك لسطوتك ومن قومك ~~لإغرائهم إياك علي {لما خفتكم} على نفسي أن تقتلوني بذلك القتيل الذي قتلته ~~خطأ وأنا ابن اثنتي عشرة سنة مع كونه كافرا مهدر الدم {فوهب لي ربي} الذي ~~أحسن إلي بتربيتي عندكم تحت كنف أمي آمنة علي مما أحدثتم من الظلم {حكما} ~~أي: علما وفهما، وقيل نبوة {وجعلني من المرسلين} أي: فاجهد الآن جهدك فإني ~~لا أخافك لقتل ولا غيره، ولما اجتمع في كلام فرعون من وتعيير، بدأه بجوابه ~~عن التعيير ولأنه الأخير فكان أقرب ولأنه أهم، وهو معنى ما تقدم من أنه على ~~طريقة النشر المشوش بأن يبدأ بالأخير قبل الأول، ولهذا كر على امتنانه عليه ~~بالتربية فأبطله من أصله موبخا له مبكتا منكرا عليه غير أنه حذف حرف ~~الإنكار إجمالا في القول وإحسانا في الخطاب وأبى أن تسمى نعمته إلا نقمة ~~بقوله: # {وتلك} أي: التربية الشنيعة العظيمة في الشناعة التي ذكرتنيها {نعمة ~~تمنها علي أن عبدت} أي: تعبيدك وتذليلك قومي {بني إسرائيل} أي: جعلتهم ~~عبيدا ظلما وعدوانا وهم أبناء الأنبياء ولسلفهم يوسف عليه السلام عليكم من ~~المنة بإحياء نفوسكم أولا وعتق رقابكم ثانيا، ما لا تقدرون له على جزاء ~~أصلا ثم ما كفاك ذلك حتى فعلت ما لم يفعله مستعبد فأمرت بقتل أبناءهم فكان ~~ذلك سبب وقوعي إليك لأسلم من ظلمك، ولو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني ~~في اليم فكيف تمن علي بذلك؟ وقيل: معناه إنك تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا ~~منة للمولى على العبد في تربيته. وقال الحسن: إنك استعبدت بني ms2225 إسرائيل ~~فأخذت أموالهم وأنفقت منها علي فلا نعمة لك بالتربية. وقيل: إن الذي # PageV03P007 # تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا منة لك علي لأن التربية كانت من قبل ~~أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد الاسم وهذا ما يعد إنعاما. # فإن قيل: لم جمع الضمير في منكم وخفتكم مع إفراده في تمنها وعبدت؟ أجيب: ~~بأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله، ~~كما مرت الإشارة إليه بدليل قوله تعالى: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} ~~(القصص: 20) # وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك التعبيد، ولما قال له بوابه إن ههنا من ~~يزعم أنه رسول رب العالمين وأدخله عليه. # {قال} له {فرعون} عند دخوله حائدا عن جوابه منكرا لخالقه على سبيل ~~التجاهل كما أنكر هؤلاء الرحمن متجاهلين وهم أعرف الناس بغالب أفعاله كما ~~كان فرعون يعرف لقول موسى عليه الصلاة والسلام {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ~~رب السموات والأرض بصائر} (الإسراء: 102) # {وما رب العالمين} أي: الذي زعمتما أنكما رسوله وإنما أتى بما دون من ~~لأنها يسأل بها عن طلب الماهية كقولك ما العنقاء، ولما كان جواب هذا السؤال ~~لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل ~~فيه لاستحالة التركيب في ذاته عدل موسى عليه السلام إلى جواب ممكن فأجاب ~~بصفاته تعالى، كما قال تعالى إخبارا عنه: # {قال رب} أي: خالق ومبدع ومدبر {السموات} كلها {والأرض} وإن تباعدت ~~أجرامها بعضها من بعض {وما بينهما} أي: بين السموات والأرض فأعاد ضمير ~~التثنية على جمعين اعتبارا بالجنسين وخصه بهذه الصفات لأنها أظهر خواصه ~~وآثاره وفيه إبطال لدعواه أنه إله، ومعنى قوله {إن كنتم موقنين} أي: إن كان ~~يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب وإلا لم ~~ينفع، أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وإنارة ~~دليله، ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق. # {قال} فرعون {لمن حوله} من أشراف قومه، قال ابن عباس: وكانوا خمسمائة رجل ~~عليهم الأسورة ms2226 وكانت للملوك خاصة {ألا تستمعون} جوابه الذي لم يطابق ~~السؤال، سألته عن حقيقته وهو يجيبني بالفاعلية، ولما كان يمكن أن يعتقد أن ~~السموات والأرضين واجبة لذاتها فهي غنية عن الخالق. # {قال} لهم موسى زيادة في البيان {ربكم ورب آبائكم الأولين} فعدل عن ~~التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقا لهم ~~ولآبائهم، إذ لا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده كونهم واجبين ~~لذواتهم لأن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم وعدموا بعد الوجود، وما ~~كان كذلك استحال أن يكون واجبا لذاته واستحال وجوده إلا بالمؤثر فكان ~~التعريف بهذا الأثر أظهر ولكن فرعون لم يكتف بذلك ولهذا. # {قال إن رسولكم} على طريق التهكم إشارة إلى أن الرسول ينبغي أن يكون أعقل ~~الناس ثم زاد الأمر بقوله: {الذي أرسل إليكم} أي: وأنتم أعقل الناس ~~{لمجنون} لا يفهم السؤال فضلا عن أن يجيب عنه، فكيف يصلح للرسالة من ~~الملوك؟ فلما قال ذلك عدل موسى ج إلى طريق ثالث أوضح من الثاني بأن. # {قال رب المشرق والمغرب} أي: الشروق والغروب ووقتهما وموضعهما {وما ~~بينهما} من المخلوقات لأن التدبير المستمر على هذا الوجه العجيب لا يتم إلا ~~بتدبير مدبر قادر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع نمروذ، ~~فإنه # PageV03P008 # استدل أولا بالإحياء والإماتة وهو الذي ذكر موسى عليه الصلاة السلام ~~بقوله: {ربكم ورب آبائكم الأولين} فأجابه نمروذ {أنا أحي وأميت} (البقرة: ~~228) # فقال {إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} ~~(البقرة: 258) # وهو الذي ذكره موسى ج بقوله: {رب المشرق والمغرب} وأما قوله: {إن كنتم ~~تعقلون} فكأنه ج قال إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ~~ذكرت لك، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ~~ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرفت ~~حقيقته بآثار حقيقته فمن كان عاقلا يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ~~ذكرته لك، فلما انقطع فرعون ms2227 عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق وعدل إلى ~~التخويف بأن. # {قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} أي: واحدا ممن هم في ~~سجني على ما تعلم من حالي في اقتداري ومن سجوني وفظاعتها، ومن حال من فيها ~~من شدة الحصر والغلظ في الحجر. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل لأنه كان ~~يأخذ الرجل فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق وحده لا يسمع ولا ~~يبصر فيها شيئا، وقرأ ابن كثير وحفص وعاصم بإظهار الذال عند التاء، ~~والباقون بالإدغام، ثم ذكر موسى ج كلاما مجملا ليعلق فرعون قلبه به فيعدل ~~عن وعيده، بأن. # {قال} مدافعا بالتي هي أحسن إرخاء للعنان لإزادة البيان معنى لا يبقى معه ~~عذر ولا نسيان، لأن من العادة الجارية السكون إلى الإنصاف والرجوع إلى الحق ~~والاعتراف {أولو} أي: أتسجنني ولو {جئتك بشيء مبين} أي: هل يحسن أن يذكر ~~هذا مع اقتداري على أن آتيك بشيء بدليلين يدلان على وجود الله تعالى وعلى ~~أني رسوله فعند ذلك. # {قال} طمعا في أن يجد موضعا للتكذيب أو التلبيس {فأت به} أي: تسبب عن ~~قولك هذا أني أقول ائت بذلك الشيء {إن كنت من الصادقين} أي: فيما ادعيت من ~~الرسالة. # تنبيه: الواو في أولو جئتك واو الحال وليتها الهمزة بعد حذف الفعل كما ~~علم من التقرير، فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول وهو قوله ~~أولو جئتك بشيء مبين أي: بآية بينة والمعجز لا يدل على ذلك كدلالة سائر ما ~~تقدم؟ أجيب: بأنه يدل بما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله ~~تعالى وعلى توحيده وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه ما ~~تقدم. # {فألقى} أي: فتسبب عن ذلك وتعقبه أن ألقى موسى {عصاه} التي تقدم في غير ~~سورة أن الله تعالى أراه إياها ولم يصرح باسمه اكتفاء بضميره لأنه غير ~~ملتبس {فإذا هي ثعبان} أي: حية في غاية الكبر {مبين} أي: ظاهر ثعبانيته، ~~روي أنها لما انقلبت حية ms2228 ارتفعت إلى السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى ~~فرعون تقول يا موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون أسألك بالذي أرسلك إلا ما ~~أخذتها فأخذها فعادت عصا، فإن قيل: كيف قال هنا {ثعبان مبين} وفي آية أخرى ~~{فإذا هي حية تسعى} (طه: 20) # وفي آية ثالثة {كأنها جان} (النمل: 10) # والجان مائل إلى الصغر والثعبان إلى الكبر؟ أجيب: بأن الحية اسم الجنس ثم ~~لكبرها صارت ثعبانا، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها، ويحتمل أنه شبهها ~~بالشيطان لقوله تعالى: {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} (الحجر: 27) # ويحتمل أنها كانت صغيرة # PageV03P009 # كالجان ثم عظمت فصارت ثعبانا، ثم إن موسى ج لما أراه آية العصا قال فرعون ~~هل غيرها قال: نعم. # {ونزع يده} أي: التي كانت احترقت لما أخذ الجمرة وهو في حجر فرعون، وبذل ~~فرعون جهده في علاجها بجميع من قدر عليه من الأطباء فعجزوا عن إبرائها ~~نزعها من جيبه بعد أن أراه إياها على ما يعهده منها ثم أدخلها في جيبه ~~{فإذا هي} بعد النزع {بيضاء للناظرين} يضيء الوادي من شدة بياضها من غير ~~برص، لها شعاع كشعاع الشمس يعشي البصر ويسد الأفق، فعند هذا أراد فرعون ~~لعمية هذه الحجة على قومه فذكر أمورا أولها أن. # {قال للملأ حوله} لما وضح له الأمر يموه على عقولهم: خوفا من إيمانهم {إن ~~هذا لساحر عليم} أي: شديد المعرفة بالسحر، حوله: حال من الملأ ومفعول ~~القول، قوله: {إن هذا لساحر عليم} ولما أوقعهم بما جبلهم به أحماهم لأنفسهم ~~فقال ملغيا لجلباب الإلهية لما قهره من سلطان المعجزة. # {يريد أن يخرجكم من أرضكم} أي: هذه التي هي قوامكم {بسحره} أي: بسبب ما ~~أتى به، فإنه يوجب استتباع الناس فيتمكن مما يريد، ثم قال لقومه الذين كان ~~يزعم أنهم عبيده وأنه إلههم، ما دل على أنه حارت قواه فحط عن منكبيه كبرياء ~~الربوبية وارتعدت فرائصه لما استولى عليه من الدهش والحيرة حتى جعل نفسه ~~مأمورا بعد أن كان يدعي كونه آمرا بل إلها قادرا {فماذا تأمرون} أي: في ~~مدافعته ms2229 عما يريد بنا. # {قالوا} أي: الملأ الذين كانوا حوله {أرجه وأخاه} أي: أخر أمرهما ~~ومناظرتهما إلى اجتماع السحرة، ولم يأمر بقتلهما ولا بما يقاربه، فسبحان من ~~يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده فيهابه كل شيء ولا يهاب هو غير ~~خالقه. وقرأ قالون بغير همز واختلاس كسرة الهاء، وورش والكسائي بغير همز ~~وإشباع حركة كسرة الهاء، وابن كثير وهشام بالهمزة الساكنة وصلة الهاء ~~مضمومة، وأبو عمرو بالهمزة وضم الهاء مقصورة، وابن ذكوان بالهمزة وكسر ~~الهاء مقصورة، وعاصم وحمزة بغير همز وإسكان الهاء {وابعث في المدائن ~~حاشرين} أي: رجالا يحشرون السحرة، وأصل الحشر: الجمع بكره، وقيل: إن فرعون ~~أراد قتل موسى فقالوا له لا تفعل فإنك إن تقتله دخلت الناس شبهة في أمره، ~~ولكن أخره واجمع له سحرة ليقاوموه ولا يثبت له عليك حجة، وعارضوا قوله {إن ~~هذا الساحر عليم} (الأعراف: 109) # بقولهم: # {يأتوك بكل سحار} أي: بليغ في السحر، فجاؤوا بكلمة الإحاطة وصيغة ~~المبالغة ليطمأنوا من نفسه ويسكنوا من بعض قلقه {عليم} أي: متناه في العلم ~~به بعدما تناهى في السحرية، وعبر بالبناء للمفعول في قوله. # {فجمع السحرة} إشارة إلى عظمة ملكه، أي: بأيسر أمر لما له عندهم من ~~العظمة {لميقات يوم معلوم} أي: في زمانه ومكانه وهو ضحى يوم الزينة كما مر ~~في طه، وعن ابن عباس: وافق يوم السبت من أول يوم من سنتهم وهو يوم النيروز. # {وقيل} أي: يقول من يقبل لكونه عن فرعون {للناس} أي: عامة وقوله {هل أنتم ~~مجتمعون} فيه استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه استعجالهم واستحثاثهم ~~كما يقول الرجل لغلامه هل أنت منطلق إذا أراد أن يحرك منه ويحثه على ~~الانطلاق، كأنما يخيل له أن الناس قد انطلقوا وهو واقف، ومنه قول تأبط شرا، ~~اسم شاعر: # PageV03P010 # *هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق* # أي: هل أنت حث على إرسال دينار أو عبد رب، اسمي رجلين، والثاني منصوب على ~~محل الأول، وأخا عون منادى أو عطف بيان له، ms2230 وعليه اقتصر الكشاف. # {لعلنا نتبع السحرة} أي: في دينهم {إن كانوا هم الغالبين} أي: لموسى في ~~دينه ولا نتبع موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة وإنما الغرض الكلي أن ~~لا يتبعوا موسى فساقوا الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا ~~متبعين لموسى، وقيل: أرادوا بالسحرة موسى وهارون وقالوا ذلك على طريق ~~الاستهزاء وعبر بالفاء في قوله: # {فلما جاء السحرة} أي: الذين كانوا في جميع بلاد مصر إيذانا بسرعة حشرهم ~~لضخامة ملكه ووفور عظمته {قالوا لفرعون} مشترطين الأجر في حال الحاجة إلى ~~الفعل ليكون ذلك أجدر بحسن الوعد ومجاز القصد {آئن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين} موسى، وأتوا بأداة الشك مع جزمهم بالغلبة تخويفا له بأنه إن لم ~~يحسن في وعدهم لم ينصحوا له. # {قال} مجيبا إلى ما سألوا {نعم} لكم ذلك، وقرأ الكسائي بكسر العين، ~~والباقون بالفتح وزادهم بما لا أحسن منه عند أهل الدنيا مؤكدا بقوله {وإنكم ~~إذا} أي: إذا غلبتم {لمن المقربين} أي: عندي، وزاد إذا هنا زيادة في ~~التأكيد، ولما قال لهم فرعون ذلك قالوا لموسى {إما أن تلقي وإما أن نكون ~~نحن الملقين} (الأعراف، 115) . # {قال لهم موسى} أي: مريدا لإبطال سحرهم لأنه لا يتمكن منه إلا بإلقاءهم ~~{ألقوا ما أنتم ملقون} فإن قيل: كيف أمرهم بفعل السحر؟ أجيب: بأنه لم يرد ~~بذلك أمرهم بالسحر والتمويه بل الأذن بتقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلا ~~به إلى إظهار الحق. # {فألقوا} أي: فتسبب عن قول موسى ج وتعقبه أن ألقوا {حبالهم وعصيهم} أي: ~~التي أعدوها للسحر {وقالوا} مقسمين {بعزة فرعون} وهي من أيمان الجاهلية، ~~وهكذا كل حلف بغير الله، ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله تعالى أو باسم ~~من أسمائه أو صفة من صفاته كقولك والله والرحمن ورب العرش وعزة الله وقدرة ~~الله وجلال الله وعظمة الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحلفوا ~~بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالطواغيت ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله ~~إلا وأنتم صادقون» ولقد استحدث الناس ms2231 في هذا الباب في إسلامهم جاهلية نسبت ~~لها الجاهلية الأولى، وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته ~~على شيء لم يقبل منه ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به فتلك ~~عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف، ثم إنهم أكدوا يمينهم بأنواع ~~من التوكيد بقولهم: {إنا لنحن} أي: خاصة لا نستثني {الغالبون} وذلك لفرط ~~اعتقادهم في أنفسهم، أو لإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر. # {فألقى} أي: فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى {موسى عصاه} التي جعلت ~~آية له وتسبب عن إلقائه قوله تعالى: {فإذا هي تلقف} أي: تبتلع في الحال ~~بسرعة وهمة {ما يأفكون} أي: ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم ~~ويزورونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى بالتمويه على الناظرين ~~أو إفكهم، سمى تلك الأشياء إفكا مبالغة، وقرأ حفص بسكون اللام وتخفيف ~~القاف، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف، وشدد البزي التاء في الوصل # PageV03P011 # وخففها الباقون. # {فألقى السحرة} أي: عقب فعلها من غير تلبث {ساجدين} أي: فسجدوا بسرعة ~~عظيمة حتى كأن ملقيا ألقاهم من قوة إسراعهم علما منهم بأن هذا من عند الله ~~فأمسوا أتقياء بررة بعدما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة كفرة. # روي أنهم قالوا إن يك ما جاء به موسى سحرا فلن نغلب وإن يك من عند الله ~~فلن يخفى علينا، فلما قذف عصاه فتلقفت ما أتوا به علموا أنه من عند الله ~~فآمنوا. وعن عكرمة أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، وإنما عبر عن الخرور بالإلقاء ~~لأنه ذكر مع الإلقاآت فسلك به طريقة المشاكلة، وفيه أيضا: مع مراعاة ~~المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ~~ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا، فإن قيل: فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به؟. # أجيب: بأنه الله تعالى بما خولهم من التوفيق أو إيمانهم أو ما عاينوا من ~~المعجزة الباهرة، قال الزمخشري: ولك أن لا تقدر فاعلا لأن ألقوا بمعنى خروا ~~وسقطوا، ولما ms2232 كان كأنه قيل: هذا فعلهم فما كان قولهم: قيل. # {قالوا آمنا برب العالمين} أي: الذي دعا إليه موسى عليه السلام أول ما ~~تكلم وقولهم: # {رب موسى وهارون} عطف بيان لرب العالمين، لأن فرعون كان يدعي الربوبية ~~وأرادوا أن يعذلوه، ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام أنه الذي دعا إليه ~~موسى وهارون عليهما السلام، ولما آمن السحرة بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول ~~قومه أن هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر ~~موسى عليه السلام فيسلكون طريقهم، فلبس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى ~~من وجوه: أحدها: أن. # {قال آمنتم له} أي: لموسى {قبل أن آذن} أي: أنا {لكم} فمسارعتكم إلى ~~الإيمان به دالة على ميلكم إليه. # تنبيه: ههنا همزتان مفتوحتان، قرأ الجميع بإبدال الثانية ألفا، وحقق ~~الثانية حمزة والكسائي وشعبة، وسهلها الباقون غير حفص فإنه أسقط الأولى ~~والثانية عنده هي المبدوء بها. # ثانيها: قوله {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} وهذا تصريح بما رمز به أولا ~~وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى وقصروا في السحر ~~ليظهروا أمر موسى وإلا ففي قوة السحر أن تفعلوا مثل ما يفعل. # ثالثها: قوله {فلسوف تعلمون} وهو وعيد وتهديد شديد، رابعها: قوله: # {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} أي: يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى ~~{ولأصلبنكم أجمعين} وهذا الوعيد من أعظم الإهلاكات، ثم إنهم أجابوا عن هذه ~~الكلمات من وجهين: الأول: قولهم: # {قالوا لا ضير} أي: لا ضرر علينا وخبر لا محذوف تقديره في ذلك {إنا} أي: ~~بفعلك ذلك فينا إن قدرك الله تعالى عليه {إلى ربنا} الذي أحسن إلينا ~~بالهداية بعد موتنا بأي وجه كان {منقلبون} أي: راجعون في الآخرة، الثاني: ~~قولهم: # {إنا نطمع} أي: نرجو {أن يغفر} أي: يستر سترا بليغا {لنا ربنا خطايانا} ~~أي: التي قدمناها على كثرتها ثم عللوا طمعهم مع كثرة الخطايا بقولهم: {أن ~~كنا} أي: كونا هو لنا كالجبلة {أول المؤمنين} أي: من أهل هذا المشهد أو من ~~رعية فرعون أو ms2233 من أهل زمانهم ولما ظهر من أمر فرعون ما شاهدوه وخيف أن يقع ~~منه ببني إسرائيل وهم الذين آمنوا وكانوا في قوم موسى ج ما يؤدى إلى ~~الاستئصال أمره الله تعالى أن يسري بهم كما قال # PageV03P012 # تعالى: # {وأوحينا} أي: بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود ~~{إلى موسى أن أسر} ليلا {بعبادي} وذلك بعد سنين أقام بين أظهرهم يدعوهم إلى ~~الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتوا وفسادا، وقرأ نافع وابن كثير ~~بكسر النون ووصل الهمزة بعدها من سرى، وقرأ الباقون بسكون النون وقطع ~~الهمزة بعدها، ثم علل أمره له بالسير في الليل بقوله تعالى: {إنكم متبعون} ~~أي: لا تظن أنهم لكثرة ما رأوا من الآيات يكفون عن اتباعكم فأسرع بالخروج ~~لتبعدوا عنهم إلى الموضع الذي قدرت في الأزل أن يظهر بحري، والمراد: ~~يوافقهم عند البحر، ولم يكتم إتباعهم عن موسى لعدم تأثره به، والمعنى: أني ~~بنيت تدبير أمركم وأمرهم على أن تتقدموا ويتبعوكم حتى يدخلوا مدخلكم ~~ويسلكوا مسلككم من طريق البحر فأطبقه عليهم. # روي: أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد فاشتغلوا بموتاهم ~~حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن أجمع بني إسرائيل ~~كل أربعة أبيات في بيت ثم اذبحوا الجداء واضربوا بدمائها أبوابكم فإني سآمر ~~الملائكة أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم وآمرهم بقتل أبكار القبط واختبزوا ~~خبزا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري، ~~وروي أن قوم موسى قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيدا ثم استعاروا ~~منهم حليهم بهذا السبب ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، ~~فلما سمع فرعون ذلك جمع قومه وتبعهم كما قال تعالى: # {فأرسل فرعون} أي: لما أصبح وعلم بهم {في المدائن حاشرين} أي: رجالا ~~يجمعون الجنود بقوة وسطوة وإن كرهوا ويقولون تقوية لقلوبهم وتحريكا لهممهم. # {إن هؤلاء} إشارة بأداة القرب تحقيرا لهم إلى أنهم في القبضة وإن ms2234 بعدوا ~~لما بهم من العجز وبآل فرعون من القوة فليسوا بحيث يخاف قوتهم {لشرذمة} أي: ~~طائفة وقطعة من الناس {قليلون} أي: بالنسبة إلى مالنا من الجنود التي لا ~~تحصى فذكرهم أولا بالاسم الدال على القلة بالشرذمة وهي الطائفة القليلة، ~~ومنها قولهم: ثوب شرذم للذي بلي وتقطع قطعا، ثم جعلهم قليلا بالوصف ثم جمع ~~القليل فجعل كل حزب منهم قليلا واختار جمع السلامة الذي هو للقلة مع أنهم ~~كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا وسماهم بشرذمة قليلين وذلك بالنسبة لما أرسله ~~خلفهم، فإن الذي أرسله فرعون في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور ومع ~~كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم وكان مقدمته سبعمائة ألف كل رجل على ~~حصان وعلى رأسه بيضة، وعن ابن عباس خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث ~~فلذلك استقل قوم موسى، قال الزمخشري ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والقماءة ~~ولا يريد قلة العدد، والمعنى: أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع عليهم ~~غلبتهم وعلوهم ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا، كما قال تعالى ~~عنهم. # {وإنهم لنا لغائظون} أي: بما فجعونا به من أنفسهم وبما استعاروه من ~~الزينة من الأواني الذهب والفضة وفاخر الكسوة فلا رحمة في قلوبهم بجمعهم. # {وإنا لجميع حذرون} أي: من عادتنا الحذر والتيقظ واستعمال الحزم في ~~الأمور فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها ~~إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه، # PageV03P013 # وقرأ ابن ذكوان والكوفيون بألف بعد الحاء، والباقون بغير ألف، قال أبو ~~عبيدة والزجاج: هما بمعنى واحد يقال رجل حذر وحذور وحاذر بمعنى، وقيل بل ~~بينهما فرق فالحذر المتيقظ والحاذر الخائف. # قيل: الأول للتجدد لأنه اسم فاعل، والثاني: للثبات لأنه صفة مشبهة وقيل: ~~الحاذر المتبلج الذي له شوكة، السلاح وهو أيضا من الحذر لأن ذلك إنما يفعل ~~حذرا، يحكى أنه كان يتصرف في خراج مصر وأنه يجزئه أربعة أجزاء: أحدها: ~~لوزرائه وكتابه وجنده والثاني: لحفر الأنهار وعمل الجسور والثالث: له ~~ولولده ms2235 والرابع: يفرق في المدن، فإن لحقهم ظلم أو ظمأ أو اشتجار أو فساد ~~غلة أو موت عوامل قواهم به، ويروى أنه قصده قوم فقالوا نحتاج إلى أن نحفر ~~خليجا لنعمر ضياعنا فأذن في ذلك واستعمل عليهم عاملا فاستكثر ما حمل من ~~خراج تلك الناحية إلى بيت المال فسأل عن مبلغ ما أنفقوه في خليجهم فإذا هو ~~مائة ألف دينار، فأمر بحملها إليهم فامتنعوا من قبولها، فقال: اطرحوها ~~عليهم فإن الملك إذا استغنى بمال الرعية يعني رعيته افتقر، وإن الرعية إذا ~~استغنت بمال ملكهم استغنى واستغنوا، ولما كان التقدير فأطاعوا أمره ونفروا ~~على كل صعب وذلوا، عطف عليه قوله تعالى بما آل إليه أمرهم. # {فأخرجناهم} أي: فرعون وجنوده بما لنا من القدرة من مصر ليلحقوا بموسى ~~وقومه إخراجا حثيثا مما لا يسمع أحد بالخروج منه {من جنات} أي: بساتين كانت ~~على جانبي النيل يحق لها أن تذكر {وعيون} أي: أنهار جارية في الدور من ~~النيل، وقيل: عيون تخرج من الأرض لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر. # {وكنوز} أي: أموال ظاهرة من الذهب والفضة وسميت كنوز لأنها لم يعط حق ~~الله منها وما لم يعط حق الله تعالى منه فهو كنز وإن كان ظاهرا، قيل: كان ~~لفرعون ثمانمائة ألف غلام كل غلام على فرس عتيق في عنق كل فرس طوق من ذهب ~~{ومقام} من المنازل {كريم} أي: مجلس حسن للأمراء والوزراء بحقه اتباعهم، ~~وعن الضحاك: المنابر وقيل: السرر في الحجال، وذكر بعضهم أنه كان إذا قعد ~~على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم ~~الأقبية من الديباج مخوصة بالذهب. # {كذلك} أي: أخرجنا كما وصفنا {وأورثناها} أي: تلك النعم السنية بمجرد ~~خروجهم بالقوة وبعد إغراق فرعون وجنوده بالفعل {بني إسرائيل} أي: جعلناهم ~~بحيث يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعا يمنعهم منها بعد أن كانوا مستعبدين بين ~~أيدي أربابها، واستشكل إرثهم لها بالفعل لقوله تعالى في الدخان {قوما ~~آخرين} (الدخان، 28) # وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى ms2236 في ذلك المحل. بل قيل: إن بني ~~إسرائيل لم يرجعوا إلى مصر بعد ذلك ولما وصف تعالى الإخراج وصف أثره بقوله ~~تعالى: مرتبا عليه بالفعل وعلى الإيراث بالقوة. # {فأتبعوهم} أي: جعلوا أنفسهم تابعة لهم {مشرقين} أي: داخلين في وقت شروق ~~الشمس بطلوعها صبيحة الليلة التي سار فيها بنو إسرائيل، ولولا تقدير العزيز ~~العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن ذلك على حكم العادة في أقل من عشرة أيام ~~فإنه تعجز الملوك عن مثله، واستمروا إلى أن لحقوهم عند بحر القلزم. # {فلما تراءى الجمعان} أي: رأى كل منهما الآخر {قال أصحاب موسى} ضعفا ~~وعجزا استصحابا لما كانوا فيه عندهم من الذل، ولأنهم # PageV03P014 # أقل منهم بكثير بحيث يقال إن طليعة آل فرعون كانت على عدد بني إسرائيل ~~وذلك محقق لتقليل فرعون لهم، وكأنه عبر عنهم بأصحاب دون بني إسرائيل؛ لأنه ~~كان قد آمن كثير من غيرهم {إنا لمدركون} أي: يدركنا فرعون وقومه وقد صرنا ~~بين سدين العدو وراءنا والبحر أمامنا ولا طاقة لنا بذلك. # {قال} أي: موسى عليه السلام وثوقا بوعد الله تعالى {كلا} أي: لا يدركونكم ~~أصلا، ثم علل ذلك تسكينا لهم بقوله {إن معي ربي} أي: بنصره فكأنهم قالوا ~~وما عساه يفعل وقد وصلونا قال {سيهدين} أي: يدلني على طريق النجاة، روي: أن ~~مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى عليه السلام فقال أين تذهب فهذا البحر ~~أمامك وقد غشيك آل فرعون قال: أمرت بالبحر ولعلي أؤمر بما أصنع. # {فأوحينا} أي: فتسبب عن كلامه الدال على المراقبة أنا أوحينا ونوه باسم ~~الكليم جزاء له على ثقته به سبحانه وتعالى، فقال تعالى: {إلى موسى} وفسر ~~الوحي الذي فيه معنى القول بقوله تعالى: {أن اضرب بعصاك البحر} أي: الذي ~~أمامكم وهو بحر القلزم الذي يتوصل أهل مصر منه إلى الطور وإلى مكة المشرفة ~~وما والاها، وقيل: النيل، فضربه {فانفلق} بسبب ضربه لما ضربه امتثالا لأمر ~~ربه وصار اثني عشر فرقا على عدد أسباطهم {فكان كل فرق} أي: جزء وقسم عظيم ~~منه {كالطود} أي: ms2237 الجبل في إشرافه وطوله وصلابته بعدم السيلان {العظيم} ~~المتطاول في السماء الثابت في قعره لا يتزلزل لأن الماء كان منبسطا في أرض ~~البحر فلما انفلق وانكشف فيه الطريق انضم بعضه إلى بعض فاستطال وارتفع في ~~السماء بين تلك الأجزاء مسالك سلكوها لم يبتل منها سرج الراكب. # قال الزجاج: لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح والبحر يرمي بموج ~~كالجبال، فقال يوشع: يا كليم الله يا ابن امرأة عمران قد غشينا فرعون ~~والبحر أمامنا، فقال موسى: ههنا فخاض يوشع الماء وجاز البحر ما يواري حافر ~~دابته الماء، وقال الذي يكتم إيمانه يا كليم الله أين أمرت قال ههنا، فكبح ~~فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه، ثم أقحمه البحر فارتسب في الماء، وصنع ~~القوم مثل ذلك فلم يقدروا فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه أن ~~اضرب بعصاك البحر فضربه، فانفلق فصار فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق فإن ~~الرجل على فرسه لم يبتل سرجه ولا لبده. # روي: أن موسى قال عند ذلك يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن ~~بعد كل شيء، وهذا معجز عظيم من وجوه: أحدهما: أن تفرق ذلك الماء معجز ~~وثانيها: أن اجتماع ذلك الماء فوق كل فرق منه حتى صار كالجبل معجز أيضا، ~~وثالثها: أنه ثبت في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح ~~والظلمة ما حيرهم فاحتبسوا القدر الذي تكامل معه عدد بني إسرائيل وهذا معجز ~~ثالث، ورابعها: أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر بعضهم إلى بعض ~~وهذا معجز رابع، وخامسها: أن أبقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب آل فرعون ~~فطمعوا أن يتخصلوا من البحر كما تخلص موسى عليه السلام وهذا معجز خامس. # فائدة: لكل من جميع القراء في الراء من فرق الترقيق والتفخيم. ولما كان ~~التقدير: وأدخلنا كل شعب منهم في طريق من تلك الطرق عطف عليه. # {وأزلفنا} أي: قربنا بعظمتنا {ثم} أي: هناك {الآخرين} أي: فرعون وقومه ~~حتى سلكوا مسالكهم وقال ms2238 أبو عبيدة: وأزلفنا أخلفنا، ومنه ليلة المزدلفة أي: ~~ليلة الجمع، عن عطاء بن السائب: أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل ~~وقوم فرعون وكان يسوق بني إسرائيل ويقول ليلحق آخركم بأولكم ويستقبل القبط ~~ويقول رويدكم ليلحق آخركم أولكم. # {وأنجينا موسى ومن معه} وهم من تبعوه من قومه وغيرهم {أجمعين} أي: لم ~~نقدر على أحد منهم الهلاك بل أخرجناهم من البحر على هيئته المذكورة. # {ثم أغرقنا الآخرين} أي: فرعون # PageV03P015 # وقومه أجمعين بانطباق البحر عليهم لما تم دخولهم البحر وخروج بني إسرائيل ~~منه، ويقال هذا البحر بحر القلزم، وقيل: هو بحر من وراء مصر يقال له أساف. # {إن في ذلك} أي: الأمر العظيم العالي الرتبة من قصة موسى وفرعون وما فيها ~~من العظات {لآية} أي: علامة عظيمة دالة على قدرة الله تعالى لأن أحدا من ~~البشر لا يقدر عليه وعلى حكمته وكون وقوعه مصلحة في الدين والدنيا أو على ~~صدق موسى لكونه معجزة له وعلى التحذير عن مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ~~عليه السلام، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد بغتم بتكذيب ~~قومه معه ظهور المعجزات عليه فنبه الله تعالى بهذا الذكر على أن له أسوة ~~بموسى وغيره {وما كان أكثرهم} أي: أهل مصر الذين شاهدوها والذين وعظوا ~~بسماعها {مؤمنين} أي: متصفين بالإيمان الثابت، أما القبط فما آمن منهم إلا ~~السحرة ومؤمن آل فرعون وامرأة فرعون والمرأة التي دلتهم على عظام يوسف عليه ~~السلام، وأما بنو إسرائيل فكان كثير منهم متزلزلا يتعنت كل قليل ويقول ~~ويفعل ما هو كفر حتى تداركهم الله تعالى على يدي موسى عليه السلام ومن ~~بعده، وأول ما كان من ذلك سؤالهم إثر مجاوزة البحر أن يجعل لهم إلها ~~كالأصنام التي مروا عليها، وأما غيرهم ممن تأخر عنهم فحالهم معروف وأمرهم ~~مشاهد مكشوف فقد سألوه بقرة يعبدونها واتخذوا العجل وطلبوا رؤية الله جهرة. # {وإن ربك} أي: المحسن إليك بإعلاء أمرك واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على ~~يدك {لهو العزيز} أي: القادر على الانتقام ms2239 من كل فاجر {الرحيم} بعباده لأنه ~~تعالى أفاض عليهم نعمه وكان قادرا على أن يهلكهم، فدل ذلك على كمال رحمته ~~وسعة جوده وفضله. ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من قصة موسى عليه السلام ~~ليعرف محمدا صلى الله عليه وسلم أن تلك المحن التي أصابته كانت حاصلة ~~لموسى، أتبعه دلالة على رحمته وزيادة في تسلية نبيه قصة إبراهيم عليه ~~السلام وهي القصة الثانية بقوله تعالى: # {واتل} أي: اقرأ قراءة متتابعة يا أشرف الخلق {عليهم} أي: كفار مكة وقوله ~~تعالى: {نبأ} أي: خبر {إبراهيم} قراءة نافع وابن كثر وأبو عمرو في الوصل ~~بتسهيل الهمزة الثانية، وحققها الباقون، وفي الابتداء بالثانية الجميع ~~يحققون ويبدل منه. # {إذ} أي: حين {قال لأبيه وقومه} منبها لهم على ضلالهم لا مستعلما لأنه ~~كان عالما بحقيقة حالهم ولكنه سألهم بقوله: {ما} أي: أي شيء {تعبدون} أي: ~~تواطئون على عبادته ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء ~~كما تقول للتاجر ما مالك وأنت تعلم أن ماله الرقيق، ثم تقول الرقيق جمال ~~وليس بمال. # {قالوا} في جوابه {نعبد أصناما} ، فإن قيل: قوله عليه السلام ما تبعدون ~~سؤال عن المعبود فحسب، # PageV03P016 # فكان القياس أن يقولوا أصناما كقوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل ~~العفو} (البقرة: 219) # وكذا قوله تعالى: {ماذا قال ربكم قالوا الحق} (سبأ: 23) # وكقوله تعالى: {ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} ؟ (النحل: 30) # أجيب: بأن هؤلاء قد أجابوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين ~~فاشتملت على جواب إبراهيم عليه السلام وعلى ما قصدوه من إظهار ما في نفوسهم ~~من الابتهاج والافتخار، ألا تراهم كيف عطفوا على قولهم: نعبد {فنظل لها ~~عاكفين} ولم يقتصروا على زيادة نعبد وحده، ومثاله أن تقول لبعض الشطار ما ~~تلبس في بلادك فيقول: ألبس البرد إلا تحمى فأجر ذيله بين جواري الحي، وإنما ~~قالوا نظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، يقال ظل يفعل كذا إذا ~~فعل بالنهار، والعكوف: الإقامة على الشيء، ثم إن إبراهيم عليه السلام. # {قال} منبها على فساد مذهبهم {هل يسمعونكم} أي: ms2240 يسمعون دعاءكم أو ~~يسمعونكم تدعون فحذف ذلك لدلالة {إذ} أي: حين {تدعون} عليه، فعلى الأول: هي ~~متعدية لواحد اتفاقا، وعلى الثاني: هي متعدية لاثنين قامت الجملة المقدرة ~~مقام الثاني وهو قول الفارسي، وعند غيره الجملة المقدرة حال، وقرأ نافع ~~وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند التاء، والباقون بالإدغام. # {أو ينفعونكم} إن عبدتموهم {أو يضرون} أي: يضرونكم إن لم تعبدوهم، ولما ~~أقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام عليهم هذه الحجة الباهرة وهو أن الذي ~~يعبدونه لا يسمع دعاءهم حتى يعرف مقصودهم ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع ~~أو يدفع الضر فكيف يعبد ما هذه صفته ولم يجدوا ما يدفعون به حجته إلا ~~التقليد. # {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك} أي: مثل فعلنا هذا الفعل العالي الشأن ولو ~~لم يكن عند من نعبدهم شيء من ذلك، ثم صور إحالة آبائهم في نفوسهم تعظيما ~~لأمرهم بقولهم: {يفعلون} أي: فنحن نفعل كما فعلوا فإنهم حقيقيون منا بأن لا ~~نخالفهم مع سبقهم لنا إلى الوجود فهم أرصن منا عقولا وأعظم تجربة فلولا ~~أنهم رأوا ذلك حسنا ما واظبوا عليه، وهذا تقليد محض خال عن أدنى نظر كما ~~تفعل البهائم والطير في تبعها لأولها، ثم إن إبراهيم عليه السلام. # {قال} معرضا عن جواب كلامهم لما رآه ساقطا لا يرتضيه عاقل {أفرأيتم} أي: ~~تسبب عن قولكم هذا أني أقول لكم أرأيتم، أي: إن لم تكونوا رأيتموهم رؤية ~~موجبة لتحقق أمرهم فانظروهم نظرا شافيا {ما كنتم تعبدون} أي: مواظبين على ~~عبادتهم. # {أنتم وآباؤكم الأقدمون} أي: الذين هم أقدم ما يكون فإن التقدم والأولية ~~لا يكون برهانا على الصحة، والباطل لا ينقلب حقا بالقدم. # {فإنهم عدو لي} أي: أعداء لي، وإنما وحده على إرادة الجنس ويجيء العدو ~~والصديق في معنى الواحد والجماعة، قال القائل: # *وقوم على ذوي مثرة ... أراهم عدوا وكانوا صديقا* # ومنه قوله تعالى: {وهم لكم عدو} (الكهف: 50) # تشبها بالمصادر كالحنين والصهيل، وقيل: هو من المقلوب أراد أني عدو لهم ~~فإن من عاديته فقد عاداك، وقرأ ms2241 نافع أفرايتم بتسهيل الهمزة التي هي عين ~~الكلمة، ولورش أيضا إبدالها ألفا، وأسقطها الكسائي، وحققها الباقون. # فإن قيل: لم قال فإنهم عدو لي ولم يقل فإنها عدو لكم؟ أجيب: بأنه عليه ~~السلام صور المسألة في نفسه بمعنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي ولها ~~عبادة للعدوة فاجتنبتها وأراهم أنها نصيحة نصح بها # PageV03P017 # نفسه فإذا تفكروا قالوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه فيكون ذلك ~~أدعى إلى القبول وأبعث إلى الاستماع منه، ولو قال فإنهم عدو لكم لم يكن ~~بتلك المثابة ولأنه دخل في باب من التعريض وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا ~~يبلغه التصريح لأنه يتأمل فيه فربما قاده التأمل إلى التقبل، ومنه ما يحكى ~~عن الشافعي رضي الله عنه أن رجلا واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت لاحتجت ~~إلى أدب، وسمع رجل ناسا يتحدثون في الحجر فقال: ما هو ببيتي ولا ببيتكم، ~~وقوله {إلا رب العالمين} أي: مدبر هذه الأكوان كلها يصح أن يكون استثناء ~~منقطعا بمعنى أنهم عدو لي لا أعبدهم لكن رب العالمين فإني أعبده، وأن يكون ~~متصلا على أن الضمير لكل معبود عبدوه وكان من آبائهم من عبد الله تعالى ~~فكأنه قال إلا رب العالمين فإنه ليس بعدوي بل هو ولي ومعبودي، ثم شرع يصفه ~~بما هم به عالمون من أنه على الضد الأقصى من كل ما عليه أصنامهم بقوله: # {الذي خلقني} أي: أوجدني على هيئة التقدير والتصوير {فهو} أي: فتسبب عن ~~تفرده بخلقي أنه هو لا غيره {يهدين} أي: إلى الرشاد ولا يعلم باطن المخلوق ~~ويقدر على التصرف فيه غير خالقه ولا يكون خالقه إلا سميعا بصيرا ضارا نافعا ~~له الكمال كله وذكر الخلق بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا، والهداية ~~بالمضارعة لتجددها وتكررها، لأنه تعالى لما أتم خلقه ونفخ فيه الروح عقب ~~ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كل ما يصلحه ويعينه وإلا فمن هداه ~~إلى أن يتغذى بالدم في البطن امتصاصا؟ ومن هداه إلى معرفة الثدي عند ~~الولادة وإلى ms2242 معرفة مكانه؟ ومن هداه لكيفية الارتضاع إلى غير ذلك دينا ~~ودنيا. # {والذي} أي: {هو} لا غيره {يطعمني ويسقين} أي: يرزقني ويغذيني بالطعام ~~والشراب ولو أراد أعدم ما آكل وما أشرب أو أصابني بآفة لا أستطيع معها أكلا ~~ولا شربا، ونبه بذكر الطعام والشراب على ما عداهما. # تنبيه: يجوز في والذي يطعمني ويسقين أن يكون مبتدأ وخبره محذوف لدلالة ما ~~قبله عليه وكذا الذي بعده، ويجوز أن تكون أوصافا للذي خلقني ودخول الواو ~~جائز كقوله: # *إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم* # وتكرير الموصول على الوجهين للدلالة على أن كل واحدة من الصلات مستقلة ~~باقتضاء الحكم. # {وإذا مرضت} أي: باستيلاء بعض الأخلاط على بعض لما بينهما من التنافر ~~الطبيعي {فهو} أي: وحده {يشفين} أي: بسبب تعديل المزاج بتعديل الأخلاط ~~وقسرها عن الاجتماع لا بطبيب ولا غيره. # فإن قيل: لم أضاف المرض إلى نفسه مع أن المرض والشفاء من الله تعالى؟ ~~أجيب: بأنه قال ذلك استعمالا لحسن الأدب كما قال الخضر عليه السلام {فأردت ~~أن أعيبها} (الكهف: 79) # وقال {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} (الكهف، 82) ، وأجاب الرازي بأن أكثر ~~أسباب المرض محدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك، ومن ثم قال ~~الحكماء لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم لقالوا التخم، وبأن الشفاء ~~محبوب وهو من أصول النعم والمرض مكروه وليس من النعم، وكان مقصود إبراهيم ~~عليه السلام تعديد النعم ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إلى ~~الله تعالى # PageV03P018 # ولا ينتقض ذلك بإسناد الإماتة إليه كما سيأتي، فإن الموت ليس بضر لأن شرط ~~كونه ضرا وقوع الإحساس به وحال الموت لا يحصل الإحساس به إنما الضرر في ~~مقدماته وذلك هو عين المرض، ولأن الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق كان ~~بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر وخلاصها عنها عين السعادة بخلاف المرض. # {والذي يميتني} يقبض روحي في الدنيا ليخلصني من آفاتها {ثم يحيين} ~~للمجازاة في الآخرة كما شفاني من المرض، ولهذا التراخي بين الموت والإحياء ~~أتى ms2243 بثم هنا لأن الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة، ولما ذكر البعث ذكر ~~ما يترتب عليه بقوله: # {والذي أطمع} هضما لنفسه وإطراحا لأعماله {أن يغفر} أي: يمحو أو يستر {لي ~~خطيئتي} أي: تقصيري عن أن أقدره حق قدره {يوم الدين} أي: الجزاء. # روي أن عائشة قالت قلت يا رسول الله: إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل ~~الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه لم يقل يوما رب ~~اغفر لي خطيئتي يوم الدين» وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه أنه لا ~~يصلح للإلهية إلا من يفعل هذه الأفعال. # فإن قيل: لم قال والذي أطمع والطمع عبارة عن الظن والرجاء وهو عليه ~~السلام كان قاطعا بذلك؟. # أجيب: بأن في ذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يجب عليه لأحد شيء، فإنه ~~يحسن منه تعالى كل شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله. # فإن قيل: لم أسند لنفسه الخطيئة مع أن الأنبياء معصومون؟ أجيب: بأن ~~مجاهدا قال هي قوله: إني سقيم وقوله: بل فعله كبيرهم هذا وقوله: لسارة هي ~~أختي، ورد بأن هذه معاريض كلام وتخيلات للكفرة وليست بخطايا يطلب لها ~~الاستغفار، والأولى في الجواب أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم وهضم ~~لأنفسهم، ويدل عليه قوله: أطمع ولم يجزم القول بالمغفرة، وفيه تعليم لأممهم ~~وليكون لطفا لهم باجتنابهم المعاصي والحذر منها وطلب المغفرة مما يفرط ~~منهم، فإن قيل: لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين وإنما المغفرة في الدنيا؟ ~~أجيب: بأن أثرها يتبين يومئذ وهو الآن خفي لا يعلم، ولما حكى الله تعالى عن ~~إبراهيم عليه السلام ثناء عليه ذكر بعد ذلك دعاءه ومسألته بقوله. # {رب} أي: أيها المحسن إلي {هب لي حكما} أي: عملا متقنا بالعلم، وقال ابن ~~عباس: معرفة حدود الله وأحكامه، وقال الكلبي: النبوة لأن النبي ذو حكمة وذو ~~حكم بين عباد الله، ثم بين أن الاعتماد إنما هو على محض الكرم فإن من نوقش ~~الحساب عذب بقوله {وألحقني بالصالحين} أي: الذين جعلتهم أئمة للمتقين في ms2244 ~~الدنيا والآخرة وهم الأنبياء والمرسلون، وقد أجابه الله تعالى حيث قال ~~{وإنه في الآخرة لمن الصالحين} (البقرة: 130) # وفي ذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات، فإن قيل: لم ~~لم يقتصر إبراهيم عليه السلام على الثناء ولا سيما يروى عنه أنه قال حسبي ~~من سؤالي علمه بحالي؟. # أجيب: بأنه عليه السلام إنما ذكر ذلك حين اشتغاله بدعوة الخلق إلى الحق ~~لأنه قال فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ثم ذكر الثناء ثم ذكر الدعاء لما أن ~~الشارع لا بد له من تعليم الشرع فأما حين خلا بنفسه ولم يكن غرضه تعليم ~~الشرع اقتصر على قوله حسبي من سؤالي علمه بحالي. # تنبيه: الإلحاق بالصالحين أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم أو يجمع بينه ~~وبينهم في المنزلة والدرجة في الجنة، ثم إنه عليه السلام طلب زيادة في ~~الآخرة بقوله: # {واجعل لي لسان # PageV03P019 # صدق} أي: ذكرا جميلا وقبولا عاما وثناء حسنا بما أظهرت من خصال الخير {في ~~الآخرين} أي: من الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين لأكون للمتقين ~~إماما، فيكون لي مثل أجورهم، فإن من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة، قال ابن عباس: أعطاه الله تعالى بقوله: {وتركنا عليه ~~في الآخرين} (الصافات: 78) # أن أهل الإيمان يتولونه ويثنون عليه وقد جعله الله شجرة مباركة فرع منها ~~الأنبياء الذين أحيا الله تعالى بهم ذكره الذي من أعظمه ما كان على لسان ~~أعظمهم النبي الأمي صلى الله عليه وسلم من قوله اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد كما صليت على إبراهيم إلى آخره، ولما طلب عليه السلام سعادة الدنيا ~~وكان لا نفع لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة التي هي الجنة طلبها بقوله: # d # {واجعلني} أي: مع ذلك كله بفضلك ورحمتك {من ورثة جنة النعيم} لأن فيها ~~النظر إلى وجه الله الكريم وهو السعادة الكبرى، شبهها بالأرض الذي يحصل ~~بغير اكتساب إشارة إلى أنها لا تنال إلا بمنه وكرمه لا بشيء من ذلك، ولما ms2245 ~~دعا لنفسه ثنى بأحق الخلق ببره بقوله: # {واغفر لأبي} بالهداية والتوفيق إلى الإيمان لأن المغفرة مشروطة بالإيمان ~~وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط، فقوله: {واغفر لأبي} كأنه دعاء له ~~بالإيمان، وقيل: إن أباه وعده بالإسلام لقوله تعالى: {وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} (التوبة: 114) # فدعا له قيل: أن يتبين له أنه عدو لله كما سبق في سورة التوبة، وقيل: إن ~~أباه قال له أنه على دينه باطنا وعلى دين نمروذ ظاهرا وتقية وخوفا فدعا له ~~لاعتقاده أن الأمر كذلك فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه، ولذلك قال في ~~دعائه {إنه كان من الضالين} فلولا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضال لما ~~قال ذلك، وقيل: إن الاستغفار للكفار لم يكن ممنوعا إذ ذاك. # {ولا تخزني} أي: تفضحني {يوم يبعثون} أي: العباد، فإن قيل: كان قوله: ~~{واجعلني من ورثة جنة النعيم} كافيا عن هذا وأيضا قال تعالى: {إن الخزي ~~اليوم والسوء على الكافرين} (النحل: 27) # فما كان نصيب الكفار فقط كيف يخافه المعصوم؟ أجيب: بأن حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين، فكذا درجات الأبرار خزي المقربين وخزي كل واحد بما يليق ~~به، ولما نبه عليه السلام على أن المقصود هو الآخرة صرح بالتنزيه في الدنيا ~~بقوله: # {يوم لا ينفع} أي: أحدا {مال} أي: يفتدى به أو يبذله لشافع أو ناصر وقاهر ~~{ولا بنون} ينتصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم، وفي استثناء قوله: # {إلا من} أوجه: أحدها: أنه منقطع وجرى عليه الجلال المحلي أي: لكن من ~~{أتى الله بقلب سليم} فإنه ينفعه ذلك، الثاني: أنه مفعول به لقوله تعالى: ~~لا ينفع أي: لا ينفع المال والبنون إلا هذا الشخص فإنه ينفعه ماله المصروف ~~في وجوه البر وبنوه الصلحاء لأنه علمهم وأحسن إليهم، الثالث: أنه بدل من ~~المفعول المحذوف ومستثنى منه إذ التقدير لا ينفع مال ولا بنون أحدا من ~~الناس إلا من كانت هذه صفته. # واختلف في القلب السليم على أوجه: قال الرازي أصحها: أن المراد منه سلامة ~~النفس عن الجهل ms2246 والأخلاق الرذيلة، الثاني: أنه الخالص من الشرك والنفاق وهو ~~قلب المؤمن وجرى على هذا الجلال المحلي وأكثر المفسرين، فإن الذنوب قل أن ~~يسلم # PageV03P020 # منها أحد، وهذا معنى قول سعيد بن المسيب. السليم: هو الصحيح وهو قلب ~~المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض، قال تعالى: {في قلوبهم مرض} (البقرة: ~~10) # الثالث: أنه الذي سلم وسلم وأسلم وسالم واستسلم، الرابع: أنه هو اللديغ ~~أي: القلق المنزعج من خشية الله، لكن قال الزمخشري: أن القولين الأخيرين من ~~بدع التفاسير، وقوله تعالى: # {وأزلفت الجنة} حال من واو يبعثون، ومعنى أزلفت قربت أي: قربت الجنة ~~{للمتقين} فتكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم ~~المحشورون إليها زيادة إلى شرفهم. # {وبرزت الجحيم} أي: كشفت وظهرت النار الشديدة {للغاوين} أي: الكافرين ~~فيرونها مكشوفة ويحشرون على أنهم المسوقون إليها زيادة في هوانهم. # تنبيه: في اختلاف الفعلين بترجيح لجانب الوعد على الوعيد حيث قال في حق ~~المتقين وأزلفت أي: قربت وفي حق الغاوين وبرزت أي: أظهرت ولا يلزم من ~~الظهور القرب. # {وقيل لهم} تبكيتا وتنديما وتوبيخا، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد تحقيرا ~~لهم، ولأن المراد نفس القول لا كونه من معين {أينما} أي: أين الذي {كنتم ~~تعبدون} في الدنيا، ثم حقر معبوداتهم بقوله تعالى: # {من دون} أي: من أدنى رتبة من رتب {الله} أي: الملك الذي لا كفء له، ~~وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شر هذا اليوم {هل ينصرونكم} بدفع ~~العذاب عنكم {أو ينتصرون} بدفعه عن أنفسهم. # {فكبكبوا} أي: فتسبب عن عجزهم أن ألقوا {فيها} أي: في مهواة الجحيم {هم} ~~أي: الأصنام وما شابهها من الشياطين ونحوهم {والغاوون} أي: الذين ضلوا بهم، ~~والكبكبة: تكرار الكب لتكرير معناه كأن من ألقى في النار ينكب مرة بعد أخرى ~~حتى يستقر في قعرها، وقال الزجاج: طرح بعضهم فوق بعض، وقال القتيبي: ألقوا ~~على رؤوسهم. # {وجنود إبليس} وهم اتباعه ومن أطاعه من الإنس والجن، وقيل ذريته {أجمعون} ~~ولما لم يتمكنوا من قول في جواب استفهامهم قبل إلقائهم. # {قالوا} أي: العبدة {وهم فيها} ms2247 أي: الجحيم {يختصمون} أي: مع المعبودات ~~وقولهم: # {تالله} أي: الذي له جميع الكمال {إن كنا لفي ضلال مبين} أي: ظاهر جدا ~~لمن كان له قلب سليم معمول قولهم وما بينهما، وهو وهم فيها يختصمون جملة ~~حالية معترضة بين القول ومعموله وقيل: إن الأصنام تنطق وتخاصم العبدة، ~~ويؤيده الخطاب في قولهم: # {إذ} أي: حين {نسويكم برب العالمين} في استحقاق العبادة. # تنبيه: إذ منصوب إما بمبين أو بمحذوف أي: ضللنا في وقت تسويتنا لكم بالله ~~في العبادة. # {وما أضلنا} أي: ذلك الضلال المبين عن الطريق البين {إلا المجرمون} أي: ~~الأولون الذين اقتدينا بهم من رؤسائنا وكبرائنا كما في آية أخرى {ربنا إنا ~~أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} (الأحزاب: 67) # وعن ابن جريح: إبليس وابن آدم الأول وهو قابيل وهو أول من سن القتل ~~وأنواع المعاصي. # {فما} أي: فتسبب عن ذلك أنه ما {لنا} اليوم وزادوا في تعميم النفي بزيادة ~~الجار فقالوا {من شافعين} يكونون سببا لإدخالنا الجنة كالمؤمنين تشفع لهم ~~الملائكة والنبيون. # {ولا صديق حميم} أي: قريب يشفع لنا يقول ذلك الكفار حين تشفع الملائكة ~~والنبيون والمؤمنون، والصديق: هو الصادق في ودادك الذي يهمه # PageV03P021 # ما أهمك مع موافقة الدين، وعن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان وصديقه في الجحيم ~~فيقول الله تعالى أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي في النار فما لنا ~~من شافعين ولا صديق حميم» قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن ~~لهم شفاعة يوم القيامة، فإن قيل: لم جمع الشافع ووحد الصديق؟ أجيب: بأن ~~الشفعاء كثيرون في العادة رحمة له وحسبة وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة، ~~وأما الصديق وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك، قال الزمخشري: فأعز من ~~بيض الأنوق انتهى. قال الجوهري: الأنوق على فعول طير وهو الرخمة وفي المثل ~~أعز من بيض الأنوق لأنها محرزة فلا يكاد يظفر بها لأن أوكارها في رؤوس ~~الجبال والأماكن الصعبة البعيدة، وعن بعض الحكماء ms2248 أنه سئل عن الصديق فقال ~~اسم لا معنى له: أي: لا يوجد ولما وقعوا في هذا الهلاك وانتفى عنهم الخلاص ~~تسبب عنه تمنيهم المحال فقالوا. # {فلو أن لنا كرة} أي: رجعة إلى الدنيا {فنكون من المؤمنين} أي: الذين صار ~~الإيمان لهم وصفا لازما فأزلفت لهم الجنة. # تنبيه: انظر ما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين حين ~~سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها ~~بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع وعلى تقليدهم آباؤهم الأقدمين ~~فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه ~~دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر الله عز وجل فعظم شأنه وعدد نعمته من لدن خلقه ~~وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه ~~بدعوات المخلصين وابتهل إليه ابتهال الأوابين، ثم وصله بذكر يوم القيامة ~~وثواب الله تعالى وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة ~~على ما كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا. # {إن في ذلك} أي: المذكور من قصة إبراهيم وقومه {لآية} أي: عظة على بطلان ~~الباطل وحقوق الحق {وما} أي: والحال أنه ما {كان أكثرهم} أي: الذين شهدوا ~~منهم هذا الأمر العظيم الذي سمعوه عنه {مؤمنين} أي: بحيث صار الإيمان صفة ~~لهم ثابتة وفي ذلك أعظم تسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم # {وإن ربك} أي: المحسن إليك بإرسالك وهداية الأمة بك {لهو العزيز} أي: ~~القادر على إيقاع النقمة بكل من خالفه حين يخالفه {الرحيم} أي: الفاعل فعل ~~الراحم في إمهاله العصاة مع إدرار النعم ودفع النقم وإرسال الرسل ونصب ~~الشرائع لكي يؤمنوا أو أحد من ذريتهم، ولما أتم سبحانه وتعالى قصة الأب ~~الأعظم الأقرب إبراهيم عليه السلام أتبعها بقصة الأب الثاني وهو نوح عليه ~~السلام وهي القصة الثالثة مقدمها لها على غيرها لما له من القدم في الزمان ~~إعلاما بأن البلاء قديم ms2249 ولأنها أدل على صفتي الرحمة والنعمة اللتين هما ~~أثرا لغرة بطول الإملاء لهم على طول مدتهم ثم تعميم النعمة مع كونهم جميع ~~أهل الأرض فقال: # {كذبت قوم نوح} وهم أهل الأرض كلها من الآدميين قبل اختلاف الأمم بتفرق ~~اللغات {المرسلين} أي: بتكذيبهم نوحا عليه السلام لأنه أقام الدليل على ~~نبوته بالمعجزة ومن كذب بالمعجزة فقد كذب بجميع المعجزات لتساوي # PageV03P022 # أقدامها في الدلائل على صدق الرسول، وقد سئل الحسن البصري عن ذلك فقال: ~~من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الكل لأن الأخير جاء بما جاء به الأول. # تنبيه: القوم يؤنث باعتبار معناه ولذا يصغر على قويمة، ويذكر باعتبار ~~لفظه وتذكيره أشهر، واختير التأنيث ههنا للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال ~~وإلى أنهم مع عتوهم وكثرتهم كانوا عليه سبحانه وتعالى أهون شيء وأضعفه بحيث ~~جعلهم هباء منثورا وكذا من بعدهم ولأجل التسلية عبر بالتكذيب في كل قصة. # {إذ} أي: حين {قال لهم أخوهم} أي: في النسب لا في الدين {نوح} وذكر ~~الأخوة زيادة في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وأشار تعالى إلى حسن أدب ~~نوح عليه السلام مع قومه واستجلابهم برفقه ولينه بقوله لهم {ألا تتقون} ~~الله بأن تجعلوا بينكم وبينه وبين الحفظة وقاية بطاعته بالتوحيد وترك ~~الالتفات إلى غيره ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله: # {إني لكم} أي: مع كوني أخاكم يسرني ما يسركم ويسوءني ما يسوءكم {رسول} ~~أي: من عند خالقكم فلا مندوحة لي عما أمرت به {أمين} أي: مشهور بالأمانة ~~بينكم لا غش عندي كما تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم لي ثم تسبب عن ذلك ~~الرفق الجزم بالأمر فقال: # {فاتقوا الله} أي: أوجدوا الخوف والحذر والتحرز الذي اختص بالجلال ~~والجمال لتحوزوا أصل السعادة فتكونوا من أهل الجنة {وأطيعون} فيما آمركم به ~~من توحيد الله وطاعته ثم نفى عن نفسه التهمة بعد أن أثبت أمانته بقوله. # {وما أسألكم عليه} أي: على هذا الحال الذي أتيتكم به وأشار إلى الإغراق ~~في النفي بقوله {من أجر} لتظنوا أني جعلت ms2250 الدعاء سببا لذلك، ثم أكد النفي ~~بقوله {إن} أي: ما {أجري} أي: ثوابي في دعائي لكم {إلا على رب العالمين} ~~أي: الذي دبر جميع الخلائق ورباهم، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ~~بفتح الياء في أجري في المواضع الخمسة في هذه السورة، والباقون بالسكون ~~ولما انتفت التهمة تسبب عن انتفائها إعادة ما قدمه إعلاما بالاهتمام به ~~زيادة في الشفقة عليهم فقال: # {فاتقوا الله} أي: الذي حاز جميع صفات العظمة {وأطيعون} ولما أقام الدليل ~~على نصحه وأمانته. # {قالوا} أي: قومه منكرين عليه ومنكرين لاتباعه استنادا إلى الكبر الذي ~~ينشأ عنه بطر الحق وغمص الناس أي: احتقارهم {أنؤمن لك} أي: لأجل قولك هذا ~~وما أوتيته من أوصافك {و} الحال أنه قد {اتبعك الأرذلون} أي: فيكون إيماننا ~~بك سببا لاستوائنا معهم، والرذالة: الخسة والذلة، وإنما استرذلوهم لاتضاع ~~نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا، قيل: كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة ~~والحجامة والصناعة لا تزري بالديانة وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما زالت أتباع الأنبياء كذلك حتى كادت من سماتهم ~~وأماراتهم، ألا ترى إلى هرقل حيث سأل أبا سفيان عن أتباع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما قال ضعفاء الناس وأراذلهم قال: مازالت أتباع الأنبياء ~~كذلك، وعن ابن عباس هم الفاتحة، وعن عكرمة الحاكة والإساكفة، وعن مقاتل ~~السفلة ولما كانت هذه الشبهة في غاية الركاكة لأن نوحا بعث إلى جميع قومه ~~فلا يختلف الحال بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب وخستها أجابهم # PageV03P023 # بقوله: # {قال وما} أي: أي شيء {علمي بما كانوا يعملون} قبل أن يتبعوني أي: مالي ~~وللبحث عن سرائرهم، وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا مع استرذالهم في إيمانهم ~~وأنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة وإنما آمنوا هوى وبديهة كما حكى الله عنهم ~~في قوله: {الذين هم أراذلنا بادي الرأي} (هود: 27) # ثم أكد أنه لا يبحث عن بواطنهم بقوله: # {إن} أي: ما {حسابهم} أي: في الماضي والآتي {إلا على ربي} أي: المحسن إلي ~~فهو محاسبهم ومجازيهم، ms2251 وأما أنا فلست بمحاسب ولا مجاز {لو تشعرون} أي: لو ~~كان لكم نوع شعور لعلمتم ذلك فلم تقولوا ما قلتم ما هو دائر على أمور ~~الدنيا فقط ولا نظر له إلى يوم الحساب، فإن الغنى غنى الدين والنسب نسب ~~التقوى، ولما أوهم قولهم: هذا استدعاء طرد هؤلاء الذين آمنوا معه وتوقيف ~~إيمانهم عليه حيث جعلوا أتباعهم المانع عنه أجابهم بقوله عليه السلام. # {وما} أي: ولست {أنا بطارد المؤمنين} أي: الذين صار الإيمان لهم وصفا ~~راسخا فلم يرتدوا عنه للطمع في إيمانكم ولا لغيره من أتباع شهواتكم، ثم علل ~~ذلك بقوله: # {إن أنا إلا نذير} أي: محذر لا وكيل فاتش على البواطن ولامتنعت عن ~~الاتباع {مبين} أوضح ما أرسلت به فلا أدع فيه لبسا، وقرأ قالون بمد أنا في ~~الوصل بخلاف عنه، والباقون بالقصر، ولما أجابهم بهذا الجواب وقد أيسوا مما ~~راموه لم يكن منهم إلا التهديد بأن. # {قالوا لئن لم تنته} ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب بقولهم: {يا نوح} عما ~~تقوله {لتكونن من المرجومين} قال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالحجارة، ~~وقال الضحاك: من المشتومين فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم ~~فلذلك. # {قال} شاكيا إلى الله ما هو أعلم به منه توطئة للدعاء عليهم ومعرضا عن ~~تهديدهم له صبرا واحتسابا لأنه من لازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~{رب} أي: أيها المحسن إلي {إن قومي كذبون} أي: فيما جئت به فليس الغرض من ~~هذا إخبار الله بالتكذيب لعلمه بأنه عالم الغيب والشهادة ولكنه أراد لا ~~أدعوك عليهم لما آذوني وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوك في وحيك ~~ورسالتك. # {فافتح} أي: احكم {بيني وبينهم فتحا} أي: حكما يكون لي فيه فرج وبه من ~~المضيق مخرج فأهلك المبطلين {ونجني ومن معي} أي: في الدين {من المؤمنين} ~~مما تعذب به الكافرين، ثم لما كان في إهلاكهم وإنجائه من بديع الصنع ما يجل ~~عن الوصف أظهره في مظهر العظمة بقوله تعالى: # {فأنجيناه ومن معه} أي: الذين اتبعوه في الدين على ms2252 ضعفهم وقلتهم {في ~~الفلك} أي: السفينة وجمعه فلك قال الله تعالى: {وترى الفلك فيه مواخر} ~~(فاطر: 12) # قالوا حد بوزن قفل والجمع بوزن أسد، وقال تعالى {المشحون} أي: الموقور ~~المملوء من الناس والطير والحيوان لأن سلامة المملوء جدا أغرب، ولما كان ~~إغراقهم كلهم من الغرائب عظمه بأداة البعد فقال تعالى: # {ثم أغرقنا بعد} أي: بعد إنجاء نوح ومن معه {الباقين} أي: من بقي على ~~الأرض ولم يركب معه في السفينة على قوتهم وكثرتهم. # {إن في ذلك} أي: الأمر العظيم من الدعاء والإمهال ثم الإنجاء والإهلاك ~~{لأية} أي: عظة لمن شاهد ذلك أو سمع به {وما} أي: والحال أنه ما {كان ~~أكثرهم} أي: العالمين بذلك {مؤمنين} وقد كان ينبغي لهم إذ فاتهم الإيمان ~~بمحض الدليل أن يبادروا بالإيمان حين رأوا أوائل العذاب. # {وإن ربك} المحسن # PageV03P024 # إليك بإرسالك وتكثير أتباعك وتعظيم أشياعك {لهو العزيز} أي: القادر بعزته ~~على كل من قسرهم على الطاعة وإهلاكهم في أول أوقات المعصية {الرحيم} أي: ~~الذي يخص من شاء من عباده بخالص وداده. # ولما فرغ من ذكر قصة نوح عليه السلام شرع في قصة هود عليه السلام وهي ~~القصة الرابعة فقال تعالى: # {كذبت عاد} أي: تلك القبيلة التي مكن الله تعالى لها في الأرض بعد قوم ~~نوح {المرسلين} بالأعراض عن معجزة هود عليه السلام، ثم سلى محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بقوله تعالى: # {إذ} أي: حين {قال لهم أخوهم} أي: في النسب لا في الدين {هود} بصيغة ~~العرض تأدبا معهم وتلطفا بهم {ألا تتقون} أي: يكون منكم تقوى لربكم الذي ~~خلقكم فتعبدونه ولا تشركون به ما لا يضركم ولا ينفعكم، ثم علل ذلك بقوله: # {إني لكم رسول} أي: فهو الذي حملني على أن أقول لكم ذلك {أمين} أي: لا ~~أكتم عنكم شيئا مما أمرت به ولا أخالف شيئا منه. # {فاتقوا} أي: فتسبب عن ذلك أن أقول لكم اتقوا {الله} أي: الذي هو أعظم من ~~كل شيء {وأطيعون} أي: في كل ما آمركم به من طاعة الله وترك معاصيه ms2253 ومخالفته ~~ثم نفى عن نفسه التهمة في دعائه لهم بقوله: # {وما} أي: والحال أني ما {أسألكم عليه} أي: دعائي لكم {من أجر} فتتهموني ~~به وإنما أنا رسول داع {إن} أي: ما {أجري} أي: ثوابي {إلا على رب العالمين} ~~فهو الذي يثيب العبد على عمله، ولما فرغ من دعائهم إلى الإيمان أتبعه إنكار ~~بعض ما هم عليه لأن حالهم حال الناسي لذلك الطوفان الذي أهلك الحيوان وأهدم ~~البنيان بقوله لهم: # {أتبنون بكل ريع} جمع ريعة وهو في اللغة المكان المرتفع، ومنه قولهم: كم ~~ريع أرضك وهو ارتفاعها، وقال ابن عباس: الريع كل شرف، وقال مجاهد: هو الفج ~~بين الجبلين، وقال الضحاك: هو كل طريق {آية} أي: علامة على شدتكم لأنه لو ~~كان لهداية أو نحوها لكفى بعض ذلك ولكنكم {تعبثون} بمن يمر في الطريق إلى ~~هود عليه السلام وتسخرون منه، والجملة حال من ضمير تبنون، وقيل: كانوا ~~يبنون الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم فنهوا عن ذلك ونسبوا إلى العبث، ~~وقال سعيد بن جبير: هي بروج الحمام لأنهم كانوا يلعبون بالحمام، ثم ذكرهم ~~بزوال الدنيا بقوله. # {وتتخذون مصانع} قال مجاهد: قصورا مشيدة، وقال الكلبي هي الحصون، وقال ~~قتادة: هي مأخذ الماء يعني الحياض واحدها مصنعة، ولما كان هذا الفعل حال ~~الراجي للخلود قال لهم {لعلكم} أي: كأنكم {تخلدون} فيها فلا تموتون، ثم بين ~~لهم أفعالهم الخبيثة بقوله: # {وإذا بطشتم} أي: أردتم البطش بأحد بضرب أو قتل {بطشتم جبارين} أي: من ~~غير رأفة، قال البغوي: والجبار: الذي يضرب ويقتل على الغضب. # تنبيه: إنما قدرنا الإرادة لئلا يتحد الشرط والجزاء، وجبارين حال، ولما ~~خوفهم هود عليه السلام بهذا الإنكار وهو أن اتخاذ الأبنية العالية يدل على ~~حب الدنيا واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء والجبارية تدل على حب التفرد ~~بالعلو وهي ممتنعة الحصول للعبد وخوفهم بهذا الإنكار عقاب الجبار تسبب عن ~~ذلك قوله: # {فاتقوا الله} أي: الذي له صفات الجلال والإكرام {وأطيعون} زيادة في ~~دعائهم إلى الآخرة وزجرا لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالشرف ms2254 والتجبر، ثم ~~وصل هذا # PageV03P025 # الوعظ بما يؤكد القبول بأن نبههم على نعم الله تعالى عليهم بقوله: # {واتقوا الذي أمدكم} أي: جعل لكم مددا وهو اتباع الشيء ما يقو به على ~~الانتظام {بما تعلمون} أي: ليس فيه نوع خفاء حتى تغفلوا عن تقييد بالشكر، ~~ثم فصل ذلك المجمل بقوله: # {أمدكم بأنعام} تعينكم على الأعمال وتأكلون منها وتبيعون {وبنين} . # يعينونكم على ما تريدون عند العجز. # {وجنات} أي: بساتين ملتفة الأشجار بحيث تستر داخلها {وعيون} أي: أنهار ~~تشربون منها وتسقون أنعامكم وبساتينكم ثم خوفهم بقوله: # {إني أخاف عليكم} قال ابن عباس: إن عصيتموني أي: فإنكم قومي يسوءني ما ~~يسوءكم {عذاب يوم عظيم} في الدنيا والآخرة فإنه كما قدر على الإنعام فهو ~~قادر على الانتقام وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب، ولما بالغ عليه ~~السلام في وعظهم وتنبيههم على نعم الله تعالى حيث أجملها ثم فصلها مستشهد ~~بعلمهم وذلك أنه أيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حين قال: {أمدكم بما تعلمون} ثم ~~عددها عليهم وعرفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من نعمته وأنه كما قدر أن ~~يتفضل عليكم بهذه النعمة قادر على الانتقام منكم ولم يقدر الله تعالى ~~هدايتهم. # {قالوا} له راضين بما هم عليه {سواء علينا أوعظت} أي: خوفت وحذرت {أم لم ~~تكمن من الواعظين} فإنا لا نرعوي عما نحن فيه، فإن قيل: لو قيل أوعظت أم لم ~~تعظ كان أخصر والمعنى واحد؟ أجيب: بأن ذلك لتواخي القوافي، أو لأن المعنى ~~ليس واحدا بل بينهما فرق لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو ~~الوعظ أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من ~~قولك أم لم تعظ، وقرأ قوله تعالى: # أي: ما {هذا} أي: الذي جئتنا به {إلا خلق الأولين} نافع وابن عامر وعاصم ~~وحمزة بضم الخاء واللام أي: ما هذا الذي نحن فيه إلاعادة الأولين في حياة ~~ناس وموت آخرين وعافية قوم وبلاء آخرين، وقرأ الباقون بضم الخاء وسكون ~~اللام أي: ما هذا إلا كذب الأولين. # {وما ms2255 نحن بمعذبين} أي: على ما نحن عليه لأنا أهل قوة وشجاعة ونجدة وبلاغة ~~وبراعة، لما تضمن هذا التكذيب تسبب عنه قوله تعالى: # {فكذبوه} ثم تسبب عن تكذيبهم قوله تعالى: {فأهلكناهم} أي: في الدنيا بريح ~~صرصر، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة الحاقة {إن في ذلك} أي: ~~الإهلاك في كل قرن للمكذبين والإنجاء للمصدقين {لآية} أي: عظيمة لمن بعدهم ~~على أنه تعالى فاعل ذلك وحده وأنه مع أوليائه ومن كان معه لا يذل وأنه على ~~أعدائه ومن كان عليه لا يعز {وما كان أكثرهم} أي: أكثر من كان بعدهم ~~{مؤمنين} أي: فلا تحزن أنت يا أشرف الرسل على من أعرض عن الإيمان. # {وإن ربك} أي: المحسن إليك بإرسالك وغيره من النعم {لهو العزيز} في ~~انتقامه ممن عصاه {الرحيم} في إنعامه وإكرامه وإحسانه مع عصيانه وكفرانه ~~وإرسال المرسلين وتأييدهم بالآيات المعجزة. # ثم أتبع قصة هود عليه السلام قصة صالح عليه السلام وهي القصة الخامسة ~~بقوله تعالى: # {كذبت ثمود} وهم أهل الحجر {المرسلين} وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار ~~المثناة عند المثلثة، والباقون بالإدغام وأشار تعالى إلى زيادة التسلية ~~بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تأمل ولا توقف بقوله تعالى: # {إذ} أي: حين {قال لهم أخوهم} # PageV03P026 # أي: في النسب لا في الدين {صالح} بصيغة العرض تأدبا معهم وتلطفا بهم كقول ~~من تقدم قبله {ألا تتقون} الله، ثم علل ذلك بقوله: # {إني لكم رسول} من رب العالمين فلذلك عرضت عليكم هذا لأني مأمور بذلك ~~{أمين} في جميع ما أرسلت به إليكم من خالقكم الذي لا أحد أرحم منه بكم، ثم ~~تسبب عن قوله: {إني لكم رسول} قوله: # {فاتقوا الله} أي: الذي له الغنى المطلق {وأطيعون} فيما أتيت به من عند ~~الله، ثم نفى عنه ما فديتموهم ممن لا عقل له بقوله: # {وما أسألكم عليه} أي: ما جئتكم به، وأغرق في النفي بقوله {من أجر} ثم ~~زاد في تأكيد هذا النفي بقوله: {إن} أي: ما {أجري} على أحد {إلا على رب ~~العالمين} فهو المتفضل المنعم ms2256 على خلقه، ثم شرع ينكر عليهم أكل خيره وعبادة ~~غيره بقوله: # {أتتركون} أي: من أيدى النوائب التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى {في ما ~~ههنا} أي: في بلادكم هذه من النعم حالة كونكم {آمنين} لا تخافون وأنتم ~~تبارزون الملك القهار بالعظائم. # فائدة: تكتب في ما ههنا في مقطوعة عن ما، ثم فسر ما أجمله بقوله: # {في جنات} أي: بساتين تستر الداخل فيها وتخفيه لكثرة أشجارها {وعيون} ~~تسقيها من مالها من البهجة وغير ذلك من المنافع. # {وزروع} أي: من سائر الأنواع {ونخل طلعها} أي: ما يطلع منها من الثمر ~~{هضيم} قال ابن عباس: هو اللطيف، ومنه قوله: كشح هضيم، وقيل: هو الجواد ~~الكريم من قولهم: يد هضوم إذا كانت تجود بما لديها، وقال أهل المعاني هو ~~المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر، والطلع: عنقود الثمر قبل خروجه ~~من الكم، وقال الزمخشري: الطلع هو الذي يطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه ~~شماريخ القنو والقنوهر اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه. # فإن قيل: لم قال ونخل بعد قوله: {في جنات} والجنة تتناول النخل أول شيء ~~كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى إنهم ليذكرون الجنة ولا ~~يقصدون إلا النخيل كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل قال زهير: # *تسقى جنة سحقا* # وسحقا: جمع سحوق، ولا يوصف به إلا النخل؟ أجيب: بوجهين: أحدهما: أنه خص ~~النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيها على انفراده عنها بفضله ~~عليها، الثاني: أن يريد بالجنات غيرها من الشجر لأن اللفظ يصلح لذلك ثم ~~يعطف عليها النخل، ولما ذكر ما أنعم الله تعالى به عليهم أتبعه أفعالهم ~~الخبيثة بقوله: # {وتنحتون} أي: والحال أنكم تنحتون إظهارا للقدرة {من الجبال} وقرأ ~~{بيوتا} ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء، والباقون بكسرها، وقرأ {فرهين} ابن ~~عامر والكوفيون بألف بعد الفاء، أي: حاذقين، وقرأ الباقون بغير ألف، أي: ~~بطرين لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك. # {فاتقوا} أي: فتسبب عن ذلك. أني أقول لكم اتقوا ms2257 {الله} الذي له جميع ~~العظمة بأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية باتباع أوامره واجتناب زواجره ~~{وأطيعون} أي: في كل ما أمرتكم به عنه فإني لا آمركم إلا بما يصلحكم. # {ولا تطيعوا أمر المسرفين} أي: المجاوزين للحدود، وقال ابن عباس: ~~المشركين، وقال مقاتل: هم التسعة الذين عقروا الناقة. # تنبيه: استعير الطاعة التي هي انقياد للآمر لامتثال الأمر، أو جعل الأمر ~~مطاعا على المجاز الحكمي والمراد الآمر، ومنه قولهم: لك على أمرة مطاعة ~~وقوله تعالى: {وأطيعوا أمري} (طه: 90) # PageV03P027 # ثم وصف المسرفين بما بين سرفهم بقوله. # {الذين يفسدون في الأرض} بالمعاصي {ولا يصلحون} أي: ولا يطيعون الله في ~~أمرهم به، فإن قيل: فما فائدة ولا يصلحون بعد قوله: يفسدون؟ أجيب: بأن في ~~ذلك دلالة على خلوص فسادهم فليس فيه شيء من الصلاح كما يكون حال بعض ~~المفسدين مخلوطا ببعض الصلاح، ولما عجزوا عن الطعن في شيء مما دعاهم إليه ~~عدلوا إلى التخييل على عقول الضعفاء بأن. # {قالوا إنما أنت من المسحرين} قال مجاهد وقتادة: من المسحورين المخدوعين، ~~أي: ممن سحر مرة بعد مرة، أي: حتى غلب على عقله، وقال الكلبي عن أبي صالح ~~عن ابن عباس أي: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب ولست بملك وعلى هذا ~~يكون قولهم: # {ما أنت إلا بشر مثلنا} تأكيدا له، قيل المسحور: هو المخلوق بلغة بجيلة ~~أي: فما وجه خصوصيتك عنا بالرسالة {فأت بآية} أي: علامة تدل على صدقك {إن ~~كنت من الصادقين} أي: الراسخين في الصدق فقال لهم صالح: ما تريدون قالوا ~~نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقبا فأخذ صالح يتفكر فقال له ~~جبريل صل ركعتين وسل ربك الناقة ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت ~~سقبا مثلها في العظم، وعن أبي موسى رأيت مصدرها فإذا هو ستون ذراعا فلما ~~رآها. # {قال} لهم صالح {هذه ناقة} أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم {لها شرب} ~~أي: نصيب من الماء في يوم معلوم {ولكم شرب يوم} أي: نصيب من الماء في يوم ~~{معلوم} لا زحام بينكم ms2258 وبينها، وعن قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم ~~ولا تشرب في يومهم ماء. # {ولا تمسوها بسوء} كضرب وعقر، ثم خوفهم بما تسبب عن عصيانهم بقوله: ~~{فيأخذكم} أي: يهلككم {عذاب يوم عظيم} بسبب ما حل فيه من العذاب فهو أبلغ ~~من وصف العذاب بالعظيم، وأشار إلى سرعة عصيانهم بفاء التعقيب في قوله. # {فعقروها} أي: فقتلوها بضرب ساقها بالسيف وأسند العقر إلى كلهم لأن ~~عاقرها إنما عقر برضاهم فكأنهم فعلوا ذلك {فأصبحوا} أي: فتسبب عن عقرهم لها ~~أنهم أصبحوا حين رأوا مخايل العذاب {نادمين} على عقرها من حيث إنه يفضي إلى ~~العقاب والهلاك لا من حيث إنه معصية الله ورسوله وليس على وجه التوبة، أو ~~كان ذاك عند رؤية البأس فلم ينفعهم. # {فأخذهم العذاب} أي: العذاب الموعود على عقرها {إن في ذلك} أي: ما تقدم ~~في هذه القصة من الغرائب {لآية} أي: دلالة عظيمة على صحة ما أمروا به عن ~~الله {وما} أي: والحال أنه مع ذلك ما {كان أكثرهم مؤمنين} بل استمروا على ~~ما هم عليه. # {وإن ربك} أي: المحسن إليك بأحسن الأخلاق {لهو العزيز} أي: فلا يخرج شيء ~~عن قبضته وإرادته {الرحيم} أي: في كونه لم يهلك أحدا حتى يرسل إليهم رسولا ~~يبين لهم ما يرتضيه الله تعالى وما يسخطه. # ثم أتبع قصة صالح عليه السلام قصة لوط عليه السلام وهي القصة السادسة ~~فقال: # أي: كتكذيب من تقدم كأنهم تواصوا به {قوم لوط المرسلين} لأن من كذب رسولا ~~كما مضى فقد كذب الكل ثم بين إسراعهم في الضلال بقوله تعالى: # {إذ} أي: حين {قال لهم أخوهم} أي: في البلد لا في الدين ولا في النسب ~~لأنه ابن أخي إبراهيم عليهما السلام وهما من بلاد الشرق من أرض بابل، وكأنه ~~عبر بالأخوة لاختياره # PageV03P028 # لمجاورتهم ومناسبتهم بمصاهرتهم وإقامته بينهم في مدينتهم مدة مديدة وسنين ~~عديدة وإتيانه بالأولاد من نساءهم مع موافقته لهم في أنه قروي ثم بينه ~~بقوله تعالى: {لوط} بصيغة العرض كغيره ممن تقدم {ألا تتقون} الله فتجعلون ~~بينكم وبين ms2259 سخطه وقاية، ثم علل ذلك بقوله: # {إني لكم} أي: خاصة {رسول} فلا تسعني المخالفة {أمين} لا غش عندي ولا ~~خيانة، ثم تسبب عن ذلك قوله: # {فاتقوا الله} أي: الملك العظيم فإنه قادر على ما يريد فلا تعصوه ~~{وأطيعون} أي: لأن طاعتي سبب نجاتكم لأني لا آمركم إلا بما يرضيه ولا ~~أنهاكم إلا عما يغضبه ثم نفى عن نفسه ما يتوهم كما تقدم لغيره بقوله: # {وما أسألكم عليه} أي: الدعاء إلى الله تعالى {من أجر} أي: فتتهموني ~~بسببه {إن أجري إلى على رب العالمين} أي: المحسن إلي بإيجادكم ثم بتربيتكم، ~~ثم وبخهم ووعظهم بقوله: # {أتأتون الذكران} وقوله {من العالمين} يحتمل عوده إلى الآتي، أي: أنتم من ~~جملة العالمين مخصوصون بهذه الصفة وهي إتيان الذكور ولم يفعل هذا الفعل ~~غيركم من الناكحين من الخلق، ويحتمل عوده إلى المأتي: أي: أنتم اخترتم ~~الذكران من العالمين كالإناث منهم وعلى هذا يحتمل أن يراد الذكران من ~~الآدميين ومن غيرهم توغلا في الشر وتجاهرا بالتهتك، قال البقاعي: وإن يراد ~~الآدميون وجرى عليه البغوي وأكثر المفسرين أي: تريدون الذكران من أولاد آدم ~~مع كثرة الإناث وغلبتهن. # {وتذرون} أي: تتركون لهذا الغرض {ما خلق لكم} أي: للنكاح {ربكم} أي: ~~المحسن إليكم وقوله {من أزواجكم} يصلح أن يكون تبيينا أي: وهن الإناث وأن ~~يكون للتبعيض ويكون المخلوق لذلك هو القبل، وكانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم، ~~ثم كأنهم قالوا نحن لم نترك نساءنا أصلا ورأسا وإن كانوا قد فهموا أن مراده ~~تركهن حال الفعل في الذكور، فقال مضربا عن مقالهم لما أرادوا به حيدة عن ~~الحق وتماديا في الفجور {بل أنتم قوم عادون} أي: متجاوزون عن حد الشهوة حيث ~~زادوا على سائر الناس بل والحيوانات أي: مفرطون في المعاصي، وهذا من جملة ~~ذلك، أو أحقاء بأن توصفوا بالعدوان بارتكابكم هذه الجريمة، ولما اتضح الحق ~~عندهم وعرفوا أن لا وجه لهم في ذلك وانقطعت حجتهم. # {قالوا} مقسمين {لئن لم تنته} وسموه باسمه جفاء وغلظة بقولهم: {يا لوط} ~~أي: عن مثل إنكارك ms2260 هذا علينا {لتكونن من المخرجين} أي: ممن أخرجناه من ~~بلدنا على وجه فظيع من تعنيف واحتباس أملاك كما هو حال الظلمة إذا أجلوا ~~بعض من يغضبون عليه وكما كان يفعل بعض أهل مكة بمن يريد المهاجرة، وفي هذا ~~إشارة إلى أنه غريب عندهم وأن عادتهم المستمرة نفي من اعترض عليهم. # {قال} مجيبا لهم {إني} مؤكدا المضمون ما يأتي به {لعملكم من القالين} أي: ~~المبغضين غاية البغض لا أقف عن الإنكار عليه بالإبعاد. # تنبيه: قوله من القالين: أبلغ من أن يقول إني لعملكم قال كما تقول فلان ~~من العلماء فيكون أبلغ من قولك فلان عالم لأنك تشهد له بكونه معدودا في ~~زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في العلم، والقلي: البغض الشديد كأن البغض يقلي ~~الفؤاد والكبد والقالي المبغض كما قال القائل: # *ووالله ما فارقتكم قاليا لكم ... ولكن ما يقضى علي يكون* # PageV03P029 # ثم إنه عليه السلام دعا إلى الله تعالى بقوله: # {رب نجني وأهلي} وقوله: {مما يعملون} يحتمل أن يريد من عقوبة عملهم، قال ~~الزمخشري: وهو الظاهر، ويحتمل أن يريد بالتنجية العصمة، ثم إن الله تعالى ~~قبل دعاءه كما قال تعالى: # {فنجيناه وأهله} مما عذبناهم به بإخراجنا له من بلدهم حين استخفافهم له ~~ولم نؤخره عنهم إلى حين خروجهم إلا لأجله، وأكد بقوله تعالى: {أجمعين} ~~إشارة إلى أنه نجى أهل بيته ومن تبعه على دينه، ثم استثنى تعالى من أهل ~~بيته قوله تعالى: # {إلا عجوزا} وهي امرأته كائنة {في} حكم {الغابرين} أي: الماكثين الذين ~~تلحقهم الغبرة بما يكون من الداهية فإننا لم ننجها لقضائنا بذلك في الأزل ~~لكونها لم تتابعه في الدين ولم تخرج معه وكانت مائلة إلى القوم راضية ~~بفعلهم، وقيل: أنها خرجت فأصابها حجر في الطريق فأهلكها. # فإن قيل: كان أهله مؤمنين ولولا ذلك لما طلب لهم النجاة فكيف استثنيت ~~الكافرة منهم؟ أجيب: بأن الاستثناء إنما وقع من أهل بيته كما مرت الإشارة ~~إليه وفي هذا الاسم لها معهم مشركة بحق الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان، ~~فإن قيل: في الغابرين ms2261 صفة لها كأنه قيل إلا عجوزا في الغابرين غابرة ولم ~~يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم؟ أجيب: بأن معناه إلا عجوزا مقدرا غبورها، أو ~~في حكمهم كما مرت الإشارة إليه. # {ثم دمرنا} أي: أهلكنا {الآخرين} أي: المؤخرين عن اتباع لوط وفي التعبير ~~بلفظ الآخرين إشارة إلى تأخرهم من كل وجه، ثم لما كان المراد بقوله تعالى: ~~دمرنا حكمنا بتدميرهم عطف عليه قوله: # {وأمطرنا عليهم مطرا} قال وهب بن منبه: الكبريت والنار، وقال قتادة: أمطر ~~الله تعالى على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكتهم {فساء مطر المنذرين} ~~اللام فيه للجنس حتى يصح وقوع المضاف إلى المنذرين فاعل ساء وذلك لأن فاعل ~~فعل الذم أو المدح يجب أن يكون معرفا بلام الجنس، أو مضافا إلى المعرف بلام ~~الجنس ليحصل الإبهام المقصود ثم التفصيل ولا يأتي ذلك في لام العهد، ~~والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم. # {إن في ذلك} أي: إنجاء لوط ومن معه وإهلاك هؤلاء الكفار الفجار {لآية} ~~أي: دلالة عظيمة على ما يصدق الرسل في جميع ترغيبهم وترهيبهم، ولما كان من ~~أتى بعد هذه الأمم كقريش ومن بعدهم قد علموا أخبارهم وضموا إلى تلك الأخبار ~~نظر الديار والتوسم في الآثار، قال تعجبا من حالهم في ضلالهم {وما} أي: ~~والحال أنه ما {كان أكثرهم مؤمنين} بما وقع لهؤلاء. # {وإن ربك} وحده {لهو العزيز} أي: في بطشه لأعدائه {الرحيم} في لطفه ~~بأوليائه. # ثم أتبع قصة لوط عليه السلام بقصة شعيب عليه السلام وهي القصة السابعة ~~قال تعالى: # {كذب أصحاب الأيكة} أي: الغيضة ذات الأرض الجيدة التي تبتلع الماء فتنبت ~~الشجر الكثير الملتف {المرسلين} لتكذيبهم شعيبا عليه السلام فيما أتى به من ~~المعجزة المساوية في خرق العادة وعجز المتحدين بها عن مقاومتها لبقية ~~المعجزات الآتي بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقرأ نافع وابن كثير ~~وابن عامر ليكة بلام مفتوحة من غير ألف وصل وياء ساكنة ولا همزة قبلها وفتح ~~تاء التأنيث، والباقون بإسكان اللام وقبلها وصل وبعد اللام همزة مفتوحة ~~بعدها ياء ساكنة وخفض تاء التأنيث، ms2262 قال أبو عبيدة: وجدنا في بعض التفاسير ~~الفرق # PageV03P030 # بين ليكة والأيكة فقيل: ليكة هو اسم للقرية التي كانوا فيها، والأيكة: ~~البلاد كلها فصار الفرق بينهما شبيها لما بين مكة وبكة، ثم بين تعالى وقت ~~تكذيبهم بقوله تعالى: # {إذ} أي: حين {قال لهم شعيب} برفق ولطف {ألا تتقون} الله الذي تفضل عليكم ~~بنعمه ولم يقل أخوهم شعيب لأنه لم يكن من أهل الأيكة في النسب لأنهم كانوا ~~أهل بدو وكان عليه السلام قرويا، لأن الله تعالى لم يرسل نبيا إلا من أهل ~~القرى تشريفا لهم، لأن البركة والحكمة في الاجتماع، ولذلك نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن التعرب بعد الهجرة وقال: «من يرد الله به خيرا ينقله من ~~البادية إلى الحاضرة ولما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم وكان ~~الله تعالى بعثه إلى قومه أهل مدين وأصحاب الأيكة، ثم أكد ما قاله بقوله: # {إني} وأشار إلى تبشيرهم إن أطاعوه بقوله {لكم رسول} أي: من عند الله فهو ~~أمرني أن أقول لكم ذلك {أمين} أي: لا خيانة عندي ولا غش فلذلك أبلغ جميع ما ~~أرسلت به ولذلك تسبب عنه قوله: # {فاتقوا الله} أي: المحسن إليكم بهذه الغيضة وغيرها {وأطيعون} لما ثبت من ~~نصحي لكم، ثم ذكر ما ذكر من تقدمه من الأنبياء من نفي ما يتوهم أن لهم رغبة ~~في أجرة على دعائهم فقال: # {وما أسألكم عليه} أي: دعائي لكم إلى الإيمان بالله تعالى {من أجر} ثم ~~زاد في البراءة من الطمع في أحد من الخلق بقوله {إن} أي: ما {أجري إلا على ~~رب العالمين} أي: المحسن إلى الخلائق كلهم فأنا لا أرجو أحدا سواه، ثم ~~نصحهم بقوله: # {أوفوا الكيل} أي: أتموه إتماما لا شبهة فيه إذا كلتم كما توفونه إذا ~~اكتلتم {ولا تكونوا من المخسرين} أي: الناقصين لحقوق الناس في الكيل والوزن ~~كما قال تعالى: {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} ~~(المطففين: 1، 2) أي: الكيل {وإذا كالوهم} (المطففين: 2) # أي: كالوا لهم {أو وزنوهم} أي: وزنوا لهم {يخسرون} ms2263 (المطففين: 3) # ينقصون الكيل أو الوزن. # {وزنوا} أي: لأنفسكم ولغيركم {بالقسطاس} أي: الميزان الأقوم وأكد معناه ~~بقوله {المستقيم} وقيل: هو بالرومية العدل، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر ~~القاف، والباقون بالضم. # تنبيه: الكيل على ثلاثة أضرب: واف، وطفيف، وزائد، فأمر بالواجب الذي هو ~~الإيفاء بقوله تعالى: {أوفوا الكيل} ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف بقوله ~~تعالى: {ولا تكونوا من المخسرين} # ولم يذكر الزائد لأنه إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعله فلا إثم عليه، ~~والوزن في ذلك كالكيل، ولهذا عمم في النهي عن النقص بقوله: # {ولا تبخسوا} أي: تنقصوا {الناس أشياءهم} أي: في كيل أو وزن أو غير ذلك، ~~ثم أتبع ذلك بما هو أعم بقوله {ولا تعثوا} أي: لا تنصرفوا {في الأرض} من ~~غير تأمل حال كونكم {مفسدين} أي: في المال أو غير ذلك كقطع الطريق والقتل، ~~ثم خوفهم بعد أن وعظهم ونهاهم عن الفساد من سطوة الجبار ما حل بمن هو أعظم ~~منهم بقوله: # {واتقوا الذي خلقكم} أي: من نطفة فإعدامكم أهون شيء عليه وأشار إلى ضعفهم ~~وقوة من كان قبلهم بقوله {والجبلة} أي: الجماعة والأمم {الأولين} الذين ~~كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة كأنها الجبال قوة وصلابة لا سيما قوم هود ~~الذين بلغت بهم الشدة حتى قالوا من أشد منا قوة، وقد أخذهم الله تعالى أخذ ~~عزيز مقتدر، ثم إنهم أجابوه بالقدح في الرسالة أولا: باستصغار الوعيد ~~ثانيا: بأن. # PageV03P031 # {قالوا إنما أنت من المسحرين} أي: الذين كرر سحرهم مرة بعد أخرى حتى ~~اختلفوا فصار كلامهم على غير نظام، أو من المعللين بالطعام والشراب كما مضى ~~في صالح عليه السلام أي: فأنت بعيد عن الصلاحية للرسالة، ثم أشاروا إلى عدم ~~صلاحية البشر لها مطلقا ولو كان أعقل الناس بقولهم: # {وما أنت إلا بشر مثلنا} أي: فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك وأتوا بالواو ~~للدلالة على أنه جامع بين وصفين مناقضين منافيين للرسالة مبالغة في تكذيبه، ~~ولهذا قالوا {وإن نظنك لمن الكاذبين} أي: في دعواك. # تنبيه: مذهب البصريين أن {إن} هذه هي المخففة ms2264 من الثقيلة، أي: وإنا نظنك، ~~والذي يقتضيه السياق ترجيح مذهب الكوفيين هنا في أن {إن} نافية، فإنهم ~~أرادوا بإثبات الواو في وما أنت المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه، ~~فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظن يتوجه إلى غير الكذب، وهو أبلغ من إثبات الظن ~~به، ثم إن شعيبا عليه السلام كان توعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا. # {فأسقط علينا كسفا} أي: قطعا {من السماء} أي: السحاب أو الحقيقة {إن كنت ~~من الصادقين} أي: العريقين في الصدق المشهورين فيما بين أهله لنصدقك فيما ~~لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب. # تنبيه: انظر إلى حسن نظر شعيب عليه السلام كيف هددهم بما لله عليهم من ~~القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشد منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما ~~عصوه بتكذيب رسلهم، وقرأ حفص بفتح السين، والباقون بالسكون وهنا همزتان ~~مكسور، فقالون والبزي يسهل الهمزة الأولى من المد والقصر، وأسقطها أبو عمرو ~~مع المد، والباقون بتحقيق الأولى. # {قال} لهم شعيب في جوابهم {ربي أعلم بما تعلمون} فيجازيكم به فإن شاء عجل ~~لكم العذاب، وإن شاء أخره إلى أجل معلوم، وأما أنا فليس علي إلا البلاغ، ~~وأنا مأمور به فلم أخوفكم من نفسي ولا ادعيت قدرة على عذابكم فطلبكم ذلك ~~مني مضموم إلى ظلمكم بالتكذيب. # {فكذبوه} أي: استمروا على تكذيبه {فأخذهم} أي: فتسبب عن تكذيبهم أن أخذهم ~~{عذاب يوم الظلة} وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء، روي أن الله ~~تعالى حبس عنهم الريح سبعا وتسلط عليهم الرمض: وهو شدة الحر مع سكون الريح ~~فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى ~~البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ~~نارا فاحترقوا، وروي أن شعيبا بعث إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، ~~فأهلكت مدين بصيحة جبريل، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة {إنه كان عذاب يوم ~~عظيم} وقدمنا أن تعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب. # {إن في ذلك} أي: الأمر العظيم من ms2265 الإنجاء المطرد لكل رسول ومن أطاعه ~~والأخذ المطرد لمن عصاه في كل عصر بكل قطر بحيث لا يشذ من الفريقين إنسان ~~قاص ولا دان {لآية} أي: دلالة واضحة عظيمة على صدق الرسل وأن يكونوا جديرين ~~بتصديق العباد لهم في جميع ما قالوه من البشائر والنذائر، بأن الله تعالى ~~يهلك من عصاه وينجي من والاه لأنه الفاعل المختار لما يريد {وما كان ~~أكثرهم} أي: أكثر قومك كما كان من قبلهم {مؤمنين} مع أنك قد أتيت قومك بما ~~لا يكون معه شك لو لم يكن لهم بك معرفة قبل ذلك، فكيف وهم عارفون بأنك كنت ~~قبل الرسالة # PageV03P032 # أصدقهم لهجة وأعظمهم أمانة وأغزرهم عقلا وأعلاهم همة وأبعدهم عن كل ذي ~~دنس. # {وإن ربك} أي: المحسن إليك بكل ما يعلي شأنك ويوضح برهانك {لهو العزيز} ~~فلا يعجزه أحد {الرحيم} بالإمهال لكي يؤمنوا أو أحد من ذريتهم: وهذا آخر ~~القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تهديدا للمكذبين له. # فإن قيل: كيف كرر في هذا السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرر؟. # أجيب: بأن كل قصة منها كتنزيل برأسه وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، ~~فكانت كل واحدة منها تدلي بحق على أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها وأن تختم ~~بما ختمت به، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس وتثبيتا لها في ~~الصدور، ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا بترديد ما يراد حفظه ~~منها، وكلما زاد ترديده كان أمكن في القلب وأرسخ في الفهم وأثبت للذكر ~~وأبعد من النسيان، ولأن هذه القصص طرقت بها آذان وقرعن الإنصات للحق وقلوب ~~غلف عن تدبره فكوثرت بالوعظ والتذكير وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك ~~يفتح أذنا أو يشق ذهنا أو يصقل عقلا طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما قد غطى ~~عليه تراكم الصدا وفي ذلك دلالة على أن البعثة مقصورة على الدعاء إلى معرفة ~~الحق والطاعة فيما يقرب المدعو إلى ثوابه ويبعده عن عقابه، وأن الأنبياء ~~متفقون ms2266 على ذلك وإن اختلفوا في بعض التفاريع، مبرؤون عن المطامع الدينية ~~والأغراض الدنيوية، ولما ذكر الله تعالى قصص الأنبياء عليهم السلام أتبعه ~~بما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى. # {وإنه} أي: الذكر الذي أتاهم بهذه الأخبار وهم عنه معرضون وله تاركون ~~{لتنزيل رب العالمين} أي: الذي رباهم بشمول علمه وعظيم قدرته بما يعجز عن ~~أقل شيء منه غيره. # {نزل به} أي: نجوما على سبيل التدريج من الأفق الأعلى الذي هو محل ~~البركات، وعبر عن جبريل عليه السلام بقوله {الروح} دلالة على أنه مادة خير، ~~وأن الأرواح تحيا بما ينزله من الهدى وقال تعالى {الأمين} إشارة إلى كونه ~~عليه السلام معصوما من كل دنس فلا يمكن منه خيانة. # {على قلبك} يا أشرف الرسل ففي هذا تقرير لحقية تلك القصص. # وتنبيه: على إعجاز القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن الإخبار ~~عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من الله تعالى، وقرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو وحفص بتخفيف الزاي، والروح الأمين برفعهما والباقون بتشديد الزاي ~~والروح الأمين بنصبهما. # فإن قيل: قال على قلبك وهو إنما نزل عليه؟ أجيب: بأنه ذكر ليؤكد أن ذلك ~~المنزل محفوظ والمرسول متمكن من قلبه لا يجوز عليه التغير ولأن القلب هو ~~المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار، وأما سائر الأعضاء فمسخرة ~~له، ويدل على ذلك الكتاب والسنة والمعقول فمن الكتاب قوله تعالى: {نزل به ~~الروح الأمين على قلبك} واستحقاق الجزاء ليس إلا على ما في القلب قال الله ~~تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} ~~(البقرة: 225) # ومن السنة قوله: صلى الله عليه وسلم «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح ~~الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» ومن المعقول أن القلب ~~إذا غشي عليه وقطع سائر الأعضاء لم يحصل به الشعور وإذا أفاق القلب شعر ~~بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات وإذا فرح # PageV03P033 # القلب أو حزن تغير حال الأعضاء عند ذلك، ms2267 ولأن المعاني الروحانية إنما ~~تنزل أولا على الروح ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم ~~تتصعد منه إلى الدماغ فينتقش منه لوح المخيلة. # ولما كان السياق في هذه السورة للتحذير قال تعالى معللا للجملة التي قبله ~~{لتكون من المنذرين} أي: المخوفين المحذرين لمن أعرض عن الإيمان وفعل ما ~~نهى عنه من المعاصي وقوله تعالى: # {بلسان عربي} يجوز أن يتعلق بالمنذرين فيكون المعنى لتكون من الذين ~~أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم ويجوز أن يتعلق بنزل فيكون المعنى نزله باللسان العربي لينذر به ~~لأنه لو نزله باللسان الأعجمي لتجافوا عنه أصلا ولقالوا ما نصنع بما لا ~~نفهمه فيتعذر الإنذار به، قال ابن عباس: بلسان قرشي ليفهموا ما فيه، ولما ~~كان في العربي ما قد يشكل على بعض العرب قال تعالى: {مبين} أي: بين في نفسه ~~كاشف لما يراد منه غير تارك لبسا عند من تدبره على ما يتعارفه العرب في ~~مخاطباتها من سائر لغاتها بحقائقها ومجازاتها على اتساع إرادتها وتباعد ~~مراميها في محاوراتها وحسن مقاصدها في كناياتها واستعاراتها ومن يحيط بذلك ~~حق الإحاطة غير العليم الحكيم الخبير البصير، ولما كان الاستكثار من الأدلة ~~مما يسكن النفوس وتطمئن به القلوب قال تعالى. # {وإنه} أي: هذا القرآن أصوله وكثيرا من قصصه وأمهات فروعه {لفي زبر} أي: ~~كتب {الأولين} كالتوراة والإنجيل وقيل: وإنه أي: محمدا ونعته لفي كتب ~~الأولين. # {أو لم يكن لهم} أي: لكفار مكة ذلك {آية} أي: على صحة القرآن أو نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن عامر بالتاء الفوقية ورفع آية على أنها ~~الاسم والخبر لهم، والباقون بالياء التحتية ونصب آية على أنها الاسم والخبر ~~لهم، والباقون بالياء التحتية ونصب آية على أنها خبر وقوله تعالى {أن ~~يعلمه} أي: هذا الذي يأتي به نبينا من عندنا هو اسمها {علماء بني إسرائيل} ~~أي: يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم، والمعنى أو لم يكن لهؤلاء المنكرين، ~~علم بني إسرائيل علامة ودلالة ms2268 على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن ~~العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم كعبد ~~الله بن سلام وابن يامين وثعلبة وأسد وأسيد، قال الله تعالى: {وإذا يتلى ~~عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} (القصص: 53) # قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: إن هذا لزمانه وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته فكان ذلك ~~آية على صدقه. # فائدة: خط في المصحف علماء بواو قبل الألف على لغة من يميل الألف إلى ~~الواو، وعلى هذه اللغة كتبت الصلاة والزكاة والربا، قال الله تعالى: # {ولو نزلناه} أي: القرآن على ما هو عليه من الحكمة والإعجاز {على بعض ~~الأعجمين} أي: على رجل ليس بعربي اللسان أو بلغة العجم. # {فقرأه عليهم} أي: كفار مكة {ما كانوا به مؤمنين} لفرط عنادهم واستكبارهم ~~أو لعدم فهمهم واستنكافهم من اتباع العجم، وقالوا ما نفقه قولك وجعلوه عذرا ~~بجحودهم، ونظيره {ولو جعلنا قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته} (فصلت، ~~44) . # تنبيه: الأعجمين جمع أعجمي بياء النسب على التخفيف بحذفها من الجمع ~~ولكونه جمع أعجمي جمع جمع سلامة لأنه حينئذ ليس من باب أفعل فعلاء بخلاف ما ~~لو كان جمع أعجم فإن مؤنثه عجماء بوزن أفعل فعلاء وهو عند البصريين لا يجمع ~~هذا الجمع إلا لضرورة كقوله: # PageV03P034 # *حلائل أسودين وأحمرين* # وقال ابن عطية: جمع أعجم، يقال الأعجمون جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن ~~كان غربي النسب يقال له أعجم وذلك يقال للحيوانات، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم «جرح العجماء جبار» وأسند الطبري عن عبد الله بن مطيع أنه كان واقفا ~~بعرفة وتحته جمل فقال جملي هذا أعجم ولو أنه أنزل عليهم ما كانوا يؤمنون، ~~ولما كان ذلك محل تعجب وكأنه ربما ظن له أن الأمر على خلاف حقيقته قرر ~~مضمونه وحققه بقوله تعالى: # {كذلك} أي: مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجم {سلكناه} قال ابن عباس ~~والحسن ms2269 ومجاهد: أدخلنا الشرك والتكذيب {في قلوب المجرمين} أي: كفار مكة ~~بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أن الكل بقضاء الله تعالى ~~وقدره، وقيل: الضمير في سلكناه عائد إلى القرآن، قال ابن عادل: وهو الظاهر ~~أي: سلكناه في قلوب المجرمين كما سلكناه في قلوب المؤمنين ومع ذلك لم ينجع ~~فيهم، وفي جملة. # {لا يؤمنون به} وجهان: أحدهما: الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما ~~قبله، والثاني: أنها حال من الضمير في سلكناه أي: سلكناه غير مؤمن به أي: ~~من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام وجعل على قلوبهم من الطبع والختام {حتى ~~يروا العذاب الأليم} أي: الملجئ للإيمان فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم ~~الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان، ولما كان إتيان الشر فجأة أشد، قال ~~تعالى: # {فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون} بإتيانه. # {فيقولوا} أي: تأسفا واستسلاما وتلهفا في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة ~~به بوجه {هل نحن منظرون} أي: مفسوح لنا في آجالنا فنسمع ونطيع. # فإن قيل: ما معنى التعقيب في فيأتيهم بغتة فيقولوا؟ أجيب: بأنه ليس ~~المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة في الوجود، وإنما المعنى ~~ترتبها في الشدة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى يكون رؤيتهم للعذاب عما ~~هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة عما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة، مثال ~~ذلك: أن تقول لمن تعظه: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، فإنه لا يقصد ~~بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقب مقت الصالحين وإنما قصدك إلى ترتيب شدة ~~الأمر على المسيء، فإنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين عما هو أشد من ~~مقتهم وهو مقت الله، ونرى ثم تقع في هذا الأسلوب فيجمل موقعها، ولما أوعدهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قالوا إلى متى توعدنا بالعذاب ومتى هذا ~~العذاب قال الله تعالى: # {أفبعذابنا} أي: وقد تبين لهم كيف أخذه للأمم الماضية والقرون الخالية ~~والأقوام العاتية {يستعجلون} أي: بقولهم: أمطر علينا حجارة أسقط علينا كسفا ~~من السماء ونحو ذلك. # {أفرأيت} أي: ms2270 هب أن الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم فأخبرني ~~{إن متعناهم} أي: في الدنيا برغد العيش وصافي الحياة {سنين} . # {ثم جاءهم} أي بعد تلك السنين المتطاولة والدهور المتواصلة {ما كانوا ~~يودعون} من العذاب. # {ما} أي: أي شيء {أغنى عنهم} أي: فيما أخذهم من العذاب {ما كانوا يمتعون} ~~برفع العذاب أو تخفيفه، أي: لم يغن عنهم طول التمتع شيئا ويكون كأنهم لم ~~يكونوا في نعيم قط، وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف وكان ~~يتمنى لقاءه فقال له عظني فلم يزد على تلاوة هذه الآية، فقال له ميمون لقد ~~وعظت فأبلغت. # {وما أهلكنا من قرية} أي: من القرى السالفة بعذاب الاستئصال {إلا لها ~~منذرون} أي: رسولهم # PageV03P035 # ومن تبعه من أمته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبلهم، ثم علل ~~الإنذار بقوله تعالى: # {ذكرى} أي: تنبيها عظيما على ما فيه النجاة، أو جعل المنذرين نفس الذكرى، ~~كما قال تعالى {قد أنزلنا إليكم ذكرا رسولا} (الطلاق: 10 11) # وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه {وما كنا ظالمين} أي: ~~في إهلاك شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا وعبدوا غيرنا بعد الإعذار إليهم ~~ومتابعة الحجج ومواصلة الوعيد. # تنبيه: الواو في قوله: {وما كنا} واو الحال من نون أهلكنا فإن قيل: كيف ~~عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله تعالى: {وما أهلكنا من ~~قرية إلا ولها كتاب معلوم} ؟ (الحجر: 4) # أجيب: بأن الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية وإذا زيدت فلتأكيد وصل ~~الصفة بالموصوف كما في قوله تعالى: {سبعة وثامنهم كلبهم} (الكهف: 22) # ولما كان الكفرة يقولون إن محمدا كاهن وما يتنزل عليه من جنس ما تتنزل به ~~الشياطين، أكذبهم الله سبحانه وتعالى بقوله. # {وما تنزلت به الشياطين} أي: ليكون سحرا أو كهانة أو شعرا أو أضغاث أحلام ~~كما يقولون. # {وما ينبغي} أي: وما يصح {لهم} أن يتنزلوا به {وما يستطيعون} أي: التنزل ~~به وإن اشتدت معاجلتهم على تقدير: أن يكون لهم قابلية لذلك، ثم علل ms2271 هذا ~~بقوله تعالى: # {إنهم عن السمع} أي: لكلام الملائكة {لمعزولون} أي: محجوبون بالشهب، ولما ~~كان القرآن داعيا إلى الله تعالى ناهيا عن عبادة غيره تسبب عن ذلك قوله ~~تعالى: # {فلا تدع مع الله} أي: الحائز لكمال الصفات {إلها آخر فتكون} أي: فيتسبب ~~عن ذلك أن تكون {من المعذبين} من القادر على ما يريد بأيسر أمر وأسهله، ~~وهذا خطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم والمراد غيره لأنه معصوم من ذلك، قال ~~ابن عباس: يحذر به غيره يقول أنت أكرم الخلق لدي وأعزهم علي ولئن اتخذت ~~إلها غيري لعذبتك فيكون الوعيد أزجر له ويكون هو أقبل، روى محمد بن إسحاق ~~بسنده عن علي رضى الله عنه أنه قال لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم # {وأنذر عشيرتك الأقربين} دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا علي ~~إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وضقت بذلك ذرعا، وعرفت أني متى ~~أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال يا ~~محمد إلا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك فاصنع لي صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة ~~واملأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به ففعلت ~~ما أمرني به، ثم دعوتهم إليه وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون ~~رجلا فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا دعاني ~~بالطعام الذي صنعته فجئت به فلما وضعته تناول صلى الله عليه وسلم جذبة من ~~اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصفحة، ثم قال كلوا بسم الله فأكل ~~القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ~~مثل ما قدمت لجميعهم، ثم قدمت لجميعهم ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس ~~فشربوا حتى رووا جميعا وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، ~~فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بادره أبو لهب فقال ~~سحركم محمد صاحبكم فتفرق ms2272 القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل ~~أن أكملهم فأعد لنا الطعام مثل ما صنعت ثم اجمعهم، ففعلت ثم جمعتهم # PageV03P036 # ثم دعاني بالطعام فقدمته ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخير الدنيا ~~والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أمري ويكون أخي ~~ووصي وخليفتي فيكم فأحجم القوم عنها جميعا، فقلت وأنا أحدثهم سنا: أنا يا ~~رسول الله أكون وزيرك عليه قال فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصي ~~وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك ~~أن تسمع لعلي وتطيع. # وعن ابن عباس: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى صعد الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى ~~اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو ~~لهب وقريش فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم ~~أكنتم مصدقي قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا الصدق قال فإني نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد، قال أبو لهب تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام فنزلت {تبت} أي: ~~خسرت {يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب} (المسد: 1 2) # وفي رواية فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف يا ~~صباحاه فقالوا من هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج ~~من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي» إلى آخر ما مر. # وعن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله هذه ~~الآية فقال يا معشر قريش أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من ~~الله شيئا يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا ms2273 يا عباس بن عبد ~~المطلب لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من ~~الله شيئا ويا فاطمة بنت محمد سلي ما شئت من مال لا أغني عنك من الله شيئا» ~~. # وروى أبو يعلى عن الزبير بن العوام: «أن قريشا جاءته فحذرهم وأنذرهم ~~فسألوه آيات سليمان في الريح وداود في الجبال وعيسى في إحياء الموتى ونحو ~~ذلك وأن يسير الجبال ويفجر الأنهار ويجعل الصخرة ذهبا فأوحى الله تعالى ~~إليه وهم عنده فلما سري عنه أخبرهم أن أعطي ما سألوه ولكنه إن أراهم فكفروا ~~عوجلوا، فاختار صلى الله عليه وسلم الصبر عليهم ليدخلهم الله باب الرحمة ~~فلما كانت النذارة إنما هي للمشركين، أمر بضدها لأضدادهم» بقوله تعالى: # {واخفض جناحك} أي: لمن غاية اللين وذلك لأن الطائر إذا أراد أن يرتفع رفع ~~جناحيه، وإذا أراد أن ينحط كسرهما وخفضهما فجعل ذلك مثلا في التواضع، ومنه ~~قول بعضهم: # *وأنت الشهير بخفض الجناح ... فلأنك في رفعه أجدلا* # ينهاه عن التكبر بعد التواضع {لمن اتبعك من المؤمنين} أي: سواء كانوا من ~~الأقربين أم من الأبعدين، فإن قيل: المتبعون للرسول هم المؤمنون؟. # أجيب: بوجهين: أحدهما: أن تسميتهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين ~~لمشارفتهم ذلك، الثاني: أن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم وهم صنفان ~~صنف: صدق واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، وصنف: ما وجد ~~منه إلا التصديق فقط، أما أن يكونوا منافقين أو فاسقين والفاسق والمنافق لا ~~يخفض لهما الجناح فمن على هذا للتبعيض، وإن أريد عموم الإتباع فهي للتبيين ~~واختلف في الواو في قوله تعالى: # {فإن عصوك} # PageV03P037 # على أوجه: أحدها: أنها ضمير الكفار، أي: فإن عصاك الكفار في أمرك لهم ~~بالتوحيد، الثاني: أنها ضمير العشيرة، وهذا أقرب كما جرى عليه السلف ~~والجلال المحلي، الثالث: أنها ضمير المؤمنين أي: فإن عصاك المؤمنون في فروع ~~الإسلام وبعض الأحكام بعد تصديقك والإيمان برسالتك، وهذا كما قال ابن عادل: ~~في غاية البعد {فقل} أي: تاركا لما كنت تعاملهم من اللين ms2274 {إني بريء} أي: ~~منفصل غاية الانفصال {مما تعملون} أي: من العصيان الذي أنذر منه القرآن. # {وتوكل} أي: فوض في عصمتك ونجاتك وجميع أمورك {على العزيز} أي: القادر ~~على الدفع عنك والانتقام منهم {الرحيم} أي: الذي نصرك عليهم برحمته، وقرأ ~~نافع وابن عامر فتوكل بالفاء على الإبدال من جواب الشرط، والباقون بالواو، ~~ثم أتبع الأمر بالتوكل الوصف المقتضى لجميع أوصاف الكمال بقوله تعالى: # {الذي يراك} أي: بصرا وعلما {حين تقوم} من نومك إلى التهجد، وقال مجاهد: ~~أي: يراك أينما كنت، وقال أكثر المفسرين كما قال البغوي حين تقوم إلى ~~الصلاة أي: من نوم أو غيره. # {و} يرى {تقلبك} في الصلاة قائما وراكعا وساجدا {في الساجدين} قال عكرمة ~~عن ابن عباس أي: في المصلين، وقال مقاتل: مع المصلين في الجماعة يقول يراك ~~حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين جماعة، وقال مجاهد: يرى ~~تقلب بصرك في المصلين فإنه كان يبصر من خلفه كما يبصر أمامه. # وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل تدرون قبلتي ~~ههنا فو الله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري» ، ~~وقال عطاء عن ابن عباس: أراد وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي حتى ~~أخرجك في هذه الأمة، وقيل: ترددك في تصفح الأحوال المتهجدين من أصحابك ~~لتطلع عليهم من حيث لا يشعرون، وتستبطن سرائرهم وكيف يعبدون الله وكيف ~~يعملون لآخرتهم، كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت ~~أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات ~~وتكثير الحسنات فوجدها كبيوت الزنابير. # {إنه هو} أي: وحده {السميع} أي: لجميع أقوالكم {العليم} أي: بجميع ما ~~تسرونه وتعلنونه من أعمالكم وشمول العلم يستلزم تمام القدرة فصار كأنه قال: ~~إنه السميع البصير العليم القدير تثبيتا للتوكل عليه، ولما بين سبحانه ~~وتعالى أن القرأن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين، أكد ذلك بأن بين ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم ms2275 لا يصح أن ينزلوا عليه من وجهين ذكرهما بقوله ~~تعالى: # {هل أنبئكم} أي: أخبركم خبرا جليا نافعا في الدين عظيم الجدوى في الفرقان ~~بين أولياء الرحمن وإخوان الشيطان {على من تنزل} وتتردد {الشياطين} حين ~~تسترق السمع ولما كان كأنه قيل: نعم أشار إلى أحد الوجهين بقوله تعالى: # {تنزل} على سبيل التدريج والتردد {على كل أفاك} أي: كذاب {أثيم} أي: فاجر ~~مثل مسيلمة الكذاب وغيره من الكهنة أشار إلى ثاني الوجهين بقوله تعالى: # {يلقون السمع} أي: الآفكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم إليهم ~~أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم ~~أشياء لا يطابق أكثرها، كما جاء في الحديث الكلمة يخطفها الجني فيقرها في ~~أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة، ولا كذلك محمد صلى # PageV03P038 # الله عليه وسلم فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها، ويجوز ~~أن يعود الضمير على الشياطين، ومعنى إلقائهم السمع إنصاتهم إلى الملأ ~~الأعلى قبل أن يرجموا فيخطفون منهم بعض المغيبات ويوحونه إلى أوليائهم أو ~~يلقون الشيء المسموع إلى الكهنة {وأكثرهم} أي: الفريقين {كاذبون} أما ~~الشياطين فإنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا، وأما الآفكون: فإنهم يفترون على ~~الشياطين ما لم يوحوا إليهم. # فإن قيل: كيف قال وأكثرهم كاذبون بعدما حكم عليهم أن كل واحد منهم أفاك؟ ~~أجيب: بأن الأفاكين هم الذين يكثرون الكذب لأنهم الذين لا ينطقون إلا ~~بالكذب فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني ~~وأكثرهم مفتر عليه، ولما قال الكفار لم لا يجوز أن يقال الشياطين تنزل ~~بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على ~~الشعراء، ثم إنه تعالى فرق بين محمد عليه الصلاة والسلام وبين الكهنة، وذكر ~~ما يدل على الفرق بينه وبين الشعراء بقوله تعالى: # {والشعراء يتبعهم الغاوون} أي: الضالون المائلون عن سنن الأقوم إلى كل ~~فساد يجر إلى الهلاك وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك بل هم ~~الساجدون الباكون الزاهدون رضي الله تعالى عنهم، ms2276 وقرأ نافع بسكون التاء ~~الفوقية وفتح الباء الموحدة، والباقون بتشديد الفوقية وكسر الموحدة، ولما ~~قرر حال أتباعهم، علم منه أنهم هم أغوى منهم لتهتكهم في شهوة اللقلقة ~~باللسان حتى حسن لهم الزور والبهتان، دل على ذلك بقوله تعالى: # {ألم تر} أي: تعلم {أنهم} أي: الشعراء ومثل حالهم بقوله تعالى: {في كل ~~واد} من أودية القول من المدح والهجو والتشبب والرثاء والمجون وغير ذلك ~~{يهيمون} أي: يسيرون سير البهائم حائرين وعن طريق الحق حائدين كيفما جرهم ~~القول أنجروا من القدح في الأنساب والتشبب بالحرم والهجو ومدح من لا يستحق ~~المدح ونحو ذلك، ولذلك قال تعالى: # {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} أي: لأنهم لا يقصدونه وإنما ألجأهم إليه ~~الفن الذي سلكوه فأكثر أقوالهم لا حقائق لها، وقيل: إنهم يمدحون الجود ~~والكرم ويحثون عليه ولا يفعلونه ويذمون البخل ويصرون عليه ويهجون الناس ~~بأدنى شيء صدر منهم. # تنبيه: قال المفسرون: أراد شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وذكر مقاتل أسماءهم فقال: منهم عبد الله بن الزبعري السهمي ~~وهبيرة بن أبي وهب المخزومي وشافع بن عبد مناف وأبو عزة عمرو بن عبد الله ~~الجمحي وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل وقالوا: نحن نقول ~~كما قال محمد وقالوا الشعر واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين ~~هجوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويروون عنهم قولهم: فذلك قوله ~~تعالى: {يتبعهم الغاوون} وهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين، وقال ~~قتادة: هم الشياطين، ثم. # إنه تعالى لما وصف شعراء الكفار بهذه الأوصاف، استثنى شعراء المسلمين ~~الذين كانوا يجتنبون شعر الجاهلية ويهجون الكفار وينافحون عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، منهم: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن ~~مالك، فقال تعالى: # {إلا الذين آمنوا} أي: بالله ورسوله {وعملوا} أي: تصديقا لإيمانهم ~~{الصالحات} أي: التي شرعها الله تعالى ورسوله {وذكروا الله} مستحضرين ما له ~~من الكمال {كثيرا} أي: # PageV03P039 # لم يشغلهم الشعر عن الذكر، روي أن كعب بن مالك قال للنبي صلى ms2277 الله عليه ~~وسلم «إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل» ~~وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «دخل مكة في عمرة القضاء ~~وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول: # *خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضر بكم على تنزيله* # *ضربا يزيل الهمام عن مقيله ... ويذهب الخليل عن خليله* # فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم ~~الله تقول شعرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم خل عنه يا عمر فهي أسرع فيهم ~~من نضح النبل» وعن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم قريظة ~~لحسان: «أهج المشركين فإن جبريل معك» وعن عائشة رضي الله عنها قالت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اهجوا قريشا فإنه أشد عليهم من رشق النبل ~~فأرسل إلى ابن رواحة فقال اهجهم فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى ~~حسان بن ثابت فقال حسان قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد ثم أدلع لسانه ~~فجعل يحركه فقال والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم ~~نسبا حتى يخلص لك نسبي، فأتاه حسان ثم رجع فقال يا رسول الله لقد أخلص لي ~~نسبك والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما يسل الشعر من العجين، قالت عائشة ~~فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال ~~يؤديك ما نافحت عن الله ورسوله قالت وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «هجاهم حسان فشفى وأشفى» قال حسان: # الكتاب: السراج المنير للخطيب الشربينى # *هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء* # *هجوت محمدا برا حنيفا ... رسول الله شيمته الوفاء* # *فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وفاء* # *فمن يهجو ms2278 رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء* # *وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء* # وورد في مدح الشعر عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~إن من الشعر حكمة» وعن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوما فقال: هل معك من شعر أمية ابن أبي الصلت شيء؟ قال: نعم قال هيه، ~~فأنشده بيتا فقال هيه حتى أنشده مائة بيت» وعن جابر بن سمرة قال: «جالست ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ~~ويتذاكرون شيئا من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم» وعن عائشة: الشعر كلام ~~فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح، وعن: الشعبي كان أبو بكر يقول ~~الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان علي أشعر الثلاثة، وعن ابن عباس: أنه كان ~~ينشد الشعر في المسجد ويستنشده فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي ~~واستنشده القصيدة التي أولها: # PageV03P040 # *أمن آل نعم أنت غاد مبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر* # فأنشد ابن ربيعة القصيدة إلى آخرها وهي قريبة من سبعين بيتا، ثم إن ابن ~~عباس أعاد القصيدة جميعا وكان حفظها بمرة واحدة. ثم بين سبحانه وتعالى ما ~~حمل المؤمنين على الشعر وهو انتصارهم من المشركين بقوله تعالى: {وانتصروا} ~~أي: بهجوهم الكفار {من بعدما ظلموا} بهجو الكفار لهم لأنهم بدؤا بالهجاء، ~~ثم أوعد شعراء المشركين وغيرهم من الكفار بقوله تعالى: {وسيعلم الذين ~~ظلموا} بالشرك وهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم {أي: منقلب} أي: مرجع ~~{ينقلبون} أي: يرجعون بعد الموت، قال ابن عباس: إلى جهنم والسعير، وفي هذا ~~تهديد شديد لما في سيعلم من الوعيد البليغ، {وفي الذين ظلموا} من الإطلاق ~~والتعميم وفي {أي منقلب ينقلبون} من الإبهام والتهويل، وقد تلا أبو بكر ~~لعمر رضي الله عنهما حين عهد إليه هذه الآية. # اللهم اجعلنا ممن جعل هذه الآية بين عينيه فلم يغفل عنها، وروى الثعلبي ~~في تفسيره عن ابن عباس: أن النبي صلى ms2279 الله عليه وسلم قال: «أعطيت السورة ~~التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى ~~وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي تذكر فيها البقرة من تحت العرش ~~وأعطيت المفصل نافلة» وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~الله أعطاني السبع مكان التوراة وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني ~~بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي» ، وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري ~~من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر ~~عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم وبعدد من ~~كذب بعيسى وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم حديث موضوع. ### | سورة النمل # مكية وهي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية، وألف ومائةوتسع وأربعون كلمة، ~~وأربعة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون حرفا # {بسم الله} أي: الذي كمل علمه فبهرت حكمته {الرحمن} الذي عم بالهداية ~~بأوضح البيان {الرحيم} أي: الذي من بجنات النعيم على من اتبع الصراط ~~المستقيم. # {طس} قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عز وجل، وقد سبق الكلام في حروف ~~الهجاء عليه، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة، بإمالة الطاء، والباقون بالفتح. # {تلك} أي: هذه الآيات العالية المقام البعيدة المرام البديعة النظام ~~{آيات القرآن} أي: الكامل في قرآنيته الجامع للأصول الناشر للفروع الذي لا ~~خلل فيه ولا فصم ولا صدع ولا وصم {وكتاب مبين} أي: مظهر الحق من الباطل، ~~فإن قيل: كيف صح أن يشار لاثنين أحدهما مؤنث والآخر مذكر باسم الإشارة ~~المؤنث ولو قلت تلك هند وزيد لم يجز؟. # أجيب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد بالكتاب هو الآيات لأن الكتاب ~~عبارة عن الآيات المجموعة فلما كانا شيئا واحد صحت الإشارة إليهما بإشارة ~~الواحد المؤنث، الثاني: أنه على حذف مضاف أي: وآيات كتاب مبين، الثالث: أنه ~~لما ولي المؤنث ما تصح # PageV03P041 # الإشارة به إليه اكتفى به وحسن، ولو ولي المذكر لم يحسن، ألا ترى أنك ~~تقول جاءتني هند وزيد ولو أخرت هند لم ms2280 يجز تأنيث الفعل، وقرأ ابن كثير ~~بالنقل وصلا وابتداء وحمزة في الوقف لا غير، والباقون بغير نقل وقوله ~~تعالى: # {هدى وبشرى} يجوز أن يكونا منصوبين على المصدر بفعل مقدر من لفظهما، أي: ~~يهدي هدى ويبشر بشرى، وأن يكونا في موضع الحال من آيات والعامل فيهما ما في ~~تلك من معنى الإشارة، وأن يكونا خبرا بعد خبر، وأن يكونا خبري مبتدأ مضمر، ~~أي: هو هدى من الضلالة وبشرى {للمؤمنين} أي: المصدقين به بالجنة كقوله ~~تعالى: {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما} (النساء: ~~175) # ولهذا خص به المؤمنين، وقيل المراد بالهدى الدلالة، وإنما خصه بالمؤمنين ~~لأنه ذكر مع الهدى البشرى، والبشرى إنما تكون للمؤمنين، أو لأنهم تمسكوا به ~~كقوله تعالى: {إنما أنت منذر من يخشاها} (النازعات: 45) # أو لأنه يزيد في هداهم كقوله تعالى: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} ~~(مريم: 76) ، ولما كان وصف الإيمان خفيا وصفهم بما يصدقه من الأمور الظاهرة ~~بقوله تعالى: # {الذين يقيمون الصلاة} أي: بجميع حدودها الظاهرة والباطنة من المواقيت ~~والطهارات والشروط والأركان والخشوع والمراقبة والإحسان إصلاحا لما بينهم ~~وبين الخالق {ويؤتون الزكاة} أي: إحسانا فيما بينهم وبين الخلائق {وهم ~~بالآخرة هم يوقنون} أي: يوجدون الإيقان حق الإيجاد بالاستدلال ويجددونه في ~~كل حين بما يوجد منهم من الإقدام على الطاعة والإحجام عن المعصية، وأعيد هم ~~لما فصل بينه وبين الخبر، ولما أفهم التخصيص أن ثم من يكذب بها ذكره بقوله ~~تعالى: # {إن الذين لا يؤمنون} أي: لا يوجدون الإيمان ولا يجددونه {بالآخرة زينا} ~~أي: بعظمتنا التي لا يمكن دفاعها {لهم أعمالهم} أي: القبيحة بتركيب الشهوة ~~حتى أعرضوا عن الخوف من عاقبتها مع ظهور قباحتها، والإسناد إليه حقيقي عند ~~أهل السنة لأنه الموجد الحقيقي، وإلى الشيطان مجاز سببي، وعند المعتزلة ~~بالعكس، قال الزمخشري في تفسيره: إن إسناده إلى الشيطان حقيقة وإسناده إلى ~~الله عز وجل مجاز {فهم} أي: فتسبب عن ذلك أنهم {يعمهون} أي: يتحيرون ~~ويترددون في أودية الضلال ويتمادون في ذلك، فهم كل لحظة في خبط جديد بعمل ms2281 ~~غير سديد. # {أولئك} أي: البعداء البغضاء {الذين لهم} أي: خاصة {سوء العذاب} أي: أشده ~~في الدنيا بالخوف والقتل {وهم في الآخرة هم الأخسرون} أي: أشد الناس خسارة ~~لأنهم خسروا ما لا خسارة مثله لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم، ولما وصف ~~تعالى القرآن بما اقتضى بيان أهل الفوز والخسران، ذكر حال المنزل عليه وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا له بقوله تعالى: # {وإنك} أي: وأنت يا أشرف الخلق وأعلمهم وأعظمهم وأحكمهم {لتلقى القرآن} ~~أي: لتؤتاه وتلقنه أي: يلقى عليك بشدة {من لدن} أي: من عند {حكيم} أي: بالغ ~~الحكمة فلا شيء من أفعاله إلا وهو في غاية الإتقان {عليم} أي: عظيم العلم ~~واسعه تامه شامله، والجمع بينهما مع أن العلم داخل في الحكمة لعموم العلم ~~ودلالة الحكمة على إتقان الفعل، والإشعار بأن علوم القرآن منها: ما هو ~~كالعقائد والشرائع، ومنها: ما ليس كذلك كالقصص والأخبار عن المغيبات، ثم ~~شرع في بيان تلك العلوم بقوله تعالى: # {إذ قال موسى} أي: اذكر قصته حين قال {لأهله} أي: زوجته # PageV03P042 # بنت شعيب عليه السلام عند مسيره من مدين إلى مصر وهي القصة الأولى من قصص ~~هذه السورة، قال الزمخشري: روي أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته، ~~وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو ~~قوله: امكثوا، وكانا يسيران ليلا وقد اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد، ~~وفي مثل هذا الحال يقوى الناس بمشاهدة نار من بعد، لما يرجى فيها من زوال ~~الحيرة وأمن الطريق ومن الانتفاع بالنار للإصطلاء، فلذلك بشرها فقال: {إني ~~آنست} أي: أبصرت إبصار حصل لي به الأنس وأزال عني الوحشة {نارا سآتيكم منها ~~بخبر} أي: عن حال الطريق وكان قد أضلها، وعبر بلفظ الجمع كما في قوله: ~~{امكثوا} فإن قيل: كيف جاء بسين التسويف؟ أجيب: بأن ذلك عدة لأهله أنه ~~يأتيهم به وإن أبطأ الإتيان أو كانت المسافة بعيدة، فإن قيل: قال هنا ~~{سآتيكم منها بخبر} وفي السورة الآتية: {لعلي آتيكم منها ms2282 بخبر} (القصص: 29) # وهما كالمتدافعين لأن أحدهما ترج والآخر تيقن؟ أجيب: بأن الراجي قد يقول ~~إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الحقيقة. # {أو آتيكم بشهاب قبس} أي: شعلة نار في رأس فتيلة أو عود، قال البغوي: ~~وليس في الطرف الآخر نار، وقال بعضهم الشهاب شيء ذو نور مثل العمود والعرب ~~تسمى كل شيء أبيض ذي نور شهابا، والقبس: القطعة من النار، وقرأ الكوفيون ~~بشهاب بالتنوين على أن القبس بدل منه أو وصف له لأنه بمعنى المقبوس، ~~والباقون بإضافة الشهاب إليه لأنه يكون قبسا وغير قبس فهو من إضافة النوع ~~إلى جنسه، نحو ثوب خز إذ الشهاب شعلة من النار والقبس قطعة منها يكون في ~~عود أو غيره كما مر. # فإن قيل: لم جاء بأو دون الواو؟ أجيب: بأنه بنى الرجاء على أنه إن لم ~~يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منهما، إما هداية الطريق وإما اقتباس ~~النار ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، وما أدراه ~~حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعا وهما العزان عز ~~الدنيا وعز الآخرة، ثم إنه عليه السلام علل إتيانه بذلك إفهاما لأنها ليلة ~~باردة بقوله: {لعلكم تصطلون} أي: لتكونوا في حال من يرجى أن يستدفئ بذلك من ~~البرد، والطاء بدل من تاء الافتعال، من صلى بالنار بكسر اللام وفتحها. # {فلما جاءها} أي: تلك التي ظنها نارا {نودي} من قبل الله تعالى {أن بورك} ~~أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول، والمعنى قيل له: بورك، أو ~~المصدرية أي: بأن بورك، وقوله تعالى: {من في النار} أي: موسى {ومن حولها} ~~أي: الملائكة هو نائب الفاعل لبورك، والأصل بارك الله من في النار ومن ~~حولها، وهذا تحية من الله عز وجل لموسى بالبركة. # ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور ذكر بلفظ النار لأن موسى ~~حسبه نارا، أو من في النار هم الملائكة، وذلك أن النور الذي رآه موسى عليه ~~السلام كان فيه الملائكة لهم زجل بالتسبيح ms2283 والتقديس ومن حولها هو موسى لأنه ~~كان بالقرب منها ولم يكن فيها، وقال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها ~~والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث: «حجابه النار لو كشفها ~~لأحرقت سبحات وجهه» الحديث تنبيه: بارك يتعدى بنفسه وبحرف الجر يقال باركك ~~الله وبارك عليك وبارك فيك وبارك لك، وقال الشاعر: # PageV03P043 # *فبوركت مولودا وبوركت ناشئا ... وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب* # قال الزمخشري: والظاهر أنه عام في كل من في تلك الأرض وفي ذلك الوادي ~~وحواليهما من أرض الشأم، ولقد جعل الله تعالى أرض الشأم الموسومة بالبركات ~~لكثرتها مبعث الأنبياء، وكفاتهم أحياء وأمواتا، ومهبط الوحي عليهم، وخصوصا ~~تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام وقوله تعالى {وسبحان الله ~~رب العالمين} من تمام ما نودي به لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيها، وللعجب ~~من عظمة الله في ذلك الأمر فإنه أتاه النداء، كما ورد من جميع الجهات فسمعه ~~بجميع الحواس، أو تعجب من موسى لما دعاه من عظمته ولما تشوفت النفس إلى ~~تحقق الأمر تصريحا، قال تعالى تمهيدا لما أراد سبحانه إظهاره على يد موسى ~~عليه السلام من المعجزات الباهرات. # {يا موسى إنه} أي: الشأن العظيم الجليل الذي لا يبلغ وصفه، وجملة {أنا ~~الله} أي: البالغ في العظمة ما تقصر عنه الأوهام، مفسرة له، أو المتكلم، ~~وأنا خبر، والله بيان له، ثم وصف تعالى نفسه بوصفين يدلان على ما يفعله مع ~~موسى عليه السلام: أحدهما: {العزيز} أي: الذي يصل إلى سائر ما يريد ولا ~~يرده عن مراده راد، والثاني: {الحكيم} أي: الذي يفعل كل ما يفعله بحكمة ~~وتدبير. # فإن قيل: هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى، فكيف علم موسى ~~أنه من الله تعالى؟ أجيب: بأنه سمع الكلام المنزه عن شائبة كلام المخلوقين ~~لأن النداء أتاه من جميع الجهات وسمعه بجميع الحواس كما مر، فعلم بالضرورة ~~أنه صفة الله سبحانه وتعالى، ثم أرى الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام ~~آية تدل على قدرته ليعلم ms2284 علم شهود وهي قوله تعالى: # {وألق عصاك} فألقاها كما مر فصارت في الحال، كما آذنت به الفاء حية عظيمة ~~جدا، ومع كونها في غاية العظم في نهاية الخفة والسرعة في اضطرابها عند ~~محاولتها ما تريد {فلما رآها تهتز} أي: تضطرب في تحركها مع كونها في غاية ~~الكبر {كأنها جان} أي: حية صغيرة في خفتها وسرعتها فلا ينافي ذلك كبر جثتها ~~{ولى} أي: موسى عليه السلام ثم إن التولية مشتركة بين معان، فلذا بين ~~المراد منها بقوله تعالى: {مدبرا} أي: التفت هاربا منها مسرعا جدا لقوله ~~تعالى: {ولم يعقب} أي: لم يرجع على عقبه ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليه. # تنبيه: قال الزمخشري: وألق عصاك معطوف على بورك لأن المعنى نودي أن بورك ~~من في النار وأن ألق عصاك كلاهما تفسير لنودي، والمعنى قيل: له: بورك من في ~~النار، وقيل له: ألق عصاك انتهى. وإنما احتاج إلى تقدير وقيل له ألق لتكون ~~جمله خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها لأنه يرى في العطف تناسب ~~الجمل المتعاطفة، والصحيح كما قاله أبو حيان: أنه لا يشترط ذلك، ولما تشوفت ~~النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة أجيب: بأنه قيل له {يا موسى لا تخف} ~~أي: منها ولا من غيرها ثقة بي، ثم علل هذا النهي بقوله تعالى: مبشرا بالأمن ~~والرسالة {إني لا يخاف لدي} أي: عندي {المرسلون} أي: من حية وغيرها لأنهم ~~معصومون من الظلم لا يخاف من الملك العدل إلا ظالم، وقوله تعالى. # {إلا من ظلم} فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، لأن المرسلين ~~معصومون من المعاصي وهذا هو الصحيح، والمعنى لكن من ظلم من سائر الناس فإنه ~~يخاف إلا من تاب كما قال تعالى: {ثم بدل} أي: بتوبته # PageV03P044 # {حسنا بعد سوء} وهو الظلم الذي كان عمله أي: جعل الحسن بدل السوء كالسحرة ~~الذين آمنوا بعد ذلك بموسى عليه السلام {فإني} أرحمه بسبب أني {غفور} أي: ~~من شأني أن أمحو الذنوب محوا يزيل جميع آثارها {رحيم} أي: أعامله معاملة ms2285 ~~الراحم البليغ الرحمة، والثاني: أنه استثناء متصل. # وللمفسرين فيه عبارات: قال الحسن: إن موسى ظلم بقتل القبطي ثم تاب فقال ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، وقال غيره: إن ذلك محمول على ما يصدر من ~~الأنبياء من ترك الأفضل، وقال بعض النحويين: إلا ههنا بمعنى ولا، أي: لا ~~يخاف لدي المرسلون ولا المذنبون التائبون كقوله تعالى: {لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة إلا الذين ظلموا} (البقرة: 150) # أي: ولا الذين ظلموا ثم أراه الله تعالى بعد هذه الآية آية أخرى ذكرها ~~بقوله تعالى: # {وأدخل يدك في جيبك} أي: فتحة ثوبك وهو ما قطع منه ليحيط بعنقك، وكان ~~عليه مدرعة صوف لا كم لها وقيل: الجيب القميص لأنه يجاب أي: يقطع {تخرج ~~بيضاء} أي: بياضا عظيما نيرا جدا له شعاع كشعاع الشمس، وكانت الآية الأولى ~~مما في يده بقلب جوهرها إلى جوهر شيء آخر حيواني، وهذه في يده نفسها بقلب ~~عرضها التي كانت عليه إلى عرض آخر نوراني، ثم نفى عنها أن يكون ذلك بسبب ~~آفة بقوله تعالى: {من غير سوء} أي: برص ولا غيره من الآفات، وقوله تعالى ~~{في تسع آيات} كلام مستأنف، وحرف الجر فيه متعلق بمحذوف، والمعنى: اذهب في ~~تسع آيات {إلى فرعون وقومه} كقول القائل: # *فقلت إلى الطعام فقال منهم ... فريق يحسد الأنس الطعاما* # ويجوز أن يكون بمعنى وألق عصاك وأدخل يدك في تسع آيات وعدادهن. # ولقائل أن يقول كانت الآيات إحدى عشرة آية: ثنتان منها العصا واليد، ~~والتسع الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب في ~~بواديهم والنقصان في مزارعهم، وقيل: في بمعنى من أي: من تسع آيات فتكون ~~العصا واليد من التسع، ثم علل إرساله إليهم بالخوارق بقوله تعالى: {إنهم ~~كانوا قوما فاسقين} أي: خارجين عن طاعتنا. # {فلما جاءتهم آياتنا} أي: على يد موسى عليه السلام {مبصرة} أي: بينة ~~واضحة هادية إلى الطريق الأقوم {قالوا هذا سحر} أي: خيال لا حقيقة له ~~{مبين} أي: واضح في أنه خيال. # أي: أنكروا كونها آيات موجبات لصدقه مع علمهم ms2286 بإبطالهم لأن الجحود ~~الإنكار مع العلم {واستيقنتها أنفسهم} أي: علموا أنها من عند الله تعالى ~~وتخلل علمها صميم قلوبهم، فكانت ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم ولذلك أسند ~~الاستيقان إلى النفس، ثم علل جحدهم ووصفهم لها بخلاف وصفها بقوله تعالى: ~~{ظلما وعلوا} أي: شركاء وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى {فانظر} يا ~~أشرف الخلق {كيف كان عاقبة المفسدين} وهو الإغراق في الدنيا بأيسر سعي ~~وأيسر أمر، فلم يبق منهم عين تطرف ولم يرجع منهم مخبر على كثرتهم وعظمتهم ~~وقوتهم، والإحراق في الآخرة بالنار المؤبدة. القصة الثانية قصة داود ~~وسليمان عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى. # {ولقد آتينا} أي: بما لنا من العظمة {داود وسليمان} ابنه وهما من أتباع ~~موسى عليهم السلام وبعده بأزمان متطاولة {علما} أي: جزأ من العلم عظيما من ~~منطق الطير والدواب وتسبيح الجبال وغير ذلك لم نؤته لأحد من قبلهما ولما ~~كان التقدير # PageV03P045 # فعملا بمقتضاه، عطف عليه قوله: {وقالا} شكرا عليه ودلالة على شرف العلم ~~وتنبيها لأهله على التواضع {الحمد} أي: الإحاطة بجميع أوصاف الكمال {لله} ~~أي: الذي لا كفء له {الذي فضلنا} أي: بما آتانا من النبوة والكتاب وتسخير ~~الشياطين والجن والإنس وغير ذلك {على كثير من عباده المؤمنين} أي: ممن لم ~~يؤت علما أو مثل علمهما، وفي ذلك تحريض للعالم أن يحمد الله تعالى على ما ~~آتاه من فضله ويعتقد أنه وإن فضل على كثير فقد فضل عليه كثير، فلا يتكبر ~~ولا يفتخر ويشكر الله تعالى، وينفع به المسلمين كما نفعه الله تعالى به، ثم ~~إنه تعالى أشار إلى فضل سليمان بأنه جمع إلى ما آتاه ما كان منح به أباه ~~بقوله تعالى: # {وورث سليمان داود} أباه عليهما السلام دون سائر أولاده وكان لداود تسعة ~~عشر ابنا فأعطي سليمان ما أعطي داود من الملك وزيد له تسخير الريح وتسخير ~~الشياطين، قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود ~~أشد تعبدا من سليمان، وكان سليمان شاكرا لنعم الله تعالى {وقال} تحدثا ms2287 ~~بنعمة ربه ومنبها على ما شرفه الله تعالى به ليكون أجدر في قبول الناس ما ~~يدعوهم إليه من الخير {يا أيها الناس علمنا} أي: أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله ~~{منطق الطير} أي: فهم ما يريده كل طائر إذا صوت، فسمى صوت الطير منطقا ~~لحصول الفهم منه كما يفهم من كلام الناس. # روي عن كعب الأحبار أنه قال: صاح ورشان عند سليمان عليه السلام فقال ~~أتدرون ما يقول: قالوا: لا قال: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت ~~فاختة فقال: أتدرون ما تقول قالوا: لا قال: فإنها تقول: ليت ذا الخلق لم ~~يخلقوا، وصاح طاووس فقال أتدرون ما يقول: قالوا: لا قال: فإنه يقول: كما ~~تدين تدان، وصاح هدهد فقال أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: من ~~لا يرحم لا يرحم، وصاح صرد فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا قال فإنه يقول: ~~استغفروا الله يا مذنبين، وصاح طيطوى فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا قال ~~فإنه يقول: كل حي ميت وكل جديد بال، وصاح خطاف فقال: أتدرون ما يقول قالوا: ~~لا قال فإنه يقول: قدموا خيرا تجدوه، وهدرت حمامة فقال: أتدرون ما تقول؟ ~~قالوا: لا، قال فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قمري ~~فقال: أتدرون ما يقول قالوا: لا، قال: فإنه يقول سبحان ربي الأعلى، قال ~~والغراب يدعو على العشار، والحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله، والقطاة تقول ~~من سكت سلم، والببغاء تقول ويل لمن الدنيا همه والضفدع يقول سبحان رب ~~القدوس، ويقول أيضا سبحان ربي المذكور بكل لسان، والباز يقول سبحان ربي ~~وبحمده، وعن مكحول قال: صاح دراج عند سليمان فقال أتدرون ما يقول هذا؟ ~~قالوا: لا قال: فإنه يقول: الرحمن على العرش استوى. # وروي عن فرقد السنحي قال مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ~~ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا الله ونبيه أعلم قال ~~يقول أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء: وهو بالفتح والمد التراب، وقال أبو ms2288 ~~عبيد: هو الدروس، وفي حديث صفوان: «إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفا وشربت عليه ~~فعلى الدنيا العفاء» ، وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس إنا سائلوك ~~عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمنا وصدقنا، قال: اسألوا تفقها ولا تسألوا ~~تعنتا، قالوا: أخبرنا ما يقول القنبر في صفيره والديك في صعيقه # PageV03P046 # والضفدع في نعيقه والحمار في نهيقه والفرس في صهيله وما يقول الزرزور ~~والدراج، قال نعم أما القنبر فيقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، وأما ~~الديك فيقول: اذكروا الله يا غافلين، وأما الضفدع فيقول: سبحان المعبود في ~~لجج البحار، وأما الحمار فيقول: اللهم العن العشار، وأما الفرس فيقول: إذا ~~التقى الصفان سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وأما الزرزور فيقول: اللهم إني ~~أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق، وأما الدراج فيقول: الرحمن على العرش استوى ~~قال: فأسلم اليهود وحسن إسلامهم. # ويروى عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال: إذا ~~صاح النسر قال: ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في ~~البعد من الناس أنس، وإذا صاح القنبر قال: إلهي العن مبغضي آل محمد، وإذا ~~صاح الخطاف قرأ: الحمد لله رب العالمين ويمد ولا الضالين كما يمد القارئ. # وقول سليمان عليه السلام {وأوتينا من كل شيء} أي: تؤتاه الأنبياء ~~والملوك، قال ابن عباس من أمر الدنيا والآخرة، وقال مقاتل: يعني النبوة ~~والملك وتسخير الجن والإنس والرياح {إن هذا} أي: الذي أوتيناه {لهو الفضل ~~المبين} أي: البين في نفسه لكل من ينظره الموضح لعلو قدر صاحبه، روي أن ~~سليمان أعطي ملك مشارق الأرض ومغاربها فملك أربعين سنة وستة أشهر جميع أهل ~~الدنيا من الجن والأنس والدواب والطير والسباع وأعطى مع ذلك منطق الطير، ~~وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة، فقوله: {إن هذا لهو الفضل المبين} تقرير ~~لقوله {الحمد لله الذي فضلنا} والمقصود منه الشكر والحمد، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» ، فإن قيل: كيف قال علمنا وأوتينا وهو ms2289 ~~كلام المتكبر؟ أجيب بوجهين: الأول: أنه يريد نفسه وأباه كما مر، الثاني: أن ~~هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكا مطاعا، ولما كان هذا مجرد ~~خبر أتبعه ما يصدقه بقوله تعالى: # {وحشر} أي: جمع جمعا حتما بقهر وسطوة وإكراه بأيسر أمر {لسليمان جنوده} ~~ثم بين ذلك بقوله تعالى: {من الجن} وبدأ بهم لعسر جمعهم ثم ثنى بقوله ~~تعالى: {والإنس} لشرفهم ثم أتبع من يعقل بما لا يعقل بقوله {والطير} فقدم ~~القسم الأول لشرفه وذلك كان في مسير له في بعض الغزوات {فهم} أي: فتسبب عن ~~مسيره بذلك أنهم {يوزعون} أي: يكفون بحبس أولهم على آخرهم بأدنى أمر وأسهله ~~ليتلاحقوا فيكون ذلك أجدر بالهيبة وأعون على النصرة وأقرب إلى السلامة، قال ~~قتادة: كان على كل صنف من جنوده وزعة ترد أولها على آخرها لئلا يتقدموا في ~~المسير، قال والوازع: الحابس وهو النقيب، وقال مقاتل: يوزعون أي: يساقون، ~~وقال السدي: يوقفون، وقيل: يجمعون، وأصل الوزع الكف والمنع. # قال محمد بن كعب القرظي: كان معسكر سليمان عليه السلام مئة فرسخ خمسة ~~وعشرون للإنس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير، ~~وقيل: نسجت له الجن بساطا من ذهب وحرير فرسخا في فرسخ وكان يوضع كرسيه وسطه ~~فيقعد وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فتقعد الأنبياء على كراسي الذهب ~~والعلماء على كراسي الفضة والناس حولهم والجن والشياطين حول الناس والوحش ~~حولهم وتظلهم الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وكان له ألف بيت من ~~قوارير # PageV03P047 # على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة يعني: حرة وسبعمائة سرية، فيأمر الريح ~~العاصف فترفعه ثم يأمر الرخاء فتسير به مسيرة شهر، وأوحي إليه وهو يسير بين ~~السماء والأرض أني قد زدت في في ملكك أن لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا ~~جاءت به الريح فأخبرتك به، فيحكى أنه مر بحراث فقال لقد أوتي آل داود ملكا ~~عظيما فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث وقال: إني مشيت إليك لئلا ~~تتمنى ما لا تقدر عليه ms2290 ثم قال لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما ~~أوتي آل داود واستمر سائرا بمن معه. # {حتى إذا أتوا} أي: أشرفوا {على وادي النمل} روي عن كعب الأحبار أنه قال: ~~كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز فيها ~~تنانير الحديد وقدور عظام تسع كل قدر عشرة من الإبل يطبخ الطباخون ويخبز ~~الخبازون واتخذ ميادين للدواب فتجري بين يديه وهو بين السماء والأرض والريح ~~تهوي بهم فسار من اصطخر يريد اليمن، فمر بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال سليمان هذه دار هجرة نبي يخرج في آخر الزمان طوبى لمن آمن به وطوبى ~~لمن اتبعه، ولما وصل إلى مكة رأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله فلما ~~جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله تعالى إلى البيت ما يبكيك؟ # فقال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبياءك وقوم من أوليائك مروا علي فلم ~~يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله تعالى إليه ~~لا تبك فإني سوف أملؤك وجوها سجدا وأنزل فيك قرآنا جديدا وأبعث منك نبي آخر ~~الزمان أحب أنبيائي إلي وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي ~~فريضة يزفون إليك زفيف النسور إلى وكرها ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها ~~وحنين الحمامة إلى بيضها وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين، ثم مر سليمان ~~حتى مر بوادي السدير من الطائف فأتى على وادي النمل هكذا قال كعب إنه واد ~~بالطائف. # قال البقاعي: وهو الذي تميل إليه النفس فإنه معروف عندهم إلى الآن بهذا ~~الاسم، وقال قتادة ومقاتل: هو واد بالشأم وجرى عليه البيضاوي، وقيل: واد ~~كانت تسكنه الجن وأولئك النمل مراكبهم، وقال نوف الحميري: كان نمل ذلك ~~الوادي مثل الذباب، وقيل: كان كالبخاتي، وقال البغوي والمشهور: أنه النمل ~~الصغير. # فائدة: وقف الكسائي على وادي بالياء، والباقون بغير ياء، فإن قيل: لم عدى ~~أتوا بعلى؟ أجيب: بأنه يتوجه على معنيين: أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق ~~فأتى بحرف الاستعلاء، والثاني: ms2291 أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى ~~على الشيء إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم، أرادوا أن ينزلوا عند مقطع الوادي ~~لأنهم ما دامت الريح تحملهم في الهوى لا يخاف حطمهم. # ولما كانوا في أمر مهول منظره وقربوا من ذلك الوادي {قالت نملة} قال ~~الشعبي: كانت تلك النملة ذات جناحين، وقيل: كانت نملة عرجاء فنادت {يا أيها ~~النمل ادخلوا} أي: قبل وصول ما أرى من الجيش {مساكنكم} ثم عللت أمرها ~~فقالت: {لا يحطمنكم} أي: يكسرنكم ويهشمنكم، أي: لا تبرزوا فيحطمكم فهو نهي ~~لهم عن البروز في صورة نهيه وهو أبلغ من التصريح بنهيهم لأن من نهى أميرا ~~عن شيء كان لغيره أشد نهيا {سليمان وجنوده} أي: لأنهم لكثرتهم إذا صاروا في ~~هذا # PageV03P048 # الوادي استعلوا عليه فضيقوه فلم يدعوا فيه موضع شبر خاليا {وهم} أي: ~~سليمان وجنوده {لا يشعرون} أي: بحطمهم لكم لاشتغالهم بما هم فيه من أحوال ~~السير، وقولها هذا يدل على علمها بأنهم لو شعروا بهم ما آذوهم لأنهم أتباع ~~نبي فهم رحماء، وإنما خاطبتهم خطاب من يعقل لأنها لما جعلت قائلة والنمل ~~مقولا له كما يكون في أولي العقل أجرت خطابهم، والنمل: اسم جنس معروف واحده ~~نملة، ويقال نملة ونمل بضم النون وسكون الميم، ونملة ونمل بضمهما. # وعن قتادة: أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوني عما شئتم، وكان ~~أبو حنيفة رحمه الله تعالى حاضرا وهو غلام حديث، فقال سلوه عن نملة سليمان ~~أكانت ذكرا أم أنثى؟ فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له من ~~أين عرفت؟ فقال من كتاب الله، وهو قوله: قالت نملة ولو كانت ذكرا لقال قال ~~نملة، قال الزمخشري: وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على ~~الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو ~~وهي انتهى. # ورد هذا أبو حيان فقال: ولحاق التاء في قالت لا يدل على أن النملة مؤنثة ~~بل يصح أن يقال في الذكر قالت نملة لأن النمل وإن كان بالتاء ms2292 هو مما لا ~~يتميز فيه المذكر من المؤنث وما كان كذلك كاليمامة والقملة مما بينه في ~~الجمع وبين واحده تاء التأنيث من الحيوان، فإنه يخبر عنه إخبار المؤنث، ولا ~~يدل كونه يخبر عنه إخبار المؤنث على كونه ذكرا وأنثى لأن التاء دخلت فيه ~~للفرق لا للدلالة على التأنيث له الحقيقي، بل دالة على الواحد من هذا ~~الجنس، قال وكان قتادة بصيرا بالعربية، وكونه أفحم يدل على معرفته باللسان ~~إذا علم أن النملة يخبر عنها إخبار المؤنث وإن كانت تطلق على الأنثى والذكر ~~إذ لا يتميز فيه أحد هذين، ولحاق العلامة لا يدل، فلا يعلم التذكير ~~والتأنيث إلا بوحي من الله ا. ه. # وقال الطيبي: العجب من أبي حنيفة إن ثبت ذلك عنه لأن النملة كالحمامة ~~والشاة تقع على الذكر والأنثى وأطال الكلام في ذلك. # فإن قيل: كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وكانت الريح تحمل سليمان ~~وجنوده على بساط بين السماء والأرض؟ أجيب: بأن من جنوده ركبانا ومنهم مشاة ~~على الأرض تطوى لهم، أو أن ذلك كان قبل تسخير الريح لسليمان، ويروى أن ~~سليمان لما بلغ وادي النمل حبس جنده حتى دخل النمل بيوتهم، فقد روي أنه سمع ~~كلامها من ثلاثة أميال، وقيل: كان اسمها طاخية. # فائدة: قال أهل المعاني في كلام هذه النملة أنواع من البلاغة: نادت ونبهت ~~وسمت وأمرت ونصت وحذرت وخصت وعمت وأشارت وأعذرت، ووجهه: نادت يا، نبهت: ها، ~~سمت: النمل، أمرت: ادخلوا، نصت: مساكنكم، حذرت: لا يحطمنكم، خصت: سليمان، ~~عمت: وجنوده، أشارت: وهم، أعذرت: لا يشعرون، ولما كان هذا أمر معجبا لما ~~فيه من جزالة الألفاظ وجلالة المعاني تسبب عنه قوله. # {فتبسم ضاحكا من قولها} أي: لما أوتيته من الفصاحة والبيان وسرورا بما ~~وصفته به من العدل في أنه وجنوده لا يؤذي أحدا وهم يعلمون، وبما آتاه الله ~~من سمعه كلام النملة وإحاطته بمعناه تنبيه: ضاحكا: حال مؤكدة لأنها مفهومة ~~من تبسم، وقيل: هي حال مقدرة فإن التبسم ابتداء الضحك، وقيل: التبسم قد ~~يكون للغضب، ومنه ms2293 تبسم تبسم الغضبان، فضاحكا: مبينا له، قال عنترة: # PageV03P049 # d # *لما رآني قد قصدت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم* # وقال الزجاج: أكثر ضحك الأنبياء التبسم، وقوله: ضاحكا أي: متبسما، وعن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ~~قط ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم» ، وعن عبد الله بن الحارث بن ~~جبير قال: «ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل: كان أوله التبسم، وآخره الضحك، ثم حمد الله تعالى على هذه النعمة ~~وسأل ربه توفيق شكره لما تذكر ما أولاه ربه سبحانه وتعالى بحسن تربيته من ~~فهم كلامها إلى ما أنعم عليه من غير ذلك {وقال رب} أي: أيها المحسن إلي ~~{أوزعني} أي: ألهمني {أن أشكر نعمتك} وقيل معناه لغة: اجعلني أزع شكر نعمتك ~~أي: أكفه وأمنعه حتى لا يفلت مني فلا أزال شاكرا، وأزع بفتح الزاي أصله: ~~أوزع فحذفت واوه كما في أدع، ولما أفهم ذلك تعلق النعمة به حققه بقوله ~~{التي أنعمت علي} وأفهم قوله: {وعلى والدي} أن أمه كانت أيضا تعرف منطق ~~الطير وإنما أدرج ذكر والديه لأن النعمة على الولد نعمة على الوالدين خصوصا ~~النعمة الراجعة إلى الدين فإنه إذا كان تقيا نفعهما بدعائه وشفاعته ودعاء ~~المؤمنين لهما كلما دعوا له وقالوا رضي الله عنك وعن والديك. # تنبيه: الشكر لغة: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الشاكر ~~أو غيره سواء كان ذكرا باللسان أم اعتقادا أو محبة بالجنان أم عملا وخدمة ~~بالأركان، كما قال القائل: # *أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا* # وعرفا: صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع وغيره إلى ما ~~خلق لأجله، وهذا لمن حفته العناية الربانية نسأل الله الكريم الفتاح أن ~~يحفنا ومن يلوذ بنا بعنايته. # روي عن داود عليه السلام أنه قال: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة أخرى منك ~~أحتاج عليها إلى شكر آخر؟ فأوحى الله تعالى إليه ms2294 يا داود إذا علمت أن ما بك ~~من نعمة فمني فقد شكرتني. والشكر ثلاثة أشياء: الأول: معرفة النعمة بمعنى ~~إحضارها في الخاطر بحيث يتميز عندك أنها نعمة، فرب جاهل تحسن إليه وتنعم ~~عليه وهو لا يدري، فلا جرم أنه لا يصح منه الشكر، الثاني: قبول النعمة ~~بتلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة، فإن ذلك شاهد بقبولها حقيقة، ~~الثالث: الثناء بها بأن تصف المنعم بالجود والكرم ونحوه مما يدل على حسن ~~تلقيك لها واعترافك بنزول مقامك في الرتبة عن مقامه، فإن اليد العليا خير ~~من اليد السفلى. # ولما علم من كلامه أن الشاكر هو المستغرق في الثناء على المنعم بما يجب ~~عليه من العمل بحسب ما يقدر عليه، وكان ذلك العمل مما يجوز أن يكون زين ~~لذلك العبد كونه حسنا وهو ليس كذلك قال عليه السلام: مشيرا إلى هذا المعنى ~~{وأن أعمل صالحا} أي: في نفس الأمر، وقيده بقوله {ترضاه} لأن العمل الصالح ~~قد لا يرضاه المنعم لنقص في العامل، كما قيل: # *إذا كان المحب قليل حظ ... فما حسناته إلا ذنوب* # وقوله {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} يدل على أن دخول الجنة برحمته ~~وفضله # PageV03P050 # لا باستحقاق العبد، والمعنى: أدخلني في جملتهم وأثبت اسمي في أسمائهم ~~واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم ~~من النبيين، فإن قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين والأولياء فما ~~السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين وقد تمنى يوسف عليه السلام ~~بقوله {فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني ~~بالصالحين} (الشعراء: 83) # وقال إبراهيم: {هب لي حكما وألحقني بالصالحين} (الشعراء، 83) . # أجيب: بأن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله تعالى ولا يفعل معصية ولا ~~يهم بمعصية وهذه درجة عالية، ثم إن سليمان عليه السلام لما وصل إلى المنزل ~~الذي قصده تفقد أحوال جنوده كما تقتضيه العناية بأمور الملك. # {وتفقد الطير} أي: طلبها وبحث عنها، والتفقد طلب ما فقد، ومعنى الآية طلب ~~ما فقد من الطير {فقال ms2295 ما لي لا أرى الهدهد} أي: أهو حاضر {أم كان من ~~الغائبين} أم منقطعة، كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر ولم يره لساتر أو غيره، ~~فقال مالي لا أراه، ثم احتاط فلاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أهو ~~غائب؟ كأنه يسأل عن صحة ما لا ح له، وهذا يدل على أنه تفقد جماعة من الجند ~~وتحقق غيبتهم وشك في غيبته. # وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء: أن سليمان لما فرغ من بناء ~~بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم فتجهز للمسير واستصحب من الجن ~~والإنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ عسكره مائة فرسخ فحملتهم الريح ~~فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم وكان ينحر في كل يوم مدة ~~مقامه بمكة خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة وقال لمن حضر من ~~أشراف قومه أن هذا المكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا يعطى النصر على ~~جميع ما يأواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء ~~لا تأخذه في الله لومة لائم، قالوا فبأي: دين يدين يا نبي الله؟ قال بدين ~~الحنيفية: فطوبى لمن أدركه وآمن به، قالوا كم بيننا وبين خروجه يا نبي ~~الله؟ قال: مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء ~~وخاتم الرسل، فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج منها صباحا وسار نحو اليمن ~~فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها فأحب ~~النزول ليصلي ويتغدى، فلما نزل قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول ~~فأرتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها فنظر يمينا وشمالا فرأى ~~بستانا لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان ~~اسم هدهد سليمان يعفور واسم هدهد اليمن عنفير، فقال عنفير هدهد اليمن ~~ليعفور سليمان من أين أقبلت وإلى أين تريد؟ قال أقبلت من الشأم مع صاحبي ~~سليمان بن داود فقال ومن سليمان؟ قال ملك الإنس ms2296 والجن والشياطين والطير ~~والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال أنا من هذه البلاد، قال ومن ملكها؟ قال ~~امرأة يقال لها بلقيس، وإن لصاحبكم ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، ~~فإنها ملكت اليمن كله وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد تحت يد كل قائد مائة ألف ~~مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها، قال أخاف أن يفقدني سليمان ~~في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، قال # الهدهد اليماني إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه ونظر ~~إلى # PageV03P051 # بلقيس وملكها وغاب إلى وقت العصر، وكان نزول سليمان على غير ماء، قال ابن ~~عباس: وكان الهدهد دليل سليمان على الماء، وكان يعرف الماء ويرى الماء تحت ~~الأرض كما يرى في الزجاجة ويعرف بعده وقربه فينقر الأرض ثم تجيء الشياطين ~~فيسلخونها كما يسلخ الإهاب ويستخرجون الماء، قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن ~~عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: انظر ما تقول: إن الصبي منا يصنع الفخ ~~ويحثوا عليه التراب فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه؟ فقال له ~~ابن عباس ويحك إن القدر إذا جاء حال بين البصر، وفي رواية إذا نزل القضاء ~~والقدر ذهب اللب وعمي البصر، قال القائل: # *هي المقادير فدعني والقدر ... إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر* # *إذا أراد الله أمرا بامرئ ... وكان ذا عقل وسمع وبصر* # *يعبر الجهل فيعمى قلبه ... وسمعه وعقله ثم البصر* # *حتى إذا أنفذ فيه حكمه ... رد عليه عقله ليعتبر* # *لا تقل لما جرى كيف جرى ... كل شيء بقضاء وقدر* # فلما دخل على سليمان وقت الصلاة سأل الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم ~~يعلموه، فتفقد الهدهد فلم يجده فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فقال ~~أصلح الله الملك ما أدري أين هو، وما أرسلته مكانا، فغضب سليمان عند ذلك ~~وقال. # {لأعذبنه} أي: بسبب غيبته فيما لم آذن فيه {عذابا شديدا} أي: مع بقاء ~~روحه ردعا لأمثاله {أو لأذبحنه} أي: بقطع حلقومه أي: تأديبا لغيره {أو ~~ليأتيني ms2297 بسلطان مبين} أي: بحجة واضحة. # واختلفوا في تعذيبه الذي أوعده به على أقوال: قال البغوي: أظهرها أن ~~عذابه أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطا لا يمتنع من النمل والذباب ~~ولا من هوام الأرض انتهى، وقيل: تعذيبه أن يؤذيه بما لا يحتمله ليعتبر به ~~أبناء جنسه، وقيل: كان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه، وقيل: أن ~~يطلى بالقطران ويشمس، وقيل: أن يلقى للنمل تأكله، وقيل: إيداعه القفص، ~~وقيل: التفريق بينه وبين ألفه، وقيل: لألزمنه صحبة الأضداد. # قال الزمخشري: وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، وقيل: لألزمنه ~~خدمة أقرانه، ثم دعا العقاب سيد الطير فقال له: علي بالهدهد الساعة فرفع ~~العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء فنظر الدنيا كالقصعة بين يدي ~~أحدكم، فالتفت يمينا وشمالا فإذا بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض العقاب ~~نحوه يريده فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء، فناشده فقال بحق ~~الله الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، فولى عنه ~~العقاب وقال له ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو ليذبحنك، ~~قال فما استثنى، قال: بلى، قال أو ليأتيني بسلطان مبين، ثم طارا متوجهين ~~نحو سليمان فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له ويلك أين ~~غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال، فقال الهدهد وما ~~استثنى نبي الله عليه السلام؟ قالوا: بلى، قال أو ليأتيني بسلطان مبين، قال ~~فنجوت إذا، ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان، وكان قاعدا على كرسيه، ~~فقال # PageV03P052 # العقاب قد أتيتك به يا نبي الله. # {فمكث} أي: الهدهد، وقوله تعالى: {غير بعيد} صفة للمصدر، أي: مكثا غير ~~بعيد، فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض ~~تواضعا لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه، وقال له أين كنت؟ ~~لأعذبنك عذابا شديدا فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله ~~تعالى، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد ms2298 وعفا عنه، ثم سأله فقال ما الذي أبطأك ~~عني {فقال أحطت} أي: علما {بما لم تحط به} أي: أنت مع اتساع علمك وامتداد ~~ملكك، ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل ~~النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له في ~~علمه، وتنبيها له على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط به، ~~لتتحاقر إليه نفسه ويتصاغر إليه علمه ويكون لطفا في ترك الإعجاب الذي هو ~~فتنة العلماء والإحاطة بالشيء علما أن يعلم من جميع جهاته لا يخفى منه ~~معلوم، قالوا: # وفيه دليل على بطلان قول الروافضة أن الإمام لا يخفى عليه شيء ولا يكون ~~في زمانه أحد أعلم منه، وقيل: الضمير في مكث لسليمان، وقيل: غير بعيد صفة ~~للزمان أي: زمانا غير بعيد، وقرأ عاصم بفتح الكاف، والباقون بضمها، وهما ~~لغتان إلا أن الفتح أشهر، {وجئتك} أي: الآن {من سبأ بنبأ} أي: خبر عظيم ~~{يقين} أي: محقق، وقرأ أبو عمرو والبزي سبأ بفتح الهمزة من غير تنوين، ~~جعلاه اسما للقبيلة أو البقعة فمنعاه من الصرف للعلمية والتأنيث، والباقون ~~بالجر والتنوين جعلوه اسما للحي أو المكان، قال البغوي: وجاء في الحديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ فقال: «رجلا كان له عشرة من البنين ~~تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة» فقال سليمان وما ذاك قال: # {إني وجدت امرأة تملكهم} وهي بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان، ~~وكان أبوها ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا هو آخرهم، وكان يملك أرض ~~اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى أن يتزوج ~~منهم فزوجوه بامرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت بلقيس ولم ~~يكن له ولد غيرها. # قال البغوي: وجاء في الحديث «أن أحد أبوي بلقيس كان جنيا فلما مات أبو ~~بلقيس طمعت في الملك، فطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها ~~آخرون، وملكوا عليهم رجلا وافترقوا فرقتين كل فرقة استولت ms2299 على طرف من أرض ~~اليمن، ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السير في أهل مملكته حتى كان يمد يده ~~إلى حرم رعيته ويفجر بهن، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه، فلما رأت بلقيس ~~ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها، وقال: ما منعني ~~أن أبتدئك بالخطبة إلا إياسي منك، فقالت لا أرغب عنك أنت كفؤ كريم، فاجمع ~~رجال قومي واخطبني منهم، فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا لا نراها تفعل ذلك، ~~فقال لهم إنها قد ابتدأتني وأنا أحب أن تسمعوا قولها، فجاؤها فذكروا لها ~~قالت نعم أحببت الولد فزوجوها منه، فلما زفت إليه خرجت في أناس كثير من ~~حشمها، فلما جاءته أسقته الخمر حتى سكر، ثم جزت رأسه وانصرفت من الليل إلى ~~منزلها، فلما أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوب على باب دارها، ~~فعلموا أن تلك المناكحة كانت حيلة مكر وخديعة منها، فاجتمعوا إليها وقالوا ~~أنت # PageV03P053 # بهذا الملك أحق من غيرك فملكوها» . # وعن الحسن عن أبي بكرة قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل ~~فارس قد ملكوا عليهم امرأة قال: «لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة» وقوله ~~{وأوتيت} يجوز أن يكون معطوفا على تملكهم، وجاز عطف الماضي على المضارع لأن ~~المضارع بمعناه، أي: ملكتهم، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال من مرفوع ~~تملكهم، وقد معها مضمرة عند من يرى ذلك، وقوله {من كل شيء} عام مخصوص ~~بالعقل لأنها لم تؤت ما أوتيه سليمان، فالمراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك ~~من الآلة والعدة {ولها عرش} أي: سرير {عظيم} أي: ضخم لم أجد لأحد مثله طوله ~~ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا وارتفاعه ثلاثون ذراعا، مضروب من الذهب ~~والفضة مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرد، وقوائمه من ~~الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرد عليه سبعة أبواب على كل باب بيت ~~مغلق. # فإن قيل: كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان؟ وأيضا ~~كيف سوى بين عرش بلقيس وعرش الرحمن في الوصف بالعظم؟ ms2300 أجيب عن الأول: بأنه ~~يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان واستعظم لها ذلك العرش، ويجوز أن لا ~~يكون لسليمان مثله وإن عظمت مملكته في كل شيء كما يكون لبعض أمراء الأطراف ~~شيء يكون في العظم أبلغ مما لغيره من أبناء جنسه من الملوك، ووصف عرش ~~الرحمن بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. # فإن قيل: كيف خفي على سليمان تلك المملكة العظيمة مع أن الإنس والجن ~~كانوا في طاعته فإنه عليه السلام كان ملك الدنيا كلها مع أنه لم يكن بين ~~سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام؟ أجيب: بأن ~~الله تعالى أخفى عنه ذلك لمصلحة رآها كماأخفى مكان يوسف على يعقوب، ولما ~~كان الهدهد في خدمة أقرب أهل ذلك الزمان إلى الله تعالى فحصل له من ~~النورانية ما هاله، قال مستأنفا. # {وجدتها وقومها} أي: كلهم على ضلال كبير وذلك أنهم {يسجدون للشمس} ~~مبتدئين ذلك {من دون الله} أي: من أدنى رتبة للملك الأعظم الذي لا مثل له ~~{وزين لهم الشيطان أعمالهم} أي: هذه القبيحة حتى صاروا يظنونها حسنة، ثم ~~تسبب عن ذلك أنه أعماهم عن طريق الحق فلهذا قال {فصدهم عن السبيل} أي: الذي ~~لا سبيل إلى الله غيره، وهو الذي بعث به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة ~~والسلام، ثم تسبب عن ذلك ضلالهم فلهذا قال {فهم} أي: بحيث {لا يهتدون} أي: ~~لا يوجد لهم هدى بل هم في ضلال صرف وعمى محض. # {ألا يسجدوا لله} أي: أن يسجدوا له، فزيدت لا وأدغم فيها نون أن، كما في ~~قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب} (الحديد: 29) # والجملة في موضع مفعول يهتدون بإسقاط إلى، هذا إذا قرئ بالتشديد وهي ~~قراءة غير الكسائي، وأما الكسائي: فقرأ بتخفيف ألا فألا فيها تنبيه ~~واستفتاح وما بعدها حرف نداء ومناداه محذوف كما حذفه من قال: # *ألايا اسلمى يا دار مي علي البلى ... ولا زال منهلا بجرعاتك القطر* # ويقف الكسائي على ألا، وعلى يا، وعلى اسجدوا، وإذا ابتدأ ms2301 اسجدوا ابتدأ ~~بالضم، ثم وصف الله تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود من الاتصاف ~~بكمال القدرة والعلم حثا على # PageV03P054 # السجود له وردا على من يسجد لغيره سبحانه وتعالى بقوله: {الذي يخرج ~~الخبء} وهو مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات وغيرهما وخصه بقوله: {في ~~السموات والأرض} لأن ذلك منتهى مشاهدتنا فننظر ما يكون فيهما بعد أن لم يكن ~~من سحاب ومطر ونبات وتوابع ذلك من الرعد والبرق وما يشرق من الكواكب ويغرب ~~إلى غير ذلك من الرياح والحر والبرد وما لا يحصيه إلا الله تعالى {ويعلم ما ~~تخفون} في قلوبهم {وما تعلنون} بألسنتهم، وقرأ الكسائي وحفص بالتاء الفوقية ~~فيهما، والباقون بالتحتية، فالخطاب ظاهر على قراءة الكسائي لأن ما قبله ~~أمرهم بالسجود وخاطبهم به، والغيبة على قراءة الباقين غير ظاهرة لتقدم ~~الضمائر الغائبة في قوله {أعمالهم} {فصدهم} و {فهم} وأما قراءة حفص ~~فتأويلها أنه خرج إلى خطاب الحاضرين بعد أن أتم قصة أهل سبأ، ويجوز أن تكون ~~إلتفاتا على أنه نزل الغائب منزلة الحاضر فخطابه ملتفتا إليه وقوله: # {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} أي: الذي هو أول الأجرام وأعظمها ~~والمحيط بجملتها، يحتمل أن يكون من كلام الهدهد استدراكا لما وصف عرش بلقيس ~~بالعظم، وأن يكون من كلام الله تعالى ردا عليه في وصفه عرشها بالعظم فبين ~~العظمتين بون عظيم، فإن قيل: من أين للهدهد التهدي إلى معرفة الله ووجوب ~~السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟. # أجيب: بأنه لا يبعد أن يلهمه الله تعالى ذلك كما ألهمه وغيره من الطيور ~~وسائر الحيوان المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون ~~لها، خصوصا في زمن نبي سخرت له الطيور وعلم منطقها وجعل ذلك معجزة له، وهذه ~~آية سجدة واختلف في محلها، هل هو هذه الآية أو عند قوله قبلها وما يعلنون؟ ~~الجمهور على الأول، ولما فرغ الهدهد من كلامه. # {قال} له سليمان {سننظر} أي: نختبر ما قلته {أصدقت} فيه فنعذرك {أم كنت ~~من الكاذبين} أي: معروفا بالانخراط ms2302 في سلكهم فإنه لا يجترئ على الكذب عندي ~~إلا من كان غريقا في الكذب فهو أبلغ من أم كذبت، وأيضا لمحافظة الفواصل، ثم ~~شرع فيما يختبره به فكتب له كتابا على الفور في غاية الوجازة قصدا للإسراع ~~في إزالة المنكر على تقدير صدق الهدهد بحسب الاستطاعة، ودل على إسراعه في ~~كتابته بقوله جوابا له. # {اذهب بكتابي هذا} فكأنه كان مهيأ عنده فدفعه إليه وأمره بالإسراع، فطار ~~كأنه البرق ولهذا أشار بالفاء في قوله: {فألقه إليهم} أي: الذين ذكرت أنهم ~~يعبدون الشمس وذلك للاهتمام بأمر الدين، وقرأ أبو عمرو وشعبة وخلاد بخلاف ~~عنه فألقه بسكون الهاء، واختلس الكسرة قالون وهشام بخلاف عنه، والباقون ~~بإشباع الكسرة. {ثم} قال له إذا ألقيته إليهم {تول} أي: تنح {عنهم} إلى ~~مكان تسمع فيه كلامهم ولا يصلون معه إليك {فانظر ماذا يرجعون} أي: يردون من ~~الجواب، وقال ابن زيد في الآية تقديم وتأخير، مجازها اذهب بكتابي هذا فألقه ~~إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم أي: انصرف إلي، فأخذ الهدهد الكتاب ~~وأتى إلى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام. # قال قتادة: فوافاها في قصرها وقد غلقت الأبواب وكانت إذا رقدت غلقت ~~الأبواب وأخذت # PageV03P055 # المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها ~~فألقى الكتاب على نحرها، وقيل نقرها فانتبهت فزعة، وقال مقاتل: حمل الهدهد ~~الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة وحولها القادة والجنود فرفرف ساعة، ~~والناس ينظرون إليه حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها، وقال وهب ~~بن منبه وابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع الشمس فيها حين تطلع ~~فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد إلى الكوة فسدها بجناحه فارتفعت ~~الشمس ولم تعلم بها، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر إليها، فرمى بالصحيفة ~~إليها فأخذت بلقيس الكتاب وكانت قارئة فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ~~ملك سليمان كان في خاتمه وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكا منها، وقرأت ~~الكتاب وتأخر الهدهد فجاءت حتى قعدت ms2303 على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها ~~وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد ألف مقاتل، وعن ابن عباس قال: كان مع ~~بلقيس مائة ألف، قيل مع كل قيل مائة ألف، والقيل: الملك دون الملك الأعظم، ~~وقال قتادة ومقاتل: كان أهل مشورتها ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم ~~على عشرة آلاف، فلما جاؤوا أخذوا مجالسهم. # {قالت} لهم بلقيس {يا أيها الملأ} وهم أشراف الناس وكبراؤهم {إني ألقي ~~إلي} أي: بإلقاء ملق على وجه غريب {كتاب} أي: صحيفة مكتوب فيها كلام وخبر ~~جامع، قال الزمخشري: وكانت كتب الأنبياء جملا لا يطنبون ولا يكثرون، ولما ~~حوى هذا الكتاب من الشرف أمرا باهرا لم يعهد مثله وصفته بقولها {كريم} وقال ~~عطاء والضحاك: سمته كريما لأنه كان مختوما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«كرامة الكتاب ختمه» ، «وكان عليه السلام يكتب إلى العجم فقيل له إنهم لا ~~يقبلون إلا كتابا عليه خاتم فاصطنع له خاتما» ، وعن ابن المقنع: من كتب إلى ~~أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به، وقال مقاتل: كريم أي: حسن، وعن ابن ~~عباس: أي: شريف لشرف صاحبه، وقيل: سمته كريما لأنه كان مصدرا ب {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} ، ثم بينت ممن الكتاب فقالت. # {إنه من سليمان} ثم بينت المكتوب فيه فقالت {وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم} . # {ألا تعلو علي} قال ابن عباس: لا تتكبروا علي، وقيل لا تتعظموا ولا ~~تترفعوا علي، أي: لا تمتنعوا عن الإجابة فإن ترك الإجابة من العلو والتكبر ~~{وائتوني مسلمين} أي: منقادين خاضعين فهو من الاستسلام، أو مؤمنين فهو من ~~الإسلام، فإن قيل: لم قدم سليمان اسمه على البسملة؟ أجيب: بأنه لم يقع منه ~~ذلك بل ابتدأ الكتاب بالبسملة وإنما كتب اسمه عنوانا بعد ختمه لأن بلقيس ~~إنماعرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود، ولذلك قالت: {إنه ~~بسم الله الرحمن الرحيم} أي: إن الكتاب، فالتقديم واقع في حكاية الحال، ~~واعلم أن قوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} مشتمل على إثبات الصانع وإثبات ~~كونه ms2304 عالما قادرا حيا مريدا حكيما رحيما قال الطيبي: وقال القاضي: هذا كلام ~~في غاية الوجازة مع إثبات كمال الصانع وإثبات كمال الدلالة على المقصود ~~لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الإله وصفاته صريحا أو التزاما، ~~والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل، والأمر بالإسلام الذي هو جامع لأمهات ~~الفضائل، ولما سكتوا عن الجواب. # {قالت} لهم {يا أيها الملأ} ثم بينت ما داخلها من الرعب من صاحب هذا ~~الكتاب بقولها # PageV03P056 # {أفتوني} أي: تكرموا علي بالإنابة عما أفعله {في أمري} هذا الذي أجيب به ~~هذا الكتاب جعلت الشورى فتوى توسعا، لأن الفتوى الجواب في الحادثة، وقرأ ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة واوا، والباقون بتحقيقها ~~وفي الابتداء الجميع بالتحقيق. # ثم عللت أمرها لهم بقولها {ما كنت قاطعة أمرا} أي: فاعلته وفاصلته غير ~~مترددة فيه {حتى تشهدون} أفادت بذلك أن شأنها دائما مشاورتهم في كل جليل ~~وحقير فكيف بهذا الأمر الخطير، وفي ذلك استعطافهم بتعظيمهم وإجلالهم ~~وتكريمهم ودلالة على غزارة عقلها وحسن أدبها، ثم إنهم أجابوها عن ذلك بأن. # {قالوا} مائلين إلى الحرب {نحن أولو قوة} أي: بالمال والرجال {وأولو} أي: ~~أصحاب {بأس} عزم في الحرب {شديد والأمر} أي: في كل من المصادمة والمسالمة ~~راجع وموكول {إليك فانظري} أي: بسبب أنه لا نزاع معك {ماذا تأمرين} فإنا ~~نطيعك ونتبع أمرك، ولما علمت أن من سخر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه ~~شيء يريده. # {قالت} جوابا لما أحست في جوابهم من ميلهم إلى الحرب والحرب سجال لا يدري ~~عاقبتها {إن الملوك} أي: مطلقا فكيف بهذا النافذ الأمر، العظيم القدر {إذا ~~دخلوا} عنوة بالقهر {قرية أفسدوها} أي: بالنهب والتخريب {وجعلوا أعزة أهلها ~~أذلة} أي: أهانوا أشرافها وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر، ثم أكدت هذا ~~المعنى بقولها {وكذلك} أي: ومثل هذا الفعل العظيم الشأن {يفعلون} أي: هو ~~خلق لهم مستمر في جميعهم فكيف بمن تطيعه الوحوش والطيور وغيرهما. # تنبيه: هذه الجملة من كلامها وهو كما قال ابن عادل الظاهر، ولهذا جبلت ~~عليه ms2305 فتكون منصوبة بالقول، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى تصديقا لها ~~فهي استئنافية لا محل لها من الإعراب، وهي معترضة بين قولها. ولما بينت ما ~~في المصادمة من الخطر أتبعته بما عزمت عليه من المسالمة بقولها. # {وإني مرسلة إليهم} أي: إلى سليمان وقومه {بهدية} وهي العطية على طريق ~~الملاطفة، وذلك أن بلقيس كانت امرأة كيسة قد سيست وساست فقالت للملأ من ~~قومها إني مرسلة إلى سليمان وقومه بهدية أصانعه بها عن ملكي فاختبره بها ~~أملك هو أم نبي؟ فإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف، وإن يكن نبيا لم يقبل ~~الهدية ولم يرضها منا إلا أن نتبعه على دينه، فذلك قولها {فناظرة بم} أي: ~~أي شيء {يرجع المرسلون} فأهدت إليه وصفا ووصائف، قال ابن عباس: ألبستهم ~~لباسا واحدا كي لا يعرف ذكرا من أنثى، وقال مجاهد ألبست الجواري لباس ~~الغلمان وألبست الغلمان لباس الجواري، واختلف في عددهم: فقال ابن عباس: ~~مائة وصيف ومائة وصيفة، وقال مجاهد ومقاتل: مائة غلام ومائتا جارية، وقال ~~قتادة: أرسلت إليه بلبنات من ذهب في حرير وديباج، وقال ثابت البناني: أهدت ~~إليه صفائح الذهب في أوعية الديباج، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب، وقال ~~وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية فألبست الجواري ~~لباس الغلمان الأقبية والمناطق وألبست الغلمان لباس الجواري وجعلت في ~~سواعدهم أساور من ذهب وفي أعناقهم أطواقا من ذهب وفي آذانهم أقراطا وشنوفا ~~مرصعات بأنواع الجواهر وغواشيها من الديباج الملونة وبعثت إليه خمسمائة ~~لبنة من ذهب وخمسمائة # PageV03P057 # من فضة وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع وأرسلت المسك والعنبر وعمدت ~~إلى حقة فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجذعة لعلها مثقوبة معوجة الثقب ~~ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمت إليه رجالا من قومها ~~أصحاب رأي وعقل، وكتبت معهم كتابا بنسخة الهدية. # وقالت: إن كنت نبيا فميز بين الوصف والوصائف، وأخبر بما في الحقة قبل أن ~~تفتحها، واثقب الدرة ثقبا مستويا، وأدخل خيطا في الخرزة المثقوبة من غير ~~علاج ms2306 إنس ولا جن، وأمرت بلقيس الغلمان: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام ~~تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة ~~يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرجل انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر ~~إليك نظر غضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل ~~بشاشا لطيفا فاعلم أنه نبي مرسل، فتفهم قوله ورد الجواب. # فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر كله ~~فأمر سليمان عليه السلام الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا، ~~ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانا واحدا ~~بلبنات الذهب والفضة وأن يجعلوا حول الميادين حائطا شرفها من الذهب والفضة ~~ففعلوا، ثم قال أي الدواب أحسن مما رأيتم في البر والبحر قالوا يا نبي الله ~~إنا رأينا دواب في مجر كذا وكذا منقطة مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ~~ونواص، قال علي بها الساعة، فأتوابها فقال شدوها عن يمين الميدان وعن يساره ~~على لبنات الذهب والفضة وألقوا لها علوفتها فيها، ثم قال للجن علي بأولادكم ~~فاجتمع خلق كثير فأقامهم عن يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان في مجلسه ~~على سريره ووضع له أربعة آلاف كرسي على يمينه ومثلها على يساره وأمر ~~الشياطين أن يصطفوا صفوفا فراسخ وأمر الإنس فاصطفوا صفوفا فراسخ وأمر ~~الوحوش والسباع والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه ويساره. # فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم ~~تر أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة تقاصرت أنفسهم ورموا ما معهم من ~~الهدايا، وفي بعض الروايات أن سليمان لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب ~~والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم ~~فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكل الأرض مفروشة خافوا أن يتهموا بذلك ~~فطرحوا ما معهم في ذلك الموضع الخالي فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر ~~عجيب ففزعوا، فقالت لهم الشياطين جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرون ms2307 على ~~كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان، ~~فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم ~~بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه وقال أين الحقة؟ فأتى بها فحركها ~~وجاء جبريل عليه السلام فأخبره بما في الحقة فقال: إن فيها درة ثمينة غير ~~مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجة الثقب، فقال الرسول صدقت فاثقب الدرة وأدخل ~~الخيط في الخرزة، فقال سليمان عليه السلام من لي بثقبها فسأل سليمان الإنس ~~ثم الجن فلم يكن عندهم علم بذلك ثم سأل الشياطين فقالوا أرسل إلى الأرضة ~~فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، ~~فقال لها سليمان سلي حاجتك قالت تصير رزقي في الشجرة فقال لك ذلك، وروي ~~أنها جاءت دودة تكون في الصفصاف فقالت أنا أدخل الخيط في الثقب على أن يكون ~~رزقي في الصفصاف فجعل لها ذلك، فأخذت الخيط بفيها ودخلت الثقب وخرجت من ~~الجانب الآخر، ثم قال من لهذه الخرزة بسلكها بالخيط فقالت دودة بيضاء أنا ~~لها يا رسول الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من ~~الجانب # PageV03P058 # الآخر فقال لها سليمان سلي حاجتك قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال لك ذلك، ~~ثم ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فجعلت ~~الجارية تأخذ الماء من الآنية # بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه، والغلام يأخذ من ~~الآنية بيديه ويضرب بهما وجهه وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعدها، ~~والغلام على ظاهر الساعد وكانت الجارية تصب الماء صبا، وكان الغلام يحدر ~~الماء على ساعده حدرا، فميز بينهم بذلك، ثم رد سليمان الهدية كما قال ~~تعالى: # {فلما جاء} أي: الرسول الذي بعثته، والمراد به الجنس، قال أبو حيان وهو ~~يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث {سليمان} ورفع إليه ذلك {قال} أي: ~~سليمان عليه السلام للرسول ولمن في خدمته استصغارا لما معه {أتمدونني} أي: ~~أنت ومن معك ومن أرسلك ms2308 {بمال} وإنما قصدي لكم لأجل الدين تحقيرا لأمر ~~الدنيا وإعلاما بأنه لا التفات له نحوها بوجه ولا يرضيه شيء دون طاعة الله ~~تعالى، وقرأ نافع وأبو عمرو: بإثبات الياء وصلا لا وقفا، وابن كثير: بإثبات ~~الياء وصلا ووقفا، وحمزة بإدغام النون الأولى في الثانية وإثبات الياء وصلا ~~ووقفا، ثم تسبب عن ذلك قوله استصغارا لما معهم {فما آتاني الله} أي: الملك ~~الأعظم من الحكمة والنبوة والملك، وهو الذي يغني مطيعه عن كل شيء سواه ~~فمهما سأله أعطاه، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص: بفتح الياء في الوصل، ولقالون ~~وأبي عمرو وحفص أيضا إثباتها وقفا، والباقون بحذف الياء وقفا ووصلا، ~~وأمالها حمزة والكسائي محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين {خير} أي: أفضل {مما ~~آتاكم} أي: من الملك الذي لا دين ولا نبوة فيه {بل أنتم} أي: بجهلكم بالدين ~~{بهديتكم} أي: بإهداء بعضكم إلى بعض {تفرحون} وأما أنا فلا أفرح بها وليست ~~الدنيا من حاجتي لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط ~~أحدا، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ثم قال للمنذر بن عمرو أمير الوفد. # {ارجع} أي: بهديتهم وجمع في قوله {إليهم} إكراما لنفسه وصيانة لاسمها عن ~~التصريح بضميرها وتعظيما لكل من يهتم بأمرها ويطيعها {فلنأتينهم بجنود لا ~~قبل} أي: لا طاقة {لهم بها} أي: بمقابلتها {ولنخرجنهم منها} أي: من أرضهم ~~وبلادهم وهي سبأ {أذلة وهم صاغرون} أي: ذليلون لا يملكون شيئا من المنعة. # فإن قيل: فلنأتينهم ولنخرجنهم قسم فلا بد أن يقع؟ أجيب: بأنه معلق على ~~شرط محذوف لفهم المعنى، أي: إن لم يأتونى مسلمين، قال وهب وغيره من أهل ~~الكتب، لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان قالت لهم قد عرفت والله ما ~~هذا بملك وما لنا به من طاقة فبعثت إلى سليمان أني قادمة عليك بملوك قومي ~~حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعلته داخل سبعة # PageV03P059 # أبواب داخل قصرها وقصرها داخل سبعة قصور وأغلقت الأبواب وجعلت عليها ~~حراسا يحفظونه، ثم ms2309 قالت لمن خلفت على سلطانها احتفظ بما وكلتك وبسرير ملكي ~~لا يخلص إليه أحد حتى آتيك، ثم أمرت مناديا ينادي في أهل مملكتها تؤذنهم ~~بالرحيل وتجهزت للمسير فارتحلت في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يد ~~كل قيل ألوف كثيرة. # قال ابن عباس: كان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي ~~يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه، فقال ما هذا؟ ~~قالوا بلقيس وقد نزلت منا على مسيرة فرسخ، فأقبل سليمان حينئذ على جنوده ~~بأن. # {قال} لهم {يا أيها الملأ} أي: الأشراف {أيكم} وفي الهمزتين ما تقدم ~~{يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} أي: مؤمنين، وقال ابن عباس: واختلفوا ~~في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها فقال أكثرهم: لأن سليمان علم ~~أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه ~~بإسلامها، وقيل: ليريها قدرة الله تعالى ببعض ما خصه به من العجائب الدالة ~~على عظيم القدرة وصدقه في دعوى النبوة في معجزة يأتي بها في عرشها، وقال ~~قتادة: لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد بالعظم فأحب أن يراه، وقال ابن ~~زيد: يريد أن يأمر بتنكيره وتغييره فيختبر بذلك عقلها. # {قال عفريت من الجن} وهو المارد القوي، قال وهب: اسمه كودي، وقيل: ذكوان، ~~وقال ابن عباس العفريت الداهي، وقال الضحاك: هو الخبيث، وقال الربيع: ~~الغليظ، وقال الفراء: القوي الشديد، قيل: إن الشياطين أقوى من الجن وأن ~~المردة أقوى من الشياطين وأن العفريت أقوى منهما، قال بعض المفسرين العفريت ~~من الرجال الخبيث المتكبر، وقيل: هو صخر الجني وكان بمنزلة جبل يضع قدمه ~~عند منتهى طرفه، وقوله تعالى {أنا آتيك به} قرأه في الموضعين نافع بإثبات ~~الألف من أنا وصلا ووقفا، والباقون وصلا لا وقفا، ثم بين سرعة إسراعه بقوله ~~{قبل أن تقوم من مقامك} أي: الذي تجلس فيه للقضاء، قال ابن عباس: كان له ~~غداة كل يوم مجلس يقضي فيه إلى نصف النهار، ثم أوثق ms2310 الأمر وأكده بقوله ~~{وإني عليه} أي: على الإتيان به سالما {لقوي} أي: على حمله لا يحصل عجزي ~~عنه {أمين} أي: على ما فيه من الجواهر وغيرها، قال سليمان عليه السلام أريد ~~أسرع من ذلك. # {قال الذي عنده علم من الكتاب} المنزل وهو علم الوحي والشرائع، وقيل: ~~كتاب سليمان، وقيل: اللوح المحفوظ، والذي عنده علم من الكتاب جبريل، قال ~~البقاعي ولعله التوراة والزبور انتهى، وفي ذلك إشارة إلى أن من خدم كتاب ~~الله حق الخدمة كان الله تعالى معه، كما ورد في شرعنا «كنت سمعه الذي يسمع ~~به وبصره الذي يبصر به ويديه التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها» ، أي: ~~أنه يفعل له ما يشاء. # واختلفوا في تعيينه: فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا كاتب سليمان، ~~وقيل اسمه أسطوم وكان صديقا عالما يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به ~~أجاب وإذا سئل به أعطى، وقيل ملك أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام، ~~وعن ابن لهيعة بلغني أنه الخضر عليه السلام {أنا آتيك به} ثم بين فضله على ~~العفريت بقوله {قبل أن يرتد} أي: يرجع {إليك طرفك} أي: بصرك إذا طرفت ~~أجفانك فأرسلته إلى منتهاه، ثم رددته فالطرف: تحريكك # PageV03P060 # أجفانك إذا نظرت فوضع في موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال ~~الطرف في نحو قوله: # *وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر* # وصف برد الطرف ووصف الطرف بالارتداد، روي أن آصف قال لسليمان مد عينيك ~~حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان عينيه فنظر نحو اليمين ودعا آصف فبعث الله ~~تعالى الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يجدون جدا حتى انخرقت الأرض ~~بالسرير بين يدي سليمان، وقال الكلبي: خر آصف ساجدا ودعا باسم الله الأعظم ~~فغار عرشها تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان بقدرة الله تعالى، وقيل: ~~كانت المسافة شهرين، وقال سعيد بن جبير: يعني من قبل أن يرجع إليك أقصى من ~~ترى وهو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك، وقال قتادة: قبل أن ms2311 يأتيك ~~الشخص من مد البصر، وقال مجاهد: يعني: إدامة النظر حتى يرد البصر خاسئا، ~~قال الزمخشري: ويجوز أن يكون هذا مثلا لاستقصار مدة المجيء به، كما تقول ~~لصاحبك افعل ذلك في لحظة وفي رد طرف والتفت ترني وما أشبه ذلك تريد السرعة ~~انتهى. # واختلفوا في الدعاء الذي دعا به آصف: فقال مجاهد ومقاتل: بياذا الجلال ~~والإكرام، وقال الكلبي: يا حي يا قيوم، وروي ذلك عن عائشة رضي الله عنها، ~~وروي عن الزهري قال دعاء الذي عنده علم من الكتاب يا إلهنا وإله كل شيء ~~إلها واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها، وعن الحسن يا الله يا رحمن، وقال ~~محمد بن المنكدر إنما هو سليمان قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله ~~تعالى علما وفهما أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك قال سليمان هات قال ~~أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك فإن دعوت الله كان عندك ~~فقال صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت. # قال الرازي وهذا القول أقرب واستدل لذلك بوجوه منها: أن سليمان كان أعرف ~~بالكتاب من غيره لأنه هو النبي فكان صرف اللفظ إليه أولى، ومنها: أن إحضار ~~العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ~~ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق، ومنها: أنه قال هذا من فضل ربي فظاهره ~~يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان. # {فلما رآه} أي: رأى سليمان العرش {مستقرا عنده} أي: حاصلا بين يديه {قال} ~~شاكرا لربه لما آتاه الله تعالى من هذه الخوارق {هذا} أي: الإتيان المحقق ~~{من فضل ربي} أي: المحسن إلي لا بعمل أستحق به شيئا فإنه أحسن إلي بإخراجي ~~من العدم ونظر إلي بتوفيقي للعمل فكل عمل نعمة يستوجب علي بها الشكر، ولذلك ~~قال {ليبلوني} أي: ليختبرني {أأشكر} فاعترف بكونه فضلا {أم أكفر} بظني أني ~~أوتيته باستحقاق. # تنبيه: ههنا همزتان مفتوحتان فنافع يسهل الهمزة الثانية، وابن كثير وأبو ~~عمرو وهشام بخلاف ms2312 عنه، وأدخل بينهما ألفا قالون وأبو عمرو وهشام، ولم يدخل ~~ورش وابن كثير، ولورش أيضا إبدالها ألفا، والباقون بالتحقيق وعدم الإدخال، ~~ثم زاد في حث نفسه على الشكر بقوله {ومن شكر} أي: أوقع الشكر لربه {فإنما ~~يشكر لنفسه} فإن نفعه لها وهو أن يستوجب تمام النعمة ودوامها لأن الشكر قيد ~~للنعمة الموجودة وجلب للنعمة المفقودة {ومن كفر} أي: بالنعمة {فإن ربي} أي: ~~المحسن إلي # PageV03P061 # بتوفيقي لما أنا فيه من الشكر {غني} عن شكره لا يضره تركه شيئا {كريم} ~~أي: بإدرار الإنعام عليه فلا يقطعه عنه بسبب عدم شكره، ولما حصل العرش ~~عنده. # {قال} عليه السلام {نكروا} أي: غيروا {لها عرشها} أي: سريرها إلى حالة ~~تنكره إذا رأته، قال قتادة ومقاتل: هو أن يزاد فيه وينقص، وروي أنه جعل ~~أعلاه أسفله وأسفله أعلاه وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر ~~اختبارا لعقلها، كما اختبرتنا بالوصفاء والوصائف والدرة وغير ذلك. # وإليه أشار بقوله {ننظر أتهتدي} أي: إلى معرفته فيكون ذلك سببا لهدايتها ~~في الدين {أم تكون من الذين} شأنهم أنهم {لا يهتدون} بل هم في غاية الغباوة ~~ولا يتجدد لهم اهتداء، وقال وهب ومحمد بن كعب: إنما حمل سليمان على ذلك، أن ~~الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي له أسرار الجن لأن أمها كانت جنية ~~وإذا ولدت له ولدا لا ينفكون عن تسخير سليمان وذريته من بعده، فأساؤوا ~~الثناء عليها ليزهدوه فيها، فقالوا: إن في عقلها شيئا وإن رجليها كحافر ~~الحمار وأنها شعراء الساقين، فأراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن يختبر ~~عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح، ثم أشار إلى سرعة مجيئها ~~إشارة إلى خضوعها بالتعبير بالفاء في قوله. # {فلما جاءت} وكانت قد وضعت عرشها في بيت خلف سبعة أبواب ووكلت به حراسا ~~أشداء {قيل} لها وقد رأت عرشها بعد تنكيره {أهكذا عرشك} أي: مثل هذا عرشك ~~{قالت كأنه هو} قال مقاتل: عرفته ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها، وقال ~~عكرمة: كانت حكيمة لم تقل نعم خوفا من أن ms2313 تكذب ولم تقل لا خوفا من التكذيب ~~فقالت كأنه هو فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر، وقيل: اشتبه ~~عليها أمر العرش لأنها خلفته في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها ~~فقيل لها فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب. # وقوله تعالى: {وأوتينا العلم من قبلها} فيه وجهان: أحدهما: أنه من كلام ~~بلقيس فالضمير في قبلها راجع للمعجزة والحالة الدال عليها السياق، والمعنى: ~~وأوتينا العلم بنبوة سليمان من قبل ظهور هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة، ~~وذلك لما رأت قبل ذلك من أمر الهدهد ورد الهدية والرسل من قبلها من قبل ~~الآية في العرش {وكنا مسلمين} أي: منقادين طائعين لأمر سليمان، والثاني: ~~أنه من كلام سليمان وأتباعه فالضمير في قبلها عائد على بلقيس فكان سليمان ~~وقومه قالوا: إنها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة وقد رزقت الإسلام، ثم ~~عطفوا على ذلك قولهم {وأوتينا العلم} يعني بالله تعالى وبقدرته على ما يشاء ~~من قبل هذه المرأة في مثل علمها وغرضهم من ذلك شكرا لله تعالى في أن خصهم ~~بمزيد التقديم في الإسلام قاله مجاهد، وقيل: معناه وأوتينا العلم بإسلامها ~~ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين طائعين لله تعالى، واختلف في فاعل ~~قوله عز وجل. # {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} على ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير البارئ ~~تعالى، الثاني ضمير سليمان عليه السلام، أي: منعها ما كانت تعبد من دون ~~الله وهو الشمس، وعلى هذا فما كانت تعبد منصوب على إسقاط الخافض، أي: وصدها ~~الله تعالى أو سليمان عما كانت تعبد من دون الله قاله الزمخشري مجوزا له، ~~قال أبو حيان وفيه نظر من حيث إن حذف الجار ضرورة كقوله: # *تمرون الديار فلم تعوجوا* # وقد تقدم آيات كثيرة من هذا النوع، والثالث: أن الفاعل هو ما كانت # PageV03P062 # أي: صدها ما كانت تعبد عن الإسلام أي: صدها عبادة الشمس عن التوحيد وقوله ~~تعالى: {إنها كانت من قوم كافرين} استئناف أخبر الله تعالى أنها كانت من ~~قوم يعبدون ms2314 الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف العبادة ولم تعرف إلا عبادة الشمس، ~~ولما تم ذلك فكأنه قيل: هل كان بعد ذلك اختبار فقيل نعم. # {قيل لها} أي: قائل من جنود سليمان عليه السلام فلم يمكنها المخالفة ~~{ادخلي الصرح} وهو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء جار فيه سمك اصطنعه ~~سليمان، ولما قالت له الشياطين إن رجليها كحافر الحمار وهي شعراء الساقين، ~~فأراد أن ينظر إلى ساقيها من غير أن يسألها كشفهما، وقيل الصرح صحن الدار ~~أجرى تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر السمك والضفادع وغيرهما ثم ~~وضع سريره في صدره وجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والأنس، وقيل: اتخذ ~~صحنا من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع فكان الواحد إذا رآه ~~ظنه ماء {فلما رأته حسبته لجة} وهي معظم الماء {وكشفت عن ساقيها} لتخوضه ~~فنظر إليها سليمان فرآها أحسن الناس ساقا وقدما إلا أنها كانت شعراء ~~الساقين فلما رأى سليمان ذلك صرف نظره عنها، وناداها بأن. # {قال} لها {إنه} أي: هذا الذي ظننته ماء {صرح ممرد} أي: مملس ومنه الأمرد ~~لملاسة وجهه من الشعر {من} أي: كائن من {قوارير} أي: زجاج وليس بماء، ثم إن ~~سليمان دعاها إلى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت بأن {قالت ~~رب} أي: أيها المحسن إلي {إني ظلمت نفسي} أي: بما كنت فيه من العمى بعبادة ~~غيرك عن عبادتك {وأسلمت مع سليمان لله} أي: مقرة له بالألوهية والربوبية ~~على سبيل الوحدانية، ثم رجعت إشارة للعجز عن معرفة الذات حق المعرفة إلى ~~الأفعال التي هي بحر المعرفة فقالت {رب العالمين} فعممت بعد أن خصت إشارة ~~إلى الترقي من حضيض دركات العمى إلى أوج درجات الهدى، وقيل: إنها لما بلغت ~~الصرح وظنته لجة قالت في نفسها إن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون ~~من هذا، فقولها ظلمت نفسي أي: بذلك الظن. # واختلفوا في أمرها بعد إسلامها هل تزوجها سليمان عليه السلام؟ فالذي عليه ~~أكثر المفسرين فيما رأيت أنه تزوج بها ms2315 وكره ما رأى من شعر ساقيها فسأل ~~الإنس ما يذهب هذا فقالوا الموس فقالت المرأة لا تمسني حديدة قط، فسأل الجن ~~فقالوا لا ندري، فسأل الشياطين فقالوا إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة ~~البيضاء فاتخذوا النورة والحمام فكانت النورة والحمامات من يومئذ، فلما ~~تزوجها سليمان أحبها حبا شديدا وأقرها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها ~~بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها وارتفاعا وحسنا، قال الطيبي سلحين ~~ومؤمنة باليمن وغمدان قال في النهاية هم بضم الغين وسكون الميم البناء ~~العظيم، وكان يزورها في الشهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له وقيل: ~~إنها لما أسلمت قال لها سليمان اختاري رجلا من قومك أن أزوجك له قالت ومثلي ~~يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان، قال ~~نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله، ~~فقالت إن كان ولا بد فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجه بها ثم ردها إلى اليمن ~~وسلطن زوجها ذا تبع على اليمن وأمر زوبعة أمير جن # PageV03P063 # اليمن أن يطيعه فبنى له المصانع ولم يزل أميرا حتى مات سليمان عليه ~~السلام، فلما أن حال الحول وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك ~~تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته يا معشر الجن إن الملك ~~سليمان قد مات فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا وانقضى ملك ذي تبع ~~وملك بلقيس مع ملك سليمان، وقيل: إن الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاثة ~~عشر سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة فسبحان من يدوم ملكه وبقاؤه. # ولما أتم سبحانه وتعالى قصة سليمان وداود عليهما السلام ذكر قصة صالح ~~عليه السلام وهي القصة الثالثة بقوله تعالى: # {ولقد أرسلنا} أي: بمالنا من العظمة {إلى ثمود أخاهم} أي: من القبيلة ~~{صالحا} ثم ذكر المقصود من الرسالة بما لا أعدل منه ولا أحسن بقوله: {أن ~~اعبدوا الله} أي: الملك الأعظم وحده ولا تشركوا به ms2316 شيئا، ثم تعجب منهم بما ~~أشارت إليه الفاء وإذا المفاجأة من المبادرة إلى الافتراق بما يدعو إلى ~~الاجتماع بقوله: {فإذا هم} أي: ثمود {فريقان} وبين بقوله تعالى: {يختصمون} ~~أنهم فرقة افتراق بكفر وإيمان لا فرقة اجتماع في هدى وعرفان، ففريق صدق ~~صالحا واتبعه وفريق استمر على شركه وكذبه وكل فريق يقول أنا على الحق وخصمي ~~على الباطل، ثم استعطف صالح عليه السلام على المكذبين بأن. # {قال} لهم {يا قوم لم تستعجلون} أي: تطلبون العجلة بالإتيان {بالسيئة} ~~أي: التي مساءتها ثابتة وهي العقوبة التي أنذرت بها من كفر {قبل} الحالة ~~{الحسنة} من الخيرات التي أبشركم بها في الدنيا والآخرة إن آمنتم، ~~والاستعجال: طلب الإتيان بالأمر قبل الوقت المضروب، واستعجالهم لذلك ~~بالإصرار على سببه وقولهم استهزاء {ائتنا بما تعدنا} وكانوا يقولون إن ~~العقوبة التي بعدها صالح إن وقعت على زعمه تبنا حينئذ واستغفرنا، فحينئذ ~~يقبل الله تعالى توبتنا ويدفع العذاب عنا، فخاطبهم صالح عليه السلام على ~~حسب عقولهم واعتقادهم فقال. # {لولا} أي: هلا ولم لا {تستغفرون الله} أي: تطلبون غفرانه قبل نزول ~~العذاب، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر {لعلكم ترحمون} تنبيها لهم ~~على الخطأ فيما قالوه فإن العذاب إذا نزل بهم لا تقبل توبتهم. # تنبيه: وصف العذاب بأنه سيئة مجازا إما لأن العقاب من لوازمه أو لأنه ~~يشبهه في كونه مكروها، وأما وصف الرحمة بأنها حسنة فقيل حقيقة وقيل مجاز، ~~ثم إن صالحا عليه السلام لما قرر لهم هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد ~~بأن. # {قالوا} فظاظة وغلظة {اطيرنا} أي: تشاءمنا {بك وبمن معك} أي: وبمن آمن ~~بك، وذلك أن الله تعالى قد أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا، فقالوا حل ~~بنا هذا الضرر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك، قال الزمخشري: كان الرجل يخرج ~~مسافرا فيمر بطائر فيزجره فإن مر سانحا تيمن وإن مر بارحا تشائم، قال ~~الجوهري: السنيح والسانح ما ولاك ميامنه من ظبي أو طائر وغيرهما وبرح الظبي ~~بروحا إذا ولاك مياسره يمر من ميامنك إلى مياسرك ms2317 والعرب تتطير بالبارح ~~وتتفائل بالسانح، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما ~~من قدر الله تعالى وقسمته تنبيه: أصل اطيرنا تطيرنا أدغمت التاء في الطاء ~~واجتلبت # PageV03P064 # همزة وصل. # ثم أجابهم صالح عليه السلام بأن {قال} لهم {طائركم} أي: ما يصيبكم من خير ~~وشر {عند الله} أي: الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة وهو قضاؤه ~~وقدره وليس شيء منه بيد غيره، وسمي طائرا لسرعة نزوله بالإنسان، فإنه لا ~~شيء أسرع من قضاء محتوم، وقال ابن عباس: الشؤم أتاكم من عند الله تعالى ~~بكفركم، وقيل: طائركم عملكم عند الله سمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء، ~~ومنه قوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} (الإسراء: 13) # {بل أنتم قوم تفتنون} قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر كقوله تعالى: ~~{ونبلوكم بالشر والخير فتنة} (الأنبياء: 35) # وقال محمد بن كعب: تعذبون، وقيل: يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم بالتطير، ~~لما أخبر الله تعالى عن عامة هذا الفريق بالشر نبه على بعض شرهم بقوله ~~تعالى: # {وكان في المدينة} أي: مدينة ثمود وهي الحجر {تسعة رهط} أي: رجال وإنما ~~جاز تمييزا لتسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة فكأنه قيل تسعة أنفس أو رجال ~~كما قدرته، والفرق بين الرهط والنفر أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة أو من ~~السبعة إلى العشرة والنفر من الثلاثة إلى التسعة. # وأسماؤهم عن وهب: الهذيل بن عبد رب غنم بن غنم، رياب بن مهرج، مصدع بن ~~مهرج، عمير بن كردبة، عاصم بن مخرمة، سبيط بن صدقة، سمعان بن صفي، قدار بن ~~سالف وهم الذي سعوا في عقر الناقة وكانوا عتاة قوم صالح وكانوا من أبناء ~~أشرافهم ورأسهم قدار بن سالف وهو الذي تولى عقر الناقة، وقوله: {يفسدون في ~~الأرض} إشارة إلى عموم فسادهم ودوامه وقوله: {ولا يصلحون} يحتمل أن يكون ~~مؤكدا للأول ويحتمل أن لا يكون وهو الأولى، لأن بعض المفسدين قد يندر منه ~~بعض الصلاح فنفى عنهم ذلك فليس شأنهم إلا الفساد المحض الذي لا يخالطه شيء ~~من الصلاح، ولما اقتضى ms2318 السياق السؤال عن بعض حالهم أجاب بقوله: # {قالوا تقاسموا} أي: قال بعضهم لبعض احلفوا {بالله} أي: الملك العظيم ~~{لنبيتنه} أي: صالحا {وأهله} أي: من آمن به لنهلكن الجميع ليلا، فإن البيات ~~مباغتة العدو ليلا تنبيه: محل تقاسموا جزم على الأمر، ويجوز أن يكون فعلا ~~ماضيا، وحينئذ يجوز أن يكون مفسرا لقالوا كأنه قيل: ما قالوا: فقيل ~~تقاسموا، ويجوز أن يكون حالا على إضمار قدر أي: قالوا ذلك متقاسمين وإليه ~~ذهب الزمخشري. # {ثم لنقولن} أي: بعد إهلاك صالح ومن معه {لوليه} أي: المطالب بدمه إن بقي ~~منهم أحد {ما شهدنا} أي: ما حضرنا {مهلك} أي: إهلاك {أهله} أي: أهل ذلك ~~الولي فضلا عن أن نكون باشرنا أو أهل صالح عليه السلام فضلا عن أن نكون ~~شهدنا مهلكه أو باشرنا قتله ولا موضع إهلاكه، وقرأ حمزة والكسائي بعد اللام ~~من لنبيتنه بتاء فوقية مضمومة وبعد الياء التحتية بتاء فوقية مضمومة وبعد ~~اللام من ليقولن بتاء فوقية مفتوحة وضم اللام بعد الواو، والباقون بعد ~~اللام من لنقولن بنون مفتوحة ونصب اللام من لنقولن، وقرأ عاصم مهلك بفتح ~~الميم، والباقون بضمها، وكسر اللام حفص، وفتحها الباقون. # ولما صمموا على هذا الأمر وظنوا أنفسهم على المبالغة في الحلف بقولهم ~~{وإنا لصادقون} أي: في قولنا ما شهدنا مهلك أهله ذلك، فإن قيل: كيف يكونون ~~صادقين وقد جحدوا ما فعلوا فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه؟ أجيب: على ~~التفسير الثاني بأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا وبيتوا أهله فجمعوا بين # PageV03P065 # البياتين، ثم قالوا ما شهدنا مهلك أهله فذكروا أحدهما، كانوا صادقين ~~لأنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما، وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب ~~قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم إلا أنهم ~~قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في ~~خبرهم حيلة يتفصون فيها عن الكذب ولما كان منهم عمل من لم يظن أن الله عالم ~~به قال تعالى محذرا أمثالهم عن أمثال ذلك. # {ومكروا مكرا} ms2319 وهو ما أخفوه من تدبيرهم الفتك بصالح وأهله {ومكرنا مكرا} ~~أي: جازيناهم على مكرهم بتعجيل العقوبة {وهم لا يشعرون} أي: لا يتجدد لهم ~~شعور بما قدرناه عليهم، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة، وقيل: إن الله ~~تعالى أخبر صالحا بمكرهم فتحرز عنهم فذاك مكر الله تعالى في حقهم. # {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم} في ذلك {أنا دمرناهم} أي: أهلكناهم {وقومهم ~~أجمعين} روي أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، ~~فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل ~~الثلاثة فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله ~~فقتلناهم فبعث الله تعالى صخرة من أهضب جبالهم فبادروا إلى الشعب فطبقت ~~الصخرة عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل الله تعالى ~~بهم وبقومهم، وعذب الله تعالى كلا منهم في مكانه بصيحة جبريل عليه السلام ~~ورمتهم الملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم. # وقال ابن عباس: أرسل الله تعالى الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح ~~يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من ~~حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم، وقال مقاتل: نزلوا في سفح ~~الجبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح فحمى عليهم الجبل فأهلكهم وأهلك ~~الله تعالى قومهم بالصيحة. # {فتلك بيوتهم} أي: ثمود كلهم {خاوية} أي: خالية من خوى البطن إذا خلا أو ~~ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط تنبيه: خاوية منصوب على الحال، والعامل ~~فيها معنى اسم الإشارة، وقرأ الكوفيون أنا دمرناهم بفتح الهمزة إما على حذف ~~حرف الجر، أي: لأنا دمرناهم وإما أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: هي أنا ~~دمرناهم أي: العاقبة تدميرنا إياهم، وقيل غير ذلك، والباقون بكسر الهمزة ~~على الاستئناف وهو تفسير للعاقبة، وقرأ ورش وأبو عمر ووحفص بيوتهم بضم ~~الباء الموحدة، وكسرها الباقون، ولما ذكر تعالى هلاكهم اتبعه بقوله تعالى: ~~{بما ظلموا} أي: بسبب ظلمهم وهو عبادتهم من لا يستحق العبادة وتركهم من ~~يستحقها، ms2320 ثم زاد في التهويل بقوله تعالى: {إن في ذلك} أي: هذا الأمر الباهر ~~للعقول الذي فعل بثمود {لآية} أي: عبرة عظيمة ولكنها {لقوم يعلمون} قدرتنا ~~فيتعظون أما من لا علم عنده فقد نادى على نفسه في عداد البهائم، ولما ذكر ~~تعالى الذين أهلكهم أتبعه بذكر الذين نجاهم فقال. # {وأنجينا} أي: بعظمتنا وقدرتنا {الذين آمنوا} وهم الفريق الذين كانوا مع ~~صالح كلهم {وكانوا يتقون} أي: متصفين بالتقوى أيضا فكأنهم مجبولون عليه ~~فيجعلون بينهم وبين ما يسخط الله وقاية من الأعمال الصالحة. # ولما ذكر تعالى قصة صالح عليه السلام أتبعها قصة لوط عليه السلام وهي ~~القصة الرابعة بقوله تعالى: # {ولوطا} # PageV03P066 # وهو إما منصوب عطفا على صالح، أي: وأرسلنا لوطا، وإما عطفا على الذين ~~آمنوا أي: وأنجينا لوطا، وإما باذكر مضمرة ويبدل منه على هذا. # {إذ} أي: حين {قال لقومه} أي: الذين كان سكن فيهم لما فارق عمه إبراهيم ~~الخليل عليهما السلام وصاهرهم وكانوا يأتون الأحداث منكرا موبخا {أتأتون ~~الفاحشة} أي: الفعلة المتناهية في الفحش {وأنتم تبصرون} من بصر القلب، أي: ~~تعلمون فحشها واقتراف القبائح من العالم بقبحها أقبح، أو يبصرها بعضكم من ~~بعض لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معلنين لا يستتر بعضهم من بعض خلاعة ~~ومجانة وانهماكا في المعصية، قال الزمخشري وكان أبا نواس بنى على مذهبهم ~~قوله: # *وبح باسم ما تأتي وذرني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر* # أو تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم، فإن قيل: إذا فسر تبصرون ~~بالعلم وبعده بل أنتم قوم تجهلون فكيف يكونون علماء جهلاء؟. # أجيب: بأنهم يفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمهم بذلك أو يجهلون ~~العاقبة، أو أن المراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها، ثم عين ~~ما أبهمه بقوله. # {أئنكم لتأتون} وقال {الرجال} إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعني الوصف ~~ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحدا يفعلها، ثم علل ذلك بقوله ~~{شهوة} إنزالا لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد ولا إعفاف، ms2321 وقال ~~{من دون النساء} إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين في الفعل والترك، وقوله: ~~{بل أنتم قوم تجهلون} تقدم في جواب تبصرون تفسيره، فإن قيل: تجهلون صفة ~~لقوم والموصوف لفظه لفظ الغائب فهلا طابقت الصفة الموصوف؟ أجيب: بأنه قد ~~اجتمعت الغيبة والمخاطبة فغلبت المخاطبة لأنها أقوى وأرسخ أصلا من الغيبة، ~~وقرأ أئنكم نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية المكسورة ~~كالياء، وحققها الباقون، وأدخل بينهما قالون وأبو عمرو ألفا، وهشام بخلاف ~~عنه، لما بين تعالى بجهلهم بين أنهم أجابوا بما لا يصلح أن يكون جوابا ~~بقوله تعالى: # {فما كان جواب قومه} أي: لهذا الكلام الحسن لما لم يكن لهم حجة ولا شبهة ~~في دفعه {إلا أن قالوا} عدولا إلى المغلابة وتماديا في الخبث {أخرجوا آل ~~لوط} أي: أهله وقولوا {من قريتكم} منا عليه بإسكانه عندهم، وعللوا ذلك ~~بقولهم {إنهم أناس يتطهرون} أي: يتنزهون عن القاذورات كلها فينكرون هذا ~~العمل القذر ويغيظنا إنكارهم، وعن ابن عباس: هو استهزاء أي: قالوه تهكما ~~بهم، ولما وصولوا في الخبث إلى هذا الحد سبب سبحانه وتعالى عن قولهم وفعلهم ~~قوله تعالى: # {فأنجيناه وأهله} أي: كلهم من أن يصلوا إليهم بأذى ويلحقهم من عذابنا ~~{إلا امرأته قدرناها} أي: قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا {من الغابرين} أي: ~~الباقين في العذاب، وقرأ شعبة بتخفيف الدال والباقون بالتشديد. # {وأمطرنا عليهم مطرا} هو حجارة السجيل، أي: أهلكتهم ولذلك تسبب عنه قوله ~~{فساء} أي: فبئس {مطر المنذرين} بالعذاب مطرهم. # ولما أتم سبحانه وتعالى هذه القصص الدالة على كمال قدرته وعظيم شأنه وما ~~خص به رسله من الآيات والانتصار من البعداء أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يحمده على هلاك الأمم الخالية بقوله. # {قل} يا أفضل الخلق. # {الحمد} # PageV03P067 # أي: الوصف بالإحاطة بصفات الكمال {لله} على إهلاك هؤلاء البعداء البغضاء، ~~وأن يسلم على من اصطفاه بالعصمة من الفواحش والنجاة من الهلاك بقوله تعالى: ~~{وسلام على عباده الذين اصطفى} أي: اصطفاهم، واختلف فيهم فقال مقاتل: هم ~~الأنبياء والمرسلون بدليل قوله تعالى: {وسلام على ms2322 المرسلين} (الصافات، 181) ~~وقال ابن عباس: في رواية أبي مالك هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: ~~هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين تنبيه: سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به ~~كونه دعاء. # ولما بين أنه تعالى أهلكهم ولم تغن عنهم آلهتهم من الله شيئا قال تعالى: ~~{آلله} أي: الذي له الجلال والإكرام {خير} أي: لعباده الذين اصطفاهم ~~وأنجاهم {أم ما يشركون} أي: الكفار من الآلهة خير لعبادها فإنهم لا يغنون ~~عنهم شيئا تنبيه: لكل من القراء السبعة في هاتين الهمزتين وجهان: الأول: ~~تحقيق همزة الاستفهام وإبدال همزة الوصل ألفا مع المد، والثاني: تحقيق همزة ~~الاستفهام أيضا وتسهيل همزة الوصل مع القصر، وقرأ أبو عمرو وعاصم يشركون ~~بالياء التحتية بالغيبة حملا على ما قبله من قوله تعالى: {وأمطرنا عليهم ~~مطرا} وما بعده من قوله تعالى: {بل أكثرهم} والباقون بالتاء الفوقية على ~~الخطاب، وهو التفات للكفار، بعد خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا تبكيت ~~للمشركين بحالهم لأنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى، ولا يؤثر ~~عاقل شيئا على شيء إلا لزيادة خير ومنفعة، فقيل لهم هذا الكلام تنبيها لهم ~~على نهاية ضلالهم وجهلهم وتهكما بهم وتسفيها لرأيهم إذ من المعلوم أنه لا ~~خير فيما أشركوه رأسا حتى يوازنون بينه وبين من هو مبتدأ كل خير. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: «بل الله خير ~~وأبقى وأجل وأكرم» ، ثم عدد سبحانه وتعالى أنواعا من الخيرات والمنافع التي ~~هي آثار رحمته وفضله، الأول منها قوله تعالى: # {أم من خلق السموات والأرض} أي: التي هي أصول الكائنات ومبادئ المنافع، ~~فإن قيل: ما الفرق بين أم وأم في {أم ما يشركون} و {أم من خلق السموات} ؟ ~~أجيب: بأن تلك متصلة لأن المعنى أيهما خير، وهذه منقطعة بمعنى بل والهمزة، ~~لما قال الله خير أم الآلهة قال بل أم من خلق السموات والأرض خير تقريرا ~~لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء {وأنزل ms2323 لكم} ~~أي: لأجلكم خاصة وأنتم تكفرون به وتنسبون ما تفرد به من ذلك لغيره {من ~~السماء ماء} هو للأرض كالماء الدافق للأرحام {فأنبتنا به حدائق} جمع حديقة ~~وهي البستان، وقيل: القطعة من الأرض ذات الماء. # قال الراغب: سميت بذلك تشبها بحدقة العين في الهيئة وحصول الماء فيها، ~~وقال غيره: سميت بذلك لأحداق الجدران بها قاله ابن عادل، وليس بشيء لأنه ~~يطلق عليها ذلك مع عدم الجدران {ذات بهجة} أي: بهاء وحسن ورونق وسرور على ~~تقارب أصولها مع اختلاف أنواعها وتباين طعومها وأشكالها ومقاديرها ~~وألوانها، ولما أثبت الإنبات له نفاه عن غيره بقوله تعالى: {ما كان} أي: ما ~~صح وما تصور بوجه من الوجوه {لكم} وأنتم أحياء فضلا عن شركائكم الذين هم ~~أموات بل موات {أن تنبتوا شجرها} أي: شجر تلك الحدائق {أإله مع الله} أعانه ~~على ذلك، أي: ليس معه إله {بل هم} أي: في ادعائهم معه سبحانه شريكا # PageV03P068 # {قوم يعدلون} أي: عن الحق الذي لا مرية فيه إلى غيره، وقيل: يعدلون عن ~~هذا الحق الظاهر، ونظير هذه الآية أول سورة الأنعام، الثاني: منها قوله ~~تعالى: # {أم من جعل الأرض قرارا} وهو بدل من {أم من خلق السموات} وحكمه حكمه، ~~ومعنى قرارا ألا تميد بأهلها، وكان القياس يقتضي أن تكون هادئة أو مضطربة ~~كما يضطرب ما هو معلق في الهواء، ولكن الله تعالى أبدى بعضها من الماء بحيث ~~يتأتى استقرار الإنسان والدواب عليها {وجعل خلالها} أي: وسطها {أنهارا} أي: ~~جارية على حالة واحدة فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب لتغيرت مجاري المياه. # ثم ذكر تعالى سبب القرار بقوله تعالى: {وجعل لها رواسي} أي: جبالا أثبت ~~بها الأرض على ميزان دبره سبحانه وتعالى في مواضع من أرجائها بحيث اعتدلت ~~جميع جوانبها فامتنعت من الاضطراب، ولما كان بعض مياه الأرض عذبا وبعضها ~~ملحا مع القرب جدا، بين الله تعالى أن أحدهما لم يختلط بالآخر بقوله تعالى: ~~{وجعل بين البحرين} أي: العذب والملح {حاجزا} من قدرته يمنع أحدهما أن ~~يختلط بالآخر {أإله مع الله} ms2324 أي: المحيط علما وقدرة معين له على ذلك {بل ~~أكثرهم} أي: الذين ينتفعون بهذه المنافع {لا يعلمون} توحيد ربهم بل هم ~~كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح تنبيه: في قراءة أإله مثل أئنكم، ~~الثالث: منها قوله تعالى: # {أم من يجيب المضطر} أي: المكروب وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من ~~نوازل الدهر إلى اللجأ والتضرع إلى الله تعالى {إذا دعاه} وقت اضطراره، وعن ~~ابن عباس: هو المجهود، وعن السدي هو الذي لا حول له ولا قوة. فإن قيل: هذا ~~يعم كل مضطر وكم مضطر يدعو فلا يجاب؟ أجيب: بأن اللام فيه للجنس لا ~~للاستغراق ولا يلزم منه إجابة كل مضطر، وقوله تعالى: {ويكشف السوء} ~~كالتفسير للاستجابة وأنه لا يقدر أحد على كشف ما وقع له من فقر إلى غنى ~~ومرض إلى صحة إلا القادر الذي لا يعجزه شيء والقاهر الذي لا ينازع، ~~والإضافة في قوله تعالى: {ويجعلكم خلفاء الأرض} بمعنى في أي يخلف بعضكم ~~بعضا لا يزال يجدد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلى قيام الساعة {أإله مع ~~الله} أي: الملك الذي لا كفؤ له ثم استأنف التبكيت تفظيعا له ومواجها به ~~بقوله تعالى: {قليلا ما تذكرون} أي: تتعظون وقرأ أبو عمرو وهشام بالياء، ~~التحتية على الغيبة، والباقون بالخطاب وفيه ادغام التاء في الذال وما زائدة ~~القليل، الرابع منها: قوله تعالى: # {أم من يهديكم} أي: يرشدكم إلى مقاصدكم {في ظلمات البر} أي: بالنجوم ~~والجبال والرياح {والبحر} بالنجوم والرياح {ومن يرسل الرياح} أي: التي هي ~~دلائل السير {بشرا} أي: تنشر السحاب وتجمعها {بين يدي رحمته} أي: التي هي ~~المطر تسمية للمسبب باسم السبب والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربع: ~~التي من تجاه الكعبة الصبا، ومن ورائها الدبور، ومن جهة يمينها الجنوب، ومن ~~شمالها الشمال ولكل منها طبع فالصبا حارة يابسة، والدبور باردة رطبة، ~~والجنوب حارة رطبة، والشمال باردة يابسة وهي ريح الجنة التي تهب على أهلها ~~جعلنا الله ووالدينا ومشايخنا وأصحابنا ومن انتفع بشيء من هذا التفسير ودعا ms2325 ~~لنا بالمغفرة منهم، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير الريح # PageV03P069 # بالإفراد، والباقون بالجمع، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمر ونشرا بضم ~~النون والشين وابن عامر بضم النون وسكون الشين، وحمزة والكسائي بفتح النون ~~وسكون الشين وعاصم بالباء الموحدة مضمومة وسكون الشين، ولما انكشف بما مضى ~~من الآيات ما كانوا في ظلامه من واهي الشبهات واتضحت الأدلة، ولم يبق لأحد ~~في شيء من ذلك علة، كرر سبحانه وتعالى الإنكار في قوله تعالى {أإله مع ~~الله} أي: الذي كمل علمه {تعالى الله} أي: الفاعل القادر المختار {عما ~~يشركون} به غيره، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة، الخامس: منها قوله ~~تعالى: # {أم من يبدأ الخلق} أي: كلهم في الأرحام من نطفة ما علمتم منهم وما لم ~~تعلموا {ثم يعيده} أي: بعد الموت لأن الإعادة أهون، فإن قيل: كيف قيل: لهم ~~ثم يعيده؟ أجيب: بأنهم كانوا مقرين بالابتداء ودلالته على الإعادة ظاهرة ~~قوية لأن الإعادة أهون عليه من الابتداء، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة ~~الظاهرة صاروا كأنهم لا عذر لهم في إنكار الإعادة لقيام البراهين عليها، ~~ولما كان الإمطار والإنبات من أدل ما يكون على الإعادة قال مشيرا إليهما ~~على وجه عم جميع ما مضى. # {ومن يرزقكم من السماء} أي: بالمطر والحر والبرد وغيرها مما له سبب في ~~التكوين أو التلوين {والأرض} أي: بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا ~~يعلمه إلا الله تعالى: وعبر عنها بالرزق لأن به تمام النعمة {أإله مع الله} ~~أي: الذي له صفات الجلال والإكرام، ولما كانت هذه كلها براهين ساطعة ودلائل ~~قاطعة أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إعراضا عنهم بقوله تعالى: ~~{قل} أي: لهؤلاء المدعين للعقول {هاتوا برهانكم} أي: حجتكم على نفي شيء من ~~ذلك عن الله تعالى أو على إثبات شيء منه لغيره {إن كنتم صادقين} أي: في ~~أنكم على حق في أن مع الله تعالى غيره، وأضاف تعالى البرهان إليهم تهكما ~~بهم وتنبيها على أنهم أبعدوا في الضلال وأغرقوا في المحال، ثم إنهم سألوه ~~عن ms2326 وقت قيام الساعة فنزل. # {قل} أي: لهم {لا يعلم من في السموات والأرض} من الملائكة والناس {الغيب} ~~أي: ما غاب عنهم وقوله تعالى: {إلا الله} استثناء منقطع أي: لكن الله ~~يعلمه، ولما كان الله تعالى منزها عن أن يحويه مكان جعل الاستثناء هنا ~~منقطعا، فإن قيل: من حق المنقطع النصب؟. # أجيب: بأنه رفع بدلا على لغة بني تميم يقولون ما في الدار أحد إلا حمار ~~يريدون ما فيها إلا حمار كأن أحدا لم يذكر، ومنه قولهم: ما أتاني زيد إلا ~~عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا أخوانه، فإن قيل: ما الداعي إلى المذهب ~~التميمي على الحجازي؟ أجيب: بأنه دعت إليه حاجة سرية حيث أخرج المستثنى ~~مخرج قوله إلا اليعافير بعد قوله ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس ~~ليؤل المعنى إلى قولك إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب ~~بمعنى أن علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أن معنى ~~ما في البيت أن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس، إنباء عن خلوها عن الأنيس. # ويصح أن يكون متصلا والظرفية في حقه تعالى مجاز بالنسبة إلى علمه وإن كان ~~فيه جمع بين الحقيقة والمجاز كما قال به إمامنا الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه، وإن منعه بعضهم، ومن ذلك قول المتكلمين: الله تعالى في كل مكان على ~~معنى أن علمه في الأماكن كلها # PageV03P070 # فكأن ذاته فيها، وعلى هذا فيرتفع على البدل والصفة، والرفع أفصح من النصب ~~لأنه منفي، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها من زعم أنه يعلم ما في غد فقد ~~أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول. # {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} وعن بعضهم أخفى غيبه ~~عن الخلق ولم يطلع عليه أحدا لئلا يأمن أحد من عبيده مكره، وقوله تعالى: ~~{وما يشعرون} صفة لأهل السموات والأرض نفي أن يكون لهم علم بالغيب، وإن ~~اجتمعوا وتعاونوا {أيان} أي: أي وقت {يبعثون} أي: ينشرون، وقوله تعالى: # {بل} بمعنى هل {أدارك} أي: بلغ ms2327 وتناهى {علمهم في الآخرة} أي: بها حتى ~~سألوا عن وقت مجيئها، ليس الأمر كذلك {بل هم في شك} أي: ريب {منها} كمن ~~تحير في الأمر لا يجد عليه دليلا {بل هم منها عمون} لا يدركون دلائلها ~~لاختلال بصيرتهم، وهذا وإن اختص بالمشركين بمن في السموات والأرض، نسب إلى ~~جميعهم كما يسند فعل البعض إلى الكل. # فإن قيل: هذه الاضرابات الثلاثة ما معناها؟ أجيب: بأنها لتنزيل أحوالهم ~~وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون بوقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة ~~كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه والإزالة مستطاعة، ثم بما ~~هو أسوأ حالا وهو العمى وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه لا ~~يخطر بباله حقا ولا باطلا ولا يفكر في عاقبة وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ~~ومنشأه فلذلك عداه بمن دون عن لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم ~~كالبهائم لا يتدبرون ولا يتبصرون، ووصفهم باستحكام علمهم في أمر الآخرة ~~تهكما. # وقرأ أبو عمرو وابن كثير بقطع الهمزة مفتوحة وسكون اللام قبلها وسكون ~~الدال بعدها، والباقون بكسر اللام وإسقاط الهمزة بعدها وتشديد الدال وبعدها ~~ألف بمعنى تتابع حتى استحكم أو تتابع حتى انقطع من تدارك بنو فلان إذا ~~تتابعوا في الهلاك وقوله تعالى: # {وقال الذين كفروا أئذا كناترابا وآباؤنا أئنا} أي: نحن وآباؤنا الذين ~~طال العهد بهم {لمخرجون} كالنبات، والعامل في إذا محذوف يدل عليه لمخرجون ~~تقديره نبعث ونخرج، لأن بين يدي عمل اسم المفعول فيه عقبات وهي همزة ~~الاستفهام وإنا ولام الابتداء وواحدة منها كافية فكيف إذا اجتمعت، والمراد ~~الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة وتكرير حرف الاستفهام ~~بإدخاله على إذا وأنا جميعا إنكار على إنكار وجحود عقب جحود ودليل على كفر ~~مؤكد مبالغ فيه، والضمير في إنا لهم ولآبائهم لأن كونهم ترابا قد تناولهم ~~وآباؤهم. # تنبيه: آباؤنا عطف على اسم كان وقام الفصل بالخبر مقام الفصل بالتوكيد. # وقرأ نافع بالخبر في إذا وبالاستفهام في أئنا، وابن عامر والكسائي ms2328 ~~بالاستفهام في الأول والخبر في الثاني وزادا فيه نونا ثانية، وباقي القراء ~~بالاستفهام في الأول والثاني وهم على مذاهبهم من التسهيل والتحقيق والمد ~~والقصر، فمذهب قالون وأبي عمرو التسهيل في الهمزة الثانية، وإدخال ألف ~~بينها وبين همزة الاستفهام، ومذهب ورش وابن كثير التسهيل وعدم الإدخال ~~ومذهب هشام الإدخال وعدمه مع التحقيق، ومذهب الباقين التحقيق وعدم الإدخال، ~~ثم أقام الكفار الدليل في زعمهم على ذلك فقالوا تعليلا لاستبعادهم. # {لقد وعدنا هذا} أي: الإخراج # PageV03P071 # من القبور كما كنا أول مرة {نحن وآباؤنا من قبل} أي: قبل محمد فقد مرت ~~الدهور على هذا الوعد ولم يقع منه شيء فذلك دليل على أنه لا حقيقة له، ~~فكأنه قيل: فما فائدة المراد به فقالوا {إن} أي: ما {هذا إلا أساطير ~~الأولين} أي: أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها ولا حقيقة لها. # تنبيه: أساطير الأولين: جمع أسطورة بالضم أي: ما سطر من الكذب، فإن قيل: ~~لم قدم في هذه الآية هذا، على نحن وآباؤنا، وفي آية أخرى قدم نحن وآباؤنا، ~~على هذا؟ أجيب: بأن التقديم دليل على أن المقدم هو الغرض المقصود بالذكر ~~وأن الكلام إنما سيق لأجله، ففي إحدى الآيتين دل على أن إيجاد البعث هو ~~الذي تعمد بالكلام وفي الأخرى على أن إيجاد المبعوث بذلك الصدد، ثم أمر ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرشدهم بما في صورة التهديد بقوله ~~تعالى: # {قل سيروا في الأرض} أي: أيها العمي الجاهلون {فانظروا كيف كان عاقبة ~~المجرمين} بإنكارهم وهي هلاكهم بالعذاب فإنكم إن نظرتم وتأملتم أخبارهم حق ~~التأمل أسرع بكم ذلك إلى التصديق فنجوتم وإلا هلكتم كما هلكوا، وأراد ~~بالمجرمين الكافرين، فإن قيل: فلم لم يقل عاقبة الكافرين؟ أجيب: بأن هذا ~~يحصل به التخويف لكل العصاة، ثم إن الله تعالى صبر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~على ما يناله من جلافتهم وعماهم عن السبيل الذي هدى إليه الدليل بقوله ~~تعالى: # {ولا تحزن عليهم} أي: في عدم إيمانهم فإنما عليك البلاغ {ولا تكن في ضيق ~~مما يمكرون} أي: ms2329 لا تهتم بمكرهم عليك فأنا ناصرك عليهم وجاعل تدميرهم في ~~تدبيرهم كطغاة قوم صالح، تنبيه: الضيق الحرج يقال ضاق الشيء ضيقا وضيقا ~~بالفتح والكسر، ولهذا قرأ ابن كثير بكسر الضاد، والباقون بالفتح، ولما أشار ~~تعالى إلى أنهم لم يبقوا في المبالغة في التكذيب بالساعة وجها أشار تعالى ~~إلى أنهم في التكذيب بالوعيد بالساعة وغيرها من عذاب الله أشد مبالغة بقوله ~~تعالى: # {ويقولون} بالمضارع المؤذن بالتجدد كل حين والاستمرار {متى هذا الوعد} ~~أي: العذاب والبعث والمجازاة الموعود بها وسموه وعدا إظهارا لمجيئه تهكما ~~به {إن كنتم} أي: أنت ومن تبعك {صادقين} فيه، ثم أمر الله تعالى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يجيبهم بقوله تعالى: # {قل} لهم {عسى أن يكون ردف لكم} أي: تبعكم وردفكم ولحقكم، فاللام مزيدة ~~على هذا للتأكيد كالباء في قوله {ولا تلقوا بأيديكم} (البقرة، 195) # ويصح أن يكون تضمن ردف معنى فعل فتعدى باللام نحو دنا وقرب وأردف وبهذا ~~فسره ابن عباس، وقد عدي بمن في قول القائل: # *فلما ردفنا من عمير وصحبه ... تولوا سراعا والمنية تعنق* # يعني دنونا من عمير {بعض الذي تستعجلون} أي: فحصل لهم القتل ببدر وباقي ~~العذاب يأتي بعد الموت، تنبيه: عسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك كالجزم بها، ~~وإنما يطلقون إظهارا لوقارهم وإشعارا بأن الرمز منهم كالتصريح من غيرهم ~~وعليه جرى وعد الله ووعيد، ولما كان التقدير فإن ربك لا يعجل على هذا ~~العاصي بالانتقام مع تمام قدرته عطف عليه. # {وإن ربك} أي: المحسن إليك بالحلم على أمتك {لذو فضل} أي: تفضل وإنعام ~~{على الناس} أي: كافة {ولكن أكثرهم لا يشكرون} أي: لا يعرفون حق النعمة له ~~ولا يشكرونه بل # PageV03P072 # يستعجلون بجهلهم العذاب، قال ابن عادل: وهذه الآية تبطل قول من قال لا ~~نعمة لله على كافر. # {وإن ربك} أي: والحال أنه {ليعلم ما تكن} أي: تضمر وتسر وتخفي {صدورهم} ~~أي: الناس كلهم فضلا عن قومك {وما يعلنون} أي: يظهرون من عداوتك وغيرها ~~فيجازيهم على ذلك. # {وما من غائبة في السماء والأرض} أي: ms2330 في أي موضع كان منهما، وأفردهما ~~دلالة على إرادة الجنس الشامل لكل فرد تنبيه: في هذه التاء قولان: أحدهما: ~~أنها للمبالغة كراوية وعلامة في قولهم ويل للشاعر من راوية السوء، كأنه ~~تعالى قال وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله تعالى، ~~والثاني: أنها كالتاء الداخلة على المصادر نحو العاقبة والعافية، قال ~~الزمخشري: ونظيرها الذبيحة والنطيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات {إلا ~~في كتاب} هو اللوح المحفوظ كتب فيه ذلك قبل إيجاده لأنه لا يكون شيء إلا ~~بعلمه وتقديره {مبين} أي: ظاهر لمن ينظر فيه من الملائكة، ولما تمم تعالى ~~الكلام في إثبات المبدأ والمعاد ذكر بعده ما يتعلق بالنبوة بقوله تعالى: # {إن هذا القرآن} أي: الآتي به هذا النبي الأمي الذي لم يعرف قبله علما ~~ولا خالط عالما {يقص على بني إسرائيل} أي: الموجودين في زمان نبينا صلى ~~الله عليه وسلم {أكثر الذي هم فيه يختلفون} أي: من أمر الدين وإن بالغوا في ~~كتمه كقصة الزاني المحصن في إخفائهم أن حده الرجم، وقصة عزيز والمسيح، ~~وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مما في توراتهم فصح بحقيقته على لسان ~~من لم يلم بعلم قط نبوته صلى الله عليه وسلم لأن ذلك لا يكون إلا من عند ~~الله، ثم وصف تعالى فضل هذا القرآن بقوله تعالى: # {وإنه لهدى} أي: من الضلالة لما فيه من الدلائل على التوحيد والحشر ~~والنشر والنبوة وشرح صفات الله تعالى {ورحمة} أي: نعمة وإكرام {للمؤمنين} ~~أي: الذين طبعهم على الإيمان فهو صفة لهم راسخة كما أنه للكافرين وقر في ~~آذانهم وعمى في قلوبهم، ولما ذكر تعالى دليل فضله أتبعه دليل عدله بقوله ~~تعالى: # {إن ربك} أي: المحسن إليك بما لم يصل إليه أحد {يقضي بينهم} أي: بين جميع ~~المختلفين {بحكمه} أي: الذي هو أعدل حكم وأتقنه وأنفذه، فإن قيل: القضاء ~~والحكم شيء واحد فقوله تعالى: {يقضي بينهم بحكمه} أي: بما يحكم به كقوله ~~يقضي بقضائه ويحكم بحكمه؟ أجيب: بأن معنى قوله تعالى: {بحكمه} ms2331 أي: بما يحكم ~~به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكما أو أراد بحكمته ~~{وهو} أي: والحال أنه هو {العزيز} أي: فلا يرد له أمر {العليم} فلا يخفى ~~عليه سر ولا جهر، فلما ثبت له تعالى العلم والحكمة والعظمة والقدرة تسبب عن ~~ذلك قوله تعالى: # {فتوكل على الله} أي: ثق به لتدع الأمور كلها إليه وتستريح من تحمل ~~المشاق وثوقا بنصره، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إنك على الحق المبين} أي: ~~البين في نفسه الموضح لغيره فصاحب الحق حقيق بالوثوق بحفظ الله تعالى ونصره ~~وقوله تعالى: # {إنك لا تسمع الموتى} تعليل آخر للأمر بالتوكل من حيث إنه يقطع طمعه من ~~معاضدتهم، وإنما شبهوا بالموتى لعدم انتفاعهم باستماع ما يتلى عليهم كما ~~شبهوا بالصم في قوله تعالى: {ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين} أي: ~~معرضين، فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: {ولوا مدبرين} أجيب: بأنه تأكيد ~~الحال # PageV03P073 # الأصم لأنه إذا تباعد عن محل الداعي بأن تولى عنه مدبرا كان أبعد عن ~~إدراك صوته، وقرأ ابن كثير ولا يسمع بالياء التحتية المفتوحة وفتح الميم ~~الصم برفع الميم، والباقون بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الميم الصم بالنصب، ~~وسهل نافع وابن كثير وأبو عمرو الهمزة الثانية من الدعاء إذا كالياء مع ~~تحقيق الأولى، والباقون بتحقيقهما وهم على مراتبهم في المد، ثم قطع طمعه في ~~إيمانهم بقوله تعالى: # {وما أنت بهادي العمي} أي: في أبصارهم وبصائرهم مزيلا لهم وناقلا ومبعدا ~~{عن ضلالتهم} أي: عن الطريق بحيث تحفظهم عن أن يزلوا عنها أصلا فإن هذا لا ~~يقدر عليه إلا الحي القيوم، وقرأ حمزة تهدي بتاء فوقيه وسكون الهاء والعمي ~~بنصب الياء، والباقون بالباء الموحدة مكسورة وفتح الهاء بعدها ألف والعمي ~~بكسر الياء، ولما كان هذا ربما أوقف عن دعائهم رجاه في انقيادهم وارعوائهم ~~بقوله تعالى: {إن} أي: ما {تسمع} أي: سماع انتفاع على وجه الكمال في كل حال ~~{إلا من يؤمن} أي: من علمنا أنه يصدق {بآياتنا} بأن جعلنا فيه قابلية ~~السمع، ms2332 ثم تسبب عنه قوله دليلا على إيمانه {فهم مسلمون} أي: مخلصون في غاية ~~الطواعية لك كما في قوله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن} (البقرة: ~~112) # أي: جعله سالما خالصا، ثم ذكر تعالى ما يوعدون مما تقدم استعجالهم له ~~استهزاء بقوله تعالى: # {وإذا وقع القول عليهم} أي: مضمون القول وهو ما وعدوا به من قيام الساعة ~~والعذاب، ووقوعه حصوله، أو أطلق المصدر على المفعول أي: المقول {أخرجنا} ~~أي: بما لنا من العظمة {لهم} حين مشارفة العذاب والساعة وظهور أشراطها حين ~~لا تنفع التوبة {دابة من الأرض} وهي الجساسة جاء في الحديث: «إن طولها ستون ~~ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب» وروي: «أن لها أربع قوائم وزغبا وهو ~~شعر أصفر على ريش الفرخ وريشا وجناحين» . # وعن ابن جريج في وصفها فقال: رأسها رأس الثور، وعينها عين الخنزير، ~~وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها ~~لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وخفها خف بعير وما بين ~~المفصلين اثنا عشر ذراعا بذراع آدم عليه السلام، وروي أنها لا تخرج إلا ~~رأسها ورأسها يبلغ عنان السماء أي: يبلغ السحاب، وعن أبي هريرة فيها من كل ~~لون وما بين قرنيها فرسخ للراكب، وعن الحسن لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة ~~أيام. # وعن علي رضي الله تعالى عنه: أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا ~~يخرج إلا ثلثها، وروي أنه صلى الله عليه وسلم «سئل من أين تخرج الدابة ~~فقال: من أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين ~~الركن» حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد فقوم يهربون وقوم: ~~يقفون نظارا، وقيل تخرج من الصفا، ولما كان التعبير بالدابة يفهم أنها ~~كالحيوانات العجم لا كلام لها قال {تكلمهم} أي: بالعربية كما قاله مقاتل ~~بكلام يفهمونه بلسان طلق ذلق فتقول {أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} أي: ~~أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات، وتقول ألا لعنة ms2333 ~~الله على الظالمين، وعن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين ~~الإسلام. # وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل # PageV03P074 # المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك، وروي أنها تخرج من أجياد، روي ~~بينما عيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم ~~تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا ~~موسى وخاتم سليمان فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى ~~فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه أو تترك وجهه ~~كأنه كوكب دري وتكتب بين عينيه مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو ~~النكتة حتى يسود لها وجهه وتكتب بين عينيه كافر، وروي فتجلو وجه المؤمن ~~بالعصا وتخطم أنف الكافر بالخاتم ثم تقول لهم يا فلان أنت من أهل الجنة ويا ~~فلان أنت من أهل النار. # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال ~~ستا طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة وخاصة أحدكم وأمر ~~العامة» وقال صلى الله عليه وسلم «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من ~~مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على ~~أثرها» . # وقال صلى الله عليه وسلم «للدابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجا بأقصى ~~اليمن فيفشو ذكرها في البادية ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة ثم تكمن ~~زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ~~ذكرها القرية يعني مكة ثم بينا الناس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة ~~وأكرمها على الله عز وجل يعني المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي في ناحية ~~المسجد تدنو وتدنو، قال الراوي ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن ~~يمين الخارج من المسجد في وسط من ذلك فارفض الناس عنها وثبتت لها عصابة ~~عرفوا أنهم لم يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت فجلت عن ~~وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ms2334 ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ~~ولا يعجزها هارب حتى إن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه ~~فتقول يا فلان الآن تصلي، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه فيتجاور الناس ~~في ديارهم ويصطحبون في أسفارهم ويشتركون في الأموال ويعرف الكافر من المؤمن ~~فيقال للمؤمن يا مؤمن وللكافر يا كافر» . # وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال ليست بدابة لها ذنب ولكن لها لحية ~~يشير إلى أنها رجل، والأكثرون على أنها دابة، وعن ابن عباس أنه قرع الصفا ~~بعصاه وهو محرم وقال إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه، وعن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «بئس الشعب شعب أجياد مرتين أو ثلاثا قيل ولم ذاك ~~يا رسول الله قال تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين ~~الخافقين» وقال وهب: وجهها وجه الرجل وسائر خلقها خلق الطير فتخبر من يراها ~~أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون، وقرأ الكوفيون بفتح الهمزة من ~~أن على تقدير الباء أي: بأن الناس الخ، والباقون بكسرها على الاستئناف. # {ويوم نحشر} أي: الناس على وجه الإكراه، قال أبو حيان الحشر الجمع على ~~عنف {من كل أمة} أي: قرن {فوجا} أي: جماعة {ممن يكذب بآياتنا} أي: وهم ~~رؤساؤهم المتبوعون {فهم يوزعون} أي: يجمعون يرد آخرهم إلى أولهم وأطرافهم ~~على أوساطهم # PageV03P075 # ليتلاحقوا ولا يشذ منهم أحد ولا يزالون كذلك. # {حتى إذا جاؤوا} إلى مكان الحساب {قال} أي: الله تعالى لهم {أكذبتم} أي: ~~أنبيائي {بآياتي} التي جاؤوا بها {و} الحال أنكم {لم تحيطوا بها} أي: من ~~جهة تكذيبكم {علما} أي: من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى الإحاطة بما في ~~معانيها وما أظهرت لأجله حتى تعلموا ما تستحقه وما يليق بها بدليل الأمر به ~~فيه، وأم في قوله تعالى: {أم ماذا} منقطعة وتقدم حكمها، وماذا يجوز أن يكون ~~برمته استفهاما منصوبا بتعلمون الواقع خبرا عن كنتم، وأن تكون ما استفهامية ~~مبتدأ وذا موصول خبره والصلة {كنتم تعلمون} . # وعائده محذوف أي: ms2335 أي شيء الذي كنتم تعملونه. # {ووقع القول} أي: وجب العذاب الموعود {عليهم بما ظلموا} أي: بسبب ما وقع ~~منهم من الظلم من صريح التكذيب وما ينشأ عنه من الضلال في الأقوال والأفعال ~~{فهم لا ينطقون} قال قتادة: كيف ينطقون ولا حجة لهم نظير قوله تعالى: {هذا ~~يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} (المرسلات: 35، 36) # وقيل: لا ينطقون لأن أفواههم مختومة، ثم إنه تعالى لما خوفهم بأحوال ~~القيامة ذكر كلاما يصلح أن يكون دليلا على التوحيد والحشر وعلى النبوة ~~مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال. # {ألم يروا} مما يدلهم على قدرتنا على بعثهم بعد الموت وعلى كل ما ~~أخبرناهم به {أنا جعلنا} أي: بعظمتنا الدالة على نفوذ مرادنا وفعلنا ~~بالاختيار {الليل} أي: مظلما {ليسكنوا فيه} عن الانتشار {والنهار مبصرا} ~~أي: يبصر فيه ليتصرفوا فيه ويبتغوا من فضل الله فحذف من الأول ما ثبت نظيره ~~في الثاني، ومن الثاني ما ثبت نظيره في الأول إذ التقدير جعلنا الليل مظلما ~~كما مر ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ليتصرفوا فيه كما مر فحذف مظلما لدلالة ~~مبصرا وليتصرفوا لدلالة لتسكنوا فيه وقوله تعالى: {مبصرا} كقوله تعالى: ~~{آية النهار مبصرة} (الإسراء: 12) # وتقدم الكلام على ذلك في الإسراء. # قال الزمخشري فإن قلت ما للتقابل لم يراع في قوله تعالى ليسكنوا ومبصرا ~~حيث كان أحدهما علة والآخر حالا؟ قلت: هو مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم ~~المطبوع غير المتكلف لأن معنى مبصرا ليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب، ~~وأجاب غيره بأن السكون في الليل هو المقصود ولأن وسيلة إلى جلب المنافع ~~الدينية والدنيوية {إن في ذلك} أي: هذا المذكور {لأيات} أي: دلالات بينة ~~على التوحيد والبعث والنبوة وغير ذلك وخص المؤمنين بقوله تعالى: {لقوم ~~يؤمنون} لأنهم المنتفعون به وإن كانت الأدلة للكل كقوله تعالى: {هدى ~~للمتقين} (البقرة: 2) # ولما ذكر تعالى هذا الحشر الخاص والدليل على مطلق الحشر ذكر الحشر العام ~~بقوله تعالى: # {ويوم ينفخ} أي: بأيسر أمر {في الصور} أي: القرن ينفخ فيه إسرافيل عليه ~~السلام ms2336 {ففزع} أي: فصعق كما قال تعالى في آية أخرى: {فصعق} (الزمر، 68) {من ~~في السموات ومن في الأرض} أي: كلهم فماتوا والمعنى أنه يلقى عليهم الفزع ~~إلى أن يموتوا، وقيل: ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات نفخة الفزع ونفخة ~~الصعق ونفخة القيام لرب العالمين، فإن قيل: لم قال الله تعالى ففزع ولم يقل ~~فيفزع؟ أجيب: بأن في ذلك نكتة وهي الإشعار بتحقيق الفزع وثبوته وأنه كائن ~~لا محالة واقع على أهل السموات والأرض لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل ~~وكونه مقطوعا به، والمراد فزعهم عند # PageV03P076 # النفخة الأولى حين يصعقون {إلا من شاء الله} أي: المحيط علما وقدرة وعزة ~~وعظمة أن لا يفزع. # روي أنه صلى الله عليه وسلم «سأل جبريل عنهم فقال هم الشهداء يتقلدون ~~أسيافهم حول العرش» وعن ابن عباس هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل ~~الفزع إليهم، وعن مقاتل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم ~~السلام، ويروى أن الله تعالى يقول لملك الموت خذ نفس إسرافيل ثم يقول الله ~~تعالى من بقي يا ملك الموت فيقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت بقي جبريل ~~وميكائيل وملك الموت، فيقول الله تعالى خذ نفس ميكائيل ثم يقول الله تعالى ~~من بقي يا ملك الموت فيقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت بقي جبريل وملك الموت ~~فيقول مت يا ملك الموت فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول تباركت وتعاليت ~~يا ذا الجلال والإكرام، وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني قال يا ~~جبريل لا بد من موتك فيقع ساجدا يخفق بجناحيه، فيروى أن فضل خلقه على خلق ~~ميكائيل كالطود العظيم، ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش ثم روح ~~إسرافيل ثم روح ملك الموت، وعن الضحاك هم رضوان والحور ومالك والزبانية ~~عليهم السلام وقيل: عقارب النار وحياتها {وكل} أي: من فزع ومن لم يفزع ~~{أتوه} أي: بعد ذلك للحساب بنفخة أخرى يقيمهم بها وفي ذلك دليل على تمام ~~قدرته تعالى في كونه أقامهم بما به أماتهم {داخرين} أي: صاغرين. # وقرأ حفص ms2337 وحمزة بقصر الهمزة وفتح التاء على أنه فعل ماض ومفعوله الهاء ~~فالتعبير به لتحقق وقوعه، والباقون بمد الهمزة وضم التاء على أنه اسم فاعل ~~مضاف للهاء وهذا حمل على معنى كل وهي مضافة تقديرا أي: وكلهم، ولما ذكر ~~تعالى دخورهم أتبعه بدخور ما هو أعظم منهم بقوله تعالى: # {وترى الجبال} أي: تبصرها وقت النفخة والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لكونه أنفذ الناس بصرا وأنورهم بصيرة أو لكل أحد {تحسبها} أي: تظنها ~~{جامدة} أي: قائمة ثابتة في مكانها لا تتحرك لأن الأجرام الكبار إذا تحركت ~~في سمت واحد لا تكاد تتبين حركتها {وهي تمر} أي: تسير حتى تقع على الأرض ~~فتسوى بها مبثوثة ثم تصير كالعهن ثم تصير هباء منثورا، وأشار تعالى إلى أن ~~سيرها خفي وإن كان حثيثا بقوله تعالى: {مر السحاب} أي: مرا سريعا لا يدرك ~~على ما هو عليه لأنه إذا أطبق الجو لا يدرك سيره مع أنه لا شك فيه وإلالم ~~تنكشف الشمس بلا لبس وكذلك كبير الجرم أو كثير العدد يقصر عن الإحاطة به ~~لبعد ما بين أطرافه ولكثرته البصر والناظر الحاذق يظنه واقفا. # وقرأ تحسبها بكسر السين نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي وفتحها ~~الباقون وقوله تعالى {صنع الله} مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله أضيف إلى ~~فاعله بعد حذف عامله، أي: صنع الله ذلك صنعا، ثم زاد في التعظيم بقوله دالا ~~على تمام الإحكام في ذلك الصنع {الذي أتقن} أي: أحكم {كل شيء} صنعه ولما ~~ثبت هذا على هذا الوجه المتقن والنظام الأمكن أنتج قطعا قوله تعالى: {إنه} ~~أي: الذي أتقن هذه الأمور {خبير بما يفعلون} أي: عالم بظواهر الأحوال ~~وبواطنها ليجازيهم عليها كما قال تعالى: # {من جاء بالحسنة} أي: الكاملة وهي الإيمان، وعن ابن عباس الحسنة كلمة ~~الشهادة {فله خير} أي: # PageV03P077 # أفضل {منها} مضاعفا أقل ما يكون عشرة أضعاف إلى ما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى، وقيل له خير: حاصل من جهتها وهو الجنة وفسر الجلال المحلي الحسنة ~~بلا إله إلا الله، وقال ms2338 في {فله} خير منها، أي: بسببها فليس للتفضيل إذ لا ~~فعل خير منها وهذا يناسب القول الثاني {وهم} أي: الجاؤون بها {من فزع ~~يومئذ} أي: يومئذ إذ وقعت هذه الأحوال العظيمة {آمنون} أي: حتى لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر. # وقرأ يفعلون ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالياء التحتية على الغيبة، ~~والباقون بالفوقية على الخطاب، وقرأ وهم من فزع يومئذ آمنون الكوفيون ~~بتنوين العين، والباقون بغير تنوين وهم أعم فإنه يقتضي الأمن من جميع فزع ~~ذلك اليوم، وأما قراءة التنوين فتحتمل معنيين من فزع واحد وهو خوف العذاب، ~~وأما ما يلحق الإنسان من الرعب ومشاهدته فلا ينفك منه أحد، ومن فزع شديد ~~مفرط الشدة لا يكتنهه الوصف وهو خوف النار، وقرأ نافع والكوفيون: بفتح ~~الميم من يومئذ والباقون بكسرها فإن قيل: أليس قال تعالى في أول الآية ~~{ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} (النمل، 87) فكيف نفى ~~الفزع ههنا؟ أجيب: بأن الفزع الأول لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة تقع ~~أو هول يفجأ إلا ما استثنى وإن كان المحسن آمنا من لحاق الضرر، وأما الثاني ~~فهو الخوف من العذاب. # {ومن جاء بالسيئة} أي: التي لا سيئة مثلها وهي الشرك لقوله تعالى {فكبت} ~~أي: بأيسر أمر {وجوههم في النار} بأن وليتها مع أنه ورد في الصحيح أن مواضع ~~السجود التي أشرفهاالوجه لا سبيل للنار عليها والوجه أشرف ما في الإنسان ~~فإذا هان كان ما سواه أولى بالهوان، والمكبوب عليه منكوس ويقال له تبكيتا ~~{هل} أي: ما {تجزون إلا} جزاء {ما كنتم تعملون} أي: من الشرك والمعاصي. # تنبيه: جعل مقابلة الحسنة بالثواب والسيآت بالعقاب من جملة أحكامه ~~للأشياء وإتقانه لها وإجرائه لها على قضايا الحكمة إنه عليم بما يفعل ~~العباد وبما يستوجبون عليه فيكافئهم على حسب ذلك فانظر إلى بلاغة هذا ~~الكلام وحسن نظمه وترتيبه، وأخذ بعضه بحجزة بعض كأنما أفرغ إفراغا واحدا ~~ولأمر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق والادعاء، ثم أمر الله تعالى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ms2339 أن يقول لقومه. # {إنما أمرت} أي: بأمر من لا يرد له أمر {أن أعبد} أي: بجميع ما آمركم به ~~{رب} أي: موجد ومدبر {هذه البلدة} أي: مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل ~~من رآها ثم تؤمن أهل السعادة أخصه بذلك لا أعبد شيئا مما تعبدونه {الذي ~~حرمها} أي: جعلها الله تعالى حرما آمنا لا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها أحد ~~ولا يصاد صيدها ولا يختلي خلاها ولما خصص مكة بهذه الإضافة تشريفا لها ~~وتعظيما لشأنها قال احترازا عما قد يتوهم {وله كل شيء} أي: من غيرها مما ~~أشركتموه به وغيره خلقا وملكا: ولما كانوا ربما قالوا نحن نعبده بعبادة من ~~نرجوه يقربنا إليه زلفى، عين له الدين الذي تكون به العبادة بقوله: {وأمرت} ~~أي: مع الأمر بالعبادة له وحده {أن أكون} أي: كونا هو في غاية الرسوخ {من ~~المسلمين} أي: المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتم انقياد ثابتا على ذلك ~~غاية الثبات. # {وأن} أي: وأمرت أن {أتلو القرآن} عليكم تلاوة الدعوة إلى # PageV03P078 # الإيمان، أو أن أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئا فشيئا ~~{فمن اهتدى} أي: باتباع هذا القرآن الداعي إلى الجنان {فإنما يهتدي لنفسه} ~~أي: لأجلها لأن ثواب هدايته له {ومن ضل} أي: عن الإيمان الذي هو الطريق ~~المستقيم {فقل} أي: له كما تقول لغيره {إنما أنا من المنذرين} أي: المخوفين ~~له عواقب صنعه فلا علي من وبال ضلاله شيء إذ ما على الرسول إلا البلاغ وقد ~~بلغت. # {وقل} أي: إنذارا لهم وترغيبا وترجئة وترهيبا {الحمد} أي: الإحاطة بأوصاف ~~الكمال {لله} أي: الذي له العظمة كلها على نعمة النبوة وعلى ما علمني ~~ووفقني للعمل به {سيريكم آياته} القاهرة في الدنيا كوقعة بدر وخروج دابة ~~الأرض وفي الآخرة بالعذاب الأليم {فتعرفونها} أي: فتعرفون أنها آيات الله ~~ولكن حين لا تنفعكم المعرفة. # {وما ربك} أي: المحسن إليك بجميع ما أقامك فيه من هذه الأمور العظيمة ~~والأحوال الجسيمة. # {بغافل عما تعملون} أي: فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم ms2340 لغفلته عن أعمالكم، ~~وقرأ نافع وابن عامر وحفص: بالتاء على الخطاب لأن المعنى عما تعمل أنت ~~وأتباعك من الطاعة وهم من المعصية، والباقون بالياء على الغيبة وما رواه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري: «من أن من قرأ طس كان له من الأجر عشرة حسنات بعدد ~~من صدق سليمان وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم ويخرج من قبره وهو ينادي ~~لا إله إلا الله» حديث موضوع. ### | سورة القصص # مكية إلا قوله تعالى: {أن الذي فرض} # الآية نزلت بالجحفة {وإلا الذين آتيناهم الكتاب} إلى {لا نبتغي الجاهلين} ~~وهي سبع أو ثمان وثمانون آية، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة وخمسة ~~آلاف وثمانمائة حرف، وتسمى سورة موسى عليه السلام لاشتمالها على قصته فقط ~~من حين ولد إلى أن أهلك الله تعالى فرعون وخسف بقارون، كما سميت سورة نوح ~~وسورة يوسف لاشتمالهما على قصتهما، ولا يقال سميت بذلك لذكر القصص فيها في ~~قوله تعالى: {فلما جاءه وقص عليه القصص} لأن سورة يوسف فيها ذكر القصص ~~مرتين الأولى: {نقص عليك أحسن القصص} والثانية: قوله تعالى: {لقد كان في ~~قصصهم} فكانت سورة يوسف أولى بهذا الاسم، وأيضا فكانت سورة هود أولى بهذا ~~الاسم، لأنه ذكر فيها قصص سبعة أنبياء وهذه ليس فيها إلا قصة واحدة فكان ~~ينبغي العكس وأن تسمى سورة هود القصص وهذه سورة موسى. # {بسم الله} الذي اختص بالكبرياء والعظمة {الرحمن} الذي عم بنعمه أهل ~~الإيمان والكفران {الرحيم} الذي خص بنعمه بعد البعث أهل الإيمان # {طسم} تقدم الكلام على أوائل السور أول البقرة. # {تلك} أي: هذه الآيات العالية الشأن {آيات الكتاب} أي: المنزل على قلبك ~~الجامع لجميع المصالح الدنيوية والأخروية والإضافة بمعنى من {المبين} أي: ~~المظهر الحق من الباطل. # {نتلو} أي: نقص قصا متتابعا متواليا بعضه في إثر بعض {عليك} بواسطة جبريل ~~عليه السلام {من نبأ} أي: خبر {موسى وفرعون بالحق} أي: بالصدق الذي يطابقه ~~الواقع. # تنبيه: يجوز أن يكون مفعول # PageV03P079 # نتلو محذوفا دلت عليه صفته وهي من نبأ موسى، تقديره نتلو عليك شيئا من ~~نبأ موسى، ms2341 ويجوز أن تكون من مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى، ~~وبالحق يجوز أن يكون حالا من فاعل نتلو ومن مفعوله أي: نتلو عليك بعض ~~خبرهما ملتبسين أو ملتبسا بالحق، ثم نبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ~~ينفع أولي الإذعان بقوله تعالى: {لقوم يؤمنون} فغيرهم لا ينتفع بذلك ولما ~~كان كأنه قيل ما المقصود من هذا قال. # {إن فرعون} ملك مصر الذي ادعى الإلهية {علا} أي: بادعاء الإلهية وتجبره ~~على عباد الله وقهره لهم {في الأرض} أي: أرض مصر وإطلاقها يدل على تعظيمها ~~وأنها كجميع الأرض لاشتمالها على ما قل أن يشتمل عليه غيرها {وجعل} أي: بما ~~جعلنا له من نفوذ الكلمة {أهلها} أي: أهل الأرض المرادة {شيعا} أي: فرقا ~~تتبع كل فرقة شيئا يتبعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم أن يكون ~~عتيقه، أو أصنافا في استخدامه يسخر صنفا في بناء، وصنفا في حفر، وصنفا في ~~حرث، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية، أو فرقا مختلفة قد أغرى بينهم ~~العداوة والبغضاء وهم بنو إسرائيل والقبط. # وقوله تعالى {يستضعف طائفة منهم} يجوز فيه ثلاثة أوجه أن يكون حالا من ~~فاعل جعل أي: جعلهم كذلك حالة كونه مستضعفا طائفة منهم، وأن يكون صفة لشيعا ~~وأن يكون استئنافا بيانا لحال الأهل الذين جعلهم فرقا وأصنافا وهم بنو ~~إسرائيل الذين كانت حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم وهو يوسف عليه ~~السلام وفعل معهم من الخير ما لم يفعله والد مع ولده ومع ذلك كافؤوه في ~~أولاده وأولاد أخوته بأن استعبدوهم ثم ما كفاهم ذلك حتى ساؤهم على يدي ~~العنيد سوء العذاب، قال البقاعي: وهذا حال الغرباء بينهم قديما وحديثا ثم ~~بين الاستضعاف بقوله تعالى {يذبح أبناءهم} أي: عند الولادة وكل بذلك أناسا ~~ينظرون كلما ولدت امرأة ذكرا ذبحوه وسبب ذلك أن كاهنا قال له سيولد مولود ~~في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاما فقتلهم، ~~وبقي هذا العذاب في بني ms2342 إسرائيل سنين كثيرة وكان ذلك من غاية حمق فرعون ~~فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل {ويستحيي ~~نساءهم} أي: يريد حياة الإناث فلا يذبحهن، وقال السدي: إن فرعون رأى في ~~منامه نارا أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل فسأل ~~عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على ~~يديه فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا قبل ~~موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون ذلك فأمر بذبح بني إسرائيل. # {إنه} أي: فرعون {كان من المفسدين} فلذلك اجترأ على قتل خلق كثير من ~~أولاد الأنبياء لتخيل فاسد، قال وهب: ذبح فرعون في طلب موسى سبعين ألفا من ~~بني إسرائيل وقوله تعالى: # {ونريد أن نمن} عطف على قوله: {إن فرعون علا في الأرض} لأنها نظيرة تلك ~~في وقوعها تفسيرا لنبأ موسى وفرعون وقصصا له، ونريد حكاية حال ماضية أي: ~~نعطي بقدرتنا وعلمنا ما يكون جديرا أن نمن به {على الذين استضعفوا} أي: حصل ~~استضعافهم وأهانهم بهذا الفعل الشنيع ولم يراقب فيهم مولاهم {في الأرض} أي: ~~أرض مصر # PageV03P080 # فذلوا وأهينوا، ونريهم في أنفسهم وأعدائهم فوق ما يحبون وفوق ما يأملون ~~{ونجعلهم أئمة} أي: مقدمين في الدين والدنيا علماء يدعون إلى الجنة عكس ما ~~يأتي من عاقبة آل فرعون، وقال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال قتادة: ولاة ~~وملوكا، لقوله تعالى: {وجعلكم ملوكا} (المائدة: 20) # وقيل: يقتدى بهم في الخير {ونجعلهم} أي: بعظمتنا وقدرتنا {الوارثين} أي: ~~لملك مصر لا ينازعهم فيه أحد من القبط يخلفونهم في مساكنهم. # {ونمكن} أي: نوقع التمكين {لهم في الأرض} أي: كلها لا سيما أرض مصر ~~والشام بإهلاك أعدائهم وتأبيد ملكهم وتأييدهم بكلمة الله، ثم بالأنبياء من ~~بعده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بحيث يسلطهم بسببهم على من سواهم بما ~~يؤيدهم به من الملائكة ويظهر لهم من الخوارق {ونري} أي: بما لنا من العظمة ~~{فرعون} أي: الذي كان هذا الاستضعاف منه ms2343 {وهامان} وزيره {وجنودهما} أي: ~~الذين كانا يتوصلان بهم إلى ما يريد أنه من الفساد فيقوى كل منهم بالآخر في ~~الأرض فعلوا وطغوا، وقوله تعالى {منهم} أي: المستضعفين متعلق بنري أو بنريد ~~لا بيحذرون، لأن ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله {ما كانوا يحذرون} أي: ~~من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم. # وقرأ حمزة والكسائي: ويري بالياء مفتوحة وفتح الراء مع الإمالة وسكون ~~الياء بعد الراء ورفع فرعون وهامان وجنودهما مضارع رأى مسند إلى فرعون وما ~~عطف عليه فلذلك رفعوا، وقرأ الباقون: بالنون مضمومة وكسر الراء وفتح الياء ~~بعدها ونصب الأسماء الثلاثة مضارع أرى فلذلك نصب فرعون وما عطف عليه مفعولا ~~أول وما كانوا هو الثاني، ثم ذكر تعالى أول نعمة من بها على الذين استضعفوا ~~بقوله تعالى: # {وأوحينا} أي: وحي إلهام أو منام {إلى أم موسى} لا وحي نبوة، قال قتادة: ~~قذفنا في قلبها واسمها يوحا وهي بنت لاوي بن يعقوب، وهذا هو الذي أمضينا في ~~قضائنا أن يسمى بهذا الاسم وأن يكون هلاك فرعون وزوال ملكه على يده بعد أن ~~ولدته وخافت أن يذبحه الذابحون {أن أرضعيه} ما كنت آمنة عليه ولم يشعر ~~بولادته غير أخته، قيل أرضعته ثمانية أشهر، وقيل: أربعة أشهر، وقيل: ثلاثة ~~أشهر كانت ترضعه في حجرها وهو لا يبكي ولا يتحرك، وقد روي أنها أرضعته ~~ثلاثة أشهر في تابوت من بردي مطلي من داخله بالقار {فإذا خفت عليه} أي: ~~منهم أن يصيح فيسمع فيذبح {فألقيه} أي: بعد أن تضعيه في شيء يقيه من الماء ~~{في اليم} وهو البحر ولكن أراد هنا النيل {ولا تخافي} أي: لا يتجدد لك خوف ~~أصلا من أن يغرق أو يموت من ترك الرضاع {ولا تحزني} أي: ولا يوجد لك حزن ~~لوقوع فراقه، فإن قيل ما المراد بالخوفين حتى أوجب أحدهما ونهى عن الآخر؟ ~~أجيب: بأن الخوف الأول هو الخوف عليه من القتل لأنه كان إذا صاح خافت عليه ~~أن يسمع الجيران صوته فينموا عليه، وأما الثاني، فالخوف من ms2344 الغرق ومن ~~الضياع ومن الوقوع في بعض العيون المبعوثة من قبل فرعون في تطلب الولدان ~~وغير ذلك من المخاوف، فإن قيل ما الفرق بين الخوف والحزن؟. # أجيب: بأن الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع، وهو ~~فراقه والأخطار به فنيهت عنهما جميعا وأومنت بالوحي لها ووعدت ما يسليها ~~ويطمئن قلبها ويملؤها غبطة وسرورا وهو رده إليها كما قال تعالى. # PageV03P081 # {إنا رادوه إليك} فأزال مقتضى الخوف والحزن ثم زادها بشرى وأي بشرى بقوله ~~تعالى: {وجاعلوه من المرسلين} أي: الذين هم خلاصة المخلوقين، وروى عطاء ~~والضحاك عن ابن عباس قال: «إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على ~~الناس وعملوا بالمعاصي ولم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر فسلط الله ~~عليهم القبط فاضعفوهم إلى أن أنجاهم الله تعالى على يد نبيه وكليمه» . # قال ابن عباس: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها وكانت قابلة من القوابل ~~التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى فلما ضربها الطلق ~~أرسلت إليها فقالت قد نزل بي ما نزل فلينفعني حبك إياي اليوم قال فعالجت ~~قبالها فلما أن وقع موسى عليه السلام بالأرض هالها نور بين عيني موسى ~~فارتعش كل مفصل منها ودخل حب موسى قلبها، ثم قالت لها يا هذه ما جئت إليك ~~حين دعوتني إلا ومن ورائي قتل مولودك ولكن وجدت لابنك هذا حبا شديدا ما ~~وجدت حب شيء مثل حبه فاحفظي ابنك فإني أراه هو عدونا فلما خرجت القابلة من ~~عندها أبصرها بعض العيون فجاؤوا إلى بابها ليدخلوا على أم موسى فقالت أخته: ~~يا أماه هذا الحرس بالباب فلفت موسى في خرقة ووضعته في التنور وهو مسجور ~~وطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع قال فدخلوا فإذا التنور مسجور وأم موسى لم ~~يتغير لها لون فقالوا ما أدخل عليك القابلة فقالت هي مصافية لي دخلت علي ~~زائرة فخرجوا من عندها فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى فأين الصبي قالت ~~لا أدري فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله تعالى ms2345 النار ~~عليه بردا وسلاما فاحتملته. # قال: ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها ~~فقذف الله تعالى في نفسها أن تتخذ له تابوتا صغيرا فقال: لها النجار ما ~~تصنعين بهذا التابوت قالت: ابن لي أخبؤه في هذا التابوت وكرهت الكذب قال ~~ولم قالت أخشى عليه كيد فرعون فلما اشترت التابوت وحملته انطلقت، انطلق ~~النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر موسى عليه السلام فلما هم بالكلام أمسك ~~الله تعالى لسانه فلم يطق الكلام وجعل يشير بيديه فلم يدر ما يقول فلما ~~أعياهم أمره قال كبيرهم اضربوه فضربوه وأخرجوه فلما أتى النجار إلى موضعه ~~رد الله تعالى لسانه فتكلم فانطلق أيضا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ ~~الله تعالى لسانه وبصره فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئا فضربوه وأخرجوه فوقع ~~في واد يهوي فيه فجعل لله عليه أن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون ~~معه يحفظه حيثما كان فعرف الله تعالى منه الصدق فرد عليه لسانه وبصره فخر ~~لله ساجدا فقال يا رب دلني على هذا العبد الصالح فدل عليه فخرج من الوادي ~~وآمن به وصدقه وعلم أن ذلك من الله عز وجل. # وقال وهب بن منبه: لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها عن جميع الناس فلم ~~يطلع على حبلها أحد من خلق الله وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمن به على ~~بني إسرائيل فلما كانت السنة التي يذبح فيها بعث فرعون القوابل وتقدم إليهن ~~وفتشن تفتيشا لم يفتش قبل ذلك وحملت أم موسى فلم تكبر بطنها ولم يتغير ~~لونها ولم يظهر لبنها وكانت القوابل لا يتعرضن لها فلما كانت الليلة التي ~~ولد فيها ولدته ولا رقيب عليها ولا قابلة ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم ~~فلما خافت عليه عملت له تابوتا مطبقا ثم ألقته في البحر ليلا. # {فالتقطه} بالتابوت # PageV03P082 # صبيحة الليل {آل} أي: أعوان {فرعون} فوضعوه بين يديه، قال ابن عباس ~~وغيره: كان لفرعون يومئذ بنت ولم يكن له ولد ms2346 غيرها وكانت من أكرم الناس ~~عليه وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون وكان بها برص شديد وكان ~~فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة فنظروا في أمرها فقالوا له أيها الملك ~~لا تبرأ إلا من قبل البحر يوجد فيه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به ~~برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس فلما كان ~~يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس له على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت ~~مزاحم وأقبلت ابنة فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها ~~تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج فقال ~~فرعون إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجر فائتوني به فابتدروه بالسفن من ~~كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا ~~كسره فلم يقدروا عليه فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها ~~فعالجته ففتحت الباب فإذا هي بصبي صغير في مهده وإذا نور بين عينيه وقد جعل ~~الله تعالى رزقه في إبهامه يمصه لبنا فألقى الله تعالى لموسى المحبة في قلب ~~آسية وأحبه فرعون وعطف عليه وأقبلت بنت فرعون فلما أخرجوا الصبي من التابوت ~~عمدت بنت فرعون إلى ما يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرأت فقبلته وضمته إلى ~~صدرها فقالت الغواة من قوم فرعون أيها الملك إنا نظن أن ذلك المولود الذي ~~تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله فهم ~~فرعون بقتله فقالت آسية قرة عين لي ولك واستوهبت موسى من فرعون وكانت لا ~~تلد فوهبه لها، وقال فرعون أما أنا فلا حاجة لي فيه. # وفي حديث قال رسول صلى الله عليه وسلم «لو قال يومئذ هو قرة عين لي كما ~~هو لك لهداه الله كما هداها» قال الزمخشري: وهذا على سبيل الفرض والتقدير ~~أي: لو كان غير مطبوع على قلبه كآسية لقال مثل قولها ولأسلم كما أسلمت هذا ~~إن ms2347 صح الحديث تأويله والله أعلم بصحته انتهى، ثم قال لآسية ما تسميه قالت ~~سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر فمو هو الماء وسى هو الشجر فذلك ~~قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا} أي: يطول خوفهم منه ~~بمخالفته لهم في دينهم وحملهم على الحق وقتل رجالهم {وحزنا} أي: بزوال ~~ملكهم لأنه يظهر فيهم الآيات التي يهلك الله تعالى بها من يشاء منهم ~~ويستعبد نساءهم ثم يظفر بهم حتى يهلكهم الله تعالى بالغرق على يده إهلاك ~~نفس واحدة فيعم الحزن والنواح أهل ذلك الإقليم كله تنبيه: في هذه اللام ~~الوجهان المشهوران أحدهما: أنها للعلة المجازية دون الحقيقية لأنهم لم يكن ~~داعيهم إلا الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا ولكن المحبة والتبني غير أن ~~ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل ~~لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء والتأدب الذي هو ثمرة الضرب ~~ليتأدب، وتحريره أن هذه اللام حكمها حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه ~~التعليل كما استعير الأسد لمن يشبه الأسد، والثاني: أنها للعاقبة والصيرورة ~~لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن صار عاقبة أمره إلى ذلك. # وقرأ حمزة والكسائي: بضم الحاء وسكون الزاي، والباقون بفتحهما وهما لغتان ~~بمعنى # PageV03P083 # واحد كالعدم والعدم، ثم بين تعالى أن هذا الفعل لا يفعله إلا أحمق مقهور ~~أو مغفل مخذول لا يكاد يصيب بقوله تعالى: {إن فرعون وهامان} وزيره ~~{وجنودهما} أي: كلهم على طبع واحد {كانوا خاطئين} أي: في كل شيء فلا بدع ~~منهم أن قتلوا ألوفا لأجله ثم أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا ~~يحذرون، أو مذنبين فعاقبهم الله تعالى بما ربى عدوهم على أيديهم. # وقال وهب: لما وضع التابوت بين يدي فرعون فتحه فوجد فيه موسى فلما نظر ~~إليه قال كيف أخطأ هذا الغلام الذبح وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني ~~إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم وكانت من خيار النساء ومن بنات الأنبياء ~~عليهم السلام وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم ms2348 وهي المذكورة في قوله ~~تعالى: # {وقالت امرأت فرعون} أي: له وهي قاعدة لجنبه هذا الوليد أكبر من ابن سنة ~~وإنما أمرت أن تذبح الولدان لهذه السنة فدعه {قرة عين لي} أي: به {ولك} أي: ~~يا فرعون لأنهما لما رأياه أخرج من التابوت أحباه، وروي أنها قالت إنه ~~أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيل، ولما أثبتت له أنه ممن تقر به ~~العيون قالت {لا تقتلوه} أي: لا أنت بنفسك ولا أحد ممن تأمره بذلك، ثم عللت ~~ذلك واستأنفت بقولها {عسى أن ينفعنا} ولو كان له أبوان معروفان فإن فيه ~~مخايل اليمن ودلائل النفع وذلك لما رأت من النور بين عينيه وارتضاعه من ~~إبهامه لبنا وبرئه البرصاء بريقه {أو نتخذه ولدا} أي: إذا كان لم يعرف له ~~أبوان فيكون نفعه أكثر فإنه أهل لأن تتشرف به الملوك. # تنبيه: التاء في قرة عين مجرورة، وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ~~بالهاء، والباقون بالتاء وهي خبر مبتدأ مضمر أي: هو قرة عين، والعامة من ~~القراء والمفسرين وأهل العلم على ذلك. # ونقل ابن الأنباري بسنده إلى ابن عباس أنه وقف على لا، أي: هو قرة عين لي ~~فقط ولك لا أي: ليس هو لك قرة عين ثم يبتدئ بقوله تقتلوه، وقال ابن عادل: ~~وهذا لا ينبغي أن يصح عنه وكيف يبقى تقتلوه من غير نون رفع ولا مقتض لحذفها ~~فلذلك قال الفراء: هو لحن. # وقوله تعالى {وهم لا يشعرون} جملة حالية من كلام الله تعالى أي: لا شعور ~~لهم أصلا لأن من لا يكون له علم إلا باكتساب فكيف إذا كان مطبوعا على قلبه ~~وإذا كانوا كذلك فلا شعور لهم بما يؤول إليه أمرهم معه من الأمور الهائلة ~~المؤدية إلى هلاك المفسدين، وقيل: إن ذلك من كلام امرأة فرعون كأنها لما ~~رأت ملأه أشاروا بقتله قالت له افعل أنت ما أقول لك وقومك لا يشعرون أنا ~~التقطناه، قال الكلبي ولما أخبر الله تعالى عن حال من لقيه أخبر عن حال من ~~فارقه ms2349 بقوله تعالى: # {وأصبح} أي: عقب الليلة التي حصل فيها فراقه {فؤاد أم موسى} أي: قلبها ~~الذي زاد احتراقه شوقا وخوفا وحزنا وهذا يدل على أنها ألقته ليلا، واختلف ~~في معنى قوله {فارغا} فقال أكثر المفسرين: خاليا من كل هم إلا من هم موسى ~~عليه السلام، وقال الحسن: أي: ناسيا للوحي الذي أوحاه الله تعالى إليها حين ~~أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن والعهد الذي عهد أن يرده إليها ~~ويجعله من المرسلين فجاءها الشيطان وقال: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك ~~أجره وثوابه وتوليت أنت قتله فألقيتيه في البحر وأغرقتيه. # وقال الزمخشري: أي: صفرا من العقل والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد ~~فرعون طار عقلها لما # PageV03P084 # دهمها من فرط الجزع والدهش ونحوه قوله تعالى: {وأفئدتهم هواء} (إبراهيم: ~~43) # أي: جوف لا عقول فيها وذلك أن القلوب مراكز العقول ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} (الحج: 46) # وقوله تعالى: # {إن} هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي: إنها {كادت} أي: قاربت ~~{لتبدي} أي: يقع منها الإظهار لكل ما كان من أمره مصرحة {به} أي: بأمر موسى ~~عليه السلام من أنه ولدها، وقال عكرمة: عن ابن عباس كادت تقول وا إبناه، ~~وقال مقاتل لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر خشيت عليه الغرق فكادت ~~تصيح من شفقتها، وقال الكلبي: كادت تظهر أنه ابنها حين سمعت الناس يقولون ~~لموسى بعدما شب موسى بن فرعون فشق عليها فكادت تقول هو ابني، وقيل إن الهاء ~~عائدة إلى الوحي أي: كادت لتبدي بالوحي الذي أوحى الله تعالى إليها أن يرده ~~عليها وجواب. # {لولا أن ربطنا} محذوف أي: لا بدت به كقوله تعالى: {وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه} (يوسف: 24) # والمعنى لولا أن ربطنا {على قلبها} بالعصمة والصبر والتثبت وقوله تعالى ~~{لتكون من المؤمنين} متعلق بربطنا أي: من المصدقين بوعد الله تعالى وهو ~~قوله تعالى: {إنا رادوه إليك} ثم أخبر تعالى عن فعلها في تعرف خبره بعد أن ~~أخبر عن ms2350 كتمها بقوله تعالى: # {وقالت} أي: أمه {لأخته} أي: بعد أن أصبحت على تلك الحالة قد خفي عليها ~~أمره {قصيه} أي: اتبعي أثره وتشممي خبره برا وبحرا ففعلت {فبصرت} أي: أبصرت ~~{به عن جنب} أي: مكان بعيد اختلاسا {وهم لا يشعرون} جملة حالية ومتعلق ~~الشعور محذوف أي: أنها أخته وأنها ترقبه بل هم في غاية الغفلة التي هي في ~~غاية البعد عن رتبة الإلهية أو أنها تقصه، أو أنه سيكون لهم عدوا وحزنا، ثم ~~ذكر تعالى أخذ الأسباب في رده بقوله تعالى: # {وحرمنا} أي: منعنا بعظمتنا {عليه المراضع} جمع مرضعة وهي من تكتري ~~للإرضاع من الأجانب أي: حكمنا بمنعه من الارتضاع منهن فاستعير التحريم ~~للمنع لأنه منع فيه رحمة، قال الرازي في اللوامع: تحريم منع لا تحريم شرع ~~{من قبل} أي: من قبل أن تأمر أمه أخته بما أمرتها به، أو قبل قصها أثره أو ~~قبل ولادته في حكمنا وقضائنا وهو أنه تعالى غير طبعه عن لبن سائر النساء ~~فلذلك لم يرتضع أو أحدث في لبنهن طعما ينفر عنه طبعه أو وضع في لبن أمه لذة ~~تعود بها فكان يكره لبن غيرها، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلبه ~~أنه لا يقبل ثدي امرأة وفي القصة أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا ويصيح ~~فقالوا لها هل عندك مرضعة تدلينا عليها لعله يقبل ثديها، قال ابن عباس: أن ~~امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد له مرضعة فكلما أتوه بمرضعة لم يأخذ ~~ثديها، فدنت أخته منه بعد نظرها له {فقالت} لما رأتهم في غاية الاهتمام ~~برضاعه {هل} لكم حاجة في أني {أدلكم على أهل بيت} ولم تقل على امرأة لتوسع ~~دائرة النظر {يكفلونه لكم} أي: يأخذونه ويتولونه ويقومون بجميع مصالحه من ~~الرضاع وغيره لأجلكم ثم أبعدت التهمة عن نفسها فقالت هي امرأة قتل ولدها ~~فأحب شيء إليها أن تجد صغيرا ترضعه ثم زادتهم رغبة بقولها {وهم له ناصحون} ~~أي: ثابت نصحهم له لا يغشونه نوعا من الغش، ms2351 قال البغوي: والنصح ضد الغش وهو ~~تصفية العمل من شوائب الفساد، قال السدي: لما قالت ذلك أخذوها وقالوا قد ~~عرفت هذا # PageV03P085 # الغلام فدلينا على أهله فقالت ما أعرفه وقالت إنما أردت وهم للملك ناصحون ~~فتخلصت منهم بذلك. # قال ابن عادل: وهذا يسمى عند أهل البيان الكلام الموجه، ومثله لما سئل ~~بعضهم وكان بين أقوام بعضهم يحب عليا دون غيره وبعضهم يحب أبا بكر وبعضهم ~~عمر وبعضهم عثمان رضي الله تعالى عنهم، فقيل له أيهم أحب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال من كانت ابنته تحته، وقيل: لما تفرسوا أنها عرفته قالت ~~إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك واتصالنا به وقيل إنها: لما قالت ذلك ~~قالوا لها من؟ فقالت أمي قالوا ولأمك ابن قالت نعم هارون وكان ولد في سنة ~~لا يقتل فيها قالوا صدقت فائتينا بها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها بحال ابنها ~~وجاءت بها إليهم فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصه حتى امتلأ ~~جنباه ريا فقالوا أقيمي عندنا فقالت لا أقدر على فراق بيتي إن رضيتم أن ~~أكفله في بيتي وإلا فلا حاجة لي به وأظهرت الزهد فيه نفيا للتهمة فرضوا ~~بذلك فرجعت به إلى بيتها فذلك قوله تعالى: # {فرددناه إلى أمه} ثم علله بقوله تعالى: {كي تقر عينها} أي: تبرد وتستقر، ~~وأصل قرة العين من القر وهو البرد أي: بردت ونامت بخلاف سخنت عينه يقال أقر ~~الله تعالى عينك من الفرح وأسخنها من الحزن فلهذا قالوا دمعة الفرح باردة ~~ودمعة الحزن حارة هذا قول الأصمعي، قال أبو تمام: # *فأما عيون العاشقين فأسخنت ... وأما عيون الشامتين فقرت* # وقال أبو العباس: ليس كما قال الأصمعي بل كل دمع حار فمعنى أقر الله ~~تعالى عينك صادفت سرورا فنامت وذهب سهرها وصادفت ما يرضيك أي: بلغك الله ~~أقصى أملك حتى تقر عينك من النظر إلى غيره استغناء ورضا بما في يديك {ولا} ~~أي: وكي لا {تحزن} أي: بفراقه {ولتعلم} أي: علما هو عين اليقين كما كانت ~~عالمة ms2352 به علم اليقين وعلم شهادة كما كانت عالمة به علم غيب {أن وعد الله} ~~أي: الأمر الذي وعدها به الذي له الكمال كله في حفظه وإرساله {حق} أي: هو ~~في غاية الثبات في مطابقة الواقع {ولكن أكثرهم} أي: أكثر آل فرعون وغيرهم ~~{لا يعلمون} أن وعد الله حق فيرتابون فيه أولا يعلمون أن الله وعدها رده ~~إليها، قال الضحاك: لما قبل ثديها قال هامان إنك لأمه قالت لا قال فما له ~~قبل ثديك من بين النسوة قالت أيها الملك إني امرأة طيبة الريح حلوة اللبن ~~فما شم ريحي صبي إلا أقبل على ثديي قالوا صدقت فلم يبق أحد من آل فرعون إلا ~~أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجوهر وأجرى عليها أجرها. # قال السدي: وكانوا يدفعون إليها كل يوم دينارا، فإن قيل: كيف حل لها أن ~~تأخذ الأجر على إرضاع ولدها منه؟ أجيب: بأنها ما كانت تأخذه على أنه أجر ~~على الرضاع ولكنه مال حربي كانت تأخذه على الاستباحة فمكث عندها إلى أن ~~فطمته واستمر عند فرعون يأكل من مأكوله ويشرب من مائه ويلبس من ملبوسه إلى ~~أن كمل كما قال تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء {ألم نربك فينا وليدا ~~ولبثت فينا من عمرك سنين} (الشعراء: 18) # {ولما بلغ أشده} وهو ثلاثون سنة أو وثلاث كما قال مجاهد: وغيره {واستوى} ~~أي: بلغ أربعين سنة كما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقيل: اعتدل في ~~السن # PageV03P086 # وتم استحكامه بانتهاء شبابه وهو من العمر ما بين إحدى وعشرين سنة إلى ~~اثنتين وأربعين {آتيناه} أي: ابتداء من غير اكتساب أصلا، خرقا للعادة أسوة ~~إخوانه من الأنبياء {حكما} أي: عملا محكما بالعلم {وعلما} أي: فقها في ~~الدين تهيئة لنبوته وإرصادا لرسالته، وقيل: المراد بالعلم علم التوراة ~~والحكم السنة، قال الزمخشري: وحكمة الأنبياء سنتهم قال الله تعالى {واذكرن ~~ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} (الأحزاب، 34) ، وقيل: معناه ~~آتيناه سيرة الحكماء العلماء وسمتهم قبل البعث فكان لا يفعل فعلا يستجهل ~~فيه. # قال البقاعي: واختار الله ms2353 تعالى هذا السن للإرسال ليكون من جملة الخوارق ~~لأن به يكون ابتداء الانتكاس الذي قال الله تعالى فيه: {ومن نعمره} (يس: ~~68) # أي: إلى إكمال سن الشباب {ننكسه في الخلق} (يس: 68) # أي: نوقفه فلا يزداد بعد ذلك في قواه الظاهرة ولا الباطنة شيء أولا يوجد ~~فيه غريزة لم تكن موجودة أصلا عشر سنين ثم يأخذ في النقصان هذه عادة الله ~~في جميع بني آدم إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم في حد الوقوف ~~يؤتون من بحار العلوم ما يقصر عنه الوصف بغير اكتساب بل غريزة يغرزها الله ~~تعالى فيهم حينئذ ويؤتون من قوة الأبدان أيضا بمقدار ذلك ففي انتكاس غيرهم ~~يكون نموهم وكذا من ألحقه الله تعالى بهم من صالحي أتباعهم كما قال تعالى. # {وكذلك} أي: مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنين} أي: كلهم على ~~إحسانهم، ولما أخبر تعالى بتهيئته للنبوة أخبر بما هو سبب لهجرته وكأنها ~~سنة بعد إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى: # {ودخل} أي: موسى عليه السلام {المدينة} قال السدي: هي مدينة منف من أرض ~~مصر، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى جابين على رأس فرسخين من مصر، وقيل: مدينة ~~عين شمس، وقيل: غير ذلك {على حين غفلة من أهلها} وهو وقت القائلة واشتغال ~~الناس بالقيلولة، وقال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، ~~وقيل: يوم عيد لهم وهم مشتغلون فيه بلهوهم، وقيل: لما شب وعقل أخذ يتكلم ~~بالحق وينكر عليهم فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل واختلف في السبب ~~الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت. # قال السدي: وذلك أن موسى كان يسمى ابن فرعون فكان يركب مراكب فرعون ويلبس ~~مثل ملابسه فركب فرعون يوما وليس عنده موسى فلما جاء موسى قيل له إن فرعون ~~قد ركب فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض منف فدخلها نصف النهار وليس في ~~طرقها أحد. # وقال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون برأيه ~~فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه ms2354 فخالفهم في دينهم ~~فأخافوه فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخفيا، وقال ابن زيد: ولما علا موسى ~~فرعون بالعصا في صغره فأراد فرعون قتله فقالت امرأته هو صغير فترك قتله ~~وأمر بإخراجه من مدينته فلم يدخل عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشده {فوجد ~~فيها} أي: المدينة {رجلين يقتتلان} أي: يفعلان مقدمات القتل مع الملازمة من ~~الضرب والخنق وهما إسرائيلي وقبطي، ولهذا قال تعالى مجيبا لمن كان يسأل ~~عنهما وهو ينظر إليهما {هذا من شيعته} أي: من بني إسرائيل {وهذا من عدوه} ~~أي: من القبط، قال مقاتل: كانا كافرين إلا أن أحدهما من القبط والآخر من ~~بني إسرائيل لقول موسى عليه السلام {إنك لغوي مبين} والمشهور أن الإسرائيلي ~~كان مسلما # PageV03P087 # قيل إنه السامري والقبطي طباخ فرعون فكان القبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل ~~الحطب إلى المطبخ، وقال سعيد بن جبير: عن ابن عباس لما بلغ موسى أشده لم ~~يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل ~~الامتناع وكان بنو إسرائيل غزوا لمكان موسى لكونه ربيب الملك مع أن مرضعته ~~منهم لا يظنون أن سبب ذلك إلا الإرضاع {فاستغاثه} أي: طلب منه {الذي من ~~شيعته} أن يغيثه {على الذي من عدوه} فغضب موسى عليه السلام واشتد غضبه وقال ~~للفرعوني خل سبيله فقال: إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك فنازعه فقال ~~الفرعوني لقد هممت أن أحمله عليك وكان موسى عليه السلام قد أوتي بسطة في ~~الخلق وشدة في القوة والبطش {فوكزه موسى} أي: دفعه بجمع كفه، والفرق بين ~~الوكز واللكز: أن الأول: بجمع الكف والثاني: بأطراف الأصابع، وقيل: بالعكس، ~~وقيل اللكز في الصدر والوكز في الظهر {فقضى} أي: فأوقع القضاء الذي هو ~~القضاء على الحقيقة وهو الموت الذي لا ينجو منه مخلوق {عليه} فقتله وفرغ ~~منه، وكل شيء فرغت منه # فقد قضيته وقضيت عليه وخفي هذا على الناس لما هم فيه من الغفلة فلم يشعر ~~به أحد فندم موسى عليه السلام عليه ولم يكن قصده القتل ms2355 فدفنه في الرمل. # {قال هذا} أي: قتله {من عمل الشيطان} أي: لأني لم أومر به على الخصوص ولم ~~يكن من قصدي وإن كان المقتول كافرا حربيا، ثم أخبر عن حال الشيطان ليحذر ~~منه بقوله {إنه عدو} فينبغي الحذر منه {مضل} لا يقود إلى خير أصلا {مبين} ~~أي: عداوته وإضلاله في غاية البيان ما في شيء منهما خفاء ولما لم يكن في ~~قتله إلا الندم لعدم إذن خاص. # {قال رب} أي: أيها المحسن إلي {إني ظلمت نفسي} أي: بالإقدام على ما لم ~~تأمرني به بالخصوص وإن كان مباحا {فاغفر لي} أي: امح هذه الهفوة عينها ~~وأثرها {لي} أي: لأجلي لا تؤاخذني {فغفر} أي: أوقع المحو لذلك كما سأل ~~إكراما {له إنه هو} أي: وحده {الغفور} أي: البالغ في صفة الستر لكل من يريد ~~{الرحيم} أي: العظيم الرحمة بالإحسان بالتوفيق إلى الأفعال المرضية لمقام ~~الإلهية ولأجل أن هذه صفته رده إلى فرعون وقومه حين أرسله إليهم فلم يقدروا ~~على مؤاخذته بذلك بقصاص ولا غيره بعد أن نجا منهم قبل إرساله على غير قياس، ~~ثم شكر ربه على هذه النعمة التي أنعم بها عليه بأن. # {قال رب} أي: أيها المحسن إلي {بما أنعمت علي} أي: بسبب إنعامك علي ~~بالمغفرة {فلن أكون} أي: إن عصمتني {ظهيرا} أي: عونا وعشيرا وخليطا ~~{للمجرمين} قال ابن عباس: للكافرين وهو إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته ~~وتكسيره سواده حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون، ~~وإما مظاهرة من تؤل مظاهرته إلى الجرم والإثم كما في مظاهرة الإسرائيلي ~~المؤدية إلى القتل الذي لم يؤمر به وهذا نحو قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا} (هود: 113) # وعن عطاء أن رجلا قال له إن أخي يضرب بقلمه ولا يعدو رزقه قال فمن الرأس ~~يعني من يكتب له قال خالد بن عبد الله القسري قال فأين قول موسى وتلا هذه ~~الآية. # وفي الحديث: «ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه # PageV03P088 # الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو برى ms2356 لهم قلما فيجمعون في تابوت من حديد ~~فيرمي بهم في جهنم» وقول ابن عباس يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى ~~عليه السلام كان كافرا وهو قول مقاتل: وقال قتادة: أني لا أعين بعدها على ~~خطيئة، وقيل: بما أنعمت علي من القوة فلن أستعملها إلا في مظاهرة أوليائك ~~وأهل طاعتك والإيمان بك، قال ابن عباس: لم يستئن أي: لم يقل فلن أكون إن ~~شاء الله تعالى فابتلي به في اليوم الثاني كما قال تعالى: # {فأصبح في المدينة} أي: التي قتل القتيل فيها {خائفا} أي: بسبب قتله له ~~{يترقب} أي: ينتظر ما يناله من جهة القتيل، قال البغوي: والترقب انتظار ~~المكروه، وقال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به {فإذا} أي: ففجأه {الذي استنصره} ~~أي: طلب نصرته من شيعته {بالأمس} أي: اليوم الذي يلي يوم الاستصراخ ~~{يستصرخه} أي: يطلب أن يزيل ما يصرخ بسببه من الضر من قبطي آخر كان يظلمه، ~~فكأنه قيل: فما قال له موسى بعدما أوقعه فيما يكره فقيل {قال له} أي: لهذا ~~المستصرخ {موسى إنك لغوي} أي: صاحب ضلال بالغ {مبين} أي: واضح الضلال غير ~~خفيه لكون ما وقع بالأمس لم يكفك عن الخصومة لمن لا تطيقه وإن كنت مظلوما ~~ثم دنا منهما لينصره. # {فلما أن أراد} أي: شاء فإن مزيدة {أن يبطش} أي: موسى عليه السلام {بالذي ~~هو عدو لهما} أي: لموسى والإسرائيلي لأنه لم يكن على دينهما ولأن القبط ~~كانوا أعداء بني إسرائيل بأن يأخذه بعنف وسطوة لخلاص الإسرائيلي منه {قال} ~~أي: الإسرائيلي الغوي لأجل ما رأى من غضبه وتكليمه له ظانا أنه يريد البطش ~~به {يا موسى} ناصا عليه باسمه {أتريد أن تقتلني} أي: اليوم وأنا من شيعتك ~~{كما قتلت نفسا بالأمس} أي: من شيعة أعدائنا والذي يدل على أن الإسرائيلي ~~هو الذي قال له هذا الكلام السياق، وعليه الأكثرون، لأنه لم يعلم بقتل ~~القبطي غير الإسرائيلي، وقيل: إنما قال موسى للفرعوني {إنك لغوي مبين} ~~بظلمك ويناسبه قوله {إن} أي: ما {تريد إلا أن تكون جبارا} ms2357 أي: قاهرا عاليا ~~فلا يليق ذلك إلا بقول الكافر، أو أن الإسرائيلي لما ظن قتله فإن ذلك، وقد ~~قيل في الإسرائيلي أنه كان كافرا، قال أبو حيان وشأن الجبار أن يقتل بغير ~~حق {في الأرض} أي: التي تكون بها فلا يكون فوقك أحد {وما تريد} أي: تتخذ ~~ذلك إرادة {أن تكون} أي: كونا هو لك كالجبلة {من المصلحين} أي: الغريقين في ~~الصلاح فإن الصلح بين الناس لا يصل إلى القتل على هذه الصورة فلما سمع ~~القبطي هذا ترك الإسرائيلي وكان القبط لما قتل ذلك القبطي ظنوا في بني ~~إسرائيل فأغروا فرعون بهم وقالوا إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا فخذ لنا ~~بحقنا فقال ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه ~~لا يستقيم له أن يقضي بغير بينة ولا تثبت فلما قال هذا الغوي هذه المقالة ~~علم القبطي أن موسى عليه السلام هو الذي قتل الفرعوني فانطلق إلى فرعون ~~فأخبره بذلك فأمر فرعون بقتل موسى. # قال ابن عباس: فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم. # {وجاء رجل} أي: ممن يحب موسى عليه السلام واختلف في اسمه فقيل حزقيل مؤمن ~~آل فرعون، وقيل شمعون وقيل شمعان، وكان ابن عم فرعون {من أقصى المدينة} أي: ~~أبعدها مكانا {يسعى} أي: يسرع # PageV03P089 # في مشيه فأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى فأخبره وأنذره حتى أخذ طريقا ~~آخر، فكأنه قيل فما قال الرجل له فقيل: # {قال} مناديا لموسى تعطفا وإزالة للبس {يا موسى إن الملأ} أي: أشراف ~~القبط الذين في أيديهم الحل والعقد لأن لهم القدرة على الأمر والنهي ~~{يأتمرون بك} أي: يتشاورون في شأنك {ليقتلوك} حتى وصل حالهم في تشاورهم إلى ~~أن كلا منهم يأمر الآخر ويأنمر بأمره لأنهم سمعوا أنك قتلت صاحبهم {فاخرج} ~~أي: من هذه المدينة ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد ليزيل ما يطرقه من ~~احتمال عدم القتل لكونه عزيزا عند الملك {إني لك من الناصحين} أي: الغريقين ~~في نصحك. # {فخرج} أي: موسى ms2358 عليه السلام مبادرا {منها} أي: المدينة لما علم صدق قوله ~~مما تحققه من القرائن حال كونه {خائفا} على نفسه من آل فرعون {يترقب} أي: ~~يكثر الإلتفات بإدارة رقبته في الجهات ينظر هل يتبعه أحد ثم دعا الله تعالى ~~بأن {قال رب} أي: أيها المحسن إلي بالنجاة وغير ذلك من وجوه البر {نجني} ~~أي: خلصني {من القوم الظالمين} أي: الذين يضعون الأمور في غير مواضعها ~~فيقتلون من لا يستحق القتل مع قوتهم فاستجاب الله تعالى دعاءه فوفقه لسلوك ~~الطريق الأعظم نحو مدين فكان ذلك سبب نجاته، وذلك أن الذين انتدبوا إليه ~~قطعوا بأنه لا يسلك الطريق الأكبر جريا على عادة الخائفين الهاربين، وفي ~~القصة أن فرعون لما بعث في طلبه قال اركبوا ثنيات الطريق فانبثوا فيما ظنوه ~~يمينا وشمالا ففاتهم. # {ولما توجه} أي: أقبل بوجهه قاصدا {تلقاء} أي: الطريق الذي يلاقي سالكه ~~أرض {مدين} قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى ~~ومشى من غير معرفة فهداه الله تعالى إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم ~~وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل سميت البلدة ~~باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله تعالى، وقيل جاءه ~~جبريل عليه السلام وعلمه الطريق، قال ابن اسحق: خرج من مصر إلى مدين خائفا ~~بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ~~{قال عسى} أي: جدير وحقيق {ربي} أي: المحسن إلي {أن يهديني سواء} أي: أعدل ~~ووسط {السبيل} أي: الطريق الذي يطلعني الله تعالى عليها من غير اعوجاج وقال ~~ذلك قبل أن يعرف الطريق إليها، قيل: فلما دعا جاءه ملك بيده عنزة فانطلق به ~~إلى مدين، قال المفسرون: خرج موسى من مصر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ~~والبقل حتى ترى خضرته في بطنه وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه، قال ابن ~~عباس: وهو أول ابتلاء من الله تعالى لموسى ms2359 عليه السلام {ولما ورد} أي: وصل ~~{ماء مدين} وهو بئر كان يسقي منها الرعاة مواشيهم {وجد عليه} أي: الماء ~~{أمة} أي: جماعة كثيرة {من الناس} مختلفين {يسقون} أي: مواشيهم {ووجد من ~~دونهم} أي: في مكان سواهم أسفل من مكانهم {امرأتين} عبر بذلك لما جعل لهما ~~سبحانه من المروءة ومكارم الأخلاق كما يعلمه من أمعن النظر فيما يذكر عنهما ~~{تذودان} أي: تحبسان وتمنعان أغنامهما إذا فزعت من العطش إلى الماء حتى ~~يفرغ الناس ويخلو لهما البئر، وقال الحسن: تكفان الغنم لئلا تختلط بغنم ~~الناس، وقال قتادة: تكفان الناس عن أغنامهما، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، ~~وقيل كانتا تذودان # PageV03P090 # عن وجوههما نظر الناظرين لتسترهما، وقيل غير ذلك فكأنه قيل فما قال موسى ~~لهما قيل {قال} لهما رحمة لهما {ما خطبكما} أي: ما شأنكما لا تسقيان ~~مواشيكما مع # الناس {قالتا لا نسقي} أي: مواشينا وحذف للعلم به {حتى يصدر} أي: ينصرف ~~ويرجع {الرعاء} أي: عن الماء خوف الزحام فنسقي، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: ~~بفتح الياء وضم الدال، والباقون: بضم الياء وكسر الدال مضارع أصدر يعدى ~~بالهمزة تنبيه: المفعول محذوف أي: يصدرون مواشيهم والرعاء جمع راع مثل تاجر ~~وتجار، أي: نحن امرأتان لا يليق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ~~ما أفضلت مواشيهم في الحوض {وأبونا شيخ كبير} أي: لا يستطيع لكبره أن يسقى ~~فاضطررنا إلى ما ترى. # تنبيه: اختلف في أبيهما، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو ~~شعيب النبي عليه السلام وإنه عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى ~~عليه السلام وتزوج بابنته، وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب ~~وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم، وقيل: رجل ~~ممن آمن بشعيب قالوا فلما سمع موسى قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر ~~أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: أن ~~موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين، ويروى أن القوم ms2360 ~~لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشرة نفر، وقيل: ~~أربعون، وقيل: مائة فجاء موسى ورفع الحجر وحده وسقى غنم المرأتين ويقال: ~~إنه سألهم دلوا من ماء فأعطوه دلوهم وقالوا اسق بها وكانت لا ينزعها إلا ~~أربعون فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا فيه بالبركة فروى منه جميع الغنم، ~~فإن قيل كيف ساغ لنبي الله تعالى شعيب أن يرضى لابنتيه الرعي بالماشية؟. # أجيب: بأن الناس اختلفوا فيه هل هو شعيب أو غيره، وإذا قلنا أنه هو كما ~~عليه الأكثر فليس ذلك بمحظور فلا يأباه الدين، والناس مختلفون في ذلك بحسب ~~المروءة وعادتهم فيها متباينة وأحوال العرب والبدو تباين أحوال العجم ~~والحضر لا سيما إذا دعت إلى ذلك ضرورة. # {فسقى} أي: موسى عليه السلام {لهما} والمفعول محذوف أي: غنمهما لما علم ~~ضرورتهما انتهازا لفرصة الأجر وكرم الخلق في مساعدة الضعيف مع ما به من ~~النصب والجوع وسقوط خف القدم ولكنه رحمهما وأغاثهما وكفاهما أمر السقي في ~~مثل تلك الزحمة بقوة قلبه وقوة ساعده وما آتاه الله تعالى من الفضل في ~~متانة الفطرة ورصانة الجبلة {ثم تولى} أي: انصرف جاعلا ظهره يلي ما كان ~~يليه وجهه {إلى الظل} أي: ظل سمرة فجلس في ظلها ليقيل ويستريح مقبلا على ~~الخالق بعدما قضى من نصيحة الخلائق وهو جائع، قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم ~~يذق طعاما إلا بقل الأرض {فقال رب إني} وأكد الافتقار بالالصاق باللام دون ~~إلى بقوله {لما أنزلت إلي من خير} قليل أو كثير غث أو سمين {فقير} أي: ~~محتاج سائل. # تنبيه: {لما أنزلت} متعلق بفقير قال الزمخشري عدى فقير باللام لأنه ضمن ~~معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدين ~~وهو النجاة من الظالمين وليس في الشكوى إلى الغني المطلق نقص، قال ابن عباس ~~سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه، وقال الباقر: لقد قالها وإنه ~~لمحتاج إلى شق تمرة، وقال # PageV03P091 # سعيد بن جبير عن ابن عباس لقد قال ms2361 موسى ذلك وهو أكرم خلقه عليه وإنه كان ~~قد بلغ به من الضر أن اخضر بطنه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه الشريف ~~بظهره وإنما قال ذلك في نفسه مع ربه وهو اللائق به، وقيل رفع به صوته ~~لاستماع المرأتين وطلب الطعام وهذا لا يليق بموسى عليه السلام فانظر إلى ~~هذا النبي عليه السلام وهو خلاصة ذلك الزمان ليكون لك في ذلك أسوة وتجعله ~~إماما وقدوة وتقول ما لقي الأنبياء والصالحون من الضيق والأهوال في سجن ~~الحياة الدنيا صونا لهم منها وإكراما من ربهم عنها رفعة لدرجاتهم واستهانة ~~لها وإن ظنه الجاهل المغرور على غير ذلك وفي القصة ترغيب في الخير وحث على ~~المعاونة على البر وبعث على بذل المعروف مع الجهد فلما رجعتا إلى أبيهما ~~سريعا قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلا ~~صالحا رحيما فسقى لنا أغنامنا فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي. # {فجاءته إحداهما} ممتثلة أمر أبيها وقوله {تمشي} حال، وقوله {على ~~استحياء} حال أخرى، أي: مستحيية إما من جاءته وإما من تمشي قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنه: ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة ولكن جاءته ~~مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء ثم استأنف الإخبار بما تشوف إليه ~~السامع بقوله تعالى: {قالت} وأكدت إعلاما بما لأبيها من الرغبة إلى لقائه ~~{إن أبي} وصورت حاله بالمضارع بقولها {يدعوك ليجزيك} أي: يعطيك مكافأة لك ~~لأن المكافأة من شيم الكرام {أجر ما سقيت لنا} أي: مواشينا، قال ابن إسحاق: ~~اسم الكبرى صفورا والصغرى لبنى، وقيل ليا، وقال غيره: صفرا وصفيرا، وقال ~~الضحاك: صافورا، وقال الأكثرون: التي جاءت لموسى الكبرى، وقال الكلبي هي ~~الصغرى، قال الرازي وليس في القرآن دلالة على شيء من هذه التفاصيل. # فإن قيل: في الآية إشكالات إحداها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل ~~بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية فإن ذلك يورث التهمة العظيمة وقال صلى ~~الله عليه وسلم «اتقوا مواضع التهم» ، وثانيها: أنه سقى أغنامهما ms2362 تقربا إلى ~~الله تعالى فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه وذلك غير جائز في الشريعة، ~~وثالثها: أنه عرف فقرهما وفقر أبيهما وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة ~~بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر ~~من الشيخ الفاني الفقير والمرأة الفقيرة، ورابعها: كيف يليق بالنبي شعيب ~~عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون الرجل عفيفا ~~أو فاسقا؟. # أجيب عن الأول: بأن الخبر يعمل فيه بقول المرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول ~~الواحد حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى وهي ما كانت مخبرة إلا عن أبيها ~~وأما المشي مع المرأة بعد الاحتياط والتورع فلا بأس به، وعن الثاني: بأن ~~المرأة لما قالت ذلك لموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طلبا للأجرة بل للتبرك ~~بذلك الشيخ الكبير، لما روي أنه لما دخل على شعيب عليه السلام إذا هو ~~بالعشاء مهيئا فقال اجلس يا شاب فتعش فقال موسى أعوذ بالله فقال شعيب ولم ~~ذلك ألست بجائع قال بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من ~~أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا، وفي رواية لا ~~نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ بالمعروف ثمنا، فقال له شعيب لا والله يا شاب ~~ولكنها # PageV03P092 # عادتي وعادت آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى عليه السلام فأكل، ~~وأيضا فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ إلى حيث ما كان يطيق يحمله ففعل ذلك ~~اضطرارا وهو الجواب عن الثالث فإن الضرورات تبيح المحظورات، وعن الرابع: ~~بأن شعيبا عليه السلام كان يعلم طهارة ابنته وبرائتها إما بوحي أو بغيره ~~فكان يأمن عليها قال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه: فقام يمشي والجارية ~~أمامه فهبت الريح فوصفت ردفها فكره موسى عليه السلام أن يرى ذلك منها فقال ~~لها امشي خلفي أو قال موسى أني من عنصر إبراهيم فكوني خلفي حتى لا يرفع ~~الريح ثيابك فأرى ما لا يحل، ms2363 وفي رواية كوني خلفي ودليني على الطريق برمي ~~الحصا لأن صوت المرأة عورة. # فإن قيل: لم خشى موسى عليه السلام أن يكون ذلك أجرة له على عمله ولم يكره ~~مع الخضر عليه السلام ذلك حين قال لو شئت لتخذت عليه أجرا؟ أجيب: بأن أخذ ~~الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء فغير مكروه {فلما جاءه} ~~أي: موسى شعيبا {وقص} أي: موسى عليه السلام {عليه} أي: شعيب عليه السلام ~~{القصص} أي: حدثه حديثه مع فرعون وآله في كفرهم وطغيانهم وإذلالهم لعباد ~~الله تعالى (تنبيه) القصص مصدر كالعلل سمى به المقصوص، قال الضحاك: قال: له ~~من أنت يا عبد الله، قال: أنا موسى بن عمران بن بصهر بن قاهت بن لاوي بن ~~يعقوب عليه السلام وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع ~~والقذف في اليم وقتل القبطي وأنهم يطلبونه ليقتلوه ثم إن شعيبا عليه السلام ~~أمنه بأن: # {قال} له {لا تخف نجوت من القوم الظالمين} أي: فإن فرعون لا سلطان له ~~بأرضنا، فإن قيل: أن المفسرين قالوا إن فرعون يوم ركب خلف موسى ركب في ألف ~~ألف وستمائة ألف والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا يكون في ملكه قرية ~~على بعد ثمانية أيام؟ أجيب: بأن هذا ليس بمحال وإن كان نادرا ولما أمنه ~~واطمأن. # {قالت إحداهما} أي: المرأتين وهي التي دعته إلى أبيها مشيرة بالنداء ~~بأداة البعد إلى استصغارها لنفسها وجلالة أبيها {يا أبت استأجره} أي: اتخذه ~~أجيرا ليرعى أغنامنا {إن خير من استأجرت القوي الأمين} أي: خير من استعملت ~~من قوي على العمل لشيء من الأشياء وأداء الأمانة، قال أبو حيان: وقولها قول ~~حكيم جامع لا يزاد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية ~~والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك وقد استغنت بإرسال هذا ~~الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوته وأمانته، ~~وإنما جعل خير من استأجرت اسما والقوي الأمين خبرا مع أن العكس أولى لأن ~~العناية هي ms2364 سبب التقديم، وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق بأن يكون خبرا ~~اسما، وورود الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف. # وعن ابن عباس: أن شعيبا اختطفته الغيرة فقال وما علمك بقوته وأمانته ~~فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وإنه صوب أي: خفض رأسه حين بلغته رسالة أبيها ~~إليه وأمرها بالمشي خلفه، وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب وصاحب ~~يوسف في قوله {عسى أن ينفعنا} وأبو بكر في عمر ولما أعلمته ابنته بذلك. # {قال} لموسى عليه السلام عند ذلك {إني أريد} يا موسى والتأكيد لأن الغريب ~~قلما يرغب فيه أول ما يقدم # PageV03P093 # لا سيما من الرؤساء أتم الرغبة {أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} أي: ~~الحاضرتين اللتين سقيت لهما ليتأملهما فينظر من يقع اختياره عليه منهما ~~ليعقد له عليها، قال أكثر المفسرين إنه زوجه الصغرى منهما وهي التي ذهبت ~~لطلب موسى واسمها صفورا على خلاف تقدم في اسمها، وقوله {هاتين} فيه دليل ~~على أنه كان له غيرهما وقوله {على أن تأجرني ثماني حجج} إما من أجرته إذا ~~كنت له أجيرا كقولك أبوته إذا كنت له أبا، وثماني حجج ظرفه، أي: ترعى غنمي ~~ثماني حجج، وإما من أجرته كذا إذا أثبته إياه قاله الفراء أي: تجعل ثوابي ~~من تزويجها أي: تجعل أجري على ذلك وثوابي ثماني حجج، تقول العرب أجرك الله ~~يأجرك أي: أثابك، ومنه تعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم «أجركم الله ~~ورحمكم» وثماني حجج مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج، فإن قيل: كيف صح أن ~~ينكحه إحدى ابنتيه من غير تمييز؟ أجيب: بأن ذلك لم يكن عقدا ولكن مواعدة ~~ومواصفة أمر قد عزم عليه، ولو كان عقدا لقال أنكحتك ولم يقل: إني أريد أن ~~أنكحك، وقد مرت الإشارة إلى ذلك، والحجج، السنون وإحدها حجة {فإن أتممت ~~عشرا} أي: عشر سنين وقوله {فمن عندك} يجوز أن يكون في محل رفع خبر المبتدأ ~~محذوف تقديره فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها من عندك أو ms2365 تفضلت بها من ~~عندك، وليس ذلك بواجب عليك. # تنبيه: هذا اللفظ يدل على أن العقد وقع على أقل الأجلين والزيادة كالتبرع ~~فالعقد وقع على معين، ودلت الآية على أن العمل قد يكون مهرا كالمال وعلى أن ~~عقد النكاح لا يفسد بالشروط التي لا يوجبها العقد إن كان وقع شرط هذه ~~الزيادة في العقد، ولما ذكر له ذلك أراد أن يعلمه أن الأمر بعد الشرط ~~بينهما على المسامحة فقال {وما أريد أن أشق عليك} أي: أدخل عليك مشقة ~~بمناقشة ومراعاة أوقات ولا في إتمام عشر ولا غير ذلك، ثم أكد معنى المساهلة ~~بقوله {ستجدني} وفتح الياء نافع عند الوصل، والباقون بسكونها، ثم استثنى ~~على قاعدة: أنبياء الله وأوليائه في المراقبة على سبيل التبرك بقوله {إن ~~شاء الله} أي: الذي له جميع الأمر {من الصالحين} قال عمر: أي: في حسن ~~الصحبة والوفاء بما قلت، أي: وكل ما تريد من كل خير، وقيل: أراد الصلاح على ~~العموم، فإن قيل: كيف ينعقد العقد بهذا الشرط ولو قلت أنت طالق إن شاء الله ~~لم تطلق؟ أجيب: بأن هذا إنما يختلف بالشرائع أو أن ذلك ذكر للتبرك. # {قال} أي: موسى عليه السلام {ذلك} أي: الذي ذكرته وعاهدتني فيه وشارطتني ~~عليه {بيني وبينك} أي: قائم بيننا جميعا لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما شرطت ~~علي ولا أنت عما شرطت على نفسك. # تنبيه: ذلك مبتدأ، والظرف خبره، وأضيفت بين لمفرد لتكررها، وعطفت بالواو، ~~ولو قلت: المال لزيد فعمرو لم يجز، والأصل ذلك بيننا كما مر ففرق بالعطف، ~~ثم فسر ذلك بقوله {أيما} أي: أي {الأجلين} فما: زائدة {قضيت} أي: فرغت ~~أطولهما الذي هو العشر أو أقصرهما الذي هو الثمان {فلا عدوان} أي: اعتداء ~~بسبب ذلك لك ولا لأحد {علي} في طلب أكثر منه لأنه كما لا تجب الزيادة على ~~العشر لا تجب الزيادة على الثمان. # فإن قيل: تصور العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصر وهو المطالبة ~~بتتمة العشر فما معنى تعليق العدوان بهما جميعا؟ ms2366 أجيب: بأن معناه كما أني ~~إن طولبت بالزيادة على العشر # PageV03P094 # كان عدوانا لا شك فيه فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمان أراد بذلك ~~تقرير أمر الخيار وأنه ثابت مستقر وأن الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا ~~من غير تفاوت بينهما في القضاء، وأما التتمة فموكلة إلى رأيي إن شئت أتيت ~~بها وإلا لم أجبر عليها، وكأنه أشار بنفي صيغة المبالغة إلى أنه لا يؤاخذ ~~لسعة صدره وطهارة أخلاقه بمطلق العدوان {والله} أي: الملك الأعظم {على ما ~~نقول} أي: كله في هذا الوقت وغيره {وكيل} قال ابن عباس ومقاتل: شهيد فيما ~~بيني وبينك، وقيل: حفيظ، وعن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة ~~أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت ~~فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما. # وروي عن أبي ذر مرفوعا إذا سئلت أي: الأجلين قضى موسى فقل: خيرهما، وإذا ~~سئلت فأي: المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما وهي التي جاءت فقالت يا أبت ~~استأجره فتزوج صغراهما وقضى أوفاهما، وقال وهب: أنكحه الكبرى، وروي عن شداد ~~بن أوس مرفوعا بكى شعيب عليه السلام حتى عمي فرد الله تعالى عليه بصره ثم ~~بكى حتى عمي فرد الله تعالى عليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله تعالى عليه ~~بصره وقال له: ما هذا البكاء أشوقا إلى الجنة أم خوفا من النار؟ قال لا يا ~~رب ولكن شوقا إلى لقائك فأوحى الله تعالى إليه إن يكن ذلك فهنيأ لك يا شعيب ~~لذلك أخدمتك موسى كليمي، ولما تم العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى ~~عصا يدفع بها السباع عن غنمه. # واختلفوا في تلك العصا؟ فقال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة فأخذها جبريل ~~بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه، وقال آخرون كانت ~~من آس الجنة حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء وكان لا يأخذها غير نبي ~~إلا أكلته فصارت من آدم إلى نوح ثم إلى إبراهيم حتى ms2367 وصلت إلى شعيب وكانت ~~عصي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عنده فأعطاها موسى، وقال السدي: كانت ~~تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا فدخلت ~~فأخذت العصا فأتت بها فلما رآها شعيب قال لها ردي هذه العصا وأتيه بغيرها ~~فدخلت فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلا يقع في يدها إلا هي حتى فعلت ذلك ~~ثلاث مرات فأعطاها موسى فأخذها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم فقال: كانت وديعة ~~فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا فأبى موسى أن يعطيه وقال: هي عصاي فرضيا أن ~~يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فلقيهما ملك في صورة رجل فحكم أن تطرح العصا ~~فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ فلم يطقها فأخذها موسى ~~بيده فرفعها فتركها له الشيخ. # وروي أن شعيبا عليه السلام كان عنده عصي الأنبياء فقال لموسى بالليل ادخل ~~ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة ولم تزل ~~الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفا فضن أي: بخل بها ~~فقال غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأنا. # وعن الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا، وعن الكلبي الشجرة ~~التي منها نودي موسى شجرة العوسج ومنها كانت عصاه، ولما أصبح قال له شعيب ~~إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان بها كثيرا إلا ~~أن فيها تنينا أخشاه عليك فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها فمشى ~~على أثرها فإذا عشب وريف # PageV03P095 # لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد أقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى ~~جنب موسى دامية فلما أبصرها دامية والتنين مقتولا ارتاح لذلك، ولما رجع إلى ~~شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن ~~لموسى والعصا شأنا. # {فلما قضى موسى الأجل} أي: أتمه وفرغ منه وزوجه ابنته، قال مجاهد مكث بعد ~~ذلك عند صهره عشرا أخرى فأقام ms2368 عنده عشرين سنة، ثم إن شعيبا عليه السلام ~~أراد أن يجازي موسى على رعيته إكراما له وصلة لابنته فقال له إني وهبت لك ~~من الجداء التي تضعها أغنامي هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى ~~إلى موسى في المنام أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام قال فضرب ~~موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه فما أخطأت واحدة منها إلا وضعت حملها ~~ما بين أبلق وبلقاء فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله عز وجل إلى موسى ~~وامرأته فوفى له بشرطه وسلم الأغنام إليه، ثم إن موسى استأذنه في العود إلى ~~مصر فأذن له فخرج {وسار بأهله} أي: امرأته راجعا إلى أقاربه بمصر {آنس} أي: ~~أبصر من بعيد {من جانب الطور} اسم جبل {نارا} آنسته رؤيتها وكان في البرية ~~في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق حينئذ {قال لأهله امكثوا} أي: ~~ههنا، وقرأ حمزة في الوصل بضم الهاء قبل همزة الوصل، وعبر موسى عليه السلام ~~بضمير الذكور فلعل كان معه بنون فغلبهم على امرأته، وقد ذكرت غير ذلك في ~~السورة التي قبل هذه، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لاستبعاد أن يكون في ذلك ~~المكان القفر وفي ذلك الوقت الشديد البرد نارا {إني آنست نارا} فتح الياء ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو، وسكنها الباقون، كأنه قيل فماذا تعلم بها فقال ~~معبرا بالترجي لأنه أليق بالتواضع {لعلى آتيكم منها} أي: من عندها {بخبر} ~~أي: عن الطريق لأنه كان قد أخطأها {أوجذوة} أي: قطعة وشعلة {من النار} وقال ~~قتادة ومقاتل: هو العود الذي احترق بعضه تنبيه: من النار صفة لجذوة ولا ~~يجوز تعلقها بآتيكم كما تعلق به منها لأن هذه النار هي النار المذكورة، ~~والعرب إذا قدمت نكرة وأرادت إعادتها أعادتها مضمرة أو معرفة بأل العهدية ~~وقد جمع الأمرين هنا، وقرأ عاصم بفتح الجيم وحمزة بضمها، والباقون بالكسر ~~وكلها لغات وجمعها جذى، ثم # استأنف قوله {لعلكم تصطلون} أي: لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار ~~فتعطفوا عليها للتدفؤ، وهذا ms2369 دليل على أن الوقت كان شتاء. # {فلما أتاها} أي: النار، وبنى {نودي} للمفعول لأن آخر الكلام يدل دلالة ~~واضحة على أن المنادي هو الله تعالى ولما كان نداؤه تعالى لا يشبه نداء ~~غيره بل يكون من جميع الجوانب ومع ذلك قد يكون لبعض المواضع مزيد شرف بوصف ~~من الأوصاف إما بأن يكون أول السماع منه أو غيره ذلك أو يكون باعتبار موسى ~~عليه السلام قال {من شاطئ الواد} فمن: لابتداء الغاية، وقوله تعالى ~~{الأيمن} صفة للشاطئ أو للوادي، والأيمن من اليمن وهو البركة أو من اليمين ~~المعادل لليسار من العضوين ومعناه على هذا بالنسبة إلى موسى أي: الذي يلي ~~يمينك دون يسارك، والشاطئ ضفة الوادي والنهر أي: حافته وطرفه وكذا الشط ~~والسيف والساحل كلها بمعنى، وجمع الشاطئ أشطأ قاله الراغب وشاطأ فلانا ~~ماشيته سار بها على الشاطئ، # PageV03P096 # وقوله تعالى {في البقعة المباركة} متعلق بنودي أو بمحذوف على أنه حال من ~~الشاطئ ومعنى المباركة جعلها الله تعالى مباركة لأن الله تعالى كلم موسى ~~عليه السلام هناك وبعثه نبيا، وقال عطاء: يريد المقدسة وقوله تعالى: {من ~~الشجرة} بدل من شاطئ الوادي بإعادة الجار بدل اشتمال لأن الشجرة كانت ثابتة ~~على الشاطئ، قال البقاعي: ولعل الشجرة كانت كبيرة فلما وصل إليها دخل النور ~~من طرفها إلى وسطها فدخلها وراءه بحيث توسطها فسمع وهو فيها الكلام من الله ~~تعالى حقيقة وهو المتكلم سبحانه وتعالى لا الشجرة. # قال القشيري: وحصل الإجماع على أنه عليه السلام سمع تلك الليلة كلام الله ~~تعالى ولو كان ذلك نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة وقال التفتازاني: في ~~شرح المقاصد إن اختيار حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا حرف ~~كما ترى ذاته في الآخرة بلاكم ولا كيف. # واختلف في الشجرة ما هي؟ فقال ابن مسعود: كانت سمرة خضراء، وقال قتادة ~~ومقاتل والكلبي: كانت عوسجة، وقال وهب: من العليق، وعن ابن عباس أنها ~~العناب، ثم ذكر المنادى به بقوله تعالى: {أن يا موسى} فأن هي مفسرة لا ~~مخففة {إني ms2370 أنا الله} أي: المستجمع للأسماء الحسنى والصفات العليا، وفتح ~~الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو وسكنها الباقون ثم وصف نفسه سبحانه تعالى ~~بقوله {رب العالمين} أي: خالق الخلائق أجمعين ومربيهم، قال البيضاوي: هذا ~~وإن خالف ما في طه والنمل في اللفظ فهو طبقه في المقصود انتهى، وقال ابن ~~عادل: واعلم أنه تعالى قال في سورة النمل {نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها} (النمل: 8) # وقال ههنا {إني أنا الله رب العالمين} وقال في سورة طه {إني أنا ربك} ولا ~~منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه تعالى حكى في كل سورة ~~ما اشتمل عليه ذلك النداء، ثم إن الله تعالى أمره أن يلقي عصاه ليريه آية ~~بقوله تعالى: # {وأن ألق عصاك} أي: لأريك فيها آية فألقاها فصارت في الحال حية عظيمة وهي ~~مع عظمها في غاية الخفة {فلما رآها} أي: العصا {تهتز} أي: تتحرك كأنها في ~~سرعتها وخفتها {جان} أي: حية صغيرة {ولى مدبرا} خوفا منها ولم يلتفت إلى ~~جهتها وهو معنى قوله تعالى {ولم يعقب} أي: موسى عليه السلام وذلك كناية عن ~~شدة التصميم على الهرب والإسراع فيه خوفا من الإدراك في الطلب فقيل له {يا ~~موسى أقبل} أي: التفت وتقدم إليها {ولا تخف} ثم أكد له الأمر لما الآدمي ~~مجبول عليه من النفرة وإن اعتقد صحة الخبر بقوله تعالى: {إنك من الآمنين} ~~أي: العريقين في الأمن كعادة إخوانك من المرسلين فإنه لا يخاف لدي المرسلون ~~ثم زاد طمأنينة بقوله تعالى: # {اسلك} أي: ادخل على الاستقامة مع الخفة والرشاقة {يدك في جيبك} أي: ~~القطع الذي في ثوبك وهو الذي يخرج منه الرأس أو هو الكم كما يدخل السلك وهو ~~الخيط الذي ينظم فيه الدر {تخرج بيضاء} بياضا عظيما يكون له شأن خارق ~~للعادات {من غير سوء} أي: عيب من أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته أو ~~غيره فخرجت ولها شعاع كشعاع الشمس يعشي البصر تنبيه: قد ذكر هذا المعنى ~~بثلاث عبارات إحداها هذه وثانيتها: ms2371 {واضمم يدك إلى جناحك} (طه: 22) # وثالثتها: {وأدخل يدك في جيبك} (النمل، 12) . # {واضمم إليك جناحك} أي: يديك المبسوطتين تتقي بهما الحية # PageV03P097 # كالخائف الفزع بإدخال اليمنى تحت عضد اليسرى وبالعكس، أو بإدخالهما في ~~الجيب فيكون تكريرا لغرض آخر وهو أن يكون ذلك في وجه العدو أظهر جراءة ~~ومبدأ لظهور معجزة ويجوز أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا ~~حية استعارة من حال الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإذا أمن ~~واطمأن ضمهما إليه، ومنه ما يحكي عن عمر بن عبد العزيز: أن كاتبا له كان ~~يكتب بين يديه فانفلتت منه فلتة ريح فخجل وانكسر فقام وضرب بقلمه الأرض ~~فقال له عمر: خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرخ روعك فإني ما سمعتها من أحد ~~أكثر مما سمعتها من نفسي. # ومعنى قوله تعالى {من الرهب} من أجل الرهب أي: إذا أصابك الرهب عند رؤية ~~الحية فاضمم إليك جناحك تجلدا وضبطا لنفسك، جعل الرهب الذي كان يصيبه سببا ~~وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه، قال الفراء: أراد بالجناح العصا ومعناه ~~اضمم إليك عصاك، قال البغوي: وقيل الرهب الكم بلغة حمير، قال الأصمعي: سمعت ~~بعض الأعراب يقول أعطني ما في رهبك أي: في كمك ومعناه اضمم إليك يدك ~~وأخرجها من الكم لأنه تناول العصا ويده في كمه انتهى، قال الزمخشري معترضا ~~هذا القول: # ومن بدع التفاسير أن الرهب الكم بلغة حمير وأنهم يقولون أعطني ما في رهبك ~~وليت شعري كيف صحته في اللغة وهل سمع من الأثبات الثقات الذين ترضى عربيتهم ~~ثم ليت شعري كيف وقعه في الآية وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل على ~~أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف لا كمين ~~لها انتهى. # ويحتمل أن يكون لها كم قصير فمن نفى نظر إلى قصره ومن أثبت نظر إلى أصله ~~وحينئذ لا تعارض، وفي البغوي عن ابن عباس: أن الله تعالى أمره أن يضم يده ~~إلى صدره ليذهب عنه الروع وما ناله من الخوف ms2372 عند معاينة الحية وقال: وما من ~~خائف بعد موسى عليه السلام إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه، وقال مجاهد: ~~وكل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~بفتح الراء والهاء وحفص بفتح الراء وسكون الهاء، والباقون بضم الراء وسكون ~~الهاء، والكل لغات، ولما تم كونه آية بانقلابها إلى البياض ثم رجوعها إلى ~~لونها قال الله تعالى: {فذانك} أي: العصا واليد البيضاء، وشدد ابن كثير ~~وأبو عمرو النون، وخففها الباقون {برهانان} أي: سلطانان وحجتان قاهرتان ~~مرسلان {من ربك} أي: المحسن إليك لا يقدر على مثلهما غيره {إلى فرعون ~~وملإيه} أي: وأنت مرسل بهما إليهم كلما أردت ذلك وجدته لا أنهما يكونان لك ~~هنا في هذه الحضرة فقط، فإن قيل لم سميت الحجة برهانا؟ أجيب: بأن ذلك ~~لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة بتكرير العين واللام معا ~~والدليل على زيادة النون قولهم أبره الرجل إذا جاء بالبرهان ونظيره تسميتهم ~~إياها سلطانا من السليط وهو الزيت لإنارتها، ثم علل الإرسال إليهم على وجه ~~إظهار الآيات لهم واستمرارها بقوله: # l # {إنهم كانوا} أي: جبلة وطبعا {قوما} أي: أقوياء {فاسقين} أي: خارجين عن ~~الطاعة فكانوا أحقاء أن يرسل إليهم، ولما قال تعالى: {فذانك برهانان} إلى ~~آخره تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى # PageV03P098 # فرعون وقومه فعند ذلك طلب من يعينه بأن {قال رب} أي: أيها المحسن إلي ~~{إني قتلت منهم نفسا} هو القبطي السابق وأنت تعلم أني ما خرجت إلا هاربا ~~منهم لأجلها {فأخاف} إن بدأتهم بمثل ذلك {أن يقتلون} به لوحدتي وغربتي وثقل ~~لساني في إقامة الحجج فأخاف أن يفوت المقصود بقتلي ولا يحمي من ذلك إلا أنت ~~وإن لساني فيه عقدة. # {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} أي: من جهة اللسان للعقدة التي كانت حصلت ~~له من وضع الجمرة في فيه وهو طفل في كفالة فرعون، وقيل كانت من أصل الخلقة ~~والفصاحة لغة الخلوص ومنه فصح اللبن خلص من رغوته وفصح الرجل ms2373 جادت لغته، ~~وأفصح تكلم بالعربية {فأرسله} أي: بسبب ذلك {معي ردءا} أي: معينا من ردأت ~~فلانا بكذا أي: جعلته له قوة وعاضدا وردأت الحائط إذا دعمته بخشب أو كبش ~~يدفعه أن يسقط، وقرأ نافع بنقل حركة الهمزة إلى الدال وحذف الهمزة، ~~والباقون بسكون الدال وتنوين الهمزة بعدها، ولما كان له عليه من العطف ~~والشفقة ما يقصر الوصف عنه نبه على ذلك بإجابة السؤال بقوله {يصدقني} أي: ~~بأن يخلص بفصاحته ما قلته ويبينه ويقيم الأدلة عليه حتى يصير كالشمس وضوحا ~~فيكون مع تصديقه لي بنفسه سببا في تصديق غيره لي. # وقرأ عاصم وحمزة بضم القاف على الاستئناف أو الصفة لردءا والباقون ~~بالسكون جوابا للأمر، قال الرازي: ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت ~~أو يقول للناس صدق موسى وإنما هو أن يخلص بلسانه الفصيح وجوب الدلائل ويجيب ~~عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد، وفائدة الفصاحة إنما ~~تظهر في ذلك لا في مجرد قوله صدقت، قال السدي: نبيان وآيتان أقوى من نبي ~~واحد وآية واحدة وهذا ظاهر من جهة العادة وأما من جهة الدلالة فلا فرق بين ~~معجز ومعجزين، ثم علل سؤاله هذا بقوله {إني أخاف أن يكذبون} أي: فرعون ~~وقومه ولساني لا يطاوعني عند المحاجة. # {قال} الله تعالى له مجيبا لسؤاله {سنشد عضدك} أي: أمرك {بأخيك} أي: ~~سنقويك ونعينك به {ونجعل لكما سلطانا} أي: ظهورا عظيما وغلبة لهم بالحجج ~~والهيبة لأجل ما ذكرت من الخوف {فلا} أي: فتسبب عن ذلك أنهم لا {يصلون ~~إليكما} بنوع من أنواع الغلبة {بآياتنا} أي: نجعل ذلك بسبب ما يظهر على ~~أيديكما من الآيات العظيمة بنسبتها إلينا ولذلك كانت النتيجة {أنتما ومن ~~اتبعكما} من قومكما وغيرهم {الغالبون} أي: لا غيركم وهذا يدل على أن فرعون ~~لم يصل إلى السحرة بشيء مما هددهم به لأنهم من أكبر الأتباع الباذلين ~~أنفسهم في الله تعالى وليس في القرآن ما يدل على أنه فعل بهم ما أوعدهم به. # قال البقاعي: وكأنه حذف أمرهم هنا لأنه في ms2374 بيان أمر فرعون وجنوده بدليل ~~ما كرر من ذكرهم وقد كشفت العاقبة عن أن السحرة ليسوا من جنوده بل من حزب ~~الله تعالى وجنده، ومع ذلك فقد أشار إليهم بهذه الآية والتي بعدها. اه ولما ~~كان التقدير فأتاهم كما أمره الله تعالى وعاضده أخوه كما أخبر الله تعالى ~~ودعاهم إلى الله تعالى وأظهرا ما أمرا به من الآيات بنى عليه مبينا بالفاء ~~سرعة امتثاله. # {فلما جاءهم} أي: فرعون وقومه ولما كانت رسالة هارون عليه السلام إنما هي ~~تأييد لموسى عليه السلام أشار # PageV03P099 # إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي بقوله تعالى: {موسى بآياتنا} أي: التي ~~أمرناه بها الدالة على جميع الآيات للتساوي في خرق العادة حال كونها ~~{بينات} أي: في غاية الوضوح {قالوا} أي: فرعون وقومه {ما هذا} أي: الذي ~~أظهرته من الآيات {إلا سحر مفترى} أي: مختلق لا أنه معجزة من عند الله ثم ~~ضموا إليه ما يدل على جهلهم وهو قولهم {وما سمعنا} أي: ما حدثنا {بهذا} أي: ~~الذي تدعونا إليه وتقوله من الرسالة عن الله تعالى {في آبائنا} وأشاروا إلى ~~البدعة التي أضلت كثيرا من الخلق وهي تحكيم عوائد التقليد لا سيما عند ~~تقادمها على القواطع في قولهم {الأولين} وقد كذبوا وافتروا لقد سمعوا بذلك ~~على أيام يوسف عليه السلام. # *وما بالعهد من قدم* # {فقد قال لهم الذي آمن} يا قوم أني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب إلى قوله ~~{ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} . # {و} لما كذبوه وهم الكاذبون {قال} لهم {موسى ربي} أي: المحسن إلي {أعلم} ~~أي: عالم {بمن جاء بالهدى} أي: الذي أذن الله تعالى فيه وهو حق في نفسه {من ~~عنده} فيعلم أني محق وأنتم مبطلون، وقرأ ابن كثير بغير واو قبل القاف لأنه ~~قاله جوابا لمقالهم، والباقون بالواو لأن المراد حكاية القولين ليوازن ~~الناظر بينهما ليميز صحيحهما من فاسدهما {ومن تكون له} أي: لكونه منصورا ~~مؤيدا {عاقبة الدار} أي: الراحة والسكن والاستقرار، فإن قيل: العاقبة ~~المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسميا عاقبة الدار لأن ms2375 الدنيا إما أن ~~تكون خاتمتها بخير أو بشر فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون ~~خاتمها بالشر؟. # أجيب: بأن الله تعالى قد وضع الدنيا مجازا إلى الآخرة وأراد بعباده أن لا ~~يعملوا فيها إلا الخير، وما خلقهم إلا لأجله ليبلغوا خاتمة الخير وأما ~~عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تخويف الفجار، وقرأ حمزة ~~والكسائي بالياء على التذكير، والباقون بالتاء على التأنيث، ثم علل ذلك بما ~~أجرى الله تعالى به عادته فقال معلما بأن المخذول هو الكاذب إشارة إلى أنه ~~الغالب لكون الله تعالى معه مؤكدا لما استقر في الأنفس من أن القوي لا ~~يغلبه الضعيف {إنه لا يفلح} أي: لا يظفر ولا يفوز {الظالمون} أي: الكافرون ~~الذين يمشون كما يمشي من هو في الظلام بغير دليل. # {وقال فرعون} جوابا لهذا الترغيب والترهيب {يا أيها الملأ} أي: الأشراف ~~معظما لهم استجلابا لقلوبهم {ما علمت لكم من إله غيري} فتضمن كلامه نفي ~~إلهية غيره وإثبات إلهية نفسه فكأنه قال: ما لكم من إله إلا أنا كما قال ~~الله تعالى {قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض} (يونس: ~~18) # أي: بما ليس فيهن وذلك أن العلم تابع للموجود لا يتعلق به إلا على ما هو ~~عليه فإذا كان الشيء معدوما لم يتعلق به موجود فمن ثم كان انتفاء العلم ~~بوجوده انتفاء لوجوده، فعبر عن انتفاء وجوده بانتفاء العلم بوجوده، ويجوز ~~أن يكون على ظاهره وأن إلها غير معلوم عنده ولكنه مظنون بدليل قوله {وأني ~~لأظنه من الكاذبين} وإذا ظنه كاذبا في إثباته إلها غيره ولم يعلمه كاذبا ~~فقد ظن أن في الوجود إلها غيره ولو لم يكن المخذول ظانا ظنا كاليقين بل ~~عالما بصحة قول موسى لقول موسى له. # {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر} # PageV03P100 # ثم تسبب عن جهله قوله لوزيره معلما له صنعة الآجر لأنه أول من عمله، قال ~~عمر رضي الله تعالى عنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر ما ms2376 ~~علمت أن أحدا بنى بالآجر غير فرعون {فأوقد لي} وأضاف الإيقاد إليه إعلاما ~~بأنه لا بد منه {يا هامان} وهو وزيره {على الطين} أي: المتخذ لبنا ليصير ~~آجرا، ثم تسبب عن الإيقاد قوله {فاجعل لي} أي: منه {صرحا} أي: قصرا عاليا، ~~وقيل: منارة، وقال الزجاج: هو كل بناء متسع مرتفع {لعلي أطلع} أي: أتكلف ~~الطلوع {إلى إله موسى} أي: الذي يدعو إليه فإنه ليس في الأرض أحد بهذا ~~الوصف الذي ذكره فأنا أطلبه في السماء موهما لهم أنه مما يمكن الوصول إليه ~~وهو قاطع بخلاف ذلك ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى وقت. # قال أهل السير: لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع العمال ~~والفعلة حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر ~~والجص وينجر الخشب ويضرب المسامير فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم ~~يبلغه بنيان أحد من الخلق أراد الله تعالى أن يفتنهم فيه فلما فرغوا منه ~~ارتقى فرعون فوقه فأمر بنشابه فضرب بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما ~~فقال: قد قتلت إله موسى وكان فرعون يصعد على البراذين فبعث الله تعالى ~~جبريل عليه السلام فضرب الصرح بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقع منها قطعة على ~~عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب ~~ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلا هلك ثم زادهم شكا بقوله مؤكدا لأجل رفع ~~ما استقر في الأنفس من صدق موسى عليه السلام {وإني لأظنه} أي: موسى عليه ~~السلام {من الكاذبين} أي: دأبه ذلك وفرعون هو الذي قد لبس وكذب ووصف أصدق ~~أهل ذلك الزمان بصفة نفسه الغريقة في العدوان. # {واستكبر} أي: أوجد الكبر بغاية الرغبة فيه {هو} بقوله هذا الذي صدهم به ~~عن السبيل {وجنوده} بإعراضهم لشدة رغبتهم في الكبر على الحق والاتباع ~~للباطل {في الأرض} أي: أرض مصر قال البقاعي: ولعله عرفها إشارة إلى أنه لو ~~قدر على ذلك في غيرها فعل {بغير الحق} أي: بغير استحقاق قال البقاعي: ~~والتعبير ms2377 بالتعريف يدل على أن التعظيم بنوع من الحق ليس بكبر وإن كانت ~~صورته كذلك وأما تكبره سبحانه فهو بالحق كله قال صلى الله عليه وسلم فيما ~~حكاه عن ربه: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته ~~في النار» {وظنوا} أي: فرعون وجنوده ظنا بنوا عليه اعتقادهم في أصل الدين ~~الذي لا يكون إلا بقاطع {أنهم إلينا} أي: إلى حكمنا خاصة الذي يظهر عند ~~انقطاع الأسباب {لا يرجعون} بالنشور، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بفتح الياء ~~وكسر الجيم والباقون بضم الياء وفتح الجيم، ولما تسبب عن ذلك إهلاكهم قال ~~تعالى: # {فأخذناه وجنوده} كلهم أخذ قهر ونقمة وذلك علينا هين وأشار تعالى إلى ~~احتقارهم بقوله تعالى: {فنبذناهم} أي: طرحناهم {في اليم} أي: البحر المالح ~~فغرقوا فكانوا على كثرتهم وقوتهم كحصيات صغار قذفها الرامي الشديد الدرء من ~~يده في البحر ونحو ذلك قوله تعالى: {وجعلنا فيها رواسي شامخات} (المرسلات، ~~27) # وقوله تعالى {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} (الحاقة: 14) # ولما تسبب عن هذه الآيات من العلوم ما لا تحيط به الفهوم قال تعالى: # {فانظر} أي: أيها # PageV03P101 # المعتبر بالآيات الناظر فيها نظر اعتبار {كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر ~~{الظالمين} حيث صاروا إلى الهلاك فحذر قومك عن مثلها وفي هذا إشارة إلى أن ~~كل ظالم تكون عاقبته هكذا إن صابره المظلوم المحق ورابطه {حتى يحكم الله ~~وهو خير الحاكمين} ولما كان: «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة» قال الله تعالى: # {وجعلناهم} أي: في الدنيا {أئمة} أي: قدوة للضلال بالحمل على الإضلال، ~~وقيل بالتسمية كقوله تعالى {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} ~~(الزخرف: 19) # أو بمنع الألطاف الصارفة عنه {يدعون} أي: يوجدون الدعاء لمن اغتر بحالهم ~~فضل بضلالهم {إلى النار} أي: إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، وأما أئمة ~~الحق فإنما يدعون إلى موجبات الجنة من فعل الطاعات والنهي عن المنكرات: ~~جعلنا الله تعالى ms2378 وأحبابنا معهم بمحمد وآله، ولما كان الغالب من حال الأئمة ~~النصرة وقد أخبر عن خذلانهم في الدنيا قال تعالى: {ويوم القيامة} أي: الذي ~~هو يوم التغابن {لا ينصرون} أي: لا يكون لهم نوع نصرة تدفع العذاب عنهم. # {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} أي: طردا عن الرحمة ودعاء عليهم بذلك من ~~كل من سمع خبرهم بلسانه إن خالفهم أو بفعله الذي يكون عليهم مثل وزره إن ~~وافقهم، وإنما قال الله تعالى: {الدنيا} ولم يقل الحياة، قال البقاعي: لأن ~~السياق لتحقير أمرهم ودناءة شأنهم. # {ويوم القيامة هم} أي: خاصة ومن شاكلهم {من المقبوحين} أي: المبعدين أيضا ~~المخزيين مع قبح الوجوه والأشكال والشناعة في الأقوال والأفعال والأحوال من ~~القبح الذي هو ضد الحسن من قولهم: قبح الله العدو أبعده عن كل خير، وقال ~~أبو عبيدة: من المهلكين، قال البقاعي: فيا ليت شعري أي: صراحة بعد هذا في ~~أن فرعون عدو الله في الآخرة كما كان عدو الله في الدنيا فلعنة الله على من ~~يقول إنه مات مؤمنا وأنه لا صراحة في القرآن بأنه من أهل النار وعلى من يشك ~~في كفره بعدما ارتكبه من جلي أمره انتهى، وقد قدمت الكلام في سورة يونس على ~~قول فرعون وأنا من المسلمين. # ثم إنه تعالى أخبر عن أساس إمامة بني إسرائيل مقسما عليه مع الافتتاح ~~بحرف التوقع بقوله. # {ولقد آتينا} أي: بما لنا من الجلال والكمال {موسى الكتاب} أي: التوراة ~~الجامعة للهدى والخير في الدارين، قال أبو حيان: وهو أول كتاب نزلت فيه ~~الفرائض والأحكام. # {من بعدما أهلكنا القرون الأولى} أي: من قوم نوح إلى قوم فرعون وقوله ~~تعالى {بصائر للناس} حال من الكتاب جمع بصيرة وهي نور القلب أي: أنوار ~~القلوب فيبصر بها الحقائق ويميز بين الحق والباطل كما أن البصر نور العين ~~الذي تبصر به {وهدى} أي: للعامل بها إلى كل خير {ورحمة} أي: نعمة هنيئة ~~شريفة لأنها قائدة إليهما، ولما ذكر حالها ذكر حالهم بعد إنزالها بقوله ~~تعالى: {لعلهم يتذكرون} أي: ليكون حالهم ms2379 حال من يرجى تذكره، ثم إن الله ~~تعالى خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {وما كنت} أي: يا أفضل الخلق {بجانب الغربي} قال قتادة: بجانب الجبل ~~الغربي، وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي أي: الوادي من الطور الذي رأى ~~موسى عليه السلام فيه النار وهو ما يلي البحر # PageV03P102 # من جهة الغرب على يمين المتوجه إلى ناحية مكة المشرفة من ناحية مصر ~~فناداه فيه العزيز الجبار وهو ذو طوى {إذ} أي: حين {قضينا} أي: أوحينا {إلى ~~موسى الأمر} أي: أمر الرسالة إلى فرعون وقومه وما يريد أن يفعل من ذلك في ~~أوله وأثنائه وآخره مجملا فكان كل ما أخبرنا به مطابقا تفصيله لإجماله {وما ~~كنت} أي: بوجه من الوجوه {من الشاهدين} لتفاصيل ذلك الأمر الذي أجملناه ~~لموسى عليه السلام حتى تخبر به كله على هذا الوجه الذي آتيناك به في هذه ~~الأساليب المعجزة، ولا شك أن معرفتك لذلك من قبيل الأخبار عن المغيبات التي ~~لا تعرف إلا بالوحي ولذلك استدرك عنه بقوله تعالى: # {ولكنا} أي: بما لنا من العظمة {أنشأنا} بعدما أهلكنا أهل ذلك الزمان ~~الذين علموا هذه الأمور بالمشاهدة وهم السبعون المختارون للميقات أو ~~بالإخبار كلهم {قرونا} أي: أمما كثيرة بعد موسى عليه السلام {فتطاول} أي: ~~بمروره وعلوه {عليهم العمر} أي: ولكنا أوحينا إليك أنا أنشأنا قرونا مختلفة ~~بعد موسى عليه السلام فتطاولت عليهم المدد فنسوا العهود واندرست العلوم ~~وانقطع الوحي فحذف المستدرك وهو أوحينا وأقام سببه وهو الإنشاء مقامه على ~~عادة الله تعالى في اختصاراته فهذا الاستدراك شبيه بالاستداركين بعده، فإن ~~قيل: ما الفائدة في إعادة قوله تعالى: {وما كنت من الشاهدين} بعد قوله: ~~{وما كنت بجانب الغربي} لأنه ثبت بذلك أنه لم يكن شاهدا لأن الشاهد لا بد ~~أن يكون حاضرا؟ أجيب: بأن ابن عباس قال: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو ~~حضرت ما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى. # وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضم ms2380 الهاء ~~والميم، وحمزة في الوقف بضم الهاء وسكون الميم، والباقون في الوصل بكسر ~~الهاء وضم الميم، ولما نفى العلم عن ذلك بطريق الشهود نفي سبب العلم بذلك ~~بقوله تعالى: {وما كنت ثاويا} أي: مقيما إقامة طويلة مع الملازمة بمدين {في ~~أهل مدين} أي: قوم شعيب عليه السلام كمقام موسى وشعيب فيهم {تتلوا} أي: ~~تقرأ {عليهم} تعلما منهم {آياتنا} العظيمة التي منها قصتهما لتكون ممن يهتم ~~بأمور الوحي ويتعرف دقيق أخباره فيكون خبرهم وخبر موسى عليه السلام معك ~~{ولكنا كنا مرسلين} إياك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار تتلوها ~~عليهم ولولا ذلك ما علمتها ولم تخبرهم بها. # {وما كنت بجانب الطور} أي: بناحية الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى ~~عليه السلام {إذ} أي: حين {نادينا} أي: أوقعنا النداء لموسى عليه السلام ~~فأعطيناه التوراة وأخبرناه بما لا يمكن الاطلاع عليه إلا من قبلنا أو من ~~قبله، ومن المشهور أنك لم تطلع على شيء من ذلك من قبله لأنك ما خالطت أحدا ~~ممن حمل تلك الأخبار عن موسى عليه السلام ولا أحدا حملها ممن حملها عنه ~~ولكن كان ذلك إليك منا، وهو معنى قوله تعالى {ولكن} أي: أنزلنا ما أردنا ~~وأرسلناك به {رحمة من ربك} لك خصوصا وللخلق عموما. # وقيل: إذ نادينا موسى خذ الكتاب بقوة، وقال وهب: قال موسى يا رب أرني ~~محمدا قال إنك لن تصل إلى ذلك وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم قال: بلى ~~يا رب فقال الله تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم، وقال أبو ~~زرعة: نادى يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، # PageV03P103 # وروي عن ابن عباس ورفعه بعضهم: قال الله تعالى يا أمة محمد فأجابوه من ~~أصلاب الآباء وأرحام الأمهات لبيك اللهم لبيك إن الحمد لله والنعمة لك ~~والملك لا شريك لك، قال الله تعالى يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي ~~عقابي قد أعطيتكم قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني وقد غفرت ms2381 لكم ~~من قبل أن تستغفروني من جاء يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبدي ورسولي دخل الجنة وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر. # تنبيه: قال البيضاوي: لعل المراد به أي: بقوله تعالى: {وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا} (القصص: 46) # وقت ما أعطاه التوراة وبالأول أي: قوله تعالى: {وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينا} حيث استنبأناه لأنهما المذكوران في القصة وقوله تعالى {لتنذر} أي: ~~لتحذر تحذيرا كثيرا {قوما} أي: أهل قوة ونجدة ليس بهم عائق عن أعمال الخير ~~العظيمة إلا الإعراض عنك، وهم العرب ومن في ذلك الزمان من الخلق يتعلق ~~بالفعل المحذوف {ما أتاهم} وعمم النفي بزيادة الجار في قوله تعالى: {من ~~نذير} وزيادة الجار في قوله تعالى {من قبلك} يدل على الزمن القريب وهو زمن ~~الفترة بينه وبين عيسى عليهما الصلاة والسلام وهو خمسمائة وخمسون سنة ونحو ~~هذا قوله تعالى: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم} (يس: 6) # وقيل: ليس المراد زمن الفترة بل ما بينه وبين إسماعيل عليهما السلام على ~~أن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل وما حولهم {لعلهم يتذكرون} أي: ~~يتعظون. # {ولولا أن تصيبهم} أي: في وقت من الأوقات {مصيبة} أي: عظيمة {بما قدمت ~~أيديهم} أي: من المعاصي التي قضينا بأنها مما لا يعفى عنها {فيقولوا ربنا} ~~أي: أيها المحسن إلينا {لولا} أي: هلا ولم لا {أرسلت إلينا} أي: على وجه ~~التشريف لنا لنكون على علم بأنا ممن يعتني الملك الأعلى به {رسولا} وأجاب ~~التحضيض الذي شبهوه بالأمر ليكون كل منهما باعثا على الفعل بقوله تعالى: ~~{فنتبع} أي: فيتسبب عن إرسال رسولك أن نتبع {آياتك ونكون} أي: كونا هو في ~~غاية الرسوخ {من المؤمنين} أي: المصدقين لك في كل ما أتى به عنك رسولك ~~تنبيه (لولا) الأولى: امتناعية وجوابها محذوف تقديره كما قال الزجاج ما ~~أرسلنا إليهم رسولا يعني أن الحامل على إرسال الرسل إزاحة عللهم بهذا القول ~~فهو كقوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} (النساء: 165) # والثانية: تحضيضية ms2382 ونتبع جوابها كما مر فلذلك أضمر أن، فإن قيل: كيف ~~استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول ~~حرف الامتناع عليها دونه؟.d # أجيب: بأن القول هو المقصود بأن يكون سببا للإرسال ولكن العقوبة لما كانت ~~هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب للإرسال بواسطة ~~القول فأدخلت عليها (لولا) وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى ~~السببية ويؤول معناه إلى قولك ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما ~~أرسلنا ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلا على ~~كفرهم وقد عاينوا ما ألجؤا به إلى العلم اليقيني ببطلان دينهم لم يقولوا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا بل إنما يقولون إذا نالهم العقاب، وإنما السبب في ~~قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم عز ~~وجل # PageV03P104 # وفي هذا من الشهادة القوية على استحاكم كفرهم ورسوخه فيهم ما لا يخفي وهو ~~كقوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} (الأنعام: 28) # ولما كان التقدير ولكنا أرسلناك بالحق لقطع حجتهم هذه بنى عليه. # {فلما جاءهم} أي: أهل مكة {الحق} أي: الذي هو أعم من الكتاب والسنة وما ~~يقاس عليهما وهو في نفسه جدير بأن يقبل لكونه في الذروة العليا من الثبات ~~فكيف وهو {من عندنا} على مالنا من العظمة وهو على لسانك وأنت أعظم الخلق ~~{قالوا} أي: أهل الدعوة من العرب وغيرهم تعنتا وكفرا به {لولا} أي: هلا ولم ~~لا {أوتي} أي: هذا الآتي بما يزعم أنه الحق من الآيات {مثل ما أوتي موسى} ~~من الآيات كاليد البيضاء والعصا وغيرهما من كون الكتاب أنزل عليه جملة ~~واحدة قال الله تعالى: {أو لم يكفروا} أي: العرب ومن بلغته الدعوة من بني ~~إسرائيل ومن كان مثلهم في البشرية والعقل في زمن موسى {بما أوتي موسى} عليه ~~السلام من قبل أي: من قبل مجئ الحق على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ولما ~~كان كأنه قد قيل ما كان كفرهم به قيل ms2383 {قالوا} أي: فرعون وقومه ومن كفر من ~~بني إسرائيل {ساحران} أي: موسى وأخوه عليهما السلام {تظاهرا} أي: أعان كل ~~منهما صاحبه على سحره حتى صار سحرهما معجزا فغلبا جميع السحرة وتظاهر ~~الساحرين من تظاهر السحرين على قراءة الكوفيين بكسر السين وسكون الحاء، ~~وقرأ الباقون بفتح السين وكسر الحاء وألف بينهما. # تنبيه: يجوز أن يكون الضمير لمحمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، قال ~~البقاعي: وهو أقرب وذلك لأنه روي أن قريشا جاءت إلى اليهود فسألوهم عن محمد ~~صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أن نعته في كتابهم فقالوا هذه المقالة فيكون ~~الكلام استئنافا لجواب من كأنه قال: ما كان كفرهم بهما؟ فقيل قالوا أي: ~~العرب: الرجلان ساحران أو الكتابان ساحران ظاهر أحدهما الآخر مع علم كل ذي ~~لب أن هذا القول زيف لأنه لو كان شرط إعجاز السحر التظاهر لكان سحر فرعون ~~أعجز إعجازا لأنه تظاهر عليه جميع سحرة بلاد مصر وعجزوا عن معارضة ما أظهر ~~موسى عليه السلام من آياته كالعصا، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد دعا ~~أهل الأرض من الجن والأنس إلى معارضة كتابه وأخبرهم أنهم عاجزون ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا فعجزوا عن آخرهم، ولما تضمن قولهم ذلك الكفر صرحوا به ~~{وقالوا} أي: كفار قريش {إنا بكل} أي: من الساحرين أو السحرين اللذين ~~تظاهرا بهما وهما ما أتيا به من عند الله {كافرون} جراءة على الله تعالى ~~وتكبرا على الحق ثم قال الله تعالى: # {قل} أي: لهم إلزاما إن كنتم صادقين في أني ساحر وكتابي سحر وكذلك موسى ~~عليه السلام {فأتوا بكتاب من عند الله} أي: الملك العلي الأعلى {هو} أي: ~~الذي تأتون به {أهدى منهما} أي: من الكتابين وقوله {أتبعه} أي: وأتركهما ~~جواب الأمر وهو فأتوا {إن كنتم} أي: أيها الكفار {صادقين} أي: في أنا ~~ساحران فأتوا بما ألزمتكم به، قال البيضاوي: وهذا من الشروط التي يراد بها ~~الإلزام والتبكيت ولعل مجيء حرف الشك للتهكم بهم. # {فإن لم يستجيبوا لك} أي: دعاءك إلى الكتاب الأهدى فحذف المفعول ms2384 # PageV03P105 # للعلم به ولأن فعل الاستجابة يتعدى بنفسه إلى الدعاء وباللام إلى الداعي ~~فإذا عدي إليه حذف الدعاء غالبا كقول القائل: # *وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب* # وداع (أي: ورب داع) . # الشاهد في يستجبه حيث عداه إلى الداعي وحذف الدعاء والتقدير فلم يستجب ~~دعاءه {فاعلم} أنت {أنما يتبعون} أي: بغاية جهدهم فيما هم عليه من الكفر ~~والتكذيب {أهواءهم} أي: دائما وأكثر الهوى مخالف للهدى فهم ضالون غير ~~مهتدين بل هم أضل الناس وذلك معنى قوله تعالى: {ومن أضل ممن اتبع} أي: ~~بغاية جهده {هواه} أي: لا أحد أضل منه فهو استفهام بمعنى النفي وقوله ~~تعالى: {بغير هدى من الله} في موضع الحال للتوكيد والتقييد فإن هوى النفس ~~قد يوافق الهدى {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أي: وإن كانوا أقوى الناس ~~لاتباعهم أهواءهم. # {ولقد وصلنا} قال ابن عباس: بينا، وقال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع ~~بعضها بعضا {لهم} أي: خاصة فكان تخصيصهم بذلك منة عظيمة يجب عليهم شكرها ~~{القول} أي: القرآن، قال مقاتل: بينا لكفار مكة بما في القرآن من أخبار ~~الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم وقال ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير ~~الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا {لعلهم يتذكرون} أي: ليكون حالهم ~~حال من يرجى لهم أن يرجعوا إلى عقولهم فيجدوا فيما طبع فيها ما يذكرهم ~~بالحق، ثم كأنه قيل هل تذكر منهم أحد؟ قيل نعم أهل الكتاب الذين هم أهله ~~حقا تذكروا وذلك معنى قوله تعالى: # {الذين آتيناهم الكتاب من قبله} أي: قبل القرآن أو قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم {هم به} أي: بما تقدم {يؤمنون} أيضا: نزل في جماعة أسلموا من ~~اليهود عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال مقاتل هم أهل الإنجيل الذين قدموا ~~من الحبشة وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال سعيد بن جبير هم أربعون ~~رجلا قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ما ~~بالمسلمين من الخصاصة قالوا له ms2385 يا نبي الله إن لنا أموالا فإن أذنت لنا ~~انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا بها المسلمين فأذن لهم فانصرفوا فأتوا ~~بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ذلك إلى قوله تعالى: {ومما رزقناهم ~~ينفقون} وعن ابن عباس: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران ~~واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، ثم وصفهم الله تعالى بقوله ~~تعالى: # {وإذا يتلى} أي: تتجدد تلاوة القرآن {عليهم قالوا} أي: مبادرين لذلك ~~{آمنا به} ثم عللوا ذلك بقولهم {إنه الحق} أي: الكامل الذي ليس وراءه إلا ~~الباطل مع كونه {من ربنا} أي: المحسن إلينا ثم عللوا مبادرتهم بقولهم {إنا ~~كنا من قبله} أي: القرآن {مسلمين} أي: منقادين غاية الانقياد مخلصين لله ~~بالتوحيد مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي حق. # {أولئك} أي: العالو الرتبة {يؤتون أجرهم مرتين} أي: لإيمانهم به غيبا ~~وشهادة أي: بالكتاب الأول ثم بالكتاب الثاني {بما صبروا} أي: بسبب صبرهم ~~على دينهم، وقال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأؤذوا، وعن أبي ~~بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه # PageV03P106 # وسلم قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن ~~أدبها ثم أعتقها وتزوجها، ورجل كان من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وعبد أحسن عبادة الله تعالى ونصح لسيده» ولما كان الصبر ~~لا يتم إلا بالاتصاف بالمحاسن والانخلاع من المساوي قال تعالى عاطفا على ~~يؤمنون مشيرا إلى تجديد هذه الأفعال كل حين {ويدرؤن} أي: يدفعون {بالحسنة} ~~من الأقوال والأفعال {السيئة} أي: فيمحونها بها، وقال ابن عباس: يدفعون ~~بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون بها ما سمعوا من ~~الأذى والشتم من المشركين أي: بالصفح والعفو. # {ومما رزقناهم} أي: بعظمتنا لا بحول منهم ولا قوة قليلا كان أو كثيرا ~~{ينفقون} أي: يتصدقون معتمدين في الخلف على الذي رزقه، ولما ذكر الله أن ~~السماح بما تضن النفوس به من فضول الأموال من أمارات الإيمان أتبعه أن خزن ~~ما ms2386 تبذله الأنفس من فضول الأقوال من علامات العرفان بقوله تعالى: # {وإذاسمعوا اللغو} أي: ما لا ينفع في دين ولا دنيا من شتم وتكذيب وتعيير ~~ونحوه {أعرضوا عنه} تكرما عن الخنا، وقيل اللغو: القبيح من القول؛ وذلك أن ~~المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون لهم تبا لكم تركتم دينكم ~~فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم {وقالوا} وعظا وتسميعا لقائله {لنا} خاصة ~~{أعمالنا} لا تثابون على شيء منها ولا تعاقبون {ولكم} أي: خاصة {أعمالكم} ~~لا نطالب بشيء منها فنحن لا نشتغل بالرد عليكم {سلام عليكم} متاركة لهم ~~وتوديعا ودعاء لهم بالسلامة عما هم فيه، لا سلام تحية وإكرام، ونظير ذلك ~~{وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان، 63) ثم أكد ذلك تعالى بقوله ~~تعالى: حاكيا عنهم {لا نبتغي} أي: لا نكلف أنفسنا أن نطلب {الجاهلين} أي: ~~لا نريد شيئا من أموالهم وأقوالهم أو غير ذلك من خلالهم، وقيل لا نريد أن ~~نكون من أهل الجهل والسفه قيل نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأن ترك ~~المسافهة مندوب إليه وإن كان القتال واجبا، ونزل في حرصه صلى الله عليه ~~وسلم على إيمان عمه أبي طالب {إنك لا تهدي من أحببت} أي: نفسه أو هدايته ~~بخلق الإيمان في قلبه، روى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: لما حضرت أبا ~~طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد ~~الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال: أي: عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك ~~بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب ~~فلم يزل صلى الله عليه وسلم يعرضها ويصدانه بتلك الكلمة حتى قال أبو طالب ~~آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك فأنزل ~~الله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} (التوبة: ~~113) # وأنزل الله تعالى ms2387 في أبي طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم {إنك لا ~~تهدي من أحببت} الآية، وفي مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~«أمره بالتوحيد فقال له لولا أن تعيرني قريش تقول إنما حمله على ذلك الجزع ~~لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى الآية» وروي أن أبا طالب قال عند موته يا ~~معشر بني هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم يا عم # PageV03P107 # تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك قال فما تريد يا ابن أخي قال أريد ~~منك كلمة واحدة فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا تقول لا إله إلا الله أشهد ~~لك بها عند الله قال يا ابن أخي قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع ~~عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة وسبة بعدي لقلتها ~~ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك ولكني سوف أموت ~~على ملة الأشياخ عبد المطلب وعبد مناف فإن قيل قال الله تعالى في هذه الآية ~~{أنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} وقال تعالى في آية أخرى: ~~{وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} (الشورى: 52) # أجيب: بأنه لا تنافي بينهما فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والذي نفى ~~عنه هداية التوفيق وشرح الصدور وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما ~~قال تعالى: {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} ~~(الأنعام: 122) # {وهو أعلم} أي: عالم {بالمهتدين} أي: الذين قد هيأهم لتطلب الهدى عند ~~خلقه لهم سواء كانوا من أهل الكتاب أم من العرب أقارب كانوا أم أباعد، ثم ~~حكى الله تعالى عن كفار قريش شبهة تتعلق بأحوال الدنيا بقوله تعالى: # {وقالوا إن نتبع الهدى} أي: الإسلام فنوحد الله تعالى من غير إشراك {معك} ~~وأنت على ما أنت عليه من مخالفة الناس {نتخطف} أي: من أي خاطف أرادنا لأنا ~~نصير قليلا في كثير من غير نصير {من أرضنا} كما تتخطف ms2388 العصافير لمخالفة ~~كافة العرب لنا وليس لنا نسبة إلى كثرتهم ولا قوتهم فيسرعوا إلينا ~~فيتخطفونا، أي: يتقصدون خطفنا واحدا واحدا فإنه لا طاقة لنا على إدامة ~~الاجتماع وأن لا يشذ بعضنا عن بعض. # قال المبرد: والخطف الانتزاع بسرعة نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكنا إن اتبعناك ~~على دينك وخالفنا العرب بذلك وإنما نحن أكلة رأس خفنا أن تخرجنا العرب من ~~أرضنا مكة، ثم رد الله تعالى عليهم هذه الشبهة وألقمهم الحجر بقوله تعالى: ~~{أو لم نمكن} أي: غاية التمكين {لهم} أي: في أوطانهم ومحل سكناهم بما لنا ~~من القدرة {حرما آمنا} أي: ذا أمن يأمن فيه كل خائف حتى الطير من كواسرها ~~والوحش من جوارحها حتى إن سيل الحل لا يدخل الحرم بل إذا وصل إليه عدل عنه، ~~وروي أن مكة كانت في الجاهلية لا يعرضها ظلم ولا بغي ولا يبغي فيها أحد إلا ~~أخرجته وكان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه فيها فلا يهيجه ولا يتعرض له بسوء، ~~وروى الأزرقي في تاريخ مكة عن حويطب بن عبد العزى قال: كان في الكعبة حلق ~~يدخل الخائف يده فيها فلا يريبه أحد فجاء خائف ليدخل يده فاجتذبه رجل فشلت ~~يده فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشل. # وعن ابن عباس قال: أخذ رجل ذود ابن عم له فأصابه في الحرم فقال: ذودي ~~فقال اللص: كذبت قال فاحلف فحلف عند المقام فقام رب الذود بين الركن ~~والمقام باسطا يديه يدعو فما برح مقامه يدعو حتى ذهب عقل اللص وجعل يصيح ~~بمكة مالي ولفلان رب الذود فبلغ ذلك عبد المطلب فجمع الذود ودفعه إلى ~~المظلوم فخرج به وبقي الآخر حتى وقع من جبل فتردى فأكلته السباع. # وعن ابن جريج: أن غير قريش من العرب # PageV03P108 # كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا إن أعارتهم قريش ثيابا فجاءت امرأة لها ~~جمال فطافت عريانة فرآها رجل فأعجبته فدخل فطاف إلى جنبها فأدنى عضده من ~~عضدها ms2389 فالتزقت عضده بعضدها فخرجا من المسجد هاربين فزعين على وجوههما لما ~~أصابهما من العقوبة فلقيهما شيخ من قريش فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذي ~~أصابا فيه الذنب فيدعوان ويخلصان أن لا يعودا فعادا ودعوا وأخلصا النية ~~فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد منهما في ناحية. # وعن عبد العزيز بن رواد أن قوما انتهوا إلى ذي طوى فإذا ظبي قد دنا منهم ~~فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه فقال له أصحابه: ويحك أرسله فجعل يضحك وأبى ~~أن يرسله فبعر الظبي وبال ثم أرسله فناموا في القائلة ثم انتبهوا فإذا بحية ~~متطوقة على بطن الرجل الذي أخذ الظبي فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من ~~الحدث مثل ما كان من الظبي. # وعن مجاهد قال: دخل قوم مكة تجارا من الشام في الجاهلية فنزلوا ذا طوى ~~فاختبزوا ملة لهم ولم يكن معهم إدام فرمى رجل منهم ظبية من ظباء الحرم وهي ~~حولهم ترعى فقاموا إليها فسلخوها وطبخوها ليأتدموا بها فبينما قدرهم على ~~النار يغلي لحمه إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم ~~جميعا ولم تحرق ثيابهم ولا أمتعتهم. # وعن أيوب بن موسى أن امرأة في الجاهلية كان معها ابن عم لها صغير فقالت ~~له: يا بني إني أغيب عنك وإني أخاف أن يظلمك أحد فإن جاءك ظالم بعدي فإن ~~لله بمكة بيتا سيمنعك فجاءه رجل فاسترقه فلما رأى الغلام البيت عرفه بالصفة ~~فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت فجاءه سيده فمد يده إليه ليأخذه فيبست يده فمد ~~الأخرى فيبست فاستفتى فأفتي أن ينحر عن كل واحدة من يديه بدنة ففعل فأطلقت ~~يداه وترك الغلام وخلى سبيله. # وعن أبي ربيع بن سالم الكلاعي أن رجلا من كنانة بن هذيل ظلم ابن عم له ~~فخوفه بالدعاء في الحرم فقال هذه ناقتي فلانة اركبها فاذهب إليه فاجتهد في ~~الدعاء في الحرم فجاء في الحرم في الشهر الحرام فقال اللهم إني أدعوك جاهدا ~~مضطرا على ابن عمي فلان ترميه بداء لا دواء له ثم ms2390 انصرف فوجد ابن عمه قد ~~رمي في بطنه فصار مثل الزق فما زال ينتفخ حتى انشق. # وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل رجلا من بني سليم عن ذهاب بصره فقال يا ~~أمير المؤمنين كنا بني ضبعاء عشرة وكان لنا ابن عم فكنا نظلمه فكان يذكرنا ~~الله والرحم فلما رأى أنا لا نكف عنه انتهى إلى الحرم في الأشهر الحرم فجعل ~~يرفع يديه ويقول: # *لا هم أدعوك دعاء جاهدا ... اقتل بني ضبعاء إلا واحدا* # *ثم اضرب الرجل ودعه قاعدا ... أعمى إذا قيد يعيي القائدا* # قال فمات أخوتي التسعة في تسعة أشهر في كل شهر واحد وبقيت أنا فعميت ~~ورماني الله عز وجل في رجلي فليس يلائمني قائد فقال عمر رضى الله تعالى عنه ~~جعل الله هذا في الجاهلية إذ لا دين حرمة حرمها وشرفها ليرجع الناس عن ~~انتهاك ما حرم مخافة تعجيل العقوبة فلما جاء الدين صار التوعد للساعة ~~ويستجيب الله تعالى لمن يشاء فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين وإنما أكثرت ~~من هذه الحكايات ليكون الداخل للحرم على حذر فإن الله تعالى حماه ومكن أهله ~~في الحرم الذي # PageV03P109 # أمنه بحرمة البيت وأمن قطانه بحرمته وكانت العرب في الجاهلية حولهم ~~يتغاورون ويتناجدون وهم آمنون في حرمهم لا يخافون وبحرمة البيت هم قارون ~~بواد غير ذي زرع والثمرات والأرزاق تجبى إليهم كما قال تعالى: # {يجبى} أي: يجمع ويحمل {إليه} أي: خاصة دون غيره من جزيرة العرب {ثمرات ~~كل شيء} من النبات الذي بأرض العرب من ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب ~~والنبق، والباردة كالعنب والتفاح والرمان والخوخ، فإذا خولهم الله تعالى ما ~~خولهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها وهم كفرة عبدة أصنام فكيف يستقيم ~~أن يعرضهم للخوف والتخطف ويسلبهم الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة ~~الإسلام وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة وإلى الحرم مجاز. # تنبيه: معنى الكلية هنا الكثرة كقوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} (النمل: ~~23) # ولكن في تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه يأتي إليه ~~بعد ذلك ms2391 من كل ما في الأرض من المال ما لم يخطر لأحد منهم في بال، وقرأ ~~نافع بالتاء الفوقية، والباقون بالياء التحتية، وأمال حمزة والكسائي محضة، ~~وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح، ثم إنه تعالى بين أن الرزق من ~~عنده بقوله تعالى: {رزقا من لدنا} أي: فلا صنع لأحد فيه بل هو محض تفضل. # تنبيه: انتصاب رزقا على المصدر من معنى يجبى أو الحال من ثمرات لتخصيصها ~~بالإضافة كما تنصب عن النكرة المخصصة وإن جعلته اسما للمرزوق انتصب على ~~الحال من ثمرات {ولكن أكثرهم} أي: أهل مكة وغيرهم ممن لا هداية له {لا ~~يعلمون} أي: ليس لهم قابلية للعلم حتى يعلموا أنا نحن الفاعلون لذلك بل هم ~~جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموا، وقيل: إنه متعلق بقوله تعالى: {من ~~لدنا} أي: قليل منهم يتدبرون فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله إذ لو علموا ~~لما خافوا غيره، ثم بين تعالى أن الأمر بالعكس فإنهم أحقاء بأن يخافوا من ~~بأس الله تعالى على ما هم عليه بقوله تعالى: # {وكم أهلكنا من قرية} أي: من أهل قرية وأشار إلى سبب الإهلاك بقوله ~~تعالى: {بطرت معيشتها} أي: وقع منها البطر في زمن عيشها الرخي الواسع فكان ~~حالهم كحالكم في الأمن وإدرار الرزق فلما بطروا معيشتهم أهلكناهم، ومعنى ~~بطرهم لها قال عطاء: أنهم أكلوا رزق الله وعبدوا غيره، وقيل: البطر سوء ~~احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه. # تنبيه: انتصاب معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كما في قوله تعالى: ~~{واختار موسى قومه} (الأعراف: 155) # أو بتقدير حذف ظرف الزمان وأصله بطرت أيام معيشتها، وإما بتضمين بطرت ~~معنى كفرت أو خسرت، أو على التمييز، أو على التشبيه بالمفعول به وهو قريب ~~من سفه نفسه {فتلك مساكنهم} خاوية {لم تسكن من بعدهم} بعد أن طال ما تعالوا ~~فيها ونمقوها وزخرفوها وزفوا فيها الأبكار وفرحوا بالأعمال الكبار {إلا} ~~سكونا {قليلا} قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافرون وماروا الطريق يوما ~~أو ساعة من ليل ms2392 أو نهار ثم تصير يبابا موحشة كالقفار بعد أن كانت متمنعة ~~الفناء ببيض الصفاح وسمر القنا، قال الزمخشري: ويحتمل أن شؤم معاصي ~~المهلكين بقي في أثره ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا ~~قليلا {وكنا} أي: أزلا # PageV03P110 # وأبدا {نحن} لا غيرنا {الوارثين} منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ~~ديارهم وسائر متصرفاتهم قال القائل: # *تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع* # {وما كان ربك} أي: المحسن إليك بالإحسان بإرسالك إلى الناس {مهلك القرى} ~~أي: هذا الجنس كله بجرم وإن عظم {حتى يبعث في أمها} أي: أعظمها وأشرفها ~~{رسولا} لأن غيرها تبع لها ولم يشترط كونه من أمها فقد كان عيسى عليه ~~السلام من الناصرة وبعث إلى بيت المقدس {يتلوا عليهم} أي: أهل القرى كلهم ~~{آياتنا} الدالة على ما ينبغي لنا من الحكمة وبما لها من الإعجاز على نفوذ ~~الكلمة وباهر العظمة إلزاما للحجة وقطعا للمعذرة لئلا يقولوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا، ولذلك لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا الرسول وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء من أم القرى كلها وهي مكة البلد ~~الحرام {وما كنا مهلكي القرى} أي: كلها بعد الإرسال {إلا وأهلها ظالمون} ~~أي: غريقون في الظلم بالعصيان بترك ثمرات الإيمان وتكذيب الرسل. # {وما أوتيتم من شيء} أي: من أسباب الدنيا {فمتاع} أي: فهو متاع {الحياة ~~الدنيا} تتمتعون بها أيام حياتكم وليس يعود نفعه إلى غيرها فهو آيل إلى ~~فساد وإن طال زمن التمتع به {وزينتها} أي: فهو زينة الحياة الدنيا التي هي ~~كلها فضلا عن زينتها إلى فناء فليست هي ولا شيء بأزلي ولا أبدي {وما عند ~~الله} أي: الملك الأعلى وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت {خير} على تقدير ~~مشاركة ما في الدنيا له فالخيرية في ظنكم لأن الذي عنده أطيب وأكثر وأشهى ~~وأزهى {و} هو مع ذلك كله {أبقى} لأنه وإن شارك متاع الدنيا في أنه لم يكن ~~أزليا فهو أبدي وهذا جواب عن شبههم فإنهم ms2393 قالوا تركنا الدين لئلا تفوتنا ~~الدنيا فبين تعالى أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى من وجهين: ~~الأول: أن المنافع هناك أعظم، والثاني: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع ~~الدنيا مشوبة بالمضار بل المضار فيها أكثر، وأما أنها أبقى فلإنها دائمة ~~غير منقطعة ومن قابل المتناهي بغير المتناهي كان عدما فظهر بهذا أن منافع ~~الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة فلا جرم نبه على ذلك بقوله تعالى: ~~{أفلا يعقلون} أن الباقي خير من الفاني فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو ~~خير فمن لم يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا فإنه يكون خارجا عن حد ~~العقل، قال ابن عادل ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل ~~الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى لأن أعقل الناس من ~~أعطى القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بالطاعة، فكأنه رحمه الله ~~تعالى إنما أخذه من هذه الآية انتهى، وقرأ أبو عمرو بالياء وهو أبلغ في ~~الموعظة لاشتماله على الالتفات للإعراض به عن خطابهم، والباقون بالتاء على ~~الخطاب جريا على ما تقدم. # {أفمن وعدناه} على عظمتنا في الغنى والقدرة والصدق {وعدا حسنا} لا شيء ~~أحسن منه في موافقته للأمنية وبقائه وهو الجنة فإن حسن الوعد بحسن الموعود ~~ولذلك سمى الله تعالى الجنة بالحسنى {فهو لاقيه} أي: مدركه لامتناع الخلف ~~في وعده ولذلك عطفه بالفاء المعطية معنى السببية {كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا} أي: الذي هو # PageV03P111 # مشوب بالآلام مكدر بالمتاعب مستعقب للتحسر على الانقطاع، وعن ابن عباس أن ~~الله تعالى خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف: المؤمن والمنافق والكافر ~~فالمؤمن يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع {ثم هو} مع ذلك كله {يوم ~~القيامة} الذي هو يوم التغابن من خسر فيه لم يربح أصلا {من المحضرين} أي: ~~المقهورين على الحضور إلى مكان يود لو افتدى منه بملء الأرض ذهبا لم يقبل ~~منه، قال قتادة يحضره المؤمن والكافر، قال مجاهد: نزلت في النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبي جهل، وقال ms2394 محمد بن كعب نزلت في حمزة وعلي وفي أبي جهل، وقال ~~السدي: نزلت في عمار والوليد بن المغيرة. # تنبيه: ثم لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع في الزمان أو الرتبة، وقرأ ~~ثم هو قالون والكسائي بسكون الهاء، والباقون بالضم. # {ويوم} أي: واذكر يوم {يناديهم} أي: ينادي الله هؤلاء الذين يضلون الناس ~~ويصدون عن سبيل الله {فيقول} أي: الله تعالى {أين شركائي} من الأوثان ~~وغيرهم ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم بقوله تعالى: {الذين كنتم} أي: ~~كونا غريقين فيه {تزعمون} أنها تشفع ليدفعوا عنكم وعن أنفسهم فيخلصكم من ~~هذا الذي نزل بكم، تنبيه: تزعمون مفعولاه محذوفان أي: تزعمونهم شركائي {قال ~~الذي حق} أي: ثبت ووجب {عليهم القول} أي: بدخول النار وهم رؤوس الضلالة وهو ~~قوله تعالى: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (هود، 119) وغيره من ~~آيات الوعيد وقولهم {ربنا هؤلاء} إشارة للإتباع {الذين أغوينا} أي: أوقعنا ~~الأغواء وهو الإضلال بهم صفته والعائد حذف وقولهم {أغويناهم} أي: فغووا ~~باختيارهم {كما غوينا} أي: نحن فهؤلاء مبتدأ والذين أغوينا صفته والراجع ~~إلى الموصول محذوف وأغويناهم الخبر والكاف صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم ~~فغووا غيا مثل ما غوينا يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا لا أن فوقنا مغوين ~~أغوونا بقسر منهم وإلجاء، أو دعونا إلى الغي وسولوه لنا فهؤلاء كذلك غووا ~~باختيارهم لأن أغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلا لا قسرا وإلجاء فلا ~~فرق إذا بين غينا وغيهم وإن كان تسويلنا لهم داعيا إلى الكفر فقد كان في ~~مقابلته دعاء الله تعالى لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل وبما ~~بعث إليهم من الرسل وأنزل إليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ ~~والزواجر وناهيك بذلك صارفا عن الكفر وداعيا إلى الإيمان، وهذا معنى ما ~~حكاه الله تعالى عن الشيطان: {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم} (إبراهيم، 22) . # تنبيه: اعترض أبو علي على الزمخشري في هذا الإعراب ms2395 بأن الخبر ليس فيه ~~زيادة فائدة على ما في صفته، فإن قلت قد وصل الخبر بقوله كما غوينا وفيه ~~زيادة قلت الزيادة بالظرف لا تصيره أصلا في الجملة لأن الظروف فضلات، ثم ~~إنه أعرب هو هؤلاء مبتدأ والذين أغوينا خبره وأغويناهم مستأنف، وأجاب أبو ~~البقاء وغيره بأن الظروف قد تلزم كقولك زيد عمرو قائم في داره ثم أشاروا ~~بقولهم {تبرأنا إليك} أي: من أمورهم إلى أنه لا لوم علينا في الحقيقة ~~بسببهم فهو تقرير للجملة الأولى ولهذا خلت عن العاطف وعلى تقدير إغوائنا ~~لهم {ما كانوا إيانا} أي: خاصة {يعبدون} بل كانوا يعبدون الأوثان بما زينت ~~لهم أهواؤهم وإن كان لنا فيه نوع دعاء إليه وحث عليه # PageV03P112 # فأقل ما نريد أن يوزع العذاب على من كان سببا في ذلك، وقيل ما مصدرية ~~متصلة بتبرأنا أي: تبرأنا من عبادتهم إيانا، ولما لم يلتفت إلى هذا الكلام ~~منهم بل عد عدما لأنه لا طائل تحته أشير إلى الإعراض عنه لأنه لا يستحق ~~جوابا كما قيل رب قول جوابه السكوت، بقوله تعالى: # {وقيل} أي: ثانيا للأتباع تهكما بهم وإظهارا لعجزهم الملزوم لتحيرهم وعظم ~~تأسفهم وذكر ذلك بصيغة المجهول للأستهانة بهم وأنهم من الذل والصغار بحيث ~~يجيبون كل آمر كائنا من كان {ادعوا} أي: كلكم {شركاءكم} أي: الذين ادعيتم ~~جهلا شركتهم ليدفعوا عنكم العذاب {فدعوهم} تعللا بما لا يغني وتمسكا بما ~~يتحقق أنه لا يجدي لفرط الغلبة واستيلاء الحيرة والدهشة {فلم يستجيبوا لهم} ~~أي: لم يجيبوهم لعجزهم عن الإجابة والنصرة، قال ابن عادل: والأقرب أن هذا ~~على سبيل التقريع لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم {ورأوا} أي: هم ~~{العذاب} عالمين بأنه مواقعهم لا مانع له عنهم فكان الحال حينئذ مقتضيا لأن ~~يقال من كل من يهواهم {لو أنهم كانوا يهتدون} أي: تحصل منهم هداية ساعة من ~~الدهر تأسفا على أمرهم وتمنيا لخلاصهم ولو أن ذلك كان في طاقتهم وجواب لو ~~محذوف أي: لنجوا من العذاب ولما رأوه أصلا، قال الضحاك ومقاتل: يعني ~~المتبوع ms2396 والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في ~~الآخرة. # {ويوم يناديهم} أي: الله تعالى وهم بحيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر قد ~~برزوا لله جميعا من كان منهم عاصيا ومن كان منهم مطيعا في صعيد واحد قد ~~أخذنا بأنفاسهم الزحام وتراكب الأقدام على الأقدام وألجمهم العرق وعمهم ~~الغرق {فيقول ماذا} أي: أوضحوا وعينوا جوابكم الذي {أجبتم المرسلين} إليكم، ~~تنبيه: ويوم معطوف على الأول فإنه تعالى يسأل عن إشراكهم به ثم تكذيبهم ~~الأنبياء ولما لم يكن لهم قدم صدق ولا سابق حق بما أتتهم الرسل به من الحجج ~~لم يكن لهم جواب إلا السكوت وهو المراد بقوله تعالى: # {فعميت} أي: خفيت وأظلمت {عليهم الأنباء} أي: الأخبار المنجية {يومئذ} ~~التي هي من العظمة بحيث يحق لها في ذلك اليوم أن تذكر، تنبيه: الأصل فعموا ~~عن الأنباء لكنه عكس مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يفيض ويرد ~~عليه من خارج وإذا أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره وإذا كان الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام في ذلك اليوم يفوضون إلى علم الله تعالى فما ظنك بالضلال ~~فلهذا قال تعالى: {فهم لا يتساءلون} أي: لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب لفرط ~~الدهشة أو للعلم بأنه مثله هذا حال من أصر على كفره. # {فأما من تاب} عنه وقوله تعالى: {وآمن} تصريح بما علم التزاما فإن الكفر ~~والإيمان ضدان لا يمكن ترك أحدهما إلا بأخذ الآخر وقوله تعالى: {وعمل ~~صالحا} لأجل أن يكون مصدقا لدعواه باللسان {فعسى} إذا فعل ذلك {أن يكون من ~~المفلحين} عند الله وعسى تحقيق على عادة الكرام، أو ترج من التائب بمعنى ~~فليتوقع أن يفلح، ولما كان كأنه قيل ما لأهل القسم الأول لا يتوخون النجاة ~~من ضيق ذلك البلاء إلى رحب هذا الرجاء وكان الجواب ربك منعهم من ذلك، وما ~~له لم يقطع لهذا القسم بالفلاح كما قطع لأهل القسم الأول بالشقاء كان ~~الجواب. # {وربك يخلق ما يشاء ويختار} لا موجب عليه ولا مانع له {ما كان ms2397 لهم ~~الخيرة} أي: أن يفعلوا # PageV03P113 # يفعل لهم كل ما يختارونه، تنبيه: الخيرة بمعنى التخير كالطيرة بمعنى ~~التطير، وظاهره نفي الاختيار عنهم رأسا، قال البيضاوي والأمر كذلك عند ~~التحقيق فإن اختيار العبيد مخلوق منوط بدواع لا اختيار لهم فيها، وقال ~~الرازي في اللوامع: وفيه دليل على أن العبد في اختياره غير مختار فلهذا أهل ~~الرضا حطوا الرحال بين يدي ربهم وسلموا الأمور إليه بصفاء التفويض يعني فإن ~~أمرهم أو نهاهم بادروا وإن أصابهم سهام المصائب العظام صابروا وإن أعزهم ~~أعزوا أنفسهم وأكرموا وإن أذلهم رضوا وسلموا فلا يرضيهم إلا ما يرضيه ولا ~~يريدون إلا ما يريده فيمضيه، قال القائل: # *وقف الهوى لي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم # *أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم # *وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم* # وقيل ما موصولة مفعول ليختار والراجع محذوف، والمعنى ويختار الذي كان لهم ~~فيه الخيرة أي: الخير والصلاح {سبحان الله} تنزيها له أن يزاحمه أحد أو ~~ينازع اختياره وتعالى: أي: علا علوا لا تبلغ العقول توجيه كنه مداه {عما ~~يشركون} أي: عن إشراكهم أو مشاركة ما يشاركونه به، ولما كانت القدرة لا تتم ~~إلا بالعلم قال تعالى: # {وربك} أي: المحسن إليك المتولي أمر تربيتك {يعلم ما تكن} أي: تخفي وتستر ~~{صدورهم} من كونهم يؤمنون على تقدير أن تأتيهم آيات مثل آيات موسى عليه ~~السلام، أو لا يؤمنون ومن كون ما أظهر من أظهر الإيمان بلسانه خالصا أو ~~مشوبا، ومن كونهم يخفون عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم {وما يعلنون} أي: ~~يظهرون من ذلك كل ذلك لديه سواء فلا يكون لهم مراد إلا يخلقه، فإن قيل هلا ~~اكتفى بقوله تعالى: {ما تكن صدورهم} عن قوله: {وما يعلنون} أجيب: بأن علم ~~الخفي لا يستلزم علم الجلي إما لبعد أو لغط أو اختلاط أصوات يمنع تمييز ~~بعضه عن بعض أو غير ذلك، ولما كان علمه تعالى بذلك إنما هو لكونه إلها ~~واحدا فردا صمدا وكان غيره ms2398 لا يعلم من علمه إلا ما علمه قال تعالى: # {وهو الله} أي: المستأثر بالإلهية الذي لا سمي له الذي لا يحيط الواصفون ~~بكنه عظمته، ثم شرح معنى الاسم الأعظم بقوله تعالى: {لا إله إلا هو} وهذا ~~تنبيه على كونه قادرا على كل الممكنات عالما بكل المعلومات منزها عن ~~النقائص والآفات، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {له} أي: وحده {الحمد} أي: ~~الإحاطة بأوصاف الكمال {في الأولى والآخرة} لأنه المولى للنعم كلها عاجلها ~~وآجلها يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا، فإن قيل الحمد في ~~الدنيا ظاهر فما الحمد في الآخرة؟ أجيب: بأنهم يحمدونه بقولهم {الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن} {} (فاطر: 34) # {الحمد لله الذي صدقنا وعده} (الزمر: 74) # {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} (يونس: 10) # والتوحيد هناك على وجه اللذة لا الكلفة، وفي الحديث يلهمون التسبيح ~~والتقديس {وله الحكم} أي: القضاء النافذ في كل شيء وقال ابن عباس: حكم لأهل ~~الطاعة بالمغفرة ولأهل المعصية بالشقاء {وإليه} لا إلى غيره {ترجعون} أي: ~~بأيسر أمر يوم النفخ في الصور لبعثرة ما في القبور، بالبعث والنشور مع أنكم ~~الآن راجعون في جميع أحكامكم إليه، ومقصورون عليه إن شاء أمضاها وإن أراد ~~ردها ولواها ففي الآية غاية التقوية لقلوب # PageV03P114 # المطيعين ونهاية الزجر والردع للمتمردين، ثم بين سبحانه وتعالى بعض ما ~~يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه سواه بقوله تعالى: # {قل} أي: يا أفضل الخلق لأهل مكة {أرأيتم} أي: أخبروني {إن جعل الله} أي: ~~الملك الأعلى {عليكم الليل} أي: الذي به اعتدال حر النهار {سرمدا} أي: ~~دائما {إلى يوم القيامة} لا نهار معه {من إله غير الله} أي: العظيم الشأن ~~الذي لا كفء له {يأتيكم بضياء} أي: بنهار تطلبون فيه المعيشة {أفلا تسمعون} ~~أي: ما يقال لكم سماع إصغاء وتدبر. # {قل أرأيتم إن جعل الله} أي: الذي له الأمر كله {عليكم النهار} أي: الذي ~~توازن حرارته برطوبة الليل فيتم بها صلاح النبات وغير ذلك من جميع المقدرات ~~{سرمدا} أي: دائما {إلى يوم القيامة} ms2399 لا ليل فيه {من إله غير الله} أي: ~~الجليل الذي ليس له مثل {يأتيكم بليل} أي: ينشأ منه ظلام {تسكنون فيه} ~~استراحة عن متاعب الأشغال، فإن قيل هلا قيل بنهار تتصرفون فيه كما قيل بليل ~~تسكنون فيه؟ أجيب: بأنه تعالى ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي ~~تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعايش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ~~ثم قرن بالضياء {أفلا تسمعون} لأن السمع يدرك ما لا يدرك البصر من ذلك ~~منافعه ووصف فوائده وقرن بالليل {أفلا تبصرون} لأن غيرك يبصر من منفعة ~~الظلام ما تبصره أنت من السكون، قال البقاعي: فالآية من الاحتباك ذكر ~~الضياء أولا دليلا على حذف الظلام ثانيا والليل والسكون ثانيا دليلا على ~~حذف النهار والانتشار أولا ولما كان التقدير ومن رحمته جعل لكم السمع ~~والأبصار لتتدبروا آياته وتبصروا في مصنوعاته عطف عليه. # {ومن رحمته} أي: التي وسعت كل شيء لا من غيرها من خوف أو رجاء أو تعلق ~~غرض من الأغراض {جعل لكم الليل والنهار} آيتين عظيمتين دبر فيها وبهما جميع ~~مصالحكم فجعل آية الليل {لتسكنوا فيه} فلا تسعوا فيه لمعاشكم {و} جعل آية ~~النهار مبصرة {لتبتغوا من فضله} بأن تسعوا في معاشكم بجهدكم، قال البقاعي: ~~فالآية من الاحتباك ذكر أولا السكون دليلا على حذف السعي في المعاش ثانيا ~~وذكر الابتغاء من فضله ثانيا دليلا على حذف عدم السعي في المعاش أولا ~~{ولعلكم تشكرون} أي: وليكون حالكم حال من يرجى منه الشكر لما يتجدد لكم من ~~تقلبهما من النعم المتوالية التي لا يحصرها إلا خالقها، وأما الآخرة فلما ~~كانت غير مبنية على الأسباب وكانت الجنة لا تعب فيها بوجه كان لا حاجة فيها ~~لليل. # {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} تقريع بعد تقريع ~~للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله تعالى من الإشراك به كما أنه لا شيء ~~أدخل في مرضاته من توحيده، اللهم فكما أدخلتنا في أهل توحيدك فأدخلنا في ~~الناجين من وعيدك ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم ms2400 يا أرحم الراحمين، ويحتمل ~~أن يكون الأول لتقرير فساد رأيهم والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند وإنما ~~كان محض تشه: وهوى، أو أنه ذكر الثاني كما قال الجلال المحلي ليبنى عليه. # {ونزعنا} أي: أخرجنا وأفردنا بقوة وسطوة {من كل أمة شهيدا} أي: وهو ~~رسولهم يشهد عليهم بما قالوه {فقلنا} أي: فتسبب عن ذلك أن قلنا للأمم ~~{هاتوا برهانكم} أي: دليلكم القطعي الذي فزعتم في الدنيا إليه وعولتم في ~~شرككم عليه كما هو شأن ذوي العقول أنهم لا يبنون شيئا على غير أساس ~~{فعلموا} أي: بسبب هذا # PageV03P115 # السؤال لما اضطروا ولم يجدوا لهم سندا {أن الحق} في الإلهية {لله} أي: ~~الملك الذي له الأمر كله لا يشاركه فيه أحد {وضل عنهم} أي: غاب غيبة الضائع ~~{ما كانوا يفترون} أي: يقولونه قول الكاذب المتعمد للكذب لكونه لا دليل ~~عليه ولا شبهة للغلط فيه. # {إن قارون} ويسمى في التوراة تورح {كان من قوم موسى} قال أكثر المفسرين ~~كان ابن عمه لأن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى عليه السلام ~~ابن عمران بن قاهث بن لاوي وقال ابن إسحاق كان قارون عم موسى فكان أخا ~~عمران وهما ابنا يصهر ولم يكن في بني إسرائيل؟ اقرأ للتوراة من قارون ولكنه ~~نافق كما نافق السامري وكان يسمى النور لحسن صورته. # وعن ابن عباس: كان ابن خالته {فبغى عليهم} أي: تجاوز الحد في احتقارهم ~~بما خولناه فيه، قيل كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل وكان يبغي عليهم ~~ويظلمهم، وقال قتادة: بغى عليهم بكثرة المال ولم يرع لهم حق الإيمان بل ~~استخف بالفقراء. # وقال الضحاك: بغى عليهم بالشرك، وقال شهر بن حوشب زاد في طول ثيابه شبرا، ~~روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله يوم ~~القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء» ، وقال القفال: طلب الفضل عليهم وأن يكونوا ~~تحت يده، وقال ابن عباس تكبر عليهم وتجبر، وقال الكلبي حسد هارون عليه ~~السلام على الحبورة. # روي ms2401 أهل الأخبار: أن قارون كان أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون وأجملهم ~~وأغناهم وكان حسن الصوت فبغى وطغى وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى ~~أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف ~~خيطا أخضر كلون السماء يذكرون إذا نظروا إليها السماء ويعلمون أني منزل ~~منها كلامي فقال موسى: عليه السلام يا رب افلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم ~~كلها خضرا فإن بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط، فقال الله تعالى: يا موسى أن ~~الصغير من أمري ليس بصغير فإن لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في ~~الأمر الكبير فدعاهم موسى عليه السلام وقال: إن الله تعالى يأمركم أن ~~تعلقوا في أرديتكم خيوطا خضرا كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها ~~ففعل بنو إسرائيل ما أمرهم به واستكبر قارون ولم يفعل وقال إنما يفعل هذا ~~الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم وكان هذا بدء عصيانه وبغيه، ولما قطع ~~الله تعالى لبني إسرائيل البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون عليه الصلاة ~~والسلام فحصلت له النبوة والحبورة وكان له القربان والذبح وكان لموسى عليه ~~السلام الرسالة فوجد قارون لذلك في نفسه وقال يا موسى لك الرسالة ولهارون ~~الحبورة ولست في شيء لا أصبر أنا على هذا فقال موسى: عليه السلام والله ما ~~صنعت ذلك لهارون بل الله تعالى جعلها له فقال قارون: والله لا أصدقك حتى ~~تريني بيانه فجمع موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل وأمرهم أن يجيء كل ~~رجل منهم بعصا فجاؤوا بها فحزمها وألقاها موسى عليه السلام في قبة له كان ~~يعبد الله # تعالى فيها وكان ذلك بأمر الله تعالى ودعا موسى عليه السلام أن يريهم ~~بيان ذلك فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون عليه السلام وقد اهتز لها ~~ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى: عليه السلام لقارون ألا ترى ما صنع ~~لهارون؟ عليه السلام فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر فاعتزل ~~قارون # PageV03P116 # ومعه ناس كثير، وولي هارون عليه ms2402 السلام الحبورة وهي رياسة الذبح والقربان ~~وكانت بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هارون عليه السلام فيضعها في المذبح ~~وتنزل نار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع ~~من بني إسرائيل فكان لا يأتي موسى عليه السلام ولا يجالسه، وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم «أن قارون كان من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام ~~الله تعالى» ولما ذكر الله تعالى بغيه ذكر سببه الحقيقي بقوله تعالى: ~~{وأتيناه من الكنوز} أي: الأموال المدفونة المذخورة فضلا عن الظاهرة التي ~~هي بصدد الإنفاق منها لما عساه يعرض من المهمات {ما} أي: الذي أوتي شيء ~~كثير لا يدخل تحت حصر حتى {إن مفاتحه} أي: مفاتح الأغلاق التي هو مدفون ~~فيها وراء أبوابها {لتنوء} أي: تميل بجهد ومشقة بثقلها {بالعصبة} أي: ~~الجماعة الكثيرة التي تعصب أي: يقوي بعضهم بعضا {أولى} أي: أصحاب {القوة} ~~أي: تميلهم من أثقالها إياهم، تنبيه: في المبالغة بالتعبير بالكنوز ~~والمفاتيح والنوء والعصبة الموصوفة ما يدل على أنه أوتي من ذلك ما لم يؤته ~~أحد ممن هو في عداده وكل ذلك مما تستبعده العقول فلذلك وقع التأكيد. # واختلفوا في عدد العصبة: فقال مجاهد ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقال ~~الضحاك عن ابن عباس ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقال قتادة ما بين العشرة ~~إلى الأربعين، وقيل أربعون رجلا، وقيل سبعون وروي عن ابن عباس قال: كان ~~يحمل مفاتيحه أربعون رجلا، أقوى ما يكون من الرجال. # وقال جرير عن منصور عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتح خزائن قارون ~~وقر ستين بغلا ما يزيد فيها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز، ويقال كان قارون ~~أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه وكانت من حديد فلما أثقلت عليه جعلت من ~~خشب فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع وكانت تحمل معه إذا ركب ~~على أربعين بغلا، وفي الباء في بالعصبة: وجهان أنها للتعدية كالهمزة ولا ~~قلب في الكلام والمعنى لتنئ المفاتح العصبة الأقوياء كما تقول أجأته وجئت ~~به وأذهبته ms2403 وذهبت به، والثاني: قال أبو عبيدة: إن في الكلام قلبا والأصل ~~لتنوء العصبة بالمفاتح أي: لتنهض بها كقولهم عرضت الناقة على الحوض. # ولما ذكر الله تعالى بغيه ذكر وقته بقوله تعالى: {إذا قال له قومه} أي: ~~من بني إسرائيل {لا تفرح} أي: بكثرة المال فرح بطر فإن الفرح بالعرض الزائل ~~يدل على الركون إليه وذلك يدل على نسيان الآخرة وعلى غاية الجهل وقلة ~~التأمل بالعواقب، قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركا لأنه ما كان يخاف معه ~~عقوبة الله عز وجل {إن الله} أي: الذي له صفات الكمال {لا يحب} أي: لا ~~يعامل معاملة المحب {الفرحين} أي: البطرين الأشرين الراسخين في الفرح بما ~~يفني الذين لا يشكرون الله تعالى بما أعطاهم فإن فرحهم يدل على سقوط الهمم ~~كما قال تعالى: {ولا تفرحوا بما آتاكم} (الحديد، 23) وقال القائل في ذلك. # *ولست بمفراح إذا الدهر سرني # وقال آخر: # *أشد الغم عندي في سرور* # تيقن عنه صاحبه انتقالا فلا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن، فأما من ~~قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيه عن قريب لم تحدثه نفسه بالفرح. # {وابتغ} أي: اطلب طلبا تحمد نفسك فيه {فيما آتاك الله} أي: # PageV03P117 # الملك الذي الأمر كله بيده من الغنى والثروة {الدار الآخرة} بأن تقوم ~~بشكر الله فيما أنعم الله عليك وتنفقه في رضا الله تعالى فيجازيك بالجنة ~~{ولا تنس} أي: ولا تترك {نصيبك من الدنيا} قال مجاهد: لا تترك أن تعمل في ~~الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن ~~يعمل للآخرة، وقال السدي: بالصدقة وصلة الرحم. # وقال علي رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه لا تنسى صحتك وقوتك وشبابك ~~وغناك أن تطلب بها الآخرة، روي أنه صلى الله عليه وسلم قال فليأخذ العبد من ~~نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الموت ~~فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا ~~الجنة والنار، وعن ms2404 ميمون الأزدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل ~~وهو يعظه «اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل ~~فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك» ، وقال الحسن: أمر أن يقدم الفضل ~~ويمسك ما يغنيه، وقال منصور بن زادان قوتك وقوت أهلك {وأحسن} أي: أوقع ~~الإحسان بدفع المال إلى المحاويج والإنفاق في جميع الطاعات ويدخل في ذلك ~~الإعانة بالجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر {كما أحسن الله} ~~الجامع لصفات الكمال {إليك} بأن تعطي عطاء من لا يخاف الفقر كما أوسع الله ~~عليك {ولا تبغ} أي: ولا ترد إرادة ما، {الفساد في الأرض} بتقتير ولا تبذير ~~ولا تكبر على عباد الله تعالى ولا تحقير، ثم أتبع ذلك علته مؤكدا لأن أكثر ~~المفسدين يبسط لهم في الدنيا وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب ~~فقيل {إن الله} أي: العالم بكل شيء القدير على كل شيء {لا يحب المفسدين} ~~أي: لا يعاملهم معاملة من يحبه، وقيل أن القائل له هذا موسى عليه السلام، ~~وقيل مؤمنو قومه، وكيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما فيه مزيد لكنه أبى أن ~~يقبل بل زاد # عليه كفر النعمة بأن. {قال} أي: قارون في الجواب {إنما أوتيته} أي: هذا ~~المال {على علم} حاصل {عندي} فإنه كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة أي: فرآني ~~له أهلا ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره، وقيل هو علم الكيمياء، ~~وقال سعيد ابن المسيب كان موسى يعلم الكيمياء فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك ~~العلم وعلم كالب ابن يوفنا ثلثه وعلم قارون ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف ~~علمهما إلى علمه فكان ذلك سبب أمواله، وقيل على علم عندي بالتصرف في ~~التجارات والزراعات وأنواع المكاسب، ثم أجاب الله تعالى: عن كلامه بقوله ~~تعالى: {أو لم يعلم أن الله} أي: بما له من صفات الجلال والعظمة والكمال ~~{قد أهلك} وقوله تعالى: {من قبله من القرون} فيه تنبيه على أنه لم يتعظ مع ~~مشاهدته للمهلكين الموصوفين مع ms2405 قرب الزمان وبعده وقوله تعالى: {ومن هو أشد ~~منه قوة} أي: في البدن والمعاني من العلم وغيره والأنصار والخدم {وأكثر ~~جمعا} في المال والرجال آخرهم فرعون الذي شاهده في ملكه وحقق أمره يوم هلكه ~~فيه تعجيب وتوبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك لأنه قرأ في ~~التوراة وكان أعلمهم بها وسمعه من حفاظ التواريخ واختلف في معنى قوله عز ~~وجل: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} فقال قتادة يدخلون النار بغير سؤال ولا ~~حساب، وقال مجاهد لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم وقال ~~الحسن: لا يسئلون سؤال # PageV03P118 # استعلام وإنما يسئلون سؤال توبيخ وتقريع، وقيل المراد أن الله تعالى إذا ~~عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى سؤالهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه تعالى ~~عالم بكل المعلومات فلا حاجة إلى السؤال، فإن قيل كيف الجمع بين هذا وبين ~~قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} (الحجر: 92 93) # أجيب: بحمل ذلك على وقتين، وقال أبو مسلم: السؤال قد يكون للمحاسبة وقد ~~يكون للتوبيخ والتقريع وقد يكون للاستعتاب، قال ابن عادل: وأليق الوجوه ~~بهذه الآية الاستعتاب لقوله تعالى: {ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون} (النحل، 84) هذا يوم لا ينطقون ولايؤذن لهم فيعتذرون (المرسلات: ~~35، 36) . # {فخرج} أي: فتسبب عن تجبره واغتراره بماله أن خرج {على قومه} أي: الذين ~~نصحوه في الاقتصاد في شأنه والإكثار في الجود على إخوانه وقوله تعالى: {في ~~زينته} فيه دليل على أنه خرج بأظهر زينته وأكملها وليس في القرآن إلا هذا ~~القدر. # والناس ذكروا وجوها مختلفة: فقال إبراهيم النخعي أنه خرج هو وقومه في ~~ثياب حمر وصفر، وقال ابن زيد: في تسعين ألفا عليهم المعصفرات وقال مقاتل: ~~خرج على بلغة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان ومعه أربعة آلاف فارس ~~عليهم وعلى دوابهم الأرجوان ومعه ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب ~~الحمر على البغال ولما كان كأنه قبل ماذا قال قومه له قيل {قال الذين ~~يريدون الحياة الدنيا} منهم لسفول هممهم وقصور نظرهم على الفاني لكونهم ms2406 أهل ~~جهل وإن كان قولهم من باب الغبطة لا من باب الحسد الذي هو تمنى زوال نعمة ~~المحسود {يا ليت لنا} أي: نتمنى تمنيا عظيما أن نؤتى من أي مؤت كان وعلى أي ~~وصف كان {مثل ما أوتي قارون} أي: من هذه الزينة وما تسبب عنه من العلم حتى ~~لا نزال أصحاب أموال، ثم عظموها بقولهم مؤكدين لعلمهم أن ثم من يريدان ينكر ~~عليهم {إنه لذو حظ} أي: نصيب وبخت من الدنيا {عظيم} بما أوتيه من العلم ~~الذي كان سببا له إلى جمع هذا المال وهؤلاء الراغبون يحتمل أن يكونوا من ~~الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا ودل على جهلهم وفضل ~~العلم الرباني وحقارة ما أوتي قارون من المال والعلم الظاهر الذي أدى إلى ~~اتباعه قوله تعالى: # {وقال الذين أوتوا العلم} وهم أهل الدين قال ابن عباس: رضي الله تعالى ~~عنهما يعني الأحبار من بني إسرائيل، وقال مقاتل: أوتوا العلم بما وعد الله ~~في الآخرة فقالوا للذين تمنوا {ويلكم} ويل: أصله الدعاء بالهلاك ثم استعمل ~~في الزجر والردع والبعث على ترك ما يضر، وهو منصوب بمحذوف أي: ألزمكم الله ~~ويلكم {ثواب الله} أي: الجليل العظيم {خير} أي: من هذا الحطام الذي أوتيه ~~قارون في الدنيا بل من الدنيا وما فيها ومن فاته الخير حل به الويل، ثم ~~بينوا مستحقه تعظيما له وترغيبا للسامع في حاله بقولهم {لمن آمن وعمل} ~~تصديقا لإيمانه {صالحا} ثم بين تعالى عظمة هذه النصيحة وعلو قدرها بقوله ~~تعالى: {ولا يلقاها} أي: هذه النصيحة التي قالها أهل العلم وهي الزهد في ~~الدنيا والرغبة فيما عند الله أو الجنة المثاب بها {إلا الصابرون} أي: على ~~أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات وعلى الرضا بقضاء الله في كل ما قسم من ~~المنافع والمضار الذين صار الصبر لهم خلقا، ولما تسبب عن نظره هذا الذي ~~أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب أشار إلى ذلك بقوله سبحانه وتعالى: # {فخسفنا} أي: بمالنا من العظمة {به وبداره الأرض} روي أنه كان # PageV03P119 # يؤذي ms2407 موسى عليه الصلاة والسلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما ~~وهو يؤذيه كل وقت ولا يزيد إلا عتوا وتجبرا ومعاداة لموسى حتى بنى دارا ~~وجعل بابها من الذهب وضرب على جدرانها صفائح الذهب وكان الملأ من بني ~~إسرائيل يغدون إليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويضاحكونه. # قال ابن عباس: نزلت الزكاة على موسى عليه السلام فأتاه قارون فصالحه عن ~~كل ألف دينار بدينار، وعن كل ألف درهم بدرهم، وعن كل ألف شاة بشاة، فلم ~~تسمح بذلك نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: لهم إن موسى قد أمركم بكل شيء ~~فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمرنا بما شئت ~~قال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلا حتى تقذف موسى بنفسها ~~فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فدعاها فجعل لها قارون ألف ~~درهم، وقيل ألف دينار، قيل طشتا من ذهب، وقيل قال لها إني أمونك وأخلطك ~~بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل فلما كان من الغد ~~وكان يوم عيد لهم قام موسى عليه السلام خطيبا فقال: من سرق قطعناه ومن زنى ~~غير محصن جلدناه ومن زنى محصنا رجمناه فقال له قارون ولو كنت أنت قال ولو ~~كنت أنا قال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال: ادعها فإن قالت ~~فهو كما قالت فلما أن جاءت قال: لها موسى يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول ~~هؤلاء فعظم عليها وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا ~~صدقت فتداركها الله تعالى بالتوفيق وقالت في نفسها أحدث اليوم توبة أفضل من ~~أن أوذي رسول الله فقالت لا كذبوا ولكن جعل لي قارون جعلا على أن أرميك ~~بنفسي فخر موسى ساجدا يبكي ويقول: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى الله ~~تعالى إليه إني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت فقال موسى: عليه السلام ~~يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه ~~فليلبث مكانه ms2408 ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا ولم يبق مع قارون إلا رجلان ثم ~~قال موسى: يا أرض خذيهم فأخذت الأرض بأقدامهم، وفي رواية كان على فراشه ~~وسريره فأخذته حتى غيبت سريره ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم قال: ~~خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق ~~وقارون وصاحباه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى # ويناشده قارون بالله والرحم، حتى روي أنه ناشده سبعين مرة وموسى في كل ~~ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه ثم قال: يا أرض خذيهم فانطبقت عليهم الأرض ~~فأوحى الله تعالى إليه ما أغلظ قلبك استغاث بك سبعين مرة فلم ترحمه وعزتي ~~وجلالي لو دعاني مرة واحدة لأجبته، وفي بعض الآثار لا أجعل الأرض بعدك طوعا ~~لأحد، قال قتادة: خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ ~~قعرها إلى يوم القيامة قال: وأصبح بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم إن موسى ~~إنما دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله تعالى حتى خسف بداره ~~وبأمواله، فإياكم يا أمة هذا النبي أن تردوا ما أتاكم به من الرحمة ~~فتهلكوا، وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن قارون كان من أقارب موسى عليه ~~السلام فإن الأنبياء عليهم السلام كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدا ~~فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى {فما} فتسبب عنه أنه ~~ما {كان له} أي: لقارون، وأكد النفي لما استقر في الأذهان أن الأكابر ~~منصورون بزيادة الجار في قوله تعالى: {من فئة} أي: أعوان وأصل الفئة # PageV03P120 # الجماعة من الطير كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعتها إلى المكان الذي ~~ذهبت منه {ينصرونه من دون الله} أي: غيره بأن يمنعوا عنه الهلاك {وما كان ~~من المنتصرين} أي: الممتنعين منه من قولهم نصره من عدوه فانتصر إذا منعه ~~منه فامتنع ولما خسف به واستبصر الجهال الذين هم كالبهائم لا يرون إلا ~~المحسوسات ذكر حالهم بقوله: # وأصبح} أي: وصار ولكنه ذكره لمقابلة المساء {الذين تمنوا} أي: أرادوا ~~إرادة ms2409 عظيمة بغاية الشفقة أن يكونوا {مكانه} أي: تكون حاله ومنزلته في ~~الدنيا لهم {بالأمس} أي: الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي ~~هم فيه فالأمس قد يذكر ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك ولكن الوقت ~~المستقرب على طريق الاستعارة {يقولون ويكأن الله يبسط} أي: يوسع {الرزق لمن ~~يشاء من عباده} بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه {ويقدر} أي: يضيق على ~~من يشاء لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمته وقضائه ابتلاء منه وفتنة و «وي» ~~اسم فعل بمعنى أعجب أي: أتى والكاف بمعنى اللام، وهذه الكلمة والتي بعدها ~~متصلة بإجماع المصاحف. # واختلف القراء في الوقف فالكسائي وقف على الياء قبل الكاف، ووقف أبو عمرو ~~على الكاف، ووقف الباقون على النون وعلى الهاء، وحمزة يسهل الهمزة في الوقف ~~على أصله، وأما الوصل فلا خلاف فيه بينهم ولما لاح لهم من واقعته أن الرزق ~~إنما هو بيد الله اتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضا أن الله قادر على ما ~~يريد من غير الرزق كما هو قادر على الرزق من قولهم {لولا أن من الله} أي: ~~تفضل الملك الأعظم {علينا} بجوده ولم يعطنا ما تمنيناه من الكنوز على مثل ~~حاله {لخسف بنا} مثل ما خسف به {ويكأنه لا يفلح الكافرون} لنعمة الله تعالى ~~كقارون والمكذبين لرسله وبما وعد لهم من ثواب الآخرة وقوله تعالى: # {تلك الدار الآخرة} إشارة تعظيم وتفخيم لشأنها أي: تلك الدار التي سمعت ~~بذكرها وبلغك وصفها، وتلك مبتدأ والدار صفته والخبر {نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض} بالبغي {ولا فسادا} بعمل المعاصي فلم يعلق تعالى ~~الوعد بترك العلو والفساد ولكن بترك، إرادتهما وميل القلوب إليهما كما قال ~~تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} (هود، 113) فعلق الوعيد بالركون، وعن ~~علي رضي الله تعالى عنه أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل ~~صاحبه فيدخل تحتها، وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال ذهبت الأماني ههنا، وعن ~~عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ms2410 أنه كان يرددها حتى قبض، قال ~~الزمخشري: ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون والفساد لقارون متعلقا بقوله ~~تعالى: {أن فرعون علا في الأرض} وبقوله تعالى: {ولا تبغ الفساد في الأرض} ~~فيقول من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر قوله ~~تعالى {والعاقبة} أي: المحمودة {للمتقين} أي: عقاب الله تعالى بعمل طاعته ~~كما تدبره علي والفضيل وعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم، ولما بين ~~تعالى أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علوا في الأرض ولا فسادا بل هي ~~للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل فقال تعالى: # {من جاء بالحسنة فله خير منها} من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى سبعمائة ضعف ~~إلى ما لا يحيط به إلا الله تعالى {ومن جاء بالسيئة} وهي ما نهى الله تعالى ~~عنه ومنه إخافه المؤمنين {فلا يجزى} أي: من أي جاز وأظهر ما في هذا الفعل ~~من الضمير العائد على # PageV03P121 # من بقوله تعالى: {الذين عملوا السيئآت} تصويرا لحالهم وتقبيحا لهم ~~وتنفيرا من عملها {إلا} جزاء {ما كانوا يعملون} أي: مثله وهذا من فضل الله ~~العظيم وكرمه الواسع أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها ويجزي الحسنة بأكثر منها ~~كما مر، فإن قيل قال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} ~~(الإسراء: 7) # كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة فما السبب في ذلك؟. # أجيب: بأن هذا المقام مقام ترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في ~~النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة، وأما الآية الأخرى فهي شرح ~~حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى، فإن قيل كيف أنه تعالى لا يجزي ~~السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد ~~الآبار؟ أجيب: بأنه كان على عزم أنه لو عاش أبدا لقال ذلك فعومل بمقتضى ~~عزمه. # {إن الذي فرض} أي: أنزل {عليك القرآن} قاله أكثر المفسرين، وقال عطاء: ~~أوجب عليك العمل بالقرآن، وقال أبو علي: فرض عليك أحكامه وفرائضه {لرادك ~~إلى معاد} أي: معاد ms2411 ليس لغيرك من البشر وهو المقام المحمود الذي وعدك أن ~~يبعثك فيه وتنكير المعاد لذلك، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني إلى ~~الموت، وقال الزهري وعكرمة: إلى يوم القيامة، وقيل إلى الجنة. # وروى العوفي عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما يعني إلى مكة وهو قول ~~مجاهد، وقال القتيبي: معاد الرجل بلده ينصرف ثم يعود إلى بلده وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار مهاجرا إلى المدينة سار في غير ~~الطريق مخافة الطلب فلما أمن ورجع إلى الطريق ونزل الجحفة بين مكة والمدينة ~~وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها فأتاه جبريل عليه السلام فقال: اشتقت إلى ~~بلدك ومولدك قال: نعم قال: فإن الله تعالى يقول: {أن الذي فرض عليك القرآن ~~لرادك إلى معاد} قال الرازي: وهذا أقرب لأن ظاهر المعاد أنه كان فيه وفارقه ~~وحصل له العود إليه وذلك لا يليق إلا بمكة وإن كان سائر الوجوه محتملا لكن ~~ذلك أقرب، قال أهل التحقيق: وهذا آخر مما يدل على نبوته لأنه أخبر عن الغيب ~~ووقع كما أخبر فيكون معجزا ونزل جوابا لقول كفار مكة إنك لفي ضلال مبين ~~{قل} أي: للمشركين {ربي أعلم من جاء بالهدى} وما يستحقه من الثواب في ~~المعاد يعني نفسه {ومن هو في ضلال مبين} يعنيهم وما يستحقونه من العذاب في ~~معادهم فهو الجائي بالهدى وهم في الضلال، تنبيه: من جاء منصوب بمضمر أي: ~~يعلم أو بأعلم أن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله. # {وما كنت ترجو} أي: في سالف الدهر بحال من الأحوال {أن يلقى} أي: ينزل ~~على وجه لم تقدر على رده {إليك الكتاب} أي: يوحى إليك القرآن، قال البيضاوي ~~أي: سيردك إلى معاد كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه وهو ظاهر على أن ~~المراد بالمعاد مكة وقوله تعالى: {إلا رحمة} استثناء منقطع أي: لكن ألقى ~~إليك الكتاب رحمة {من ربك} أي: فأعطاك القرآن، وقيل: متصل قال الزمخشري: ~~هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل وما ألقي إليك ms2412 الكتاب إلا رحمة فيكون ~~استثناء من الأحوال أو من المفعول له {فلا تكونن ظهيرا} أي: معينا ~~{للكافرين} على دينهم الذي دعوك إليه، قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين ~~آبائه، فذكره الله تعالى نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه. # {ولا يصدنك عن آيات الله} أي: قراءتها والعمل بها {بعد إذ نزلت # PageV03P122 # إليك} أي: لا ترجع إليهم في ذلك {وادع} أي: أوجد الدعاء {إلى ربك} أي: ~~إلى عبادته وتوحيده {ولا تكونن من المشكرين} أي: بإعانتهم، ولم يؤثر الجازم ~~في الفعل لبنائه بخلافه في يصدنك فإنه حذف منه نون الرفع إذ أصله يصدوننك ~~حذفت نون الرفع للجازم ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين. # {ولا تدع} أي: تعبد {مع الله} أي: الجامع لجميع صفات الكمال {إلها آخر} ~~فإن قيل: هذا وما قبله لا يقع منه صلى الله عليه وسلم فما فائدة ذلك النهي؟ ~~أجيب: بأنه ذكر للتهييج وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم أو أن الخطاب ~~وإن كان معه لكن المراد غيره كما في قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} ~~(الزمر: 65) # ثم علل ذلك بقوله تعالى: {لا إله إلا هو} أي: لا نافع ولا ضار ولا معطى ~~ولا مانع إلا هو كقوله تعالى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه ~~وكيلا} (المزمل: 9) # فلا يجوز اتخاذ إله سواه، ثم علل وحدانيته بقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا ~~وجهه} أي: ذاته فإن الوجه يعبر به عن الذات، قال أبو العالية: إلا ما أريد ~~به وجهه، وقيل: إلا ملكه، واختلفوا في قوله تعالى: {هالك} فمن الناس من فسر ~~الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعا به بالإماتة أو بتفريق الأجزاء وإن كانت ~~أجزاؤه باقية فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا يريدون به فناء أجزائه ~~بل خروجه عن كونه منتفعا به، ومنهم من قال: معنى كونه هالكا كونه قابلا ~~للهلاك في ذاته فإن كل ما عداه تعالى ممكن الوجود قابل للعدم فكان قابلا ~~للهلاك فأطلق عليه اسم الهالك نظرا إلى هذا الوجه وعلى هذا يحمل قول ms2413 النسفي ~~في بحر الكلام سبعة لا تفنى: العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار ~~بأهلهما من ملائكة العذاب والحور العين والأرواح {له الحكم} أي: القضاء ~~النافذ في الخلق {وإليه} وحده {ترجعون} أي: في جميع أحوالكم في الدنيا ~~وبالنشور من القبور للجزاء في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم، وما رواه البيضاوي ~~تبعا للزمخشري من قوله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة طسم القصص كان له ~~من الأجر بعدد من صدق بموسى وكذب ولم يبق ملك في السموات والأرض إلا شهد له ~~يوم القيامة أنه كان صادقا» ، حديث موضوع. ### | سورة العنكبوت # مكية إلا عشر آيات من أولها إلى قوله تعالى {وليعلمن المنافقين} # قال الحسن: فإنها مدنية وهي سبع وستون آية، وألف وتسعمائة وإحدى وثمانون ~~كلمة، وأربعة آلاف وخمسمائة وخمسة وتسعون حرفا. # {بسم الله} الذي أحاط بجميع القوة فأعز جنده {الرحمن} الذي شمل جميع ~~العباد بنعمه {الرحيم} بجميع خلقه وقوله تعالى: # {ألم} سبق القول فيه في أول البقرة، ووقوع الاستفهام بعده دليل على ~~استقلاله بنفسه فيكون اسما للسورة، أو للقرآن، أو لله، أو أنه سر استأثر ~~بعلمه الله تعالى، أو استقلاله بما يضمر معه بتقديره مبتدأ أو خبرا وغيره ~~مما مر أول سورة البقرة، وقيل في ألم أشار بالألف الدال على القائم إلا على ~~المحيط، ولام الوصلة وميم التمام بطريق الرمز إلى أنه تعالى أرسل جبريل إلى ~~محمد عليهما الصلاة والسلام، ولما قال تعالى في آخر السورة المتقدمة {وادع ~~إلى ربك} (القصص: 87) # وكان في الدعاء إليه الحراب والضراب والطعان لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV03P123 # وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد فشق على البعض ذلك فقال تعالى: # {أحسب الناس} أي: كافة {أن يتركوا} أي: أظنوا أنهم يتركون بغير اختبار ~~وابتلاء في وقت ما بوجه من الوجوه تنبيه: أن يتركوا سد مسد مفعولي حسب عند ~~الجمهور {أن} أي: بأن {يقولوا} أي: بقولهم {آمنا وهم} أي: والحال أنهم {لا ~~يفتنون} أي: يختبرون بما تتميز به حقية إيمانهم بمشاق التكاليف كالمهاجرة ~~والمجاهدة ورفض الشهوات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتبين ms2414 المخلص ~~من المنافق، والصادق من الكاذب، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات فإن ~~مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب. # واختلفوا في سبب نزول هذه الآية: فقال الشعبي: نزلت في أناس كانوا بمكة ~~قد أقروا بالإسلام ثم هاجروا فتبعهم الكفار فمنهم من قتل ومنهم من نجا ~~فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنها نزلت في عمار بن ياسر وعياش ~~بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام كانوا يعذبون بمكة. # وقال ابن جريج: نزلت في عمار بن ياسر كان يعذب في الله عز وجل. # وقال مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر كان أول قتيل قتل من ~~المسلمين يوم بدر فقال صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء مهجع وهو أول من ~~يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة فجزع عليه أبواه وامرأته فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية، وقيل وهم لا يفتنون بالأوامر والنواهي وذلك أن الله تعالى أمرهم ~~في الابتداء بمجرد الإيمان ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق ~~على بعض فأنزل الله تعالى هذه الآية ثم عزاهم فقال: # {ولقد فتنا الذين من قبلهم} أي: من الأنبياء والمؤمنين فمنهم من نشر ~~بالمنشار ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب ~~فذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه {فليعلمن ~~الله} أي: الذي له الكمال كله {الذين صدقوا} في إيمانهم علم مشاهدة للخلق ~~وإلا فالله تعالى لا يخفى عليه خافية {وليعلمن الكاذبين} فيه أي: فيظهر ~~الله الصادقين من الكاذبين في الإيمان. # (فائدة) لبعض المحبين: # *للهوى آية (أي علامة) بها يعرف الصا ... دق في عشقه من الكذاب * # *سهر الليل دائما ونحول ال ... جسم والموت في رضا الأحباب ... # {أم حسب} أي: ظن {الذين يعلمون السيئات} أي: الشرك والمعاصي، فإن العمل ~~يعم أفعال القلوب والجوارح {أن يسبقونا} أي: يفوتونا فلا ننتقم منهم، وهذا ~~ساد مسد مفعولي حسب. وأم منقطعة والإضراب ms2415 فيها لأن هذا الحساب أبطل من ~~الأول لأن صاحب ذلك يقدر أن لا يمتحن لإيمانه وصاحب هذا يظن أن لا يجازى ~~بمساويه، ولهذا عقبه بقوله تعالى: {ساء ما يحكمون} أي: بئس الذي يحكمونه، ~~أو حكما يحكمونه، حكمهم هذا فحذف المخصوص بالذم، ولما بين بقوله: {أحسب ~~الناس أن يتركوا} أن العبد لا يترك في الدنيا سدى، وبين في قوله تعالى: # {أم حسب الذين يعملون السيئات} أن من ترك ما كلف به يعذب عذابا بين أن من ~~يعترف بالآخرة ويعمل لها لا يضيع عمله بقوله تعالى: # {من كان يرجو لقاء الله} أي: الملك الأعلى، قال ابن عباس ومقاتل: من كان ~~يخشى البعث والحساب والرجاء بمعنى الخوف، وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع # PageV03P124 # في ثواب الله {فإن أجل الله} أي: الوقت المضروب للقائه {لآت} أي: لجاء لا ~~محالة فإنه لا يجوز عليه إخلاف الوعد، فإن قيل: كيف وقع فإن أجل الله لآت ~~جوابا للشرط؟ أجيب: بأنه إذا كان وقت اللقاء آتيا كان اللقاء آتيا لا محالة ~~كما تقول من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب، إذا علم أنه يقعد ~~للناس يوم الجمعة، وقال مقاتل يعني: يوم القيامة لكائن ومعنى الآية أن من ~~يخشى الله تعالى ويأمله فليستعد له وليعمل لذلك اليوم كما قال تعالى: {فمن ~~كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا} (الكهف: 110) # {وهو السميع} أي: لما قالوه {العليم} يعلم من صدق فيما قال ومن كذب فيثيب ~~ويعاقب على حسب علمه، قال الرازي: وههنا لطيفة وهي أن للعبد أمورا هي أصناف ~~حسناته عمل قلبه وهو التصديق وهو لا يرى ولا يسمع وإنما يعلم، وعمل لسانه ~~وهو يسمع، وعمل أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل الله ~~تعالى لمسموعه ما لا أذن سمعت، ولمرئيه ما لا عين رأت ولعمل قلبه ما لا خطر ~~على قلب بشر كما وصف في الخبر في وصف الجنة اه. # (تنبيه) لم يذكر الله تعالى من الصفات غير هذين الصفتين كالعزيز والحكيم ~~وذلك لأنه سبق ms2416 القول في قوله {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا} وسبق ~~الفعل بقوله تعالى: {وهم لا يفتنون} وبقوله تعالى: {فليعلمن الله الذين ~~صدقوا} وبقوله تعالى: {أم حسب الذين يعملون السيئات} ولا شك أن القول يدرك ~~بالسمع، والعمل منه ما يدرك بالبصر ومنه ما لا يدرك به كما علم مما مر ~~والعلم يشملها، ولما بين تعالى أن التكليف حسن واقع وإن عليه وعدا وإيعاد ~~ليس لهما دافع بين أن طلب الله تعالى ذلك من المكلف ليس لنفع يعود إليه ~~بقوله تعالى: # {ومن جاهد} أي: بذل جهده في جهاد حرب أو نفس حتى كأنه يسابق آخر في ~~الأعمال الصالحة {فإنما يجاهد لنفسه} لأن منفعة جهاده له لا لله تعالى فإنه ~~غني مطلق كما قال تعالى: {إن الله} أي: المتصرف في عباده بما شاء {لغني عن ~~العالمين} أي: الأنس والجن والملائكة وعن عبادتهم ومثل هذا كثير في القرآن ~~كقوله تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه} (فصلت: 6) # وقوله تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} (الإسراء: 7) # فينبغي للعبد أن يكثر من العمل الصالح ويخلصه لأن من عمل فعلا يطلب به ~~ملكا ويعلم أن الملك يراه يحسن العمل ويتقنه، وإذا علم أن عمله لنفسه لا ~~لأحد يكثر منه، نسأل الله الكريم الفتاح أن يوفقنا للعمل الصالح وأن يفعل ~~ذلك بأهلينا وذريتنا ومحبينا بمحمد وآله، ولما بين تعالى حال المسيء مجملا ~~بقوله تعالى: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} إشارة إلى التعذيب ~~مجملا، وذكر حال المحسن بقوله تعالى: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} وكان ~~التقدير فالذين جاهدوا والذين عملوا السيئات لنجزينهم أجمعين ولكنه طواه ~~لأن السياق لأهل الرجاء عطف عليه قوله تعالى: # {والذين آمنوا وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} أي: في الشدة والرخاء ~~على حسب طاقتهم وفي ذلك إشارة إلى أن رحمته تعالى أتم من غضبه وفضله أتم من ~~عدله وأشار بقوله تعالى: {لنكفرن عنهم سيئاتهم} إلى أن الإنسان وإن اجتهد ~~لا بد من أن يزل عن الطاعة لأنه مجبول على النقص: «فالصلاة إلى الصلاة ~~كفارة لما بينهما ما ms2417 لم تؤت الكبائر، والجمعة، إلى الجمعة ورمضان إلى ~~رمضان» ونحو ذلك مما وردت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم المختار، ~~فالصغائر تكفر بعمل الصالحات، وأما الكبائر فتكفر بالتوبة، ولما بشرهم # PageV03P125 # بالعفو عن العقاب أتم البشرى بالامتنان بالثواب فقال عاطفا على ما تقديره ~~ولنثبتن لهم حسناتهم {ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} أي: أحسن جزاء ما ~~عملوه وهو الصالحات، وأحسن نصب بنزع الخافض وهو الباء، ولما كان من جملة ~~العمل الصالح الإحسان إلى الوالدين ذكر ذلك بقوله تعالى: # {ووصينا الإنسان بوالديه} أي: وإن عليا {حسنا} أي: برا بهما وعطفا عليهما ~~أي: وصيناه بإيتاء والديه حسنا أو بإيلاء والديه حسنا لأنهما سبب وجود ~~الولد وسبب بقائه بالتربية المعتادة والله تعالى سبب له في الحقيقة ~~بالإرادة وسبب بقائه بالإعادة للسعادة فهو أولى بأن يحسن العبد حاله معه، ~~فيطيعهما ما لم يأمراه بمعصية الله تعالى كما قال: تعالى: {وإن جاهداك ~~لتشرك بي} وقوله تعالى {ما ليس لك به علم} أي: لا علم لك بإلهيته موافق ~~للواقع فلا مفهوم له أو أنه إذا كان لا يجوز أن يتبع فيما لا يعلم صحته ~~فبالأولى أن لا يتبع فيما يعلم بطلانه {فلا تطعهما} في ذلك كما جاء في ~~الحديث: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى» ولا بد من إضمار القول إن لم ~~يضمر قبل، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إلي مرجعكم} أي: من آمن منكم ومن كفر ~~ومن بر والديه ومن عق، ثم تسبب عنه قوله تعالى: {فأنبئكم بما كنتم تعلمون} ~~أي: أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها نزلت هذه الآية في سعد بن ~~أبي وقاص الزهري وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس: «روي أنها ~~لما سمعت بإسلامه قالت له: يا سعد بلغني أنك قد صبأت فوالله لا يظلني سقف ~~بيت من الضح وهو بكسر الضاد المعجمة وبحاء مهملة الشمس والريح، وإن الطعام ~~والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد وكان أحب أولادها إليها فأبى سعد ولبثت ~~ثلاثة أيام لا تنتقل من ms2418 الضح ولا تأكل ولا تشرب فلم يطعها سعد بل قال: ~~والله لو كانت مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~ثم جاء سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه فنزلت هذه الآية وهي ~~التي في لقمان والتي في الأحقاف فأمره صلى الله عليه وسلم «أن يداريها ~~ويترضاها بالإحسان» . # وروي أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك أنه هاجر مع عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنهما مترافقين حتى نزلا المدينة فخرج أبو جهل بن ~~هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم بن ~~حنظلة فنزلا بعياش وقالا له: إن من دين محمد صلة الأرحام وبر الوالدين وقد ~~تركت أمك لا تأكل ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك وهي أشد حبا لك منا ~~فاستشار عمر فقال: هما يخدعانك ولك علي أن أقسم مالي بيني وبينك فما زالا ~~به حتى أطاعهما وعصى عمر فقال عمر: أما إذا عصيتني فخذ ناقتي فليس في ~~الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منهما ريب فارجع فلما انتهوا إلى البيداء قال ~~أبو جهل: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك قال: نعم فنزل ليوطئ لنفسه وله ~~فأخذاه وشداه وأوثقاه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة وذهبا به إلى أمه ~~فقالت: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد فنزلت رضي تعالى الله عنه ~~وأرضاه ونفعنا به في الدنيا والآخرة، ولما كان التقدير فالذين أشركوا ~~وعملوا السيئات لندخلنهم في المفسدين ولكنه طواه لدلالة السياق عليه عطف ~~عليه زيادة في الحث على الإحسان إلى الوالدين قوله تعالى: # {والذين آمنوا وعملوا} تحقيقا لإيمانهم {الصالحات لندخلهم في الصالحين} ~~أي: الأنبياء والأولياء بأن نحشرهم معهم، أو ندخلهم وهم # PageV03P126 # الجنة، والصلاح منتهى درجات المؤمنين ومنتهى أنبياء الله والمرسلين، ولما ~~بين سبحانه وتعالى المؤمن بقوله تعالى: {فليعلمن الله الذين صدقوا} وبين ~~الكافر بقوله تعالى: {وليعلمن الكاذبين} بين أنه بقي قسم ثالث مذبذب بقوله ~~تعالى: # {ومن الناس من يقول آمنا بالله ms2419 فإذا أوذي في الله} بأن عذبهم الكفرة على ~~الإيمان {جعل فتنة الناس} أي: له بما يصيبه من أذيتهم في منعه عن الإيمان ~~إلى الكفر {كعذاب الله} أي: في الصرف عن الكفر إلى الإيمان {ولئن} لام قسم ~~{جاء نصر} أي: للمؤمنين {من ربك} أي: بفتح وغنيمة {ليقولن} حذف منه نون ~~الرفع لتوالي النونات، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين {إنا كنا معكم} ~~في الإيمان فأشركونا في الغنيمة وأما عند الشدة فيجبنون كما قال الشاعر: # *وما أكثر الأصحاب حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليل * # قال الله تعالى: {أو ليس الله بأعلم} أي: بعالم {بما في صدور} أي: قلوب ~~{العالمين} من الإيمان والنفاق. # {وليعلمن الله الذين آمنوا} أي: بقلوبهم {وليعلمن المنافقين} فيجازي ~~الفريقين، واللام في الفعلين لام قسم، ولما بين الفرق الثلاثة وأحوالهم ذكر ~~أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بقوله تعالى: # {وقال الذين كفروا} أي: ظاهرا وباطنا {للذين آمنوا} أي: ظاهرا وباطنا لم ~~تتحملون الأذى والذل؟ {اتبعوا سبيلنا} أي: الذي نسلكه في ديننا تدفعوا عن ~~أنفسكم ذلك، فقالوا: نخاف من عذاب الله تعالى على خطيئة اتباعكم فقالوا لهم ~~اتبعونا {ولنحمل خطاياكم} إن كان ذلك خطيئة أو إن كان بعث ومؤاخذة، قال ~~الجلال المحلي: والأمر بمعنى الخبر وهو أولى من قول البيضاوي: وإنما أمروا ~~أنفسهم بالحمل عاطفين على أمرهم بالاتباع مبالغة في تعليق الحمل بالاتباع ~~والوعد بتخفيف الأوزارعنهم إن كان تشجيعا للمؤمنين على الاتباع وبهذا ~~الاعتبار رد عليهم وكذبهم بقوله {وما هم} أي: الكفار {بحاملين من خطاياهم} ~~أي: المؤمنين {من شيء أنهم لكاذبون} في ذلك، قال الزمخشري: وترى في ~~المتسمين بالإسلام من يستن بأولئك فيقول لصاحبه إذا أراد أن يشجعه على ~~ارتكاب بعض العظائم افعل هذا وإثمه في عنقي وكم من مغرور بمثل هذا الضمان ~~من ضعفة العامة وجهلتهم؟. # ومنه ما يحكي أن أبا جعفر المنصور رفع إليه بعض أهل الحشو حوائجه فلما ~~قضاها قال: يا أمير المؤمنين بقيت الحاجة العظمى قال: وما هي قال شفاعتك ~~يوم القيامة فقال: له عمرو بن ms2420 عبيد رحمه الله إياك وهؤلاء فإنهم قطاع ~~الطريق في المأمن، فإن قيل كيف سماهم الله تعالى كاذبين وإنما ضمنوا شيئا ~~علم الله تعالى أنهم لا يقدرون على الوفاء به وضامن ما لا يعلم اقتداره على ~~الوفاء به، لا يسمى كاذبا لا حين ضمن ولا حين عجز لأنه في الحالين لا يدخل ~~تحت حد الكاذب وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه؟ أجيب: بأن الله ~~تعالى شبه حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به فكان ~~ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه ~~المخبر عنهم، ويجوز أن يراد أنهم كاذبون لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه ~~كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف، تنبيه: من الأولى: ~~للتبيين، والثانية: مزيدة، والتقدير: وما هم بحاملين # PageV03P127 # شيئا من خطاياهم. # فإن قيل قال الله تعالى: {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء} ثم قال الله ~~تعالى: # {وليحملن} أي: الكفرة {أثقالهم} أي: أثقال ما اقترفته أنفسهم {وأثقالا مع ~~أثقالهم} أي: أثقالا بقولهم للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا وبإضلالهم مقلديهم ~~فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: بأن قول القائل حمل فلان عن فلان يريد أن حمل ~~فلان خف فإن لم يخف حمله فلا يكون قد حمل منه شيئا فقوله تعالى: {وما هم ~~بحاملين من خطاياهم} يعني: لا يرفعون عنهم خطيئة بل يحملون أوزار أنفسهم ~~وأوزارا بسبب إضلالهم كقوله صلى الله عليه وسلم «من سن سنة سيئة فعليه ~~وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء» وقال تعالى في آية ~~أخرى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم} (النحل، 25) من غير أن ينقص من أوزار من تبعهم شيء {وليسئلن يوم ~~القيامة} أي: سؤال توبيخ وتقريع {عما كانوا يفترون} أي: يختلقون من ~~الأكاذيب والأباطيل، واللام في الفعلين لام قسم وحذف فاعلهما الواو ونون ~~الرفع، ولما كان السياق للبلاء والامتحان والصبر على الهوان ذكر من الرسل ~~الكرام عليهم السلام من طال ms2421 صبره على البلاء ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد ~~بقوله تعالى: # {ولقد أرسلنا نوحا} أي: أول رسل الله إلى المخالفين من العباد وهو معنى ~~{إلى قومه} وعمره أربعون سنة فإن الكفر كان قد عم أهل الأرض وكان عليه ~~السلام أطول الأنبياء ابتلاء بهم، ولذلك قال الله تعالى مسببا عن ذلك ~~ومتعقبا: {فلبث فيهم} أي: بعد الرسالة {ألف سنة إلا خمسين عاما} يدعوهم إلى ~~توحيد الله تعالى فكذبوه {فأخذهم الطوفان} أي: الماء الكثير فغرقوا {وهم ~~ظالمون} قال ابن عباس مشركون، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ولتابعيه رضي الله تعالى عنهم وتثبيت لهم وتهديد لقريش، قال ابن عباس: كان ~~عمر نوح عليه السلام ألفا وخمسين سنة بعث على رأس أربعين سنة ولبث في قومه ~~تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. # وروي عن ابن عباس أنه بعث وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة وعاش بعد الطوفان ~~ثلاثمائة وخمسين سنة فإن كان هذا محفوظا عن ابن عباس فيضاف إلى لبثه في ~~قومه وهو تسعمائة وخمسون سنة فيكون قد عاش ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة، ~~وأما قبره عليه السلام فروى ابن جرير والأزرقي حديثا مرسلا «أن قبره ~~بالمسجد الحرام» ، وقيل ببلدة البقاع يعرف اليوم بكرك نوح، وهناك جامع قد ~~بني بسبب ذلك. # وعن وهب أنه عاش ألفا وأربعمائة سنة، والآية تدل على خلاف قول الأطباء ~~العمر الإنساني لا يزيد على مائة وعشرين سنة ويسمونه العمر الطبيعي، قال ~~الرازي: ونحن نقول ليس طبيعيا بل هو عطاء إلهي وأما العمر الطبيعي فلا يدوم ~~عنده ولا نجده فضلا عن مائة أو أكثر، فإن قيل: هلا قال تسعمائة سنة وخمسين ~~ولم جاء التمييز أولا بالسنة وثانيا بالعام؟ أجيب: عن الأول بأن ما أورده ~~الله تعالى أحكم لأنه لو قيل كما ذكر لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على ~~أكثره وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك وكأنه قال تسعمائة وخمسين سنة كاملة ~~وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة، ms2422 وفيه نكتة أخرى ~~وهي أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من ~~طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV03P128 # وتثبيتا له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه أوقع وأوصل إلى ~~الغرض من استطالة السامع مدة صبره، وعن الثاني: بأن تكرير اللفظ الواحد في ~~الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض نتيجة ~~المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك، والطوفان لغة: ما أطاف ~~وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام أو نحو ذلك قال العجاج: # *وعم طوفان الظلام الأثأبا # {فأنجيناه} أي: نوحا عليه السلام {وأصحاب السفينة} أي: الذين كانوا فيها ~~من الغرق، وكانوا ثمانية وسبعين نفسا نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد ~~نوح سام وحام ويافث ونساؤهم، وعن محمد بن إسحاق كانوا عشرة خمسة رجال وخمسة ~~نسوة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه ~~الثلاثة ونساؤهم» {وجعلناها} أي: السفينة أو الحادثة والقصة {آية} أي: عبرة ~~وعلامة على قدرة الله تعالى وعلمه وإنجائه للطائع وإهلاكه للعاصي ~~{للعالمين} أي: لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسولهم فإنه لم يقع في الدهر ~~حادثة أعظم منها ولا أغرب ولا أشهر في تطبيق الماء جميع الأرض بطولها ~~والعرض وإغراق جميع ما عليها من حيوان إنسان وغيره، ولما ذكر تعالى قصة نوح ~~وكان بلاء إبراهيم عليه السلام عظيما في قذفه في النار وإخراجه من بلاده ~~اتبعه به بقوله تعالى: # {وإبراهيم} وهو منصوب إما باذكر ويكون {إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه} ~~أي: خافوا عقابه بدل اشتمال لأن الأحيان تشمل ما فيها، وإما معطوفا على ~~نوحا، وإذ ظرف لأرسلنا أي: أرسلناه حين بلغ من السن والعلم مبلغا صلح فيه ~~لأن يعظ قومه وينصحهم ويعرض عليهم الحق ويأمرهم بالعبادة والتقوى {ذلكم} ~~أي: الأمر العظيم الذي هو إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم {خير لكم} أي: من ~~كل شيء {إن كنتم تعلمون} أي: في عداد ms2423 من يتجدد له علم فينظر في الأمور بنظر ~~العلم دون نظر الجهل، ولما أمرهم بما تقدم ونفى العلم عمن جهل خيريته دل ~~عليه بقوله.b # {إنما تعبدون من دون الله} أي: غيره {أوثانا} أي: أصناما لا تستحق ~~العبادة لأنها حجارة منحوتة لا شرف لها {وتخلقون} أي: تصورون بأيديكم ~~{إفكا} أي: شيئا مصروفا عن وجهه فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع، ~~ومربوب وأنتم تسمونه ربا، أو تقولون كذبا في تسميتها آلهة وادعاء شفاعتها ~~عند الله، ثم إن الله تعالى نفى عنها النفع بقوله تعالى: {إن الذين تعبدون} ~~ضلالا وعدولا عن الحق الواضح {من دون} أي: غير {الله} الذي له الملك كله ~~{لا يملكون لكم رزقا} أي: شيئا من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه وأنتم ~~تعبدونها فكيف بغيركم فتسبب عن ذلك قوله تعالى: {فابتغوا} أي: اطلبوا {عند ~~الله} أي: الذي له صفات الكمال {الرزق} أي: كله فإنه لا شيء منه إلا وهو ~~بيده، فإن قيل: لم نكر الرزق في قوله تعالى: {لا يملكون لكم رزقا} ؟ وعرفه ~~في قوله تعالى: {فابتغوا عند الله الرزق} أجيب: بأنه نكره في معرض النفي ~~أي: لا رزق عندهم أصلا وعرفه عند الإثبات عند الله تعالى أي: كل رزق عنده ~~فاطلبوه منه، وأيضا الرزق من الله معروف لقوله تعالى: {وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها} (هود، 6) والرزق من الأوثان غير # PageV03P129 # معلوم فنكره لعدم حصول العلم به {واعبدوه} أي: عبادة يقبلها وهي ما كانت ~~خالصة من الشرك {واشكروا} أي: أوقعوا الشكر {له} خاصة على ما أفاض عليكم من ~~النعم، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إليه} وحده {ترجعون} أي: معنى في الدنيا ~~والآخرة فإنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه، وحسا بالنشر والحشر بأيسر أمر ~~فيثيب الطائع ويعذب العاصي، ولما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد ~~فقال: # {وإن تكذبوا} أي: وإن تكذبوني {فقد} أي: فيكفيكم في الوعظ والتهديد ~~معرفتكم بأنه قد {كذب أمم} أي: في الأزمان الكائنة {من قبلكم} أي: من قبلي ~~من الرسل فجرى الأمر ms2424 فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة المطيع للرسول، ~~وهلاك العاصي له، ولم يضر ذلك الرسول شيئا وما أضروا به إلا أنفسهم {وما ~~على الرسول} أن يقهركم على التصديق بل ما عليه {إلا البلاغ المبين} الموضح ~~مع ظهوره في نفسه بلا مرية بحيث لا يبقى فيه شك بإظهار المعجزة وإقامة ~~الأدلة على الوحدانية. # تنبيه: في المخاطب بهذه الآية والآيات بعدها إلى قوله تعالى: {فما كان ~~جواب قومه} وجهان الأول: أنه قوم إبراهيم عليه السلام لأن القصة له فكأن ~~إبراهيم عليه السلام قال لقومه: إن تكذبوني فقد كذب أمم من قبلكم، وإنما ~~أتيت بما علي من التبليغ فإن الرسول ليس عليه إلا التبليغ والبيان، فإن ~~قيل: إن إبراهيم عليه السلام لم يسبقه إلا قوم نوح وهم أمة واحدة؟ أجيب: ~~بأن قبل قوم نوح أيضا كان أقوام كقوم إدريس وقوم شيث وآدم، وأيضا فإن نوحا ~~عليه السلام عاش أكثر من ألف سنة وكان القرن يموت وتجيء أولاده والآباء ~~يوصون الأبناء بالامتناع من الاتباع فكفى بقوم نوح أمما ولقد عاش إدريس ألف ~~سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه ~~وأعقابهم على التكذيب. # الثاني: أن الآية مع قوم محمد صلى الله عليه وسلم لأن هذه القصص أكثرها ~~المقصود منه تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا من التكذيب ويرتدعوا خوفا ~~من التعذيب فقال في أثناء حكاياتهم يا قوم: إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام ~~هلكوا فإن كذبتم فإني أخاف عليكم أن يقع بكم ما وقع بغيركم، وعلى هذا اقتصر ~~الجلال المحلي والبقاعي. # وهذه الآية تدل كما قال ابن عادل: على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت ~~الحاجة لأن الرسول إذا بلغ شيئا ولم يبينه فلم يأت بالبلاغ المبين. # {أو لم يروا} أي: ينظروا {كيف يبدئ الله} أي: الذي له كل كمال {الخلق} ~~أي: يخلقهم الله تعالى ابتداء نطفة ثم مضغة ثم علقة {ثم} هو لا غيره ~~{يعيده} أي: الخلق كما كان {إن ms2425 ذلك} أي: المذكور من الخلق الأول والثاني ~~{على الله} أي: الجامع لكل كمال، المنزه عن كل شائبة نقص {يسير} فكيف ~~ينكرون الثاني؟، فإن قيل: متى رأى الإنسان بدء الخلق حتى يقال أو لم يروا ~~كيف يبدأ الله الخلق؟. # أجيب: بأن المراد بالرؤية العلم الواضح الذي هو كالرؤية فالعاقل يعلم أن ~~البدء من الله تعالى لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق وإلا لما كان الخلق ~~الأول خلقا أول فهو من الله تعالى، فإن قيل علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق ~~ولم يقل أو لم يروا أن الله خلق أو بدأ الخلق والكيفية غير معلومة؟ أجيب: ~~بأن هذا القدر من الكيفية معلوم وهو أنه خلقه ولم يك شيئا مذكورا # PageV03P130 # وأنه خلقه من نطفة هي من غذاء هو من ماء وتراب وهذا القدر كاف في حصول ~~العلم بإمكان الإعادة، فإن قيل: لم أبرز اسمه تعالى في أن ذلك على الله ~~يسير ولم يقل إن ذلك عليه كما قال: ثم يعيده من غير إبراز؟. # أجيب: بأنه مع إقامة البرهان على أنه يسير أكده بإظهار اسمه فإنه يوجب ~~المعرفة أيضا بكون ذلك يسيرا فإن الإنسان إذا سمع لفظ الله وفهم معناه أنه ~~الحي القادر بقدرة كاملة لا يعجزه شيء، محيط بذرات كل نافذ الإرادة يقطع ~~بجواز الإعادة، وقرأ حمزة والكسائي وخلف تروا بالتاء على الخطاب على تقدير ~~القول، والباقون بالياء على الغيبة، ولما ساق تعالى هذا الدليل الذي حاج به ~~الخليل قومه قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: لهؤلاء الذين تعبدوا بما تقلدوا بمذاهب آبائهم {سيروا} إن لم ~~تقتدوا بأبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وتتأملوا ما أقام من الدليل ~~القاطع والبرهان الساطع {في الأرض} إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم ~~{فانظروا} أي: نظر اعتبار {كيف بدأ} ربكم الذي خلقكم ورزقكم {الخلق} من ~~الحيوان والنبات والزروع والأشجار وغير ذلك مما تضمنته الجبال والسهول {ثم ~~الله} أي: الحائز لجميع صفات الكمال {ينشئ النشأة الآخرة} بعد النشأة ~~الأولى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ms2426 بفتح الشين وألف بعد الشين ممدودة قبل ~~الهمزة، والباقون بسكون الشين والهمزة بعد الشين، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ~~{إن الله على كل شيء قدير} لأن نسبة الأشياء كلها إليه واحدة، فإن قيل: ~~أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء فقال كيف يبدأ الله. وأضمره عند ~~الإعادة وههنا أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة فقال ثم الله ينشئ؟ ~~أجيب: بأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله تعالى بفعل حتى يسند إليه ~~البدء فقال: كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده اكتفاء بالأولى، وفي الثانية: ~~كان ذكر البدء مسندا إلى الله تعالى فاكتفى به ولم يبرزه، وأما إظهاره عند ~~الإنشاء ثانيا فقال ثم الله ينشئ مع أنه كان يكفي أن يقول ثم ينشئ النشأة ~~الآخرة فلحكمة بالغة وهي أنه مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسمه ~~حتى يفهم به صفات كماله ونعوت جلاله فيقطع بجواز الإعادة فقال: ثم الله ~~مظهرا ليقع في ذهن الإنسان من اسمه كمال قدرته وشمول علمه ونفوذ إرادته ~~فيعترف بوقوع بدئه وجواز إعادته. # فإن قيل: قال في الأولى {أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق} بلفظ المستقبل ~~وههنا قال: {فانظروا كيف بدأ الخلق} بلفظ الماضي فما الحكمة؟ أجيب: بأن ~~الدليل الأول هو الدليل النفسي الموجب للعلم وهو موجب للعلم ببدء الخلق، ~~وأما الدليل الثاني: فمعناه إن كان ليس لكم علم بأن الله يبدأ الخلق ~~فانظروا إلى الأشياء المخلوقة فيحصل لكم العلم بأن الله بدأ خلقا، ويحصل من ~~هذا القدر العلم بأنه ينشئ كما بدأ ذلك. # فإن قيل قال في هذه الآية: {إن الله على كل شيء قدير} وقال في الأولى: ~~{إن ذلك على الله يسير} فما فائدته؟ أجيب بأن فيه فائدتين الأولى أن الدليل ~~الأول هو الدليل: النفسي وهو وإن كان موجبا للعلم التام ولكن عند انضمام ~~الدليل الآفاقي إليه يحصل العلم التام لأنه بالنظر إلى نفسه علم حاجته إلى ~~غيره ووجوده منه فيتم علمه بأن كل شيء من الله تعالى فقال عند تمام الدليل: ms2427 ~~{إن الله على كل شيء قدير} وقال عند الدليل الواحد إن ذلك وهو الإعادة على # PageV03P131 # الله يسير، الثانية: أن العلم الأول أتم وإن كان الثاني أعم وكون الأعم ~~يسيرا على الفاعل أتم من كونه مقدورا له بدليل قولك لمن يحمل مائة رطل إنه ~~قادر عليه، فإذا سألت عن حمله عشرة أرطال تقول ذلك سهل يسير عليه فتقول: ~~كان التقدير إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند الله سهلة ~~يسيرة فسيروا في الأرض لتعلموا أنه مقدور ونفس كونه مقدورا كاف في إمكان ~~الإعادة ولما تم الدليل على الإعادة أنتج لا محالة أنه: # {يعذب} أي: بعدله {من يشاء} تعذيبه أي: منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة ~~{ويرحم} أي: بفضله ورحمته {من يشاء} رحمته فلا يمسه سوء، فإن قيل: لم قدم ~~التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة كما قال صلى الله عليه وسلم ~~عن الله تعالى: «سبقت رحمتي غضبي» ؟ أجيب: بأن السابق ذكر الكفار فذكر ~~العذاب لسبق ذكر مستحقه بحكم الإيعاد وعقبه بالرحمة، فذكر الرحمة وقع تبعا ~~لئلا يكون العذاب مذكورا وحده وهذا تحقيق قوله: «رحمتي سبقت غضبي» {وإليه} ~~وحده {تقلبون} أي: تردون بعد موتكم بأيسر سعي. # {وما أنتم بمعجزين} ربكم عن إدراككم {في الأرض} كيف انقلبتم في ظاهرها ~~وباطنها واختلف في معنى قوله تعالى: {ولا في السماء} لأن الخطاب مع ~~الآدميين وهم ليسوا في السماء فقال الفراء معناه: ولا من في السماء بمعجز ~~إن عصى كقول حسان بن ثابت رضى الله تعالى عنه: # *فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء* # أراد ومن يمدحه وينصره فأضمر (من) يريد أنه لا يعجز أهل الأرض من في ~~الأرض ولا أهل السماء من في السماء فالمعنى أن من في السماء عطف بتقدير إن ~~يعصى وقال الفراء: وهذا من غوامض العربية، وقال قطرب: وما أنتم بمعجزين في ~~الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها كقول القائل: ما يفوتني فلان هنا ولا في ~~البصرة أي: ولا في البصرة لو كان بها ms2428 وكقوله تعالى: {إن استطعتم أن تنفذوا ~~من أقطار السموات والأرض} (الرحمن: 33) # أي: على تقدير إن تكونوا فيها. # وقال ابن عادل: وأبعد من ذلك من قدر موصولين محذوفين، أي: وما أنتم ~~بمعجزين من في الأرض من الجن والأنس ولا من في السماء من الملائكة فكيف ~~تعجزون خالقهما، وعلى قول الجمهور يكون المفعول محذوفا أي: وما أنتم ~~بمعجزين أي: فائتين ما يريد الله تعالى، وقال البقاعي: ويمكن أن يكون له ~~نظر إلى قصة نمروذ وبنائه الصرح الذي أراد به التوصل إلى السماء لا سيما ~~والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم عليه السلام من قبلها ومن بعدها، ولما أخبرهم ~~بأنهم مقدور عليهم وكان ربما يتوهم أن غيرهم ينصرهم صرح بنفيه في قوله ~~تعالى {ومالكم} أي: أجمعين وأشار إلى سفول رتبة كل من سواه بقوله تعالى: ~~{من دون الله} أي: غيره وأكد النفي بإثبات الجار بقوله {من ولي} أي: قريب ~~يحميكم لأجل القرابة {ولا نصير} ينصركم من عذابه، ولما بين الأصلين التوحيد ~~والإعادة وقررهما بالبرهان هدد كل من خالفه على سبيل التفصيل بقوله تعالى: # {والذين كفروا} أي: ستروا ما أظهرت لهم أنوار العقول {بآيات الله} أي: ~~بسبب دلائل الملك الأعظم المرئية والمسموعة التي لا أوضح منها {ولقائه} ~~بالبعث بعد الموت الذي أخبر به وأقام الدليل عليه # PageV03P132 # {أولئك} أي: البعداء البغضاء {يئسوا} أي: متحققين يأسهم من الآن بل من ~~الأزل لأنهم لم يرجوا لقاء الله يوما ولا قال قائل منهم: رب اغفر لي خطيئتي ~~يوم الدين {من رحمتي} أي: من أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها ~~فعل الراحم {وأولئك لهم عذاب أليم} أي: مؤلم بالغ ألمه، فإن قيل هلا اكتفى ~~بقوله تعالى: {أولئك} مرة واحدة؟ أجيب: بأن ذلك كرر تفخيما للأمر فاليأس ~~وصف لهم لأن المؤمن دائما يكون راجيا خائفا، وأما الكافر فلا يخطر بباله ~~رجاء ولا خوف. # وعن قتادة: أن الله تعالى ذم قوما هانوا عليه فقال: {أولئك يئسوا من ~~رحمتي} وقال {ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف: 87) # فينبغي للمؤمن أن ms2429 لا ييأس من روح الله ولا من رحمته وأن لا يأمن عذابه ~~وعقابه، فصفة المؤمن أن يكون راجيا لله خائفا ثم إن الله تعالى أخبر عن ~~فظاظة قوم إبراهيم وتكبرهم بقوله تعالى: # {فما كان جواب قومه} لما أمرهم بالتوحيد وتقوى الله تعالى {إلا أن قالوا} ~~أي: قال بعضهم لبعض أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين {اقتلوه أو ~~حرقوه} بالنار، فإن قيل كيف سمى قولهم اقتلوه أو حرقوه جوابا مع أنه ليس ~~بجواب؟ أجيب عنه من وجهين: أحدهما: أنه خرج مخرج كلام المتكبر كما يقول ~~الملك لرسول خصمه جوابكم السيف مع أن السيف ليس بجواب وإنما معناه لا أقابل ~~بالجواب وإنما أقابل بالسيف، وثانيهما: أن الله تعالى أراد بيان صلابتهم ~~وأنهم ذكروا ما ليس بجواب في معرض الجواب فبين أنهم لم يكن لهم جواب أصلا، ~~وذلك أن من لا يجيب غيره وسكت لا يعلم أنه يقدر على الجواب أم لا لجواز أن ~~يكون سكوته عن الجواب لعدم الالتفات، وأما إذا أجاب بجواب فاسد علم أنه قصد ~~الجواب وما قدر عليه، ثم إنهم استقر رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطبا إلى ~~أن ملؤوا ما بين الجبال وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم ~~الاشتعال وقذفوه فيها بالمنجنيق {فأنجاه الله} بما له من كمال العظمة {من ~~النار} أي: من إحراقها وأذاها ونفعته بأن أحرقت وثاقه {إن في ذلك} أي: ما ~~ذكر من أمره وما اشتملت عليه قصته من الحكم {لآيات} أي: براهين قاطعة على ~~جميع أمر الله من تصرفه في الأعيان والمعاني لكون النار لم تحرقه وأحرقت ~~وثاقه وكل ما مر عليها من طائر وإخمادها مع عظمتها في زمان يسير وإنشاء روض ~~مكانها، وروي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم الذي ألقي فيه إبراهيم عليه السلام ~~بالنار وذلك لذهاب حرقها {لقوم يؤمنون} أي: يصدقون بتوحيد الله وقدرته ~~لأنهم المنتفعون بالفحص عنها والتأمل فيها. # {وقال} أي: إبراهيم عليه السلام غير هائب لتهديدهم بقتل أو غيره {إنما ~~اتخذتم} أي: أخذتم باصطناع وتكلف ms2430 وأشار إلى عظمة الله وعلو شأنه {من دون ~~الله} الذي كل شيء تحت قهره {أوثانا} أي: أصناما تبعدونها وما مصدرية {مودة ~~بينكم} أي: تواددتم على محبتها {في الحياة الدنيا} بالاجتماع عندها ~~والتواصل في أمرها بالتناصر والتعاضد كما يتفق ناس على مذهب فيكون ذلك سبب ~~تصادقهم، وهذا دال على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة المستمرة، وأن ~~الحب في الله والاجتماع له عزيز جدا لما فيه من قطع علائق الدنيا وشهواتها ~~التي زينت للناس على ما فيها من الإلباس # PageV03P133 # وعظيم البأس، وقرأ نافع وابن عامر وشعبة مودة بالنصب والتنوين وبينكم ~~بنصب النون فنصب مودة على أنه مفعول له أي: لأجل مودة، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو والكسائي برفع مودة من غير تنوين وكسر النون على أن مودة خبر مبتدأ ~~محذوف أي: هي مودة، والباقون بنصب مودة من غير تنوين وكسر النون وهذا أيضا ~~كإعراب المنونة، ولما أشار إلى هذا النفع الذي هو في الحقيقة ضرا تبع ذلك ~~ما يعقبه من الضر البالغ معبرا بأداة البعد بقوله: {ثم يوم القيامة يكفر ~~بعضكم ببعض} فينكر كل منكم محاسن أخيه ويتبرأ منه وتلعن الأتباع القادة ~~وتلعن القادة الأتباع كما قال تعالى: {ويلعن بعضكم بعضا} (العنكبوت، 25) ~~وتنكرون كلكم عبادة الأوثان تارة إذا تحققتم أنها ضرر لا نفع لها وتقرون ~~بها أخرى طالبين نصرتها راجين منفعتها وتنكر الأوثان عبادتكم وتجحد منفعتكم ~~{ومأواكم} أي: جميعا أنتم والأوثان {النار وما لكم من ناصرين} يحمونكم ~~منها، ثم بين تعالى أول من آمن بإبراهيم بقوله تعالى: # {فآمن له} أي: لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات {لوط} وكان ابن أخيه ~~هاران وهو أول من صدقه من الرجال {وقال} أي: إبراهيم عليه السلام لما هو ~~جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها {إني مهاجر} أي: خارج من أرضي وعشيرتي ~~على وجه يهم فمنتقل ومنحاز {إلى ربي} أي: إلى أرض ليس فيها أنيس ولا عشير ~~ولا من ترجى نصرته ولا من تنفع مودته فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى ~~حران ثم ms2431 منها إلى الأرض المقدسة فكانت هجرتان، ومن ثم قالوا لكل نبي هجرة ~~ولإبراهيم عليه السلام هجرتان، وهو أول من هاجر في الله وكان معه في هجرته ~~لوط وامرأته سارة، قال مقاتل وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة. # فإن قيل: لم لم يقل: إني مهاجر إلى حيث أمرني ربي مع أن المهاجرة توهم ~~الجهة؟ أجيب: بأن هذا القول ليس في الإخلاص كقوله إلى ربي لأن الملك إذا ~~صدر منه أمر برواح الأخيار ثم إن واحدا منهم سار إلى ذلك الموضع لغرض نفسه ~~فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن ليس مخلصا لوجهه فلذا قال مهاجر إلى ربي ~~يعني يوجهني إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلبا للجهة وإنما هو طلب ~~لله، ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل وده من ذوي رحمه وأنسابه ~~بقوله: {إنه هو} أي: وحده {العزيز} أي: فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه ~~{الحكيم} فهو إذا أعز أحدا منعته حكمته من التعرض له بالإذلال بفعل أو ~~مقال، ولما كان التقدير فأعززناه بما ظن بنا عطف عليه قوله: # {ووهبنا له} أي: بعظيم قدرتنا شكرا على هجرته {إسحاق} من زوجته سارة رضي ~~الله تعالى عنها التي جمعت إلى العقم في شبابها اليأس في كبرها {ويعقوب} من ~~ولده إسحاق عليهما السلام فإن قيل لم لم يذكر إسماعيل عليه السلام وذكر ~~إسحاق وعقبه؟ أجيب: بأن هذه السورة لما كان السياق فيها للامتحان وكان ~~إبراهيم عليه السلام قد ابتلي في إسماعيل بفراقه مع أمه ووضعهما في مضيعة ~~من الأرض لا أنيس فيها لم يذكره تصريحا في سياق الامتنان وأفرد إسحاق لأنه ~~لم يبتل فيه بشيء من ذلك ولأن الامتنان به لكون أمه عجوزا عقيما أكبر وأعظم ~~لأنها أعجب، وذكر إسماعيل تلويحا في قوله تعالى {وجعلنا} أي: بعزتنا ~~وحكمتنا {في ذريته} من ولد إسحاق وإسماعيل # PageV03P134 # عليهما السلام {النبوة} فلم يكن بعده نبي أجنبي عنه بل جميع الأنبياء من ~~ذرية إسحاق إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه من ذرية إسماعيل ms2432 قاله ~~بعض العلماء، فإن قيل إن الله تعالى جعل في ذريته النبوة أجابة لدعائه ~~والوالد يسوي بين أولاده فكيف صارت النبوة في ولد إسحاق عليه السلام أكثر؟. # أجيب: بأن الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى يوم القيامة قسمين ~~والناس أجمعين فالقسم الأول من الزمان: بعث الله تعالى فيه أنبياء فيهم ~~فضائل جمة وجاؤوا تترى واحدا بعد واحد مجتمعين في عصر واحد كلهم من ذرية ~~إسحاق عليه السلام، ثم في القسم الثاني: من الزمان: أخرج من ذرية ولده ~~إسماعيل عليه السلام واحدا اجتمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم النبيين وقد دام الخلق على دين ~~أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة ولا يبعد أن تبقى الخلق على دين ذرية ~~إسماعيل ذلك المقدار {والكتاب} فلم ينزل كتاب إلا على أولاده، فإن قيل: لم ~~أفرد الكتاب مع أنها أربعة التوراة والإنجيل والزبور والفرقان؟ أجيب: بأنه ~~أفرده ليدل مع تناوله جنسية الكتب الأربعة أنه لا شيء يستحق أن يكتب إلا ما ~~أنزل فيها أو كان راجعا إليها ولو جمع لم يفد هذا المعنى {وآتيناه أجره} ~~على هجرته {في الدنيا} بما خصصناه به مما لا يقدر عليه غيرنا من سعة الرزق ~~ورغد العيش وكثرة الولد والحزم في الشيخوخة وكثرة النسل، والثناء الحسن ~~والمحبة من جميع الخلق وغير ذلك. # قال الرازي: وفي الآية لطيفة وهي أن الله تعالى بدل جميع أحوال إبراهيم ~~عليه السلام في الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذييه بالنار كان وحيدا ~~فريدا فبدل الله تعالى وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته، ولما كان ~~أولا بعث إلى قومه وأقاربه الأقربين ضالين مضلين من جملتهم آزر بدل الله ~~تعالى أقاربه بأقارب مهتدين هادين وهم ذريته الذين جعلت فيهم النبوة ~~والكتاب، وكان أولا لا جاه له ولا مال وهما غاية المذلة الدنيوية آتاه الله ~~تعالى من المال والجاه حتى كان له من المواشي ما علم الله تعالى عدده حتى ~~قيل إنه كان ms2433 له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق الذهب وأما الجاه فصار بحيث ~~تقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة فصار معروفا ~~بشيخ المرسلين بعد أن كان خاملا حتى قال قائلهم سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم وهذا الكلام لا يقال إلا للمجهول عند الناس. # {وإنه في الآخرة} أي: التي هي الدار ومحل الاستقرار {لمن الصالحين} أي: ~~الذين خصصناهم بالسعادة وجعلنا لهم الحسنى وزيادة، قال ابن عباس: مثل آدم ~~ونوح، وفي إعراب قوله تعالى: # {ولوطا} ما تقدم في إعراب نصب إبراهيم {إذ} أي: حين {قال لقومه} أهل سدوم ~~الذين سكن فيهم وصاهرهم وانقطع إليهم فصاروا قومه حين فارق عمه الخليل ~~إبراهيم عليهما السلام منكرا ما رأى من حالهم وقبيح فعالهم مؤكدا له {أئنكم ~~لتأتون الفاحشة} وهي أدبار الرجال المجاوزة للحد في القبح فكأنها لذلك لا ~~فاحشة غيرها ثم علل كونها فاحشة استئنافا بقوله: {ما سبقكم بها} وهي حالة ~~مبينة لعظيم جراءتهم على المنكر أي: غير مسبوقين به وأغرق في النفي بقوله: ~~{من أحد} وزاد بقوله: {من العالمين} أي: كلهم من الأنس والجن أي: فضلا عن ~~خصوص الناس ثم كرر الإنكار # PageV03P135 # تأكيدا التجاوز قبحها الذي ينكرونه بقوله: # {أئنكم لتأتون الرجال} إتيان الشهوة وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر ~~بقوله {وتقطعون السبيل} أي: طريق المارة بالقتل وأخذ المال بفعلكم الفاحشة ~~بمن يمر بكم فترك الناس الممر بكم أو تقطعون سبيل النساء بالإعراض عن الحرث ~~وإتيان ما ليس بحرث {وتأتون في ناديكم المنكر} أي: تفعلون في متحدثكم فعل ~~الفاحشة بعضكم ببعض وهو مما تنكره الشرائع والمروءآت والعقول وأنتم لا ~~تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى ~~من غير أن يستحي بعضكم من بعض، قال ابن عباس: المنكر هو الحذف بالحصا ~~والرمي بالبنادق والفرقعة ومضع العلك والسواك بين الناس وحل الأزار والسباب ~~والتضارط في مجالسهم والفحش والمزاح، وعن عائشة رضى الله تعالى عنها كانوا ~~يتحابقون، وقيل: السخرية بمن يمر بهم، وقيل المجاهرة في ناديهم ms2434 بذلك العمل ~~وكل معصية فإظهارها أقبح من سترها، ولذلك جاء «من خرق جلباب الحياء فلا ~~غيبة له» ولا يقال للمجلس ناديا إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يسم ~~ناديا، وعن مكحول في أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء وحل ~~الإزار والصفير والحذف واللوطية، ودل على عنادهم بقوله تعالى مسببا عن هذه ~~الفضائح بالنهي عن تلك القبائح {فما كان جواب قومه} أي: الذين فيهم قوة ~~ونجدة بحيث يخشى شرهم ويتقى أذاهم لما أنكر عليهم ما أنكر {إلا أن قالوا} ~~عنادا وجهلا واستهزاء {ائتنا بعذاب الله} وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في ~~الجراءة {إن كنت من الصادقين} أي: في استقباح ذلك وأن العذاب نازل بفاعليه، ~~فإن قيل: قال قوم إبراهيم عليه السلام اقتلوه أو حرقوه وقال قوم لوط: ~~{ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} وما هددوه مع أن إبراهيم كان أعظم ~~من لوط فإن لوطا كان من قومه؟ أجيب: بأن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم ~~آلهتهم ويعدد صفات نقصهم بقوله لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يغني والسب ~~في الدين صعب # فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ~~ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين فلم يصعب عليهم ~~مثل ما صعب على قوم إبراهيم كلام إبراهيم فقالوا له: إنك تقول إن هذا حرام ~~والله يعذب عليه فإن كنت صادقا فائتنا بالعذاب، فإن قيل: إن الله تعالى قال ~~في موضع آخر. # {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم} (النمل، 56) ~~وقال هنا: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله} فكيف الجمع؟ ~~أجيب: بأن لوطا كان ثابتا على الإرشاد مكررا على النهي والوعيد فقالوا ~~أولا: ائتنا، ثم لما كثر ذلك منه ولم يسكت عنهم قالوا: أخرجوا ولما أيس ~~منهم طلب النصرة من الله بأن. # {قال} أي: لوط عليه السلام معرضا عنهم مقبلا بكليته على المحسن إليه {رب} ~~أي: أيها المحسن إلي {انصرني ms2435 على القوم} أي: الذين فيهم من القوة ما لا ~~طاقة لي بهم معه {المفسدين} أي: العاصين بإتيان الرجال ووصفهم بذلك مبالغة ~~في استنزال العذاب وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب ولما دعا لوط ~~على قومه بقوله رب إلى آخره استجاب الله تعالى دعاءه وأمر ملائكته بإهلاكهم # PageV03P136 # وأرسلهم مبشرين ومنذرين كما قال تعالى: # {ولما جاءت} وأسقط أن لأنه لم يتصل القول بأول المجيء بل كان قبله السلام ~~والضيافة وعظم الرسل بقوله تعالى: {رسلنا} أي: من الملائكة تعظيما لهم في ~~أنفسهم {إبراهيم بالبشرى} أي: بإسحاق ولدا له ويعقوب ولدا لإسحاق عليهما ~~السلام. # {قالوا} أي: الرسل عليهم السلام لإبراهيم عليه السلام بعد أن بشروه ~~وتوجهوا نحو سدوم {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} أي: قرية سدوم، والإضافة ~~لفظية لأن المعنى على الاستقبال، ثم عللوا ذلك بقولهم: {إن أهلها كانوا ~~ظالمين} أي: غريقين في هذا الوصف فلا حيلة في رجوعهم عنه، فإن قيل قال ~~تعالى في قوم نوح: {فأخذهم الطوفان وهم ظالمون} (العنكبوت، 14) ففي ذلك ~~إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ولم يقل فأخذهم وكانوا ظالمين ~~وهنا قال: {إن أهلها كانوا ظالمين} ولم يقل وهم ظالمون؟ أجيب: بأنه لا فرق ~~في الموضعين في كونهما مهلكين وهم مصرون على الظلم لكن هناك الإخبار من ~~الله تعالى عن الماضي حيث قال فأخذهم وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون ~~وههنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث قالوا: {إنا مهلكوا} فذكروا ما ~~أمروا به فإن الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب، وهم كانوا ظالمين في وقت ~~الأمر وكونهم يبقون كذلك لا علم لهم به، ولما قالت الملائكة لإبراهيم عليه ~~السلام ذلك {قال} لهم مؤكدا تنبيها على حالة ابن أخيه {إن فيها لوطا} ولم ~~يقل عليه السلام إن منهم لوطا لأنه نزيل عندهم فلذا جاء بالتصريح بالسؤال ~~عنه {قالوا} أي: الرسل عليهم السلام له: {نحن أعلم} منك {بمن فيها} أي: من ~~لوط وغيره {لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} أي: الباقين في ~~العذاب وهم الفجرة ms2436 لتعم وجهها معهم الغبرة، وقرأ حمزة والكسائي بسكون النون ~~الثانية وتخفيف الجيم بعدها، والباقون بفتح النون وتشديد الجيم بعدها. # {ولما أن جاءت رسلنا لوطا} أي: المعظمون بنا {سيء} أي: حصلت له المساءة ~~والغم {بهم} أي: بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء لما رأى من حسن أشكالهم ~~وهو يظن أنهم من الناس لأنهم جاؤوا من عند إبراهيم عليه السلام إليه على ~~صورة البشر، روي أنهم كانوا يجلسون مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصا ~~فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به، قيل: إنه كان يأخذه ~~معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم ولهم قاض بذلك، ولهذا يقال: أجور من قاضي ~~سدوم. # {وضاق} أي: بأعمال الحيلة في الدفع عنهم {بهم ذرعا} أي: ذرعه أي: طاقته ~~والأصل في ذلك أن من طالت ذراعه نال ما لا يناله قصيرها يضرب مثلا في العجز ~~والقدرة، ولما رأوه على هذه الحالة خفضوا عليه {قالوا} له {لا تخف} إنا رسل ~~ربك لإهلاكهم {ولا تحزن} أي: على تمكنهم منا أو على أحد ممن يهلك فإنه ليس ~~في أحد منهم خير يؤسف عليه بسببه فإنهم وصلوا في الخبث إلى حد لا مطمع في ~~الرجوع عنه مع ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر، ثم عللوا ذلك بقولهم ~~مبالغين في التأكيد: {إنا منجوك} أي: مبالغون في إنجائك وقولهم: {وأهلك} ~~منصوب على محل الكاف {إلا امرأتك كانت من الغابرين} فإن قيل: القوم عذبوا ~~بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك فكيف كانت من ~~الغابرين معهم؟. # PageV03P137 # أجيب: بأن الدال على الشر كفاعله كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت ~~تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم، فإن قيل ~~ما مناسبة قولهم إنا منجوك لقولهم لا تخف ولا تحزن فإن خوفه ما كان على ~~نفسه؟ أجيب: بأن لوطا لما ضاق عليهم وحزن لأجلهم قالوا له: لا تخف أي: ~~علينا ولا تحزن لأجلنا فإنا ملائكة، ثم قالوا له: يا لوط خفت علينا ms2437 وحزنت ~~لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك، وفي مقابلة حزنك نزيل ~~حزنك ولا نتركك تفجع في أهلك فقالوا إنا منجوك وأهلك، وقرأ ابن كثير وشعبة ~~وحمزة والكسائي بسكون النون وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون وتشديد الجيم ~~ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية قالوا له: # {إنا منزلون} أي: لا محالة {على أهل هذه القرية رجزا} أي: عذابا {من ~~السماء} فهو عظيم وقعه، شديد صدعه، واختلف في ذلك الرجز فقيل: حجارة وقيل: ~~نار، وقيل: خسف، وعلى هذا يكون المراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من ~~السماء، وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون ~~وتخفيف الزاي، تنبيه: كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع إبراهيم ~~عليه السلام فقدموا البشارة على إنزال العذاب ثم قالوا إنا منجوك ثم قالوا ~~إنا منزلون ولم يعللوا التنجية فلم يقولوا إنا منجوك لأنك نبي أو عابد ~~وعللوا الإهلاك فقالوا: {بما كانوا يفسقون} أي: يخرجون في كل وقت من دائرة ~~العقل والحياء كقولهم هناك إن أهلها كانوا ظالمين، ولما كان التقدير ففعلت ~~رسلنا ما وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع قراهم فتركناها كأن لم يسكنها أحد ~~عطف عليه قوله تعالى: # {ولقد تركنا} أي: بما لنا من العظمة {منها} أي: من تلك القرى {آية} أي: ~~علامة على قدرتنا على كل ما نريد {بينة} أي: ظاهرة، قال ابن عباس: منازلهم ~~الخربة، وقال قتادة هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله تعالى حتى ~~أدركها أوائل هذه الأمة، وقال مجاهد هو ظهور الماء الأسود على وجه الأرض، ~~فائدة: اتفق القراء على إدغام الدال في التاء، تنبيه: في هذه الآية إشارة ~~إلى غفلة المخاطبين بهذه القصة من العرب وغيرهم وأنه ليس بينهم وبين الهدى ~~إلا تفكرهم في أمرهم مع الانخلاع من الهوى وإنما يكون ذلك {لقوم يعقلون} ~~أي: يتدبرون فعد من لم يستبصر بذلك غير عاقل، تنبيه: ههنا أسئلة: (الأول) ~~كيف جعل الآية في نوح وإبراهيم عليهما السلام بالنجاة فقال: {فأنجيناه ~~وأصحاب السفينة وجعلناها آية} (العنكبوت، ms2438 15) وقال: {فأنجاه الله من النار ~~إن في ذلك لآيات} (العنكبوت، 24) وجعل ههنا الهلاك آية، (الثاني) : ما ~~الحكمة في قوله تعالى في السفينة {جعلناها آية} ولم يقل بينة وقال ههنا آية ~~بينة، (الثالث) : ما الحكمة في قوله تعالى هناك {للعالمين} وقال ههنا: ~~{لقوم يعقلون} ؟ أجيب عن الأول: بأن الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأن ~~في ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي علا ~~الجبال بأسرها أمر عجيب إلهي وما به النجاة وهو السفينة كان باقيا والغرق ~~لم يبق له بعده أثر محسوس في البلاد فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة لوط ~~لم تكن بأمر يبقى في أثره للحس، والهلاك أثره محسوس في البلاد فجعل الآية ~~الأمر الباقي ههنا البلاد وهناك السفينة. # وههنا لطيفة: وهي أن الله تعالى آية قدرته موجودة # PageV03P138 # في الإنجاء والإهلاك فذكر من كل باب آية وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر ~~الرحمة وآخر آيات الهلاك لأنها أثر الغضب ورحمته سابقة، وعن الثاني بأن ~~الإنجاء بالسفينة لا يفتقر إلى أمر آخر، وأما الآية ههنا الخسف وجعل ديارهم ~~المعمورة عاليها سافلها وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر يخصصه بمكان ~~دون مكان وبزمان دون زمان فهي بينة لا يمكن الجاهل أن يقول هذا أمر يكون ~~كذلك وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك فيقال له فلو دام الماء ~~حتى ينفد زادهم كيف كانت تحصل لهم النجاة ولو سلط الله تعالى عليهم الريح ~~العاصفة كيف تكون أحوالهم، وعن الثالث بأن السفينة موجودة معلومة في جميع ~~أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حالة نوح وإذا ركبوها ~~يطلبون من الله النجاة منه ولا يثق أحد بمجرد السفينة بل يكون دائما مرتجف ~~القلب متضرعا إلى الله تعالى طالبا للنجاة، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ~~ففي موضع مخصوص لا يطلع عليه إلا من مر بها ويصل إليها ويكون له عقل يعلم ~~أن ذلك من الله تعالى وإراداته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده ms2439 في زمان ~~دون زمان، ولما كان شعيب عليه السلام أيضا قد ابتلي بتكذيب قومه اتبع قصته ~~بقصة لوط بقوله تعالى: # {وإلى مدين} أي: ولقد أرسلنا أو بعثنا إلى مدين {أخاهم} أي: من النسب ~~والبلد {شعيبا} ومدين قيل: اسم رجل في الأصل وجهل وله ذرية فاشتهر في ~~القبيلة كتميم وقيس وغيرهما، وقيل: اسم ماء نسب القوم إليه فاشتهر في ~~القوم، قال الرازي: والأول كأنه أصح لأن الله تعالى أضاف الماء إلى مدين ~~بقوله تعالى: {ولما ورد ماء مدين} (القصص: 23) # ولو كان اسما للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية والأصل في ~~الإضافة التغاير والحقيقة، فإن قيل: قال تعالى في نوح: {ولقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه} (القصص: 23) # فقدم نوحا في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه، وكذلك في إبراهيم ولوط ~~وههنا ذكر القوم أولا وأضاف إليهم أخاهم شعيبا، فما الحكمة في ذلك؟. # أجيب: بأن الأصل في الجميع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن الرسل لا ~~تبعث إلى غير معينين وإنما تبعث الرسل إلى قوم محتاجين إلى الرسل فيرسل ~~الله تعالى إليهم من يختاره، غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم ~~خاصة ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها فعرفوا بنبيهم عليه السلام فقيل قوم نوح ~~وقوم لوط فأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند ~~الناس فجرى الكلام على أصله قال تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا} {وإلى مدين ~~أخاهم شعيبا} {فقال} أي: فتسبب عن إرساله وبعثه أن قال: {يا قوم اعبدوا ~~الله} أي: الملك الأعلى وحده ولا تشركوا به شيئا فإن العبادة التي فيها شرك ~~ظاهر أو خفي عدم لأن الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان له ~~خالصا. # فإن قيل: لم يذكر عن لوط عليه السلام أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، ~~وذكر عن شعيب ذلك؟ أجيب: بأن لوطا كان من قوم إبراهيم وفي زمانه وكان ~~إبراهيم سبقه بذلك واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من ~~إبراهيم فلم يحتج لوط إلى ms2440 ذكره وإنما ذكر ما اختص به من المنع من الفاحشة ~~وغيرها وإن كان هو أبدا يأمر بالتوحيد إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلامه ~~في التوحيد، وأما شعيب فكان بعد انقراض ذلك الزمن # PageV03P139 # وذلك القوم فكان هو أصلا في التوحيد فبدأ به، ولما كان السياق لإقامة ~~الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال: {وأرجوا اليوم الآخر} أي: ~~وافعلوا ما ترجون به العاقبة فأقيم المسبب مقام السبب، أو أمروا بالرجاء ~~والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالشرعيات على إرادة ~~الشرط، وقيل: هو من الرجاء بمعنى الخوف {ولا تعثوا في الأرض} حال كونكم ~~{مفسدين} أي: متعمدين الفساد، ولما تسبب عن هذا النصح وتعقبه تكذيبهم تسبب ~~عنه وتعقبه إهلاكهم تحقيقا لأن أهل السيئآت لا يسبقوننا قال تعالى: ~~{فكذبوه} في ذلك، فإن قيل ما حكاه الله تعالى عن شعيب أمر ونهي والأمر لا ~~يكذب ولا يصدق فإن من قال لغيره: اعبد الله لا يقال له كذبت؟ أجيب: بأن ~~شعيبا كان يقول الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فلا ~~تقربوه، وهذه فيها إخبارات فكذبوه فيما أخبر به {فأخذتهم الرجفة} أي: ~~الزلزلة الشديدة، وعن الضحاك صيحة جبريل لأن القلوب رجفت بها {فأصبحوا في ~~دارهم} أي: في بلدهم أو دورهم فاكتفى بالواحد ولم يجمع لأمن اللبس {جاثمين} ~~أي: باركين على الركب ميتين فإن قيل: قال تعالى في الأعراف وههنا: فأخذتهم ~~الرجفة وقال في هود: فأخذتهم الصيحة والحكاية واحدة؟ أجيب: بأنه لا تعارض ~~بينهما فإن الصيحة كانت سببا للرجفة لأن جبريل لما صاح تزلزلت الأرض من ~~صيحته فرجفت قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب. # فإن قيل ما الحكمة في أنه تعالى إذا قال فأخذتهم الصيحة قال في ديارهم ~~وحيث قال فأخذتهم الرجفة قال في دارهم؟ أجيب: بأن المراد من الدار هو ~~الديار والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع وأن تكون بلفظ الواحد ~~إذا أمن اللبس كما مر، وإنما اختلف اللفظ للطيفة وهي أن الرجفة ms2441 هائلة في ~~نفسها فلم تحتج إلى تهويلها، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها لكن تلك ~~الصيحة لما كانت عظيمة حتى أخذت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع ~~حتى تعلم هيئتها، والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كلامه فلم تحتج إلى معظم ~~لأمرها، ولما كان معنى ختام قصة مدين فأهلكناهم عطف على ذلك المعنى قوله ~~تعالى: # {وعادا} أي: وأهلكنا أيضا عادا {وثمودا} مع ما كانوا فيه من العتو ~~والتكبر والعلو لأن من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم ~~بعضا في الخير والشر على نسق والجري بهم في إهلاك المكذبين وإنجاء المصدقين ~~طبقا عن طبق، وقرأ حمزة وحفص في الوصل وثمود بغير تنوين على تأويل القبيلة ~~وفي الوقف بسكون الدال، والباقون بالتنوين وفي الوقف بالألف {وقد تبين لكم} ~~أي: ما حل بهم من مساكنهم أي: ما وصف من هلاكهم وما كانوا فيه من شدة ~~الأجسام وسفه الأحلام وعلو الاهتمام وتقرب الأذهان وعظم الشأن عند مروركم ~~بتلك المساكن ونظركم إليها في ضربكم في التجارة إلى الشام فصرفوا في ~~الإقبال على الاستمتاع بالعرض الفاني من هذه الدنيا فأملوا بعيدا وبنوا ~~مشيدا ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئا من أمر الله {وزين لهم الشيطان} البعيد ~~من الرحمة، المحترق باللعنة بقوة احتياله ومحبوب ضلاله ومحاله {أعمالهم} ~~أي: الفاسدة من الكفر والمعاصي فأقبلوا بكليتهم عليها {فصدهم} أي: # PageV03P140 # فتسبب عن ذلك صدهم {عن السبيل} أي: منعهم عن سلوك الطريق الذي لا طريق ~~إلا هو لكونه يوصل إلى النجاة، وغيره يوصل إلى الهلاك، ولما كان ذلك ربما ~~ظن لفرط غباوتهم قال: {وكانوا مستبصرين} أي: معدودين بين الناس من البصراء ~~العقلاء، ولما كان فرعون ومن ذكر معه من العتو بمكان لا يخفى لما أوتوا من ~~القوة بالأموال والرجال قال: # {وقارون} أي: وأهلكنا قارون وقومه لأن وقوعه في أسباب الهلاك أعجب لكونه ~~من بني إسرائيل ولأنه ابتلي بالمال والعلم فكان ذلك سبب إعجابه فتكبر على ~~موسى وهارون عليهما السلام فكان ذلك سبب هلاكه {وفرعون وهامان} وزيره الذي ~~أوقد ms2442 له على الطين فباع سعادته ليكونه ذنبا لغيره {ولقد جاءهم} من قبل ~~{موسى بالبينات} أي: بالحجج الظاهرات التي لم تدع لبسا {فاستكبروا} أي: ~~طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت أفعالهم أفعال من يطلب ذلك {في ~~الأرض} بعد مجيء موسى عليه السلام إليهم أكثر مما كانوا قبله {وما كانوا ~~سابقين} أي: فائتين بل أدركهم أمر الله، من سبق طالبه إذا فاته. # {فكلا} أي: فتسبب عن تكذيبهم أن كلا {أخذنا} أي: بما لنا من العظمة ~~{بذنبه} أي: أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا {فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا} أي: ريحا عاصفا فيها حصباء كقوم لوط وعاد {ومنهم من أخذته الصيحة} ~~أي: التي تظهر شدتها الريح الحاملة لها الموافقة لقصدها فترجف لعظمتها ~~الأرض كمدين وثمود {ومنهم من خسفنا به الأرض} أي: غيبناه فيها كقارون ~~وجماعته {ومنهم من أغرقنا} بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون وقومه وعذاب ~~قوم صالح المعد في الإغراق والمعد في الخسف فتارة يهلك بريح تقذف بالحجارة ~~من السماء كقوم لوط أو من الأرض كعاد {وما كان الله} أي: الذي لا شيء من ~~الجلال والكمال إلا له {ليظلمهم} أي: فيعذبهم بغير ذنب {ولكن كانوا أنفسهم} ~~لا غيرها {يظلمون} بارتكاب المعاصي ولم يقبلوا النصح مع هجرهم، ولا خافوا ~~العقوبة على ضعفهم، ولما بين تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلا وعذب من كذب ~~آجلا ولم ينفعه معبوده مثل تعالى اتخاذه ذلك معبودا باتخاذ العنكبوت بيتا ~~فقال: # l # {مثل الذين اتخذوا} أي: تكلفوا أن اتخذوا {من دون الله} أي: الذي لا كفء ~~له فرضوا بالدون الذي لا ينفع ولا يضر عوضا عمن لا تكيفه الأوهام والظنون ~~{أولياء} ينصرونهم بزعمهم من معبودات وغيرها في الضعف والوهن. # {كمثل العنكبوت} أي: الدابة المعروفة ذات الأرجل الكثيرة الطوال {اتخذت ~~بيتا} أي: تكلفت أخذه في صنعتها له ليقيها الردى ويحميها البلاء كما تكلف ~~هؤلاء اصطناع أربابهم ليقوهم ويحفظوهم بزعمهم فكان ذلك البيت مع تكلفها في ~~أمره وتعبها الشديد في شأنه في غاية الوهن {وإن} أي: ms2443 والحال إن {أوهن ~~البيوت} أي: أضعفها {لبيت العنكبوت} لا يدفع عنها حرا ولا بردا كذلك ~~الأصنام لا تنفع عابديها {لو كانوا يعلمون} أي: لو كانوا يعلمون أن هذا ~~مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن، وأيضا أنه إذا صح تشبيه ما ~~اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا ~~يعلمون أي: لو كان لهم نوع ما من العلم لانتفعوا به ولعلموا أن هذا مثلهم ~~فأبعدوا عن اعتقاد ما هذا مثلهم، ولقائل # PageV03P141 # أن يقول مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله ~~مثل عنكبوت تتخذ بيتا بالإضافة إلى رجل يبني بيتا بآجر وجص أو ينحته من صخر ~~وكان أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت كذلك الأديان إذا ~~استقريتها دينا دينا عبادة الأوثان، فإن قيل: لم مثل تعالى باتخاذ العنكبوت ~~ولم يمثل بنسجها؟ أجيب: بأن نسجها فيه فائدة لولاه لما حصلت وهو اصطياد ~~الذباب به من غير أن يفوتها ما هو أعظم منه واتخاذهم الأوثان يفيدهم ما هو ~~أقل من الذباب من متاع الدنيا ولكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار ~~الآخرة التي هي خير وأبقى فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت، تنبيه: نون العنكبوت ~~أصلية والواو والتاء مزيدتان بدليل جمعة على عناكب وتصغيره عنيكب ويذكر ~~ويؤنث فمن التأنيث قوله تعالى {اتخذت} ومن التذكير قول القائل: # *على هطالهم منهم بيوت ... كأن العنكبوت هو ابتناها* # وهذا مطرد في أسماء الأجناس تذكر وتؤنث، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص البيوت ~~بضم الباء، والباقون بكسرها، ولما كان ضرب المثل بالشيء لا يصح إلا من ~~العالم بذلك الشيء قال الله تعالى: # {إن الله} أي: الذي له صفات الكمال {يعلم ما} أي: الذي {يدعون} أي: ~~يعبدون {من دونه} أي: غيره {من شيء} أي: سواء كان صنما أم إنسيا أم جنيا ~~{وهو العزيز} في ملكه {الحكيم} في صنعه، وقرأ أبو عمرو وعاصم يدعون بالياء ~~التحتية، والباقون بالفوقية، ولما ذكر مثلهم وما تتوقف صحته عليه كان كأنه ~~قيل: على ms2444 وجه التعظيم: هذا المثل مثلهم فعطف عليه قوله تعالى إشارة إلى ~~أمثال القرآن كلها تعظيما لها وتنبيها على جليل قدرها وعلو شأنها. # {وتلك الأمثال} أي: العالية عن أن تنال بنوع احتيال، ثم استأنف قوله ~~تعالى {نضربها} أي: بمالنا من العظمة بيانا {للناس} أي: تصويرا للمعاني ~~المعقولات بصور المحسوسات لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها، وهكذا حال ~~التشبيهات كلها هي طرق إلى إفهام المعاني المحتجبة في الأستار تبرزها وتكشف ~~عنها وتصورها، روي أن الكفار قالوا كيف يضرب خالق الأرض والسموات الأمثال ~~بالهوام والحشرات كالذباب والبعوض والعنكبوت؟ فقال الله تعالى مجهلا لهم: ~~{وما يعقلها} أي: حق تعقلها فينتفع بها {إلا العالمون} أي: الذين هيؤا ~~للعلم وجعل طبعا لهم بما بث في قلوبهم من أنواره وأشرق في صدورهم من ~~أسراره، فهم يضعون الأشياء مواضعها، روى الحارث بن أبي أسامة عن جابر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العالم: الذي عقل عن الله وعمل بطاعته ~~واجتنب سخطه» قال البغوي: والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول يريد ~~أمثال القرآن التي يشبه بها أحوال كفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم ~~المتقدمة، ولما قدم تعالى أنه لا معجز له سبحانه ولا ناصر لمن خذله استدل ~~على ذلك بقوله تعالى: # {خلق الله} أي: الذي لا يدانى في عظمته {السموات والأرض بالحق} أي: الأمر ~~الذي يطابقه الواقع، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل، أو بسبب أنه محق ~~غير قاصد به باطلا فإن المقصود بالذات من خلقهما إفاضة الجود والدلالة على ~~ذاته وصفاته كما أشار # PageV03P142 # إليه بقوله تعالى: {إن في ذلك لآية} أي: دلالة ظاهرة على قدرته تعالى ~~{للمؤمنين} وأختص المؤمنون بذلك لأنهم المنتفعون به، ثم خاطب تعالى رأس أهل ~~الإيمان بقوله تعالى: # {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} أي: القرآن الجامع لكل خير لتعلم أن نوحا ~~ولوطا وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة ~~الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة، وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولما أرشد تعالى إلى مفتاح العلم ms2445 دل على قانون العمل بقوله تعالى: ~~{وأقم الصلاة} أي: التي هي أحق العبادات، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إن ~~الصلاة تنهى} أي: توجد النهي وتجدده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها {عن ~~الفحشاء} أي: عن الخصال التي بلغ قبحها {والمنكر} وهو ما لا يعرف في الشرع، ~~فإن قيل: كم من مصل يرتكب الفحشاء؟ أجيب: بأن المراد الصلاة التي هي الصلاة ~~عند الله تعالى المستحق بها الثواب بأن يدخل فيها مقدما للتوبة النصوح ~~متقيا لقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} (المائدة، 37) # ويصليها خاشعا بالقلب والجوارح، فقد روي عن حاتم كأن رجلي على الصراط ~~والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت من فوقي وأصلي بين الخوف ~~والرجاء، ثم يحوطها بعد أن يصليها ولا يحبطها فهي الصلاة التي تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر، وقال ابن مسعود وابن عباس: إن الصلاة تنهى وتزجر عن معاصي ~~الله عز وجل فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد ~~بصلاته من الله تعالى إلا بعدا، وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن ~~الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه، وقيل من كان مراعيا للصلاة جره ذلك إلى ~~أن ينتهي عن السيئات يوما ما، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال: «إن صلاته لتردعه» . # وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات ولا يدع شيئا من الفواحش ~~إلا ركبه فوصف له فقال: إن صلاته ستنهاه فلم يلبث أن تاب، وقال ابن عوف: ~~معنى الآية إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها، وعلى كل ~~حال فإن المراعي للصلاة لا بد أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا ~~يراعيها، وأيضا فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا ~~يقتضي أن لا يخرج واحد من المصلين عن قضيتها كما تقول: إن زيدا ينهى عن ~~المنكر فليس غرضك أنه ينهى عن جميع المناكر وإنما تريد أن هذه الخصلة ~~موجودة فيه وحاصلة منه من ms2446 غير اقتضاء للعموم، وقيل: المراد بالصلاة القرآن ~~كما قال تعالى: {ولا تجهر بصلاتك} (الإسراء: 110) # أي: بقراءتك وأراد به من يقرأ القرآن في الصلاة فالقرآن ينهاه عن الفحشاء ~~والمنكر، روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن رجلا يقرأ القرآن ~~الليل كله ويصبح سارقا قال ستنهاه قراءته، ولما كان الناهي في الحقيقة إنما ~~هو ذكر الله أتبع ذلك بقوله تعالى: # {ولذكر الله أكبر} أي: لأن ذكر المستحق لكل صفات كمال أكبر من كل شيء ~~فذكر الله تعالى أفضل الطاعات، قال صلى الله عليه وسلم «ألا أنبئكم بخير ~~أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب والفضة ~~وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا: وما ذاك يا رسول ~~الله قال: ذكر الله» وسئل صلى الله عليه وسلم أي: العبادة أفضل عند الله ~~درجة يوم القيامة قال: «الذاكرون الله كثيرا، قالوا # PageV03P143 # يا رسول الله ومن الغازين في سبيل الله فقال: لو ضرب بسيفه الكفار ~~والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكر الله كثيرا أفضل منه درجة» . # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على جبل في طريق مكة يقال له ~~جمدان فقال: «سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول ~~الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» أو والصلاة أكبر من غيرها من ~~الطاعات وسماها بذكر الله كما قال تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله} (الجمعة: ~~9) # وإنما قال ولذكر الله أكبر ليستقل بالتعليل كأنه قال والصلاة أكبر لأنها ~~ذكر الله، وعن ابن عباس: ولذكر الله تعالى إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه ~~بطاعته، وقال عطاء: ولذكر الله أكبر من أن يتقى معه معصية. # {والله} أي: المحيط علما وقدرة {يعلم} أي: في كل وقت {ما تصنعون} من ~~الخير والشر فيجازيكم على ذلك، ولما بين تعالى طريقة إرشاد المشركين بين ~~طريقة إرشاد أهل الكتاب بقوله تعالى: # {ولا تجادلوا أهل الكتاب} أي: اليهود والنصارى ظنا منكم أن الجدال ينفع ~~أو يزيد في اليقين أو يرد واحدا عن ضلال ms2447 مبين {إلا بالتي} أي: بالمجادلة ~~التي {هي أحسن} كمعارضة الخشونة باللين، والغضب بالكظم والدعاء إلى الله ~~تعالى بآياته والتنبيه على حججه كما قال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} ~~(المؤمنون، 96) {إلا الذين ظلموا منهم} بأن حاربوا وأبوا أن يقروا بالجزية ~~فجادلوهم بالسيف إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية، وقيل: إلا الذين آذوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقيل إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا يد ~~الله مغلولة، وعن قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} (التوبة: 29) # ولا مجادلة أشد من السيف، ولما بين تعالى عن موجب الخلاف أمر بالاستعطاف ~~بقوله تعالى: {وقولوا} أي: لمن قبل الإقرار بالجزية إذا أخبروكم بشيء مما ~~في كتبهم {آمنا بالذي أنزل إلينا} أي: من هذا الكتاب المعجز {وأنزل إليكم} ~~من كتبكم أي: لأنه في أصله حق وإن كان قد نسخ، منه ما نسخ وإن حدثوكم بشيء ~~منه وليس عندكم ما يصدقه ولا ما يكذبه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، لما روى ~~أبو داوود أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ~~وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن قالوا باطلا لم تصدقوهم وإن قالوا حقا ~~لم تكذبوهم» أي: فإن هذا أدعى إلى الإنصاف وأنفى للخلاف، ولما لم يكن هذا ~~جامعا للفريقين أتبعه بما يجمعه بقوله تعالى: {وإلهنا وإلهكم واحد} أي: لا ~~إله لنا غيره، وإن ادعى بعضكم عزيرا والمسيح {ونحن له} خاصة {مسلمون} أي: ~~خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع سواء كانت ~~موافقة لفروعكم كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس، أو ناسخة كالتوجه إلى ~~الكعبة ولا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله لنأخذ ما يشرعونه لنا ~~مخالفا لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم # {وكذلك} أي: ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه إلى أنبيائهم من التوراة ~~وغيرها {أنزلنا إليك الكتاب} أي: القرآن مصدقا لسائر الكتب الإلهية وهو ~~تحقيق لقوله تعالى {فالذين آتيناهم الكتاب} أي: التوراة كعبد الله بن سلام ~~وغيره {يؤمنون به} أي: ms2448 بالقرآن {ومن هؤلاء} أي: أهل مكة أو ممن في عهده صلى ~~الله عليه وسلم من أهل الكتابين {من يؤمن به} وهم مؤمنو أهل # PageV03P144 # مكة وأهل الكتابين {وما يجحد} أي: ينكر، قال قتادة: والجحود: إنما يكون ~~بعد المعرفة {بآياتنا} أي: التي جاوزت أقصى غايات العظمة حتى إنها استحقت ~~الإضافة إلينا {إلا الكافرون} أي: اليهود ظهر لهم أن القرآن حق والجائي به ~~محق وجحدوا ذلك وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني أنكم آمنتم بكل شيء ~~وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة وبإنكارها تلحقون ~~بهم وتعطلون مزاياكم فإن الجاحد بآية يصير كافرا. # {وما} أي: وأنزلنا إليك الكتاب والحال أنك ما {كنت تتلو} أي: تقرأ أصلا ~~{من قبله} أي: هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك، وأكد استغراق الكتب بقوله ~~تعالى: {من كتاب} أصلا {ولا تخطه} أي: تجدد وتلازم خطه وصور الخط، وأكده ~~بقوله: {بيمينك} فإن قيل ما فائدة قوله بيمينك؟ أجيب: بأنه ذكر اليمين التي ~~هي أقوى الجارحتين وهي التي يزاول بها الخط زيادة تصوير لما نفى عنه من ~~كونه كاتبا، ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات رأيت الأمير يخط هذا الكتاب ~~بيمينه كان أشذ لإثباتك أنه تولى كتبه فكذلك النفي، وفي ذلك إشارة إلى أنه ~~لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة القوية التي ينشأ عنها ملكه ~~فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل ولذلك قال تعالى: {إذا} أي: لو كنت ممن يخط ~~ويقرأ {لارتاب} أي: شك {المبطلون} أي: اليهود فيك وقالوا: الذي في التوراة ~~أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، أو لارتاب مشركو مكة وقالوا لعله تعلمه أو ~~التقطه من كتب الأولين وكتبه بيده. # فإن قيل: لم سماهم مبطلين ولو لم يكن أميا وقالوا ليس بالذي نجده في ~~كتبنا لكانوا صادقين محقين ولكان أهل مكة أيضا على حق في قولهم لعله تعلمه ~~أو كتبه بيده فإنه رجل كاتب قارئ؟ أجيب: بأنه سماهم مبطلين لأنهم كفروا به ~~وهو أمي بعيد من الريب فكأنه قال: هؤلاء المبطلون في كفرهم به ms2449 لو لم يكن ~~أميا لارتابوا أشد الريب فحينئذ ليس بقارئ ولا كاتب فلا وجه لارتيابهم، ~~وأيضا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يكونوا أميين ووجب الإيمان ~~بهم وما جاؤوا به لكونهم مصدقين من جهة الحكيم بالمعجزات، فهب أنه قارئ ~~كاتب فما لهم لم يؤمنوا به من الوجه الذي آمنوا منه بموسى وعيسى على أن ~~المنزل إليهم معجز وهذا المنزل معجز فإذا هم مبطلون حيث لم يؤمنوا وهو أمي ~~ومبطلون حيث لم يؤمنوا وهو غير أمي، ولما كان التقدير ولكنه لا ريب لهم ~~أصلا ولا شبهة لقولهم أنه باطل قال تعالى: # {بل هو} أي: القرآن الذي جئت به وارتابوا فيه فكانوا مبطلين لذلك على كل ~~تقدير {آيات} أي: دلالات {بينات} أي: واضحات جدا في الدلالة على صدقك {في ~~صدور الذين أوتوا العلم} أي: المؤمنين يحفظونه فلا يقدر أحد على تحريف شيء ~~منه لبيان الحق لديهم، وفي ذلك إشارة إلى أن خفاءه عن غيرهم، وقال ابن عباس ~~وقتادة: بل هو يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ذو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته ووصفه في كتبهم {وما يجحد} ~~وكان الأصل به ولكنه أشار إلى عظمته بقوله تعالى: {بآياتنا} أي: ينكرها بعد ~~المعرفة على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا والبيان الذي لا يجهله أحد ~~{إلا الظالمون} أي: المتوغلون في الظلم المكابرون. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى # PageV03P145 # ههنا {إلا الظالمون} ومن قبل قال {إلا الكافرون} ؟ أجيب: بأن ما من حرف ~~ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها ولا ~~تصل إلى أكثرها وما أوتي البشر من العلم إلا قليلا ولكن الحكمة هنا أنهم ~~قبل بيان المعجزة قيل لهم إن لكم المزايا فلا تبطلوها بإنكار محمد صلى الله ~~عليه وسلم فتكونوا كافرين فلفظ الكافر هناك أبلغ فمنعهم عن ذلك استنكافهم ~~عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم: إن جحدتم هذه الآية لزمكم إنكار ~~إرسال الرسل فتلتحقون في أول الأمر ms2450 بالمشركين حكما وتلتحقون عند جحد هذه ~~الآيات بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين أي: مشركين كما قال تعالى: {إن ~~الشرك لظلم عظيم} (لقمان: 13) # فهذا اللفظ ههنا أبلغ، ولما كان التقدير جحدوها بما لهم من الرسوخ في ~~الظلم ولم يعدوها آيات فضلا عن كونها بينات عطف عليه قوله تعالى: # {وقالوا} موهمين مكرا إظهارا للصفة بأدنى ما يدل على الصدق {لولا} أي: ~~هلا {أنزل عليه} أي: محمد صلى الله عليه وسلم على أي وجه كان من وجوه ~~الإنزال {آية} تكون بحيث تدل قطعا على صدق الآتي بها {من ربه} أي: الذي ~~يدعي إحسانه إليه كما أنزل على الأنبياء قبله كناقة صالح وعصا موسى ومائدة ~~عيسى عليهم السلام ليستدل بها على صدق مقاله وصحة ما يدعيه من حاله، وقرأ ~~نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص آيات بالجمع لأن بعده {قل إنما الآيات} ~~بالجمع إجماعا، والباقون آية بالإفراد لأن غالب ما جاء في القرآن كذلك، ~~ولما كان هذا إنكارا للشمس بعد شروقها ومكابرة فيما تحدى به من المعجزات ~~بعد حقوقها أشار إليه بقوله تعالى: # {قل} أي: لهم إرخاء للعنان حتى كأنك ما أتيتهم بشيء {إنما الآيات عند ~~الله} أي: الذي له الأمر كله ينزل أيتها شاء فلا يقدر على إنزال شيء منها ~~غيره فإنما الإله هو لا سواه ولو شاء أن ينزل ما يقترحونه لفعل {وإنما أنا ~~ندير مبين} أي: فليس من شأني إلا الإنذار وإبانته بما أعطيته من الآيات ~~وليس لي أن أقترح عليه الآيات فأقول أنزل علي آية كذا دون آية كذا على أن ~~المقصود من الآيات الدلالة على الصدق وهي كلها في حكم آية واحدة في ذلك، ~~ولم يذكر البشارة لأنه ليس من أسلوبها وقوله تعالى: # {أو لم يكفهم} جواب لقولهم لولا أنزل عليه آيات من ربه أي: إن كانوا ~~طائعين للحق غير متيقنين آية مغنية عن كل آية {إنا أنزلنا} أي: بما لنا من ~~العظمة {عليك الكتاب} أي: القرآن الجامع لسعادة الدارين بحيث صار خلقا لك ~~{يتلى عليهم} أي: تتجدد متابعة قراءته ms2451 عليهم شيئا بعد شيء في كل مكان وفي ~~كل زمان من كل مقال مصدقا لما في الكتب القديمة من نعتك وغيره من الآيات ~~الدالة على صدقك فأعظم به آية باقية لا تزول ولا تضمحل إذ كل آية سواه ~~منقضية ماضية وتكون في مكان دون مكان، فالقرآن أتم من كل معجزة لوجوه: # الأول: أن تلك المعجزات وجدت وما دامت فإن قلب العصا ثعبان وإحياء الميت ~~لم يبق لنا منه أثر فلو أنكره واحد لم يمكن إثباتها معه بدون الكتاب، وأما ~~القرآن فهو باق لو أنكره واحد فيقال أئت بآية من مثله. # الثاني: أن قلب، العصا ثعبانا كان في آن واحد ولم يره من لم يكن في ذلك ~~المكان، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل أحد، وههنا ~~لطيفة: وهي أن آيات نبينا صلى الله عليه وسلم كانت أشياء لا تختص بمكان دون ~~مكان لأن من # PageV03P146 # جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض لأن الخسوف إذا وقع عم وذلك لأن نبوته ~~كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر، وغاض بحر ساوة في قطر وسقط إيوان كسرى في ~~قطر، وانهدمت الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاما بأنه يكون أمرا عاما، ~~الثالث: أن غير هذه المعجزة يقول الكافر المعاند هذا سحر وعمل يد والقرآن ~~لا يمكن هذا القول فيه، وقال أبو العباس المرسي: خشع بعض الصحابة من سماع ~~بعض اليهود يقرأ التوراة فعوتبوا إذ تخشعوا من غير القرآن وهم إنما تخشعوا ~~من التوراة وهي كلام الله تعالى فما ظنك بمن أعرض عن كتاب الله وتخشع ~~بالملاهي والغناء، ولما كان هذا القرآن أعظم من كل آية يقترحونها قال ~~تعالى: {إن في ذلك} أي: إنزال الكتاب على هذا الوجه البعيد المنال البديع ~~المثال {لرحمة} أي: نعمة عظيمة في كل لحظة وتطهيرا لخبث النفوس في كل لمحة ~~{وذكرى} أي: عظيمة مستمرا تذكرها، ولما عم بالقول خص من حيث النفع فقال ~~{لقوم يؤمنون} لأنهم المنتفعون بذلك، ولما كان من المعلوم أنهم يقولون: نحن ~~لا نصدق أن هذا ms2452 الكتاب من عند الله فضلا عن أن نكتفي به قال تعالى: # {قل} أي: جوابا لما قد يقولونه من نحو هذا {كفى بالله} أي: الحائز لجميع ~~العظمة وسائر الكمالات {بيني وبينكم شهيدا} أني قد بلغتكم ما أرسلت به ~~إليكم ونصحتكم وأنذرتكم وأنهم قابلوني بالجحد والتكذيب وقد صدقني ~~بالمعجزات، وروي أن كعب بن الأشرف وغيره قالوا يا محمد من يشهد لك أنك رسول ~~الله فنزلت، ثم وصف الشهيد وعلل كفايته بقوله: {يعلم ما في السموات} أي: ~~كلها {والأرض} أي: كذلك لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما تنسبونه إليه ~~من التقول عليه وبما أنسبه أنا إليه من هذا القرآن الذي يشهد لي به عجزكم ~~عنه فهو شاهدي، والله في الحقيقة هو الشاهد لي فيه بالثناء علي والشهادة لي ~~بالصدق لأنه قد ثبت بالعجز عنه أنه كلامه. # ولما بين تعالى الطريقين في إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب عاد إلى ~~الكامل الشامل لهما والإنكار العام فقال: {والذين آمنوا بالباطل} أي: وهو ~~ما يعبد من دون الله {وكفروا بالله} أي: الذي يجب الإيمان به والشكر له لأن ~~له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ذاته إلا العدم {أولئك} أي: ~~البعداء البغضاء {هم الخاسرون} أي: العريقون في الخسارة فإنهم خسروا أنفسهم ~~أبد الآبدين، فإن قيل: قوله {أولئك هم الخاسرون} يقتضي الحصر في من آمن ~~بالباطل وكفر بالله فمن يأتي بأحدهما دون الآخر لا يكون كذلك؟ أجيب: بأنه ~~يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتيا بالآخر لأن المؤمن بما سوى الله ~~تعالى مشرك لأنه جعل غير الله مثله وغير الله عاجز ممكن باطل فيكون الله ~~تعالى كذلك ومن كفر بالله تعالى وأنكره فيكون قائلا بأن العالم واجب الوجود ~~إله فيكون قائلا بأن غير الله إله فيكون إثباتا لغير الله وإيمانا به. # فإن قيل: إذا كان الإيمان بما سواه كفرا به فيكون كل من آمن بالباطل فقد ~~كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد الذي في قول القائل قم ولا ~~تقعد ms2453 وأقرب مني ولا تبعد؟ أجيب: بأن فيه فائدة غيرها وهو أنه ذكر الثاني ~~لبيان قبح الأول كقول القائل: أتقول بالباطل وتترك الحق لبيان أن القول ~~بالباطل قبيح، ولما أنذرهم صلى الله عليه وسلم # PageV03P147 # وأوعد بالعذاب إن لم يؤمنوا أخبر الله تعالى عنهم بقوله تعالى: # {ويستعجلونك بالعذاب} نزلت في النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا ~~حجارة من السماء إن كنت من الصادقين ويجعلون تأخيره عنهم شبهة لهم فيما ~~يزعمون من التكذيب {ولولا أجل مسمى} قد ضرب لوقت عذابهم فلا تقدم فيه ولا ~~تأخر {لجاءهم العذاب} وقت استعجالهم لأن القدرة تامة والعلم محيط ~~{وليأتينهم بغتة} أي: فجأة في الدنيا كوقعة بدر أو الآخرة عند نزول الموت ~~بهم {وهم لا يشعرون} بل هم في غاية الغفلة عنه والاشتغال بما ينسيه، ثم زاد ~~في التعجب من جهلهم بقوله تعالى مبدلا: # {يستعجلونك بالعذاب} أي: يطلبون منك إيقاعه بهم ناجزا ولو كان في غير ~~وقته الأليق به ولو علموا ما هم صائرون إليه لتمنوا أنهم لم يخلقوا فضلا عن ~~أن يستعجلوا، ولأعملوا جميع جهدهم في الخلاص منه {وإن جهنم} التي هي من ~~عذاب الآخرة {لمحيطة بالكافرين} أي: ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب أو هي ~~كالمحيطة بهم الآن لإحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها بهم، وأتى بالظاهر ~~موضع المضمر تنبيها على ما استحقوا به عذابها وتعميما لكل من اتصف به، ثم ~~ذكر تعالى كيفية إحاطة جهنم بقوله عز وجل. # {يوم يغشاهم العذاب} أي: يلحقهم ويلصق بهم {من فوقهم ومن تحت أرجلهم} ~~فعلم بذلك إحاطته من جميع الجوانب، فإن قيل: لم خص الجانبين ولم يذكر ~~اليمين والشمال وخلف وقدام؟ أجيب: بأن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن ~~نار الدنيا ونار الدنيا تحيط بالجوانب الأربعة فإن من يدخلها تكون الشعلة ~~قدامه وخلفه ويمينه ويساره، وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل ~~في العادة وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة بل تنطفئ الشعلة التي تحت القدم ~~ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفئ بالدوس موضع القدم. ms2454 # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: {من فوقهم ومن تحت أرجلهم} ولم يقل من ~~فوق رؤوسهم ولا قال من فوقهم ومن تحتهم بل ذكر المضاف إليه عند ذكر تحت ولم ~~يذكره عند ذكر فوق؟ أجيب: بأن نزول النار من فوق سواء كان من سمت الرأس أم ~~من موضع آخر عجب لأن طبع النار الصعود إلى فوق فلهذا لم يخصه بالرؤوس، وأما ~~بقاء النار تحت القدم فهو عجب وإلا فمن جوانب القدم في الدنيا تكون الشعلة ~~فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطفئ بالدوس، وأما فوق فعلى الإطلاق ~~وقوله تعالى {ونقول} قرأ نافع والكوفيون بالياء أي: الموكل بالعذاب من ~~ملائكته بأمره، والباقون بالنون أي: نأمر بالعذاب، ولما بين عذاب أجسامهم ~~بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة {ذوقوا ما ~~كنتم تعملون} جعل ذلك عين ما كانوا يعملون مبالغة بطريق اسم المسبب على ~~السبب فإن عملهم كان سببا لعذابهم وهذا كثير في الاستعمال، ولما ذكر تعالى ~~حال المشركين على حدة وحال أهل الكتاب على حدة وجمعهما في الإنذار وجعلهما ~~من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من ~~العبادة قال تعالى:. # {يا عبادي الذين آمنوا} فشرفهم بالإضافة إليه {إن أرضي واسعة} أي: في ~~الذات والرزق وكل ما تريدون من الرفق إن لم تتمكنوا بسبب هؤلاء المعاندين ~~الذين يفتنونكم في دينكم، قال مقاتل والكلبي: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة يقول ~~الله تعالى: # PageV03P148 # إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها فإن أرض المدينة ~~واسعة آمنة وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا وفيها، وقال سعيد بن ~~جبير: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة، وكذا يجب على ~~كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث ~~تتهيأ له العبادة ولكن صارت البلدان في زماننا كلها متساوية فلا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم. # وقرأ بفتح الياء ابن عامر، والباقون ms2455 بتسكينها، وقيل نزلت في قوم تخلفوا ~~عن الهجرة بمكة وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج، وقال مطرف بن عبد الله: أرضي ~~واسعة يعني رزقي لكم واسع فاخرجوا، روى الثعلبي عن الحسن البصري مرسلا: «من ~~فر بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبرا استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ~~ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما» . # تنبيه: قوله تعالى: {يا عبادي} لا يدخل فيه الكافر لوجوه: الأول: قوله ~~تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} (الحجر: 42) # والكافر تحت سلطنة الشيطان فلا يدخل في قوله تعالى يا عبادي. الثاني: ~~قوله تعالى: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} ~~(الزمر: 53) # الثالث: أن العباد مأخوذ من العبادة والكافر لا يعبد الله فلا يدخل في ~~قوله تعالى {يا عبادي} وإنما يختص بالمؤمنين الذين يعبدونه، الرابع: ~~الإضافة بين الله تعالى والعبد يقول العبد إلهي ويقول الله عبدي، فإن قيل: ~~إذا كان عباده لا يتناول إلا المؤمنين فما الفائدة في قوله {الذين آمنوا} ~~مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف كما يقال: يا أيها المكلفون ~~المؤمنون، يا أيها الرجال العقلاء تمييزا بين الكافر والجاهل؟ أجيب: بأن ~~الوصف يذكر لا لتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما يقال: الأنبياء ~~المكرمون، والملائكة المطهرون، مع أن كل نبي مكرم، وكل ملك مطهر، وإنما ~~يقال لبيان أن فيهم الإكرام والطهارة، ومثله قولنا، الله العظيم فههنا ذكر ~~لبيان أنهم مؤمنون ولما كانت الإقامة بمكة قبل الفتح مودية إلى الفتنة قال ~~تعالى: {فإياي} أي: خاصة بالهجرة إلى أرض تأمنون فيها {فاعبدون} أي: وحدون ~~وإن كان بالهجرة وكانت هجرة الأهل والأوطان شديدة، فإن قيل: قوله تعالى: ~~{يا عبادي} يفهم منه كونهم عابدين فما الفائدة في الأمر بالعبادة؟ أجيب: ~~بأن فيه فائدتين أحداهما: المداومة أي: يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني ~~في المستقبل، الثانية: الإخلاص أي: يا من تعبدني أخلص العمل لي ولا تعبد ~~غيري، فإن قيل ما معنى الفاء في ms2456 فاعبدون؟ أجيب: بأن الفاء جواب شرط محذوف ~~لأن المعنى إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرضي فأخلصوها في ~~غيرها، ولما أمر الله تعالى عباده بالحرص على العبادة وصدق الاهتمام بها ~~حتى يتطلبوا لها أوفق البلاد وإن بعدت وشق عليهم ترك الأوطان ومفارقة ~~الإخوان خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة بقوله تعالى: # {كل نفس ذائقة الموت} أي: كل نفس مفارقة ما ألفته حتى بدنا طالما لبسته ~~وأنسها وأنسته فإن أطاعت ربها أنجت نفسها ولم تنقصها الطاعة من الأجل شيئا ~~وإلا أوبقت نفسها ولم تزدها المعصية في الأجل شيئا فإذا قدر الإنسان أنه ~~ميت سهلت عليه الهجرة فإنه إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه ~~بالموت، وقد ورد «أكثروا # PageV03P149 # من ذكر هادم اللذات أي: الموت فإنه ما ذكر في قليل أي: من العمل إلا كثره ~~ولا ذكر في كثير أي: من أمل الدنيا إلا قلله، ولما هون أمر الهجرة حذر من ~~رضي في دينه بنقص شيء من الأشياء حثا على الاستعداد بغاية الجهد في التزود ~~للمعاد بقوله تعالى: {ثم إلينا ترجعون} على أيسر وجه فنجازي كلا منكم بما ~~عمل، وقرأ أبو بكر بالياء التحتية، والباقون بالتاء الفوقية. # {والذين آمنوا وعملوا} أي: تصديقا لإيمانهم {الصالحات لنبؤنهم} أي: ~~لننزلنهم {من الجنة غرفا} أي: بيوتا عالية، قال البقاعي: تحتها قاعات ~~واسعة، وقرأ حمزة والكسائي بعد النون بثاء مثلثة ساكنة وبعدها واو مكسورة ~~وبعد الواو ياء مفتوحة أي: لنثوينهم أي: لنقيمنهم من الثواء وهو الإقامة ~~يقال ثوى الرجل إذا أقام فيكون انتصاب غرفا لإجرائه مجرى لننزلنهم، أو بنزع ~~الخافض اتساعا أي: في غرف أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم كقوله: {لأقعدن ~~لهم صراطك} (الأعراف: 16) ، والباقون بعد النون بباء موحدة وبعدها واو ~~مشددة وبعد الواو همزة مفتوحة وعلى هذه القراءة فانتصابها على أنها مفعول ~~ثان لأن بوأ يتعدى لاثنين، قال الله تعالى: {تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} ~~(آل عمران: 121) # ويتعدى باللام قال تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم} (الحج: 26) ، ولما كانت ~~العلالي لا تروق إلا بالرياض قال ms2457 تعالى: {تجري من تحتها الأنهار} ومن ~~المعلوم أنه لا يكون في موضع أنهار إلا أن يكون فيه بساتين كبار وزروع ~~ورياض وأزهار فيشرفون عليها من تلك العلالي، ولما كانت بحالة لا نكر فيها ~~يوجب هجرة في لحظة ما كنى عنه بقوله تعالى: {خالدين فيها} أي: لا يبغون ~~عنها حولا، ثم عظم أمرها وشرف قدرها بقوله تعالى: {نعم أجر العاملين} أي: ~~هذا الأجر وهذا في مقابلة قوله تعالى للكافر: {ذوقوا ما كنتم تعملون} ~~(العنكبوت: 55) ، ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة بقوله تعالى: # {الذين صبروا} أي: أوجدوا هذه الحقيقة حتى استقرت عندهم فكانت سجية لهم ~~فأوقفوها على كل شاق من التكاليف من هجرة وغيرها فإن الإنسان قل أن ينفك عن ~~أمر شاق ينبغي الصبر عليه، ثم رغب في الاستراحة بالتفويض إليه بقوله تعالى: ~~{وعلى ربهم} أي: المحسن إليهم وحده لا على أهل ولا وطن {يتوكلون} أي: ~~يوجدون التوكل إيجادا مستمرا لتجديد كل مهم يعرض لهم، ولما أشار بالتوكل ~~إلى أنه الكافي في أمر الرزق في الوطن والغربة لا مال ولا أهل قال عاطفا ~~على ما تقديره فكأين من متوكل عليه كفاه ولم يحوجه إلى أحد سواه فليبادر من ~~أنقذه من الكفر وهداه إلى الهجرة طلبا لرضاه. # {وكأين من دابة} أي: كثير من الدواب العاقلة وغيرها {لا تحمل} أي: لا ~~تطيق أن تحمل {رزقها} أي: لا تدخر شيئا لساعة أخرى لأنها قد لا تدرك نفع ~~ذلك وقد تدركه وتتوكل، وعن الحسن: لا تدخر إنما تصبح فيرزقها الله تعالى، ~~وعن ابن عيينة: ليس شيئا يخبأ إلا الإنسان والنملة والفارة، وعن بعضهم قال ~~رأيت البلبل يدخر في حنية، ويقال للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها أو لا تجده ~~أو لا تطيق حمله لضعفها، ثم كأنه قيل فمن يرزقها فقيل {الله} أي: المحيط ~~علما وقدرة المتصف بكل كمال {يرزقها} على ضعفها وهي لا تدخر {وإياكم} مع ~~قوتكم وادخاركم واجتهادكم لا فرق بين ترزيقه لها على # PageV03P150 # ضعفها وعدم ادخارها، وترزيقه لكم على قوتكم وادخاركم فإنه هو المسبب وحده ms2458 ~~فإن الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدون فصار الإدخار وعدمه غير معتد به ~~ولا منظورا إليه، وقرأ ابن كثير بعد الكاف بألف وبعد الألف همزة مكسورة، ~~والباقون بعد الكاف همزة مفتوحة وبعدها ياء مشددة، ووقف أبو عمرو على ~~الياء، ووقف الباقون على النون، وحمزة في الوقف يسهل الهمزة على أصله. # تنبيه: كأين كلمة مركبة من كاف التشبيه وأي: التي تستعمل استعمال من وما ~~ركبتا وجعل المركب بمعنى كم ثم لم تكتب إلا بالنون ليفصل بين المركب وغير ~~المركب لأن كأي تستعمل غير مركبة كما يقول القائل: رأيت رجلا كأي رجل يكون ~~وحينئذ لا يكون كأي: مركبا فإذا كان كأي ههنا مركبا كتب بالنون للتمييز ~~{وهو السميع} لأقوالكم نخشى الفقر والضيعة {العليم} بما في ضمائركم. # واختلف في سبب نزول هذه الآية فعن ابن عمر أنه قال دخلت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حائطا من حوائط الأنصار: «فجعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يلتقط الرطب بيده ويأكل فقال كل يا ابن عمر قلت: لا أشتهيه يا رسول ~~الله قال لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة لم أطعم طعاما ولم أجده فقلت: يا رسول ~~الله إن الله المستعان فقال: يا ابن عمر لو سألت ربي لأعطاني مثل ملك كسرى ~~وقيصر أضعافا مضاعفة ولكني أجوع يوما وأشبع يوما فكيف بك يا ابن عمر إذا ~~عمرت وبقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة ويضعف اليقين فنزلت {وكأين من ~~دابة} (العنكبوت: 60) # وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: للمؤمنين الذين كانوا بمكة ~~وآذاهم المشركون «هاجروا إلى المدينة فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس ~~لنا بها دار ولا مال فمن يطعمنا ويسقينا فنزلت» وعن أنس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «كان لا يدخر شيئا» وقال صلى الله عليه وسلم «لو أنكم تتوكلون ~~على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» وقال صلى ~~الله عليه وسلم «أيها الناس ليس شيء يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار ~~إلا وقد ms2459 أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد ~~نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي ~~رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه ~~بمعاصي الله فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته» . # {ولئن} اللام لام قسم {سألتهم} أي: كفار مكة وغيرهم {من خلق السموات ~~والأرض} وسواهما على هذا النظام العظيم {وسخر الشمس والقمر} لإصلاح الأقوات ~~ومعرفة الأوقات وغير ذلك من المنافع {ليقولن الله} أي: الذي له جميع صفات ~~الكمال لما تقرر في نظرهم من ذلك وتلقوه من آبائهم موافقة للحق في نفس ~~الأمر {فأنى} أي: فكيف ومن أي وجه {يؤفكون} أي: يصرفون عن توحيده بعد ~~إقرارهم بذلك، فإن قيل: ذكر في السموات والأرض الخلق، وفي الشمس والقمر ~~التسخير؟ أجيب: بأن مجرد خلق السموات والأرض آية ظاهرة بخلاف خلق الشمس ~~والقمر فإنهما لو كانا في موضع واحد لا يتحركان ما حصل الليل والنهار # PageV03P151 # ولا الصيف ولا الشتاء فإذا الحكمة الظاهرة في تحريكهما وتسخيرهما، ولما ~~كان قد يشكل على ذلك التفاوت في الرزق عند من لم يتأمل حق التأمل فيقول: ما ~~بال الخلق متفاوتين في الرزق قال تعالى: # {الله} أي: بما له من الإحاطة بصفات الكمال {يبسط الرزق} بقدرته التامة ~~امتحانا {لمن يشاء من عباده} على حسب ما يعلم من بواطنهم {ويقدر} أي: يضيق ~~{له} بعد البسط أو لمن يشاء ابتلاء فظهر من ذلك قدرته وحكمته وأنت ترى ~~الملوك وغيرهم من الأقوياء يفاوتون في الرزق بين عمالهم بحسب ما يعلمون من ~~علمهم الناقص بأحوالهم فما ظنك بملك الملوك العالم علما لا تدنو من ساحته ~~ظنون ولا شكوك كما قال تعالى: {إن الله} أي: الذي له صفات الكمال {بكل شيء} ~~أي: من المرزوقين ومن الأرزاق وكيف يمنع أو يساق وغير ذلك {عليم} يعلم ~~مقادير الحاجات والأرزاق فهو على ذلك كله قدير يعلم ما يصلح العباد من ذلك ~~وما يفسدهم ويعطيهم بحسب ذلك إن شاء وكم رام ms2460 بعض الأقوياء إغناء فقير ~~وإفقار غني فكشف الحال عن فساد ما راموا من الانتقال، ولما قال الله تعالى: ~~{الله يبسط الرزق} ذكر اعترافهم بذلك بقوله تعالى: # {ولئن} اللام لام قسم {سألتهم من نزل من السماء ماء} بعد أن كان مضبوطا ~~في جهة العلو {فأحيا به الأرض} الغبراء وأشار بإثبات الجار إلى قرب الإنبات ~~من زمان الممات فقال: {من بعد موتها} فصارت خضراء تهتز بعد أن لم يكن لها ~~شيء من ذلك {ليقولن الله} معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها أصولها ~~وفروعها، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على شيء من ذلك فلما ~~ثبت أنه الخالق بدء وإعادة كما يشاهد في كل زمان قال منبها على عظمة صفاته ~~اللازم من إثباتها صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم {قل} يا أفضل الخلق ~~متعجبا منهم في جمودهم كيف يقرون بما يلزمهم التوحيد ثم لا يوحدون؟ {الحمد ~~لله} الذي لا سمي له وليس لغيره إحاطة من الأشياء فلزمتهم الحجة بما أقروا ~~به من إحاطته وهم لا يثبتون ذلك بإعراضهم {بل أكثرهم لا يعقلون} فيناقضون ~~حيث يقرون بأنه المبدئ لكل ما عداه ثم إنهم يشركون به غيره مما هم معترفون ~~بأنه خلقه فهم لا يعرفون معنى الحمد حيث لم يعملوا به، ومنهم من آمن بعد ~~ذلك فكان في الذروة من كمال العقل في التوحيد الذي يلزمه سائر الفروع، ~~ومنهم من كان دون ذلك فكان نفي العقل عنه مقيدا بالكمال، ولما تبين بهذه ~~الآيات أن الدنيا مبنية على الفناء والزوال والتقلع والارتحال وصح أن ~~السرور بها في غير موضعه فلذلك قال مشيرا بعد سلب العقل عنهم إلى أنهم فيها ~~كالبهائم يتهارجون: # {وما هذه الحياة الدنيا} فحقرها بالإشارة ولفظ الدناءة مع الإشارة إلى ~~هذا الاعتراف فهذا الاسم كاف في الإلزام بالاعتراف بالأخرى {إلا لهو} وهو ~~الاستمتاع بلذات الدنيا {ولعب} وهو العبث وسميت بهما لأنها فانية، وقيل: ~~اللهو الإعراض عن الحق، واللعب: الإقبال على الباطل، فإن قيل: قد قال تعالى ~~في الأنعام: {وما الحياة الدنيا} ms2461 (آل عمران، 185) ولم يقل {وما هذه الحياة} ~~وقال ههنا: {وما هذه الحياة} فما فائدته أجيب بأن المذكور من قبل ههنا أمر ~~الدنيا فأحيا به الأرض من بعد موتها فقال # PageV03P152 # هذه والمذكور قبلها هناك الآخرة حيث قال {يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ~~وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} (الأنعام: 31) # فلم تكن الدنيا في ذلك الوقت في خاطرهم فقال تعالى: {وما الحياة الدنيا} ~~، فإن قيل ما الحكمة في تقديمه هناك اللعب على اللهو وههنا أخر اللعب عن ~~اللهو؟ أجيب: بأنه لما كان المذكور من قبل هناك الآخرة وإظهارهم للحسرة ففي ~~ذلك الوعد يبعد الاستغراق في الدنيا بل نفس الاشتغال بها فأخذ الأبعد، ~~وههنا لما كان المذكور من قبل الدنيا وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال ~~عليها والاستغراق فيها، اللهم إلا لمانع يمنع من الاستغراق فيشتغل بها من ~~غير استغراق فيها أو لعاصم يعصمه فلا يشتغل بها أصلا وكان الاستغراق أقرب ~~من عدمه فقدم اللهو، ولما كانوا ينكرون الحياة بعد الموت أخبر على سبيل ~~التأكيد أنه لا حياة غيرها بقوله تعالى: # {وإن الدار الآخرة لهي} أي: خاصة {الحيوان} أي: الحياة التامة الباقية، ~~فإن قيل ما الحكمة في قوله تعالى هناك {ولدار الآخرة خير} وقال ههنا: {وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان} ؟ أجيب: بأنه لما كان الحاصل هناك حال إظهار ~~الحسرة ما كان المكلف يحتاج إلى وازع قوي فقال: الآخرة خير، ولما كان الحال ~~هنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع قوي فقال لا حياة إلا حياة ~~الآخرة، والحيوان مصدر حيي وقياسه حييان فقلبت الياء الثانية واوا وبه سمي ~~ما فيه حياة حيوانا وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة ~~والاضطراب اللازم للحياة ولذلك اختير عليها ههنا، ولما كانوا قد غلطوا في ~~الدارين كليهما فنزلوا كل واحدة منهما غير منزلتها فعدوا الدنيا وجودا ~~دائما على هذه الحالة وعدوا الآخرة عدما لا وجود لها بوجه قال تعالى: {لو ~~كانوا يعلمون} أي: لم يؤثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة والحياة ~~فيها عارضة سريعة ms2462 الزوال، فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في الأنعام: ~~{أفلا يعقلون} وقال ههنا: {لو كانوا يعلمون} ؟ أجيب: بأن المثبت هناك كون ~~الآخرة خيرا ولأنه ظاهر لا يتوقف إلا على العقل والمثبت هنا أن لا حياة إلا ~~حياة الآخرة وهذا دقيق لا يعرف إلا بعلم نافع. # {فإذا} أي: فتسبب عن عدم عقلهم المستلزم لعدم علمهم إنهم إذا {ركبوا} ~~البحر {في الفلك} أي: السفن {دعوا الله} أي: الملك الأعلى {مخلصين} ~~بالتوحيد {له الدين} معرضين عن الشركاء بالقلب واللسان حيث لا يذكرون إلا ~~الله ولا يدعون سواه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو {فلما نجاهم} أي: ~~الله سبحانه وتعالى موصلا لهم {إلى البر إذا هم} أي: حين الوصول إلى البر ~~{يشركون} كما كانوا فهذا إخبار عنهم بأنهم عند الشدائد مقرون أن القادر على ~~كشفها هو الله عز وجل وحده فإذا زالت عادوا إلى كفرهم. # قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا في البحر حملوا معهم الأصنام فإذا ~~اشتد عليهم الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب يا رب، وقال الرازي في ~~اللوامع: وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان وأنهم إن غفلوا في ~~السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء انتهى، فعلم أن الاشتغال ~~بالدنيا هو الصاد عن كل خير وأن الانقطاع عنها معين للفطرة الأولى ~~المستقيمة ولهذا تجد الفقراء أقرب إلى كل خير، وفي اللام في قوله تعالى: # {ليكفروا بما آتيناهم} وجهان: أظهرهما أن اللام فيه لام كي أي: يشركون ~~ليكونوا كافرين # PageV03P153 # بشركهم نعمة النجاة فيكون ذلك فعل من لا عقل له أصلا وهم يتحاشون عن مثل ~~ذلك، والثاني: كونها للأمر {وليتمتعوا} باجتماعهم على عبادة الأصنام ~~وتوادهم عليها، وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بالكسر وهي محتملة ~~للوجهين المتقدمين، والباقون بالسكون وهي ظاهرة في الأمر فإن كانت اللام ~~الأولى للأمر فقد عطف أمرا على مثله، فإن قيل كونها للأمر مشكل إذ كيف يأمر ~~الله تعالى بالكفر وهو متوعد عليه؟ أجيب: بأن ذلك على سبيل ms2463 التهديد كقوله ~~تعالى: {اعملوا ما شئتم} (فصلت: 40) # وإن كانت للعلة فقد عطف كلاما على كلام فيكون المعنى لا فائدة لهم في ~~الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في ~~الآخرة {فسوف يعلمون} يومئذ ما يحل بهم من العقاب، ولما كان الإنسان يكون ~~في البحر على أخوف ما يكون وفي بيته يكون على آمن ما يكون لا سيما إذا كان ~~بيته في بلد حصين فلما ذكر الله المشركين عند الخوف الشديد ورأوا أنفسهم في ~~تلك الحالة راجعة إلى الله ذكرهم حالهم عند الأمر العظيم بقوله تعالى: # {أولم يروا} أي: أهل مكة بعيون بصائرهم {أنا جعلنا} بعظمتنا لهم {حرما} ~~وقال {آمنا} لأنه لا خوف على من دخله، فلما أمن كل من دخله كان كأنه هو ~~نفسه الآمن وهو حرم مكة فإنها مدينتهم وبلدهم وفيها سكناهم ومولدهم وهي ~~حصينة بحصن الله وآمنة موجبة للتوحيد والإخلاص لأنكم في أخوف ما أنتم دعوتم ~~الله وفي آمن ما حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض لأن دعاءكم في ذلك ~~الوقت على سبيل الإخلاص فما كان إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير وهذه ~~النعمة العظيمة التي حصلتم وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله فكيف ~~تكفرون بها؟ والأصنام التي قلتم في حال الخوف أنها لا أمن لها كيف آمنتم ~~بها في حال الأمن {و} الحال أنه {يتخطف الناس من حولهم} أي: من حول من فيه ~~من كل جهة قتلا وسبيا مع قلة من بمكة وكثرة من حولهم فالذي خرق العادة في ~~فعل ذلك حتى صار على هذا السنن قادر على أن يعكس الحال فيجعل من بالحرم ~~متخطفا ومن حوله آمنا أو يجعل الكل في الخوف على منهاج واحد {أفبالباطل} من ~~الشياطين والأديان وغيرهما {يؤمنون} والحال أنه لا يشك عاقل في بطلانه ~~{وبنعمة الله} التي أحدثها لهم من الإنجاء وإرسال محمد صلى الله عليه وسلم ~~{يكفرون} حيث جعلوا موضع شكرهم له على النجاة وغيرها شركهم بعبادة غيره. # {ومن أظلم} أي: أشد ms2464 وضعا للأشياء في غير مواضعها {ممن افترى} أي: تعمد ~~{على الله كذبا} أي: أي كذب كان من الشرك وغيره كما كانوا يقولون {إذا ~~فعلوا فاحشة وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} {أو كذب بالحق} أي: النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو القرآن المعجز المبين على لسان هذا الرسول الأمين ~~الذي ما أخبر خبرا إلا طابقه الواقع {لما} أي: حين {جاءه} من غير إمهال إلى ~~أن ينظر ويتأمل بل سارع إلى التكذيب أول ما سمعه وقوله تعالى: {أليس في ~~جهنم مثوى للكافرين} استفهام تقرير لمثواهم كقوله: # *ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح* # قال بعضهم: ولو كان استفهاما ما أعطاه الخليفة مائة من الإبل، وحقيقته أن ~~الهمزة همزة # PageV03P154 # الإنكار دخلت على النفي فرجع إلى معنى التقرير، والمعنى أما لهذا الكافر ~~المكذب مثوى في جهنم حتى اجترأ مثل هذه الجراءة؟. # {والذين جاهدوا} أي: أوقعوا الجهاد بغاية جهدهم على ما دل عليه بالمفاعلة ~~{فينا} أي: بسبب حقنا ومراقبتنا خاصة بلزوم الطاعات من جهاد الكفار وغيرهم ~~من كل ما ينبغي الجهاد فيه بالقول والفعل في الشدة والرخاء ومخالفة الهوى ~~عند هجوم الفتن وشدائد المحن مستحضرين لعظمتنا {لنهدينهم} مما نجعل لهم من ~~النور الذي لا يضل من صحبه هداية تليق بعظمتنا {سبلنا} أي: طريق السير ~~إلينا وهي الطريق المستقيمة والطريق المستقيمة هي التي توصل إلى رضا الله ~~عز وجل، قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور ~~فإن الله تعالى قال {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقال الحسن: ~~الجهاد مخالفة الهوى، وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم ~~لنهدينهم سبل العمل به، وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في طاعتنا ~~لنهدينهم سبل ثوابنا، وقال أبو سليمان الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا ~~لنهدينهم إلى ما لم يعلموا، وعن بعضهم: من عمل بما يعلم وفق لما لم يعلم، ~~وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لم نعلم إنما هو من تقصيرنا فيما نعلم، ~~وقيل: المجاهدة هي الصبر على ms2465 الطاعة، وقرأ أبو عمرو بسكون الباء الموحدة، ~~والباقون بضمها {وإن الله} أي: بعظمته وجلاله وكبريائه {لمع المحسنين} أي: ~~المؤمنين بالنصرة والمعونة في دنياهم والمغفرة والثواب في عقباهم، وما رواه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة ~~العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المؤمنين والمنافقين» فهو حديث ~~موضوع، ورواه ابن عادل عن أبي أمامة عن أبي بن كعب. ### | سورة الروم # مكية وهي ستون آية، وثمانمائة وتسع عشرة كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة ~~وأربعة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الذي يملك الأمر كله {الرحمن} الذي رحم الخلق كلهم بنصب ~~الدلائل {الرحيم} الذي لطف بأوليائه وقوله تعالى: # {الم} تقدم الكلام على ذلك في أول سورة البقرة، وقال البقاعي: لما ختم ~~سبحانه وتعالى التي قبلها بأنه مع المحسنين قال: {ألم} مشيرا بألف القيام ~~والعلو ولام الوصلة وميم التمام إلى أن الله الملك الأعلى القيوم أرسل ~~جبريل عليه الصلاة والسلام الذي هو وصلة بينه وبين أنبيائه عليهم السلام ~~إلى أشرف خلقه محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق يوحي ~~إليه وحيا معلما بالشاهد والغائب فيأتي الأمر على ما أخبر به دليلا على صحة ~~رسالته وكمال علم مرسله وشمول قدرته ووجوب وحدانيته. # {غلبت الروم} وهم أهل كتاب، غلبتهم فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون ~~الأوثان. # {في أدنى الأرض} أي: أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة، التقى فيها ~~الجيشان والبادي بالغزو الفرس {وهم} أي: الروم {من بعد غلبهم} أضيف المصدر ~~إلى المفعول أي: غلبة فارس إياهم {سيغلبون} فارس. # {في بضع سنين} وهو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر، فالتقى الجيشان في ~~السنة السابعة # PageV03P155 # من الالتقاء الأول وغلبت الروم فارس، وسبب نزول هذه الآية على ما ذكره ~~المفسرون أنه كان بين فارس والروم قتال وكان المشركون يودون أن تغلب فارس ~~لأن أهل فارس كانوا مجوسا أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس ~~لكونهم أهل كتاب فبعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليه رجلا يقال له ~~شهريار، وبعث قيصر جيشا ms2466 واستعمل عليه رجلا يدعى بخنس، فالتقى مع شهريار ~~بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض العرب فغلبت فارس الروم، وبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يكره أن تظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، ~~وفرح كفار مكة وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن ~~أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم ولنظهرن عليكم ~~فنزلت هذه الآية. فخرج أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إلى الكفار فقال: ~~فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك ~~نبينا صلى الله عليه وسلم فقال له أبي بن خلف الجمحي: كذبت يا أبا فضيل ~~فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله فقال: اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه ~~والمناحبة المراهنة فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما فإن ظهرت الروم ~~على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت وجعلا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال ما هكذا ذكرت إنما البضع ما ~~بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل، فخرج أبو بكر فلقي ~~أبيا فقال: لعلك ندمت قال: لا فتعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل ~~فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين. وقيل: إلى سبع سنين قال: قد فعلت، فلما ~~خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه فلزمه وقال: إني أخاف أن تخرج ~~من مكة فأقم # لي كفيلا فكفله له ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن ~~يخرج إلى أحد أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه وقال: والله لا أدعك حتى ~~تعطيني كفيلا فأعطاه كفيلا ثم خرج إلى أحد ثم رجع أبي بن خلف فمات بمكة من ~~جراحته التي جرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بارزه، وظهرت الروم على ~~فارس يوم الحديبية وذلك عند ms2467 رأس سبع سنين من مناحبتهم، وقيل كان يوم بدر ~~فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال تصدق به، وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة على صحة النبوة وأن ~~القرآن من عند الله لأنه أنبأ عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. # فإن قيل: كيف صحت المناحبة وإنما هي قمار؟ أجيب: بأن قتادة رحمه الله ~~تعالى قال: كان ذلك قبل تحريم القمار، وقال الزمخشري: ومذهب أبي حنيفة ~~ومحمد أن العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها جائزة في دار الحرب بين ~~المسلمين والكفار وقد احتجا على صحة ذلك بما عقده أبو بكر رضي الله عنه ~~بينه وبين أبي بن خلف. ولما كان تغلب ملك على ملك من الأمور الهائلة وكان ~~الإخبار به قبل كونه أهول ذكر علة ذلك بقوله تعالى: {لله} أي: وحده {الأمر ~~من قبل} أي: قبل جولة فارس على الروم ثم دولة الروم على فارس {ومن بعد} أي: ~~بعد دولة الروم عليهم ودولتهم على الروم، ولما أخبر تعالى بهذه المعجزة ~~أخبر بمعجزة # PageV03P156 # أخرى بقوله تعالى: {ويومئذ} أي: تغلب الروم على فارس {يفرح المؤمنون} أي: ~~العريقون في هذا الوصف من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم # {بنصر الله} أي: الذي لا راد لأمره للروم على فارس، وقد فرحوا بذلك ~~وعلموا به يوم وقوعه يوم بدر بنزول جبريل عليه السلام بذلك فيه مع فرحهم ~~بنصرهم على المشركين فيه، قال السدي: فرح النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك، ~~وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدر وفي هذا اليوم نصر المؤمنون. {ينصر ~~من يشاء} من ضعيف وقوي لأنه لا مانع له ولا يسأل عما يفعل، فالغلبة لا تدل ~~على الحق بل الله قد يزيد ثواب المؤمن فيبتليه ويسلط عليه الأعادي، وقد ~~يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم المعاد {وهو العزيز} ~~فلا يعز من عادى ولا يذل من ms2468 والى، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون ~~الهاء والباقون بالضم، ولما كان السياق لبشارة المؤمنين قال {الرحيم} ~~فيخصهم بالأعمال الزكية والأخلاق المرضية. # {وعد الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال، مصدر مؤكد ناصبه مضمر أي: ~~وعدهم الله ذلك وعدا بظهور الروم على فارس {لا يخلف الله} أي: الذي له ~~الأمر كله {وعده} به، وهذا مقرر لمعنى هذا المصدر، ويجوز أن يكون قوله ~~تعالى: {لا يخلف الله وعده} حالا من المصدر فيكون كالمصدر الموصوف فهو مبين ~~للنوع كأنه قيل: وعد الله وعدا غير مخلف {ولكن أكثر الناس} لجهلهم وعدم ~~تفكرهم {لا يعلمون} ذلك. وقوله تعالى: # {يعلمون} بدل من قوله تعالى {لا يعلمون} وفي هذا الإبدال من النكتة أنه ~~أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسد مسده ليعلمه أنه لا فرق بين عدم ~~العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يجاوز الدنيا {ظاهرا من ~~الحياة الدنيا} يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا: فظاهرها: ما يعرفه الجهال من ~~أمر معايشهم كيف يكسبون ويتجرون ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون وكيف يبنون ~~ويعرشون، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه وهو لا ~~يخطئ، وهو لا يحسن يصلي. وأمثال هذا الهم كثير وهو وإن كان عند أهل الدنيا ~~عظيما فهو عند الله حقير فلذلك حقره لأنهم ما زادوا فيه على أن ساووا ~~البهائم في إدراكها ما ينفعها فتستجلبه بضروب من الحيل، وما يضرها فتدفعه ~~بأنواع من الخداع، وأما علم باطنها: وهو أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها ~~بالطاعة فهو ممدوح، وفي تنكير الظاهر إشارة إلى أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا ~~واحدا من جملة ظواهرها {وهم} أي: هؤلاء الموصوفون خاصة {عن الآخرة} أي: ~~التي هي المقصودة بالذات، وما خلقت الدنيا إلا للتوصل بها إليها ليظهر ~~الحكم بالقسط وجميع صفات العز والكبر والجلال والإكرام {هم غافلون} أي: في ~~غاية الاستغراق والإضراب عنها بحيث لا تخطر في خواطرهم. # تنبيه: هم الثانية يجوز أن تكون مبتدأ، وغافلون خبره، والجملة خبر هم ~~الأولى، وأن تكون تكريرا للأولى، {وغافلون} ms2469 خبرا للأولى، وأية كانت فذكرها ~~مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرها ومعلمها، وأنها منهم تنبع ~~وإليهم ترجع. # {أولم يتفكروا} أي: يجتهدوا في إعمال الفكر، وقوله تعالى {في أنفسهم} ~~يحتمل أن يكون ظرفا كأنه قيل: أولم يحدثوا الفكر في أنفسهم # PageV03P157 # أي: في قلوبهم الفارغة من التفكر، والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكنه ~~زيادة تصوير لحال المتفكرين كقولك: اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك. وأن ~~يكون صلة أي: أو لم يتفكروا في أحوالها خصوصا فيعلموا أن من كان منهم قادرا ~~كاملا لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص فكيف بالإله الحق. ويعلموا أن الذي ساوى ~~بينهم في الإيجاد من العدم وطورهم في أطوار الصور، وفاوت بينهم في القوى ~~والقدر، وبين أحوالهم في الطول والقصر، وسلط بعضهم على بعض بأنواع الضرر، ~~ومات أكثرهم مظلوما قبل القصاص والظفر، لا بد في حكمته البالغة من جمعه ~~العدل بينهم في جزاء من وفى أو غدر، أو شكر أو كفر. ففي ذلك دلالة على ~~وحدانية الله تعالى وعلى الحشر، ثم ذكر تعالى نتيجة ذلك وعلله بقوله في ~~أسلوب التأكيد لأجل إنكارهم. وعلى التقدير الأول يكون المتفكر فيه {ما خلق ~~الله} أي: بعز جلاله وعلوه في كماله {السموات والأرض} على ما هما عليه من ~~النظام المحكم والقانون المتقن، قال البقاعي: وإفراد الأرض لعدم دليل حسي ~~أو عقلي يدلهم على تعددها بخلاف السماء ا. ه وقد يرد هذا بقوله تعالى: {خلق ~~سبع سموات ومن الأرض مثلهن} (الطلاق: 120) # {وما بينهما} من المعاني التي بها كمال منافعهما {إلا} خلقا متلبسا ~~{بالحق} أي: الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، فإذا ذكر البعث الذي هو مبدأ ~~الآخرة التي هذا أسلوبها وجد الواقع في تصوير النطف ونفخ الروح وتمييز ~~الصالح منهما للتصوير من الفاسد يطابق ذلك، وإذا تدبر النبات بعد أن كان ~~هشيما قد نزل عليه الماء فزها واهتز وربا وجده مطابقا لأمر البعث، وإذا ذكر ~~القدرة فرأى اختلاف الليل والنهار وسير الكواكب الصغار والكبار، وإمطار ~~الأمطار وإجراء الأنهار، ونحو ذلك من الأسرار ms2470 رآه مطابقا لكل ما يخطر ~~بالبال، ولما كان عندهم أن هذا الوجود حياة وموت لا إلى نفاد قال تعالى ~~{وأجل} لا بد أن ينتهي إليه {مسمى} أي: في العلم من الأزل، لذلك يفنى عند ~~انتهائه وبعده البعث، ولما كانوا ينكرون أنهم على كفر أكد قوله تعالى {وإن ~~كثيرا من الناس} مع ذلك على وضوحه {بلقاء ربهم} أي: الذي ملأهم إحسانا ~~برجوعهم في الآخرة إلى العرض عليه للثواب والعقاب {لكافرون} أي: لا يؤمنون ~~بالبعث بعد الموت. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى ههنا {وإن كثيرا من الناس} وقال من ~~قبل {ولكن أكثر الناس} ؟ أجيب: بأن فائدته أنه من قبل لم يذكر دليلا على ~~الأصلين وههنا قد ذكر الدلائل الراسخة والبراهين اللائحة، ولا شك في أن ~~الإيمان بعد الدليل أكثر من الإيمان قبل الدليل. فبعد الدليل لا بد أن يؤمن ~~من ذلك جمع فلا يبقى الأكثر كما هو، فقال بعد إقامة الدليل: و {إن كثيرا} ~~وقال قبله: {ولكن أكثر الناس} لأنه بعد الدليل لا يمكن الذهول عنه وهو ~~السموات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التي فوقه والأرض ~~التي تحته، فلهذا ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمثالهم وحكاية أشكالهم فقال: # {أو لم يسيروا في الأرض} أي: سير اعتبار، وقوله تعالى {فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم} من الأمم وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم تقريرا لسيرهم ~~في أقطار الأرض، ونظرهم إلى آثار المدمرين كعاد وثمود {كانوا أشد منهم} أي: ~~العرب {قوة} أي: في أبدانهم وعقولهم {وأثاروا الأرض} أي: # PageV03P158 # حرثوها وقلبوها للزرع والغرس والمعادن والمياه وغير ذلك {وعمروها} أي: ~~أولئك السالفون {أكثر مما عمروها} أي: هؤلاء الذين أرسلت إليهم بل ليس لهم ~~من إثارة الأرض وعمارتها كبير أمر، فإن بلاد العرب إنما هي في جبال سود، ~~وفياف غبر، فما هو إلا تهكم بهم وبيان لضعف حالهم في دنياهم التي لا فخر ~~لهم بغيرها {وجاءتهم رسلهم بالبينات} أي: بالحجج الظاهرات مثل ما أتاكم به ~~رسولنا من وعودنا الصادقة وأمورنا الخارقة ms2471 كأمر الإسراء وما أظهر فيه من ~~الغرائب كالإخبار: «بأن العير تقدم في يوم كذا يقدمها جمل صفته كذا وغرائره ~~كذا فظهر كذلك» وما آمنتم به كما لم يؤمن من كان أشد منكم قوة {فما} أي: ~~تسبب أنه ما {كان الله} أي: على مالهم من أوصاف الكمال مريدا {ليظلمهم} بأن ~~يفعل معهم فعل من تعدونه أنتم ظالما بأن يهلكهم في الدنيا ثم يقتص منهم في ~~القيامة قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل بالبينات {ولكن كانوا} بغاية ~~جهدهم {أنفسهم} أي: خاصة {يظلمون} أي: يجددون الظلم لها بإيقاع الضر موقع ~~مجلب النفع. # {ثم كان عاقبة} أي: آخر أمر {الذين أساؤا} وقوله تعالى {السوأى} تأنيث ~~الأسوأ وهو الأقبح كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى: أنهم عوقبوا في ~~الدنيا بالدمار ثم إن عاقبتهم السوأى، إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر، أي: ~~العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة وهي جهنم التي أعدت للكافرين. ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو عاقبة بالرفع على أنها اسم كان والسوأى ~~خبرها، والباقون بالنصب على أنها خبر كان. وقيل: السوأى اسم لجهنم كما أن ~~الحسنى اسم للجنة، وإساءتهم {أن} أي: بأن {كذبوا بآيات الله} أي: القرآن. ~~وقيل: تفسير السوأى ما بعده وهو قوله تعالى {أن كذبوا} أي: ثم كان عاقبة ~~المسيئين التكذيب، حملتهم تلك السيئات على أن كذبوا بآيات الله {وكانوا ~~بها} مع كونها أبعد شيء عن الهزء {يستهزئون} أي: يستمرون على ذلك بتحديده ~~في كل حين. ولما كان حاصل ما مضى أنه تعالى قادر على الإعادة كما قدر على ~~الابتداء صرح بذلك في قوله تعالى: # {الله} أي: المحيط علما وقدرة {يبدأ الخلق} أي: بدأ منه ما رأيتم وهو ~~يجدد في كل وقت ما يريد من ذلك كما تشاهدون {ثم يعيده} أي: خلقهم بعد موتهم ~~أحياء، ولم يقل يعيدهم لرده إلى الخلق {ثم إليه ترجعون} للجزاء فيجزيهم ~~بأعمالهم، وقرأ أبو عمرو وشعبة بالياء على الغيبة على النسق الماضي ~~والباقون بالتاء على الخطاب أي: إليه ترجعون معنى في أموركم كلها في ms2472 الدنيا ~~وإن كنتم لقصور النظر تنسبونها للأسباب، وحسا بعد قيام الساعة، وهي أبلغ من ~~القراءة الأولى؛ لأنها أنص على المقصود، ولما ذكر الرجوع أتبعه ببعض أحواله ~~بقوله تعالى: # {يوم تقوم الساعة} سميت بذلك إشارة إلى عظيم القدرة عليها مع كثرة ~~الخلائق على ما هم فيه من العظماء والكبراء والرؤساء {يبلس المجرمون} أي: ~~يسكت المشركون لانقطاع حجتهم، فالإبلاس أن يبقى يائسا ساكتا متحيرا. يقال: ~~ناظرته فأبلس. ومنه الناقة المبلاس أي: التي لا ترغو، وقال مجاهد: مفتضحون، ~~وقال قتادة: المعنى: ييأس المشركون من كل خير، ولما كان الساكت ربما أغناه ~~عن الكلام غيره نفي ذلك بقوله تعالى محققا له بجعله ماضيا. # {ولم يكن} ومعناه لا يكون {لهم من شركائهم} أي: ممن أشركوهم بالله وهم ~~الأصنام {شفعواء} ينقذونهم # PageV03P159 # مما هم فيه ليتبين لهم غلطهم وجهلهم المفرط في قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله، ولما ذكر تعالى حال الشفعاء معهم ذكر حالهم مع الشفعاء بقوله تعالى: ~~{وكانوا بشركائهم} أي: خاصة {كافرين} أي: متبرئين منهم بأنهم ليسوا بآلهة، ~~وقيل: كانوا في الدنيا كافرين بسببهم، وكتب شفعاء في المصحف بواو قبل الألف ~~كما كتب علماء بني إسرائيل، وكذلك كتب السوأى بألف قبل الياء إثباتا للهمزة ~~على صورة الحرف الذي منه حركتها. # {ويوم تقوم الساعة} أي: ويا له من يوم، وزاد في تهويله بقوله تعالى: ~~{يومئذ يتفرقون} أي: المؤمنون الذين يفرحون بنصر الله والكافرون فرقة لا ~~اجتماع بعدها، هؤلاء في عليين وهؤلاء في أسفل سافلين كما قال عز من قائل. # {فأما الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان بأنفسهم {وعملوا} تصديقا لإقرارهم ~~{الصالحات فهم} أي: خاصة {في روضة} وهي أرض عظيمة جدا منبسطة واسعة ذات ماء ~~غدق ونبات معجب بهيج. هذا أصلها في اللغة، قال الطبري: ولا نجد أحسن منظرا ~~ولا أطيب نشرا من الرياض اه والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه. والروضة عند ~~العرب: كل أرض ذات نبات وماء. ومن أمثالهم: أحسن من بيضة في روضة، يريدون ~~بيضة النعامة {يحبرون} قال أبو بكر بن عياش: التيجان على رؤوسهم، وقال أبو ~~عبيدة: ms2473 يسرون أي: على سبيل التجدد كل وقت سرورا تشرق له الوجوه وتبسم ~~الأفواه وتزهر العيون فيظهر حسنها وبهجتها، فتظهر النعمة بظهور آثارها على ~~أسهل الوجوه وأيسرها، وقال ابن عباس: يكرمون، وقال قتادة: ينعمون، وقال ~~الأوزاعي عن يحيى بن كثير: يحبرون هو السماع في الجنة، وقال الأوزاعي: إذا ~~أخذ في السماع لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت، وقال: ليس أحد من خلق الله ~~أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم ~~وتسبيحهم. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الجنة وما فيها من النعيم وفي آخر ~~القوم أعرابي قال يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال: «نعم يا أعرابي ~~إن في الجنة نهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خوصانية يتغنين بأصوات لم ~~تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة» قال الدارمي: فسألت أبا ~~الدرداء بم يتغنين قال: بالتسبيح وروي أن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من ~~فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش فتقع في تلك ~~الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا» . # {وأما الذين كفروا} أي: غطوا ما كشفته أنوار العقول {وكذبوا} عنادا ~~{بآياتنا} التي لا أصدق منها ولا أضوأ من أنوارها بما لها من عظمتنا وهو ~~القرآن {ولقاء الآخرة} أي: بالبعث وغيره {فأولئك} أي: البغضاء البعداء {في ~~العذاب} الكامل لا غيره {محضرون} أي: مدخلون لا يغيبون عنه. # {فسبحان الله} أي: سبحوا الله تعالى بمعنى صلوا {حين تمسون} أي: حين ~~تدخلون في المساء وفيه صلاتان: المغرب والعشاء {وحين تصبحون} أي: تدخلون في ~~الصباح وفيه صلاة الصبح. وقوله تعالى. # {وله الحمد في السموات والأرض} اعتراض ومعناه: يحمده أهلهما. وقوله تعالى ~~{وعشيا} عطف على حين وفيه صلاة العصر {وحين تظهرون} أي: تدخلون في الظهيرة ~~وفيه صلاة الظهر، قال نافع بن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في ~~مواقيتها في القرآن؟ فقرأ هاتين الآيتين وقال: # PageV03P160 # جمعت الآيتان الصلوات الخمس ومواقيتها، وإنما خص هذه الأوقات مع ms2474 أن أفضل ~~الأعمال أدومها؛ لأن الإنسان لا يقدر أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح لأنه ~~محتاج إلى ما يعيشه من مأكول ومشروب وغير ذلك، فخفف الله عنه العبادة في ~~غالب الأوقات وأمره بها في أول النهار ووسطه وآخره وفي أول الليل ووسطه ~~فإذا صلى العبد ركعتي الفجر فكأنما سبح قدر ساعتين، وكذلك باقي الركعات وهن ~~سبع عشرة مع ركعتي الفجر، فإذا صلى الإنسان الصلوات الخمس في أوقاتها ~~فكأنما سبح الله سبع عشرة ساعة من الليل والنهار، بقي عليه سبع ساعات من ~~جميع الليل والنهار وهي مقدار النوم، والنائم مرفوع عنه القلم فيكون قد صرف ~~جميع أوقاته بالتسبيح في العبادة، أو بمعنى: نزهوه من السوء بالثناء عليه ~~بالخير في هذه الأوقات لما يتجدد فيها من نعم الله تعالى الظاهرة. # عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد ~~البحر،» وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قال حين يصبح وحين يمسي ~~سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا ~~أحد قال مثل ما قال وزاد عليه» وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «كلمتان ~~خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله ~~وبحمده سبحان الله العظيم» وعن جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورضي عنها أنه خرج ذات غداة من عندها وكان اسمها برة فحوله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسماها جويرية فكره أن يقال خرج من عند برة، فخرج وهي ~~في مسجدها أي: مصلاها، فرجع بعد ما تعالى النهار فقال: «مازلت في مجلسك هذا ~~منذ خرجت بعد قالت نعم فقال لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزن ~~بكلماتك لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد ~~كلماته» . # وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنا عند رسول الله صلى الله ms2475 عليه وسلم فقال: ~~«أيعجز أحدكم أن يكتسب في كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه كيف يكتسب ~~كل يوم ألف حسنة قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف ~~خطيئة» وفي غير رواية مسلم ويحط بغير ألف، ولما كان الإنسان عند الإصباح ~~يخرج من سنة النوم إلى سنة الوجود وهي اليقظة، وعند العشاء يخرج من اليقظة ~~إلى النوم أتبعه الأحياء والإماتة حقيقة بقوله تعالى: # {يخرج الحي} كالإنسان والطائر {من الميت} كالنطفة والبيضة {ويخرج الميت} ~~كالبيضة والنطفة {من الحي} على عكس ذلك، أو يعقب الحياة الموت وبالعكس، ~~وقيل: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن {ويحيي الأرض} أي: بالمطر ~~وإخراج النبات {بعد موتها} أي: يبسها {وكذلك} أي: ومثل هذا الإخراج ~~{تخرجون} بأيسر أمر من الأرض بعد تفرق أجسامكم فيها أحياء للبعث والحساب، ~~وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي الميت بكسر الياء المشددة، والباقون ~~بالسكون، وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه بفتح التاء قبل الخاء ~~وضم الراء على البناء للفاعل، والباقون بضم التاء وفتح الراء على البناء ~~للمفعول. # {ومن آياته} أي: ومن جملة علامات توحيده وكمال قدرته {أن خلقكم} أي: ~~أصلكم وهو آدم عليه السلام {من تراب} # PageV03P161 # لم يكن له أصلا اتصاف ما بحياة، أو أنه خلقكم من نطفة، والنطفة من ~~الغذاء، والغداء إنما يتولد من الماء والتراب {ثم} أي: بعد إخراجكم منه ~~{إذا أنتم بشر تنتشرون} في الأرض كقوله تعالى {وبث منهما رجالا كثيرا ~~ونساء} (النساء: 1) # تنبيه: الترتيب والمهلة ههنا ظاهران، فإنهم يصيرون بشرا بعد أطوار كثيرة، ~~وتنتشرون حال. وإذا هي الفجائية إلا أن الفجائية أكثر ما تقع بعد الفاء؛ ~~لأنها تقتضي التعقيب. ووجه وقوعها مع ثم بالنسبة إلى ما يليق بالحالة ~~الخاصة أي: بعد تلك الأطوار التي قصها علينا في موضع آخر من كونها نطفة ثم ~~علقة ثم مضغة ثم عظما مجردا ثم عظما مكسوا لحما فاجأ البشرية والانتشار. # {ومن آياته} أي: على ذلك {أن خلق لكم} أي: لأجلكم ليبقى نوعكم بالتوالد ~~وفي تقديم الجار ms2476 وهو قوله تعالى {من أنفسكم} أي: جنسكم بعد إيجادها من ذات ~~أبيكم آدم عليه السلام {أزواجا} إناثا هن شفع لكم دلالة ظاهرة على حرمة ~~التزوج من غير الجنس كالجن، قال البقاعي: والتعبير بالنفس أظهر في كونها من ~~بدن الرجل أي: فخلق حواء من ضلع آدم {لتسكنوا} مائلين {إليها} بالشهوة ~~والألفة من قولهم: سكن إليه إذا مال وانقطع واطمأن إليه، ولم يجعلها من غير ~~جنسكم لئلا تنفروا منها، قال ابن عادل: والصحيح أن المراد من جنسكم كما قال ~~تعالى {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} (التوبة: 128) # ويدل عليه قوله تعالى {لتسكنوا إليها} يعني أن الجنسين المختلفين لا يسكن ~~أحدهما إلى الآخر أي: لا تثبت نفسه معه ولا يميل قلبه إليه. ولما كان ~~المقصود بالسكن لا ينتظم إلا بدوام الإلفة قال تعالى {وجعل} أي: صير بسبب ~~الخلق على هذه الصفة {بينكم مودة} أي: معنى من المعاني يوجب أن لا يحب أحد ~~من الزوجين أن يصل إلى صاحبه شيء يكرهه {ورحمة} أي: معنى يحمل كلا على أن ~~يجتهد للآخر في جلب الخير ودفع الضر، وقيل: المودة كناية عن الجماع والرحمة ~~عن الولد تمسكا بقوله تعالى: {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} (مريم، 2) وقوله ~~تعالى: {ورحمة منا} (مريم، 1،) {إن في ذلك} أي: الذي تقدم من خلق الأزواج ~~على الحال المذكور وما يتبعه من المنافع {لآيات} أي: دلالات واضحات على ~~قدرة فاعله وحكمته {لقوم يتفكرون} أي: يستعملون أفكارهم على القوانين ~~المحررة ويجتهدون في ذلك فيعلمون ما في ذلك من الحكم، ولما بين تعالى دلائل ~~الأنفس ذكر دلائل الآفاق بقوله تعالى: # {ومن آياته} أي: الدالة على ذلك {خلق السموات} على علوها وإحكامها ~~{والأرض} على اتساعها وإتقانها، وقدم السماء على الأرض لأن السماء كالذكر ~~لها، ولما أشار إلى دلائل الأنفس والآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس بقوله ~~تعالى: {واختلاف ألسنتكم} أي: لغاتكم من العربية والعجمية وغيرهما، ~~ونغماتكم وهيآتها، فلا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس ولا جهارة ولا شدة ~~ولا رخاوة ولا لكنة ولا فصاحة ولا غير ذلك ms2477 من صفات النطق وأشكاله وأنتم من ~~نفس واحدة {و} اختلاف {ألوانكم} من أبيض وأسود وأشقر وأسمر وغير ذلك من ~~اختلاف الألوان وأنتم بنو رجل واحد وهو آدم عليه السلام، والحكمة في ذلك: ~~أن الإنسان يحتاج إلى التمييز بين الأشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره والعدو ~~من الصديق ليحترز قبل وصول العدو إليه، وليقبل على الصديق قبل أن يفوته ~~الإقبال عليه، وذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور، وقد يكون # PageV03P162 # بالسمع فخلق اختلاف الأصوات، وأما اللمس والشم والذوق فلا يفيد فائدة في ~~معرفة العدو والصديق فلا يقع التمييز بين كل واحد بشكله وحليته وصورته، ولو ~~اتفقت الصور والأصوات وتشاكلت وكانت ضربا واحدا لوقع التجاهل والالتباس ~~ولتعطلت مصالح كثيرة وربما رأيت توأمين يشتبهان في الحلية فيروك الخطأ في ~~التمييز بينهما، فسبحان من خلق الخلق على ما أراد وكيف أراد، وفي ذلك آية ~~بينة حيث ولدوا من أب واحد وتفرعوا من أصل فذ وهم على الكثرة التي لا ~~يعلمها إلا الله تعالى مختلفون متفاوتون، ولما كان هذا مع كونه في غاية ~~الوضوح لا يختص بجنس من الخلق دون غيره قال {إن في ذلك} أي: الأمر العظيم ~~العالي الرتبة في بيانه وظهور برهانه {لآيات} أي: دلالات واضحات جدا على ~~وحدانيته تعالى {للعالمين} أي: ذوي العقول والعلم لا يختص به صنف منهم دون ~~صنف من جن ولا أنس ولا غيرهم، فهذا هو حكمة قوله تعالى هنا للعالمين وفيما ~~تقدم بقوله تعالى: {لقوم يتفكرون} ، (يونس: 24) # وقرأ حفص وحده بكسر اللام، ولما ذكر تعالى بعض العرضيات اللازمة وهو ~~الاختلاف ذكر الأعراض المفارقة ومن جملتها النوم بالليل والحركة في النهار ~~طلبا للرزق كما قال تعالى: # {ومن آياته} الدالة على القدرة والعلم {منامكم} أي: نومكم ومكانه وزمانه ~~الذي يغلبكم بحيث لا تستطيعون له دفعا {بالليل والنهار} قيلولة {وابتغاؤكم ~~من فضله} أي: منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية وقوة القوى ~~الطبيعية، وطلب معاشكم فيهما فإن كثيرا ما يكسب الإنسان بالليل، أو منامكم ~~بالليل وابتغاؤكم بالنهار خلف، وضم بين الزمانين والفعلين ms2478 بعاطفين وهما ~~الواوان إشعارا بأن كلا من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند ~~الحاجة، ويؤيده آيات أخر كقوله تعالى {وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار ~~معاشا} (النبأ: 10 11) # وقوله تعالى: {وجعلنا آية النهار مبصرة} (الإسراء: 12) # ويكون التقدير هكذا: ومن آياته منامكم وابتغاؤكم بالليل والنهار من فضله. ~~وأخر الابتغاء وقرنه في اللفظ بالفضل إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى ~~الرزق من كسبه وبحذقه بل من فضل ربه. ولهذا قرن الابتغاء بالفضل في كثير من ~~المواضع منها قوله تعالى {فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من ~~فضل الله} (الجمعة: 10) # وقوله تعالى {ولتبتغوا من فضله} تنبيه: قدم الله تعالى المنام بالليل على ~~الابتغاء بالنهار في الذكر لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا ~~لحاجة، فلا يبتغي إلا محتاج في الحال أو خائف من المآل {إن في ذلك} أي: ~~الأمر العظيم العلي الرتبة من إيجاد النوم بعد النشاط والنشاط بعد النوم ~~الذي هو الموت الأصغر وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما، والجد في ~~الابتغاء بعد المفارقة في التحصيل {لآيات} عديدة على القدرة والعلم لا سيما ~~البعث {لقوم يسمعون} أي: من الدعاة والنصاح سماع تفهم واستبصار فإن الحكمة ~~فيه ظاهرة. # تنبيه: قال هنا {آيات لقوم يسمعون} وقال تعالى من قبل {لقوم يتفكرون} ~~وقال تعالى {للعالمين} لأن المنام بالليل والابتغاء يظن الجاهل أو الغافل ~~أنهما مما يقتضيه طبع الحيوان فلا يظهر لكل أحد كونهما من نعم الله تعالى، ~~فلم يقل آيات للعالمين، ولأن الأمرين الأولين وهما اختلاف الألسنة والألوان ~~من اللوازم، والمنام والابتغاء من الأمور المفارقة، فالنظر إليهما لا يدوم # PageV03P163 # لزوالهما في بعض الأوقات ولا كذلك اختلاف الألسنة والألوان فإنهما يدومان ~~بدوام الإنسان فجعلهما آيات عليه، وأما قوله تعالى {لقوم يتفكرون} فإن من ~~الأشياء ما يعلم من غير تفكر. ومنها ما يكفي فيه مجرد الفكرة، ومنها ما ~~يحتاج إلى موقف يوقف عليه ومرشد يرشد إليه فيفهمه إذا سمعه من ذلك المرشد، ~~ومنها ما يحتاج بعض الناس في تفهمه إلى أمثال حسية ms2479 كالأشكال الهندسية لأن ~~خلق الأزواج لا يقع لأحد أنه بالطبع إلا إذا كان جامد الفكرة، فإذا تفكر ~~علم كون ذلك الخلق آية، وأما المنام والابتغاء فقد يقع لكثير أنهما من ~~أفعال العباد وقد يحتاج إلى مرشد معين لفكره فقال {لقوم يسمعون} ويجعلون ~~بالهم من كلام المرشد، ولما ذكر تعالى العرضيات اللازمة للأنفس والمفارقة ~~ذكر العرضيات التي للآفاق بقوله تعالى: # {ومن آياته} الدالة على عظيم قدرته {يريكم البرق} أي: إراءتكم له على ~~هيئآت وكيفيات طال ما شاهدتموها تارة تأتي بما يضر وتارة بما يسر كما قال ~~تعالى {خوفا} أي: للإخافة من الصواعق المحرقة {وطمعا} أي: وللإطماع في ~~المياه العذبة {وينزل من السماء ماء} أي: الذي لا يمكن لأحد غيره دعواه، ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون ~~وتشديد الزاي {فيحيي به} أي: بذلك الماء خاصة لأن أكثر الأرض لا يسقى بغيره ~~{الأرض} أي: بالنبات الذي هو لها كالروح لجسد الإنسان {بعد موتها} أي: ~~يبسها {إن في ذلك} أي: الأمر العظيم العالي القدر {لآيات} لا سيما على ~~القدرة على البعث {لقوم يعقلون} أي: يتدبرون فيستعملون عقولهم في استنباط ~~أسبابها وكيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع. # تنبيه: كما قدم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر ~~على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء، وكما أن في إنزال المطر وإنبات ~~الشجر منافع كذلك في تقديم الرعد والبرق على المطر منفعة، وهي أن البرق إذا ~~لاح فالذي لا يكون تحت كن يخاف الابتلال فيستعد له، والذي له صهريج أو مصنع ~~يحتاج إلى الماء، أو زرع يسوي مجاري الماء وأيضا أهل البوادي لا يعلمون ~~البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب دون جانب. # واعلم أن دلائل البرق وفوائده وإن لم تظهر للمقيمين في البلاد فهي ظاهرة ~~للبادين، فلهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة وآية، فإن ~~قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هنا {آيات لقوم يعقلون} وفيما تقدم ms2480 {لقوم ~~يتفكرون} ؟ أجيب: بأنه لما كان حدوث الولد من الوالد أمرا عاديا مطردا قليل ~~الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أن ذلك بالطبيعة لأن المطرد أقوى ~~إلى الطبيعة من المختلف، والبرق والمطر ليس أمرا مطردا غير مختلف بل يختلف ~~إذ يقع ببلدة دون بلدة، وفي وقت دون وقت، وتارة يكون قويا وتارة يكون ~~ضعيفا، فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار فقال هو آية لمن كان له ~~عقل وإن لم يتفكر تفكرا تاما، ثم ذكر تعالى من لوازم السماء والأرض قيامهما ~~بقوله تعالى: # {ومن آياته} أي: على تمام القدرة وكمال الحكمة {أن تقوم السماء والأرض ~~بأمره} قال ابن مسعود، قامتا على غير عمد بأمره أي: بإرادته، فإن الأرض ~~لثقلها يتعجب الإنسان من وقوفها وعدم نزولها وكون السماء في علوها يتعجب من ~~علوها وثباتها من غير عمد وهذا من اللوازم، فإن # PageV03P164 # الأرض لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه، وإنما أفرد السماء والأرض لأن ~~السماء الأولى والأرض الأولى لا تقبل النزاع؛ لأنها مشاهدة مع صلاحية اللفظ ~~بالكل لأنه جنس. # تنبيه: ذكر تعالى من كل باب أمرين أما من الأنفس فقوله تعالى {خلقكم} ~~{وخلق لكم} واستدل بخلق الزوجين، ومن الآفاق السماء والأرض فقال تعالى {خلق ~~السموات والأرض} (الروم: 22) # ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ومن عوارض الآفاق البرق ~~والأمطار، ومن لوازمهما قيام السماء والأرض؛ لأن الواحد يكفي للإقرار بالحق ~~والثاني يفيد الاستقرار، ومن هذا اعتبر شهادة شاهدين، فإن قول أحدهما يفيد ~~الظن وقول الآخر يفيد تأكيده ولهذا قال إبراهيم عليه السلام {بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي} (البقرة: 260) # فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى هنا {ومن آياته أن تقوم} (الروم: 25) # وقال تعالى قبله {ومن آياته يريكم البرق} (الروم: 24) # ولم يقل أن يريكم ليصير كالمصدر بأن؟ أجيب: بأن القيام لما كان غير معتبر ~~أخرج الفعل بأن عن الفعل المستقبل ولم يذكر معه الحروف المصدرية، فإن قيل: ~~ما الحكمة في أنه تعالى ذكر ست دلائل وذكر في أربع منها {إن في ذلك لآيات} ms2481 ~~(يونس: 67) # ولم يذكر في الأول وهو قوله تعالى {ومن آياته أن خلقكم من تراب} ولا في ~~الآخر وهو قوله {من آياته أن تقوم السماء والأرض} (الروم: 25) # أجيب: عن ذلك: أما عن الأول فلأن قوله بعده {ومن آياته أن خلق لكم} ~~(الروم: 21) # أيضا دليل الأنفس فخلق الأنفس، وخلق الأزواج من باب واحد على ما تقدم من ~~أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير والتوكيد، فلما قال في الثانية إن ~~في ذلك لآيات كان عائدا إليهما، وأما في قيام السماء والأرض فلأنه ذكر في ~~الآيات السماوية أنها آيات للعالمين ولقوم يعقلون وذلك لظهورها، فلما كان ~~في أول الأمر ظاهرا ففي آخر الأمر بعد سرد الأدلة يكون أظهر فلم يميز أحدا ~~في ذلك عن الآخر، ثم إنه تعالى لما ذكر الدليل على القدرة والتوحيد ذكر ~~مدلوله وهو قدرته على الإعادة بقوله تعالى: {ثم إذا دعاكم} وأشار إلى هوان ~~ذلك القول عنده بقوله عز وجل {دعوة} أي: واحدة {من الأرض} بأن ينفخ إسرافيل ~~في الصور للبعث من القبور فيها فيقول: أيها الموتى اخرجوا {إذا أنتم ~~تخرجون} أي: منها أحياء بعد اضمحلالكم بالموت والبلا فلا تبقى نسمة من ~~الأولين والآخرين إلا قامت تنظر كما قال تعالى {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم ~~قيام ينظرون} (الزمر: 68) # فإن قيل: بم يتعلق من الأرض بالفعل أم بالمصدر؟ أجيب: بهيهات إذا جاء نهر ~~الله وهو الفعل بطل نهر معقل وهو المصدر، وثم إما لتراخي زمانه أو لعظم ما ~~فيه. فإن قيل: ما الفرق بين إذا وإذا؟ أجيب: بأن الأولى للشرط والثانية ~~للمفاجأة وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط، ولذلك نابت مناب الفاء في ~~جواب الأولى. # تنبيه: قال ههنا: إذا أنتم تخرجون وقال تعالى في خلق الإنسان أولا ثم إذا ~~أنتم بشر، تنتشرون لأن هناك يكون خلق وتقدير وتدريج حتى يصير التراب قابلا ~~للحياة فينفخ فيه روحه فإذا هو بشر، وأما في الإعادة فلا يكون تدريج وتراخ ~~بل يكون بدء خروج فلم يقل ههنا ثم، ولما ذكر تعالى ms2482 الآيات التي تدل على ~~القدرة على الحشر الذي هو الأصل الآخر والوحدانية التي هي الأصل الأول أشار ~~إليهما بقوله تعالى: # u # {وله من في السموات والأرض} ملكا وخلقا {كل له قانتون} قال ابن عباس: كل ~~له # PageV03P165 # مطيعون في الحياة والفناء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة، وقال ~~الكلبي: هذا خاص بمن كان منهم مطيعا، ونفس السموات والأرضين له وملكه فكل ~~له منقادون، فلا شريك له أصلا ثم ذكر المدلول الآخر بقوله تعالى: # {وهو الذي يبدؤ الخلق} أي: على سبيل التجديد كما تشاهدون، وأشار إلى ~~تعظيم الإعادة بأداة التراخي فقال {ثم يعيده} أي: بعد الموت للبعث. وفي ~~قوله تعالى {وهو أهون عليه} قولان أحدهما: أنها للتفضيل على بابها، وعلى ~~هذا يقال: كيف يتصور التفضيل والإعادة والبداءة بالنسبة إلى الله تعالى على ~~حد سواء؟ وفي ذلك أجوبة أحدها: إن ذلك بالنسبة إلى اعتقاد البشر باعتبار ~~المشاهدة من أن إعادة الشيء أهون من اختراعه لاحتياج الابتداء إلى إعمال ~~فكر غالبا وإن كان هذا منتفيا عن الباري سبحانه وتعالى، فخوطبوا بحسب ما ~~ألفوه. ثانيها: أن الضمير في عليه ليس عائدا على الله تعالى إنما يعود على ~~الخلق أي: والعود أهون على الخلق أي: أسرع؛ لأن البداءة فيها تدريج من طور ~~إلى طور إلى أن صارت إنسانا، والإعادة لا تحتاج إلى هذه التدريجات فكأنه ~~قيل: وهو أقصر عليه وأيسر وأقل انتقالا، والمعنى: يقومون بصيحة واحدة فيكون ~~أهون عليهم يعني: أن يقوموا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى أن يصيروا رجالا ~~ونساء، وهي رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. ثالثها: أن الضمير في ~~عليه يعود على المخلوق بمعنى: والإعادة أهون على المخلوق أي: إعادته شيئا ~~بعدما أنشأه، هذا في عرف المخلوقين فكيف ينكرون ذلك في جانب الله تعالى ~~والثاني: أن أهون ليس للتفضيل بل هي صيغة بمعنى هين كقولهم: الله أكبر أي: ~~كبير، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، وقد يجئ أفعل بمعنى الفاعل كقول ~~الفرزدق: # *إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه ms2483 أعز وأطول* # أي: عزيزة طويلة وعود الضمير على الباري تعالى أولى ليوافق الضمير في ~~قوله تعالى {وله المثل} أي: الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة ~~الشاملة. قال ابن عباس: هو أنه ليس كمثله شيء، وقال قتادة: هو أنه لا إله ~~إلا هو، قال البيضاوي: ومن فسره بلا إله إلا الله أراد به الوصف بالوحدانية ~~{الأعلى} أي: الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه، ولما كان الخلق لقصورهم ~~مقيدين بما لهم به نوع مشاهدة قال {في السموات والأرض} أي: اللتين خلقهما ~~ولم يستعصيا عليه فكيف يستعصي عليه شيء فيهما {وهو} أي: وحده {العزيز} أي: ~~الذي إذا أراد شيئا كان له في غاية الانقياد كائنا ما كان {الحكيم} أي: ~~الذي إذا أراد شيئا أتقنه فلم يقدر غيره إلى التوصل إلى بعض شيء منه، ولا ~~تتم حكمة هذا الكون على هذه الصورة إلا بالبعث بل هي الحكمة العظمى ليصل كل ~~ذي حق إلى حقه بأقصى التحرير. ولما أبان من هذا أنه تعالى المنفرد بالملك ~~بشمول العلم وتمام القدرة وكمال الحكمة اتصل بحسن أمثاله وإحكام مقاله ~~وفعاله قوله تعالى: # {ضرب} أي: جعل {لكم} بحكمته أيها المشركون في أمر الأصنام وبيان الإبطال ~~من يشرك بها وفساد قوله بأجلى ما يكون من التقرير {مثلا} مبتدأ {من أنفسكم} ~~التي هي أقرب الأشياء إليكم، ثم بين المثل بقوله تعالى: {هل لكم} أي: يا من ~~عبدوا مع # PageV03P166 # الله غيره {مما} أي: من بعض ما {ملكت أيمانكم} أي: من العبيد والإماء ~~الذين هم بشر مثلكم وعمم في النفي الذي هو المراد بالاستفهام بزيادة الجار ~~بقوله تعالى: {من شركاء} أي: في حالة من الحالات يسوغ لكم بذلك أن تجعلوا ~~لله شركاء {في ما رزقناكم} من الأموال وغيرها مع ضعف ملككم فيه فائدة {في} ~~مقطوعة عن {ما} {فأنتم} أي: يا معاشر الأحرار والعبيد {فيه} أي: الشيء الذي ~~وقعت فيه الشركة {سواء} فيكون أنتم وهم شركاء يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم ~~بشر مثلكم. فإن قيل: أي: فرق بين من الأولى والثانية والثالثة في ms2484 قوله ~~تعالى من أنفسكم؟ أجيب: بأن الأولى: للابتداء كأنه قال: أخذ مثلا وانتزعه ~~من أقرب شيء منكم وهي من أنفسكم ولم يبعد، والثانية: للتبعيض، والثالثة: ~~مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي، ثم بين المساواة بقوله تعالى: ~~{تخافونهم} أي: معاشر السادة في التصرف في ذلك الشيء المشترك {كخيفتكم ~~أنفسكم} أي: كما تخافون بعض من تشاركونه ممن يساويكم في الحرية والعظمة أن ~~تتصرفوا في الأمر المشترك بشيء لا يرضيه وبدون إذنه، وظهر أن حالكم في ~~عبيدكم مثل له فيما أشركتموهم به موضح لبطلانه، فإذا لم ترضوا هذا لأنفسكم ~~وهو أن تستوي عبيدكم معكم في الملك فكيف ترضونه لخالقكم في هذه الشركاء ~~التي زعمتموها فتسوونها به وهي من أضعف خلقه أفلا تستحيون {كذلك} أي: مثل ~~هذا التفصيل العالي {نفصل الآيات} أي: نبينها، فإن التمثيل مما يكشف ~~المعاني ويوضحها {لقوم يعقلون} أي: يتدبرون هذه الدلائل بعقولهم، والأمر لا ~~يخفى بعد ذلك إلا على من لا عقل له. # {بل اتبع الذين ظلموا} أي: أشركوا فإنهم وضعوا الشيء في غير موضعه. # فعل الماشي في الظلام {أهواءهم} وهي ما تميل إليه نفوسهم {بغير علم} أي: ~~جاهلين لا يكفهم، شيء فإن العالم إذا اتبع هواه ربما ردعه علمه، ثم بين ~~تعالى أن ذلك بإرادته بقوله تعالى: {فمن يهدي من أضل الله} أي: الذي له ~~الأمر كله أي: لا يقدر أحد على هدايته {وما لهم من ناصرين} أي: مانعين ~~يمنعونهم من عذاب الله لا من الأصنام ولا من غيرها، ولما تحررت الأدلة ~~وانتصبت الأعلام أقبل تعالى على خلاصة خلقه إيذانا بأنه لا يفهم ذلك حق ~~فهمه غيره بقوله سبحانه. # {فأقم وجهك} أي: قصدك كله {للدين} أي: أخلص دينك لله قاله سعيد بن جبير، ~~وقال غيره: سدد عملك، والوجه ما يتوجه إليه، وقيل: أقبل بكلك على الدين، ~~عبر بالوجه عن الذات كقوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} (القصص: 88) # أي: ذاته بصفاته. وقوله تعالى {حنيفا} حال من فاعل أقم أو مفعوله أو من ~~الدين، ومعنى حنيفا أي: مائلا إليه مستقيما ms2485 عليه ومل عن كل شيء لا يكون في ~~قلبك شيء آخر، وهذا قريب من معنى قوله تعالى {ولا تكونن من المشركين} وقوله ~~تعالى {فطرت الله} أي: خلقته منصوب على الإغراء أو المصدر بما دل عليه ما ~~بعدها وهي بتاء مجرورة، وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء، ~~والباقون بالتاء، ثم أكد ذلك بقوله تعالى: {التي فطر الناس} قال ابن عباس: ~~خلق الناس {عليها} وهو دينه وهو التوحيد. قال صلى الله عليه وسلم «ما من ~~مولود إلا وهو يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» ~~فقوله على الفطرة على العهد الذي أخذه عليهم بقوله تعالى: {ألست بربكم ~~قالوا بلى} (الأعراف: 172) # وكل مولود في العالم # PageV03P167 # على ذلك الإقرار وهي الحنيفية التي وقعت الخلقة عليها، وإن عبد غيره قال ~~الله تعالى {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} (لقمان: 25) # وقال {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (الزمر: 3) # ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا وإنما يعتبر الإيمان ~~الشرعي المأمور به، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين، وقيل: الآية ~~مخصوصة بالمؤمنين وهم الذين فطرهم الله تعالى على الإسلام، روي عن عبد الله ~~بن المبارك قال: معنى الحديث: أن كل مولود يولد على فطرته أي: على خلقته ~~التي جبل عليها في علم الله من السعادة والشقاء، وكل منهم صائر في العاقبة ~~إلى ما فطر عليه وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن علامات الشقاوة ~~أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين فيحملانه لشقائه على اعتقاده دينهما، ~~وقيل: معنى الحديث: أن كل مولود يولد في مبدأ الفطرة على الخلقة أي: الجبلة ~~السليمة والطبع المتهيء لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها؛ لأن ~~هذا الدين موجود حسنه في العقول وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من ~~النشوء والتقليد، فمن يسلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره. ذكر هذه المعاني ~~أبو سليمان الخطابي في كتابه، ولما كانت سلامة الفطرة أمرا مستمرا قال ~~تعالى: # {لا تبديل لخلق الله} أي: الملك الأعلى ms2486 الذي لا كفء له فلا يقدر أحد أن ~~يغيره، فمن حمل الفطرة على الدين قال معناه: لا تبديل لدين الله، فهو خبر ~~بمعنى النهي أي: لا تبدلوا دين الله. قاله مجاهد وإبراهيم. والمعنى: إلزموا ~~فطرة الله أي: دين الله واتبعوه ولا تبدلوا التوحيد بالشرك، ومن حملها على ~~الخلقة قال: معناه لا تبديل لخلق الله أي: ما جبل عليه الإنسان من السعادة ~~والشقاوة، فلا يصير السعيد شقيا ولا الشقي سعيدا، وقال عكرمة: معناه تحريم ~~إخصاء البهائم أي: في غير المأكول وفي المأكول الكبير، أما المأكول الصغير ~~فإنه يجوز، ويلحق بالخصي المحرم كل تغيير محرم كالوشم {ذلك} أي: الشأن ~~العظيم {الدين القيم} أي: المستقيم الذي لا عوج فيه توحيد الله تعالى {ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون} أن ذلك هو الدين المستقيم لعدم تدبرهم. وقوله تعالى: # {منيبين} أي: راجعين {إليه} تعالى فيما أمر به ونهى عنه حال من فاعل أقم، ~~قال الزمخشري: فإن قلت: لم وحد الخطاب أولا ثم جمع؟ قلت: خوطب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أولا، وخطاب الرسول خطاب لأمته مع ما فيه من التعظيم ~~للإمام، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص {واتقوه} أي: خافوه فإنكم وإن ~~عبدتموه فلا تأمنوا أن تزيغوا عن سبيله {وأقيموا الصلاة} أي: داوموا عليها ~~وعلى أدائها في أوقاتها {ولا تكونوا من المشركين} أي: لا تكونوا ممن يدخل ~~في عدادهم بمواددة أو معاشرة أو عمل تشابهونهم فيه، فإنه من تشبه بقوم فهو ~~منهم، وهو عام في كل مشرك سواء كان بعبادة صنم أونار أو غير ذلك. وقوله ~~تعالى. # {من الذين} بدل من المشركين بإعادة الجار {فرقوا دينهم} أي: الذي هو ~~الفطرة الأولى، فعبد كل قوم منهم شيئا ودانوا دينا غير دين من سواهم وهو ~~معنى {وكانوا شيعا} أي: فرقا متخالفين كل واحدة منهم تتشايع من دان بدينها ~~على من خالفهم حتى كفر بعضهم بعضا واستباحوا الدماء والأموال، فعلم قطعا ~~أنهم كلهم ليسوا على الحق، وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الفاء وتخفيف ~~الراء، والباقون بغير ألف وتشديد ms2487 # PageV03P168 # الراء، فعلى القراءة الأولى فارقوا أي: تركوا دينهم الذي أمروا به. ولما ~~كان هذا أمر يتعجب من وقوعه زاده عجبا بقوله تعالى: استئنافا {كل حزب} أي: ~~منهم {بما لديهم} أي: عندهم {فرحون} أي: مسرورون ظنا منهم أنهم صادفوا الحق ~~وفازوا به دون غيرهم، ولما بين تعالى التوحيد بالدليل وبالمثل بين أن لهم ~~حالة يعترفون بها وإن كانوا ينكرونها في وقت وهي حالة الشدة بقوله تعالى: # أي: قحط وشدة {دعوا ربهم} أي: الذي لم يشركه في الإحسان إليهم أحد ~~{منيبين} أي: راجعين من جميع ضلالاتهم {إليه} أي: دون غيره علما منهم بأنه ~~لا فرج لهم عند شيء غيره، قال الرازي: في اللوامع في أواخر العنكبوت: وهذا ~~دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك ~~أنهم يلوذون إليه في حال الضراء {ثم إذا أذاقهم منه رحمة} أي: خلاصا من ذلك ~~الضر {إذا فريق منهم بربهم} أي: المحسن إليهم دائما المجدد لهم هذا الإحسان ~~من هذا الضر {يشركون} أي: فاجأ فريق منهم الإشراك بربهم الذي عافاهم، فإذا ~~الفجائية وقعت جواب الشرط؛ لأنها كالفاء في أنها للتعقيب، ولا تقع أول ~~كلام، وقد تجامعها الفاء زائدة، فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا إذا فريق ~~منهم وقال في العنكبوت {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} (العنكبوت: 65) # ولم يقل فريق؟ أجيب: بأن المذكور هناك غير معين وهو ما يكون من هول ~~البحر، والمتخلص منه بالنسبة إلى الخلق قليل، والذي لا يشرك منهم بعد ~~الخلاص فرقة منهم فهم في غاية القلة، فلم يجعل المشركين فريقا لقلة من خرج ~~من الشرك، وأما المذكور ههنا الضر مطلقا فيتناول ضر البحر والأمراض ~~والأهوال، والمتخلص من أنواع الضر خلق كثير بل جميع الناس قد يكونون قد ~~وقعوا في ضر ما فتخلصوا منه، والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركا من جميع ~~الأنواع إذا جمع فهم خلق عظيم وهو جميع المسلمين، فإنهم تخلصوا من ضر ولم ~~يبقوا مشركين، وأما المسلمون فلم يتخلصوا من ضر ms2488 البحر بأجمعهم، فلما كان ~~الناجي من الضر المؤمن جمعا كثيرا سمي الباقي فريقا. وقوله تعالى: # {ليكفروا بما آتيناهم} يجوز أن تكون اللام فيه لام كي وأن تكون لام ~~الأمر، ومعناه التهديد كقوله تعالى {اعملوا ما شئتم} ثم خاطب هؤلاء الذين ~~فعلوا هذا خطاب تهديد بقوله تعالى: {فتمتعوا فسوف تعلمون} عاقبة تمتعكم في ~~الآخرة وفي هذا التفات من الغيبة. # {أم أنزلنا عليهم سلطانا} أي: دليلا واضحا قاهرا أو ذا سلطان أي: ملك معه ~~برهان، فقوله تعالى {فهو يتكلم} على الأول كلاما مجازيا وعلى الثاني كلاما ~~حقيقيا، وعلى كلا الحالين هو جواب للاستفهام الذي تضمنته أم المنقطعة {بما} ~~أي: بصحة ما {كانوا به يشركون} أي: فيأمرهم بالإشراك بحيث لا يجدوا بدا من ~~متابعته لتزول عنهم الملامة، وهذا الاستفهام بمعنى الإنكار أي: ما أنزلنا ~~بما يقولون سلطانا، قال ابن عباس: حجة وعذرا، وقال قتادة: كتابا يتكلم بما ~~كانوا به يشركون أي: ينطق بشركهم، ولما بين تعالى حال المشرك الظاهر شركه ~~بين تعالى حال المشرك الذي دونه وهو من تكون عبادته للدنيا بقوله تعالى: # {وإذا} معبرا بأداء التحقيق إشارة إلى أن الرحمة أكثر من النقمة، وأسند ~~الفعل إليه في مقام العظمة إشارة إلى سعة جوده فقال {أذقنا الناس رحمة} # PageV03P169 # أي: نعمة من خصب وكثرة مطر وغنى ونحوه لا سبب لها إلا رحمتنا {فرحوا بها} ~~أي: فرح بطر مطمئنين من زوالها ناسين شكر من أنعم بها، ولا ينبغي أن يكون ~~العبد كذلك. فإن قيل: الفرح بالرحمة مأمور به قال تعالى: {بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا} (يونس، 58) وههنا ذمهم على الفرح بالرحمة؟ أجيب: ~~بأنه هناك فرحوا برحمة الله من حيث أنها مضافة إلى الله وههنا فرحوا بنفس ~~الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به مثل فرحهم إذا كان من ~~الله تعالى {وإن تصبهم سيئة} أي: شدة من جدب وقلة مطر وفقر ونحوه {بما قدمت ~~أيديهم} من السيئات {إذا هم يقنطون} أي: ييأسون من رحمة الله وهذا خلاف وصف ~~المؤمنين فإنهم يشكرونه عند ms2489 النعمة ويرجونه عند الشدة، وقرأ أبو عمرو ~~والكسائي بكسر النون بعد القاف، والباقون بالفتح. # {أو لم يروا} أي: يعلموا {أن الله يبسط الرزق} أي: يوسعه {لمن يشاء} ~~امتحانا {ويقدر} أي: يضيق لمن يشاء ابتلاء، وهذا شأنه دائما مع الشخص ~~الواحد في أوقات متعاقبة متباعدة ومتقاربة ومع الأشخاص ولو في الوقت ~~الواحد، فلو اعتبروا حال قبضه سبحانه لم يبطروا، ولو اعتبروا حال بسطه لم ~~يقنطوا بل كان حالهم الصبر في البلاء، والشكر في الرخاء، والإقلاع عن ~~السيئة التي نزل بسببها القضاء، ولما لم تغن عن أحد منهم في استجلاب الرزق ~~قوته وغزارة عقله ودقة مكره وكثرة حيله، ولا ضره ضعفه وقلة عقله وعجز حيلته ~~وكان ذلك أمرا عظيما ومنزعا مع شدة ظهوره وجلالته خفيا دقيقا قال بعضهم: # *كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا* # أشار سبحانه إلى عظمته بقوله مؤكدا لأن عملهم في شدة اهتمامهم بالسعي في ~~الدنيا عمل من يظن أن تحصيله إنما هو على قدر الاجتهاد في الأسباب {إن في ~~ذلك} أي: الأمر العظيم من الإقتار في وقت والإغناء في آخر والتوسيع على شخص ~~والتقتير على آخر، والأمن من زوال الحاضر من النعم مع تكرر المشاهد للزوال ~~في النفس والغير واليأس من حصولها عند المحنة مع كثرة وجدان الفرج وغير ذلك ~~من أسرار آلائه {لآيات} أي: دلالات واضحات على الوحدانية لله تعالى وتمام ~~العلم وكمال القدرة وأنه لا فاعل في الحقيقة إلا هو لكن {لقوم} أي: ذوي همم ~~وكفاية القيام بما يحق لهم أن يقوموا به {يؤمنون} أي: يوجدون هذا الوصف ~~ويديمون تجديده كل وقت لما يتواصل عندهم من قيام الأدلة بإدامة التأمل ~~والإمعان والتفكر والاعتماد في الرزق على من قال {ولقد يسرنا القرآن للذكر ~~فهل من مدكر} (القمر: 17) # أي: من طالب علم فيعان عليه، فلا يفرحون بالنعم إذا حصلت خوفا من زوالها ~~إذا أراد القادر ذلك، ولا يغتمون بها إذا زالت رجاء في إقبالها فضلا من ~~الرازق؛ لأن أفضل العبادة انتظار الفرج بل همهم بما عليهم ms2490 من وظائف العبادة ~~واجبها ومندوبها، ومعرضون عما سوى ذلك قد وكلوا أمر الرزق إلى من تولى أمره ~~وفرغ من قسمه وقام بضمانه وهو القدير العليم، ولما أفهم ذلك عدم الاكتراث ~~بالدنيا لأن الاكتراث بها لا يزيدها، والتهاون بها لا ينقصها قال تعالى ~~مخاطبا لأعظم المتأهلين لتنفيذ أوامره: # {فآت} يا خير الخلق {ذا القربى} أي: القرابة {حقه} أي: من البر والصلة؛ # PageV03P170 # لأنه أحق الناس بالبر وصلة الرحم جودا وكرما {والمسكين} سواء كان ذا ~~قرابة أم لا {وابن السبيل} وهو المسافر كذلك من الصدقة، وأمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم تبع له في ذلك. # تنبيه: عدم ذكر بقية الأصناف يدل على أن ذلك في صدقة التطوع، ودخل الفقير ~~من باب أولى لأنه أسوأ حالا من المسكين، فإن قيل: كيف تعلق قوله تعالى {فآت ~~ذا القربى حقه} بما قبله حتى جيء بالفاء؟ أجيب: بأنه لما ذكر أن السيئة ~~أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك، وقد ~~احتج أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين ~~عاجزين عن الكسب، وعند الشافعي رضي الله عنه لا نفقة بالقرابة إلا على ~~الولد والوالدين. قاس سائر القرابة على ابن العم؛ لأنه لا ولادة بينهم، ~~ولما أمر بالإيثار رغب فيه بقوله تعالى: {ذلك} أي: الإيثار العالي الرتبة ~~{خير للذين يريدون وجه الله} أي: ذاته أو جهته وجانبه أي: يقصدون بمعروفهم ~~إياه خالصا لوجهه كقوله تعالى {إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى} أي: يقصدون جهة ~~التقرب إلى الله تعالى لا جهة أخرى، والمعنيان متقاربان ولكن الطريقة ~~مختلفة {وأولئك} أي: العالو الرتبة لغناهم عن كل فان {هم المفلحون} أي: ~~الفائزون الذين لا يشوب فلاحهم شيء، وأما غيرهم فخائب: أما من لم ينفق ~~فواضح، وأما من أنفق على وجه الرياء فقد خسر ماله وأبقى عليه وباله كما قال ~~تعالى: # {وما آتيتم من ربوا} أي: مال على وجه الربا المحرم بزيادة في المعاملة أو ~~المكروه بعطية يتوقع بها مزيد مكافأة، وكان هذا مما ms2491 حرم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم لقوله تعالى {ولا تمنن تستكثر} (المدير: 6) # أي: لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيته تشريفا له، وكره لعامة الناس فسمي باسم ~~المطلوب من الزيادة في المعاملة فالربا ربوان: فالحرام: كل قرض يؤخذ فيه ~~أكثر منه أو يجر منفعة، والذي ليس بحرام أن يستدعي بهديته أو بهبته أكثر ~~منها، وقرأ ابن كثير بقصر الهمزة بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا، والباقون ~~بمدها {ليربو} أي: يزيد ويكثر ذلك {في أموال الناس} أي: يحصل فيه زيادة ~~تكون أموال الناس ظرفا لها فهو كناية عن أن الزيادة التي يأخذها المرابي من ~~أموالهم لا يملكها أصلا، وقرأ نافع بتاء الخطاب بعد اللام مضمومة وسكون ~~الواو، والباقون بالياء التحتية مفتوحة وفتح الواو {فلا يربو} أي: يزكو ~~وينمو فلا ثواب فيه {عند الله} أي: الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق ~~وصفات الكمال، وكل ما لا يربو عند الله فهو ممحوق لا وجود له فمآله إلى ~~فناء وإن كثر {يمحق الله الربوا ويربى الصدقات} (البقرة: 276) # ولما ذكر ما زيادته نقص أتبعه ما نقصه زيادة بقوله {وما آتيتم} أي: ~~أعطيتم {من زكاة} أي: صدقة، وعبر عنها بذلك ليفيد الطهارة والزيادة أي: ~~تطهرون بها أموالكم من الشبه، وأبدانكم من مواد الخبث، وأخلاقكم من الغل ~~والدنس، ولما كان الإخلاص عزيزا أشار إلى عظمته بتكريره بقوله عز وجل ~~{تريدون} أي: بها {وجه الله} أي: عظمة الملك الأعلى، فيعرفون من حقه ما ~~يتلاشى عندهم كل ما سواه فيخلصون له {فأولئك هم المضعفون} أي: ذوو الإضعاف ~~الذين ضاعفوا أموالهم في الدنيا بسبب ذلك بالحفظ والبركة، وفي الآخرة بكثرة ~~الثواب عند الله من عشر أمثال إلى ما لا حصر له. # ونظير المضعف المقوي والموسر لذي القوة واليسار، ولما وضح بهذا أنه لا ~~زيادة إلا فيما يزيده الله ولا تخير إلا فيما يختاره # PageV03P171 # الله بين تعالى ذلك بطريق لا أوضح منه بقوله تعالى: # {الله} أي: بعظيم جلاله لا غيره {الذي خلقكم} أي: أوجدكم على ما أنتم ~~عليه من التقدير ms2492 لا تملكون شيئا {ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من ~~شركائكم} أي: ممن أشركتم بالله {من يفعل من ذلكم} مشيرا إلى علو رتبته ~~بأداة البعد وخطاب الكل، ولما كان الاستفهام الإنكاري التوبيخي في معنى ~~النفي قال مؤكدا له مستغرقا لكل ما يمكن منه ولو قل جدا: {من شيء} أي: ~~يستحق هذا الوصف الذي تطلقونه عليه، ولما لزمهم قطعا أن يقولوا: لا وعزتك ~~ما لهم ولا لأحد منهم فعل شيء من ذلك، قال تعالى معرضا عنهم منزها لنفسه ~~الشريفة: {سبحانه} أي: تنزه تنزها لا يحيط به الوصف من أن يكون محتاجا إلى ~~شريك {وتعالى} أي: علوا لا تصل إليه العقول {عما يشركون} في أن يفعلوا شيئا ~~من ذلك. # تنبيه: يجوز في خبر الجلالة الكريمة وجهان: أظهرهما: أنه الموصول بعدها، ~~والثاني: أنه الجملة من قوله تعالى {هل من شركائكم} والموصول صفة والراجع ~~من ذلكم لأنه بمعنى من أفعاله، ومن الأولى والثانية يفيدان شيوع الحكم في ~~جنس الشركاء والأفعال، والثالثة مزيدة لتعميم النفي، فكل منهما مستقلة ~~بتأكيد لتعجيز الشركاء، وقرأ حمزة والكسائي بتاء الخطاب، والباقون بالياء ~~التحتية، ولما بين لهم تعالى من حقارة شركائهم ما كان حقهم به أن يرجعوا ~~فلم يفعلوا أتبعه ما أصابهم به على غير ما كان في أسلافهم عقوبة لهم على ~~قبيح ما ارتكبوا استعظاما للتوبة بقوله تعالى: # {ظهر الفساد} أي: النقص في جميع ما ينفع الخلق {في البر} بالقحط والخوف ~~وقلة المطر ونحو ذلك {والبحر} بالغرق وقلة الفوائد من الصيد ونحوه من كل ما ~~كان يحصل منه. وقلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر في البحر فتخلوا أجواف ~~الأصداف من اللؤلؤ، وذلك لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع على وجه الماء ~~وينفتح فما وقع فيه من المطر صار لؤلؤا وقالوا: إذا انقطع القطر عميت دواب ~~البحر، وقيل: المراد بالبر البوادي والمفاوز، وبالبحر المدائن والقرى التي ~~على المياه الجارية، قال عكرمة: العرب تسمي المطر بحرا تقول: أجدب البر ~~وانقطعت مادة البحر، ثم بين سببه بقوله تعالى: {بما كسبت ms2493 أيدي الناس} أي: ~~بسبب شؤم ذنوبهم ومعاصيهم كقوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم} (الشورى: 30) # قال ابن عباس: الفساد في البر قتل أحد بني آدم أخاه، وفي البحر غصب الملك ~~الجبار السفينة، قال الضحاك: كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم شجرة ~~إلا وجد عليها ثمرة، وكان ماء البحر عذبا، وكان لا يقصد الأسد البقر ~~والغنم، فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ~~ملحا زعاقا، وقصد الحيوانات بعضها بعضا، وقال قتادة: هذا قبل مبعث نبينا ~~صلى الله عليه وسلم امتلأت الأرض ظلما، فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله ~~عليه وسلم رجع راجعون من الناس، وقيل: أراد بالناس كفار. مكة ولما ذكر ~~تعالى علية البدائية ثنى بعلية الجزائية بقوله تعالى: # {ليذيقهم بعض الذي عملوا} كرما وحلما ويعفو عن كثير إما أصلا ورأسا، وإما ~~عن المعاجلة به، ويؤخره إلى وقت ما في الدنيا أو الآخرة، وقرأ قنبل بالنون ~~بعد اللام، والباقون بالياء التحتية، ثم ثلث بالعلة الغائية بقوله تعالى: ~~{لعلهم يرجعون} أي: عما هم عليه، ولما بين تعالى حالهم بظهور الفساد في ~~أحوالهم بسبب # PageV03P172 # فساد أقوالهم بين لهم ضلال أمثالهم وأشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم ~~بقوله تعالى: لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: لهؤلاء الذين لا هم لهم سوى الدنيا {سيروا في الأرض} فإن سيركم ~~الماضي لكونه لم تصحبه عبرة عدم {فانظروا} نظر اعتبار {كيف كان عاقبة الذين ~~من قبل} أي: من قبل أيامكم لتروا منازلهم ومساكنهم خالية فتعلموا أن الله ~~تعالى أذاقهم وبال أمرهم وأوقعهم في حفائر مكرهم {كان أكثرهم مشركين} أي: ~~فلذلك أهلكناهم ولم تغن عنهم كثرتهم وأنجينا المؤمنين وما ضرتهم قلتهم، ~~ولما نهى الله تعالى الكفار عما هم عليه أمر المؤمنين بما هم عليه وخاطب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم المؤمن فضيلة ما هو مكلف به فإنه أمر به ~~أشرف الأنبياء بقوله تعالى: # {فأقم وجهك للدين القيم} أي: المستقيم وهو دين الإسلام {من قبل أن يأتي ~~يوم} أي: ms2494 عظيم {لا مرد له} أي: لا يقدر أن يرده أحد. وقوله تعالى {من الله} ~~يجوز أن يتعلق بيأتي أو بمحذوف يدل عليه المصدر أي: لا يرده من الله أحد. ~~والمراد به يوم القيامة لا يقدر أحد على رده من الله، وغيره عاجز عن رده ~~فلا بد من وقوعه {يومئذ} أي: إذ يأتي {يصدعون} أي: يتفرقون فريق في الجنة ~~وفريق في السعير، ثم أشار إلى التفرق بقوله تعالى: # {من كفر} أي: منهم {فعليه كفره} أي: وبال كفره {ومن عمل صالحا} أي: ~~بالإيمان وما يترتب عليه {فلأنفسهم يمهدون} أي: يوطئون منازلهم في القبور ~~وفي الجنة بل وفي الدنيا فإن الله تعالى يعزهم بعز طاعته. # تنبيه: أظهر قوله تعالى صالحا ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على من كفر ~~وبشارة بأن أهل الجنة كثير وإن كانوا قليلا؛ لأن الله تعالى هو مولاهم فهو ~~مزكيهم. وأفرد الشرط وجمع الجزاء في قوله تعالى {فلأنفسهم يمهدون} (الروم: ~~44) # إشارة إلى أن الرحمة أعم من الغضب فتشمله وأهله وذريته، وفيه ترغيب في ~~العمل من غير نظر إلى مساعد، وبأنه ينفع نفسه وغيره لأن المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا وأقل ما ينفع والديه وشيخه في ذلك العمل. وقوله ~~تعالى: # {ليجزي} أي: الله سبحانه وتعالى الذي أنزل هذه السورة لبيان أنه ينصر ~~أولياءه لإحسانه لأنه مع المحسنين، ولذلك اقتصر هنا على ذكرهم بقوله تعالى: ~~{الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: تصديقا لإيمانهم {من فضله} علة ليمهدون ~~أو ليصدعون، والاقتصار على جزاء الموصوفين للإشعار بأنه المقصود بالذات ~~والاكتفاء عن فحوى قوله تعالى {إنه لا يحب الكافرين} فإن فيه إثبات البغض ~~لهم فيعذبهم، والمحبة للمؤمنين فيثيبهم، وتأكيد اختصاص الصلاح المفهوم من ~~ترك ضميرهم إلى التصريح بهم تعليل لهم، وقوله تعالى {من فضله} دال على أن ~~الإثابة بمحض الفضل. ولما ذكر تعالى ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ~~ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لأن الكريم لا يذكر لإحسانه ~~عوضا ويذكر لأضداده سببا لئلا يتوهم به الظلم قال تعالى: # {ومن آياته} ms2495 أي: دلالاته الواضحة {أن يرسل الرياح مبشرات} أي: بالمطر كما ~~قال تعالى {بشرا بين يدي رحمته} أي: قبل المطر، وقيل: مبشرات بصلاح الأهوية ~~والأحوال فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد، وقرأ ابن كثير وحمزة ~~والكسائي الريح بالإفراد على إرادة الجنس، والباقون بالجمع وهي الجنوب ~~والشمال والصبا؛ لأنها رياح الرحمة، وأما الدبور فريح العذاب ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV03P173 # «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» وقوله تعالى {وليذيقكم} أي: بها ~~{من رحمته} أي: من نعمته من المياه العذبة والأشجار الرطبة وصحة الأبدان ~~وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا خالقها، معطوف على مبشرات على المعنى ~~كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم، أو على علة محذوفة دل عليها مبشرات، أو على ~~يرسل بإضمار فعل معلل دل عليه أي: وليذيقكم أرسلها {ولتجري الفلك} أي: ~~السفن في جميع البحار وما جرى مجراها عند هبوبها، وإنما زاد {بأمره} لأن ~~الريح قد تهب ولا تكون موافقة فلا بد من إرساء السفن والاحتيال لحبسها، ~~وربما عصفت وأغرقتها {ولتبتغوا} أي: تطلبوا {من فضله} من رزقه بالتجارة في ~~البحر {ولعلكم} أي: ولتكونوا إذا فعل بكم ذلك على رجاء من أنكم {تشكرون} ~~على ما أنعم عليكم من نعمه ودفع عنكم من نقمه. # تنبيه: قال تعالى في ظهر الفساد {ليذيقهم بعض الذي عملوا} (الروم: 41) # وقال ههنا {وليذيقكم من رحمته} فخاطبهم ههنا تشريفا ولأن رحمته قريب من ~~المحسنين وحينئذ فالمحسن قريب فيخاطب، والمسيء بعيد فلم يخاطب، وقال هناك ~~{بعض الذي عملوا} فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى ~~رحمته فقال تعالى: {من رحمته} لأن الكريم لا يذكر لرحمته وإحسانه عوضا فلا ~~يقول: أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول: هذا لك مني، وأما ما فعلت من الحسنة ~~فجزاؤه بعد عندي. وأيضا فلو قال: أرسلت لسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة، ~~وأما إذا قال: من رحمته كان غاية البشارة، وأيضا فلو قال: بما فعلتم لكان ~~ذلك موهما لنقصان ثوابهم في الآخرة، وأما في حق الكفار فإذا قال: بما فعلتم ms2496 ~~أنبأ عن نقصان عقابهم وهو كذلك وقال هناك {لعلهم يرجعون} وقال هنا: {ولعلكم ~~تشكرون} فالواو إشارة إلى توفيقهم للشكر في النعم، وعطف على النعم قوله ~~تعالى: # {ولقد أرسلنا} أي: بما لنا من القوة. وقال تعالى {من قبلك رسلا} تنبيها ~~على أنه خاتم النبيين بتخصيص إرسال غيره بما قبل زمانه وقال {إلى قومهم} ~~إعلاما بأن أمر الله إذا جاء لا ينفع فيه قريب ولا بعيد {فجاؤهم بالبينات} ~~فانقسم قومهم إلى مسلمين ومجرمين {فانتقمنا} أي: فكانت معاداة المسلمين ~~للمجرمين فينا سببا؛ لأنا انتقمنا بما لنا من العظمة {من الذين أجرموا} أي: ~~أهلكنا الذين كذبوهم لإجرامهم وهو قطع ما أمرناهم بوصله، ولما كان محط ~~الفائدة إلزامه سبحانه لنفسه بما تفضل به قدمه تعجيلا للسرور وتطييبا ~~للنفوس فقال تعالى {وكان} أي: على سبيل الثبات والدوام {حقا علينا} أي: مما ~~أوجبناه بوعدنا الذي لا خلف فيه {نصر المؤمنين} أي: العريقين في ذلك الوصف ~~في الدنيا والآخرة، ولم يزل هذا دأبنا في كل ملة على مدى الدهر فليعتد ~~هؤلاء لمثل هذا وليأخذوا لمثل ذلك أهبة لينظروا من المغلوب وهل ينفعهم شيء، ~~روى الترمذي وحسنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من امرئ ~~مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم ~~القيامة ثم تلا قوله تعالى {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} قال البقاعي: ~~فالآية من الاحتباك أي: وهو أن يؤتى بكلامين يحذف من كل منهما شيء يكون ~~نظمهما بحيث يدل ما أثبت في كل على ما حذف من الآخر، فحذف أولا الإهلاك ~~الذي هو أثر الخذلان لدلالة النصر عليه، وثانيا الإنعام لدلالة الانتقام ~~عليه، ثم نبه تعالى على كمال قدرته فهو # PageV03P174 # الناصر للمؤمنين بقوله تعالى: # {الله} أي: وحده {الذي يرسل} مرة بعد أخرى {الرياح} مضطربة هائجة بعد أن ~~كانت ساكنة {فتثير سحابا} أي: تزعجه وتنشره {فيبسطه} بعد اجتماعه {في ~~السماء} أي: جهة العلو {كيف يشاء} في أي ناحية شاء قليلا تارة كمسير ساعة ~~وكثيرا أخرى ms2497 كمسير أيام على حسب إرادته واختياره لا مدخل فيه لطبيعة ولا ~~غيرها {ويجعله} إذا أراد {كسفا} أي: قطعا غير متصل بعضها ببعض اتصالا يمنع ~~نزول الماء، وقرأ ابن عامر بسكون السين بخلاف عن هشام، والباقون بفتحها ~~{فترى} بسبب إرسال الله له أو بسبب جعله ذا مسام وفروج يا من هو من أهل ~~الرؤية، أو يا أشرف خلقنا الذي لا يعرف هذا حق معرفته سواه {الودق} أي: ~~المطر {يخرج من خلاله} أي: السحاب الذي هو اسم جنس في حالتي الاتصال ~~والانفصال {فإذا أصاب} أي: الله {به} أي: بالودق {من} أي: أرض من {يشاء} ~~ونبه على أن ذلك فضل منه لا يجب عليه لأحد شيء أصلا بقوله تعالى: {من ~~عباده} أي: الذين لم تزل عبادته واجبة عليهم جديرون بملازمة شكره والخضوع ~~لأمره {إذا هم يستبشرون} أي: يظهر عليهم البشر وهو السرور الذي تشرق له ~~البشرة حال الإصابة ظهورا بالغا عظيما بما يرجونه مما يحدث عنه من الأثر ~~النافع من الخصب والرطوبة واللين، ثم بين تعالى عجزهم بقوله تعالى: # {وإن} أي: والحال أنهم {كانوا} في الزمن الماضي {من قبل أن ينزل عليهم} ~~أي: المطر، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون ~~بفتح النون وتشديد الزاي. وقوله تعالى {من قبله} من باب التكرير والتأكيد ~~كقوله تعالى {فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها} (الحشر: 17) # ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول بعدما استحكم ~~بأسهم. وقوله تعالى {لمبلسين} إشارة إلى أنه تمادى إبلاسهم فكان الاستبشار ~~على قدر اهتمامهم بذلك، وقبل الأولى ترجع إلى المطر والثانية إلى إنشاء ~~السحاب فلا تأكيد. # {فانظر إلى آثار رحمت الله} والرحمة: هي الغيث وأثرها هو النبات، وقرأ ~~ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بألف بعد الثاء المثلثة، والباقون بغير ألف ~~ورسمت رحمت هذه مجرورة، فوقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون ~~بالتاء {كيف يحيى} أي: الله {الأرض} بإخراج النبات {بعد موتها} أي: يبسها ~~{إن ذلك} أي: القادر العظيم الشأن الذي قدر على إحياء الأرض ms2498 {لمحيي الموتى} ~~كلها من الحيوانات والنباتات أي: ما زال قادرا على ذلك كما قال تعالى {وهو ~~على كل شيء} من ذلك وغيره {قدير} لأن نسبة القدرة منه سبحانه وتعالى إلى كل ~~ممكن على حد سواء، ولما بين أنهم عند توقف الخير يكونون آيسين وعند ظهوره ~~يكونون مستبشرين بين أن تلك الحالة أيضا لا يدومون عليها بقوله تعالى: # {ولئن أرسلنا} أي: بعد وجود هذا الأثر الحسن {ريحا} عقيما {فرأوه} أي: ~~الأثر لأن الرحمة هي الغيث وأثرها هو النبات أو الزرع لدلالة السياق عليه ~~{مصفرا} قد بدل وأخذ في التلف من شدة يبس الريح إما بالحر أو البرد، وقيل: ~~رأوا السحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر، ويجوز أن يكون الضمير للريح من ~~التعبير بالسبب عن المسبب. # تنبيه: اللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط. وقوله تعالى {لظلوا} أي: ~~لصاروا {من بعده} أي: اصفراره # PageV03P175 # {يكفرون} أي: بيأسهم من روح الله، جواب سد مسد الجزاء ولذلك فسر ~~بالاستقبال. تنبيه: سمى النافعة رياحا والضارة ريحا لوجوه: أحدها: أن ~~النافعة كثيرة الأنواع كثيرة الأفراد فجمعها لأن في كل يوم وليلة تهب نفحات ~~من الرياح النافعة ولا تهب الريح الضارة في أعوام بل الضارة لا تهب في ~~الدهور. ثانيها: أن النافعة لا تكون إلا رياحا وأما الضارة فنفخة واحدة ~~تقبل كريح السموم. ثالثها: جاء في الحديث أن ريحا هبت فقال عليه الصلاة ~~والسلام: «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» إشارة إلى قوله تعالى ~~{فأرسلنا عليهم الريح العقيم} (الذاريات: 41) # وقوله تعالى {ريحا صرصرا} إلى قوله {تنزع الناس} (القمر: 19 20) # ولما علم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وجوه الأدلة ووعد وأوعد لم ~~يزدهم دعاؤه إلا فرارا وكفرا وإرصادا قال تعالى: # {فإنك لا تسمع الموتى} أي: ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم فلا نظر ~~ولا سمع، أو موتى القلوب إسماعا ينفعهم لأنه مما اختص به الله تعالى، ~~وهؤلاء مثل الأموات؛ لأن الله تعالى قد ختم على مشاعرهم {ولا تسمع الصم} ~~أي: الذين لا سماع لهم ms2499 {الدعاء} إذا دعوتهم. ولما كان الأصم قد يحس بدعائك ~~إذا كان مقبلا بحاسة بصره قال تعالى {إذا ولوا} وذكر الفعل ولم يقل ولت ~~إشارة إلى قوة التولي لئلا يظن أنه أطلق على المجانبة مثلا ولهذا قال تعالى ~~{مدبرين} وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية في الوصل، ~~والباقون بالتحقيق وإذا. وقف حمزة وهشام على الدعاء وأبدلا الهمزة ألفا مع ~~المدة والتوسط والقصر. # {وما أنت بهادي العمي} أي: بموجد لهم هداية {عن ضلالتهم} إذا ضلوا عن ~~الطريق، وقرأ حمزة بتاء الخطاب مفتوحة وسكون الهاء والعمي بنصب الياء، ~~والباقون بالباء الموحدة مكسورة وفتح الهاء والعمي بالخفض. تنبيه: قد جعل ~~الله تعالى الكافر بهذه الصفات وهو أنه شبهه أولا بالميت، وإرشاد الميت ~~محال والمحال أبعد من الممكن، ثم بالأصم وإرشاد الأصم صعب فإنه لا يسمع ~~الكلام وإنما يفهم بالإشارة والإفهام بالإشارة صعب، ثم بالأعمى وإرشاد ~~الأعمى أيضا صعب فإنك إذا قلت له مثلا: الطريق عن يمينك فإنه يدور إلى ~~يمينه لكنه لا يبقى عليه بل يتحير عن قريب، فإرشاد الأصم أصعب. ولهذا تكون ~~المعاشرة مع الأعمى أسهل من المعاشرة مع الأصم الذي لا يسمع لأن غايته ~~الإفهام وليس كل ما يفهم بالكلام يفهم بالإشارة فإن المعدوم والغائب لا ~~إشارة إليه، فبدأ أولا بالميت لأنه أعلى ثم بالأدون منه وهو الأصم، وقيده ~~بقوله تعالى: {إذا ولوا مدبرين} ليكون أدخل في الامتناع لأن الأصم، وإن كان ~~يفهم فإنما يفهم بالإشارة فإذا ولى لا يكون نظره إلى المشير، فامتنع إفهامه ~~بالإشارة أيضا ثم بأدنى منه وهو الأعمى لما مر. ثم قال تعالى. # {إن} أي: ما {تسمع} أي: سماع إفهام وقبول {إلا من يؤمن بآياتنا} أي: ~~القرآن فأثبت للمؤمن استماع الآيات فلزم أن يكون المؤمن حيا سميعا بصيرا ~~لأن المؤمن ينظر في البراهين ويسمع زواجر الوعظ فتظهر منه الأفعال الحسنة ~~ويفعل ما يجب عليه {فهم مسلمون} أي: مطيعون كما قال تعالى عنهم {وقالوا ~~سمعنا وأطعنا} (البقرة: 285) # ولما أعاد تعالى دليل الآفاق بقوله تعالى: {الله الذي ms2500 يرسل الرياح} أعاد ~~دليلا من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر # PageV03P176 # أحواله بقوله تعالى: # {الله} أي: الجامع لصفات الكمال {الذي خلقكم من ضعف} أي: ماء ذي ضعف ~~لقوله تعالى {ألم نخلقكم من ماء مهين} {ثم جعل من بعد ضعف} آخر وهو ضعف ~~الطفولية {قوة} أي: قوة الشباب {ثم جعل من بعد قوة ضعفا} أي: ضعف الكبر ~~{وشيبة} أي: شيب الهرم وهي بياض في الشعر يحصل أوله في الغالب في السنة ~~الثالثة والأربعين وهو أول سن الاكتهال، والأخذ في النقص بالفعل بعد ~~الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين وهو أول سن الشيخوخة، ويقوى ~~الضعف إلى ما شاء الله تعالى، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عن حفص بفتح الضاد في ~~الثلاثة وهو لغة تميم، والباقون بالضم وهو لغة قريش، ولما كانت هذه هي ~~العادة الغالبة وكان الناس متفاوتين فيها وكان من الناس من يطعن في السن ~~وهو قوي وأنتج ذلك كله لابد أن يكون التصرف بالاختيار مع شمول العلم وتمام ~~القدرة قال تعالى {يخلق ما يشاء} أي: من هذا وغيره {وهو العليم} بتدبير ~~خلقه {القدير} على ما يشاء. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هنا {وهو العليم القدير} وقوله تعالى ~~من قبل {وهو العزيز الحكيم} والعزة إشارة إلى كمال القدرة والحكمة إشارة ~~إلى كمال العلم فقدم القدرة هناك على العلم؟ أجيب: بأن المذكور هناك ~~الإعادة بقوله تعالى: {وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم} (الروم: 27) # لأن الإعادة بقوله تعالى: كن فيكون، فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور ~~الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ههنا أظهر. ثم إن ~~قوله تعالى {وهو العليم القدير} فيه تبشير وإنذار؛ لأنه إذا كان عالما ~~بأحوال الخلق يكون عالما بأحوال المخلوق فإن عملوا خيرا علمه، وإن عملوا ~~شرا علمه، ثم إذا كان قادرا وعلم الخير أثاب وإذا علم الشر عاقب، ولما كان ~~العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب اللذين هما بالقدرة والعلم قدم العلم، ~~وأما الآية الأخرى فالعلم بتلك الأحوال ms2501 قبل العقاب فقال: {وهو العزيز ~~الحكيم} ، ولما ثبتت قدرته تعالى على البعث وغيره عطف على قوله أول السورة ~~{ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} . # {ويوم تقوم الساعة} أي: القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ~~ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة، أو إعلاما بتيسيرها على الله تعالى، ~~وصارت علما عليها بالغلبة كالكوكب للزهرة {يقسم} أي: يحلف {المجرمون} أي: ~~الكافرون.l # وقوله تعالى {ما لبثوا} جواب قوله تعالى يقسم وهو على المعنى إذ لو حكي ~~قولهم بعينه لقيل ما لبثنا أي: في الدنيا {غير ساعة} استقلوا أجل الدنيا ~~لما عاينوا في الآخرة، وقال مقاتل والكلبي: ما لبثوا في قبورهم غير ساعة ~~كما قال تعالى {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} (النازعات: ~~46) # وكما قال تعالى {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} ~~(الأحقاف: 35) # وقيل: فيما بين فناء الدنيا والبعث. وفي حديث رواه الشيخان: «ما بين ~~النفختين أربعون» وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام {كذلك} أي: مثل ذلك ~~الصرف عن حقائق الأمور إلى شكوكها {كانوا} في الدنيا كونا هو كالجبلة لهم ~~{يؤفكون} أي: يصرفون عن الحق في الدنيا، وقال مقاتل والكلبي: كذبوا في ~~قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث، والمعنى: أن الله تعالى ~~أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه، ثم ذكر ~~إنكار المؤمنين عليهم بقوله تعالى: # {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان} # PageV03P177 # وهم الملائكة والأنبياء والمؤمنين {لقد لبثتم في كتاب الله} أي: فيما كتب ~~الله لكم في سابق علمه وقضائه، أو في اللوح المحفوظ، أو فيما وعد به في ~~كتابه من الحشر والبعث فيكون في كتاب الله متعلق بلبثتم، وقال مقاتل ~~وقتادة: فيه تقديم وتأخيره معناه: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله ~~والإيمان لقد لبثتم {إلى يوم البعث} و (في) ترد بمعنى (الباء) فردوا ما قال ~~هؤلاء الكفار وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على ~~إنكار البعث بقولهم {فهذا يوم البعث} الذي أنكرتموه، وقراء نافع ms2502 وابن كثير ~~وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء المثناة، والباقون بالإدغام. # تنبيه: سبب اختلاف الفريقين أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل إن علم أن ~~مصيره إلى النار وهو الكافر يستقل مدة اللبث ويختار تأخير الحشر والإبقاء ~~في القبر، وإن علم أن مصيره إلى الجنة وهو المؤمن فيستكثر المدة ولا يريد ~~تأخيرها فيختلف الفريقان، وفي هذه الفاء قولان: أظهرهما: أنها عاطفة هذه ~~الجملة على لبثتم، وقال الزمخشري: هي جواب شرط مقدر أي: إن كنتم منكرين ~~البعث فهذا يوم البعث أي: فقد تبين بطلان ما قلتم، ولما كان التقدير قد أتى ~~فقد تبين أنه كما كنا به عالمين فلو كان لكم نوع من العلم لصدقتمونا في ~~إخبارنا به فنفعكم ذلك الآن، عطف عليه قوله تعالى {ولكنكم كنتم} أي: كونا ~~هو كالجبلة لكم في إنكاركم له {لا تعلمون} أي: ليس لكم علم أصلا لتفريطكم ~~في طلب العلم من أبوابه والتوصل إليه بأسبابه فلذلك كذبتم به فاستوجبتم ~~جزاء ذلك التكذيب اليوم، ولما كانت الآيات دالة على أن هذه الدار دار عمل ~~وأن الآخرة دار جزاء وأن البرزخ حائل بينهما فلا يكون في واحدة منهما ما ~~للأخرى، تسبب عن ذلك قوله تعالى: # {فيومئذ} أي: إذ يقع ذلك ويقول الذين أوتوا العلم تلك المقالة {لا تنفع ~~الذين ظلموا معذرتهم} في إنكارهم له {ولا هم يستعتبون} أي: لا يطلب منهم ~~الرجوع إلى ما يرضي الله تعالى كما دعوا إليه في الدنيا، من قولهم: ~~استعتبني فلان فأعتبته أي: استرضاني فأرضيته، وقرأ الكوفيون لا ينفع بالياء ~~التحتية لأن المعذرة بمعنى العذر ولأن تأنيثها غير حقيقي وقد فصل بينهما، ~~والباقون بالتاء الفوقية، ثم أشار تعالى إلى إزالة الأعذار والإتيان بما ~~فوق الكفاية من الإنذار وأنه لم يبق من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~تقصير بقوله تعالى: # {ولقد ضربنا} أي: جعلنا {للناس في هذا القرآن} أي: في هذه السورة وغيرها ~~{من كل مثل} أي: معنى غريب هو أوضح وأثبت من أعلام الجبال في عبارة هي أرشق ~~من سائر الأمثال، ms2503 فإن طلبوا شيئا آخر غير ذلك فهو عناد محض؛ لأن من كذب ~~دليلا حقا لا يصعب عليه تكذيب الدلائل بل لا يجوز للمستدل أن يشرع في دليل ~~آخر بعد ذكره دليلا جيدا مستقيما ظاهرا لا إشكال عليه وعانده الخصم وهذا من ~~العالم فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم # فإن قيل: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ذكروا أنواعا من الدلائل؟ أجيب: ~~بأنهم سردوها سردا ثم قرروا فردا فردا كمن يقول: الدليل عليه من وجوه ~~الأول: كذا، والثاني: كذا، والثالث: كذا، وفي مثل هذا عدم الالتفات إلى ~~عناد المعاند؛ لأنه يريد تضييع الوقت كي لا يتمكن المستدل من الإتيان بجميع ~~ما وعد من الدليل فتنحط درجته، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: {ولئن} اللام ~~لام قسم {جئتهم} يا أفضل # PageV03P178 # الخلق {بآية} مثل العصا واليد لموسى عليه السلام {ليقولن الذين كفروا} ~~منهم {إن} أي: ما {أنتم إلا مبطلون} أي: أصحاب أباطيل، فإن قيل: لم وحد في ~~قوله تعالى {جئتهم} وجمع في قوله تعالى {إن أنتم} ؟ أجيب: بأن ذلك لنكتة ~~وهي أنه تعالى أخبر في موضع آخر فقال: {ولئن جئتهم بكل آية} أي: جاءت بها ~~الرسل فقال الكفار: ما أنتم أيها المدعون الرسالة كلكم إلا كذا. وقال ~~الجلال المحلي: إن أنتم أي: محمد وأصحابه، وأما الذين آمنوا فيقولون نحن ~~بهذه الآية مؤمنون. # {كذلك} أي: مثل هذا الطبع العظيم {يطبع الله} أي: الذي له العظمة والكمال ~~{على قلوب الذين لا يعلمون} توحيد الله، فإن قيل: من لا يعلم شيئا أي: ~~فائدة في الإخبار عن الطبع على قلبه؟ أجيب: بأن معناه أن من لا يعلم الآن ~~فقد طبع على قلبه من قبل. ثم إنه تعالى سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله ~~تعالى: # {فاصبر} أي: على إنذارهم مع هذا الجفاء والرد بالباطل والأذى فإن الكل ~~فعلنا لم يخرج منه شيء عن إرادتنا {إن وعد الله} أي: الذي له الكمال كله ~~بنصرك وإظهار دينك على الدين كله وفي كل ما وعد به {حق} أي: ثابت جدا ~~يطابقه الواقع كما ms2504 يكشف عنه الزمان وتأتي به مطايا الحدثان. ولما كان ~~التقدير فلا تعجل عطف عليه قوله تعالى {ولا يستخفنك} أي: يحملنك على الخفة ~~ويطلب أن تخف باستعجال النصر خوفا من عواقب تأخيره وتنفيرك عن التبليغ ~~{الذين لا يوقنون} أي: أذى الذين لا يصدقون بوعدنا من البعث والحشر وغير ~~ذلك تصديقا ثابتا في القلب بل هم إما شاكون وأدنى شيء يزلزلهم كمن يعبد ~~الله على حرف، أو مكذبون فهم بالغون في العداوة والتكذيب حتى إنهم لا ~~يصدقون في وعد الله بنصر الروم على فارس كأنهم على ثقة وبصيرة من أمرهم في ~~أن ذلك لا يكون. فإذا صدق الله وعده في ذلك بإظهاره عن قرب علموا كذبهم ~~عيانا، وعلموا إن كان لهم علم أن الوعد بالساعة لإقامة العدل على الظالم ~~والعود بالفضل على المحسن كذلك يأتي وهم صاغرون ويحشرون وهم داخرون. # {وسيعلم الذين ظلموا أي: منقلب ينقلبون} فقد انعطف آخر السورة على أولها ~~واتصل به اتصال القريب بالقريب. وها أنا أسأل الله تعالى القريب المجيب أن ~~يغفر ذنوب من كتب هذا وهو محمد الشربيني الخطيب ويفعل ذلك بوالديه وأولاده ~~ومشايخه وكل محب له وحبيب، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك يسبح ~~الله بين السماء والأرض وأدرك ما صنع في يومه وليلته» حديث موضوع رواه ~~الثعلبي في تفسيره والله تعالى أعلم بالصواب. ### | سورة لقمان # مكية أو إلا {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} الآيتينوهي أربع أو ثلاث ~~وثلاثون آية، وخمسمائة وثمانوأربعون كلمة، وألفان ومائة وعشرة أحرف # {بسم الله} أي: الذي وسع كل شيء رحمة وعلما {الرحمن} الذي شملت نعمته ~~سائر بريته {الرحيم} بأوليائه فخصهم بمعرفته قوله تعالى: # {ألم} تقدم الكلام عليه في أول سورة البقرة، وقيل: إنه أشار بذلك إلى أن ~~الله الملك الأعلى أرسل جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله ms2505 إمام # PageV03P179 # ولا يلحقه في ذلك نبي مدى الأيام فهو المبدأ وهو الختام، وإلى ذلك أومأ ~~بتعبيره بأداة البعد في قوله تعالى: # {تلك} أي: الآيات التي هي من العلو والعظمة بمكان {آيات الكتاب} أي: ~~الجامع لجميع أنواع الخير {الحكيم} بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا ~~يستطاع نقص شيء من إبرامه، ولا معارضة شيء من كلامه الدال ذلك على تمام علم ~~منزله وشمول عظمته وقدرته، والإضافة بمعنى من، وقوله تعالى: # {هدى ورحمة} بالرفع وهي قراءة حمزة خبر مبتدأ مضمر هي أو هو، وقرأ ~~الباقون بالنصب على الحال من آيات والعامل ما في اسم الإشارة من معنى ~~الفعل. وقال تعالى {للمحسنين} إشارة إلى أن رحمة الله قريب من المحسنين ~~فإنه تعالى قال في البقرة: {ذلك الكتاب} ولم يقل الحكيم وههنا قال: الحكيم؛ ~~لأنه لما زاد ذكر وصف في الكتاب زاد ذكرا من أحواله فقال {هدى ورحمة} وقال ~~هناك {هدى للمتقين} فقوله تعالى هدى في مقابلة قوله تعالى الكتاب، وقوله ~~تعالى: ورحمة في مقابلة قوله تعالى: الحكيم، ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ~~ذي الحكمة كقوله تعالى في عيشة راضية أي: ذات رضا. وقوله تعالى هناك: ~~للمتقين وقوله تعالى هنا للمحسنين لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئا آخر ~~قال للمتقين أي: يهدي به من يتقي الشرك والعناد، وههنا زاد قوله تعالى ~~ورحمة فقال للمحسنين كما قال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس: ~~26) فناسب زيادة # قوله تعالى ورحمة ولأن المحسن يتقي وزيادة ثم وصف المحسنين بقوله تعالى: # {الذين يقيمون الصلاة} أي: يجعلونها كأنها قائمة بسبب إتقان جميع ما أمر ~~به فيها وندب إليه، ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم البيت في كل يوم خمس مرات ~~إلا معظم له بالحج فعلا أو قوة {ويؤتون الزكاة} أي: كلها فدخل فيها الصوم؛ ~~لأنه لا يؤدي زكاة الفطر إلا من صامه فعلا أو قوة. ولما كان الإيمان أساس ~~هذه الأركان وكان الإيمان بالبعث جامعا لجميع أنواعه وحاملا على سائر وجوه ~~الإحسان قال تعالى {وهم بالآخرة} أي: التي تقدم ms2506 أن المجرمين عنها غافلون ~~{هم يوقنون} أي: يؤمنون بها إيمان موقن فهو لا يفعل شيئا ينافي الإيمان، ~~ولا يغفل عنه طرفة عين، فهو في الذورة العليا من ذلك فهو يعبد الله تعالى ~~كأنه يراه، فآية البقرة بداية وهذه نهاية، ولما كانت هذه الخلال أمهات ~~الأفعال الموجبة للكمال وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها بعد ~~أن زمها بزمامها فقال. # {أولئك} أي: العالو الرتبة الحائزون من منازل القرب أعظم رتبة {على هدى} ~~أي: متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء، وقال {من ربهم} تذكيرا لهم بأنه ~~لولا إحسانه لما وصلوا إلى شيء ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب خوفا من ~~الإعجاب {وأولئك هم المفلحون} أي: الظافرون بكل مراد، لما بين سبحانه ~~وتعالى حال من تحلى بهذا الحال فترقى إلى حلية أهل الكمال بين حال أضدادهم ~~بقوله تعالى: # {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} أي: ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا ~~أصل لها والأساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحك وفضول الكلام، فإن قيل: ما ~~معنى إضافة اللهو إلى الحديث؟ أجيب: بأن معناها التبيين وهي الإضافة بمعنى ~~من وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه كقوله: جبة خز وباب ساج، والمعنى: من ~~يشترى اللهو من الحديث لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبين بالحديث، # PageV03P180 # والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث: «الحديث في المسجد ~~يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى من ~~التبعيضية، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو. # قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي ~~الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشا ويقول: إن محمدا يحدثكم بحديث ~~عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون ~~حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد: ~~يعني شراء المغنيات والمغنين. ووجه الكلام على هذا التأويل: من يشتري ذات ~~أو ذا لهو الحديث. # وقيل: كان النضر يشتري المغنيات ولا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا ms2507 انطلق به ~~إلى قينة فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير لك مما يدعوك إليه ~~محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه، وعن أبي أمامة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام» ~~وفي مثل هذا نزلت الآية وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه ~~شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه ~~بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت» ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن ثمن الكلب وكسب المزمار» وقال مكحول: من ~~اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه حتى يموت لم أصل عليه ~~إن الله تعالى ليقول {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} الآية، وعن الحسن ~~وغيره قالوا: لهو الحديث هو الغناء، والآية نزلت فيه ومعنى يشتري لهو ~~الحديث يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وقال أبو ~~الصهباء: سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال: هو الغناء والله الذي لا إله ~~إلا هو يرددها ثلاث مرات. وقال إبراهيم النخعي: الغناء ينبت النفاق في ~~القلب، قال وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف، وقال ابن ~~جريج: لهو الحديث هو الطبل، وقال الضحاك: هو الشرك، وقال قتادة: هو كل لهو ~~ولعب، وقيل: الغناء منفدة للمال مسخطة للرب مفسدة للقلب {ليضل عن سبيل ~~الله} أي: الطريق الواضح الموصل للملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال ضد ما ~~كان عليه المحسنون من الهدى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء قبل الضاد ~~من الضلالة بمعنى ليثبت على ضلاله، والباقون بضمها، ونكر قوله تعالى {بغير ~~علم} ليفيد السلب العام لكل نوع من أنواع العلم أي: لأنه لا علم بشيء من ~~حال السبيل ولا حال غيرها علما يستحق إطلاق العلم عليه، فإن قيل: ما معنى ~~قوله تعالى بغير علم؟ أجيب: بأنه تعالى لما # جعله مشتريا لهو الحديث بالقرآن قال يشتري بغير علم بالتجارة بغير بصيرة ~~بها حيث يستبدل الضلال بالهدى ms2508 والباطل بالحق. ونحوه قوله تعالى {فما ربحت ~~تجارتهم وما كانوا مهتدين} (البقرة: 16) # أي: وما كانوا مهتدين بالتجارة وبصراء بها {ويتخذها} أي: السبيل التي لا ~~أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل المطلق {هزوا} أي: مهزوا بها، وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص بنصب الذال عطفا على يضل، والباقون بالرفع على يشتري، وسكن ~~حمزة زاي هزوا وضمها الباقون، ولما انفتح هذا الشقاء الدائم بينه بقوله ~~تعالى: # PageV03P181 # {أولئك} أي: هؤلاء البعداء البغضاء {لهم عذاب مهين} لإهانتهم الحق ~~باستثناء الباطل عليه، ولما كان الإنسان قد يكون غافلا فإذا نبه انتبه نبه ~~سبحانه وتعالى على أن هذا الإنسان المنهمك في أسباب الخسران لا يزداد على ~~ممر الزمان إلا مفاجأة لكل ما يرد عليه من البيان بقوله تعالى: # {وإذا تتلى عليه آياتنا} أي: تتجدد عليه تلاوتها أي: تلاوة القرآن من كل ~~تال كان {ولى} أي: بعد السماع مطلق التولية سواء كان على المجانبة أو مدبرا ~~{مستكبرا} أي: طالبا للكبر موجدا له بالإعراض عن الطاعة {كأن} أي: كأنه لم ~~{يسمعها} فهو لم يزل على حالة الكبر {كأن في أذنيه وقرا} أي: صمما يستوي ~~معه تكليم غيره له وسكوته (تنبيه) : جملتا التشبيه حالان من ضمير ولى، أو ~~الثانية بيان للأولى. وقرأ نافع بسكون الذال، والباقون بضمنها، ولما تسبب ~~عن ذلك استحقاقه لما يزيل كبره وعظمته قال تعالى {فبشره} أي: أعلمه {بعذاب ~~أليم} أي: مؤلم، وذكر البشارة تهكم به وهو النضر بن الحارث كما مرت الإشارة ~~إليه، ولما بين تعالى حال المعرض عن سماع الآيات بين حال من يقبل على تلك ~~الآيات بقوله تعالى: # {إن الذين آمنوا} أي: أوجدوا الإيمان {وعملوا} أي: تصديقا له {الصالحات ~~لهم جنات} أي: بساتين {النعيم} أي: نعيم جنات فعكس للمبالغة كما أن لهؤلاء ~~العذاب المهين، ووحد العذاب وجمع الرحمة إشارة إلى أن الرحمة واسعة أكثر من ~~الغضب، ولما كان ذلك قد لا يكون دائما وكان السرور بشيء قد ينقطع قال ~~تعالى: # {خالدين فيها} أي: دائما، وقوله تعالى {وعد الله} أي: الذي لا شيء أجل ms2509 ~~منه مصدر مؤكد لنفسه؛ لأن قوله تعالى جنات في معنى وعدهم الله تعالى ذلك ~~وقوله تعالى {حقا} مصدر مؤكد لغيره أي: لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما ~~مختلف، فتقدير الأولى: وعد. الله ذلك وعدا. وتقدير الثانية: أحق ذلك حقا ~~فأكد نعيم الجنات ولم يؤكد العذاب المهين {وهو العزيز} أي: فلا يغلبه شيء ~~{الحكيم} أي: الذي لا يضع شيئا إلا في محله، ولما ختم بصفتي العزة وهي غاية ~~القدرة والحكمة وهي ثمرة العلم دل عليهما بإتقان أفعاله بقوله تعالى: # {خلق السموات} على علوها وكبرها وضخامتها {بغير عمد} وقوله تعالى ~~{ترونها} فيه وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى السموات إذ ليست بعمد أصلا وأنتم ~~ترونها كذلك بغير عمد، الثاني: أنه راجع إلى العمد ومعناه بغير عمد مرئية، ~~وعلى كلا الوجهين هي ثابتة لا تزول وليس ذلك إلا بقدرة قادر مختار، تنبيه: ~~أكثر المفسرين أن السموات مبسوطة كصحف مستوية لقوله تعالى {يوم نطوي السماء ~~كطي السجل للكتب} (الأنبياء: 104) # وقال بعضهم: إنها مستديرة وهو قول جميع المهندسين والغزالي رحمه الله ~~تعالى حيث قال: ونحن نوافقهم في ذلك فإن لهم علي دليلا من المحسوسات ~~ومخالفة الحس لا تجوز، وإن كان في الباب خبر يؤول بما يحتمله فضلا عن أن ~~ليس في القرآن والخبر ما يدل على ذلك صريحا بل فيه ما يدل على الاستدارة ~~كقوله تعالى {كل في فلك يسبحون} (الأنبياء: 33) # والفلك اسم لشيء مستدير بل الواجب أن السموات سواء كانت مستديرة أو صفيحة ~~مستقيمة هي مخلوقة لله تعالى باختيار لا بإيجاب وطبع، ولما ذكر تعالى العمد ~~المقلة ذكر الأوتاد المقرة بقوله تعالى: {وألقى في الأرض} أي: التي أنتم ~~عليها جبالا {رواسي} والعجب أنها من فوقها # PageV03P182 # وجميع الرواسي التي تعرفونها تكون من تحت تثبتها عن {أن تميد} أي: تتحرك ~~{بكم} كما هو شأن ما على ظهر الماء {وبث} أي: فرق {فيها من كل دابة} وقوله ~~تعالى: # {وأنزلنا} أي: بما لنا من القوة {من السما ماء} فيه التفات عن الغيبة، ~~ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات وكان من ms2510 آثار الحكمة التابعة للعلم دل عليه ~~بقوله تعالى: {فأنبتنا} أي: بما لنا من العلو في الحكمة {فيها} أي: الأرض ~~بخلط الماء بترابها {من كل زوج} أي: صنف من النبات متشابه {كريم} بما له من ~~البهجة والنضرة الجالبة للسرور، وفي هذا دليل على عزته التي هي كمال ~~القدرة، وحكمته التي هل كمال العلم مهدبه قاعدة التوحيد وقررها بقوله ~~تعالى: # {هذا} أي: الذي تشاهدونه كله {خلق الله} أي: الذي له جميع الكمال فلا كفء ~~له، فإن ادعيتم ذلك {فأروني ماذا خلق الذين من دونه} أي: غيره، بكتهم بأن ~~هذه الأشياء العظيمة مما خلقه تعالى وأنشأه، فأروني ما خلقته آلهتكم حتى ~~استوجبوا عندكم العبادة. # تنبيه: ما استفهام إنكار مبتدأ و (ذا) بمعنى الذي بصلته خبره، وأروني ~~معلق عن العمل، وما بعده سد مسد المفعولين، ثم أضرب عن تبكيتهم بقوله ~~تعالى: {بل} منبها على أن الجواب ليس لهم خلق هكذا كان الأصل ولكنه قال ~~تعالى {الظالمون} أي: العريقون في الظلم تعميما وتنبيها على الوصف الذي ~~أوجب لهم كونهم {في ضلال} عظيم جدا محيط بهم {مبين} أي: في غاية الوضوح وهو ~~كونهم يضعون الأشياء في غير مواضعها لأنهم في مثل الظلام لا نور لهم ~~لانحجاب شمس الأنوار عنهم بجبل الهوى فلا حكمة لهم، ثم إنه تعالى لما نفاها ~~عنهم أثبتها لبعض أوليائه بقوله تعالى: # {ولقد آتينا} بما لنا من العظمة والحكمة {لقمان} وهو عبد من عبيدنا ~~المطيعين لنا {الحكمة} وهو العلم المؤيد بالعمل أو العمل المحكم بالعلم، ~~قال ابن قتيبة: لا يقال لشخص حكيم حتى يجتمع له الحكمة في القول والفعل. # قال: ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيما حتى يكون عاملا بها، وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: هي العقل والفهم والفطنة، واختلف في نسبه وفي سبب حكمته ~~فقيل: هو لقمان بن باعورا ابن أخت أيوب عليه السلام أو ابن خالته، وقيل: ~~كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ عنه العلم وكان ~~يفتي قبل مبعث داود عليه السلام فلما بعث قطع ms2511 الفتوى فقيل: له فقال ألا ~~أكتفي إذا كفيت، وقيل كان قاضيا في بني إسرائيل وأكثر الأقاويل أنه كان ~~حكيما ولم يكن نبيا. # أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل أكان لقمان نبيا قال: لا لم ~~يوح إليه وكان رجلا حكيما، وعن ابن عباس: لقمان لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن ~~كان راعيا أسود ورزقه الله تعالى العتق ورضي قوله ووصيته فقص أمره في ~~القرآن لتتمسكوا بوصيته، وقال ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطا، ~~وقال مجاهد: كان عبدا أسود غليظ الشفتين مشقق القدمين، وقيل كان نجارا، ~~وقيل كان راعيا، وقيل كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة حطب، وقال عكرمة ~~والشعبي: كان نبيا، وقيل خير بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة، وعنه أنه ~~قال لرجل ينظر إليه إن كنت تراني أسود فقلبي أبيض، وعن عكرمة قال: كان ~~لقمان أهون مملوك على سيده وأول ما رؤي من حكمته أنه بينما هو # PageV03P183 # مع مولاه إذ دخل المخرج وأطال فيه الجلوس فنادى لقمان أن طول الجلوس على ~~الحاجة يسيح منه الكبد ويكون منه الباسور ويصعد الحر إلى الرأس فخرج وكتب ~~حكمته على الحش. قال: وسكر مولاه فخاطر قوما على أن يشرب ماء بحيرة فلما ~~أفاق عرف ما وقع منه فدعا لقمان فقال لمثل هذا كنت أخبؤك قال اجمعهم فلما ~~اجتمعوا قال على أي. شيء خاطرتموه. قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة. ~~قال: فإن لها موادا فاحبسوا موادها عنه، قال: وكيف نستطيع أن نحبس موادها. ~~قال: فكيف يستطيع أن يشربها ولها مواد. # وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لقمان كان عبدا كثير التفكر، حسن الظن، ~~كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله فمن عليه بالحكمة نودي بالخلافة قبل داوود ~~فقيل له يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس. قال ~~لقمان: إن أجبرني ربي قبلت فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني وعلمني وعصمني، ms2512 ~~وإن خيرني اخترت العافية ولم أسأل البلاء فقالت الملائكة: يا لقمان لم؟ ~~قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان فيخذل أو ~~يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في ~~الدنيا ذليلا فهو خير من أن يكون شريفا ضائعا، ومن تخير الدنيا على الآخرة. ~~نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي ~~الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نودي داود بعده بالخلافة فقبلها ولم يشترط ~~ما اشترط لقمان فوقع في الذي حكاه الله عنه فصفح الله تعالى عنه وتجاوز، ~~وكان لقمان يؤازره أي: يساعده بعلمه وحكمته فقال داود طوبى لك يا لقمان ~~أوتيت الحكمة فصرفت عنك البلية وأوتي داود الخلافة فابتلى بالذنب والفتنة» ~~. # وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: «خير الله تعالى لقمان بين الحكمة ~~والنبوة فاختار الحكمة فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة فأصبح ينطق ~~بها فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؛ فقال إنه لو أرسل ~~إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيها الفوز منه ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكنه خيرني ~~فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي» . وروي أنه دخل على داود وهو ~~يصنع الدروع وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة ~~فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت. فقال: الصمت حكمة وقليل ~~فاعله. فقال له داود لحق ما سميت حكيما، وروي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن ~~يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب ثم أمره بمثل ذلك وأن يخرج أخبث ~~مضغتين فأخرج اللسان والقلب فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا ~~وأخبث ما فيها إذا خبثا، وروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال ألست ~~فلان الراعي فيم بلغت ما بلغت قال بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا ~~يعنيني، وعن ابن المسيب أنه قال لأسود: لا تحزن فإنه كان من خير الناس ~~ثلاثة من السودان ms2513 بلال ومهجع مولى عمر ولقمان كان أسود نوبيا ذا مشافر، ~~وروي سادات السودان أربعة لقمان الحبشي والنجاشي وبلال ومهجع. # وعن # PageV03P184 # أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحكمة عشرة أجزاء تسعة ~~منها في العزلة وواحد في الصمت» وقال لقمان لا مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس، ~~وقال ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع، ولما كانت الحكمة هي الإقبال على ~~الله قال الله تعالى {أن اشكر لله} أي: وقلنا له أن أشكر لله على ما أعطاك ~~من الحكمة {ومن يشكر} أي: يجدد الشكر ويتعاهده بنفسه كائنا من كان {فإنما ~~يشكر لنفسه} أي: لأن ثواب شكره له {ومن كفر} أي: النعمة {فإن الله غني} عن ~~الشكر وغيره {حميد} أي: له جميع المحامد وإن كفره جميع الخلق. # {و} اذكر {إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني} تصغير إشفاق، وقرأ حفص ~~بفتح الياء وسكنها ابن كثير، وكسرها الباقون {لا تشرك بالله} أي: الملك ~~الأعظم {إن الشرك} أي: بالله {لظلم عظيم} فرجع إليه وأسلم ثم قال له أيضا: ~~يا بني اتخذ تقوى الله تعالى تجارة يأتيك الفرج من غير بضاعة، يا بني احضر ~~الجنائز ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكر الآخرة والعرس يشهيك الدنيا، يا ~~بني لا تأكل شبعا من شبع فاتك أن تلقيه للكلب خير من أن تأكله، يا بني لا ~~تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوت بالأسحار وأنت النائم على فراشك، يا بني ~~لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة، يا بني لا ترغب في ود الجاهل فترى أنك ~~ترضى عمله، يا بني اتق الله ولا تري الناس أنك تخشى ليكرموك بذلك وقلبك ~~فاجر، يا بني ما ندمت على الصمت قط فإن الكلام إذا كان من فضة كان السكوت ~~من ذهب، يا بني اعتزل الشر كيما يعتزلك فإن الشر للشر خلف، يا بني إياك ~~وشدة الغضب فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم، يا بني عليك بمجالس العلماء ~~واستمع كلام الحكماء فإن الله تعالى يحي القلب الميت بنور الحكمة كما يحي ms2514 ~~الأرض بوابل المطر فإن من كذب ذهب ماء وجهه ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل ~~الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم، يا بني لا ترسل رسولا جاهلا ~~فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك، يا بني لا تنكح أمة غيرك فتورث بنيك حزنا ~~طويلا، يا بني يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حليم، يا بني اختر ~~المجالس على عينك فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله عز وجل فاجلس معهم فإنك ~~إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك غبيا يعلموك، وإن يطلع الله عز وجل عليهم ~~برحمة تصبك معهم، يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه الله تعالى ~~فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن غبيا يزيدوك غباوة وإن يطلع الله ~~تعالى عليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم، يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء ~~وشاور في أمرك # العلماء، يا بني إن الدنيا أمر عميق وقد غرق فيها ناس كثير فاجعل سفينتك ~~فيها تقوى الله وحشوها الإيمان بالله، وشراعها التوكل على الله لعلك أن ~~تنجو ولا أراك ناجيا، يا بني إني حملت الجندل والحديد فلم أحمل شيئا أثقل ~~من جار السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد من الفقر، يا بني كن ممن لا ~~يبتغي محمدة الناس ولا يكسب مذمتهم فنفسه عنهم في غنى والناس منه في راحة، ~~يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك، يا بني جالس العلماء ~~وزاحمهم بركبتيك فإن الله ليحي القلوب بنور الحكمة كما يحي الأرض الميتة ~~بوابل السماء، يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم، يا بني إذا ~~أردت أن تواخي رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره، يا ~~بني إنك # PageV03P185 # منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة فدار أنت إليها تسير أقرب ~~من دار أنت عنها تباعد، يا بني عود لسانك أن يقول: اللهم اغفر لي فإن لله ~~ساعات لا ترد، يا بني إياك والدين فإنه ذل ms2515 النهار وهم الليل، يا بني ارج ~~الله رجاء لا يجرئك على معصيته وخف الله خوفا لا يؤيسك من رحمته ا. ه. ~~وإنما أكثرت من ذلك لعل الله ينفعنى ومن طالعه بذلك، وسيأتي في كلام الله ~~تعالى زيادة على ذلك واقتصرت على هذا القدر وإلا فمواعظه لابنه لو أراد شخص ~~الإكثار منها لجعل منها مجلدات. # فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال: وضع لقمان عليه ~~السلام جرابا من خردل إلى جنبه وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة فنفذ ~~الخردل فقال: يا بني وعظتك موعظة لو وعظتها جبلا لتفطر فتفطر ابنه. فسبحان ~~من يعز ويذل، ويغني ويفقر، ويشفي ويمرض، ويرفع من يشاء وإن كان عبدا فلا ~~بدع أن يخص محمدا صلى الله عليه وسلم ذا النسب العالي والمنصب المنيف ~~بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها، ولما ذكر ~~سبحانه ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأول الذي لم يشركه في إيجاده أحد ~~وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة أتبعه وصيته سبحانه للولد بالوالد ~~لكونه المنعم الثاني بالسببية في وجوده بقوله تعالى: # {ووصينا الإنسان بوالديه} أي: أمرناه أن يبرهما ويطيعهما ويقوم بهما، ثم ~~بين تعالى السبب في ذلك بقوله تعالى: {حملته أمه وهنا} أي: حال كونها ذات ~~وهن بحمله وبالغ في جعلها نفس الفعل دلالة على شدة ذلك الضعف {على وهن} أي: ~~ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف الولادة، ثم أشار إلى ما لها عليه من المنة ~~بعد ذلك بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك لنفسه شيئا بقوله تعالى: ~~{وفصاله} أي: فطامه من الرضاعة بعد وضعه {في عامين} تقاسي فيهما في منامه ~~وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، فإن قيل وصى الله تعالى ~~بالوالدين وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه أكثر من الأم لأنه ~~حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ؟ أجيب: بأن المشقة الحاصلة ~~للأم أعظم فإن الأب حمله خفيفا لكونه من جملة ms2516 جسده والأم حملته ثقيلا آدميا ~~مودعا فيها وبعد وضعه وتربيته ليلا ونهارا وبينهما ما لا يخفى من المشقة، ~~ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم ~~قال بعد ذلك ثم أباك» وقوله تعالى {أن اشكر لي} لأني المنعم في الحقيقة ~~{ولوالديك} أي: لكوني جعلتهما سببا لوجودك والإحسان بتربيتك تفسير لوصينا ~~أو عدة له، ثم علل الأمر بالشكر محذرا بقوله تعالى: {إلي} لا إلى غيري ~~{المصير} فأحاسبك على شركك ومعاصيك، وعن القيام بحقوقهما، قال سفيان بن ~~عيينة في هذه الآية: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر لله، ومن دعا لوالديه في ~~أدبار الصلوات الخمس فقد شكر للوالدين، ولما ذكر تعالى وصيته بهما وأكد ~~حقهما أتبعه الدليل على ما ذكر لقمان من قباحة الشرك بقوله تعالى: # {وإن جاهداك} أي: مع ما أمرتك به من طاعتهما {على أن تشرك بي} وقوله ~~تعالى {وما ليس لك به علم} موافق للواقع لأنه لا يمكن أن يدل علم من أنواع ~~العلوم على شيء من الشرك بل العلوم كلها دالة على الوحدانية، ولما قرر ذلك ~~على هذا المنوال البديع قال مسببا عنه {فلا تطعهما} أي: في ذلك # PageV03P186 # ولو اجتمعا على المجاهدة لك عليه بل خالفهما، وإن أدى الأمر إلى السيف ~~فجاهدهما به لأن أمرهما بذلك مناف للحكمة حامل على محض الجور والسفه ففيه ~~تنبيه لقريش على محض الغلط في التقليد لآبائهم في ذلك، وربما أفهم ذلك ~~الإعراض عنهما بالكلية فلهذا قال تعالى {وصاحبهما في الدنيا} أي: في أمورها ~~التي لا تتعلق بالدين ما دمت حيا بها {معروفا} ببرهما إن كانا على دين ~~يقران عليه ومعاملتهما بالحلم والإحتمال وما تقتضيه مكارم الأخلاق ومعالي ~~الشيم، ولما كان ذلك قد يجر إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة نفي ذلك ~~بقوله تعالى: {واتبع} أي: بالغ في أن تتبع {سبيل} أي: دين وطريق {من أناب} ~~أي: أقبل خاضعا {إلي} لم يلتفت إلى عبادة غيري وهم المخلصون، فإن ذلك لا ~~يخرجك عن ms2517 برهما ولا عن توحيد الله تعالى ولا عن الإخلاص له. # تنبيه: في هذا حث على معرفة الرجال بالحق وأمر بحك المشايخ وغيرهم على ~~محك الكتاب والسنة، فمن كان عمله موافقا لهما اتبع، ومن كان عمله مخالفا ~~لهما اجتنب. وإذا كان مرجع أمورهم كلها إليه في الدنيا ففي الآخرة كذلك كما ~~قال تعالى {ثم إلي} أي: في الآخرة {مرجعكم فأنبئكم} أي: أفعل فعل من يبالغ ~~في التعقيب والاختبار عقب ذلك وتبيينه لأن ذلك أنسب شيء للحكمة وتعقب كل ~~شيء بحسب ما يليق به {بما كنتم تعملون} أي: تجيددون عمله من صغير وكبير، ~~وجليل وحقير، فأجازي من أريد وأغفر لمن أريد، فأعد لذلك عدته، ولا تعمل عمل ~~من ليس له مرجع يحاسب فيه ويجازي على مثاقيل الذر من أعماله، والآيتان ~~معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال ~~تعالى: وصينا بمثل ما وصى به وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فإنهما مع ~~أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز أن يتبعا في الإشراك ~~فما ظنكم بغيرهما ونزولهما في سعد بن أبي وقاص وأمه مكثت لإسلامه ثلاثا لم ~~تطعم فيها شيئا، ولذلك قيل من أناب إلي هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه فإن ~~سعدا أسلم بدعوة أبي بكر له، ثم إن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملت ~~الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله تعالى فقال. # {يا بني} مجيبا له مستعطفا مصغرا له بالنسبة إلى حلم شيء من غضب الله ~~تعالى {إنها} أي: الخطيئة {إن تك} وأسقط النون لغرض الإيجاز في الإيصاء ~~{مثقال} أي: وزن، ثم حقرها بقوله {حبة} وزاد في ذلك بقوله {من خردل} أي: إن ~~تكن في الصغر كحبة الخردل، وقرأ نافع مثقال بالرفع على أن الهاء ضمير ~~الخطيئة كما مر أو القصة وكان تامة، وتأنيثها الإضافة المثقال إلى الحبة ~~كقول الأعشى: # *وتشرق بالقول الذي قد ذكرته ... كما شرقت صدر القناة من الدم* # والشرق الغصة، يقال شرق بريقه أي: غص، ms2518 والشاهد في شرقت حيث أنه لإضافة ~~الصدر إلى القناة، وصدرها ما فوق نصفها، ثم أثبت النون في قوله مبينا عن ~~صغرها {فتكن} إشارة إلى ثباتها في مكانها وليزداد شوق النفس إلى محط ~~الفائدة ويذهب الوهم كل مذهب معبرا عن أعظم الخفاء وأتم الأحوال {في صخرة} ~~أي صخرة كانت ولو أنها أشد الصخور وأخفاها، ولما أخفى وضيق أظهر ووسع ورفع ~~وخفض ليكون أعظم لضياعها لحقارتها بقوله {أو في السموات} # PageV03P187 # أي: في أي مكان منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها، وأعاد أونصا على ~~إرادة كل منهما على حدته بقوله {أو في الأرض} أي: كذلك وهذا كما ترى لا ~~ينفي أن تكون الصخرة فيهما أو في غيرهما أو في أحدهما. # وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رياح أنه لما وعظ لقمان ابنه وقال إنها إن ~~تك الآية أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك فألقاها في عرضه، ثم مكث ما ~~شاء الله تعالى، ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته، ~~وقال بعض المفسرين: المراد بالصخرة: صخرة عليها الثور وهي لا في الأرض ولا ~~في السماء، وقال الزمخشري: فيه إضمار تقديره إن تكن في صخرة أو في موضع آخر ~~في السموات أو في الأرض، وقيل: هذا من تقديم الخاص وتأخير العام وهو جائز ~~في مثل هذا التقسيم، وقيل: خفاء الشيء يكون بطرق: منها: أن يكون في غاية ~~الصغر، ومنها: أن يكون بعيدا، ومنها أن يكون في ظلمة، ومنها: أن يكون وراء ~~حجاب فإذا امتنعت هذه الأمور فلا يخفى في العادة فأثبت لله الرؤية والعلم ~~مع انتفاء الشرائط بقوله إن تك مثقال حبة من خردل إشارة إلى الصغر، وقوله ~~فتكن في صخرة إشارة إلى الحجاب وقوله أو في السموات إشارة إلى البعد فإنها ~~أبعد الأبعاد، وقوله أو في الأرض إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم ~~الأماكن وقوله {يأت بها الله} أبلغ من قول القائل يعلمها الله لأن من يظهر ~~له شيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله ms2519 في العلم دون حال من يظهر له ~~الشيء ويظهره لغيره، فقوله يأت بها الله أي: يظهرها للإشهاد يوم القيامة ~~فيحاسب بها عاملها. # {إن الله} أي: الملك العظيم {لطيف} أي: نافذ القدرة يتوصل علمه إلى كل ~~خفي عالم بكنهه، وعن قتادة لطيف باستخراجها {خبير} أي: عالم ببواطن الأمور ~~فيعلم مستقرها، روي في بعض الكتب أن هذه آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت ~~مرارته من هيبتها فمات. # قال الحسن: معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها، ولما نبه على ~~إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب أمره بما يدخره لذلك توسلا إليه وتخشعا ~~لديه وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه بقوله: # {يا بني} مكرر للمناداة تنبيها على فرط النصيحة لفرط الشفقة {أقم الصلاة} ~~أي: بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها تسببا في نجاة نفسك وتصفية سرك فإن ~~إقامتها وهو الإتيان بها على النحو المرضي مانعة من الخلل في العمل، إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لأنها الإقبال على من وحدته، فاعتقدت أنه ~~الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم ولهذا الإقبال ~~والإعراض كانت ثابتة للتوحيد وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير ~~أن هيآتها اختلفت وترك ذكر الزكاة تنبيها على أنه من حكمته، والحكمة تخليه ~~وتخلى ولده من الدنيا حتى ما يكفيهم لقوتهم ولما، أمره بتكميله في نفسه ~~توفية لحق الحق عطف على ذلك تكميله لغيره بقوله {وأمر بالمعروف} أي: كل من ~~تقدر على أمره تهذيبا لغيرك وشفقة على نفسك لتخليص أبناء جنسك {وإنه} أي: ~~كل من قدرت على نهيه {عن المنكر} حبا لأخيك ما تحب لنفسك تحقيقا لنصيحتك ~~وتكميلا لعبادتك، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى: # *ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإن انتهت عنه فأنت حكيم* # PageV03P188 # لأنه أمره أولا بالمعروف وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، فإذا ~~أمر نفسه ونهاها ناسب أن يأمر غيره وينهاه، وهذا وإن كان من قول لقمان إلا ~~أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين ms2520 به، فإن قيل كيف قدم في وصيته ~~لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر وحين أمر أنه قدم النهي عن ~~المنكر على الأمر بالمعروف فقال: لا تشرك بالله ثم قال أقم الصلاة؟ أجيب: ~~بأنه كان يعلم أن ابنه معترف بوجود الإله فما أمره بهذا المعروف بل نهاه عن ~~المنكر الذي ترتب على هذا المعروف، وأما ابنه فأمره أمرا مطلقا والمعروف ~~يقدم على المنكر، ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على ~~الجمر قال له {واصبر} صبرا عظيما بحيث تكون مستعليا {على ما} أي: الذي ~~{أصابك} أي: في عبادتك وغيرها من الأمر بالمعروف وغيره سواء أكان بواسطة ~~العباد أم لا كالمرض، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنهما ~~ملاك الاستعانة قال تعالى {واستعينوا بالصبر والصلاة} (البقرة: 45) # وأخرج أحمد عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة يعني حكمة ~~لقمان عليه السلام لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسيطا تكن أحب إلى الناس ممن ~~يعطيهم العطايا. وقال: مكتوب في الحكمة أو في التوراة الرفق رأس الحكمة، ~~وقال: مكتوب في التوراة كما ترحمون ترحمون، وقال: مكتوب في الحكمة كما ~~تزرعون تحصدون، وقال: مكتوب في الحكمة أحبب خليلك وخليل أبيك، وقيل للقمان: ~~أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا، ومن حكمته أنه قال: ~~أقصر عن اللجاجة ولا أنطق فيما لا يعنيني ولا أكون مضحاكا من غير عجب ولا ~~مشاء لغير أرب، ومنها من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ ومن أنصف ~~الناس من نفسه زاده الله بذلك عزا، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز ~~بالمعصية، ومنها أنه كان يقول ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: الحليم ~~عند الغضب، والشجاع عند الحرب، وأخوك عند حاجتك إليه. # ولما كان ما أحكمه لولده عظيم الجدوى وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك ~~الأعمال نبه بذلك بقوله على سبيل الاستئناف أو التعليل {إن ذلك} أي: الأمر ~~العظيم الذي أوصيك به لا سيما الصبر على المصائب ms2521 {من عزم الأمور} أي: ~~معزوماتها تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر أي: الأمور المقطوع بها ~~المفروضة، أو القاطعة الجازمة وبجزم فاعلها، ثم حذره عن الكبر معبرا عنه ~~بلازمه لأن نفي الأعم نفي للأخص بقوله.» # {ولا تصعر خدك} أي: لا تمله متعمدا إمالته بإمالة العنق متكلفا لها صرفا ~~عن الحالة القاصدة، قال أبو عبيدة: وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوى منه ~~عنقه، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم بغير ألف بعد الصاد وتشديد العين، ~~والباقون بألف بعد الصاد وتخفيف العين، والرسم يحتملها فإنه رسم بغير ألف ~~وهما لغتان لغة الحجاز التخفيف، وتميم التثقيل، ولما كان ذلك قد يكون لغرض ~~من الأغراض التي لا تدوم أشار إلى المقصود بقوله {للناس} بلام العلة أي: لا ~~تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم وذلك لا يكون إلا تهاونا بهم من الكبر بل أقبل ~~عليهم بوجهك كله مستبشرا منبسطا من غير كبر ولا عتو، وعن ابن عباس لا تتكبر ~~فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك، وقيل هو الرجل يكون بينك وبينه ~~الشحنة فيلقاك فتعرض # PageV03P189 # عنه، وقيل هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه تكبرا، وقيل معناه: لا تحقر ~~الفقير، ليكن الفقير والغني عندك سواء، ثم أتبع ذلك ما يلزمه بقوله {ولا ~~تمش} وأشار بقوله {في الأرض} إلى أن أصله تراب وهو لا يقدر أن يعدوه وسيصير ~~إليه وأوقع المصدر موقع الحال والعلة في قوله {مرحا} أي: اختيالا وتبخترا ~~أي: لا تكن منك هذه الحقيقة لأن ذلك مشي أشر بطر متكبر فهو جدير بأن يظلم ~~صاحبه ويفحش ويبغي بل أمش هونا فإن ذلك يفضي بك إلى التواضع فتصل إلى كل ~~خير فترفق بك الأرض إذا صرت في بطنها {إن الله} أي: الذي له الكبرياء ~~والعظمة {لا يحب} أي: يعذب {كل مختال} أي: مراء للناس في مشيه متبختر يرى ~~له فضلا على الناس {فخور} على الناس بنفسه يظن أن إسباغ النعم الدنيوية من ~~محبة الله تعالى له وذلك من جهله، فإن الله يسبغ نعمه على الكافر الجاحد ~~فينبغي ms2522 للعارف أن لا يتكبر على عباده فإن الكبر هو الذي تردى به سبحانه فمن ~~نازعه فيه قصمه، ولما كان النهي عن ذلك أمرا بضده قال: # {واقصد} أي: اقتصد واسلك الطريق الوسطى {في مشيك} بين ذلك قواما أي: ليكن ~~مشيك قصدا لا تخيلا ولا إسراعا أي: بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين ولا ~~تثب وثب الشطار، قال صلى الله عليه وسلم «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» ~~وأما قول عائشة في عمر رضي الله تعالى عنهما: كان إذا مشى أسرع، فإنما ~~أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت، وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة ~~لقوله تعالى يمشون: على الأرض هونا وعن ابن مسعود: كانوا ينهون عن وثب ~~اليهود ودبيب النصارى، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان، قاله الرازي: ~~في اللوامع وهو المشي الهون الذي ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع، ولا بتكبر ~~{واغضض} أي: انقص {من صوتك} لئلا يكون صوتك منكرا وتكون برفع الصوت فوق ~~الحاجة كالأذان فهو مأمور به، وكانت الجاهلية يتمدحون برفع الصوت قال ~~القائل: # *جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الروى جهير النغم* # وقال مقاتل: اخفض من صوتك، فإن قيل: لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر ~~المانع من سرعة المشي؟ أجيب: بأن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوته ~~وربما يخرق الغشاء الذي داخل الأذن، وأما سرعة المشي فلا تؤذي وإن آذت فلا ~~تؤذي غير من في طريقه، والصوت يبلغ من على اليمين واليسار ولأن المشي يؤذي ~~آلة المشي، والصوت يؤذي آلة السمع وآلة السمع على باب القلب فإن الكلام ~~ينتقل من السمع إلى القلب، ولا كذلك المشي. وأيضا فلأن قبح القول أقبح من ~~قبح الفعل وحسنه أحسن، لأن اللسان ترجمان القلب، ولما كان رفع الصوت فوق ~~الحاجة منكر كما أن خفضه دونها تماوت وتكبر وكان قد أشار إلى النهي عن هذا ~~بمن فأفهم أن الطرفين مذمومان علل النهي عن الأول بقوله {إن أنكر} أي: أفظع ~~وأبشع وأوحش {الأصوات} كلها المشتركة في المكاره برفعها فوق الحاجة، وأخلى ~~الكلام من لفظ ms2523 التشبيه، وأخرجه مخرج الاستعارة تصوير الصوت الرافع صوته فوق ~~الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت كذلك حمارا مبالغة في التهجين وتنبيها على ~~أنه من الكراهة بمكان # PageV03P190 # فقال {لصوت الحمير} أي: هذا الجنس لما له من العلو المفرط من غير حاجة ~~فإن كل حيوان قد يفهم من صوته أنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو لغير ذلك، ~~والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم ~~الحاجة يصيح وينهق بصوت أوله زفير وآخره شهيق وهما فعل أهل النار، وأفرد ~~الصوت ليكون نصا على إرادة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك، ولذكر ~~الحمار مع ذلك من بلاغة الشتم والذم ما ليس لغيره ولذلك يستهجن التصريح ~~باسمه بل يكنون عنه ويرغبون عن التصريح به فيقولون الطويل الأذنين كما يكنى ~~عن الأشياء المستقذرة وقد عد في مساوئ الأداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس ~~قوم من ذوي المروءة من العرب من لا يركب الحمار استنكافا، وإن بلغت منه ~~الرحلة، وإنما ركبه صلى الله عليه وسلم لمخالفته عادتهم وإظهاره التواضع من # نفسه، وأما الرفع مع الحاجة فغير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع. # فإن قيل كيف يفهم كونه أنكر الأصوات مع أن حز المنشار بالمبرد ودق النحاس ~~بالحديد أشد صوتا؟ أجيب: من وجهين: الأول: المراد أنكر أصوات الحيوانات صوت ~~الحمير فلا يرد السؤال، والثاني: أن الصوت الشديد لحاجة ومصلحة لا يستبشع ~~ولا ينكر صوته كما مرت الإشارة إليه، بخلاف صوت الحمير، قال موسى بن أعين ~~سمعت سفيان الثوري يقول في قوله تعالى {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} قال: ~~صياح كل شيء تسبيح لله تعالى إلا الحمار، وقال جعفر الصادق في ذلك: هي ~~العطسة القبيحة المنكرة، وقال وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف كلمة من ~~الحكمة أدخلها الناس في كلامهم. # قال خالد الربعي: كان لقمان عبدا ومن حكمته أنه دفع إليه مولاه شاة فقال ~~له: اذبحها وائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب ثم دفع إليه شاة ~~أخرى ms2524 فقال اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب فسأله ~~مولاه فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا وقد مرت ~~الإشارة إلى ذلك. # ومن حكمته أنه قال لابنه: يا بني لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا ~~جعلت في الضمير منك إن ذلك خير لك، ثم قال لابنه: يا بني إن الله قد بعث ~~نبيا هلم حتى نأتيه فنصدقه فخرج على حمار وابنه على حمار وتزودا، ثم سارا ~~أياما وليالي حتى لقيتهما مفازة فأخذا أهبتها لها فدخلا فسارا ما شاء الله ~~تعالى حتى ظهرا وقد تعالى النهار، واشتد الحر، ونفد الماء والزاد، واستبطأ ~~حماريهما فنزلا وجعلا يشتدان على سوقهما فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان ~~أمامه فإذا هو بسواد ودخان فقال في نفسه: السواد الشجر والدخان العمران ~~والناس، فبينما هما يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم ناتئ على الطريق فخر ~~مغشيا عليه فوثب إليه لقمان وضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه ثم نظر ~~إليه لقمان فذرفت عيناه فقال: يا أبت أنت تبكي وأنت تقول هذا خير لي وقد ~~نفد الطعام والماء وبقيت أنا وأنت في هذا المكان فإن ذهبت وتركتني على حالي ~~ذهبت بهم وغم ما بقيت، وإن أقمت معي متنا جميعا، فقال: يا بني أما بكائي ~~فرقة الوالدين، وأما ما قلت كيف يكون هذا خيرا فلعل ما صرف عنك، أعظم مما ~~ابتليت به ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، ثم نظر لقمان أمامه فلم ير ~~ذلك الدخان والسواد وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بياض وعمامة ~~بيضاء يمسح الهواء مسحا فلم # PageV03P191 # يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريبا فتوارى عنه؛ ثم صاح به أنت لقمان قال ~~نعم، قال أنت الحكيم، قال كذلك يقال: قال ما قال لك ابنك. قال: يا عبد الله ~~من أنت؟ أسمع كلامك ولا أرى وجهك، قال: أنا جبريل أمرني ربي بخسف هذه ~~القرية ومن فيها فأخبرت أنكما تريدانها فدعوت ربي أن يحبسكما عني بما ms2525 شاء ~~فحبسكما بما ابتلى به ابنك ولولا ذلك لخسفت بكما مع من خسفت، ثم مسح جبريل ~~عليه السلام بيده على قدم ابنه فاستوى قائما ومسح بيده على الذي كان فيه ~~الطعام فامتلأ طعاما وعلى الذي كان فيه الماء فامتلأ ماء ثم حملهما ~~وحماريهما فرحل # بهما كما يرحل الطير فإذا هما في الدار التي خرجا بعد أيام وليال منها. # وعن عبد الله بن دينار أن لقمان قدم من سفر فلقي غلامه في الطريق فقال: ~~ما فعل أبي؟ فقال: مات. قال: الحمد لله ملكت أمري، قال: ما فعلت أمي؟ قال: ~~ماتت، قال: ذهب همي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت، قال: جدد فراشي. قال: ~~ما فعلت أختي؟ قال: ماتت. قال: سترت عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، ~~قال: انقطع ظهري. # وعن أبي قلابة قال: قيل للقمان أي الناس أصبر؟ قال: صبر لا معه أذى، قيل: ~~فأي الناس أعلم؟ قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه، قيل: فأي الناس خير؟ ~~قال: الغني، قيل الغني من المال؟ قال: لا، ولكن الغني من التمس عنده خير ~~وجد وإلا أغنى نفسه عن الناس. # وعن سفيان: قيل للقمان: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس ~~مسيئا، وعن عبد الله بن زيد قال قال لقمان ألا إن يد الله على أفواه ~~الحكماء لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله تعالى له، ولما استدل سبحانه بقوله ~~تعالى: {خلق السموات بغير عمد} على الوحدانية وبين بحكمة لقمان أن معرفة ~~ذلك غير مختصة بالنبوة استدل ثانيا على الوحدانية بالنعم بقوله تعالى: # {ألم تروا} أي: تعلموا علما هو في ظهوره كالمشاهدة {أن الله} أي: الحائز ~~لكل كمال {سخر لكم} أي: لأجلكم {ما في السموات} من الإنارة والإظلام والشمس ~~والقمر والنجوم والسحاب والمطر والبرد وغير ذلك من الإنعامات مما لا يحصى، ~~كما قال {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} {و} سخر لكم {ما في الأرض} ~~من البحار والثمار والآبار والأنهار والدواب والمعادن وغير ذلك مما لا يحصى ~~{وأسبغ} أي: ms2526 أوسع وأتم {عليكم} وقوله تعالى {نعمه} قرأه نافع وأبو عمرو ~~وحفص بفتح العين وبعد الميم هاء مضمومة، والباقون بسكون العين وبعد الميم ~~تاء مفتوحة منونة، ومعناها الجمع أيضا كقوله تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها} (إبراهيم: 34) # واختلف في قوله عز وجل {ظاهرة وباطنة} على أقوال: فقال عكرمة عن ابن ~~عباس: النعمة الظاهرة: القرآن والإسلام، والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ~~ولم يعجل عليك بالنقمة، وقال الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وتسوية الأعضاء ~~والباطنة المعرفة، وقال مقاتل: الظاهرة تسوية الخلق والرزق والإسلام، ~~والباطنة ما ستر من الذنوب، وقال الربيع: الظاهرة الجوارح والباطنة القلب، ~~وقال عطاء الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة الشفاعة، وقال مجاهد: الظاهرة ~~ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة الإمداد بالملائكة، وقال سهل بن ~~عبد الله: الظاهرة اتباع الرسول والباطنة محبته، وقيل الظاهرة تمام الرزق ~~والباطنة تمام الخلق، وقيل الظاهرة الإمداد بالملائكة والباطنة إلقاء الرعب ~~في قلوب # PageV03P192 # الكفار، وقيل الظاهرة الإقرار باللسان والباطنة الاعتقاد بالقلب، وقيل ~~الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة، والباطنة القلب ~~والعقل والفهم وما أشبه ذلك، ويروى في دعاء موسى: عليه السلام إلهي دلني ~~على إخفاء نعمتك على عبادك، فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس، ويروى أن أيسر ~~ما يعذب به أهل النار الأخذ بالأنفاس، ونزل في النضر بن الحارث وأبي بن خلف ~~وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في الله تعالى وفي صفاته. # {ومن الناس} أي: أهل مكة {من يجادل} أي: يحاجج فلا لهو أعظم من جداله ولا ~~كبر مثل كبره ولا ضلال مثل ضلاله وأظهر زيادة التشنيع على هذا المجادل ~~بقوله تعالى: {في الله} أي: المحيط علما وقدرة ثم بين تعالى مجادلته أنها ~~{بغير علم} أي: مستفاد من دليل بل بألفاظ في ركاكة معانيها لعدم إسنادها ~~إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات الحيوانات العجم فكان بذلك حمارا تابعا للهوى ~~{ولا هدى} أي: من رسول عهد منه سداد الأقوال والأفعال بما أبدى من المعجزات ~~والآيات البينات فوجب أخذ أقواله مسلمة وإن لم يظهر معناها {ولا ms2527 كتاب} أي: ~~من الله تعالى، ثم وصفه بما هو لازم له بقوله تعالى: {منير} أي: بين غاية ~~السبيان؛ بل إنما يجادل بالتقليد كما قال تعالى: # {وإذا قيل} أي: من أي: قائل كان {لهم} أي: المجادلين هذا الجدال {اتبعوا ~~ما أنزل الله} أي: الذي خلقكم وخلق آباءكم الأولين {قالوا} جحودا لا نفعل ~~{بل نتبع} وإن أتيتنا بكل دليل {ما وجدنا عليه آباءنا} لأنهم أثبت منا ~~عقولا وأقوم قيلا وأهدى سبيلا، فهذه المجادلة في غاية القبح فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلام الله وهم يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام ~~الله تعالى وبين كلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله تعالى وكلام ~~الجهال {أولو} أي: أيتبعونهم ولو {كان الشيطان} أي: البعيد من الرحمه، ~~المحترق باللعنة {يدعوهم} إلى الضلال فيوبقهم فيما يسخط الرحمن فيؤديهم لك ~~{إلى عذاب السعير} وجواب لو محذوف مثل لا تتبعوه، والاستفهام للإنكار ~~والتعجب، والمعنى أن الله تعالى يدعوهم إلى الثواب والشيطان يدعوهم إلى ~~العذاب وهم مع هذا يتبعون الشيطان، ولما بين تعالى حال المشرك والمجادل في ~~الله بين تعالى حال المسلم المستسلم لأمر الله تعالى بقوله تعالى: # {ومن يسلم} أي: في الحال والاستقبال {وجهه} أي: قصده وتوجهه وذاته كلها ~~{إلى الله} أي: الذي له صفات الكمال بأن فوض أمره إليه فلم يبق لنفسه أمر ~~أصلا فهو لا يتحرك إلا بأمر من أوامره سبحانه {وهو} أي: والحال أنه {محسن} ~~أي: مخلص بباطنه كما أخلص بظاهره فهو دائما في حال الشهود {فقد استمسك} أي: ~~أوجد الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوة في تأدية الأمور {بالعروة ~~الوثقى} أي: اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه؛ لأن أوثق العرى ~~جانب الله تعالى فإن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له، وهذا من ~~باب التمثيل مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق جبل فاحتاط ~~لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه، فإن قيل كيف قال ~~ههنا {ومن يسلم وجهه إلى ms2528 الله} فعداه بإلى، وقال في البقرة {بلى من أسلم ~~وجهه لله وهو محسن} (البقرة: 112) # فعداه باللام؟ أجيب: بأن أسلم يتعدى تارة # PageV03P193 # باللام، وتارة بإلى، كما يتعدى أرسل تارة باللام وتارة بإلى قال تعالى ~~{وأرسلناك للناس رسولا} وقال تعالى {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} {وإلى ~~الله} أي: الملك الأعلى {عاقبة الأمور} أي: مصير جميع الأشياء إليه، كما أن ~~منه باديتها، وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادية، ولما بين تعالى حال ~~المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال تعالى: # {ومن كفر} أي: ستر ما أداه إليه عقله من أن الله تعالى لا شريك له وأن لا ~~قدرة أصلا لأحد سواه ولم يسلم وجهه إليه {فلا يحزنك} أي: يهمك ويوجعك ~~{كفره} كائنا من كان، فإنه لم يفتك شيء فيه ولا معجز لنا ليحزنك ولا تبعة ~~عليك بسببه في الدنيا وفي الآخرة، وأفرد الضمير في كفره اعتبارا بلفظ من ~~لإرادة التنصيص على كل فرد، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأول بالمضارع ~~بشارة بدخول كثير في هذا الدين وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم، وترغيب في ~~الإسلام لكل من كان خارجا عنه فالآية من الاحتباك، ذكر الحزن ثانيا دليلا ~~على حذف ضده أولا، وذكر الاستمساك أولا دليلا على حذف ضده ثانيا {إلينا} ~~أي: في الدارين {مرجعهم فننبئهم} أي: بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم {بما ~~عملوا} أي: ونجازيهم عليه إن أردنا {إن الله} أي: الذي لا كفء له {عليم} ~~أي: محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال {بذات الصدور} أي: لا يخفى ~~عليه سرهم وعلانيتهم فينبئهم بما أسرت صدورهم. # {نمتعهم} أي: نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا {قليلا} أي: إلى انقضاء ~~آجالهم فإن كل آت قريب، وإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل {ثم نضطرهم} ~~أي: نلجئهم ونردهم في الآخرة {إلى عذاب غليظ} أي: شديد ثقيل لا ينقطع عنهم ~~أصلا ولا يجدون لهم منه محيصا من جهة من جهاته فكأنه في شدته وثقله جرم ~~عظيم غليظ جدا إذا ترك على شيء لا يقدر على الخلاص منه، ثم ms2529 إنه تعالى لما ~~سلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {فلا يحزنك كفره} أي: لا ~~تحزن على تكذيبهم فإن صدقك وكذبهم يتبين عن قريب وهو رجوعهم إلينا على أنه ~~لا يتأخر إلى ذلك اليوم بل يتبين قبل يوم القيامة كما قال تعالى: # {ولئن} اللام لام قسم {سألتهم من خلق السموات} أي: بأسرها ومن فيها ~~{والأرض} كذلك وقوله تعالى {ليقولن الله} أي: المسمى بهذا الاسم حذف منه ~~نون الرفع لتوالي والأمثال وواو الضمير لالتقاء الساكنين، فقد أقروا بأن كل ~~ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع من مصنوعاته، ولما تبين بذلك صدقه صلى الله ~~عليه وسلم وكذبهم قال الله تعالى مستأنفا {قل الحمد} أي: الإحاطة بجميع ~~أوصاف الكمال {لله} أي: الذي له الإحاطة الشاملة من غير تقييد بخلق ~~الخافقين ولا غيره على ظهور الحجة عليهم بالتوحيد {بل أكثرهم لا يعلمون} ~~أي: ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك، ولما أثبت ~~لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف الكمال استدل على ذلك بقوله تعالى: # {لله} أي: الملك الأعظم {ما في السموات} كلها {والأرض} كذلك ملكا وخلقا ~~فلا يستحق العبادة فيهما غيره، ولما ثبت ذلك أنتج قطعا قوله تعالى {إن ~~الله} أي: الذي لا كفء له {هو} أي: وحده {الغني} مطلقا لأن جميع الأشياء له ~~ومحتاجة إليه وليس محتاجا إلى شيء أصلا {الحميد} أي: المستحق لجميع المحامد ~~لأنه المنعم على الإطلاق المحمود بكل # PageV03P194 # لسان من ألسنة الأحوال والأقوال لأنه هو الذي أنطقها ومن قيد الخرس ~~أطلقها، ولما قال تعالى {لله ما في السموات والأرض} أوهم تناهي ملكه ~~لانحصار ما في السموات والأرض فيهما وحكم العقل الصريح بتناهيهما، بين ~~تعالى أنه لأحد ولا ضبط لمعلوماته ومقدوراته الموجبة لحمده بقوله تعالى: # {ولو أن ما في الأرض} أي: كلها، ودل على الاستغراق وتقضي كل فرد فرد من ~~أفراد الجنس بقوله تعالى: {من شجرة} حيث وحدها {أقلام} أي: والشجرة يمدها ~~من بعدها على سبيل المبالغة سبع شجرات وأن ما في الأرض من البحر مداد لتلك ms2530 ~~الأقلام {والبحر} أي: والحال أن البحر {يمده} أي: يكون مدادا له وزيادة فيه ~~{من بعده} أي: من ورائه {سبعة أبحر} تكتب بتلك الأقلام وذلك المداد الذي ~~الأرض كلها له دواة {ما نفدت كلمات الله} وفنيت الأقلام والمداد، قال ~~المفسرون: نزل بمكة قوله تعالى. # {ويسئلونك عن الروح} (الإسراء، 85) # الآية فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أحبار اليهود فقالوا ~~يا محمد بلغنا أنك تقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أفعنيتنا أم قومك ~~فقال صلى الله عليه وسلم «كلا قد عنيت، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا ~~أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فقال: صلى الله عليه وسلم هي في علم الله ~~تعالى قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به انتفعتم، قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا ~~وأنت تقول ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا فكيف يجتمع هذا علم قليل ~~وخير كثير؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية» ، وقال قتادة إن المشركين قالوا: ~~إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع فنزلت، فإن قيل كان مقتضى ~~الكلام أن يقال: ولو أن الشجر أقلام والبحر مداد؟ أجيب: بأنه أغنى عن ذكر ~~المداد قوله تعالى يمده لأنه من مد الدواة وأمدها جعل البحر الأعظم بمنزلة ~~الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوأة مدادا فهي تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ~~ينقطع، والمعنى: ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت ~~بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله ما نفدت كلماته ونفدت الأقلام ~~والمداد كقوله تعالى {قل لو كان البحر مداد الكلمات ربي لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي} (الكهف: 109) # لأن المحصور لا يفي بما ليس بمحصور، فيا لها من عظمة لا تتناهى، ومن ~~كبرياء لا يجارى ولا يضاهى. # فإن قيل لم قيل من شجرة على التوحيد دون اسم الجنس؟ أجيب: بأنه أريد ~~تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد ~~بريت أقلاما، فإن قيل الكلمات جمع قلة والموضع موضع التكثير لا التقليل ms2531 ~~فهلا قيل كلم الله؟ أجيب: بأن معناه أن كلماته لا تفي بها البحار فكيف ~~بكلمه، وقرأ أبو عمرو: والبحر بنصب الراء وذلك من وجهين: أحدهما: العطف على ~~اسم أن، أي: ولو أن البحر، ويمده الخبر، والثاني: النصب بفعل مضمر يفسره ~~يمده والواو حينئذ للحال والجملة حالية، ولم يحتج إلى ضمير رابط بين الحال ~~وصاحبها للاستغناء عنه بالواو، والتقدير: ولو أن الذي في الأرض حال كون ~~البحر ممدودا بكذا، وقرأ الباقون برفع الراء وذلك من وجهين: أيضا أحدهما: ~~العطف على أن وما في حيزها، والثاني: أنه مبتدأ، ويمده الخبر، والجملة ~~حالية والرابط الواو تنبيه: قوله تعالى سبعة، ليس لانحصارها في سبعة وإنما ~~الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر، وإنما خصصت السبعة # PageV03P195 # بالذكر من بين الأعداد لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة، ويدل ~~على ذلك وجهان: الأول: أن المعلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان ~~والمكان فالزمان منحصر في سبعة أيام والمكان منحصر في سبعة أقاليم، ولأن ~~الكواكب السيارة سبعة والمنجمون ينسبون إليها أمورا فصارت السبعة كالعدد ~~الحاصر للكثرات الواقعة في العادة فاستعملت في كل كثير. # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في ~~سبعة أمعاء» الثاني: أن في السبعة معنى يخصها ولذلك كانت السموات سبعا ~~والأرضون سبعا وأبواب جهنم سبعا وأبواب الجنة ثمانية، لأنها الحسنى وزيادة، ~~فالزيادة هي الثامن؛ لأن العرب عند الثامن يزيدون واو تقول القراء لها واو ~~الثمانية وليس ذلك إلا للإستئناف لأن العدد تم بالسبعة، ثم بين نتيجة ذلك ~~بقوله تعالى: {إن الله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلما {عزيز} أي: كامل ~~القدرة لا نهاية لمقدوراته {حكيم} أي: كامل العلم لا نهاية لمعلوماته. # تنبيه: قد علم مما تقرر أن الآية من الاحتباك ذكر الأقلام دليلا على حذف ~~مدادها وذكر السبعة في مبالغة الأبحر دليلا على حذفها في الأشجار، ولما ختم ~~تعالى بهاتين الصفتين بعد إثبات القدرة على الإبداع من غير انتهاء ذكر بعض ~~آثارها في البعث بقوله تعالى: # {ما ms2532 خلقكم} أي: كلكم في عزته وحكمته إلا كخلق نفس واحدة، وأعاد النافي ~~نصا على كل واحد من الخلق والبعث على حدته بقوله تعالى: {ولا بعثكم} أي: ~~كلكم {إلا كنفس} أي: كبعث نفس، وبين الأفراد تحقيقا للمراد تأكيدا للسهولة ~~بقوله تعالى: {واحدة} فإن كلماته مع كونها غير نافذة نافذة وقدرته مع كونها ~~باقية بالغة فنسبة القليل والكثير إلى قدرته على حد سواء؛ لأنه لا يشغله ~~شأن، عن شأن، ثم دل على ذلك بقوله تعالى: مؤكدا {إن الله} أي: الملك الأعلى ~~{سميع} أي: بالغ السمع يسمع كل مسموع {بصير} أي: بليغ البصر يبصر كل مبصر ~~لا يشغله شيء عن شيء، ولما قرر تعالى هذه الآية الخارقة دل عليها بأمر ~~محسوس يشاهد كل يوم مرتين بقوله تعالى: # {ألم تر} وهو محتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الخطاب مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم الأكثر وكأنه تعالى ترك الخطاب مع غيره؛ لأن من هو غيره من ~~الكفار لا فائدة في الخطاب معهم ومن هو غيره من المؤمنين فهم تبع له، ~~والوجه الثاني: المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولايعين أحدا فيقول لجمع ~~عظيم: يا مسكين إلى الله مصيرك فمن نصيرك ولماذا تقصيرك {أن الله} أي: ~~بجلاله وعز كماله {يولج} أي: يدخل إدخالا لا مرية فيه {الليل في النهار} ~~فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه فإذا النهار قد عم الأرض كلها أسرع من اللمح ~~{ويولج النهار} أي: يدخله كذلك {في الليل} فيخفى حتى لا يبقى له أثر فإذا ~~الليل قد طبق الآفاق مشارقها ومغاربها في مثل الطرف فيميز سبحانه كلا منهما ~~من الآخر بعد اضمحلاله فكذلك الخلق والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ ~~سمعه ونفوذ بصره {وسخر الشمس} آية للنهار يدخل الليل فيه {والقمر} أي: آية ~~لليل كذلك ثم استأنف ما سخرا فيه بقوله تعالى: {كل} أي: منهما {يجري} أي: ~~في فلكه سائرا متماديا وبالغا ومنتهيا {إلى أجل مسمى} لا يتعداه في منازل ~~معروفة في جميع الفلك # PageV03P196 # لا يزيد ولا ينقص هذا في الشهر مرة وتلك ms2533 في السنة مرة، لا يقدر واحد ~~منهما أن يتعدى طوره ولا أن ينقض دوره ولا أن يغير سيره. # تنبيه: قال تعالى يولج بصيغة المستقبل، وقال في الشمس والقمر وسخر بصيغة ~~الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل يوم وتسخير الشمس والقمر ~~أمر مستمر كما قال تعالى {حتى عاد كالعرجون القديم} (يس: 39) # وقال ههنا إلى أجل، وفي الزمر لأجل؛ لأن المعنيين لائقان بالحرفين فلا ~~عليك في أيهما وقع. قال الأكثرون: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين، وقيل: عام، ولما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أن ما يقع ~~في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى عليه بقوله تعالى: {وإن ~~الله} أي: بما له من صفات الكمال {بما تعملون} أي: في كل وقت على سبيل ~~التجدد {خبير} أي: لا يخفى عليه شيء منه؛ لأنه الخالق له كله دقه وجله ولما ~~ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العليا أنه لا موجد بالحقيقة إلا الله ~~تعالى: # قال تعالى {ذلك} أي: المذكور {بأن} أي: بسبب أن {الله} أي: الذي لا عظيم ~~سواه {هو} وحده {الحق} أي: بسبب أنه الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته ~~المستحق للعبادة {وأن ما يدعون} أي: هؤلاء المختوم على مداركهم وأشار إلى ~~سفول رتبتهم بقوله تعالى: {من دونه} أي: غيره {الباطل} أي: العدم في حد ~~ذاته لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه، وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي وحفص يدعون بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب وإن ~~مقطوعة من ما في الرسم {وأن الله} أي: الملك الأعظم وحده {هو العلي} على ~~خلقه بالقهر فله الصفات العليا والأسماء الحسنى {الكبير} أي: العظيم في ~~ذاته وصفاته. ولما قال تعالى {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار وسخر ~~الشمس والقمر} ذكر آية سماوية وأشار إلى السبب والمسبب ذكر بعده آية أرضية ~~تدل على باهر قدرته وكمال نعمته وشمول إنعامه وأشار إلى السبب والمسبب ~~بقوله تعالى: # {ألم تر} وفي المخاطب بذلك ما تقدم {أن الفلك} ms2534 أي: السفن كبارا وصغارا ~~{تجري} أي: بكم حاملة ما تعجزون عن نقل مثله في البر {في البحر} أي: على ~~وجه الماء {بنعمة الله} أي: بإنعام الملك الأعلى المحيط علما وقدرة المحسن ~~إليكم بتعليم صفتها حتى تهيأت لذلك على يد أبيكم نوح العبد الشكور عليه ~~السلام، وقيل: نعمة الله هنا هي الريح التي تتحرك بأمر الله {ليريكم من ~~آياته} أي: عجائب قدرته ودلائله التي تدلكم على أنه الحق الذي أثبت بوجوب ~~وجوده ما ترون من الأحمال الثقال على وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما ~~دونها {إن في ذلك} أي: الأمر الهائل البديع الرفيع {لآيات} أي: دلالات ~~واضحات على ماله من صفات الكمال {لكل صبار} على المشاق فيبعث نفسه في ~~التفكير في عدم غرقه وفي مسيره إلى البلاد الشاسعة والأقطار البعيدة، وفي ~~كون سيره ذهابا وإيابا تارة بريحين، وتارة بريح واحدة. وفي إنجاء أبيه نوح ~~عليه السلام ومن أراد الله تعالى من خلقه بها وإغراق غيرهم من جميع أهل ~~الأرض، وفي غير ذلك من شؤونه وأموره {شكور} أي: مبالغ في كل من الصبر ~~والشكر لأنهما الإيمان، كما ورد: الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، وعلم من ~~صيغة المبالغة في كل منهما أنه لا يعرف في الرخاء من # PageV03P197 # عظمة الله ما كان يعرفه في الشدة إلا من طبعهم الله تعالى على ذلك ووفقهم ~~له وأعانهم عليه، ولهذا قال تعالى {وقليل من عبادي الشكور} (سبأ: 13) # وها أنا أسأل الله الحنان المنان من فضله أن يجعلني منهم ويفعل ذلك بأهلي ~~وأحبابي فإنه كريم جواد، ولما ذكر تعالى أن في ذلك لآيات ذكر أن الكل ~~معترفون غير أن البصير يدركه أولا ومن في بصيرته ضعف لا يدركه أولا كما قال ~~تعالى: # {وإذا غشيهم} أي: علاهم وهم في الفلك حتى صار كالمغطي لهم {موج} أي: هذا ~~الجنس وأفرده لشدة اضطرابه وإتيانه شيئا في أثر شيء متابعا يركب بعضه بعضا ~~كأنه شيء واحد، وأصله من الحركة والازدحام واختلف في قوله تعالى {كالظلل} ~~فقال مقاتل: كالجبال، وقال الكلبي: ms2535 كالسحاب. والظلل جمع ظلة شبه بها الموج ~~في كثرتها وارتفاعها، فإن قيل: كيف جعل الموج وهو واحد كالظلل وهو جمع؟ ~~أجيب: بأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء فلما صاروا إلى هذه الحالة {دعوا ~~الله} أي: مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله بجلاله وجماله عالمين ~~بجميع مضمون الآية السابقة من حقيته وعلوه وكبريائه وبطلان ما يدعونه من ~~دونه {مخلصين له الدين} أي: الدعاء بأن ينجيهم لا يدعون شيئا سواه بأنفسهم ~~ولا قلوبهم لما اضطرهم إلى ذلك {فلما نجاهم} أي: خلصهم من تلك الأهوال {إلى ~~البر} نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين وانقسموا قسمين {فمنهم} ~~أي: تسبب عن نعمة الإنجاء أنه كان منهم {مقتصد} أي: عدل موف في البر بما قد ~~عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، بمعنى أنه ثبت على ذلك وهم قليل ~~كما دل عليه التصريح بالتبعيض، قيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب في عام ~~الفتح إلى البحر فجاءتهم ريح عاصف فقال عكرمة: لئن نجاني الله من هذه ~~لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولأضعن يدي في يده فسكنت الريح فرجع ~~عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، قال مجاهد: مقتصد في القول مضمر للكفر، ~~قال الكلبي: مقتصد في القول أي: من الكفار لأن بعضهم كان أشد قولا وأعلى في ~~الافتراء من بعض ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلبات الحياء في التصريح بذلك وهو ~~الأكثر كما دل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في العنكبوت {فلما نجاهم إلى البر إذا ~~هم يشركون} (العنكبوت: 65) # وقال هنا {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} ؟ أجيب: بأنه لما ذكر ههنا ~~أمرا عظيما وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد، ~~وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معاينة مثل ذلك الأمر، فذكر إشراكهم حيث لم ~~يبق عندهم أثر وقوله تعالى {وما يجحدنا بآياتنا إلا كل ختار} أي: غدار فإنه ~~نقض للعهد الفطري أي: لما كان في البحر والختر ms2536 أشد الغدر {كفور} أي: للنعم ~~في مقابله قوله تعالى إن في ذلك لآيات أي: يعترف بها الصبار الشكور، ~~ويجحدها الختار الكفور، فالصبار في موازنة الختار لفظا ومعنى، والكفور في ~~موازنة الشكور كذلك أما لفظا فيهما فظاهر، وأما كون الختار في موازنة ~~الصبار معنى فلأن الختار هو الغدار الكثير الغدر أو شديد الغدر مثال مبالغة ~~من الختر وهو أشد الغدر، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر؛ لأن الصبور لا ~~يعهده منه الإضرار فإنه يصبر ويفوض الأمر إلى الله تعالى، وأما الغدار ~~ليعاهدك ولا يصبر على العهد فينقضه. وأما أن الكفور في # PageV03P198 # مقابلة الشكور معنى فظاهر، ولما ذكر تعالى الدلائل من أول السورة إلى هنا ~~وعظ بالتقوى بقوله تعالى: # {يا أيها الناس} أي: عامة. وقيل: أهل مكة {اتقوا ربكم} أي: الذي لا محسن ~~إليكم غيره {واخشوا} أي: خافوا {يوما} لا يشبه الأيام ولا يعد هول البحر ~~ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئا بوجه {لا يجزي} أي: لا يقضي ولا يغني ~~{والد عن ولده} والراجع إلى الموصوف محذوف أي: لا يجزي فيه. وفي التعبير ~~بالمضارع إشارة إلى أن الوالد لا تزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد ~~ويتجدد عنده العطف والرقة. والمفعول إما محذوف لأنه أشد في النفي وإما ~~مدلول عليه بما في الشق الذي بعده. وقوله تعالى {ولا مولود} عطف على والد ~~أو مبتدأ وخبره {هو جاز عن والده} أي: فيه {شيئا} من الجزاء وتغيير النظم ~~للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي، وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ~~ينفع أباه الكافر في الآخرة {إن وعد الله} أي: الذي له معاقد العز والجلال ~~{حق} أي: أن هذا اليوم الذي هذا شأنه هو كائن؛ لأن الله تعالى وعد به ووعده ~~حق، وقيل: إن وعد الله حق بأن لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا لأنه وعد بأن لا تزر وازرة وزر أخرى ووعد الله حق {فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا} بزخرفها ورونقها فإنها زائلة ms2537 لوقوع اليوم المذكور بالوعد ~~الحق {ولا يغرنكم بالله} أي: الذي لا أعظم منه ولا مكافئ مع ولايته معكم ~~{الغرور} أي: الكثير الغرور المبالغ فيه وهو الشيطان الذي لا أحقر منه لما ~~جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها ويلهيكم به ~~من تعظيم قدرها وينسيكم كيدها وغدرها وتعبها وأذاها فيوجب ذلك لكم الإعراض ~~عن ذلك اليوم فلا تعدونه معادا فلا تتخذون له زاد لما اقترن بغروره من حلم ~~الله تعالى وإمهاله، قال سعيد بن جبير: الغرة بالله أن يعمل المعصية ويتمنى ~~المغفرة، وروي أن الحارث بن عمرو أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~متى قيام الساعة وإني قد ألقيت حبا في الأرض فمتى السماء تمطر، وحمل امرأتي ~~أذكر أم # أنثى وما أعمل غدا وأين أموت؟ فنزل قوله تعالى: # {إن الله} أي: بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال {عنده} أي: خاصة {علم ~~الساعة} أي: وقت قيامها لا علم لغيره بذلك أصلا {وينزل الغيث} أي: في أوانه ~~المقدر له والمحل المعين له في علمه، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون ~~وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي {ويعلم ما في الأرحام} ~~أي: من ذكر أو أنثى أحي أو ميت تام أو ناقص {وما تدري نفس} أي: من الأنفس ~~البشرية وغيرها {ماذا تكسب غدا} أي: من خير أو شر وربما تعزم على شيء وتفعل ~~خلافه. # {وما تدري نفس بأي: أرض تموت} أي: كما لا تدري في أي: وقت تموت ويعلمه ~~الله تعالى، وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية فقال: ~~يا رسول الله إن امرأتي حبلى فأخبرني ما تلد، وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ~~ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وعن عكرمة أن رجلا يقال له الوارث من بني حازن جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا محمد متى قيام الساعة وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب، ~~وقد تركت امرأتي حبلى فمتى ms2538 تلد، وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غدا، ~~وقد علمت بأي أرض ولدت # PageV03P199 # فبأي أرض أموت؟ فنزلت هذه الآية، وعن قتادة قال: خمس من الغيب استأثر ~~الله بهن فلم يطلع عليهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا: إن الله عنده علم ~~الساعة فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي: سنة ولا في أي: شهر ~~أليلا أم نهارا، وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل أليلا أم نهارا، ويعلم ~~ما في الأرحام فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى أحمر أم أسود، ولا ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا أخيرا أم شرا، وما تدري نفس بأي أرض تموت ليس أحد ~~من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في بر أم سهل أم جبل. # وعن أحمد وابن أبي شيبة موقوفا على شهر بن حوشب أن ملك الموت مر على ~~سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل: من هذا؟ ~~فقال: ملك الموت، فقال: فكأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند، ~~فأمر سليمان الريح فحلمته إلى بلاد الهند فوق سحابة فلما استقر فيها قبض ~~روحه ملك الموت، عليه السلام ثم جاء إلى سليمان عليه السلام فسأله عن نظره ~~إلى الرجل، فقال ملك الموت: كان دوام نظري إليه تعجبا منه إذا أمرت أن أقبض ~~روحه بالهند وهو عندك، وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا متى ~~تقوم الساعة إلا الله، ولا ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل الغيث إلا ~~الله، وما تدري نفس بأي: أرض تموت إلا الله» . # وعن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه أن رجلا قال: يا رسول الله متى الساعة؟ ~~قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثكم بأشراطها: إذا ولدت ~~الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة الرعاة رؤوس الناس فذاك من ~~أشراطها، وإذا تطاول ms2539 رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها. وخمس من الغيب ~~لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا إن الله عنده علم الساعة إلى آخر الآية، وعن ~~أبي أمامة أن إعرابيا وقف على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر على ناقة ~~له عشراء فقال: يا محمد ما في بطن ناقتي هذه؟ فقال له رجل من الأنصار: دع ~~عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهلم إلي حتى أخبرك، وقعت أنت عليها وفي ~~بطنها ولد منك، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «إن الله ~~يحب كل حيي كريم ويبغض كل قاس لئيم متفحش ثم أقبل على الأعرابي فقال خمس لا ~~يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة الآية» وعن سلمة بن الأكوع قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء إذ جاءه رجل على فرس فقال ~~له من أنت: «قال أنا رسول الله قال متى الساعة قال غيب وما يعلم الغيب إلا ~~الله قال ما في بطن فرسي قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله قال فمتى نمطر ~~قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله» وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس إن الله عنده علم الساعة الآية» . # وعن ابن مسعود قال أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير خمس: ~~إن الله عنده علم الساعة الآية، وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لم ~~يعم على نبيكم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان: إن الله ~~عنده علم الساعة إلى آخر السورة، وعن ربعي قال حدثني رجل من بني عامر أنه ~~قال: يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ فقال: «لقد علمني الله ~~خيرا وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله الخمس إن الله عنده علم الساعة ~~الآية» . # وعن بنت معوذ قالت: دخل علي رسول الله صلى الله # PageV03P200 # عليه وسلم صبيحة عرسي وعندي ms2540 جاريتان تغنيان وتقولان: وفينا نبي يعلم ما ~~في غد فقال: «أما هذا فلا تقولاه ما يعلم ما في غد إلا الله» وعن ابن عزة ~~الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أراد الله قبض عبد بأرض ~~جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وما تدري نفس بأي: أرض تموت» ، وعن أبي مالك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «بينما هو جالس في مجلس فيه أصحابه جاءه جبريل في غير صورته يحسبه ~~رجلا من المسلمين فسلم فرد، عليه السلام ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تسلم وجهك لله ~~وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتقيم الصلاة وتؤتي ~~الزكاة، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت قال نعم ثم قال ما الإيمان قال أن ~~تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والموت والحياة بعد ~~الموت والجنة والنار والحساب والميزان والقدر خيره وشره، قال فإذا فعلت ذلك ~~فقد آمنت قال نعم ثم قال ما الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن كنت ~~لا تراه فإنه يراك قال فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت قال نعم ثم قال فمتى الساعة ~~يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله خمس من الغيب ~~لا يعلمها إلا الله: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت» . # {إن الله} أي: المختص بأوصاف الكمال {عليم} أي: شامل علمه للأمور كلها ~~كلياتها وجزئياتها، فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه عن الغير ~~في هذه الخمس {خبير} أي: يعلم خبايا الأمور وخفايا الصدور، كما يعلم ~~ظواهرها وجلاياها كل عنده على حد سواء فهو الحكيم في ذاته وصفاته، ولذلك ~~أخفى هذه المفاتيح عن عباده؛ لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم ~~باختلال هذا ms2541 النظام على ما فيه من الأحكام فقد انطبق آخر السورة بإثبات ~~العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة على أولها ~~المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه، ~~لا سيما الإيقان بالآخرة كان حيكما. # فسبحان من هذا كلامه وتعالى كبرياؤه وعز مرامه. وما رواه البيضاوي تبعا ~~للزمخشري من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ سورة لقمان كان ~~له لقمان رفيقا يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشرا بعدد من عمل المعروف ~~ونهى عن المنكر» حديث موضوع. ### | سورة السجدة # مكية وهي ثلاثون آية، وستمائة وثمانون كلمة، وألف وخمسمائة وثمانية عشر ~~حرفا # {بسم الله} ذي الجلال والإكرام {الرحمن} بعموم البشارة والنذارة {الرحيم} ~~الذي أسكن في قلوب أحبابه الشوق إليه والخضوع بين يديه وتقدم في البقرة ~~وغيرها الكلام على. # {ألم} ومما لم يسبق أنها إشارة إلى أن الله تعالى أرسل جبريل عليه السلام ~~إلى محمد الفاتح الخاتم صلى الله عليه وسلم بكتاب معجز دال بإعجازه على صحة ~~رسالته ووحدانية من أرسله، وسرد سبحانه هذه الأحرف # PageV03P201 # في أوائل أربع من هذه السور فزادت على الطواسين بواحدة إشارة إلى أن هذه ~~المعاني في غاية الثبات لا انقطاع لها، ولما كان المقصود في التي قبلها ~~إثبات الحكمة لمنزل هذا الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء أخبر سبحانه وتعالى ~~عن هذا بأنه من عنده بقوله تعالى: # {تنزيل الكتاب} أي: الجامع لكل هدى على ما ترون من التدريج من السماء {لا ~~ريب} أي: لا شك {فيه} لأن نافي الشك هو الإعجاز معه لا ينفك عنه فكل ما ~~تقولونه مما يخالف ذلك تعنت أو جهل من غير ريب حال كونه {من رب العالمين} ~~أي: الخالق لهم المدبر لمصالحهم فلا يجوز في عقل ولا يخطر في بال ولا يقع ~~في وهم ولا يتصور في خيال أنه يصل شيء من كتابه تعالى إلى هذا النبي الكريم ~~بغير أمره، ولا يتخيل أن شيئا منه ليس بقول الله تعالى ثم ms2542 لا يتخيل أنه من ~~كلامه ولكنه أخذه من بعض أهل الكتاب؛ لأن هذا لا يفعل مع بعض الملوك فكيف ~~بملك الملوك فكيف بمن هو عالم بالسر والجهر، محيط علمه بالخفي والجلي، ~~تنبيه: في تنزيل الكتاب إعرابات مختلفة، وأظهرها ما جرى عليه الجلال المحلي ~~من أن تنزيل الكتاب مبتدأ، ولا ريب فيه خبر أول ومن رب العالمين خبر ثان. ~~وقوله تعالى: # {أم يقولون} أي: مع ذلك الذي لا يمتري فيه عاقل {افتراه} أي: تعمد كذبه، ~~أم فيه هي المنقطعة والإضراب للانتقال لا للإبطال، وقيل الميم صلة، أي: ~~أتقولون افتراه. وقوله تعالى {بل هو الحق} أي: الثابت ثباتا لا يضاهيه ثبات ~~شيء من الكتب قبله إضراب ثان، ولو قيل بأنه إضراب إبطالي لنفس افتراه وحده ~~لكان صوابا، وعلى هذا يقال: كل ما في القرآن إضراب فهو إضراب انتقالي، إلا ~~هذا فإنه يجوز أن يكون إبطاليا لأنه إبطال لقولهم أي: ليس هو كما قالوا ~~مفترى بل هو الحق. وفي كلام الزمخشري ما يرشد إلى هذا فإنه قال: والضمير في ~~فيه راجع إلى مضمون الجملة كأنه قيل لا ريب في ذلك أي: في كونه من رب ~~العالمين. قال ابن عادل: ويشهد لوجاهته أم يقولون افتراه لأن قولهم هذا ~~مفترى إنكار لأن يكون من رب العالمين وكذلك قوله بل هو الحق من ربك وما فيه ~~من تقرير أنه من عند الله، وهذا أسلوب صحيح محكم انتهى. وقوله تعالى {من ~~ربك} أي: المحسن إليك بإنزاله وإحكامه حال من الحق، والعامل فيه محذوف على ~~القاعدة وهو العامل أيضا في # {لتنذر} ويجوز أن يكون العامل في لتنذر غيره، أي: أنزله لتنذر {قوما} أي: ~~ذوي قوة وجلد ومنعة {ما أتاهم من نذير} أي: رسول في هذه الأزمان القريبة ~~لقول ابن عباس أن المراد الفترة، ويؤيده إثبات الجار في قوله تعالى {من ~~قبلك} ولما ذكر تعالى علة الإنزال أتبعه علة الإنذار بقوله تعالى: {لعلهم ~~يهتدون} أي: ليكون حالهم في مجاري العادات حال من ترجى هدايته إلى كمال ~~الشريعة، وأما التوحيد ms2543 فلا عذر لأحد فيه مع إقامة الله تعالى من حجة العقل ~~ومع ما أتقنه الرسل عليهم الصلاة والسلام آدم فمن بعده من أوضح النقل بآثار ~~دعواتهم وبقايا دلالاتهم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أبيه: ~~«أبي وأبوك في النار» وغير ذلك من الأدلة الدالة على أن من مات قبل دعوته ~~على الشرك فهو في النار، لكن ذكر بعض العلماء أن من خصائصه صلى الله عليه ~~وسلم أن الله تعالى أحيا له أبويه وأسلما على يديه ولا بدع في ذلك، فإن ~~الله تعالى أكرمه بأشياء لا تحصر، ولما ذكر # PageV03P202 # تعالى: الرسالة وبين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل ~~قال: {الله} أي: الحاوي لجميع صفات الكمال وحده {الذي خلق السموات} كلها ~~{والأرض} بأسرها {وما بينهما} من المنافع العينية والمعنوية {في ستة أيام} ~~كما يأتي تفصيله في فصلت إن شاء الله تعالى {ثم استوى على العرش} وهو في ~~اللغة سرير الملك استواء يليق به تعالى لم تعهد، وأمثله وهو أنه تعالى أخذ ~~في تدبيره وتدبير ما حواه بنفسه لا شريك له ولا نائب فيه ولا وزير كما ~~تعهدون من ملوك الدنيا إذا امتنعت ممالكهم وتباعدت أطرافها وتناءت أقطارها ~~{ما لكم من دونه} لأن كل ما سواه دونه وتحت قهره، ودل على عموم النفي بقوله ~~تعالى: {من ولي} أي: يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا حل بكم شيء مما ~~تنذرون به {ولا شفيع} يشفع عنده في تدبيركم أو في أحد منكم بغير إذن. {أفلا ~~تتذكرون} هذا فتؤمنون. # ولما نفى أن يكون له وزير أو شريك في الخلق ذكر كيف يفعل في هذا الملك ~~العظيم الذي أبدعه فقال مستأنفا مفسرا للمراد بالاستواء: # {يدبر الأمر} أي: كل أمر هذا العالم بأن يفعل في ذلك فعل الناظر في ~~أدباره لإتقان خواتمه ولوازمه، كما نظر في إقباله لأحكام فواتحه وعوازمه، ~~لا يكل شيئا منه إلى أحد من خلقه. قال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن ~~استواءه على العرش بمعنى إظهاره القدرة، ms2544 والعرش مظهر التدبير لا مقر لمدبر. # ولما كان المقصود للقرب إنما هو تدبير ما يمكن مشاهدتهم له من العالم قال ~~تعالى مفردا: {من السماء} أي: فينزل ذلك الأمر الذي أتقنه كما يتقن من ينظر ~~في إدبار ما يعمله {إلى الأرض} أي: غير متعرض إلى ما فوق ذلك، على أن ~~السماء تشمل كل عال فيدخل جميع العالم العلوي، والأرض تشمل كل ما سفل فيشمل ~~ذلك العالم السفلي. # تنبيه: ههنا همزتان مكسورتان، فقالون وابن كثير يسهل الأولى كالياء مع ~~المد والقصر، وورش وقنبل يسهل الثانية، ولهما إبدالهما من غير مد، وأسقط ~~أبو عمرو الأولى مع المد والقصر والباقون بتحقيقهما. ولما كان الصعود أشق ~~من النزول على ما جرت به العوائد فكان بذلك مستبعدا؛ أشار إلى ذلك بقوله ~~تعالى: {ثم يعرج} أي: يصعد {إليه} أي: بصعود الملك إلى الله تعالى أي: إلى ~~الموضع الذي شرفه أو أمره بالكون فيه كقوله تعالى {إني ذاهب إلى ربي} ~~(الصافات: 99) # {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} (النساء: 100) # ونحو ذلك، أو إلى الموضع الذي ابتدأ منه نزول التدبير إلى السماء كأنه ~~صاعد في معارج، وهي الدرج على ما تتعارفون بينكم في أسرع من لمح البصر {في ~~يوم} أي: من أيام الدنيا {كان مقداره} لو كان الصاعد واحدا منكم على ما ~~تعهدون {ألف سنة مما تعدون} من سنيكم التي تعهدون، قال البقاعي: والذي دل ~~على هذا التقدير شيء من العرف وشيء من اللفظ، أما اللفظ فالتعبير بكان مع ~~انتظام الكلام بدونها لو أريد غير ذلك، وأما العرف فهو أن الإنسان المتمكن ~~يبني البيت العظيم العالي في سنة مثلا، فإذا فرغه صعد إليه خادمه إلى أعلاه ~~في أقل من درجتين من درج الرمل، فلا تكون نسبة ذلك من زمن بنائه الأجر، أو ~~لا يبعد هذا وهو خلق محتاج، فما ظنك بمن خلق الخلق في ستة أيام ولو شاء ~~لخلقهم في لمحة، وهو غني عن كل شيء قادر على كل شيء انتهى. # فنزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف ms2545 سنة مما تعدون وهو ما بين السماء ~~والأرض فإن # PageV03P203 # مسافته خمسمائة سنة، فينزل في مسيرة خمسمائة سنة، ويعرج في خمسمائة سنة ~~فهو مقدار ألف سنة كأنه تعالى يقول: لو سار أحد من بني آدم لم يقطعه إلا في ~~ألف سنة، والملائكة يقطعونه في يوم واحد، هذا في وصف عروج الملك من الأرض ~~إلى السماء، وأما قوله تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة} فأراد مدة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي ~~هي مقام جبريل، عليه السلام فسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه ~~مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. قاله مجاهد والضحاك، وورد ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بين السماء والأرض خمسمائة عام ثم قال: ~~أتدرون ما الذي فوقها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: سماء أخرى أتدرون كم ~~بينها وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: خمسمائة عام حتى عد سبع سموات ~~ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: العرش ثم قال: ~~أتدرون ما بينه وبين السماء السابعة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال مسيرة ~~خمسمائة عام، ثم قال: ما هذه تحتكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: أرض، ~~أتدرون ما تحتها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: أرض أخرى أتدرون كم بينها؟ ~~قلنا: الله ورسوله أعلم قال: مسيرة سبعمائة عام، حتى عد سبع أرضين ثم قال: ~~أيم الله لو دليتم بحبل لهبط على علم الله وقدرته» وروي: «مثل السموات ~~والأرض في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، وإن فضل الكرسي على السموات والأرض ~~كفضل الفلاة على تلك الحلقة» . # وقوله تعالى: {وسع كرسيه السموات والأرض} (البقرة: 255) # يدل على أن الكرسي محيط بالكل. وقيل: مقدار ألف سنة وخمسين ألف سنة كلها ~~في القيامة، ومعناه حينئذ: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ~~ثم يعرج أي: يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا في يوم كان مقداره ~~ذلك، وذلك اليوم يتفاوت، فهو على الكافر كخمسين ألف سنة، وعلى ms2546 المؤمن دون ~~ذلك. بل جاء في الحديث أنه يكون على المؤمن كمثل صلاة مكتوبة صلاها في ~~الدنيا. # وقيل: إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر؛ وذلك لأن من نفد أمره غاية ~~النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة، ~~فقوله: {في يوم كان مقداره ألف سنة} يعني: يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف ~~سنة، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟ وعلى هذا فلا ~~فرق بين هذا وبين قوله: {مقداره خمسين ألف سنة} لأن ذلك إذا كان إشارة إلى ~~دوام نفاذ الأمر فسواء يعبر بألف سنة أو بخمسين ألف سنة لا يتفاوت، إلا أن ~~المبالغة بالخمسين أكثر، وسيأتي بيان فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى. # ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق، ثم عالم الأرواح والأمر بين أنه ~~تعالى عالم بما كان وما يكون بقوله تعالى: # {ذلك} أي: الإله الواحد القهار، {عالم الغيب والشهادة} أي: ما غاب عن ~~الخلق، ومنه الذي تقدمت مفاتيحه وما حضر وظهر فيدبر أمرهما {العزيز} أي: ~~الغالب على أمره {الرحيم} على العباد في تدبيره، وفيه إيماء بأنه تعالى ~~يراعي المصالح تفضلا وإحسانا. # ولما ذكر تعالى الدليل على الوحدانية من الآفاق بقوله تعالى: {خلق ~~السموات والأرض وما بينهما} ذكر الدليل عليها من الأنفس بقوله تعالى: # {الذي أحسن كل شيء خلقه} قال ابن عباس: أتقنه وأحكمه، فجميع المخلوقات ~~حسنة وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن كما قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان # PageV03P204 # في أحسن تقويم} (التين: 4) # وقال مقاتل: علم كيف يخلق كل شيء من قول القائل: فلان يحسن كذا إذا كان ~~يتقنه، وقيل: خلق كل حيوان على صورة لم يخلق البعض على صورة البعض، وقيل: ~~معناه أحسن إلى كل خلقه. # وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام فعلا ماضيا، والجملة صفة للمضاف أو ~~المضاف إليه، والباقون بسكونها على أنه بدل من كل شيء بدل اشتمال والضمير ~~عائد على كل شيء. # ولما كان الحيوان أشرف الأجناس وكان الإنسان أشرفه ms2547 خصه بالذكر ليقوم دليل ~~الوحدانية بالأنفس كما قام بالآفاق. فقال دالا على البعث: {وبدأ خلق ~~الإنسان} أي: آدم عليه السلام {من طين} قال الرازي: ويمكن أن يقال الطين ~~ماء وتراب مجتمعان، فالآدمي أصله مني، والمني أصله غذاء، والأغذية إما ~~حيوانية أو نباتية، والحيوانية ترجع إلى النباتية والنبات وجوده بالماء ~~والتراب الذي هو الطين. # {ثم جعل نسله} أي: ذريته {من سلالة} أي: نطفة سميت سلالة لأنها تسل من ~~الإنسان أي: تنفصل منه وتخرج من صلبه، ونحوه قولهم للولد: سليل، هذا على ~~التفسير الأول؛ لأن آدم كان من الطين ونسله من سلالة {من ماء مهين} أي: ~~ضعيف، وعلى التفسير الثاني هو أن أصله من طين، ثم يوجد من ذلك الأصل سلالة ~~هي ماء مهين وهو نطفة الرجل، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره ~~بقوله تعالى: # {ثم سواه} قومه بتصوير أعضائه وإبداع المعاني على ما ينبغي {ونفخ فيه} ~~أي: آدم {من روحه} أي: جعله حيا حساسا بعد أن كان جمادا، وإضافة الروح إلى ~~الله تعالى إضافة تشريف كبيت الله، وناقة الله، فيا له من شرف ما أعلاه، ~~ففيه إشعار بأنه خلق عجيب وإن له شأنا له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية، ~~قال البيضاوي: ولأجله أي: ولأجل كون أن له شأنا إلى آخره. روي: من عرف نفسه ~~فقد عرف ربه. هذا الحديث لا أصل له، وبتقدير أن له أصلا ليس معناه ما ذكر ~~بل معناه: من عرف نفسه وتأمل في حقيقتها عرف أن له صانعا موجدا له، وإليه ~~أشار بقوله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} (الذاريات: 21) # ثم ذكر ما يترتب على نفخ الروح في الجسد مخاطبا للذرية بقوله تعالى: ~~{وجعل لكم} بعد أن كنتم نطفا أمواتا {السمع} أي: لتدركوا به ما يقال لكم ~~{والأبصار} أي: لتدركوا بها الأشياء على ما هي عليه {والأفئدة} أي: القلوب ~~المودعة غرائز العقول. # فإن قيل: ما الحكمة في تقديم السمع على البصر والبصر على الأفئدة؟ أجيب ~~بأن الإنسان يسمع أولا كلاما فينظر إلى قائله ليعرفه ثم ms2548 يتفكر بقلبه في ذلك ~~الكلام ليفهم معناه، فإن قيل: ما الحكمة في ذكره المصدر في السمع وفي البصر ~~والفؤاد الاسم، ولهذا جمع الأبصار والأفئدة ولم يجمع السمع؛ لأن المصدر لا ~~يجمع؟ أجيب: بأن السمع # PageV03P205 # قوة واحدة ولها محل واحد وهو الأذن ولا اختيار لها فيه، وإن الصوت من أي ~~جانب كان واصل إليه ولا قدرة للأذن على تخصيص السمع بإدراك البعض دون ~~البعض، وأما البصر فمحله العين ولها فيه اختيار فإنها تتحرك إلى جانب ~~المرئي دون غيره، وكذلك الفؤاد محله الإدراك وله نوع اختيار يلتفت إلى ما ~~يريدون غيره. # فالسمع أصل دون محله لعدم الاختيار له، والعين كالأصل، وقوة الإبصار ~~آلتها، والفؤاد كذلك، وقوة الفهم آلته، فذكر في السمع المصدر الذي هو ~~القوة، وفي الإبصار والأفئدة الاسم الذي هو محل القوة، ولأن السمع قوة ~~واحدة لها محل واحد، ولهذا لا يسمع الإنسان في زمان واحد كلامين على وجه ~~يضبطهما ويرى في زمان واحد صورتين فأكثر ويثبتهما. # فإن قيل: لم قدم السمع هنا وقدم القول في قوله تعالى في البقرة {ختم الله ~~على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم} (البقرة: 7) # أجيب: بأنه تعالى عند الإعطاء ذكر الأدنى ثم ارتقى إلى الأعلى فكأنه قال: ~~أعطاكم السمع ثم أعطاكم ما هو أشرف منه وهو القلب، وعند السلب قال: ليس لهم ~~قلب يدركون به ولا ما هو دونه وهو السمع الذي يسمعون به ممن له قلب يفهم ~~الحقائق ويستخرجها. # ولما لم يبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال تعالى: ~~{قليلا ما تشكرون} أي: تشكرون شكرا قليلا، فما مزيدة مؤكدة للقلة. # وقوله تعالى: {وقالوا} معطوف على ما سبق منهم فإنهم قالوا: محمد ليس ~~برسول، والإله ليس بواحد، والبعث ليس بممكن فدل على صحة الرسالة بنفي الريب ~~عن الكتاب، ثم على الوحدانية بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على ~~وجه هو نعمة لهم، وختم بالتعجب من كفرهم وكان استبعادهم للبعث الذي هو ~~الثابت الأصل من أعظم كفرهم وهو قولهم {أئذا} أي: انبعث إذا {ضللنا} أي: ms2549 ~~غبنا {في الأرض} أي: صرنا ترابا مخلوطا بتراب الأرض لا نتميز منه، وأصله من ~~ضل الماء في اللبن إذا أذهب فيه، وقولهم {أئنا لفي خلق جديد} أي: يجدد ~~خلقنا استفهام إنكاري زيادة في الاستبعاد. # فإن قيل: إنه تعالى ذكر الرسالة من قبل وذكر دليلها وهو التنزيل الذي لا ~~ريب فيه، وذكر الوحدانية، وذكر دليلها وهو خلق السموات والأرض وخلق الإنسان ~~من طين. ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل؟ أجيب: بأنه ذكر دليله أيضا ~~وهو أن خلقة الإنسان ابتداء دليل على قدرته على الإعادة، ولهذا استدل تعالى ~~على إنكار الحشر بالخلق الأول ثم يعيده وهو أهون عليه وقوله تعالى: {الذي ~~أنشأها أول مرة} (يس: 79) # وأيضا {خلق السموات والأرض} كما قال: {أو ليس الذي خلق السموات والأرض ~~بقادر على أنه يخلق مثلهم بلى} (يس: 8) # وقرأ نافع والكسائي {أئذا ضللنا في الأرض} أنا الأول: بالاستفهام ~~والثاني: بالخبر، وقرأ ابن عامر الأول بالخبر الثاني بالاستفهام، والباقون ~~بالاستفهام فيهما، ومذهب قالون وأبي عمرو في الاستفهام تسهيل الثانية ~~وإدخال الألف بينها وبين همزة الاستفهام، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية من ~~غير إدخال وهشام يسهل الثانية ويحققها مع الإدخال، والباقون بتحقيقهما من ~~غير إدخال. وقوله تعالى {بل هم بلقاء ربهم كافرون} أي: جاحدون إضراب عن ~~الأول أي: ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانيا، بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة، ~~حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب، أو يكون المعنى ~~لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم بلقاء الله، فإنهم كرهوه فأنكروا المفضي ~~إليه، ثم بين لهم ما يكون من الموت إلى العذاب بقوله تعالى: # {قل} أي: يا أفضل الخلق لهم {يتوفاكم} أي: يقبض أرواحكم {ملك الموت الذي ~~وكل بكم} أي: بقبض أرواحكم وهو عزرائيل عليه السلام والتوفي: استيفاء ~~العدد، معناه: أن يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليه ~~الموت، روي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة لليد يأخذ منها صاحبها ما ~~أحب من غير مشقة، فهو يقبض أنفس الخلق من مشارق ms2550 الأرض ومغاربها، وله أعوان ~~من # PageV03P206 # ملائكة الرحمة وأعوان من ملائكة العذاب. وقال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب، وقال مجاهد: جعلت الأرض مثل ~~الطست يتناول منها حيث يشاء. # وفي بعض الأخبار: أن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فتنزع أعوانه ~~روح الإنسان، فإذا بلغ ثغرة نحره قبضه ملك الموت، وعن معاذ بن جبل أن لملك ~~الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب وهو يتصفح وجوه الناس فما من أهل ~~بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى ~~أجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال: الآن يزار بك عسكر الموت، فيصير ملقى لا ~~روح في شيء منه وهو على حاله كاملا لا نقص في شيء منه يدعى الخلل بسببه. # فإذا كان هذا فعل عبد من عبيده تعالى صرفه في ذلك فقام به كما ترونه مع ~~أن ممازجة الروح للبدن أشد من ممازجة تراب البدن لبقية التراب؛ لأنه ربما ~~يستدل بعض الحذق على بعض ذلك بنوع دليل من شم ونحوه، فكيف يستبعد شيء من ~~الأشياء على رب العالمين ومدبر الخلائق أجمعين. نسأل الله تعالى أن يقبضنا ~~على التوحيد، وأن يستعملنا في طاعته ما أحيانا ويفعل ذلك بأهلنا وإحبائنا. # ولما قام هذا البرهان القطعي على قدرته التامة علم أن التقدير: ثم يعيدكم ~~خلقا جديدا كما كنتم أول مرة فحذفه كما هو عادة القرآن في حذف كل ما دل ~~عليه السياق ولم يدع داع إلى ذكره، وعطف عليه قوله تعالى {ثم إلى ربكم} أي: ~~الذي ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان {ترجعون} أي: تصيرون ~~إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم. # ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس شرع في بعض أحواله بقوله ~~تعالى: # {ولو ترى} أي: تبصر {إذ المجرمون} أي: الكافرون {ناكسوا رؤوسهم} أي: ~~مطأطؤها خوفا وخجلا وحزنا وذلا {عند ربهم} المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم ~~قائلين بغاية الذل والرقة {ربنا} أي: المحسن إلينا {أبصرنا} أي: ما كنا ~~نكذب به ms2551 {وسمعنا} منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه {فارجعنا} بمالك من هذه ~~الصفة المقتضية للإحسان إلى الدنيا دار العمل {نعمل صالحا} فيها {إنا ~~موقنون} أي: ثابت لنا الآن الإيقان بجميع ما أخبرنا به عنك.w # فلا ينفعهم ذلك ولا يرجعون، وجواب لو محذوف تقديره: لرأيت أمرا فظيعا، ~~والمخاطب يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شفاء لصدره، فإنهم كانوا ~~يؤذونه بالتكذيب، ويحتمل أن يكون عاما. وإذ على بابها من المضي لأن لو تصرف ~~المضارع للمضي، وإنما جيء هنا ماضيا لتحقيق وقوعه نحو {أتى أمر الله} ~~(النحل: 1) # وجعله أبو البقاء مما وقع فيه إذ موقع إذا ولا حاجة إليه. وقوله تعالى: # {ولو شئنا} أي: بما لنا من العظمة {لآتينا كل نفس} أي: مكلفة لأن الكلام ~~فيها {هداها} فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار منها جواب عن قولهم {ربنا ~~أبصرنا وسمعنا} وذلك أن الله تعالى قال: إني لو أردت منكم الإيمان لهديتكم ~~في الدنيا، ولما لم أهدكم تبين أني ما أردت ولا شئت إيمانكم فلا أردكم، ~~وهذا صريح في الدلالة على صحة مذهب أهل السنة حيث قالوا: إن الله تعالى ما ~~أراد الإيمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر {ولكن} لم أشأ ذلك لأنه {حق ~~القول مني} وأنا من لا يخلف الميعاد؛ # PageV03P207 # لأن الإخلاف إما العجز أو نسيان أو حاجة ولا شيء من ذلك يليق بجنابي ولا ~~يحل بساحتي، وأكد لأجل إنكارهم فقال مقسما: {لأملأن جهنم} أي: التي هي محل ~~إهانتي {من الجنة} أي: الجن طائفة إبليس، وكأنه تعالى أنثهم تحقيرا لهم عند ~~من يستعظم أمرهم وبدأ بهم لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم {والناس ~~أجمعين} حيث قلت لإبليس: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} (ص: 85) # فلذلك شئت كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم اختيارا، وغيبت ~~العاقبة عنهم، فصار الكسب ينسب إليهم ظاهرا والخلق في الحقيقة والمشيئة لي. # ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص بهم عن عذابهم قال لهم الخزنة ~~إذا دخلوا جهنم: # {فذوقوا} العذاب {بما} أي: بسبب ما ms2552 {نسيتم لقاء يومكم} وحققه وبين ذلك ~~بقوله تعالى: {هذا} أي: بترككم الإيمان به {إنا نسيناكم} أي: عاملناكم ~~بمالنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي لكم فتركناكم في العذاب ~~{وذوقوا عذاب الخلد} أي: المختص بأنه لا آخر له {بما} أي: بسبب ما {كنتم ~~تعملون} أي: من الكفر والتكذيب وإنكار البعث. # ولما ذكر تعالى علامة أهل الكفر أن ذكر علامة أهل الإيمان بقوله تعالى: # {إنما يؤمن بآياتنا} أي: الدالة على عظمتنا {الذين إذا ذكروا بها} أي: من ~~أي: مذكر كان في أي: وقت كان {خروا سجدا} أي: بادروا إلى السجود مبادرة من ~~كأنه سقط من غير قصد خضعا لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم خضوعا ثابتا ~~دائما {وسبحوا} أي: أوقعوا التسبيح به عن كل شائبة نقص متلبسين {بحمد ربهم} ~~أي: قالوا سبحان الله وبحمده. وقيل: صلوا بأمر ربهم. # ولما تضمن هذا تواضعهم صرح به في قوله تعالى {وهم لا يستكبرون} أي: عن ~~الإيمان والطاعة كما يفعل من يصير مستكبرا، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا مكانا ~~لموضع جبهته في غير وقت الصلاة» وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل إبليس يبكي يقول: يا ويلتي ~~أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» وهذه ~~من عزائم سجود القرآن فتسن للقارئ والمستمع والسامع. # ولما كان المتواضع ربما ينسب إلى الكسل نفى ذلك عنهم مبينا لما تضمنته ~~الآية السالفة من خوفهم بقوله تعالى: # {تتجافى} أي: ترتفع وتنبو {جنوبهم عن المضاجع} عبر به عن ترك النوم، قال ~~ابن رواحة: # *نبي تجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع* # والمضاجع: جمع المضجع وهو الموضع الذي يضجع عليه يعني الفراش وهم ~~المتهجدون الذين يقيمون الصلاة. قال أنس: «نزلت فينا معاشر الأنصار كنا ~~نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعن أنس أيضا ms2553 قال: «نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~كانوا يصلون صلاة المغرب إلى صلاة العشاء» قال عطاء: هم الذين لا ينامون ~~حتى يصلوا العشاء الآخرة والفجر في جماعة. # وعنه صلى الله عليه وسلم «من صلى العشاء في جماعة كان # PageV03P208 # كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» وعن أنس كنا ~~نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء، وعنه أيضا قال: «ما رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم راقدا قط قبل العشاء ولا متحدثا بعدها» فإن هذه الآية نزلت في ~~ذلك، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هم الذين لا ينامون ~~قبل العشاء فأثنى عليهم» فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن ~~تغلبه عينه فوقه قبل أن ينام الصغير ويكسل الكبير. # وعن مالك بن دينار قال: سألت أنسا عن هذه الآية فقال: كان قوم من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون ~~بعدها إلى العشاء الآخرة فنزلت هذه الآية فيهم، وعن ابن أبي حازم قال: هي ~~ما بين المغرب والعشاء صلاة الأوابين، وعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: قيام العبد من ~~الليل، وعن معاذ بن جبل أيضا قال: «كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سفر فأصبحت يوما قريبا منه وهو يسير فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني ~~الجنة ويباعدني من النار قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره ~~الله عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم ~~رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة ~~تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم قرأ {تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع} حتى بلغ {يعملون} ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده، وذروة ~~سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا نبي الله ~~فأخذ بلسانه فقال: ms2554 كف عنك هذا فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم ~~به فقال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ~~ألسنتهم» . # وعن كعب قال: إذا حشر الناس نادى مناد: هذا يوم الفصل أين الذين تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع أين الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم # ثم يخرج عنق من نار فيقول: أمرت بثلاث: بمن جعل مع الله إلها آخر، وبكل ~~جبار عنيد، وبكل معتد، لأنا أعرف بالرجل من الوالد بولده والمولود بوالده، ~~ويؤمر بفقراء المسلمين إلى الجنة فيحبسون فيقولون: تحبسونا ما كان لنا ~~أموال وما كنا أمراء، وعن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم ~~وتكفير للسيئات ومنهاة عن الآثام ومطردة للداء» . # وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عجب ربنا من رجلين: ~~رجل ثار عن وطائه ولحافه بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقا مما ~~عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم مع أصحابه فعلم ما عليه من الانهزام ~~وما عليه في الرجوع فرجع حتى هريق دمه» وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «كان يقوم الليل حتى تنفطر قدماه فقلت: لم تصنع ~~هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا ~~شكورا» وعن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة غرفا ~~يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن ألان الكلام، ~~وأطعم الطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام» . # وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ربيعة الخرشي قال: يجمع الله الخلائق ~~يوم القيامة في صعيد واحد # PageV03P209 # فيكونون ما شاء الله أن يكونوا، ثم ينادي مناد: سيعلم أهل الجمع لمن يكون ~~العز اليوم والكرم، ليقم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا فيقومون وفيهم قلة، ثم يلبث ما شاء الله ms2555 أن يلبث، ثم يعود فينادي ~~المنادي: سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم ليقم الذين لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله # فيقومون وهم أكثر من الأولين ثم يلبث ما شاء الله أن يلبث ثم يعود فينادي ~~المنادي: سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم، ليقم الحامدون على كل حال ~~فيقومون وهم أكثر من الأولين، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {تتجافى في ~~جنوبهم عن المضاجع} يقول: تتجافى لذكر الله إما في الصلاة وإما في قيام أو ~~قعود أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. # ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة بين أنه لها بقوله تعالى: ~~مبينا لحالهم {يدعون} أي: داعين {ربهم} الذي عودهم بإحسانه ثم علله بقوله ~~تعالى: {خوفا} أي: من سخطه وعقابه، فإن أسباب الخوف من نقائصهم كثيرة سواء ~~أعرفوا سببا يوجب خوفا أو لا لأنهم لا يأمنون مكر الله لأنه يفعل ما يشاء ~~{وطمعا} في رضاه الموجب لثوابه، وقال ابن عباس: خوفا من النار وطمعا في ~~الجنة وعبر به دون الرجاء إشارة إلى أنهم لشدة معرفتهم بنقائصهم لا يعدون ~~أعمالهم شيئا بل يطلبون فضله بغير سبب وإن كانوا مجتهدين في طاعته. # ولما كانت العبادة تقطع غالبا عن التوسع في الدنيا بما دعت نفس العابد ~~إلى التمسك بما في يده خوفا من نقص العبادة عند الحاجة، وصفهم الله تعالى ~~بقوله تعالى: {ومما رزقناهم} أي: بعظمتنا لا بحول منهم ولا قوة {ينفقون} من ~~غير إسراف ولا تقتير في جميع وجوه القرب التي شرعناها لهم فلا يبخلون بما ~~عندهم اعتمادا على الخلاق الرزاق الذي ضمن الخلق فهم بما ضمن لهم أوثق منهم ~~بما عندهم. # ولما ذكر تعالى جزاء المستكبرين ذكر جزاء المتواضعين بقوله عز من قائل: # {فلا تعلم نفس} أي: من جميع النفوس مقربة ولا غيرها {ما أخفي} أي: خبئ ~~{لهم} أي: لهؤلاء المذكورين من مفاتيح الغيوب وخزائنها كما كانوا يخفون ~~أعمالهم في الصلاة في جوف الليل وبالصدقة وبغير ذلك، وقرأ حمزة بسكون الياء ~~والباقون بالفتح. # ولما ms2556 كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال تعالى {من قرة ~~أعين} أي: من شيء نفيس تقر به أعينهم لأجل ما أقلقوها عن قرارها بالنوم، ثم ~~صرح بما أفهمته فاء السبب بقوله تعالى: {جزاء} أي: أخفاها لهم لجزائهم ~~{بما} أي: بسبب ما {كانوا يعملون} أي: من الطاعات في دار الدنيا. روى ~~البخاري في التفسير عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر قال أبو هريرة اقرؤا إن شئتهم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم} ~~الآية وعن ابن مسعود قال: «إنه لمكتوب في التوراة لقد أعد الله تعالى للذين ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، ~~ولا يعلم ملك مقرب ولا نبي مرسل وإنه لفي القرآن {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ~~من قرة أعين} . # وعن ابن عمر قال: إن الرجل من أهل الجنة ليجيء فيشرف عليه النساء فيقلن: ~~يا فلان بن فلان ما أنت بمن خرجت من عندها بأولى بك منا فيقول: ومن أنتن؟ ~~فيقلن: نحن من اللاتي قال الله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين # PageV03P210 # جزاء بما كانوا يعملون} وعن عامر بن عبد الواحد قال: بلغني أن الرجل من ~~أهل الجنة يمكث في مكان سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان ~~فيه فتقول له: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول: من أنت فتقول: أنا ~~مزيد، فيمكث معها سبعين سنة ويلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، ~~فتقول: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول: من أنت فتقول: أنا التي قال ~~الله تعالى {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} . # وعن سعيد بن جبير قال: يدخلون عليهم على مقدار كل يوم من أيام الدنيا ~~ثلاث مرات معهم التحف من الله من جنات عدن ما ms2557 ليس في جناتهم، وذلك قوله ~~تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} وعن كعب قال: سأصف لكم منزل ~~رجل من أهل الجنة كان يطلب حلالا ويأكل حلالا حتى لقي الله تعالى على ذلك، ~~فإنه يعطى يوم القيامة قصرا من لؤلؤة واحدة ليس فيها صدع ولا وصل، فيها ~~سبعون ألف غرفة، وأسفل الغرف سبعون ألف بيت كل بيت سقفه صفائح الذهب والفضة ~~ليس بموصول، ولولا أن الله تعالى سخر النظر لذهب بصره من نوره غلظ الحائط ~~خمس عشر ميلا وطوله في السماء سبعون ميلا، في كل بيت سبعون ألف باب يدخل ~~عليه في كل بيت من كل باب سبعون ألف خادم لا يراهم من في هذا البيت ولا ~~يراهم من في هذا البيت، فإذا خرج من قصره سار في ملكه مثل عمر الدنيا يسير ~~في ملكه عن يمينه وعن يساره ومن ورائه، وأزواجه معه وليس معه ذكر غيره ومن ~~بين يديه ملائكة قد سخروا له وبين أزواجه ستر، وبين يديه ستر ووصاف ووصائف ~~قد أفهموا ما يشتهي وما تشتهي أزواجه، ولا يموت هو ولا أزواجه ولا خدامه ~~أبدا، نعيمهم يزداد كل يوم من غير أن يبلي الأول، وقرة عين لا تنقطع أبدا، ~~لا يدخل عليه فيه روعة أبدا. # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لو ~~أن أحد أهل الجنة رجل أضاف آدم فمن دونه فوضع لهم طعاما وشرابا حتى خرجوا ~~من عنده لا ينقصه ذلك شيئا مما أعطاه الله» وعن سهل بن سعد قال: «بينما نحن ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف الجنة حتى انتهى ثم قال: فيها ما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال: {تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع} الآيتين قال القرطبي: إنهم أخفوا عملا وأخفى لهم ثوابا فقدموا على ~~الله فقرت تلك الأعين، وعن أبي اليمان قال: الجنة مائة درجة أولها درجة فضة ~~وأرضها فضة ومساكنها فضة وآنيتها فضة ms2558 وترابها المسك، والثانية ذهب وأرضها ~~ذهب ومساكنها ذهب وآنيتها ذهب وترابها المسك، والثالثة لؤلؤ وأرضها لؤلؤ ~~ومساكنها لؤلؤ وآنيتها لؤلؤ وترابها المسك وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وتلا هذه الآية {فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين} الآية. # وعن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه ~~السلام سأل ربه فقال: أي: رب، أي: أهل الجنة أدنى منزلة؟ فقال: رجل يجيء ~~بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل فيقول كيف أدخل وقد نزلوا ~~منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ما كان لملك من ~~ملوك الدنيا فيقول: نعم أي: رب قد رضيت فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثاله ~~معه فيقول: قد رضيت أي رب فيقال له: فإن لك هذا وما اشتهت نفسك ولذت عينك ~~فقال موسى: # PageV03P211 # أي: رب فأي أهل الجنة أرفع منزلة؟ قال: إياها أردت وسأحدثك عنهم، إني ~~غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر قال: ومصداق ذلك في كتاب الله {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} ~~. # ونزل في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط ~~أخي عثمان لأمه حين تنازعا فقال الوليد بن عقبة لعلي: اسكت فإنك صبي وأنا ~~شيخ وأنا والله أبسط منك لسانا وأحد منك سنانا وأشجع جنانا وأملأ منك حشوا ~~في الكتيبة، فقال له علي اسكت فإنك فاسق. # {أفمن كان مؤمنا} أي: راسخا في التصديق بجميع ما أخبرت به الرسل {كمن كان ~~فاسقا} أي: راسخا في الفسق خارجا عن دائرة الإذعان وقال تعالى {لا يستوون} ~~ولم يقل تعالى لا يستويان؛ لأنه لم يرد مؤمنا واحدا ولا فاسقا واحدا بل ~~أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين فلا يستوي جمع من هؤلاء بجميع من أولئك ~~ولا فرد بفرد. قال قتادة: لا يستوون لا في الدنيا ولا ms2559 عند الموت ولا في ~~الآخرة. # ولما نفى استواءهم أتبعه حال كل على سبيل التفصيل وبدأ بحال المؤمن بقوله ~~تعالى: # {أما الذي آمنوا وعملوا} أي: تصديقا لإيمانهم {الصالحات} أي: الطاعات ~~{فلهم جنات المأوى} أي: التي يأوي إليها المؤمنون فإنها المأوى الحقيقي ~~والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة، وهي نوع من الجنات قال الله تعالى: ~~{ولقد رآه نزله أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى} (النجم: 13، 15) # سميت بذلك لما روى عن ابن عباس قال: تأوي إليها أرواح الشهداء وقيل هي عن ~~يمين العرش {نزلا} أي: عدادا لهم أول قدومهم قال البقاعي: كما يهيأ للضيف ~~على ما لاح أي: عند قدومه {بما} أي: بسبب ما {كانوا يعملون} من الطاعات فإن ~~أعمالهم من رحمة ربهم، وإذا كانت هذه الجناب نزلا فماظنك بما بعد ذلك هو ~~لعمري ما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر» وهم كل لحظة في زيادة لأن قدرة الله تعالى لا نهاية ~~لها، فإياك أن تخادع أو يغرنك ملحد، ثم ثنى بحال الكافر بقوله تعالى: # {وأما الذين فسقوا} أي: خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع ~~وأهل للمصاحبة والملازمة {فمأواهم النار} أي: التي لا صلاحية فيها للإيواء ~~بوجه من الوجوه ملجؤهم ومنزلهم أي: فالنار لهم مكان جنة المأوى للمؤمنين ~~{كلما أرادوا} أي: وهم مجتمعون، فكيف إذا أراد بعضهم {أن يخرجوا منها} بأن ~~يخيل إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون نفوسهم من ~~محيط الأدلة ومن دائرة الطاعات إلى ميدان المعاصي والزلات فيعالجون الخروج، ~~فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها {أعيدوا فيها} فهو عبارة عن ~~خلودهم فيها {وقيل لهم} أي: من أي: قائل وكل بهم {ذوقوا عذاب النار} إهانة ~~لهم وزيادة في تغيظهم وقوله تعالى {الذي كنتم به تكذبون} صفة لعذاب، وجوز ~~أبو البقاء أن يكون صفة للنار قال: وذكر على معنى الجحيم والحريق. # ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من ms2560 الهوان قال تعالى: # {ولنذيقهم من العذاب الأدنى} أي: عذاب الدنيا، قال الحسن: هو مصائب ~~الدنيا وأسقامها وقال عكرمة: الجوع بمكة تسع سنين أكلوا فيها الجيف والعظام ~~والكلاب، وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف يوم بدر {دون العذاب الأكبر} وهو ~~عذاب # PageV03P212 # الآخرة فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة، فإن قيل: ما الحكمة ~~في مقابلة الأدنى بالأكبر، والأدنى إنما هو في مقابلة الأقصى والأكبر إنما ~~هو في مقابلة الأصغر. # أجيب: بأنه حصل في عذاب الدنيا أمران: أحدهما: أنه قريب، والآخر: أنه ~~قليل صغير، وحصل في عذاب الآخرة أيضا أمران: أحدهما: أنه بعيد، والآخر: أنه ~~عظيم كبير، لكن العرف في عذاب الدنيا هو أنه الذي يصلح للتخويف، فإن العذاب ~~الآجل وإن كان قليلا فلا يحترز عنه بعض الناس أكثر مما يحترز من العذاب ~~الشديد إذا كان آجلا، وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه بعض الناس ويستبعد ~~الثواب العظيم الآجل. # وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف به هو العظيم والكبير لا البعيد؛ ~~لما ذكر. فقال في عذاب الدنيا: العذاب الأدنى ليحترز العاقل ولو قال تعالى: ~~ولنذيقنهم من العذاب الأصغر ما كان ليحترز عنه لصغره وعدم فهم كونه عاجلا، ~~وقال في عذاب الآخرة: الأكبر لذلك المعنى، ولو قال: من العذاب الأبعد ~~الأقصى لما حصل التخويف به مثل ما يحصل بوصفه من الكبر {لعلهم يرجعون} إلى ~~الإيمان أي: من بقي منهم بعد بدر، فإن قيل: ما الحكمة في هذا الترجي وهو ~~على الله تعالى محال، أجيب بوجهين: أحدهما: معناه لنذيقنهم إذاقة الراجي ~~كقوله تعالى {إنا نسيناكم} يعني تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه ~~أصلا كذلك هنا، والثاني: نذيقنهم العذاب، إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون ~~بسببه. # {ومن} أي: لا أحد {أظلم ممن ذكر بآيات ربه} أي: القرآن {ثم أعرض عنها} ~~فلم يتفكر فيها، وثم لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها وإرشادها إلى ~~أسباب السعادة بعد التذكر بها عقلا كما في بيت الحماسة: # *وما يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ms2561 ثم يزورها* # أي: لا يكشف الأمر العظيم إلا رجل كريم موصوف بما ذكر، والغماء بتشديد ~~الميم والمد أي: في مدة اقتحام الحرب، والشاهد في قوله: ثم يزورها، إذ ~~المعنى أنه استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على ~~شدتها {إنا من المجرمين} أي: الكافرين {منتقمون} وعبر بصيغة العظمة تنبيها ~~على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على مجرد العداد في ~~الظالمين فكيف إذا كانوا أظلم الظالمين، والجملة الاسمية تدل على دوام ذلك ~~عليهم في الدنيا أما باطنا بالاستدراج بالنعم، وأما ظاهرا بإحلال النقم وفي ~~الآخرة بدوام العذاب على ممر الآباد. # ولما قرر الأصول الثلاثة وعاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة ~~المذكورة في قوله تعالى {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير} (القصص: 46) # بين أنه ليس بدعا من الرسل بقوله تعالى: # {ولقد آتينا موسى الكتاب} أي: الجامع للأحكام وهو التوراة فكان قبلك رسل ~~مثلك، وذكر موسى عليه السلام لقربه من النبي صلى الله عليه وسلم وهو أول من ~~أنزل عليه كتاب من أنبياء بني إسرائيل بعد فترة كثيرة من الأنبياء بينه ~~وبين يوسف عليهما السلام، ولم يختر عيسى عليه السلام للذكر والاستدلال لأن ~~اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوءة ~~موسى عليه السلام فذكر المجمع عليه {فلا تكن في مريه} واختلف في الهاء في ~~قوله تعالى {من لقائه} على # PageV03P213 # أقوال: أحدها: أنها عائدة على موسى عليه السلام والمصدر مضاف لمفعوله أي: ~~من لقائك موسى ليلة الإسراء. # وامتحن المبرد الزجاج في هذه المسألة فأجاب بما ذكر قال ابن عباس وغيره: ~~المعنى فلا تكن في شك من لقاء موسى فإنك تراه وتلقاه، روى ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا ~~جعدا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعا إلى الحمرة والبياض سبط ~~الرأس، ورأيت مالكا خازن النار والدجال في آيات آراهن الله إياه» وعن أنس ~~قال: قال رسول الله ms2562 صلى الله عليه وسلم «أتيت على موسى ليلة أسري بي عند ~~الكثيب الأحمر وهو يصلي في قبره» ، فإن قيل: قد صح في حديث المعراج أنه رآه ~~في السماء السادسة ومراجعته في أمر الصلاة، فكيف الجمع بين هذين الحديثين. # أجيب: بأنه يحتمل أن تكون رؤيته في قبره عند الكثيب الأحمر قبل صعوده إلى ~~السماء وذلك في طريقه إلى بيت المقدس، فلما صعد إلى السماء السادسة وجده ~~هناك قد سبقه لما يريده الله تعالى وهو على كل شيء قدير. # فإن قيل: كيف تصح منه الصلاة في قبره وهو ميت وقد سقط عنه التكليف وهو في ~~الدار الآخرة وهي ليست دار عمل، وكذلك رأى النبي صلى الله عليه وسلم جماعة ~~من الأنبياء وهم يحجون؟ أجيب عن ذلك بأجوبة: الأول: أن الأنبياء أفضل من ~~الشهداء، والشهداء أحياء عند ربهم فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا كما صح في ~~الحديث، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا لأنهم وإن كانوا قد توفوا ~~لكنهم بمنزلة الأحياء في هذه الدار التي هي دار العمل إلى أن تفنى ويفضوا ~~إلى دار الجزاء التي هي الجنة. # الجواب الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم رأى حالهم التي كانوا عليها في ~~حياتهم ومثلوا له كيف كانوا وكيف كان حجهم وصلاتهم. الجواب الثالث: أن ~~التكليف وإن ارتفع عنهم في الآخرة لكن الذكر والشكر والدعاء لا يرتفع قال ~~الله تعالى {دعواهم فيها سبحانك اللهم} (يونس: 10) # وقال صلى الله عليه وسلم «يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس» فالعبد يعبد ~~ربه تعالى في الجنة أكثر ما كان يعبده في دار الدنيا، وكيف لا يكون ذلك وقد ~~صار مثل حال الملائكة الذين قال الله تعالى في حقهم {يسبحون الليل والنهار ~~لا يفترون} (الأنبياء: 20) # غاية ما في الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي مقتضى الطبع. ~~ثانيها: أن الضمير يعود إلى الكتاب وحينئذ يجوز أن تكون الإضافة للفاعل أي: ~~من لقاء الكتاب لموسى أو المعول أي: من لقاء موسى الكتاب لأن اللقاء تصح ~~نسبته إلى كل منهما؛ لأن ms2563 من لقيك فقد لقيته. قال السدي: المعنى فلا تكن في ~~مرية من لقائه أي: تلقى موسى كتاب الله تعالى بالرضا والقبول. ثالثها: أنه ~~يعود على الكتاب على حذف مضاف أي: من لقاء مثل كتاب موسى. # رابعها: أنه عائد على ملك الموت عليه السلام لتقدم ذكره. خامسها: عوده ~~على الرجوع المفهوم من قوله {إلى ربكم ترجعون} أي: لا تكن في مرية من لقاء ~~الرجوع. سادسها: أنه يعود على ما يفهم من سياق الكلام مما ابتلي به موسى من ~~الابتلاء والامتحان قاله الحسن أي: لا بد أن تلقى ما لقي موسى من قومه، ~~واختار موسى عليه السلام الحكمة وهي أن أحدا من الأنبياء لم يؤذه من قومه ~~إلا الذين لم يؤمنوا، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى عليه ~~السلام فإن من لم يؤمن به آذاه كفرعون، ومن آمن به من بني # PageV03P214 # إسرائيل آذاه أيضا بالمخالفة، فطلبوا أشياء مثل رؤية الله جهرة، وكقولهم ~~{فاذهب أنت وربك فقاتلا} (المائدة: 24) # وأظهر هذه الأقوال أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب، واختلف في الضمير ~~أيضا في قوله تعالى {وجعلناه} على قولين: أحدهما: يرجع إلى موسى أي: وجعلنا ~~موسى {هدى} أي: هاديا {لبني إسرائيل} كما جعلناك هاديا لأمتك. والثاني: أنه ~~يرجع إلى الكتاب أي: وجعلنا كتاب موسى هاديا كما جعلنا كتابك كذلك. # {وجعلنا منهم} أي: من أنبيائهم وأحبارهم {أئمة يهدون} أي: يرفعون البيان ~~ويعملون على حسبه {بأمرنا} أي: بما نزلنا فيه من الأوامر، كذلك جعلنا من ~~أمتك صحابة يهدون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم» وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة قبل الميم، ~~ولهم أيضا إبدالها ياء، وحققها الباقون ومد هشام بين الهمزتين بخلاف عنه، ~~وقوله تعالى {لما صبروا} قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام وتخفيف الميم أي: ~~بسبب صبرهم على دينهم وعلى البلاء من عدوهم ولأجله، وقرأ الباقون بفتح ~~اللام وتشديد الميم أي: حين صبرهم على ذلك، وإن كان الصبر أيضا إنما هو ~~بتوفيق الله تعالى {وكانوا ms2564 بآياتنا} الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا لما لها ~~من العظمة {يوقنون} أي: لا يرتابون في شيء منها ولا يعملون فعل الشاك فيها ~~بالإعراض. # ولما أفهم قوله تعالى منهم أنه كان منهم من يضل عن أمر الله قال الله ~~تعالى: # {إن ربك} أي: المحسن إليك بإرسالك ليعظم ثوابك {هو} أي: وحده {يفصل ~~بينهم} أي: بين الهادين والمهديين والضالين والمضلين {يوم القيامة} بالقضاء ~~الحق {فيما كانوا فيه يختلفون} أي: من أمر الدين لا يخفي عليه شيء منه وأما ~~غير ما اختلفوا فيه، فالحكم فيه لهم أو عليهم، وما اختلفوا فيه لا على وجه ~~القصد فيقع في محل العفو. # ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد بقوله تعالى: # {أولم يهد} أي: يبين كما رواه البخاري عن ابن عباس {لهم كم أهلكنا} أي: ~~كثرة من أهلكنا {من قبلهم من القرون} الماضين من المعرضين عن الآيات، ~~ونجينا من آمن بها. وقوله تعالى {يمشون} حال من ضمير لهم {في مساكنهم} أي: ~~في أسفارهم إلى الشام وغيرها كمساكن عاد وثمود وقوم لوط فيعتبروا {إن في ~~ذلك} أي: الأمر العظيم {لآيات} أي: دلالات على قدرتنا {أفلا يسمعون} سماع ~~تدبر واتعاظ فيتعظوا بها. # {أولم} أي: أيقولون في إنكار البعث أئذا ضللنا في الأرض ولم {يروا أنا} ~~بما لنا من العظمة {نسوق الماء} أي: من السماء أو الأرض {إلى الأرض الجرز} ~~أي: التي جرز نباتها أي: قطع باليبس والتهشم أو بأيدي الناس فصارت ملساء لا ~~نبات فيها، وفي البخاري عن ابن عباس أنها التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني ~~عنها شيئا، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز ويدل عليه قوله تعالى {فنخرج ~~به} من أعمال الأرض بذلك الماء {زرعا} أي: نبتا لا ساق له باختلاط الماء ~~بالتراب، وقيل الجرز: اسم موضع باليمن {تأكل منه أنعامهم} أي: من حبه وورقه ~~وتبنه وحشيشه {وأنفسهم} أي: من الحبوب والأقوات، وقدم الأنعام لوقوع ~~الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم ولأن الزرع غذاء للدواب ~~لابد منه، وأما غذاء الإنسان فقد يصلح للحيوان ms2565 فكان الحيوان يأكل الزرع، ثم ~~الإنسان يأكل من الحيوان. # فإن قيل: # PageV03P215 # في سورة عيسى قدم ما للإنسان أولا فما الحكمة؟ أجيب: بأن السياق فيها ~~لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} ~~(عبس: 24) # ثم قال: {فأنبتنا فيها حبا} (عبس: 27) # وذكر من طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح للأنعام فقدمه، وهذا السياق ~~لمطلق إخراج الزرع، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام ولا يصلح للإنسان. ~~ولما كانت هذه الآية مبصرة قال {أفلا يبصرون} هذا فيعلموا أنا نقدر على ~~إعادتهم بخلاف الآية الماضية فإنها كانت مسموعة فقال: {أفلا يسمعون} . # ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعالى: # {ويقولون} أي: مع هذا البيان الذي ليس معه خفاء {متى هذا الفتح} أي: يوم ~~القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم ويوم نصرهم عليهم وقيل: هو ~~يوم بدر، وعن مجاهد والحسن يوم فتح مكة {إن كنتم صادقين} أي: عريقين في ~~الصدق بالإخبار بأنه لابد من وقوعه حتى نؤمن إذا رأيناه، قال الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: لهؤلاء الجهلة {يوم الفتح} أي: الذي تستهزئون به وهو يوم ~~القيامة {لا ينفع الذين كفروا} أي: غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها، سواء ~~في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف بهذا الوصف {إيمانهم} لأنه ليس إيمانا بالغيب ~~{ولا هم ينظرون} أي: يمهلون في إيقاع العذاب بهم لحظة ما من منتظر ما، فإن ~~قيل: قد سألوا عن وقت الفتح فكيف ينطبق هذا الكلام جوابا عن سؤالهم؟ أجيب: ~~بأنه كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم على وجه التكذيب ~~والاستهزاء، فأجيبوا على حسب ما علم من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم: لا ~~تستعجلوا بعد ولا تستهزؤا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ~~ينفعكم الإيمان، واستنظرتم في إدارك العذاب فلم تنظروا. # فإن قيل: فمن فسره بيوم الفتح أو بيوم بدر كيف يستقيم على تفسيره أن لا ~~ينفعهم الإيمان وقد نفع الطلقاء يوم فتح مكة وناسا يوم بدر، أجيب: ms2566 بأن ~~المراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل كما لم ينفع ~~فرعون إيمانه حال إدراك الغرق وقوله تعالى: # {فأعرض عنهم} أي: لا تبال بتكذيبهم {وانتظر} أي: إنزال العذاب بهم {إنهم ~~منتظرون} أي: بك حادث موت أو قتل فيستريحون منك، كان ذلك قبل الأمر بقتالهم ~~وقيل: انتظر عذابهم بيقينك إنهم منتظرونه بلفظهم استهزاء كما قالوا {فأتنا ~~بما تعدنا} (الأعراف: 70) # وعن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم ~~الجمعة ألم تنزيل في الركعة الأولى، وهل أتى على الإنسان أي: في الركعة ~~الثانية» وعن جابر قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ ~~تبارك، وألم تنزيل، ويقول: هما يفضلان على كل سورة في القرآن بسبعين حسنة ~~ومن قرأهما كتب له سبعون حسنة ورفع له سبعون درجة» . # وعن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة ألم تنزيل ~~أعطي من الأجر كمن أحيا ليلة القدر» وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عنه صلى ~~الله عليه وسلم «من قرأ ألم تنزيل في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة ~~أيام» قال شيخ شيخنا ابن حجر: لم أجده. والله تعالى أعلم بالصواب. ### | سورة الأحزاب # مدنية # PageV03P216 # وهي ثلاث وسبعون آية، وألف ومائتانوثمانون كلمة، وخمسة آلاف وتسعمائة ~~وتسعون حرفا # وعن أبي ذر قال: قال أبي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب قال: ثلاثا ~~وسبعين آية قال: والذي يحلف به أبي بن كعب أن كانت لتعدل سورة البقرة أو ~~أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ~~نكالا من الله والله عزيز حكيم أراد أبي أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن ~~وأما ما حكي أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن ~~تأليفات الملاحدة والروافض. # {بسم الله} الذي مهما أراد كان {الرحمن} الذي شملت رحمته كل موجود بالكرم ~~والجود {الرحيم} لمن توكل عليه بالعطف عليه. # ونزل في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي ms2567 الأعور عمرو بن سفيان السلمي ~~لما قدموا المدينة ونزلوا على عبد الله بن أبي رأس المنافقين بعد قتال أحد ~~وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزة ومناة وقل: إن لها ~~شفاعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم فقال ~~عمر: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم فقال إني قد أعطيتهم الأمان فقال عمر: ~~أخرجوا في لعنة الله وغضبه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم ~~من المدينة. # {يا أيها النبي اتق الله} وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن أهل مكة ~~منهم الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة دعوا صلى الله عليه وسلم إلى أن ~~يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوفه المنافقون من اليهود ~~بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فأنزل الله تعالى: {يا أيها النبي اتق الله} أي: ~~دم على التقوى كما يقول الرجل لغيره وهو قائم: قم قائما أي: اثبت قائما ~~فسقط بذلك ما يقال الأمر بالشيء لا يكون إلا عند اشتغال المأمور بغير ~~المأمور به إذ لا يصح أن يقال للجالس: اجلس، وللساكت: اسكت، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم كان متقيا لأن الأمر بالمداومة يصح في ذلك فيقال للجالس: ~~اجلس هنا حتى آتيك، ويقال للساكت: قد أحسنت فاسكت تسلم أي: دم على ما أنت ~~عليه. # وأيضا من جهة العقل: أن الملك يتقي منه عادة على ثلاثة أوجه: بعضهم يخاف ~~من عقابه، وبعضهم يخاف من قطع ثوابه، وثالث يخاف من احتجابه، فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث فالمخلص ~~لا يأمنه ما دام في الدنيا، فكيف والأمور البدنية شاغلة، فالآدمي في الدنيا ~~تارة مع الله والأخرى مقبل على مالا بد منه وإن كان معه الله، ولهذا أشار ~~بقوله عليه الصلاة ms2568 والسلام {إنما أن بشر مثلكم يوحى إلي} (الكهف: 110) # يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم، فأمر بتقوى ~~توجب إدامة الحضور، وقال الضحاك: معناه اتق الله ولا تنقض الذي بينك ~~وبينهم، وقيل: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة. # تنبيه: جعل الله تعالى نداء نبيه صلى الله عليه وسلم بالنبي والرسول في ~~قوله تعالى {يا أيها النبي اتق الله} {يا أيها النبي لم تحرم} (التحريم: 1) # {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك} (المائدة: 67) # وترك نداءه باسمه كما قال تعالى: يا آدم يا موسى يا عيسى يا داود كرامة ~~وتشريفا وتنويها بفضله، فإن قيل: إن لم يوقع اسمه في النداء فقد أوقعه في ~~الأخبار في قوله تعالى {محمد رسول الله} (الفتح: 29) # PageV03P217 # {وما محمد إلا رسول} (آل عمران: 144) # أجيب: بأن ذلك لتعليم الناس أنه رسول الله وتلقين لهم أن يسموه بذلك ~~ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به ~~التعليم والتلقين من الإخبار كيف ذكره بنحو ما ذكر في النداء {لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم} (التوبة: 128) # {وقال الرسول يا رب} (الفرقان، 30) {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} ~~(الأحزاب: 21) # {والله ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة: 62) # {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} (الأحزاب: 6) # {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي} (المائدة: 81) # {إن الله وملائكته يصلون على النبي} (الأحزاب: 56) # وقرأ نافع النبئ بالهمزة والباقون بغير همز. # ولما وجه إليه صلى الله عليه وسلم الأمر بخشية الولي الودود أتبعه النهي ~~عن الالتفات لنحو العدو الحسود بقوله تعالى: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} ~~في شيء من الأشياء لم يتقدم إليك من الخالق فيه أمر وإن لاح لائح خوف أو ~~برق رجاء فجانبهم واحترس منهم، فإنهم أعداء الله تعالى وأعداء المؤمنين، لا ~~يريدون إلا المضارة والمضادة. قال أبو حيان: سبب نزولها أنه روى: «أنه صلى ~~الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود فتابعه ناس على ~~النفاق وكل يلين لهم جانبه، وكانوا يظهرون النصائح من طريق المخادعة ms2569 فنزلت ~~تحذيرا لهم منهم وتنبيها على عداوتهم» انتهى وبهذا سقط ما قيل: لم خص ~~الكافر والمنافق بالذكر ولأن ذكر غيرهما لا حاجة إليه لأنه لا يكون عنده ~~إلا مطاعا ولأن كل من طلب من النبي صلى الله عليه وسلم طاعته فهو كافر أو ~~منافق؛ لأن من يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر إيجاب معتقدا أنه لم ~~يفعله يعاقبه بحق يكون كافرا، وقرأ أبو عمرو والدوري عن الكسائي، الكافرين ~~بالإمالة محضة، وورش بين بين والباقون بالفتح. # ثم علل تعالى الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللزوم ~~بقوله تعالى: {إن الله} أي: بعظيم كماله {كان} أزلا وأبدا {عليما} أي: شامل ~~العلم {حكيما} أي: بالغ الحكمة فهو تعالى لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ما ~~يترتب عليه، وأحكم إصلاح الحال فيه. # ولما كان ذلك مفهما لمخالفة كل ما يدعو إليه كافر، وكان الكافر ربما دعا ~~إلى شيء من مكارم الأخلاق قيده بقوله تعالى: # {واتبع} أي: بغاية جهدك {ما يوحى} أي: يلقى إلقاء خفيا كما يفعل المحب مع ~~حبيبه {إليك من ربك} أي: المحسن إليك بصلاح جميع أمرك، وأتى موضع الضمير ~~بالظاهر ليدل على الإحسان في التربية ليقوى على امتثال ما أمرت به الآية ~~السالفة. # ولما أمر باتباع الوحي رغبه فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في أن ~~مكرهم خفي بقوله تعالى مذكرا بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من الأسماء ~~الحسنى زيادة في التقوى على الامتثال مؤكدا للترغيب {أن الله} أي: بعظمته ~~وكماله {كان} أزلا وأبدا {بما يعملون} أي: الفريقان من المكايد وإن دق ~~{خبيرا} أي: فلا تهتم بشأنهم، فإنه سبحانه كافيكه وإن تعاظم، وقرأ أبو عمرو ~~{بما يعملون خبيرا} {وبما يعملون بصيرا} بالياء على الغيبة على أن الواو ~~ضمير الكفرة والمنافقين والباقون بالتاء على الخطاب فيهما. # ولما كان الآدمي موضع الحاجة قال تعالى: # {وتوكل} أي: دع الاعتماد على التدبير في أمورك واعتمد فيها {على الله} ~~أي: المحيط علما وقدرة فإنه يكفيك في جميع أمورك {وكفى بالله} أي: الذي له ms2570 ~~الأمر كله على الإطلاق {وكيلا} أي: موكولا إليه الأمور كلها فلا تلتفت في ~~شيء من أمرك إلى غيره؛ لأنه ليس لك قلبان تصرف كل # PageV03P218 # واحد منهما إلى واحد كما قال تعالى: # {ما جعل الله} أي: الذي له الحكمة البالغة والعظمة الباهرة {لرجل} أي: ~~لأحد من بني آدم ولا غيره، وعبر بالرجل لأنه أقوى جسما وفهما فيفهم غيره من ~~باب أولى، وأشار إلى التأكيد بقوله تعالى: {من قلبين} وأكد الحقيقة وقررها ~~وجلاها وصورها بقوله تعالى: {في جوفه} أي: ما جمع الله تعالى قلبين في جوف؛ ~~لأن القلب معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنساني أولا، ومنبع القوى ~~بأسرها ومدبر البدن بإذن الله تعالى وذلك يمنع التعدد {وما جعل أزواجكم ~~اللائي} أباح لكم التمتع بهن {تظاهرون منهن} كما يقول الإنسان للواحدة ~~منهن: أنت علي كظهر أمي {أمهاتكم} بما حرم عليكم من الاستمتاع بهن حتى ~~تجعلوا ذلك على التأبيد وترتبوا على ذلك أحكام الأمهات كلها {وما جعل ~~أدعياءكم} جمع دعي وهو من يدعي لغير أبيه {أبناءكم} حقيقة ليجعل لهم إرثكم ~~ويحرم عليكم حلائلهم وغير ذلك من أحكام الأبناء. # والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان ~~قلبين لأنه لا يخلو أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب، ~~فأحدهما فضلة غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك فذلك ~~يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها عالما ظانا موقنا شاكا في حالة ~~واحدة لم ير أيضا أن تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجا له، لأن الأم ~~مخدومة مخفوض لها الجناح، والمرأة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره ~~كالمملوكة، وهما حالتان متنافيتان ولم ير أيضا أن يكون الرجل الواحد دعيا ~~لرجل وابنا له؛ لأن البنوة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة إلصاق عارض ~~بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا غير أصيل. # وهذا مثل ضربه الله تعالى في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبي صغيرا ~~وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ms2571 ويتسابون، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته ~~خديجة، فلما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهبته له وطلبه أبوه وعمه ~~فخير فاختار النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبوه وعمه: # يا زيد أتختار العبودية على الربوبية قال: ما أنا بمفارق هذا الرجل فلما ~~رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه أعتقه وتبناه قبل الوحي، وآخى ~~بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة قال المنافقون: تزوج امرأة ابنه وهو ~~ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية فيه، وكذا قوله تعالى: {ما ~~كان محمد أبا أحد من رجالكم} (الأحزاب: 40) # وروي أن رجلا كان يسمى أبا معمر جميل بن معمر الفهري وكان رجلا لبيبا ~~حافظا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، ~~وكان يقول: لي قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله ~~تعالى المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم فلقيه أبو سفيان وهو معلق إحدى ~~نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له: ما فعل الناس فقال له: بين مقتول ~~وهارب فقال له: فما بالك إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت ~~إلا أنهما في رجلي فأكذب الله تعالى قوله» ، وقولهم وضربه مثلا في الظهار ~~والتبني. # وعن ابن عباس: «كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان فأكذبهم # PageV03P219 # الله تعالى» وقيل سها في صلاته فقالت اليهود: له قلبان قلب مع أصحابه ~~وقلب معكم، وعن الحسن نزلت في أن الواحد يقول: لي نفسان نفس تأمرني ونفس ~~تنهاني، فإن قيل: ما وجه تعدية الظهار وأخواته بمن؟ أجيب: بأن الظهار كان ~~طلاقا في الجاهلية فكانوا بتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون ~~المطلقة، فكان قولهم: تظاهر منها، تباعد منها جهة الظهار، فلما تضمن معنى ~~التباعد منها عدي بمن. # فإن قيل: ما معنى قولهم: أنت علي كظهر أمي، أجيب: بأنهم أرادوا أن ~~يقولوا: أنت علي حرام كبطن أمي ms2572 فكنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن ~~الذي ذكره يقارب ذكر الفرج؛ لأنه عمود البطن، ومنه حديث عمر: يجيء به أحدهم ~~على عمود بطنه أراد على ظهره، ووجه آخر: وهو أن إتيان المرأة وظهرها إلى ~~السماء كان محرما عندهم محظورا، وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ~~ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم ~~امرأته عليه شبهها بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله كظهر أمه، وهو منكر ~~وزور وفيه كفارة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المجادلة. # وقرأ ابن عامر والكوفيون اللائي بالهمزة المكسورة والياء بعدها في الوصل، ~~وسهل الياء كالهمزة ورش، والبزي وأبو عمرو مع المد والقصر، وعن أبي عمرو ~~والبزي أيضا إبدالها ياء ساكنة مع المد لا غير، وقالون وقنبل بالهمزة ولا ~~ياء بعدها، وقرأ تظهرون عاصم بضم التاء، وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر ~~الهاء مخففة، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء والظاء مخففتين وألف بعد الظاء ~~وفتح الهاء مخففة، وابن عامر كذلك إلا أنه يشدد الظاء، والباقون بفتح التاء ~~والظاء والهاء مع تشديد الظاء والهاء ولا ألف بعد الظاء وقوله تعالى: ~~{ذلكم} إشارة إلى كل ما ذكر وإلى الأخير {قولكم بأفواهكم} أي: مجرد قول ~~لسان من غير حقيقة كالهذيان {والله} أي: المحيط علما وقدرة وله جميع صفات ~~الكمال {يقول الحق} أي: ماله حقيقة الثابت الذي يوافق ظاهره باطنه فلا قدرة ~~لأحد على نقضه، فإن أخبر عن شيء فهو كما قال: {وهو} أي: وحده {يهدي السبيل} ~~أي: يرشد إلى سبيل الحق. # ولما كان كأنه قيل فما تقول اهدنا إلى سبيل الحق قال تعالى: # {ادعوهم} أي: الأدعياء {لآبائهم} أي: الذين ولدوهم إن علموا ولذا قال زيد ~~بن حارثة: قال صلى الله عليه وسلم «من دعي إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة ~~عليه حرام» وأخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص، ثم علل تعالى ذلك بقوله ~~تعالى: {هو} أي: هذا الدعاء {أقسط} أي: أقرب إلى العدل من التبني، وإن كان ~~إنما هو ms2573 لمزيد الشفقة على المتبنى والإحسان إليه {عند الله} أي: الجامع ~~لصفات الكمال، وعن ابن عمران زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن {ادعوهم لآبائهم} الآية ~~وقيل: كان الرجل في الجاهلة إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل ~~له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال: فلان ابن ~~فلان، أما إذا جهلوا فهو ما ذكر بقوله تعالى: {فإن لم تعلموا آباءهم} لجهل ~~أصلي أو طارئ {فإخوانكم} أي: فهم إخوانكم {في الدين} إن كانوا دخلوا في ~~دينكم أي: قولوا لهم إخواننا {ومواليكم} إن كانوا محررين أي: قولوا موالي ~~فلان، وعن مقاتل إن لم تعلموا لهم أبا فانسبوهم # PageV03P220 # إخوانكم في الدين أي: أن تقول: عبد الله وعبد الرحمن وعبيد الله وأشباههم ~~من الأسماء، وأن يدعى إلى اسم مولاه وقيل: مواليكم أولياؤكم في الدين. # ولما كان عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم أخبرهم ~~أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ، وساقه على وجه يعمم ما بعد النهي أيضا ~~بقوله تعالى: {وليس عليكم جناح} أي: إثم وميل واعوجاج، وعبر بالظرف ليفيد ~~أن الخطأ لا إثم فيه بوجه، ولو عبر بالباء لظن أن فيه إثما ولكن يعفي عنه ~~فقال تعالى: {فيما أخطأتم به} أي: من الدعاء بالنبوة والمظاهرة، أو في شيء ~~قبل النهي أو بعده ودل قوله تعالى {ولكن ما} أي: الإثم فيما {تعمدت قلوبكم} ~~على زوال الحرج أيضا فيما وقع بعد النهي على سبيل النسيان، أو سبق اللسان، ~~ودل تأنيث الفعل على أنه لا يتعمد بعد البيان الشافي إلا قلب فيه رخاوة ~~الأنوثة، ودل جمع الكثرة على عموم الإثم إن لم ينته المتعمد. # تنبيه: يجوز في ما هذه وجهان: # أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ما المجرورة قبلها بفي. والتقدير: ~~ولكن الجناح فيما تعمدت كما مرت الإشارة إليه. # والثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتداء، والخبر محذوف. وتقديره: تؤاخذون ~~به أو عليكم فيه ms2574 الجناح ونحوه، ولما كان هذا الكرم خاصا بما تقدم عمم ~~سبحانه وتعالى بقوله {وكان الله} أزلا وأبدا {غفورا} أي: من صفته الستر ~~البليغ على المذنب التائب {رحيما} به، ولما نهى تعالى عن التبني وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وعمه ~~كما مر علل تعالى النهي فيه بالخصوص بقوله تعالى: دالا على أن الأمر أعظم ~~من ذلك: # {النبي} أي: الذي ينبئه الله تعالى بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال، ~~ويرفعه دائما في مراقي الكمال ولا يزيد أن يشغله بولد ولا مال {أولى ~~بالمؤمنين} أي: الراسخين في الإيمان فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين ~~والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية {من أنفسهم} فضلا عن آبائهم في نفوذ ~~حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم، روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ~~اقرؤا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأي مؤمن ترك مالا فليرثه ~~عصبته من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه» . # وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ~~فأيما رجل مات وترك دينا فإلي، ومن ترك مالا فهو لورثته» وعن أبي هريرة ~~قال: كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل: هل ~~عليه دين؟ فإن قالوا: نعم قال: هل ترك وفاء لدينه، فإن قالوا: نعم صلى عليه ~~وإن قالوا: لا قال: صلوا على صاحبكم، وإنما لم يصل عليه صلى الله عليه وسلم ~~أولا فيما إذا لم يترك وفاء لأن شفاعته صلى الله عليه وسلم لا ترد، وقد ورد ~~إن نفس المؤمن محبوسة عن مقامها الكريم ما لم يوف دينه، وهو محمول على من ~~قصر في وفائه في حال حياته، أما من لم يقصر لفقره مثلا فلا، كما أوضحت ذلك ~~في شرح المنهاج في باب الرهن. # وإنما كان صلى الله ms2575 عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم لأنه لا يدعوهم إلا إلى ~~العقل والحكمة، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى ~~والفتنة فتأمرهم بما يرد بهم، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل أعظم بهذا ~~السبب الرباني فأي: حاجة إلى السبب الجسماني # PageV03P221 # {وأزواجه أمهاتهم} أي: المؤمنين أي: مثلهن في تحريم نكاحهن ووجوب ~~احترامهن وطاعتهن إكراما له صلى الله عليه وسلم لافى حكم الخلوة والنظر ~~والظهار والمسافرة والنفقة والميراث، وهو صلى الله عليه وسلم أب للرجال ~~والنساء، وأما قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} (الأحزاب، 40) ~~فمعناه ليس أحد من رجالكم ولد صلبه وسيأتي ذلك ويحرم سؤالهن إلا من وراء ~~حجاب، وسيأتي ما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالى في محله. # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بغلام وهو يقرأ في المصحف «النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم» فقال: يا غلام حكتها ~~فقال: هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك ~~الصفق بالأسواق، ومعنى ذلك: أن هذا كان يقرأ أولا، ونسخ لما روي عن عكرمة ~~أنه قال: كان في الحرف الأول {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} وهو أبوهم، ~~وعن الحسن قال في القراءة الأولى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب ~~لهم وقوله تعالى: {وأولوا الأرحام} أي: القرابات بأنواع النسب من النبوة ~~وغيرها {بعضهم أولى} بحق القرابة {ببعض} أي: في التوارث، ثم نسخ لما كان في ~~صدر الإسلام فإنهم كانوا فيه يتوارثون بالحلف والنصر فيقول: ذمتي ذمتك ~~ترثني وأرثك، ثم نسخ بالإسلام والهجرة، ثم نسخ بآية المواريث وبالآية التي ~~في آخر الأنفال وأعادها تأكيدا، فإن آية المواريث مقدمة ترتيبا ونزولا على ~~آية الأنفال، وآية الأنفال على هذه كذلك وقوله تعالى: {في كتاب الله} يحتمل ~~أن ذلك في اللوح المحفوظ أو فيما أنزل وهو هذه الآيات المذكورة أو فيما فرض ~~الله. # ولما بين أنهم أولى لسبب القرابة بين المفضل عليه بقوله تعالى: {من} أي: ~~هم أولى بسبب القرابة ms2576 من {المؤمنين} الأنصار من غير قرابة مرجحة ~~{والمهاجرين} أي: ومن المهاجرين المؤمنين من غير قرابة كذلك وقوله تعالى: ~~{إلا أن تفعلوا} استثناء منقطع كما جرى عليه الجلال المحلي أي: لكن أن ~~تفعلوا {إلى أوليائكم معروفا} بوصية فجائز، ويجوز أن يكون استثناء من أعم ~~العام كما قاله الزمخشري في معنى النفع والإحسان كما تقول: القريب أولى من ~~الأجنبي إلا في الوصية، تريد أنه أحق منه في كل نفع من ميراث وهبة وهدية ~~وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية، والمراد بفعل المعروف التوصية لأنه لا وصية ~~لوراث وعدى تفعلوا بإلى؛ لأنه في معنى تسدوا. والمراد بالأولياء: المؤمنون ~~والمهاجرون للولاية في الدين {كان ذلك} أي: ما ذكر من آيتي {ادعوهم} ~~{والنبي أولى} وقيل: أول ما نسخ من الآيات الإرث بالإيمان والهجرة ثابتا ~~{في الكتاب} أي: اللوح المحفوظ والقرآن {مسطورا} قال الأصبهاني: وقيل في ~~التوراة قال البقاعي: لأن في التوراة إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم ~~أن يكرموه ويواسوه، وميراثه لذوي قرابته، فالآية من الاحتباك، أثبت وصف ~~الإيمان أولا دليلا على حذفه ثانيا ووصف الهجرة ثانيا دليلا على حذف النصرة ~~أولا. # {وإذ} أي: واذكر حين {أخذنا} بعظمتنا {من النبيين ميثاقهم} أي: عهودهم في ~~تبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم في المنشط والمكره وفي تصديق بعضهم ~~لبعض وفي اتباعك فيما أخبرنا به في قولنا: {لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} (آل عمران: 88) # وقولهم أقررنا. # ولما ذكر ما أخذ على جميع الأنبياء من # PageV03P222 # العهد في إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه ذكر ما أخذ عليهم من العهد ~~في التبليغ بقوله تعالى: {ومنك} أي: في قولنا في هذه السورة {اتق الله ~~واتبع ما يوحى إليك} (الأحزاب: 1 2) # وفي المائدة: 67 {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ~~فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ~~ولا جليل. # ولما أتم المراد إجمالا وعموما وخصه صلى الله عليه ms2577 وسلم من ذلك العموم ~~مبتدئا به لقوله صلى الله عليه وسلم «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في ~~البعث» بيانا بتشريفه، ولأنه المقصود بالذات أتبعه بقية أولي العزم الذين ~~هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب الشرائع ورتبهم على ترتيبهم في الزمان؛ لأنه ~~لم يقصد المفاضلة بينهم بالتأسية بالمتقدمين والمتأخرين قال {ومن نوح} أول ~~الرسل إلى المخالفين {وإبراهيم} أبي الأنبياء {وموسى} أول أصحاب الكتب من ~~بني إسرائيل {وعيسى بن مريم} ختام أنبياء بني إسرائيل، ونسبه إلى أمه ~~مناداة على من ضل فيه بدعوى الألوهية وبالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة. # تنبيه: ذكر هذه الخمسة من عطف الخاص على العام كما علم مما تقرر، وقوله ~~تعالى: {وأخذنا} أي: بعظمتنا في ذلك {منهم ميثاقا غليظا} أي: شديدا بالوفاء ~~بما حملوه وهو الميثاق الأول، وإنما كرر لزيادة وصفه بالغلظ وهو استعارة من ~~وصف الأجرام، والمراد: عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه، وقيل: الميثاق ~~الغليظ اليمين بالله على الوفاء بما حملوه ثم أخذ الميثاق. # {ليسأل} أي: الله تعالى يوم القيامة {الصادقين} أي: الأنبياء الذين صدقوا ~~عهدهم {عن صدقهم} أي: عما قالوه لقومهم تبكيتا للكافرين بهم، وقيل: ليسأل ~~المصدقين للأنبياء عن تصديقهم؛ لأن من قال للصادق: صدقت كان صادقا في قوله، ~~وقيل: ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم، وقيل: ليسأل الصادقين ~~بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم وقوله تعالى: {وأعد للكافرين عذابا أليما} أي: ~~مؤلما معطوف على أخذنا من النبيين؛ لأن المعنى: أن الله تعالى أكد على ~~الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين، وأعد للكافرين عذابا أليما، ~~ويجوز أن يعطف على ما دل عليه ليسأل الصادقين، كأنه قال: أثاب المؤمنين ~~وأعد للكافرين، وقيل: إنه قد حذف من الثاني ما أثبت مقابله في الأول، ومن ~~الأول ما أثبت مقابله في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ~~ويسأل الكافرين عما كذبوا به رسلهم وأعد لهم عذابا أليما. # ثم حقق الله تعالى ما سبق لهم من الأمر بتقوى الله تعالى بحيث لا يبقى ~~معه الخوف من أحد بقوله تعالى: # {يا أيها الذين ms2578 آمنوا اذكروا} ورغبهم في الشكر بذكر الإحسان والتصريح ~~بالاسم الأعظم بقوله تعالى: {نعمة الله} أي: الملك الأعلى الذي لا كفء له ~~{عليكم} أي: لتشكروه عليها بالنفوذ، لأمره وعبر بالنعمة؛ لأنها المقصودة ~~بالذات، والمراد إنعامه يوم الأحزاب وهو يوم الخندق، ثم ذكر وقت تلك النعمة ~~زيادة في تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها بقوله تعالى: {إذ} أي: حين ~~{جاءتكم جنود} أي: الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير، وقرأ نافع ~~وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام {فأرسلنا} أي: تسبب ~~عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم أرسلنا {عليهم ريحا} وهي ~~ريح الصبا قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: # انطلقي بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV03P223 # فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل فكانت الريح التي أرسلت لهم الصبا ~~لما روى ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت ~~بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» لأن الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون إلا ~~زال حزنه {وجنودا} أي: وأرسلنا جنودا من الملائكة {لم تروها} وكانوا ألفا ~~ولم تقاتل يومئذ، فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحا باردة فقلعت الأوتاد، ~~وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها ~~على بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا ~~بني فلان هلم إلي، وإذا اجتمعوا عنده قالوا: النجاء النجاء فانهزموا من غير ~~قتال لما بعث الله تعالى عليهم من الرعب {وكان الله} أي: الذي له جميع صفات ~~الجلال والجمال {بما يعملون} أي: الأحزاب من التحزب والتجمع والمكر وغير ~~ذلك {بصيرا} أي: بالغ الإبصار والعلم. # تنبيه: قال البخاري: قال موسى بن عقبة: كانت غزوة الخندق وهي الأحزاب في ~~شوال سنة أربع، روى محمد بن إسحاق عن مشايخه قال: دخل حديث بعضهم في بعض أن ~~نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع ~~بن أبي الحقيق وهودة بن قيس، وأبو عمار الوائلي في ms2579 نفر من بني النضير، ونفر ~~من بني وائل وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر ~~يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد فديننا ~~خير أم دينه؟ قالوا: دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين قال ~~الله تعالى فيهم: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت} (النساء: 51) # إلى قوله تعالى: {وكفى بجهنم سعيرا} (النساء، 55) # فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأجمعوا على ذلك، ثم خرج أولئك النفر من اليهود ~~حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن ~~قريشا قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب، ~~وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبما جمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، وكان الذي أشار به ~~على النبي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي رضي الله عنه وكان أول مشهد ~~شهده سلمان رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر فقال: ~~يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فعمل فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى أكملوه وأحكموه، قال أنس رضي الله عنه: ~~«خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون في غداة ~~باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجزع ~~قال: # *اللهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة* # فقالوا مجيبين له: # *نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا* # PageV03P224 # قال البراء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق ~~حتى أغبر بطنه وهو يقول: ms2580 # «والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ~~وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ~~ورفع بها صوت أبينا أبينا» فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الخندق أقبلت قريش في عشرة آلاف من الأحابيش، وبني كنانة وأهل تهامة ~~وقائدهم أبو سفيان حتى نزلت بمجمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة، ~~وأقبلت غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن ~~الطفيل من هوازن، وانضافت لهم اليهود من قريظة والنضير حتى نزلوا إلى جانب ~~أحد. # وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع ~~في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر ~~بالذراري والنساء فرفعوا إلى الآطام، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب ~~بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، وكان بنو غطفان من أعلى الوادي من قبل ~~المشرق، وقريش من أسفل الوادي من قبل المغرب كما قال تعالى: # {إذ جاؤكم} وهو بدل من إذ جاءتكم {من فوقكم} أي: من أعلى الوادي {ومن ~~أسفل منكم} أي: من أسفل الوادي {وإذ} أي: واذكر حين {زاغت الأبصار} أي: ~~مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل لهم من الغفلة الحاصلة من ~~الرعب، وقوله تعالى: {وبلغت القلوب الحناجر} جمع حنجرة وهي منتهى الحلقوم ~~كناية عن شدة الرعب والخفقان. قال البقاعي: ويجوز وهو الأقرب أن يكون ذلك ~~حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر، ولهذا ~~يقال للجبان انتفخ سحره أي: رئته، فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عمرو وهما قائدا ~~غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع ~~الشهادة، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد ms2581 بن ~~عبادة واستشارهما فيه فقالا: يا رسول الله أشيء أنزل الله تعالى به لابد ~~لنا من عمل به أم أمر تحبه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا، قال: لا والله بل لكم، ~~والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد، وكالبوكم من ~~كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد ~~كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه ~~وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله ~~تعالى بالإسلام وأعزنا الله تعالى بك نعطيهم أموالنا، # ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا ~~وبينهم، فقال صلى الله عليه وسلم أنت وذلك، فتناول سعد رضي الله تعالى عنه ~~الصحيفة فمحا ما فيها من الكتابة ثم قال: ليجهدوا علينا. # فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدوهم محاصرهم ولم يكن بينهم قتال ~~إلا فوارس من قريش، عمرو بن عبد ود أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي ~~جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن # PageV03P225 # الخطاب، ومرداس أخو محارب بن فهر، قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ~~ومروا على بني كنانة فقالوا: تهيؤوا للحرب يا بني كنانة فستعلمون اليوم من ~~الفرسان، ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا عليه، فلما رأوه قالوا: والله إن ~~هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا ~~خيولهم فاقتحمت فيه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع. # وخرج علي رضي الله تعالى عنه في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة ~~التي اقتحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود ~~قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا، فلما كان يوم الخندق خرج ~~معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال له علي: يا عمرو إنك كنت تعاهد ~~الله تعالى لا يدعوك رجل من ms2582 قريش إلى خصلتين إلا أخذت منه إحداهما، قال له: ~~أجل قال له علي: فإني أدعوك إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وإلى الإسلام قال: لا حاجة لي بذلك قال: فإني أدعوك إلى البراز قال: ولم يا ~~ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك. # قال علي: ولكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه ~~فنقره أو ضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي، وخرجت خيله ~~مهزومة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان ~~أصابه سهم فمات بمكة، ونوفل بن عبد الله المخزومي وكان اقتحم الخندق فتورط ~~فيه فرموه بالحجارة فقال: يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه، فنزل إليه علي ~~رضي الله تعالى عنه فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة ~~لنا في جسده وثمنه فشأنكم به فخلى بينهم وبينه. # ولما نشأ عن هذا تقلب القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب، عبر بالمضارع ~~الدال على دوام التجدد بقوله تعالى: {وتظنون بالله} الذي له صفات الكمال ~~{الظنونا} أي: أنواع الظن، فظن المخلصون الثبت القلوب أن الله تعالى منجز ~~وعده في إعلاء دينه، أو ممتحنهم، فخافوا الزلل، وروي أن المسلمين قالوا: ~~بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله؟ فقال صلى الله عليه وسلم «قولوا ~~اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا» وأما الضعاف القلوب والمنافقون فقالوا: ~~ما حكى الله عنهم فيما سيأتي، وقرأ نافع وابن عامر الظنونا هنا والرسولا ~~والسبيلا في آخر السورة بإثبات الألف في الثلاثة وقفا ووصولا، وأبو عمرو ~~وحمزة بحذف الألف وقفا ووصلا قال الزمخشري: وهو القياس والباقون بالألف في ~~الوقف دون الوصل زادوها في الفاصلة كما زادوها في القافية قال: # *أقلي اللوم عاذل والعتابا* # ورسم الثلاثة بالألف ولما كانت الشدة في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما ~~عنده إلا الهلاك أو النصرة قال تعالى: # {هنالك} أي: في ذلك الوقت ms2583 العظيم البعيد الرتبة {ابتلي المؤمنون} اختبروا ~~فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل {زلزلوا} أي: حركوا وأزعجوا ~~بما يرون من الأهوال بتظافر الأعداء مع الكثرة وتطاير الأراجيف {زلزلا ~~شديدا} فثبتوا تثبيت الله تعالى لهم على عدوهم، وعن صفية قالت: مر بنا رجل ~~من اليهود فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم من يدفع عنا، ورسول الله # PageV03P226 # صلى الله عليه وسلم وأصحابه في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا ~~عنهم إذا أتانا آت قالت: فقلت يا حسان إن هذا اليهودي يطوف بنا كما ترى ~~بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من ورائنا من يهود، وقد شغل ~~عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله فقال: يغفر ~~الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. # قالت: فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من ~~الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت ~~يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل قال: ما لي ~~بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب» وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن ~~أسفل منهم. # ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن ~~استطعت فإنما الحرب خدعة، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى قريظة وكان لهم نديما ~~في الجاهلية فقال لهم: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني ~~وبينكم قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم: إن قريشا وغطفان جاؤوا لحرب ~~محمد وقد ms2584 ظاهرتموهم عليه، وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم وبه ~~أموالكم وأولادكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن ~~قريشا وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره إن رأو نهزة وغنيمة أصابوها، ~~وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا ~~طاقة لكم به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من ~~أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا صلى الله عليه ~~وسلم حين تناجزوه. # قالوا: لقد أشرت برأي ونصح، ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ~~ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر ~~رأيته أن حقا علي أن أبلغكم نصحا لكم فاكتموا علي قالوا: نفعل قال: تعلموا ~~أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن ~~قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان ~~رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم ~~فأرسل إليهم أن نعم، فإن بعثت إليكم اليهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا ~~تدفعوا إليهم رجلا واحدا. # ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان أنتم أهلي وعشيرتي وأحب الناس ~~إلي ولا أراكم تتهموني، قالوا صدقت قال فاكتموا علي قالوا: نفعل، ثم قال ~~لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم مثل ما حذرهم فلما كانت ليلة السبت في شوال ~~سنة خمس، وكان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أرسل أبو سفيان ~~ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا: ~~إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت وهو ~~يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف # PageV03P227 # عليكم، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم ms2585 حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون ~~بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا صلى الله عليه وسلم فإنا نخشى إن ضرمتكم ~~الحرب واشتدت عليكم أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا ~~طاقة لنا بذلك من محمد صلى الله عليه وسلم # فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: تعلمن ~~والله أن الذي حدثكم به نعيم ابن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة أنا ~~والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا ~~فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم ~~نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، ~~وإن يكن غير ذلك استمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم، ~~فأرسلوا إلى قريش وغطفان أنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فأبوا ~~عليهم. وخذل الله تعالى بينهم وبعث الله تعالى عليهم الريح في ليال شاتية ~~شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم، فلما انتهى إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم قال: من يقوم فيذهب إلى هؤلاء القوم ~~فيأتينا بخبرهم أدخله الله تعالى الجنة؟. # قال حذيفة: فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله فأسكت القوم وما قام منا رجل، ثم صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: ألا من رجل ~~يقوم فينظر لنا ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من ~~شدة الخوف وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا حذيفة فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقلت: لبيك يا رسول الله ~~وقمت حتى أتيته وإن جنبي يضطربان، فمسح رأسي ووجهي ثم قال: ائت هؤلاء القوم ~~حتى تأتيني بخبرهم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع إلي، ثم قال: اللهم احفظه من ~~بين ms2586 يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، فأخذت سهمي ~~وشددت علي أسلابي، ثم انطلقت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمام، فذهبت فدخلت في ~~القوم وقد أرسل الله عليهم ريحا، وجنود الله تعالى تفعل فيهم ما تفعل وأبو ~~سفيان قاعد يصطلي فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي فأردت أن أرميه ولو رميته ~~لأصبته فذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تحدثن شيئا حتى ترجع، فرددت ~~سهمي في كنانتي، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله تعالى بهم لا ~~تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء قام فقال: يا معشر قريش ليأخذن كل منكم بيد ~~جليسه فلينظر من هو، فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت قال: سبحان الله أما ~~تعرفني أنا فلان فإذا رجل من هوازن فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ~~ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفنا بنو قريظة وبلغنا عنهم ~~الذي نكره، وبلغنا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى ~~جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو ~~قائم. # وسمعت غطفان بما فعلت قريش فاستمروا راجعين إلى بلادهم قال: فرجعت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أمشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي فلما ~~أخبرته الخبر ضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل قال: فلما أخبرته وفرغت ~~قررت وذهب عني الدفء، فأدناني النبي صلى # PageV03P228 # الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه وألقى علي طرف ثوبه، وألصق صدري ببطن ~~قدميه فلم أزل نائما حتى أصبحت فقال: قم يا نومان. # ثم إن الله تعالى بين حال غير الثابتين بقوله تعالى: # {وإذ يقول المنافقون} معتب بن قشير وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه ~~{والذين في قلوبهم مرض} أي: ضعف اعتقاد {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} ~~أي: باطلا استدرجنا به إلى الانسلاخ عما كنا عليه من دين آبائنا، وإلى ~~الثبات على ما صرنا إليه بعد ذلك الانسلاخ بما ms2587 وعدنا به من ظهور هذا الدين ~~على الدين كله والتمكين في البلاد حتى حفر الخندق، فإنه قال: إنه أبصر بما ~~برق له من ضوء صخرة سلمان مدينة صنعاء من اليمن وقصور كسرى من الحيرة من ~~أرض فارس، وقصور الشام من أرض الروم، وإن تابعيه ليظهرون على ذلك كله، وقد ~~صدق الله وعده في جميع ذلك حتى في لبس سراقة بن مالك بن جعثم سوار كسرى بن ~~هرمز كما هو مذكور في دلائل النبوة للبيهقي، وكذبوا في شكهم ففاز المصدقون ~~وخاب الذين هم في ريبهم يترددون. # {وإذ قالت طائفة منهم} أي: من المنافقين وهم أوس بن قبطي وأصحابه {يا أهل ~~يثرب} أي: المدينة وقال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض ومدينة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى أن تسمى المدينة يثرب، وقال: هي طابة كأنه كره تلك اللفظة فعدلوا عن ~~هذا الاسم الذي وسمها به النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسم الذي كانت ~~تدعى به قديما مع نهيه عنه، واحتمال قبحه باشتقاقه من الثرب الذي هو اللوم ~~والتعنيف، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة وقيل: اسم البقعة التي فيها ~~المدينة. وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو العلمية والتأنيث، وأما يثرب ~~بالمثناة وفتح الراء فموضع آخر باليمن قال الشاعر: # *وعدت وكان الخلف منك سجية ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب* # وقال آخر: # *وقد وعدتك موعدا لو وفت به ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب* # وقرأ {لا مقام} حفص بضم الميم أي: لا إقامة {لكم} في مكان القتال ومصارعة ~~الأبطال، والباقون بفتحها أي: لا مكان لكم تنزلون وتقيمون فيه {فارجعوا} ~~إلى منازلكم عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: عن القتال إلى ~~منازلكم. # ولما بين تعالى هؤلاء الذين هتكوا الستر وبينوا ما هم فيه من سفول الأمر ~~أتبعهم آخرين تستروا ببعض الستر متمسكين بأذيال النفاق خوفا من أهوال ~~الشقاق بقوله تعالى: {ويستأذن} أي: يجدد كل وقت طلب الإذن لأجل الرجوع إلى ~~البيوت والكون مع ms2588 النساء {فريق منهم} أي: طائفة شأنها الفرقة {النبي} في ~~الرجوع، وقد رأوا ما حواه من علو المقدار بما له من حسن الخلق والخلق وما ~~له من جلالة الشمائل وكرم الخصائل، وهم بنو حارثة وبنو سلمة {يقولون} أي: ~~في كل قليل مؤكدين لعلمهم بكذبهم وتكذيب المؤمنين قولهم {إن بيوتنا} أتوا ~~بجمع الكثرة إشارة إلى كثرة أصحابهم من المنافقين {عورة} أي: غير حصينة بها ~~خلل كبير يمكن كل من أراد من الأحزاب أن يدخلها يدخلها منه، وقيل قصيرة ~~الجدران فإذا ذهبنا إليها حفظناها منهم وكفينا من يأتي إلينا من مفسديهم ~~حماية للدين # PageV03P229 # وذبا عن الأهلين، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء والباقون بالكسر، ثم ~~أكذبهم الله تعالى بقوله تعالى: {وما} أي: والحال أنها ما {هي بعورة} في ~~ذلك الوقت الذي قالوا هذا فيه ولا يريدون بذهابهم حمايتها {إن} أي: ما ~~{يريدون} باستئذانهم {إلا فرارا} من القتال. # ولما كانت عنايتهم مشتدة بملازمة دورهم، فأظهروا اشتداد العناية بحمايتها ~~زورا بين تعالى ذلك بقوله تعالى: # {ولو دخلت} أي: بيوتهم أو المدينة، وأنث الفعل نصا على المراد وإشارة إلى ~~أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف، وأتى بأداة الاستعلاء بقوله تعالى: {عليهم} ~~إشارة إلى أنه دخول غلبة {من أقطارها} أي: جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم ~~مكان للهرب، وحذف الفاعل للإيماء بأن دخول هؤلاء الأحزاب ودخول غيرهم من ~~العساكر سيان في اقتضاء الحكم المرتب عليه {ثم سئلوا} من أي سائل كان ~~{الفتنة} أي: الشرك ومقاتلة المسلمين وقرأ {لأتوها} نافع وابن كثير بقصر ~~الهمزة لجاؤها أو فعلوها، والباقون بالمد أي: لأعطوها إجابة لسؤال من سألهم ~~{وما تلبثوا بها} أي: ما احتبسوا عن الفتنة {إلا يسيرا} أي: لأسرعوا إلى ~~الإجابة للشرك طيبة بها نفوسهم، فعلم بذلك أنهم لا يقصدون إلا الفرار لا ~~حفظ البيوت من المضار، وهذا قول أكثر المفسرين. # وقال الحسن: المراد بالفتنة الخروج من البيوت سمى بذلك لأن الإنسان لا ~~يخرجه من بيته إلا الموت أو ما هو يقاربه، فكأنه فتنة، وعلى هذا يكون ~~الضمير في ms2589 بها راجعا للبيوت أو المدينة أي: ما لبثوا بالبيوت أو بالمدينة ~~بعد إعطاء الكفر إلا يسيرا حتى هلكوا. # {ولقد كانوا} أي: هؤلاء الذين أسرعوا الإجابة إلى الفرار {عاهدوا الله} ~~الذي لا أجل منه {من قبل} أي: من قبل غزوة الخندق {لا يولون الأدبار} أي: ~~لا ينهزمون، وقال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع ~~بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله تعالى أن لا يعودوا لمثلها، ~~وقال قتادة: هم أناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر فرأوا ما أعطى الله تعالى ~~أهل بدر من الكرامة والفضيلة قالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، فساق ~~الله تعالى إليهم ذلك، وقال مقاتل والكلبي: هم سبعون رجلا بايعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وقالوا: اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ~~وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: ~~وإذا فعلنا ذلك فما لنا يا رسول الله قال: لكم النصر في الدنيا، والجنة في ~~الآخرة قالوا: قد فعلنا، فذلك عهدهم، قال البغوي: وهذا القول، ليس بمرضي ~~لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين نفرا ليس فيهم شاك ولا من يقول ~~مثل هذا القول، وإنما الآية في قوم عاهدوا الله تعالى أن يقاتلوا ولا يفروا ~~فنقضوا العهد. انتهى. # ولما كان الإنسان قد يتهاون بالعهد لإعراض المعاهد عنه قال تعالى: {وكان ~~عهد الله} المحيط بصفات الكمال {مسؤولا} أي: عن الوفاء به، ثم أمر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {قل} أي: لهم وأكد لظنهم نفع الفرار {لن ينفعكم الفرار} في تأخير آجالكم ~~في وقت من الأوقات الذي ما كان استئذانكم إلا بسببه {إن فررتم من الموت أو ~~القتل} أي: الذي كتب لكم لأن الأجل إن كان قد حضر لم يتأخر بالفرار، وإلا ~~لم يقصره الثبات كما كان علي رضي الله # PageV03P230 # تعالى عنه يقول: دهم الأمر وتوقد الجمر ms2590 واشتد من الحرب الحر أي: يومي من ~~الموت أفر يوم لا يقدر، أو يوم قدر، وذلك أن أجل الله الذي جعله محيطا ~~بالإنسان لا يقدر أن يتعداه أصلا {وإذا} أي: إن فررتم {لا تمتعون} في ~~الدنيا بعد فراركم {إلا قليلا} أي: مدة آجالكم وهي قليل فالعاقل لا يرغب في ~~شيء قليل يفوت عليه شيئا كثيرا. # ولما كان ربما يقولون بل ينفعنا لأنا طالما رأينا من هرب فسلم ومن ثبت ~~فاصطلم، أمره الله تعالى بالجواب عن هذا بقوله تعالى: # {قل} أي: لهم منكرا عليهم {من ذا الذي يعصمكم} أي: يجيركم ويمنعكم {من ~~الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلما في حال الفرار وقبله وبعده {إن أراد بكم ~~سوءا} أي: هلاكا أو هزيمة فيرد ذلك عنكم {أو} يصيبكم بسوء إن {أراد} أي: ~~الله {بكم رحمة} أي: خيرا أسماه بها لأنه أثرها، والمعنى: هل احترزتم في ~~جميع أعماركم عن سوء أراده فنفعكم الاحتراز أو اجتهد غيره في منعكم رحمة ~~منه، فتم له أمره أو أوقع الله بكم شيئا من ذلك فقدر أحد مع بذل الجهد على ~~كشفه بدون إذنه، ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك ذكر السوء أولا دليلا على ~~حذف ضده ثانيا. وذكر الرحمة ثانيا دليلا على حذف ضدها أولا. وهذا بيان ~~لقوله تعالى: {لن ينفعكم الفرار} وقوله تعالى: {ولا يجدون لهم} أي: في وقت ~~من الأوقات {من دون الله} أي: غيره {وليا} أي: يواليهم فينفعهم بنوع نفع ~~{ولا نصيرا} أي: ينصرهم من أمره فيرد ما أراده بهم من السوء عنهم تقرير ~~لقوله تعالى: {من ذا الذي يعصمكم} من الله الآية. # ولما أخبرهم تعالى بما علم مما أوقعوه من أسرارهم وأمره صلى الله عليه ~~وسلم بوعظهم، حذرهم بدوام عمله بمن يخون منهم بقوله تعالى: # {قد يعلم الله} الذي له إحاطة الجلال والجمال {المعوقين منكم} أي: ~~المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون {والقائلين ~~لإخوانهم} أي: ساكني المدينة {هلم} أي: ائتوا وأقبلوا {إلينا} موهمين أن ~~ناحيتهم مما يقام فيها القتال ويواظب ms2591 فيها على صالح الأعمال قال قتادة: ~~هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يثبطون أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويقولون لإخوانهم ما محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو ~~كانوا لحما لا التقمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا الرجل فإنه هالك، وقال ~~مقاتل: نزلت في المنافقين وذلك أن اليهود أرسلت إلى المنافقين وقالوا ما ~~الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم ~~في هذه المرة لم يستبقوا منكم أحدا، فأنا أشفق عليكم، أنتم إخواننا ~~وجيراننا فهلم إلينا، فأقبل عبد الله بن أبي وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ~~ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه وقالوا: ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو ~~إلا أن يقتلنا هنا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزداد المؤمنون ~~بقول المنافقين إلا إيمانا واحتسابا. # تنبيه: هلم اسم صوت سمي به فعل متعد مثل احضر وقرب، وأهل الحجاز يسوون ~~فيه بين الواحد والجماعة، وبلغتهم جاء القرآن العزيز، وأما بنو تميم فتقول: ~~هلم يا رجل هلما يا رجلان هلموا يا رجال {ولا} أي: والحال أنهم لا {يأتون ~~البأس} أي: الحرب أو مكانها {إلا قليلا} أي: للرياء والسمعة بقدر ما يراهم ~~المخلصون، فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما إليه تسللوا عنه لواذا ~~وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق عياذا. # {أشحة} أي: يفعلون ما تقدم، والحال أن كلا منهم شحيح {عليكم} أي: بحصول # PageV03P231 # نفع منهم أو من غيرهم نفس أو مال. # تنبيه: أشحة جمع شحيح وهو جمع لا يقاس، إذ قياس فعيل الوصف الذي عينه ~~ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو: خليل وأخلاء، وضنين وأضناء، وقد ~~سمع أشحاء وهو القياس والشح البخل، وصفهم الله تعالى بالبخل ثم بالجبن. ~~قوله تعالى {فإذا جاء الخوف} أي: بمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها {رأيتهم} ~~أي: أيها المخاطب. وقوله تعالى: {ينظرون} في محل حال من مفعول رأيتهم لأن ~~الرؤية بصرية، وبين بعدهم حسا ومعنى بحرف الغاية بقوله تعالى: {إليك} أي: ~~حال كونهم ms2592 {تدور} فهي إما حال ثانية، وإما حال من ينظرون يمينا وشمالا ~~بإدارة الطرف {أعينهم} أي: زائغا رعبا ثم شبهها في سرعة تقلبها لغير قصد ~~صحيح بقوله تعالى: {كالذي} أي: كدوران عين الذي {يغشى عليه} مبتدأ غشيانه ~~{من الموت} أي: من معالجة سكراته خوفا ولواذا بك، وذلك لأن قرب الموت وغشية ~~أسبابه تذهب عقله وتشخص بصره فلا يطرف {فإذا ذهب الخوف} وحيزت الغنائم ~~{سلقوكم} أي: تناولوكم تناولا صعبا بأنواع الأذى ناسين ما وقع منهم عن قرب ~~من الجبن والخور، وأصل السلق البسط بقهر اليد أو اللسان، ومنه سلق امرأته ~~أي: بسطها وجامعها قال القائل: # فقد هيء لنا المضجع فإن شئت سلقناك وإن شئت على أربع، والسليقة: الطبيعة ~~المباينة، والسليق: المطمئن من الأرض {بألسنة حداد} ذربة قاطعة فصيحة بعد ~~أن كانت عند الخوف في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس ~~الشفاه، وهذا لطلب العرض الفاني من الغنيمة وغيرها. يقال للخطيب الذرب ~~اللسان: الفصيح مسلق، وقال ابن عباس سلقوكم أي: عضهوكم وتناولوكم بالنقص ~~والغيبة وقال قتادة: بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، ويقولون أعطونا ~~فإنا شهدنا معكم القتال ولستم بأحق بالغنيمة منا، ثم بين المراد بقوله ~~تعالى: {أشحة} أي: شحا مستعليا {على الخير} أي: المال الذي عندهم وفي ~~اعتقادهم أنه لا خير غيره لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء ~~منه فهم عند الغنيمة أشح قوم وعند البأس أجبن قوم. # ولما وصفهم تعالى بهذه الصفات الدنيئة أخبر تعالى أن أساسها الذي نشأت ~~عنه عدم الوثوق بالله تعالى لعدم الإيمان فقال: {أولئك} أي: البعداء ~~البغضاء {لم يؤمنوا} أي: لم يوجد منهم إيمان بقلوبهم وإن أقرت به ألسنتهم ~~{فأحبط الله} أي: بجلاله وتفرده في كبريائه وكماله {أعمالهم} التي كانوا ~~يأتونها مع المسلمين أي: فأظهر بطلانها، وإذا لم تثبت لهم الأعمال فتبطل، ~~وقال قتادة: أبطل الله تعالى جهادهم {وكان ذلك} أي: الإحباط {على الله} بما ~~له من صفات العظمة {يسيرا} أي: هينا لتعلق الإرادة به وعدم ما يمنعه. وقوله ms2593 ~~تعالى: # {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} يجوز أن يكون مستأنفا أي: هم من الخوف بحيث ~~أنهم لا يصدقون أن الأحزاب قد ذهبوا عنهم، ويجوز أن يكون حالا من أحد ~~الضمائر المتقدمة إذا صح المعنى بذلك ولو بعد العامل. قاله أبو البقاء. # والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يحسبون الأحزاب يعني قريشا وغطفان واليهود ~~ولم يتفرقوا عن قتالهم من غاية الجبن عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا ~~يقاتلون كقوله تعالى {ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا} (الأحزاب: 20) # وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين # PageV03P232 # والباقون بالكسر {وإن يأت الأحزاب} بعدما ذهبوا كرة أخرى {يودوا} أي: ~~يتمنوا {لو أنهم بادون في الأعراب} أي: كائنون في البادية بين الأعراب ~~الذين هم عندهم في محل نقص وممن تكره مخالطته، ثم ذكر حال فاعل بادون بقوله ~~تعالى: {يسألون} كل وقت {عن أنبائكم} أي: أخباركم العظيمة مع الكفار وما آل ~~إليه أمركم جريا على ما هم عليه من النفاق ليبقوا لهم عندكم وجها، كأنهم ~~مهتمون بكم يظهرون بذلك تحرقا على غيبتهم عن هذه الحرب {ولو} أي: والحال ~~أنهم لو {كانوا} هؤلاء المنافقون {فيكم} هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة، ~~وكان قتال {ما قاتلوا} معكم {إلا قليلا} نفاقا كما فعلوا قبل ذهاب الأحزاب ~~من حضورهم معكم تارة واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى. # ولما أخبر تعالى عنهم بهذه الأحوال التي هي غاية في الدناءة أقبل عليهم ~~إقبالا يدلهم على تناهي الغضب بقوله تعالى: مؤكدا محققا لأجل إنكارهم: # {لقد كان لكم} أيها الناس كافة الذين المنافقون في غمارهم {في رسول الله} ~~الذي جلاله من جلاله وكماله من كماله {أسوة} أي: قدوة {حسنة} أي: صالحة وهو ~~المؤتسى به أي: المقتدى به، كما تقول في البيضة: عشرون منا حديدا أي: هي في ~~نفسها هذا المبلغ من الحديد، أو أن فيه خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها، ~~كالثبات في الحرب ومقاسات الشدائد إذ كسر رباعيته وجرح وجهه وقتل عمه، ~~وأوذي بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك واستسنوا ~~بسنته. # تنبيه: ms2594 الأسوة اسم وضع موضع المصدر وهو الائتساء، فالأسوة من الائتساء ~~كالقدوة من الاقتداء وائتسى فلان بفلان أي: اقتدى به، وقرأ عاصم بضم الهمزة ~~والباقون بكسرها وهما لغتان: كالعدوة والعدوة، والقدوة والقدوة وقوله ~~تعالى: {لمن كان} أي: كونا كائنه جبلة له {يرجو الله} أي: في جبلته أنه ~~يجدد الرجاء مشمرا للذي لا عظيم في الحقيقة سواه، فيؤمل إسعاده ويخشى ~~إبعاده. تخصيص بعد التعميم للمؤمنين أي: أن الأسوة برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لمن كان يرجو الله. قال ابن عباس: يرجو ثواب الله، وقال مقاتل: ~~يخشى الله {واليوم الآخر} أي: يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال {وذكر ~~الله} أي: الذي له صفات الكمال وقيده بقوله تعالى: {كثيرا} تحقيقا لما ذكر ~~في معنى الرجاء الذي به الفلاح أو أن المراد به الدائم في حال السراء ~~والضراء. # ولما بين تعالى حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب بقوله ~~تعالى: # {ولما رأى المؤمنون} أي: الكاملون في الإيمان {الأحزاب} أي: الذين أدهشت ~~رؤيتهم القلوب {قالوا} أي: مع ما حصل لهم من الزلزال وتعاظم الأهوال {هذا} ~~أي: الذي نراه من الهول {ما وعدنا الله} أي: الذي له الأمر كله من تصديق ~~دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان {ورسوله} المبلغ بنحو قوله تعالى: {أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} (البقرة: 214) # {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} (آل عمران: ~~142) # {أحسب الناس أن يتركوا} (العنكبوت: 2) # وأمثال ذلك. ثم قالوا في مقابلة قول المنافقين: ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا {وصدق الله} أي: الذي له صفات الكمال {ورسوله} أي: الذي كماله من ~~كماله أي: ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما وعدا به من السراء والضراء ~~كما رأينا، وهما صادقان فيما غاب عنا مما # PageV03P233 # وعدا به من نصر وغيره، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما. قال بعض ~~المفسرين: ولو أعيدا مضمرين لجمع بين الباري تعالى واسم رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فكان يقال: وصدقا، وقد رد صلى الله عليه ms2595 وسلم على من جمعهما ~~بقوله: {من يطع الله ورسوله} فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وأنكر عليه ~~بقوله: بئس خطيب القوم أنت. قل: {ومن يعص الله ورسوله} قصدا إلى تعظيم الله ~~تعالى. وقيل: إنما رد عليه لأنه وقف على يعصهما، واستشكل بعضهم الأول ~~بقوله: «حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» فقد جمع بينهما في ضمير ~~واحد؟ وأجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم أعرف بقدر الله تعالى منا فليس لنا ~~أن نقول كما يقول وقد يقال: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ~~فالله جل وعلا أولى، وحينئذ فالقائل بأنه إنما رد عليه لأنه وقف على يعصهما ~~أولى. # ولما كان هذا قولا يمكن أن يكون لسانيا فقط كقول المنافقين أكده لظن ~~المنافقين ذلك بقوله تعالى: شاهدا لهم {وما زادهم} أي: ما رأوه من أمرهم أو ~~الرعب {إلا إيمانا} بالله ورسوله {وتسليما} بجميع جوارحهم في جميع القضاء ~~والقدر، ثم وصف الله تعالى بعض المؤمنين بقوله تعالى: # أي: المذكورين سابقا وغيرهم {رجال} أي: في غاية العظمة عندنا ثم وصفهم ~~بقوله تعالى: {صدقوا ما عاهدوا الله} المحيط علما وقدرة {عليه} أي: أقاموا ~~بما عاهدوا الله عليه ووفوا به {فمنهم من قضى نحبه} أي: نذره بأن قاتل حتى ~~استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر. والنحب: النذر استعير للموت ~~لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان وقيل: النحب الموت أيضا. قال قتادة: قضى ~~نحبه أي: أجله. وقيل: قضى نحبه أي: بذل جهده في الوفاء بالعهد من قول العرب ~~نحب فلان في سيره يومه وليلته أي: اجتهد، وقيل قضى نحبه قتل يوم بدر أو يوم ~~أحد. # روي أن أنسا قال: «غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله ~~غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ~~ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما ~~صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ms2596 ثم تقدم ~~واستقبله سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو إلى أين فقال: واها لريح الجنة ~~أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل. قال أنس بن مالك: فوجدنا في جسده بضعا ~~وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح أو رمية بسهم فوجدناه قد قتل، وقد مثل ~~به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه ~~الآية نزلت فيه وفي أشباهه» . # {ومنهم} أي: الصادقين {من ينتظر} أي: السعادة كعثمان وطلحة {وما بدلوا} ~~أي: العهد ولا غيروه {تبديلا} أي: شيئا من التبديل. روي أن ممن لم يقتل في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم ~~بالجنة ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وفعل ما لم يفعله ~~غيره لزم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفارقه وذب عنه ووقاه بيده حتى شلت ~~إصبعه قال إسماعيل بن قيس: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم أحد، وعن معاوية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «طلحة ممن ~~قضى نحبه» ، وعن طلحة لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد صعد المنبر ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ: {رجال # PageV03P234 # صدقوا وما عاهدوا الله عليه} الآية كلها فقام إليه رجل فقال: يا رسول ~~الله من هؤلاء فقال: «أيها السائل هذا منهم» ، وعنه أيضا: أن أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ كانوا لا ~~يجترؤن على مسألته يهابونه ويوقرونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله ~~فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني طلعت من باب المسجد فقال: أين السائل ~~عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابي: أنا فقال: «هذا ممن قضى نحبه» ، وهذا يقوي ~~القول بأن المراد بالنحب بذل الجهد في الوفاء بالعهد، وعن خباب بن الأرت ~~قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله ~~فوجب أجرنا على الله، فمنا من ms2597 مضى لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير ~~قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه ~~خرجت رجلاه منها، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه منها فقال صلى الله عليه ~~وسلم «ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الأذخر» قال: ومنا من أينعت ~~له ثمرته فهو يهديها أينعت أي: أدركت ونضجت له ثمرتها ويهديها أي: يجنيها، ~~وهذا كناية عما فتح الله تعالى لهم من الدنيا وعن زيد بن ثابت قال: # «لما نسخنا المصحف من المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت ~~الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين من ~~المؤمنين {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} فألحقتها في سورتها في المصحف» ~~. # {ليجزي الله} أي: الذي يريد إظهار جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ~~ظهورا تاما {الصادقين} أي: في الوفاء بالعهد وادعاء أنهم آمنوا به {بصدقهم} ~~أي: فيعلي أمرهم وينعمهم في الآخرة فالصدق سبب وإن كان فضلا منه لأنه ~~الموفق له. # تنبيه: في لام ليجزي وجهان: أحدهما: أنها لام العلة، والثاني: أنها لام ~~الصيرورة وفيما تتعلق به أوجه: إما بصدقوا، وإما بما زادهم، وإما بما ~~بدلوا، وعلى هذا جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوا بتبديلهم ~~كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من ~~الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما {ويعذب ~~المنافقين} أي: الذين أخفوا الكفر وأظهروا الإسلام في الدارين بكذبهم في ~~دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس والمال {إن شاء} بأن يميتهم على نفاقهم ~~{أو يتوب عليهم} إن شاء بأن يهديهم إلى التوبة فيتوبوا فالكل بإرادته. # تنبيه: جواب إن شاء مقدر، وكذا مفعول شاء أي: إن شاء تعذيبهم عذبهم، وقرأ ~~قالون والبزي وأبو عمر بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وسهل ورش ~~وقنبل الثانية وأبدلاها أيضا حرف مد وحققها الباقون وفي ms2598 الابتداء بالثانية ~~الجميع بالتحقيق. # ولما كانت توبة المنافقين مستبعدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث ~~سرائرهم قال معللا ذلك كله على وجه التأكيد: {إن الله} أي: بما له من ~~الجلال والجمال {كان} أزلا وأبدا {غفورا} لمن تاب {رحيما} بهم، ثم بين ~~تعالى بعض ما جزاهم الله تعالى بصدقهم بقوله تعالى: # {ورد الله} أي: بما له من صفات الكمال {الذين كفروا} وهم من تحزب من ~~العرب وغيرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم عن المدينة ~~ومضايقة المؤمنين حال كونهم # PageV03P235 # {بغيظهم} أي: متغيظين لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا، بل تفرقوا عن غير ~~طائل حال كونهم {لم ينالوا خيرا} لا من الدين ولا من الدنيا بل ذلا وندامة ~~فهو حال ثانية، أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة {وكفى الله} أي: الذي ~~له العزة والكبرياء {المؤمنين القتال} بما ألقى في قلوبهم من الداعية ~~للانصراف بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم، منهم نعيم بن مسعود لما تقدم ~~من الحيلة التي فعلها. # قال سعيد بن المسيب: لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب، وحتى قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنك إن تشا لا تعبد» ، ~~فبينما هم على ذلك إذ جاء نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمنه الفريقان جميعا ~~فخذل بين الناس فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال فذلك قوله تعالى: {وكفى ~~الله المؤمنين القتال} {وكان الله} أي: الذي له صفات الكمال أزلا وأبدا ~~{قويا} على إحداث ما يريد {عزيزا} غالبا على كل شيء. # ولما أتم الله حال الأحزاب أتبعه حال من عاونوهم بقوله تعالى: # {وأنزل الذين ظاهروهم} أي: عاونوا الأحزاب {من أهل الكتاب} وهم بنو قريظة ~~ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير {من صياصيهم} أي: حصونهم متعلق بأنزل، ~~ومن لابتداء الغاية والصياصي جمع صيصية وهي الحصون والقلاع والمعاقل، ~~ويقال: لكل ما يمتنع به ويتحصن فيه صيصية، ومنه قيل لقرن ms2599 الثور والظبي ~~ولشوكة الديك صيصية، عن سعيد بن جبير قال: كان يوم الخندق بالمدينة فجاء ~~أبو سفيان بن حرب ومن تبعه من قريش، ومن تبعه من كنانة وعيينة بن حصن، ومن ~~تبعه من غطفان وطليحة، ومن تبعه من بني أسد وبنو الأعور، ومن تبعهم من بين ~~سليم وقريظة، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا ذلك ~~وظاهروا المشركين فأنزل الله تعالى فيهم: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب من صياصيهم} . # وكانت غزوة بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وعن موسى بن ~~عقبة أنها في سنة أربع قال العلماء بالسير: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما أصبح في الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم انصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة ووضعوا السلاح ~~فلما كان الظهر أتى جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس والسرج فقال: ما هذا يا جبريل قال: ~~من متابعة قريش فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه ~~الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله ~~تعالى يأمرك بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم، فإن الله دقهم دق البيض ~~على الصفا وإنهم لك طعمة فأذن في الناس أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلي ~~العصر إلا في بني قريظة وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ~~برايته إليهم وابتدرها الناس. # فسار علي حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال: ~~يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخباث قال: أظنك سمعت في منهم ~~أذى قال: نعم يا رسول الله قال لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا، فلما ~~دنا رسول الله صلى الله # PageV03P236 # عليه وسلم ms2600 من حصنهم قال: يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمة ~~قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أصحابه قبل أن يصل إلى بني قريظة قال: هل مر بكم أحد قالوا: مر بنا دحية بن ~~خليفة على بغلة شهباء عليها قطيفة من ديباج قال صلى الله عليه وسلم ذاك ~~«جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف في قلوبهم الرعب» . # ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها ~~فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد صلاة العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر ~~لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة» ~~فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله تعالى بذلك، ولا عنفهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم ~~حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده، فلما أيقنوا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد: ~~يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما نزل، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا ~~فخذوا أيها شئتم قالوا: وما هي قال: نبايع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد ~~تبين أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دياركم ~~وأبنائكم وأموالكم ونسائكم. # قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم ~~هذا فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله ~~بيننا وبين محمد وأصحابه، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا أحدا ولا شيئا ~~نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لتحدث النساء والأبناء قالوا: نقتل هؤلاء ~~المساكين فما خير العيش بعدهم، فإن أبيتم هذه فإن الليلة ليلة السبت فعسى ~~أن يكون محمد وأصحابه قد آمنوا، فانزلوا لعلنا أن ms2601 نصيب منهم غرة قالوا: ~~نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا فتركهم. # قال علماء السير: وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة ~~حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزلون على حكمي؟ ~~فأبوا وكانوا قد طلبوا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمر وبن عوف وكانوا ~~حلفاء الأوس يستشيرونه في أمرهم، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم ~~فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم وأشار بيده إلى ~~حلقه يعني أنه يقتلكم قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى قد عرفت أني ~~خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال: لا أبرح من مكاني ~~حتى يتوب الله تعالى علي مما صنعت، وعاهد الله تعالى لا يطأ بني قريظة أبدا ~~ولا يراني الله تعالى في بلد خنت فيه الله ورسوله. # فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه قال: أما لو ~~جاءني لاستغفرت له، فأما إذ فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب ~~الله عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزلون على حكم سعد بن ~~معاذ فرضوا به فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ~~ونساؤهم، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من ~~فوق سبع أرقعة» ، ثم استنزلهم # PageV03P237 # وخندق في سوق المدينة خندقا وقدمهم فضرب أعناقهم من ثمانمائة إلى تسعمائة ~~وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير {وقذف} أي: الله تعالى {في قلوبهم ~~الرعب} حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي كما قال الله تعالى: ~~{فريقا تقتلون} وهم الرجال يقال: كانوا ستمائة {وتأسرون فريقا} وهم النساء ~~والذراري يقال: كانوا سبعمائة وخمسين، ويقال: تسعمائة.e # فإن قيل: ما ms2602 فائدة تقديم المفعول في الأول حيث قال تعالى: {فريقا تقتلون} ~~وتأخيره في الثاني حيث قال: {وتأسرون فريقا} أجيب: بأن الرازي قال: ما من ~~شيء من القرآن إلا وله فائدة، منها ما يظهر ومنها ما لا يظهر، والذي يظهر ~~من هذا والله أعلم؛ أن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب، والرجال ~~كانوا مشهورين، وكان القتل واردا عليهم، وكان الأسراء هم النساء والذراري ~~ولم يكونوا مشهورين، والسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد ~~أنه أسير فقدم من المحلين ما اشتهر على الفعل القائم به، ومن الفعلين ما هو ~~أشهر قدمه على المحل الخفي انتهى. وقرأ ابن عامر والكسائي الرعب بضم العين ~~والباقون بسكونها. # ولما ذكر الناطق بقسميه ذكر الصامت بقوله تعالى: # {وأورثكم أرضهم} من الحدائق والمزارع {وديارهم} أي: حصونهم لأنه يحامى ~~عليها ما لا يحامى على غيرها {وأموالهم} من النقد والماشية والسلاح والأثاث ~~وغيرها، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم «للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان ~~ولفارسه سهم» ، كما للراجل ممن ليس له فرس سهم. وأخرج منها الخمس وكانت ~~الخيل ستة وثلاثين فرسا، وكان هذا أول فيء وضع فيه السهمان، وجرى على سننه ~~في المغازي واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من سباياهم ريحانة بنت ~~عمرو بن قريظة. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص عليها أن يتزوجها ويضرب عليها ~~الحجاب فقالت: يا رسول الله تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها، ~~وكانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ووجد في نفسه من أمرها، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين ~~خلفه فقال: إن هذا لثعلبة ابن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة، فجاءه فقال: يا ~~رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار ~~فقالت الأنصار في ذلك فقال: إنكم في منازلكم وقال عمر: إنا نخمس كما خمست ~~يوم بدر، قال: لا إنما جعلت هذه طعمة لي ms2603 دون الناس قال: رضينا بما صنع الله ~~ورسوله. # وأنزل الله تعالى توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~في بيت أم سلمة، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقالت: مم تضحك ~~يا رسول الله أضحك الله تعالى سنك فقال: تيب على أبي لبابة فقالت: ألا ~~أبشره بذلك يا رسول الله قال: بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل ~~أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله تعالى عليك، ~~فثار الناس إليه ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجا إلى الصبح أطلقه، ومات سعد ~~بن معاذ بعد انقضاء غزوة بني قريظة. # قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، فو الذي ~~نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي، قالت: ~~وكانوا كما قال # PageV03P238 # الله تعالى {رحماء بينهم} (الفتح: 29) # واختلف في تفسير قوله تعالى {وأرضا} أي: وأورثكم أرضا {لم تطؤها} فعن ~~مقاتل أنها خيبر وعليه أكثر المفسرين، وعن الحسن فارس والروم، وعن قتادة ~~كما تحدث أنها مكة، وعن عكرمة كل أرض تفتح إلى القيامة، ومن بدع التفسير ~~أنه أراد نساءهم انتهى. # ولما كان ذلك أمرا باهرا سهله بقوله تعالى: {وكان الله} أي: أزلا وأبدا ~~بما له من صفات الكمال {على كل شيء} هذا وغيره {قديرا} أي: شامل القدرة، ~~روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا إله إلا الله ~~وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده» ولما أرشد الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جانب ما يتعلق بجانب التعظيم لله تعالى ~~بقوله تعالى: {يا أيها النبي اتق الله} ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة، وبدأ ~~بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدمهن في النفقة فقال: # {يا أيها النبي قل لأزواجك} أي: نسائك {إن كنتن} أي: كونا راسخا ms2604 {تردن} ~~أي: اختيارا على {الحياة} ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم، ويذكر من له عقل ~~بالآخرة بقوله تعالى: {الدنيا} أي: ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة ~~{وزينتها} أي: المنافية لما أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها ~~لأنها أبغض خلقه إليه لأنها قاطعة عنه {فتعالين} أصله أن الآمر يكون أعلى ~~من المأمور فيدعوه أن يرفع نفسه إليه، ثم كثر حتى صار معناه أقبل وهو هنا ~~كناية عن الأخبار والإرادة بعلاقة أن المخبر يدنو إلى من يخبره {أمتعكن} ~~أي: بما أحسن به إليكن من متعة الطلاق، وهي واجبة لزوجة لم يجب لها نصف مهر ~~فقط بأن وجب لها جميع المهر، أو كانت مفوضة لم توطأ ولم يفرض لها شيء صحيح. # أما في الأولى: فلأن المهر في مقابلة منفعة بضعها، وقد استوفاها الزوج ~~فتجب للإيحاش المتعة، وأما في الثانية: فلأن المفوضة لم يحصل لها شيء، فيجب ~~لها متعة للإيحاش، بخلاف من وجب لها النصف فلا متعة لها لأنه لم يستوف ~~منفعة بضعها فيكفي نصف مهرها للإيحاش. هذا إذا كان الفراق لا بسببها، وسن ~~أن لا تنقص عن ثلاثين درهما أو ما قيمته ذلك، وأن لا تبلغ نصف المهر، فإن ~~تراضيا على شيء فذاك، وإلا قدرها قاض باجتهاده بقدر حالهما من يساره ~~وإعساره ونسبها وصفاتها قال تعالى {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر ~~قدره} (البقرة: 236) # {وأسرحكن} أي: من حبالة عصمتي {سراحا جميلا} أي: طلاقا من غير مضارة ولا ~~نوع حطة ولا مقاهرة. # {وإن كنتن} أي: بما لكن من الجبلة {تردن الله} أي: الآمر بالإعراض عن ~~الدنيا {ورسوله} أي: المؤتمر بما أمره به من الانسلاخ عنها، المبلغ للعباد ~~جميع ما أرسله به من أمر الدنيا والدين، لا يدع منه شيئا لما له عليكن وعلى ~~سائر الناس من الحق بما يبلغهم عن الله تعالى {والدار الآخرة} أي: التي هي ~~الحيوان بما لها من البقاء والعلو والارتقاء {فإن الله} بما له من جميع ~~صفات الكمال {أعد} أي: في الدنيا والآخرة {للمحسنات منكن} أي: اللاتي ms2605 يفعلن ~~ذلك {أجرا عظيما} تستحقر دونه الدنيا وزينتها، ومن للبيان لأنهن كلهن ~~محسنات قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية: أن نساء النبي صلى الله عليه ~~وسلم سألنه من عرض الدنيا شيئا، وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة ~~بعضهن على بعض، فهجرهن # PageV03P239 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى أن لا يقربهن شهرا ولم يخرج إلى ~~أصحابه فقالوا: ما شأنه وكانوا يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نساءه، فقال عمر: لأعلمن لكم شأنه قال: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: يا رسول الله أطلقتهن قال: لا فقلت: يا رسول الله إني دخلت ~~المسجد والمسلمون يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، أفأنزل ~~فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال: نعم إن شئت. # فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نساءه» ونزل قوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ~~ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ~~(النساء: 83) # فكنت أنا الذي استنبط ذلك الأمر، وأنزل الله تعالى آية التخيير وكان تحت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع نسوة، خمس من قريش عائشة بنت أبي بكر، ~~وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وسودة بنت ~~زمعة، وأربع من غير القريشيات: زينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث ~~الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. # فلما نزلت آية التخيير عرض عليهن رضي الله تعالى عنهن ذلك، وبدأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رأس المحسنات إذ ذاك، وكانت أحب أهله ~~فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح ~~في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعنها على ذلك قال قتادة: فلما ~~اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال تعالى: {لا يحل لك ~~النساء من بعد} (الأحزاب: 52) # وعن جابر بن عبد الله قال: دخل ms2606 أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، فأذن ~~لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر ثم استأذن فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا قال: فقال لأقولن شيئا أضحك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت ~~إليها فوجأت عنقها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «هن حولي كما ترى ~~يسألنني النفقة» ، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة ~~يجأ عنقها كلاهما يقول: لا تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ~~ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين يوما، ثم نزلت هذه الآية {يا ~~أيها النبي قل لأزواجك} (الأحزاب: 28) # حتى بلغ {للمحسنات منكن أجرا عظيما} (الأحزاب: 29) # قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أعرض عليك أمرا لا أحب أن تعجلي فيه ~~حتى تستشيري أبويك قالت: وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآية فقالت: أفيك ~~يا رسول الله أستشير أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن ~~لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها ~~أن الله لم يبعثني معنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا قوله «واجما» أي: مهتما ~~والواجم: الذي أسكته الهم، وعلته الكآبة وقيل: الوجوم الحزن، وقوله: فوجأت ~~عنقها أي: دققته، وقوله: لم يبعثني معنتا العنت: المشقة والصعوبة، وروى ~~الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرا، قال ~~الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: فلما مضت تسع وعشرون أعدهن دخل علي ~~فقلت: يا رسول الله إنه مضى تسع وعشرون أعدهن فقال: «إن الشهر تسع وعشرون» ~~. # تنبيه: اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويضا للطلاق # PageV03P240 # إليهن حتى يقع بنفس الاختيار أو لا، ذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم: ~~إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن ms2607 الدنيا ~~فارقهن لقوله تعالى: {فتعالين أمتعكن وأسرحكن} ويدل عليه أنه لم يكن جوابهن ~~على الفور فإنه قال لعائشة: لا تعجلي حتى تستشيري أبويك، وفي تفويض الطلاق ~~يكون الجواب على الفور، وذهب آخرون: إلى أنه كان تفويض طلاق، ولو اخترن ~~أنفسهن كان طلاقا. # واختلف العلماء في حكم التخيير: فقال عمر وابن مسعود وابن عباس: إذا خير ~~الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، ولو اختارت نفسها وقع طلقة واحدة، ~~وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي، ~~إلا أن عند أصحاب الرأي: أنه يقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها. # وعند الآخرين: رجعية. وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج تقع طلقة ~~واحدة، وإن اختارت نفسها فثلاث وهو قول الحسن ورواية عن مالك، وروي عن علي: ~~أنها إذا اختارت زوجها تقع طلقة واحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فطلقة ~~بائنة، وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء. # وعن مسروق قال: ما أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو ألفا بعد أن ~~تختارني. قال الرازي: وهنا مسائل: # منها هل كان هذا التخيير واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا، ~~والجواب: أن التخيير كان قولا واجبا من غير شك لأنه إبلاغ لرسالة لأن الله ~~تعالى لما قال له: قل لهن صار من الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن ~~الأمر للوجوب أم لا، والظاهر أنه للوجوب. # ومنها: أن واحدة منهن لو اختارت نفسها وقلنا: إنها لا تبين إلا بإبانة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهل كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم الطلاق ~~أم لا، الظاهر نظر إلى منصب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجب لأن ~~الخلف في الوعد من النبي صلى الله عليه وسلم غير جائز، بخلاف أحدنا فإنه لا ~~يلزمه شرعا الوفاء بما يعد. # ومنها: أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا، الظاهر ~~أنها لا تحرم وإلا لم يكن التخيير ممكنا لها من التمتع بزينة الدنيا. ms2608 # ومنها: أن من اختارت الله ورسوله هل كان يحرم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم طلاقها أم لا، الظاهر الحرمة نظرا إلى منصب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~على معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يباشره أصلا، لا بمعنى أنه لو أتى ~~به لعوقب أو عوتب انتهى. # ولما خيرهن واخترن الله ورسوله هددهن الله للتوقي عما يسوء النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأوعدهن بتضعيف العذاب بقوله: # {يا نساء النبي} أي: المختارات له لما بينه وبين الله تعالى مما يظهر ~~شرفه {من يأت منكن بفاحشة} أي: سيئة من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق ~~واختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~وغير ذلك، وقال ابن عباس: المراد هنا بالفاحشة: النشوز وسوء الخلق وقيل: هو ~~كقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} (الزمر: 60) # وقرأ ابن كثير وشعبة {مبينة} بفتح الياء التحتية أي: ظاهر فحشها، ~~والباقون بكسرها أي: واضحة ظاهرة في نفسها {يضاعف لها العذاب} أي: بسبب ذلك ~~{ضعفين} أي: ضعفي عذاب غيرهن أي: مثيله وإنما ضوعف عذابهن لأن ما قبح من ~~سائر النساء كان أقبح منهن وأقبح لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل ~~والمرتبة، ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم # PageV03P241 # أشد منه للعاصي الجاهل لأن المعصية من العالم أقبح، ولذلك جعل حد الحر ~~ضعفي حد العبد، وعوتب الأنبياء بما لم يعاتب به غيرهم، وقرأ نافع وعاصم ~~وحمزة والكسائي بالياء التحتية وألف بعد الضاد وتخفيف العين مفتوحة، العذاب ~~بالرفع، وابن كثير وابن عامر بالنون، ولا ألف بعد الضاد وتشديد العين ~~مكسورة، العذاب بالنصب، وأبو عمرو بالياء وتشديد العين مفتوحة العذاب ~~بالرفع. وقوله تعالى: {وكان ذلك على الله يسيرا} فيه إيذان بأن كونهن نساء ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ليس بمغن عنهن شيئا، وكيف يغني عنهن وهو سبب ~~مضاعفة العذاب، فكان داعيا إلى تشديد الأمر عليهن غير صارف عنه. # ولما بين تعالى زيادة عقابهن أتبعه زيادة ثوابهن بقوله تعالى: # {ومن يقنت} أي: يطع {منكن لله} الذي هو ms2609 أهل لأن لا يلتفت إلى غيره ~~{ورسوله} الذي لا ينطق عن الهوى فلا تخالفه فيما أمر به ولا تختار عيشا غير ~~عيشه {وتعمل} أي: مع ذلك بجوارحها {صالحا} أي: في جميع ما أمر به سبحانه أو ~~نهى عنه فلا تقتصر على عمل القلب {نؤتها أجرها مرتين} أي: مثلي ثواب غيرهن ~~من النساء. قال مقاتل: مكان كل حسنة عشرين حسنة فمرة على الطاعة، ومرة ~~لطلبهن رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق وطيب المعاشرة ~~والقناعة. # تنبيه: قوله تعالى: {نؤتها أجرها مرتين} في مقابلة قوله تعالى {يضاعف لها ~~العذاب ضعفين} وفيه لطيفة وهي أنه عند إيتاء الأجر ذكر المؤتي وهو الله ~~تعالى، وعند العذاب لم يصرح بالمعذب بل قال: يضاعف، وهذا إشارة إلى كمال ~~الرحمة والكرم، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية في يعمل، ويؤتها حملا ~~على لفظ من وهو الأصل، والباقون بالتاء الفوقية في يعمل على معنى من، ~~والنون في نؤتها على أن فيه ضمير اسم الله تعالى {وأعتدنا} أي: هيأنا بما ~~لنا من العظمة {لها} أي: بسبب قناعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم المريد ~~للتخلي من الدنيا التي يبغضها الله تعالى مع ما في ذلك من توفير الحظ في ~~الآخرة {رزقا كريما} أي: في الدنيا والآخرة زيادة على أجرها. # أما في الدنيا: فلأن ما يرزقهن منه يوفقن لصرفه على وجه يكون فيه أعظم ~~الثواب ولا يخشى من أجله نوع عقاب. وأما في الآخرة: فلا يوصف ولا يحد ولا ~~نكد فيه أصلا ولا كد، وهذا ما جرى عليه البقاعي وهو أولى مما جرى عليه كثير ~~من المفسرين من الاقتصار على رزق الجنة، وعلله الرازي بقوله: ووصف رزقا ~~بكونه كريما مع أن الكريم لا يكون وصفا إلا للرازق، وذلك إشارة إلى أن ~~الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس، فإن التاجر يسترزق من السوقة، ~~والعاملون والصناع من المستعملين، والملوك من الرعية والرعية منهم، فالرزق ~~في الدنيا لا يأتي بنفسه إنما هو مسخر للغير يكتسبه ويرسله إلى الأعيان، ~~وأما في الآخرة ms2610 فلا يكون له مرسل وممسك في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه ~~فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرازق، وفي الآخرة يوصف بالكريم ~~نفس الرزق. انتهى. # ولما ذكر تعالى أن عذابهن ضعف عذاب غيرهن وأجرهن مثل أجر غيرهن صرن ~~كالحرائر بالنسبة إلى الإماء قال تعالى: # {يا نساء النبي لستن كأحد} قال البغوي: ولم يقل كواحدة لأن الأحد عام ~~يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، والمعنى: لستن كجماعة واحدة ~~{من} جماعات {النساء} إذا تقصيت جماعة النساء # PageV03P242 # واحدة واحدة لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة. ومنه ~~قوله تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم} (النساء: ~~152) # يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين ~~وقوله تعالى: {لا نفرق بين أحد من رسله} (البقرة: 285) # وقوله تعالى: {فما منكم من أحد عنه حاجزين} (الحاقة: 47) # والحمل على الأفراد بأن يقال: ليست كل واحدة منكن كواحدة من آحاد النساء ~~صحيح بل أولى ليلزم تفضيل الجماعة، بخلاف الحمل على الجمع، وعن ابن عباس ~~معنى لستن كأحد من النساء: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء ~~الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي. # ولما كان المعنى بل أنتن أعلى النساء ذكر شرط ذلك بقوله تعالى: {إن ~~اتقيتن} الله تعالى أي: جعلتن بينكن وبين غضب الله تعالى وغضب رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وقاية، ثم سبب عن هذا النهي قوله تعالى: {فلا تخضعن} أي: ~~إذا تكلمتن بحضرة أجنبي {بالقول} أي: بأن يكون لينا عذبا رخما، والخضوع ~~التطامن والتواضع واللين، ثم سبب عن الخضوع قوله تعالى: {فيطمع} أي: في ~~الخيانة {الذي في قلبه مرض} أي: فساد وريبة من فسق ونفاق أو نحو ذلك، وعن ~~زيد بن علي قال: المرض مرضان: مرض زنا، ومرض نفاق، وعن ابن عباس: أن نافع ~~بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: {فيطمع الذي في قلبه مرض} قال: ~~الفجور والزنا قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول: ms2611 # *حافظ للفرج راض بالتقى ... ليس ممن قلبه فيه مرض* # والتعبير بالطمع للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في الحقيقة؛ لأن اللين ~~في كلام النساء خلق لهن لا تكلف فيه، وأريد من نساء النبي صلى الله عليه ~~وسلم التكلف للإتيان بهذه بل المرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا ~~خاطبت الأجانب لقطع الأطماع. # ولما نهاهن عن الاسترسال مع سجية النساء في رخاوة الصوت أمرهن بضده بقوله ~~تعالى: {وقلن قولا معروفا} أي: يعرف أنه بعيد عن محل الطمع من ذكر الله وما ~~تحتجن إليه من الكلام مما يوجب الدين والإسلام بتصريح وبيان من غير خضوع. # ولما أمرهن بالقول وقدمه لعمومه أتبعه الفعل بقوله تعالى: # {وقرن} أي: اسكن وامكثن دائما {في بيوتكن} فمن كسر القاف وهم غير نافع ~~وعاصم جعل الماضي قرر بفتح العين، ومن فتحه وهو نافع وعاصم فهو عنده قرر ~~بكسرها وهما لغتان. قال البغوي: وقيل وهو الأصح: أنه أمر من الوقار كقوله: ~~من الوعد عدن، ومن الوصل صلن أي: كن أهل وقار وسكون من قوله: وقر فلان يقر ~~وقورا إذا سكن واطمأن انتهى. ومن فتح القاف فخم الراء، ومن كسرها رقق ~~الراء، وعن محمد بن سيرين قال: نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتك فقالت: قد حجبت واعتمرت، ~~وأمرني الله أن أقر في بيتي فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت، قال فوالله ~~ما خرجت من باب حجرتها حتى خرجت بجنازتها. # واختلف في معنى التبرج في قوله تعالى: {ولا تبرجن} فقال مجاهد وقتادة: هو ~~التكسر والتغنج، وقال ابن جريج: هو التبختر وقيل: هو إبراز الزينة وإبراز ~~المحاسن للرجال، وقرأ البزي بتشديد التاء في الوصل والباقون بالتخفيف، ~~واختلف أيضا # PageV03P243 # في معنى قوله تعالى: {تبرج الجاهلية الأولى} فقال الشعبي: هي ما بين عيسى ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم وقال أبو العالية: هي زمن داود وسليمان عليهما ~~الصلاة والسلام، كانت المرأة تتخذ قميصا من الدر غير مخيط الجانبين فيرى ~~خلقها منه، ms2612 وقال الكبي: كان ذلك في زمن نمروذ الجبار، كانت المرأة تتخذ ~~الدرع من اللؤلؤ فتلبسه وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها ~~على الرجال. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس ~~عليهما السلام، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن ~~السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحا، وفي النساء دمامة وكان ~~نساء السهل صباحا، وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجالا من أهل السهل ~~وأجر نفسه منهم فكان يخدمهم، واتخذ شيئا مثل الذي يزمر به الرعاء، فجاء ~~بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله فأتوه وهم يستمعون إليه، ~~واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة فيتبرج النساء للرجال ويتزين الرجال ~~لهن، وأن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهن ~~فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فنحوا إليهم فنزلوا معهم وظهرت الفاحشة بينهم ~~فذلك قوله تعالى {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} .k # وقال قتادة: ما قبل الإسلام وقيل: الجاهلية الأولى ما ذكرنا، والجاهلية ~~الأخرى قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان وقيل: الجاهلية الأولى ما كانوا ~~عليه قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في الإسلام، ويعضده قوله ~~صلى الله عليه وسلم لأبي ذر كما في الصحيحين: «إن فيك جاهلية كفر وإسلام» ~~وقول البيضاوي عن أبي الدرداء، قال ابن حجر: لم أجده عن أبي الدرداء وقيل: ~~قد تذكر الأولى وإن لم تكن لها أخرى كقوله تعالى {وإنه أهلك عادا الأولى} ~~(النجم: 50) # ولم تكن لها أخرى. # ولما أمرهن بلزوم البيوت للتخلية عن الشوائب أرشدهن إلى التحلية بالرغائب ~~بقوله تعالى: # {وأقمن الصلاة} أي: فرضا ونفلا صلة لما بينكن وبين الخالق {إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر} (العنكبوت: 45) # {وآتين الزكاة} إحسانا إلى الخلائق وفي هذا بشارة بالفتوح وتوسيع الدنيا ~~عليهن، فإن العيش وقت نزولها كان ضيقا عن القوت فضلا عن الزكاة. # ولما أمرهن بخصوص ما تقدم لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ومن ~~اعتنى بهما حق الاعتناء جرتاه إلى ms2613 ما وراءهما تمم وجمع في قوله تعالى: ~~{وأطعن الله} أي: الذي له صفات الكمال {ورسوله} أي: الذي لا ينطق عن الهوى ~~فيما أمرا به ونهيا عنه {إنما يريد الله} أي: الذي هو ذو الجلال والإكرام ~~بما أمركن به ونهاكن عنه من الإعراض عن الزينة وما يتبعها والإقبال عليه ~~{ليذهب} أي: لأجل أن يذهب {عنكم الرجس} أي: الإثم الذي نهى الله تعالى عنه ~~النساء قاله مقاتل، وقال ابن عباس: يعني عمل الشيطان وما ليس فيه رضا ~~الرحمن. وقال قتادة: يعني السوء وقال مجاهد: الرجس الشك وقوله تعالى: {أهل ~~البيت} في ناصبه أوجه: أحدها: النداء أي: يا أهل البيت، أو المدح أي: أمدح ~~أهل البيت، أو الاختصاص أي: أخص أهل البيت كما قال صلى الله عليه وسلم «نحن ~~معاشر الأنبياء لا نورث» والاختصاص في المخاطب أقل منه في المتكلم، وسمع: ~~منك الله نرجو الفضل والأكثر إنما هو في المتكلم كقولها: # PageV03P244 # *نحن بنات طارق نمشي على النمارق* # وقولهم: # *نحن بني ضبة أصحاب الجمل ... الموت أحلى عندنا من العسل* # وقولهم: # *نحن العرب أقرى الناس للضيف* # واختلف في أهل البيت والأولى فيهم ما قال البقاعي: إنهم كل من يكون من ~~إلزام النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء والأزواج والإماء ~~والأقارب، وكلما كان الإنسان منهم أقرب وبالنبي صلى الله عليه وسلم أخص ~~وألزم كان بالإرادة أحق وأجدر ويؤيده قول البيضاوي، وتخصيص الشيعة أهل ~~البيت بفاطمة وعلي وابنيهما رضي الله تعالى عنهم؛ لما روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام خرج ذات غدوة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجلس فجاءت فاطمة ~~فأدخلها فيه، ثم جاء علي فأدخله فيه، ثم جاء الحسن والحسين فأدخلهما فيه، ~~ثم قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} والاحتجاج بذلك على ~~عصمتهم وكون إجماعهم حجة ضعيف. # وعن ابن عباس أنهم نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته وتلا ~~قوله تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله} (الأحزاب: 34) # وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «في ms2614 بيتي أنزل {إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~فاطمة وعلي والحسن والحسين فقال: هؤلاء أهل بيتي فقلت: يا رسول الله ما أنا ~~من أهل البيت فقال بلى إن شاء الله» وقال زيد بن أرقم: أهل بيته من حرم ~~الصدقة بعده آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال الرازي: والأولى أن ~~يقال لهم أولاده وأزواجه والحسن والحسين، وعلي منهم لأنه كان من أهل بيته ~~لمعاشرته بنت النبي صلى الله عليه وسلم ولملازمته له. # ولما استعار للمعصية الرجس استعار للطاعة الطهر ترغيبا لأصحاب الطباع ~~السليمة والعقول المستقيمة في الطاعة وتنفيرا لهم عن المعصية بقوله تعالى: ~~{ويطهركم} أي: يفعل في طهركم الصيانة عن جميع القاذورات الحسية والمعنوية ~~فعل المبالغ فيه، وزاد ذلك عظما بالمصدر بقوله تعالى: {تطهيرا} وعن ابن ~~عباس قال: شهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشهر يأتي كل يوم باب ~~علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ~~{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} الصلاة رحمكم ~~الله كل يوم خمس مرات، ثم بين تعالى ما أنعم الله به عليهن من أن بيوتهن ~~مهابط الوحي بقوله تعالى: # {واذكرن} أي: في أنفسكن ذكرا دائما، واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ ~~والتعليم {ما يتلى} أي: يتابع ويوالى ذكره {في بيوتكن} أي: بواسطة النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذي خيركن. وقوله تعالى: {من آيات الله} أي: القرآن ~~بيان للموصول فيتعلق بأعني، ويجوز أن يكون حالا إما من الموصول، وإما من ~~عائده المقدر فيتعلق بمحذوف أيضا، واختلف في قوله تعالى: {والحكمة} فقال ~~قتادة: يعني السنة، وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه {إن الله} أي: الذي ~~له جميع العظمة {كان} أي: ولم يزل {لطيفا} أي: يوصل إلى المقاصد بلطائف ~~الأضداد {خبيرا} أي: بجميع خلقه يعلم ما يسرون وما يعلنون لا تخفى عليه ~~خافية، فيعلم من يصلح لبيت النبي صلى الله عليه وسلم ومن لا، ms2615 وما يصلح ~~الناس دينا ودنيا، وما لا يصلحهم. والطرق الموصلة # PageV03P245 # لكل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس. # من انقطع إلى الله كفاه الله تعالى كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن ~~انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها، ولقد صدق الله تعالى وعده في لطفه وحقق ~~بره في خبره بأن فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم خبير، فأفاض بها من رزقه ~~الواسع، ولما توفى نبيه صلى الله عليه وسلم ليحميه من زهرة الحياة الدنيا ~~فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن، فعم الفتح ~~جميع الأقطار، الشرق والغرب والجنوب والشمال، ومكن أصحاب نبيه صلى الله ~~عليه وسلم من كنوز تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة رضوان ~~الله تعالى عليهم يكيلون المال كيلا، وزاد الأمر حتى دون عمر رضي الله ~~تعالى عنه الدواوين. # وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء، وكان أولا لا يفرض للمولود حتى ~~يفطم، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه لا تعجلوا أولادكم بالفطام ~~فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وفاوت بين الناس في العطاء بحسب القرب من ~~النبي صلى الله عليه وسلم والبعد منه، وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة. ~~ونزل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس، حتى قدم عليه خالد بن عرفطة ~~فسأله عما وراءه فقال: تركتهم يسألون الله تعالى أن يزيد في عمرك من ~~أعمارهم، قال عمر: إنما هو حقهم، وأنا أسعى بأدائه إليهم وإني لأعم بنصيحتي ~~كل من طوقني الله أمره، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات ~~غاشا لرعيته لم ير ريح الجنة» فكان فرضه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~اثني عشر ألفا لكل واحدة، وهي نحو ألف دينار في كل سنة، وأعطى عائشة خمسة ~~وعشرين ألفا لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فأبت أن تأخذ إلا ما ~~تأخذه صواحباتها. # وروي عن برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش ~~بالذي لها، فلما أدخل ms2616 إليها قالت: غفر الله لعمر، غيري من أخواتي أقوى على ~~قسم هذا مني قالوا: هذا كله لك قالت: سبحان الله ثم قالت: صبوه واطرحوا ~~عليه ثوبا، ثم قالت لي: أدخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني ~~فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها، فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت ~~الثوب قالت برزة بنت رافع: نظر الله لك يا أم المؤمنين والله لقد كان لنا ~~في هذا المال حق قالت: فلكم ما تحت الثوب قالت: فوجدنا تحته خمسمائة ~~وثمانين درهما، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر ~~بعد عامي هذا فماتت، قال البقاعي: ذكر ذلك البلاذري في كتاب «فتوح البلاد» ~~انتهى. وعن مقاتل قال: قالت أم سلمة بنت أبي أمية، ونسيبة بنت كعب ~~الأنصارية للنبي صلى الله عليه وسلم «ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر ~~النساء في شيء من كتابه نخشى أن لا يكون فيهن خير» فأنزل الله تعالى: # {إن المسلمين والمسلمات} أي: الداخلين في الإسلام المنقادين لحكم الله في ~~القول والعمل. # ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر فقط ~~أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان فقال عاطفا ~~له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على تمكن ~~الجامعين لهذه الأوصاف في كل وصف منها: {والمؤمنين والمؤمنات} أي: المصدقين ~~بما يجب أن يصدق به. # ولما كان # PageV03P246 # المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصا قال: {والقانتين والقانتات} ~~أي: المخلصين في إيمانهم وإسلامهم المداومين على الطاعة. # ولما كان القنوت قد يطلق على الإخلاص المقتضى للمداومة، وقد يطلق على ~~مطلق الطاعة قال: {والصادقين والصادقات} أي: في ذلك كله من قول وعمل. # ولما كان الصدق وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه قد لا ~~يكون دائما قال مشيرا إلى أن ما لا يكون دائما لا يكون صدقا في الواقع: ~~{والصابرين والصابرات} أي: على الطاعات وعن المعاصي. # ولما كان الصبر قد يكون سجية ms2617 دل على صرفه إلى الله بقوله تعالى: ~~{والخاشعين والخاشعات} أي: المتواضعين لله تعالى بقلوبهم وجوارحهم. # ولما كان الخشوع والخضوع والإخبات والسكون لا يصح مع توفير المال، فإنه ~~سكون إليه قال معلما: إنه إذ ذاك لا يكون على حقيقته {والمتصدقين ~~والمتصدقات} بما وجب في أموالهم وبما استحب سرا وعلانية تصديقا لخشوعهم. # ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار أتبعه ما يعين عليه بقوله ~~تعالى: {والصائمين والصائمات} أي: فرضا ونفلا للإيثار بالقوت وغير ذلك. # ولما كان الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها قال تعالى: {والحافظين فروجهم ~~والحافظات} أي: عما لا يحل لهم. وحذف مفعول الحافظات لتقدم ما يدل عليه، ~~والتقدير: والحافظاتها، وكذلك والذاكرات، وحسن الحذف رؤوس الفواصل. # ولما كان حفظ الفرج وسائر الأعمال لا يكاد يوجد إلا بالذكر وهو الذي يكون ~~عنده المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة للمشاهدة المحببة للفناء قال ~~تعالى: {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} أي: بقلوبهم وألسنتهم في كل حالة. # ومن علامات الإكثار من الذكر اللهج به عند الاستيقاظ من النوم، وقال ~~مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ~~ومضطجعا، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبق المفردون قالوا: وما ~~المفردون قال: «الذاكرون الله تعالى كثيرا والذاكرات» قال عطاء بن أبي ~~رباح: من فوض أمره إلى الله عز وجل فهو داخل في قوله تعالى: {إن المسلمين ~~والمسلمات} ومن أقر بأن الله تعالى ربه، ومحمدا صلى الله عليه وسلم رسوله ~~ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل في قوله تعالى: {والمؤمنين والمؤمنات} ومن ~~أطاع الله تعالى في الفرض، والرسول صلى الله عليه وسلم في السنة فهو داخل ~~في قوله تعالى: {والقانتين والقانتات} ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في ~~قوله تعالى: {والصادقين والصادقات} ومن صبر على الطاعات وعن المعصية وعلى ~~الرزية فهو داخل في قوله تعالى: {والصابرين والصابرات} . # ومن صلى ولم يعرف من عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله تعالى: ~~{والخاشعين والخاشعات} ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو ms2618 داخل في قوله تعالى: ~~{والمتصدقين والمتصدقات} ومن صام في كل شهر أيام البيض الثالث عشر والرابع ~~عشر والخامس عشر فهو داخل في قوله تعالى: {والصائمين والصائمات} ومن حفظ ~~فرجه عن الحرام فهو داخل في قوله تعالى: {والحافظين فروجهم والحافظات} ومن ~~صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: {والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات} {أعد الله} أي: الذي لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره مع أنه لا ~~يعاظمه # PageV03P247 # شيء {لهم مغفرة} أي: لما اقترفوه من الصغائر لأنها مكفرات بفعل الطاعات، ~~والآية عامة وفضل الله تعالى واسع. # ولما ذكر تعالى الفضل بالتجاوز أتبعه الفضل بالكرم والرحمة بقوله تعالى: ~~{وأجرا عظيما} أي: على طاعتهم، والآية وعد لهن ولأمثالهن بالإثابة على ~~الطاعة والتدرع بهذه الخصال، وروي أن سبب نزول هذه الآية: «أن أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر ~~النساء بخير فما فينا خير نذكر به؟ إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية» . # روي أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت ~~على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن قلن: ~~لا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «يا رسول الله إن النساء لفي خيبة ~~وخسار قال: ومم ذاك قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال» فأنزل الله ~~عز وجل هذه الآية. وقيل: لما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل ~~قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء فنزلت. # تنبيه: عطف الإناث على الذكور لاختلاف جنسهما، والعطف فيه ضروري ~~لاختلافهما ذاتا، وعطف الزوجين وهو مجموع المؤمنين والمؤمنات على الزوجين، ~~وهو مجموع المسلمين والمسلمات لتغاير وصفيهما. وليس العطف فيه بضروري ~~بخلافه في الأول؛ لأن اختلاف الجنس أشد من اختلاف الصفة، وفائدة العطف عند ~~تغاير الأوصاف الدلالة على أن أعداد المعد من المغفرة والأجر العظيم أي: ~~تهيئته للمذكورين للجمع بين هذه الصفات، فصار ms2619 المعنى: أن الجامعين ~~والجامعات لهذه الطاعات العشر أعد الله تعالى لهم مغفرة وأجرا عظيما. # وقوله تعالى: # {وما كان} أي: وما صح {لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا} أي: ~~إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الله تعالى لتعظيم أمره، ~~والإشعار بأنه قضاء الله تعالى. نزلت في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد ~~الله بن جحش، وأمها أمية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم «لما ~~خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب على مولاه زيد بن حارثة، وكان اشترى ~~زيدا في الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه، فلما خطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه، فلما علمت أنه يخطبها لزيد بن حارثة أبت ~~وقالت: أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة ~~فيها حدة، وكذلك كره أخوها» ذلك رواه الدارقطني بسند ضعيف، وقيل: في أم ~~كلثوم بنت عقبة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فزوجها من زيد {أن ~~تكون لهم الخيرة من أمرهم} أي: أن يختاروا من أمرهم شيئا، بل يجب عليهم أن ~~يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم # تنبيه: الخيرة: مصدر من تخير كالطيرة من تطير على غير قياس، وجمع الضمير ~~في قوله تعالى: {لهم} وفي قوله تعالى: {من أمرهم} لعموم مؤمن ومؤمنة من حيث ~~أنها في سياق النفي، ويجوز أن يكون الضمير في من أمرهم لله تعالى ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم وجمع للتعظيم كما جرى عليه البيضاوي، وقرأ أن يكون ~~الكوفيون وهشام بالياء التحتية والباقون بالفوقية، ولأنه صلى الله عليه ~~وسلم لا ينطق عن الهوى، ومن عصاه فقد عصى الله تعالى كما قال تعالى: {ومن ~~يعص الله} أي: الذي لا أمر لأحد معه {ورسوله} أي: الذي معصيته معصية الله ~~تعالى لكونه بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم. # PageV03P248 # وقوله تعالى: {فقد ضل} قرأه قالون وابن كثير وعاصم بالإظهار، والباقون ~~بالإدغام وزاد ذلك بقوله تعالى: {ضلالا مبينا} ms2620 أي: فقد أخطأ خطأ ظاهرا لا ~~خفاء فيه، فالواجب على كل أحد أن يكون معه صلى الله عليه وسلم في كل ما ~~يختاره، وإن كان فيه أعظم المشقات عليه تخلقا. يقول الشاعر: # *وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم* # *وأهنتني فأهنت نفسي عامدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم* # فلما نزلت هذه الآية رضيت زينب بذلك وجعلت أمرها بيد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك أخوها فأنكحها صلى الله عليه وسلم زيدا، فدخل بها وساق إليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دنانير وستين درهما، وخمارا ودرعا ~~وإزارا وملحفة، وخمسين مدا من الطعام، وثلاثين صاعا من تمر. ومكثت عنده ~~حينا. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيدا ذات يوم لحاجة، فأبصر ~~زينب قائمة في درع وخمار وكانت بيضاء جميلة ذات خلق من أتم نساء قريش، ~~فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال: سبحان الله مقلب القلوب وانصرف، فلما جاء ~~زيد ذكرت ذلك له ففطن زيد، فألقي في نفس زيد كراهتها في الوقت، فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي قال: مالك أربك ~~منها شيء قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعاظم ~~علي لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عليك ~~زوجك يعني زينب بنت جحش واتق الله في أمرها فأنزل الله تعالى: # {وإذ تقول للذي أنعم الله} أي: الملك الذي له كل الكمال {عليه} وتولى ~~نبيه عليه الصلاة والسلام إياه» ، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم ~~بالإظهار والباقون بالإدغام. # ثم بين تعالى منزلته من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وأنعمت ~~عليه} أي: بالعتق والتبني حيث استشارك في فراق زوجته التي أخبرك الله تعالى ~~أنه يفارقها وتصير زوجتك {أمسك عليك زوجك} أي: زينب رضي الله عنها {واتق ~~الله} الذي له جميع العظمة في جميع أمرك {وتخفي} أي: والحال أنك تخفي أي: ~~تقول قولا مخفيا {ما ms2621 في نفسك} أي: ما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك ~~عند طلاق زيد {ما الله مبديه} أي: مظهره بحمل زيد على تطليقها، وإن أمرته ~~بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها، وهذا دليل على أنه ما أخفى غير ~~ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عند طلاق زيد؛ لأن الله تعالى ما ~~أبدى غير ذلك، ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه؛ لأنه لا يبدل قوله، وقول ابن ~~عباس كان في قلبه حبها بعيد، وكذا قول قتادة: ود لو أنه لو طلقها زيد، وكذا ~~قول غيرهما: كان في قلبه لو فارقها زيد تزوجها. # ولما ذكر تعالى إخفاءه ذلك ذكر علته بقوله تعالى: عاطفا على تخفي {وتخشى ~~الناس} أي: من أن تخبر بما أخبر الله تعالى به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون ~~لاسيما اليهود والمنافقون، وقال ابن عباس والحسن: تستحييهم، وقيل: تخاف ~~لأئمة الناس أن يقولوا: أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها {والله} أي: والحال ~~أن الذي لا شيء أعظم منه {أحق أن تخشاه} أي: وحده ولا تجمع خشية الناس مع ~~خشيته في أن تؤخر شيئا أخبرك به حتى يأتيك فيه أمر. قال عمر وابن # PageV03P249 # مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه ~~من هذه، وروي عن مسروق قال: قالت عائشة: «لو كتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} . # ويؤيد ما مر ما روى سفيان بن عيينة عن علي عن زيد بن جدعان قال: سألني ~~علي بن الحسين زين العابدين ما يقول الحسن في قوله تعالى: {وتخفي في نفسك ~~ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} قال: قلت يقول لما جاء زيد ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إني أريد أن أطلقها فقال ~~له: {أمسك عليه زوجك} فقال علي بن الحسين: ليس كذلك؛ لأن الله تعالى قد ~~أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وأن زيدا سيطلقها، فلما جاء زيد ms2622 وقال: إني ~~أريد أن أطلقها قال له: {أمسك عليك زوجك} فعاتبه الله تعالى وقال: «لم قلت ~~أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك» وهذا هو اللائق والأليق ~~بحال الأنبياء عليهم السلام، وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه ~~يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال تعالى: {فلما قضى زيد ~~منها وطرأ} أي: حاجة من زواجها والدخول بها، وذلك بانقضاء عدتها منه؛ لأن ~~به يعرف أنه لا حاجة له فيها، وأنه قد تقاصرت عنها همته وإلا راجعها ~~{زوجناكها} أي: ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفا لك ولها ~~بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل من علم به، ~~وسرت به جميع النفوس. # ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه، ~~فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها ~~لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على ~~أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله تعالى من أنها ستكون زوجة له.k # وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: إن التي تحتك وفي نكاحك ستكون امرأتي. # قال البغوي: وهذا هو الأولى والأليق وإن كان الآخر وهو أنه أخفى محبتها ~~أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء عليهم السلام؛ لأن العبد غير ~~ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم؛ لأن ~~الود وميل النفس من طبع البشر، وقوله: {أمسك عليك زوجك واتق الله} أمر ~~بالمعروف وهو خشية الإثم فيه وقوله: {والله أحق أن تخشاه} لم يرد به أنه لم ~~يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه الصلاة والسلام قال: «أنا أخشاكم لله ~~وأتقاكم له» ولكن المعنى: الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخشى أحدا معه، فأنت ~~تخشاه وتخشى الناس أيضا. ولكنه لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله أحق ms2623 ~~بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء انتهى. # وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبني تحل بعد الدخول بها إذا طلقت ~~وانقضت عدتها، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: «لما انقضت عدة ~~زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: اذهب فاذكرها علي قال: فانطلق ~~زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما ~~أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ~~ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل ~~القرآن. # وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV03P250 # فدخل عليها بغير إذن قال: ولقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في ~~البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل يتبع ~~حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري، ~~أنا أخبرته أن القوم خرجوا أو أخبرني قال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل ~~معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب» . # وعن أنس رضي الله عنه قال: «ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من ~~نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة» وفي رواية: «أكثر وأفضل ما أولم على ~~زينب» قال ثابت: فما أولم قال: أطعمهم خبزا ولحما حتى تركوه قال أنس رضي ~~الله عنه: «كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن ~~أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات» وقال الشعبي: «كانت زينب تقول ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إني لأدل عليك بثلاث: ما من نسائك امرأة تدل بهن: ~~جدي وجدك واحد، وأنكحنيك الله في السماء، وإن السفير لجبريل عليه السلام» ~~وأخرج ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حبان قال: «جاء رسول الله صلى ~~الله عليه ms2624 وسلم بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد يقال له: زيد بن محمد، ~~فربما فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة فيقول: أين زيد؟ فجاء ~~منزله يطلبه فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته فضلا، فأعرض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عنها فقالت: ليس هو ههنا يا رسول الله فادخل، فأبى ~~أن يدخل، فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد ~~يفهم منه إلا ربما أعلن بسبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد ~~إلى منزله فأخبرته امرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله فقال ~~زيد: ألا قلت له أن يدخل قالت: قد عرضت ذلك عليه فأبى قال: فسمعت شيئا منه ~~قالت: سمعته حين ولى تكلم بكلام لا أفهمه وسمعته يقول: سبحان الله العظيم ~~سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول الله لعل زينب أعجبتك ~~فأفارقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أمسك عليك زوجك} فما استطاع ~~زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم فيأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيخبره فيقول: {أمسك عليك زوجك} ففارقها زيد واعتزلها وانقضت عدتها، فبينما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس # يتحدث مع عائشة إذ أخذته غشية، فسري عنه وهو يبتسم ويقول: من يذهب إلى ~~زينب يبشرها أن الله زوجنيها من السماء، وقرأ {وإذ تقول للذي} الآية قالت ~~عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور ~~وأشرفها زوجها الله من السماء وقلت: هي تفخر علينا بهذا» . # ولما ذكر تعالى التزويج على ماله من العظمة ذكر علته بقوله تعالى: {لكي ~~لا يكون على المؤمنين حرج} أي: ضيق وإثم {في أزواج أدعيائهم} أي: الذين ~~تبنوهم وأجروهم في تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين على الحقيقة {إذا قضوا ~~منهن وطرا} أي: حاجة بالدخول بهن، ثم الطلاق وانقضاء العدة. # فائدة: لا ms2625 مقطوعة في الرسم من {لكي} . # تنبيه: الأدعياء: جمع دعي وهو المتبنى أي: زوجناك زينب وهي امرأة زيد ~~الذي تبنيته # PageV03P251 # ليعلم أن زوجة المتبنى حلال للمتبني وإن كان قد دخل بها المتبنى، بخلاف ~~امرأة ابن الصلب لا تحل للأب {وكان أمر الله} من الحكم بتزويجها وإن كرهت ~~وتركت إظهار ما أخبرك الله تعالى به كراهية لسوء المقالة واستحياء من ذلك، ~~وكذا كل أمر يريده سبحانه {مفعولا} أي: قضاء الله تعالى ماضيا وحكمه نافذا ~~في كل ما أراده لا معقب لحكمه. # {ما كان على النبي} أي: الذي منزلته من الله تعالى الاطلاع على ألا يطلع ~~عليه غيره من الخلق {من حرج فيما فرض} أي: قدر {الله} بما له من صفات ~~الكمال وأوجبه {له} لأنه لم يكن على المؤمنين مطلقا حرج في ذلك فكيف برأس ~~المؤمنين؟ وقوله تعالى {سنة الله} منصوب بنزع الخافض أي: كسنة الله {في ~~الذين خلوا من قبل} من الأنبياء عليهم السلام أنه لا حرج عليهم فيما أباح ~~لهم، قال الكلبي ومقاتل: أراد داود عليه السلام حين جمع بينه وبين المرأة ~~التي هويها، فكذلك جمع بين محمد وبين زينب. وقيل: أراد بالسنة النكاح فإنه ~~من سنة الأنبياء عليهم السلام، فكان من كان من الأنبياء عليهم السلام هذا ~~سنتهم، فقد كان لسليمان بن داود عليهما السلام ألف امرأة، وكان لداود مائة ~~امرأة {وكان أمر الله} أي: قضاء الملك الأعظم في ذلك وغيره {قدرا} وأكده ~~بقوله تعالى: {مقدورا} أي: لا خلف فيه ولابد من وقوعه في حينه الذي حكم ~~بكونه فيه وقوله تعالى: # {الذين} نعت للذين قبله {يبلغون} أي: إلى أممهم {رسالات الله} أي: الملك ~~الأعظم، سواء كانت في نكاح أم غيره {ويخشونه} أي: فيخبرون بكل ما أخبرهم به ~~{ولا يخشون أحدا} قل أو جل {إلا الله} فلا يخشون قالة الناس فيما أحل الله ~~لهم {وكفى بالله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال {حسيبا} أي: حافظا لأعمال ~~خلقه ومحاسبهم. # ولما أفاد هذا كله أن الدعي ليس ابنا وكانوا قد قالوا: لما تزوج زينب ms2626 كما ~~رواه الترمذي عن عائشة تزوج حليلة ابنه قال تعالى: # {ما كان} أي: بوجه من الوجوه {محمد} أي: على كثرة نسائه وأولاده {أبا أحد ~~من رجالكم} لا مجازا بالتبني ولا حقيقة بالولادة، فثبت بذلك أنه يحرم عليه ~~زوجة الابن، ولم يقل تعالى من بنيكم؛ لأنه لم يكن له في ذلك الوقت سنة خمس، ~~وما داناها ابن ذكر لعلمه تعالى أنه سيولد له ابنه إبراهيم عليه السلام مع ~~ما كان له قبله من البنين الطاهر والطيب والقاسم، وأنه لم يبلغ أحد منهم ~~الحلم عليهم السلام. قال البيضاوي: ولو بلغوا لكانوا رجاله لا رجالهم. ~~انتهى. وهذا إنما يأتي على أن المراد التبني. وقال البغوي: والصحيح أنه ~~أراد بأحد من رجالكم: الذين لم يلدهم. انتهى. ومع هذا الأول أوجه كما جرى ~~عليه البقاعي. # ثم لما نفى تعالى أبوته عنهم قال: {ولكن} كان في علم الله غيبا وشهادة ~~{رسول الله} أي: الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده {وخاتم النبيين} أي: ~~آخرهم الذي ختمهم لأن رسالته عامة ومعها إعجاز القرآن فلا حاجة مع ذلك إلى ~~استنباء ولا إرسال، وذلك مفض لئلا يبلغ له ولد إذ لو بلغ له ولد، لاق ~~بمنصبه أن يكون نبيا إكراما له؛ لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظمهم شرفا، وليس ~~لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها وأعظم منها، ولو صار أحد من ولده ~~رجلا لكان نبيا بعد ظهور نبوته، وقد قضى الله تعالى أن لا يكون بعده نبي ~~إكراما له. # روى أحمد وابن ماجة عن أنس وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # PageV03P252 # قال في ابنه إبراهيم عليه السلام: لو عاش لكان صديقا نبيا وللبخاري نحوه ~~عن البراء بن عازب. وللبخاري من حديث ابن أبي أوفى: «لو قضي أن يكون بعد ~~محمد صلى الله عليه وسلم نبي لعاش ابنه ولكن لا نبي بعده» وقال ابن عباس ~~رضي الله عنه: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون من بعده ~~نبيا. # وروى عطاء عن ms2627 ابن عباس رضي الله عنه: لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ~~ولدا ذكرا يصير رجلا. وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم، ~~إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره، والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي مطلقا بشرع ~~جديد ولا يتجدد بعده مطلقا استنباء، وهذه الآية مثبتة لكونه خاتما على أبلغ ~~وجه وأعظمه، وذلك أنها في سياق الإنكار بأن يكون بينه وبين أحد من رجالهم ~~بنوة حقيقية أو مجازية، ولو كانت بعده لأحد لم يكن ذلك إلا لولده، ولأن ~~فائدة إثبات النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله. وقد حصل به صلى الله عليه ~~وسلم التمام، فلم يبق بعد ذلك مرام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وأما تجديد ~~ما وهي مما أحدث بعض الفسقة فالعلماء كافون فيه لوجود ما خص به صلى الله ~~عليه وسلم من هذا القرآن المعجز الذي من سمعه فكأنما سمعه من الله عز وجل؛ ~~لوقوع التحقق والقطع بأنه لا يقدر غيره أن يقول شيئا منه، فمهما حصل ذهول ~~عن ذلك قرره من يريد الله تعالى من العلماء فيعود الاستبصار، كما روي في ~~بعض الآثار: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وأما إتيان عيسى عليه السلام ~~بعد تجديد الهدى لجميع ما وهي من أركان المكارم فلأجل فتنة الدجال ثم طامة ~~يأجوج ومأجوج ونحو ذلك مما لا يستقل بأعبائه غير نبي، وما أحسن قول حسان بن ~~ثابت في مرثية لإبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم # *مضى ابنك محمود العواقب لم يشب ... بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل* # *رأى أنه إن عاش ساواك في العلا ... فآثر أن تبقى وحيدا بلا مثل* # وقال الغزالي في آخر كتابه الاقتصاد: إن الأمة فهمت من هذا اللفظ ومن ~~قرائن أحواله صلى الله عليه وسلم أنه أفهم عدم نبي بعده أبدا، وعدم رسول ~~بعده أبدا، وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص. وقال: إن من أوله بتخصيص النبيين ~~بأولي العزم من الرسل ونحو هذا فكلامه من أنواع الهذيان لا يمنع ms2628 الحكم ~~بتكفيره؛ لأنه مكذب لهذا النص الذي أجمعت الأمة على أنه غير مؤول ولا مخصوص ~~انتهى. # وقد بان بهذا أن إتيان عيسى عليه السلام غير قادح في هذا النص، فإنه من ~~أمته صلى الله عليه وسلم المقررين لشريعته، وهو قد كان نبيا قبله لم يستجد ~~له شيء لم يكن، فلم يكن ذلك قادحا في الختم. وهو مثبت لشرف نبينا صلى الله ~~عليه وسلم إذ لولاه لما وجد، وذلك أنه لم يكن لنبي من الأنبياء شرف إلا وله ~~صلى الله عليه وسلم مثله أو أعلى منه، وقد كانت الأنبياء تأتي مقررة لشريعة ~~موسى عليه السلام مجددة لها، فكان المقرر لشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ~~المتبع لملته من كان ناسخا لشريعة موسى صلى الله عليه وسلم وقرأ عاصم بفتح ~~التاء والباقون بكسرها، فالفتح: اسم للآلة التي يختم بها كالطابع والقالب ~~لما يطبع به ويقلب فيه، والكسر على أنه اسم فاعل. وقال بعضهم: هو بمعنى ~~المفتوح يعني بمعنى آخرهم لأنه ختم النبيين فهو خاتمهم {وكان الله} أي: ~~الذي له كل صفة كمال أزلا وأبدا {بكل شيء} من # PageV03P253 # ذلك وغيره {عليما} فيعلم من يليق بالختم ومن يليق بالبدء. # قال الأستاذ ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس: في سؤال القبر ~~واختصاصه صلى الله عليه وسلم بالأحمدية والمحمدية علما وصفه برهان على ~~ختمه، إذ الحمد مقرون بانقضاء الأمور مشروع عنده {وآخر دعواهم أن الحمد لله ~~رب العالمين} وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحكم بنيانه، ترك منه موضع لبنة فطاف به ~~النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون بسواها، فكنت ~~أنا موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل» وقال عليه الصلاة ~~والسلام: «إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله تعالى ~~بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الله تعالى الناس على قدمي، وأنا العاقب» ~~والعاقب الذي ليس بعده نبي. # ولما كان ما ms2629 أثبته لنفسه سبحانه وتعالى من إحاطة العلم مستلزما للإحاطة ~~بأوصاف الكمال قال تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: ادعوا ذلك بألسنتهم {اذكروا الله} الذي هو ~~أعظم من كل شيء تصديقا لدعواكم ذلك {ذكرا كثيرا} قال ابن عباس: لم يفرض ~~الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال ~~العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أهله في تركه ~~إلا مغلوبا على عقله. وأمرهم به في الأحوال فقال تعالى: {فاذكروا الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبكم} (النساء: 103) # وقال تعالى: {اذكروا الله ذكرا كثيرا} أي: بالليل والنهار والبر والبحر ~~والصحة والسقم في السر والعلانية، وقال مجاهد: الذكر الكثير: أن لا ينساه ~~أبدا، فيعم ذلك سائر الأوقات وسائر ما هو أهله من التقديس والتهليل ~~والتمجيد. # {وسبحوه بكرة وأصيلا} أي: أول النهار وآخره خصوصا، وتخصيصهما بالذكر ~~للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات؛ لكونهما مشهودين. كإفراد التسبيح من ~~جملة الإذكار لأنه العمدة فيها، وقال البغوي: وسبحوه أي: صلوا له بكرة أي: ~~صلاة الصبح، وأصيلا يعني صلاة العصر. وقال الكلبي: وأصيلا يعني صلاة الظهر ~~والعصر والعشاءين وقال مجاهد: معناه قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فعبر بالتسبيح عن ~~إخوانه، وقيل: المراد من قوله تعالى: {ذكرا كثيرا} هذه الكلمات يقولها ~~الطاهر والجنب والمحدث. # وعن أنس لما نزل قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} ~~(الأحزاب: 56) # وقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ما أنزل الله تعالى عليك خيرا ~~إلا أشركنا فيه أنزل الله تعالى: # {هو الذي يصلي عليكم} أي: يرحمكم {وملائكته} أي: يستغفرون لكم، فالصلاة ~~من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة استغفار للمؤمنين، فذكر صلاته تحريضا ~~للمؤمنين على الذكر والتسبيح. قال السدي: قالت بنو إسرائيل لموسى عليه ~~السلام: أيصلي ربنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى، فأوحى الله تعالى إليه قل ~~لهم: إني أصلي، وإن صلاتي رحمتي وقد وسعت رحمتي كل شيء، وقيل: الصلاة ms2630 من ~~الله: هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده. وقيل: الثناء عليه. واستغفار ~~الملائكة ودعاؤهم للمؤمنين ترحم عليهم، وهو سبب للرحمة من حيث أنهم مجابو ~~الدعوة، فقد اشتركت الصلاتان، واللفظ المشترك يجوز استعماله في معنييه معا، ~~وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ جائز. قال الرازي: وينسب هذا القول ~~للشافعي رحمه الله تعالى # PageV03P254 # وهو غير بعيد، وذلك لأن الرحمة والاستغفار مشتركان في العناية بحال ~~المرحوم والمستغفر له، والمراد: هو القدر المشترك فتكون الدلالة تضمنية. # ولما كان فعل الملائكة منسوبا إليه قال تعالى: {ليخرجكم} أي: ليديم ~~إخراجه إياكم بذلك {من الظلمات} أي: الكفر والمعصية {إلى النور} إلى ~~الإيمان والطاعة، أو ليخرجكم من الجهل الموجب للضلال إلى العلم المثمر ~~للهدى {وكان} أي: أزلا وأبدا {بالمؤمنين} أي: الذين صار الإيمان وصفا لهم ~~{رحيما} أي: بليغ الرحمة بتوفيقهم حيث اعتنى بصلاح أمرهم واستعمل في ذلك ~~ملائكته المقربين فحملهم ذلك على الإخلاص في الطاعات فرفع لهم الدرجات في ~~روضات الجنات. # {تحيتهم} أي: المؤمنين {يوم يلقونه} أي: يرون الله تعالى {سلام} أي: يسلم ~~الله تعالى عليهم ويسلمهم من جميع الآفات، وروي عن البراء بن عازب قال: ~~{تحيتهم يوم يلقونه سلام} يعني يلقون ملك الموت فلا يقبض روح مؤمن إلا يسلم ~~عليه، وعن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك ~~يقرئك السلام، وقيل: تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم ~~{وأعد} أي: والحال أنه أعد {لهم} أي: بعد السلامة الدائمة {أجرا كريما} هو ~~الجنة، وتقدم ذكر الكريم في الرزق، فإن قيل: الإعداد إنما يكون ممن لا يقدر ~~عند الحاجة إلى الشيء عليه، وأما الله تعالى فغير محتاج ولا عاجز، فحيث ~~يلقاه يؤتيه ما يرضى به وزيادة، فما معنى الإعداد من قبل؟ أجيب: بأن ~~الإعداد للإكرام لا للحاجة. قال البيضاوي: ولعل اختلاف النظم لمحافظة ~~الفواصل والمبالغة فيما هو أهم. # {يا أيها النبي} أي: الذي نخبره بما لا يطلع عليه غيره {إنا أرسلناك} أي: ~~بعظمتنا إلى سائر خلقنا {شاهدا} أي: عليهم بتصديقهم وتكذيبهم ms2631 ونجاتهم ~~وضلالتهم، وشاهدا للرسل بالتبليغ، وهو حال مقدرة أو مقارنة لقرب الزمان ~~{ومبشرا} أي: لمن آمن بالجنة {ونذيرا} أي: لمن كذب بالنار. # {وداعيا إلى الله} أي: إلى توحيده وطاعته، وقوله تعالى: {بإذنه} حال أي: ~~متلبسا بتسهيله، ولا يريد حقيقة الإذن؛ لأنه مستفاد من أرسلناك {وسراجا} ~~أي: مثله في الاهتداء به يمد البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم للمبصر ~~لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي نور الإبصار {منيرا} أي: نيرا على من ~~اتبعه فيصير في أعظم ضياء، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام. وعبر به دون ~~الشمس مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج؛ لأن نور الشمس لا يؤخذ منه شيء، ~~والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة، إذا انطفأ الأول يبقى الذي أخذ منه، وكذلك ~~إن غاب النبي صلى الله عليه وسلم كان كل صحابي سراجا يؤخذ منه نور الهداية ~~كما قال صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» . # قال ابن عادل: وفي هذا الخبر لطيفة: وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم، لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل له في ~~نفسه نور إذا غرب لا يبقى نور يستفاد منه، فكذلك الصحابي إذا مات فالتابعي ~~يستنير بنور النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤخذ إلا قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفعله، فأنوار المجتهدين كلهم من النبي صلى الله عليه وسلم ولو ~~جعلهم كالسرج والنبي صلى الله عليه وسلم كان سراجا كان للمجتهد أن يستنير ~~بمن أراد منهم ويأخذ النور ممن اختار وليس كذلك، فإن مع نص النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يعمل بقول الصحابي، بل يؤخذ # PageV03P255 # النور من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يؤخذ من الصحابي فلم يجعله سراجا. # تنبيه: جوز الفراء أن يكون الأصل وتاليا سراجا، ويعني بالسراج: القرآن، ~~وعلى هذا فيكون من عطف الصفات وهي الذات واحدة؛ لأن التالي هو المرسل. ~~وقوله تعالى: # {وبشر المؤمنين} عطف على محذوف، مثل فراقب أحوال أمتك. ولم يقل أنذر ~~المعرضين إشارة للكرم. ms2632 وقوله تعالى: {بأن لهم من الله فضلا كبيرا} كقوله ~~تعالى {أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} (الأحزاب: 35) # والعظيم والكبير متقاربان. # ولما أمره سبحانه وتعالى بما يسر نهاه عما يضر بقوله تعالى: # {ولا تطع الكافرين والمنافقين} أي: لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلت إليك من ~~الإنذار وغيره كراهة لشيء من مقالهم وأفعالهم في أمر زينب وغيرها، فإنك ~~نذير لهم، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في قوله مصرحا بما اقتضاه ~~ما قبله {ودع} أي: اترك على حالة حسنة لك وأمر جميل بك {أذاهم} فلا تحسب له ~~حسابا أصلا، واصبر عليه فإن الله تعالى دافع عنك لأنك داع بإذنه {وتوكل على ~~الله} أي: الملك الأعلى {وكفى بالله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة {وكيلا} ~~أي: حافظا. قال البغوي: وهذا منسوخ بآية القتال. # ولما بدأ الله تعالى بتأديب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر ما يتعلق ~~بجانب الله تعالى بقوله تعالى: {يا أيها النبي اتق الله} وثنى بما يتعلق ~~بجانب من هو تحت يده من أزواجه الشريفات بقوله تعالى: بعده: {يا أيها النبي ~~قل لأزواجك} وثلث بما يتعلق بذكر العامة بقوله تعالى: {يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا} وكان تعالى كلما ذكر لنبيه مكرمة وعلمه أدبا ذكر للمؤمنين ~~ما يناسبه، فلذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بجانب الله تعالى فقال: {يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم ~~بقوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} أي: عقدتم على الموصوفات بهذا ~~الوصف الشريف المقتضى لغاية الرغبة فيهن، وأتم الوصلة بينكم وبينهن ثم كما ~~ثلث في تأديب النبي صلى الله عليه وسلم بجانب الأمة ثلث في حق المؤمنين بما ~~يتعلق بهم فقال بعد هذا: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} ~~(الأحزاب: 53) # {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} (الأحزاب: 56) # فإن قيل: إذا كان هذا إرشادا بما يتعلق بجانب منه ومن خواص المرأة فلم خص ~~المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس بقوله تعالى: {ثم ms2633 طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن} أي: تجامعوهن، أطلق المس على الجماع؛ لأنه طريق له كما سمى الخمر ~~إثما؛ لأنها سببه؟ أجيب: بأن هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ~~ما دونها.l # وبيانه: أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكيد العهد، ~~ولهذا قال تعالى في حق الممسوسة: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا} (النساء: 21) # فإذا أمر الله تعالى بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك ~~بما حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء، أو حصل تأكدها بحصول الولد ~~بينهما، وهذا كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} (الإسراء: 23) # ولو قال: لا تضر بهما ولا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى يختص بالضرب أو ~~الشتم لهما، فأما إذا قال: {لا تقل لهما أف} لعلم منه معان كثيرة فكذلك ~~ههنا أمر بالإحسان مع من لا مودة معها، فعلم منه الإحسان إلى الممسوسة، ومن ~~لم تطلق بعد، ومن ولدت عنده منه، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد ~~الميم، والباقون بفتح # PageV03P256 # التاء ولا ألف بعد الميم. # ولما كانت العدة حقا للرجال وإن كانت لا تسقط بإسقاطهم لما فيها من حق ~~الله تعالى قال تعالى: {فما لكم عليهن من عدة} أي: أياما يتربصن فيها ~~بأنفسهن {تعتدونها} أي: تحصونها وتستوفونها بالإقراء وغيرها، فتعتدونها صفة ~~لعدة، وتعتدونها إما من العدد، وإما من الاعتداد، أو تحسبونها أو تستوفون ~~عددها من قولك: عد الدراهم فاعتدها أي: استوفى عددها نحو: كلته فاكتال ~~ووزنته فاتزن، فإن قيل: ما الفائدة في الاتيان بثم وحكم من طلقت على الفور ~~بعد العقد كذلك؟ أجيب: بأن ذلك إزاحة لما قد يتوهم أن تراخي الطلاق ريثما ~~تمكن الإصابة كما يؤثر في النسب فيؤثر في العدة، وظاهره يقتضي عدم وجود ~~العدة بمجرد الخلوة، وتخصيص المؤمنات والحكم عام للتنبيه على أن شأن المؤمن ~~أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرا لنطفة المؤمن، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق ~~الطلاق قبل النكاح لا يصح؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق بكلمة ثم ms2634 وهي للتراخي ~~حتى لو قال لأجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق ~~فنكح لا يقع الطلاق. وهو قول علي وابن مسعود وجابر ومعاذ وعائشة رضي الله ~~تعالى عنهم، وبه قال أهل العلم: منهم الشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهما. ~~وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: يقع الطلاق، وهو قول ~~إبراهيم النخعي وأصحاب الرأي: وقال ربيعة ومالك والأوزاعي: إن عين امرأة ~~يقع وإن عمم فلا يقع. # وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: كذبوا على ابن مسعود رضي ~~الله عنه، إن كان قالها فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي ~~طالق، يقول الله تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} ولم يقل إذا ~~طلقتموهن ثم نكحتموهن. وروى عطاء عن جابر: لا طلاق قبل النكاح وقوله تعالى: ~~{فمتعوهن} أي: أعطوهن ما يستمتعن به محله كما قال ابن عباس رضي الله عنه: ~~إذا لم يكن سمى لها صداقا وإلا فلها نصف الصداق ولا متعة لها، وقال قتادة: ~~هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {فنصف ما فرضتم} (البقرة: 237) # أي: فلا متعة لها مع وجوب نصف الفرض. # واختلف في المتعة هل هي واجبة، أو مندوبة؟ وهي عندنا: واجبة بشروط وقد ~~تقدم، والكلام عليها عند قوله تعالى: {فتعالين أمتعكن} وعند بعض الأئمة ~~أنها مندوبة، وقال بعضهم: هي مندوبة عند استحقاقها نصف المهر، واجبة عند ~~عدمه، وذهب بعضهم إلى أنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية {وسرحوهن ~~سراحا جميلا} أي: خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار، وليس لكم عليهن عدة، ~~وقيل: السراح الجميل أن لا يطالب بما دفعه إليها بأن يخلي لها جميع المهر ~~وقوله تعالى: # {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} أي: مهورهن؛ ~~لأن المهر أجر على البضع بيان لإيثار الأفضل له لا لتوقف الحل عليه، وليفيد ~~إحلال المملوكة بكونها مسببة بقوله تعالى: {وما ملكت يمينك مما أفاء الله} ~~أي: الذي له الأمر كله {عليك} مثل صفية بنت حيي النضيرية، ms2635 وريحانة القرظية، ~~وجويرية بنت الحارث الخزاعية، مما كن في أيدي الكفار، وتقييد الأقارب ~~بكونهن مهاجرات معه في قوله تعالى {وبنات عمك} أي: الشقيق وغيره {وبنات ~~عماتك} أي: نساء قريش، ولما بدأ بالعمومة لشرفها أتبعها قوله تعالى: {وبنات ~~خالك} جاريا # PageV03P257 # في الإفراد والجمع على ذلك النحو {وبنات خالاتك} من نساء بني زهرة، وقال ~~البقاعي: ويمكن في ذلك احتباك عجيب وهو بنات عمك، وبنات أعمامك، وبنات ~~عماتك، وبنات عمتك، وبنات خالك، وبنات أخوالك، وبنات خالتك انتهى. وقوله ~~تعالى: {اللاتي هاجرن معك} يحتمل تقييد الحل بذلك في حقه خاصة. # ويعضده ما روى الترمذي والحاكم عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت في ~~خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم «فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله ~~تعالى {إنا أحللنا لك أزواجك} الآية فلم أكن لأحل له لأني لم أهاجر، كنت من ~~الطلقاء أي: الأسراء الذين أطلقوا من الأسر، وخلى سبيلهم» قال ابن عادل: ثم ~~نسخ شرط الهجرة في التحليل انتهى. ثم إن الله تعالى ذكر ما خص به نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وامرأة} أي: حرة {مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ~~إن أراد النبي} أي: الذي أعلينا قدره بما خصصناه به {أي: يستنكحها} أي: ~~يوجد نكاحه لها بجعلها من منكوحاته فتصير له بمجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ولا ~~شهود، وخرج بالمؤمنة الكتابية فلا تحل له؛ لأنها تكره صحبته، ولأنه أشرف من ~~أن يضع ماءه في رحم كافرة ولقوله تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} (الأحزاب: 6) # ولا يجوز أن تكون المشركة أم المؤمنين، ولخبر: «سألت ربي أن لا أزوج إلا ~~من كان معي في الجنة فأعطاني» رواه الحاكم وصحح إسناده، وأما التسري ~~بالكتابية فلا يحرم عليه، قال الماوردي: لأنه صلى الله عليه وسلم تسرى ~~بريحانة وكانت يهودية من بني قريظة» ، واستشكل بهذا تعليلهم السابق بأنه ~~أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، وأجيب: بأن القصد بالنكاح أصالة التوالد ~~فاحتيط له، وبأنه يلزم فيه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك ~~فيها، وخرج ms2636 بالحرة الرقيقة وإن كانت مؤمنة لأن نكاحها معتبر بخوف العنت وهو ~~معصوم، وبفقدان مهر حرة، ونكاحه غني عن المهر ابتداء وانتهاء، وبرق الولد ~~ومنصبه صلى الله عليه وسلم منزه عنه. # تنبيه: في نصب امرأة وجهان: أحدهما: أنه عطف على مفعول أحللنا أي: ~~وأحللنا لك امرأة موصوفة بهذين الشرطين. قال أبو البقاء: وقد رد هذا قوم ~~وقالوا: أحللنا ماض، وإن وهبت وهو صفة المرأة مستقبل، فأحللنا في موضع ~~جوابه، وجواب الشرط لا يكون ماضيا في المعنى، قال: وهذا ليس بصحيح لأن معنى ~~الإحلال ههنا: الإعلام بالحل إذا وقع الفعل على ذلك كما تقول: أبحت لك أن ~~تكلم فلانا إن سلم عليك. # والثاني: أنه نصب بمقدر تقديره ونحل لك امرأة، وفي قول الله تعالى: {إن ~~وهبت} إن أراد اعتراض الشرط على الشرط، والثاني: هو قيد في الأول ولذلك ~~تعربه حالا؛ لأن الحال قيد، ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الثاني على الأول ~~في الوجود، فلو قال لزوجته: إن أكلت إن ركبت فأنت طالق فلا بد أن يتقدم ~~الركوب على الأكل وهذا لتحقيق الحالية والتقييد كما ذكر، إذ لو لم يتقدم ~~لخلا جزء من الأكل غير مقيد بركوب، فلهذا اشترط تقدم الثاني، ولكن يشترط أن ~~لا يكون ثم قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقوله لامرأة: إن تزوجتك ~~إن طلقتك فعبدي حر لا يتصور هنا تقدم الطلاق على التزوج، قال بعض المفسرين: # وقد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية وذلك أن الشرط الثاني ~~ههنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~لا أنه لا يمكن عقلا، وذلك أن المفسرين # PageV03P258 # فسروا قوله تعالى: {إن أراد} بمعنى قبل الهبة لأن بالقبول منه صلى الله ~~عليه وسلم يتم نكاحه وهذا لا يتصور تقدمه على الهبة؛ إذ القبول متأخر، فإن ~~العصمة كانت في تأخر إرادته عن هبتها، ولما جاء أبو حيان إلى هنا جعل الشرط ~~الثاني مقدما على الأول على القاعدة العامة، ولم يستشكل شيئا مما ذكر. قال ms2637 ~~ذلك البعض. وقد عرضت هذا الإشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به ~~ولم يظهر عنه جواب إلا ما قدمته من أنه ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلته ~~آنفا. # ولما كان ربما فهم أن غير النبي صلى الله عليه وسلم يشاركه في هذا المعنى ~~قال الله منبها للخصوصية: {خالصة لك} وزاد المعنى بيانا بقوله تعالى: {من ~~دون المؤمنين} أي: من الأنبياء وغيرهم. # تنبيهات: الأول في إعراب خالصة وفيه أوجه: أحدها: أنه منصوب على الحال من ~~فاعل وهبت أي: حالة كونها خالصة لك دون غيرك. ثانيها: أنه نعت مصدر مقدر ~~أي: هبة خالصة فنصبه بوهبت. ثالثها: أنه حال من امرأة؛ لأنها وصفت فتخصصت، ~~وهو بمعنى الأول، وإليه ذهب الزجاج، وقيل غير ذلك. والمعنى: أنا أحللنا لك ~~امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق. # التنبيه الثاني: في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة وفيه خلاف: ~~فقال سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء: لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو ~~التزويج، وبه قال مالك وربيعة والشافعي. ومعنى الآية: أن إباحة الوطء ~~بالهبة وحصول التزويج بلفظها من خواصه صلى الله عليه وسلم وقال النخعي وأبو ~~حنيفة وأهل الكوفة: ينعقد بلفظ الهبة والتمليك. وأن معنى الآية: أن تلك ~~المرأة صارت خالصة لك زوجة من أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبدا بالتزويج، ~~وأجيب: بأن هذا التخصيص بالواهبة لا فائدة فيه، فإن أزواجه صلى الله عليه ~~وسلم كلهن خالصات له، وما مر فللتخصيص فائدة. # التنبيه الثالث: في التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم هل كانت ~~عنده امرأة منهن؟ فقال عبد الله بن عباس ومجاهد: لم يكن عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك ~~يمين وقوله تعالى {وهبت نفسها} على طريق الشرط والجزاء، وقال غيرهما: بل ~~كانت موهوبة وهو ظاهر الآية، واختلفوا فيها: فقال الشعبي: هي زينب بنت ~~خزيمة الهلالية يقال لها: أم لمساكين، وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث، ~~وقال علي بن ms2638 الحسين والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد، وقال ~~عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سليم. # التنبيه الرابع: في ذكر شيء من خصائصه صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت منها ~~أشياء كثيرة ينشرح الصدر بها في شرح التنبيه فلا أطيل بذكرها هنا، ولكن ~~أذكر منها طرفا يسيرا تبركا ببركة صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن ~~ذكرها مستحب. قال النووي في روضته: ولا يبعد القول بوجوبها لئلا يرى الجاهل ~~بعض الخصائص في الخبر الصحيح فيعمل به أخذا بأصل التأسي، فوجب بيانها لتعرف ~~وهي أربعة أنواع: # أحدها الواجبات وهي أشياء كثيرة: منها الضحى، والوتر، والأضحية، وفي ~~الحديث ما يدل على أن الواجب أقل الضحى، وقياسه أن الوتر كذلك. ومنها ~~السواك لكل صلاة، والمشاورة لذوي الأحلام في الأمر، وتخيير نسائه بين ~~مفارقته طلبا للدنيا واختياره طلبا للآخرة، ولا يشترط الجواب له منهن # PageV03P259 # فورا، فلو اختارته واحدة لم يحرم عليه طلاقها أو كرهته توقفت الفرقة على ~~الطلاق، وليس قولها: اخترت نفسي بطلاق كما مرت الإشارة إليه، وله تزوجها ~~بعد الفراق. # النوع الثاني: المحرمات: وهي أشياء كثيرة منها الزكاة والصدقة وتعلم الخط ~~والشعر ومد العين إلى متاع الدنيا. وخائنة الأعين وهي: الإيماء بما يظهر ~~خلافه دون الخديعة في الحرب، وإمساك من كرهت نكاحه. ومنها نكاح كتابية لا ~~للتسري بها كما مر، ولا يحرم عليه أكل الثوم ونحوه ولا الأكل متكئا. # النوع الثالث: التخفيفات والمباحات: وهي كثيرة جدا منها: تزويج من شاء من ~~النساء لمن شاء ولو لنفسه بغير إذن من المرأة ووليها متوليا للطرفين، وزوجه ~~الله تعالى، وأبيح له الوصال ونصفي المغنم. ويحكم ويشهد لولده ولو لنفسه، ~~وأبيح له نكاح تسع، وقد تزوج صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ومات عن تسع، قال ~~الأئمة: وكثرة الزوجات في حقه صلى الله عليه وسلم للتوسعة في تبليغ الأحكام ~~عنه الواقعة سرا مما لا يطلع عليه الرجال، ونقل محاسنه الباطنة فإنه صلى ~~الله عليه وسلم تكمل له الظاهر والباطن، وحرم عليه الزيادة ms2639 عليهن، ثم نسخ ~~وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. # وينعقد نكاحه محرما وبلفظ الهبة إيجابا لا قبولا، بل يجب لفظ النكاح أو ~~التزويج لظاهر قوله تعالى: {إن أراد النبي أن يستنكحها} ولا مهر للواهبة له ~~وإن دخل بها، وتجب إجابته على امرأة رغب فيها، ويجب على زوجها طلاقها ~~لينكحها. # النوع الرابع: الفضائل: وهي كثيرة لا تدخل تحت الحصر منها: تحريم ~~منكوحاته على غيره سواء كن موطوآت أم لا، مطلقات باختيارهن أم لا، وتحريم ~~سراريه وهن إماؤه الموطوآت بخلاف غير الموطوآت، وتقدم أن نساءه أمهات ~~المؤمنين لا المؤمنات بخلافه صلى الله عليه وسلم فإنه أبو الرجال والنساء، ~~وتقدم الكلام على قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} (الأحزاب: ~~40) # وإن ثوابهن وعقابهن مضاعف. # ومنها أنه يحرم سؤالهن إلا من وراء حجاب، وأفضلهن خديجة ثم عائشة، وأفضل ~~نساء العالمين مريم بنت عمران إذ قيل بنبوتها، ثم فاطمة بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم خديجة، ثم عائشة، ثم آسية امرأة فرعون، وأما خبر ~~الطبراني: خير نساء العالمين مريم بنت عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة ~~بنت محمد صلى الله عليه وسلم ثم آسية امرأة فرعون فأجيب عنه: بأن خديجة ~~إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة، وتقدم أنه صلى الله ~~عليه وسلم خاتم النبيين. # ومنها: أنه أول النبيين خلقا وأفضل الخلق على الإطلاق، وخص بتقديم نبوته ~~فكان نبيا وآدم منجدل في طينته، وبتقديم أخذ الميثاق عليه، وبأنه أول من ~~قال: بلى وقت {ألست بربكم} وبخلق آدم وجميع المخلوقات من أجله، وبكتابة ~~اسمه الشريف على العرش والسماوات والجنات وسائر ما في الملكوت، وبشق صدره ~~الشريف، وبجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه، وبحراسة السماء من استراق ~~السمع والرمي بالشهب، وبإحياء أبويه حتى آمنا به، وبأنه أول من تنشق عنه ~~الأرض يوم القيامة، وأول من يقرع باب الجنة، وأول شافع وأول مشفع، وأكرم ~~بالشفاعات الخمس يوم القيامة: # أولها: العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء. # الثانية: في ms2640 إدخال خلق الجنة بغير حساب جعلنا الله وأحبابنا منهم. # الثالثة: في ناس استحقوا # PageV03P260 # دخول النار فلا يدخلونها. # الرابعة: في ناس دخلوا النار فيخرجون منها. # الخامسة: في رفع درجات ناس في الجنة وكلها ثبتت بالأخبار، وخص منها ~~بالعظمى ودخول خلق من أمته الجنة بغير حساب وهي الثانية. قال النووي في ~~روضته: ويجوز أن يكون خص بالثالثة والخامسة أيضا، ونصر بالرعب مسيرة شهر، ~~وجعلت له الأرض مسجدا وترابها طهورا، وأحلت له الغنائم، وأرسل إلى الكافة ~~ورسالة غيره خاصة، وأما عموم رسالة نوح عليه السلام بعد الطوفان فلانحصار ~~الباقين فيمن كان معه في السفينة وهو أكثر الأنبياء أتباعا، وأمته خير ~~الأمم وأفضلها أصحابه، وأفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة، ثم ~~باقي العشرة. وهي معصومة لا تجتمع على ضلالة، وصفوفهم كصفوف الملائكة، ولها ~~فضائل كثيرة على سائر الأمم. منها: # أنها أول من يدخل الجنة بعد الأنبياء عليهم السلام. ومنها: وضع الإصر، ~~وليلة القدر والجمعة ورمضان على أحد قولين، ونظر الله تعالى إليهم ومغفرته ~~لهم أول ليلة منه، وطيب خلوف فم صائمه عنده تعالى، واستغفار الملائكة عليهم ~~السلام في ليله ونهاره، وأمر الله تعالى الجنة أن تتزين لهم، ورد صدقاتهم ~~إلى فقرائهم، والغرة والتحجيل من أثر الوضوء، وسلسلة الإسناد والحفظ عن ظهر ~~قلب، وأخذ العلم عن الأحداث والمشايخ. # وكتابه صلى الله عليه وسلم معجز محفوظ من التغيير والتبديل، وأقيم بعده ~~حجة على الناس، ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت، وشريعته مؤبدة ناسخة لغيرها ~~من الشرائع، وتطوعه قاعدا كقائم، ويحرم رفع الصوت فوق صوته، قال القرطبي: ~~وكره بعضهم رفعه عند قبره صلى الله عليه وسلم ولا تبطل صلاة من خاطبه ~~بالسلام، وتجب إجابته في الصلاة ولو بالفعل ولا تبطل، ويحرم نداؤه من وراء ~~الحجرات، ويحرم نداؤه باسمه كيا محمد صلى الله عليه وسلم لا بكنيته كيا أبا ~~القاسم، ويحرم التكني بكنيته مطلقا. وقيل: مختص بزمنه. وقيل على من اسمه ~~محمد، وكان يتبرك ويستشفى ببوله ودمه وفضلاته النازلة من الدبر لا ترى ~~بخلافها من القبل. والذي صوبه بعض ms2641 المتأخرين طهارتها وهو الصواب، وأولاد ~~بناته ينسبون إليه. وأعطي جوامع الكلم. # وكان يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الوحي ولا يسقط عنه التكليف، ورؤيته في ~~النوم حق، ولا يعمل بها فيما يتعلق بالأحكام لعدم ضبط النائم، والكذب عمدا ~~عليه كبيرة، ولا يجوز الجنون على الأنبياء ولا الاحتلام ولا تأكل الأرض ~~لحومهم. وفي هذا القدر كفاية. ومن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتب ~~الخصائص، فإن العلماء قد صنفوا في ذلك تصانيف، وأنا أسأل الله تعالى من ~~فضله وكرمه أن يشفعه فينا ويدخلنا معه الجنة، ويفعل ذلك بأهلينا ومشايخنا ~~وإخواننا ومحبينا ولا يحرمنا زيارته ولا رؤيته قبل الممات. # ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما ~~كان لغير المخصوص تام القدرة لمنع غيره من ذلك قال تعالى: {قد} أي: أخبرناك ~~بأن هذا أمر يخصك غيرهم لا ناقد {علمنا ما فرضنا} أي: قدرنا بعظمتنا ~~{عليهم} أي: على المؤمنين {في أزواجهم} أي: من شرائط العقد، وأنهم لا تحل ~~لهم امرأة بلفظ الهبة منها، ولا بدون مهر ولا بدون ولي وشهود، وهذا عام ~~لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين {و} في {ما ملكت أيمانهم} من الإماء ~~بشراء وغيره بأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية ~~والوثنية، وأن تستبرأ قبل الوطء، وقيل: # PageV03P261 # المراد أن أحدا غيرك لا يملك رقبة بهبتها لنفسها منه فيكون أحق من سيدها. # ولما فرغ من تعليل الدونية علل التخصيص لفا ونشرا مشوشا بقوله تعالى: ~~{لكي لا يكون عليك حرج} أي: ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع ~~المنكوحات وزدناك الواهبة، فلكيلا متعلق بخالصة وما بينهما اعتراض، ومن دون ~~متعلق بخالصة كما تقول خلص من كذا {وكان الله} أي: المتصف بصفات الكمال ~~أزلا وأبدا {غفورا رحيما} أي: بليغ الستر على عباده. # ولما ذكر تعالى ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن وكان ~~صلى الله عليه وسلم أعدل الناس فيهما وأشدهم لله خشية، وكان يعدل بينهن ~~ويعتذر مع ذلك عن ميل القلب الذي ms2642 هو خارج عن طوق البشر بقوله: «اللهم هذا ~~قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك» خفف عنه سبحانه وتعالى بقوله: # {ترجي} أي: تؤخر وتترك مصاحبتها {من تشاء منهن وتؤوي} أي: تضم {إليك من ~~تشاء} وتضاجعها، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بياء ساكنة بعد الجيم من ~~الإرجاء أي: تؤخرها مع أفعال تكون بها راجية لعطفك، والباقون بهمزة مضمومة ~~وهو مطلق التأخير {ومن ابتغيت} أي: طلبت {ممن عزلت} أي: من القسمة {فلا ~~جناج عليك} أي: في وطئها وضمها إليك. # تنبيه: اختلف المفسرون في معنى هذه الآية: فأشهر الأقوال أنها في القسم ~~بينهن، وذلك أن التسوية بينهن في القسم كانت واجبة عليه، فلما نزلت هذه ~~الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية حين ~~غار بعض أمهات المؤمنين على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة في ~~النفقة فهجرهن النبي صلى الله عليه وسلم شهرا حتى نزلت آية التخيير، فأمره ~~الله عز وجل أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا، ~~ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، وأن لا ينكحن أبدا، ~~وعلى أن يؤوي إليه من يشاء ويرجي من يشاء فيرضين، قسم لهن أو لم يقسم قسم، ~~لبعضهن دون بعض، أو فضل بعضهن في النفقة والقسمة فيكون الأمر في ذلك إليه ~~يفعل كيف يشاء، وكان ذلك من خصائصه فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط، ~~وذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع. ~~والرجل وإن لم يكن نبيا فالزوجة في ملك نكاحه، والنكاح عليها رق، فكيف ~~زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة إليه، فإذا هن كالمملوكات له ولا ~~يجب لقسم بين المملوكات. # واختلفوا هل أخرج أحدا منهن عن القسم؟ فقال بعضهم: لم يخرج أحدا منهن عن ~~القسم بل: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما جعل الله له من ذلك ~~يسوى بينهن في القسم، إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم، وجعلت ms2643 يومها ~~لعائشة» وقيل: أخرج بعضهن. # روى جرير عن منصور عن أبي رزين قال: لما نزلت آية التخيير أشفقن أن ~~يطلقهن فقلن يا رسول الله: اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا ~~فنزلت هذه الآية فأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهن، وآوى إليه ~~بعضهن، فكان ممن أوى: عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة، وكان يقسم بينهن سواء، ~~وأرجأ منهن خمسا: أم حبيبة وميمونة وسودة وصفية وجويرية، فكان لا يقسم لهن ~~ما شاء، وقال مجاهد: {ترجي من تشاء منهن} أي: تعزل من تشاء منهن بغير طلاق، ~~وترد # PageV03P262 # إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد، وقال ابن عباس: تطلق من تشاء منهن ~~وتمسك من تشاء. # وقال الحسن: تترك نكاح من شئت من نساء أمتك. قال: وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقيل: تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك ~~فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها، وروى هشام عن أبيه قال: «كانت خولة ~~بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: أما ~~تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجي من تشاء منهن قلت: يا رسول ~~الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك» {ذلك} أي: التفويض إلى مشيئتك {أدنى} ~~أي: أقرب {أن} أي: إلى أن {تقر أعينهن} أي: بما حصل لهن من عشرتك الكريمة، ~~وهو كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد؛ لأن من كان كذلك كانت عينه ~~قارة، ومن كان مهموما كانت عينه كثيرة التقلب، هذا إذا كان من القرار بمعنى ~~السكون. # ويجوز أن يكون من القر الذي هو ضد الحر؛ لأن المسرور تكون عينه باردة، ~~والمهموم تكون عينه حارة، فذلك يقال للصديق: أقر الله تعالى عينك. وللعدو: ~~سخن الله عينك {ولا يحزن} أي: بالفراق وغيره مما يحزن من ذلك {ويرضين} ~~لعلمهن أن ذلك من الله تعالى {بما أتيتهن} أي: من الأجور ونحوها من ms2644 نفقة ~~وقسم وإيثار وغيرها. ثم أكد ذلك بقوله تعالى: {كلهن} أي: ليس منهن واحدة لا ~~هي كذلك؛ لأن حكم كلهن فيه سواء، إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك، وإن ~~رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن نفوسهن، وزاد ذلك تأكيدا لما ~~لذلك من الغرابة بقوله تعالى: {والله} أي: بما له من الإحاطة بصفات الكمال ~~{يعلم ما في قلوبكم} أي: الخلائق كلهم، فلا يدع أن يعلم ما في قلوب هؤلاء ~~{وكان الله} أي: أزلا وأبدا {عليما} أي: بكل شيء من يطيعه ومن يعصيه ~~{حليما} لا يعاجل من عصاه بل يديم إحسانه إليه في الدنيا، فيجب أن يتقي ~~لعلمه وحلمه، فعلمه موجب للخوف منه وحلمه مقتض للاستحياء منه، وأخذ الحليم ~~شديد، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن يعلم تقصيره في حقه، فإنه سبحانه ~~يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه منه، ويرفع قدره ويعلي ذكره. # وروى البخاري في التفسير عن معاذ عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية {ترجي من تشاء} ~~الآية قلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إلي فإني لا ~~أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا» . # ولما أمره الله تعالى بالتخيير وخيرهن واخترن الله ورسوله زاد الله تعالى ~~سرورهن بقوله تعالى: # {لا يحل لك النساء من بعد} أي: بعد من معك من هؤلاء التسع اللاتي اخترنك ~~شكرا من الله لهن؛ لكونهن لما نزلت آية التخيير اخترن الله ورسوله فحرم ~~عليه النساء سواهن، ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن بقوله تعالى: {ولا ~~أن تبدل بهن} أي: هؤلاء التسع، وأعرق في النفي بقوله تعالى: {من} أي: شيئا ~~من {أزواج} أي: بأن تطلقهن أي: هؤلاء المعينات أو بعضهن وتأخذ بدلها من ~~غيرهن {ولو أعجبك حسنهن} أي: النساء المغايرات لمن معك. قال ابن عباس: يعني ~~أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد أراد رسول ~~الله صلى ms2645 الله عليه وسلم أن # PageV03P263 # يخطبها فنهي عن ذلك، وقرأ أبو عمرو لا تحل لك بالتاء الفوقية والباقون ~~بالياء التحتية، وشدد البزي التاء من أن تبذل. # تنبيه: في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير ~~العورة في الصلاة، فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين، ومن الأمة ما عدا ~~ما بين السرة والركبة، واحتج لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة وقد ~~خطب امرأة: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما أن تدوم المودة والإلفة» ~~رواه الحاكم وصححه. وقوله تعالى: {إلا ما ملكت يمينك} استثناء من النساء؛ ~~لأنه يتناول الأزواج والإماء أي: فتحل لك، وقد ملك بعدهن مارية وولدت له ~~إبراهيم ومات، واختلفوا هل أبيح له النساء من بعد؟ قالت عائشة: «ما مات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء» أي: فنسخ ذلك، وأبيح ~~له أن ينكح أكثر منهن بآية {إنا أحللنا لك أزواجك} ، فإن قيل: هذه الآية ~~متقدمة وشرط الناسخ أن يكون متأخرا؟ أجيب: بأنها مؤخرة في النزول مقدمة في ~~التلاوة، وهذا أصح الأقوال. # وقال أنس: مات على التحريم، وقال عكرمة والضحاك: معنى الآية لا تحل لك ~~النساء بعد التي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها، وقيل لأبي بن كعب: لو ~~مات نساء النبي صلى الله عليه وسلم أكان يحل له أن يتزوج فقال: وما يمنعه ~~من ذلك قيل: قوله تعالى: {لا تحل لك النساء من بعد} قال: إنما أحل الله ~~تعالى له ضربا من النساء فقال: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} ~~(الأحزاب: 50) # ثم قال {لا تحل لك النساء من بعد} قال أبو صالح: أمر أن لا يتزوج أعرابية ~~ولا غريبة ويتزوج من نساء قومه من بنات العم والعمة، والخال والخالة إن شاء ~~ثلثمائة وقال مجاهد: معناه لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد ~~المسلمات ولا أن تبدل بهن، يقول: ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من اليهود ~~والنصارى. وقال ابن زيد في قوله تعالى: {ولا أن تبدل بهن من أزواج} ms2646 كانت ~~العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يقول الرجل للرجل: بادلني بامرأتك ~~وأبادلك بامرأتي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي فأنزل الله تعالى: ~~{ولا أن تبدل بهن من أزواج} يعني: تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجتك ~~وتأخذ زوجته إلا ما ملكت يمينك فلا بأس أن تبادل بجاريتك من شئت، فأما ~~الحرائر فلا. # روى عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بغير إذن ومعه عائشة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «يا عيينة ~~أين الاستئذان قال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر مذ أدركت، ثم ~~قال: من هذه الحميرة إلى جنبك فقال: هذه عائشة أم المؤمنين، فقال عيينة: ~~أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد ~~حرم ذلك، فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: هذا أحمق مطاع ~~وإنه على ما ترين لسيد قومه» . # ولما أمر تعالى في هذه الآيات بأشياء ونهى عن أشياء، وحد حدودا حذر من ~~التهاون بشيء منها ولو بنوع تأويل بقوله تعالى: {وكان الله} أي: الذي لا ~~شيء أعظم منه وهو المحيط بجميع صفات الكمال {على كل شيء رقيبا} أي: حافظا ~~عالما بكل شيء قادرا عليه فتحفظوا أمركم ولا تتخطوا ما حد لكم وهذا من أشد ~~الأشياء وعيدا. # ولما ذكر حالة النبي صلى الله عليه وسلم مع أمته في قوله تعالى: {يا أيها ~~النبي إنا أرسلناك شاهدا} (الأحزاب: 45) # ذكر حالهم معه من الاحترام له صلى الله عليه وسلم بقوله # PageV03P264 # تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن {لا ~~تدخلوا بيوت النبي} أي: الذي تأتيه الأنباء من علام الغيوب مما فيه رفعته ~~في حال من الأحوال أصلا {إلا} في حال {أن يؤذن لكم} أي: ممن له الإذن في ~~بيوته صلى الله عليه وسلم منه، أو ممن يأذن له في الدخول بالدعاء {إلى ~~طعام} أي: أكله حال كونكم {غير ms2647 ناظرين} أي: منتظرين {أناه} أي: نضجه وهو ~~مصدر أنى يأني، وقرأ هشام وحمزة والكسائي بالإمالة وورش بالفتح وبين ~~اللفظين والباقون بالفتح. # ولما كان هذا الدخول بالإذن مطلقا وكان يراد تقييده قال تعالى: {ولكن إذا ~~دعيتم} أي: ممن له الدعوة {فادخلوا} أي: لأجل ما دعاكم له ثم تسبب عنه قوله ~~تعالى: {فإذا طعمتم} أي: أكلتم طعاما أو شربتم شرابا {فانتشروا} أي: اذهبوا ~~حيث شئتم في الحال ولا تمكثوا بعد الأكل أو الشرب لا مستريحين لقرار الطعام ~~{ولا مستأنسين لحديث} أي: طالبين الأنس لأجله. # فائدة: قال الحسن: حسبك بالثقلاء أن الله لم يتجوز في أمورهم، وعن عائشة ~~رضي الله تعالى عنها أنها قالت: حسبك بالثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم. # ثم علل ذلك بقوله تعالى: مصوبا الخطاب إلى جميعهم معظما له بأداة البعد ~~{إن ذلكم} أي: الأمر الشديد وهو المكث بعد الفراغ {كان يؤذي النبي} أي: ~~الذي هيأناه لسماع ما ننبئه به مما يكون سبب شرفكم وعلوكم في الدارين، ~~فاحذروا أن تشغلوه عن شيء منه، ثم تسبب عن ذلك المانع له من مواجهتهم له ~~بما يزيد أذاه بقوله تعالى: {فيستحيي منكم} أي: بأن يأمركم بالانصراف ~~{والله} أي: الذي له جميع الأمر {لا يستحيي من الحق} أي: لا يفعل فعل ~~المستحيي فيؤديه ذلك إلى ترك الأمر به. # تنبيه: قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب حين بنى بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما روى ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك: ~~«أنه كان ابن عشر سنين فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال: ~~فكانت أمهاتي توطنني على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم فخدمته عشر سنين ~~وتوفي وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ~~ما أنزل في بناء رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش أصبح النبي ~~صلى الله عليه وسلم بها عروسا فدعا القوم وأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي ~~رهط منهم عند النبي صلى الله عليه ms2648 وسلم فأطالوا المكث فقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي صلى الله عليه وسلم ومشيت ~~حتى جاء عتبة حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع ~~ورجعت معه حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يخرجوا فرجع النبي صلى ~~الله عليه وسلم ورجعت معه حتى إذا بلغ حجرة عائشة فظن أنهم قد خرجوا، فرجع ~~ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينه ~~الستر ونزلت آية الحجاب، وقال أبو عثمان: واسمه الجعد عن أنس قال: فدخل ~~يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو ~~يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} إلى قوله ~~تعالى {والله لا يستحيي من الحق} . # وروي عن ابن عباس: «أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى # PageV03P265 # أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى ~~بهم فنزلت الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} الآية. # وروى أبو يعلى الموصلي عن أنس قال: «بعثتني أم سليم برطب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فوضعته بين يديه فأصاب منه ثم أخذ بيدي فخرجنا، وكان ~~حديث عهد بعرس زينب بنت جحش قال: فمر بنساء من نسائه وعندهن رجال يتحدثون ~~فهنينه وهناه الناس فقالوا: الحمد لله أقر بعينك يا رسول الله فمضى حتى أتى ~~عائشة فإذا عندها رجال قال: فكره ذلك، وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه قال: ~~فأتيت أم سليم فأخبرتها فقال أبو طلحة: لئن كان كما قال ابنك ليحدثن أمر ~~قال: فلما كان من العشي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر ثم ~~تلا هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا} الآية. # وروى البخاري وغيره عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم عروسا ms2649 بزينب ~~فقالت لي أم سليم: لو أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية فقلت لها: افعلي ~~فعمدت إلى تمر وأقط وسمن فاتخذت حيسة في برمة وأرسلت بها معي إليه فقال لي: ~~ضعها ثم أمرني فقال: ادع لي رجالا سماهم، وادع لي من لقيت ففعلت الذي أمرني ~~فرجعت فإذا البيت غاص بأهله» وفي رواية الترمذي أن الراوي قال: قلت لأنس: ~~كم كانوا قال: زهاء ثلثمائة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على ~~تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله تعالى، ثم يدعو عشرة عشرة يأكلون منه ويقول ~~لهم: اذكروا اسم الله تعالى وليأكل كل رجل مما يليه حتى تصدعوا كلهم عنها، ~~قال الترمذي: فقال لي: يا أنس ارفع فرفعت فما أدري حين وضعت كانت أكثر أو ~~حين رفعت فخرج معي من خرج وبقي قوم يتحدثون فنزلت. # ولما كان البيت يطلق على المرأة لملازمتها له عادة أعاد الضمير عليه ~~مرادا به النساء استخداما فقال تعالى: {وإذا سألتموهن} أي: الأزواج {متاعا} ~~أي: شيئا من آلات البيت {فاسألوهن} أي: ذلك المتاع كائنين وكائنات {من وراء ~~حجاب} أي: ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم، وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح ~~السين ولا همزة بعدها والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها {ذلكم} أي: ~~الأمر العالي الرتبة {أطهر لقلوبكم وقلوبهن} أي: من وسواس الشيطان والريب ~~لأن العين وزيرة القلب فإذا لم تر العين لم يشته القلب، فأما إذا رأت العين ~~فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة ~~حينئذ أظهر. روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة: «أن أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح فكان عمر رضي ~~الله تعالى عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم احجب نساءك فلم يكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد ~~عرفناك يا سودة حرصا على ms2650 أن ينزل الحجاب، فأنزل الله عز وجل الحجاب» ، وعن ~~أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاثة قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام ~~إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} (البقرة: ~~125) # وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين ~~بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال: وبلغني ما آذين # PageV03P266 # رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه قال: فدخلت عليهن فجعلت أستقررهن ~~واحدة واحدة فقلت والله لتنتهن أو ليبدله الله تعالى أزواجا خيرا منكن، حتى ~~أتيت على زينب فقالت: يا عمر أما كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يعظ نساءه حتى تعظهن أنت قال: فخرجت فأنزل الله تعالى {عسى ربه إن طلقكن أن ~~يبدله أزواجا خيرا منكن} (التحريم: 5) # الآية. # ولما بين تعالى للمؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على ملاطفة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بقوله تعالى: {وما كان} أي: وما صح وما استقام {لكم} في حال من ~~الأحوال {أن تؤذوا رسول الله} فله إليكم من الإحسان ما يستوجب به منكم غاية ~~الإكرام والإجلال فضلا عن الكف عن الأذى فلا تؤذوه بالدخول إلى شيء من ~~بيوته بغير إذنه أو المكث بعد فراغ الحاجة ولا بغير ذلك. # ولما كان قد قصر صلى الله عليه وسلم عليهن أحل له غيرهن وقصرهن الله عليه ~~بقوله تعالى: {ولا أن تنكحوا} أي: فيما يستقبل من الزمان {أزواجه من بعده} ~~أي: فراقه بموت أو طلاق سواء أدخل بها أم لا {أبدا} زيادة لشرفه وإظهارا ~~لمزيته، ولأنهن أمهات المؤمنين ولأنهن أزواجه في الجنة، ولأن المرأة في ~~الجنة مع آخر أزواجها كما قاله ابن القشيري، روي أن هذه الآية نزلت في رجل ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لئن قبض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأنكحن عائشة قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله فأخبر الله ~~تعالى أن ذلك محرم، وقال: {إن ذلكم} أي: الإيذاء بالنكاح وغيره {كان عند ~~الله} أي: القادر على ms2651 كل شيء {عظيما} أي: ذنبا عظيما. # فإن قيل: روى معمر عن الزهري أن العالية بنت ظبيان التي طلقها النبي صلى ~~الله عليه وسلم تزوجت رجلا وولدت له. أجيب: بأن ذلك كان قبل تحريم أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وقيل: لا تحرم غير الموطوءة لما روي أن ~~أشعث بن قيس تزوج المستعيذة في أيام عمر فهم برجمهما، فأخبر بأنه صلى الله ~~عليه وسلم فارقها قبل أن يمسها فترك من غير نكير، فأما إماؤه صلى الله عليه ~~وسلم فيحرم منهن الموطوءات على غيره إكراما له بخلاف غير الموطوءات وقيل: ~~لا تحرم الموطوءات أيضا. # ونزل فيمن أضمر نكاح عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم # {إن تبدوا} أي: بألسنتكم وغيرها {شيئا} أي: من ذلك أو غيره {أو تخفوه} في ~~صدوركم {فإن الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال {كان} أي: أزلا وأبدا به ~~هكذا كان الأصل، ولكنه أتى بما يعمه وغيره فقال {بكل شيء} أي: من ذلك وغيره ~~{عليما} فهو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم وإن بالغتم في كتمه فيجازي عليه من ~~ثواب وعقاب، وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل ومبالغة في ~~الوعيد. # ولما نزلت آية الحجاب قال: الآباء والأبناء والأقارب ونحن أيضا نكلمهن من ~~وراء حجاب فنزل قوله تعالى: # {لا جناح} أي: لا إثم {عليهن في آبائهن} دخولا وخلوة من غير حجاب سواء ~~كان الأب من النسب أو من الرضاع {ولا أبنائهن} أي: من البطن أو الرضاعة ~~{ولا إخوانهن} لأن عارهن عارهم فلا فرق أن يكونوا من النسب أو الرضاع {ولا ~~أبناء إخوانهن} فإنهن بمنزلة آبائهم {ولا أبناء أخواتهن} فإنهن بمنزلة ~~أمهاتهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة في ~~الوصل وحققها # PageV03P267 # الباقون وفي الابتداء بالثانية الجميع بالتحقيق {ولا نسائهن} أي: ~~المسلمات القربى منهن والبعدى بمنزلة واحدة، وأما الكافرات فهن بمنزلة ~~الأجانب من الرجال لكن رجح النووي أنه يجوز أن تنظر منها ما يبدو عند ~~المهنة {ولا ما ملكت أيمانهن} من ms2652 العبيد لأنهم لما لهن عليهم من السلطان ~~يبعد منهم الريبة هيبة لهن مع مشقة الاحتجاب عنهم. # تنبيه: قدم تعالى الآباء؛ لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر وكيف وهم قد رأوا ~~جميع بدن البنات في حال صغرهن، ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر، وإنما ~~الكلام في بني الإخوة حيث قدمهم الله تعالى على بني الأخوات، لأن بني ~~الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم خالات أبنائهم وبني الإخوة آباؤهم محارم، ففي ~~بني الأخوات مفسدة ما، وهي أن الابن ربما يحكي خالته عند أبيه وهو ليس ~~بمحرم ولا كذلك في بني الإخوة. # فإن قيل: لم يذكر الله تعالى من المحارم الأعمام والأخوال فلم يقل: ولا ~~أعمامهن ولا أخوالهن. أجيب عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ذلك معلوم من بني ~~الإخوة وبني الأخوات؛ لأن من علم أن بني الأخ للعمات محارم علم أن بنات ~~الأخ للأعمام محارم، وكذلك الحال في أمر الخالة. وثانيهما: أن الأعمام ربما ~~يذكرون بنات الأخ عند أبنائهم وهم غير محارم، وكذلك الحال في ابن الخال. # وذكر ملك اليمين بعد هذا كله لأن المفسدة في التكشف لهم ظاهرة وقوله ~~تعالى {واتقين} عطف على محذوف أي: امتثلن ما أمرتن به واتقين {الله} أي: ~~الذي لا شيء أعظم منه فلا تقربن شيئا مما يكرهه وإنما أمرهن لأن الريبة من ~~جهة النساء أكثر لأنه لا يكاد الرجل يتعرض إلا لمن ظن بها الإجابة لما يرى ~~من مخايلها ومخايل أشكالها. # ولما كان الخوف لا يعظم إلا ممن كان حاضرا مطلعا قال: {إن الله} أي: ~~العظيم الشأن {كان} أي: أزلا وأبدا {على كل شيء} من أفعالكن وغيرها {شهيدا} ~~أي: لا يغيب عنه شيء وإن دق فهو مطلع عليكن حال الخلوة فلا تخفى عليه ~~خافية. # ولما أمر تعالى بالاستئذان وعدم النظر إلى نسائه احتراما له كمل بيان ~~حرمته بقوله تعالى: # {إن الله وملائكته يصلون على النبي} أي: محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن ~~عباس: أراد أن الله تعالى يرحم النبي والملائكة يدعون له، وعن ابن عباس ~~أيضا: يصلون يبركون والصلاة ms2653 من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار وقال ~~أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة ~~الدعاء. # تنبيه: بيان كمال حرمته في ذلك أن حالاته منحصرة في حالتين حالة خلوة ~~فذكر ما يدل على احترامه في تلك الحالة بقوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت ~~النبي} وحالة تكون في ملأ، والملأ إما الملأ الأعلى، وإما الملأ الأدنى أما ~~احترامه في الملأ الأعلى، فإن الله وملائكته يصلون عليه، وأما احترامه في ~~الملأ الأدنى فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} أي: ادعو له ~~بالرحمة {وسلموا تسليما} أي: حيوه بتحية الإسلام وأظهروا شرفه بكل ما تصل ~~قدرتكم إليه من حسن متابعته وكثرة الثناء الحسن عليه والانقياد لأمره في كل ~~ما يأمر به، ومنه الصلاة والسلام عليه بألسنتكم. # روى عبد الرحمن بن أبي ليلى لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية ~~سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: بلى فأهدها لي قال: قلنا يا ~~رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال: «قولوا: اللهم صل ~~على محمد وعلى آل # PageV03P268 # محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» وروى أبو حميد ~~الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، ~~وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد» وروى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أولى ~~الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة» ، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا» وروى عبد الله ~~بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء ذات يوم ~~والبشرى ترى في وجهه فقلنا: إنا لنرى البشرى في وجهك فقال: «جاءني جبريل ~~فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول أما ms2654 يرضيك أن لا يصلي عليك أحد من ~~أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا» ~~وروى عامر بن ربيعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى علي ~~صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي، فليقلل العبد من ذلك أو ليكثر» ، وروى ~~أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله ~~عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات» وروى عبد الله بن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لله ملائكة سياحين في ~~الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» . # تنبيه: دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن ~~الأمر للوجوب قالوا: وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين ~~وجوبها فيها والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها فتجب في التشهد آخر ~~الصلاة أي: بعده وهو مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد فالقائل ~~بوجوبها في العمر مرة في غيرها محجوج بإجماع من قبله، ولحديث كيف نصلي عليك ~~إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~كما صليت على إبراهيم إلى آخره» وقيل: تجب كلما ذكر، واختاره الطحاوي من ~~الحنفية والحليمي من الشافعية لقول جابر: «إن النبي صلى الله عليه وسلم رقى ~~المنبر فلما رقى الدرجة الأولى قال: آمين، ثم رقى الثانية فقال: آمين ثم ~~رقى الثالثة فقال: آمين فقالوا: يا رسول الله سمعناك تقول: آمين ثلاث مرات ~~فقال: لما رقيت الدرجة الأولى جاءني جبريل فقال: شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ ~~منه ولم يغفر له فقلت: آمين، ثم قال: شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم ~~يدخلاه الجنة فقلت: آمين، ثم قال: شقي عبد ذكرت عنده ولم يصل عليك فقلت: ~~آمين» ، وفي رواية رقي المنبر فقال: آمين آمين آمين قيل: يا رسول الله ما ~~كنت تصنع هذا فقال: قال لي جبريل: رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما ms2655 لم ~~يدخلاه الجنة فقلت: آمين، ثم قال رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له ~~فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت: آمين» ، ~~وكذلك قوله: {وسلموا} أمر فيجب السلام ولم يجب في غير الصلاة فيجب فيها وهو ~~قولنا في التشهد سلام عليك أيها النبي إلخ، وذكر في السلام المصدر للتأكيد ~~ولم يذكره في الصلاة لأنها كانت مؤكدة بقوله تعالى: {إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي} وأقل الصلاة عليه اللهم صل على محمد، وأكملها اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على ~~محمد وعلى آل محمد # PageV03P269 # كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم # إنك حميد مجيد، وآل إبراهيم إسماعيل وإسحاق وأولادهما. # فائدة: كل الأنبياء من بعد إبراهيم عليه السلام من ولده إسحاق إلا نبينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه من نسل إسماعيل، ولم يكن من نسله نبي غيره ~~وخص إبراهيم عليه السلام بالذكر لأن الرحمة والبركة لم يجتمعا لنبي غيره ~~فقال الله تعالى: {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} (هود: 73) # فإن قيل: إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة به إلى صلاتنا؟ أجيب: بأن ~~الصلاة عليه ليست لحاجة إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة ~~الله تعالى عليه وإنما هو إظهاره وتعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا عليه، ~~ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صلى علي واحدة صلى الله عليه ~~عشرا» ، وفي رواية أخرى: وملائكته سبعين، وتجوز الصلاة على غيره تبعا له ~~وتكره استقلالا لأنه في العرف صار شعارا لذكر الرسل ولذلك كره أن يقال ~~لمحمد عز وجل، وإن كان عزيزا جليلا. # ولما أمر الله تعالى باحترام نبيه محمد صلى الله عليه وسلم نهى عن إيذاء ~~نفسه وإيذاء رسوله بقوله تعالى: # {إن الذين يؤذون الله} أي: الذي لا أعظم منه ولا نعمة عندهم إلا من فضله ~~{ورسوله} أي: الذي استحق عليهم بما يخبرهم به عن الله تعالى ما لا يقدرون ~~على ms2656 القيام بشكره {لعنهم الله} أي: أبعدهم وأبغضهم {في الدنيا} بالحمل على ~~ما يوجب السخط {والآخرة} بإدخال دار الإهانة كما قال تعالى: {وأعد لهم ~~عذابا مهينا} (الأحزاب: 57) # أي: ذا إهانة، وهو النار ومعنى يؤذون الله يقولون فيه ما صورته أذى وإن ~~كان تعالى لا يلحقه ضرر، ذلك، حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله من اتخاذ ~~الأنداد ونسبة الولد والزوجة إليه. # قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى والمشركون، فأما اليهود فقالوا: عزير ~~ابن الله، وقالوا: يد الله مغلولة وقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وأما ~~النصارى فقالوا: المسيح ابن الله وثالث ثلاثة، وأما المشركون فقالوا: ~~الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، ~~وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس ~~أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا ~~الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد» ، وعن أبي هريرة ~~أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم ~~بسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» معنى الحديث: أنه كان ~~من عادة العرب في الجاهلية أن يسبوا الدهر ويذموه عند النوازل لاعتقادهم أن ~~الذي يصيبهم من أفعال الدهر فقال تعالى: أنا الدهر أي: الذي أحل بهم ~~النوازل وأنا فاعل لذلك الذي تنسبونه للدهر في زعمكم وقيل: معنى يؤذون الله ~~يلحدون في أسمائه وصفاته وقيل: هم أصحاب التصاوير، وعن أبي هريرة قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب ~~يخلق كخلقي، فيخلقوا ذرة وليخلقوا حبة أو شعيرة» ، ويحتمل أن يكون ذلك على ~~حذف مضاف أي: أولياء الله كقوله تعالى: {واسأل القرية} (يوسف، 82) قال صلى ~~الله عليه وسلم قال الله تعالى: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» وقال: ~~«من أهان لي وليا ms2657 فقد بارزني بالمحاربة» ومعنى الأذى: هو مخالفة أمر الله ~~وارتكاب معاصيه ذكره على ما يتعارفه الناس بينهم، والله عز وجل منزه عن أن ~~يلحقه أذى من # PageV03P270 # أحد قال بعضهم: أتي بالجلالة تعظيما والمراد: يؤذون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كقوله تعالى: {إنما يبايعون الله} (الفتح: 10) # وأما إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس: إنه شج في وجهه، ~~وكسرت رباعيته وقيل: ساحر شاعر مجنون. # ولما كان من أعظم أذاه أذى من تابعه، وكان الأتباع لكونهم غير معصومين ~~يتصور أن يؤذوا على الحق قال تعالى مقيدا للكلام: # {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات} أي: الراسخين في صفة الإيمان {بغير ما ~~اكتسبوا} أي: بغير شيء واقعوه متعمدين له حتى أباح أذاهم {فقد احتملوا} أي: ~~كلفوا أنفسهم أن حملوا {بهتانا} أي: كذبا وفجورا زائدا على الحد موجبا ~~للجزاء في الدنيا والآخرة {وإثما مبينا} أي: ذنبا ظاهرا جدا موجبا للعقاب ~~في الآخرة. # تنبيه: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي ~~طالب كانوا يؤذونه ويسمعونه، وقيل: نزلت في شأن عائشة وقال الضحاك والكلبي: ~~نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طريق المدينة يبتغون النساء إذا برزن ~~بالليل لقضاء حوائجهن فيغمزون المرأة، فإن سكتت اتبعوها وإن زجرتهم انتهوا ~~عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة ~~لأن زي الكل كان واحدا، يخرجن في درع وخمار الحرة والأمة، فشكوا ذلك إلى ~~أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات} الآية. # ثم نهى الحرائر أن يشتبهن بالإماء بقوله تعالى: # {يا أيها النبي} ذكره بالوصف الذي هو منبع المعرفة والحكمة {قل لأزواجك} ~~بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح {وبناتك} ثنى بهن لما لهن من الوصلة، ~~ولهن من القسمين من الشرف وآخرهن عن الأزواج لأن أزواجه يكفونه أمرهن ~~{ونساء المؤمنين يدنين} أي: يقربن {عليهن} أي: على وجوههن وجميع أبدانهن ~~فلا يدعن شيئا منها مكشوفا {من جلابيبهن} ولا يتشبهن بالإماء ms2658 في لباسهن إذا ~~خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظنا أن ذلك أخفى لهن وأستر، والجلباب ~~والقميص وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة، والملحفة: ما ستر اللباس، ~~والخمار: وهو كل ما غطى الرأس وقال البغوي: الجلباب الملاءة التي تشتمل بها ~~المرأة فوق الدرع والخمار، وقال حمزة الكرماني، قال الخليل: كل ما يستر به ~~من دثار وشعار وكساء فهو جلباب والكل تصح إرادته هنا، فإن كان المراد ~~القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي بدنها ورجليها، وإن كان يغطي الرأس فإدناؤه ~~ستر وجهها وعنقها، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فإدناؤه تطويله وتوسيعه ~~بحيث يستر جميع بدنها وثيابها، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر ~~الوجه واليدين وقال ابن عباس وعبيدة: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ~~ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر. # ولما أمر تعالى بذلك علله بقوله تعالى: {ذلك} أي: الستر {أدنى} أي: أقرب ~~من تركه في {أن يعرفن} أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء {فلا} أي: فتسبب عن ~~معرفتهن أن لا {يؤذين} ممن يتعرضن للإماء فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد ~~عليك من الأنباء الإلهية قال ابن عادل: ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن ~~لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة أي: في الصلاة لا يطمع فيها ~~أنها # PageV03P271 # تكشف عورتها، فبفرض أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن انتهى. # ولما رقاهن تعالى لهذا الأمر خفف عاقبة ما كن فيه من التشبيه بالإماء ~~فأخبرهن تعالى بوسع كرمه وجوده بقوله تعالى: {وكان الله} أي: الذي له ~~الكمال المطلق أزلا وأبدا {غفورا} أي: لما سلف منهن من ترك الستر فهو محاء ~~للذنوب عينا وأثرا {رحيما} بهن إذ سترهن وبمن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ~~قال البغوي: قال أنس: مرت بعمر جارية مقنعة فعلاها بالدرة وقال: يا لكاع ~~أتتشبهين بالحرائر ألقي القناع ويظهر أن عمر إنما فعل ذلك خوفا من أن تلتبس ~~الإماء بالحرائر فلا يعرف الحرائر فيعود الأمر كما كان. # ولما كان المأذون بما مضى وغيره أهل النفاق ms2659 ومن داناهم حذرهم بقوله تعالى ~~مؤكدا دفعا لظنهم دوام الحلم عليهم: # {لئن لم ينته} عن الأذى {المنافقون} أي: الذين يبطنون الكفر ويظهرون ~~الإسلام {والذي في قلوبهم مرض} أي: غل مقرب من النفاق حامل على المعاصي ~~{والمرجفون في المدينة} المؤمنين أي: بالكذب وذلك أن ناسا منهم كانوا إذا ~~خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذيعون في الناس أنهم قد قتلوا أو ~~هزموا ويقولون: قد أتاكم العدو ونحو ذلك، وأصل الرجفة: التحريك من الرجفة ~~وهي الزلزلة سمى به الأخبار الكاذبة لكونها متزلزلة غير ثابتة {لنغرينك ~~بهم} أي: لنسلطنك عليهم بالقتل والجلاء، أو بما يضطرهم إلى طلب الجلاء ~~وقوله تعالى: {ثم لا يجاورونك} أي: يساكنونك {فيها} أي: المدينة عطف على ~~لنغرينك وثم للدلالة على أن الجلاء ومفارقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعظم ما يصيبهم {إلا قليلا} أي: زمانا أو جوارا قليلا، ثم يخرجون منها ~~وقيل: نسلطك عليهم حتى تقتلهم وتخلى منهم المدينة. # وقوله تعالى: # {ملعونين} أي: مبعودين عن الرحمة حال من فاعل يجاورونك قاله ابن عطية ~~والزمخشري وأبو البقاء {أينما ثقفوا} أي: وجدوا {أخذوا وقتلوا} ثم أكده ~~بالمصدر بغضا فيهم وإرهابا لهم بقوله تعالى: {تقتيلا} أي: الحكم فيهم هذا ~~على وجه الأمر به. # وقوله تعالى: # {سنة الله} أي: المحيط بجميع العظمة مصدر مؤكد أي: سن الله ذلك {في الذين ~~خلوا من قبل} أي: في الأمم الماضية وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء ~~وسعوا في وهنهم بالإرجاف ونحوه أينما ثقفوا {ولن تجد لسنة الله} أي: طريقة ~~الملك الأعظم {تبديلا} أي: ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ، فإن ~~النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار فلا تنسخ. # ولما بين تعالى حالهم في الدنيا أنهم ملعونون ومهانون ويقتلون أراد أن ~~يبين حالهم في الآخرة فذكرهم بالقيامة وذكر ما يكون لهم فيها بقوله: # {يسألك} يا أشرف الخلق {الناس} أي: المشركون استهزاء منهم وتعنتا ~~وامتحانا {عن الساعة} أي متى تكون في أي: وقت {قل} أي: لهم في جوابهم {إنما ~~علمها ms2660 عند الله} الذي أحاط علمه بجميع الأشياء {وما يدريك} أي: أي شيء ~~يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها أنت لا تعرفه {لعل الساعة} أي: التي لا ~~ساعة في الحقيقة غيرها لما لها من العجائب {تكون} أي: توجد وتحدث على وجه ~~مهول عجيب {قريبا} أي: في زمن قريب قال البقاعي: ويجوز أن يكون التذكير ~~لأجل الوقت لأن السؤال عنها إنما هو عن تعيين وقتها قال البخاري # PageV03P272 # في الصحيح: إذا وصفت صفة المؤنث قلت قريبة، وإذا جعلته ظرفا أو بدلا ولم ~~ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث، وكذلك لفظها في الاثنين والجمع للذكر ~~والأنثى. # ثم استأنف الإخبار بحال السائلين عنها بقوله تعالى: # {إن الله} أي: الملك الأعلى {لعن} أي: أبعد إبعادا عظيما من رحمته ~~{الكافرين} أي: الساترين لما من شأنه أن يظهر مما دلت عليه العقول السليمة ~~من أمرها {وأعد} أي: أوجد وهيأ {لهم} من الآن {سعيرا} أي: نارا شديدة ~~الاضطرام والتوقد لتكذيبهم بها وبغيرها مما أوضح لهم أدلته. # {خالدين} أي: مقدرا خلودهم {فيها} أي: السعير وأعاد عليها الضمير مؤنثا ~~لأنها مؤنثة أو لأنه في معنى جهنم وقوله تعالى: {أبدا} بيان لإرادة الحقيقة ~~لئلا يتوهم بالخلود المكث الطويل {لا يجدون وليا} أي: يتولى أمرا مما ~~يصيبهم بشفاعة أو غيرها {ولا نصيرا} ينصرهم وقوله تعالى: # {يوم} معمول لخالدين أي: مقدرا خلودهم فيها على تلك الحال يوم {تقلب} أي: ~~تقلبا كثيرا {وجوههم في النار} أي: ظهرا لبطن كاللحم يشوى بالنار حالة ~~كونهم {يقولون} وهم في محل الجزاء وقد فات المحل القابل للعمل متمنين ~~بقولهم: {يا ليتنا أطعنا} أي: في الدنيا {الله} أي: الذي لا أمر لأحد معه ~~لما لا يدركون تلافيه لأنهم لا يجدون ما يقدر أنه يبرد غلتهم من ولي ولا ~~نصير ولا غيرهما سوى هذا التمني. # ولما كان المقام للمبالغة في الإذعان والخضوع أعادوا العامل بقولهم ~~{وأطعنا الرسول} أي: الذي بلغنا عنه حتى لا نبتلي بهذا العذاب. # تنبيه: تقدم الكلام على القراءة في {الرسولا} و {السبيلا} أول السورة عند ~~{الظنونا} . # {وقالوا} : أي: ms2661 الأتباع منهم لما لم ينفعهم شيء متبرئين بالدعاء على من ~~أضلهم بما لا يبرئ عليلا ولا يشفي غليلا {ربنا} أي: أيها المحسن إلينا ~~وأسقطوا أداة النداء على عادة أهل الخصوص بالحضور زيادة في التوثيق بإظهار ~~أنه لا واسطة لهم إلا ذلهم وانكسارهم {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} يعنون ~~قادتهم الذين لقنوهم الكفر، وقرأ ابن عامر بألف بعد الدال وكسر التاء على ~~جمع الجمع للدلالة على الكثرة والباقون بغير ألف بعد الدال وفتح التاء على ~~أنه جمع تكسير غير مجموع بألف وتاء {فأضلونا} أي: فتسبب عن ذلك أنهم أضلونا ~~بما كان لهم من نفوذ الكلمة {السبيلا} أي: طريق الهدى فأحالوا ذلك على ~~غيرهم كما هي عادة المخطئ من الإحالة على غيره مما لا ينفعه. # ثم كأنه قيل: فما تريدون لهم فقالوا: مبالغين في الرقة للاستعطاف بإعادة ~~الرب. # {ربنا} أي: المحسن إلينا {آتهم ضعفين من العذاب} أي: مثلي عذابنا لأنهم ~~ضلوا وأضلوا {والعنهم لعنا كبيرا} أي: اطردهم عن محال الرحمة طردا متناهيا، ~~وقرأ عاصم بالباء الموحدة أي: لعنا هو أشد اللعن وأعظمه والباقون بالثاء ~~المثلثة أي: كثير العدد. # ولما بين تعالى أن من يؤذي الله ورسوله يلعن ويعذب، أرشد المؤمنين إلى ~~الامتناع من الإيذاء بقوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: صدقوا بما يتلى عليهم {لا تكونوا} بإيذائكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر زينب وغيره كونا هو كالطبع لكم {كالذين ~~آذوا موسى} من قومه بني إسرائيل آذوه بأنواع الأذى كما قال نبينا صلى الله ~~عليه وسلم حين قسم قسما فتكلم فيه بعضهم فقال: «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا ~~فصبر» . واختلفوا فيما أوذي به موسى، # PageV03P273 # فروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن موسى كان رجلا ~~حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ~~فقالوا: ما تستر هذا الستر إلا من عيب بجلده إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، ~~وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا» كما قال تعالى: ms2662 {فبرأه} أي: فتسبب ~~عن أذاهم أن برأه {الله} الذي له صفات الجلال والكمال {مما قالوا} فخلا ~~يوما وحده ليغتسل فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ~~ليأخذها ففر الحجر بثوبه فجمح موسى عليه السلام وأخذ عصاه وطلب الحجر فجعل ~~يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا ~~أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه واستتر به، وطفق ~~بالحجر يضربه بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو ~~خمسا» ، والأدرة: عظم الخصية لنفخة فيها وقوله: فجمح أي: أسرع وقوله ندبا ~~هو بفتح النون والدال وأصله: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد فشبه به ~~الضرب بالحجر، وقال قوم: إيذاؤهم إياه لما مات هارون في # التيه ادعوا على موسى أنه قتله فأمر الله الملائكة عليهم السلام حتى مروا ~~به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم يقتله فبرأه الله مما قالوا، وقال أبو ~~العالية: هو أن قارون استأجر مومسة أي: زانية لتقذف موسى بنفسها على رأس ~~الملأ فعصمها الله تعالى وبرأ موسى من ذلك، # وكان ذلك سبب الخسف بقارون ومن معه وقال عبد الله بن مسعود: لما كان يوم ~~حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة فأعطى الأقرع بن ~~حابس مائة من الإبل، وأعطى فلانا كذا لناس من العرب، وآثرهم في القسمة فقال ~~رجل: هذه قسمة والله ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله فقلت: والله لأخبرن ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه ~~حتى كان كالصرف ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ثم قال: «يرحم ~~الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» والصرف بكسر الصاد: صبغ أحمر يصبغ به ~~الأديم. # ولما كان قصدهم بهذا الأذى إسقاط وجاهته قال تعالى: {وكان} أي: موسى عليه ~~السلام كونا راسخا {عند الله} أي: الذي لا يذل من والاه {وجيها} أي: معظما ~~رفيع ms2663 القدر ذا وجاهة يقال وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا كان ذا جاه وقدر قال ~~ابن عباس كان عظيما عند الله تعالى لا يسأله شيئا إلا أعطاه وقال الحسن كان ~~مجاب الدعوة وقيل كان محببا مقبولا. # ولما نهاهم عن الأذى أمرهم بالنفع ليصيروا ذوي وجاهة عنده مكرر للنداء ~~استعطافا وإظهارا للاهتمام بقوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: ادعوا ذلك {اتقوا الله} أي: صدقوا دعواكم ~~بمخافة من له جميع العظمة فاجعلوا لكم وقاية من سخطه بأن تبذلوا له جميع ما ~~أودعكم من الأمانة {وقولوا} في حق النبي صلى الله عليه وسلم في أمر زينب ~~وغيرها، وفي حق بناته ونسائه وفي حق المؤمنين ونسائهم وغير ذلك {قولا ~~سديدا} قال ابن عباس: صوابا وقال قتادة: عدلا وقال الحسن: صدقا وقال عكرمة: ~~هو قول لا إله إلا الله. وقيل: مستقيما. # {يصلح لكم أعمالكم} قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم وقال مقاتل: يزكي ~~أعمالكم {ويغفر لكم ذنوبكم} أي: يمحها عينا وأثرا فلا يعاقب عليها ولا ~~يعاتب {ومن يطع الله} أي: الذي لا أعظم منه {ورسوله} # PageV03P274 # أي: الذي عظمته من عظمته في الأوامر النواهي {فقد فاز} وأكد ذلك بقوله ~~تعالى: {فوزا عظيما} أي: ظفر بجميع مراداته يعيش في الدنيا حميدا وفي ~~الآخرة سعيدا. # ولما أرشد الله تعالى المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأحسن الآداب بين أن التكليف الذي وجهه الله تعالى إلى الإنسان ~~أمر عظيم بقوله تعالى: # {إنا عرضنا الأمانة} واختلف في هذه الأمانة المعروضة فقال ابن عباس: أراد ~~بالأمانة الطاعة من الفرائض التي فرضها الله تعالى على عباده عرضها {على ~~السموات والأرض والجبال} على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم وقال ~~ابن مسعود: الأمانة أداء الصلوات، وإيتاء الزكوات، وصوم رمضان، وحج البيت، ~~وصدق الحديث، وقضاء الدين والعدل في المكيال والميزان، وأشد من هذا كله ~~الودائع وقال مجاهد: الأمانة الفرائض وحدود الدين. وقال أبو العالية: ما ~~أمروا به ونهوا عنه وقال زيد بن أسلم: هو الصوم والغسل من الجنابة وما ms2664 يخفى ~~من الشرائع، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله تعالى من ~~الإنسان فرجه، وقال: هذه أمانتي استودعتكها، فالفرج أمانة، والعين أمانة، ~~واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. # وقال بعضهم: هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن أن لا يغش ~~مؤمنا ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير وهي رواية الضحاك عن ابن عباس ~~وجماعة من التابعين وأكثر السلف أن الله تعالى عرض هذه الأمانة على السموات ~~والأرض والجبال فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها قلن: وما فيها؟ ~~فقال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن {فأبين} على عظم أجرامها وقوة ~~أركانها وسعة أرجائها {أن يحملنها} أي: قلن: لا يا رب نحن مسخرات لأمرك لا ~~نريد ثوابا ولا عقابا {وأشفقن منها} أي: وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لله ~~تعالى أن لا يقوموا بها لا معصية ومخالفة، وكان العرض عليهن تخييرا لا ~~إلزاما ولو ألزمن لم يمتنعن من حملها فالجمادات كلها خاضعة لله عز وجل ~~مطيعة ساجدة له كما قال تعالى للسموات والأرض: {ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين} (فصلت: 11) # وقال في الحجارة: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} (البقرة: 74) # وقال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال} (الحج: 18) # الآية وقال بعض أهل العلم: ركب الله فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن ~~الأمانة حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن وقال بعضهم: المراد بالعرض على ~~السموات والأرض هو العرض على أهل السموات والأرض عرضها على من فيهما من ~~الملائكة كقوله تعالى: {واسأل القرية} (يوسف: 82) # أي: أهلها وقيل: المراد المقابلة أي: قابلنا الأمانة مع السماوات والأرض ~~والجبال فرجحت الأمانة قال البغوي: والأول أصح، وهو قول أكثر العلماء. # تنبيه: قوله تعالى: {فأبين} أتى بضمير هذه كضمير الإناث لأن جمع تكسير ~~غير العاقل يجوز فيه ذلك، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث وهو ~~السماوات على المذكر وهو الجبال. # فإن قيل: ms2665 ما الفرق بين إبائهن وإباء إبليس في قوله تعالى: {أبى أن يكون ~~مع الساجدين} (الحجر: 31) # أجيب: بأن الإباء هناك كان استكبارا، لأن السجود كان فرضا وههنا استصغارا ~~لأن الأمانة كانت عرضا. # وإنما امتنعن خوفا كما قال تعالى: {وأشفقن منها} أي: خفن من # PageV03P275 # الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب {وحملها الإنسان} أي: آدم قال الله ~~تعالى لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل ~~أنت آخذها بما فيها قال: يا رب وما فيها قال: إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت ~~عوقبت فتحملها آدم عليه السلام وقال: بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى: أما ~~إذا تحملت فسأعينك اجعل لبصرك حجابا فإذا خشيت أن تنظر لما لا يحل فأرخ ~~عليه حجابه، وأجعل للسانك لحيين وغلقا فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك سترا ~~فإذا خشيت فلا تكشفه على ما حرمت عليك قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها ~~وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر. وحكى النقاش بإسناده ~~عن ابن مسعود أنه قال: مثلت الأمانة بصخرة ملقاة ودعيت السموات والأرض ~~والجبال إليها فلم يقربوا منها وقالوا: لا نطيق حملها وجاء آدم عليه السلام ~~من غير أن يدعى وحرك الصخرة وقال: لو أمرت بحملها لحملتها فقلن: احمل ~~فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها وقال: والله لو أردت أن أزداد لازددت فقلن له: ~~احمل فحملها إلى حقويه وقال والله لو أردت أن أزداد لازددت فقلن له احمل ~~فحملها حتى وضعها على عاتقه فأراد أن يضعها فقال له الله تعالى: مكانك ~~فإنها في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة. # {إنه كان ظلوما جهولا} قال ابن عباس: ظلوما لنفسه جهولا بأمر الله تعالى ~~وما احتمل من الأمانة وقال الكلبي: ظلوما حين عصى ربه جهولا لا يدري ما ~~العقاب في ترك الأمانة وقال مقاتل: ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تحمل، وذكر ~~الزجاج وغيره من أهل المعاني في قوله تعالى: {وحملها الإنسان} قولا آخر ~~فقالوا: إن الله تعالى ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن السموات والأرض ms2666 ~~والجبال على شيء فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا من الطاعة والقيام ~~بالفرائض، والأمانة في حق السموات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما ~~خلقن له وقوله تعالى: {فأبين أن يحملنها} أي: أبين الأمانة يقال: فلان حمل ~~الأمانة أي: أثم فيها بالخيانة قال تعالى: {وليحملن أثقالهم} (العنكبوت: ~~13) # {إنه كان ظلوما جهولا} حكي عن الحسن على هذا التأويل أنه قال: وحملها ~~الإنسان يعني الكافر والمنافق حملا الأمانة أي: خانا فيها، والأول قول ~~السلف وهو الأولى وقيل: المراد بالأمانة العقل والتكليف، وبعرضها عليهن ~~اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن وبإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم ~~اللياقة والاستعداد وتحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوما جهولا ~~لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل ~~عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوتين حافظا لهما عن التعدي، ~~ومجازوة الحد ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما، وعن أبي هريرة ~~قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم فجاء أعرابي ~~فقال: «متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث فقال بعض القوم: ~~سمع ما قال فكره ما قال، وقال: بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال: ~~أين السائل عن الساعة قال: ها أنا يا رسول الله قال: إذا ضيعت الأمانة ~~فانتظر الساعة» وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أد الأمانة ~~إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # PageV03P276 # «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي ~~إليه ثم ينشر سرها» وقوله تعالى: # {ليعذب الله} أي: الملك الأعظم متعلق بعرضنا المترتب عليه حمل الإنسان ~~{المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} أي: المضيعين الأمانة. # تنبيه: لم يعد اسمه تعالى فلم يقل: ويعذب الله المشركين وأعاده في قوله ~~تعالى {ويتوب الله} أي: بما له من العظمة {على المؤمنين والمؤمنات} أي: ~~المؤدين للأمانة، ولو قال تعالى: ويتوب على المؤمنين ms2667 والمؤمنات كان المعنى ~~حاصلا، ولكنه أراد تفضيل المؤمن على المنافق فجعله كالكلام المستأنف. # ولما ذكر تعالى في الإنسان وصفين الظلوم والجهول ذكر تعالى من أوصافه ~~وصفين بقوله تعالى: {وكان الله} أي: على ما له من الكبرياء والعظمة {غفورا} ~~للمؤمنين حيث عفا عن فرطاتهم {رحيما} بهم حيث أثابهم بالعفو على طاعتهم ~~مكرما لهم بأنواع الكرم. وما رواه البيضاوي من أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب ~~القبر» حديث موضوع رواه الثعلبي. ### | سورة سبأ # مكية إلا {ويرى الذين أوتو العلم} الآية وهي أربع أو خمس وخمسون آية، ~~وثمانمائة وثلاث وثمانون كلمة، وأربعة آلاف وخمسمائة واثنا عشر حرفا # {بسم الله} أي: الذي من شمول قدرته إقامة الحساب {الرحمن} أي: الذي من ~~عموم رحمته ترتيب الثواب والعقاب {الرحيم} أي: الذي يمن على أهل كرامته ~~بطاعته حتى لا عقاب يلحقهم ولا عتاب. # ولما ختم السورة التي قبل هذه بصفتي المغفرة والرحمة بدأ هذه بقوله: # {الحمد لله} أي: ذي الجلال والجمال على هذه النعمة. # فائدة: السور المفتتحة بالحمد خمس: سورتان في النصف الأول وهما الأنعام ~~والكهف، وسورتان في النصف الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة، والخامسة ~~هي فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الثاني الأخير، والحكمة ~~فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين: نعمة ~~الإيجاد، ونعمة الإبقاء، فإن الله تعالى خلقنا أولا برحمته، وخلق لنا ما ~~نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق ~~لنا ما ندوم به فلنا حالتان: الإبداء، والإعادة، وفي كل حالة له تعالى ~~نعمتان: نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء، فقال في النصف الأول: {الحمد لله ~~الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} (الأنعام: 1) # إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد، ويدل عليه قوله تعالى: {هو الذي خلقكم ~~من طين} (الأنعام: 2) # فأشار إلى الإيجاد الأول، وقال في السورة الثانية: {الحمد لله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} ms2668 (الكهف: 1) # فأشار إلى الشكر على نعمة الإبقاء، فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع ~~تنقاد له الخلق لاتبع كل واحد هواه ووقعت المنازعات وأدت إلى التقاتل ~~والنفاق وقال ههنا: {الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض} ملكا ~~وخلقا إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله تعالى {وله} أي: وحده ~~{الحمد} أي: الإحاطة بالكمال {في الآخرة} أي: ظاهر الكل من يجمعه الحشر وله ~~كل ما فيها لا يدعي # PageV03P277 # أحد ذلك في شيء منه ظاهرا ولا باطنا وقال في سورة الملائكة: {الحمد لله ~~فاطر السموات والأرض} (فاطر: 1) # إشارة إلى نعمة الإبقاء بدليل قوله تعالى: {جاعل الملائكة رسلا} (فاطر: ~~1) # أي: يوم القيامة يرسلهم الله تعالى مسلمين على المسلمين كما قال تعالى: ~~{وتتلقاهم الملائكة} (الأنبياء: 103) # وقال تعالى عنهم: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} (الزمر: 73) # وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر نعمتين أشار بقوله تعالى: {الحمد لله ~~رب العالمين} (الفاتحة: 2) إلى النعمة العاجلة، وأشار بقوله تعالى: {مالك ~~يوم الدين} (الفاتحة: 4) # إلى النعمة الآجلة فرتب الافتتاح والاختتام عليهما. # فإن قيل: قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعم التي في الآخرة فلم ذكر ~~الله تعالى السموات والأرض؟ أجيب: بأن نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله ~~تعالى النعم المرئية وهي ما في السموات وما في الأرض. # ثم قال: {وله الحمد في الآخرة} ليقابل نعم الآخرة بنعم الدنيا، ويعلم ~~فضلها بدوامها وقيل: الحمد في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال تعالى: ~~{وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} (فاطر: 34) # {والحمد لله الذي صدقنا وعده} (الزمر: 74) # وتقدم الكلام على الحمد لغة واصطلاحا، والشكر كذلك في أول الفاتحة فتح ~~الله علينا بكل خير وفعل ذلك بأحبابنا. # ولما تقرر أن الحكمة لا تتم إلا بإيجاد الآخرة قال تعالى: {وهو الحكيم} ~~أي: الذي بلغت حكمته النهاية التي لا مزيد عليها، والحكمة هي العلم بالأمور ~~على وجه الصواب متصلا بالعمل على وفقه {الخبير} أي: البليغ الخبر وهو العلم ~~بظواهر الأمور وبواطنها حالا ومآلا. # ثم بين كمال خبره بقوله تعالى: # {يعلم ms2669 ما يلج} أي: يدخل {في الأرض} أي: هذا الجنس من المياه والأموال ~~والأموات وغيرها {وما يخرج منها} من المياه والمعادن والنبات وغيرها {وما ~~ينزل من السماء} أي: من هذا الجنس من قرآن وملائكة وماء وحرارة وبرودة وغير ~~ذلك {وما يعرج فيها} من الكلام الطيب قال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب} ~~(فاطر: 10) # والملائكة والأعمال الصالحة قال تعالى {والعمل الصالح يرفعه} (فاطر: 10) # تنبيه: قدم ما يلج في الأرض على ما ينزل من السماء لأن الحبة تبذر أولا ~~ثم تسقى ثانيا وقال تعالى {ما يعرج فيها} ولم يقل ما يعرج إليها إشارة إلى ~~قبول الأعمال الصالحة لأن كلمة إلى للغاية فلو قال وما يعرج إليها لفهم ~~الوقوف عند السموات فقال {وما يعرج فيها} ليفهم نفوذه فيها وصعوده وتمكنه ~~فيها، ولهذا قال في الكلم الطيب {إليه يصعد الكلم الطيب} لأن الله تعالى هو ~~المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه {وهو} أي: والحال أنه وحده مع كثرة نعمه ~~المقيمة للأبدان {الرحيم} أي: المنعم بإنزال الكتب وإرسال الرسل لإقامة ~~الأديان وغير ذلك {الغفور} أي: المحاء للذنوب للمفرطين في شكر نعمته مع ~~كثرتها أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائقة للحصر. # تنبيه: قدم تعالى صفة الرحمة على صفة الغفور ليعلم أن رحمته سبقت غضبه. # ثم بين تعالى أن هذه النعمة التي يستحق الله تعالى بها الحمد وهي نعمة ~~الآخرة أنكرها قوم فقال: # {وقال الذين كفروا} أي: ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة ~~{لا تأتينا الساعة} أي: أنكروا مجيئها أو استظهارها استهزاء بالوعد به، ~~وقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل} أي: لهم {بلى} رد لكلامهم ~~وإيثار لما نفوه {وربي} أي: المحسن إلي بما عمني به معكم وبما خصني من ~~تنبيئي وإرسالي إليكم إلى غير ذلك من أمور # PageV03P278 # لا يحصيها إلا هو {لتأتينكم} أي: الساعة لتظهر فيها ظهورا تاما الحكمة ~~بالعدل والفصل وغير ذلك من عجائب الحكم والفضل وقوله تعالى {عالم الغيب} ~~قرأه نافع وابن عامر برفع الميم على هو عالم ms2670 الغيب، أو مبتدأ وخبره ما ~~بعده، وابن كثير وأبو عمرو وعاصم بجره نعتا لربي وقرأ حمزة والكسائي بعد ~~العين بلام ألف مشددة وخفض الميم {لا يعزب} أي: لا يغيب {عنه مثقال} أي: ~~وزن {ذرة} أي: من ذات ولا معنى، والذرة: النملة الحمراء الصغيرة جدا صارت ~~مثلا في أقل القليل فهي كناية عنه، وقرأ الكسائي بكسر الزاي والباقون ~~بضمها. # وقوله تعالى {في السموات ولا في الأرض} فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم ~~وروح فالأجسام أجزاؤها في الأرض والأرواح في السماء فقوله تعالى {في ~~السموات} إشارة إلى علمه بالأرواح وما فيها من الملائكة وغيرهم. وقوله ~~تعالى {ولا في الأرض} إشارة إلى علمه بالأجسام وما في الأرض من غيرها، فإذا ~~علم الأرواح والأجسام قدر على جمعهما فلا استبعاد في الإعادة. وقوله تعالى: ~~{ولا أصغر} أي: ولا يكون شيء أصغر {من ذلك} أي: المثقال {ولا أكبر} أي: منه ~~{إلا في كتاب مبين} أي: بين هو اللوح المحفوظ جملة مؤكدة لنفي العزوب. # فإن قيل: فأي حاجة إلى ذكر الأكبر فإن من علم الأصغر من الذرة لا بد وأن ~~يعلم الأكبر؟ أجيب: بأنه تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب فلو اقتصر ~~على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغار لكونها محل النسيان، وأما الأكبر ~~فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال: الإثبات في الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر ~~أيضا مكتوب. # ثم بين علة ذلك كله بقوله: # {ليجزي الذين آمنوا وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} أي: وإنه ما خلق ~~الأكوان إلا لأجل الإنسان فلا يدعه بغير جزاء، ثم بين جزاءهم بقوله تعالى: ~~{أولئك} أي: العالو الرتبة {لهم مغفرة} أي: لزلاتهم وهفواتهم لأن الإنسان ~~المبني على النقصان لا يقدر أن يقدر العظيم السلطان حق قدره {ورزق كريم} ~~أي: جليل عزيز دائم لذيذ نافع شهي لا كدر فيه وهو رزق الجنة. # تنبيه: ذكر تعالى في الذين آمنوا وعملوا الصالحات أمرين: الإيمان، والعمل ~~الصالح، وذكر لهم أمرين: المغفرة والرزق الكريم، فالمغفرة جزاء الإيمان فكل ~~مؤمن مغفور له لقوله تعالى {إن ms2671 الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء} (النساء: 48) وقوله صلى الله عليه وسلم «يخرج من النار من قال: ~~لا إله إلا الله ومن في قلبه وزن ذرة من إيمان» ، والرزق الكريم على العمل ~~الصالح وهذا مناسب، فإن من عمل لسيد كريم عملا فعند فراغه لا بد وأن ينعم ~~عليه وقوله تعالى {كريم} بمعنى: ذي كرم أو مكرم أو لأنه يأتي من غير طلب ~~بخلاف رزق الدنيا فإنه إن لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتي غالبا. # فإن قيل: ما الحكمة في تمييزه الرزق بأنه كريم ولم يصف المغفرة؟ أجيب: ~~بأن المغفرة واحدة وهي للمؤمنين، وأما الرزق فمنه شجرة الزقوم والحميم، ~~ومنه الفواكه والشراب الطهور فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ولم يميز ~~المغفرة لعدم الانقسام فيها. # ولما بين تعالى حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين في ذلك اليوم ~~بقوله سبحانه: # {والذين سعوا} أي: فعلوا فعل الساعي {في آياتنا} أي: القرآن بالإبطال ~~وتزهيد الناس فيها وقوله تعالى: {معجزين} قرأه ابن كثير وأبو عمرو # PageV03P279 # بغير ألف بعد العين وتشديد الجيم أي: مبطئين عن الإيمان من أراده، ~~والباقون بألف بعد العين وتخفيف الجيم وكذا في آخر السورة أي: مسابقين كي ~~يفوتونا {أولئك} الحقيرون عن أن يبلغوا مرادا بمعاجزتهم {لهم عذاب} وأي ~~عذاب {من رجز} أي: سيئ العذاب {أليم} أي: مؤلم وقرأ ابن كثيرة وحفص أليم ~~بالرفع على أنه صفة لعذاب، والباقون بالجر على أنه صفة لرجز قال الرازي: ~~قال هناك لهم رزق كريم ولم يقل بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا ~~رزق من جنس كريم، وقال ههنا {لهم عذاب من رجز أليم} بلفظة صالحة للتبعيض ~~وذلك إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب وقوله: # {ويرى الذين أوتوا العلم} أي: الذي قذفه الله تعالى في قلوبهم سواء كانوا ~~ممن أسلم من العرب أو أهل الكتاب وقيل: مؤمنو أهل الكتاب عبد الله بن سلام ~~وأصحابه وقيل: الصحابة ومن شايعهم فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على ليجزي ~~أي: وليعلم الذين ms2672 أوتوا العلم. والثاني: أنه مستأنف أخبر عنهم بذلك {الذي ~~أنزل إليك من ربك} أي: المحسن إليك بإنزاله {هو الحق} أي: أنه من عند الله ~~تعالى. # تنبيه: الذي أنزل هو المفعول الأول، وهو ضمير فصل والحق: مفعول ثان لأن ~~الرؤية علمية. # وقوله تعالى {ويهدي إلى صراط} أي: طريق {العزيز الحميد} في فاعله وجهان ~~أظهرهما أنه ضمير الذي أنزل وهو القرآن. والثاني: ضمير اسم الله تعالى ~~وهاتان الصفتان يفيدان الرهبة والرغبة، العزيز: يفيد التخويف والانتقام من ~~المكذب والحميد يفيد الترغيب في الرحمة للمصدق. # {وقال الذين كفروا} أي: قال بعضهم على وجه التعجب لبعض {هل ندلكم على ~~رجل} يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم {ينبئكم} أي: يخبركم إخبارا لا أعظم ~~منه بما حواه من العجب الخارج عما نفعله أنكم {إذا مزقتم} أي: قطعتم وفرقتم ~~بعد موتكم. وقوله تعالى {كل ممزق} يحتمل أن يكون اسم مفعول أي: كل تمزيق ~~فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب ~~الأرض، ويحتمل أن يكون ظرف مكان بمعنى إذا مزقتم وذهبت بكم الرياح والسيول ~~كل مذهب {إنكم لفي خلق جديد} أي: تنشؤون خلقا جديدا بعد أن تكونوا رفاتا ~~وترابا. # والهمزة في قوله: # {أفترى} أي: تعمد {على الله} أي: الذي لا أعلم منه {كذبا} أي: بالإخبار ~~بخلاف الواقع وهو عاقل صحيح القصد همزة استفهام فالقراء الجميع يحققونها، ~~واستغنى بها عن همزة الوصل فإنها تحذف لأجلها فلذلك تثبت هذه الهمزة ابتداء ~~ووصلا، قال البغوي: هذه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فلذلك نصبت {أم به ~~جنة} أي: جنون يحكى به ذلك، واستدل الجاحظ بهذه الآية على أن الكلام ثلاثة ~~أقسام: صدق وكذب، ولا صدق ولا كذب ووجه الدلالة منه على القسم الثالث أن ~~قولهم {أم به جنة} لا جائز أن يكون كذبا لأنه قسيم الكذب وقسيم الشيء غيره، ~~ولا جائز أن يكون صدقا لأنهم لم يعتقدوه فثبت قسم ثالث. وأجيب عنه: بأن ~~المعنى أم لم يفتر ولكن عبر هذا بقولهم {أم به ms2673 جنة} لأن المجنون لا افتراء ~~له. # تنبيه: قوله {أفترى} يحتمل أن يكون من تمام قول الكافرين أولا أي: من ~~كلام القائلين {هل ندلكم} ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل {هل ~~ندلكم} كأن القائل لما قال له {هل ندلكم على رجل} قال له: هل افترى على ~~الله كذبا إن كان يعتقد خلافه أم به جنة أي: جنون # PageV03P280 # إن كان لا يعتقد خلافه. # ولما كان الجواب ليس به شيء من ذلك عطف عليه قوله تعالى {بل الذين لا ~~يؤمنون} أي: لا يوجدون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر {بالآخرة} أي: ~~المشتملة على البعث والعذاب {في العذاب} أي: في الآخرة {والضلال البعيد} ~~أي: عن الصواب في الدنيا، فرد الله تعالى عليهم ترديدهم وأثبت لهم سبحانه ~~ما هو أفظع من القسمين فقوله تعالى {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة} (يس: 81) # في العذاب في مقابلة قولهم {أفترى على الله كذبا} وقوله تعالى {والضلال ~~البعيد} في مقابلة قولهم {أم به جنة} وكلاهما مناسب، أما العذاب فلأن نسبة ~~الكذب إلى الصادق مؤد إلى أنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب ~~عليهم حيث نسبوا الكذب إلى البريء، وأما الضلال فلأن نسبة الجنون إلى ~~العاقل دونه في الإيذاء، فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم ~~الهداية فبين تعالى أنهم هم الضالون، ثم وصف ضلالهم بالبعد ووصف الضلال به ~~للإسناد المجازي لأن من يسمى المهدي ضالا يكون أضل، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم هادي كل مهتد. # ولما ذكر تعالى الدليل على كونه عالم الغيب وكونه مجازيا على السيئات ~~والحسنات، ذكر دليلا آخر فيه التهديد والتوحيد بقوله تعالى: # {أفلم يروا} أي: ينظروا {إلى ما بين أيديهم} أي: أمامهم {وما خلفهم} وذلك ~~إشارة إلى جميع الجوانب من كلا الخافقين فقوله تعالى {من السماء والأرض} ~~دليل التوحيد فإنهما يدلان على الوحدانية، ويدلان على الحشر والإعادة ~~لأنهما يدلان على كمال القدرة لقوله تعالى {أوليس الذي خلق السموات والأرض ~~بقادر على أن يخلق مثلهم} وأما دليل التهديد فقوله تعالى {إن نشأ} ms2674 أي: بما ~~لنا من العظمة {نخسف بهم الأرض} أي: كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ ~~بعض أفعالنا فيه بأولى من غيره {أو نسقط عليهم كسفا} أي: قطعا {من السماء} ~~فنهلكهم بها، وقرأ حفص بفتح السين والباقون بسكونها. # تنبيه: في قوله تعالى {أفلم يروا} الرأيان المشهوران قدره الزمخشري ~~أفعموا فلم يروا وغيره يدعي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف، وقوله {من ~~السماء} بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون حالا فيتعلق به أيضا ~~قيل: وثم حال محذوفة تقديره: أفلم يروا إلى كذا مقهورا تحت قدرتنا أو محيطا ~~بهم فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من ~~أقطارها، وأنا القادر عليهم وقرأ حمزة والكسائي {إن يشأ يخسف بهم الأرض أو ~~يسقط} بالياء في الثلاثة كقوله تعالى {افترى على الله كذبا} والباقون ~~بالنون، وأدغم الكسائي الفاء في الباء وأظهرها الباقون {إن في ذلك} أي: ~~فيما ترون من السماء والأرض {لآية} أي: علامة بينة تدل على قدرتنا على ~~البعث {لكل عبد} أي: متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه {منيب} أي: ~~فيه قابلية الرجوع إلى ربه بقلبه. # ولما ذكر تعالى من ينيب من عباده وكان من جملتهم داود عليه السلام كما ~~قال ربه {فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب} (ص: 24) # ذكره بقوله تعالى: # {ولقد آتينا} أي: أعطينا إعطاء عظيما دالا على نهاية المكنة بما لنا من ~~العظمة {داود منا فضلا} أي: النبوة والكتاب، أو الملك أو جميع ما أوتي من ~~حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به، وهذا الأخير أولى. # تنبيه: قوله تعالى {منا} فيه إشارة إلى بيان # PageV03P281 # فضل داود عليه السلام لأن قوله تعالى {ولقد آتينا داود منا فضلا} مستقل ~~بالمفهوم وتام كما يقول القائل: آتى الملك زيدا خلعة فإذا قال القائل: أتاه ~~منه خلعه يفيد أنه كان من خاص ما يكون له، فكذلك إيتاء الله تعالى الفضل ~~عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ونظيره قوله تعالى {يبشرهم ربهم برحمة ~~منه ورضوان} (التوبة: 21) فإن رحمة ms2675 الله تعالى واسعة تصل إلى كل أحد، لكن ~~رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه وقوله تعالى {يا جبال} ~~محكي بقول مضمر ثم إن شئت قدرته مصدرا، ويكون بدلا من فضل على جهة تفسيره ~~به كأنه قيل آتيناه فضلا قولنا يا جبال، وإن شئت قدرته فعلا وحينئذ لك ~~وجهان: إن شئت جعلته بدلا من آتينا معناه آتينا قلنا: يا جبال، وإن شئت ~~جعلته مستأنفا {أوبي} أي: رجعي {معه} بالتسبيح إذا سبح أمر من التأويب وهو ~~الترجيع وقيل: التسبيح بلغة الحبشة وقال العيني: أصله من التأويب في السير، ~~وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلا كأنه يقول: أوبي النهار كله بالتسبيح ~~معه وقال وهب: نوحي معه وقيل: سيري معه وقوله تعالى {والطير} منصوب بإجماع ~~القراء السبعة واختلف في وجه نصبه على أوجه: أحدها: أنه عطف على محل جبال ~~لأنه منصوب تقديرا لأن كل منادى في موضع نصب. الثاني: أنه عطف على فضلا ~~قاله الكسائي، ولابد من حذف مضاف تقديره آتيناه فضلا وتسبيح الطير. الثالث: ~~أنه منصوب بإضمار فعل أي: وسخرنا له الطير قاله أبو عمرو. # تنبيه: لم يكن الموافق له في التأويب منحصرا في الطير والجبال ولكن ذكر ~~الجبال لأن الصخور للجمود والطير للنفور وكلاهما تستبعد منه الموافقة، فإذا ~~وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى، ثم من الناس من لم يوافقه وهم القاسية ~~قلوبهم التي هي أشد قسوة قال المفسرون: كان داود عليه الصلاة والسلام إذ ~~نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه فصدى الجبال ~~الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل: كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله ~~جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح، وقيل: كان داود إذا لحقه فتور ~~أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطا له. وقال وهب بن منبه: كان يقول للجبال ~~سبحي، وللطير أجيبي، ثم يأخذ في تلاوة الزبور بين تلك بصوته الحسن فلا يرى ~~الناس منظرا أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئا أطيب منه، وذلك كما: «كان الحصى ~~يسبح في كف نبينا ms2676 صلى الله عليه وسلم وكف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما» ~~وكما: «كان الطعام يسبح في حضرته الشريفة وهو يؤكل» ، وكما: «كان الحجر ~~يسلم عليه وأسكفة الباب وحوائط البيت تؤمن على دعائه» ، و «حنين الجذع ~~مشهور» ، وكما: «كان الضب يشهد له» و «الجمل يشكو إليه ويسجد بين يديه» ~~ونحو ذلك، وكما: «جاء الطائر الذي يسمى الحمرة تشكو الذي أخذ بيضها، فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم برده رحمة لها» . # ولما ذكر تعالى طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله تعالى ~~منها، ذكر سبحانه وتعالى ما أنشأه من ذلك الأكثف، وهو أصلب الأشياء بقوله ~~تعالى: {وألنا له الحديد} أي: الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع ~~والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة، وذلك في قدرة الله ~~تعالى يسير، وكان سبب ذلك ما روي في الأخبار أن داود عليه السلام لما ملك ~~بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج # PageV03P282 # للناس متنكرا، فإذا رأى رجلا لا يعرفه تقدم إليه يسأله عن داود ويقول له ~~ما تقول في داود، وإليكم هذا أي رجل هو فيثنون عليه ويقولون خيرا، فقيض ~~الله تعالى له ملكا في صورة آدمي فلما رآه داود تقدم إليه على عادته يسأله ~~فقال الملك: نعم الرجل هو لولا خصلة فيه فراع داود ذلك وقال: ما هي يا عبد ~~الله؟ فقال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال قال: فتنبه لذلك وسأل الله ~~تعالى أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال يتقوت منه ويطعم عياله، ~~فألان الله له الحديد وعلمه صنعة الدروع، وإنه أول من اتخذها يقال: إنه كان ~~يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم فيأكل ويطعم منها عياله، ويتصدق منها على ~~الفقراء والمساكين ويقال: إنه كان يعمل كل يوم درعا يبيعه بستة آلاف درهم، ~~فينفق منها ألفين على نفسه وعياله، ويتصدق بأربعة آلاف درهم على فقراء بني ~~إسرائيل، وإنما اختار الله تعالى له ذلك لأنه وقاية للروح التي هي من أمره ~~ويحفظ الآدمي ms2677 المكرم عند الله تعالى من القتل، فالزراد خير من القواس ~~والسياف وغيرهما، لأن القوس والسيف وغيرهما من السلاح ربما يستعمل في قتل ~~النفس المحرمة بخلاف الدرع قال صلى الله عليه وسلم «كان داود عليه السلام ~~لا يأكل إلا من عمل يده» . # ثم ذكر سبحانه وتعالى علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله ~~تعالى بقوله عز من قائل: # {أن اعمل سابغات} أي: دروعا طوالا واسعات يجرها لابسها على الأرض، وذكر ~~الصفة يعلم منها الموصوف، واختلف في معنى قوله سبحانه وتعالى {وقدر في ~~السرد} أي: نسج الدروع يقال لصانعه: الزراد والسراد فقيل: قدر المسامير في ~~حلق الدروع أي: لا تجعل المسامير غلاظا فتكسر الحلق ولا دقاقا فتتقلقل فيها ~~ويقال: السرد المسمار في الحلقة يقال: درع مسرودة أي: مسمورة الحلق {وقدر ~~في السرد} اجعله على القصد وقدر الحاجة وقيل: اجعل كل حلقة مساوية لأختها ~~مع كونها ضيقة لئلا ينفذ منها سهم، ولتكن في ثخنها بحيث لا يقطعها سيف، ولا ~~تثقل على الدرع فتمنعه خفة التصرف وسرعة الانتقال في الكر والفر والطعن ~~والضرب في البرد والحر، والظاهر كما قال البقاعي أنه لم يكن في حلقها ~~مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها، وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق ~~ولا كان للإلانة كبير فائدة، وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير ~~وقال الرازي: يحتمل أن يقال: السرد هو عمل الزرد وقوله تعالى {وقدر في ~~السرد} أي: أنك غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب، والكسب يكون بقدر ~~الحاجة، وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشتغل جميع ~~أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب، ويدل عليه قوله تعالى {واعملوا صالحا} ~~أي: لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه، وأما الكسب ~~فقدروا فيه ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله تعالى: {إني بما تعملون بصير} ~~أي: مبصر فأجازيكم به يريد بهذا داود وآله. # تنبيه: كما ألان الله تعالى لداود عليه السلام الحديد ألان لنبينا صلى ~~الله ms2678 عليه وسلم في الخندق تلك الكدية وذلك بعد أن لم تكن المعاول تعمل فيها ~~وبلغت غاية الجهد منهم، فضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة، ~~وفي رواية رش عليها ماء فعادت كثيبا أهيل لا ترد فأسا، وتلك الصخرة التي ~~أخبره سلمان عنها أنها كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا عنها فضربها # PageV03P283 # صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات كسر في كل ضربة ثلثا منها، وبرقت مع كل ~~ضربة برقة كبر معها تكبيرة وأضاءت للصحابة رضي الله تعالى عنهم ما بين ~~لابتي المدينة بحيث كانت في النهار، كأنها مصباح في جوف بيت مظلم فسألوه عن ~~ذلك، فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض ~~اليمن حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك، وأخبره جبريل عليه السلام أنها ستفتح ~~على أمته، وأضاءت له الأخرى قصور الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب، وأخبر ~~أنها مفتوحة لهم، وأضاءت له الأخرى قصور الشام الحمر كأنها أنياب الكلاب، ~~وأخبر بفتحها عليهم فصدقه الله تعالى في جميع ما قال، وأعظم من ذلك تصلب ~~الخشب له عليه السلام حتى صار سيفا قوى المتن جيد الحديدة، وذلك أن سيف عبد ~~الله بن جحش انقطع يوم أحد فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجونا ~~فصار في يده سيفا قائمة منه فقاتل به، فكان يسمى العرجون ثم لم يزل عنده ~~يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده حتى قتل، وهو عنده ~~وعن الواقدي: «أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم يوم بدر، فأعطاه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين رطاب فقال: اضرب به فإذا هو سيف ~~جيد، فلم يزل عنده حتى قتل» وإلحام داود للحديد ليس بأعجب من: «إلحام النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليد معوذ بن عفراء لما قطعها أبو جهل يوم بدر فأتى بها ~~يحملها في يده الأخرى فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها ~~فلصقت وصحت مثل أختها» كما نقله البيهقي # وغيره ومعجزاته صلى ms2679 الله عليه وسلم لا تنحصر، وإنما أذكر بعضها تبركا ~~بذكره صلى الله عليه وسلم وأسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرته ويفعل ذلك ~~بأهلينا ومحبينا. # ولما أتم الله تعالى المراد من آيات داود عليه السلام، أتبعها بعض آيات ~~ابنه سليمان عليه الصلاة والسلام لمشاركته في الإنابة بقوله تعالى: # {ولسليمان} أي: عوضا عن الخيل التي عقرها لله تعالى {الريح} قرأ شعبة ~~الريح بالرفع على الابتداء، والخبر في الجار قبله أو محذوف والباقون بالنصب ~~بإضمار فعل أي: وسخرنا {غدوها} أي: سيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى ~~الزوال {شهر} أي: تحمله وتذهب به وبجميع عسكره من الصباح إلى نصف النهار ~~مسيرة شهر {ورواحها} أي: من الزوال إلى الغروب {شهر} أي: مسيرته فكانت تسير ~~به في يوم واحد مسيرته شهرين قال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقبل بإصطخر ~~وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع، وهذا كما سخر الله تعالى الريح لنبينا ~~صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، فكانت تهد خيامهم وتضرب وجوههم ~~بالتراب والحجارة، وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم الله تعالى بها، وكما ~~حملت شخصين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة تبوك فألقتهما بجبل ~~طيىء، وتحمل من أراد الله تعالى من أولياء أمته كما هو في غاية الشهرة ~~ونهاية الكثرة، وأما أمر الإسراء والمعراج فهو من الجلالة والعظم بحيث لا ~~يعلمه إلا الله تعالى، مع أن الله تعالى صرفه في آيات السماء بحبس المطر ~~تارة وإرساله أخرى. # ولما ذكر تعالى الريح أتبعها ما هو من أسباب تكوينه بقوله تعالى: ~~{وأسلنا} أي: أذبنا بما لنا من العظمة {له عين القطر} أي: النحاس حتى صار ~~كأنه عين ماء فأجريت ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وعمل الناس إلى اليوم ~~مما أعطي سليمان {ومن الجن} أي: الذي سترناهم عن العيون من # PageV03P284 # الشياطين وغيرهم عطف على الريح أي: وسخرنا له من الجن {من يعمل بين يديه} ~~أي: قد أمكنه الله تعالى منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره {بإذن} أي: ~~بأمر {ربه} أي: بتمكين المحسن إليه ms2680 {ومن يزغ} أي: يمل {منهم عن أمرنا} أي: ~~عن أمره الذي هو من أمرنا {نذقه من عذاب السعير} أي: النار أي: في الآخرة ~~وقيل: في الدنيا بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة يحرقه، وهذا كما أمكن نبينا ~~صلى الله عليه وسلم من ذلك العفريت فخنقه وهم بربطه حتى تلعب به صبيان ~~المدينة، ثم تركه تأدبا مع أخيه سليمان عليه السلام فيما سأل الله تعالى ~~فيه، وأما الأعمال التي يدور عليها إقامة الدين فأغناه الله تعالى فيها عن ~~الجن بالملائكة الكرام عليهم السلام وسلط جمعا من صحابته على جماعة من مردة ~~الجان منهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «لما وكله النبي صلى الله عليه ~~وسلم بحفظ زكاة رمضان» ، ومنهم أبي بن كعب قبض على شخص منهم كان يسرق من ~~تمره وقال: لقد علمت الجن ما فيهم من هو أشد مني، ومنهم معاذ بن جبل لما ~~جعله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقة المسلمين فأتاه شيطان يسرق وتصور ~~له بصور منها صورة فيل، فضبطه والتفت يداه عليه وقال له: يا عدو الله فشكا ~~له الفقر وأخبره أنه من جن نصيبين، وأنهم كانت لهم المدينة فلما بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم أخرجهم منها، وسأله أن يخلي عنه على أن لا يعود، ومنهم ~~بريدة، ومنهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ومنهم زيد بن ثابت رضي ~~الله تعالى عنه، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه صارع الشيطان ~~فصرعه عمر، ومنهم عمار بن ياسر قاتل الشيطان فصرعه عمار # وأدمى أنف الشيطان بحجر ذكر ذلك البيهقي في الدلائل، وأما عين القطر فهي ~~مما تضمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض والملك ~~في الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فاخترت أن أكون نبيا عبدا أجوع يوما وأشبع ~~يوما» الحديث، فشمل ذلك اللؤلؤ الرطب إلى عين الذهب المصفى إلى ما دون ذلك، ~~وروى الترمذي وقال: حسن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«عرض علي ربي ms2681 ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت: لا يارب ولكن أجوع يوما وأشبع ~~يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وشكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» وللطبراني ~~بإسناد حسن عن ابن عباس: «أن إسرافيل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتيح ~~خزائن الأرض وقال: إن الله أمرني أن أعرض عليك أن تسير معك جبال تهامة ~~زمردا وياقوتا وذهبا وفضة، فإن شئت نبيا مالكا وإن شئت نبيا عبدا فأومأ إلي ~~جبريل عليه السلام أن تواضع فقال: نبيا عبدا» ورواه ابن حبان في صحيحه ~~مختصرا من حديث أبي هريرة، وله في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيفة ~~من سندس» وفي البخاري في غزوة أحد عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض» هذا ما يتعلق ~~بالأرض، وقد زيد صلى الله عليه وسلم على ذلك بأن أيده ربه سبحانه بالتصرف ~~في خزائن السماء تارة بشق القمر وتارة برجم النجوم، وتارة باختراق السموات، ~~وتارة بحبس المطر، وتارة بإرساله إلى غير ذلك مما قد أكرمه الله تعالى به ~~مما لا يحيط به إلا الله عز وجل صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه ~~وذريته وأصحابه، وحشرنا ومحبينا معهم في دار # PageV03P285 # كرامته. # ولما أخبر تعالى أنه سخر لسليمان الجن ذكر حالهم في أعمالهم بقوله تعالى: # {يعملون له} أي: في أي: وقت شاء {ما يشاء} أي: عمله {من محاريب} أي: ~~أبنية مرتفعة غير مساجد يصعد إليها بدرج، سميت بذلك لأنها يذب عنها ويحارب ~~عليها ومساجد، والمحراب مقدم كل مسجد ومجلس وبيت، وكان مما عملوه له بيت ~~المقدس ابتدأه داود عليه السلام ورفعه قامة رجل فأوحى الله تعالى إليه أني ~~لم أقض ذلك على يديك، ولكن ابن لك اسمه سليمان عليه السلام اقضي تمامه على ~~يديه فلما توفاه الله تعالى استخلف سليمان عليه السلام فأحب إتمام بناء بيت ~~المقدس، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال فخص ms2682 كل طائفة منهم بعمل ~~يستصلحه له، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض من ~~معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح وجعلها اثني عشر ربضا، وأنزل ~~على كل ربض سبطا من الأسباط، وكانوا اثني عشر سبطا، فلما فرغ من بناء ~~المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقا يستخرجون الذهب والفضة ~~والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر، وفرقا يقتلعون الجواهر من ~~الحجارة من أماكنها، وفرقا يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها ~~فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله تعالى، ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك ~~الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحا، وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت ~~واللآلئ، فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها ~~الصافي وسقفه بألواح الجواهر الثمينة، وفصص سقفه وحيطانه باللآلئ والياقوت ~~وسائر الجواهر وبسط أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ~~ولا أنور من ذلك المسجد، وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر فلما فرغ ~~منه جمع أحبار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله تعالى، وأن كل شيء فيه ~~خالص لله تعالى واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدا لله تعالى، روى عبد الله ~~بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما فرغ سليمان من ~~بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثا فأعطاه # اثنتين، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه ~~إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أن لا يأتي هذا ~~البيت أحد يصلي فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن ~~يكون قد أعطاه ذلك» قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه ~~بختنصر فخرب المدينة وهدمها ونقض المسجد وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من ~~الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر إلى دار ملكه من أرض العراق، ~~وبنى الشياطين باليمن لسليمان حصونا كثيرة عجيبة من الصخر {وتماثيل} جمع ~~تمثال، وهو كل شيء مثلته بشيء أي: كانوا يعملون له تماثيل ms2683 أي: صورا من نحاس ~~وزجاج ورخام ونحو ذلك. # فإن قيل: كيف استجاز سليمان عليه السلام عمل التصاوير؟ أجيب: بأن هذا مما ~~يجوز أن تختلف فيه الشرائع لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب، وعن ~~أبي العالية لم يكن اتخاذ التصاوير إذ ذاك محرما، ويجوز أن تكون غير صور ~~الحيوان كصور الأشجار ونحوها، لأن التمثال كل ما صوره على مثل صورة غيره من ~~حيوان وغير حيوان، أو بصور محذوفة الرؤوس، روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل ~~كرسيه، ونسرين في أعلاه # PageV03P286 # فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران ~~بأجنحتهما وقيل: كانوا يتخذون صور الأنبياء والملائكة والصالحين في المساجد ~~ليراها الناس فيزدادوا عبادة قيل: إن هذا كان أول الأمر، فلما تقادم الزمن ~~قال لهم إبليس: إن آباءكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوا الأصنام ولم تكن ~~التصاوير ممنوعة في شريعتهم كما أن عيسى عليه السلام كان يتخذ صورا من ~~الطين فينفخ فيها فتكون طيرا. # {وجفان} أي: قصاع وصحاف يؤكل فيها، واحدتها جفنة {كالجوابي} جمع جابية ~~وهي الحوض الكبير يجبى إليه الماء أي: يجتمع يقال: كان يجلس على الجفنة ~~الواحدة ألف رجل يأكلون منها، وقرأ ورش وأبو عمرو بإثبات الياء بعد الباء ~~الموحدة في الوصل دون الوقف، وابن كثير بإثباتها وقفا ووصلا، والباقون ~~بالحذف وقفا ووصلا. # ولما ذكر القصاع على وجه يتعجب منه ذكر ما يطبخ فيه طعام تلك الجفان ~~بقوله تعالى: {وقدور راسيات} أي: ثابتات ثباتا عظيما لأنها لكبرها كالجبال ~~لها قوائم لا يحركن عن أماكنها لعظمهن، ولا يبدلن ولا يعطلن وكان يصعد ~~عليها بالسلالم وكانت باليمن. # ولما ذكر المساكن وما يتبعها أتبعها الأمر بالعمل بقوله تعالى: {اعملوا} ~~أي: وقلنا لهم اعملوا أي: تمتعوا واعملوا على مزيد قربهم بحذف أداة النداء ~~وعلى شرفهم بالتعبير بالآل بقوله تعالى: {آل داود} وقوله تعالى {شكرا} يجوز ~~فيه أوجه: أحدها: أنه مفعول به أي: اعملوا الطاعة سميت الصلاة ونحوها شكرا ~~لسدها مسده. ثانيها: أنه مصدر من معنى اعملوا كأنه قال: اشكروا شكرا ms2684 ~~بعملكم، أو اعملوا عمل شكر. ثالثهما: أنه مفعول من أجله أي: لأجل الشكر، ~~واقتصر على هذا البقاعي. رابعها: أنه مصدر واقع موقع الحال أي: شاكرين. ~~خامسها: أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه تقديره: واشكروا شكرا. سادسها: أنه ~~صفة لمصدر اعملوا تقديره عملا شكرا أي: ذا شكر. # تنبيه: كما قال تعالى عقب قوله سبحانه {أن اعمل سابغات} : {اعملوا صالحا} ~~قال عقب ما تعمله الجن له {اعملوا آل داود شكرا} إشارة إلى أنه لا ينبغي أن ~~يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في هذه الأشياء، وإنما الإكثار من العمل الصالح ~~الذي يكون شكرا، وقوله تعالى {وقليل} خبر مقدم وقوله تعالى {من عبادي} صفة ~~له وقوله تعالى {الشكور} مبتدأ والمعنى: أن العامل بطاعتي المتوفر الدواعي ~~بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه ويديه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم الله ~~تعالى به عليه فيما يرضيه قليل، ومع ذلك لا يوفي حقه لأن توفيقه للشكر نعمة ~~تستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر، ~~وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه مطلق الشكر كثير، وأقل ذلك حال ~~الاضطرار وقيل: المراد من آل داود عليه السلام هو داود نفسه وقيل: داود ~~وسليمان وأهل بيتهما عليهما السلام قال جعفر بن سليمان: سمعت ثابتا يقول: ~~كان داود عليه السلام نبي الله صلى الله عليه وسلم قد جزأ ساعات الليل ~~والنهار على أهله فلم تك تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من ~~آل داود عليه السلام قائم يصلي، وقال صلى الله عليه وسلم في صلاة النافلة: ~~«أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه» وقال ~~في صوم التطوع: «أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما» وروي عن ~~عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول: اللهم # PageV03P287 # اجعلني من القليل فقال عمر: ما هذا الدعاء فقال: إني سمعت الله يقول ~~{وقليل من عبادي الشكور} فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل فقال عمر: كل ~~الناس أعلم ms2685 من عمر. # ولما كان الموت مكتوبا على كل أحد قال تعالى: # {فلما قضينا} وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء بقوله تعالى: {عليه} أي: ~~سليمان عليه السلام {الموت} قال أهل العلم: كان سليمان يتحنث في بيت المقدس ~~السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، فيدخل فيه ومعه طعامه ~~وشرابه فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله ~~تعالى فسألها ما اسمك فتقول: كذا وكذا فيقول: لأي شيء خلقت فتقول: لكذا ~~وكذا فيؤمر بها فتقلع فإن كانت تنبت لغرس غرسها، وإن كانت تنبت لدواء كتب ~~ذلك حتى نبتت الخروبة فقال لها: ما أنت قالت: الخروبة قال: لأي شيء نبت ~~قالت: لخراب مسجدك قال عليه السلام: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي ~~على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم قال: اللهم ~~عم على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، لأنهم كانوا ~~يسترقون السمع ويموهون على الناس أنهم يعلمون الغيب وقال لملك الموت: إذا ~~أمرت بي فأعلمني فقال: أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة فدعا الشياطين فبنوا ~~عليه صرحا من قوارير ليس له باب فقام يصلي متكئا على عصاه فقبض الله روحه ~~وهو متكئ عليها، وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلى، وكان للمحراب ~~كوى بين يديه وخلفه فكانت الجن تعمل الأعمال الشاقة التي كانوا يعملونها في ~~حياته، وينظرون إلى سليمان عليه السلام فيرونه قائما متكئا على عصاه ~~فيحسبونه حيا فلا ينكرون خروجه إلى الناس لطول صلاته، فمكثوا يدأبون له بعد ~~موته حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان فخر ميتا فعلموا بموته حينئذ ~~كما قال تعالى {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض} أي: الأرضة لأنا جعلنا له ~~من سعة العلم ووفور الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم ~~{تأكل منسأته} قال البخاري: يعني عصاه فالمنسأة العصا اسم آلة من نسأه أخره ~~كالمكسحة والمكنسة من نسأت الغنم أي: زجرتها وسقتها، ومنه نسأ ms2686 الله في أجله ~~أي: أخره وقرأ نافع وأبو # عمرو بعد السين بألف وابن ذكوان بعد السين بهمزة ساكنة والباقون بهمزة ~~مفتوحة بعد السين فإذا وقف حمزة سهل الهمزة وقيل لم يكن شيطان ينظر إليه في ~~صلاته إلا احترق فمر به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع فنظر فإذا ~~سليمان قد خر ميتا ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة {فلما خر} أي: ~~سقط على الأرض بعد أن قصمت الأرضة عصاه {تبينت الجن} أي: علمت علما بينا لا ~~يقدرون معه على تدبيج وتلبيس وانفضح أمرهم وظهر ظهورا تاما {أن} أي: أنهم ~~{لو كانوا} أي: الجن {يعلمون الغيب} أي: علمه {ما لبثوا} أي: أقاموا حولا ~~{في العذاب المهين} من ذلك العمل الذي كانوا مسخرين فيه، ويجوز أن تكون أن ~~تعليلية ويكون التقدير: تبين حال الجن فيما يظن بهم من أنهم يعلمون الغيب ~~لأنهم إلخ، وسبب علمهم مدة كونه ميتا قبل ذلك أنهم وضعوا الأرضة على موضع ~~من العصا فأكلت منها يوما وليلة مقدارا، وحسبوا على ذلك النحو فوجدوا المدة ~~سنة قال ابن عباس: فشكر الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف # PageV03P288 # الخشب. # تنبيه: قد تقدم أن كل شيء أثبت لمن قبل نبينا صلى الله عليه وسلم من ~~الأنبياء عليهم السلام من الخوارق ثبت له مثله وأعظم منه إما له نفسه أو ~~لأحد من أمته، وهذا الذي ذكر لسليمان عليه السلام من حفظه بعد موته سنة لا ~~يميل قد ثبت مثله لشخص من هذه الأمة من غير شيء يعتمد عليه، قال القشيري في ~~رسالته في باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا، وقال أبو عمران الإصطخري: ~~رأيت أبا تراب في البادية قائما ميتا لا يمسكه شيء انتهى. # فائدة: روي أن سليمان عليه السلام كان عمره ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ملكه ~~أربعون سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ في بناء بيت المقدس ~~لأربع سنين مضين من ملكه، وروي أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في ~~موضع ms2687 فسطاط موسى عليه السلام فمات قبل أن يتم فوصى به إلى سليمان عليه ~~السلام فأمر الشياطين بإتمامه. # ولما بقي من عمله سنة سأل الله تعالى أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا منه، ~~وليبطل دعواهم علم الغيب، وروي أن إفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا منه ~~ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعد يدنو منه. # ولما بين تعالى حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان عليهما السلام، بين ~~حال الكافرين لأنعمه بحكاية أهل سبأ فقال تعالى: # {لقد كان لسبأ} أي: القبيلة المشهور روى أبو سبرة النخعي عن أبي قرة بن ~~مسيك القطيعي قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ أكان رجلا أو امرأة ~~أو أرضا قال: «كان رجلا من العرب وله عشرة من الولد تيامن منهم ستة وتشاءم ~~منهم أربعة، فأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وأنمار ~~وحمير فقال رجل: وما أنمار قال: الذين منهم خثعم وبجيلة، وأما الذين ~~تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان وسبأ يجمع هذه القبائل كلها» والجمهور على ~~أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية وعدنانية، فالقحطانية: شعبان سبأ ~~وحضرموت، والعدنانية: شعبان: ربيعة ومضر، وأما قضاعة فمختلف فيها فبعضهم ~~نسبها إلى قحطان، وبعضهم إلى عدنان، قيل: إن قحطان أول من قيل له أنعم ~~صباحا وأبيت اللعن، قال بعضهم: وجميع العرب منسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم ~~وليس بصحيح، فإن إسماعيل عليه السلام نشأ بين جرهم بمكة وكانوا عربا، ~~والصحيح أن العرب العاربة كانوا قبل إسماعيل عليه السلام منهم عاد وثمود ~~وطسم وجديس وأهم وجرهم والعماليق يقال: إن أهما كان ملكا ويقال: إنه أول من ~~سقف البيوت بالخشب المنشور، وكانت الفرس تسميه آدم الأصغر وبنوه قبيلة يقال ~~لها وبار هلكوا بالرمل أساله الله عليهم فأهلكهم وطم مناهلهم وفي ذلك يقول ~~بعض الشعراء: # *وكر دهر على وبار ... فهلكت عنوة وبار* # واسم سبأ: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان وسمي سبأ قيل: لأنه أول من ~~سبأ في العرب قاله السهيلي، ويقال: إنه أول من تتوج، وذكر بعضهم ms2688 أنه كان ~~مسلما وله شعر يشير فيه بوجود النبي صلى الله عليه وسلم وقال في سليمان ~~عليه السلام: # *سيملك بعدنا ملك عظيم ... نبي لا يرخص في الحرام* # *ويملك بعده منهم ملوك ... يدينوه القياد بكل دامي* # PageV03P289 # *ويملك بعدهم منا ملوك ... يصير الملك فينا بانقسام* # *ويملك بعد قحطان نبي ... تقي مخبت خير الأنام* # *يسمى أحمدا يا ليت أني ... أعمر بعد مبعثه بعام* # *فأعضده وأحبوه بنصري ... بكل مدجج وبكل رامي* # *متى يظهر فيكونوا ناصريه ... ومن يلقاه يبلغه سلامي* # وقرأ البزي وأبو عمرو بعد الموحدة بهمزة مفتوحة من غير تنوين لأنه صار ~~اسم قبيلة، وقنبل بهمزة ساكنة والباقون بهمزة مكسورة منونة، وإذا وقف حمزة ~~وهشام أبدلا الهمزة ألفا ولهما أيضا الروم مع التسهيل وقرأ {في مساكنهم} ~~أي: التي هي في غاية الكثرة حمزة وحفص بسكون السين وفتح الكاف ولا ألف ~~بينهما إشارة إلى أنها لشدة اتصال المنافع والمرافق كالمسكن الواحد، وقرأ ~~الكسائي كذلك إلا أنه يكسر الكاف والباقون بفتح السين وألف بعدها وكسر ~~الكاف إشارة إلى أنها في غاية الملائمة لهم واللين، وكانت بأرض مأرب من ~~بلاد اليمن قال حمزة الكرماني: قال ابن عباس: على ثلاثة فراسخ من صنعاء ~~{آية} أي: علامة ظاهرة على قدرتنا، ثم فسر الآية بقوله تعالى: {جنتان عن ~~يمين وشمال} أي: عن يمين الوادي وشماله قد أحاطت الجنتان بذلك الوادي وقيل: ~~عن يمين من أتاهما وبشماله. # فإن قيل: كيف عظم الله تعالى جنتي أهل سبأ وجعلهما آية ورب قرية من قرى ~~العراق يحتف بها من الجنات ما شئت؟ أجيب: بأنه لم يرد بستانين اثنين فحسب، ~~وإنما أراد جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدتهم، وأخرى عن شمالها وكل ~~واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بلاد ~~الريف العامرة وبساتينها، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله ~~كما قال تعالى {جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب} (الكهف: 32) فكانت أخصب ~~البلاد وأطيبها وأكثرها ثمارا حتى كانت المرأة تضع على رأسها مكتلا فتطوف ~~به بين الأشجار فيمتلئ ms2689 المكتل من جميع أنواع الفواكه من غير أن تمس شيئا ~~بيدها مما يتساقط فيه من الثمر. # وقوله تعالى {كلوا من رزق ربكم} أي: المحسن إليكم الذي أخرج لكم منهما ما ~~تشتهون {واشكروا له} أي: خصوه بالشكر بالعمل في كل ما يرضيه ليديم لكم ~~النعمة حكاية لما قال لهم نبيهم، أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء ~~بأن يقال لهم ذلك، ثم استأنف تعظيم ذلك بقوله {بلدة طيبة} أي: حسنة التربة ~~ليس بها سباخ، حسنة الهواء سليمة من الهوام ليس فيها بعوضة ولا ذبابة ولا ~~برغوث ولا عقرب ولا حية يمر الغريب بها وفي ثيابه القمل فيموت من طيب ~~هوائها، وأشار إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره بقوله تعالى: {ورب ~~غفور} أي: لذنب من شكره وتقصيره فلا يعاقب عليه ولا يعاتب قال البقاعي: ~~وأخبرني بعض أهل اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء قال: وفي بعضها عنب يعمل ~~منه زبيب كبار جدا في مقدار دربلي بلاد الشام، وهو في غاية الصفاء كأنه قطع ~~المصطكي وليس له نوى أصلا انتهى. # ولما تسبب عن هذا الإنعام # PageV03P290 # بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر دل على ذلك بقوله تعالى: # {فأعرضوا} أي: عن الشكر فكفروا قال وهب: أرسل الله تعالى إلى سبأ ثلاثة ~~عشر نبيا فدعوهم إلى الله تعالى وذكروهم نعم الله تعالى عليهم وأنذروهم ~~عقابه فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله تعالى علينا من نعمة فقولوا لربكم: ~~فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع. # ولما تسبب عن إعراضهم مقتهم بينه بقوله تعالى: {فأرسلنا عليهم سيل العرم} ~~جمع عرمة وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجته أي: سيل واديهم ~~فأغرق جنتيهم وأموالهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما ووهب وغيرهما: كان ذلك ~~السد بنته بلقيس وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم فأمرت بواديهم فسد ~~بالعرم وهو المسناة بلغة حمير، فسدت ما بين الجبلين وجعلت له أبوابا ثلاثة ~~بعضها فوق بعض وبنت منه دونها بركة ضخمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على ~~عدة ms2690 أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا سدوها فإذا جاء ~~المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب ~~الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من ~~الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء من السنة ~~المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك فبقوا على ذلك بعدها مدة فلما طغوا ~~وكفروا سلط الله تعالى عليهم جرذا يسمى الخلد فنقب السد من أسفله فأغرق ~~الماء جنتيهم وأموالهم، وخرب أرضهم قال وهب: وكانوا فيما يزعمون ويجدون في ~~علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا ~~عندها هرة فلما جاء زمانه وما أراد الله تعالى بهم من التغريق أقبلت فيما ~~يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها ~~الهرة فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد فنقبت وحفرت حتى ~~أوهنته للسيل، وهم لا يدرون ذلك فلما جاء السيل وجد خللا فدخل فيه حتى ~~اقتلع السد وفاض على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم الرمل فغرقوا ومزقوا كل ~~مزق حتى صاروا مثلا عند العرب يقولون: صار بنو فلان أيدي سبأ وتفرقوا أيادي ~~سبأ أي: تفرقوا وتبددوا قيل: والأوس والخزرج منهم قال البقاعي: وكان ذلك في ~~الفترة التي كانت بين عيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم # تنبيه: في العرم أقوال غير ما ذكر أحدها: أنه من باب إضافة الموصوف لصفته ~~في الأصل إذ الأصل السيل العرم، والعرم: الشديد، وأصله من العرامة وهي ~~الشراسة والصعوبة. الثاني: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه ~~تقديره: فأرسلنا عليهم سيل المطر العرم أي: الشديد الكثير. الثالث: أن ~~العرم اسم للوادي الذي كان فيه الماء نفسه قال ابن الأعرابي: العرم السيل ~~الذي لا يطاق وقيل: كان ماء أحمر أرسله الله تعالى عليهم من حيث شاء. ~~الرابع: أنه اسم للجرذ وهو الفأر، وقيل: هو الخلد وإنما أضيف إليه لأنه ~~تسبب عنه كما مر {وبدلناهم بجنتيهم} أي: جعلنا ms2691 لهم بدلهما {جنتين} هما في ~~غاية ما يكون من مضادة جنتيهم ولذلك فسرهما بقوله تعالى إعلاما بأن إطلاق ~~الجنتين عليهما مشاكلة لفظية للتهكم بهم {ذواتي أكل خمط} أي: ثمر بشع، ~~والخمط الأراك وثمره يقال له: البرير هذا قول أكثر المفسرين وقال المبرد ~~والزجاج: كل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله فهو # PageV03P291 # خمط وقال ابن الأعرابي: الخمط ثمر شجر يقال له: فسوة الضبع على صورة ~~الخشخاش لا ينتفع به، وعن أبي عبيدة كل شجر ذي شوك، وقرأ أبو عمرو أكل بغير ~~تنوين، والباقون بالتنوين وسكن الكاف نافع وابن كثير وضمها الباقون قال ~~البغوي: فمن جعل الخمط اسما للمأكول فالتنوين في أكل أحسن، ومن جعله أصلا ~~وجعل الأكل ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة والتنوين سائغ تقول العرب في بستان ~~فلان: أعناب كرم وأعناب كرم فتصف الأعناب بالكرم لأنها منه. # وقوله تعالى {وأثل} أي: وذواتي أثل {وشيء من سدر قليل} معطوفان على أكل ~~لا على خمط فإن الأثل هو الطرفاء ولا ثمر له وقيل: هو شجر يشبه الطرفاء ~~أعظم منه وأجود عودا وقيل: هو نوع من الطرفاء ولا يكون عليه ثمر إلا في بعض ~~الأوقات يكون عليه شيء كالعفص أخضر في طعمه وطبعه، والسدر: شجر معروف وهو ~~شجر النبق وينتفع بورقه لغسل اليد ويغرس في البساتين ولم يكن هذا من ذاك بل ~~كان سدرا بريا لا ينتفع به ولا يصلح ورقه لشيء، ولهذا قال بعضهم: السدر ~~سدران: سدر له ثمرة غضة لا تؤكل ولا ينتفع بورقه في الاغسال وهو الضال، ~~وسدر له ثمرة تؤكل وهي النبق ويغسل بورقه والمراد في الآية الأول، وقال ~~قتادة: كان شجرهم خير الشجر فغيره الله تعالى من شر الشجر بأعمالهم. # تنبيه: قد نبهت في شرح المنهاج على أن الباء في الإبدال والتبديل والتبدل ~~والاستبدال هل تدخل على المتروك أو على المأخوذ عند قول المنهاج ولو أبدل ~~ضادا بظاء. # {ذلك} أي: الجزء العظيم بالتبديل {جزيناهم} بما لنا من العظمة {بما ~~كفروا} أي: غطوا الدليل الواضح وهو ms2692 ما جاء به الرسل، إذ روي أنه بعث إليهم ~~ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم وقيل بكفرانهم النعمة {وهل يجازى} أي: مثل هذا ~~الجزاء الذي هو على وجه العقاب {إلا الكفور} أي: إلا البليغ في الكفر، وقال ~~مجاهد: يجازى أي: يعاقب ويقال في العقوبة: يجازي، وفي المثوبة: يجزي قال ~~الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى أي: يجزي الثواب بعمله ولا يكافأ بسيئاته ~~وقال بعضهم: المجازاة تقال في النقمة والجزاء في النعمة لكن قوله تعالى ~~{ذلك جزيناهم} يدل على أن يجزي في النقمة أيضا قال ابن عادل: ولعل من قال ~~ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر تكون ما بين اثنين يوجد ~~من كل واحد جزاء في حق الآخر، وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن الله تعالى ~~مبتدئ بالنعم، وقيل: المؤمن تكفر سيئاته بحسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى ~~بجميع ما يفعله من السوء، وليس لقائل أن يقول: لم قيل وهل يجازى إلا الكفور ~~على اختصاص الكفر بالجزاء والجزاء عام للمؤمن والكافر، لأنه لم يرد الجزاء ~~العام إنما أراد الخاص، وهو العقاب بل لا يجوز أن يراد العموم وليس بموضعه، ~~ألا ترى أنك لو قلت: جزيناهم بما كفروا وهل يجازى إلى الكافر والمؤمن لم ~~يصح ولم يعد كلاما فتبين أنما يتخيل من السؤال مضمحل، وإن الصحيح الذي لا ~~يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون مضمومة وكسر الزاي الكفور ~~بالنصب والباقون بالياء المضمومة ونصب الزاي الكفور بالرفع. # ولما تم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة أتبعه مواضع السكان ~~بقوله تعالى: # {وجعلنا} أي: بما لنا من العظمة {بينهم} أي: بين سبأ وهم بالمين # PageV03P292 # {وبين القرى التي باركنا فيها} أي: بالتوسعة على أهلها بالماء والشجر، ~~وغيرهما وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة {قرى ظاهرة} أي: متواصلة ~~من اليمن إلى الشام {وقدرنا فيها السير} أي: بحيث يقيلون في واحدة ويبيتون ~~في أخرى إلى انتهاء سفرهم ولا ms2693 يحتاجون فيه إلى حمل زاد وماء من سبأ إلى ~~الشام. # وقيل: كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام فلا ~~يحملون شيئا مما جرت به عوائد السفار فكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر ~~نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار، وقال قتادة: ~~كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى رأسها مكتلها فتمتهن بغزلها فلا تأتي ~~بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار، فكان ما بين اليمن والشام كذلك، فهي ~~حقيقة بأن يقال لأهلها والنازلين بها على سبيل الامتنان بلسان القال أو ~~الحال {سيروا} ودل على تقاربها جدا قوله تعالى: {فيها} ودل على كثرتها وطول ~~مسافتها وصلاحيتها للسير أي وقت أريد مقدما لما هو أدل على الأمن وأعدل ~~للسير في البلاد الحارة بقوله تعالى: {ليالي} وأشار إلى كثرة الظلال ~~والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في جميع النهار بقوله تعالى: ~~{وأياما} أي: في أي وقت شئتم وإلى عظيم أمانها في كل وقت بالنسبة إلى كل ~~مسلم بقوله {آمنين} أي: لا تخافون في ليل أو نهار وإن طالت مدة سفركم فيها، ~~أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن فلا تخافون ~~عدوا ولا جوعا ولا عطشا. # وقيل: تسيرون فيها إن شئتم ليالي، وإن شئتم أياما لعدم الخوف بخلاف ~~المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلا لعدم علم العدو بسيرهم، وبعضها يسلك ~~نهارا لئلا يقصدهم العدو إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة. # ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية الشكر لما فيها من ~~الألطاف دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سببا للضجر والملال بقوله ~~تعالى: # {فقالوا} أي: على وجه الدعاء {ربنا باعد بين أسفارنا} أي: إلى الشام أي: ~~اجعلها مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل، وتزود الأزواد ~~والماء فبطروا النعمة وملوا العافية كبني إسرائيل لما طلبوا الثوم والبصل ~~فأجابهم الله تعالى بتخريب القرى المتوسطة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ~~بتشديد العين ولا ألف قبلها فعل طلب، والباقون بألف ms2694 قبل العين وتخفيف ~~العين، وقرئ بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطا في الترفه ~~وعدم الاعتداد بما أنعم الله عليهم فيه {وظلموا} حيث عدوا النعمة نقمة ~~والإحسان إساءة {أنفسهم} بالكفر {فجعلناهم} أي: بما لنا من العظمة {أحاديث} ~~أي: عبرة لمن بعدهم يتحدث الناس بهم تعجبا وضرب مثل فيقولون: ذهبوا أيدي ~~سبأ وتفرقوا أيادي سبأ قال كثير: # *أيادي سبا يا عز ما كنت بعدكم ... فلم يحل للعينين بعدك منظر* # {ومزقناهم كل ممزق} أي: فرقناهم في كل جهة من البلاد كل التفريق قال ~~الشعبي: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد، أما غسان فلحقوا بالشام، ومر ~~الأزد إلى عمان، وخزاعة إلى تهامة، ومر خزيمة إلى العراق، والأوس والخزرج ~~إلى يثرب، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر وهو جد الأوس والخزرج ~~{إن في ذلك} أي: المذكور {لآيات} أي: عبرا ودلالات بينة # PageV03P293 # جدا على قدرة الله تعالى على التصرف فيما بين أيديهم وما خلقهم من السماء ~~والأرض بالإيجاد والإعدام للذوات والصفات والخسف والمسخ، فإنه لا فرق بين ~~خارق وخارق، وعلى أن بطرهم لتلك النعمة حتى ملوها ودعوا بإزالتها، دليل على ~~أن الإنسان ما دام حيا فهو في نعمة يجب عليه شكرها كائنة ما كانت وإن كان ~~يراها بلية لأنه لما طبع عليه من القلق كثيرا ما يرى النعم نقما، واللذة ~~ألما، ولذلك ختم الآية بالصبر بصيغة المبالغة بقوله تعالى: {لكل صبار} على ~~طاعة الله وعن معصيته {شكور} لنعمه قال مقاتل: يعني المؤمن من هذه الأمة ~~صبور على البلاء شكور على النعماء قال مطرف: هو المؤمن إذا أعطي شكر، وإذا ~~ابتلى صبر، وقرأ قوله تعالى: # {ولقد صدق عليهم إبليس} أي: الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده، أو ~~الإبلاس وهو اليأس من كل خير ليكون ذلك أبلغ في التبكيت والتوبيخ {ظنه} ~~قرأه الكوفيون بتشديد الدال بعد الصاد أي: ظن فيهم ظنا حيث قال: {فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين إلا عبادك} (ص: 82) ولا تجد أكثرهم شاكرين فصدق ظنه وحققه ~~بفعله ذلك بهم واتباعهم ms2695 إياه، والباقون بالتخفيف أي: صدق عليهم في ظنه بهم ~~أي: على أهل سبأ كما قاله أكثر المفسرين حين رأى انهماكهم في الشهوات أو ~~الناس كلهم كما قاله مجاهد أي: حين رأى أباهم آدم ضعيف العزم، أو ما ركب ~~فيهم من الشهوة والغضب أو سمع من الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها} ~~(البقرة: 30) فقال: لأضلنهم ولأغوينهم، أو الكفار ومنهم سبأ كما قاله ~~الجلال المحلي {فاتبعوه} أي: بغاية الجهد بميل الطبع وقوله {إلا فريقا من ~~المؤمنين} استثناء متصل على قول مجاهد ومنقطع على قول غيره، وقال السدي عن ~~ابن عباس رضي الله عنه: يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل ~~الدين وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار، أو إلا فريقا من فرق المؤمنين لم ~~يتبعوه في العصيان وهم المخلصون قال ابن قتيبة: إن إبليس لعنه الله تعالى ~~لما سأل النظرة فأنظره الله تعالى وقال {لأغوينهم} (الحجر: 39) # و {لأضلنهم} (النساء: 119) # لم يكن مستيقنا وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم، وإنما قاله ظنا، ~~فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم. # ولما كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمرا بنفسه نفاه بقوله تعالى: # {وما} أي: والحال أنه ما {كان} أصلا {له عليهم} أي: الذين اتبعوه ولا ~~غيرهم، وأغرق فيما هو الحق من النفي بقوله تعالى: {من سلطان} أي: تسلط قاهر ~~بشيء من الأشياء بوجه من الوجوه، لأنه مثلهم في كونه عبدا عاجزا مقهورا ~~ذليلا خائفا مدحورا قال القشيري: هو مسلط ولو أمكنه أن يضل غيره أمكنه أن ~~يمسك على الهداية نفسه والمعنى: أن الأمر لله وحده {إلا} أي: لكن نحن ~~سلطناه عليهم بسلطاننا، وملكناه قيادهم بقهرنا، وعبر عن التمييز الذي هو ~~سبب العلم بالعلم فقال: {لنعلم} أي: بما لنا من العظمة {من يؤمن} أي: يوجد ~~الإيمان لله {بالآخرة} أي: ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة في حال ~~تمييزه تعلقا تقوم به الحجة في مجاري عادات البشر كما كان متعلقا به في ~~عالم الغيب {ممن هو منها} أي: الآخرة {في شك} فهو لا ms2696 يجدد لها إيمانا أصلا ~~لأن الشك ظرف له محيط به، وإنما استعار إلا موضع لكن إشارة إلى أنه مكنه ~~تمكينا تاما صار به كمن له سلطان حقيقي. # تنبيه: قال الرازي: إن علم الله تعالى من الأزل إلى الأبد محيط لكل ~~معلوم، وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالما لا يتغير، ولكن يتغير تعلق # PageV03P294 # علمه، فإن العلم صفة كاشفة يظهر فيها كل ما في نفس الأمر فعلم الله تعالى ~~في الأزل أن العالم سيوجد، فإذا وجد علمه موجودا بذلك العلم وإذا عدم علمه ~~معدوما، كذلك المرآة المصقولة الصافية يظهر فيها صورة زيد إن قابلها ثم إذا ~~قابلها عمر وتظهر فيها صورته، والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في ~~صفاتها، وإنما التغيير في الخارجيات، وكذا هنا قوله {إلا لنعلم} أي: ليقع ~~في العلم صدور الكفر من الكافر، والإيمان من المؤمن، وكان علم الله تعالى ~~أنه سيكفر زيد ويؤمن عمرو وقال البغوي: المعنى إلا لنميز المؤمن من الكافر، ~~وأراد علم الوقوع والظهور وقد كان معلوما عنده بالغيب وقوله تعالى {وربك} ~~أي: المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنبوتك واجتنابه عن أمتك {على كل شيء} من ~~المكلفين وغيرهم {حفيظ} أي: حافظ أتم حفظ تحقيق ذلك إن الله تعالى قادر على ~~منع إبليس عنهم عالم بما سيقع، فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة إذ ~~الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا العاجز. # ولما بين تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى، عاد إلى ~~خطابهم فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: يا أعلم الخلق بإقامة الأدلة لهؤلاء الذين أشركوا من لا يشك في ~~حقارته من له أدنى مسكة {ادعوا الذين زعمتم} أي: أنهم آلهة كما تدعون الله ~~تعالى لا سيما في وقت الشدائد، وحذف مفعولي زعم وهما ضميرهم وآلهة تنبيها ~~على استهجان ذلك واستبشاعه وليس المذكور في الآية مفعول زعم ولا قائما مقام ~~المفعول لفساد المعنى، وبين حقارتهم بقوله تعالى: {من دون الله} أي: الذي ~~حاز جميع، العظمة والمعنى: ادعوهم فيما يهمكم من جلب ms2697 نفع أو دفع ضر لعلهم ~~يستجيبون لكم إن صحت دعواكم، ثم أجاب عنهم إشعارا بتعين الجواب وأنه لا ~~يقبل المكابرة فقال: {لا يملكون مثقال ذرة} من خير أو شر {في السموات ولا ~~في الأرض} أي: في أمر ما، وذكرهما للعموم العرفي، أو لأن آلهتهم بعضها ~~سماوية كالملائكة والكواكب، وبعضها أرضية كالأصنام، أو لأن الأسباب القريبة ~~للخير والشر سماوية وأرضية، والجملة استئناف لبيان حالهم. # ولما كان هذا ظاهرا في نفي الملك الخاص عن ثبوت المشاركة نفى المشاركة ~~أيضا بقوله تعالى: مؤكدا تكذيبا لهم فيما يدعونه {وما لهم} أي: الآلهة ~~{فيهما} أي: في السموات والأرض ولا في غيرهما، ولا في فيما فيهما، وأغرق في ~~النفي بقوله تعالى: {من شرك} أي: شركة لا خلقا ولا ملكا {وماله} أي: الله ~~{منهم} وأكد النفي بإثبات الجار فقال {من ظهير} أي: معين على شيء مما يريده ~~من تدبير أمرهما وغيرهما فكيف يصح مع هذا لعجز أن يدعوا كما يدعي، ويرجوا ~~كما يرجي ويعبدوا كما يعبد.v # ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة وكان المقصود منها أثرها لا ~~عينها نفاه بقوله تعالى: # {ولا تنفع الشفاعة عنده} أي: فلا تنفعهم شفاعة كما يزعمون إذ لا تنفع ~~الشفاعة عند الله {إلا لمن أذن له} أي: وقع منه إذن له على لسان من شاء من ~~جنوده بواسطة واحدة، أو أكثر في أن يشفع في غيره وفي أن يشفع فيه غيره، ~~وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الهمزة والباقون بفتحها وقوله تعالى: ~~{حتى إذا فزع عن قلوبهم} غاية لمفهوم الكلام من أن ثم انتظارا للإذن وتوقعا ~~وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن، وأنه لا ~~يطلق الإذن إلا بعد ملئ من الزمان # PageV03P295 # وطول من التربص، ومثل هذه الحال دل عليها قوله عز من قائل {رب السموات ~~والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} (النبأ: 37 38) # كأنه قيل: يتوقعون ويتربصون مليا ms2698 فزعين ذاهلين حتى إذا فزع عن قلوبهم أي: ~~كشف الفزع عن قلوبهم أي: كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة ~~يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن {قالوا} أي: قال بعضهم لبعض {ماذا قال ~~ربكم} أي: في الشفاعة ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن بذلك ~~قلوبهم {قالوا} قال: القول {الحق} أي: الثابت الذي لا يمكن أن يبدل، بل ~~يطابق الواقع فلا يكون شيء يخالفه وهو الإذن في الشفاعة لمن ارتضى منهم وهم ~~المؤمنون {وهو العلي الكبير} أي: ذو العلو فلا رتبة إلا دون رتبته ~~والكبرياء، فليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه، روى البخاري ~~في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إذا قضى الله الأمر في السماء صفقت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه ~~سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: {ماذا قال ربكم} قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض وصفه ~~سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم ~~يلقيها الآخر إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على ~~لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل ~~أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا ~~وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي من السماء» وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر وتكلم ~~بالوحي أخذت السماء رجفة، أو قال: رعدة شديدة خوفا من الله تعالى فإذا سمع ~~بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه ~~السلام فيكلمه الله تعالى من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل عليه السلام على ~~الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل: فيقول جبريل ~~عليه السلام {قال الحق وهو العلي الكبير} # فيقولون كلهم مثل ms2699 ما يقول جبريل عليه السلام، فينتهي جبريل عليه السلام ~~بالوحي حيث أمره الله تعالى» وقال مقاتل والكلبي والسدي: كانت الفترة بين ~~عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام خمسمائة وخمسين سنة وقيل: ستمائة سنة لم ~~تسمع الملائكة فيها وحيا، فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ~~كلم جبريل عليه السلام بالرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلما سمعت ~~الملائكة ظنوا أنها الساعة لأن محمدا صلى الله عليه وسلم عند أهل السموات ~~من أشراط الساعة، فصعقوا مما سمعوا خوفا من قيام الساعة، فلما انحدر جبريل ~~عليه السلام جعل يمر بكل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض ~~{ماذا قال ربكم قالوا الحق} يعني الوحي {وهو العلي الكبير} وقال الحسن وابن ~~زيد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت إقامة للحجة عليهم ~~قالت لهم الملائكة عليهم السلام: ماذا قال ربكم في الدعاء قالوا: الحق ~~فأقروا به حيث لم ينفعهم الإقرار. # ولما سلب تعالى عن شركائهم # PageV03P296 # أن يملكوا شيئا من الأكوان، وأثبت جميع الملك له وحده، وأمر نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم أن يقررهم بما يلزم منه ذلك بقوله تعالى: # {قل من يرزقكم من السموات} أي: بالمطر {والأرض} أي: بالنبات، وأفرد الأرض ~~لأنهم لا يعلمون غيرها، ثم أمره تعالى أن يتولى الإجابة بقوله تعالى: {قل ~~الله} أي: إن لم يقولوا رازقنا الله تعالى فقل أنت: إن رازقكم الله وذلك ~~للإشعار بأنهم يقرون به بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأن ~~الذي تمكن من صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق ~~مع علمهم بصحته؛ ولأنهم إن تفوهوا بأن الله تعالى رازقهم لزمهم أن يقال ~~لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ~~ترى إلى قوله تعالى {قل من يرزقكم من السماء والأرض} (يونس: 31) # {أم من يملك السمع والأبصار} (يونس: 31) # حتى قال: {فسيقولون الله} (يونس: 31) # ثم قال تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (يونس: 32) # فكأنهم كانوا ms2700 يقرون بألسنتهم مرة، ومرة يتلعثمون عنادا وفرارا وحذرا من ~~إلزام الحجة ونحوه قوله عز وجل {قل من رب السموات والأرض قل الله أفتخذتم ~~من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا} (الرعد: 16) # وأمر بأن يقول لهم بعد لاإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم ~~بألسنتهم لم يتقاصر عنه {وإنا أو إياكم} أي: أحد الفريقين من الذين يوحدون ~~الرازق من السموات والأرض بالعبادة، ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا ~~يوصف بالقدرة {لعلى هدى} أي: في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه {أو ~~في ضلال} عن الحق {مبين} أي: بين في نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال، ~~وهذا ليس على طريق الشك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك أنه على هدى ويقين، ~~وأن الكفار على ضلال مبين وإنما هذا الكلام جار على ما تخاطب به العرب من ~~استعمال الإنصاف في محاوراتهم على سبيل الفرض والتقدير، ويسميه أهل البيان ~~الاستدراج، وهو أن يذكر لمخاطبه أمرا يسلمه وإن كان بخلاف ما يذكر حتى يصغي ~~إلى ما يلقيه إليه إذ لو بدأه بما يكره لم يصغ ونظيره قولهم: أخزى الله ~~الكاذب مني ومنك، ومثله قول حسان رضي الله تعالى عنه يريد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبا سفيان: # *أتهجوه ولست له بكفء ... فشر كما لخيركما الفداء* # *فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء* # مع العلم لكل أحد أنه صلى الله عليه وسلم خير خلق الله كلهم. # تنبيه: ذكر تعالى في الهدى كلمة على، وفي الضلال كلمة في، لأن المهتدي ~~كأنه مرتفع مطلع فذكر بكلمة التعالي فكأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث ~~شاء، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فأتى بكلمة في فكأنه منغمس في ظلام ~~مرتبك فيه لا يدري أين يتوجه قال البغوي: وقال بعضهم: أو بمعنى الواو ~~والألف فيه صلة كأنه يقول: وإنا وإياكم لعلى هدى وفي ضلال مبين يعني: نحن ~~على الهدى وأنتم في الضلال. # {قل} أي: لهم {لا تسألون} أي: من سائل ms2701 ما {عما أجرمنا} أي: لا تؤاخذون به ~~{ولا نسأل} أي: في وقت من الأوقات من سائل ما {عما تعملون} أي: من الكفر ~~والتكذيب وهذا أدخل في الإنصاف وأبلغ في التواضع حيث أسندوا الإجرام إلى ~~أنفسهم والعمل إلى المخاطبين، وقيل: المراد # PageV03P297 # بالإجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن، وبالعمل الكفر ~~والمعاصي العظام. # {قل} أي: لهم {يجمع بيننا ربنا} أي: يوم القيامة {ثم يفتح} أي: يحكم ~~{بيننا بالحق} أي: الأمر الثابت الذي لا يقدر أحد منا ولا منكم على التخلف ~~عنه وهو العدل والفضل من غير ظلم ولا ميل، فيدخل المحقين الجنة والمبطلين ~~النار {وهو الفتاح} أي: الحاكم الفاصل في القضايا المغلقة البليغ الفتح لما ~~انغلق فلا يقدر أحد على فتحه {العليم} أي: البليغ العلم بكل دقيق وجليل فلا ~~تخفى عليه خافية. # {قل} أي: لهم {أروني} أي: أعلموني {الذين ألحقتم به} أي: بالله {شركاء} ~~أي: في العبادة هل يخلقون وهل يرزقون وقوله تعالى: {كلا} أي: لا يخلقون ولا ~~يرزقون ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسره بإبطال المقايسة كما قال إبراهيم ~~عليه السلام {أف لكم ولما تعبدون من دون الله} (الأنبياء: 67) # بعدما حجهم وقد نبه على تفاحش غلطهم بقوله تعالى: {بل هو الله العزيز} ~~أي: الغالب على أمره الذي لا مثل له وكل شيء يحتاج إليه {الحكيم} أي: ~~المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء منه فكيف يكون له شريك، وأنتم ~~ترون ما ترون له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك. # تنبيه: في هذا الضمير وهو «هو» قولان: أحدهما: أنه عائد إلى الله تعالى ~~أي: ذلك الذي ألحقتم به شركاء هو الله والعزيز الحكيم صفتان. والثاني: أنه ~~ضمير الأمر والشأن والله مبتدأ، والعزيز الحكيم خبر إن والجملة خبر هو. # فإن قيل: ما معنى قوله {أروني} وكان يراهم ويعرفهم أجيب: بأنه أراد بذلك ~~أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله تعالى وأن يقاس على أعينهم ~~فيه وبين أصنامهم ليطلعهم على إحالة القياس إليه والإشراك به. # ولما بين تعالى مسألة التوحيد ms2702 شرع في الرسالة بقوله سبحانه وتعالى: # {وما أرسلناك} أي: بعظمتنا {إلا كافة للناس} أي: إرسالا عاما شاملا لكل ~~ما شمله إيجادنا فكأنه حال من الناس قدم للاهتمام، وقول البيضاوي: ولا يجوز ~~جعلها حالا من الناس أي: لأن تقديم حال المجرور عليه كتقديم المجرور على ~~الجار رده أبو حيان بقوله: هذا ما ذهب إليه الجمهور وذهب أبو علي وابن ~~كيسان وابن برهان وابن ملكون إلى جوازه وهو الصحيح انتهى. وهذا هو الذي ~~ينبغي اعتماده ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «كان النبي يبعث إلى قومه ~~خاصة وبعثت إلى الناس عامة» ومن أمثلة أبي علي: زيد خير ما يكون خير منك ~~والتقدير: زيد خير منك خير ما يكون وأنشد: # *إذا المرء أعيته المطالب ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد* # أي: فمطلبها عليه كهلا وأنشد أيضا: # *تسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي* # أي: عنكم طرا، وقيل: أنه حال من كاف أرسلناك والمعنى: إلا جامعا للناس في ~~الإبلاغ والكافة بمعنى الجامع، والهاء فيه للمبالغة كهي في علامة ورواية ~~قاله الزجاج. # وقيل: إن كافة صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا إرسالة كافة قال الزمخشري: ~~إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها ~~أحد منهم قال أبو حيان: أما كافة بمعنى عامة فالمنقول عن النحويين أنها لا ~~تكون إلا حالا ولم يتصرف فيها بغير ذلك فجعلها صفة لمصدر # PageV03P298 # محذوف خروج عما نقلوا، ولا يحفظ أيضا استعمالها صفة لموصوف محذوف قال ~~البقاعي: وأما الجن فحالهم مشهور أي: أنه أرسل إليهم، وأما الملائكة ~~فالدلائل على الإرسال إليهم في غاية الظهور انتهى. # وهذا هو اللائق بعموم رسالته وإن خالف في ذلك الجلال المحلي في «شرحه على ~~جمع الجوامع» ، وفي عموم رسالته صلى الله عليه وسلم فضيلة على جميع ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلئن كان داود عليه السلام فضل بطاعة الجبال ~~له والطير وإلانة الحديد وسليمان عليه السلام بما ذكر له، فقد فضل محمد صلى ~~الله عليه وسلم نبينا بإرساله إلى الناس كافة، ms2703 والحصا سبح في كفه، والجبال ~~أمرت بالسير معه ذهبا وفضة، والحمرة شكت إليه أخذ فراخها أو بيضها، والضب ~~شهد له بالرسالة والجمل شكا إليه وسجد له، والأشجار أطاعته والأحجار سلمت ~~عليه وائتمرت بأمره وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر، وإنما ذكرت ذلك تبركا ~~بذكره صلى الله عليه وسلم وأنا أسأل الله تعالى أن يشفع في وفي والدي وجميع ~~أحبابي وبقية المسلمين أجمعين. # ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار وكان في ذكرها رد لقولهم ~~في الكذب والجنون قال تعالى {بشيرا} أي: مبشرا للمؤمنين بالجنة {ونذيرا} ~~أي: منذرا للكافرين بالعذاب {ولكن أكثر الناس} أي: كفار مكة {لا يعلمون} ~~فيحملهم جهلهم على مخالفتك. # ولما سلب عنهم العلم اتبعه دليله كقوله تعالى معبرا بصيغة المضارع الدال ~~على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد. # {ويقولون} من فرط جهلهم بعاقبة ما يوعدونه {متى هذا الوعد} أي: البشارة ~~والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعدا زيادة في الاستهزاء. # ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول وأبعد عن الرد من قول الواحد أشار إلى ~~زيادة جهلهم بقوله تعالى: {إن كنتم} أي: أيها النبي وأتباعه {صادقين} أي: ~~متمكنين في الصدق. # {قل لكم} أي: أيها الجاحدون الأجلاف الذين لا يجوزون الممكنات أو لا ~~يتدبرون ما أوضحها من الدلالات {ميعاد يوم} أي: لا يحتمل القول وصف عظمه ~~لما يأتي فيه لكم من العقاب سواء كان يوم الموت كما قاله الضحاك أو البعث ~~كما قاله أكثر المفسرين {لا تستأخرون} أي: لا يوجب تأخركم {عنه ساعة} لأن ~~الآتي به عظيم القدرة محيط العلم ولذلك قال: {ولا تستقدمون} أي: لا يوجد ~~تقدمكم لحظة فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك. # فإن قيل: كيف انطبق هذا جوابا عن سؤالهم؟ أجيب: بأنهم ما سألوا عن ذلك ~~وهم منكرون له إلا تعنتا لا استرشادا فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقا ~~لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون بيوم يفاجئهم فلا ~~يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدما عليه. # {وقال الذين كفروا} مؤكدين قطعا ms2704 للأطماع عن دعائهم {لن نؤمن} أي: نصدق ~~أبدا وصرحوا بالمنزل عليه صلى الله عليه وسلم بالإشارة فقالوا: {بهذا ~~القرآن} أي: وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المتضمنة لبقية الكتب {ولا بالذي ~~بين يديه} أي: قبله من الكتب التوراة والإنجيل وغيرهما بل نحن قانعون بما ~~وجدنا عليه آباءنا، وذلك لما روي أن كفار مكة سألوا بعض أهل الكتاب ~~فأخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن ~~جميع ما تقدمه من كتب الله في الكفر بها فكفروا بها # PageV03P299 # جميعا. # وقيل: الذي بين يديه يوم القيامة، والمعنى أنهم جحدوا أن يكون القرآن من ~~الله، وأن يكون ما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة. # ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال تعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم أو للمخاطب: {ولو} أي: والحال أنك لو {ترى} أي: يوجد منك رؤية ~~لحالهم {إذا الظالمون} أي: الذين يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون ~~آباءهم لإحسان يسير مكدر من غير دليل، ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ~~ولا عند آبائهم إلا منه {موقوفون} أي: بعد البعث بأيدي جنوده أو غيرها ~~بأيسر أمر منه {عند ربهم} أي: في موضع المحاسبة {يرجع بعضهم} أي: على وجه ~~الخصام عداوة كان سببها مواددة في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله ~~تعالى {إلى بعض القول} أي: بالملامة والمباكتة والمخاصمة. # تنبيه: مفعول ترى وجواب لو محذوفان للفهم أي: لو ترى حال الظالمين وقت ~~وقوفهم راجعا بعضهم إلى بعض القول لرأيت حالا فظيعة وأمرا منكرا ويرجع حال ~~من ضمير موقوفون، والقول مفعول يرجع، لأنه يتعدى قال تعالى: {فإن رجعك ~~الله} (التوبة: 83) # وقوله تعالى {يقول الذين استضعفوا} أي: وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في ~~الدنيا وهم الأتباع في تلك الحال على سبيل اللوم {للذين استكبروا} أي: ~~أوجدوا الكبر وطلبوه بما وجدوا من أسبابه التي أدت إلى استضعافهم للأولين ~~وهم الرؤوس المتبوعون {لولا أنتم} أي: لولا ضلالكم وصدكم إيانا عن الإيمان ~~{لكنا مؤمنين} أي: باتباع الرسول تفسير لقوله تعالى: ms2705 {يرجع} فلا محل له قال ~~ابن عادل: وأنتم بعد لولا مبتدأ على أصح المذاهب وهذا هو الأفصح أعني وقوع ~~ضمائر الرفع بعد لولا أي: وغيره فصيح خلافا للمبرد حيث جعل خلاف هذا لحنا، ~~وأنه لم يرد إلا في قول زياد: وكم موطن لولاي وإلا قيس جعل الياء ضمير نصب ~~أو جر قام مقام ضمير الرفع وسيبويه جعله ضمير جر. # ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة ذكر الجواب عنها بقوله تعالى: # {قال الذين استكبروا} على طريق الاستئناف {للذين استضعفوا} ردا عليهم ~~وإنكارا لقولهم إنهم هم الذين صدوهم {أنحن} خاصة {صددناكم} أي: منعناكم {عن ~~الهدى بعد إذ جاءكم} أي: على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام لم نفعل ~~ذلك؛ لأن المانع ينبغي أن يكون أرجح من المقتضى حتى يعمل عمله، والذي جاء ~~به الرسل هو الهدى والذي صدر من المستكبرين لم يكن شيئا يوجب الامتناع من ~~قبول ما جاؤوا به فلم يصح تعلقكم بالمانع، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان ~~وعاصم بإظهار الذال عند الجيم، والباقون بالإدغام وأمال الألف بعد الجيم ~~حمزة وابن ذكوان وفتحها الباقون، وكذا الإظهار والإدغام في {إذ تأمروننا} ~~(سبأ: 23) # وإذا وقف حمزة على {جاءكم} سهل الهمزة مع المد والقصر، وله أيضا إبدالها ~~ألفا مع المد والقصر {بل كنتم} أي: جبلة وخلقا {مجرمين} أي: كافرين ~~لاختياركم لأقوالنا وتسويلنا. # فإن قيل: إذ وإذا من الظروف الملازمة للظرفية فلم وقعت إذ مضافا إليها؟ # أجيب: بأنه قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره فأضيف إليها الزمان كما ~~أضيف إلى الجمل في قولك: جئتك بعد إذ جاء زيد وحينئذ ويومئذ. # ولما أنكر المستكبرون بقولهم: {أنحن صددناكم} أن يكونوا هم السبب في كفر ~~المستضعفين واثبتوا بقولهم {بل كنتم مجرمين} أن # PageV03P300 # ذلك بكسبهم واختيارهم كر عليهم المستضعفون كما قال تعالى: # {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا} ردا لإنكارهم صدهم {بل} أي: الصاد ~~لنا {مكر الليل والنهار} أي: الواقع فيهما من مكركم فأبطلوا إضرابهم ~~بإضرابهم كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة ms2706 مكركم بنا ليلا ~~ونهارا {إذ تأمروننا أن نكفر بالله} أي: الملك الأعظم بالاستمرار على ما ~~كنا عليه قبل إتيان الرسل {ونجعل له أندادا} أي: شركاء نعبدهم من دونه، فإن ~~قيل: لم قيل {قال الذين استكبروا} بغير عطف وقيل {وقال الذي استضعفوا} ~~أجيب: بأن الذين استضعفوا مر أولا كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على ~~طريق الاستئناف ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم الأول. # تنبيه: يجوز رفع مكر من ثلاثة أوجه: # أحدها: الفاعلية تقديره بل صدنا مكركم في هذين الوقتين كما مر. # الثاني: أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي: مكر الليل صدنا. # الثالث: العكس أي: سبب كفرنا مكركم وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما ~~على الإسناد المجازي كقولهم ليل ماكر والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار ~~على توسع الكلام كقول الشاعر: # * ... ونمت وما ليل المطي بنائم* # فيكون مصدرا مضافا لمرفوعه، وأما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول به ~~فيكون مصدرا مضافا لمفعوله قال ابن عادل: وهذا أحسن من قول من قال: إن ~~الإضافة بمعنى في أي: مكر في الليل لأن ذلك لم يثبت في محل النزاع وقيل مكر ~~الليل والنهار طول السلامة وطول الأمل فيهما كقوله تعالى {فطال عليهم الأمد ~~فقست قلوبهم} (الحديد: 16) # تنبيه: قوله تعالى أولا يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول {الذين استضعفوا} ~~بلفظ المستقبل، وقوله تعالى في الآيتين الأخيرتين {وقال الذين استكبروا} ~~{وقال الذين استضعفوا} بلفظ الماضي مع أن السؤال والمراجعة في القول لم ~~يقع، أشار به إلى أن ذلك لا بد من وقوعه فإن الأمر الواجب الوقوع كأنه وقع ~~كقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} (الزمر: 30) # وأما الاستقبال فعلى الأصل {وأسروا} أي: الفريقان {الندامة} من ~~المستكبرين والمستضعفين وهم الظالمون في قوله تعالى {إذا الظالمون موقوفون} ~~(سبأ: 31) # يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم ~~المضلين {لما} أي: حين {رأوا العذاب} أي: حين رؤية العذاب أخفاها كل عن ~~رفيقه مخافة التعبير. # وقيل: معنى الإسرار والإظهار وهو من الأضداد أي: أظهروا الندامة قال ابن ~~عادل: ويحتمل أن ms2707 يقال: إنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله تعالى ~~بقولهم {أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا} (السجدة: 12) # وأجيبوا: بأن لامرد لكم فأسروا ذلك القول وقوله تعالى {وجعلنا الأغلال} ~~أي: الجوامع التي تغل اليد إلى العنق {في أعناق الذين كفروا} يعم الأتباع ~~والمتبوعين جميعا، وكان الأصل في أعناقهم ولكن جاء بالظاهر تنويها بذمهم ~~وللدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهذه إشارة إلى كيفية عذابهم {هل ~~يجزون} أي: بهذه الأغلال {إلا ما} أي: إلا جزاء ما {كانوا يعملون} أي: على ~~سبيل التجديد والاستمرار.k # ولما كان في هذا تسلية أخروية للنبي صلى الله عليه وسلم أتبعه التسلية ~~الدنيوية بقوله تعالى: # {وما أرسلنا} أي: بعظمتنا {في قرية} وأكد النفي بقوله تعالى: {من نذير ~~إلا قال مترفوها} رؤساؤها # PageV03P301 # الذين لا شغل لهم إلا التنعم بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان ولذلك ~~قالوا لرسلهم: {إنا بما أرسلتم به} أي: أيها المنذرون {كافرون} أي: وإذا ~~قال المتنعمون ذلك تبعهم المستضعفون. # {وقالوا} أي: المترفون أيضا متفاخرين {نحن أكثر أموالا وأولادا} أي: في ~~هذه الدنيا ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك، فاعتقدوا أنهم لو لم ~~يكرموا على الله لما رزقهم ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم فعلى ~~قياسهم ذلك قالوا: {وما نحن بمعذبين} أي: إن الله تعالى قد أحسن إلينا في ~~الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا في الآخرة، ثم إن الله سبحانه وتعالى بين ~~خطاهم بقوله تعالى: لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: لهم {إن ربي} أي: المحسن إلي بالإنعام بالسعادة الباقية {يبسط ~~الرزق} أي: يوسعه في كل وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها {لمن يشاء} ~~امتحانا {ويقدر} أي: يضيقه على من يشاء ابتلاء بدليل مقابلته بيبسط وهذا هو ~~الطباق البديعي، فالرزق في الدنيا لا تدل سعته على رضا الله تعالى ولا ضيقه ~~على سخطه فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع،، وربما عكس وربما وسع ~~عليهما وضيق عليهما، وكم من موسر شقي وكم من معسر تقي {ولكن أكثر الناس} ~~أي: كفار مكة {لا يعلمون} ms2708 أي: ليس لهم علم فيتدبروا به ما ذكرنا من الأمر ~~فيعلمون أنه ليس كل موسع عليه في دنياه سعيدا في عقباه ولا كل مضيق عليه في ~~دنياه شقيا. # ثم بين تعالى فساد استدلالهم بقوله سبحانه وتعالى: # {وما أموالكم} أي: أيها الخلق الذي أنتم من جملتهم وإن كثرت، وكرر النافي ~~تصريحا بإبطال كل على حياله فقال {ولا أولادكم} كذلك {بالتي} أي: بالأموال ~~والأولاد التي {تقر بكم عندنا} أي: على مالنا من العظمة {زلفى} أي: درجة ~~علية وقربة مكينة. # تنبيه: قوله تعالى: {بالتي تقربكم} (سبأ: 37) # صفة للأموال والأولاد كما تقرر لأن جمع التكسير غير العاقل يعامل معاملة ~~المؤنثة الواحدة وقال الفراء والزجاج أنه: حذف من الأول لدلالة الثاني عليه ~~قالا: والتقدير: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي ~~تقر بكم ولا حاجة إلى هذا، ونقل عن الفراء ما تقدم من أن التي صفة للأموال ~~والأولاد معا وهو الصحيح، وجعل الزمخشري «التي» صفة لموصوف محذوف قال: ~~ويجوز أن تكون التي هي التقوى وهي المقربة عند الله تعالى زلفى وحدها أي: ~~ليست أموالكم ولا أولادكم بتلك الموصوفة عند الله بالتقريب قال أبو حيان: ~~ولا حاجة إلى هذا الموصوف انتهى. وزلفى: مصدر من معنى الأول إذ التقدير: ~~تقربكم قربى وقال الأخفش: زلفى اسم مصدر كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا ~~تقريبا وأمالها حمزة والكسائي محضة وأبو عمرو بين بين وورش بالفتح وبين ~~اللفظين، والباقون بالفتح وقوله تعالى: {إلا من آمن وعمل صالحا} أي: تصديقا ~~لإيمانه على ذلك الأساس استثناء من مفعول تقربكم أي: الأموال والأولاد لا ~~تقرب أحد إلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله ويعلم ولده الخير ~~ويربيه على الصلاح، أو من أموالكم وأولادكم على حذف المضاف إلى إلا أموال ~~وأولاد من آمن وعمل صالحا {فأولئك} أي: العالو الرتبة {لهم جزاء الضعف} أي: ~~أن يأخذوا جزاءهم مضاعفا في نفسه من عشرة أمثاله إلى ما لا نهاية له {بما ~~عملوا} فإن أعمالهم ثابتة محفوظة # PageV03P302 # بأساس الإيمان، ثم زاد وقال تعالى {وهم في ms2709 الغرفات} أي: العلالي المبنية ~~فوق البيوت في الجنات زيادة على ذلك {آمنون} أي: ثابت أمانهم دائما لا خوف ~~عليهم من شيء من الأشياء أصلا، وأما غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم ~~وأولادهم وبال عليهم، وقرأ حمزة بسكون الراء ولا ألف بعد الفاء على التوحيد ~~على إرادة الجنس ولعدم اللبس لأنه معلوم أن لكل أحد غرفة تخصه، وقد أجمع ~~على التوحيد في قوله تعالى: {يجزون الغرفة} (الفرقان: 75) # ولأن لفظ الواحد أخف فوضع موضع الجمع مع أمن اللبس، والباقون بضم الراء ~~وألف بعد الفاء على الجمع جمع سلامة، وقد أجمع على الجمع في قوله تعالى ~~{لنبوأنهم من الجنة غرفا} (العنكبوت: 58) # ثم بين حال المسيء وهو من يبعده ماله وولده من الله تعالى بقوله سبحانه ~~وتعالى: # {والذين يسعون} أي: يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم {في} ~~إبطال {آياتنا} أي: حجتنا على ما لها من عظمة الانتساب إلينا {معجزين} أي: ~~طالبين تعجيزها أي: تعجيز الآتين بها عن إنفاذ مرادهم بها بما يلقون من ~~الشبه فيضلون غيرهم بما أوسعنا عليهم وأعززناهم به من الأموال والأولاد ~~{أولئك} أي: هؤلاء البعداء البغضاء {في العذاب} أي: المزيل للعذوبة ~~{محضرون} أي: يحضرهم فيه الموكلون بهم من جندنا على أهون وجه وأسهله. # {قل} أي: يا أشرف الخلق لجميع الخلق ومنهم هؤلاء {إن ربي} أي: المحسن إلي ~~بهذا البيان وغيره {يبسط الرزق} أي: يوسعه {لمن يشاء} متى شاء {من عباده} ~~امتحانا {ويقدر} أي: يضيقه {له} بعد البسط ابتلاء قال البيضاوي: فهذا في ~~شخص واحد باعتبار وقتين، وما سبق في شخصين فلا تكرار. # ولما بين بهذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه ~~سبب السلامة من النار دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله تعالى: {وما أنفقتم ~~من شيء فهو يخلفه} أي: فهو يعوضه لا معوض سواه إما عاجلا بالمال، أو ~~بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما آجلا بالثواب الذي كل خلف دونه، وعن ~~سعيد بن جبير ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه، ms2710 وعن الكلبي ما ~~تصدقتم من صدقة أو أنفقتم في خير من نفقة فهو يخلفه على المنفق، إما أن ~~يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وعن مجاهد من كان عنده من ~~هذا المال ما يقيمه فليقتصد، فإن الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له قليل وهو ~~ينفق نفقة الموسع عليه فينفق جميع ما في يده ثم يبقى طول عمره في فقر ولا ~~يتأول {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} (سبأ: 39) # فإن هذا في الآخرة ومعنى الآية: وما كان من خلف فهو منه فدل ذلك على أنه ~~مختص بالإخلاف لأنه ضمن الإخلاف لكل ما ينفق على أي وجه كان، وعن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تبارك وتعالى أنفق ينفق ~~عليك» ولمسلم: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» وعن أبي هريرة أيضا: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان ~~يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» ~~وعنه أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت أحد صدقة من مال ~~وما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل» ~~وعن عبد الحميد بن الحسن الهلالي قال: أنبأنا محمد بن المكندر عن جابر بن ~~عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل معروف صدقة» # PageV03P303 # «وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة» «وما وقى الرجل به عرضه ~~كتب له بها صدقة» قلت: ما معنى وقى به عرضه قال: ما أعطى الشاعر وذا اللسان ~~المتقي، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة ~~في بنيان أو معصية الله عز وجل قوله: قلت ما معنى مقول عبد الحميد لمحمد بن ~~المكندر {وهو خير الرازقين} فإن قيل: قوله تعالى خير الرازقين ينبئ عن كثرة ~~الرازقين ولا رازق إلا الله تعالى أجيب: بأن ms2711 الله تعالى هو خير الرازقين ~~الذين يغذونهم هذا الغذاء ممن يقيمهم الله تعالى فيضيفون الرزق إليهم، لأن ~~كل من يرزق غيره من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق عبده، أو رجل يرزق عياله ~~فهو واسطة لا يقدر إلا على ما قدره الله، وأما هو سبحانه فهو يوجد المعدوم ~~ويرزق من يطيعه ومن يعصيه ولا يضيق رزقه بأحد ولا يشغله فيه أحد عن أحد وعن ~~بعضهم الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فيجد فكم من مشته لا يجد ~~وواجد لا يشتهي، وقرأ أبو عمر وقالون والكسائي فهو يخلفه بسكون الهاء ~~والباقون بالضم. # ولما بين تعالى أن حال النبي صلى الله عليه وسلم كحال من تقدمه من ~~الأنبياء وحال قومه كحال من تقدم من الكفار وبين بطلان استدلالهم بكثرة ~~أموالهم وأولادهم، بين ما يكون عاقبة حالهم بقوله تعالى: # {ويوم يحشرهم} أي: نجمعهم جمعا بكره بعد البعث وعم التابع والمتبوع بقوله ~~تعالى: {جميعا} فلم نغادر منهم أحدا، وقرأ حفص يحشرهم ثم يقول بالياء ~~والباقون بالنون. # ولما كانت مواقف الحشر طويلة وزلازله مهولة قال تعالى: {ثم نقول ~~للملائكة} أي: توبيخا للكافرين وإقناطا مما يرجون منهم من الشفاعة {أهؤلاء} ~~أي: الضالون وأشار إلى أنه لا ينفع من العبادة إلا ما كان خالصا بقوله ~~تعالى: {إياكم} أي: خاصة {كانوا يعبدون} فهذا الكلام خطاب للملائكة وتقريع ~~للكفار وارد على المثل السائر: # إياك أعني واسمعي يا جارة ونحوه قوله عز وجل: {أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله} (المائدة: 116) # وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين براء مما وجه عليهم من السؤال ~~الوارد على طريق التقرير والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا فيكون ~~تقريعهم أشد وتعييرهم أبلغ وخجلهم أعظم ولذلك: # {قالوا} أي: الملائكة متبرئين منهم مفتتحين بالتنزيه تخضعا بين يدي ~~البراءة خوفا {سبحانك} أي: تنزهك تنزيها يليق بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك ~~أن يعبد {أنت ولينا} أي: معبودنا الذي لا وصلة بيننا وبين أحد إلا بأمره ~~{من دونهم} أي: ليس بيننا وبينهم ولاية بل ms2712 عداوة، وكذا كان من تقرب إلى شخص ~~بمعصية الله تعالى فإنه يقسى الله تعالى قلبه عليه ويبغضه فيه فيجافيه ~~ويعاديه. # ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم {بل كانوا يعبدون ~~الجن} أي: إبليس وذريته الذين زينوا لهم عبادتنا من غير رضانا بذلك، وكانوا ~~يدخلون في أجواف الأصنام ويخاطبونهم ويستجيرون بهم في الأماكن المخوفة، ومن ~~هذا تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة. # وقيل: صورت الشياطين لهم صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الجن فاعبدوها ~~ثم استأنفوا قولهم {أكثرهم} أي: الإنس {بهم} أي: الجن {مؤمنون} أي: راسخون ~~في الإشراك لا يقصدون بعبادتهم غيرهم. # وقيل: الضمير الأول # PageV03P304 # للمشركين والأكثر: بمعنى الكل وقيل: منهم من يقصد بعبادته بتزيين الجن ~~غيرهم وهم مع ذلك يصدقون ما يرد عليهم من إخبارات الجن على ألسنة الكهان ~~وغيرهم مع ما يرون فيها من الكذب في كثير من الأوقات. # ولما بطلت تمسكاتهم وانقطعت تعلقاتهم تسبب عن ذلك تقريعهم الناشئ عن ~~تنديمهم بقوله تعالى: بلسان العظمة: # {فاليوم} أي: يوم مخاطبتهم بهذا التبكيت وهو يوم الحشر {لا يملك} أي: ~~شيئا من الملك {بعضكم لبعض} أي: من المقربين والمبعدين {نفعا ولا ضرا} بل ~~تنقطع الأسباب التي كانت في دار التكليف من دار الجزاء التي المقصود فيها ~~تمام إظهار العظمة لله وحده على أتم الوجوه. # فإن قيل: قوله تعالى نفعا مفيد للحسرة فما فائدة ذكر الضر مع أنهم لو ~~كانوا يملكون الضر لما نفع الكافرين ذلك أجيب: بأن العبادة لما كانت تقع ~~لدفع ضرر المعبود كما يعبد الجبار ويخدم مخافة شره بين أنه ليس فيهم ذلك ~~الوجه الذي تحسن لأجله عبادتهم وقوله تعالى: {ونقول} أي: في ذلك الحال من ~~غير إمهال {للذين ظلموا} أي: بوضع العبادة في غير موضعها عند إدخالهم النار ~~{ذوقوا عذاب النار التي كنتم} أي: جبلة وطبعا {بها تكذبون} عطف على لا يملك ~~فبين المقصود من تمهيده، فإن قيل: قوله ههنا التي كنتم بها صفة للنار وفي ~~السجدة وصف العذاب فجعل المكذب هنا النار، وجعل ms2713 المكذب في السجدة العذاب ~~وهم كانوا يكذبون بالكل فما فائدته أجيب: بأنهم كانوا متلبسين بالعذاب ~~مترددين فيه بدليل قوله تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} (السجدة: 20) # فوصف لهم ما لابسوه وهنا لم يلابسوه بعد لأنه عقب حشرهم وسؤالهم فهو أول ~~ما رأوا النار فقيل لهم {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} . # {وإذا تتلى عليهم} أي: في وقت من الأوقات من أي تال كان {آياتنا} أي: من ~~القرآن حال كونها {بينات} أي: واضحات بلسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~{قالوا ما هذا} يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم {إلا رجل} أي: مع كونه ~~واحدا هو مثل واحد من رجالكم وتزيدون أنتم عليه بالكثرة {يريد أن يصدكم} ~~بهذا الذي يتلوه {عما كان يعبد آباؤكم} من الأصنام أي: لا قصد له إلا ذلك ~~لتكونوا له أتباعا فعارضوا البرهان بالتقليد {وقالوا ما هذا} أي: القرآن ~~وقيل: القول بالوحدانية {إلا أفك} أي: كذب مصروف عن وجهه {مفتري} بإضافته ~~إلى الله تعالى كقوله تعالى في حقهم {أئفكا آلهة دون الله تريدون} ~~(الصافات: 86) # وكقولهم للرسول {أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا} (الأحقاف: 22) # {وقال الذين كفروا} أي: ستروا ما دلت عليه العقول من جهة القرآن {للحق} ~~أي: الهدى الذي لا أثبت منه باعتبار كمال الحقيقة فيه {لما جاءهم} من غير ~~نظر ولا تأمل {أن} أي: ما {هذا} أي: الثابت الذي لا شيء أثبت منه {إلا سحر} ~~أي: خيال لا حقيقة له {مبين} أي: ظاهر قال ابن عادل: وهذا إنكار للتوحيد ~~وكان مختصا بالمشركين، وأما إنكار القرآن والمعجزة فكان متفقا عليه بين ~~المشركين وأهل الكتاب فقال تعالى: {وقال الذين كفروا} على العموم انتهى. ~~ولم يحملهم على ذلك إلا الحظوظ النفسانية والعلق الشهوانية قال الطفيل بن ~~عمرو الدوسي ذو النور: «لقد أكثروا علي في أمره صلى الله عليه وسلم حتى ~~حشوت في أذني ماء الكرفس خوفا من أن يخلص إلي # PageV03P305 # شيء من كلامهم فيفتنني، ثم أراد الله تعالى لي الخير ms2714 فقلت واثكل أمي إني ~~والله للبيب عاقل شاعر ولي معرفة بغث الكلام من سمينه فما لي لا أسمع منه ~~فإن كان حقا تبعته، وإن كان باطلا كنت منه على بصيرة أو كما قال قال: فقصدت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أعرض على ما جئت به فلما عرضه علي قلت: ~~بأبي وأمي ما سمعت قولا قط هو أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فما توقفت في أن ~~أسلمت ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم في أن يدعو له الله تعالى أن يعطيه ~~آية يعينه بها على قومه، فلما أشرف على حاضر قومه كان له نور في جبهته فخشي ~~أن يظنوا أنها مثلة فدعا الله تعالى بتحويله فتحول في طرف سوطه فأعانه الله ~~تعالى على قومه فأسلموا» . # تنبيه: في تكرير الفعل وهو قال: والتصريح بذكر الكفرة وما في لامي الذين ~~والحق من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وما في لما من المفاجأة إلى ~~البت بهذا القول إنكار عظيم للقول وتعجيب بليغ منه. # ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من سمع بين ذلك ~~بقوله تعالى: # {وما} أي: قالوا ذلك والحال أنا ما {آتيناهم} أي: هؤلاء العرب {من كتب} ~~أصلا لأنهم لم ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب، وأتى بصيغة الجمع مع تأكيد ~~النفي قبل كتابك الجامع {يدرسونها} أي: يجددون دراستها كل حين فيها دليل ~~على صحة الإشراك {وما أرسلنا} أي: إرسالا لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من ~~العظمة {إليهم} أي: خاصة بمعنى أن ذلك الرسول مأمور بهم بأعيانهم فهم ~~مقصودون بالذات لا أنهم داخلون في عموم أو مقصودون من باب الأمر بالمعروف ~~وفي جميع الزمان الذي {قبلك} أي: قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة {من نذير} ~~أي: ليكون عندهم قول منه يدعوهم إلى الإشراك أو ينذرهم على تركه وهذا في ~~غاية التجهيل لهم والتسفيه لرأيهم، ثم هددهم بقوله تعالى: # {وكذب الذين من قبلهم} أي: من قوم نوح ومن بعدهم بادروا إلى ما بادر إليه ~~هؤلاء من ms2715 التكذيب، لأن التكذيب كان في طباعهم لما عندهم من الجلافة والكبر ~~{وما بلغوا} أي: هؤلاء {معشار ما آتيناهم} أي: عشرا صغيرا مما آتينا أولئك ~~من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل شيء من العقول وطول الأعمار ~~والخلو من الشواغل {فكذبوا} أي: بسبب ما طبعوا عليه من العناد {رسلي} إليهم ~~{فكيف كان نكير} أي: إنكاري على المكذبين لرسلي بالعقوبة والإهلاك أي: هو ~~واقع موقعه فليحذر هؤلاء من مثله ولا تكرير في كذب لأن الأول للتكثير أي: ~~فعلوا التكذيب كثيرا فكان سببا لتكذيب الرسل والثاني: للتكذيب أو الأول: ~~مطلق والثاني: مقيد ولذلك عطف عليه. # {قل إنما أعظكم} أي: أرشدكم وأنصح لكم {بواحدة} أي: بخصلة واحدة هي {أن ~~تقوموا} أي: توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق وعبر بالقيام إشارة إلى الاجتهاد ~~{لله} أي: الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من العظمة بما ~~له لديكم من الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم {مثنى} أي: اثنين اثنين ~~قال البقاعي: وقدمه إشارة إلى أن أغلب الناس ناقص العقل {وفرادى} أي: واحدا ~~واحدا من وثق بنفسه في رصانة عقله وإصابة رأيه قام وحده ليكون أصفى لسره ~~وأعون على خلوص فكره، ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إذا نسي ويقومه إذا ~~زاغ، ولم يذكر غيرهما من الأقسام لأن الازدحام # PageV03P306 # يشوش الخواطر ويخلط القول. # ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيما جديرا بأن يهتم له هذا الاهتمام ~~أشار إليه بأداة التراخي بقوله تعالى: {ثم تتفكروا} أي: في أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم وما جاء به لتعلموا حقيته {ما بصاحبكم} أي: رسولكم الذي ~~أرسل إليكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم {من جنة} أي: جنون يحمله على ذلك ~~{إن} أي: ما {هو} أي: المحدث عنه بعينه {إلا نذير} أي: خالص إنذاره {لكم ~~بين يدي} أي: قبل حلول {عذاب شديد} أي: في الآخرة إن عصيتموه، روى البخاري ~~عن ابن عباس أنه قال: «صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم ~~فقال: يا ms2716 صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك فقال: أرأيتم لو أخبرتكم ~~أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني قالوا: بلى قال: فإني نذير لكم ~~بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا جمعتنا فأنزل الله تعالى ~~{تبت يدا أبي لهب وتب} (المسد: 1) # ولما انتفى عنه بهذا ما تخيلوا به بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي ~~فنفاه بقوله تعالى: # {قل} أي: لهم يا أشرف الخلق {ما} أي: مهما {سألتكم من أجر} أي: على دعائي ~~لكم من الإنذار والتبليغ {فهو لكم} أي: لا أريد منه شيئا وهو كناية عن أني ~~لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله تعالى أجرا أصلا بوجه من الوجوه فإذا ثبت ~~أن الدعاء ليس لغرض دنيوي، وأن الداعي أرجح الناس عقلا ثبت أن الذي حمله ~~على تعريض نفسه لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله تعالى الذي له الأمر ~~كله {إن} أي: ما {أجرى} أي: ثوابي {إلا على الله} أي: الذي لا أعظم منه فلا ~~ينبغي لذي همة أن يطلب شيئا إلا من عنده {وهو} أي: والحال أنه {على كل شيء ~~شهيد} أي: حفيظ مهيمن بليغ العلم بأحوالي فيعلم صدقي وخلوص نيتي، وقرأ نافع ~~وأبو عمرو وابن عامر وحفص أجرى في الوصل بفتح الياء، والباقون بالسكون. # {قل} أي: لمن أنكر التوحيد والرسالة والحشر {إن ربي} أي: المحسن إلي ~~بأنواع الإحسان {يقذف بالحق} أي: يلقيه إلى أنبيائه أو يرمي به الباطل إلى ~~أقطار الآفاق فيكون وعدا بإظهار الإسلام وإفشائه {علام الغيوب} أي: ما غاب ~~عن خلقه في السموات والأرض. # تنبيه: في رفع علام أوجه: أظهرها: أنه خبر ثان لأن، أو خبر مبتدأ مضمر، ~~أو بدل من الضمير في يقذف وقال الزمخشري: رفع محمول على محل أن واسمها أو ~~على المستكن في يقذف يعني بقوله محمول على محل إن واسمها النعت إلا أن ذلك ~~ليس مذهب البصريين لأنهم لم يعتبروا المحل إلا في العطف بالحرف بشروط عند ~~بعضهم، ويريد بالحمل على الضمير في يقذف أنه بدل منه ms2717 لا أنه نعت له لأن ذلك ~~انفرد به الكسائي، وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين والباقون بالضم. # {قل} لهؤلاء {جاء الحق} أي: الإسلام وقيل: القرآن وقيل: كل ما ظهر على ~~لسان النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقيل: المراد من جاء الحق أي: ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ~~ظهر وأكد تكذيبا لهم في ظنهم أنهم يغلبون بقوله تعالى: {وما} أي: والحال ~~أنه ما {يبدئ الباطل} أي: الذي أنتم عليه من الكفر {وما يعيد} أي: ذهب فلم ~~تبق منه بقية مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة ~~فجعلوا قولهم لا يبدئ ولا يعيد مثلا في الهلاك ومنه قول عبيد: # PageV03P307 # *أقفر من أهيله عبيد ... أصبح لا يبدي ولا يعيد* # والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل كقوله تعالى {جاء الحق وزهق الباطل} ~~(الإسراء: 81) # وعن ابن مسعود: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة ~~وستون صنما فجعل يطعنها بعود ويقول {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا} (الإسراء: 81) # {جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} (سبأ: 49) # وقيل: الباطل إبليس أي: ما ينشئ خلقا ولا يعيده، والمنشئ والباعث هو الله ~~تعالى، وعن الحسن لا يبدئ لأهله خيرا ولا يعيده أي: لا ينفعهم في الدنيا ~~والآخرة وقال الزجاج: أي: شيء ينشئه إبليس ويعيده فجعله للاستفهام وقيل: ~~للشيطان الباطل لأنه صاحب الباطل، ولأنه هالك كما قيل له الشيطان من شاط ~~إذا هلك وحينئذ يكون غير منصرف وإن جعلته من شطن كان منصرفا. # ولما لم يبق بعد هذا إلا أن يقولوا عنادا أنت ضال ليس بك جنون ولا كذب، ~~ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن الجمعة قال تعالى: # {قل} أي: لهؤلاء المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الإنصاف ~~وتعليم الأدب {إن ضللت} أي: عن الطريق على سبيل الفرض {فإنما أضل على نفسي} ~~أي: إثم إضلالي عليها {وإن اهتديت فبما} أي: فاهتدائي إنما هو بما {يوحى ~~إلي ms2718 ربي} أي: المحسن إلي من القرآن والحكمة لا بغيره فلا يكون فيه ضلال ~~لأنه لاحظ للنفس فيه أصلا، فإن قيل: أين التقابل بين قوله تعالى: {فإنما ~~أضل على نفسي} وقوله تعالى: {فيما يوحي إلى ربي} وإنما كان يقال: فإنما أضل ~~على نفسي وإن اهتديت فإنما اهتدى لها كقوله تعالى {من عمل صالحا فلنفسه ومن ~~أساء فعليها} (فصلت: 46) # وقوله تعالى: {فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} (الزمر: 41) # أو يقال فإنما أضل نفسي أجيب: بأنهما متقابلان من جهة المعنى لأن النفس ~~كل ما عليها فهو بسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها مما ينفعها فبهداية ~~ربه وتوفيقه وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلاله محله وسداد طريقه ~~كان غيره أولى به، وفتح الياء من ربي عند الوصل نافع وأبو عمرو الباقون ~~بالسكون وهم على مراتبهم في المد، ثم علل الضلال والهداية بقوله تعالى: ~~{إنه} أي: ربي {سميع} أي: لكل ما يقال {قريب} أي: يدرك قول كل ضال ومهتد ~~وفعله وإن أخفاه. # ولما أبطل تعالى شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه عطف على ~~{ولو ترى إذ الظالمون} . # {ولو ترى} أي: تبصر يا أشرف الخلق {إذ فزعوا} أي: عند الموت أو البعث أو ~~يوم بدر، وجواب لو محذوف نحو: لرأيت أمرا عظيما {فلا} أي: فتسبب عن ذلك ~~الفزع أنه لا {فوت} أي: لهم منا لأنهم في قبضتنا، ثم حقر أمرهم بالبناء ~~للمفعول بقوله تعالى: {وأخذوا} أي: عند الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء ~~أكان قبل الموت أم بعده {من مكان قريب} أي: القبور أو من الموقف إلى النار، ~~أو من صحراء بدر إلى القليب وقال الكلبي: من تحت أقدامهم، وقيل: أخذوا من ~~ظهر الأرض إلى بطنها وحيثما كانوا فهم من الله تعالى قريب لا يفوتونه، ~~والعطف على فزعوا أو لا فوت. # {وقالوا} أي: عند الأخذ ومعاينة الثواب والعقاب {آمنا به} أي: القرآن ms2719 ~~الذي قالوا: إنه أفك # PageV03P308 # مفترى أو محمد صلى الله عليه وسلم الذي قالوا: إنه ساحر {وأنى} أي: وكيف ~~ومن أين {لهم التناوش} أي: تناول الإيمان تناولا سهلا {من مكان بعيد} أي: ~~عن محله إذ هم في الآخرة ومحله في الدنيا، ولا يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا ~~التي هي دار العمل وهذا تمثيل لحالهم في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك ~~الوقت كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا بحال من أراد أن يتناول شيئا من ~~علوه كما يتناوله الآخر من قدر ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه، فإن قيل: كيف ~~قال تعالى: {من مكان بعيد} وقد قال تعالى في كثير من المواضع أن الآخرة من ~~الدنيا قريب، وسمى الله تعالى الساعة قريبة فقال {اقتربت الساعة} (القمر: ~~1) # {اقترب للناس حسابهم} (الأنبياء: 1) # {لعل الساعة قريب} (الشورى: 17) # أجيب: بأن الماضي كالأمس الدابر وهو من أبعد ما يكون إذ لا وصول إليه، ~~والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنون فإنه آت فيوم القيامة الدنيا ~~بعيدة منه لمضيها، ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه، وقرأ أبو عمرو ~~وأبو بكر وحمزة والكسائي بعد الألف بهمزة مضمومة والباقون بعد الألف بواو ~~مضمومة فمعناه على هذا: كيف لهم تناول ما بعد عنهم وهو الإيمان والتوبة وقد ~~كان قريبا في الدنيا فضيعوه، وأما من همز فقيل معناه هذا أيضا. # وقيل: التناؤش بالهمز من التنؤش الذي هو حركة في إبطاء يقال: جاء منئشا ~~أي: مبطئا متأخرا والمعنى: من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه قال ابن ~~عباس: يسألون الرد فيقال: وأنى لهم الرد إلى الدنيا من مكان بعيد أي: من ~~الآخرة إلى الدنيا وأمال أنى محضة حمزة والكسائي، وأبو عمرو بين بين وورش ~~بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح. # {وقد} أي: كيف لهم ذلك والحال أنهم قد {كفروا به} أي: بالذي طلب منهم أن ~~يؤمنوا به محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو البعث {من قبل} أي: في دار ~~العمل {و} الحال أنهم حال كفرهم {يقذفون} أي: يرمون {بالغيب} ms2720 ويتكلمون بما ~~يظهر لهم في الرسول صلى الله عليه وسلم من المطاعن وهو قولهم: ساحر وشاعر ~~وكاهن، وفي القرآن سحر شعر كهانة وقال قتادة: يعني يرجمون بالظن يقولون لا ~~بعث ولا جنة ولا نار {من مكان بعيد} أي: ما غاب علمه عنهم غيبة بعيدة وهذا ~~تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئا ولا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن ~~في لحوقه. # {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} أي: من نفع الإيمان يومئذ والنجاة من النار ~~والفوز بالجنة، أو من الرد إلى الدنيا كما حكى عنهم {أرجعنا نعمل صالحا} ، ~~وقرأ ابن عامر والكسائي بضم الحاء وهو المسمى بالإشمام والباقون بكسرها ~~{كما فعل} أي: بأيسر وجه {بأشياعهم} أي: أشباهم من كفرة الأمم ومن كان ~~مذهبه مذهبهم {من قبل} أي: قبل زمانهم فإن حالهم كان كحالهم، ولم يختل ~~أمرنا في أمة من الأمم بل كان كلما كذب أمة رسولها أخذناها فإذا أذقناهم ~~بأسنا أذعنوا وخضعوا فلم يقبل منهم ذلك ولا نفعهم شيئا لا بالكف عن إهلاكهم ~~ولا لإدراكهم شيئا من الخير بعد إهلاكهم {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد} (ق: 37) # ثم علل عدم الوصول إلى قصدهم بقوله تعالى: مؤكدا لإنكارهم أن يكون عندهم ~~شيء من شك في شيء من أمرهم {إنهم كانوا} أي: في دار القبول {في شك} أي: في ~~جميع ما تخبرهم به رسلنا عنا من الجزاء والبعث وغير ذلك {مريب} أي: موقع في ~~الريبة فهو بليغ # PageV03P309 # في بابه كما يقال: عجب عجيب أو هو واقع في الريب كما يقال: شعر شاعر أي: ~~ذو شعر فهو اسم فاعل من أراب أي: أتى بالريب أو دخل فيه أي: أوقعته في ~~الريب، ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز قال الزمخشري: إلا أن بينهما فرقا وهو ~~أن المريب من المتعدي منقول ممن يصح أن يكون مريبا من الأعيان إلى المعني، ~~ومن اللازم منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول شعر شاعر انتهى، وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري عن ms2721 رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة سبأ ~~لم يبق نبي ولا رسول إلا كان له يوم القيامة رفيقا ومصافحا» حديث موضوع. ### | سورة فاطر # مكية هي ست وأربعون آية، ومائة وسبعةوتسعون كلمة، وثلاثة آلاف ومائة ~~وثلاثون حرفا # وهي ختام السور المفتتحة باسم الحمد التي فصلت فيها النعم الأربع التي هي ~~أمهات النعم المجموعة في الفاتحة وهي: الإيجاد الأول، ثم الإبقاء الأول، ثم ~~الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها ~~وأحكمها وهو الختام المشار إليه بهذه السورة المفتتحة بالابتداء الدال عليه ~~بإنهاء القدرة وأحكمها المفصل أمره فيها في فريقي السعادة والشقاوة تفصيلا ~~شافيا على أنه استوفى في هذه السورة النعم الأربع كما يأتي بيانه في محله. # {بسم الله} الذي أحاطت دائرة قدرته بالممكنات {الرحمن} الذي عم الخلق ~~بعموم الرحمة {الرحيم} الذي شرف أهل الكرامة بدوام المراقبة. # ولما أثبت سبحانه في التي قبلها الحشر الذي هو الإيجاد الثاني، وكان ~~الحمد يكون بالمنع والإعدام كما يكون بالإعطاء والإنعام قال تعالى ما هو ~~نتيجة ذلك: # {الحمد} أي: الإحاطة بأوصاف الكمال إعداما وإيجادا {لله} أي: وحده. # ولما كان الإيجاد من العدم أدل دليل على ذلك قال تعالى دالا على استحقاقه ~~للمحامد {فاطر السموات والأرض} أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق قاله ~~ابن عباس، أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض، وعن ~~مجاهد عن ابن عباس ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض حتى اختصم إلي ~~أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي: ابتدأتها. # تنبيه: إن جعلت إضافة فاطر محضة كان نعتا، وإن جعلتها غير محضة كان بدلا ~~وهو قليل من حيث إنه مشتق. # ولما كانت الملائكة عليهم السلام مثل الخافقين في أن كلا منهم مبدع من ~~العدم على غير مثال سبق من غير مادة وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم ~~إلا الخبر أخبر عنهم بعدما أخبر عما طريقه المشاهدة بقوله تعالى: {جاعل ~~الملائكة رسلا} أي: وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من ms2722 عباده يبلغون ~~رسالته بالوحي والإلهام والرؤية الصادقة، أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم ~~آثار صنعه {أولي} أي: أصحاب {أجنحة} يهيئهم لما يراد منهم، ثم وصفها بقوله ~~تعالى: {مثنى} أي: جناحين لكل واحد من صنف منهم {وثلاث} أي: ثلاثة ثلاثة ~~لصنف آخر منهم {ورباع} أي: أربعة أربعة لصنف آخر منهم، فهم متفاوتون بتفاوت ~~ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون ويسرعون بها نحو ما وكلهم الله تعالى ~~عليه فيتصرفون فيه على ما أمرهم به، وإنما لم تصرف هذه الصفات لتكرر العدل ~~فيها، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ # PageV03P310 # الأعداد من صيغ إلى صيغ آخر كما عدل عمر عن عامر، وحذام عن حاذمة. # {يزيد في الخلق ما يشاء} أي: يزيد في خلق الأجنحة وفي غيره ما تقتضيه ~~مشيئته، والأصل: الجناحان؛ لأنهما بمنزلة اليدين، ثم الثالث والرابع زيادة ~~على الأصل وذلك أقوى للطيران وأعون عليه، فإن قيل: قياس الشفع من الأجنحة ~~أن يكون في كل شق نصفه فما صورة الثلاثة؟ أجيب: بأن الثالث لعله يكون في ~~وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة. أو لعله لغير الطيران، قال الزمخشري: ~~فقد مر بي في بعض الكتب أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة فجناحان يلفون ~~بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله تعالى، وجناحان ~~مرخيان على وجوههم حياء من الله تعالى انتهى. # وروى ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت جبريل عند ~~سدرة المنتهى وله ستمائة جناح ينثر من رأسه الدر والياقوت» ، وروي أنه عليه ~~السلام: «سأل جبريل أن يتراءى في صورته فقال: إنك لن تطيق ذلك فقال: إني ~~أحب أن تفعل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مقمرة فأتاه جبريل ~~في صورته فغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أفاق وجبريل عليه ~~السلام مسنده، وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه فقال: سبحان الله ما ~~كنت أرى أن شيئا من الخلق هكذا فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل عليه ~~السلام له اثنا عشر ms2723 ألف جناح جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب وإن العرش ~~على كاهله وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله تعالى حتى يعود مثل الوصع، وهو ~~العصفور الصغير» . # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {يزيد في الخلق ما ~~يشاء} وهو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن، وقيل: هو الخط الحسن، ~~وعن قتادة: الملاحة في العينين، والآية كما قال الزمخشري: مطلقة تتناول كل ~~زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء وقوة في البطش، ~~ومتانة في العقل وجزالة في الرأي وجراءة في القلب وسماحة في النفس، وذلاقة ~~في اللسان، ولباقة في التكلم وحسن تأن في مزاولة الأمور وما أشبه ذلك مما ~~لا يحيط به الوصف. # ثم علل تعالى ذلك كله بقوله مؤكدا لأجل إنكارهم البعث {إن الله} أي: ~~الجامع لجميع أوصاف الكمال {على كل شيء قدير} وتخصيص بعض الأشياء دون بعض ~~إنما هو من جهة الإرادة، قال أبو جعفر بن الزبير: لما أوضحت سورة سبأ أنه ~~سبحانه مالك السموات والأرض ومستحق الحمد في الدنيا والآخرة أوضحت هذه ~~السورة أن ذلك خلقه كما هو ملكه، وأنه الأهل للحمد والمستحق إذ الكل خلقه ~~وملكه، وتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه سبحانه وتجردت هذه ~~للتعريف بالاختراع والخلق. # ولما وصف سبحانه نفسه المقدسة بالقدرة الكاملة دل على ذلك بما يشاهده كل ~~أحد في نفسه من السعة والضيق مع العجز عن دفع شيء من ذلك أو اقتناصه، وقال ~~مستأنفا أو معللا مستنتجا: # {ما} أي: مهما فهي شرطية {يفتح الله} أي: الذي لا يكافئه شيء {للناس} لأن ~~كل ما في الوجود لأجلهم {من رحمة} أي: من الأرزاق الحسية والمعنوية، من ~~اللطائف والمعارف التي لا تدخل تحت حصر قلت أو كثرت فيرسلها {فلا ممسك لها} ~~أي: الرحمة بعد فتحه كما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه إذا حصل له خير # PageV03P311 # لا يعدمه من يود أنه لم يحصل، ولو قدر على إزالته لأزاله ولا يقدر على ~~تأثير ما فيه {وما يمسك فلا مرسل ms2724 له} يطلقه، واختلاف الضميرين، لأن الموصول ~~الأول مفسر بالرحمة، والثاني مطلق يتناولها والغضب وفي ذلك إشعار بأن رحمته ~~سبقت غضبه. # ولما كان ربما ادعى أحد فجورا حال إمساك الرحمة أو النعمة أنه هو الممسك ~~قال تعالى {من بعده} أي: إمساكه وإرساله {وهو} أي: هو فاعل ذلك، والحال أنه ~~هو وحده {العزيز} أي: القادر على الإمساك والإرسال الغالب على كل شيء، ولا ~~غالب له {الحكيم} أي: الذي يفعل في كل من الإمساك والإرسال وغيرهما ما ~~يقتضيه علمه به ويتقن ما أراده على قوانين الحكمة فلا يستطاع نقض شيء منه. # ولما بين بما يشاهده كل أحد في نفسه أنه المنعم وحده أمر بذكر نعمته ~~بالاعتراف أنها منه، فإن الذكر يعود إلى الشكر وهو قيد الموجود وصيد ~~المعدوم المفقود قال: # {يا أيها الناس} أي: الجميع؛ لأن جميعهم مغمورون في نعمة الله تعالى، وعن ~~ابن عباس يريد يا أهل مكة {اذكروا} بالقلب واللسان {نعمت الله} أي: الذي لا ~~منعم في الحقيقة سواه {عليكم} أي: في دفع ما دفع عنكم من المحن وصنع ما صنع ~~لكم من المنن لتشكروه ولا تكفروه. # تنبيه: {نعمت} هنا مجرورة في الرسم وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء. # ولما أمر بذكر نعمته أكد التعريف بأنها منه وحده على وجه بين عزته وحكمته ~~بقوله تعالى منبها لمن غفل موبخا لمن جحد ورادا على أهل القدر الذين يدعون ~~أنهم يخلقون أفعالهم ومنبها على نعمة الإيجاد الأول {هل من خالق} أي: للنعم ~~وغيرها {غير الله} أي: فليس لغيره في ذلك مدخل يستحق أن يشرك به، وقرأ حمزة ~~والكسائي بكسر الراء نعتا لخالق على اللفظ ومن خالق مبتدأ مزاد فيه من، ~~والباقون بالرفع وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر المبتدأ، والثاني: أنه ~~صفة لخالق على الموضع والخبر إما محذوف وإما يرزقكم. والثالث: أنه مرفوع ~~باسم الفاعل على جهة الفاعلية؛ لأن اسم الفاعل قد اعتمد على أداة ~~الاستفهام. # ولما كان جواب الاستفهام قطعا لا بل هو ms2725 الخالق وحده قال منبها على نعمة ~~الإبقاء الأول بقوله تعالى: {يرزقكم} أي: وحده فنعمة الله تعالى مع كثرتها ~~منحصرة في قسمين: نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء. # ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد مع وحدة المنبع أدل على العظمة قال ~~{من السماء} أي: بالمطر وغيره {والأرض} أي: بالنبات وغيره. # ولما بين تعالى أنه الرازق وحده قال {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} أي: من ~~أين تصرفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق الرازق وتشركون المنحوت بمن ~~له الملكوت. # ولما بين تعالى الأصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة ~~بقوله تعالى: # {وإن يكذبوك} أي: يا أشرف الخلق في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب ~~والعقاب وغير ذلك {فقد كذبت رسل من قبلك} في ذلك، فإن قيل: فما وجه صحة ~~جزاء الشرط ومن حق الجزاء أن يعقب الشرط وهذا سابق له؟ أجيب: بأن معناه وإن ~~يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك فوضع {فقد كذبت رسل من قبلك} موضع «فتأس» ~~استغناء بالسبب عن المسبب أعني # PageV03P312 # بالتكذيب عن التأسي، فإن قيل: ما معنى التنكير في رسل؟ أجيب: بأن معناه ~~فقد كذبت رسل أي: رسل ذوو عدد كثير وأولو آيات ونذر وأهل أعمار طوال، ~~وأصحاب صبر وعزم وما أشبه ذلك، وهذا أسلى له وأحث على المصابرة. # قال القشيري: وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب مع العوام والأجانب من ~~هذه الطريقة فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، وأهل الحقائق أبدا منهم في ~~مقاساة الأذية، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتعنتين. # ثم بين من حيث الإجمال أن المكذب في العذاب، وأن المكذب له الثواب بقوله ~~تعالى: {وإلى الله} أي: وحده؛ لأن له الأمور كلها {ترجع الأمور} أي: في ~~الآخرة فيجازيكم وإياهم على الصبر والتكذيب. # ثم بين تعالى الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى: # {يا أيها الناس} ولما كانوا ينكرون البعث أكد قوله تعالى {إن وعد الله} ~~أي: الذي له صفات الكمال بكل ما وعد به من البعث وغيره {حق} أي: ثابت لا ~~خلف فيه، وقد وعد ms2726 أنه يردكم إليه في يوم تنقطع فيه الأسباب ويعرض عن ~~الأحساب والأنساب {فلا تغرنكم} أي: بأنواع الخداع من اللهو والزينة {الحياة ~~الدنيا} فإنه لا يليق بذي همة علية اتباع الدنيء والرضا بالدون الزائل عن ~~العالي الدائم {ولا يغرنكم بالله} أي: الذي لا يخلف الميعاد وهو الكبير ~~المتعال {الغرور} أي: الذي لا يصدق في شيء وهو الشيطان العدو، ولذلك استأنف ~~قوله تعالى مظهرا في موضع الإضمار: # {إن الشيطان} أي: المحترق بالغضب البعيد عن الخبر {لكم} أي: خاصة {عدو} ~~فهو في غاية الفراغ لأذاكم بتصويب مكايده كلها إليكم، وبما سبق له مع أبيكم ~~آدم عليه السلام بما وصل أذاه إليكم، وأيضا من عادى أباك فقد عاداك ~~فاجتهدوا في الهرب منه ولا توالوه كما قال تعالى {فاتخذوه} أي: بغاية جهدكم ~~{عدوا} أي: في عقائدكم وأفعالكم ولا يوجدن منكم إلا ما يدل على معاداته ~~ومناصبته في سركم وجهركم. قال القشيري: ولا تقوى على عداوته إلا بدوام ~~الاستعانة بالرب، فإنه لا يغفل عن عداوتك فلا تغفل أنت عن مولاك لحظة. # ثم علل عداوته بقوله {إنما يدعو حزبه} أي: الذين يوسوس لهم فيعرضهم ~~لاتباعه والإعراض عن الله تعالى {ليكونوا} باتباعه كونا راسخا {من أصحاب ~~السعير} وهذا غرضه لا غرض له سواه ولكنه يجتهد في تعمية ذلك عنهم بأن يقرر ~~في نفوسهم جانب الرجاء وينسيهم جانب الخوف، ويريهم أن التوبة في أيديهم ~~ويسوف لهم بها بالفسحة في الأمل والإبعاد في الأجل للإفساد في العمل، ~~والرحمن إنما يدعو عباده ليكونوا من أهل النعيم كما قال تعالى {والله يدعو ~~إلى دار السلام} (يونس: 25) . # ثم بين تعالى ما حال حزب الشيطان بقوله تعالى: # {الذين كفروا لهم عذاب شديد} أي: في الدنيا بفوات ما يأملونه مع تفرقة ~~قلوبهم وانسداد بصائرهم وسفالة هممهم حتى أنهم رضوا أن يكون إلههم حجرا، ~~وفي الآخرة بالسعير التي دعاهم إلى صحبتها، ثم بين حزبه تعالى بقوله سبحانه ~~{والذين آمنوا وعملوا} أي: تصديقا لإيمانهم {الصالحات} من صلاة وزكاة وصوم ~~وغير ذلك من المأمورات {لهم مغفرة} أي: ستر ms2727 لذنوبهم في الدنيا ولولا ذلك ~~لافتضحوا، وفي الآخرة بحيث لا عتاب ولا عقاب ولولا ذلك لهلكوا {أجر كبير} ~~هو الجنة والنظر إلى وجهه # PageV03P313 # الكريم، فالمغفرة في مقابلة الإيمان فلا يؤبد مؤمن في النار، والأجر ~~الكبير في مقابلة العمل الصالح، ونزل كما قال ابن عباس في أبي جهل ومشركي ~~العرب: # {أفمن زين له سوء عمله} أي: قبحه الذي من شأنه أن يسوء صاحبه حالا أو ~~مآلا بأن غلب وهمه وهواه على عقله {فرآه} أي: السيء بسبب التزيين {حسنا} ~~أي: عملا صالحا {فإن} أي: السبب في رؤية الأشياء على غير ما هي عليه أن ~~{الله} أي: الذي له الأمر كله {يضل من يشاء} فلا يرى شيئا على ما هو به ~~فيقدم على الهلاك البين وهو يراه عين النجاة {ويهدي من يشاء} فلا يشكل عليه ~~أمر ولا يفعل إلا حسنا. # تنبيه: من موصول مبتدأ وما بعده صلته، والخبر محذوف، واختلف في تقديره ~~فقدره الكسائي: تذهب نفسك عليهم حسرات لدلالة قوله تعالى تسلية لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم حيث حزن على إصرارهم بعد إتيانه بكل آية ظاهرة وحجة قاهرة ~~{فلا تذهب نفسك عليهم} أي: المزين لهم {حسرات} أي: لأجل حسراتك المترادفة ~~لأجل إعراضهم، جمع حسرة وهي شدة الحزن على ما فات من الأمر، وقدره الزجاج ~~وأضله الله كمن هداه، وقدره غيرهما كمن لم يزين له، وهو أحسن لموافقته لفظا ~~ومعنى، ونظيره {أفمن كان على بينة من ربه} (هود: 17) # أي: كمن هو أعمى {أفمن يعلم إنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} ~~(الرعد: 19) # وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في أصحاب الأهواء والبدع قال قتادة: ~~منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فأما أهل الكتاب ~~فليسوا منهم؛ لأنهم لا يستحلون الكبائر {إن الله} أي: المحيط بجميع صفات ~~الكمال {عليم} أي: بالغ العلم {بما يصنعون} فيجازيهم عليه. # ثم عاد تعالى إلى البيان بقوله سبحانه: # {والله} أي: الذي له صفات الكمال لا شيء غيره من طبيعة ولا غيرها {الذي ~~أرسل الرياح} أي: أوجدها من ms2728 العدم فهبوبها دليل على الفاعل المختار، لأن ~~الهواء قد يسكن وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين وقد يتحرك إلى ~~الشمال، وفي حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب وقد لا ينشئ فهذه الاختلافات ~~دليل على مسخر مدبر مؤثر مقدر وقوله تعالى {فتثير سحابا} عطف على أرسل؛ لأن ~~أرسل بمعنى المستقبل فلذلك عطف عليه وأتى بأرسل لتحقيق وقوعه وب «تثير» ~~لتصور الحال واستحضار الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة كقوله تعالى ~~{أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} (الحج: 63) # ولما أسند فعل الإرسال إليه تعالى وما يفعله يكون بقوله تعالى: {كن} فلا ~~يبقى في العدم لا زمانا ولا جزءا من الزمان فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب ~~وقوعه وسرعة تكوينه فكأنه كان، ولأنه فرغ عن كل شيء فهو قدر الإرسال في ~~الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة. # ولما أسند فعل الإثارة إلى الريح وهي تؤلف في زمان فقال {تثير} أي: على ~~هيئتها، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالتوحيد، والباقون بالجمع وقوله ~~تعالى {فسقناه} فيه التفاف عن الغيبة {إلى بلد ميت} أي: لا نبات بها، وقرأ ~~نافع وحفص وحمزة والكسائي بتشديد الياء، والباقون بالتخفيف {فأحيينا به} ~~أي: بالمطر النازل منه، وذكر السحاب كذكر المطر حيث أقيم مقامه أو بالسحاب ~~فإنه سبب السبب أو الصائر مطرا {الأرض} بالنبات والكلأ {بعد موتها} أي: ~~يبسها. # تنبيه: العدول في: «سقنا» و «أحيينا» من الغيبة في قوله تعالى {والله ~~الذي أرسل الرياح} إلى ما هو أدخل # PageV03P314 # في الاختصاص وهو التكلم فيهما لما فيهما من مزيد الصنع، والكاف في قوله ~~تعالى {كذلك} في محل رفع أي: مثل إحياء الموات {النشور} للأموات وجه الشبه ~~من وجوه: أولها: أن الأرض الميتة قبلت الحياة كذلك الأعضاء تقبل الحياة. ~~ثانيها: كما أن الريح يجمع السحاب المقطع كذلك تجمع الأعضاء المتفرقة. ~~ثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت كذلك نسوق الروح إلى ~~الجسد الميت. # فإن قيل: ما الحكمة في اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى ~~له في كل شيء ms2729 آية تدل على أنه واحد؟ أجيب: بأنه تعالى لما ذكر كونه فاطر ~~السموات والأرض وذكر من الأمور السماوية الأرواح وإرسالها بقوله تعالى: ~~{جاعل الملائكة رسلا} (فاطر: 1) # ذكر من الأمور الأرضية الرياح، وروي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: هل مررت بواد أهلك ~~محلا ثم مررت به يهتز؟ فقال: نعم فقال: فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته ~~في خلقه» وقيل: يحيي الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال تنبت ~~منه أجساد الخلق. # ولما كان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال تعالى {واتخذوا من دون الله ~~آلهة ليكونوا لهم عزا} (مريم: 81) # والذين آمنوا بألسنتهم غير مواطئة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين كما ~~قال تعالى {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم ~~العزة فإن العزة لله جميعا} (النساء: 139) # بين تعالى أن لا عزة إلا لله بقوله سبحانه: # {من كان} أي: في وقت من الأوقات {يريد العزة} أي: الشرف والمنعة {فلله ~~العزة جميعا} أي: في الدنيا والآخرة، والمعنى: فليطلبها عند الله، فوضع ~~قوله تعالى {فلله العزة جميعا} موضعه استغناء به عنه لدلالته عليه، لأن ~~الشيء لا يطلب إلا من عند صاحبه ومالكه، ونظيره قوله: من أراد النصيحة فهي ~~عند الأبرار، يريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت ما يدل عليه مقامه، وقال ~~قتادة: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله تعالى ومعناه: الدعاء إلى ~~الطاعة من له العزة أي: فليطلب العزة من عند الله بطاعته، كما يقال من كان ~~يريد المال فالمال لفلان أي: فليطلبه من عنده. # ثم عرف أن ما تطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله تعالى: ~~{إليه} أي: لا إلى غيره {يصعد الكلم الطيب} قال المفسرون: هو قول لا إله ~~إلا الله، وقيل: هو قول الرجل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر، وعن ابن مسعود قال: إذا حدثتكم حديثا أنبأتكم بمصداقه من كتاب ~~الله عز وجل: «ما من عبد مسلم يقول: خمس كلمات ms2730 سبحان الله، والحمد لله، ولا ~~إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم ~~صعد بهن فلا يمر على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بها ~~وجه رب العالمين» ومصداقه من كتاب الله عز وجل قوله تعالى {إليه يصعد الكلم ~~الطيب} وقيل: الكلم الطيب ذكر الله، وعن قتادة إليه يصعد الكلم الطيب أي: ~~يقبل الله الكلم الطيب، وقيل: الكلم الطيب يتناول الذكر والدعاء وقراءة ~~القرآن، وعن الحاكم موقوفا وعن الثعلبي مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد ~~عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن عمل صالح لم ~~تقبل» . # {والعمل الصالح يرفعه} أي: يقبله فصعود الكلم الطيب والعمل الصالح مجاز ~~عن قبوله تعالى إياهما، أو صعود الكتبة بصحفهما، أو المستكن في يرفعه لله ~~تعالى، وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة وقال سفيان بن عيينة: ~~العمل الصالح هو الخالص يعني الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال ~~لقوله تعالى {فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (الكهف: 110) # فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء. # تنبيه: صعود الكلم الطيب والعمل الصالح مجاز عن قبوله # PageV03P315 # تعالى إياهما، أو صعود الكتبة بصحفهما والمستكن في {يرفعه} لله تعالى، ~~وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة أو للكلم، فإن العمل لا يقبل ~~إلا بالتوحيد أو للعمل فإنه يحقق الإيمان ويقويه، قال الرازي في «اللوامع» ~~: «العلم لا يتم إلا بالعمل كما قيل: العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ~~ارتحل» انتهى. وقد قيل: # *لا ترض من رجل حلاوة قوله ... حتى يصدق ما يقول فعاله* # *فإذا وزنت مقاله بفعاله ... فتوازنا فإخاء ذاك جماله* # وقال الحسن: الكلم الطيب ذكر الله تعالى، والعمل الصالح أداء فرائضه فمن ~~ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، وليس الإيمان بالتمني ~~ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال حسنا وعمل غير ms2731 ~~صالح رد الله تعالى عليه قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحا رفعه الله. # ولما بين ما يحصل العزة من علي الهمة بين ما يكسب المذلة ويوجب النقمة من ~~رديء الهمة بقوله تعالى: {والذين يمكرون} أي: يعملون على وجه المكر أي: ~~الستر، المكرات: {السيئات} أي: مكرات قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~دار الندوة وتداورهم الرأي في إحدى ثلاث: حبسه وقتله وإجلاؤه كما قال تعالى ~~{وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} الآية (الأنفال: 30) ، وقال الكلبي: ~~معناه يعملون السيئات وقال مقاتل: يعني الشرك، وقال مجاهد: هم أصحاب الرياء ~~{لهم عذاب شديد} أي: لا توبة دونه بما يمكرون {ومكر أولئك} أي: البعداء من ~~الفلاح {هو} أي: وحده دون مكر من يريد بمكره الخير فإن الله ينفذه ويعلي ~~أمره {يبور} أي: يفسد ولا ينفذ إذ الأمور مقدرة فلا تتغتير بسبب مكرهم كما ~~دل عليه بقوله تعالى: # {والله خلقكم من تراب} أي: بتكوين أبيكم آدم منه فمزجه مزجا لا يمكن ~~لغيره تمييزه، ثم أحاله عن ذلك الجوهر أصلا ورأسا، وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى: {ثم} أي: بعد ذلك في الزمان والرتبة خلقكم {من نطفة} أي: جعلها أصلا ~~ثانيا من ذلك الأصل الترابي أشد امتزاجا منه {ثم} بعد أن أنهى التدبير ~~زمانا ورتبة إلى النطفة التي لا مناسبة بينها وبين التراب دلالة على كمال ~~القدرة والفعل بالاختيار {جعلكم أزواجا} أي: بين ذكور وإناث دلالة هي أظهر ~~مما قبلها على الاختيار، وعن قتادة: زوج بعضكم بعضا. # تنبيه: يصح أن يقال كما قال ابن عادل: خلقكم خطاب مع الناس وهم أولاد آدم ~~عليه السلام وكلهم من تراب ومن نطفة؛ لأن كلهم من نطفة، والنطفة من غذاء، ~~والغذاء ينتهي بالآخرة إلى الماء والتراب فهم من تراب صار نطفة. # ولما بين تعالى بقوله سبحانه: {خلقكم من تراب} كمال قدرته بين بقوله ~~سبحانه {وما تحمل من أنثى ولا تضع} أي: حملا {إلا} أي: مصحوبا {بعلمه} أي: ~~في وقته ونوعه وشكله # PageV03P316 # وغير ذلك من شأنه مختصا بذلك كله حتى عن أمه التي ms2732 هي أقرب إليه فلا يكون ~~إلا بقدرته فما شاء أتمه وما شاء أخرجه كمال علمه. # ثم بين نفوذ إرادته بقوله تعالى: {وما يعمر من معمر} أي: وما يمد في عمره ~~من مصغره إلى كبر، وإنما سماه معمرا بما هو صائر إليه فمعناه: وما يعمر من ~~أحد، وفي عود ضمير قوله تعالى {ولا ينقص من عمره} قولان: أحدهما: أنه يعود ~~على معمر آخر؛ لأن المراد بقوله تعالى: {من معمر} الجنس فهو يعود عليه لفظا ~~لا معنى؛ لأنه بعد أن فرض كونه معمرا استحال أن ينقص من عمره نفسه كما ~~يقال: لفلان عندي درهم ونصفه أي: نصف درهم آخر. # والثاني: أنه يعود على المعمر نفسه لفظا ومعنى، والمعنى: أنه إذا ذهب من ~~عمره حول أحصى وكتب ثم حول آخر كذلك فهذا هو النقص، وإليه ذهب ابن عباس ~~وابن جبير وأبو مالك ومنه قول الشاعر: # *حياتك أنفاس تعد فكلما ... مضى نفس منك انتقصت به جزأ* # وقال الزمخشري: هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام ~~السامعين واتكالا على تسديدهم معناه بعقولهم، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة ~~الطول والقصر في عمر واحد، وعليه كلام الناس المستفيض يقولون: لا يثيب الله ~~عبدا ولا يعاقبه إلا بحق قال: وفيه تأويل آخر وهو: أنه لا يطول عمر إنسان ~~ولا يقصر إلا في كتاب، وصورته: أن يكتب في اللوح: إن حج فلان أو غزا فعمره ~~أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد ~~عمر، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعون فقد نقص عن عمره الذي هو ~~الغاية وهو الستون، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن ~~الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار» . # وعن كعب أنه قال حين طعن عمر رضي الله تعالى عنه: لو أن عمر دعا الله ~~لأخر في أجله فقيل لكعب: أليس قد قال الله تعالى {فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (الأعراف: 34) # فقال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك ms2733 فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ هذه ~~الآية وقد استفاض على الألسنة: أطال الله تعالى بقاءك، وفسح في مدتك وما ~~أشبهه. # وعن سعيد بن جبير: يكتب في الصحيفة عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ~~ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى يأتي على آخره، وعن قتادة المعمر ~~من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة، والكتاب في قوله ~~تعالى {إلا في كتاب} أي: مكتوب فيه عمر فلان كذا وكذا، وعمر فلان كذا إن ~~عمل كذا وعمره كذا إن لم يعمل كذا هو اللوح المحفوظ قاله ابن عباس، قال ~~الزمخشري: ويجوز أن يراد بكتاب الله علم الله تعالى أو صحيفة الإنسان. # ولما كان ذلك أمرا لا يحيط به العد ولا يحصره الحد فكان في عداد ما ينكره ~~الجهلة قال تعالى مؤكدا لسهولته {إن ذلك} أي: الأمر العظيم من كتب الآجال ~~كلها وتقديرها {على الله} أي: الذي له جميع العزة {يسير} أي: هين. وقوله ~~تعالى: # {وما يستوي البحران هذا عذب} أي: طيب حلو لذيذ ملائم طبعه {فرات} أي: ~~بالغ العذوبة {سائغ شرابه} أي: شربه مرئ سهل انحداره لما له من اللذة ~~والملايمة للطبع {وهذا ملح أجاج} أي: جمع إلى الملوحة المرارة فلا يسوغ ~~شرابه بل لو شرب لآلم الحلق وأجج في البطن ما هو كالنار # PageV03P317 # ضرب مثلا للمؤمن والكافر، وقوله تعالى: {ومن كل} أي: الملح والعذب ~~{تأكلون} أي: من السمك المنوع إلى أنواع تفوت الحصر {لحما طريا} أي: شهي ~~المطعم {وتستخرجون} أي: من الملح دون العذب {حلية تلبسونها} أي: نساؤكم من ~~الجواهر الدر والمرجان وغيرهما، ذكر استطرادا في صفة البحرين وما فيهما من ~~النعم وتمام التمثيل، والمعنى: كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا ~~يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو مقصود بالذات من الماء فإنه ~~خالط أحدهما ما أفسده، وغيره عن كمال فطرته فلا يتساوى المؤمن والكافر وإن ~~اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما فيما هو الخاصة ~~العظمة وهي بقاء ms2734 أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر. # وقيل: تخرج الحلية منهما كما هو ظاهر قوله تعالى {يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان} (الرحمن: 22) # قال البغوي: لأنه قد يكون في البحر الأجاج عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون ~~اللؤلؤ من ذلك انتهى. # فائدة: عاب المبرد وغيره قول الشافعي رضي الله تعالى عنه: كل ماء من بحر ~~عذب أو مالح فالتطهر به جائز وقالوا: إنه لحن وإنما يقال: ملح كما قال ~~تعالى {وهذا ملح أجاج} وهم مخطئون في ذلك كما قيل: # *وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم* # *ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القريحة والفهوم* # قال النووي: وأجاب أصحابنا بأجوبة: أصحها أن فيه أربع لغات: ملح ومالح ~~ومليح وملاح بضم الميم وتخفيف اللام قال عمر بن أبي ربيعة: # *ولو تفلت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا* # وقال آخر: # *وللرزق أسباب تروح وتغتدي ... وإني منها غير غاد ورائح* # *قنعت بثوب العدم من حلة الغنى ... ومن بارد عذب زلال بمالح* # وقال محمد بن حازم: # *تلونت ألوانا علي كثيرة ... وخالط عذبا من إخائك مالح* # وقال خالد بن يزيد بن معاوية في رملة بنت الزبير: # *ولو وردت ماء وكانت قبيله ... مليحا شربنا ماءه باردا عذبا* # وقال الخطابي: يقال: ماء ملاح كما يقال: أجاج وزعاق وزلال قال: وإنما نزل ~~الشافعي من اللغة العالية إلى التي هي أدنى للإيضاح وحسما للإشكال ~~والالتباس؛ لئلا يتوهم متوهم أنه أراد بالملح المذاب فيظن أن الطهارة به ~~جائزة. # وثاني الأجوبة: أن الشافعي إمام في اللغة فقوله فيها حجة. # وثالثها: أن هذه اللفظة ليست من كلام الشافعي ولم يذكرها بل من كلام ~~المزني وهذا ليس بشيء، وكيف ينسب الخطأ إلى المزني وعنه مندوحة، وقولهم: لم ~~يذكرها الشافعي غير صحيح وقد أنكره البيهقي وقال: بل سمى الشافعي البحر ~~مالحا في كتابين «أمالي الحج» و «المناسك الكبير» . # فائدة أخرى: وهي أن ابن عمر قال في البحر: التيمم أحب إلينا منه وقال: ~~بحركم هذا نار وتحت النار # PageV03P318 # بحر حتى عد سبعة أبحر وسبعة ms2735 أنوار، ولكن روى أبو هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من لم يطهره البحر فلا طهره الله» ويؤول كلام ابن عمر بأنه ~~سيصير يوم القيامة نارا أو بأنه مهلكة يهلك كما تهلك النار، ولما كان الأكل ~~والاستخراج من المنافع العامة عم الخطاب. # ولما كان استقرار شيء في البحر دون غرق أمرا غريبا لكنه صار لشدة ألفه لا ~~يقوم بأنه من أكبر الآيات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر خص ~~بالخطاب فقال {وترى الفلك} أي: السفن سمى فلكا لدورانه وسفينة لقشره الماء، ~~وقدم الظرف في قوله تعالى {فيه} لأنه أشد دلالة على ذلك {مواخر} أي: جواري ~~مستدبرة الريح شاقة للماء بجريها هذه مقبلة وهذه مدبرة وجهها إلى ظهر هذه ~~بريح واحدة يقال: مخرت السفينة الماء ويقال للسحاب: بنات مخر؛ لأنها تمخر ~~الهواء، والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر؛ لأنها تسفن الماء ~~كأنها تقشره كما تمخره ثم علق بالمخر معللا قوله تعالى {لتبتغوا} أي: ~~تطلبوا طلبا شديدا {من فضله} أي: الله بالتوصل بذلك إلى البلاد الشاسعة ~~للمتاجر وغيرها، ولو جعلها ساكنة لم يترتب عليها ذلك ولم يجر به ذكر في ~~الآية ولكن فيما قبلها، ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه {ولعلكم ~~تشكرون} أي: وليكون حالكم بهذه الدالة على عظيم قدرة الله تعالى ولطفه حال ~~من يرجى شكره. # تنبيه: حرف الرجاء مستعار لمعنى الإرادة ألا ترى كيف سلك به مسلك لام ~~التعليل؟ كأنما قيل: لتبتغوا ولتشكروا. # ولما ذكر تعالى اختلاف الذوات الدالة على بديع صنعه أتبعه اختلاف الأزمنة ~~الدالة على بديع قدرته بقوله تعالى: # {يولج} أي: يدخل الله {الليل في النهار} فيصير الظلام ضياء. # ولما كان هذا الفعل في غاية الإعجاب وكان لكثرة تكراره قد صار مألوفا ~~فغفل عما فيه من الدلالة على تمام القدرة نبه عليه بإعادة الفعل بقوله ~~تعالى: {ويولج النهار في الليل} فيصير ما كان ضياء ظلاما، وتارة يكون ~~التوالج بقصر هذا وطول هذا فدل كل ذلك على أنه تعالى فاعل بالاختيار. # ولما ms2736 ذكر الليل والنهار ذكر ما ينشأ عنهما بقوله تعالى: {وسخر الشمس ~~والقمر} ثم استأنف قوله تعالى {كل} أي: منهما {يجري} أي: في فلكه {لأجل} ~~أي: لأجل أجل {مسمى} مضروب له لا يقدر أن يتعداه، فإذا جاء ذلك الأجل غرب ~~هكذا كل يوم إلى أن يأتي الأجل الأعظم فيختل هذا النظام بإذن الملك العلام، ~~وتقوم الناس ليوم الزحام وتكون الأمور العظام. # ولما ذكر سبحانه أنه الفاعل المختار القادر على ما يريد بما يشاهده كل ~~أحد في نفسه وفي غيره وختم بما تكرر مشاهدته في كل يوم مرتين أنتج ذلك قطعا ~~قوله تعالى معظما بأداة البعد وميم الجمع {ذلكم} أي: العالي المقدار الذي ~~فعل هذه الأفعال كلها {الله} الذي له صفة كل كمال، ثم نبههم على أنه لا ~~مدبر لهم سواه بخبر آخر بقوله تعالى: {ربكم} أي: الموجد لكم من العدم ~~المربي بجميع النعم لا رب لكم سواه، ثم استأنف قوله تعالى: {له} أي: وحده ~~{الملك} أي: كله وهو مالك كل شيء {والذين تدعون} أي: تعبدون {من دونه} أي: ~~غيره وهم الأصنام وغيرها وكل شيء دونه {ما يملكون} في حال من الأحوال وأعرق ~~في النفي بقوله تعالى: {من قطمير} وهو كما روي عن ابن عباس: لفافة النواة ~~وهي القشرة الرقيقة الملتفة # PageV03P319 # عليها، كناية عن أدنى الأشياء فكيف بما فوقه؟ فليس لهم شيء من الملك، ~~والآية من الاحتباك ذكر الملك أولا دليلا على حذفه ثانيا والملك ثانيا ~~دليلا على حذفه أولا. # وقيل: القطمير هو القمع وقيل: ما بين القمع والنواة، ففي النواة على ~~الأول أربعة أشياء يضرب بها المثل: في القلة الفتيل: وهو ما في شق النواة، ~~والقطمير: وهو اللفافة والنقير: وهو ما في ظهر النواة والرقروق: وهو ما بين ~~القمع والنواة ثم بين ذلك بقوله تعالى: # {إن تدعوهم} أي: المعبودات من دونه دعاء عبادة أو استعانة {لا يسمعوا ~~دعاءكم} أي: لأنهم جماد {ولو سمعوا} أي: على سبيل الفرض والتقدير {ما ~~استجابوا لكم} أي: لعدم قدرتهم على الانتفاع. # ولما بين عدم النفع فيهم ms2737 في الدنيا بين عدم النفع منهم في الآخرة ووجود ~~الضرر منهم في الآخرة بقوله سبحانه {ويوم القيامة} أي: حين ينطقهم الله ~~تعالى {يكفرون بشرككم} أي: بإشراككم فينكرونه ويتبرؤن منه بقولهم {ما كنتم ~~إيانا تعبدون} (يونس: 28) # كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في آية أخرى {ولا ينبئك} أي: يخبرك أي: ~~السامع بالأمر مخبر هو {مثل خبير} أي: عالم به أي: أن الخبير بالأمر وحده ~~هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به؛ لأنه لا يمكن الطعن في شيء ~~مما أخبر به بخلاف غيره والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو ~~الحق؛ لأني خبير بما أخبرت به. # ولما اختص تعالى بالملك ونفى عن شركائهم النفع أنتج ذلك قوله تعالى: # {يا أيها الناس} أي: كافة {أنتم} أي: خاصة {الفقراء} وقوله سبحانه {إلى ~~الله} إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه ولا اتكال إلا عليه، وهذا يوجب عبادته ~~لكونه مفتقر إليه وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره. # فإن قيل: لم عرف الفقراء؟ أجيب: بأنه قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة ~~افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من ~~الناس وغيرهم؛ لأن الفقر يتبع الضعف وكلما كان الفقير أضعف كان أحقر، وقد ~~شهد الله تعالى على الإنسان بالضعف في قوله تعالى {وخلق الإنسان ضعيفا} ~~(النساء: 28) # وقال تعالى {الله الذي خلقكم من ضعف} (الروم: 54) # ولو نكر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء. # قال القشيري: والفقر على ضربين: فقر خلقة، وفقر صفة فالأول عام، فكل حادث ~~مفتقر إلى خالقه في أول حال وجوده ليبدئه وينشئه، وفي ثانيه ليديمه ويبقيه، ~~وأما فقر الصفة: فهو التجرد وفقر العوام التجرد عن المال، وفقر الخواص ~~التجرد عن الإعلال فحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلومات. # ولما ذكر العبد بوصفه الحقيقي أتبعه ذكر الخالق باسمه الأعظم فقال: ~~{والله هو الغني} أي: المستغني على الإطلاق فلا يحتاج إلى أحد ولا إلى ~~عبادة أحد من خلقه، وإنما أمرهم بالعبادة لإشفاقه تعالى عليهم ففي هذا رد ~~على المشركين حيث ms2738 قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله لعله محتاج إلى ~~عبادتنا حتى أمرنا بها أمرا بالغا وهددنا على تركها مبالغا، فإن قيل: قد ~~قابل الفقر بالغنى فما فائدة قوله تعالى {الحميد} أي: المحمود في صنعه ~~بخلقه؟ أجيب: بأنه لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم وليس كل غني نافعا بغناه ~~إلا إذا كان الغني منعما جوادا، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق ~~عليهم الحمد ذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه الجواد ~~المنعم عليهم المستحق بإنعامه أن يحمدوه وقوله تعالى: # PageV03P320 # {إن يشأ يذهبكم} أي: جميعا بيان لغنائه وفيه بلاغة كاملة؛ لأن قوله تعالى ~~{إن يشأ يذهبكم} أي: ليس إذهابكم موقوفا إلا على مشيئته بخلاف الشيء ~~المحتاج إليه فإن المحتاج إلى الشيء لا يقال فيه: إن شاء فلان هدم داره، ~~وإنما يقال: لولا حاجة السكنى إلى الدار لبعتها، ثم إنه تعالى زاد على بيان ~~الاستغناء بقوله تعالى: {ويأت بخلق جديد} أي: إن كان يتوهم متوهم أن بهذا ~~الملك كماله وعظمته فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر أن يخلق خلقا ~~جديدا أحسن من هذا وأجمل، وعن ابن عباس: يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به ~~شيئا. # {وما ذلك} أي: الأمر العظيم من الإذهاب والإتيان {على الله} أي: المحيط ~~بجميع صفات الكمال خاصة {بعزيز} أي: بممتنع ولا شاق وهو محمود عند الإعدام ~~كما هو محمود عند الإيجاد، فإن قيل: استعمل تعالى العزيز تارة في القائم ~~بنفسه فقال تعالى في حق نفسه {وكان الله قويا عزيزا} (الأحزاب: 25) # وقال في هذه السورة {عزيز غفور} (فاطر: 28) # واستعمله تارة في القائم بغيره فقال تعالى {وما ذلك على الله بعزيز} وقال ~~تعالى {عزيز عليه ما عنتم} (التوبة: 128) # فهل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ أجيب: بأن العزيز في اللغة هو الغالب ~~والفعل إذا كان لا يطيقه شخص يقال: هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله ~~تعالى {وما ذلك على الله بعزيز} أي: ذلك الفعل لا يغلبه بل هو هين على الله ~~تعالى وقوله سبحانه ms2739 {عزيز عليه ما عنتم} أي: يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب. # وقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فيه حذف الموصوف للعلم به أي: ولا ~~تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى ~~{وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} ؟ (العنكبوت: 13) # أجيب: بأن تلك الآية في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم وكل ~~ذلك أوزارهم وليس فيها شيء من أوزار غيرهم. {وإن تدع} أي: نفس {مثقلة} أي: ~~بالوزر {إلى حملها} أي: من الوزر أحدا ليحمل بعضه {لا يحمل} أي: من حامل ما ~~{منه شيء} أي: لا طواعية ولا كرها بل لكل امرئ شأن يغنيه {ولو كان} ذلك ~~الداعي أو المدعو للحمل {ذا قربى} لمن دعاه. # فإن قيل: ما الفرق بين معنى قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ومعنى ~~قوله تعالى {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} ؟ أجيب: بأن الأول: ~~في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه وأنه لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها، ~~والثاني: في أن لا غياث يومئذ بمن استغاث حتى أن نفسا قد أثقلتها الأوزار ~~لودعت إلى أن تخفف بعض وزرها لم تجب ولم تغث، وإن كان الداعي أو المدعو بعض ~~قرابتها من أب أو ولد أو أخ قال ابن عباس: يلقى الأب أو الأم ابنه فيقول: ~~يا بني احمل عني بعض ذنوبي فيقول لا أستطيع حسبي ما علي. # تنبيه: أضمر الداعي أو المدعو بدلالة إن تدع عليه. # ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعهم ذلك فلم ينفعهم نزل {إنما ~~تنذر} أي: إنذارا يفيد الرجوع عن الغي {الذين يخشون ربهم} أي: المحسن إليهم ~~فيوقعون هذا الفعل في الحال ويواطئون عليه في الاستقبال، ولما كان أولى ~~الناس عقلا وأعلاهم همة من كان غيبه مثل حضوره قال تعالى {بالغيب} وهو حال ~~من الفاعل أي: يخشونه غائبين بين عنه أو من المفعول أي: غائبا عنهم. # ولما كانت الصلاة جامعة للخضوع الظاهر والباطن فكانت أشرف العبادات وكانت ~~إقامتها بمعنى حفظ جميع # PageV03P321 # حدودها في ms2740 كل حال أدل الطاعات على الإخلاص قال تعالى معبرا بالماضي؛ لأن ~~مواقيت الصلاة مضبوطة {وأقاموا} أي: دليلا على خشيتهم {الصلاة} في أوقاتها ~~الخمسة وما يتبع ذلك من السنن {ومن تزكى} أي: تطهر بفعل الطاعات وترك ~~المعاصي {فإنما يتزكى لنفسه} إذ نفعه لها {وإلى الله} أي: الذي لا إله غيره ~~{المصير} أي: المرجع كما كان منه المبدأ فيجازي كلا على فعله. # ثم لما بين تعالى الهدى والضلالة وهدى الله تعالى المؤمن ولم يهد الكافر ~~ضرب لهما مثلا بقوله تعالى: # {وما يستوي الأعمى} أي: عن الهدى {والبصير} بالهدى أي: المؤمن والكافر ~~وقيل: الجاهل والعالم، وقيل: هما مثلا للصنم ولله تعالى. # {ولا الظلمات} أي: الكفر {ولا النور} أي: الإيمان، أو ولا الباطل ولا ~~الحق. # {ولا الظل} أي: الجنة {ولا الحرور} أي: النار، أو ولا الثواب ولا العقاب. # تنبيه: قال ابن عباس: الحرور الريح الحارة بالليل، والسموم بالنهار وقيل: ~~الحرور تكون بالنهار مع الشمس، وقيل: السموم تكون بالنهار والحرور بالليل ~~والنهار. # وقوله تعالى {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} تمثيل آخر للمؤمن والكافر ~~أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل وقيل: للعلماء وللجهال. # تنبيه: زيادة لافي الثلاثة لتأكيد نفي الاستواء، وجاء ترتيب هذه المنفيات ~~على أحسن الوجوه، فإنه تعالى لما ضرب الأعمى والبصير مثلين للمؤمن والكافر ~~عقب بما كل منهما فيه، والكافر في ظلمة والمؤمن في نور؛ لأن البصير وإن كان ~~حديد البصر لابد له من ضوء يبصر فيه، وقدم الأعمى؛ لأن البصير فاصله فحسن ~~تأخيره، ولما تقدم الأعمى في الذكر ناسب تقديم ما فيه فلذلك قدمت الظلمة ~~على النور، ولأن النور فاصلة، ثم ذكر ما لكل منهما فللمؤمن الظل وللكافر ~~الحرور وأخر الحرور لأجل الفاصلة كما مر، وقولنا: لأجل الفاصلة أولى من قول ~~بعضهم لأجل السجع؛ لأن القرآن ينبو عن ذلك، وقد منع الجمهور أن يقال في ~~القرآن سجع. # وإنما كرر الفعل في قوله تعالى {وما يستوي الأحياء} مبالغة في ذلك؛ لأن ~~المنافاة بين الحياة والموت أتم من المنافاة المتقدمة، وقدم الأحياء لشرف ~~الحياة ولم ms2741 يعد لا تأكيدا في قوله تعالى {الأعمى والبصير} وكررها في غيره؛ ~~لأن منافاة ما بعده أتم، فإن الشخص الواحد قد يكون بصيرا ثم يصير أعمى فلا ~~منافاة إلا من حيث الوصف بخلاف الظل والحرور، والظلمات والنور، فإنها ~~منافية أبدا لا يجتمع اثنان منها في محل، فالمنافاة بين الظل والحرور وبين ~~الظلمة والنور دائمة. # فإن قيل: الحياة والموت بمنزلة العمى والبصر فإن الجسم قد يكون متصفا ~~بالحياة ثم يتصف بالموت، أجيب: بأن المنافاة بينهما أتم من المنافاة بين ~~الأعمى والبصير؛ لأن الأعمى والبصير يشتركان في إدراكات كثيرة ولا كذلك ~~الحي والميت، فالمنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير؛ لأنه ~~قابل الجنس بالجنس، وقد يوجد في أفراد العميان من يساوي بعض أفراد البصراء ~~كأعمى ذكي له بصيرة يساوي بصيرا بليدا فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به لا ~~بين الأفراد. # وجمع الظلمات؛ لأنها عبارة عن الكفر والضلال وطرقهما كثيرة متشعبة ووحد ~~النور؛ لأنه عبارة عن التوحيد وهو واحد، فالتفاوت بين كل فرد من أفراد ~~الظلمة وبين هذا الفرد الواحد والمعنى: الظلمات كلها لا يوجد فيها ما يساوي ~~هذا الواحد. # ثم نبه سبحانه بقوله تعالى: # PageV03P322 # {إن الله} أي: القادر على المفاوتة بين هذه الأشياء وعلى كل شيء بما له ~~من الإحاطة من صفات الكمال {يسمع من يشاء} على أن الخشية والقسوة إنما هما ~~بيده تعالى، وإن الإنذار إنما هو لمن قضى بانتفاعه فيتعظ ويجيب {وما أنت} ~~أي: بنفسك من غير إقدار الله تعالى لك {بمسمع} أي: بوجه من الوجوه {من في ~~القبور} أي: الحسية أو المعنوية إسماعا ينفعهم بل الله يسمعهم إن شاء {فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات} (فاطر: 8) # {إن} أي: ما {أنت إلا نذير} أي: تنبه القلوب الميتة بقوارع الإنذار ولست ~~بوكيل تقهرهم على الإيمان. # ثم بين تعالى أنه ليس نذيرا من تلقاء نفسه إنما هو بإذن الله تعالى ~~وإرساله بقوله تعالى: # {إنا} أي: بما لنا من العظمة {أرسلناك} أي: إلى هذه الأمة {بالحق} أي: ~~الأمر الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع، فإن ms2742 من نظر إلى كثرة ما أوتيه ~~من الدلائل علم مطابقة الواقع لما يأمر به. # تنبيه: يجوز في قوله تعالى: {بالحق} أوجه: أحدها: أنه حال من الفاعل أي: ~~أرسلناك محقين، أو من المفعول أي: محقا، أو نعت لمصدر محذوف أي: إرسالا ~~متلبسا بالحق ويجوز أن يكون صلة لقوله تعالى {بشيرا} أي: لمن أطاع {ونذيرا} ~~أي: لمن عصى {وإن} أي: وما {من أمة إلا خلا} أي: سلف {فيها نذير} أي: نبي ~~ينذرها. # تنبيه: الأمة: الجماعة الكثيرة قال تعالى {وجد عليه أمة من الناس يسقون} ~~(القصص: 23) # ويقال لكل أهل عصر أمة، والمراد ههنا أهل العصر، فإن قيل: كم من أمة في ~~الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يخل فيها نذير، أجيب: بأن ~~آثار النذارة إذا كانت باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس وحين اندرست آثار ~~نذارة عيسى عليه السلام بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم فإن قيل: ~~كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد ذكرهما؟ أجيب: بأنه لما ~~كانت النذارة مشفوعة من البشارة لا محالة دل ذكرها على ذكرها، لا سيما وقد ~~اشتملت الآية على ذكرهما، أو لأن الإنذار هو المقصود والأهم من البعثة. # {وإن يكذبوك} أي: أهل مكة {فقد كذب الذين من قبلهم} أي: ما أتتهم به ~~رسلهم عن الله تعالى {جاءتهم} أي: الأمم الخالية {رسلهم بالبينات} أي: ~~الآيات الواضحات والدلالة على صحة الرسالة من المعجزات وغيرها {وبالزبر} ~~أي: الأمور المكتوبة كصحف إبراهيم عليه السلام {وبالكتاب} أي: جنس الكتاب ~~كالتوراة والإنجيل {المنير} أي: الواضح في نفسه الموضح لطريق الخير والشر، ~~كما أنك أتيت قومك بمثل ذلك وإن كانت طريقتك أوضح وأظهر، وكتابك أنور وأبهر ~~وأظهر وأشهر، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث علم أن غيره كان ~~مثله في تكذيبه وكان محتملا لأذى القوم. # تنبيه: لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسنادا ~~مطلقا وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات وبعضها في بعضهم وهي الزبر ~~والكتاب. ms2743 # ولما سلاه الله تعالى هدد من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم الماضية ~~بقوله تعالى: # {ثم أخذت} أي: بأنواع الأخذ {الذين كفروا} أي: ستروا تلك الآيات المنيرة ~~بعد طول صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام عليهم ودعائهم لهم {فكيف كان نكير} ~~أي: إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك أي: هو واقع موقعه. # تنبيه: أثبت ورش الياء بعد الراء في الوصل دون الوقف، والباقون بغير ياء ~~وقفا ووصلا. # ولما ذكر تعالى الدلائل # PageV03P323 # ولم ينتفعوا قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم بقوله تعالى: # {ألم تر} أي: تعلم أي: أيها المخاطب {أن الله} أي: الذي له جميع صفات ~~الكمال {أنزل من السماء ماء} كما أن السيد إذا نصح بعض عبيده ولم ينزجر ~~يقول لغيره: اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر ما ذكره للأول، ويكون فيه إشعار ~~بأن الأول فيه نقيصة لا يصلح للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة، ~~وأيضا فلا يخرج إلى كلام أجنبي عن الأول بل يأتي بما يقاربه؛ لئلا يسمع ~~الأول كلام الآخر فيترك التفكر فيما كان وقوله تعالى {فأخرجنا} أي: بما لنا ~~من القدرة والعظمة {به} أي: بالماء {ثمرات} أي: متعددة الأنواع، فيه التفات ~~من الغيبة إلى التكلم وإنما كان ذلك؛ لأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال ~~الماء وقوله تعالى: {مختلفا} نعت لثمرات وقوله تعالى: {ألوانها} فاعل به، ~~ولولا ذلك لأنث مختلفا، ولكنه لما أسند إلى جمع تكسير غير عاقل جاز تذكيره، ~~ولو أنث فقيل: مختلفة كما تقول: اختلفت ألوانها لجاز أي: مختلفة الأجناس من ~~الرمان والتفاح والعنب وغيرها مما لا يحصر أو الهيئات من الحمرة والصفرة ~~والخضرة ونحوها، فالذي قدر على المفاوتة بينها وهي من ماء واحد لا يستبعد ~~عليه أن يجعل الدلائل بالكتاب وغيره نورا لشخص وعمى لآخر. # ولما ذكر تعالى تنوع ما من الماء وقدمه؛ لأنه الأصل في التكوين أتبعه ~~التكوين من التراب الذي هو أيضا شيء واحد بقوله تعالى ذاكرا ما هو أصلب ~~الأرض وأبعدها عن قابلية التكوين: {ومن الجبال جدد} قال الجلال المحلي رحمه ~~الله ms2744 تعالى: جمع جدة: طريق في الجبل وغيره وقال الزمخشري: الجدد الخطوط ~~والطرائق، وقال أبو الفضل: الجدة ما تخالف من الطرائق لون ما يليها، ومنه ~~جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان ~~بين لوني ظهره وبطنه {بيض وحمر} وصفر وقوله تعالى {مختلف} صفة لجدد وقوله ~~تعالى {ألوانها} فاعل به كما مر في نظيره، ويحتمل معنيين: أحدهما: أن ~~البياض والحمرة يتفاوتان بالشدة والضعف فرب أبيض أشد من أبيض وأحمر أشد من ~~أحمر فنفس البياض مختلف وكذا الحمرة، فلذلك جمع ألوانها فيكون من باب ~~المشكك. والثاني: أن الجدد كلها على لونين بياض وحمرة والبياض والحمرة وإن ~~كانا لونين إلا أنهما جمعا باعتبار محلهما. # وقوله تعالى {وغرابيب سود} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه معطوف على حمر عطف ~~ذي لون على ذي لون. ثانيها: أنه معطوف على بيض. ثالثها: واقتصر عليه الجلال ~~المحلي أنه معطوف على جدد أي: صخور شديدة السواد قال الجلال المحلي: يقال ~~كثيرا: أسود غربيب، وقليلا غربيب أسود، وقال البغوي: أي: سود غرابيب على ~~التقديم والتأخير يقال: أسود غربيب أي: شديد السواد تشبيها بلون الغراب أي: ~~طرائق سود، وعن عكرمة: هن الجبال الطوال السود، وقال الزمخشري: الغربيب ~~تأكيد للأسود، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد كقولك: أصفر فاقع، ووجهه أن ~~يضمر المؤكد قبله فيكون الذي بعده مفسرا لما أضمر كقوله النابغة الجعدي: # *والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسغد* # هما موضعان والمؤمن: اسم الله وهو مجرور بالقسم والعائذات: منصوب بالمؤمن ~~والمراد بها: الحمام لما عاذت بمكة والتجأت إليها حرم التعرض لها، والطير ~~منصوب بالبدل أو بعطف البيان، # PageV03P324 # ووجه الاستدلال بذلك: أن الطير دال على المحذوف وهو مفعول لمؤمن ~~والعائذات الطير، قال أبو حيان: وهذا لا يصح إلا على مذهب من يجوز حذف ~~المؤكد، ومن النحويين من منعه وهو اختيار ابن مالك، ورد عليه بأن هذا ليس ~~هو التأكيد المختلف في حذف مؤكده؛ لأن هذا من باب الصفة والموصوف ومعنى ~~تسميه الزمخشري له توكيدا من حيث ms2745 إنه لا يفيد معنى زائدا وإنما يفيد ~~المبالغة والتوكيد في ذلك اللون، والنحويون قد سموا الوصف إذا لم يفد غير ~~الأول توكيدا فقالوا: وقد يجيء لمجرد التوكيد نحو قوله تعالى {نفخة واحدة} ~~(الحاقة: 13) # و {إلهين اثنين} (النحل: 51) # والتوكيد المختلف في حذف مؤكده، إنما هو في باب التوكيد الصناعي، ومذهب ~~سيبويه جوازه، وقال ابن عادل: والأولى فيه أن يسمى توكيدا لفظيا إذ الأصل ~~سود غرابيب سود. # ولما ذكر تعالى ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى أمر آخر بعيد من ~~الماء وأتبعه التراب الصرف ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو ~~في غاية البعد من التراب فقال: # {ومن الناس والدواب} ولما كانت الدابة في الأصل اسما لما دب على الأرض ثم ~~غلب إطلاقه على ما يركب قال: {والأنعام} ليعم الكل صريحا {مختلف ألوانه} ~~أي: ألوان ذلك البعض الذي أفهمته من {كذلك} أي: مثل الثمار والأراضي منه ما ~~هو ذو لون ومنه ما هو ذو لونين أو أكثر. # ولما قال تعالى {ألم تر} بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء وعدد ~~آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعه وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما ~~يستدل به عليه وعلى صفاته من أنه فاعل بالاختيار فهو يفعل ما يشاء قال ~~تعالى: {إنما يخشى الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال {من عباده العلماء} ~~قال ابن عباس رضي الله عنه: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي ~~وسلطاني، فالخشية بقدرة معرفة المخشي، والعالم يعلم الله فيخافه ويرجوه، ~~وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم} (الحجرات: 13) # بين تعالى أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم لا بقدر العمل، ~~فمن ازداد منه علما ازداد منه خشية وخوفا، ومن كان علمه به أقل كانت خشيته ~~أقل، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إني لأعلمكم بالله وأشدكم له ~~خشية» وقال صلى الله عليه وسلم «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا» . # وقال ms2746 مسروق: كفى بالمرء علما أن يخشى، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله، ~~وقال رجل للشعبي: أفتني أيها العالم فقال له: العالم من خشي الله تعالى، ~~قال السهروردي في الباب الثالث من معارفه: فينتفي العلم عمن لا يخشى الله ~~تعالى كما إذا قال إنما يدخل الدار بغدادي فينتفي دخول غير البغدادي الدار، ~~وقيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد ظهرت عليه ~~الخشية حتى أثرت فيه، فإن قيل: هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول في هذا ~~الكلام أو أخر؟ أجيب: بأنه يختلف فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان ~~المعنى إن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، فإذا عملت ~~على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله تعالى {ولا يخشون ~~أحدا إلا الله} (الأحزاب: 39) # وهما معنيان مختلفان. # تنبيه: رسم العلماء بالواو وقوله تعالى {إن الله} أي: المحيط بالجلال ~~والإكرام {عزيز} أي: # PageV03P325 # غالب على جميع أمره {غفور} أي: لذنوب من أراد من عباده تعليل لوجوب ~~الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه، ~~والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى. # ولما بين سبحانه العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسب خشيتهم ذكر العالمين ~~بكتاب الله العاملين بما فيه بقوله تعالى: # {إن الذين يتلون كتاب الله} أي: يداومون على تلاوته وهي شأنهم وديدنهم، ~~وعن مطرف: هي آية القراء، وعن الكلبي: يأخذون بما فيه، وقيل: يعلمون ما فيه ~~ويعملون به، وعن السدي: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عطاء: ~~هم المؤمنون {وأقاموا الصلاة} أي: أداموها {وأنفقوا مما رزقناهم} من زكاة ~~وغيرها {سرا وعلانية} قيل: السر في المسنون والعلانية في المفروض. # تنبيه: أشار تعالى بقوله سبحانه وتعالى {يتلون كتاب الله} إلى الذكر ~~وبقوله تعالى: {وأقاموا الصلاة} إلى العمل البدني وبقوله تعالى: {وأنفقوا ~~مما رزقناهم} إلى العمل المالي، وفي هاتين الآيتين الشريفتين حكمة بالغة ~~وهي أن قوله تعالى {إنما يخشى الله} إشارة إلى عمل القلب وقوله تعالى ~~{الذين يتلون} إشارة ms2747 إلى عمل اللسان وقوله {وأقاموا الصلاة} إشارة إلى عمل ~~الجوارح ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم الله تعالى وقوله ~~تعالى {وأنفقوا مما رزقناهم} بمعنى الشفقة على خلقه وقوله تعالى {سرا ~~وعلانية} حث على الإنفاق كيفما تهيأ، فإن تهيأ سرا فذاك وإلا فعلانية ولا ~~يمنعه ظنه أن يكون رياء فإن ترك الخير مخافة ذلك هو عين الرياء. # ولما أحل تعالى هؤلاء بالمحل الأعلى بين حالهم بقوله تعالى: {يرجون} أي: ~~في الدنيا والآخرة {تجارة} أي: بما عملوا {لن تبور} أي: تكسد وتهلك بل هي ~~باقية؛ لأنها رفعت إلى من لا تضيع إليه الودائع وهي رائجة رابحة لكونه ~~تعالى تام القدرة شامل العلم له الغنى المطلق. # {ليوفيهم أجورهم} أي: جزاء أعمالهم بالثواب {ويزيدهم من فضله} قال ابن ~~عباس رضي الله عنه: يعني سوى الثواب ما لم تر عين ولم تسمع أذن، ويحتمل أن ~~يزيدهم النظر إليه تعالى كما جاء في تفسير الزيادة وهذا هو النعمة العظمى ~~{إنه غفور شكور} قال ابن عباس رضي الله عنه: يغفر الذنب العظيم من ذنوبهم ~~ويشكر اليسير من أعمالهم، وقيل: غفور عند إعطاء الأجر شكور عند إعطاء ~~الزيادة. # تنبيه: في خبر إن من قوله {إن الذين يتلون كتاب الله} وجهان: أحدهما: أنه ~~الجملة من قوله تعالى: يرجون تجارة أي: إن التالين يرجون، ولن تبور صفة ~~تجارة، وليوفيهم متعلق ب يرجون أو تبور، أو بمحذوف أي: فعلوا ذلك ليوفيهم، ~~وعلى الوجهين الأولين يجوز أن تكون لام العاقبة. والثاني: أن الخبر إنه ~~غفور شكور جوز هذا الزمخشري على حذف العائد أي: غفور لهم وعلى هذا فيرجون ~~حال من أنفقوا أي: أنفقوا ذلك راجين. # ولما بين تعالى الأصل الأول وهو وجود الله تعالى الواحد بالدلائل في قوله ~~تعالى {الله الذي يرسل الرياح} وقوله تعالى {والله خلقكم} وقوله تعالى {ألم ~~تر أن الله أنزل من السماء ماء} ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله تعالى: # {والذي أوحينا} أي: بما لنا من العظمة {إليك من الكتاب} أي: الجامع خيري ~~الدارين. # تنبيه: «من ms2748 الكتاب» يجوز أن تكون من للبيان كما يقال: أرسل إلى فلان من ~~الثياب جملة، وأن تكون للجنس، وأن تكون لابتداء الغاية كما يقال: جاءني ~~كتاب من الأمير، وعلى كل فالكتاب يمكن أن يراد به اللوح # PageV03P326 # المحفوظ يعني: الذي أوحينا من اللوح المحفوظ {هو الحق} أي: الكامل في ~~الثبات ومطابقة الواقع، ويمكن أن يراد به القرآن وهو ما اقتصر عليه الجلال ~~المحلي يعني: الإرشاد والتبيين اللذين أوحينا إليك من القرآن، ويمكن أن ~~تكون من للتبعيض وهو فصل أو مبتدأ وقوله تعالى {مصدقا لما بين يديه} أي: ~~لما تقدمه من الكتب حال مؤكدة؛ لأن الحق لا ينفك عن هذا التصديق وهذا تقرير ~~لكونه وحيا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يكن قارئا كاتبا وأتى ~~ببيان ما في كتاب الله لا يكون ذلك إلا بوحي من الله تعالى، فإن قيل: لم ~~يجعل ما تقدم مصدقا للقرآن؟ أجيب: بأن القرآن كونه معجزة يكفي تصديقه بأنه ~~وحي وأما ما تقدم فلا بد فيه من معجزة تصدقه. # تنبيه: قوله تعالى {هو الحق} آكد من قول القائل الذي أوحينا إليك حق من ~~وجهين: أحدهما: أن التعريف للخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور؛ لأن ~~الخبر في الأكثر يكون نكرة. الثاني: أن الإخبار في الغالب يكون إعلاما ~~بثبوت أمر لا يعرفه السامع كقولنا: زيد قام فإن السامع ينبغي أن يكون عارفا ~~ولا يعلم قيامه فيخبر به، فإذا كان الخبر معلوما فتكون الأخبار للنسبة ~~فتعرف باللام كقولنا: إن زيدا العالم في هذه المدينة إذا كان علمه مشهورا. # {إن الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال {بعباده لخبير} أي: عالم أدق ~~العلم وأتقنه ببواطن أحوالهم {بصير} أي: بظواهر أمورهم وبواطنها أي: فهو ~~يسكن الخشية والعلم في القلوب على قدر ما أوتوا من الكتاب في علمه، فأنت ~~أحقهم بالكمال؛ لأنك أخشاهم وأتقاهم فلذلك آتيناك هذا الكتاب المعجز الذي ~~هو عيار على سائر الكتب، وتقديم الخبير للدلالة على أن العمدة في ذلك ~~الأمور الروحانية وقوله تعالى: # {ثم أورثنا الكتاب} ms2749 في معناه وجهان: أحدهما: إنا أوحينا إليك القرآن ثم ~~أورثناه من بعدك أي: حكمنا بتوريثه أو قال تعالى {أورثنا} وهو يريد نورثه ~~فعبر عنه بالماضي لتحققه وقال مجاهد: أورثنا أعطينا؛ لأن الميراث إعطاء ~~واقتصر على هذا الجلال المحلي، وقيل: أورثنا أخرنا ومنه الميراث؛ لأنه تأخر ~~عن الميت ومعناه: أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهلناكم له. # تنبيه: أكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب القرآن، وقيل: إن المراد جنس ~~الكتاب {الذين اصطفينا} أي: اخترنا {من عبادنا} قال ابن عباس رضي الله عنه: ~~يريد بالعباد أمة محمد صلى الله عليه وسلم أي: من الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة، ونقل ابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله ~~عنه أن الله تعالى أورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم كل كتاب أنزله أي: لأن ~~الله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على ~~الناس، وخصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله تعالى، وحمل الكتاب الذي هو ~~أفضل كتب الله تعالى، ثم قسمهم بقوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه} أي: في ~~التقصير بالعمل به {ومنهم مقتصد} أي: يعمل به في أغلب الأوقات {ومنهم سابق ~~بالخيرات} وهو من يضم إلى العمل به التعليم والإرشاد إلى العمل. # روى أسامة بن زيد في هذه الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«كلهم من هذه الأمة» . وروى أبو عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قرأ على المنبر {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية # PageV03P327 # فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج ~~وظالمنا مغفور له» وروى أبو الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قرأ هذه الآية {ثم أورثنا الكتاب} الآية (فاطر: 34) # قال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب ~~حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل ~~الجنة، ثم قرأ قوله تعالى {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} الآية. # وقال عقبة بن صهبان: ms2750 سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل {ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية فقالت: يا بني كلهم في الجنة ~~أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من ~~أصحابه حتى لحق بهم، وأما الظالم فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا، وقال ~~مجاهد والحسن: فمنهم ظالم لنفسه هم أصحاب المشأمة، ومنهم مقتصد هم أصحاب ~~الميمنة، ومنهم سابق بالخيرات السابقون المقربون من الناس كلهم. # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: السابق المؤمن المخلص، والمقتصد المرائي ~~والظالم الكافر نعمة الله تعالى غير الجاحد لها؛ لأنه تعالى حكم للثلاثة ~~بدخول الجنة. # وقيل: الظالم هو الراجح السيئات، والمقتصد هو الذي تساوت سيئاته وحسناته، ~~والسابق هو الذي رجحت حسناته، وقيل: الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه، ~~والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه، والسابق من باطنه خير من ظاهره، وقيل: ~~الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه، والمقتصد: هو الموحد الذي ~~يمنع جوارحه من المخالفة بالتكليف، والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد ~~غير التوحيد. # وقيل: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم، ~~وقيل: الظالم التالي للقرآن غير العالم به والعامل به، والمقتصد التالي ~~العالم غير العامل، والسابق التالي العالم العامل، وقيل: الظالم الجاهل، ~~والمقتصد المتعلم، والسابق العالم. # وقال جعفر الصادق: بدأ بالظالم إخبارا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه وإن ~~الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمقتصد؛ لأنه بين الخوف والرجاء، ثم ~~ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة، وقال أبو بكر الوراق: ~~رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس؛ لأن أحوال العبد ثلاثة: معصية وغفلة، ~~ثم توبة، ثم قربة، فإذا عصى دخل في حياز الظالمين، فإذا تاب دخل في جملة ~~المقتصدين، فإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد السابقين، ~~وقيل غير ذلك والله أعلم. # ولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات ولا يوجد بالكسب ms2751 ~~والاجتهاد أشار إلى عظمته بقوله تعالى: {بإذن الله} أي: بتمكين من له ~~القدرة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الجمال والجلال ~~والكمال وتسهيله وتيسيره، لئلا يأمن أحد مكره تعالى، قال الرازي في ~~«اللوامع» : ثم من السابقين من يبلغ محل القرب فيستغرق في وحدانيته تعالى ~~{ذلك} أي: إيراثهم الكتاب أو السبق أو الاصطفاء {هو الفضل الكبير} . # ولما ذكر الله سبحانه وتعالى أحوالهم بين جزاءهم ومالهم بقوله تعالى ~~مستأنفا جوابا لمن سأل عن ذلك: # {جنات عدن} أي: إقامة بلا رحيل؛ لأنه لا سبب للترحيل عنها وقوله تعالى ~~{يدخلونها} أي: الثلاثة أصناف، خبر جنات عدن ومن دخلها لم يخرج منها؛ لأنه ~~لا شيء يخرجه ولا هو يريد # PageV03P328 # الخروج منها، وقرأ أبو عمرو بضم الياء وفتح الخاء، والباقون بفتح الياء ~~وضم الخاء. # ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال تعالى ~~{يحلون فيها} أي: يلبسون على سبيل التزين والتحلي {من أساور} أي: بعض أساور ~~{من ذهب} فمن الأولى للتبعيض، والثانية للتبيين وقوله تعالى {ولؤلؤ} عطف ~~على ذهب أي: من ذهب مرصع باللؤلؤ، أو من ذهب في صفاء اللؤلؤ، وقرأ عاصم ~~ونافع بالنصب عطفا على محل من أساور، والباقون بالجر. # تنبيه: أساور جمع أسورة وهي جمع سوار، وذكر الأساور من بين سائر الحلي في ~~مواضع كثيرة كقوله تعالى {وحلوا أساور من فضة} (الإنسان: 21) # يدل على كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال؛ لأن كثرة الأعمال باليد فإذا ~~حليت بالأساور على الفراغ من الأعمال، ولما كانت هذه الزينة لا تليق إلا ~~على اللباس الفاخر قال تعالى {ولباسهم فيها حرير} . # {وقالوا} أي: ويقولون عند دخولهم، وعبر عنه بالماضي تحقيقا له {الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حزن النار، وقال ~~قتادة: حزن الموت وقال مقاتل: لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع بهم، وقال ~~عكرمة: حزن السيئات والذنوب وخوف رد الطاعات، وقال القاسم: حزن زوال النعم ~~وخوف العاقبة، وقيل: حزن أهوال القيامة، وقال الكلبي: ما كان ms2752 يحزنهم في ~~الدنيا من أمر يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: الحزن في الدنيا، وقيل: هم ~~المعيشة، وقال الزجاج: أذهب الله تعالى عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان ~~منها لمعاش أو معاد أي: وهذا أولى الكل قال عليه الصلاة والسلام: «ليس على ~~أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا ~~الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» . # ثم قالوا {إن ربنا} أي: المحسن إلينا مع إساءتنا {لغفور} أي: محاء للذنوب ~~عينا وأثرا للصنفين الأولين ولغيرهما من المذنبين {شكور} للصنف الثالث ~~ولغيره من المطيعين. # تنبيه: ذكر الله تعالى عن هذه الثلاثة ثلاثة أمور كلها تفيد الكرامة، ~~الأول: قولهم {الحمد لله} فإن الحامد يثاب. الثاني: قولهم {ربنا} فإن الله ~~تعالى إذا نودي بهذا اللفظ استجاب للمنادي ما لم يكن يطلب ما لا يجوز. ~~الثالث: قولهم {غفور شكور} والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بحمدهم ~~في الدنيا، والشكور إشارة إلى ما يعطيهم الله ويزيدهم بسبب حمدهم في ~~الآخرة. وقولهم: # {الذي أحلنا دار المقامة} أي: الإقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها ~~المكلف ويرتحل منها إلى منزلة القبور، ومن القبور إلى منزلة العرصة التي ~~فيها الجمع ومنها التفريق إلى دار البقاء، إما إلى الجنة، وإما إلى النار ~~أجارنا الله تعالى ومحبينا منها. وقولهم {من فضله} أي: بلا عمل منا فإن ~~حسناتنا إنما كانت منا منه تعالى إذ لا واجب عليه، متعلق بأحلنا، ومن إما ~~للعلة، وإما لابتداء الغاية. # وقولهم {لا يمسنا فيها} أي: في وقت من الأوقات {نصب ولا يمسنا فيها لغوب} ~~حال من مفعول أحلنا الأول أو الثاني، لأن الجملة مشتملة على ضمير كل منهما، ~~وإن كان الحال من الأول أظهر، والنصب التعب والمشقة، واللغوب الفتور الناشئ ~~عنه، وعلى هذا فيقال: إذا انتفى السبب انتفى المسبب، فإذا قيل: لم آكل ~~فيعلم التغاء الشبع فلا حاجة إلى قوله ثانيا فلم أشبع بخلاف العكس، ألا ترى ~~أنه يجوز لم ms2753 أشبع ولم آكل والآية # PageV03P329 # الكريمة على ما تقرر من نفي السبب ثم نفي المسبب فما فائدته؟ أجيب: بأن ~~النصب هو تعب البدن واللغوب هو تعب النفس، وقيل: اللغوب الوجع وحينئذ ~~فالسؤال زائل، وأجاب الرازي بجواب قال ابن عادل: ليس بذاك فتركته. # ولما بين تعالى ما هم فيه من النعمة في دار السرور التي قال فيها القائل: # *علياء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء* # بين ما لأعدائهم من النقمة زيادة في سرورهم بما قاسوا في الدنيا من ~~تكبرهم عليهم وفخارهم بقوله تعالى: # {والذين كفروا} أي: ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار ~~الدلالات {لهم نار جهنم} أي: بما تجهموا أولياء الله الدعاة إليه {لا يقضي} ~~أي: يحكم {عليهم} أي: بموت ثان {فيموتوا} أي: فيتسبب عن القضاء موتهم ~~فيستريحوا كقوله تعالى {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك} (الزخرف: 77) # أي: بالموت فنستريح بل العذاب دائم. # تنبيه: نصب فيموتوا بإضمار أن. # ولما كانت الشدائد في الدنيا تنفرج وإن طال أمدها قال تعالى: {ولا يخفف ~~عنهم} وأعرق في النفي بقوله تعالى: {من عذابها} أي: جهنم. # تنبيه: في الآية الأولى أن العذاب في الدنيا إن دام قتل وإن لم يقتل ~~يعتاده البدن ويصير مزاجا فاسدا لا يحس به المعذب فقال: عذاب نار الآخرة ~~ليس كعذاب الدنيا إما أن يفنى وإما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان شديد ~~والمعذب فيه دائم. # الثانية: وصف العذاب بأنه لا يفتر ولا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت ~~حتى يتمنوه ولا يجابون كما قال تعالى {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك} ~~(الزخرف: 77) # أي: بالموت. # الثالثة، ذكر في المعذبين الأشقياء أنه لا ينقضي عذابهم ولم يقل تعالى: ~~نزيدهم عذابا وفي المثابين قال تعالى {ويزيدهم من فضله} (النور: 38) # وقوله تعالى {كذلك} إما مرفوع المحل أي: الأمر كذلك وإما منصوبه أي: مثل ~~ذلك الجزاء العظيم {نجزي كل كفور} أي: كافر بالله تعالى وبرسوله، وقرأ أبو ~~عمرو بياء مضمومة وفتح الزاي ورفع كل، والباقون بنون مفتوحة وكسر الزاي ms2754 ~~ونصب كل. # {وهم} أي: فعل ذلك بهم والحال أنهم {يصطرخون فيها} أي: يوجدون الصراخ ~~فيها بغاية ما يقدرون عليه من الجهد في الصياح من البكاء والتوجع يقولون ~~{ربنا} أي: أيها المحسن إلينا {أخرجنا} أي: من النار {نعمل صالحا} ثم فسروه ~~وبينوه بقولهم {غير الذي كنا نعمل} في الدنيا، فإن قيل: هلا اكتفى بقولهم ~~{نعمل صالحا} كما اكتفى به في قولهم {فأرجعنا نعمل صالحا} (السجدة: 12) # وما فائدة زيادة {غير الذي كنا نعمل} على أنه يوهم أنهم يعملون صالحا آخر ~~غير الصالح الذي عملوه؟ أجيب: بأن فائدته زيادة التحسر على ما عملوه من غير ~~الصالح مع الاعتراف به وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وظهور ~~المعاصي، ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال تعالى {وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا} (الكهف: 104) # فقالوا: أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نحسبه صالحا فنعمله، فيقال لهم ~~توبيخا وتقريعا: {أو لم نعمركم} أي: نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم ~~نعاجلكم بالأخذ. # {ما} أي: زمانا {يتذكر فيه من تذكر} قال عطاء وقتادة # PageV03P330 # والكلبي: ثماني عشرة سنة وقال الحسن: أربعون سنة وقال ابن عباس: ستون ~~سنة، وروي ذلك عن علي، وروى البزار أنه صلى الله عليه وسلم قال: «العمر ~~الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة» وروى البخاري أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر» وروى ~~الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» وأقلهم من يجوز ذلك. # وقوله تعالى: {وجاءكم النذير} عطف على {أو لم نعمركم} لأنه في معنى قد ~~عمرناكم كقوله {ألم نربك} (الشعراء: 18) # ثم قال {ولبثت} وقال تعالى {ألم نشرح لك صدرك} (الشرح: 1) # ثم قال تعالى {ووضعنا عنك وزرك} (الشرح: 2) # إذ هما في معنى ربيناك وشرحنا، واختلف في النذير فقال الأكثرون: هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقيل: القرآن، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع: هو ms2755 ~~الشيب، والمعنى: أو لم نعمركم حتى شبتم ويقال: الشيب نذير الموت، وفي الأثر ~~ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها: استعدي فقد قرب الموت. # ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال تعالى: {فذوقوا} أي: ما أعددناه ~~لكم من العذاب دائما أبدا {فما للظالمين} أي: الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم ~~في غير موضعها {من نصير} أي: في وقت الحاجة حتى يرفع العذاب عنهم قال ~~البقاعي وهذا عام في كل ظالم. # ولما كان تعالى عالما بكل ما نفى وما أثبت قال تعالى: # {إن الله} أي: الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما {عالم غيب السموات والأرض} ~~لا تخفى عليه خافية فلا يخفى عليه تعالى أحوالهم وقوله تعالى {إنه عليم ~~بذات الصدور} تعليل له؛ لأنه إذا علم مضمرات الصدور قبل أن يعلمها أربابها ~~حتى تكون غيبا محضا كان أعلم بغيره، ويعلم أنكم لو مدت أعماركم لم ترجعوا ~~عن الكفر أبدا ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه وإنه لا مطمع في صلاحكم. # ولما كان من أنشأ شيئا كان أعلم به قال تعالى: # {هو} أي: وحده لا شركاؤكم ولا غيرهم {الذي جعلكم} أيها الناس {خلائف في ~~الأرض} أي: يخلف بعضكم بعضا، وقيل: جعلكم أمة واحدة خلفت من قبلها ورأت ~~فيمن قبلها ما ينبغي أن يعتبر به، وقال القشيري: أهل كل عصر خليفة عمن ~~تقدمهم فمن قوم هم لسلفهم جمال ومن قوم هم أرذال وأسافل. # تنبيه: خلائف جمع خليفة وهو الذي يقوم بعد الإنسان بما كان قائما به ~~والخلفاء: جمع خليفة قاله الأصبهاني {فمن كفر فعليه كفره} أي: وبال كفره ~~{ولا} أي: والحال أنه لا {يزيد الكافرين} أي: المغطين للحق {كفرهم} أي: ~~الذي هم ملتبسون به ظانون أنه يسعدهم وهم راسخون فيه غير منتقلين عنه {عند ~~ربهم} أي: المحسن إليهم {إلا مقتا} أي: غضبا؛ لأن الكافر السابق كان ممقوتا ~~{ولا يزيد الكافرين} أي: العريقين في صفة التغطية للحق {كفرهم إلا خسارا} ~~أي: للآخرة؛ لأن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله تعالى ربح، ومن اشترى ms2756 ~~به سخط الله تعالى خسر.) # ولما بين أنه سبحانه هو الذي استخلفهم أكد بيان ذلك عندهم بأمره صلى الله ~~عليه وسلم بما يضطرهم إلى الاعتراف بقوله تعالى: # {قل} أي: لهم {أرأيتم} أي: أخبروني {شركاءكم} أضافهم إليهم؛ لأنهم وإن ~~كانوا جعلوهم شركاءه لم ينالوا شيئا من شركته؛ لأنهم ما نقصوه شيئا من ملكه ~~وإنما شاركوا العابدين في أموالهم بالسوائب # PageV03P331 # وغيرها وفي أعمالهم فهم شركاؤهم بالحقيقة لا شركاؤه، ثم بين المراد من ~~عدهم لهم شركاء بقوله تعالى: {الذين تدعون} أي: تعبدون {من دون الله} أي: ~~غيره وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء الله تعالى {أروني} أي: أخبروني ~~{ماذا} أي: الذي أو أي شيء {خلقوا من الأرض} أي: لتصح لكم دعوى الشركة فيهم ~~وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم كذب محض وإنكم تدعون أنكم أبعد الناس منه في الأمور ~~الهينة فكيف بمثل هذا {أم لهم شرك} أي: شركة مع الله تعالى وإن قلت {في ~~السموات} أي: أروني ماذا خلقوا لكم من السموات فالآية من الاحتباك حذف أولا ~~الاستفهام عن الشركة في الأرض لدلالة مثله في السماء ثانيا عليه، وحذف ~~الأمر بالإراءة ثانيا له لدلالة مثله أولا عليه. # {أم آتيناهم كتابا} ينطق على أنا اتخذنا شركاء {فهم} الأحسن في هذا ~~الضمير أن يعود على الشركاء لتناسق الضمائر، وقيل: يعود على المشركين قاله ~~مقاتل فيكون التفاتا من خطاب إلى غيبة {على بينة} أي: حجة {منه} بأن لهم ~~معي شركة، ولما كان التقدير لا شيء لهم من ذلك قال تعالى منبها على ذميم ~~أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم {بل إن} أي: ما {يعد ~~الظالمون} أي: الواضعون الأشياء في غير موضعها {بعضهم بعضا} أي: الاتباع ~~للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله تعالى زلفى، وأنها تشفع وتضر وتنفع ~~{إلا غرورا} أي: باطلا. # ولما بين تعالى حقارة الأصنام بين عظمته سبحانه بقوله تعالى: # {إن الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال {يمسك السموات} أي: على كبرها ~~وعلوها {والأرض} أي: على سعتها وبعدها عن التماسك على ما تشاهدون، وقوله ~~تعالى ms2757 {أن تزولا} أي: برجة عظيمة وزلزلة كبيرة يجوز أن يكون مفعولا من أجله ~~أي: كراهة أن تزولا، وقيل: لئلا تزولا، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا على ~~إسقاط الخافض أي: يمنعهما من أن تزولا، ويجوز أن يكون بدل اشتمال أي: يمنع ~~زوالهما؛ لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير القياس لولا شامخ قدرته ~~وباهر عزته وعظمته، فإن ادعيتم عنادا أن شركاءكم لا يقدرون على الخلق لعلة ~~من العلل فادعوهم لإزالة ما خلق الله تعالى. # ولما كان في هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان أتبعه ما هو أبين منه ~~بقوله تعالى: معبرا بأداة الإمكان {ولئن} لام قسم {زالتا} أي: بزلزلة خراب ~~أو غير ذلك {إن} أي: ما {أمسكهما من أحد من بعده} جواب القسم الموطأ له ~~بلام القسم وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم، ولذلك كان فعل الشرط ~~ماضيا، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: والجملة سدت مسد الجوابين فيه تجوز، ~~فالمراد بسدهما مسدهما أنها تدل عليهما لا أنها قائمة مقامهما إذ يلزم أن ~~تكون معمولة وغير معمولة؛ لأنها باعتبار جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ~~وباعتبار جواب الشرط لها محل، ومن في {من أحد} مزيدة لتأكيد الاستغراق وفي ~~{من بعده} لابتداء الغاية، والمعنى: أحد سواه أو من بعد الزوال {إنه كان} ~~أي: أزلا وأبدا {حليما} إذ أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا كما قال ~~تعالى {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} (مريم: 90) # لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز الفرصة {غفورا} أي: محاء لذنوب ~~من رجع إليه وأقبل # PageV03P332 # بالاعتراف عليه فلا يعاقبه ولا يعاتبه. # ولما بلغ كفار مكة أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود ~~والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم: # {وأقسموا} أي: كفار مكة {بالله} أي: الذي لا يقسم بغيره {جهد أيمانهم} ~~أي: غاية اجتهادهم فيها {لئن جاءهم نذير} أي: رسول {ليكونن أهدى من إحدى ~~الأمم} أي: اليهود والنصارى وغيرهم أي: آية واحدة منها لما رأوا من تكذيب ~~بعضها بعضا {إذ قالت اليهود ليست النصارى ms2758 على شيء وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء} (البقرة: 113) # {فلما جاءهم نذير} أي: على ما شرطوا وزيادة وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي كانوا يشهدون أنه خيرهم نفسا وأشرفهم نسبا وأكرمهم خلقا {ما زادهم} ~~أي: مجيئه شيئا مما هم عليه من الأحوال {إلا نفورا} أي: تباعدا عن الهدى؛ ~~لأنه كان سببا في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن ~~الطريق فدعاها فازدادت بسبب دعائه نفرة فصارت بحيث يتعذر أو يتعسر ردها، ~~فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس ولا صدق عندهم مع جزمهم ~~بأنهم أصدق الخلق، ثم علل نفورهم بقوله تعالى: # {استكبارا} أي: طلبا لإيجاد الكبر لأنفسهم {في الأرض} أي: التي من شأنها ~~السفول والتواضع والخمول فلم يكن نفورهم لأمر محمود ولا مباح، ويجوز أن ~~يكون استكبارا بدلا من نفورا وأن يكون حالا أي: حال كونهم مستكبرين قاله ~~الأخفش. # وقوله تعالى {ومكر السيء} فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطف على استكبارا، ~~والثاني: أنه عطف على نفورا وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته في الأصل إذ ~~الأصل والمكر السيء، والبصريون يؤولونه على حذف موصوف أي: العمل السيء أي: ~~الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره وهو إرادتهم لإهانة أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإطفاء نور الله عز وجل، وقال الكلبي: هو اجتماعهم على الشرك ~~وقتل النبي صلى الله عليه وسلم # وقرأ حمزة في الوصل بهمزة ساكنة أي: بنية الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر ~~واتقانه وإخفائه جهدهم، والباقون بهمزة مكسورة، وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ~~ياء وأدغم الياء الأولى في الياء الثانية، ووقف الباقون بهمزة ساكنة {ولا} ~~أي: والحال أنه لا {يحيق} أي: يحيط إحاطة لازمة خسارة {المكر السيء} أي: ~~الذي هو عريق في السوء {إلا بأهله} أي: وإن أذى غير أهله لكنه لا يحيط بذلك ~~الغير، فإن قيل: كثيرا ما نرى الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر ~~والآية تدل على عدم ذلك، أجيب: بأجوبة: أحدها: أن المكر في الآية هو المكر ~~الذي ms2759 مكروه مع النبي صلى الله عليه وسلم من العزم على القتل والإخراج ولم ~~يحق إلا بهم حيث قتلوا يوم بدر وغيره. # ثانيها: أنه عام وهو الأصح، ويدل له قول الزهري: بلغنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله تعالى يقول: وقرأ هذه ~~الآية، ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا يقول الله تعالى {إنما بغيكم على ~~أنفسكم} (يونس: 23) # ولا تنكثوا ولا تعينوا ناكثا قال الله تعالى {فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه} (الفتح: 10) # ثالثها: أن الأعمال بعواقبها ومن مكر بغيره ونفذ فيه المكر عاجلا في ~~الظاهر فهو في الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك كمثل راحة الكافر ومشقة ~~المسلم في الدنيا ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى {فهل ينظرون} أي: ينتظرون ~~{إلا سنت الأولين} أي: سنة الله تعالى فيهم من تعذيبهم # PageV03P333 # بتكذيبهم رسلهم، والمعنى: فهل ينتظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل ~~بمن مضى من الكفار. # ولما كان هذا النظر يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس عدل عن ضميرهم ~~إلى خطاب أعلى الخلق بقوله تعالى: # {فلن تجد} أي: في وقت من الأوقات {لسنت الله} أي: طريقة الملك الأعظم ~~التي شرعها وحكم بها وهي إهلاك العاصين وإنجاء الطائعين {تبديلا} أي: من ~~أحد يأتي بسنة غيرها تكون بدلا لها؛ لأنه تعالى لا مكافئ له {ولن تجد لسنت ~~الله} أي: الذي لا أمر لأحد معه {تحويلا} أي: من حالة إلى أخف منها؛ لأنه ~~لا مرد لقضائه. # فائدة: ترسم سنت لسنت الثلاثة بالتاء المجرورة كما رأيت، ووقف أبو عمرو ~~وابن كثير والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء ~~على أصله. # ولما ذكر الله تعالى الأولين وسنتهم في إهلاكهم نبههم بتذكير حال الأولين ~~بقوله تعالى: # {أولم يسيروا} أي: فيما مضى من الزمان {في الأرض} أي: التي ضربوا في ~~المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق {فينظروا} أي: فيتسبب عن ذلك ~~السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوما من الأيام، فإن العاقل من إذا رأى ~~شيئا تفكر ms2760 فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عليه ما جرى من مقاله، ~~وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله فاستحق السؤال ~~عن حاله {كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر {الذين من قبلهم} أي: على أي حالة كان ~~آخر أمرهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل عليهم السلام فيخافوا أن ~~يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم فإنهم كانوا يمرون على ديارهم ويرون ~~آثارهم، وأملهم كان فوق أملهم وعملهم كان دون عملهم، وكانوا أطول منهم ~~أعمارا وأشد اقتدارا ومع هذا لم يكذبوا مثل محمد صلى الله عليه وسلم # وأنتم يا أهل مكة كفرتم بمحمد ومن قبله عليهم السلام {وكانوا} أي: ~~أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا، والحال أنهم كانوا {أشد منهم} أي: من هؤلاء {قوة ~~وما كان الله} أي: الذي له جميع العظمة وأكد الاستغراق في النفي بقوله ~~تعالى: {ليعجزه} أي: مريدا لأن يعجزه، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى ~~العجز بطريق الأولى، وأبلغ في التأكيد بقوله تعالى: {من شيء} أي: قل أو جل ~~وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله تعالى: {في السموات} أي: جهة العلو، وأكد ~~بقوله عز وجل {ولا في الأرض} أي: جهة السفل {أنه كان} أي: أزلا وأبدا ~~{عليما} أي: بالأشياء كلها حقيرها وجليلها {قديرا} أي: كامل القدرة أي: فلا ~~يريد شيئا إلا كان ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء، كقولهم: {اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} ~~(الأنفال: 32) # على أن التقدير ولو عاملكم الله تعالى معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم عطف ~~عليه قوله تعالى إظهارا للحكم مع العلم # {ولو يؤاخذ الله} أي: بما له من صفات العلو {الناس} أي: المكلفين {بما ~~كسبوا} أي: من المعاصي {ما ترك على ظهرها} أي: الأرض {من دابة} أي: نسمة ~~تدب عليها كما كان في زمن نوح عليه السلام أهلك الله تعالى ما على ظهر ~~الأرض إلا من كان في السفينة مع نوح. # فإن قيل: إذا كان الله تعالى يؤاخذ ms2761 الناس بما كسبوا فما بال الدواب؟ ~~أجيب: بأن المطر إنعام من الله في حق العباد، وإذا لم يستحقوا الإنعام قطعت ~~الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فيموت # PageV03P334 # جميع الحيوانات، وبأن خلقة الحيوانات نعمة والمعاصي تزيل النعم وتحل ~~النقم والدواب أقرب النعم؛ لأن المفرد أولا ثم المركب، والمركب إما أن يكون ~~معدنا وإما أن يكون ناميا، والنامي إما أن يكون حيوانا أو نباتا، والحيوان ~~إما إنسان أو غير إنسان فالدواب أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر ~~للإنسان. # فإن قيل: كيف يقال لما علته الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض مع أن ~~الظهر مقابله الوجه فهو كالمتضاد؟ أجيب: بأن الأرض كالدابة الحاملة للأثقال ~~والحمل يكون على الظهر، وأما وجه الأرض فلأن الظاهر من باب والبطن والباطن ~~من باب فوجه الأرض ظهر؛ لأنه هو الظاهر وغيره منها باطن وبطن. # {ولكن} لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش بل يحلم عنهم فهو {يؤخرهم} أي: ~~في الحياة الدنيا ثم في البرزخ {إلى أجل مسمى} أي: سماه في الأزل لانقضاء ~~أعمارهم ثم يبعثهم من قبورهم وهو تعالى لا يبدل القول لديه لما له من صفات ~~الكمال {فإذا جاء أجلهم} أي: الفناء الإعدامي قبض كل واحد منهم عند أجله، ~~أو الإيجاد الإبقائي بعث كلا منهم فجازاه بعمله {فإن الله} أي: الذي له ~~الصفات العليا {كان} ولم يزل {بعباده} الذين أوجدهم ولا شريك له في إيجاد ~~واحد منهم بجميع ذواتهم وأحوالهم {بصيرا} أي: بالغ البصر والعلم بمن يستحق ~~العذاب ومن يستحق الثواب، قال ابن عباس: يريد أهل طاعته وأهل معصيته، وما ~~رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة ~~الملائكة دعته يوم القيامة ثمانية أبواب الجنة أن ادخل من أي الأبواب شئت» ~~حديث موضوع. ### | سورة يس # مكية وهي ثلاث وثمانون آية، وسبعمائة وتسعةوعشرون كلمة، وثلاثة آلاف حرف # وتسمى أيضا: القلب والدافعة والقاضية والمعممة تعم صاحبها بخير الدارين، ~~وتدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة، والبيضاوي ذكر هذه التسمية عن النبي ~~صلى ms2762 الله عليه وسلم قال شيخنا القاضي زكريا: لم أره ولكن المثبت مقدم على ~~النافي. # {بسم الله} أي: الذي جل ملكه على أن يحاط بمقدراه {الرحمن} الذي جعل ~~إنذار يوم الجمع رحمة عامة {الرحيم} الذي أنار قلوب أوليائه بالاجتهاد ليوم ~~لقائه وقوله تعالى: # {يس} ك[ألم] في المعنى والإعراب # وقال ابن عباس: يس قسم، وروي عن شعبة أن معناه يا إنسان بلغة طيء على أن ~~أصله يا أنيسين فاقتصر على شطره لكثرة النداء به كما قيل: م الله في أيمن ~~الله، وقال أكثر المفسرين: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وسعيد ~~بن جبير وجماعة وقال أبو العالية: يا رجل وقال أبو بكر الوراق: يا سيد ~~البشر. # قال ابن عادل في ذكر هذه الحروف أوائل السور: أمور تدل على أنها غير ~~خالية من الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها والذي يدل على أنها فيها ~~حكمة هو أن الله عز وجل ذكر من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفا نصف ثمانية ~~وعشرين حرفا هي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا: الهمزة ألف ~~متحركة، ثم إن الله تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى ~~الذال، والتسعة الأخيرة من الفاء إلى الياء وعشرة في الوسط من الراء إلى ~~الغين، وذكر من القسم الأول حرفين # PageV03P335 # الألف والحاء، وترك سبعة وترك من القسم الأخير حرفين هما الألف واللام، ~~وذكر سبعة ولم يترك من القسم الأول من حروف الحلق والصدر إلا واحدا لم ~~يذكره وهو الخاء، ولم يذكر من القسم الأخير من حروف الشفة إلا واحدا لم ~~يتركه وهو الميم والعشر الأوسط ذكر منه حرفا وترك حرفا فترك الزاي وذكر ~~الراء، وذكر السين وترك الشين وذكر الصاد وترك الضاد وذكر الطاء وترك الظاء ~~وذكر العين وترك الغين، وليس لها أمر يقع اتفاقا بل هو ترتيب مقصود فهو ~~لحكمة لكنها غير معلومة. # وهب أن واحدا يدعى فيه شيئا فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف ~~كسورة ن وق وص، وبعضها بحرفين ms2763 كسورة حم ويس وطس وطه، وبعضها بثلاثة أحرف ~~كألم وطسم والر، وبعضها بأربعة أحرف كسورة المر والمص، وبعضها بخمسة أحرف ~~كسورة حم عسق وكهعيص. # وهب أن قائلا يقول: إن هذه إشارة بأن الكلام إما حرف وإما فعل وإما اسم، ~~والحرف كثيرا ما جاء على حرف كواو العطف وفاء التعقيب وهمزة الاستفهام وكاف ~~التشبيه وباء الإلصاق وغيرها، وجاء على حرفين كمن للتبعيض وأو للتخيير وأم ~~للاستفهام المتوسط وإن للشرط وغيرها، والفعل والاسم والحرف جاءت ثلاثة أحرف ~~كإلى وعلى في الحرف وإلى وعلى في الاسم وألا يألوا بالواو، وعلا يعلو في ~~الفعل والاسم، والفعل جاء على أربعة أحرف، والاسم خاصة جاء على ثلاثة أحرف ~~وأربعة وخمسة كعجل ومسجد وجردحل. # فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه ~~الوجوه فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد والبعض ~~بأكثر فلا يعلم ما السر إلا الله تعالى، ومن أعلمه الله تعالى به. # وإذا علم هذا فالعبادة منها قلبية ومنها لسانية ومنها جارحية، وكل واحد ~~منها قسمان: قسم عقل معناه وحقيقته، وقسم لم يعلم، أما القلبية مع أنها ~~أبعد عن الشك والجهل فمنها ما لم يعلم دليله عقلا، وإنما وجب الإيمان به ~~والاعتقاد سمعا كالصراط الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف ويمر عليه ~~المؤمن كالبرق الخاطف، والميزان الذي توزن به الأعمال التي لا ثقل لها في ~~نظر الناظر، وكيفية الجنة والنار، فإن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل ~~عقلي، وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم مقطوع به بالسمع، ومنها ~~ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله تعالى وصدق الرسل، وكذلك في العبادات ~~الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم كمقادير النصب وعدد الركعات. # والحكمة في ذلك أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما فيه من ~~الفائدة فلا يكون الإتيان إلا لمحض الفائدة بخلاف ما لم تعلم الفائدة، ~~فربما تأتي الفائدة وإن لم يؤمر كما لو قال السيد لعبده: انقل هذه الحجارة ms2764 ~~من ههنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها، ولو قال: انقلها فإن تحتها كنزا هو ~~لك فإنه ينقلها وإن لم يؤمر. # وإذا علم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية يجب أن يكون ما لم يفهم ~~معناه إذا تكلم به العبد علم أنه لا يعقل غير الانقياد لأمر المعبود الإلهي ~~فإذا قال: حم طس يس علم أنه لا يذكر ذلك لمعنى يفهمه بل يتلفظ به امتثالا ~~لما أمر به، انتهى كلام ابن عادل بحروفه وهو كلام دقيق، وقرأ يس بإمالة ~~الياء شعبة وحمزة والكسائي، والباقون بالفتح، وأظهر النون من يس عند واو. # {والقرآن} قالون وابن كثير وأبو عمرو وحفص وحمزة، # PageV03P336 # وأدغم الباقون، وهي واو القسم أو العطف إن جعل يس مقسما به، ثم وصف ~~القرآن بقوله تعالى: {الحكيم} أي: المحكم بعظيم النظم وبديع المعاني، وقوله ~~تعالى: # {إنك لمن المرسلين} أي: الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم فصاروا بما ~~وهبهم الله من القوة النورانية وبما تخلقوا به من أوامره ونواهيه كالملائكة ~~الذين تقدم ذكرهم في السورة الماضية إنهم رسله جواب القسم وهو رد على ~~الكفار حيث قالوا: لست مرسلا، فإن قيل: المطلب يثبت بالدليل لا بالقسم فما ~~الحكمة بالإقسام؟ أجيب: بأوجه: أولها: أن العرب كانوا يتقون الأيمان ~~الفاجرة، وكانوا يقولون إن الأيمان الفاجرة توجب خراب العالم، وصحح النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع» ثم إنهم ~~كانوا يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم يصيبه من آلهتهم وهي الكواكب ~~عذاب، والنبي صلى الله عليه وسلم يحلف بأمر الله وإنزال كلامه عليه بأشياء ~~مختلفة، وما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرفع شأنا وأمنع مكانا فكان ذلك ~~يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب. # ثانيها: أن المناظرين إذا وقع بينهما كلام وغلب أحدهما الآخر بتمشية ~~دليله وأسكته يقول المغلوب: إنك قررت هذا بقوة جدالك وأنت خبير في نفسك ~~بضعف مقالتك، وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه الدليل صورة وعجزت ~~أنا على القدح فيه، وهذا كثير الوقوع ms2765 بين المتناظرين فعند هذا لا يجوز أن ~~يأتي هو بدليل آخر؛ لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في ~~الأول فلا يجد أمرا إلا اليمين، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أقام ~~البراهين وقالت الكفرة {ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد أباؤكم} ~~(سبأ: 43) # {وقالوا ما هذا إلا أفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا ~~إلا سحر مبين} (سبأ: 43) # فالتمسك بالأيمان لعدم فائدة الدليل. # ثالثها: أن هذا ليس بمجرد الحلف بل دليل خرج في صورة اليمين؛ لأن القرآن ~~معجزة، ودليل كونه مرسلا هو المعجزة والقرآن كذلك، فإن قيل: لم لم يذكر في ~~صورة الدليل وما الحكمة في ذكر الدليل في صورة اليمين؟ أجيب: بأن الدليل ~~إذا ذكر في صورة اليمين، واليمين لا يقع ولاسيما من العظيم الأعلى أمر عظيم ~~والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه فلصورة اليمين يقبل عليه ~~السامع لكونه دليلا شافيا يسر به الفؤاد فيقع في السمع وفي القلب وقوله ~~تعالى: # {على صراط} أي: طريق واسع واضح {مستقيم} أي: هو التوحيد والاستقامة في ~~الأمر، يجوز أن يكون متعلقا بالمرسلين تقول: أرسلت عليه كذا قال تعالى ~~{وأرسل عليهم طيرا أبابيل} (الفيل: 3) # وأن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في {لمن المرسلين} ~~لوقوعه خبرا، وأن يكون حالا من المرسلين، وأن يكون خبرا ثانيا لإنك.H # وقرأ قنبل «سراط» بالسين عوضا عن الصاد، وخلف بالإشمام وهو بين الصاد ~~والزاي، والباقون بالصاد الخالصة. # ولما كان كأنه قيل: ما هذا الذي أرسل به؟ كان كأنه قيل جوابا: هو القرآن ~~الذي وقع الإقسام به وهو: # {تنزيل} أو حال كونه تنزيل {العزيز} أي: المتصف بجميع صفات الجلال ~~{الرحيم} أي: الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من يشاء من عباده ~~بعد الإنعام بإيجادهم فهو الواحد المنفرد في ملكه، وقرأ ابن عامر وحفص ~~وحمزة والكسائي تنزيل بالنصب # PageV03P337 # على الحال كما مر، أو بإضمار أعني، والباقون بالرفع على أنه خبر مبتدأ ~~مضمر كما مر. # ولما ذكر ms2766 تعالى المرسل وهو الله تعالى، والمرسل وهو النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمرسل به وهو القرآن ذكر المرسل لهم بقوله تعالى: # {لتنذر قوما} أي: ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة {ما أنذر} أي: لم تنذر أصلا ~~{آباؤهم} أي: لم ينذروا في زمن الفترة {فهم} أي: بسبب زمان الفترة {غافلون} ~~أي: عن الإيمان والرشد وقوله تعالى: # {لقد حق القول على أكثرهم} فيه وجوه: أشهرها: أن المراد بالقول هو قوله ~~تعالى: {لقد حق القول مني لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} ثانيها: ~~أن معناه لقد سبق في علمه تعالى أن هذا يؤمن وهذا لا يؤمن فحق القول أي: ~~وجب وثبت بحيث لا يبدل بغيره كما قال تعالى {ما يبدل القول لدى} (ق: 29) # ثالثها: المراد لقد حق القول الذي قاله الله تعالى على لسان الرسل من ~~التوحيد وغيره {فهم} أي: بسبب ذلك {لا يؤمنون} أي: بما يلقى إليهم من ~~الإنذار بل يزيدهم عمى استكبارا في الأرض ومكر السيء. # ونزل في أبي جهل وصاحبه: # {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} أي: بأن تضم إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع ~~اليد إلى العنق، وذلك أن أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلى ومعه حجر ليدمغه به فلما رفعه أثبتت ~~يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده إلى عنقه، فلما رجع إلى أصحابه وأخبرهم بما ~~رأى سقط الحجر فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي ~~ليرميه بالحجر فأعمى الله تعالى بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى ~~أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته ولقد سمعت ~~كلاما وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه ولو دنوت منه لأكلني، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # ووجه المناسبة لما تقدم أنه لما قال تعالى {لقد حق القول على أكثرهم} ~~وتقدم أن المراد به البرهان وقال بعد ذلك: بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من ~~الضرورة حيث التزقت يده بعنقه، ومنع من ms2767 إرسال الحجر وهو مضطر إلى الإيمان ~~ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلا، وقال أهل المعاني: هذا على طريق المثل ولم ~~يكن هناك غل، أراد منعناهم عن الإيمان بموانع، فجعل الأغلال مثلا لذلك فهو ~~تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات ~~والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أيديهم. # وقال الفراء: معناه حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى {ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} (الإسراء: 29) # معناه: ولا تمسكها عن النفقة، ومناسبة هذا لما تقدم أن قوله تعالى {فهم ~~لا يؤمنون} يدخل فيه أنهم لا يصلون لقوله تعالى {وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم} (البقرة: 143) # أي: صلاتكم عند بعض المفسرين والزكاة مناسبة للصلاة فكأنه قال: لا يصلون ~~ولا يزكون، واختلف في عود الضمير في قوله تعالى {فهي إلى الأذقان} على ~~وجهين: أشهرهما: أنه عائد على الأغلال؛ لأنها هي المحدث عنها، ومعنى هذا ~~الترتيب بالفاء أن الغل لغلظه وعرضه يصل إلى الذقن؛ لأنه يلبس العنق جميعه، ~~قال الزمخشري: والمعنى أنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ثقالا بحيث تبلغ إلى ~~الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه. # ثانيهما: أن الضمير يعود إلى الأيدي، وإليه ذهب الطبري وعليه جرى الجلال ~~المحلي؛ لأن الغل لا يكون إلا في العنق واليدين، ودل على الأيدي وإن لم ~~تذكر # PageV03P338 # الملازمة المفهومة من هذه الآلة أعني الغل. وقرأ قالون وأبو عمرو ~~والكسائي بسكون الهاء، والباقون بكسرها والأذقان جمع ذقن وهو مجمع اللحيين ~~{فهم مقمحون} أي: رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفتة إلى ~~الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطؤن رؤوسهم له، والإقماح رفع الرأس ~~إلى فوق كالإقناع وهو من قمح البعير رأسه إذا رفعها بعد الشرب إما لبرودة ~~الماء، وإما لكراهة طعمه. # ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر أمامه قال تعالى: # {وجعلنا} أي: بعظمتنا {من بين أيديهم} أي: الوجه الذي يمكنهم عمله {سدا} ~~فلا يسلكون طريق الاهتداء. # ولما كان الإنسان إذا انسدت عليه جهة مال إلى أخرى قال تعالى {ومن ms2768 خلفهم} ~~أي: الوجه الذي هو خفي عنهم {سدا} فلا يرجعون إلى الهداية فصارت كل جهة ~~يلتفتون إليها منسدة فصاروا لذلك لا يمكنهم النظر إلى الحق، ولا الخلوص ~~إليه، فلذلك قال تعالى {فأغشيناهم} أي: جعلنا على أبصارهم بما لنا من ~~العظمة غشاوة {فهم} أي: بسبب ذلك {لا يبصرون} أي: لا يتجدد لهم هذا الوصف ~~من إبصار الحق وما ينفعهم بصر ظاهر ولا بصيرة باطنة، وأيضا الإنسان مبدؤه ~~من الله تعالى ومصيره إليه فعمى الكافرين بأن لا يبصروا ما بين أيديهم من ~~المصير إلى الله تعالى، وما خلفهم من الدخول في الوجود بخلق الله تعالى كمن ~~أحاط بهم سد فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون ~~في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل، وأيضا فإن السالك ~~إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ~~ولكنه يرجع، فإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه والموضع الذي هو فيه لا ~~يكون موضع إقامته هلك. # فإن قيل: ذكر السد من بين الأيدي ومن الخلف ولم يذكره من اليمين والشمال ~~فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنهم إذا قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب ~~الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين ~~أيديهم، فيجعل الله تعالى السد هناك فيمنعه من السلوك فكيفما توجه الكافر ~~يجعل الله تعالى بين يديه سدا، وقرأ حمزة والكسائي وحفص سدا بفتح السين في ~~الموضعين وهو لغة فيه، والباقون بالضم. # ولما منعوا بذلك حس البصر أخبر عن حس السمع بقوله تعالى: # {وسواء عليهم} أي: مستو ومعتدل غاية الاعتدال {أأنذرتهم} أي: بما أخبرناك ~~به من الزواجر المانعة للكفر {أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ؛ لأنهم ممن علم ~~الله تعالى أنهم لا يؤمنون، وقد سبق أيضا في البقرة تفسيره والكلام على ~~الهمزتين، ثم بين الله تعالى الأقل الناجي؛ لأنه المقصود بالذات بقوله ~~تعالى: # {إنما تنذر} أي: إنذارا ينفع المنذر فتتأثر عنه النجاة {من اتبع الذكر} ~~أي: القرآن ms2769 بالتأمل فيه والعمل به {وخشي الرحمن} أي: خاف عقابه {بالغيب} ~~أي: قبل موته ومعاينة أهواله أو في سريرته ولا يغتر برحمته فإنه تعالى كما ~~هو رحمن رحيم منتقم جبار {فبشره} أي: بسبب خشيته بالغيب {بمغفرة} أي: ~~لذنوبه وإن عظمت وتكررت. # ولما حصل العلم بمحو الذنوب عينها وأثرها قال تعالى {وأجر كريم} أي: هو ~~الجنة فإنها دار لا كدر فيها بوجه، والمقصود منها هو النظر لوجهه الكريم، ~~اللهم متعنا ومحبينا بالنظر إلى وجهك الكريم. # PageV03P339 # ولما ذكر تعالى خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى بقوله ~~تعالى: # {إنا نحن} أي: بما لنا من العظمة التي لا تضاهى {نحيي الموتى} أي: كلهم ~~حسا بالبعث، ومعنى بالإنقاذ إذا أردنا من ظلمة الجهل {ونكتب} أي: جملة عند ~~نفخ الروح وشيئا فشيئا بعده فلا يتعدى التفصيل شيئا في ذلك الإجمال {ما ~~قدموا} أي: وأخروا من جميع أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم من صالح وغيره فاكتفى ~~بأحدهما لدلالة الآخر عليه كقوله تعالى {سرابيل تقيكم الحر} (النحل: 81) # أي: والبرد. # وقيل المعنى: ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة كقوله تعالى {بما ~~قدمت أيديهم} (الجمعة: 7) # أي: بما قدموا في الوجود وأوجدوه، وقيل: نكتب نياتهم فإنها قبل الأعمال ~~وقوله تعالى {وآثارهم} فيه وجوه: أحدها: وهو مبني على التفسير الأخير، وهو ~~كتب النيات المراد بالآثار: الأعمال. # ثانيها: ما سنوا من سنة حسنة وسيئة، فالحسنة كالكتب المصنفة والقناطر ~~المبنية، والسيئة كالظلامات المستمرة التي وضعتها الظلمة والكتب المضلة قال ~~صلى الله عليه وسلم «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها من بعده كان له ~~أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في ~~الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير ~~أن ينقص من أوزارهم شيئا» . # ثالثها: خطاهم إلى المساجد لما روى أبو سعيد الخدري قال: شكت بنو سلمة ~~بعد منازلهم عن المسجد فأنزل الله تعالى {ونكتب ما قدموا وآثارهم} فقال صلى ~~الله عليه وسلم «إن ms2770 الله يكتب خطواتكم ومشيكم ويثيبكم عليها» وقال صلى الله ~~عليه وسلم «أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم مشيا والذي ينتظر الصلاة حتى ~~يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام» ، فإن قيل: الكتابة قبل ~~الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال تعالى {نحيي الموتى ونكتب} ولم يقل نكتب ~~ما قدموا ونحييهم؟ أجيب: بأن الكتابة معظمة لأمر الإحياء؛ لأن الإحياء إن ~~لم يكن للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم يكن هناك إحياء ولا إعادة ~~لا يبقى لها أثر أصلا، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره ~~فلهذا قدم الإحياء؛ لأنه تعالى قال: {إنا نحن} وذلك يفيد العظمة والجبروت، ~~والإحياء العظيم يختص بالله تعالى والكتابة دونه تقرير التعريف الأمر ~~العظيم وذلك مما يعظم ذلك الأمر العظيم. # ولما كان ذلك الأمر ربما أوهم الاقتصاد على ما ذكر من أحوال الآدميين دفع ~~ذلك بقوله تعالى: {وكل شيء} من أمور الدنيا والآخرة {أحصيناه} أي: قبل ~~إيجاده بعلمنا القديم إحصاء وحفظا وكتبناه {في إمام} وهو اللوح المحفوظ ~~{مبين} أي: لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال والأقوال فهو تعميم بعد تخصيص؛ ~~لأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه بل كل شيء ~~محصي في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم ~~الله تعالى ولا يفوته كقوله تعالى {وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير ~~مستطر} (القمر: 52 53) # يعني ليس ما في الزبر منحصرا فيما فعلوه بل كل شيء مكتوب لا يبدل، فإن ~~القلم جف بما هو كائن فلما قال تعالى {نكتب ما قدموا} بين أن قبل ذلك كتابة ~~أخرى، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا، ثم إذا فعلوا كتب ~~عليهم أنهم فعلوه، قيل: إن ذلك مؤكد لمعنى قوله تعالى {ونكتب} ؛ لأن من ~~يكتب شيئا في أوراق # PageV03P340 # ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال تعالى: نكتب ونحفظ ذلك في إمام ~~مبين وهو كقوله تعالى {علمها عند ربي في كتاب لا ms2771 يضل ربي ولا ينسى} (طه: ~~52) # وقوله سبحانه وتعالى: # {واضرب} بمعنى واجعل {لهم} وقوله تعالى {مثلا} مفعول أول، وقوله تعالى: ~~{أصحاب} مفعول ثان والأصل: واضرب لهم مثلا مثل أصحاب {القرية} فترك المثل ~~وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله تعالى {واسأل القرية} (يوسف: 82) # قال الزمخشري: وقيل لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى: اجعل أصحاب القرية ~~لهم مثلا، أو مثل أصحاب القرية بهم قال المفسرون: المراد بالقرية أنطاكية ~~وقوله تعالى {إذ جاءها} إلخ بدل اشتمال من أصحاب القرية أي: إذ جاء أهلها ~~{المرسلون} أي: رسل عيسى عليه السلام وإضافة إلى نفسه في قوله تعالى: # {إذ أرسلنا إليهم اثنين} لأنه فعل رسوله عليه السلام {وإذ أرسلنا} إلخ ~~بدل من إذ الأولى، وفي هذا لطيفة وهي أن في القصة أن الرسل كانوا مبعوثين ~~من جهة عيسى عليه السلام أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى: إرسال عيسى عليه ~~السلام هو إرسالنا ورسول رسول الله بإذن الله رسول الله فلا تفهم يا محمد ~~أن أولئك كانوا رسل الرسول وإنما هو رسل الله تعالى، فتكذيبهم كتكذيبك فتتم ~~التسلية بقوله تعالى: {إذ أرسلنا} ويؤيد هذا مسألة فقهية وهي أن كل وكيل ~~للوكيل بإذن الموكل عند الإطلاق وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل ~~بعزل الوكيل إياه، وينعزل إذا عزله الموكل الأول. # تنبيه: في بعث الاثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى ~~عليه السلام بإذن الله تعالى، فكان عليهما إنهاء الأمر إليه والإتيان بما ~~أمر الله تعالى، والله سبحانه عالم بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده، ~~وأما عيسى عليه السلام فبشر فأمر الله تعالى بإرسال اثنين ليكون قولهما على ~~قومهما عند عيسى عليه السلام حجة ثابتة، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم ~~في الوصل، وحمزة والكسائي بضمهما، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما ~~الوقف فحمزة بضم الهاء، والباقون بكسرها، والجميع في الوقف بسكون الميم. ~~{فكذبوهما} أي: مع ما لهما من الآيات؛ لأن من المعلوم أنا ما أرسلنا رسولا ~~إلا كان معه من الآيات ما مثله ms2772 آمن عليه البشر سواء أكان عنا من غير واسطة، ~~أو كان بواسطة رسولنا كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي النورين لما ذهب ~~إلى قومه وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون له آية فكانت نورا في ~~جبهته، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه. # ولما كان المتظافر على الشيء أقوى لشأنه وأعون على ما يراد منه تسبب عن ~~ذلك قوله تعالى {فعززنا} أي: قوينا {بثالث} يقال: عزز المطر الأرض أي: ~~قواها ولبدها ويقال لتلك الأرض العزاز وكذا كل أرض صلبة، وتعزز لحم الناقة ~~أي: صلب وقوي والمفعول محذوف أي: فقويناهما بثالث، أو فغلبناهما بثالث؛ لأن ~~المقصود من البعثة نصرة الحق لا نصرتهما، والكل كانوا مقوين للدين بالبرهان ~~قال وهب: اسم المرسلين يحيى ويونس، واسم الثالث شمعون، وقال كعب: الرسولان ~~صادق ومصدوق والثالث: سلوم، وقرأ شعبة بتخفيف الزاي الأولى، والباقون ~~بتشديدها والزاي الثانية ساكنة بلا خلاف. {فقالوا إنا إليكم مرسلون} وذلك ~~أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى عليه السلام اثنين فلما قربا من ~~المدينة # PageV03P341 # رأيا حبيبا النجار يرعى غنما فسلما عليه فقال: من أنتما؟ فقالا: رسولا ~~عيسى عليه السلام يدعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال: أمعكما ~~آية؟ قالا: نعم نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى فقال: إن ~~لي ابنا مريضا منذ سنين قالا: فانطلق بنا ننظر حاله فأتى بهما إلى منزله ~~فمسحاه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحا ففشا الخبر في المدينة وآمن ~~حبيب النجار، وشفى الله تعالى على أيديهما كثيرا من المرضى وكان لهم ملك ~~اسمه أنطيحس وكان من ملوك الروم فانتهى الخبر إليه فدعاهما فقال لهما: من ~~أنتما؟ فقالا: رسولا عيسى عليه السلام قال: وفيما جئتما؟ قالا: ندعوك من ~~عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر قال: أولنا إله دون ~~آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك وآلهتك فقال: قوما حتى أنظر في أمركما وأمر ~~بحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، فلما كذبا وضربا بعث ms2773 عيسى عليه ~~السلام رأس الحواريين شمعون الصفار على أثرها لينصرهما، فدخل البلد متنكرا ~~وجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به وأوصلوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي ~~عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات # يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعوا إلى ~~غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك ~~قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما ~~شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: الله تعالى الذي خلق كل شيء وليس له ~~شريك فقال لهما شمعون: فصفاه وأوجزا قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال ~~لهما شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك فدعا بغلام مطموس العينين ~~موضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر فأخذا ~~بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك ~~فقال شمعون للملك: أرأيت إن سألت إلهك يصنع مثل هذا حتى يكون لك الشرف ~~ولآلهتك؟ فقال الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ~~ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي ~~كثيرا ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، ثم قال الملك لهما: إن قدر إلهكما ~~الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما قالا: إلهنا قادر على كل شيء ~~فقال الملك: إن هنا ميتا مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان وأنا أخرته فلم ~~أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبا فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا ~~يدعوان ربهما علانية وجعل شمعون يدعو ربه سرا، فقام الميت وقال: إني دخلت ~~سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله تعالى، ثم قال: ~~فتحت أبواب السماء فرأيت شابا حسنا يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك: ومن ~~الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه فتعجب الملك لما علم، فلما علم ~~شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال ودعاه فآمن الملك وآمن قوم ms2774 وكفر ~~آخرون، فمن لم يؤمن صاح عليهم جبريل فهلكوا. # وقيل: أن ابنة الملك كانت قد توفيت ودفنت فقال شمعون للملك: اطلب من هذين ~~الرجلين أن يحييا ابنتك فطلب الملك منهما ذلك فقاما وصليا ودعوا الله تعالى ~~وشمعون معهما في السر فأحيا الله تعالى المرأة، ثم انشق القبر عنها فخرجت ~~وقالت: أسلموا فإنهما صادقان قالت: ولا أظنكم تسلمون ثم طلبت من الرسولين ~~أن يرداها إلى مكانها فذرا ترابا على رأسها فعادت إلى قبرها كما كانت، وقال ~~ابن # PageV03P342 # إسحاق عن كعب ووهب: بل كفر واجتمع هو وقومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيبا ~~وهو على باب المدينة بالأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة ~~المرسلين. # {قالوا} أي: أهل القرية للرسل {ما أنتم} أي: وإن زاد عددكم {إلا بشر ~~مثلنا} لا مزية لكم علينا فما وجه الخصوصية لكم في كونكم رسلا دوننا، ~~فجعلوا كونهم بشرا مثلهم دليلا على عدم الإرسال، وهذا عام في المشركين ~~قالوا في حق محمد صلى الله عليه وسلم {أأنزل عليه الذكر من بيننا} (ص: 8) # وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان، فرد الله عليهم بقوله سبحانه ~~{الله أعلم حيث يجعل رسالاته} (الجن: 23) # وبقوله تعالى: {الله يجتبي إليه من يشاء} (الشورى: 13) # إلى غير ذلك. # تنبيه: رفع بشر لانتقاض النفي المقتضي إعمال ما بإلا ثم قالوا {وما أنزل ~~الرحمن} أي: العام الرحمة، فعموم رحمته مع استوائنا في عبوديته يقتضي أن ~~يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا، وأغرقوا في النفي بقولهم {من ~~شيء} أي: وحي ورسالة {إن} أي: ما {أنتم إلا تكذبون} أي: في دعوى رسالة حالا ~~ومآلا. # {قالوا} أي: الرسل {ربنا} أي: الذي أحسن إلينا {يعلم} أي: ولهذا يظهر على ~~أيدينا الآيات {إنا إليكم لمرسلون} استشهدوا بعلم الله تعالى وهو يجري مجرى ~~القسم، وزادوا اللام المؤكدة؛ لأنه جواب عن إنكارهم. # {وما علينا} أي: وجوبا من قبل من أرسلنا {إلا البلاغ المبين} أي: المؤيد ~~بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية بالمعجزات، وهي إبراء الأكمه ~~والأبرص وإحياء الميت وغيرهما فما ms2775 كان جوابهم بعد هذا إلا أن: # {قالوا إنا تطيرنا} أي: تشاءمنا {بكم} وذلك أن المطر حبس عنهم فقالوا: ~~أصابنا هذا بشؤمكم ولاستغرابهم ما ادعوه واستقباحهم له ونفرتهم عنه قالوا: ~~{لئن لم تنتهوا} أي: عن مقالتكم هذه {لنرجمنكم} أي: لنقتلنكم قال قتادة: ~~بالحجارة، وقيل: لنشتمنكم وقيل: لنقتلنكم شر قتلة {وليمسنكم منا} أي: لا من ~~غيرنا {عذاب أليم} كأنهم قالوا: لا نكتفي برجمكم بحجر وحجرين بل نديم ذلك ~~عليكم إلى الموت وهو العذاب الأليم، أو يكون المراد وليمسنكم بسبب الرجم ~~منا عذاب أليم أي: مؤلم، وإن قلنا: الرجم: الشتم فكأنهم قالوا: ولا يكفينا ~~الشتم بل شتم يؤدي إلى الضرب والإيلام الحسي، وإذا فسرنا أليم بمعنى مؤلم ~~ففعيل بمعنى مفعل قليل، ويحتمل أن يقال: هو من باب قوله تعالى {عيشة راضية} ~~(الحاقة: 21) # أي: ذات رضا أي: عذاب ذو ألم فيكون فعيلا بمعنى فاعل وهو كثير، ثم أجابهم ~~المرسلون بأن: # {قالوا طائركم} أي: شؤمكم الذي أحل بكم البلاء {معكم} وهو أعمالكم ~~القبيحة التي منها تكذيبكم وكفركم فأصابكم الشؤم من قبلكم، وقال ابن عباس ~~والضحاك: حظكم من الخير والشر، والهمزة في قوله تعالى {أئن ذكرتم} أي: ~~وعظتم وخوفتم همزة استفهام وجواب الشرط محذوف أي: تطيرتم وكفرتم فهو محل ~~الاستفهام والمراد به التوبيخ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل ~~الثانية، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفا، وورش وابن كثير بغير إدخال، ~~والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال. # ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سببا للتطير بوجه أضربوا عنه بقولهم {بل} ~~أي: ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير بسبب التطير بل {أنتم قوم} أي: غركم ~~ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون {مسرفون} أي: عادتكم الخروج ~~عن الحدود والطغيان # PageV03P343 # فعوقبتم لذلك. # ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله تعالى، فلا هادي لمن يضل ولا مضل لمن ~~هدى فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد، ويضل القريب فيهما إذا ~~أراد وكان بعد الدار ملزوما في الغالب لبعد النسب قدم مكان المجيء على ~~فاعلة ms2776 بيانا لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال تعالى: # {وجاء من أقصى} أي: أبعد بخلاف ما مر في القصص ولأجل هذا الغرض عدل عن ~~التعبير بالقرية وقال {المدينة} لأنها أدل على الكبر المستلزم بعد الأطراف ~~وجمع الأخلاط ولما بين الفاعل بقوله تعالى: {رجل} بين اهتمامه بالنهي عن ~~المكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله تعالى: {يسعى} أي: يسرع في ~~مشيه فوق المشي ودون العدو حرصا على نصيحة قومه. # تنبيه: في تنكير الرجل مع أنه كان معلوما معروفا عند الله تعالى فيه ~~فائدتان، الأولى: أن يكون تعظيما لشأنه أي: رجل كامل في الرجولية، الثانية: ~~أن يكون مفيدا ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا معرفة لهم به ~~فلا يقال: إنهم تواطؤوا، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام، وقال ~~السدي: كان قصارا، وقال وهب: كان يعمل الحرير وكان سقيما قد أسرع فيه ~~الجذام وكان منزله عند أقصى باب في المدينة، وكان مؤمنا وآمن بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب الله تعالى ورأى فيه ~~نعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته وقوله: {يسعى} تبصير للمسلمين وهداية ~~لهم ليبذلوا جهدهم في النصح. # ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه بينه بقوله تعالى: # {قال} واستعطفهم بقوله تعالى: {يا قوم} وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله ~~{اتبعوا المرسلين} أي: في عبادة الله تعالى وحده، فجمع بين إظهار دينه ~~وإظهار النصيحة فقوله {اتبعوا} النصيحة وقوله {المرسلين} إظهار إيمانه، ~~وقدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان؛ لأنه كان ساعيا في النصيحة، وأما ~~الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله {يسعى} دل على إردته النصح. # فإن قيل: ما الفرق بين مؤمن آل فرعون حيث قال: {اتبعون أهدكم} (غافر: 38) # وهذا قال: {اتبعوا المرسلين} ؟ أجيب: بأن هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه ~~نصحهم ولم يعلموا سيرته فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل ~~وأوضحوا لكم السبيل، وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم ونصحهم مرارا فقال: ~~اتبعوني في الإيمان بموسى وهرون عليهما السلام، واعلموا ms2777 أنه لو لم يكن خيرا ~~لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته ولم يكن الرجل الذي جاء من أقصى ~~المدينة يعلمون اتباعه لهم. # ولما قال لهم: اتبعوا المرسلين كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال: # {اتبعوا من لا يسألكم أجرا} أي: أجرة؛ لأن الخلق في الدنيا سالكون طريق ~~الاستقامة، والطريق إذا كان فيه دليل وجب اتباعه وعدم الاستماع من الدليل ~~لا يحسن إلا عند أحد أمرين: إما لطلب الدليل الأجرة، وإما: لعدم الاعتماد ~~على اهتدائه ومعرفة الطريق لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة {وهم مهتدون} عالمون ~~بالطريق المستقيم الموصلة إلى الحق فهب أنهم ليسوا بمرسلين أليسوا بمهتدين؟ ~~فاتبعوهم وقوله تعالى: # {ومالي لا أعبد الذي فطرني} أصله: وما لكم لا تعبدون ولكنه صرف الكلام ~~عنه ليكون الكلام أسرع قبولا حيث أراد لهم ما أراد لنفسه والمراد: تقريعهم ~~على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره ولذلك قال {وإليه # PageV03P344 # ترجعون} دون وإليه أرجع مبالغة في التهديد وفي العدول عن مخاصمة القوم ~~إلى حال نفسه مبالغة في الحكمة، وهي أنه لو قال: ما لكم لا تعبدون الذي ~~فطركم لم يكن في البيان مثل قوله: ما لي؛ لأنه لما قال: مالي فأحد لا يخفى ~~عليه حال نفسه، علم كل واحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد؛ لأنه أعلم ~~بحال نفسه وقوله {الذي فطرني} أشار به إلى وجود المقتضى فإن قوله: {مالي} ~~إشارة إلى عدم المانع وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ما لم يوجد المقتضى ~~فقوله {الذي فطرني} دليل المقتضي فإن الخالق ابتداء مالك والمالك يجب على ~~المملوك إكرامه وتعظيمه ومنعم بالإيمان، والمنعم يجب على المنعم عليه شكر ~~نعمته، وقدم بيان عدم المانع على بيان وجود المقتضي مع أن المستحسن تقديم ~~المقتضي، لأن المقتضي لظهوره كان مستغنيا عن البيان فلا أقل من تقديم ما هو ~~أولى بالبيان للحاجة إليه، واختار من الآيات فطرة نفسه؛ لأن خالق عمرو يجب ~~على زيد عبادته؛ لأن من خلق عمرا لا يكون إلا كامل القدرة واجب الوجود فهو ~~مستحق للعبادة ms2778 بالنسبة إلى كل مكلف، لكن العبادة على زيد بخلق زيد أظهر ~~إيجابا. # تنبيه: أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم؛ لأن الفطرة أثر النعمة فكانت ~~عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر فكان بهم أليق، روي أنه لما قال {اتبعوا ~~المرسلين} أخذوه ورفعوه إلى الملك فقال له: أفأنت تتبعهم؟ فقال {ومالي لا ~~أعبد الذي فطرني} أي: أي: شيء يمنعني أن أعبد خالقي وإليه ترجعون، تردون ~~عند البعث فيجزيكم بأعمالكم ومعنى فطرني: خلقني اختراعا ابتداء، وقيل: ~~خلقني على الفطرة كما قال تعالى {فطرة الله التي فطر الناس عليها} (الروم: ~~30) # ثم عاد إلى السياق الأول فقال: # {أأتخذ} وهو استفهام بمعنى الإنكار أي: لا أتخذ وبين علو رتبته تعالى ~~بقوله {من دونه} أي: سواه مع دنو المنزلة وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال ~~{آلهة} وفي ذلك لطيفة وهي: أنه لما بين أنه يعبد الذي فطره بين أن من دونه ~~لا تجوز عبادته؛ لأن الكل محتاج مفتقر حادث وقوله {أأتخذ} إشارة إلى أن ~~غيره ليس بإله؛ لأن المتخذ لا يكون إلها، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وهشام بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام، وأدخل فيهما ألفا قالون وأبو عمرو ~~وهشام وورش وابن كثير بغير إدخال ألف، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال ~~وإذا وقف حمزة فله تسهيل الثانية والتحقيق؛ لأنه متوسط بزائد وله أيضا ~~إبدالها ألفا. # ثم بين عجز تلك الآلهة بقوله {إن يردن الرحمن} أي: العام النعمة على كل ~~المخلوقين العابد والمعبود {بضر} أي: سوء ومكروه {لا تغن عني شفاعتهم شيئا} ~~أي: لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد {ولا ينقذون} أي: بالنصر ~~والمظاهرة من ذلك المكروه أو من العذاب لو عذبني الله تعالى إن فعلت ذلك. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هنا: {إن يردن الرحمن} بصيغة المضارع ~~وقال في الزمر: {إن أرادني الله} (الزمر: 38) # بصيغة الماضي وذكر المريد هنا باسم الرحمن وذكر المريد هناك باسم الله؟ ~~أجيب: بأن الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلا؛ لأن المذكور هنا ~~من قبل بصيغة الاستقبال ms2779 في قوله {أأتخذ} وقوله {مالي لا أعبد} والمذكور ~~هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله {أفرأيتم} (الزمر: 38) # تنبيه: إن يردن شرط جوابه لا تغن عني إلخ والجملة الشرطية في محل النصب ~~صفة # PageV03P345 # لآلهة. # فائدة: أثبت ورش الياء بعد النون في الوصل دون الوقف، والباقون بغير ياء ~~وقفا ووصلا. # {إني إذا} أي: إن عبدت غير الله تعالى {لفي ضلال مبين} أي: خطأ ظاهر، ~~وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء، وسكنها الباقون وهم على مذاهبهم في المد. # ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه عله صرح بما لوح إليه من إيمانه ~~بقوله: # {إني آمنت} أي: أوقعت التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره، وفتح الياء ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو، وسكنها الباقون، واختلف في المخاطب بقوله ~~{بربكم} على أوجه أحدها: أنه خاطب المرسلين قال المفسرون: أقبل القوم عليه ~~يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين قال {إني آمنت بربكم فاسمعون} أي: ~~اسمعوا قولي واشهدوا لي، وثانيها: هم الكفار لما نصحهم وما نفعهم قال {آمنت ~~بربكم فاسمعون} وثالثها: بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم كقول ~~الواعظ: يا مسكين ما أكثر أملك يريد: كل سامع يسمعه فلما قال ذلك وثب القوم ~~عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وقال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم، وقال السدي: ~~كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي حتى قطعوه وقتلوه وقال ~~الحسن: خرقوا خرقا في حلقه فعلقوه في سور المدينة وقبره بأنطاكية مشهور رضي ~~الله تعالى عنه. # تنبيه: في قوله {فاسمعون} فوائد: منها: أنه كلام متفكر حيث قال: اسمعوا ~~فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر، ومنها: أن ينبه ~~القوم ويقول: إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو ~~أظهرته لآمنا معك، فإن قيل: إنه قال من قبل {ومالي لا أعبد الذي فطرني} ~~وقال ههنا: {آمنت بربكم} ولم يقل: آمنت بربي؟ أجيب: بأنا إن قلنا: الخطاب ~~مع الرسل فالأمر ظاهر؛ لأنه لما قال {آمنت بربكم} ظهر عند الرسل أنه قبل ~~قولهم وآمن بالرب ms2780 الذي دعوه إليه وقال {بربكم} وإن قلنا الخطاب مع الكفار ~~ففيه بيان التوحيد؛ لأنه لما قال {أعبد الذي فطرني} ثم قال {آمنت بربكم} ~~فهم أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو ~~قال: آمنت بربي فيقول الكافر: وأنا أيضا آمنت بربي. # فائدة: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم «أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة ~~عروة بن مسعود الثقفي حيث نادى قومه بالإسلام ونادى على علية بالأذان فرموه ~~بالسهام فقتلوه» . # ثم إنه سبحانه وتعالى بين حال هذا الذي قال {آمنت بربكم} بعد ذلك بقوله ~~تعالى: إيجازا في البيات لأهل الإيمان: # {قيل} أي: قيل له بعد قتلهم إياه، فبناه للمفعول؛ لأن المقصود المقول لا ~~قائله والمقول له معلوم {ادخل الجنة} لأنه شهيد والشهداء يسرحون في الجنة ~~حيث شاؤوا من حين الموت، وقيل: لما هموا بقتله رفعه الله تعالى إلى الجنة، ~~وقرأ هشام والكسائي بضم القاف وهو المسمى بالإشمام، والباقون بالكسر. # ولما أفضى به إلى الجنة {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي} أي: ~~بغفران ربي لي المحسن إلي في الآخرة بعد إحسانه في الدنيا بالإيمان في مدة ~~يسيرة بعد طول عمري في الكفر {وجعلني من المكرمين} أي: الذين أعطاهم ~~الدرجات العلا فنصح لقومه حيا وميتا بتمني عملهم بالكرامة له ليعملوا مثل ~~عمله فينالوا ما ناله. # تنبيه: في القصة حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار ~~والحلم عن أهل الجهل وكظم الغيظ والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه وأنه لا ~~يدخل أحد الجنة إلا برحمة # PageV03P346 # الله وإن كان محسنا، وهذا كما وقع للأنصار رضي الله تعالى عنهم في ~~المبادرة إلى الإيمان مع بعد الدار والنسب، وفي قول من استشهد منهم في بئر ~~معونة كما رواه البخاري في المغازي عن أنس: «بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا ~~فرضي عنا وأرضانا» وفي غزوة أحد. # كما في السيرة وغيرها: لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم يا ليت ~~إخواننا يعلمون ما صنع الله تعالى بنا لئلا ms2781 يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن ~~الحرب فقال الله تبارك وتعالى: فأنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} (آل ~~عمران: 169) ، وفي التمثيل بهذه القصة إشارة إلى أن في قريش من حتم بموته ~~على الكفر ولم ينقص ما قضى له من الأجل، فالله سبحانه يؤيد هذا الدين ~~بغيرهم لتظهر قدرته وحكمته: # {وما أنزلنا} بما لنا من العظمة {على قومه} أي: حبيب {من بعده} أي: من ~~بعد إهلاكه أو رفعه {من جند من السماء} لإهلاكهم كما أرسلنا يوم بدر ~~والخندق بل كفينا أمرهم بصيحة ملك، وفيه استحقار بإهلاكهم وإيماء بتعظيم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا لكان تحريك ريشة من جناح ملك كافيا في ~~استئصالهم، فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى {من بعده} وهو تعالى لم ينزل ~~عليهم من قبله؟ أجيب: بأن استحقاق العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا ~~فبين حال الإهلاك بقوله تعالى: {وما كنا منزلين} أي: ما كان ذلك من سنتنا ~~وما صح في حكمتنا أن يكون عذاب الاستئصال بجند كثير. # {إن} أي: ما {كانت} أي: الواقعة التي عذبوا بها {إلا صيحة} صاحها بهم ~~جبريل عليه السلام فماتوا عن آخرهم وأكد أمرها وحقق وحدتها بقوله تعالى: ~~{واحدة} أي: لحقارة أمرهم عندنا ثم زاد في تحقيرهم ببيان الإسراع في ~~الإهلاك بقوله تعالى: {فإذا هم خامدون} أي: ثابت لهم الخمود ما كأنهم كانت ~~بهم حركة يوما من الدهر شبهوا بالنار رمزا إلى أن الحي كالنار الساطعة ~~والميت كرمادها كما قال لبيد: # *وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يصير رمادا بعد إذ هو ساطع* # وقال المعري: # *وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان* # قال المفسرون: أخذ جبريل عليه السلام بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم ~~صيحة واحدة فماتوا {يا حسرة على العباد} أي: هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل ~~فأهلكوا وهي شدة التألم ونداؤها مجاز أي: هذا أوانك فاحضري، ثم بين تعالى ~~سبب الحسرة والندامة بقوله تعالى: {ما يأتيهم من رسول} أي ms2782 رسول كان في أي ~~وقت كان {إلا كانوا به} أي: بذلك الرسول {يستهزؤن} والمستهزئ بالناصحين ~~المخلصين أحق أن يتحسر ويتحسر عليه، وقيل: يقول الله تعالى يوم القيامة {يا ~~حسرة على العباد} حين لم يؤمنوا بالرسل. # ولما بين تعالى حال الأولين قال للحاضرين: # {ألم يروا} أي: أهل مكة القائلين للنبي صلى الله عليه وسلم لست مرسلا، ~~والاستفهام للتقرير أي: اعلموا وقوله تعالى {كم} خبرية بمعنى كثيرا وهو ~~مفعول لأهلكنا تقديره: كثيرا من القرون أهلكنا وهي معمولة لما بعدها معلقة ~~ليروا عن العمل ذهابا بالخبرية مذهب الاستفهامية والمعنى: أما # PageV03P347 # {أهلكنا قبلهم} كثيرا {من القرون} أي: الأمم، قال البغوي: والقرن أهل كل ~~عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود {أنهم} أي: المهلكين {إليهم} أي: إلى ~~أهل مكة {لا يرجعون} أي: لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون، وقيل: لا ~~يرجعون أي: الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بسبب ولا ولادة أي: أهلكناهم ~~وقطعنا نسلهم ولا شك أن الإهلاك الذي يكون مع قطع النسل أتم وأعم، قال ابن ~~عادل: والأول أشهر نقلا. والثاني: أظهر عقلا. وقوله تعالى: # {وإن} نافية أو مخففة وقوله تعالى {كل} أي: كل الخلائق مبتدأ وقرأ {لما} ~~ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم بمعنى إلا، والباقون بالتخفيف واللام ~~فارقة وما مزيدة وقوله تعالى {جميع} أي: مجموعون خبر أول {لدنيا} أي: عندنا ~~في الموقف بعد بعثهم وقوله تعالى {محضرون} أي: للحساب خبر ثان وما أحسن قول ~~القائل: # *ولو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي* # *ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعدها عن كل شيء* # ولما قال {وإن كل لما جميع} كان ذلك إشارة إلى الحشر فذكر ما يدل على ~~إمكانه قطعا لإنكارهم واستبعادهم فقال تعالى: # {وآية} أي: علامة عظيمة {لهم} أي: على قدرتنا على البعث وإيجادنا له ~~{الأرض} أي: هذا الجنس الذي هم منه ثم وصفها بما حقق وجه الشبه بقوله ~~تعالى: {الميتة} التي لا روح لها؛ لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون بها ~~نبات وفنى أو لم يكن بها شيء ms2783 أصلا، ثم استأنف بيان كونها آية بقوله تعالى: ~~{أحييناها} أي: باختراع النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد ~~اضمحلاله، فإن قيل: الأرض آية مطلقا فلم خصها بهم حيث قال تعالى: {وآية ~~لهم} ؟ أجيب: بأن الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه، وأما ~~من عرف الشيء بطريق الرؤية فلا يذكر له دليل فالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وعباد الله المخلصين عرفوا الله تعالى قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة ~~لهم. # تنبيه: آية خبر مقدم ولهم صفتها أو متعلقة بآية؛ لأنها علامة والأرض ~~مبتدأ، وأعرب أبو البقاء آية مبتدأ ولهم الخبر والأرض الميتة مبتدأ وصفة ~~وأحييناها خبره فالجملة مفسرة لآية وبهذا بدأ ثم قال: وقيل فذكر الوجه ~~الأول. # ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال {وأخرجنا منها حبا} أي: جنس الحب ~~كالحنطة والشعير والأرز، ثم بين عموم نفعه بقوله {فمنه} أي: بسبب هذا ~~الإخراج {يأكلون} أي: من ذلك الحب فهو حب حقيقة تعلمون ذلك علم اليقين وعين ~~اليقين وحق اليقين لا تقدرون تدعون أن ذلك خيال سحري بوجه من الوجوه، وفي ~~هذه الآية وأمثالها حث عظيم على تدبر القرآن واستخراج ما فيه من المعاني ~~الدالة على جلال الله تعالى وكماله، وقد أنشد هنا الأستاذ القشيري في ~~تفسيره وعيب على من أهمل ذلك: # *يا من تصدر في دست الإمامة في ... مسائل الفقه إملاء وتدريسا* # *غفلت عن حجج التوحيد تحكمها ... شيدت فرعا وما مهدت تأسيسا* # ولما ذكر الزرع وهو مالا ساق له أتبعه بذكر ما له ساق بقوله: # {وجعلنا} أي: بما لنا من العظمة # PageV03P348 # {فيها} أي: الأرض {جنات} أي: بساتين {من نخيل وأعناب} ذكر هذين النوعين ~~لكثرة نفعهما وقدم النخل؛ لأنه نفع كله خشبه وسعفه وليفه وخوصه وعراجينه ~~وثمره طلعا وبسرا ورطبا وتمرا وفيه زينة دائما لكونه لا يسقط ورقه. # ولما كانت الجنان لا تصلح إلا بالماء قال تعالى {وفجرنا} أي: فتحنا سيحا ~~عظيما {فيها} أي: الأرض {من العيون} شيئا فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ~~أو العيون، ومن مزيدة عند ms2784 الأخفش، قال البقاعي: والتعريف هنا يدل على أن ~~الأرض مركبة على الماء فكل موضع منها صالح لأن يتفجر منه الماء ولكن الله ~~تعالى يمنعه من بعض المواضع بخلاف الأشجار ليس فيها شيء غالب على الأرض، ~~ففي ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء عن بعض الأرض ليكون موضعا للسكن ولو ~~شاء لفجر الأرض كلها عيونا كما فعل بقوم نوح فأغرق أهل الأرض كلهم، وقرأ ~~نافع وأبو عمرو وهشام وحفص برفع العين، والباقون بالكسر. # ولما كانت حياة كل شيء إنما هي بالماء أشار إلى ذلك بقوله تعالى: # {ليأكلوا من ثمره} أي: ثمر ما ذكر وهو الجنات، وقيل: الضمير يعود على ~~الأعناب؛ لأنها أقرب مذكور وكان من حق الضمير أن يثنى لتقديم شيئين وهما ~~الأعناب والنخيل إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما، وقيل: الضمير لله على طريق ~~الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وقرأ حمزة والكسائي برفع الثاء والميم وهي ~~لغة فيه أو جمع ثمار، والباقون بفتحهما. # وقوله تعالى: {وما عملته أيديهم} عطف على الثمر والمراد: ما يتخذ منه ~~كالعصير والدبس مما موصولة ومن الذي عملته أيديهم ويؤيد هذا قراءة حمزة ~~والكسائي وشعبة بحذف الهاء من عملته، وما نافية على قراءة الباقين بإثباتها ~~أي: وجدوها معمولة ولم تعملها أيديهم ولا صنع لهم فيها، وقيل: أراد العيون ~~والأنهار التي لم تعملها يد مخلوق مثل دجلة والفرات والنيل. # ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله تعالى: {أفلا يشكرون} أي: اشكروا ~~فهو أمر بصيغة الاستفهام أي: ادأبوا دائما في إيقاع الشكر والدوام على ~~تجديده في كل حين بسبب هذه النعم. # ولما أمرهم الله تعالى بالشكر وشكر الله تعالى بالعبادة وهم تركوها ~~وعبدوا غيره وأشركوا قال تعالى: # {سبحان الذي خلق الأزواج} أي: الأصناف والأنواع {كلها} أي: وغيره لم يخلق ~~شيئا ثم بين ذلك بقوله تعالى: {مما تنبت الأرض} دخل فيه كل نجم وشجر ومعدن ~~وغيره من كل ما يتولد منها {ومن أنفسهم} من الذكور والإناث وقوله تعالى ~~{ومما لا يعلمون} يدخل فيه ما في أقطار السموات وتخوم الأرضين ms2785 من المخلوقات ~~العجيبة الغريبة. # ولما استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان الكلي استدل بالليل والنهار ~~وهو الزمان الكلي بقوله تعالى: # {وآية لهم الليل} أي: على إعادة الشيء بعد فنائه {نسلخ} أي: نفصل {منه ~~النهار} فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة؛ لأن المكان لا يستغني عنه ~~الجواهر، والزمان لا يستغني عنه الأعراض؛ لأن كل عرض فهو في زمان. # تنبيه: نسلخ استعارة تبعية مصرحة، شبه انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد من ~~الشاة والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر {فإذا هم} أي: بعد إزالة ~~ما للنهار الذي سلخناه من الليل {مظلمون} أي: داخلون في الظلام بظهور الليل ~~الذي كان الضياء ساترا له كما يستر الجلد الشاة، قال الماوردي: # PageV03P349 # وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم نقله ابن ~~الجوزي عنه، وقد أرشد السياق حتما إلى أن التقدير: والنهار نسلخ منه الليل ~~الذي كان ساتره وغالبا عليه فإذا هم مبصرون. # ولما ذكر الوقتين ذكر آيتيهما مبتدئا بآية النهار بقوله تعالى: # {والشمس} أي: التي سلخ النهار من الليل بغيبوبتها {تجري لمستقر لها} أي: ~~لحد معين ينتهي إليه دورها لا تتجاوزه فشبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره، ~~وقيل: مستقرها بانتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة، وقيل: إنها ~~تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها لا تتجاوزه، وقيل: ~~مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء، وقد ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مستقرها تحت العرش» وروي أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال لأبي ذر حين غربت الشمس: «تدري أين تذهب؟ قلت: الله ~~ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك ~~أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارجعي من حيث جئت ~~فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى {والشمس تجري لمستقر لها} » . # ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على ممر السنين وتعاقب الأحقاب عظمه ~~بقوله تعالى: {ذلك} أي: الأمر الباهر للعقول ms2786 وزاد في عظمه بصيغة التفعيل ~~بقوله تعالى: {تقدير العزيز} أي: الذي لا يقدر أحد في شيء من أمره على نوع ~~مغالبة وهو غالب على كل شيء {العليم} أي: المحيط علما بكل شيء الذي يدبر ~~الأمر فيطرد على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن ولا يلحقه يوما نوع ~~خلل، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى المستقر أي: ذلك المستقر تقدير العزيز ~~العليم. # ولما ذكر آية النهار أتبعها آية الليل بقوله تعالى: # {والقمر قدرناه} أي: من حيث سيره {منازل} ثمانية وعشرين منزلا في ثمانية ~~وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما وليلة إن ~~كان الشهر تسعة وعشرين يوما، وقد ذكرنا أسامي المنازل في سورة يونس عليه ~~السلام، فإذا صار القمر في آخر منازله دق فذلك قوله تعالى {حتى عاد} أي: ~~بعد أن كان بدرا عظيما {كالعرجون} من النخل وهو عود العذق ما بين شماريخه ~~إلى منتهاه وهو منبته من النخلة رقيقا منحنيا ثم وصفه بقوله تعالى: ~~{القديم} فإنه إذا عتق يبس وتقوس واصفر فيشبه القمر في رقته وصفرته في رأي ~~العين في آخر المنازل، قال القشيري: إن القمر يبعد عن الشمس ولا يزال ~~يتباعد حتى يعود بدرا ثم يدنو، فكلما ازداد من الشمس دنوا ازداد في نفسه ~~نقصانا إلى أن يتلاشى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والقمر برفع الراء، ~~والباقون بالنصب والرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على الاشتغال، ~~والوجهان مستويان لتقدم جملة ذات وجهين وهي قوله تعالى: {والشمس تجري} فإن ~~راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عجزها نصبت لتعطف ~~فعلية على مثلها. # ولما قرر أن لكل منهما منازل لا يعدوها فلا يغلب ما هو آيته آية الآخر بل ~~إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان ذاك وإذا جاء ذاك ذهب هذا قال تعالى: # {لا الشمس} التي هي آية النهار {ينبغي} أي: يسهل {لها} أي: ما دام هذا ~~الكون موجودا على هذا الترتيب {أن تدرك القمر} أي: تجتمع معه في الليل فما ~~النهار ms2787 سابق الليل {ولا # PageV03P350 # الليل سابق النهار} أي: فلا يأتي أحدهما قبل انقضاء الآخر، فالآية من ~~الاحتباك؛ لأنه نفى أولا إدراك الشمس لقوتها القمر ففيه دليل على ما حذف من ~~الثاني من نفي إدراك الشمس للقمر أي: فيغلبها وإن كان يوجد في النهار لكن ~~من غير سلطنة فيه، بخلاف الشمس فإنها لا تكون في الليل أصلا ونفى ثانيا سبق ~~الليل النهار وفيه دليل على حذف سبق النهار الليل أولا كما قدرته. {وكل} ~~أي: من الشمس والقمر {في فلك} محيط به وهو الجسم المستدير أو السطح ~~المستدير أو الدائرة؛ لأن أهل اللغة على أن فلكة المغزل سميت فلكة ~~لاستدارتها، وفلكة الخيمة هي: الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس ~~العمود لئلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة. # فإن قيل: فعلى هذا تكون السماء مستديرة وقد اتفق أكثر المفسرين على أن ~~السماء مبسوطة لها أطراف على جبال وهي كالسقف المستوي ويدل عليه قوله تعالى ~~{والسقف المرفوع} ، (الطور: 5) # أجاب الرازي: بأنه ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء ~~مبسوطة غير مستديرة بل الدليل الحسي على كونها مستديرة فوجب المصير إليه ~~والسقف المقبب لا يخرج عن كونه سقفا وكذلك على جبال. # ومن الأدلة الحسية أن السماء لو كانت مستوية لكان ارتفاع أول النهار ~~ووسطه وآخره مستويا، وليس كذلك وذكر غير ذلك من الأدلة وفي هذا كفاية، ولما ~~ذكر لها فعل العقلاء من كونها على نظام محرر لا يختل وسير مقدر لا يعوج ولا ~~ينحل جمعها جمعهم بقوله تعالى: {يسبحون} وقال المنجمون: قوله تعالى ~~{يسبحون} يدل على أنها أحياء؛ لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال الرازي: ~~إن أرادوا القدر الذي يكون منه التسبيح فنقول به؛ لأن كل شيء يسبح بحمده ~~وإن أرادوا شيئا آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في ~~حق الأصنام {ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون} (الصافات: 91 92) # ولما ذكر سبحانه وتعالى ما حد له حدودا في السباحة في وجه الفلك ذكر ما ~~هيأ ms2788 به من الفلك للسباحة على وجه الماء بقوله تعالى: # {وآية لهم} أي: على قدرتنا التامة {أنا} أي: على ما لنا من العظمة {حملنا ~~ذريتهم} أي: آباءهم الأصول، قال البغوي: واسم الذرية يقع على الآباء كما ~~يقع على الأولاد والألف واللام في قوله تعالى {في الفلك} للتعريف أي: فلك ~~نوح عليه الصلاة والسلام وهو مذكور في قوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا} ~~(هود: 37) # وهو معلوم عند العرب ثم وصف الفلك بقوله تعالى: {المشحون} أي: الموقر ~~المملوء حيوانا وناسا وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير أحد قط مثلها ولا ~~يرى أيضا ومع ذلك فسلمها الله تعالى، وأيضا الآدمي يرسب في الماء ويغرق ~~فحمله في الفلك وقع بقدرته تعالى لكن من الطبيعيين من يقول: الخفيف لا ~~يرسب؛ لأنه يطلب جهة فوق فقال {الفلك المشحون} أثقل من الثقال التي ترسب ~~ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله. # وقال أكثر المفسرين: إن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد: ~~إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح عليه الصلاة والسلام وإما أن يكون ~~المراد الجنس كقوله تعالى {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} (الزخرف: ~~12) # وقوله تعالى {وترى الفلك فيه مواخر} (فاطر: 12) # وقوله تعالى {فإذا ركبوا في الفلك} (العنكبوت: 65) # إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس، فإن كان ~~المراد: سفينة نوح عليه السلام # PageV03P351 # ففيه وجوه. # الأول: أن المراد حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك ~~ما بقي للأب نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله تعالى {حملنا ذريتهم} إشارة إلى ~~كمال النعمة أي: لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم ~~القيامة وهذا قول الزمخشري قال ابن عادل: ويحتمل أن يقال: إنه تعالى إنما ~~خص الذرية بالذكر؛ لأن الموجودين كانوا كفارا لا فائدة في وجودهم فقال ~~تعالى {حملنا ذريتهم} أي: لم يكن الحمل حملا لهم وإنما كان حملا لما في ~~أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صندوقا لا قيمة له وفيه جواهر قيل: ms2789 إنه لم ~~يحمل الصندوق وإنما حمل ما فيه. # ثانيها: أن المراد بالذرية الجنس أي: حملنا أجناسهم؛ لأن ذلك الحيوان من ~~جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النساء لنهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قتل الذراري أي: النساء لأن المرأة، وإن كانت صنفا غير ~~صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ذرارينا أي: أمثالنا. # ثالثها: أن الضمير في قوله تعالى {وآية لهم الليل} للعباد وكذا {وآية لهم ~~أنا حملنا ذريتهم} وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال: وآية للعبادة أنا حملنا ~~ذرية العباد ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصا معينين ~~كقوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم} (النساء: 29) # {ويذيق بعضكم بأس بعض} و (الأنعام: 65) # لذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال فقال هؤلاء القوم: هم قتلوا ~~أنفسهم فهم في الموضعين يكون عائدا إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصا ~~معينين بل المراد أن بعضهم قتل بعضهم فكذلك قوله تعالى {وآية لهم} أي: آية ~~لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم أو ذرية بعض منهم وإن قلنا ~~المراد: جنس الفلك قال ابن عادل: وهو الأظهر؛ لأن سفينة نوح عليه السلام لم ~~تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد. # وقوله تعالى في سفينة نوح عليه السلام {وجعلناها آية للعالمين} ~~(العنكبوت: 15) # أي: بوجود جنسها ومثلها ويؤيده قوله تعالى {ألم تر أن الفلك تجري في ~~البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} (لقمان: ~~31) ، فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى {وآية لهم الأرض الميتة} {وآية لهم ~~الليل} ولم يقل: وآية لهم الفلك؟ أجيب: بأن حملهم في الفلك هو العجب أما ~~نفس الفلك فليس بعجيب؛ لأنه كبيت مبني من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس ~~الليل فعجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله. # فإن قيل: قال تعالى {وحملناكم في البر والبحر} (الإسراء: 70) # ولم يقل: ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النقمة. ~~أجيب: بأنه ms2790 تعالى لما قال {في البر والبحر} عم الخلق جميعا؛ لأن ما من أحد ~~إلا وحمل في البر والبحر، وأما الحمل في البحر فلم يعم فقال: إن كنا ما ~~حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان ~~والأصدقاء، وقرأ نافع وابن عامر بألف بعد الياء التحتية وكسر الفوقانية على ~~الجمع، والباقون بغير ألف وفتح الفوقانية على الإفراد واختلف في تفسير قوله ~~تعالى: # {وخلقنا لهم من مثله} أي: من مثل الفلك {ما يركبون} فقال ابن عباس: يعني ~~الإبل فالإبل في البر كالسفن في البحر وقيل: أراد به السفن التي عملت بعد ~~سفينة نوح عليه السلام على هيأتها، وقال قتادة والضحاك وغيرهما: أراد به ~~السفن الصغار التي تجري في الأنهار كالفلك الكبار في البحار. # {وإن نشأ} أي: لأجل ما لنا من القوة الشاملة والدرة التامة {نغرقهم} أي: ~~مع أن هذا الماء الذي يركبونه ليس # PageV03P352 # كالماء الذي حملنا آباءهم {فلا صريخ لهم} أي: مغيث لهم لينجيهم مما نريد ~~بهم من الغرق أو فلا إغاثة كقولهم: أتاهم الصريخ {ولا هم} أي: بأنفسهم من ~~غير صريخ {ينقذون} أي: يكون لهم إنقاذ أي: خلاص لأنفسهم أو غيرها. # {إلا رحمة} أي: فنحن ننقذهم إن شئنا رحمة {منا} أي: لهم لا وجوبا علينا ~~ولا لمنفعة تعود منهم إلينا {ومتاعا} أي: وتمتيعنا إياهم بلذاتهم {إلى حين} ~~أي: إلى انقضاء آجالهم. # {وإذا قيل لهم} أي: من أي: قائل كان {اتقوا ما بين أيديكم} أي: من عذاب ~~الدنيا كغيركم {وما خلفكم} من عذاب الآخرة {لعلكم ترحمون} تعاملون معاملة ~~المرحوم بالإكرام، وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما بين أيديكم يعني: ~~الآخرة فاعملوا لها وما خلفكم يعني: الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها، وقال ~~قتادة ومقاتل: ما بين أيديكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم ~~عذاب الآخرة. # تنبيهان: أحدهما: {إلا رحمة} منصوب على المفعول له وهذا مستثنى مفرغ ~~وقيل: مستثنى منقطع وقيل: على المصدر بفعل مقدر وقيل: على إسقاط الخافض أي: ~~إلا برحمة والفاء في قوله تعالى {فلا ms2791 صريخ لهم} رابطة لهذه الجملة بما ~~قبلها، فالضمير في لهم عائد على المغرقين. # ثانيهما: جواب إذا محذوف تقديره أعرضوا يدل عليه قوله تعالى بعده {إلا ~~كانوا عنها معرضين} وعلى هذا فلفظ كانوا زائد. # {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} أي: المحسن إليهم {إلا كانوا} أي: مع ~~كونها من عند من غمرهم إحسانه وعمهم فضله وامتنانه {عنها معرضين} أي: دائما ~~إعراضهم. # {وإذا قيل لهم} أي: من أي: قائل كان {أنفقوا} أي: على من لا شيء له شكرا ~~لله على ما أعطاكم قال صلى الله عليه وسلم «هل ترزقون وتنصرون إلا ~~بضعفائكم» «إنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء» . # وبين تعالى أنهم يبخلون بما لا صنع لهم فيه بقوله تعالى: {مما رزقكم ~~الله} أي: مما أعطاكم الله الذي له جميع صفات الكمال {قال الذين كفروا} أي: ~~ستروا وغطوا ما دلهم عليه أنوار عقولهم من الخيرات {للذين آمنوا} أي: ~~استهزاء بهم {أنطعم من لو يشاء الله} أي: الذي له جميع العظمة كما زعمتم في ~~كل وقت يريده {أطعمه} وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على ~~المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله سبحانه وتعالى، وهو ما جعلوه لله من ~~حروثهم وأموالهم قالوا {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} لكنا ننظره لا يشاء ~~ذلك، فإنه لم يطعمهم مما ترى من فقرهم فنحن أيضا لا نشاء ذلك موافقة لمراد ~~الله تعالى فيه فتركوا لتأدب مع الأمر وأظهروا التأدب مع بعض إرادة الله ~~المنهي عن الجري معها والاستسلام لها، وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: ~~لا نعطي من حرمه الله تعالى وهذا الذي يزعمونه باطل؛ لأن الله تعالى أغنى ~~بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع الدنيا عن الفقير لا بخلا وأمر الغني ~~بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلوا الغني بالفقير فيما فرض له في مال ~~الغني، فلا اعتراض لأحد في مشيئة الله وحكمه في خلقه وما كفاهم حتى قالوا ~~لمن أرشدهم إلى الخير {إن} أي: ما {أنتم إلا في ضلال} أي: محيط بكم ms2792 {مبين} ~~أي: في غاية الظهور وما دروا أن الضلال إنما هو لهم. # فإن قيل: قولهم {من لو يشاء الله أطعمه} كلام حق فلماذا ذكر في معرض ~~الذم؟ أجيب: بأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله تعالى أو لعدم جواز الأمر ~~بالإنفاق # PageV03P353 # مع قدرة الله تعالى وكلاهما فاسد فبين ذلك تعالى بقوله سبحانه {مما رزقكم ~~الله} فإنه يدل على قدرته ويصحح أمره بالإعطاء؛ لأن من كان له مع الغير مال ~~وله في خزانته مال مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده ~~المال بالإعطاء ولا يجوز أن يقول من في يده مال في خزانتك أكثر مما في يدي ~~أعطه منه. # فإن قيل: ما الحكمة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق على ~~من لو يشاء الله رزقه؛ لأنهم أمروا بالإنفاق فكان جوابهم أن يقولوا: أننفق ~~فلم قالوا: أنطعم؟ أجيب: بأن هذا بيان غاية مخالفتهم؛ لأنهم إنما أمروا ~~بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فلم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه ~~وهو الإطعام وهذا كقول القائل لغيره: أعط زيدا دينارا فيقول: لا أعطيه ~~درهما مع أن المطابق هو أن يقول: لا أعطيه دينارا ولكن المبالغة في هذا ~~الوجه أتم فكذلك هنا. # تنبيه: إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضلال مبين لظنهم أن كلام المؤمنين ~~متناقض ومن تناقض كلامه يكون في غاية الضلال، قال الرازي: ووجه ذلك أنهم ~~قالوا {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} وهذا إشارة إلى أن الله تعالى إن شاء ~~أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمرا بتحصيل الحاصل، وإن لم يشأ ~~إطعامهم لا يقدر أحد على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ الله فلا قدرة لنا ~~على الإطعام، فكيف تأمروننا به؟ ووجه آخر: وهو أنهم قالوا: إن أراد الله ~~تجويعهم فلو أطعمناهم يكون ذلك سعيا في إبطال فعل الله تعالى وأنه لا يجوز ~~وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال، واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث ~~نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر، ms2793 وذلك لأن العبد إذا أمره ~~السيد بأمر لا ينبغي الإطلاع على المقصود الذي لأجله أمر به، مثاله: إذا ~~أراد الملك الركوب للهجوم على عدوه بحيث لا يطلع عليه أحد وقال للعبد: أحضر ~~المركوب فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لتسبب إلى أن يريد أن ~~يطلع عدوه على الحذر منه وكشف سره فالأدب في الطاعة: هو امتثال الأمر لا ~~تتبع المراد، فالله سبحانه إذا قال {أنفقوا مما رزقكم الله} لا يجوز أن ~~يقال لم لم يطعمهم الله مما في خزائنه؟ وقد تقدم ماله بهذا تعلق. # {ويقولون} أي: عادة مستمرة مضمومة إلى ما تقدم {متى هذا} وزادوا في ~~الاستهزاء بتسميته وعدا فقالوا {الوعد} أي: البعث الذي تهددوننا به تارة ~~تلويحا وتارة تصريحا عجلوه لنا {إن كنتم صادقين} فيه قال الله تعالى: # {ما ينظرون} أي: ينتظرون {إلا صيحة} وبين حقارة شأنهم وتمام قدرته بقوله ~~عز وجل {واحدة} وهي نفخة إسرافيل عليه السلام الأولى المميتة {تأخذهم} ~~وقوله تعالى {وهم يخصمون} قرأه حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصم يخصم ~~والمعنى: يخصم بعضهم بعضا فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالون بإخفاء فتحة ~~الخاء وتشديد الصاد، ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنهم باختلاس فتحة ~~الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد، والأصل في القراءات الثلاث ~~يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنافع وابن كثير وهشام نقلوا فتحها إلى ~~الساكن قبلها نقلا كاملا، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنبيها على أن ~~الخاء أصلها السكون، والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان لذلك فكسروا ~~أولهما فهذه أربع قراءات. # ولما كانت هذه # PageV03P354 # هي النفخة المميتة تسبب عنها قوله تعالى: # {فلا يستطيعون توصية} أي: يوجدون الوصية في شيء من الأشياء {ولا إلى ~~أهلهم} أي: فضلا عن غيرهم {يرجعون} أي: فيروا حالهم بل يموت كل واحد في ~~مكانه حيث تفجؤه الصيحة وربما أفهم التعبير بإلى أنهم يريدون الرجوع فيخطون ~~خطوة أو نحوها، وفي الحديث: «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ~~فلا يبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا ms2794 ~~يطعمها» . ولما دل ذلك على الموت قطعا عقبه بالبعث بقوله تعالى: # {ونفخ في الصور} أي: القرن النفخة الثانية للبعث وبين النفختين أربعون ~~سنة. ولما كان هذا النفخ سببا لقيامهم عنده من غير تخلف عبر تعالى بما يدل ~~على التعقب والتسبب والفجأة بقوله تعالى: {فإذا هم} أي: حين النفخ {من ~~الأجداث} أي: القبور واحدها جدث المهيأة هي ومن فيها لسماع ذلك النفخ، فإن ~~قيل: كيف يكون ذلك الوقت أجداث وقد زلزلت الصيحة الجبال؟ أجيب: بأن الله ~~تعالى يجمع أجزاء كل ميت في الذي قبر فيه فيخرج من ذلك الموضع وهو جدثه ~~{إلى ربهم} أي: إلى الموقف الذي أعده لهم من أحسن إليهم بالتربية {ينسلون} ~~أي: يسرعون المشي مع تقارب الخطا بقوة ونشاط فيا لها من قدرة شاملة وحكمة ~~كاملة حيث كان صوت واحد يحيي تارة ويميت أخرى.u # فإن قيل: المسيئ إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رجلا ويؤخر أخرى ~~والنسلان سرعة المشي فكيف يوجد منهم؟ أجيب: بأنهم ينسلون من غير اختيارهم، ~~فإن قيل: قال في آية أخرى {فإذا هم قيام ينظرون} (الزمر: 68) # وقال ههنا {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} والقيام غير النسلان ~~وقوله تعالى في الموضعين {إذا هم} يقتضي أن يكونا معا؟ أجيب: بأن القيام لا ~~ينافي المشي السريع؛ لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر وبأن ذلك لسرعة ~~الأمور كان الكل في زمان واحد كقول القائل: # * ... مكر مفر مقبل مدبر معا* # واعلم أن النفختين يورثان تزلزلا وانقلابا للأجرام فعند اجتماع الأجرام ~~يفرقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو المراد ~~النفخة الثانية. # ولما تشوقت النفوس إلى ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون استأنف قوله ~~تعالى: # {قالوا} أي: الذين هم من أهل الويل {يا} للتنبيه {ويلنا} أي: هلاكنا وهو ~~مصدر لا فعل له من لفظه {من بعثنا من مرقدنا} قال أبي بن كعب وابن عباس ~~وقتادة: إنما يقولون هذا؛ لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين ~~فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا ms2795 بالويل. # وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها دعوا بالويل ~~وصار عذاب القبر في جنبها كالنوم فعدوا مكانهم الذي كانوا فيه مع ما كانوا ~~فيه من عذاب البرزخ مرقدا هينا بالنسبة إلى ما انكشف لهم من العذاب الأكبر ~~فقالوا: من بعثنا من مرقدنا، فإن قيل: ما وجه تعلق من بعثنا من مرقدنا ~~بقولهم يا ويلنا؟ أجيب: بأنهم لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام فقالوا: يا ويلنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم ~~كنا نياما فنبهنا؟ كما إذا كان الإنسان موعودا بأن يأتيه عدو لا يطيقه، ثم ~~يرى رجلا هائلا يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول: أهذا ذاك أم لا؟ ويدل على ~~هذا قولهم {من مرقدنا} حيث جعلوا القبور # PageV03P355 # موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نياما فتنبهوا أو كانوا ~~موتى فبعثوا، وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من ~~مرقدنا إشارة إلى متوهمهم احتمال الانتباه. # وقولهم {هذا} إشارة إلى البعث {ما} أي: الذي {وعد} أي: به {الرحمن} أي: ~~العام الرحمة الذي رحمته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه ~~ويجازي كلا بعمله من غير حيف وقد رحمنا بإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام ~~إلينا بذلك وطالما أنذرونا حلوله وحذرونا صعوبته وطوله {وصدق} أي: في أمره ~~{المرسلون} أي: الذين أتونا بوعد الله تعالى ووعيده. # تنبيه: في إعراب هذا وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون ~~الوقف تاما على قوله تعالى {من مرقدنا} وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: ~~أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى أو من قول الملائكة أو من قول ~~المؤمنين، الثاني: أنها من كلام الكفار فتكون في محل نصب بالقول الثاني من ~~الوجهين الأولين هذا صفة لمرقدنا وما وعد منقطع عما قبله، ثم في (ما) وجهان ~~أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي: الذي وعده الرحمن وصدق ~~المرسلون فيه حق عليكم وإليه ذهب الزجاج والزمخشري، والثاني: أنه خبر مبتدأ ~~مضمر أي: في ms2796 هذا الذي وعد الرحمن. # {إن} أي: ما {كانت} أي: النفخة التي وقع الإحياء بها {إلا صيحة واحدة} ~~أي: كما كانت صيحة الإماتة واحدة {فإذا هم} أي: فجأة من غير توقف أصلا ~~{جميع} أي: على حالة الاجتماع لم يتأخر منهم أحد {لدينا} أي: عندنا ~~{محضرون} ثم بين تعالى ما يكون في ذلك اليوم بقوله تعالى: # {فاليوم لا تظلم نفس} أي: أي نفس كانت مكروهة أو محبوبة {شيئا} أي: لا ~~يقع لها ظلم ما من أحد ما في شيء ما {ولا تجزون} أي: على عمل من الأعمال ~~شيئا من الجزاء من أحد {إلا ما كنتم تعملون} ديدنا لكم بما ركز في جبلاتكم ~~ثم بين تعالى حال المحسن بقوله تعالى: # {إن أصحاب الجنة} أي: الذين لا حظ للنار فيهم {اليوم} أي: يوم البعث وهذا ~~يدل على أنه يعجل دخولهم ودخول بعضهم إليها ووقوف الباقين للشفاعات ونحوها ~~من الكرامات عند دخول أهل النار النار، وعبر بما يدل على أنهم بكلياتهم ~~مقبلون عليه ومطرقون له مع توجههم إليه بقوله {في شغل} أي: عظيم جدا لا ~~تبلغ وصفه العقول كما كانوا في الدنيا في أشغل الشغل بالمجاهدات في ~~الطاعات. # وقرأ ابن عامر والكوفيون بضم العين، والباقون بالإسكان ثم بين ذلك الشغل ~~بقوله {فاكهون} أي: متلذذون في النعمة، واختلف في هذا الشغل فقال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما: في افتضاض الإبكار، وقال وكيع بن الجراح رضي الله ~~عنهما: في السماع، وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم ~~أمرهم ولا يذكرونهم، وقال ابن كيسان: في زيارة بعضهم بعضا، وقيل: في ضيافة ~~الله تعالى فاكهون، وقيل: في شغل عن هول اليوم يأخذون ما آتاهم الله تعالى ~~من الثواب فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب. # وقوله تعالى {فاكهون} متمم لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شغل جاز أن ~~يقال: هم في شغل أعظم من التفكر في اليوم وأهواله فإن من تصيبه فتنة عظيمة ~~ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخسران وقع ms2797 في ماله يقول: أنا مشغول عن ~~هذا بأهم منه فقال: فاكهون أي: شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل ~~والثبور، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: فاكهون: # PageV03P356 # فرحون. # ولما كانت النفس لا يتم سرورها إلا بالقرين الملائم قال تعالى: # {هم} أي: بظواهرهم وبواطنهم {وأزواجهم} أي: أشكالهم الذين لهم في غاية ~~الملاءمة كما كانوا يتركونهم في المضاجع على ألذ ما يكون ويصفون أقدامهم في ~~خدمتنا وهم يبكون من خشيتنا، وفي هذا إشارة إلى عدم الوحشة {في ظلال} أي: ~~يجدون فيها برد الأكباد وغاية المراد فلا تصيبهم الشمس كما كانوا يشوون ~~أكبادهم في دار العمل بحر الصيام والصبر في مرضاتنا على الآلام ويعرون ~~أيديهم وقلوبهم من الأموال ببذل الصدقات في سبيلنا على ممر الليالي وكر ~~الأيام. # تنبيه: ظلال جمع ظل كشعاب أو ظله كقباب ويؤيده قراءة حمزة والكسائي بضم ~~الظاء ولا ألف بين اللامين وهم مبتدأ وخبره في ظلال كما قاله أبو البقاء. # ولما كان التمتع لا يكمل إلا مع العلو الممكن من زيادة العلم الموجب ~~لارتياح النفس وبهجة العين بانفساح البصر عند مد النظر قال تعالى {على ~~الأرائك} أي: السرر المزينة العالية التي هي داخل الحجال قال ثعلب لا تكون ~~أريكة حتى تكون عليها حجلة وقال ابن جرير الأرائك الحجال فيها السرر وروى ~~أبو عبيدة في (الفضائل) عن الحسن قال: كنا لا ندري ما الأرائك حتى لقينا ~~رجل من أهل اليمن، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحجلة فيها السرير وهذا جزاء ~~لما كانوا يلزمون المساجد ويغضون أبصارهم ويضعون نفوسهم لأجلنا {متكئون} ~~كما كانوا يدأبون في الأعمال قائمين بين أيدينا في أغلب الأحوال، والاتكاء ~~الميل على شق مع الاعتماد على ما يريح الاعتماد عليه أو الجلوس مع التمكن ~~على هيئة المتربع وفي هذا إشارة إلى الفراغ وقوله تعالى: # {لهم} أي: خاصة بهم {فيها فاكهة} أي: لا تنقطع أبدا ولا مانع لهم من ~~تناولها ولا يتوقف ذلك على غير الإرادة إشارة إلى أن لا جوع هناك؛ لأن ~~التفكه لا يكون لدفع الجوع {ولهم ما يدعون} ms2798 أي: يتمنون. # تنبيه: في ما هذه ثلاثة أوجه: موصولة اسمية نكرة موصوفه، والعائد على ~~هذين محذوف مصدرية، ويدعون مضارع ادعى افتعل من دعا يدعو أشرب معنى التمني، ~~وقال الزجاج: هو من الدعاء أي: ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من دعوت غلامي ~~فيكون الافتعال بمعنى: الفعل كالاحتمال بمعنى: الحمل والارتحال بمعنى: ~~الرحل، وقيل: افتعل بمعنى: تفاعل أي: ما يتداعونه كقولهم: ارتموا وتراموا ~~بمعنى واحد، ثم فسر الذي يدعونه أي: يطلبونه بغاية الاشتياق إليه واستأنف ~~الإخبار عنه بقوله تعالى: # {سلام} أي: عظيم جدا عليكم يا أهل الجنة والسلام يجمع جميع النعم ثم بين ~~هذا السلام بما أظهر من عظمه بقوله {قولا من رب} أي: دائم الإحسان {رحيم} ~~أي: عظيم الإكرام بما ترضاه الإلهية كما كانوا في الدنيا يفعلون كل ما فيه ~~الرضا فيرحمهم في حال السلام وسماع الكلام بلذة الرؤية مع التقوية على ~~الدهش والضعف لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا المقام الأكرم مع قصورهم عنه. # روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بينا أهل ~~الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عز وجل قد أشرف ~~عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة فينظر إليهم وينظرون إليه ~~فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى ~~نوره وبركته # PageV03P357 # عليهم في ديارهم» ، وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم لقوله تعالى ~~{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} (الرعد: 23 24) # أي: يقولون: سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم وقيل: يعطيهم ~~السلامة الأبدية. # ولما ذكر ما للمؤمنين من النعيم ذكر ما للكافرين من الجحيم بقوله تعالى: # {وامتازوا} أي: ويقال للمجرمين امتازوا أي: انفردوا {اليوم أيها ~~المجرمون} عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم قال الضحاك: لكل كافر في النار بيت ~~يدخل ذلك البيت فيردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى، ~~وقيل: إن قوله تعالى {وامتازوا} أمر تكوين فحين يقول {امتازوا اليوم} ~~فيميزون بسيماهم ويظهر على ms2799 جباههم وفي وجوههم سواد كما قال تعالى {يعرف ~~المجرمون بسيماهم} (الرحمن: 41) # ولما أمروا بالامتياز وشخصت منهم الأبصار وكلحت الوجوه وتنكست الرؤوس قال ~~تعالى موبخا لهم: # {ألم أعهد إليكم} أي: أوصيكم إيصاء عظيما بما نصبت من الأدلة ومنحت من ~~العقول وبعثت من الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت من الكتب في بيان ~~الطريق الموصل إلى النجاة. # ولما كان المقصود بهذا الخطاب تقريعهم وتبكيتهم وكانت هذه السورة قلبا ~~وكان القلب أشرف الأعضاء وكان الإنسان أشرف الموجودات خصه بالخطاب بقوله ~~تعالى: {يا بني آدم} أي: على لسان رسلي عليهم الصلاة والسلام، واختلف في ~~معنى: هذا العهد على وجوه أقواها: ألم أوص إليكم كما مر، وقيل: آمركم، ~~وقيل: غير ذلك، واختلفوا في هذا العهد أيضا على أوجه: # أظهرها: أنه مع كل قوم على لسان رسلهم كما مر، وقيل: هو العهد الذي كان ~~مع آدم في قوله تعالى {ولقد عهدنا إلى آدم} (طه: 115) # وقيل: هو الذي كان مع ذريته عليه السلام حين أخرجهم وقال {ألست بربكم ~~قالوا بلى} (الأعراف: 172) # {أن لا تعبدوا الشيطان} أي: البعيد المحترق بطاعتكم فيما يوسوس به إليكم ~~والطاعة قد تطلق على العبادة. # ثم علل النهي عن عبادته بقوله تعالى: {إنه لكم} والتأكيد؛ لأن أفعالهم ~~أفعال من يعتقد صداقته {عدو مبين} أي: ظاهر العداوة جدا من جهة عداوته ~~لأبيكم التي أخرجتكم من الجنة التي لا منزل أشرف منها ومن جهة أمركم بما ~~ينغص الدنيا من التخالف والخصام، ومن جهة تزيينه للفاني الذي لا يرغب فيه ~~عاقل لو لم يكن فيه عيب غير فنائه فكيف إذا كان أكثره أكدارا وأدناسا؟ فكيف ~~إذا كان شاغلا عن الباقي؟ فكيف إذا كان عائقا عن المولى؟ فكيف إذا كان ~~مغضبا له حاجبا عنه؟ فإن قيل: إذا كان الشيطان عدوا للإنسان فما بال ~~الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزنا، والشرب، ونحو ذلك، ويكره ما يسخطه من ~~المجاهدة، والعبادة ونحو ذلك؟ أجيب: بأنه يستعين عليه بأعوان من عند ~~الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله تعالى، فيستعين بشهوته التي خلقها الله ms2800 ~~تعالى فيه لمصالح بقائه وبقاء نوعه ويجعلها سببا لفساد حاله، ويدعوه بها ~~إلى مسالك المهالك، وكذا يستعين بغضبه الذي خلقه الله تعالى فيه لدفع ~~المفاسد ويجعله سببا لوباله وفساد أحواله، وميل الإنسان إلى المعاصي كميل ~~المريض إلى المضار، وذلك حيث ينحرف المزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد ~~الماء البارد وهو يزيد في مرضه ومن معدته فاسدة لا تهضم القليل من الغداء ~~يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا ~~يشتهي إلا ما ينفعه. # ولما منع من عبادة الشيطان # PageV03P358 # أمر بعبادة الرحمن بقوله عاطفا على أن لا: # {وأن اعبدوني} أي: وحدوني وأطيعوني {هذا} أي: الأمر بعبادتي {صراط} أي: ~~طريق {مستقيم} أي: بليغ الاستقامة وعبادة الشيطان طريق ضيق معوج غاية الضيق ~~والعوج، وقرأ قنبل بالسين وخلف بالإشمام أي: بين الصاد والزاي والباقون ~~بالصاد. # ثم ذكر ما ينبه لعداوة الشيطان بقوله تعالى: # {ولقد أضل منكم} أي: عن الطريق الواضح السوي بما سلطه به من الوسوسة ~~{جبلا} أي: أممااكبارا عظاما ما كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة ~~الانقياد، ومع ذلك كان يلعب بهم كما تلعب الصبيان بالكرة، فسبحان من أقدره ~~على ذلك وإلا فهو أضعف كيدا وأحقر أمرا، وقرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء ~~الموحدة وتشديد اللام مع التنوين، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بضم الجيم وسكون ~~الموحدة، والباقون بضم الجيم والموحدة وكلها لغات ومعناها: الخلق والجماعة ~~أي: خلقا {كثيرا} ثم زاد في التوبيخ والإنكار بقوله تعالى: {أفلم تكونوا ~~تعقلون} أي: عداوته وإضلاله، وما حل بهم من العذاب فتؤمنوا ويقال لهم في ~~الآخرة: # {هذه جهنم} أي: التي تستقبلكم بالعبوسة، والتجهم كما كنتم تفعلون بعبادي ~~الصالحين {التي كنتم توعدون} أي: إن لم ترجعوا عن غيكم. # {اصلوها} أي: قاسوا حرها وتوقدها وهول أمر ذلك اليوم فإن ذكره على حد ما ~~مضى بقوله تعالى: {اليوم} ليكونوا في شغل شاغل كما كان أصحاب الجنة وشتان ~~ما بين الشغلين {بما} أي: بسبب ما {كنتم تكفرون} أي: تسترون ما هو ظاهر جدا ~~بعقولكم من ms2801 آياتي في دار الدنيا. # تنبيه: في هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه أحدها: ~~قوله تعالى {اصلوها} أمر تنكيل وإهانة كقوله تعالى {ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم} (الدخان: 49) # ثانيها: قوله تعالى {اليوم} يعني: العذاب حاضر ولذاتهم قد مضت وبقي اليوم ~~العذاب. ثالثها: قوله تعالى {بما كنتم تفكرون} فإن الكفر والكفران ينبئ عن ~~نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام كما قيل: # *أليس بكاف لذي همة ... حياء المسيئ من المحسن* # ولما كان كأنه قيل هل يحكم في ذلك اليوم بعلمه، أو يجري الأمر على قاعدة ~~الدنيا في العمل بالبينة؟ نبه على أظهر من قواعد الدنيا بقوله تعالى مهولا: # {اليوم} على النسق الماضي في مظهر العظمة؛ لأنه أليق بالتهويل {نختم} أي: ~~بما لنا من عظيم القدرة {على أفواههم} أي: الكفار لاجترائهم على الكذب ~~كقوله سبحانه {والله ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام: 23) # {وتكلمنا أيديهم} أي: بما عملوا إقرارا هو أعظم شهادة {وتشهد أرجلهم} أي: ~~عليهم بكلام بين هو مع كونه شهادة إقرار {بما كانوا} أي: في الدنيا ~~بجبلاتهم {يكسبون} فكل عضو ينطق بما صدر عنه، فالآية من الاحتباك أثبت ~~الكلام للأيدي أولا: لأنها كانت مباشرة دليلا على حذفه من حيز الأرجل ~~ثانيا: وأثبت الشهادة للأرجل ثانيا؛ لأنها كانت حاضرة دليلا على حذفها من ~~حيز الأيدي أولا. # وتقريبه: أن قول المباشر إقرار وقول الحاضر شهادة، وفي كيفية هذا الختم ~~وجهان أقواهما أن الله تعالى يسكت ألسنتهم، وينطلق جوارحهم فتشهد عليهم، ~~وإن ذلك في قدرة الله تعالى يسير، أما الإسكات فلا خفاء فيه، وأما الإنطاق ~~فإن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة فجاز تحريك غيره # PageV03P359 # بمثلها والله سبحانه قادر على كل الممكنات. # والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم، وانتهاك أستارهم ~~فيقفون ناكسي الرؤوس لا يجدون عذرا فيعتذرون، ولا مجال توبة فيستغفرون ~~وتكلم الأيدي هو ظهور الأمر بحيث لا يسمع منه الإنكار كقول القائل: الحيطان ~~تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن. # والصحيح الأول لما روى أبو ms2802 هريرة: «أن ناسا سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون ~~في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا يا رسول الله قال: فهل ~~تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب قالوا: لا يا رسول الله ~~قال: والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤيتهما ~~قال: فيلقى العبد فيقول: ألم أكرمك ألم أسودك ألم أزوجك ألم أسخر لك الخيل ~~والإبل وأتركك تتزايد وتترافع قال: بلى يا رب قال: فظننت أنك ملاقي فيقول: ~~لا يا رب فيقول اليوم أنساك كما نسيتني إلى أن قال: ثم يلقى الثالث فيقول: ~~ما أنت فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصليت وتصدقت ويثني ~~بخير ما استطاع ثم قال: فيقال له: أفلا نبعث عليك شاهدنا قال: فيفكر في ~~نفسه من الذي يشهد عليه فيختم على فيه، فيقال لفخذه: انطقي قال: فتنطق فخذه ~~ولحمه وعظامه بما كان يعمل، قال: وذلك المنافق وذلك ليعذر من نفسه وذلك ~~الذي سخط الله عليه» . # ولما روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: «كنا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فضحك فقال: هل تدرون مم أضحك قال: قلنا: الله ورسوله أعلم قال: ~~من مخاطبة العبد ربه قال: يقول العبد: يا رب ألم تجرني من الظلم فيقول: بلى ~~فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني فيقول تعالى {كفى بنفسك اليوم عليك ~~شهيدا} (الإسراء: 14) # وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه ويقول لأركانه: انطقي، فتنطق ~~بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن أو سحقا فعنكن كنت ~~أناضل» وقال صلى الله عليه وسلم «أول ما يسأل من أحدكم فخذه وكفه» . # تنبيه: ههنا سؤالات: الأول: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال ~~{نختم} وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل، الثاني: ما الحكمة في ~~جعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل، الثالث: أن يوم القيامة من تقبل شهادته ~~من المقربين والصديقين ms2803 كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو غير ~~مقبولة وإن كان عدلا، وغير الصديقين من الكفار والفساق لا تقبل شهادتهم، ~~والأيدي والأرجل صدرت الذنوب عنها فهي فسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتهم؟ # أجيب: عن الأول: بأنه لو قال: نختم على أفواههم وننطق أيديهم لاحتمل أن ~~يكون ذلك جبرا وقهرا والإقرار بالإجبار غير مقبول فقال {وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم} أي: بالاختيار بعدما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل ~~على صدور الذنب منهم. # وأجيب عن الثاني: بأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى {وما عملته ~~أيديهم} أي: ما عملوه وقال تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة: ~~195) # أي: ولا تلقوا أنفسكم فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل ينبغي أن ~~يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهن. # وأجيب عن الثالث: بأن الأيدي والأرجل ليسوا من أهل التكلف ولا ينسب إليها ~~عدالة ولا فسق إنما المنسوب من ذلك إلى # PageV03P360 # العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقال: ورد أن العين تزني وأن الفرج يزني ~~وأن اليد كذلك؛ لأن معناه أن المكلف يزني بها لا أنها هي تزني، وأيضا فإنا ~~نقول: في رد شهادتها قبول شهادتها؛ لأنها إن كذبت في مثل ذلك اليوم مع ظهور ~~الأمور لابد أن يكون مذنبا في الدنيا وإن صدقت في ذلك اليوم فقد صدر منها ~~الذنب في الدنيا، وهذا كمن قال لفاسق: إن كذبت في نهار هذا اليوم فعبدي حر ~~فقال الفاسق: كذبت في نهار هذا اليوم عتق العبد؛ لأنه إن صدق في قوله: كذبت ~~في نهار هذا اليوم فقد وجد الشرط ووقع الجزاء، وإن كذب في قوله كذبت فقد ~~كذب في نهار ذلك اليوم فقد وجد الشرط أيضا بخلاف ما لو قال في اليوم ~~الثاني: كذبت في نهار ذلك اليوم الذي علقت عتق عبدك على كذبي فيه، ثم بين ~~سبحانه وتعالى أنه قادر على إذهاب الأبصار كما هو قادر على إذهاب البصائر ~~بقوله تعالى: # k # {ولو نشاء} وعبر بالمضارع ليتوقع في كل حين فيكون أبلغ ms2804 في التهديد ~~{لطمسنا على أعينهم} أي: الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق وهو معنى ~~الطمس كقوله تعالى {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} (البقرة: 20) # يقول: إنا أعمينا قلوبهم ولو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة وقوله تعالى ~~{فاستبقوا الصراط} أي: ابتدروا الطريق ذاهبين كعادتهم عطف على لطمسنا ~~{فأنى} أي: فكيف {يبصرون} الطريق حينئذ وقد أعمينا أعينهم أي: لو نشاء ~~لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عميا يترددون فلا يبصرون الطريق وهذا قول ~~الحسن والسدي، وقال ابن عباس ومقاتل: معناه لو نشاء لطمسنا أعين ضلالتهم ~~فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى ~~يبصرون ولم أفعل ذلك بهم. # ولما كان هذا كله مع القدرة على الحركة قال تعالى: # {ولو نشاء} أي: مسخهم {لمسخناهم} أي: حولناهم عن تلك الحالة فجعلناهم ~~حجارة أو جعلناهم قردة وخنازير. # ولما كان المقصود من المفاجأة بهذه المصائب بيان أنه سبحانه لا كلفة عليه ~~في شيء من ذلك قال تعالى {على مكانتهم} أي: المكان الذي كان قبل المسخ كل ~~شخص منهم شاغلا له بجلوس أو قيام أو غيره في ذلك الموضع خاصة قبل أن يتحرك ~~منه، وقرأ شعبة بألف بعد النون على الجمع، والباقون بغير ألف على الإفراد ~~{فما استطاعوا} أي: بأنفسهم بنوع معالجة {مضيا} أي: إلى جهة من الجهات ثم ~~عطف على جملة الشرط قوله تعالى {ولا يرجعون} أي: يتجدد لهم بوجه من الوجوه ~~رجوع إلى حالتهم التي كانت قبل المسخ دلالة على أن هذه الأمور حق لا كما ~~يقولون من أنها خيال وسحر قيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رجوع. # {ومن نعمره} أي: نطل عمره إطالة كثيرة {ننكسه} قرأه عاصم وحمزة بضم النون ~~الأولى وفتح النون الثانية وتشديد الكاف مكسورة من نكسه مبالغة، والباقون ~~بفتح النون الأولى وسكون الثانية وتخفيف الكاف مضمومة من نكسه وهي محتملة ~~للمبالغة وعدمها ومعنى ننكسه: {في الخلق} أي: خلقه نرده إلى أرذل العمر ~~يشبه الصبي في الخلق، وقيل: ننكسه في الخلق أي: ضعف جوارحه بعد قوتها ~~ونقصانها بعد زيادتها؛ ms2805 لأن الله تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من ~~استوفى سن الصبا والشباب اثنتين وأربعين سنة حسمت غرائزه فلا تزيد فيه ~~غريزة ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها شيء هذا # PageV03P361 # في البدن، وأما في المعارف فتارة وتارة وهذا أيضا في غير الأنبياء عليهم ~~السلام، أما هم فلا ينقص شيء من قواهم بل تزداد كما روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يمشي غير مكترث وأن الصحابة رضي الله عنهم يجهدون أنفسهم ~~فيكون جهدهم أن لا يدركوا مشيته الهوينا و «أنه صلى الله عليه وسلم صارع ~~ركانة» الذي كان يضرب بقوته المثل، وكان واثقا من نفسه أنه يصرع من صارعه ~~فلم يملكه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وعاد إلى ذلك ثلاث مرات كل ذلك لا ~~يتمسك في يده حتى خرج يقول: إن هذا لعجب يا محمد تصرعني» ، وحتى: «أنه دار ~~على نسائه وهن تسع كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد» إلى غير ذلك مما ~~يحكى من قواه التي فاق بها الناس. # ولم يحك عن نبي من الأنبياء عليهم السلام ممن عاش منهم ألفا وممن عاش دون ~~ذلك أنه نقص شيء من قواه بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة: «أن ملك ~~الموت عليه السلام أرسل إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه فلما جاءه صكه ~~ففقأ عينه فقال لربه: أرسلتني لعبد لا يريد الموت قال: ارجع إليه فقل له: ~~يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي: رب ثم ماذا؟ ~~قال: الموت قال: فالآن» وكان موسى وقت قبضه ابن مائة وعشرين سنة {أفلا ~~يعقلون} أي: أن القادر على ذلك عندهم قادر على البعث فيؤمنون، وقرأ نافع ~~وابن ذكوان بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة. # ولما منح الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم غرائز من الفضائل ~~مما عجز عنها الأولون والآخرون، وأتى بقرآن أعجز الأنس والجن، وعلوم وبركات ~~فاقت القوى ليس بشعر خلافا لما رموه به بغيا ms2806 وكذبا وعدوانا قال تعالى: # {وما علمناه} أي: نحن {الشعر} فيما علمناه وهو أن يتكلف التقيد بوزن ~~معلوم، وروي مقصود وقافية يلتزمها ويدير المعاني عليها ويحتلب الألفاظ ~~تكلفا إليها كما كان زهير وغيره في قصائدهم {وما أنا من المتكلفين} (ص: 86) # لأن ذلك، وإن كنتم أنتم تعدونه فخرا لا يليق بجنابنا؛ لأنه لا يفرح به ~~إلا من يريد ترويج كلامه وتحليته بصوغه على وزن معروف مقصود وقافية ملتزمة ~~على أن فيه نقيصة أخرى وهي أعظم ما يوجب النفرة عنه وهي أنه لا بد أن يوهي ~~التزامه بعض المعاني، ولما لم نعلمه هذه الدناءة طبعناه على جميع فنون ~~البلاغة ومكناه من سائر وجوه الفصاحة، ثم أسكنا فيه ينابيع الحكمة ودربناه ~~على إلقاء المعاني الجليلة بما ألهمنا إياه، ثم ألقاه إليه جبريل عليه ~~السلام مما أمرناه به من جوامع الكلم والحكم فلا تكلف عنده أصلا: «ما خير ~~صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطيعة ~~رحم» . # ولما كان الشعر مع ما يبنى عليه من التكلف الذي هو بعيد جدا عن سجايا ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف شرفهم بما يكسب مدحا وهجوا فيكون أكثره ~~كذبا إلى غير ذلك. # قال تعالى {وما ينبغي له} أي: وما يصح له الشعر ولا يسهل له على ما ~~أختبرتم من طبعه نحوا من أربعين سنة؛ لأن منصبه أجل وهمته أعلى من أن يكون ~~مداحا أو عيابا أو أن يتقيد بما قد يجر نقيصة في المعنى وجبلته منافية لذلك ~~غاية المنافاة بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت له، كما جعلناه أميا لا يكتب ~~ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض، وما كان يتزن له بيت شعر حتى إذا ~~تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا روى الحسن: «أن النبي # PageV03P362 # صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: # *كفى بالشيب والإسلام للمرء ناهيا* # فقال أبو بكر رضي الله عنه: إنما قال الشاعر: # *كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # فقال عمر رضي الله عنه: أشهد أنك ms2807 رسول الله يقول الله عز وجل {وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له} وعن ابن شريح قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت: «كان يتمثل من شعر ~~عبد الله بن رواحة قالت: وربما قال: # *ويأتيك بالأخبار من لم تزود* # وفي رواية قالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه قالت: ولم يتمثل بشيء من ~~الشعر إلا ببيت أخي بين قيس طرفة العبدي: # *ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود* # فجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول ~~الله فقال: «إني لست بشاعر ولا ينبغي لي» وقيل: معناه ما كان متأتيا له، ~~وأما قوله صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم والبخاري: «أنا النبي لا كذب ~~أنا ابن عبد المطلب» وقوله كما رواه الشيخان أيضا: # * «هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت» * # فاتفاقي من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك وقد يقع مثله كثيرا في تضاعيف ~~المنثورات على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعرا، هذا وقد روى أنه حرك ~~الباءين في قوله: أنا النبي لا كذب وكسر التاء الأولى بلا إشباع وسكن ~~الثانية من قوله هل أنت إلا إصبع إلخ. # وقيل: الضمير للقرآن أي: وما يصح أن يكون القرآن شعرا، فإن قيل: لم خص ~~الشعر بنفي التعليم مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أشياء من جملتها السحر والكهانة ولم يقل: وما علمناه السحر وما علمناه ~~الكهانة؟ أجيب: بأن الكهانة إنما كانوا ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم ~~إليها عندما كان يخبر عن الغيوب وتكون كما يقول وأما السحر فكانوا ينسبونه ~~إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكليم الجذع والحجر ~~وغير ذلك، وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلو القرآن عليهم ~~لكنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتحدى إلا بالقرآن كما قال تعالى {إن كنتم ~~في ريب ms2808 مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} (البقرة: 23) # إلى غير ذلك ولم يقل: إن كنتم في شك من رسالتي فأخبروا بالغيوب أو أشبعوا ~~الخلق الكثير بالشيء اليسير. فلما كان تحديه صلى الله عليه وسلم بالكلام ~~وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم. # وما نفى أن يكون ما أتى به من جنس الشعر قال تعالى: # {إن} أي: ما {هو} أي: هذا الذي آتاكم به {إلا ذكر} أي: شرف وموعظة ~~{وقرآن} أي: جامع للحكم كلها دنيا وأخرى يتلى في المحاريب ويكرر في ~~المتعبدات وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين والنظر إلى وجه الله العظيم ~~{مبين} أي: ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإعجاز {قل ما أسألكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين} (ص: 86) # كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع نزوله عن بلاغته جدا إنما ذكر ~~للأذكياء جدا وقوله تعالى: # {لينذر} ضميره للنبي صلى الله عليه وسلم ويدل له قراءة نافع وابن عامر ~~بالتاء الفوقية على الخطاب وقيل: للقرآن ويدل له قراءة الباقين بالياء ~~التحتية على الغيبة، واختلف في قوله تعالى {من كان حيا} على قولين: أحدهما: # PageV03P363 # أن المراد به المؤمن؛ لأنه حي القلب والكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا ~~يتفكر قال تعالى {أو من كان ميتا فأحييناه} (الأنعام: 122) # والثاني: المراد به العاقل فهما فيعقل ما يخاطب به فإن الغافل كالميت ~~{ويحق} أي: يجب ويثبت {القول} أي: العذاب {على الكافرين} أي: الغريقين في ~~الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء، ويمكن أن تكون هذه الآية ~~من الاحتباك حذف الإيمان أولا لما دل عليه من ضده ثانيا، وحذف الموت ثانيا ~~لما دل عليه من ضده أولا، وأفرد الضمير في الأول على اللفظ إشارة إلى قلة ~~السعداء، وجمع في الثاني على المعنى إعلاما بكثرة الأشقياء. # {أو لم يروا} أي: يعلموا علما هو كالرؤية، والاستفهام للتقرير والواو ~~الداخلة عليها للعطف {أنا خلقنا لهم} أي: في جملة الناس {مما عملت أيدينا} ms2809 ~~أي: مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا، وذكر الأيدي وإسناد ~~العمل إليها استعارة تفيد المبالغة في الاختصاص والتفرد في الإحداث، كما ~~يقول القائل: عملت هذا بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد {أنعاما} على ~~علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها، وإنما خص ~~الأنعام بالذكر وإن كانت الأشياء كلها من خلقه وإيجاده، لأن الأنعام أكثر ~~أموال العرب والنفع بها أعم {فهم لها مالكون} أي: خلقناها لأجلهم فملكناهم ~~إياها يتصرفون فيها تصرف الملاك أو فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم: # *أصبحت لا أملك السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا* # *والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا* # والشاهد في قوله: ولا أملك رأس البعير أي: لا أضبطه والمعنى: لم نخلق ~~الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة كما ~~قال تعالى: # {وذللناها لهم} أي: يسرنا قيادها ولو شئنا جعلناها وحشية كما جعلنا أصغر ~~منها وأضعف، فمن قدر على تذليل الأشياء الصعبة جدا لغيره قادر على تطويع ~~الأشياء لنفسه ثم سبب عن ذلك قوله تعالى {فمنها ركوبهم} أي: ما يركبون وهي ~~الإبل؛ لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها {ومنها يأكلون} ~~أي: ما يأكلون لحمه. # ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار وكانت منافعها لغير ~~ذلك كثيرة قال تعالى: # {ولهم فيها منافع} أي: من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها وغير ~~ذلك {ومشارب} أي: من ألبانها جمع مشرب بالفتح، وخص الشرب من عموم المنافع ~~بعموم نفعه وجمعه لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة، ولما كانت هذه ~~الأشياء من العظمة بمكان لو فقدها الإنسان لتكدرت معيشته تسبب عنها استئناف ~~الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله تعالى: {أفلا يشكرون} أي: المنعم ~~عليهم بها فيؤمنون. ولما ذكرهم تعالى نعمه وحذرهم نقمه عجب منهم في سفول ~~نظرهم وقبح أثرهم بقوله تعالى موبخا لهم: # {واتخذوا من دون} أي: غير {الله} الذي له جميع صفات الكمال والعظمة ~~{آلهة} أي: أصناما يعبدونها بعدما ms2810 رأوا منه تعالى تلك القدرة الباهرة ~~والنعم المتظاهرة وعلموا أنه المنفرد بها {لعلهم ينصرون} أي: رجاء أن ~~ينصروهم فيما أحزنهم من الأمور والأمر بالعكس # PageV03P364 # كما قال تعالى: # {لا يستطيعون} أي: الآلهة المتخذة {نصرهم} أي: العابدين {وهم} أي: ~~العابدون {لهم} أي: للآلهة {جند محضرون} أي: الكفار جند الأصنام فيغضبون ~~لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق لهم خيرا ولا تستطيع لهم نصرا، وقيل: ~~هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه ~~كأنهم جنده يحضرون في النار وهذا كقوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم} (الأنبياء: 98) # وقوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم} (الصافات: 22 23) # ولما بين تعالى ما تبين من قدرته الظاهرة الباهرة ووهن أمرهم في الدنيا ~~والآخرة ذكر ما يسلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {فلا يحزنك قولهم} أي: في تكذيبك كقولهم: {لست مرسلا} (الرعد: 43) # {إنا نعلم ما} أي كل ما {يسرون} أي: في ضمائرهم من التكذيب وغيره {وما ~~يعلنون} أي: يظهرونه بألسنتهم من الأذى وغيره من عبادة الأصنام فنجازيهم ~~عليه. # ولما ذكر تعالى دليلا على عظم قدرته ووجوب عبادته بقوله تعالى: {أو لم ~~يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} ذكر دليلا من الأنفس أبين من ~~الأول بقوله تعالى: # {أولم ير} أي: يعلم {الإنسان} علما هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر {أنا ~~خلقناه} أي: بما لنا من العظمة {من نطفة} أي: شيء حقير يسير من ماء لا ~~انتفاع به بعد إبداعنا إياه من تراب وأنه من لحم وعظام {فإذا هو} أي: فتسبب ~~عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة النطفة وهي أنه ~~{خصيم} أي: بليغ الخصومة {مبين} أي: في غاية البيان عما يريده حتى إنه ~~ليجادل من أعطاه العقل والقدرة في قدرته وأنشد الأستاذ القشيري في ذلك: # *أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني* # *وكم علمته علم القوافي ... فلما قال قافية هجاني* # وفي ms2811 هذا تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر وفيه ~~تقبيح بليغ لإنكاره، حيث تعجب منه وجعله إفراطا في الخصومة بينا ومنافاته ~~لجحود القدرة على ما هو أهون مما علمه في بدء خلقه ومقابلة النعمة التي لا ~~مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفا مكرما بالعقوق والتكذيب. # {وضرب} أي: هذا الإنسان {لنا} أي: على ما يعلم من عظمتنا {مثلا} أي: أمرا ~~عجيبا وهو نفي القدرة على إحياء الموتى، روي: «أن أبي بن خلف الجمحي وهو ~~الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم بأحد مبارزة، أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعظم بال يفتته بيده فقال: أترى الله يحيي هذا بعدما رم؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم نعم ويبعثك ويدخلك النار» فنزلت. وقيل: هو العاصي بن وائل ~~قاله الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأول {ونسي} أي: هذا الذي تصدى على ~~مهانة أصله لمخاصمة الجبار {خلقه} أي: بدء أمره من المني وهو أغرب من مثله، ~~والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول وأن يكون بمعنى الترك، ثم استأنف ~~الإخبار عن هذا المثل بأن {قال} أي: على طريق الإنكار {من يحيي العظام وهي ~~رميم} أي: صارت ترابا تمر مع الرياح ورميم قال البيضاوي: بمعنى فاعل من رم ~~الشيء صار اسما بالغلبة ولذلك لم يؤنث، أو اسم مفعول من رممته، وفيه دليل ~~على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء ا. ه. # PageV03P365 # قال البغوي: ولم يقل: رميمة؛ لأنه معدول عن فاعله فكل ما كان معدولا عن ~~وجهه ووزنه كان مصروفا عن إعرابه كقوله تعالى {وما كانت أمك بغيا} (مريم: ~~28) # أسقط الهاء؛ لأنها مصروفة عن باغية. # تنبيه: هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر؛ لأن المنكرين للحشر ~~منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثرون ~~{أءذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد} (السجدة: 10) # {أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} (المؤمنون: 82) # {من يحيي العظام وهي رميم} قالوا: ذلك على طريق الاستبعاد فأبطل ms2812 الله ~~تعلى استبعادهم بقوله تعالى: {ونسي خلقه} أي: نسي أنا خلقناه من تراب ومن ~~نطفة متشابهة الأجزاء ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة ~~الصورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو ~~النطق والعقل اللذان بهما استحقوا الإكرام، فإن كانوا يقنعون بمجرد ~~الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة مذرة لم تكن محلا ~~للحياة أصلا، ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه واختاروا ~~العظم بالذكر؛ لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوى جانب ~~الاستبعاد من البلاء والتفتت. # والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: ~~{وضرب لنا مثلا} أي: جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب، ~~ومنهم من ذكر شبهة وإن كان في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على ~~وجهين: الأول: أنه بعد العدم لم يبق شيئا فكيف الحكم على العدم بالوجود؟ ~~فأجاب تعالى عن هذه الشبهة بأن قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: لهؤلاء البعداء البغضاء {يحييها} أي: بعد أن أنشأها أول مرة ~~{الذي أنشأها} أي: من العدم ثم أحياها {أول مرة} فكما خلق الإنسان ولم يكن ~~شيئا مذكورا كذلك يعيده إن لم يبق شيئا مذكورا. # الوجه الثاني: أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضها في ~~أبدان السباع وبعضها في حواصل الطيور وبعضها في جدران الربوع كيف تجتمع. # وأبعد من هذا لو أكل إنسان إنسانا وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن ~~أعيدت أجزاء الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تنخلق منها أعضاؤه وإما أن تعاد ~~إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول ~~كذلك، فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء ~~الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فأجاب الله تعالى عن هذه ~~الشبهة بقوله {وهو بكل خلق} أي: مخلوق {عليم} أي: يجمع الأصل من الفضل ~~فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية ms2813 للمأكول وينفخ فيه روحه ~~وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البقاع المتبددة بحكمته وقدرته. # ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم ~~بقوله تعالى: # {الذي جعل لكم} أي: في جملة الناس {من الشجر الأخضر} أي: الذي تشاهدون ~~فيه الماء {نارا} قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما: المرخ والأخرى: ~~العفار، الأول: بفتح الميم والخاء المعجمة شجر سريع الوري أي: القدح، ~~والثاني: بفتح المهملة وفاء وراء بعد ألف الزند فمن أراد منهما النار قطع ~~منهما غصنين مثل # PageV03P366 # السواكين وهما أخضران يقطران الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو ~~أنثى فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى وتقول العرب: في كل شجر نار ~~واستمجد المرخ والعفار، وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العناب {فإذا ~~أنتم} أي: فتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنه {منه} أي: من الشجر الموصوف بالخضرة ~~{توقدون} أي: توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد أخرى وهذا أدل على ~~القدرة على البعث فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب فلا الماء يطفئ ~~النار ولا النار تحرق الخشب. # ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال تعالى: # {أوليس الذي خلق} أي: أوجد من العدم {السموات والأرض} أي: على كبرهما ~~وعظم ما فيهما من المنافع والمصانع والعجائب والبدائع، وأثبت الجار تحقيقا ~~للأمر وتأكيدا للتقرير فقال تعالى {بقادر على أن يخلق مثلهم} أي: مثل هؤلاء ~~الأناسي في الصغر أي: يعيدهم بأعيانهم، وقيل: الضمير يعود على السموات ~~والأرض لتضمنهم من يعقل والأول أظهر؛ لأنهم المخاطبون وقوله تعالى {بلى} ~~جواب ليس وإن دخل عليها الاستفهام المصير لها إيجابا أي: هو قادر على ذلك ~~أجاب نفسه تعالى {وهو} مع ذلك أي: مع كونه عالما بالخلق {الخلاق} أي: ~~الكثير الخلق {العليم} أي: البالغ في العلم الذي هو منشأ القدرة فلا يخفى ~~عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا مستقبل شاهد أو غائب. # ولما تقرر ذلك أنتج قوله تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم القدرة على البعث: # {إنما أمره} أي: شأنه ووصفه {إذا ms2814 أراد شيئا} أي: خلق شيء من جوهر أو عرض ~~أي شيء كان {أن يقول له كن} أي: أن يريده {فيكون} أي: يحدث وهو تمثيل ~~لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع ~~وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة قطعا لمادة الشبهة وهو قياس ~~قدرة الله تعالى على قدرة الخلق، وقرأ ابن عامر والكسائي بنصب النون عطفا ~~على يقول، والباقون بالرفع أي: فهو يكون. # ولما كان ذلك تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من ~~الأمثال فلذلك قال: # {فسبحان} أي: تنزه عن كل شائبة نقص تنزها لا يبلغ أفهامكم كنهه وعدل عن ~~الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال {الذي بيده} أي: قدرته وتصرفه ~~خاصة لا بيد غيره {ملكوت كل شيء} أي: ملكه التام وملكه ظاهرا وباطنا. # ولما كان التقدير فمنه تبدؤون عطف عليه قوله تعالى {وإليه} أي: لا إلى ~~غيره {ترجعون} أي: معنى في جميع أموركم وحسا بالبعث لينصف بينكم فيدخل بعضا ~~النار وبعضا الجنة، وعن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضل يس كيف خصت به ~~فإذا به لهذه الآية. # وما رواه البيضاوي عنه صلى الله عليه وسلم «إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن ~~يس» ، و «أيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف ~~منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون ~~قبض روحه وغسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه» ، و «أيما مسلم ~~قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة ~~من الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض روحه وهو ريان ويمكث في قبره وهو ~~ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو # PageV03P367 # ريان» حديث موضوع. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة يس في ~~ليلة أصبح مغفورا له» وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله ms2815 عليه ~~وسلم «من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها ~~حسنات» . وعن يحيى بن أبي كثير قال: بلغنا أن من قرأ يس حين يصبح لم يزل في ~~فرح حتى يمسي ومن قرأها حين يمسي لم يزل في فرح حتى يصبح. ### | سورة الصافات # مكية وهي مائة واثنان وثمانون آية، وثمان مئة وستون كلمة، وثلاثة آلاف ~~وثمان مئة وستة وعشرون حرفا # {بسم الله} الذي له الكمال المطلق {الرحمن} الذي من رحمته العدل في ~~الدارين {الرحيم} الذي لا يدنو من جنابه نقص واختلف في تفسير قوله تعالى: # {والصافات صفا} أي: وهو ترتيب الجمع على خط، فقال ابن عباس والحسن ~~وقتادة: هم الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة، وعن ~~جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا تصفون كصفوف ~~الملائكة عند ربهم» قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: «يتمون الصفوف ~~المتقدمة ويتراصون في الصف» . وقيل: هي الملائكة تصف أجنحتها في الهواء ~~واقفة حتى يأمرها الله تعالى بما يريد، وقيل: هي الطير تصف أجنحتها في ~~الهواء لقوله تعالى: {والطير صافات} (النور: 41) # . واختلف أيضا في قوله تعالى: # {فالزاجرات زجرا} فأكثر المفسرين على أنها الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، ~~وقال قتادة: هي زواجر القرآن تنهي وتزجر عن القبيح، واختلف أيضا في قوله ~~تعالى: # {فالتاليات ذكرا} فالأكثر أيضا، أنهم الملائكة عليهم السلام يتلون ذكر ~~الله تعالى، وقيل: هم جماعة قراء القرآن. # فإن قيل: قال أبو مسلم الأصفهاني: لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة؛ ~~لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة عليهم السلام مبرؤون من هذه الصفة. أجيب ~~بوجهين: # الأول: أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال: جماعة صافة ثم تجمع على صافات. # والثاني: أنهم مبرؤون من التأنيث المعنوي وأما التأنيث اللفظي فلا، وكيف ~~وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة. # تنبيه: اختلف الناس ههنا في المقسم به على قولين: # أحدهما: أن المقسم به خالق هذه الأشياء لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ~~الحلف بغير الله تعالى، ولأن ms2816 الحلف في مثل هذا الموضع تعظيم للمحلوف به، ~~ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا بالله تعالى، ففي ذلك إضمار تقديره ورب ~~الصافات ورب الزاجرات ورب التاليات، ومما يؤيد هذا أنه تعالى صرح به في ~~قوله تعالى: {والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها} (الشمس: ~~5 7) # والثاني: وعليه الأكثر أن المقسم به هذه الأشياء لظاهر اللفظ فالعدول عنه ~~خلاف الدليل، وأما النهي عن الحلف بغير الله تعالى فهو نهي للمخلوق عن ذلك، ~~وأما قوله تعالى: {وما بناها} فإنه علق لفظ القسم بالسماء ثم عطف عليه ~~القسم بالباني للسماء ولو كان المراد بالقسم بالسماء القسم بمن بنى السماء ~~لزم التكرار في موضع واحد، وهو لا يجوز، وأيضا لا يبعد أن تكون الحكمة في ~~قسم الله تعالى بهذه الأشياء، التنبيه على شرف ذواتها. # وقال البيضاوي: أقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية على مراتب ~~باعتبارها تفيض عليهم أنوار # PageV03P368 # الهيبة منتظرين لأمر الله الزاجرين، للأجرام العلوية والسفلية بالتدبير ~~المأمور فيها، أو الناس عن المعاصي بإلهام الخبر، أو الشياطين عن التعرض ~~لهم التالين لآيات الله وجلايا قدسه على أنبيائه وأوليائه أو بطواف الأجرام ~~المترتبة كالصفوف المرصوصة والأرواح المدبرة لها والجواهر القدسية ~~المستغرقة في بحار القدس يسبحون الليل والنهار لا يفترون، أو بنفوس العلماء ~~الصادقين في العبارات الزاجرين عن الكفر والفسوق بالحجج والنصائح التالين ~~آيات الله وشرائعه، أو بنفوس الغزاة الصادقين في الجهاد الزاجرين للخيل ~~والعدو التالين ذكر الله لا يشغلهم عنه مباراة العدو، وقال الزمخشري: الفاء ~~في، فالزاجرات والتاليات إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود كقوله: # *يا لهف زيابة للحرث ... الصابح فالغانم فالآيب* # أي: الذي صبح فغنم فآب، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: ~~خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل، وإما على ترتب موصوفاتها كقوله: ~~«رحم الله المحلقين فالمقصرين» ، والبيضاوي ذكر هذا حديثا قال شيخنا القاضي ~~زكريا: لم أره بهذا اللفظ ا. ه، لكنه لفضل المتقدم على المتأخر وهذا للعكس، ~~وقرأ أبو عمرو وحمزة بالإدغام فيما ذكر، والباقون بالإظهار؛ ms2817 وجواب القسم. # {إن إلهكم} أي: الذي اتخذتم من دونه آلهة {لواحد} إذ لو لم يكن واحدا ~~لاختل هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة وما يترتب عليها فكان غير حكيم، فإن ~~قيل: ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجهين: # الأول: أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو ~~الكافر، فالأول باطل؛ لأن المؤمن مقر به من غير حلف. # والثاني: باطل أيضا؛ لأن الكافر لا يقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل ~~فهذا الحلف عديم الفائدة على كل تقدير، الثاني: أنه يقال أقسم في أول هذه ~~السورة على أن الإله واحد وأقسم في أول سورة الذاريات على أن القيامة حق، ~~فقال: {والذاريات ذروا} (الذاريات: 1) # إلى قوله {إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع} (الذاريات: 5) # وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم ~~بالحلف لا يليق بالعقلاء؟ أجيب: عن ذلك بأوجه: # أولها: أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في غالب السور ~~بالدلائل اليقينية، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم ~~تأكيدا لما تقدم لاسيما والقرآن أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف ~~واليمين طريقة مألوفة عند العرب. # ثانيها: أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها ~~آلهة فكأنه قيل: إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في ~~إبطاله مثل هذه الحجة. # ثالثها: أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشيائ على صحة قوله تعالى: {إن إلهكم ~~لواحد} (الصافات: 4) # عقبه بما هو الدليل اليقيني في كون الإله واحد، وهو قوله تعالى: # {رب} أي: موجد ومالك ومدبر {السموات} أي: الأجرام العالية {والأرض} أي: ~~الأجرام السافلة {وما بينهما} أي: من الفضاء المشحون بما يعجز عن عده ~~القوي، وذلك؛ لأنه تعالى بين في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا} (الأنبياء: 22) # أن انتظام أحوال السموات والأرض يدل على أن الإله واحد فههنا لما قال {إن ~~إلهكم لواحد} أردفه # PageV03P369 # بقوله {رب السموات والأرض وما بينهما} كأنه قيل: بينا أن النظر ms2818 في انتظام ~~هذا العالم يدل على أن الإله واحد فتأملوا ليحصل لكم العلم بالتوحيد. # تنبيه: علم من قوله تعالى {وما بينهما} أنه تعالى خالق لأعمال العباد؛ ~~لأن أعمالهم موجودة فيما بين السماء والأرض وهذه الآية دلت على أن كل ما ~~حصل بين السماء والأرض، فالله ربه ومالكه وهذا يدل على أن فعل العبد حصل ~~بخلق الله تعالى، فإن قيل: الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السماء ~~والأرض؛ لأن هذا الوصف إنما يكون حاصلا في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك؟ ~~أجيب: بأنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السماء والأرض فهي أيضا ~~حاصلة بين السموات والأرض {ورب المشارق} أي: والمغارب وجمعها باعتبار جميع ~~السنة فإن الله تعالى خلق للشمس ثلاث مئة وستين كوة في المشرق وثلاثمئة ~~وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها ~~وتغرب في كوة منها لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها إلى ذلك اليوم من ~~العام المقبل. # وقيل: كل موضع أشرقت عليه الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه فهو مغرب ~~كأنه أراد جميع ما أشرقت عليه الشمس. # وقيل: المراد بالمشارق مشارق الكواكب ومغاربها؛ لأن لكل كوكب مشرقا ~~ومغربا، فإن قيل: إن الله تعالى قال في موضع {رب المشرق والمغرب} (الشعراء: ~~28) # وقال في موضع آخر {رب المشرقين ورب المغربين} (الرحمن: 17) # فما الجمع بين هذه المواضع؟ أجيب: بأن المراد بقوله {رب المشرق والمغرب} ~~الجهة فالمشرق جهة والمغرب جهة وبقوله تعالى: {رب المشرقين ورب المغربين} ~~مشرقا الشتاء والصيف ومغربا الشتاء والصيف وأما موضع الجمع فقد مر. فإن ~~قيل: لم اكتفى بذكر المشارق؟ أجيب: بوجهين. # الأول: أنه اكتفى به كقوله تعالى {تقيكم الحر} (النحل: 81) # والثاني: أن الشروق أقوى حالا من الغروب وأكثر نفعا منه فذكر المشرق ~~تنبيها على كثرة إحسان الله تعالى على عباده ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم ~~خليل الرحمن عليه السلام بقوله {إن الله يأتي بالشمس من المشرق} (البقرة: ~~258) # {إنا زينا} أي: بعظمتنا التي لا تدانى {السماء} ولما كانوا لا ms2819 يرون إلا ~~ما يليهم من السموات وكانت زينة النجوم ظاهرة فيها قال تعالى {الدنيا} أي: ~~التي هي أدنى السموات إليكم {بزينة الكواكب} أي: بضوئها كما قاله ابن عباس ~~أو بها، وقرأ عاصم وحمزة بزينة بالتنوين، والباقون بغير تنوين والإضافة ~~للبيان كقراءة تنوين بزينة المبينة بالكواكب ونصب الياء الموحدة من الكواكب ~~شعبة، وكسرها الباقون. # فإن قيل: قد ثبت في علم الهيئة أن هذه الكواكب الثوابت مركوزة في الكرة ~~الثامنة وأن السيارات مركوزة في الكرات الستة المحيطة بسماء الدنيا فكيف ~~يصح قوله تعالى {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} ؟ أجيب: بأن الناس ~~الساكنين على سطح كرة الأرض إن نظروا إلى السماء الدنيا فإنهم يشاهدونها ~~مزينة بهذه الكواكب فصح قوله تعالى {إنا زينا السماء بزينة الكواكب} وقوله ~~تعالى: # {وحفظا} منصوب بفعل مقدر أي: حفظناها بالشهب أو معطوف على زينة باعتبار ~~المعنى، كأنه قال: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء الدنيا وحفظا {من كل ~~شيطان} أي: بعيد # PageV03P370 # عن الخير محترق {مارد} أي: عات خارج عن الطاعة. # ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته استأنف قوله ~~تعالى: # {لا يسمعون} أي: الشياطين المفهومون من كل شيطان {إلى الملأ الأعلى} أي: ~~الملائكة أو أشرافهم في السماء، وعدى السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء ~~مبالغة لنفيه وتهويلا لما يمنعهم عنه، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص ~~بفتح السين وتشديدها وتشديد الميم من التسمع وهو طلب السماع، وقرأ الباقون ~~بسكون السين وتخفيف الميم {ويقذفون} أي: الشياطين يرمون بالشهب {من كل ~~جانب} أي: من آفاق السماء وقوله تعالى: # {دحورا} مصدر دحره أي: طرده وأبعده وهو مفعول له، وقيل: هو جمع داحر نحو ~~قاعد وقعود فيكون حالا بنفسه من غير تأويل، وقيل: غير ذلك {ولهم} أي: في ~~الآخرة {عذاب} غير هذا {واصب} أي: دائم، وقال مقاتل: أي: دائم في الدنيا ~~إلى النفخة الأولى وقوله تعالى: # {إلا من خطف} فيه وجهان: أحدهما: أنه مرفوع المحل بدلا من ضمير لا يسمعون ~~وهو أحسن؛ لأنه غير موجب. والثاني: أنه منصوب على أصل الاستثناء، ms2820 والمعنى: ~~أن الشياطين لا يسمعون الملائكة إلا من خطف، وقوله تعالى: {الخطفة} مصدر ~~معرف بأل الجنسية أو المعرفة ومعنى اختطف اختلس الكلمة من كلام الملائكة ~~مسارقة {فاتبعه} أي: لحقه {شهاب} أي: كوكب {ثاقب} أي: مضيء قوي لا يخطئه ~~يقتله أو يحرقه أو يثقبه أو يخبله. # تنبيه: ههنا سؤالات: # أولها: أن هذه الشهب التي يرمى بها هل هي من الكواكب التي زين الله ~~السماء بها أم لا؟ والأول: باطل؛ لأنها تبطل وتضمحل فلو كانت تلك الشهب تلك ~~الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء ولم يوجد ~~ذلك فإن أعداد كواكب السماء باقية لم تتغير البتة، وأيضا فجعلها رجوما ~~للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء الدنيا فكان الجمع بين هذين ~~المقصودين كالمتناقض، وإن كانت هذه الشهب جنسا آخر غير الكواكب المركوزة في ~~الفلك فهو أيضا مشكل؛ لأنه تعالى قال في سورة الملك {ولقد زينا السماء ~~الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشيطانين} (الملك: 5) # فالضمير في قوله {وجعلناها} عائد على المصابيح فوجب أن تكون تلك المصابيح ~~هي المرجوم بها بأعيانها. # ثانيها: كيف يجوز أن تذهب الشياطين حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا يصلون ~~إلى مقصودهم البتة؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الفعل من عاقل؟ فكيف من الشياطين ~~الذين لهم مزية في معرفة الحيل الدقيقة؟. # ثالثها: دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلا قبل مجيء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك ترى الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء ~~النبي صلى الله عليه وسلم بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه، وإذا ~~ثبت أن ذلك كان موجودا قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم امتنع حمله على ~~مجيء النبي صلى الله عليه وسلم # رابعها: الشيطان مخلوق من النار كما حكى عن قول إبليس لعنه الله تعالى ~~{خلقتني من نار} (الأعراف: 12) # وقال تعالى {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} (الحجر: 27) # ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق ~~النار بالنار؟. # أجيب عن الأول: ms2821 بأن هذه الشهب غير تلك # PageV03P371 # الكواكب الثابتة وأما قوله تعالى {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ~~وجعلناها رجوما للشياطين} (الملك: 5) # فنقول: كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك ~~المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد ومنها ما لا ~~يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوما للشياطين ~~إلى حيث يعلمون وبها يزول الإشكال. # وعن الثاني: بأن هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب ~~ندرتها بين الشياطين وأجاب أبو علي الجبائي: بأن حصول هذه الحالة ليس له ~~موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى موضع الملائكة ~~ومواضعها مختلفة، فربما صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب، وربما صاروا إلى غيره ~~ولا صادفوا الملائكة ولا تصيبهم الشهب، فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا ~~في بعض الأوقات جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنها لا تصيبهم ~~الشهب فيها، كما يجوز فيمن سلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول ~~النجاة، وفي جواب أبي علي نظر: إذ ليس في السماء موضع قدم إلا وفيه ملك ~~قائم أو راكع أو ساجد. # وعن الثالث: بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي صلى الله ~~عليه وسلم لكن بقلة، ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقعت بكثرة فصارت ~~بسبب الكثرة معجزة. # وعن الرابع: بأن الشياطين ليسوا من نار خالصة وعلى التنزل بأنهم من ~~النيران الخالصة إلا أنها نيران ضعيفة ونيران الشهب أقوى حالا منهم فلا جرم ~~صار الأقوى مبطلا للأضعف، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا وضع في النار ~~القوية فإنه ينطفئ؟ فكذلك ههنا. # ولما كان المقصود الأعظم من القرآن إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيات ~~والمعاد والنبوات وإثبات القضاء والقدر افتتح الله سبحانه هذه السورة ~~بإثبات ما يدل على الصانع وعلى علمه وقدرته وحكمته ووحدانيته، وهو خالق ~~السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق والمغارب، ثم فرع عليها إثبات الحشر ~~والنشر والقيامة وهو أن من قدر ms2822 على ما هو أشق وأصعب وجب أن يقدر على ما هو ~~دونه، وهو قوله تعالى: # {فاستفتهم} أي: سل كفار مكة أن يفتوك بأن يبينوا لك ما تسألهم عنه من ~~إنكارهم البعث وأصله من الفتوة وهي الكرم {أهم أشد} أي: أقوى وأشق وأصعب ~~{خلقا} أي: من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها {أم من خلقنا} أي: من ~~الملائكة والسموات والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب. # تنبيه: في الإتيان بمن تغليب للعقلاء وهو استفهام بمعنى التقرير أي: هذه ~~الأشياء أشد خلقا كقوله تعالى {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} ~~(غافر: 57) # وقوله تعالى {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها} (النازعات: 27) # وقيل: معنى أم من خلقنا أي: من الأمم الماضية؛ لأن لفظ من يذكر لمن يعقل؛ ~~والمعنى: أن هؤلاء الأمم ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم الخالية وقد ~~أهلكناهم بذنوبهم فمن الذي يؤمن هؤلاء من العذاب {إنا خلقناهم} أي: أصلهم ~~آدم بعظمتنا {من طين} أي: تراب رخو مهين {لازب} أي: شديد اختلاط بعضه ببعض ~~فالتصق وخمر بحيث يعلق باليد وقال مجاهد والضحاك: منتن فهو مخلوق من غير أب ~~ولا أم وقرأ حمزة والكسائي: # {بل عجبت} بضم التاء والباقون بفتحها، أما بالضم فبإسناد التعجب إلى الله ~~تعالى وليس هو كالتعجب # PageV03P372 # من الآدميين كما قال تعالى {فيسخرون منهم سخر الله منهم} (التوبة: 79) # وقال تعالى {نسوا الله فنسيهم} (التوبة: 67) # فالعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه، والعجب من الله تعالى قد يكون بمعنى ~~الإنكار والذم وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما في الحديث: «عجب ربكم ~~من شاب ليست له صبوة» وفي حديث آخر: «عجب ربكم من الكم وقنوطكم وسرعة ~~إجابته إياكم» قوله الكم الأل أشد القنوط. # وقيل: هو رفع الصوت بالبكا، وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: إن الله ~~تعالى لا يعجب من شيء ولكن وافق رسوله صلى الله عليه وسلم فلما عجب رسوله ~~قال تعالى {وإن تعجب فعجب قولهم} (الرعد: 5) # أي: هو كما تقوله، وأما الفتح فعلى أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أي: عجبت ms2823 من تكذيبهم إياك. # {ويسخرون} أي: وهم يسخرون من تعجبك قال قتادة: عجب نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل ومن ضلال بني آدم، وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يظن أن كل من سمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون ~~القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا به عجب من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~تعالى {بل عجبت ويسخرون} . # {وإذا ذكروا} أي: وعظوا بالقرآن {لا يذكرون} أي: لا يتعظون. # {وإذا رأوا آية} قال ابن عباس وقتادة: يعني انشقاق القمر {يستسخرون} أي: ~~يستهزئون بها وقيل: يستدعي بعضهم من بعض السخرية. # {وقالوا إن} أي: ما {هذا إلا سحر مبين} أي: ظاهر في نفسه ومظهر لسخريته ~~ثم خصوا البعث بالإنكار إعلاما بأنه أعظم مقصود بالنسبة إلى السحر فقالوا ~~مظهرين له في مظهر الإنكار: # {أءذا متنا} وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم لشدة الإنكار فقالوا {وكنا} ~~أي: كونا في غاية التمكن {ترابا} وقدموه؛ لأنه أدل على مرادهم؛ لأنه أبعد ~~عن الحياة {وعظاما} كأنهم جعلوا كل واحد من الموت أو الكون إلى الترابية ~~المحضة والعظامية المحضة والمختلطة بهما مانعا من البعث، وهذا بعد اعترافهم ~~بأن ابتداء خلقهم كان من التراب، ثم كرروا الاستفهام الإنكاري على قراءة من ~~قرأ به كما سيأتي بيانه زيادة في الإنكار فقالوا {أئنا لمبعوثون} . # وقولهم {أو آباؤنا الأولون} عطف على محل إن واسمها أو على الضمير في ~~مبعوثون فإنه مفصول عنه بهمزة الاستفهام لزيادة الاستبعاد لبعد زمانهم، ~~وهذا بيان للسبب الذي حملهم على الاستهزاء بجميع المعجزات وهو اعتقادهم أن ~~من مات وتفرقت أجزاؤه في العالم فما فيه من الأرض اختلط بالأرض وما فيه من ~~المائية والهوائية اختلط ببخارات العالم، فهذا الإنسان كيف يعقل عوده بعينه ~~حيا؟ ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال لنبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم # {قل} أي: لهؤلاء البعداء البغضاء {نعم} أي: تبعثون على كل تقدير قدرتموه ~~{وأنتم داخرون} أي: مكرهون عليه صاغرون ذليلون وإنما اكتفى تعالى بهذا ~~القدر ms2824 من الجواب؛ لأنه ذكر في الآية المتقدمة البرهان القطعي على أنه أمر ~~ممكن وإذا ثبت الجواز القطعي فلا سبيل إلى القطع بالوقوع إلا بإخبار المخبر ~~الصادق، فلما قامت المعجزة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم كان واجب الصدق ~~فكان مجرد قوله {نعم} دليلا قاطعا على الوقوع، وقرأ {متنا} بضم الميم ابن ~~كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة، وكسرها الباقون. # وأما {أءذا} و {أئنا} فقرأ نافع والكسائي بالاستفهام في الأول والخبر في ~~الثاني وابن # PageV03P373 # عامر بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني، والباقون بالاستفهام فيهما ~~وسهل الهمزة الثانية في الاستفهام نافع وابن كثير وأبو عمرو وحقق الباقون، ~~وأدخل في الاستفهام الفاء بين الهمزتين قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون ~~بغير إدخال، وقرأ قالون وابن عامر أو آباؤنا بسكون الواو على أنها أو ~~العاطفة المقتضية للشك، والباقون بفتحها على أنها همزة الاستفهام دخلت على ~~واو العطف، وقرأ الكسائي {نعم} بكسر العين وهو لغة فيه، وقوله تعالى: # {فإنما هي زجرة واحدة} جواب شرط مقدر أي: إذا كان كذلك فإنما البعثة زجرة ~~أي: صيحة واحدة هي النفخة الثانية من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها، ~~وأمرها في الإعادة كأمرها بكن في الابتداء ولذلك رتب عليها {فإذا هم ~~ينظرون} أي: أحياء في الحال من غير مهلة ينظر بعضهم بعضا، وقيل: ينظرون ما ~~يحدث لهم أو ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به، ولا فرق بين من صار كله ترابا ~~ومن لم يتغير أصلا ومن هو بين ذلك، قال البقاعي: ولعله خص بالذكر؛ لأنه لا ~~يكون إلا مع كمال الحياة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «إذا قبض الروح تبعه ~~البصر» وأما السمع فقد يكون لغير الحي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال في ~~الكفار من قتلى بدر: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» قال: وشاهدت أنا في ~~بلاد العرب المجاورة لنابلس شجرة لها شوك يقال لها: الغبيرا متى قيل عندها: ~~هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة أخذ ورقها في الحال في الذبول فإنه سبحانه ~~أعلم ما سبب ms2825 ذلك. # تنبيه: لا أثر للصيحة في الموت ولا في الحياة بل خالق الموت والحياة هو ~~الله تعالى كما قال تعالى {الذي خلق الموت والحياة} (الملك: 2) # روي أن الله تعالى يأمر الملك إسرافيل فينادي: أيها العظام النخرة ~~والجلود البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا بإذن الله تعالى. # {وقالوا} أي: كل من جمعه البعث من الكفرة بعد القيام من القبور معلنين ~~بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل {يا ويلنا} أي: هلاكنا وهو ~~مصدر لا فعل له من لفظه وقال الزجاج: الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة ~~وتقول لهم الملائكة: {هذا يوم الدين} أي: الحساب والجزاء. # {هذا يوم الفصل} أي: بين الخلائق {الذي كنتم به تكذبون} وقيل: هو أيضا من ~~كلام بعضهم لبعض وقوله تعالى: # {احشروا} أي: اجمعوا بكره وصغار {الذين ظلموا} أي: ظلموا أنفسهم بالشرك ~~أمر من الله تعالى للملائكة عليهم السلام، وقيل: أمر من بعضهم لبعض أي: ~~احشروا الظلمة من مقامهم إلى الموقف، وقيل: منه إلى جهنم {وأزواجهم} أي: ~~وأشباههم عابدوا الصنم مع عبدة الصنم وعابدو الكواكب مع عبدتها كقوله تعالى ~~{وكنتم أزواجا ثلاثة} (الواقعة: 7) # أي: أشكالا وأشباها، وقال الحسن: وأزواجهم المشركات، وقال الضحاك ومقاتل: ~~قرناؤهم من الشياطين وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي أي: يقرن كل كافر مع ~~شيطانه في سلسلة {وما كانوا يعبدون من دون الله} أي: غيره في الدنيا من ~~الأوثان والطواغيت زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم، ومثل الأوثان الذين رضوا ~~بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم بعبادة الله تعالى الذي تفرد ~~بنعوت العظمة وصفات الكمال، وقال مقاتل: يعني إبليس وجنوده واحتج بقوله ~~تعالى: {أن لا تعبدوا الشيطان} (يس: 60) # {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} قال ابن عباس: دلوهم إلى طريق النار، وقال ابن ~~كيسان: قدموهم، قال البغوي: والعرب # PageV03P374 # تسمي السائق هاديا، قال الواحدي: هذا وهم؛ لأنه يقال: هدى إذا تقدم ومنه ~~الهادية والهوادي وهاديات الوحوش ولا يقال: هدى بمعنى قدم. # {وقفوهم} أي: احبسوهم قال البغوي: قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار ~~حبسوا عند الصراط فقيل لهم: قفوهم {إنهم ms2826 مسؤولون} قال ابن عباس: عن جميع ~~أقوالهم وأفعالهم، وروي عنه عن لا إله إلا الله، وقيل: تسألهم خزنة جهنم ~~عليهم السلام {ألم يأتكم نذير} (الملك: 8) # أي: رسل منكم جاؤكم بالبينات {قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين} (الزمر: 71) ، وروي عن أبي برزة الأسلمي قال: «لا تزول قدما عبد ~~يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعلمه ماذا عمل به وعن ~~ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه» . وفي رواية و «عن ~~شبابه فيم أبلاه» ، وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ~~داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفا يوم القيامة لازما به وإن دعا رجل رجلا ثم ~~قرأ {وقفوهم إنهم مسؤولون} ويقال لهم توبيخا: # {ما لكم} أي: أي شيء حاصل لكم شغلكم وألهاكم حال كونكم {لا تناصرون} قال ~~ابن عباس: لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم ~~بدر: نحن جميع منتصر، فقيل لهم يوم القيامة ما لكم لا تناصرون، وقيل: يقال ~~للكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب ويقال عنهم: # {بل هم اليوم مستسلمون} قال ابن عباس: خاضعون وقال الحسن: منقادون يقال: ~~استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع، والمعنى: هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة ~~لهم في دفع تلك المضار. # ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بأنهم سئلوا فلم يجيبوا ربما كان يظن أنهم ~~أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما يزيد تكذيبهم فقال عاطفا على قوله تعالى: ~~{وقالوا يا ويلنا} (الصافات: 20) # {وأقبل بعضهم} أي: الذين ظلموا {على بعض} أي: بعد إيقافهم لتوبيخهم وعبر ~~عن خصامهم تهكما بقوله تعالى: {يتساءلون} أي: يتلاومون ويتخاصمون. # {قالوا} أي: الأتباع منهم للمتبوعين {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} قال ~~الضحاك: أي: من قبل الدين فتضلوننا عنه، وقال مجاهد: عن الصراط الحق ~~واليمين عبارة الدين الحق كما أخبر الله تعالى عن إبليس لعنه الله تعالى ~~{ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} (الأعراف: ~~17) # فمن أتاه ms2827 الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق ~~واليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات، لأن الجانب الأيمن أفضل من ~~الجانب الأيسر، قال ابن عادل: لا تباشر الأعمال الشريفة إلا باليمين ~~ويتفاءلون بالجانب الأيسر و «كان صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في شأنه ~~كله» ، وكاتب الحسنات من الملائكة على اليمين، ووعد الله تعالى المؤمن أن ~~يعطيه الكتاب باليمين، وقيل: إن الرؤساء كانوا يحلفون للمستضعفين أن ما ~~يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم، وقيل: عن اليمين عن القوة والقدرة ~~كقوله تعالى: {لأخذنا منه باليمين} (الحاقة: 45) # {قالوا} أي: المتبوعون لهم {بل لم تكونوا مؤمنين} أي: وإنما يصدق الإضلال ~~منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا وإنما الكفر من قبلكم. # {وما كان لنا عليكم من سلطان} أي: قوة وقدرة حتى نقهركم ونجبركم على ~~متابعتنا {بل كنتم قوما طاغين} أي: ضالين مثلنا. # {فحق} أي: وجب {علينا} جميعا {قول # PageV03P375 # ربنا} أي: كلمة العذاب وهو قوله تعالى {لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين} (هود: 119) # {إنا} أي: جميعا {لذائقون} أي: العذاب بذلك القول ونشأ عنه قولهم: # {فأغويناكم} أي: فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه {إنا كنا ~~غاوين} أي: ضالين فأحببتم أن تكونوا مثلنا، وفيه إيماء بأن غوايتهم في ~~الحقيقة ليست من قبلهم إذ لو كان كل غواية بإغواء غاو فمن أغوى الأول قال ~~الله تعالى: # {فإنهم} أي: المتبوعين والأتباع {يومئذ} أي: يوم القيامة {في العذاب ~~مشتركون} أي: كما كانوا مشتركين في الغواية. # {إنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة {كذلك} أي: كما نفعل بهؤلاء {نفعل ~~بالمجرمين} غير هؤلاء أي: نعذبهم التابع منهم والمتبوع ثم وصفهم الله تعالى ~~بقوله: # {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} أي: يتكبرون عن كلمة ~~التوحيد أو عمن يدعوهم إليها. # {ويقولون أئنا} في الهمزتين ما مر {لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} يعنون ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ثم إن الله تعالى كذبهم في ذلك الكلام بقوله ~~تعالى: # {بل جاء بالحق} أي: الدين الحق {وصدق ms2828 المرسلين} أي: صدقهم في مجيئهم ~~بالتوحيد فأتى بما أتى به المرسلون من قبله ثم التفت من الغيبة إلى الحضور ~~فقال تعالى: # {إنكم لذائقو العذاب الأليم} ثم كأنه قيل: كيف يليق بالرحيم الكريم ~~المتعالي الغني عن الضر والنفع أن يعذب عباده؟ فأجاب بقوله تعالى: # {وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} أي: جزاء عملكم وقوله تعالى: # {إلا عباد الله المخلصين} أي: المؤمنين استثناء منقطع، وقرأ نافع ~~والكوفيون بفتح اللام بعد الخاء أي: إن الله تعالى أخلصهم واصطفاهم بفضله، ~~والباقون بالكسر أي: إنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى وقوله: # {أولئك لهم} أي: في الجنة {رزق معلوم} أي: بكرة وعشيا بيان لحالهم وإن لم ~~يكن ثم بكرة ولا عشية فيكون المراد منه معلوم الوقت وهو مقدار غدوة أو ~~عشية، وقيل: معلوم الصفة أي: مخصوص بصفات من طيب طعم ولذة وحسن منظر، وقيل ~~معناه: أنهم يتقينون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى ~~ينقطع، وقيل: معلوم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله تعالى ~~وقوله: # {فواكه} يجوز أن يكون بدلا من رزق، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: ذلك ~~الرزق فواكه وفي الفواكه جمع فاكهة قولان: # أحدهما: أنها عبارة عما يؤكل للتلذذ لا للحاجة وأرزاق أهل الجنة كلها ~~فواكه؛ لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإن أجسامهم محكمة مخلوقة ~~للأبد فكل ما يأكلونه فعلى سبيل التلذذ. # والثاني: أن المقصود بذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى أي: لما ~~كانت الفاكهة حاضرة أبدا كان المأكول للغذاء أولى بالحضور. # {وهم مكرمون} أي: في نيله يصل إليهم من غير تعب وسؤال لا كما عليه رزق ~~الدنيا. # ولما ذكر مأكلهم ذكر مسكنهم بقوله تعالى: # {في جنات النعيم} أي: في جنات ليس فيها إلا النعيم وهو متعلق بمكرمون أو ~~خبر ثان لأولئك أو حال من المستكن في مكرمون وقوله تعالى: # {على سرر متقابلين} أي: لا يرى بعضهم قفا بعض حال، ويجوز أن يتعلق على ~~سرر بمتقابلين، ولما ذكر سبحانه وتعالى المأكل والمسكن ذكر بعد ذلك صفة # PageV03P376 # المشرب بقوله تعالى: ms2829 # {يطاف عليهم} أي: على كل منهم {بكأس} أي: بإناء فيه خمر فهو اسم للإناء ~~بشرابه فلا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب وإلا فهو إناء، وقيل: المراد ~~بالكأس: الخمر كقول الشاعر: # *وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها # أي: رب كأس شربت لطلب اللذة وكأس شربت للتداوي من خمارها، والكأس مؤنثة ~~كما قاله الجوهري، وقوله تعالى {من معين} أي: من شراب معين أو من نهر معين ~~مأخوذ من عين الماء أي: يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي عينا لظهوره ~~يقال: عان الماء إذا ظهر جاريا وقوله تعالى: # {بيضاء} أي: أشد بياضا من اللبن قاله الحسن صفة لكأس، وقال أبو حيان: صفة ~~لكأس أو للخمر، واعترض بأن الخمر لم يذكر، وأجيب عنه: بأن الكأس إنما سميت ~~كأسا إذا كان فيها الخمر وقوله تعالى {لذة} صفة أيضا وصفه بالمصدر مبالغة ~~كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال: فلان جود وكرم إذا كان المراد المبالغة، ~~وقال الزجاج: أو على حذف المضاف أي: ذات لذة وقوله تعالى {للشاربين} أي: ~~بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب صفة للذة، وقال الليث: اللذة ~~واللذيذة يجريان مجرى واحد في النعت يقال: شراب لذ ولذيذ وقوله تعالى: # {لا فيها غول} صفة أيضا، واختلف في الغول فقال الشعبي أي: لا تغتال ~~عقولهم فتذهب بها وقال الكلبي: معناه الإثم أي: لا إثم فيها، وقال قتادة: ~~وجع البطن، وقال الحسن: صداع، وقال أهل المعاني الغول: فساد يلحق في خفاء ~~يقال: اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية، وخمر الدنيا يحصل منها ~~أنواع الفساد منها السكر وذهاب العقل ووجع البطن والصداع والقيء والبول ولا ~~يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة {ولا هم عنها ينزفون} أي: يسكرون، وقرأ حمزة ~~والكسائي بكسر الزاي من أنزف الشارب إذا نزف عقله من السكر، والباقون ~~بفتحها من نزف الشارب نزيفا إذا ذهب عقله أفرده بالذكر وعطفه على ما يعمه؛ ~~لأنه من عظم فساده كأنه جنس برأسه. # ولما ذكر تعالى صفة مشروبهم ذكر عقبه صفة ms2830 منكوحهم بقوله تعالى: # {وعندهم قاصرات الطرف} أي: حابسات الأعين غاضات الجفون قصرن أبصارهن على ~~أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم لحسنهم عندهن وقوله تعالى {عين} جمع عيناء وهي ~~الواسعة العين والذكر أعين قال الزجاج: كبار الأعين حسانها يقال: رجل أعين ~~وامرأة عيناء ورجال ونساء عين. # {كأنهن} أي: في اللون {بيض} للنعام {مكنون} أي: مستور بريشه لا يصل إليه ~~غبار ولونه وهو البياض في صفرة يقال: هذا أحسن ألوان النساء تكون المرأة ~~مشربة بصفرة قال ذو الرمة في ذلك: # *بيضاء في ترح صفراء في غنج ... كأنها فضة قد مسها ذهب* # قال المبرد: والعرب تشبه المرأة الناعمة في بياضها وحسن لونها ببيضة ~~النعامة، وقال بعضهم: إنما شبهت المرأة بها في أجزائها فإن البيضة من أي ~~جهة أتيتها كانت في رأي العين مشبهة للأخرى وهو في غاية المدح وقد لحظ هذا ~~بعض الشعراء فقال: # *تناسبت الأعضاء فيها فلا ترى ... بهن اختلافا بل أتين على قدر* # PageV03P377 # ويجمع البيض على بيوض قال الشاعر: # *بتيهاء قفر والمطي كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها* # {فأقبل بعضهم} أي: بعض أهل الجنة {على بعض يتساءلون} معطوف على يطاف ~~عليهم أي: يشربون فيتحادثون على الشراب قال القائل: # *وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الكرام على المدام* # وأتى بقوله تعالى: {فأقبل} ماضيا لتحقق وقوعه كقوله تعالى {ونادى أصحاب ~~الجنة أصحاب النار} (الأعراف: 44) # وقوله تعالى {يتساءلون} حال من فاعل أقبل وتساؤلهم عن المعارف والفضائل ~~وما جرى لهم وعليهم في الدنيا. # ولما ذكر تعالى أن أهل الجنة يتساءلون عند اجتماعهم على الشراب ويتحدثون ~~كان من جملة كلماتهم أنهم يتذكرون ما كان حصل لهم في الدنيا مما يوجب ~~الوقوع في عذاب الله تعالى ثم إنهم تخلصوا منه وهو ما حكاه الله تعالى عنهم ~~بقوله: # {قال قائل منهم} أي: من أهل الجنة في الجنة في مكالمتهم {إني كان لي ~~قرين} أي: في الدنيا ينكر البعث. # {يقول أءنك لمن المصدقين} أي: كان يوبخني على التصديق بالبعث ويقول ~~تعجبا. # {أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون} أي: ms2831 مجزيون ومحاسبون من ~~الدين بمعنى الجزاء وهذا استفهام إنكار. # تنبيه: اختلف في ذلك القرين فقال مجاهد: كان شيطانا، وقيل: كان من الإنس، ~~وقال مقاتل: كانا أخوين، وقيل: كانا شريكين حصل لهما ثمانية آلاف دينار ~~فتقاسماها واشترى أحدهما دارا بألف دينار فأراها صاحبه، وقال: كيف ترى ~~حسنها؟ فقال: ما أحسنها ثم خرج فتصدق بألف دينار وقال: اللهم إن صاحبي قد ~~ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك دارا من دور الجنة، ثم إن صاحبه ~~تزوج امرأة حسناء بألف دينار، فتصدق صاحبه بألف دينار لأجل أن يزوجه الله ~~تعالى من الحور العين، ثم إن صاحبه اشترى بساتين بألفي دينار، فتصدق هذا ~~بألفي دينار ثم إن الله تعالى أعطاه ما طلبه في الجنة، وقيل: كان أحدهما ~~كافرا اسمه ينطواوس والآخر مؤمن اسمه يهودا وهما اللذان قص الله تعالى ~~خبرهما في سورة الكهف في قوله تعالى {واضرب لهم مثلا رجلين} (الكهف: 32) # {قال} أي: ذلك القائل لإخوته {هل أنتم مطلعون} أي: معي إلى النار لننظر ~~حاله فيقولون: لا. # {فاطلع} ذلك القائل من بعض كوى الجنة قال ابن عباس رضي الله عنهما: أن في ~~الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار {فرآه} أي: رأى قرينه {في سواء ~~الجحيم} أي: وسط النار وإنما يسمى وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه. # {قال} له توبيخا مقسما بقوله {تالله إن كدت} أي: قاربت وإن مخففة من ~~الثقيلة {لتردين} أي: لتهلكني بإغوائك إياي بإنكار البعث والقيامة. # {ولولا نعمة ربي} أي: إنعامه علي بالإيمان والهداية والعصمة {لكنت من ~~المحضرين} معك في النار. # تنبيه: أثبت الياء بعد النون في {لتردين} ورش، والباقون بالتخفيف. # ولما تم الكلام مع قرينه الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل ~~الجنة وقال: # {أفما نحن بميتين} وهذا عطف على محذوف أي: أنحن مخلدون منعمون فما نحن ~~بميتين أي: ممن شأنه الموت، وقال بعضهم: إن أهل الجنة لا يعلمون في أول ~~دخولهم الجنة أنهم لا يموتون # PageV03P378 # فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح يقول أهل الجنة ms2832 للملائكة: أفما ~~نحن بميتين؟ فتقول الملائكة: لا فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون، وعلى هذا ~~فالكلام حصل قبل ذبح الموت، وقيل: إن الذي تكاملت سعادته إذا عظم تعجبه بها ~~يقول ذلك على جهة التحديث بالنعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه، وقيل: ~~يقوله المؤمن لقرينه توبيخا له بما كان ينكره، وقوله: # {إلا موتتنا الأولى} منصوب على المصدر والعامل فيه الوصف قبله ويكون ~~استثناء مفرغا، وقيل: هو استثناء منقطع أي: لكن الموتة الأولى كانت لنا في ~~الدنيا وهي متناوله لما في القبر بعد الإحياء للسؤال وهذا قريب في المعنى ~~من قوله تعالى {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} (الدخان: 56) # {وما نحن بمعذبين} هو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة الله تعالى من تأبيد ~~الحياة وعدم التعذيب. # {إن هذا} أي: الذي ذكر لأهل الجنة {لهو الفوز العظيم} هو قول أهل الجنة ~~عند فراغهم من هذه المحادثات وقوله تعالى: # {لمثل هذا فليعمل العاملون} قيل: إنه من بقية كلامهم، وقيل: إنه ابتداء ~~كلام من الله تعالى أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون لا للحظوظ ~~الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الإنصرام. # ولما ذكر تعالى ثواب أهل الجنة ووصفها وذكر مآكل أهل الجنة ومشاربهم وقال ~~{لمثل هذا فليعمل العاملون} أتبعه بقوله تعالى: # {أذلك} أي: المذكور لأهل الجنة {خير نزلا} وهو ما يعد للنازل من ضيف أو ~~غيره {أم شجرة الزقوم} أي: المعدة لأهل النار نزلا، وانتصاب نزلا على ~~التمييز أو الحال وفي ذكره دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة ~~بمنزلة ما يقدم للنازل ولهم ما وراء ذلك مما تقصر عنه الأفهام، وكذا الزقوم ~~لأهل النار وهي: اسم شجرة صغيرة الورق زفرة مرة تكون بتهامة ثم سميت به: ~~الشجرة الموصوفة، وإذا عرف هذا فالحاصل من الرزق المعلوم لأهل الجنة اللذة ~~والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم، ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى ~~الآخر في الخيرية إلا أنه جاء هذا الكلام على سبيل السخرية بهم أو لأجل أن ~~المؤمنين لما اختاروا ما أوصلهم إلى الرزق ms2833 الكريم والكافرون اختاروا ما ~~أوصلهم إلى العذاب الأليم قيل لهم ذلك توبيخا لهم على اختيارهم. # {إنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة البالغة {جعلناها فتنة} أي: محنة ~~وعذابا {للظالمين} أي: الكافرين قال الكلبي: في الآخرة وابتلاء في الدنيا ~~لما سمعوا بأنها في النار قالوا: كيف ذلك والنار تحرق الشجر ولم يعلموا أن ~~من قدر على خلق يعيش في النار ويتلذذ بها فهو أقدر على خلقه الشجر في النار ~~وحفظه من الإحراق. # ولما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعرى: أكثر الله في بيوتكم الزقوم فإن ~~أهل اليمن يسمون التمر والزبد الزقوم، ثم أدخلهم أبو جهل بيته وقال ~~لجاريته: زقمينا فأتته بزبد وتمر وقال: تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد، ~~وهذا عناد منه وكذب فإنه من العرب العرباء وهم إنما يطلقونه على شجرة ~~مسمومة يخرج لها لبن متى مس جسم أحد تورم فمات، والتزقم البلع الشديد ~~للأشياء الكريهة وأما الزبد بالرطب فيسمى: ألوقة قاله ابن الكلبي وأنشد: # *وإني لمن سالمتهم لألوقة ... وإني لمن عاديتهم سم أسود* # ثم إن الله تعالى وصف هذه الشجرة بصفتين: الأولى: قوله تعالى: # {إنها شجرة تخرج في أصل # PageV03P379 # الجحيم} قال الحسن: أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. # الصفة الثانية قوله تعالى: # {طلعها} أي: ثمرها قال الزمخشري: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة ~~الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية قال ابن قتيبة: سمي طلعا ~~لطلوعه كل سنة فكذلك قيل: طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره ثم وصف ذلك الطلع ~~بقوله تعالى: {كأنه رؤوس الشياطين} وفيه وجهان: أحدهما: أنه حقيقة وأن رؤوس ~~الشياطين شجرة معينة بناحية اليمن وتسمى: الأستن قال النابغة: # *تحيد عن أستن سود أسافله ... مثل الإماء الغوادي تحمل الحزما* # وهو شجر منكر الصورة مر، تسميه العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في ~~القبح ثم صار أصلا يشبه به، وقيل: الشياطين صنف من الحيات لهن أعراف قال ~~الراجز: # *عنجرد تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف* # وقيل: شجرة يقال لها: الصوم ومنه قول ساعدة ms2834 بن حربة: # *موكل بسروف الصوم يرقبها ... من المعارف محفوظ الحشا ورم* # فعلى هذا خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقة. # والثاني: أنه من باب النخيل والتمثيل، وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في ~~الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يكن يراه، والشياطين وإن ~~كانوا موجودين غير مرئيين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات ~~التخيلية وذلك كقول امرئ القيس: # *أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال* # ولم ير أنيابها بل ليست موجودة البتة قال الرازي: وهذا هو الصحيح وذلك أن ~~الناس لما اعتقدوا في الملائكة عليهم السلام كمال الفضل في الصورة والسيرة ~~فكما حسن تشبيه يوسف عليه السلام بالملك عند إرادة الكمال والفضيلة في قول ~~النسوة {إن هذا إلا ملك كريم} (يوسف: 31) # فكذلك حسن التشبيه برؤوس الشياطين في القبح وتشويه الخلقة، ويؤكد هذا أن ~~العقلاء إذا رأوا شيئا شديد الاضطراب منكر الصورة قبيح الخلقة قالوا: إنه ~~شيطان وإذا رأوا شيئا حسنا قالوا: إنه ملك من الملائكة، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هم الشياطين بأعيانهم. # {فإنهم} أي: الكفار {لآكلون منها} أي: من الشجرة أو من طلعها {فمالئون ~~منها البطون} والملء حشو الوعاء بما لا يحتمل الزيادة عليه، فإن قيل: كيف ~~يأكلونها مع نهاية خشونتها ونتنها ومرارة طعمها؟ أجيب: بأن المضطر ربما ~~استروح من الضرر بما يقاربه في الضرر فإذا جوعهم الله تعالى الجوع الشديد ~~فزعوا إلى إزالة ذلك الجوع بتناول هذا الشيء، أو يقال: إن الزبانية ~~يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة لعذابهم. # ولما ذكر الله تعالى طعامهم بتلك الشناعة والكراهية وصف شرابهم بما هو ~~أشنع منه بقوله تعالى: # {ثم إن لهم عليها} أي: بعد ما شبعوا منها وغلبهم العطش {لشوبا من حميم} ~~أي: ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبا، وعطف بثم لأحد ~~معنيين: إما لأنه يؤخر ما يظنونه يرويهم من عطشهم زيادة في عذابهم فلذلك ~~أتى بثم المقتضية للتراخي، وإما لأن العادة تقتضي # PageV03P380 # تراخي الشرب عن الأكل فعمل على ذلك المنوال، وأما ms2835 ملء البطن فيعقب الأكل ~~فلذلك عطف على ما قبله بالفاء قال الزجاج: الشراب اسم عام في كل ما خلط ~~بغيره والشوب الخلط والمزج ومنه شاب اللبن يشوبه أي: خلطه ومزجه. # {ثم إن مرجعهم} أي: مصيرهم {لإلى الجحيم} قال مقاتل: أي: بعد أكل الزقوم ~~وشرب الحميم وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم وذلك ~~بأن يكون الحميم في موضع خارج عن الجحيم فهم يردون الحميم لأجل الشرب كما ~~ترد الإبل الماء ويدل عليه قوله تعالى {يطوفون بينها وبين حميم آن} ~~(الرحمن: 44) # وقوله تعالى: # {إنهم ألفوا} أي: وجدوا {آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون} تعليل ~~لاستحقاقهم تلك الشدائد قال الفراء: الإهراع الإسراع يقال: هرع وأهرع إذا ~~استحث والمعنى: أنهم يتبعون آباءهم في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم، ~~وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك من غير توقف على نظر وبحث، ثم إنه تعالى ~~ذكر لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يسليه في كفرهم وتكذيبهم يقوله سبحانه: # {ولقد ضل قبلهم} أي: قبل قومك {أكثر الأولين} أي: من الأمم الماضية. # {ولقد أرسلنا فيهم منذرين} أي: أنبياء أنذروهم من العواقب فبين تعالى أن ~~إرساله الرسل قد تقدم والتكذيب لهم قد سلف فوجب أن يكون له صلى الله عليه ~~وسلم أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا ويستمر على الدعاء إلى الله تعالى وإن ~~تمردوا فليس عليه إلا البلاغ، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال، ~~والباقون بالإدغام ثم قال تعالى: # {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي: الكافرين كان عاقبتهم العذاب وهذا ~~خطاب وإن كان ظاهره مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المقصود منه خطاب ~~الكفار؛ لأنهم سمعوا بالأخبار ما جرى على قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من ~~أنواع العذاب فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوفه يحتمل أن يكون زاجرا ~~لهم عن كفرهم وقوله تعالى: # {إلا عباد الله المخلصين} استثناء من المنذرين استثناء منقطع؛ لأنه وعيد ~~وهم لا يدخلون في هذا الوعيد، وقيل: استثناء من قوله تعالى {ولقد ms2836 ضل قبلهم ~~أكثر الأولين} والمراد بالمخلصين: الموحدون نجوا من العذاب وتقدمت القراءة ~~في المخلصين، ثم شرع تعالى في تفصيل القصص بعد إجمالها بقوله تعالى: # {ولقد نادانا نوح} أي: نادى ربه أن ينجيه مع من نجي من الغرق بقوله: رب ~~إني مغلوب فانتصر فأجاب الله تعالى دعاءه وقوله تعالى {فلنعم المجيبون} ~~جواب قسم مقدر أي: فوالله ومثله: لعمري لنعم السيدان وجدتما، والمخصوص ~~بالمدح محذوف أي: نحن أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه. # {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} أي: من الغرق وأذى قومه وهذه الإجابة ~~كانت من النعم العظيمة وذلك من وجوه أولها: أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة ~~الجمع فقال: {ولقد نادانا نوح} فالقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان ~~العظيم. # وثانيها: أنه تعالى أعاد صيغة الجمع فقال تعالى {فلنعم المجيبون} وفي ذلك ~~أيضا ما يدل على تعظيم تلك النعمة لا سيما وقد وصف الله تعالى تلك الإجابة ~~بأنها نعمت الإجابة. # وثالثها: أن الفاء في قوله تعالى {فلنعم المجيبون} تدل على أن حصول تلك ~~الإجابة مرتب على ذلك النداء وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول ~~الإجابة وقوله تعالى: # {وجعلنا ذريته هم الباقين} يفيد الحصر، وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ~~ذريته قد فنوا # PageV03P381 # فالناس كلهم من نسله عليه السلام قال ابن عباس رضي الله عنه: ذريته بنوه ~~الثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس وحام أبو السودان ويافث أبو ~~الترك والخزرج ويأجوج ومأجوج وما هنالك قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما ~~خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم. # {وتركنا عليه في الآخرين} أي: أبقينا له ثناء حسنا وذكرا جميلا فيمن بعده ~~من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، وقيل: أن نصلي عليه إلى يوم القيامة ~~وقوله تعالى: # {سلام على نوح} مبتدأ وخبر وفيه أوجه أحدها: أنه مفسر لتركنا، والثاني: ~~أنه مفسر لمفعوله أي: تركنا عليه ثناء وهو هذا الكلام، وقيل: ثم قول مقدر ~~أي: فقلنا سلام وقيل: ضمن تركنا معنى ms2837 قلنا، وقيل: سلط تركنا على ما بعده ~~{في العالمين} متعلق بالجار والمجرور ومعناه الدعاء بثبوت هذه التحية في ~~الملائكة والثقلين جميعا وقوله تعالى: # {إنا كذلك نجزي المحسنين} تعليل لما فعل بنوح عليه السلام من التكرمة ~~بأنه مجازاة له أي: إنما خصصناه بهذه التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا ~~مملوءة من ذريته ومن ترقية ذكره الحسن في ألسنة العالمين لأجل كونه محسنا ~~وقوله تعالى: # {إنه من عبادنا المؤمنين} تعليل لإحسانه بالإيمان إظهارا لجلالة قدره ~~وأصالة أمره. # {ثم أغرقنا الآخرين} كفار قومه. # القصة الثانية: قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {وإن من شيعته} أي: ممن شايعه في الإيمان وأصول الشريعة {لإبراهيم} ولا ~~يبعد اتفاق شرعهما في الفروع أو غالبا، وقال الكلبي: الضمير يعود على محمد ~~صلى الله عليه وسلم أي: وإن من شيعة محمد صلى الله عليه وسلم لإبراهيم عليه ~~الصلاة السلام والشيعة قد تطلق على المتقدم كقول القائل: # *ومالي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مذهب الحق مذهب» * # فجعل آل أحمد وهم متقدمون عليه وهو تابع لهم شيعة له قاله الفراء، ~~والمعروف أن الشيعة تكون في المتأخر قالوا: كان بين نوح وإبراهيم نبيان هود ~~وصالح، وروى الزمخشري: أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة ~~وفي العامل في قوله تعالى: # {إذ جاء ربه} وجهان أحدهما: اذكر مقدرا وهو المعروف، والثاني: قال ~~الزمخشري: ما في معنى الشيعة من معنى المشايعة يعني: وإن ممن شايعه على ~~دينه وتقواه حين جاء ربه ورد هذا أبو حيان قال: لأن فيه الفصل بين العامل ~~والمعمول بأجنبي وهو لإبراهيم؛ لأنه أجنبي من شيعته ومن إذ، واختلف في قوله ~~عز وجل {بقلب سليم} فقال مقاتل والكلبي: المعنى أنه سليم من الشرك؛ لأنه ~~أنكر على قومه الشرك، وقال الأصوليون: معناه أنه عاش ومات على طهارة القلب ~~من كل معصية وقوله تعالى: # {إذا قال لأبيه وقومه} بدل من إذ الأولى أو ظرف لسليم أو لجاء وقوله ~~تعالى لهم: {ماذا} أي: ما الذي {تعبدون} استفهام توبيخ تهجين لتلك ms2838 الطريقة ~~تقبيحها وفي قوله: # {أئفكا آلهة دون الله تريدون} أوجه من الإعراب أحدها: أنه مفعول من أجله ~~أي: أتريدون آلهة دون الله إفكا فآلهة مفعول به ودون ظرف لتريدون وقدمت ~~معمولات الفعل اهتماما بها وحسنه كون العامل رأس فاصلة، وقدم المفعول من ~~أجله على المفعول به # PageV03P382 # اهتماما به؛ لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك وباطل وبهذا الوجه بدأ ~~الزمخشري، الثاني: أن يكون مفعولا به بتريدون ويكون آلهة بدلا منه جعلها ~~نفس الإفك مبالغة فأبدلها منه وفسره بها واقتصر على هذا ابن عطية، الثالث: ~~أنه حال من فاعل تريدون أي: أتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك، وإليه نحا ~~الزمخشري، واعترضه أبو حيان بأن جعل المصدر حالا لا يطرد إلا مع نحو أما ~~علما فعالم، والإفك أسوأ الكذب. # {فما ظنكم} أي: أتظنون {برب العالمين} أنه جوز جعل هذه الجمادات مشاركة ~~له في العبودية أو تظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها ~~مساوية له في العبودية فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء، أو فما ظنكم برب ~~العالمين إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره أنه يترككم بلا عذاب لا، وكانوا ~~نجامين فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم زعموا التبرك عليه ~~فإذا رجعوا أكلوه وقالوا للسيد إبراهيم عليه الصلاة والسلام: اخرج. # {فنظر نظرة في النجوم} إيهاما لهم أنه يعتمد عليها فيتبعوه. # {فقال إني سقيم} أي: عليل وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم ~~الحجة في أنها غير معبودة وأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خاليا في بيت الأصنام ~~فيقدر على كسرها. فإن قيل: النظر في علم النجوم غير جائز فكيف قدم إبراهيم ~~عليه السلام عليه وأيضا لم يكن سقيما فكيف أخبرهم بخلاف حاله؟ أجيب عن ذلك: ~~بأنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بها حرام؛ لأن من اعتقد أن ~~الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بطبع وخاصة لأجلها يظهر منه أثر ~~مخصوص فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل وأما الكذب فغير لازم؛ لأن قوله ~~{إني ms2839 سقيم} على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن ~~حصول حالة مكروهة إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم، وعلى تقدير تسليم ~~ذلك أجيب بأوجه: # أحدها: أن نظره في النجوم أو في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه الحمى ~~في بعض ساعات الليل والنهار، فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة فقال {إني سقيم} ~~فجعله عذرا في تخلفه عن العيد الذي لهم فكان صادقا فيما قال؛ لأن السقم كان ~~يأتيه في ذلك الوقت. # ثانيها أنهم كانوا أصحاب النجوم أي: يعلمونها ويقضون بها على أمورهم، ~~فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي: في علم النجوم كما تقول: نظر فلان في ~~الفقه أي: في علم الفقه فأراد إبراهيم أن يوهمهم أنه نظر في عملهم وعرف منه ~~ما يعرفونه حتى إذا قال لهم {إني سقيم} سكنوا إلى قوله، وأما قوله {إني ~~سقيم} فمعناه سأسقم كقوله تعالى {إنك ميت} (الزمر: 30) # أي: ستموت. # ثالثها: أن نظره في النجوم هو قوله تعالى {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا} ~~إلخ الآيات (الأنعام: 76) # فكان نظره ليتعرف هذه الكواكب هل هي قديمة أو حادثة وقوله {إني سقيم} أي: ~~سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل بلوغه. # رابعها: قال ابن زيد: كان له نجم مخصوص وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض ~~إبراهيم فلهذا الاستقراء لما رآه في تلك الحالة المخصوصة قال {إني سقيم} ~~أي: هذا السقم واقع لا محالة. # خامسها: أن قوله {إني سقيم} أي: مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم ~~على الكفر والشرك كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {فلعلك باخع نفسك} ~~(الكهف: 6) # سادسها: قال الرازي: قال بعضهم: ذلك القول من # PageV03P383 # إبراهيم عليه السلام كذبة وأوردوا فيه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» قلت: ولبعضهم هذا الحديث لا ~~ينبغي أن ينقل؛ إذ فيه نسبة الكذب إلى إبراهيم عليه السلام فقال ذلك الرجل: ~~فكيف نحكم بكذب الراوي العدل؟ فقلت له: لما وقع التعارض بين نسبة ms2840 الكذب إلى ~~الراوي وبين نسبة الكذب إلى الخليل كان من المعلوم بالضرورة أن نسبة الكذب ~~إلى الراوي أولى، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله {فنظر نظرة في ~~النجوم} أي: نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة ~~يقال: إنها منجمة أي: مفرقة ومنه نجوم المكاتب والمعنى: أنه لما سمع ~~كلماتهم المتفرقة نظر فيها حتى يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر ~~لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذرا أحسن من قوله: {إني سقيم} والمراد: أنه ~~لا بد من أن يصير سقيما كما تقول لمن رأيته يتجهز للسفر إنك مسافر. # ولما قال: {إني سقيم} تولوا عنه كما قال تعالى: # {فتولوا عنه} أي: إلى عيدهم {مدبرين} أي: هاربين مخافة العدوى وتركوه ~~وعذروه في عدم الخروج إلى عيدهم. # {فراغ} أي: مال في خفية وأصله من روغان الثعلب وهو تردده وعدم ثبوته ~~بمكان ولا يقال: راغ حتى يكون صاحبه مخفيا لذهابه ومجيئه {إلى آلهتهم} ~~وعندها الطعام {فقال} استهزاء بها {ألا تأكلون} أي: الطعام الذي كان بين ~~أيديهم فلم ينطقوا فقال استهزاء بها أيضا: # {ما لكم لا تنطقون} فلم تجب. # {فراغ عليهم} أي: مال عليهم مستخفيا وقوله تعالى {ضربا} مصدر واقع موقع ~~الحال أي: فراغ عليهم ضاربا أو مصدر لفعل، وذلك الفعل حال تقديره فراغ يضرب ~~ضربا وقوله تعالى: {باليمن} متعلق بضربا إن لم نجعله مؤكدا وإلا فبعامله، ~~واليمين يجوز أن يراد بها إحدى اليدين وهو الظاهر، وأن يراد بها القوة ~~واقتصر عليه الجلال المحلي فالباء على هذا للحال أي: متلبسا بالقوة وأن ~~يراد بها الحلف وفاء بقوله {وتالله لأكيدن أصنامكم} (الأنبياء: 57) # والباء على هذا للسبب وعدى راغ الثاني بعلى لما كان مع الضرب المستولي من ~~فوقهم إلى أسفلهم بخلاف الأول فإنه مع توبيخ لهم، وأتى بضمير العقلاء في ~~قوله تعالى: {عليهم ضربا} على ظن عبدتها أنها كالعقلاء ثم إنه عليه السلام ~~كسرها فبلغ قومه من ورائه ذلك. # {فأقبلوا إليه} أي: إلى إبراهيم بعدما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة {يزفون} ms2841 ~~أي: يسرعون المشي، وقرأ حمزة بضم الياء على البناء للمفعول من أزفه أي: ~~يحملون على الزفيف، والباقون بفتحها من زف يزف فقالوا: نحن نعبدها وأنت ~~تكسرها. # {قال} لهم توبيخا {أتعبدون ما تنحتون} أي: من الحجارة وغيرها أصناما. # {والله خلقكم وما تعملون} أي: نحتكم ومنحوتكم فاعبدوه وحده. # تنبيه: دلت هذه الآية على مذهب الأشعرية وهو أن فعل العبد مخلوق لله عز ~~وجل وهو الحق وذلك؛ لأن النحويين اتفقوا على أن لفظ ما مع ما بعده في تقدير ~~المصدر فقوله تعالى {وما تعملون} معناه وعملكم وعلى هذا فيصير معنى الآية: ~~والله خلقكم وخلق عملكم. # ولما أورد عليهم الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريقة ~~الإيذاء لئلا يظهر للعامة عجزهم بأن: # {قالوا ابنوا له بنيانا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: بنوا حائطا من ~~الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملؤوه نارا # PageV03P384 # فطرحوه فيها وذلك هو قوله تعالى {فألقوه في الجحيم} وهي النار العظيمة ~~قال الزجاج: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم. # {فأرادوا به كيدا} أي: شرا بإلقائه في النار لتهلكه {فجعلناهم الأسفلين} ~~أي: المقهورين الأذلين بإبطال كيدهم وجعلنا ذلك برهانا نيرا على علو شأنه ~~حيث جعلنا النار عليه بردا وسلاما وخرج منها سالما. # {وقال إني ذاهب إلى ربي} أي: إلى حيث أمرني ربي ونظيره قوله تعالى {وقال ~~إني مهاجر إلى ربي} (العنكبوت: 26) # أي: مهاجر إليه من دار الكفر {سيهدين} أي: إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى ~~مقصدي وهو الشام، وإنما بت القول لسبق وعده ولفرط توكله أو للبناء على ~~عادته تعالى معه ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث قال {عسى ربي أن ~~يهديني سواء السبيل} (القصص: 22) # فلذلك ذكر بصيغة التوقع. # ولما وصل إلى الأرض المقدسة قال: # {رب هب لي من الصالحين} أي: هب لي ولدا صالحا يعينني على الدعوة والطاعة ~~ويؤنسني في الغربة؛ لأن لفظ هب غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في ~~قوله تعالى {ووهبنا له من رحمتنا أخاه ms2842 هرون نبيا} (مريم: 53) # قال الله تعالى: # {فبشرناه بغلام حليم} أي: ذي حلم كثير في كبره غلام في صغره، ففيه بشارة ~~بأنه ابن وأنه يعيش وينتهي إلى سن يوصف بالحلم وأي حلم أعظم من أنه عرض ~~عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} ~~(الصافات: 102) # وقيل: ما وصف الله تعالى نبيا بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه ~~اسماعيل عليهما الصلاة والسلام وحالتهما المذكورة تشهد عليه. # {فلما بلغ معه السعي} أي: أن يسعى معه قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وقتادة: بلغ معه السعي إي المشي معه إلى الجبل وقال مجاهد عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: ما شب حتى بلغ سعيه بسعي إبراهيم والمعنى: بلغ أن يتصرف معه ~~وأن يعينه في عمله، وقال الكلبي: يعني العمل لله تعالى وكان له يومئذ ثلاث ~~عشرة سنة، وقيل: سبع سنين. # تنبيه: معه متعلق بمحذوف على سبيل البيان كأن قائلا قال: مع من بلغ ~~السعي؟ فقيل: مع أبيه ولا يجوز تعلقه ببلغ؛ لأنه يقتضي بلوغهما معا حد ~~السعي ولا يجوز تعلقه بالسعي؛ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه. # وقوله تعالى {قال يا بني إني أرى} أي: رأيت {في المنام أني أذبحك} يحتمل ~~أنه رأى ذلك وأنه رأى ما هو تعبيره، وقيل: إنه رأى في ليلة التروية في ~~منامه كأن قائلا يقول له: إن الله تعالى يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح تروى ~~في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله أم من الشيطان؟ فمن ثم سمى يوم ~~التروية فلما أمسى رأى أيضا مثل ذلك فعرف أنه من الله تعالى فسمي يوم عرفة ~~ثم رأي مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر، وهذا قول أكثر ~~المفسرين، وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة ~~وعلى هذا فتقدير اللفظ: أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك. # تنبيه: اختلف في الذبيح فقيل: هو اسحق عليه السلام وبه قال: عمر وعلي ~~وابن مسعود رضي الله عنهم وغيرهم، وقيل: ms2843 إسماعيل وبه قال ابن عباس وابن عمر ~~وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم وغيرهم وهو الأظهر كما قاله البيضاوي؛ لأنه ~~الذي وهب له أثر الهجرة ولأن البشارة بإسحق بعد معطوفة على البشارة بهذا ~~الغلام ولقوله صلى الله عليه وسلم «أنا ابن الذبيحين» . وقال له أعرابي: يا ~~ابن الذبيحين فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فسئل عن ذلك فقال: إن عبد ~~المطلب لما حفر بئر # PageV03P385 # زمزم نذر إن سهل الله أمرها ليذبحن أحد ولده فخرج السهم على عبد الله، ~~فمنعه أخواله وقالوا له: افد ابنك بمائة من الإبل ولذلك سنت الإبل مائة ~~والذبيح الثاني إسماعيل، ونقل الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن ~~الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل ~~بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة. # وقد وصف الله تعالى إسماعيل عليه السلام بالصبر دون إسحاق عليه السلام في ~~قوله تعالى {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين} (الأنبياء: 85) # وهو صبره على الذبح ووصفه أيضا بصدق الوعد فقال: {إنه كان صادق الوعد} ~~(مريم: 54) # لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فقال {ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين} (الصافات: 102) # وقال تعالى: {فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب} (هود: 71) # فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو ~~صغير قبل أن يولد له؟ هذا يناقض البشارة المتقدمة. # وقال الإمام أحمد بن حنبل: الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه السلام وعليه ~~جمهور العلماء من الخلف والسلف قال ابن عباس: وزعمت اليهود أنه اسحق عليه ~~السلام وكذبت اليهود وما روي أنه صلى الله عليه وسلم «سئل أي النسب أشرف؟ ~~فقال: يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم ~~خليل الله» فالصحيح أنه قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم والزوائد ~~من الراوي، وما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت وقال محمد بن ~~إسحاق: كان إبراهيم عليه السلام إذا زار هاجر ms2844 وإسماعيل حمل على البراق ~~فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى بلغ ~~إسماعيل معه السعي أمر في المنام أن يذبحه قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم عليه ~~السلام ثلاث ليال متتابعات فلما تيقن ذلك قال لابنه {فانظر ماذا ترى} من ~~الرأي: فشاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به قال ابن اسحق وغيره ولما أمر ~~إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق إلى هذا الشعب ~~نحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه في الشعب شعب ثبير أخبره بما أمر. {قال يا ~~أبت افعل ما تؤمر} أي: ما أمرت به {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} أي: ~~على ذلك، وقرأ {يا بني} حفص بفتح الياء، والباقون بالكسر، وقرأ {إني أرى} ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون، وقرأ {ماذا ترى} ~~حمزة والكسائي بضم التاء وكسر الراء، والباقون بفتحهما والحكمة في مشاورته ~~في هذا الأمر ليظهر له صبره في طاعة الله تعالى فيكون فيه قرة عين لإبراهيم ~~حيث يراه قد بلغ في الحكمة إلى هذا الحد العظيم والصبر على أشد المكاره إلى ~~هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في ~~الدنيا. # وقرأ يا أبت ابن عامر في الوصل بفتح التاء، وكسرها الباقون والتاء عوض عن ~~ياء الإضافة، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وابن عامر، ووقف الباقون بالتاء ~~والرسم بالتاء وفتح ياء ستجدني في الوصل نافع، وسكنها الباقون. # {فلما أسلما} أي: انقادا وخضعا لأمر الله، وقال قتادة: أسلم إبراهيم ابنه ~~وأسلم الابن نفسه {وتله للجبين} أي: صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض وهو ~~أحد جانبي الجبهة، والجبهة بين الجبينين وشذ جمعه على أجبن، وقياسه في ~~القلة أجبنة كأرغفة وفي الكثرة جبن وجبنان كرغيف ورغف ورغفان، وقيل: إنه ~~لما أراد ذبحه قال: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب فينقص # PageV03P386 # أجري، واكفف عني ثيابي حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء وتراه أمي فتحزن ~~حزنا طويلا، واشحذ شفرتك وأسرع مر السكين على حلقي ms2845 ليكون أهون علي فإن ~~الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني، وإن رأيت أن ترد قميصي ~~على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فقال له إبراهيم: نعم العون ~~أنت يا بني على أمر الله تعالى ففعل إبراهيم ما أمر به ابنه، ثم أقبل عليه ~~يقبله وقد ربطه وهو يبكي والابن يبكي ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تجل ~~شيئا ثم أنه شحذها مرتين أو ثلاثا بالحجر كل ذلك لا يستطيع أن يقطع شيئا، ~~قال السدي: ضرب الله تعالى صفيحة من نحاس على حلقه قال: فقال الإبن عند ذلك ~~يا أبت كبني على وجهي لجبيني فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك رحمة ~~تحول بينك وبين أمر الله وأنا لا أنظر الشفرة فأجزع، ففعل ذلك إبراهيم ووضع ~~السكين على قفاه فانقلبت السكين. # {وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} أي: بالعزم والإتيان بالمقدمات ~~ما أمكنك. # تنبيه: في جواب لما ثلاثة أوجه أظهرها: أنه محذوف، أي: نادته الملائكة ~~عليهم السلام أو ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما، وقدره بعضهم بعد الرؤيا ~~كان ما كان مما ينطق به الحال والوصف مما لا يدرك كنهه. # ونقل ابن عطية أن التقدير: فلما أسلما سلما وتله للجبين ويعزى هذا ~~لسيبويه وشيخه الخليل. # الثاني: أنه وتله للجبين والواو زائدة، وهو قول الكوفيين والأخفش، ~~الثالث: أنه وناديناه والواو زائدة أيضا واقتصر على هذا الجلال المحلي، ~~وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار: أن إبراهيم عليه السلام لما رأى ذبح ولده ~~قال الشيطان: لئن لم أفتن آل إبراهيم عند هذا لم أفتن أحدا منهم أبدا فتمثل ~~الشيطان في صورة رجل وأتى أم الغلام وقال: هل تدرين أين يذهب إبراهيم ~~بابنك؟ قالت: ذهب به يحتطبان من هذا الشعب قال: والله ما ذهب به إلا ~~ليذبحه، قالت: كلا هو أرحم به وأشد حبا له من ذلك، قال: إنه يزعم أن الله ~~أمره بذلك، قالت: فإن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن إن يطيع ربه، فخرج من ms2846 ~~عندها الشيطان، ثم أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه فقال له: يا غلام هل ~~تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب لأهلنا من هذا الشعب قال: والله ما يريد ~~إلا أن يذبحك، قال: ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره، قال: فليفعل ما أمره به ربه ~~فسمع وطاعة، فلما امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم فقال له: أين تريد ~~أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، قال: والله إني لأرى ~~الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ولدك هذا، فعرفه إبراهيم فقال: إليك ~~عني يا عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي فرجع إبليس بغيظه لم يصب من ~~إبراهيم وآله شيئا كما أراد الله عز وجل. # وروى أبو الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنه: أن إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام لما أمر بذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه ~~إبراهيم ثم ذهب إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ~~ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند ~~الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله تعالى ~~فنودي من الجبل أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. # فإن قيل: لم قال تعالى: {قد صدقت الرؤيا} وكان قد رأى الذبح ولم يذبح؟ ~~أجيب: بأنه جعله مصدقا لأنه قد أتى بما أمكنه # PageV03P387 # والمطلوب استسلامهما لأمر الله تعالى وقد فعل، اوقيل: كان قد رأى في ~~النوم معالجة الذبح ولم ير إراقة الدم وقد فعل في اليقظة ما رآه في النوم، ~~ولذلك قال: {قد صدقت الرؤيا} قال المحققون: السبب في هذا التكليف كمال طاعة ~~إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذه التكاليف الشاقة ~~الشديدة وظهر منه كمال الطاعة والانقياد لا جرم قال الله تعالى: {قد صدقت ~~الرؤيا} وقوله تعالى: {إنا كذلك نجزي المحسنين} ابتداء إخبار من الله ~~تعالى، والمعنى: إنا كما عفونا عن ذبح ولدك كذلك نجزي من أحسن في طاعتنا، ~~قال مقاتل: جزاء الله تعالى بإحسانه ms2847 في طاعته العفو عن ذبح ابنه. # {إن هذا} أي: الذبح المأمور به {لهو البلاء المبين} أي: الاختبار الظاهر ~~الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم، والمحنة البينة الصعوبة التي لا محنة ~~أصعب منها وقال مقاتل: البلاء ههنا النعمة وهو أن فدى ابنه بالكبش كما قال ~~تعالى: # {وفديناه} أي: المأمور بذبحه وهو إسماعيل وهو الأظهر، وقيل: إسحق {بذبح ~~عظيم} أي: عظيم الجثة سمين أو عظيم القدر؛ لأن الله تعالى فدى به نبيا ابن ~~نبي وأي نبي من نسله سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام، وهو كبش أتى به ~~جبريل عليه السلام من الجنة وهو الذي قربه هابيل، فقال لإبراهيم: هذا فدا ~~ولدك فاذبحه دونه، فكبر إبراهيم وكبر ولده، وكبر جبريل وكبر الكبش وأخذ ~~إبراهيم الكبش، وأتى به المنحر من منى فذبحه، قال البغوي: قال أكثر ~~المفسرين: كان ذلك الذبح كبشا رعى في الجنة أربعين خريفا، وقيل: كان وعلا ~~أهبط عليه من ثبير، وروي أنه هرب منه عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه ~~فصارت سنة. # تنبيه: الذبح مصدر ويطلق على ما يذبح وهو المراد في هذه الآية. # {وتركنا عليه في الآخرين} ثناء حسنا، وقوله تعالى: {سلام} أي: منا {على ~~إبراهيم} سبق بيانه في قصة نوح عليهما السلام. # {كذلك} أي: كما جزيناك {نجزي المحسنين} لأنفسهم، وقوله تعالى: # {إنه من عبادنا المؤمنين} تعليل لإحسانه بالإيمان إظهارا لجلالة قدره ~~وأصالة أمره وقوله تعالى: # {وبشرناه بإسحق} فيه دليل على أن الذبيح غيره، وقد مرت الإشارة إلى ذلك، ~~وقوله تعالى {نبيا} حال مقدرة أي: يوجد مقدرا نبوته، وقوله تعالى: {من ~~الصالحين} يجوز أن يكون صفة لنبيا وأن يكون حالا من الضمير في نبيا فتكون ~~حالا متداخلة، ويجوز أن تكون حالا ثانية ومن فسر الذبيح بإسحق عليه السلام ~~جعل المقصود من البشارة نبوته، وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه ~~وإيماء بأنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل. # {وباركنا عليه} أي: على إبراهيم عليه السلام بتكثير ذريته {وعلى إسحق} ~~بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب ms2848 عليهم السلام ~~فجميع الأنبياء بعده من صلبه إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه من ~~ذرية إسماعيل عليه السلام وفيه إشارة إلى أنه مفرد علم فهو صلى الله عليه ~~وسلم أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. {ومن ذريتهما محسن} أي: مؤمن ~~طائع {وظالم} أي: كافر وفاسق {لنفسه مبين} أي: ظاهر ظلمه، وفي ذلك تنبيه ~~على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابهما لا يعود ~~عليهما بنقيصة وعيب ولا غير ذلك والله أعلم. # القصة الثالثة: قصة موسى وهارون عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى: # {ولقد مننا على موسى وهارون} # PageV03P388 # أي: أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية. # {ونجيناهما وقومهما} أي: بني إسرائيل {من الكرب} أي: الغم {العظيم} أي: ~~الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم، وقيل: من الغرق، والضمير في قوله ~~تعالى: # {ونصرناهم} يعود على موسى وهارون وقومهما، وقيل: على الإثنين بلفظ الجمع ~~تعظيما كقوله تعالى {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} (الطلاق: 1) # وقول الشاعر: # فإن شئت حرمت النساء سواكم. # {فكانوا هم الغالبين} أي: على فرعون وقومه في كل الأحوال، أما في أول ~~الأمر فبظهور الحجة، وأما في آخر الأمر فبالدولة والرفعة. # تنبيه: يجوز في هم أن يكون تأكيدا، وأن يكون بدلا، وأن يكون فصلا وهو ~~الأظهر. # {وآتيناهما الكتاب المستبين} أي: المستنير البليغ البيان المشتمل على ~~جميع العلوم المحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا وهو التوراة كما قال ~~تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} (المائدة: 44) # {وهديناهما الصراط المستقيم} أي: دللناهما على الطريق الموصل إلى الحق ~~والصواب عقلا وسمعا. # {وتركنا} أي: أبقينا {عليهما} ثناء حسنا {في الآخرين} {سلام} أي: منا ~~{على موسى وهارون} {إنا كذلك} أي: كما جزيناهما {نجزي المحسنين} وقوله ~~تعالى: # {إنهما من عبادنا المؤمنين} تعليل لإحسانهما بالإيمان وإظهار لجلالة قدره ~~وأصالة أمره. # القصة الرابعة قصة الياس عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {وإن الياس لمن المرسلين} روي عن ابن مسعود أنه قال: الياس هو إدريس، وهو ~~قول عكرمة وقال أكثر المفسرين: إنه نبي ms2849 من أنبياء بني إسرائيل، قال ابن ~~عباس: وهو ابن عم اليسع عليهما السلام، وقال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن ~~بشير بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران عليهما السلام. # تنبيه: أذكر فيه شيئا من قصته عليه السلام قال علماء السير والأخبار: لما ~~قبض الله تعالى حزقيل النبي عليه السلام عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر ~~فيهم الفساد والشرك ونصبوا الأصنام وعبدوها من دون الله عز وجل، فبعث الله ~~تعالى إليهم إلياس نبيا وكانت الأنبياء من بني إسرائيل يبعثون بعد موسى ~~عليه السلام بتجديد ما نسوا من أحكام التوراة، وبنو إسرائيل كانوا متفرقين ~~في أرض الشام وكان سبب ذلك أن يوشع بن نون عليه السلام لما فتح الشام قسمها ~~على بني إسرائيل وأحل سبطا منها ببعلبك ونواحيها وهم السبط الذين كان منهم ~~الياس، فبعثه الله تعالى إليهم نبيا وعليهم يومئذ ملك اسمه لاجب وكان أضل ~~قومه وجبرهم على عبادة الأصنام، وكان لهم صنم طوله عشرون ذراعا وله أربعة ~~وجوه وكان يسمى: ببعل وكانوا قد فتنوا به وعظموه وجعلوا له أربعمائة سادن ~~أي: خادم، وكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة ~~يحفظونها عنه ويبلغونها الناس وهم أهل بعلبك، وكان الياس يدعوهم إلى عبادة ~~الله وهم لا يسمعون له ولا يؤمنون به إلا ما كان من أمر الملك فإنه آمن به ~~وصدقه، فكان إلياس يقوم بأمره ويسدده ويرشده وكان للملك امرأة تسمى: بإزميل ~~جبارة وكان يستخلفها على ملكه إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، وكانت تبرز ~~للناس فتقضي بينهم وكانت قتالة للأنبياء، ويقال: إنها هي التي قتلت يحيى بن ~~زكريا عليهما السلام، وكان له كاتب رجل مؤمن حليم يكتم إيمانه وكان قد خلص ~~من يدها ثلثمائة نبي كانت تريد قتلهم إذا بعث كل واحد # PageV03P389 # منهم سوى الذين قتلتهم وكانت في نفسها غير محصنة، وكانت قد تزوجت سبعة من ~~ملوك بني إسرائيل وقتلتهم كلهم بالاغتيال وكانت معمرة يقال: إنها ولدت ~~سبعين ولدا، وكان لاجب هذا جار رجل صالح ms2850 يقال له: مزدكي، وكان له جنينة ~~يعيش منها وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، وكانا يشرفان عليها ~~يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، # وكان الملك يحسن جوار صاحبها مزدكي ويحسن إليه، وامرأته إزميل تحسده لأجل ~~تلك الجنينة وتحتال أن تغصبها منه لما تسمع الناس يكثرون ذكرها ويتعجبون من ~~حسنها وتحتال أن تقتله، والملك ينهاها عن ذلك فلا تجد عليه سبيلا، ثم أنه ~~اتفق خروج الملك إلى مكان بعيد وطالت غيبته فاغتنمت امرأته إزميل ذلك فجمعت ~~جمعا من الناس وأمرتهم أنهم يشهدون على مزدكي أنه سب زوجها لاجب فأجابوها ~~إليه وكان في حكمهم في ذلك الزمان القتل على من سب الملك إذا قامت عليه ~~البينة، فأحضرت مزدكي وقالت له: بلغني أنك شتمت الملك فأنكر فأحضرت الشهود ~~فشهدوا عليه بالزور فأمرت بقتله وأخذت جنينته، فلما قدم الملك من سفره ~~أخبرته الخبر فقال لها: ما أصبت ولا أبدا نفلح بعده فقد جاورنا منذ زمان ~~فأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا فختمت أمره بأسوء الجوار ~~قالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك فقال لها: أوما كان يسعه حلمك فتحفظين ~~جواره؟ قالت: قد كان ما كان فبعث الله إلياس إلى لاجب الملك، وأمره الله أن ~~يخبرهم أن الله تعالى قد غضب عليهم لوليه حين قتلوه ظلما وآلى على نفسه ~~أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ويردا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما، ~~يعني: لاجب وامرأته في جوف الجنينة، ثم يضعهما جثتين ملقيين فيها حتى تتفرق ~~عظامهما من لحومهما ولا يتمتعان بها إلا قليلا، فجاء إلياس فأخبر الملك بما ~~أوحى الله في أمره وأمر امرأته والجنينة، فلما سمع الملك ذلك اشتد غضبه ~~عليه، وقال: يا إلياس والله ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلا، وهم بتعذيبه ~~وقتله، فلما أحس إلياس بالشر رفضه وخرج عنه هاربا، ورجع الملك إلى عبادة ~~بعل وارتقى إلياس إلى أصعب جبل وأشمخه فدخل مغارة فيه، ويقال: أنه بقي سبع ~~سنين شريدا خائفا يأوي الشعوب والكهوف، يأكل من نبات الأرض وثمار ms2851 الشجر وهم ~~في طلبه قد وضعوا العيون عليه والله تعالى يستره منهم، فلما طال الأمر على ~~إلياس وطال عصيان # قومه وضاق # بذلك ذرعا أوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين: يا إلياس ما هذا الخوف ~~الذي أنت فيه ألست أميني على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي؟ فسلني ~~أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم، قال: تميتني فتلحقني بآبائي ~~فإني قد مللت بني إسرائيل وملوني، فأوحى الله تعالى إليه: يا الياس ما هذا ~~اليوم الذي أعرى منك الأرض وأهلها؟ وإنما قوامهما وصلاحهما بك وأشباهك وإن ~~كنتم قليلا ولكن سلني فأعطك، قال إلياس: إن لم تمتني فاعطني ثأري من بني ~~إسرائيل، قال الله تعالى: وأي: شيء تريد أن أعطيك؟ قال: تمكنني من خزائن ~~السماء سبع سنين فلا تنشئ سحابة عليهم إلا بدعوتي ولا تمطر عليهم سبع سنين ~~قطرة إلا بشفاعتي فإنهم لا يذكرهم إلا ذلك، قال الله تعالى: يا إلياس أنا ~~أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا # PageV03P390 # ظالمين، قال: ست سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك، قال: فخمس سنين، قال: ~~أنا أرحم بخلقي من ذلك، ولكن أعطيك ثأرك ثلاث سنين أجعل خزائن المطر بيدك، ~~قال: فبأي شيء أعيش؟ قال: أسخر لك جنسا من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك من ~~الريف ومن الأرض التي لم تقحط، قال إلياس: قد رضيت، فأمسك الله تعالى عنهم ~~المطر حتى هلكت الماشية والهوام والشجر وجهد الناس جهدا عظيما، وإلياس على ~~حالته مستخف من قومه يوضع له الرزق حيثما كان وقد عرف ذلك قومه.l # قال ابن عباس: أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط فمر إلياس بعجوز فقال ~~لها: هل عندكم طعام؟ قالت: نعم شيء من دقيق وزيت قليل فدعا بهما ودعا فيه ~~بالبركة حتى ملأ خوابيها دقيقا وخوابيها زيتا، فلما رأوا ذلك عندها، قالوا ~~لها: من أين لك هذا؟ قالت: مر بي رجل من حاله كذا وكذا ثم وصفته بصفته ~~فعرفوه وقالوا: ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم ثم أنه أوى إلى بيت ~~امرأة من ms2852 بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به مرض فآوته وأخفت ~~أمره فدعا له فعوفي من الضر الذي كان به، واتبع إلياس وآمن به وصدقه ولزمه ~~وكان يذهب حيثما ذهب، وكان إلياس قد كبر سنه واليسع غلام شاب ثم إن الله ~~تعالى أوحى إلى إلياس أنك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص من البهائم ~~والطير والهوام بحبس المطر، فقال إلياس: يا رب دعني أنا الذي أكون أدعو لهم ~~وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء لعلهم أن يرجعوا عما هم عليه من عبادة ~~غيرك، فقيل له: نعم، فجاء إلياس إلى بني إسرائيل فقال: إنكم قد هلكتم جوعا ~~وجهدا وقد هلكت البهائم والهوام والشجر بخطاياكم وإنكم على باطل، فإن كنتم ~~تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، ~~وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوتم الله سبحانه وتعالى، ~~ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء قالوا: أنصفت فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم ~~تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء ثم قالوا لإلياس: إنا قد هلكنا فادع الله ~~لنا فدعا لهم إلياس ومعه اليسع بالفرج، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر ~~البحر وهم ينظرون فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق ثم أرسل الله تعالى عليهم ~~المطر فأغاثهم وحييت بلادهم، فلما كشف الله تعالى عنهم المطر لم ينزعوا عن ~~كفرهم وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس دعا ربه أن ~~يريحه منهم، فقيل له: انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى موضع كذا فما جاءك ~~من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس ومعه # اليسع حتى إذا كانا بالموضع الذي أمر به أقبل فرس من نار، وقيل: لونه ~~كلون النار حتى وقف بين يديه فوثب عليه إلياس وانطلق به الفرس وناداه ~~اليسع: يا إلياس ما تأمرني؟ فقذف إليه بكسائه من الجو الأعلى فكان ذلك ~~علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخر عهده به ورفع الله ~~تعالى إلياس من بين أظهرهم وقطع ms2853 عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش، فكان ~~إنسيا ملكيا أرضيا سماويا، وسلط الله تعالى على لاجب الملك وقومه عدوا لهم ~~فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى أرهقهم فقتل لاجب وامرأته إزميل في بستان ~~مزدكي فلم تزل جيفتاهما ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت ~~عظامهما، ونبأ الله تعالى اليسع وبعثه رسولا إلى # PageV03P391 # بني إسرائيل فأوحى الله تعالى إليه وأيده، فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا ~~يعظمونه، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع. # روى السري بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: الياس والخضر يصومان ~~رمضان ببيت المقدس ويوافيان موسم الحج في كل عام، وقيل: إن الياس موكل ~~بالفيافي والخضر موكل بالبحار فذلك قوله تعالى {وإن إلياس لمن المرسلين} . # {إذ} أي: اذكر يا أفضل الخلق إذ {قال لقومه ألا تتقون} أي: ألا تخافون ~~الله. # ولما خوفهم على سبيل الإجمال ذكر ما هو السبب لذلك التخويف بقوله تعالى: # {أتدعون بعلا} اسم لصنم لهم من ذهب وبه سميت البلد أيضا مضافا إلى بك أي: ~~أتعبدونه أو تطلبون الخير منه، وقيل: البعل الرب بلغة اليمن سمع ابن عباس ~~رجلا منهم ينشد ضالة فقال آخر: أنا بعلها فقال: الله أكبر وتلا الآية، ~~ويقال: من بعل هذه الدار أي: من ربها، وسمي الزوج بعلا لهذا المعنى قال ~~الله تعالى {وبعولتهن أحق بردهن} (البقرة: 228) # وقالت امرأة إبراهيم {وهذا بعلي شيخا} والمعنى: أتدعون بعض البعول ~~{وتذرون} أي: وتتركون {أحسن الخالقين} فلا تعبدونه، وقرأ ابن ذكوان بهمزة ~~الوصل من إلياس في الوصل فإن ابتدأ بها ابتدأ بفتحها، والباقون بهمزة ~~مكسورة وصلا وابتداء وقوله تعالى: # {الله ربكم ورب آبائكم الأولين} قرأه حفص وحمزة والكسائي بنصب الهاء من ~~الاسم الكريم ونصب الباء الموحدة من ربكم ورب وذلك إما على المدح أو البدل ~~أو البيان إن قلنا إن إضافة أفعل إضافة محضة، والباقون بالرفع في الثلاثة ~~وذلك إما على خبر مبتدأ مضمر أي: هو الله وعلى أن الجلالة مبتدأ وما بعده ~~الخبر. # أي: في العذاب وإنما ms2854 أطلقه اكتفاء بالقرينة أو لأن الإحضار المطلق مخصوص ~~بالشر عرفا وقوله تعالى: # [إلا عباد الله المخلصين] أي: المؤمنين مستثنى من فاعل فكذبوه، وفيه ~~دلالة على أن في قومه من لم يكذبه، فلذلك استثنوا ولا يجوز أن يكونوا ~~مستثنين من ضمير لمحضرون لفساد المعنى؛ لأنه يلزم أن يكونوا مندرجين فيمن ~~كذب لكنهم لم يحضروا لكونهم عباد الله المخلصين وهو بين الفساد لا يقال: هو ~~مستثنى منه استثناء منقطعا؛ لأنه يصير المعنى: لكن عباد الله المخلصين من ~~غير هؤلاء لم يحضروا، ولا حاجة إلى هذا إذ به يفسد نظم الكلام وتقدم الكلام ~~على قراءة المخلصين في أول السورة. # {وتركنا عليه في الآخرين} ثناء حسنا. # {سلام} أي: منا، وقوله تعالى: {على إل ياسين} قرأه نافع وابن عامر بفتح ~~الهمزة ممدودة وكسر اللام وقطعها عن الياء كما رسمت أي: أهله والمراد به ~~إلياس، والباقون بكسر الهمزة وسكون اللام وهي مقطوعة عن الياء قيل: هو ~~إلياس المتقدم، وقيل: هو ومن آمن معه فجمعوا معه تغليبا كقولهم للمهلب ~~وقومه: المهلبون، وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو غيره من ~~كتب الله تعالى، قال البيضاوي: والكل لا يناسب نظم سائر القصص ولا قوله ~~تعالى: # {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي: كما جزيناه. # {إنه من عبادنا المؤمنين} إذ الظاهر أن الضمير لإلياس. # القصة الخامسة قصة لوط عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {وإن لوطا لمن المرسلين} {إذ} أي: واذكر إذ {نجيناه وأهله أجمعين} {إلا ~~عجوزا في الغابرين} أي: الباقين في العذاب. # {ثم دمرنا} أي: أهلكنا {الآخرين} أي: كفار قومه. # PageV03P392 # {وإنكم} يا أهل مكة {لتمرون عليهم مصبحين} أي: على منازلهم في متاجركم ~~إلى الشام فإن سدوم في طريقه، وقوله تعالى: {وبالليل} عطف على الحال قبلها ~~أي: ملتبسين بالليل والمعنى: أن أولئك القوم كانوا يسافرون إلى الشام، ~~والمسافر في أكثر الأمر إنما يمشي في أول الليل وفي أول النهار فلهذا السبب ~~عبر الله تعالى عن هذين الوقتين ثم قال تعالى: {أفلا تعقلون} أي: أليس فيكم ~~عقل يا أهل ms2855 مكة فتنظروا ما حل بهم فتعتبروا؟ # القصة السادسة: وهي آخر القصص، قصة يونس عليه السلام المذكورة في قوله ~~تعالى: # {وإن يونس لمن المرسلين} وقوله تعالى: # {إذ أبق} ظرف للمرسلين أي: هو من المرسلين حتى في هذه الحالة وأبق أي: ~~هرب وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن ~~إطلاقه عليه. {إلى الفلك المشحون} أي: السفينة المملوءة، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما ووهب: كان يونس وعد قومه العذاب فتأخر عنهم فخرج كالمنشوز منهم ~~فقصد البحر فركب السفينة، فقال الملاحون: ههنا عبد آبق من سيده فاقترعوا ~~فوقعت القرعة على يونس، فقال يونس: أنا الآبق فزج نفسه في البحر. # وروي في القصة: أنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له فجاء ~~مركب وأراد أن يركب معهم فقدم امرأته ليركب بعدها فحال الموج بينه وبين ~~المركب ومر المركب، ثم جاءت موجة أخرى فأخذت ابنه الأكبر، وجاء ذئب فأخذ ~~ابنه الأصغر فبقي فريدا، فجاءت مركب أخرى فركبها وقعد ناحية من القوم، فلما ~~جرت السفينة في البحر ركدت فقال الملاحون: إن فيكم عاصيا وإلا لم يحصل وقوف ~~السفينة كما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر فأقرعوا فمن خرجت القرعة على ~~سهمه نغرقه فإن تغريق واحد خير من غرق الكل فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس ~~فذلك قوله تعالى: # {فساهم} أي: قارع أهل السفينة {فكان من المدحضين} أي: المغلوبين بالقرعة ~~فألقوه في البحر. # {فالتقمه} ابتلعه {الحوت وهو مليم} أي: آت بما يلام عليه من ذهابه إلى ~~البحر وركوبه السفينة بلا إذن من ربه وقيل: مليم نفسه. # {فلولا أنه كان من المسبحين} أي: الذاكرين قبل ذلك وكان عليه السلام كثير ~~الذكر، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من المصلين، وقال وهب: من العابدين، ~~وقال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، قال ~~الضحاك: شكر الله تعالى له طاعته القديمة، اذكر الله في الرخاء يذكرك في ~~الشدة، فإن يونس كان عبدا صالحا ذاكرا لله تعالى ms2856 فلما وقع في الشدة في بطن ~~الحوت شكر الله تعالى له ذلك، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله: {لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (الأنبياء: 87) # {للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} أي: صار بطن الحوت له قبرا إلى يوم ~~القيامة وهو حي أو ميت وفي ذلك حث على إكثار الذكر وتعظيم لشأنه ومن أقبل ~~عليه في السراء أخذ بيده في الضراء. # {فنبذناه} أي: ألقيناه من بطن الحوت فأضاف النبذ إلى نفسه سبحانه مع أن ~~النبذ إنما حصل بفعل الحوت فهو يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ~~{بالعراء} أي: بوجه الأرض، وقال السدي: بالساحل والعراء الأرض الخالية من ~~الشجر والنبات، روي أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ~~ويسبح الله تعالى حتى انتهى إلى الأرض فلفظه. # تنبيه: اختلفوا في مدة # PageV03P393 # لبثه في بطن الحوت فقال الحسن: لم يلبث إلا قليلا ثم أخرج من بطن الحوت، ~~وقال بعضهم: التقمه بكرة ولفظه عشية، وقال مقاتل بن حبان: ثلاثة أيام، وقال ~~عطاء: سبعة أيام، وقال الضحاك: عشرين يوما، وقيل: شهرا، وقيل: أربعين يوما، ~~قال الرازي: ولا أدري بأي دليل عينوا هذه المقادير؟ وروى أبو بردة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: سبح يونس في بطن الحوت فسمع الملائكة تسبيحه ~~فقالوا: ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة فقال تعالى: ذاك عبدي يونس ~~عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد ~~إليك منه كل يوم وليلة عمل صالح، قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه ~~بالساحل. # وروي أن يونس عليه السلام لما ابتلعه الحوت ابتلع الحوت حوت آخر أكبر منه ~~فلما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر ~~لله تعالى ساجدا وقال: يا رب اتخذت لي مسجدا لم يعبدك أحد في مثله {وهو ~~سقيم} أي: عليل كالفرخ الممعوط. # {وأنبتنا عليه} أي: له وقيل: عنده {شجرة من يقطين} قال المبرد والزجاج: ~~اليقطين كل ms2857 ما لم يكن له ساق من عود كالقثاء والقرع والبطيخ والحنظل وهو ~~قول الحسن ومقاتل، قال البغوي: المراد هنا القرع على قول جميع المفسرين، ~~وروى الفراء أنه قيل عند ابن عباس: هو ورق القرع فقال: ومن جعل القرع من ~~بين الشجر يقطينا كل ورقة انشقت وشربت فهو يقطين. # فإن قيل: الشجر ما له ساق واليقطين مما لا ساق له كما قال تعالى: {والنجم ~~والشجر يسجدان} (الرحمن: 6) # . أجيب: بأن الله تعالى جعل لها ساقا على خلاف العادة في القرع معجزة له ~~عليه السلام ولو كان منبسطا على الأرض لم يمكن أن يستظل به قال مقاتل بن ~~حبان: كان يونس عليه السلام يستظل بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من ~~لبنها بكرة وعشيا حتى اشتد لحمه ونبت شعره. # وروي أن يونس عليه السلام كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم ~~تسعة أسباط ونصفا وبقي سبطان ونصف، وكان قد أوحى الله تعالى إلى بني ~~إسرائيل إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم، فلما نسوا ~~ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن اذهب إلى ملك ~~هؤلاء الأقوام وقل له: يبعث إلى بني إسرائيل نبيا، فاختار من بني إسرائيل ~~يونس عليه السلام لقوته وأمانته فقال يونس: الله أمرك بهذا؟ قال: لا ولكن ~~أمرت أن أبعث قويا أمينا وأنت كذلك، فقال يونس: في بني إسرائيل من هو أقوى ~~مني فلم لم تبعثه؟ فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم ~~فوجد سفينة مشحونة فحملوه فيها فلما أشرف على لجة البحر أشرفوا على الغرق ~~فقال الملاحون: إن فيكم عاصيا وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه فقال ~~التجار: قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع فمن خرجت عليه نغرقه في البحر ~~فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل، فخرج من بينهم يونس فقال: يا هؤلاء أنا ~~العاصي وتلفف في كسائه ورمى بنفسه فالتقمه الحوت، وأوحى الله تعالى إلى ~~الحوت لا تكسر منه عظما ولا تقطع ms2858 منه وصلا، ثم إن الحوت خرج إلى نيل مصر ثم ~~إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم إلى دجلة وصعد به ورماه في أرض نصيبين ~~بالعراء وهو كالفرخ المنتوف لا شعر ولا لحم، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من ~~يقطين فكان يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد، ثم إن الأرضة أكلتها، # PageV03P394 # فحزن يونس لذلك حزنا شديدا، فقال: # يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت ~~فقال: يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة ولا تحزن على مائة ألف إو ~~يزيدون تركتهم فانطلق إليهم، فانطلق إليهم وذلك قوله تعالى: # {وأرسلناه} أي: بعد ذلك كقبله إلى قومه بنينوى من أرض الموصل {إلى مائة ~~ألف أو يزيدون} قال ابن عباس: إن أو بمعنى الواو، وقال مقاتل والكلبي: ~~بمعنى بل، وقال الزجاج: على الأصل بالنسبة للمخاطبين، واختلفوا في مبلغ ~~الزيادة فقال ابن عباس ومقاتل: كانوا عشرين ألفا، ورواه أبي بن كعب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا، وقال سعيد بن ~~جبير: تسعين ألفا. # فإن قيل: الشجر ما له ساق واليقطين مما لا ساق له كما قال تعالى: {والنجم ~~والشجر يسجدان} (الرحمن: 6) # . أجيب: بأن الله تعالى جعل لها ساقا على خلاف العادة في القرع معجزة له ~~عليه السلام ولو كان منبسطا على الأرض لم يمكن أن يستظل به قال مقاتل بن ~~حبان: كان يونس عليه السلام يستظل بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من ~~لبنها بكرة وعشيا حتى اشتد لحمه ونبت شعره. # وروي أن يونس عليه السلام كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم ~~تسعة أسباط ونصفا وبقي سبطان ونصف، وكان قد أوحى الله تعالى إلى بني ~~إسرائيل إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم، فلما نسوا ~~ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن اذهب إلى ملك ~~هؤلاء الأقوام وقل له: يبعث إلى بني إسرائيل نبيا، فاختار من بني إسرائيل ~~يونس ms2859 عليه السلام لقوته وأمانته فقال يونس: الله أمرك بهذا؟ قال: لا ولكن ~~أمرت أن أبعث قويا أمينا وأنت كذلك، فقال يونس: في بني إسرائيل من هو أقوى ~~مني فلم لم تبعثه؟ فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم ~~فوجد سفينة مشحونة فحملوه فيها فلما أشرف على لجة البحر أشرفوا على الغرق ~~فقال الملاحون: إن فيكم عاصيا وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه فقال ~~التجار: قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع فمن خرجت عليه نغرقه في البحر ~~فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل، فخرج من بينهم يونس فقال: يا هؤلاء أنا ~~العاصي وتلفف في كسائه ورمى بنفسه فالتقمه الحوت، وأوحى الله تعالى إلى ~~الحوت لا تكسر منه عظما ولا تقطع منه وصلا، ثم إن الحوت خرج إلى نيل مصر ثم ~~إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم إلى دجلة وصعد به ورماه في أرض نصيبين ~~بالعراء وهو كالفرخ المنتوف لا شعر ولا لحم، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من ~~يقطين فكان يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد، ثم إن الأرضة أكلتها، فحزن ~~يونس لذلك حزنا شديدا، فقال: يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس ~~والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت فقال: يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة ~~ولا تحزن على مائة ألف إو يزيدون تركتهم فانطلق إليهم، فانطلق إليهم وذلك ~~قوله تعالى: # {وأرسلناه} أي: بعد ذلك كقبله إلى قومه بنينوى من أرض الموصل {إلى مائة ~~ألف أو يزيدون} قال ابن عباس: إن أو بمعنى الواو، وقال مقاتل والكلبي: ~~بمعنى بل، وقال الزجاج: على الأصل بالنسبة للمخاطبين، واختلفوا في مبلغ ~~الزيادة فقال ابن عباس ومقاتل: كانوا عشرين ألفا، ورواه أبي بن كعب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا، وقال سعيد بن ~~جبير: تسعين ألفا. # {فآمنوا} أي: الذين أرسل إليهم عند معاينة العذاب الموعودين به ~~{فمتعناهم} أي: أبقيناهم بما لهم {إلى حين} أي: إلى انقضاء ms2860 آجالهم. # تنبيه: قال البيضاوي: ولعله إنما لم يختم قصته وقصة لوط عليهما السلام ~~بما ختم به سائر القصص تفرقة بينهما وبين أرباب الشعائر الكثيرة وأولي ~~العزم من الرسل واكتفاء بالسلام الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة ~~وقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {فاستفتهم} أي: استخبر كفار مكة توبيخا لهم {ألربك البنات ولهم البنون} ~~قال الزمخشري: معطوف على مثله في أول السورة، قال أبو حيان: وإذا كانوا قد ~~عدوا الفصل بجملة نحو: كل لحما واضرب زيدا وخبزا من أقبح التراكيب فكيف ~~بجمل كثيرة وقصص متباينة؟ فأجيب عنه: بأن الفصل وإن كثر بين الجمل ~~المتعاطفة مغتفر وأما المثال الذي ذكره فمن قبيل المفردات. # ألا ترى كيف عطف خبزا على لحما؟ وأيضا الفاصل ليس بأجنبي، كما أشار إليه ~~البيضاوي بقوله: أمر رسوله أولا باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث وساق ~~الكلام في تقريره جارا لما يلائمه من القصص موصولا بعضها ببعض، ثم أمره صلى ~~الله عليه وسلم باستفتائهم عن وجه القسمة، حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم ~~البنين في قولهم: الملائكة بنات الله وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخر من ~~التجسيم وتجويز البنات على الله تعالى، فإن الولادة مخصوصة بالأجسام ~~المتكونة الفاسدة وتفضيل أنفسهم الخسيسة عليه سبحانه حيث جعلوا أوضع ~~الجنسين له وأرنعهما لهم واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ولذلك كرر الله ~~تعالى إنكاره ذلك وإبطاله في كتابه العزيز مرارا وجعله مما تكاد السموات ~~ينفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، والإنكار ههنا مقصور على الأخيرين ~~لاختصاص هذه الطائفة بهما. # ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا: إن قريشا وأجناس العرب جهينة وبني ~~سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا: الملائكة بنات الله، وهذا الكلام يشتمل على ~~أمرين أحدهما: إثبات البنات لله تعالى وذلك باطل؛ لأن العرب كانوا يستنكفون ~~من البنات والشيء الذي يستنكف منه المخلوق كيف يمكن إثباته للخالق؟ ~~والثاني: إثبات أن الملائكة إناث وهذا أيضا باطل؛ لأن طريق العلم إما الحس ~~وإما الخبر وإما النظر، أما الحس فمفقود؛ لأنهم لم يشاهدوا كيف خلق ms2861 الله ~~تعالى الملائكة، وهو المراد من قوله تعالى: # {أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون} وإنما خص علم المشاهدة؛ لأن أمثال ~~ذلك لا يعلم إلا به، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل ~~الصرف مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بأنهم # PageV03P395 # لفرط جهلهم يثبتونه كأنهم قد شاهدوا خلقهم. وأما الخبر فمفقود أيضا؛ لأن ~~الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقا قطعا وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا ~~الحكم كذابون أفاكون لم يدل على صدقهم دليل، وهذا هو المراد من قوله تعالى: # {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون} أي: فيما زعموا ~~وقوله تعالى: # {أصطفى البنات على البنين} استفهام إنكار واستبعاد، والاصطفاء أخذ صفوة ~~الشيء. # فائدة: همزة أصطفى همزة قطع مفتوحة مقطوعة وصلا وابتداء. # هذا الحكم الفاسد {أفلا تذكرون} أي: أنه تعالى منزه عن ذلك، وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص بتخفيف الذال، والباقون بالتشديد. # وأما النظر فمفقود من وجهين؛ الأول: أن دليل العقل يقتضي فساد هذا ~~المذهب؛ لأنه تعالى أكمل الموجودات، والأكمل له اصطفاء الأبناء على البنات ~~يعني: أن إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب إلى العقل من إسناد الأخس إلى ~~الأفضل، فإن كان حكم العقل معتبرا في هذا الباب كان قولهم باطلا، الثاني: ~~أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة ~~مذهبهم وإذا لم يجدوا دليلا ظهر بطلان مذهبهم وهذا هو المراد بقوله تعالى: # {أم لكم سلطان مبين} أي: حجة واضحة أن لله ولدا. # {فأتوا بكتابكم} أي: التوراة فأروني ذلك فيه {إن كنتم صادقين} أي: في ~~قولكم هذا. # {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} قال مجاهد وقتادة: أراد بالجنة الملائكة ~~عليهم السلام سموا جنا لاجتنانهم عن الأبصار، وقال ابن عباس: حي من ~~الملائكة يقال لهم: الجن منهم إبليس لعنه الله، وقيل: هم خزان الجنة، قال ~~الرازي: وهذا القول عندي مشكل؛ لأنه تعالى أبطل قولهم: الملائكة بنات الله، ~~ثم عطف عليه قوله تعالى: {وجعلوا} إلخ والعطف يقتضي المغايرة، فوجب أن يكون ~~المراد من الآية غير ما ms2862 تقدم، وقال مجاهد: قال كفار قريش: الملائكة بنات ~~الله، فقال لهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه منكرا عليهم: فمن ~~أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن، وهذا أيضا بعيد؛ لأن المصاهرة لا تسمى نسبا، ~~قال الرازي: وقد روينا في تفسير قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن} ~~(الأنعام: 100) # أن قوما من الزنادقة يقولون: إن الله تعالى وإبليس أخوان فالله تعالى هو ~~الحر الكريم وإبليس هو الأخ الشرير، فالمراد من ذلك هو هذا المذهب وهو مذهب ~~المجوس، قال: وهذا القول عندي هو أقرب الأقاويل في الرد عليه بهذه الآية ~~{ولقد علمت الجنة أنهم} أي: أهل هذا القول {لمحضرون} أي: إلى النار ~~ومعذبون، وقيل: المراد ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون العذاب، فعلى الأول ~~الضمير عائد إلى القائل، وعلى الثاني عائد إلى نفس الجنة. # ثم إنه تعالى نزه نفسه عما قالوه من الكذب فقال تعالى: # {سبحان الله عما يصفون} بأن لله تعالى ولدا ونسبا وقوله تعالى: # {إلا عباد الله المخلصين} أي: المؤمنين استثناء منقطع أي: لكن عباد الله ~~المخلصين ينزهون الله تعالى عما يصف هؤلاء. الثالث: أنه ضمير محضرون أي: ~~لكن عباد الله تعالى ناجون وعلى هذا فتكون جملة التسبيح معترضة وظاهر كلام ~~أبي البقاء أنه يجوز أن يكون استثناء متصلا؛ لأنه قال: مستثنى من جعلوا أو ~~محضرون، ويجوز أن يكون منفصلا، فظاهر هذه العبارة أن الوجهين الأولين هو ~~فيهما متصل لا منفصل وليس ببعيد كأنه قيل: وجعل الناس، ثم استثنى منهم ~~هؤلاء وكل من لم يجعل بين الله وبين الجنة # PageV03P396 # نسبا فهو عند الله مخلص من الشرك، وقوله تعالى: # a # {فإنكم} أي: يا أهل مكة {وما تعبدون} أي: من الأصنام عود إلى خطابهم؛ ~~لأنه لما ذكر الدلائل الدالة على فساد مذاهب الكفار أتبعه بما ينبه به على ~~أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على إضلال أحد إلا إذا كان قد سبق حكم الله ~~تعالى في حقه بالعذاب والوقوع في النار، كما قال تعالى: # {ما أنتم عليه} أي: على معبودكم، وعليه متعلق بقوله: {بفاتنين} أي: ~~بمضلين ms2863 أحدا من الناس. # {إلا من هو صال الجحيم} أي: إلا من سبق له في علم الله تعالى الشقاوة. # تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا تأثير لإيحاء الشيطان ~~ووسوسته وإنما المؤثر هو الله حيث قضاه وقدره، ثم إن جبريل عليه السلام ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة ليسوا بمعبودين كما زعمت ~~الكفار بقوله: # {وما منا} أي: معشر الملائكة ملك {إلا له مقام معلوم} في السموات يعبد ~~الله تعالى فيه لا يتجاوزه، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما في ~~السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي ويسبح، وروى أبو ذر رضي الله تعالى ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أطت السماء وحق لها أن تئط ~~والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا» ~~قيل: الأطيط أصوات الأقتاب وقيل: أصوات الإبل وحسها، ومعنى الحديث: ما في ~~السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة ~~عليهم السلام وإن لم يكن ثم أطيط، وقال السدي: إلا له مقام معلوم في القرب ~~والمشاهدة. # {وإنا لنحن الصافون} أي: أقدامنا في الصلاة، وقال الكلبي: صفوف الملائكة ~~في السماء كصفوف الناس في الأرض. # {وإنا لنحن المسبحون} أي: المنزهون الله تعالى عما لا يليق به، وقيل: هذا ~~حكاية كلام النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والمعنى: وما منا إلا له ~~مقام معلوم في الجنة أو بين يدي الله تعالى في القيامة وإنا لنحن الصافون ~~في الصلاة والمنزهون له تعالى عن السوء، ثم إنه تعالى أعاد الكلام إلى ~~الإخبار عن المشركين فقال: # {وإن كانوا} أي: كفار مكة، وإن مخففة من الثقيلة {ليقولون لو أن عندنا ~~ذكرا} أي: كتابا {من الأولين} أي: من كتب الأمم الماضين. # {لكنا عباد الله المخلصين} أي: لأخلصنا العبادة له وما كذبنا ثم جاءهم ~~الذكر الذي هو سيد الأذكار والمهيمن عليها وهو القرآن العظيم. # {فكفروا به فسوف يعلمون} عاقبة هذا الكفر وهذا تهديد عظيم، ولما هددهم ~~بذلك أردفه ms2864 بما يقوي قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {ولقد سبقت كلمتنا} أي: بالنصر {لعبادنا المرسلين} وهي قوله تعالى ~~{لأغلبن أنا ورسلي} (المجادلة: 21) # أو هي قوله تعالى: # {إنهم لهم المنصورون} . # {وإن جندنا} أي: المؤمنين {لهم الغالبون} أي: الكفار، والنصرة والغلبة قد ~~تكون بالحجة وقد تكون بالدولة والاستيلاء، وقد تكون بالدوام والثبات، ~~فالمؤمن وإن صار مغلوبا في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب ~~في الآخرة، فالحكم في ذلك للأغلب في الدنيا فلا ينافي ذلك قتل بعض الأنبياء ~~عليهم السلام وهزم كثير من المؤمنين، وإنما سمى ذلك كلمة وهي كلمات ~~لانتظامها في معنى واحد. # {فتول عنهم} أي: أعرض عن كفار مكة، واختلف في قوله تعالى: {حتى حين} فقال ~~ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يوم بدر، وقال السدي: حتى يأمرك الله ~~تعالى بالقتال، وقيل: إلى أن يأتيهم عذاب الله، وقيل: إلى فتح مكة، وقال # PageV03P397 # مقاتل بن حبان: نسختها آية القتال. # {وأبصرهم} أي: إذا نزل بهم العذاب من القتل والأسر في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة، {فسوف يبصرون} أي: ما قضيناه لك من التأييد والنصرة والثواب في ~~الآخرة وسوف للوعيد لا للتبعيد. # ولما قيل لهم ذلك قالوا استهزاء: متى نزول العذاب؟ فقال تعالى تهديدا ~~لهم: # {أفبعذابنا يستعجلون} أي: إن ذلك الاستعجال جهل؛ لأن لكل شيء من أفعال ~~الله تعالى وقتا معينا لا يتقدم ولا يتأخر. # {فإذا نزل} أي: العذاب {بساحتهم} قال مقاتل: بحضرتهم، وقيل: بفنائهم، قال ~~الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم فشبه العذاب بجيش هجم فأناخ ~~بفنائهم بغتة {فساء} أي: فبئس صباحا {صباح المنذرين} أي: الكافرين الذين ~~أنذروا بالعذاب، وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر أتاها ليلا وكان إذا جاء قوما بليل لم يغر ~~حتى يصبح، فلما أصبح خرجت يهود بمساحيها ومكاتلها، فلما رأوه قالوا: محمد ~~والله محمد والخميس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الله أكبر خربت ~~خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء ms2865 صباح المنذرين قالها ثلاث مرات» وقوله ~~تعالى: # {وتول عنهم حتى حين} {وأبصر فسوف يبصرون} فيه وجهان أحدهما: أن في هذه ~~الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا وفي هذه الكلمة أحوال يوم القيامة على هذا ~~فالتكرار زائل، والثاني: أنها مكررة للمبالغة في التهديد والتهويل. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله أولا: {وأبصرهم} وههنا قال: {وأبصر} بغير ~~ضمير؟ أجيب: بأنه حذف مفعول أبصر الثاني إما اختصارا لدلالة الأول عليه ~~وإما اقتصارا تفننا في البلاغة، ثم إنه تعالى ختم السورة بتنزيه نفسه عن كل ~~ما لا يليق بصفات الإلهية فقال تعالى: # {سبحان ربك رب العزة} أي: الغلبة والقوة وفي قوله تعالى: {رب} إشارة إلى ~~كمال الحكمة والرحمة، وفي قوله تعالى {العزة} إشارة إلى كمال القدرة وأنه ~~القادر على جميع الحوادث؛ لأن الألف واللام في قوله تعالى: {العزة} تفيد ~~الاستغراق وإذا كان الكل ملكا له سبحانه لم يبق لغيره شيء فثبت أن قوله ~~سبحانه وتعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} أي: أن له ولدا كلمة محتوية ~~على أقصى الدرجات وأكمل النهايات وقوله تعالى: # {وسلام على المرسلين} أي: المبلغين من الله تعالى التوحيد والشرائع تعميم ~~للرسل بعد تخصيص بعضهم. # {والحمد لله رب العالمين} أي: على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء عليهم ~~أفضل الصلاة والسلام وعلى ما أفاض عليهم ومن اتبعهم من النعمة وحسن ~~العاقبة، ولذلك أخره عن التسليم والغرض من ذلك تعليم المؤمنين أن يقولوا ~~ذلك ولا يغفلوا عنه لما روى البغوي عن علي رضي الله عنه أنه قال: من أحب أن ~~يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه: ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ~~إلخ. وأما ما رواه البيضاوي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن من قرأ ~~والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان وتباعدت عنه مردة ~~الشياطين وبرئ من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنا ~~بالمرسلين» فموضوع. ### | سورة ص # مكية # PageV03P398 # وهي ست أو ثمان وثمانون ms2866 آية، وسبعمائةواثنتان وثمانون كلمة، وثلاثة آلاف ~~وتسعة وتسعون حرفا # {بسم الله} المنزه عن كل شائبة نقص {الرحمن} الذي عم جوده سائر مخلوقاته ~~{الرحيم} بمن خلقه، واختلف في تفسير قوله تعالى: # {ص} فقيل: قسم وقيل: هو اسم للسورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في ~~أوائل السور وقال محمد بن كعب القرظي: مفتاح اسمه الصمد وصادق الوعد، وقال ~~الضحاك: معناه صدق الله، وروي عن ابن عباس: صدق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين ~~على معارضته. {والقرآن} أي: الجامع مع البيان لكل خير {ذي الذكر} أي: ~~الموعظة والتذكير وقال ابن عباس: ذي البيان، وقال الضحاك: ذي الشرف ودليله ~~قوله تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك} (الزخرف: 44) ، فإن قيل: هذا قسم فأين ~~المقسم عليه؟ أجيب: بأنه محذوف تقديره: ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد ~~الآلهة وقوله تعالى: # {بل الذين كفروا} أي: من أهل مكة إضراب انتقال من قصة إلى أخرى {في عزة} ~~أي: حمية وتكبر عن الإيمان {وشقاق} أي: خلاف وعداوة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما، وقيل: جواب القسم قد تقدم ~~وهو قوله تعالى: {ص} أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمد الصادق وقال الفراء: ~~{ص} معناها وجب وحق فهو جواب قوله: {والقرآن} كما تقول: نزل والله، وقال ~~الأخفش: قوله تعالى: {إن كل إلا كذب الرسل} وقال السدي: إن ذلك لحق تخاصم ~~أهل النار، قال البغوي: وهذا ضعيف لأنه تخلل بين القسم وبين هذا الجواب ~~أقاصيص وأخبار كثيرة وقال مجاهد: في عزة متعازين. # {كم} أي: كثيرا {أهلكنا من قبلهم} وأكد كثرتهم بقوله تعالى: {من قرن} أي: ~~من أمة من الأمم الماضية كانوا في شقاق مثل شقاقهم. # تنبيه: كم مفعول أهلكنا، ومن قرن تمييز، ومن قبلهم لابتداء الغاية ~~{فنادوا} أي: استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة وقيل: نادوا بالإيمان ~~والتوبة {ولات} أي: وليس الحين {حين مناص} أي: منجى وفرار، قال ابن عباس: ~~كان كفار مكة ms2867 إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب، قال بعضهم لبعض: مناص أي: ~~اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله ~~تعالى ذلك، والمناص مصدر ناص ينوص إذا تقدم، ولات بمعنى: ليس بلغة أهل ~~اليمن، وقال النحويون: هي لا زيدت فيها التاء كقولهم: رب وربت، وثم وثمت، ~~وأصلها هاء وصلت بلا فقالوا: لات كما قالوا: ثمت ولا تعمل إلا في الأزمان ~~خاصة نحو لات حين ولات أوان كقول الشاعر: # *طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء* # والأكثر حينئذ حذف مرفوعها فتقديره ولات الحين حين مناص، وقد يحذف ~~المنصوب ويبقى المرفوع كقول القائل: # *من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح* # أي: لا براح لي، ولما حكى تعالى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أتبعه بشرح ~~كلماتهم الفاسدة بقوله تعالى: # {وعجبوا} أي: الكفار الذين ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه: {بل الذين ~~كفروا في عزة وشقاق} {أن} أي: لأجل أن {جاءهم منذر} هو النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفي قوله تعالى: {منهم} وجهان أحدهما: أنهم قالوا أن محمدا مساو لنا ~~في الخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنية والنسب # PageV03P399 # والشكل والصورة فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي. والثاني: ~~أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى ~~التوحيد والترغيب في الآخرة ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون أنه كان ~~بعيدا عن الكذب والتهمة وكل ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم ~~لحماقتهم يتعجبون من قوله: {وقال الكافرون} وضع الظاهر فيه موضع المضمر ~~إشارة إلى أنهم يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون ومعاندون ~~لا غافلون وإيذانا بشدة غضبه عليهم وذما لهم على قولهم: {هذا} أي: النذير ~~{ساحر} أي: فيما يظهره معجزة {كذاب} أي: فيما يقول على الله تبارك وتعالى: # {أجعل} أي: صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه {الآلهة} أي: التي نعبدها ~~{إلها واحدا} كيف يسع الخلق كلهم إله واحد {إن هذا} أي: القول بالوحدانية ~~{لشيء عجاب} أي: بليغ ms2868 في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا ونشاهده من ~~أن الواحد لا يفي عمله وقدرته بالأشياء الكثيرة، وقال البغوي: العجب ~~والعجاب واحد كقولهم: رجل كريم وكرام، وكبير وكبار، وطويل وطوال، وعريض ~~وعراض، وسبب قولهم ذلك أنه روى أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه شق ذلك على ~~قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش: وهم الصناديد ~~والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلا أكبرهم سنا الوليد بن المغيرة اذهبوا إلى ~~أبي طالب، فأتوا إليه وقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء ~~السفهاء وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إليه فحضر ~~فقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا تسألونني؟ فقالوا: ارفضنا وارفض ~~ذكر آلهتنا، قال: أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أتعطوني أنتم كلمة واحدة ~~تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل: لله أبوك نعطيكها ~~وعشر أمثالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قولوا لا إله إلا الله ~~فنفروا من ذلك وقاموا» فقالوا ذلك. # {وانطلق الملأ منهم} أي: أشراف قريش من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب ~~وسماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله {أن امشوا} أي: ~~يقول بعضهم لبعض امشوا أي: اذهبوا {واصبروا} أي: اثبتوا {على آلهتكم} أي: ~~على عبادتها، قال الزمخشري: ويجوز أنهم قالوا: امشوا أي: أكثروا واجتمعوا، ~~من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها، ومنه الماشية للتفاؤل. # فائدة: الجميع يكسرون النون في الوصل من أن امشوا والهمزة في الابتداء من ~~امشوا. # ولما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة بمكانه قال المشركون {إن هذا} أي: الذي ~~نراه من زيادة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {لشيء يراد} أي: بنا فلا مرد ~~له أو أن الصبر على عبادة الآلهة لشيء يراد وهو أهل للإرادة فهو أهل أن لا ~~ننفك عنه، وقيل: هذا المذكور من التوحيد لشيء يراد منا وقيل: ms2869 إن دينكم لشيء ~~يطلب ليؤخذ منكم. # {ما سمعنا بهذا} أي: الذي يقوله محمد من التوحيد {في الملة الآخرة} قال ~~ابن عباس: يعنون في النصرانية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون بل يقولون: ~~ثالث ثلاثة، وقال مجاهد: يعنون ملة قريش دينهم الذي هم عليه {إن} أي: ما ~~{هذا} أي: الذي يقوله {إلا اختلاق} # PageV03P400 # افتعال وكذب. # {أأنزل عليه} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {الذكر} أي: القرآن {من بيننا} ~~وليس بأكبرنا ولا أشرفنا وهذا استفهام على سبيل الإنكار لاختصاصه عليه ~~الصلاة والسلام بالوحي وهو مثلهم، وفي ذلك دليل على أن مبدأ تكذيبهم لم يكن ~~إلا الحسد وقصور النظر على الحطام الدنيوي، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~بتسهيل الهمزة الثانية كالواو، وأدخل بينهما ألفا قالون وأبو عمرو بخلاف عن ~~ورش وابن كثير بغير إدخال، وعن هشام فيها ثلاثة أوجه: تحقيق الهمزتين، ~~وإدخال ألف بينهما، وتحقيقهما من غير إدخال ألف بينهما، قال الله تبارك ~~وتعالى: {بل هم في شك} أي: تردد محيط بهم مبتدأ لهم {من ذكري} أي: وحيي وما ~~أنزلت لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الدليل الذي لو نظروا فيه لزال هذا ~~الشك عنهم {بل} أي: ليسوا في شك منه في نفس الأمر وإن كان قولهم قول من هو ~~في شك {لما يذوقوا عذاب} أي: الذي أعددته للمكذبين ولو ذاقوه لما قالوا هذا ~~القول ولصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ولا ينفعهم التصديق ~~حينئذ. # {أم} أي: بل {عندهم خزائن} أي: مفاتيح {رحمة} أي: نعمة {ربك} وهي النبوة ~~يعطونها من شاؤوا، ونظيره قوله تعالى {أهم يقسمون رحمة ربك} (الزخرف: 32) # أي: نبوة ربك {العزيز} أي: الغالب الذي لا يغلبه أحد {الوهاب} الذي له أن ~~يهب كل ما يشاء من النبوة أو غيرها لمن يشاء من خلقه. # ولما كانت خزائن الله تعالى غير متناهية كما قال تعالى: {وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه} (الجن: 21) # ومن جملته السموات والأرض وما بينهما وهم عاجزون عن هذا القسم قال الله ~~تعالى: # {أم لهم ملك السموات ms2870 والأرض وما بينهما} أي: ليس لهم ذلك فلأن يكونوا ~~عاجزين عن كل خزائن الله تعالى أولى، وقوله تعالى: {فليرتقوا في الأسباب} ~~جواب شرط محذوف أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى ~~العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم فينزلوا الوحي إلى من يريدونه ~~وهذا غاية التهكم بهم والتعجيز أو التوبيخ، قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب ~~السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو ~~سبب واستدل حكماء الإسلام بقوله تعالى: {فليرتقوا في الأسباب} على أن ~~الأجرام الفلكية وما أودع الله تعالى فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث ~~العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات: أسبابا وهذا يدل على ذلك وقوله ~~تعالى: # {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} خبر مبتدأ مضمر أي: هم قريش جند من ~~الكفار المتحزبين على الرسل عليهم السلام، مهزوم: مكسور عما قريب، فمن أين ~~لهم تدبير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية، فلا تكترث بما تقوله قريش، ~~قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه ~~سيهزم جند المشركين، فقال تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} (القمر: 45) # فجاء تأويلها يوم بدر وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق، ~~قال الرازي: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون ~~مهزومين في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن ~~يكون المراد أنهم سيصيرون مهزومين في مكة وما ذاك إلا في يوم الفتح. # تنبيه: في ما وجهان، أحدهما: أنها مزيدة، والثاني: أنها لجند على سبيل ~~التعظيم للمهزومين وللتحقير، فإن ما الصفة تستعمل لهذين المعنيين، وقد تقدم ~~الكلام # PageV03P401 # عليها في أوائل البقرة، وهنالك صفة لجند وكذلك مهزوم ومن الأحزاب ثم قال ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم معزيا له عليه السلام: # {كذبت} أي: مثل تكذيبهم {قبلهم قوم نوح} أنث قوم باعتبار المعنى واستمروا ~~على عزتهم وشقاقهم إلى أن رأوا الماء قد أخذهم ولم يسمحوا بالإذعان ms2871 ولا ~~بالتضرع إلى نوح عليه السلام {وعاد} سماهم بالاسم المنبه على ما كان لهم من ~~المكنة بالملك واستمروا في شقاقهم إلى أن خرجت عليهم الريح العقيم ورأوها ~~تحمل الإبل فيما بين السماء والأرض وهم لا يذعنون لما دعاهم إليه هود عليه ~~السلام {وفرعون ذو الأوتاد} كانت له أوتاد يعذب الناس عليها وكان إذا غضب ~~على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد يشد كل يد وكل رجل منه إلى سارية ~~وتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت، وقال مجاهد: كان يمد ~~الرجل مستلقيا بين أربعة أوتاد على الأرض يشد رجليه ويديه ورأسه على الأرض ~~بالأوتاد، قال السدي: كان يشد الرجل بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيات، ~~وقال ابن عباس: ذو البناء المحكم، وقيل: ذو الملك الشديد الثابت، وقال ~~العتبي: تقول العرب: هم في عز ثابت الأوتاد يريدون أنه دائم شديد قال ~~الأسود بن يعقوب: # *ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد # وقال الضحاك: ذو القوة والبطش، وقال عطية: ذو الجموع والجنود الكثيرة ~~لأنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يقوي الوتد الشيء، والأوتاد جمع ~~وتد وفيه لغات وتد بفتح الواو وكسر التاء وهو الفصحى، ووتد بفتحتين، وود ~~بإدغام التاء في الدال. # {وثمود} واستمروا فيما هم فيه إلى أن رأوا علامات العذاب من صفرة الوجوه ~~ثم حمرتها ثم سوادها ولم يكن في ذلك زاجر يردهم عن عزتهم وشقاقهم {وقوم ~~لوط} أي: الذين لهم قوة القيام بما يحاولونه واستمروا في عزتهم وفي شقاقهم ~~حتى ضربوا بالعشاء وطمس الأعين ولم يقدروا على الوصول إلى ما أرادوا من ~~الدخول إلى بيت لوط عليه السلام ولم يردهم ذلك عن عزتهم وشقاقهم {وأصحاب ~~الأيكة} أي: الغيضة، وهم قوم شعيب عليه الصلاة والسلام {أولئك الأحزاب} أي: ~~المتحزبون على الرسل عليهم السلام الذين خص الجند المهزوم منهم، وقيل: ~~المعنى أولئك الأحزاب مبالغة في وصفهم بالقوة كما يقال: فلان هو الرجل أي: ~~أولئك الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال ~~هؤلاء ms2872 الضعفاء المساكين إذا نزل عليهم العذاب، وفي الآية زجر وتخويف ~~للسامعين. # {إن} أي: ما {كل} أي: من الأحزاب {إلا كذب الرسل} أي: لأنهم إذا كذبوا ~~واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم لأن دعوتهم واحدة وهي دعوة التوحيد {فحق عقاب} ~~أي: فوجب عليهم ونزل بهم عذابي. # ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال ~~تعالى: # {وما ينظر} وحقرهم بقوله تعالى: {هؤلاء} أي: وما ينتظر كفار مكة {إلا ~~صيحة واحدة} وهي نفخة الصور الأولى، كقوله تعالى: {ما ينظرون إلا صيحة ~~واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية} (يس: 50) # الآية والمعنى: أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معد لهم يوم ~~القيامة، فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم كالرجل الذي ينتظر الشيء ~~فهو ماد الطرف إليه يقطع كل ساعة بحضوره، # PageV03P402 # قيل: المراد بالصيحة عذاب يفجؤهم ويجيئهم دفعة واحدة كما يقال: صاح ~~الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر: # *صاح الزمان بآل برمك صيحة ... خروا لشدتها على الأذقان* # ونظيره قوله تعالى: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} ~~(يونس: 102) # الآية. وقرأ حمزة والكسائي: {ما لها} أي: الصيحة {من فواق} بضم الفاء، ~~والباقون بفتحها، وهما لغتان بمعنى واحد وهو الزمان الذي بين حلبتي الحالب ~~ورضعتي الراضع والمعنى: ما لها من توقف قدر فواق ناقة، وفي الحديث: ~~«العبادة قدر فواق ناقة» وهذا في المعنى كقوله تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (الأعراف: 34) # وقال ابن عباس: ما لها من رجوع من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته وإفاقة ~~الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال: أفاقت الناقة تفيق إفاقة، رجعت ~~واجتمعت الفيقة في ضرعها، والفيقة اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، وهو أن ~~يحلب الناقة ثم يترك ساعة حتى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق أي: ~~العذاب لا يمهلهم بذلك القدر. # {وقالوا} أي: كفار مكة استهزاء لما نزل قوله تعالى في الحاقة: {فأما من ~~أوتي كتابه بيمينه} (الحاقة: 19) # {وأما من أوتي كتابه بشماله} (الحاقة: 25) # {ربنا} أي: يا أيها ms2873 المحسن إلينا {عجل لنا قطنا} أي: كتاب أعمالنا في ~~الدنيا {قبل يوم الحساب} وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة ~~التي تقول، وقال مجاهد والسدي: يعنون عقوبتنا ونصيبنا من العذاب، قال عطاء: ~~قاله النضر ابن الحارث وهو قوله: {إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء} (الأنفال: 32) # وقال مجاهد: قطنا حسابنا، يقال لكتاب الحساب: قط، وقال أبو عبيدة ~~والكسائي: القط الكتاب بالجوائز ويجمع على قطوط وقططة، كقرد وقرود وقردة، ~~وفي القلة على أقطة وأقطاط، كقدح وأقدحة وأقداح، إلا أن أفعلة في فعل شاذ. # ولما أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة أولها: من أمر النبوات وإثباتها كما ~~قال تعالى: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب} (ص: ~~4) # وثانيها: تعجبهم من الإلهيات فقالوا {أجعل الآلهة إلها واحدا} وثالثها: ~~تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا: {ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب} قالوا ذلك استهزاء أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بالصبر فقال ~~سبحانه: # وأشار بحرف الاستعلاء إلى عظيم الصبر فقال {على ما يقولون} أي: على ما ~~يقول الكافرون من ذلك، ثم إنه تعالى لما أمر نبيه بالصبر ذكر قصص الأنبياء ~~عليهم السلام تسلية له فكأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال ~~سائر الأنبياء ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولا بهم خاص، وحزن خاص، فيعلم ~~حينئذ أن الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجات العالية ~~عند الله تعالى لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا. # وبدأ من ذلك بقصة داود عليه السلام فقال تعالى: {واذكر عبدنا} أي: الذي ~~أخلصناه لنا وأخلص نفسه للنظر إلى عظمتنا والقيام في خدمتنا وأبدل منه أو ~~بينه بقوله تعالى: {داود ذا الأيد} قال ابن عباس: أي: القوة في العبادة، ~~روي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أحب الصيام ~~إلى الله تعالى صيام داود وأحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود كان يصوم ~~يوما ويفطر يوما وكان ms2874 ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» وقيل: ذا ~~القوة في الملك ووصفه # PageV03P403 # تعالى بكونه عبدا له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم ~~وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ليلة المعراج قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} ~~(الإسراء: 1) # وأيضا وصف الأنبياء عليهم السلام بالعبودية مشعر بأنهم قد حصلوا معنى ~~العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة {إنه أواب} أي: رجاع إلى مرضاة الله ~~تعالى، والأواب فعال من آب يؤب إذا رجع قال الله تعالى: {إن إلينا إيابهم} ~~(الغاشية: 25) # وهذا بناء مغالبة كما يقال: قتال وضراب وهو أبلغ من قاتل وضراب وقال ابن ~~عباس: مطيع، وقال سعيد بن جبير: مسبح بلغة الحبشة، ويؤيد هذا قوله تعالى: # {إنا} أي: على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء {سخرنا الجبال} أي: ~~التي هي أقسى من قلوب قومك وأنها أعظم الأراضي صلابة وقوة وعلوا ورفعة بأن ~~جعلناها منقادة ذلولا كالجمل الأنف، ثم قيد ذلك بقوله تعالى: {معه} أي: ~~مصاحبة له {يسبحن} أي: بتسبيحه وفي كيفية تسبيحها وجوه أحدها: أن الله ~~تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلا وقدرة ونطقا وحينئذ يصير الجبل مسبحا ~~لله تعالى، ثانيها: قال القفال: إن داود عليه السلام أوتي من شدة الصوت ~~وحسنه ما كان له في الجبال دوي حسن وما يصغي الطير إليه لحسنه فيكون دوي ~~الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحا. روى محمد بن إسحاق أن الله ~~تعالى لم يعط أحدا من خلقه مثل صوت داود عليه السلام حتى أنه كان إذا قرأ ~~الزبور دنت منه الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، ثالثها: أن الله تعالى سخر ~~الجبال حتى أنها كانت تسير إلى حيث يريده داود عليه السلام فجعل ذلك السير ~~تسبيحا لأنه يدل على كمال قدرته تعالى واتقان حكمته {بالعشي والإشراق} قال ~~الكلبي: غدوة وعشيا، والإشراق هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوءها، قال الزجاج: ~~يقال: شرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: ms2875 هما بمعنى واحد ~~والأول أكثر استعمالا، تقول العرب: شرقت الشمس ولما تشرق، وفسره ابن عباس ~~بصلاة الضحى قال ابن عباس: كنت أمر بهذه الآية ولم أدر ما هي حتى حدثتني أم ~~هانئ بنت أبي طالب: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بوضوء ~~فتوضأ ثم صلى الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق» ، وروى طاوس عن ابن ~~عباس قال: هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن قالوا: لا فقرأ إنا سخرنا ~~الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. وقوله تعالى: # الكتاب: السراج المنير للخطيب الشربينى # {والطير محشورة} أي: مجموعة إليه تسبح معه، عطف مفعول على مفعول، وهما ~~الجبال والطير، أو حال على حال، وهما يسبحن، ومحشورة كقولك: ضربت زيدا ~~مكتوفا وعمرا مطلقا وأتى بالحال اسما لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئا فشيئا ~~لأن حشرها دفعة واحدة أدل على القدرة والحاشر هو الله تعالى؟ فإن قيل: كيف ~~يصدر تسبيح الله تعالى من الطير مع أنه لا عقل لها؟ أجيب: بأنه لا يبعد أن ~~يخلق الله تعالى لها عقولا ولا حتى تعرف الله تعالى فتسبحه حينئذ ويكون ذلك ~~معجزة لداود عليه السلام {كل} أي: من الجبال والطير {له} أي: لداود أي: ~~لأجل تسبيحه {أواب} أي: رجاع إلى طاعته بالتسبيح وقيل: كل مسبح فوضع أواب ~~موضع مسبح وقيل: الضمير في له للباري تبارك وتعالى والمراد كل من داود ~~والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. # {وشددنا} أي: قوينا بما لنا من العظمة {ملكه} # PageV03P404 # بالحرس والجنود، قال ابن عباس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس ~~محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل، وعن ابن عباس: أن رجلا من بني إسرائيل ~~استعدى على رجل من عظمائهم عند داود فقال: إن هذا قد غصبني بقرا فسأله داود ~~فجحد فقال للآخر: البينة فلم تكن له بينة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر ~~في أمركما فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه أن يقتل الذي استعدى عليه، ~~فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى ms2876 الله تعالى إليه مرة ثانية فلم ~~يفعل فأوحى الله تعالى إليه مرة ثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة فأرسل ~~داود إليه فقال له: إن الله تعالى أوحى إلي أن أقتلك فقال: تقتلني بغير ~~بينة فقال: نعم والله لأنفذن أمر الله تعالى فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله ~~قال: لا تعجل حتى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت ابن ~~هذا فقتلته فبذلك أخذت، فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبة داود عند ذلك في ~~قلوب بني إسرائيل واشتد به ملكه فذلك قوله تعالى: {وشددنا ملكه} {وآتيناه} ~~أي: بعظمتنا {الحكمة} أي: النبوة والإصابة في الأمور. # واختلف في تفسيره قوله تعالى: {وفصل الخطاب} فقال ابن عباس: بيان الكلام ~~أي: معرفة الفرق بين ما يلتبس في كلام المخاطبين له من غير كبير رؤية في ~~ذلك، وقال ابن مسعود والحسن: علم الحكمة والبصر بالقضاء، وقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه: هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن كلام ~~الخصوم ينقطع وينفصل به، وقال أبي بن كعب: فصل الخطاب الشهود والإيمان، ~~وقال مجاهد وعطاء ويروى عن الشعبي: إن فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد ~~الله والثناء عليه، أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر وأول من قاله داود ~~عليه السلام، وقيل غيره كما ذكرته في شرح المنهاج عند قول المنهاج أما بعد، ~~وقيل: هو الخطاب الفصل الذي ليس باختصار مخل ولا إشباع ممل كما جاء وصف ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم فصل لا نزر ولا هذر، وقوله تعالى لنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم # {وهل} استفهام معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما بعده {أتاك} يا أفضل ~~الخلق {نبأ} أي: خبر {الخصم} وهو في الأصل مصدر ولذلك يصلح للمفرد والمذكر ~~والمراد به هنا الجمع بدليل قوله تعالى {إذ} أي: حين {تسوروا} أي: تصعدوا ~~وعلوا {المحراب} أي: البيت الذي كان يدخل فيه داود ويشتغل فيه بالعبادة ~~والطاعة، قال الزمخشري: فإن قلت: بما انتصب إذ؟ قلت: لا يخلو ms2877 إما أن ينتصب ~~بأتاك أو بنبأ أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأتاك لأن إتيان النبأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يقع إلا في عهده لا في عهد داود ولا بنبأ؛ لأن النبأ ~~واقع في عهد داود فلا يصح إتيانه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أردت ~~بالنبأ القصة في نفسها لم تكن ناصبا، فبقي أن يكون منصوبا بمحذوف تقديره ~~وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا، انتهى. فاختار أن يكون معمولا لمحذوف، ~~ويجوز أن ينتصب بالخصم لما فيه من معنى الفعل وقوله تعالى: # {إذ} أي: حين {دخلوا على داود} بدل من إذ الأولى أو ظرف لتسوروا، وقرأ ~~نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الذال عند التاء في الأول وعند الدال في ~~الثاني ووافقهم ابن ذكوان في الأول والباقون بالإدغام فيهما {ففزع منهم} ~~أي: لأنهم نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب لا يتركون ~~من # PageV03P405 # يدخل عليه، فإنه عليه السلام كان جزأ زمانه يوما للعبادة ويوما للقضاء ~~ويوما للوعظ ويوما للاشتغال بحاجته فتسور عليه ملكان على صورة الإنسان في ~~يوم الخلوة {قالوا لا تخف} وقولهم: {خصمان} خبر مبتدأ وضمر أي: نحن خصمان ~~أي: فريقان، ليطابق ما قبله من ضمير الجمع وقيل: اثنان، والضمير بمعناهما ~~وقد مر أن الخصم يطلق على الواحد والأكثر، وقولهم: {بغى بعضنا على بعض} ~~جملة يجوز أن تكون مفسرة لحالهم وأن تكون خبرا ثانيا، فإن قيل: كيف قالوا ~~بغى بعضنا على بعض وهم ملائكة على المشهور؟ أجيب: بأن ذلك على سبيل الفرض ~~أي: أرأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر وهذا من معاريض الكلام لا من تحقيق ~~البغي من أحدهما {فاحكم بيننا بالحق} أي: الأمر الثابت الذي يطابق الواقع ~~{ولا تشطط} أي: ولا تجر في الحكومة {واهدنا} أي: أرشدنا {إلى سواء الصراط} ~~أي: وسط الطريق الصواب فقال لهما: تكلما فقال أحدهما: # {إن هذا أخي} أي: على ديني وطريقتي أو في النصح لا من جهة النسب {له تسع ~~وتسعون نعجة} أي: امرأة {ولي نعجة واحدة} ms2878 امرأة واحدة، والنعجة هي الأنثى ~~من الضأن ولكن كثر في كلامهم الكناية عن المرأة، قال ابن عون: # *أنا أبوهن ثلاثة هنه ... رابعة في البيت صغرا هنه* # *ونعجتي خمسا توافيهنه* # قال الحسن بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن ثم نعاج ولا ~~بغي فهو كقولهم: ضرب زيد عمرا واشترى بكر دارا ولا ضرب هناك ولا شراء، وقرأ ~~حفص بفتح الياء والباقون بالسكون {فقال أكفلنيها} قال ابن عباس: أعطنيها ~~وقال مجاهد: انزل لي عنها وحقيقته ضمها إلي واجعلني كافلها وهو الذي يعولها ~~وينفق عليها والمعنى: طلقها لأتزوجها {وعزني} أي: غلبني {في الخطاب} أي: ~~الجدال لأنه أفصح مني في الكلام، وقيل: قهرني لقوة ملكه، قال الضحاك: يقول: ~~إن تكلم كان أفصح مني وإن حارب كان أبطش مني، وحقيقة المعنى: أن الغلبة ~~كانت له لضعفي في يده وإن كان الحق معي وهذا كله تمثيل لأمر داود مع أوريا ~~زوج المرأة التي تزوجها داود وسيأتي الكلام على قصته إن شاء الله تعالى عن ~~قريب. # {قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} وهذا جواب قسم محذوف أريد به ~~المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله ~~وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإضافة والانضمام أي: ليضمها ~~مضافة إلى نعاجه، فإن قيل: كيف قال: {لقد ظلمك} ولم يكن سمع قول صاحبه؟ ~~أجيب: بأن معناه: إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك أو أنه قال ذلك بعد ~~اعتراف صاحبه بما يقول ولم يذكر الله تعالى ذلك لدلالة الكلام عليه، وقيل: ~~التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه قد ظلمك، وقرأ قالون وابن كثير وهشام وعاصم ~~بإظهار الدال عند الظاء والباقون بالإدغام، وقوله: {وإن كثيرا من الخلطاء} ~~أي: مطلقا منكم ومن غيركم والخلطاء جمع خليط وهم الشركاء الذين خلطوا ~~أموالهم، وقال الليث: خليط الرجل مخالطه {ليبغي} أي: ليعتدي {بعضهم} غالبا ~~{على بعض} فيريدون غير الحق. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع ~~أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ أجيب: بأن المخالطة ms2879 توجب كثرة المنازعة # PageV03P406 # والمخاصمة لأنهما إذا اختلطا اطلع كل منهما على أحوال صاحبه فكل ما يملكه ~~من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيفضي ذلك إلى زيادة ~~المنازعة والمخاصمة، فلذلك خص داود عليه السلام الخلطاء بالبغي والعدوان ثم ~~استثنى فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا} أي: تحقيقا لإيمانهم {الصالحات} أي: ~~الطاعات فإنهم لا يقع منهم شيء لأن مخالطة هؤلاء تكون لأجل الدين وهذا ~~استثناء متصل من قوله: {بعضهم وقليل ما هم} أي: هم قليل فقليل خبر مقدم وما ~~مزيدة للتعظيم وهو مبتدأ، وقال الزمخشري: ما للإبهام وفيه تعجب من قلتهم ~~قال: فإن أردت أن تحقق فائدتها وموقعها فأخرجها من قول امرئ القيس: # *وحديث ما على قصره # وانظر هل بقي لها معنى {وظن داود} أي: لذهابهم قبل فصل الأمر وقد همه من ~~ذلك أمر من عظمه لا عهد له بمثله {أنما فتناه} أي: امتحناه، قال المفسرون: ~~إن الظن هنا بمعنى العلم لأن داود لما قضى الأمر بينهما نظر أحدهما إلى ~~صاحبه فضحك ثم صعدا إلى السماء حيال وجهه فعلم أن الله تعالى ابتلاه بذلك ~~فثبت أن داود علم ذلك، وقال ابن عباس: إن داود لما دخل عليه الملكان فقضى ~~على نفسه تحولا في صورتهما وعرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه {فاستغفر ~~ربه} أي: طلب الغفران من مولاه الذي أحسن إليه {وخر} أي: سقط من قيامه توبة ~~لربه عن ذلك {راكعا} أي: ساجدا على تسمية السجود ركوعا لأنه مبدؤه أو خر ~~للسجود راكعا أو مصليا كأنه أحرم بركعتي الاستغفار {وأناب} أي: رجع إلى ~~الله تعالى. # قال الرازي: وللناس في هذه القصة ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن هذه القصة دلت ~~على صدور الكبيرة منه، وثانيها: على الصغيرة، وثالثها: لا تدل على كبيرة ~~ولا صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داود عليه السلام أحب امرأة أوريا ~~فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله تعالى ملكين في صورة ~~المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته وعرضا تلك الواقعة عليه، فحكم داود بحكم ~~لزم ms2880 منه اعترافه بكونه مذنبا ثم تنبه لذلك واشتغل بالتوبة، قالوا: وسبب ذلك ~~أن داود عليه السلام تمنى يوما من الأيام منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب وسأل ربه: أن يمتحنه كما امتحنهم ويعطيه من الفضل ما أعطاهم فأوحى ~~الله تعالى إليه أنك تبتلى في يوم كذا فاحترس، فلما كان ذلك اليوم جاءه ~~الشيطان فتمثل له في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن فأعجبه حسنها ~~فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل لينظروا إلى قدرة الله تعالى فطارت غير ~~بعيدة فتبعها فطارت من كوة، فنظر داود أين تقع فأبصر داود امرأة في بستان ~~تغتسل فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى ~~بدنها فزاده إعجابا، فسأل عنها فقيل له: امرأة أوريا وزوجها في غزاة فأحب ~~داود أن يقتله ويتزوج بها، فأرسل داود إلى ابن أخته أن قدم أوريا قبل ~~التابوت وكان من قدم على التابوت لا يحل أن يرجع وراءه حتى يفتح الله تعالى ~~على يديه أو يقتل، فقدمه ففتح على يديه فكتب إلى داود فأمر أن يقدمه بعد ~~ذلك ففعل ثلاث مرات فقتل في الثالثة فلما انقضت عدتها تزوج بها فهي أم ~~سليمان عليهما السلام. # قال الرازي: والذي أدين الله تعالى به وأذهب إليه أن ذلك باطل لوجوه. # الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داود لأنها لو نسبت إلى أفسق الناس ~~وأشدهم # PageV03P407 # فجورا لانتفى منها والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ ~~في تنزيه نفسه وربما لعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إلى ~~داود عليه السلام. # ثانيها: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق ~~وإلى الطمع في زوجته، أما الأول: فأمر منكر قال صلى الله عليه وسلم «من سعى ~~في ذم مسلم ولو بشطر كلمة جاء مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله» ، وأما ~~الثاني: فمنكر أيضا قال صلى الله عليه وسلم «المسلم من سلم المسلمون من يده ~~ولسانه» فإن أوريا ms2881 لم يسلم من داود عليه السلام لا في روحه ولا في منكوحه. # ثالثها: إن الله تعالى وصف داود عليه السلام بصفات تنافي كونه عليه ~~السلام موصوفا بهذا الفعل المنكر. # الصفة الأولى: أنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بداود ~~عليه السلام في المصابرة على المكاره فلو قلنا: إن داود لم يصبر على مخالفة ~~النفس بل سعى في إراقة دم عبد مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن ~~يأمر محمدا أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بداود في الصبر على ~~طاعة الله تعالى. # الصفة الثانية: أنه وصفه بكونه عبدا له وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف ~~بيان كون ذلك الموصوف كاملا في وصف العبودية في القيام بأداء الطاعات ~~والاحتراز عن المحظورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة ~~فحينئذ ما كان داود كاملا إلا في طاعة الهوى والشهوة. # الصفة الثالثة: وهي قوله تعالى {ذا الأيد} أي: ذا القوة ولا شك أن المراد ~~منه القوة في الدين لأن القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن ~~المحظورات وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم. # الصفة الرابعة: كونه أوابا كثير الرجوع إلى الله فكيف يليق هذا الوصف بمن ~~قلبه مشغول بالفسق والفجور. # الصفة الخامسة: قوله تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن} أفترى أنه سخرت ~~له الجبال ليتخذ سبيل القتل والفجور؟. # الصفة السادسة: قوله تعالى: {والطير محشورة} قيل: إنه كان محرما عليه صيد ~~شيء من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمنا منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم ~~على روحه ومنكوحه. # الصفة السابعة: قوله تعالى: {وشددنا ملكه} ومحال أن يكون المراد أنه ~~تعالى شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد إنا ملكناه بقوى الدين وأسباب سعادة ~~الآخرة، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لم يملك نفسه عن القتل ~~والفجور كيف يليق به ذلك. # الصفة الثامنة: قوله تعالى: {وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} والحكمة اسم ~~جامع لكل ما ينبغي علما وعملا فكيف يجوز أن ms2882 يقال: إنا آتيناه الحكمة وفصل ~~الخطاب مع إصراره على ما يستنكف من مزاحمة أخص أصحابه في الروح والمنكوح، ~~فهذه الصفات التي وصف بها قبل شرح القصة وأما الصفات المذكورة بعد ذكر ~~القصة. # فأولها: قوله تعالى: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} وقوله تعالى: # {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} فكيف أن الله تعالى يجعله خليفة ~~ويقع منه ذلك، وقد روي عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ~~قال: من حدثكم بحديث داود على ما ترويه القصاص فاجلدوه مائة جلدة وستين وهو ~~حد الفرية أي: الكذب على الأنبياء، ومما يقوي هذا أنهم قالوا: إن المغيرة ~~بن شعبة زنا وشهد ثلاثة من الصحابة بذلك وأما الرابع فلم يقل إني رأيت ذلك ~~بعيني، فإن عمر رضي الله عنه كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد # PageV03P408 # منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان هذا الحال في واحد من آحاد ~~الصحابة كذلك، فكيف الحال مع داود عليه السلام مع أنه من أكابر الأنبياء ~~عليهم السلام، فثبت بما ذكرنا أن القصة الذي ذكرها هؤلاء باطلة لا يجوز ~~ذكرها.d # قال الرازي: حضرت في مجلس وفيه بعض الأكابر فكان يريد أن يتعصب لتقرير ~~ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة بسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود ~~عليه السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل، وقال الله تعالى: {الله أعلم ~~حيث يجعل رسالاته} (الأنعام: 124) # ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في الطعن ~~فيه وأيضا بتقدير أنه ما كان نبيا فلا شك أنه كان مسلما وقال صلى الله عليه ~~وسلم «لا تذكروا موتاكم إلا بخير» وذكرت له أشياء أخر قال: سكت ولم يذكر ~~شيئا. # فإن قيل: قد ذكر هذه القصة كثير من المحدثين والمفسرين. أجيب: بأنه لما ~~وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع ~~إلى الدلائل القطعية واجبا والمحققون يردون هذا القول ويحكمون عليه بالكذب، ~~وأما القول الثاني: فقالوا: تحمل هذه ms2883 القصة على حصول الصغيرة لا على حصول ~~الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها ~~داود عليه السلام فآثره أهلها فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع ~~كثرة نسائه. الثاني: قالوا: إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في ~~هذا ذنب البتة أما وقوع بصره عليها بغير قصد فليس بذنب وأما حصول الميل عقب ~~النظر فليس أيضا ذنبا لأن الميل ليس في وسعه فليس مكلفا به بل لما اتفق أنه ~~قتل زوجها تزوج بها. الثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم ~~بعضا أن يطلق زوجته حتى يتزوجها وكانت عادة مألوفة معهودة في هذا المعنى ~~فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على تلك المرأة فأحبها فسأله النزول ~~عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان، فقيل له ذلك، وإن كان جائزا في ~~ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذه ~~وجوه ثلاثة لو حملت هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حق داود عليه ~~السلام إلا ترك الأفضل والأولى. # وأما القول الثالث: فقال تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ~~ولا صغيرة لداود عليه السلام بل يوجب أعظم أنواع المدح والثناء له وهو أنه ~~قد روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله داود عليه السلام ~~وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل فيه بطاعة ربه فانتهزوا الفرصة في ذلك ~~اليوم وتسوروا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواما تمنعهم منه ~~فخافوا ووضعوا كذبا، وقالوا: {خصمان بغى بعضنا على بعض} إلى آخر القصة فعلم ~~غرضهم وقصد أن ينتقم منهم وظن أن ذلك ابتلاء من الله تعالى فاستغفر ربه مما ~~هم به وأناب، فإن قيل: ههنا أربعة ألفاظ يمكن أن يحتج بها في إلحاق الذنب ~~بداود عليه السلام أحدها: قوله تعالى: {وظن داود أنما فتناه} وثانيها: قوله ~~تعالى: {فاستغفر ربه} وثالثها: قوله تعالى: {وأناب} ورابعها: قوله تعالى: ms2884 ~~{فغفرنا له ذلك} . أجيب: بأن هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكر ~~لاحتمال أن تكون الزلة إنما حصلت من باب ترك الأفضل والأولى كما مر، وحمل ~~هذه الألفاظ # PageV03P409 # على هذا الوجه لا يلزم منه إسناد شيء من الذنوب إليه بل ذلك يوجب إسناد ~~أعظم الطاعات إليه، وقيل: إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر ~~قبل مسألته وهناك أشياء كثيرة ذكرها البغوي وغيره وفيما ذكرناه كفاية. # {فغفرنا له ذلك} أي: ما استغفر منه {وإن له عندنا لزلفى} أي: زيادة خير ~~في الدارين بعد المغفرة {وحسن مآب} أي: مرجع في الجنة. # ولما تم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داود ~~خلافة الأرض بقوله تعالى: # {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} أي: تدبر أمر العباد بأمرنا وهذا من ~~أقوى الدلائل على فساد القول الأول كما مر لأن من البعيد جدا أن يوصف ~~الرسول بكونه ساعيا في سفك دماء المسلمين رغبة في انتزاع أزواجهم من أيديهم ~~ثم يذكر عقبه أن الله تعالى فوض خلافة الأرض إليه، ثم في تفسير كونه خليفة ~~وجهان: # أحدهما: جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي ~~سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه وذلك إنما يعقل في حق من تصح عليه ~~الغيبة وذلك على الله تعالى محال. # ثانيهما: إنا جعلناك ممكنا في الناس نافذ الحكم فيهم فبهذا التأويل يسمى ~~خليفة ومنه يقال: خليفة الله تعالى في أرضه. # وحاصله: أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة ~~في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة للزوم نفاذ الحكم في تلك ~~الحقيقة {فاحكم بين الناس} أي: الذين يتحاكمون إليك من أي قوم كانوا ~~{بالحق} أي: بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الحقة الإلهية ~~انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات وإذا كانت الأحكام على وفق ~~الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أفضى ذلك إلى تخريب العالم ووقوع الهرج فيه ~~والمرج في الخلق وذلك يفضي إلى هلاك ms2885 ذلك الحاكم ولهذا قال تعالى: {ولا تتبع ~~الهوى} أي: لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله تعالى ثم سبب عنه قوله ~~تعالى: {فيضلك} أي: ذلك الاتباع أو الهوى {عن سبيل الله} لأن متابعة الهوى ~~توجب الضلال عن سبيل الله والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب {إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله} أي: عن الإيمان بالله تعالى {لهم عذاب شديد بما نسوا} ~~أي: بسبب نسيانهم {يوم الحساب} أي: المرتب عليه تركهم الإيمان ولو أيقنوا ~~بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا، وقال الزجاج: بتركهم العمل لذلك اليوم، وقال ~~عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يوم الحساب بما ~~نسوا أي: تركوا القضاء بالعدل. # {وما خلقنا السماء} التي ترونها {والأرض وما بينهما} أي: مما تحسون به من ~~الرياح وغيرها خلقا {باطلا} أي: عبثا قال الله تعالى: {أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} (المؤمنون: 115) # تنبيه: احتج أهل السنة بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى خلق كل ما بين ~~السماء والأرض وأعمال العباد مما بين السماء والأرض فوجب أن يكون تعالى ~~خالقا لها، ودلت على صحة القول بالحشر والنشر لأنه تعالى لما خلق الخلق في ~~هذا العالم فإما أن يكون خلقهم للإضرار والانتفاع أو لا لشيء، والأول باطل ~~لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم، والثالث أيضا باطل، لأن هذه الحالة حاصلة ~~خالصة حين كانوا معدومين فلم يبق إلا أن يقال: خلقهم للانتفاع وذلك ~~الانتفاع # PageV03P410 # إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة. والأول باطل لأن منافع ~~الدنيا قليلة ومضارها كثيرة وتحمل الضرر الكثير لوجدان المنفعة القليلة لا ~~يليق بالحكمة، ولما بطل هذا القول ثبت القول بوجود حياة بعد هذه الحياة ~~الدنيا وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة. # تنبيه: يجوز في باطلا أن يكون نعتا لمصدر محذوف أو حالا من ضميره أي: ~~خلقا باطلا وأن يكون حالا من فاعل خلقنا أي: مبطلين أو ذوي باطل وأن يكون ~~مفعولا من أجله أي: للباطل وهو العبث {ذلك} أي: ms2886 خلق ما ذكر لا لشيء {ظن ~~الذين كفروا} أي: أهل مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا لغير شيء وأنه لا بعث ~~ولا حساب {فويل} أي: هلاك عظيم بسبب هذا الظن أو واد في جهنم {للذين كفروا} ~~أي: مطلقا بهذا الظن وغيره من أي شرك كان {من النار} لأن من أنكر الحشر ~~والنشر كان شاكا في حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض. # ونزل لما قال كفار مكة للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة مثل ما تعطون. # {أم نجعل} أي: على عظمتنا {الذين آمنوا} أي: امتثالا لأوامرنا {وعملوا ~~الصالحات} تحقيقا لإيمانهم {كالمفسدين} أي: المطبوعين على الفساد والراسخين ~~فيه {في الأرض} أي: في السفر وغيره لم نجعلهم مثلهم وأم منقطعة والاستفهام ~~فيها لإنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلا ليدل على ~~نفيه وكذا التي في قوله تعالى: {أم نجعل المتقين كالفجار} كرر الإنكار ~~الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية، أولا بين المؤمنين والكافرين ثم ~~بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم وقوله تعالى: # {كتاب} خبر مبتدأ مضمر أي: هذا كتاب ثم وصفه بقوله تعالى: {أنزلناه} أي: ~~بما لنا من العظمة {إليك} يا أشرف الخلق {مبارك} أي: كثير خيره ونفعه، ~~وقوله تعالى: {ليدبروا} أصله ليتدبروا أدغمت التاء في الدال {آياته} أي: ~~ليتفكروا في أسراره العجيبة ومعانيه اللطيفة فيأتمروا بأوامره ومناهيه ~~فيؤمنوا {وليتذكر} أي: وليتعظ به {أولو الألباب} أي: أصحاب العقول. # القصة الثانية: قصة سليمان عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {ووهبنا} أي: بما لنا من العظمة {لداود سليمان} ابنه فجاء عديم النظير في ~~ذلك الزمان دينا ودنيا وعلما وحكمة وعظمة ورحمة، والمخصوص بالمدح في قوله ~~تعالى: {نعم العبد} محذوف أي: سليمان، وقيل: داود {إنه أواب} أي: رجاع إلى ~~التسبيح والذكر في جميع الأوقات. # {إذ} أي: اذكر إذ {عرض عليه} أي: سليمان، وقوله تعالى: {بالعشي} وهو ما ~~بعد الزوال إلى الغروب، وقوله تعالى: {الصافنات} أي: الخيل العربية الخالصة ~~جمع صافنة وفيه خلاف بين أهل اللغة فقال الزجاج: هو الذي يقف على إحدى يديه ms2887 ~~ويقف على طرف سنبكه وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه قال وهي علامة الفراهة فيه ~~وأنشد: # *ألف الصفون فلا يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا* # وقيل: هو الذي يجمع يديه ويسويهما، وقيل: هو القائم مطلقا أي: سواء كان ~~من الخيل أم من غيرها قاله القتيبي واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم «من ~~سره أن تقوم الناس له صفونا فليتبوأ مقعده من النار» أي: يديمون له القيام ~~وجاء الحديث قمنا صفونا أي: صافين أقدامنا، # PageV03P411 # وقيل: هو قيام الخيل مطلقا، أي: سواء وقف على طرف سنبكه أم لا، قال ~~الفراء: على هذا رأيت أشعار العرب، واختلف أيضا في قوله تعالى: {الجياد} ~~فهي إما من الجودة ويقال: جاد الفرس يجود جودة وجودة بالفتح والضم فهو جواد ~~للذكر والأنثى، وهو الذي يجود في جريه بأعظم ما يقدر عليه، والجمع جياد ~~وأجواد وأجاويد، وقيل: جمع لجود بالفتح كثياب وثوب، وإما من الجيد وهو ~~العنق، والمعنى: طويلة الأجياد وهو دال على فراهتها. # قال الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس، وقال ~~مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس، وقال عوف عن الحسن: بلغني أنها ~~كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة، وعن عكرمة: أنها كانت عشرين ألف فرس ~~لها أجنحة فصلى سليمان الصلاة الأولى التي هي الظهر وقعد على كرسيه وهي ~~تعرض عليه منها تسعمائة فرس فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت وفاتته ~~الصلاة ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم لذلك. # {فقال إني أحببت} أي: أردت {حب الخير} أي: الخيل {عن ذكر ربي} أي: صلاة ~~العصر {حتى توارت} أي: الشمس {بالحجاب} أي: استترت بما يحجبها عن الأبصار. # {ردوها علي} أي: الخيل المعروضة، وقيل: الضمير يرجع للشمس، قال الرازي: ~~وهذا بعيد لوجوه. # الأول: أن الصافنات مذكورة بالصريح والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى ~~المذكور أولى من عوده إلى المقدر. # وثانيها: أنه لو اشتغل بالخيل حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العصر كان ذلك ~~ذنبا عظيما ومن كان هذا حاله فطريقه التضرع والبكاء والمبالغة ms2888 في إظهار ~~التوبة، فأما أن يقول على سبيل العظمة لرب العالمين مثل هذه الكلمة العارية ~~عن كل جهات الأدب عقب ذلك الجرم العظيم الذي لا يصدر عن أبعد الناس عن ~~الخير فكيف يجوز إسناده للرسول عليه السلام المطهر المكرم. # ثالثها: أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لصار ذلك مشاهدا لكل أهل الدنيا ولو ~~كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقل علمنا فساده، انتهى. قال ~~أكثر المفسرين: فلما ردوا الخيل إليه أقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف أخذا ~~من قوله تعالى {فطفق مسحا} أي: فأخذ يمسح السيف مسحا {بالسوق والأعناق} أي: ~~سوقها وأعناقها يقطعها من قولهم: مسح علاوته إذا ضرب عنقه، قالوا: فعل ذلك ~~تقربا إلى الله تعالى وطلبا لمرضاته حيث اشتغل عن طاعته وكان ذلك مباحا له ~~وإن كان حراما علينا كما أبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام وبقي منها مائة فرس ~~فما بقي في أيدي الناس اليوم من الخيل من نسل تلك المائة. # قال الحسن: فلما عقر الخيل أبدله الله تعالى خيرا منها وأسرع وهي الريح ~~تجري بأمره كيف شاء، قال الرازي: وهذا عندي بعيد لوجوه. # الأول: أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى فامسحوا برؤوسكم ~~أي: اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل: مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ~~ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح العقر ~~والذبح. # الثاني: أن القائلين بهذا القول أجمعوا على أن لسليمان عليه السلام ~~أنواعا من الأفعال المذمومة فأولها: ترك الصلاة وثانيها: أنه استولى عليه ~~الإشتغال بحب الدنيا حتى نسي الصلاة وقال صلى الله عليه # PageV03P412 # وسلم «حب الدنيا رأس كل خطيئة» وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب ~~العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة البتة. ورابعها: أنه خاطب رب العالمين ~~بقوله: ردوها علي وهذه كلمة لا يقولها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس. ~~وخامسها: أنه اتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها، وقد نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لأكله، ms2889 وهذه أنواع من الكبائر ~~ينسبونها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها، ~~وخلاصتها: أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقب قوله: {وقالوا ربنا عجل ~~لنا قطنا قبل يوم الحساب} وأن الكفار لما بالغوا في السفاهة إلى هذا الحد ~~قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا ~~داود ثم ذكر عقبه قصة سليمان عليه السلام فقال تعالى: {ووهبنا لداود ~~سليمان} الآية والتقدير: أنه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم يا محمد ~~اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان، وهذا الكلام إنما يليق إذا قلنا: ~~إن سليمان عليه السلام أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة ~~وصبر على طاعة الله تعالى وأعرض عن الشهوات واللذات، فلو كان المقصود من ~~قصة سليمان عليه السلام في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة ~~والذنوب لم يكن ذكر هذه القصة لائقا. # قال: والصواب: أن تقول إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم كما هو في ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو ~~فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا ~~ونصيب النفس وإنما أجريها لأمر الله تعالى وطلب تقوية دينه وهو المراد من ~~قوله: {عن ذكر ربي} ثم إنه عليه السلام أمر بإجرائها وسيرها حتى توارت ~~بالحجاب أي: غابت عن بصره ثم إنه أمر الرابضين أن يردوها فردوا تلك الخيل ~~إليه، فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك أمور: # الأول: تشريفا لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. # الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر ~~أكثر الأمور بنفسه. # الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل ومراميها وعيوبها فكان يمسها ويمسح ~~لها سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير هو ~~الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ولا يلزم منه نسبة شيء من المنكرات ms2890 إلى سليمان ~~عليه السلام والعجب منهم كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل ~~يردها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلا عن حجة. # قال: فإن قيل فالجمهور فسروا الآية بتلك الوجوه فالجواب أن نقول: لفظ ~~الآية لا تدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها لما ذكرنا وأيضا فإن ~~الدلائل الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يدل على ~~صحة هذه الحكايات دليل قطعي ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية ~~فكيف الحكايات من أقوام لا يلتفت إلى أقوالهم والذي ذهبنا إليه قول الزهري ~~وابن كيسان ا. ه، وقد يجاب من جهة الجمهور أن ما نسبه إليهم ممنوع. # وبيان ذلك أن قوله: إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح ~~العقر والذبح يقال: القرينة كافية في ذلك وقوله أنهم جمعوا أنواعا مذمومة ~~أولها: ترك # PageV03P413 # الصلاة إنما يكون ذلك مذموما إذا تركها متعمدا ولم يكن ذلك بل نسيها وقد ~~نام صلى الله عليه وسلم في الوادي حتى طلعت الشمس وقضى الصبح والنسيان ~~والنوم لا مؤاخذة فيهما، وقوله: ثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب ~~الدنيا إنما اشتغل بذلك لأمر الجهاد وهو مطلوب في حقه، وقوله: ثالثها: أنه ~~لم يشتغل بالتوبة يقال: إنه لم يأت بذنب، وقوله: رابعها: أنه خاطب رب ~~العالمين بقوله: ردوها علي ممنوع والمخاطب إنما هو جماعته، وقوله: خامسها ~~إلى أن قال: وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عقر الحيوان قد مر عنهم ~~أن ذلك كان مباحا له فليس فيما قالوه نسبة سليمان عليه الصلاة والسلام إلى ~~معصية فلو قال: الأولى أن يقال: كذا كان أولى، وقرأ قنبل بهمزة ساكنة بعد ~~السين وقيل عنه أيضا بضم الهمزة وواو بعدها، واختلف في سبب الفتنة التي ~~وقعت لسليمان عليه السلام في قوله تعالى: # {ولقد فتنا سليمان وألقينا} أي: بما لنا من العظمة {على كرسيه جسدا ثم ~~أناب} فقال محمد بن إسحاق: عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان بمدينة في جزيرة ~~من جزائر البحر ms2891 وكان الله تعالى قد أعطى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع ~~عليه شيء في بر ولا بحر إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله ~~الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فأخذها وقتل ملكها ~~وسبا ما فيها وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها ~~حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة ~~فقه، وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه وكانت على منزلتها عنده لا يذهب ~~حزنها ولا يرقأ دمعها فشق ذلك على سليمان عليه السلام. # فقال لها: ويحك ما هذا الحزن؟ قالت له: إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان ~~فيه وما أصاب فيحزنني ذلك فقال لها سليمان عليه السلام: قد أبدلك الله ملكا ~~هو أعظم من ملكه وسلطانا هو أعظم من سلطانه وهداك إلى الإسلام وهو خير من ~~ذلك كله، قالت: إن ذلك كذلك ولكن إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن فلو أنك ~~أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك ~~حزني، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها فعمدت إليه ~~حين صنعوه وألبسته ثيابا مثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج ~~سليمان عليه السلام تذهب إليه مع ولائدها فتسجد له ويسجدن معها له تبعا لها ~~كما كانت تصنع في ملكه، وسليمان عليه السلام لا يعلم بشيء من ذلك أربعين ~~صباحا، فبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقا لسليمان عليه السلام وكان لا يرد ~~عن أبواب سليمان عليه السلام أي ساعة أراد دخول شيء من بيوت سليمان عليه ~~السلام حاضرا كان سليمان عليه السلام أو غائبا. # فقال: يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري وقد حان مني الذهاب وقد ~~أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وأثني عليهم بعملي فيهم وأعلم الناس ببعض ما كانوا يجهلون من كثير ~~أمرهم، فقال: افعل فجمع سليمان ms2892 عليه السلام الناس فقام فيهم خطيبا فذكر من ~~مضى من أنبياء الله تبارك وتعالى وأثنى على كل نبي بما فضله الله به حتى ~~انتهى إلى سليمان عليه السلام فقال: ما كان أحكمك في صغرك ثم انصرف، فوجد ~~سليمان عليه السلام في نفسه من ذلك حتى امتلأ غضبا، فلما دخل داره # PageV03P414 # دعاه فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله تعالى فأثنيت عليهم خيرا ~~في كل زمانهم وكل حال أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي خيرا في صغري وسكت ~~عما سوى ذلك من أمري فما الذي أحدثت في آخر عمري فقال آصف: إن غير الله ~~تعالى يعبد في دارك، فقال سليمان عليه السلام: إنا لله وإنا إليه راجعون ~~لقد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان عليه السلام ~~إلى داره فكسر الصورة وعاقب تلك المرأة وولائدها، وخرج وحده إلى فلاة ففرش ~~الرماد وجلس عليه تائبا إلى الله تعالى.l # وكانت له أم ولد يقال لها: الأمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع ~~خاتمه عندها وكان ملكه فيه فوضعه عندها يوما، فأتاها الشيطان صاحب البحر ~~واسمه صخر على صورة سليمان عليه السلام وقال لها: يا أمينة خاتمي فناولته ~~الخاتم وتختم به وجلس على كرسي سليمان عليه السلام فعكف عليه الطير والجن ~~والإنس وتغيرت صفة سليمان عليه السلام، فأتى الأمينة يطلب الخاتم فأنكرته ~~فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال: أنا ~~سليمان حثوا عليه التراب وسبوه وأخذ ينقل السمك للسماكين فيعطونه كل يوم ~~سمكتين فإذا أمسى باع إحداها بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها فمكث كذلك أربعين ~~صباحا مدة ما كان عبد الوثن في داره فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم ~~الشيطان. # وسأل آصف نساء سليمان عليه السلام فقلن: ما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل ~~من جنابة فقال آصف: إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين، ثم ~~خرج على بني إسرائيل فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة ms2893 فلما مضى ~~أربعون صباحا طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فأخذها بعض ~~الصيادين وقد عمل له سليمان عليه السلام بسمكتين صدر يومه ذلك حتى إذا كان ~~العشي أعطاه سمكتيه فأعطى السمكة التي أخذت الخاتم، وخرج سليمان عليه ~~السلام بسمكتيه فباع السمكة التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة ثم عمد إلى ~~السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله الخاتم في جوفها فأخذه فجعله في يده ~~ووقع ساجدا، وعكفت عليه الطير والجن والأنس ورجع إلى ملكه وأخذ ذلك الشيطان ~~وحبسه في صخرة وألقاه في البحر هذا ملخص حديث وهب، وقال الحسن: ما كان الله ~~ليسلط الشيطان على نسائه. # وقال السدي: كان سبب فتنة سليمان عليه السلام أنه كانت له مائة امرأة ~~وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة: وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان يأتمنها ~~على خاتمه إذا أتى حاجته فقالت له يوما: إن أخي بينه وبين فلان خصومة فأحب ~~أن تقضي له فقال: نعم ولم يفعل فابتلى بقوله: نعم، وذكر نحو ما تقدم وفي ~~بعض الروايات أن سليمان عليه السلام لما افتتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ~~ملكه فأعاده سليمان عليه السلام إلى يده فسقط فأيقن سليمان عليه السلام ~~بالفتنة، فأتاه آصف فقال لسليمان عليه السلام: إنك مفتون بذنبك والخاتم لا ~~يتماسك في يدك ففر إلى الله تعالى تائبا فإني أقوم مقامك وأسير بسيرك إلى ~~أن يتوب الله تعالى عليك، ففر سليمان عليه السلام إلى الله تعالى وأعطى آصف ~~الخاتم فوضعه في يده فثبت فأقام آصف في ملك سليمان عليه السلام يسير بسيره ~~أربعة عشر يوما إلى أن رد الله تعالى على سليمان عليه السلام ملكه وتاب ~~عليه ورجع إلى ملكه وجلس على سريره وأعاد الخاتم في يده، فهو الجسد # PageV03P415 # الذي ألقي على كرسيه. # وروي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان عليه السلام عن الناس ثلاثة ~~أيام فأوحى الله تعالى إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور ~~عبادي فابتلاه الله عز وجل وذكر نحو ما تقدم من ms2894 حديث الخاتم وأخذ الشيطان ~~إياه. # قال الرازي: واستبعد أهل التحقيق هذا الكلام من وجوه؛ الأول: أن الشيطان ~~لو قدر على أن يشتبه في الصورة والخلقة بالأنبياء فحينئذ لا يبقى اعتماد ~~على شيء من ذلك فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس على صورة محمد وعيسى وموسى ~~عليهم السلام ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل ~~الإغواء والإضلال وذلك يبطل الدين بالكلية. # الثاني: أن الشيطان لو قدر أن يعامل نبي الله تعالى سليمان عليه السلام ~~بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد وحينئذ ~~يجب أن يقتلهم ويمزق تصانيفهم ويخرب ديارهم، ولما بطل ذلك في حق آحاد ~~العلماء فلأن يبطل في حق أكابر الأنبياء أولى. # الثالث: كيف يليق بحكمة الله تعالى وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج ~~سليمان عليه السلام ولا شك أنه قبيح أي: على غير رأي الحسن كما مر. # الرابع: لو قلنا إن سليمان عليه السلام أذن لتلك المرأة في عبادتها تلك ~~الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة فكيف ~~يؤاخذ الله تعالى سليمان عليه السلام بفعل لم يصدر منه أي: وقد يقال: إنما ~~أوخذ بذلك لكونه كان سببا في عملها. # قال: فأما أهل التحقيق فقد ذكروا وجوها؛ الأول: أن فتنة سليمان عليه ~~السلام أنه ولد له ابن فقالت: الشياطين إن عاش صار مسلطا علينا مثل أبيه ~~فسبيلنا أن نقتله، فعلم سليمان عليه السلام ذلك فكان يربيه في السحاب ~~فبينما هو يشتغل بمهماته إذ ألقي ذلك الولد ميتا على كرسيه فتنبه على ~~خطيئته في أنه لم يثق ولم يتوكل على الله تعالى فاستغفر ربه وتاب. # الثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال سليمان لأطوفن ~~الليلة على سبعين امرأة كل امرأة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن ~~شاء الله تعالى، فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ~~والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله تعالى لجاهدوا ms2895 في سبيل الله فرسانا ~~أجمعين» فذلك قوله تعالى: {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا} (ص: ~~34) # الثالث: أنه أصابه مرض فصار يجلس على كرسيه وهو مريض فذلك قوله تعالى ~~{وألقينا على كرسيه جسدا} وذلك لشدة المرض والعرب تقول في الضعيف: أنه لحم ~~على وضم وجسم بلا روح {ثم أناب} أي: رجع إلى حال الصحة أي: وهذا أظهر ما ~~قيل كما قاله البيضاوي. # الرابع: لا يبعد أيضا أن يقال: إنه ابتلاه الله تعالى بتسليط وقوع خوف أو ~~وقوع بلاء توقعه من بعض الجهات حتى صار بقوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الخفي ~~على ذلك الكرسي ثم إن الله تعالى أزال عنه ذلك الخوف وأعاده إلى ما كان ~~عليه من القوة وطيب القلب، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة إلى حمله على ~~تلك الوجوه الركيكة، فإن قيل: لولا تقدم الذنب. # لما {قال رب اغفر لي} . أجيب: بأن الإنسان لا ينفك عن ترك الأفضل وحينئذ ~~يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولأنه أبدأ في ~~مقام هضم النفس وإظهار الندم والخضوع كما قال صلى الله عليه وسلم «إني ~~لاستغفر الله تعالى في اليوم والليلة سبعين # PageV03P416 # مرة» مع أنه صلى الله عليه وسلم غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلا ~~يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى واختلف في قول سليمان عليه ~~السلام {وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} أي: سواي نحو فمن يهديه من بعد ~~الله أي: سوى الله فقال عطاء بن أبي رباح: يريد هب لي ملكا لا تسلبنيه في ~~باقي عمري {إنك أنت الوهاب} وقال مقاتل: إن الشيطان لما استولى على ملكه ~~طلب أن يعطيه الله ملكا لا يقدر الشيطان على أن يقوم فيه مقامه البتة وقال: ~~من أنكر أن الشيطان لم يستول على ذلك أن ذلك محتمل لوجوه؛ الأول: أن الملك ~~هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها غيري البتة ليصير ~~اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي ويدل ms2896 على صحة هذا القول ~~قوله تعالى: # {فسخرنا} أي: بما لنا من العظمة {له الريح تجري بأمره رخاء} أي: حالة ~~كونها لينة غاية اللين منقادة يدرك بها ما لا تدرك الخيل غدوها شهر ورواحها ~~شهر {حيث أصاب} أي: أراد فكون الريح جارية بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب دال ~~على صحة نبوته لا يقدر أحد على معارضته، وقد جعل الله تعالى لنبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك وهو أن العدو يرعب منه إلى مسيرة شهر من ~~جوانبه الأربعة فهي أربعة أشهر. # الثاني: أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا ~~صائرة إلى التغيرات فسأل ربه ملكا لا يمكن أن ينتقل مني إلى غيري. # الثالث: أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز ~~عنها حال عدم القدرة فكأنه قال: يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك البشر ~~بالكلية حتى احترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل. # الرابع: سأل ذلك ليكون علامة على قبول توبته حيث أجاب الله تعالى دعاءه ~~ورد عليه ملكه وزاده فيه، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إن عفريتا من الجن أتاني الليلة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته ~~فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه فذكرت دعوة أخي ~~سليمان {وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} فرددته خاسئا» فعلم من هذه ~~الأوجه أنه ليس في كلام سليمان عليه السلام ما يشبه الحسد وهو طلب ما لا ~~ينبغي لأحد غيره، وأجاب الزمخشري بأجوبة غير ذلك منها: أن سليمان عليه ~~السلام كان ناشئا في بيت الملك والنبوة ووارثا لهما فأراد أن يطلب من ربه ~~معجزة فطلب على حسب ألفه ملكا زائدا على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة ~~حد الإعجاز ليكون ذلك دليلا على نبوته قاهرا للمبعوث إليهم ثم قال: وعن ~~الحجاج أنه قيل له: إنك حسود، فقال: أحسد مني من قال: {وهب لي ملكا لا ~~ينبغي لأحد من ms2897 بعدي} قال: وهذا من جراءته على الله تعالى وشيطنته ومن ~~شيطنته ما حكي عنه طاعتنا أوجب من طاعة الله لأنه شرط في طاعته فقال: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} (التغابن: 36) # وأطلق في طاعتنا فقال {وأولي الأمر منكم} (النساء: 59) ، فإن قيل: قوله ~~تعالى: {رخاء} ينافيه قوله تعالى في آية أخرى: {ولسليمان الريح عاصفة} أجيب ~~عن ذلك بوجهين: الأول: أن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح العاصفة ~~إلا أنها لما أمرت بأمره كانت لذيذة طيبة وكانت رخاء. الثاني: أن تلك الريح ~~كانت لينة مرة وعاصفة أخرى فلا منافاة بين الآيتين. # تنبيه: قوله تعالى: {حيث} ظرف لتجري أو لسخرنا. # فائدة: # PageV03P417 # روي أن رجلين خرجا يقصدان رؤبة يسألانه عن معنى: أصاب فقال لهما: أين ~~تصيبان؟ فعرفا، وقالا: هذا بغيتنا. وقوله تعالى: # {والشياطين} عطف على الريح، وقوله تعالى: {كل بناء} بدل من الشياطين ~~كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية، روي أن سليمان عليه السلام أمر الجان ~~فبنت له اصطخر وكان فيها قرار مملكة الترك قديما وبنت له الجان أيضا تدمر ~~وبيت المقدس وباب جيرون وباب البريد اللذين بدمشق على أحد الأقوال، وبنوا ~~له ثلاثة قصور باليمن غمدان وسلحين ويبنون ومدينة صنعاء، وقوله تعالى: ~~{وغواص} عطف على بناء أي: يغوصون له في البحر يستخرجون اللؤلؤ وهو أول من ~~استخرج اللؤلؤ من البحر، وقوله تعالى: # {وآخرين مقرنين} أي: مشدودين {في الأصفاد} أي: القيود بجمع أيديهم إلى ~~أعناقهم عطف على كل فهو داخل في حكم البدل، فكأنه فصل الشياطين إلى عملة ~~استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص ومردة قرن بعضهم مع بعض في ~~السلاسل ليكفوا عن الشر، فإن قيل: أجسامهم إما أن تكون كثيفة أو لطيفة فإن ~~كانت كثيفة وجب أن يراها صحيح الحاسة وإن كانت لطيفة فلا تقوى على العمل ~~ولا يمكن تقرينها؟ أجيب: بأن أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى وتقوى على العمل ~~ويمكن تقرينها، أو أن المراد: تمثيل كفهم عن الشرور بالإقتران في الصفد وهو ~~القيد ويسمى به العطاء لأنه يربط المنعم عليه وفرقوا ms2898 بين فعل الصفد بمعنى ~~القيد وفعله بمعنى العطاء فقالوا: صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعد وأوعد في ~~الخير والشر في ذلك نكتة وهي: أن القيد ضيق فناسبه تقليل حروف فعله والعطاء ~~واسع فناسبه تكثير حروف فعله، والوعد خير وهو خفيف فناسبه تقليل حروفه، ~~والإيعاد شر وهو ثقيل فناسبه تكثير حروفه. # {هذا} أي: وقلنا هذا الأمر الكبير {عطاؤنا} أي: على ما لنا من العظمة ~~{فامنن أو أمسك} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعط من شئت وامنع من شئت، ~~قال المفسرون: أي: لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت، وقال الحسن: ما ~~أنعم الله تعالى على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان عليه السلام فإنه ~~إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة، وقال مقاتل: هذا في أمر الشياطين ~~يعني خل من شئت منهم وأمسك من شئت في وثاقك لا تبعة عليك فيما تتعاطاه ~~وقوله تعالى {بغير حساب} فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه متعلق بعطاؤنا أي: ~~أعطيناك بغير حساب ولا تقدير وهو دال على كثرة الإعطاء، ثانيها: أنه حال من ~~عطاؤنا أي: في حال كونه غير محاسب عليه لأنه جم كثير يعسر على الحاسب ضبطه، ~~ثالثها: أنه متعلق بامنن أو أمسك ويجوز أن يكون حالا من فاعلهما أي: غير ~~محاسب عليه. # ولما ذكر تعالى ما أنعم عليه به في الدنيا أتبعه بما أنعم عليه به في ~~الآخرة بقوله سبحانه وتعالى: # {وإن له عندنا} أي: في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا ~~{لزلفى} أي: قربى عظيمة {وحسن مآب} وهو الجنة. # القصة الثالثة قصة أيوب عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {واذكر عبدنا} أي: الذي هو أهل للإضافة إلى جنابنا ويبدل منه {أيوب} وهو ~~ابن الروم بن عيص بن اسحق وامرأته ليا بنت يعقوب عليهما السلام وقوله # PageV03P418 # تعالى: {إذ نادى ربه} بدل من عبدنا بدل اشتمال وأيوب عطف بيان له وقوله: ~~{إني} أي: بأني {مسني الشيطان} أي: المحترق باللعنة البعيد من الرحمة ~~{بنصب} أي: بمشقة وضر {وعذاب} ms2899 أي: ألم جيء به على حكاية كلامه الذي نادى ~~بسببه ولو لم يحكه لقيل: إنه مسه لأنه غائب، وقال قتادة رضي الله عنه: ~~النصب في الجسد والعذاب في المال، واختلف العلماء في هذه الآلام والأسقام ~~الحاصلة في جسده على قولين؛ أحدهما: أنها حصلت بفعل الشيطان، والثاني: أنها ~~حصلت بفعل الله تعالى، والعذاب المضاف في هذه الآية إلى الشيطان وهو عذاب ~~الوسوسة وإلقاء الخواطر الفاسدة، أما تقرير القول الأول فهو ما روي أن ~~إبليس لعنه الله سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني، ~~فقال الله تعالى: نعم عبدي أيوب فجعل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عيانا ~~ولا يلتفت إليه، فقال: رب إنه قد امتنع علي فسلطني على ماله فكان الشيطان ~~يجيئه ويقول له: يا أيوب هلك من مالك كذا وكذا، فيقول أيوب له: الله أعطى ~~والله أخذ ثم يحمد الله سبحانه وتعالى، فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله ~~فسلطني على جسده فأذن فيه فنفخ في جلد أيوب فحدث أسقام عليه وآلام شديدة ~~فمكث في ذلك البلاء سنين حتى استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان ~~يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته، وقال: إن زوجك إن استغاث بي خلصته ~~من هذا البلاء فذكرت المرأة ذلك لزوجها فحلف بالله لئن عافاه الله تعالى ~~ليجلدنها مائة جلدة وعند هذه الواقعة قال {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} ~~فأجاب الله تعالى دعاءه وأوحى إليه أن {اركض برجلك} إلى آخر الآية. # وأما تقرير القول الثاني: فإن الشيطان لا قدرة له البتة على إيقاع الناس ~~في الأمراض والأسقام ويدل عليه وجوه. # الأول: أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان فلعل ~~الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان ولعل ما عندنا من الخيرات ~~والسعادات قد حصل بفعله وحينئذ لا سبيل إلى معرفة من يعطي الحياة والموت ~~والصحة والسقم أهو الله تعالى أم الشيطان. # ثانيها: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء ~~والأولياء ms2900 ولم لا يخرب دورهم ولم لا يقتل أولادهم. # ثالثها: أن الله تعالى حكى عن الشيطان أنه قال: {وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (إبراهيم: 22) # فصرح بأنه لا قدرة له على البشر إلا بإلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة، ~~فدل ذلك على فساد القول بأن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى لكن ~~على وفق التماس الشيطان؟. # أجيب: بأنه إذا كان لابد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو ~~الله تعالى فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك بل الحق أن المراد ~~بقوله: {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة كاد ~~يلقيه في أنواع العذاب، والقائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس ~~كيف كانت وذكروا أوجها؛ أولها: أن علته كانت شديدة الألم ثم طالت تلك العلة ~~واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته ولم يبق له مال البتة وامرأته كانت تخدم ~~الناس وتحصل له قدر القوت ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من ~~الدخول # PageV03P419 # عليهم ومن خدمتهم، والشيطان كان يذكره النعمة التي كانت عليه والآفات ~~التي حصلت له وكان يحتال في دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس في ~~قلبه خاف وتضرع إلى الله تعالى وقال: مسني الشيطان بنصب وعذاب لأنه كلما ~~كثرت تلك الخواطر كان تألم قلبه منها أشد. # ثانيها: أنه لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان ليقنطه مرة ويزلزله ليجزع ~~مرة فخاف من خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال: {إني مسني ~~الشيطان} . # ثالثها: قيل: إن امرأته كانت تخدم الناس وتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به ~~إلى أيوب عليه السلام فاتفق لها أنهم لما استخدموها طلبت بعض النساء منها ~~قطع إحدى ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت، ثم في اليوم الثاني فعلت ~~مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة وكان أيوب عليه السلام إذا أراد أن يتحرك على ~~فراشه تعلق بتلك الذؤابة فلما ms2901 لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر الرديئة في قلبه ~~فعند ذلك قال: {مسني الشيطان بنصب وعذاب} . # رابعها: روي أنه عليه السلام قال في بعض الأيام: يا رب لقد علمت أني ما ~~اجتمع علي أمران إلا آثرت طاعتك ولما أعطيتني المال كنت للأرامل قيما ولابن ~~السبيل معينا ولليتامى أبا، فنودي يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق فأخذ أيوب ~~عليه السلام التراب فوضعه على رأسه وقال: منك يا رب ثم خاف من الخواطر ~~الأولى فقال: {مسني الشيطان بنصب وعذاب} وذكروا أقوالا أخر في سبب بلائه، ~~منها: أن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه، وقيل: كانت مواشيه ترعى في ناحية ~~ملك كافر فداهنه ولم يعظه، وقيل: أعجب بكثرة ماله وأعلم أن داود وسليمان ~~عليهما السلام كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء وأيوب عليه ~~السلام كان ممن خصه الله بأنواع البلاء والمقصود من جميع هذه القصص ~~الاعتبار كأن الله تعالى قال: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في ~~الدنيا أكثر من الأنبياء نعمة ومالا وجاها من داود وسليمان عليهما السلام، ~~وما كان فيهم أكثر بلاء ومحنة من أيوب عليه السلام، فتأمل أحوال هؤلاء ~~لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد وأن العاقل لا بد له من الصبر على ~~المكاره. # ولما اشتكى أيوب عليه السلام الشيطان وسأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية ~~أجاب الله تعالى له بأن قال له: # {اركض} أي: اضرب {برجلك} أي: الأرض فضرب فنبعت عين ماء، فقيل له: {هذا ~~مغتسل بارد} أي: ماء تغتسل منه فيبرأ ظاهرك {وشراب} أي: وتشرب منه فيبرأ ~~باطنك وظاهر اللفظ يدل على أنه نبعت له عين واحدة من الماء فاغتسل منه وشرب ~~منه، وأكثر المفسرين قالوا: نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من ~~الأخرى فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه بإذن الله تعالى وقيل: ضرب برجله ~~اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها، ~~وقيل: ضرب الأرض فنبعت له عين ماء فذهب كل داء كان بظاهره ms2902 ثم مشى أربعين ~~خطوة فركض برجله الأرض مرة أخرى فنبعت عين ماء عذب فشرب منه فذهب كل داء ~~كان في باطنه. # {ووهبنا} أي: بما لنا من العظمة {له أهله} أي: بأن جعلناهم عليه بعد ~~تفرقهم أو أحييناهم بعد موتهم، وقيل: وهبنا له مثل أهله والأول هو ظاهر ~~الآية فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة {ومثلهم معهم} حتى # PageV03P420 # كان له ضعف ما كان، وقوله تعالى: {رحمة} أي: نعمة {منا} مفعول لأجله أي: ~~وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه {وذكرى} أي: وتذكيرا بحاله {لأولي الألباب} ~~أي: أصحاب العقول ليعلموا أن من صبر ظفر وأن رحمة الله تعالى واسعة وهو عند ~~القلوب المنكسرة فما بينه وبين الإجابة الأحسن الإنابة فمن دام إقباله عليه ~~أغناه عن غيره كما قيل: # *لكل شيء إذا فارقته عوض ... وما عن الله إن فارقت من عوض* # وهذا تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم كما مر وقوله تعالى: # {وخذ بيدك ضغثا} معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش ~~والقضبان فيها مائة عود كشمراخ النخلة وقيل: الحزمة الكبيرة من القضبان، ~~وقوله سبحانه وتعالى: {فاضرب به ولا تحنث} يدل على تقدم يمين منه عليه ~~الصلاة والسلام واختلفوا في سبب حلفه عليها ويبعد ما قيل أنها رغبته في ~~طاعة الشيطان ويبعد أيضا ما روي أنها قطعت ذؤابتيها لأن المضطر يباح له ~~ذلك، بل الأقرب ما روي أن زوجته ليا بنت يعقوب وقيل: رحمة بنت افراثيم بن ~~يوسف عليه السلام ذهبت لحاجة فأبطأت عليه فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا ~~برئ. # ولما كانت حسنة الخدمة جعل الله تعالى يمينه بأهون شيء عليه وعليها وهذه ~~الرخصة باقية في الحدود لما روي أنه صلى الله عليه وسلم «أتي برجل ضعيف قد ~~زنا بأمة فقال صلى الله عليه وسلم خذوا مائة شمراخ واضربوه بها ضربة واحدة» ~~{إنا وجدناه صابرا} أي: فيما أصابه في النفس والأهل والمال. # فإن قيل: كيف وجده صابرا وقد شكا إليه؟ أجيب بأوجه: أحدها: أن شكواه إلى ~~الله تعالى كتمني العافية فلا يسمى ms2903 جزعا ولهذا قال يعقوب عليه السلام: ~~{إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} (يوسف: 86) # وكذلك شكوى العليل وذلك أن أصبر الناس على البلاء لا يخلو من تمني ~~العافية وطلبها، فإذا صح أن يسمى صابرا مع تمني العافية أفلا يعد صابرا مع ~~اللجوء إلى الله تعالى والدعاء بكشف ما به مع التعالج ومشاورة الأطباء. ~~ثانيها: أن الآلام حين كانت على الجسد لم يذكر شيئا فلما تعاظمت الوساوس ~~على القلب تضرع إلى الله تعالى. ثالثها: أن الشيطان عدو والشكاية من العدو ~~إلى الحبيب لا تقدح في الصبر، ويروى أنه قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنه ~~لم يخالف لساني قلبي ولم يتبع قلبي بصري ولم آكل إلا ومعي يتيم ولم أبت ~~شبعانا ولا كاسيا ومعي جائع أو عريان فكشف الله تعالى عنه ثم استأنف قوله ~~تعالى: {نعم العبد} أي: أيوب عليه السلام ثم علل بقوله تعالى: مؤكدا لئلا ~~يظن أن بلاءه قادح في ذلك {إنه أواب} أي: رجاع إلى الله تعالى روي: أنه لما ~~نزل قوله تعالى: {نعم العبد} في حق سليمان عليه السلام تارة وفي حق أيوب ~~عليه السلام أخرى عظم في قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن قوله ~~تعالى: {نعم العبد} تشريف عظيم فإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب عليه ~~السلام لم نقدر عليه فكيف السبيل إلى تحصيله فأنزل الله تعالى قوله سبحانه ~~وتعالى: {نعم المولى ونعم النصير} (الأنفال: 40) # والمراد: أنك أيها الإنسان إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى وإن كان ~~منك غير الفضل فأنا مني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني الرحمة والتيسير. # القصة الرابعة: قصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهما السلام المذكورة # PageV03P421 # في قوله تعالى: # {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق} بن إبراهيم {ويعقوب} بن إسحاق {أولي ~~الأيدي} أي: أصحاب القوى في العبادة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أولي ~~القوة في طاعة الله تعالى {والأبصار} أي: المعرفة بالله أي: البصائر في ~~الدين وأولي الأعمال الجليلة والعقائد الشرعية، فعبر بالأيدي عن الأعمال ~~لأن أكثرها بمباشرتها وبالإبصار ms2904 عن المعارف لأنها أقوى عبادتها، وفيه تعريض ~~بكل من لم يكن من عمال الله تعالى ولا من المستبصرين في دين الله، وفيه ~~توبيخ أيضا على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما فهم في حكم ~~الزمنى الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم والناقصي العقول الذين لا ~~استبصار لهم، وقال قتادة ومجاهد: أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين، ~~وقرأ ابن كثير بفتح العين وسكون الباء الموحدة ولا ألف بعدها على التوحيد ~~على أنه إبراهيم وحده لمزيد شرفه وإبراهيم عطف بيان وإسحاق ويعقوب عطف على ~~عبدنا والباقون بكسر العين وفتح الموحدة وألف بعدها على الجمع. # {إنا أخلصناهم بخالصة} أي: اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين بخصلة خالصة لا ~~شوب فيها وهي {ذكرى الدار} الآخرة أي: ذكرها والعمل لها لأن مطمح نظرهم ~~الفوز بلقائه وذلك في الآخرة وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار الحقيقة ~~والدنيا معبر، وقرأ نافع وهشام خالصة بغير تنوين بالإضافة للبيان أو أن ~~خالصة مصدر بمعنى الخلوص فأضيف إلى فاعله والباقون بالتنوين، فمن أضاف ~~فمعناه أخلصناهم بذكرى الدار الآخرة وأن يعملوا لها، والذكرى بمعنى: الذكر، ~~قال مالك بن دينار: نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم بحب الآخرة ~~وذكرها، وقال قتادة: كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله عز وجل، وقال السدي: ~~أخلصوا الخوف للآخرة وقال ابن زيد: أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة، ومن قرأ ~~بالتنوين فمعناه: بخلة خالصة هي ذكرى الدار فيكون ذكرى الدار بدلا من ~~الخالصة أو جعلناهم مخلصين بما أخبرنا من ذكر الآخرة، والمراد بذكرى الدار: ~~الذكر الجميل الرفيع لهم في الآخرة، وقيل: إنه أبقى لهم الذكر الجميل في ~~الدنيا وقيل: هو دعاؤه {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} (الشعراء: 84) # {وإنهم عندنا لمن المصطفين} أي: اصطفاء لا يقدح فيه قادح فصاروا في غاية ~~الرسوخ في هذا الوصف {الأخيار} أي: المختارين من أبناء جنسهم والأخيار جمع ~~خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت، واحتج العلماء ~~بهذه الآية على إثبات عصمة الأنبياء عليهم السلام لأنه تعالى حكم عليهم ms2905 ~~بكونهم أخيارا على الإطلاق وهذا يفهم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات ~~بدليل صحة الاستثناء منه. # القصة الخامسة: قصة إسماعيل واليسع وذي الكفل عليهم السلام المذكورة في ~~قوله تعالى: # {واذكر} يا أشرف الخلق {إسماعيل} أي: أباك وما صبر عليه من البلاء ~~بالغربة والإنفراد والوحدة والإشراف على الموت في الله غير مرة وما صار ~~إليه بعد ذلك البلاء من الفرج والرياسة والذكر في هذه البلدة {واليسع} وهو ~~ابن إخطوب استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبئ واللام كما في قوله: # * ... رأيت الوليد بن اليزيد مباركا # وقرأ حمزة والكسائي بتشديد اللام وسكون الياء بعدها والباقون بسكون اللام ~~وفتح الياء بعدها {وذا الكفل} # PageV03P422 # وهو ابن عم اليسع أو بشر بن أيوب واختلف في نبوته وكفلته فقيل: فر إليه ~~مائة نبي من بني إسرائيل من القتل فآواهم وكفلهم وقيل: كفل بعمل رجل صالح ~~كان يصلي كل يوم مائة صلاة {وكل} أي: وكلهم {من الأخيار} فهم قوم خيرون من ~~الأنبياء تحملوا الشدائد في دين الله تعالى وصبروا فاذكرهم يا أفضل الخلق ~~بفضلهم وصبرهم لتسلك طريقهم. # ولما أجرى تعالى ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتمه قال مؤكدا ~~لشأنهم وشرف ما ذكر من أعمالهم: # {هذا} أي: ما تلوناه عليك من ذكرهم وذكر غيرهم {ذكر} أي: شرف في الدنيا ~~وموعظة من ذكر القرآن ذي الذكر ثم عطف على قوله تعالى: {إن الذين يضلون عن ~~سبيل الله لهم عذاب شديد} (ص: 26) # ما لأضدادهم فقال تعالى ردا على من ينكر ذلك من كفار العرب وغيرهم {وإن ~~للمتقين لحسن مآب} أي: مرجع. # ولما شوق سبحانه إلى هذا الجزاء أبدل منه أو بينه بقوله تعالى: # {جنات عدن} أي: إقامة في سرور وطيب عيش، ثم إنه تعالى وصف أهل الجنة ~~بأشياء أولها قوله تعالى: {مفتحة لهم الأبواب} أي: أن الملائكة يفتحون لهم ~~أبواب الجنة ويحيونهم بالسلام كما قال تعالى: {حتى إذا جاؤها وفتحت ~~أبوابها} (الزمر: 73) # الآية وقيل: المعنى أنهم كلما أرادوا انفتاح الأبواب انفتحت لهم وكلما ~~أرادوا انغلاقها انغلقت لهم، وقيل: المراد من ms2906 هذا الفتح وصف تلك المساكن ~~بالسعة وقرة العيون فيها، ثانيها: قوله تعالى: # {متكئين فيها} وقد ذكر في آيات أخر كيفية ذلك الاتكاء فقال تعالى في آية: ~~{على الأرائك متكئون} (يس: 56) # وقال في آية أخرى: {متكئين على رفرف خضر} (الرحمن: 76) # ثالثها: قوله تعالى {يدعون فيها} أي: الجنات {بفاكهة كثيرة وشراب} أي: ~~كثير فيدعون فيها بألوان الفاكهة وألوان الشراب. # ولما بين المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح تتميما للنعمة بقوله ~~سبحانه تعالى: # {وعندهم قاصرات الطرف} أي: حابسات الطرف أي: العين على أزواجهن {أتراب} ~~أي: أسنانهن واحدة وهي بنات ثلاث وثلاثين سنة واحدها ترب، وعن مجاهد: ~~متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن وقيل: أتراب للأزواج، قال القفال: والسبب ~~في اعتبار هذه الصفة لما تشابهن في الصفة والسن والجبلة كان الميل إليهن ~~على السوية وذلك يقتضي عدم الغيرة وقرأ قوله تعالى: # {هذا ما يوعدون} ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية على الغيبة والباقون ~~بالفوقية على الخطاب، وجه الغيبة تقدم ذكر المتقين، ووجه الخطاب الالتفات ~~إليهم والإقبال عليهم أي: قل للمتقين هذا ما توعدون {ليوم الحساب} أي: في ~~يوم الحساب أو لأجله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء. # {إن هذا} أي: المشار إليه إشارة الحاضر الذي لا يغيب {لرزقنا ما له من ~~نفاد} أي: انقطاع وهذا إخبار عن دوام هذا الثواب. # تنبيه: من نفاد فاعل ومن مزيدة والجملة في محل نصب على الحال من رزقنا ~~أي: غير نافد ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لأن أي: دائم. # ولما وصف تعالى ثواب المؤمنين وصف بعده عقاب الظالمين ليكون الوعيد ~~مذكورا عقب الوعد والترغيب عقب الترهيب بقوله تعالى: # {هذا وإن للطاغين لشر مآب} أي: مرجع هذا في مقابلة قوله تعالى: {وإن ~~للمتقين لحسن مآب} (ص: 49) # والمراد بالطاغين الكفار، وقال الجبائي: على مذهبه الفاسد هم أصحاب ~~الكبائر سواء كانوا كفارا أم لا واحتج الأول بأن هذا ذم # PageV03P423 # مطلق فلا يحمل إلا على الكامل في الطغيان وهو الكافر، واحتج هو بقوله ~~تعالى: {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} (العلق: 6 7) # فدل ms2907 على أن الوصف بالطغيان قد يحصل لصاحب الكبيرة لأن من تجاوز حد تكاليف ~~الله تعالى وتعداها فقد طغى ورد هذا بأن المراد بالإنسان هنا هو الكافر ~~أيضا. # تنبيه: هذا يحتمل أن يكون مبتدأ والخبر مقدر أي: كما ذكر، كما قدره ~~الزمخشري، وقدره أبو علي بقوله: هذا للمؤمنين، وقال الجلال المحلي: هذا ~~المذكورة للمؤمنين ويحتمل أن يكون خبر متبدأ مضمر أي: الأمر هذا وقوله ~~تعالى: # {جهنم} أي: الشديدة الإضطرام الملاقية لمن يدخلها بغاية العبوسة والتجهم ~~فيه إعراب جنات المتقدم، وقوله تعالى: {يصلونها} أي: يدخلونها فيباشرون ~~شدائدها حال من جهنم {فبئس المهاد} أي: المهد والفراش مستعار من فرش ~~النائم، وهذا معنى قوله تعالى {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} (الأعراف: ~~41) # شبه الله تعالى ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص ~~بالذم محذوف أي: هي وفي قوله تعالى: # {هذا} أي: العذاب المفهوم مما بعده أوجه من الإعراب أحدها: أنه خبر مبتدأ ~~مضمر أي: الأمر هذا، ثم استأنف أمر إقفال {فليذوقوه} ثانيها: أنه مبتدأ أو ~~خبره {حميم وغساق} واسم الإشارة يكتفي بواحده في المثنى كقوله تعالى: {عوان ~~بين ذلك} (البقرة: 68) # أو يكون المعنى: هذا جامع بين الوصفين ويكون قوله تعالى: {فليذوقوه} جملة ~~اعتراضية. ثالثها: أنه مبتدأ والخبر محذوف أي: هذا كما ذكر وهذا للطاغين ~~وقيل غير ذلك، وقيل: هذا على التقديم والتأخير والتقدير: هذا حميم وغساق ~~فليذوقوه وقيل التقدير: جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ثم يبتدئ ~~فيقول: حميم وغساق أي: منه حميم وغساق، والحميم: الحار الذي انتهى حره، ~~والغساق: ما يسيل من صديد أهل النار، وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها ~~كل ذوب حية وعقرب، وقال أبو عمرو: هو القيح الذي يسيل من أهل النار فيجتمع ~~فيسقونه، وقال قتادة: هو ما يغسق أي: يسيل من القيح والصديد من جلود أهل ~~النار ولحومهم وفروج الزناة، وقيل: هو المنتن بلغة الترك، حكى الزجاج لو ~~قطرت منه قطرة بالمغرب لأنتنت أهل المشرق، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتشديد ~~السين والباقون بالتخفيف وقرأ ms2908 أبو عمرو: # {وأخر} بضم الهمزة على جمع أخرى مثل الكبرى والكبر أي: أصناف أخر من ~~العذاب {من شكله} أي: مثل المذكور من الحميم والغساق، والباقون بفتح الهمزة ~~ممدودة على التوحيد على أنه لما ذكروا، اختار أبو عبيدة الجمع لأنه تعالى ~~نعته بالجمع فقال سبحانه وتعالى: {أزواج} أي: أصناف أي: عذابهم من أنواع ~~مختلفة، ويقال لهم عند دخولهم النار بأتباعهم: # {هذا فوج} أي: جمع كثيف {مقتحم} أي: داخل ومفعوله محذوف أي: مقتحم النار ~~{معكم} بشدة، فيقول المتبوعون: {لا مرحبا بهم} أي: لاسعة عليهم أو لا سمعوا ~~مرحبا وقولهم: {إنهم صالو النار} أي: داخلون النار بأعمالهم مثلنا تعليل ~~لاستجابة الدعاء عليهم ونظير هذه الآية قوله تعالى: {كلما دخلت أمة لعنت ~~أختها} (الأعراف: 38) # وقال الكلبي: إنهم يضربون بالمقامع حتى يوقعوا أنفسهم في النار خوفا من ~~تلك المقامع. # {قالوا} أي: الأتباع {بل أنتم لا مرحبا بكم} أي: إن الدعاء الذي دعوتم به ~~علينا أيها الرؤساء أنتم أحق به منا وعللوا ذلك بقولهم {أنتم قدمتموه} أي: ~~الكفر {لنا} أي: بدأتم به قبلنا وشرعتموه وسننتموه لنا، # PageV03P424 # وقيل: أنتم قدمتم هذا العذاب لنا بدعائكم إيانا إلى الكفر {فبئس القرار} ~~أي: النار لنا ولكم. # {قالوا} أي: الأتباع أيضا {ربنا من قدم لنا هذا} أي: شرعه وسنه لنا {فزده ~~عذابا ضعفا} أي: مثل عذابه على كفره {في النار} قال ابن مسعود: يعني حيات ~~وأفاعي. # {وقالوا} أي: الطاغون وهم في النار {ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار} يعنون فقراء المؤمنين كعمار وخباب وصهيب وبلال وسلمان الذين كانوا ~~يسترذلونهم ويسخرون بهم وقولهم: # {أتخذناهم سخريا} صفة أخرى ل {رجالا} أي: كنا نسخر بهم في الدنيا، وقرأ ~~نافع وحمزة والكسائي بضم السين والباقون بكسرها {أم زاغت} أي: مالت {عنهم ~~الأبصار} أي: فلم نرهم حين دخلوها وقال ابن كيسان: أي: أم كانوا خيرا منا ~~ونحن لا نعلم فكانت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئا. # {إن ذلك} أي: الذي حكيناه عنهم {لحق} أي: واجب وقوعه فلا بد أن يتكلموا ~~به ms2909 ثم بين ذلك الذي حكاه عنهم بقوله تعالى: {تخاصم أهل النار} أي: في النار ~~وإنما سماه تخاصما لأن قول القادة للأتباع: لا مرحبا بهم، وقول الأتباع ~~للقادة: بل أنتم لا مرحبا بكم من باب الخصومة. # تنبيه: يصح في تخاصم أوجه من الإعراب أحدها: أنه بدل من لحق، الثاني: أنه ~~عطف بيان، الثالث: أنه خبر ثان لأن، الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هو ~~تخاصم. # ولما شرح سبحانه نعيم أهل الثواب وعقاب أهل العذاب عاد إلى تقرير التوحيد ~~والنبوة والبعث المذكورات أول السورة بقوله تعالى: # {قل} يا أفضل الخلق للمشركين {إنما أنا منذر} أي: مخوف بالنار لمن عصى ~~{و} لا بد من الإقرار بأنه {ما من إله إلا الله} أي: الجامع لجميع الأسماء ~~الحسنى {الواحد القهار} فكونه واحدا يدل على عدم الشريك وكونه قهارا مشعر ~~بالتخويف والترهيب. # ولما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب بقوله تعالى: شأنه: # {رب السموات} أي: مبدعها وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من ~~الزينة والمنافع {والأرض} أي: على سعتها وضخامتها وكثافتها وما فيها من ~~العجائب {وما بينهما} أي: الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر ~~والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها ربي كل شيء من ذلك إيجادا وإبقاء على ما ~~يريد وإن كره ذلك المربوب فدل ذلك على قهره وتفرده {العزيز} أي: الغالب على ~~أمره {الغفار} فكونه ربا يشعر بالتربية والكرم والإحسان والجود وكونه غفارا ~~يشعر بأن العبد لو أقدم على المعاصي والذنوب ثم تاب إليه فإنه يغفرها ~~برحمته، وهذا الموصوف بهذه الصفات هو الذي تجب عبادته لأنه هو الذي يخشى ~~عقابه ويرجى ثوابه وقوله تعالى: # {قل} أي: لهم {هو نبأ عظيم} يعود على القرآن وما فيه من القصص والأخبار، ~~وقيل: تخاصم أهل النار، وقيل: على ما تقدم من إخباره صلى الله عليه وسلم ~~بأنه نذير مبين وبأن الله تعالى إله واحد متصف بتلك الصفات الحسنى وقوله ~~تعالى: # {أنتم عنه معرضون} صفة لنبأ أي: لتمادي غفلتكم فإن العاقل لا يعرض عن ~~مثله كيف وقد قامت ms2910 عليه الحجج الواضحة إما على التوحيد فما مر وإما على ~~النبوة، فقوله تعالى: # {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى} أي: الملائكة فقوله: {بالملأ} متعلق ~~بقوله # PageV03P425 # {من علم} وضمن معنى الإحاطة فلذلك تعدى بالباء {إذ يختصمون} أي: في شأن ~~آدم عليه السلام حين قال الله عز وجل: {إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة: ~~30) # الآية، فإن قيل: الملائكة لا يجوز أن يقال إنهم اختصموا بسبب قولهم: ~~{أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} (البقرة: 30) # فالمخاصمة مع الله تعالى كفر؟ أجيب: بأنه لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب ~~وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة والمشابهة علة المجاز فلهذا السبب حسن إطلاق ~~لفظ المخاصمة، ولما أمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أن يذكر هذا ~~الكلام على سبيل الزجر أمره أن يقول: # {إن} أي: ما {يوحي إلي إلا أنما} أي: أني {أنا نذير مبين} أي: بين ~~الإنذار فأبين لكم ما تأتونه وما تجتنبونه، وروي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: «رأيت ربي في أحسن صورة، قال ابن عباس رضي الله عنه: أحسبه قال في ~~المنام فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: أنت أعلم أي رب ~~مرتين، قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي أو قال: في نحري فعلمت ~~ما في السموات وما في الأرض، وفي رواية ثم تلا هذه الآية {وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} (الأنعام: 75) # ثم قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت: نعم في الدرجات ~~والكفارات، قال: وما هن قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات والجلوس في ~~المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء في المكاره، قال: من يفعل ذلك يعيش بخير ~~ويموت بخير وخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه وقال: يا محمد إذا صليت فقل: ~~اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي ~~وترحمني وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» قال: ومن الدرجات ~~إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وفي رواية: ms2911 «فقلت: ~~لبيك وسعديك في المرتين وفيهما فعلمت ما بين المشرق والمغرب» أخرجه الترمذي ~~وقال حديث حسن غريب، وللعلماء في هذا الحديث وأمثاله من أحاديث الصفات ~~مذهبان. # أحدهما: مذهب السلف وهو إقراره كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ~~والإيمان به من غير تأويل له والسكوت عنه مع الاعتقاد بأن ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير. # والمذهب الثاني: مذهب الخلف: وهو تأويل الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم ~~رأيت ربي في أحسن صورة يحتمل وجهين: # أحدهما: وأنا في أحسن صورة كأنه زاده جمالا وكمالا وحسنا عند رؤيته لربه ~~وإنما التغيير وقع بعده لشدة الوحي وثقله. # الثاني: أن الصورة بمعنى الصفة ويرجع ذلك إلى الله تعالى والمعنى: أنه ~~رآه في أحسن صفاته من الإنعام عليه والإقبال إليه والله تعالى تلقاه ~~بالإكرام والإعظام فأخبر صلى الله عليه وسلم عن عظمته وكبريائه وبهائه ~~وبعده عن شبهه بالخلق وتنزيهه عن صفات النقص وأنه ليس كمثله وهو السميع ~~البصير وقوله صلى الله عليه وسلم فوضع يده بين كتفي إلخ فالمراد باليد: ~~النعمة والمنة والرحمة وذلك شائع في لغة العرب فيكون معناه على هذا الإخبار ~~بإكرام الله تعالى إياه وإنعامه عليه بأن شرح صدره ونور قلبه وعرفه ما لم ~~يعرفه حتى وجد برد النعمة والرحمة والمعرفة في قلبه، وذلك لما نور قلبه ~~وشرح صدره فعلم ما في السموات وما في الأرض بإعلام الله تعالى إياه فإنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول # PageV03P426 # له كن فيكون إذ لا يجوز على الله تبارك وتعالى ولا على صفات ذاته سبحانه ~~مماسة أو مباشرة أو نقص وهذا أليق بتنزيهه وحمل الحديث عليه، وإذا حملنا ~~الحديث على المنام وإن ذلك كان في المنام فقد زال الإشكال لأن رؤية الباري ~~سبحانه في المنام على الصفات الحسنة دليل على البشارة والخير والرحمة ~~للرائي، وسبب اختصام الملأ الأعلى وهم الملائكة في الكفارات وهي الخصال ~~المذكورة في الحديث في أيها أفضل، وسميت هذه الخصال كفارات؛ لأنها تكفر ~~الذنوب عن فاعلها فهي من باب تسمية ms2912 الشيء باسم لازمه وسمي ذلك مخاصمة لما ~~مر في السؤال والجواب المتقدمين وقوله تعالى: # f # {إذ} يجوز أن يكون بدلا من إذا الأولى كما قاله الزمخشري، وأن يكون ~~منصوبا باذكر كما قاله أبو البقاء أي: واذكر إذ {قال ربك للملائكة إني ~~خالق} أي: جاعل {بشرا من طين} هو آدم عليه السلام، فإن قيل: كيف صح أن يقول ~~لهم إني خالق بشرا وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به قبل؟ أجيب: بأنه قد ~~يكون قال لهم: إني خالق خلقا من صفته كيت وكيت ولكنه حين حكاه اقتصر على ~~الاسم. # {فإذا سويته} أي: أتممت خلقه {ونفخت} أي: أجريت {فيه من روحي} فصار حيا ~~حساسا متنفسا وإضافة الروح إليه تعالى إضافة تشريف لآدم عليه السلام والروح ~~جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في ~~الفضاء وكسريان النار في الفحم والماء في العود الأخضر {فقعوا} أي: خروا ~~{له ساجدين} . # {فسجد الملائكة} وقوله تعالى: {كلهم أجمعون} فيه تأكيدان، وقال الزمخشري: ~~كل للإحاطة وأجمعون للاجتماع فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ~~ملك إلا أنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات، انتهى. فإن ~~قيل: كيف ساغ السجود لغير الله؟ أجيب: بأن الممنوع هو السجود لغير الله ~~تعالى على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل فلا يأباه العقل إلا ~~أن يكون فيه مفسدة فينهى الله تعالى عنه والأولى في الجواب أنه سجود تحية ~~بالانحناء كما قاله الجلال المحلي. # {إلا إبليس استكبر} أي: تكبر وتعظم عن السجود، فإن قيل: كيف استثنى من ~~الملائكة عليهم السلام إبليس وهو من الجن؟ أجيب: بأنه قد أمر بالسجود معهم ~~فغلبوا عليه في قوله تعالى {فسجد الملائكة} ثم استثنى كما يستثنى الواحد ~~منهم استثناء متصلا وقال الجلال المحلي: هو أبو الجن وكان من الملائكة وعلى ~~هذا فلا سؤال {وكان} أي: وصار {من الكافرين} باستكباره عن أمر الله تعالى ~~أو كان من الكافرين في الأزمنة الماضية في علم الله تعالى. # تنبيه: المقصود ms2913 من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر لأن إبليس إنما ~~وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر، والكفار إنما نازعوا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بسبب الحسد والكبر فذكر الله تعالى هذه القصة ههنا ليصير سماعها ~~زاجرا عن هاتين الخصلتين المذمومتين. # {قال} الله تعالى {يا إبليس} سماه بهذا الاسم لكونه من الإبلاس وهو ~~انقطاع الرجاء إشارة إلى تحتم العقوبة له {ما منعك أن تسجد} وبين ما يوجب ~~طاعته ولو أمر بتعظيم ما لا يعقل بقوله تعالى معبرا بأداة ما لا يعقل عمن ~~كان عند السجود له عاقلا كامل العقل: {لما خلقت بيدي} أي: توليت خلقه من ~~غير توسط سبب كأب وأم والتثنية في اليد لما في خلقه من مزيد القدرة، وقوله # PageV03P427 # تعالى: {أستكبرت} استفهام توبيخ أي: تعظمت بنفسك الآن عن السجود له {أم ~~كنت من العالين} أي: من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود له لكونك ~~منهم فأجاب إبليس بقوله: # {قال أنا خير منه} أي: لو كنت مساويا له في الشرف لكان يقبح أن أسجد له ~~فكيف وأنا خير منه ثم بين كونه خيرا منه بقوله: {خلقتني من نار وخلقته من ~~طين} والنار أشرف من الطين بدليل أن الأجرام الفلكية أفضل من الأجرام ~~العنصرية، والنار أقرب العناصر من الفلك والأرض أبعد عنه، فوجب كون النار ~~أفضل من الأرض، وأيضا فالنار خليفة الشمس والقمر في إضاءة العالم عند ~~غيبتهما والشمس والقمر أشرف من الأرض فخليفتهما في الإضاءة أفضل من الأرض، ~~وأيضا فالكيفية الفاعلة الأصلية إما الحرارة وإما البرودة والحرارة أفضل من ~~البرودة لأن الحرارة تناسب الحياة والبرودة تناسب الموت، وأيضا فالنار ~~لطيفة والأرض كثيفة واللطافة أفضل من الكثافة، وأيضا فالنار مشرقة والأرض ~~مظلمة والنور خير من الظلمة، وأيضا فالنار خفيفة تشبه الروح والأرض كثيفة ~~تشبه الجسد والروح أفضل من الجسد فالنار أفضل من الأرض. # والدليل على أن الأرض أفضل من النار إنها أمينة مصلحة فإذا أودعتها حبة ~~ردتها إليك شجرة مثمرة، والنار خائنة مفسدة لكل ما سلمته إليها، وأيضا ~~فالنار ms2914 بمنزلة الخادم لما في الأرض إن احتيج إليها استدعيت استدعاء الخادم ~~وإن استغني عنها طردت، وأيضا فالأرض مستولية على النار لأنها تطفئ النار، ~~وأيضا فإن استدلال إبليس يكون أصله خيرا من أصله استدلال فاسد لأن أصل ~~الرماد النار وأصل البساتين المزهرة والأشجار المثمرة هو الطين ومعلوم ~~بالضرورة أن الأشجار المثمرة خير من الرماد، وأيضا هب أن اعتبار هذه الجهة ~~توجب الفضيلة إلا أن هذا يمكن أن يعارض بجهة أخرى توجب الرجحان مثل إنسان ~~نسيب عار عن كل الفضائل فإن نسبه يوجب رجحانه إلا أن الذي لا يكون نسيبا قد ~~يكون كثير العلم والزهد فيكون أفضل من النسيب بدرجات لا حد لها فكذبت مقدمة ~~إبليس، فإن قيل: هب أن إبليس أخطأ في القياس لكن كيف لزمه الكفر في تلك ~~المخالفة وتقرير السؤال من وجوه؛ الأول: أن قوله تعالى: {اسجدوا} أمر وهو ~~يحتمل الوجوب والندب فكيف يلزم العصيان فضلا عن الكفر، الثاني: هب أنه ~~للوجوب وقلتم إن إبليس ليس من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود لآدم لا يدخل ~~فيه إبليس، الثالث: هب أنه تناوله إلا أن تخصيص العام بالقياس جائز فجاز أن ~~يخصص نفسه من عموم ذلك الأمر بالقياس. الرابع: هب أنه لم يسجد مع علمه بأنه ~~كان مأمورا به إلا أن هذا القدر يوجب العصيان ولا يوجب الكفر؟ أجيب: بأن ~~صيغة الأمر وإن لم يدل على الوجوب يجوز أن ينضم إليها من القرائن ما يدل ~~عليه وههنا حصلت تلك القرائن وهي قوله تعالى: {أستكبرت أم كنت من العالين} ~~(ص: 75) # فعلم بذلك أن الأمر للوجوب وأنه مخاطب بالسجود فلما أتى بقياسه الفاسد دل ~~ذلك على أنه إنما ذكر القياس ليتوصل به إلى القدح في أمر الله تعالى ~~وتكليفه وذلك يوجب الكفر. # ولما ذكر إبليس لعنه الله تعالى هذا القياس الفاسد. # {قال} الله تعالى له: {فاخرج} أي: بسبب تكبرك ونسبتك الحكيم الذي لا ~~اعتراض عليه إلى الجور {منها} أي: من الجنة، وقيل: من # PageV03P428 # الخلقة التي أنت فيها لأنه كان يفتخر بخلقته فغير الله تعالى ms2915 خلقته فاسود ~~بعدما كان أبيض وقبح بعدما كان حسنا وأظلم بعدما كان نورانيا، وقيل: من ~~السموات {فإنك رجيم} أي: مطرود لأن من طرد رمي بالحجارة فلما كان الرجم من ~~لوازم الطرد جعل الرجم كناية عن الطرد، فإن قيل: الطرد هو: اللعن فيكون ~~قوله تعالى: # {وإن عليك لعنتي} مكررا أجيب: بحمل الطرد على ما تقدم وتحمل اللعنة على ~~الطرد من رحمة الله تعالى وأيضا قوله تعالى: {وإن عليك لعنتي} {إلى يوم ~~الدين} أي: الجزاء أفاد أمرا وهو طرده إلى يوم القيامة فلا يكون تكرارا ~~وقيل: المراد بالرجم كون الشياطين مرجومين بالشهب، فإن قيل: كلمة إلى ~~لانتهاء الغاية فكأن لعنة الله إبليس غايتها يوم الدين ثم تنقطع، أجيب: ~~بأنها كيف تنقطع وقد قال تعالى: {فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين} (الأعراف: 44) # فأفاد أن عليه اللعنة في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة اقترن عليه مع ~~اللعنة من العذاب ما تنسى عنده اللعنة فكأنها انقطعت. # تنبيه: قال تعالى هنا {لعنتي} وفي آية أخرى {اللعنة} وهما وإن كانا في ~~اللفظ عاما وخاصا إلا أنهما من حيث المعنى عامان بطريق اللازم لأن من كانت ~~عليه لعنة الله تعالى كانت عليه لعنة كل أحد لا محالة، وقال تعالى: {أولئك ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} (البقرة: 161) # ولما صار إبليس ملعونا مطرودا: # {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} أي: الناس طلب الإنظار إلى يوم البعث ~~لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا أنظر ليوم البعث لم يمت قبل يوم البعث ~~وعند مجيء البعث لا يموت فحينئذ يتخلص من الموت فلذلك: # {قال} تعالى: {فإنك من المنظرين} . # {إلى يوم الوقت المعلوم} أي: وقت النفخة الأولى فيموت فيها فلم يجبه إلى ~~دعائه كما قال تعالى: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} (الرعد: 14) # ومعنى المعلوم: أنه معلوم عند الله تعالى معين لا يتقدم ولا يتأخر فلما ~~أنظره الله تعالى إلى ذلك الوقت. # {قال فبعزتك} أقسم بعزة الله تعالى وهي قهره وسلطانه {لأغوينهم أجمعين} ~~ثم استثنى من ذلك ما ذكره الله ms2916 بقوله: # {إلا عبادك منهم المخلصين} أي: الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته وعصمهم من ~~إضلاله أو أخلصوا قلوبهم على اختلاف القراءتين فإن نافعا والكوفيين قرؤوا ~~بفتح اللام بعد الخاء والباقون بالكسر. # تنبيه: قيل إن غرض إبليس من هذا الاستثناء أنه لا يقع في كلامه الكذب ~~لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء وادعى أنه يغوي الكل لظهر كذبه حين يعجز عن ~~إغواء عباد الله تعالى المخلصين وعند هذا يقال: إن الكذب شيء يستنكف منه ~~إبليس فليس يليق بالمسلم وهذا يدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله تعالى ~~المخلصين، وقد قال تعالى في صفة يوسف عليه السلام {إنه من عبادنا المخلصين} ~~(يوسف: 24) # فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف عليه السلام وما نسب إليه ~~من القبائح كذب وافتراء. # ولما قال إبليس ذلك: # {قال} تعالى: {فالحق} أي: فبسبب إغوائك وغوايتهم أقول الحق {والحق أقول} ~~أي: لا أقول إلا الحق فإن كل شيء قلته ثبت فلم يقدر أحد على نقضه ولا نقصه، ~~وقرأ عاصم وحمزة برفع الأول ونصب الثاني، والباقون بنصبهما فنصب الثاني ~~بالفعل بعده ونصب الأول بالفعل المذكور، أو على الإغراء أي: الزموا الحق، ~~أو على المصدر أي: أحق الحق، أو على نزع حرف القسم ورفعه على أنه مبتدأ ~~محذوف # PageV03P429 # الخبر أي: فالحق مني أو فالحق قسمي وجواب القسم. # {لأملأن جهنم منك} أي: بنفسك وذريتك {وممن تبعك منهم} أي: من الناس، ~~وقوله تعالى: {أجمعين} فيه وجهان أظهرهما أنه توكيد للضمير في منك ولمن عطف ~~عليه في قوله تعالى: {وممن تبعك} والمعنى: لأملأن جهنم من المتبوعين ~~والتابعين لا أترك منهم أحدا، وجوز الزمخشري أن يكون تأكيدا للضمير في منهم ~~خاصة فقدر لأملأن جهنم من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس لا تفاوت في ~~ذلك بين ناس وناس، ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: لقومك {ما أسألكم عليه} أي: على تبليغ الرسالة أو القرآن {من ~~أجر} أي: جعل {وما أنا من المتكلفين} أي: المتصفين بما لست من أهله ms2917 على ما ~~عرفتم من حالي فانتحل النبوة وأتقول القرآن وكل من قال شيئا من تلقاء نفسه ~~فهو متكلف له، وعن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود فقال: يا أيها ~~الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن ~~يقول من لا يعلم: الله أعلم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل ~~ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} وقيل المعنى: إن هذا الذي ~~أدعوكم إليه ليس يحتاج في معرفة صحته إلى التكلفات الكثيرة بل هو دين يشهد ~~صريح العقل بصحته. # {إن} أي: ما {هو} أي: القرآن {إلا ذكر} أي: عظة وشرف {للعالمين} أي: ~~للخلق أجمعين. # {ولتعلمن} جواب قسم مقدر ومعناه لتعرفن يا كفار مكة {نبأه} أي: خبر صدقه ~~وهو ما فيه من الوعد والوعيد أو صدقه بإتيان ذلك {بعد حين} قال ابن عباس ~~وقتادة: بعد الموت، وقال عكرمة: يوم القيامة، وقال الحسن: ابن آدم عند ~~الموت يأتيك الخبر اليقين، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «من قرأ سورة ص كان له بوزن كل جبل سخره الله تعالى لداود عشر ~~حسنات وعصمه أن يصر على ذنب صغير أو كبير» حديث موضوع. ### | سورة الزمر # مكية إلا قوله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} الآية ~~فمدنية وهي خمس وسبعون آية وألف ومائة واثنتانوتسعون كلمة وأربعة آلاف ~~وسبعمائة وثمانية أحرف # {بسم الله} الذي له صفات الكمال {الرحمن} الذي أنعم على عباده بأنواع ~~النعم {الرحيم} بأنواع المغفرة على المؤمنين من عباده. # {تنزيل الكتاب} أي: القرآن مبتدأ، وقوله تعالى: {من الله} أي: المتصف ~~بجميع صفات الكمال خبره أي: تنزيل الكتاب كائن من الله تعالى، وقيل: تنزيل ~~الكتاب خبر مبتدأ مضمر تقديره هذا تنزيل الكتاب من الله {العزيز} أي: ~~الغالب في ملكه {الحكيم} أي: في صنعه ففي ذلك دلالة على أنه تعالى عالم ~~بجميع المعلومات غني عن جميع الحاجات، فإن قيل: إن الله تعالى وصف القرآن ~~بكونه تنزيلا ms2918 ومنزلا وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق. أجيب: بأن ~~ذلك محمول على الصيغ والحروف. # {إنا} أي: بما لنا من العظمة {أنزلنا عليك} يا أشرف الخلق خاصة بواسطة ~~جبريل الملك {الكتاب} أي: القرآن الجامع لكل خير وقوله تعالى: # PageV03P430 # {بالحق} يجوز أن يتعلق بالإنزال أي: بسبب الحق وأن يتعلق بمحذوف على أنه ~~حال من الفاعل أو المفعول وهو الكتاب أي: ملتبسين بالحق أو ملتبسا بالحق ~~والصدق والصواب، والمعنى: أن كل ما فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد ~~وأنواع التكاليف فهو حق يجب العمل به، وفي قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب} تكرير تعظيم بسبب إبرازه في جملة أخرى مضافا إنزاله إلى المعظم ~~نفسه، فإن قيل: لفظ تنزيل يشعر بأنه تعالى أنزله نجما نجما على وفق المصالح ~~على سبيل التدريج ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله دفعة واحدة. أجيب: ~~بأن طريق الجمع أن يقال: إنا حكمنا حكما كليا بأنا نوصل إليك هذا الكتاب ~~وهذا هو الإنزال ثم أوصلناه إليك نجما نجما على وفق المصالح. # ولما بين تعالى أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق أردفه ببيان بعض ما ~~فيه من الحق والصدق، وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل ~~الإخلاص فقال سبحانه وتعالى: {فاعبد الله} أي: الحائز لجميع صفات الكمال ~~حال كونك {مخلصا له الدين} أي: ممحضا له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد ~~وتصفية السر. # {ألا لله} أي: الملك الأعلى وحده {الدين الخالص} أي: لا يستحقه غيره فإنه ~~المنفرد بصفات الألوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر، قال قتادة: الدين ~~الخالص شهادة أن لا إله إلا الله، وقال مجاهد: الآية متناولة لكل ما كلف ~~الله به من الأوامر والنواهي لأن قوله تعالى: {فاعبد الله} عام وروي أن ~~امرأة الفرزدق لما قربت وفاتها أوصت أن يصلي الحسن البصري عليها، فلما دفنت ~~قال الحسن البصري: يا أبا فراس ما الذي أعددت لهذا الأمر؟ قال: شهادة أن لا ~~إله إلا الله، فقال الحسن هذا العمود فأين الطنب؟ قال ابن عادل فبين بهذا ~~اللفظ الوجيز أن ms2919 عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع ~~بالخيمة أي: الانتفاع الكامل وإلا فهي ينتفع بها ولكن رأس العبادات الإخلاص ~~في التوحيد واتباع الأوامر واجتناب النواهي. # {والذين اتخذوا من دونه} أي: من دون الله {أولياء} وهم كفار مكة اتخذوا ~~الأصنام وقالوا {ما نعبدهم} أي: لشيء من الأشياء {إلا ليقربونا إلى الله} ~~أي: الذي له معاقد العز ومجامع العظمة {زلفى} وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم ~~من ربكم ومن خلقكم ومن خلق السموات والأرض قالوا: الله فيقال: فما عبادتكم ~~لهم قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى أي: قربى، وهو اسم أقيم مقام المصدر ~~كأنهم قالوا: إلا ليقربونا إلى الله تعالى تقريبا حسنا سهلا وتشفع لنا عند ~~الله تعالى: # {إن الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال {يحكم بينهم} أي: وبين المسلمين ~~{فيما هم فيه يختلفون} أي: من أمر الدين فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين ~~النار {إن الله} أي: الملك القادر {لا يهدي} أي: لا يرشد {من هو كاذب} أي: ~~في قوله إن الآلهة تشفع لهم مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وفي نسبة الولد ~~إلى الله تعالى {كفار} أي: بعبادته غير الله تعالى. # {لو أراد الله} أي: الذي له الإحاطة بصفات الكمال {أن يتخذ ولدا} أي: كما ~~قالوا اتخذ الرحمن ولدا {لاصطفى} أي: اختار {مما يخلق ما يشاء} أي: اتخذ ~~ولدا غير من قالوا الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله، ~~كما قال تعالى {لو أردنا أن نتخذ لهوا} أي: كما زعموا {لاتخذناه من لدنا} ~~(الأنبياء: 17) # إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوقه ومن البين أن المخلوق # PageV03P431 # لا يماثل الخالق فيقوم مقام الولد له. # ثم نزه نفسه سبحانه فقال تعالى شأنه {سبحانه} أي: تنزيها له عن ذلك وعما ~~لا يليق بطهارته ثم أقام الدليل على هذا التنزيه المقتضي فقال تعالى: {هو} ~~أي: الفاعل لهذا الفعال القائل لهذه الأقوال {الله} أي: الجامع لجميع صفات ~~الكمال ثم ذكر من الأوصاف ما هو كالعلة لذلك فقال: {الواحد} أي: في ملكه ~~الذي لا ms2920 شريك له ولا ولد ولا والد له {القهار} أي: الغالب الكامل القدرة ~~فكل شيء تحت قدرته. # ولما ثبتت هذه الصفات التي نفت أن يكون له شريك أو ولد وأثبتت له الكمال ~~المطلق استدل على ذلك بقوله تعالى: # {خلق السموات والأرض} أي: أبدعهما من العدم وقوله تعالى: {بالحق} متعلق ~~بخلق لأن الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات الإلهية إما أن تكون ~~فلكية أو أرضية، أما الفلكية فأقسام؛ أحدها: خلق السموات والأرض، وثانيها: ~~اختلاف الليل والنهار كما قال تعالى {يكور} أي: يدخل {الليل على النهار ~~ويكور النهار على الليل} قال الحسن: ينقص من الليل فيزيد في النهار وينقص ~~من النهار فيزيد في الليل فما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من ~~النهار دخل في الليل. قال البغوي: ومنتهى النقص تسع ساعات، ومنتهى الزيادة: ~~خمس عشرة ساعة. وقال قتادة: يغشى هذا هذا كما قال تعالى {يغشي الليل ~~النهار} (الأعراف: 54) # وقال الرازي: إن النور والظلمة عسكران عظيمان وفي كل يوم يغلب هذا ذاك ~~وذاك هذا وذلك يدل على أن كل واحد مغلوب مقهور ولابد من غالب قاهر لهما ~~يكونان تحت تدبيره وقهره وهو الله تعالى انتهى. وورد في الحديث: «نعوذ ~~بالله من الحور بعد الكور» أي: من النقصان بعد الزيادة وقيل: من الإدبار ~~بعد الإقبال. # {وسخر} أي: ذلل وأكره وقهر وكلف لما يريد من غير نفع للمسخر {الشمس ~~والقمر} فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل وأكثر مصالح هذا العالم ~~مربوطة بهما {كل} أي: منهما {يجري لأجل مسمى} أي: إلى يوم القيامة لا ~~يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا، والمراد من هذا ~~التسخير: أن هذه الأفلاك تدور كدوران المنجنون أي: الدولاب الذي يسقى عليه ~~على حد واحد {ألا هو العزيز} أي: الغالب على أمره المنتقم من أعدائه ~~{الغفار} أي: الذي له صفة الستر على الذنوب متكررة يمحو ذنوب من يشاء عينا ~~وأثرا بمغفرته. # ثم إنه تعالى لما ذكر الدلائل الفلكية أتبعها بذكر الدلائل السفلية فقال ~~تعالى: # {خلقكم} ms2921 أيها الناس المدعون إلهية غيره {من نفس واحدة} وهي آدم عليه ~~السلام {ثم جعل منها} أي: من تلك النفس {زوجها} حواء وإنما بدأ منها بذكر ~~الإنسان لأنه أقرب وأكبر دلالة وأعجب، وفيه ثلاث دلالات: خلق آدم أولا من ~~غير أب وأم، ثم خلق حواء من قصيراه، ثم تشعب الخلق الفائت للحصر منهما فهما ~~آيتان إلا أن إحداهما جعلها الله تعالى عادة مستمرة والأخرى لم تجر بها ~~العادة ولم يخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل. # تنبيه: في ثم هذه أوجه؛ أحدها: أنها على بابها من الترتيب بمهلة وذلك ~~يروى أن الله تعالى أخرج ذرية آدم ثم ظهره كالذر ثم خلق حواء بعد ذلك ~~بزمان. ثانيها: أنها على بابها أيضا لكن لمدرك آخر وهو أن يعطف بها ما ~~بعدها على ما فهم من الصفة في قوله تعالى {واحدة} إذ التقدير من نفس وحدت ~~أي: انفردت # PageV03P432 # ثم جعل منها زوجها. ثالثها: أنها للترتيب في الإخبار لا في الزمان ~~الوجودي كأنه قيل: كان من أمرها قبل ذلك أن جعل منها زوجها. # رابعها: أنها للترتيب في الأحوال والرتب. وقال الرازي: إن ثم كما تجيء ~~لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية فكذلك تجيء لبيان تأخر إحدى ~~الكلامين عن الآخر كقول القائل: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب ~~وأعطيتك اليوم شيئا ثم الذي أعطيتك أمس أكثر. # وقوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام} عطف على خلقكم والإنزال يحتمل ~~الحقيقة، يروى أن الله تعالى خلقها في الجنة ثم أنزلها، ويحتمل المجاز وله ~~وجهان؛ أحدهما: أنها لما لم تعش إلا بالنبات والنبات إنما يعيش بالماء ~~والماء ينزل من السحاب أطلق الإنزال عليها وهو في الحقيقة يطلق على سبب ~~السبب كقول القائل: # *إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا* # والثاني: أن قضاياه وأحكامه منزلة من السماء من حيث كتبها في اللوح ~~المحفوظ وهو أيضا سبب في إيجادها. وقال البغوي: معنى الإنزال ههنا الإحداث ~~والإنشاء كقوله تعالى: {أنزلنا عليكم لباسا} (الأعراف: 26) # وقيل: إنه إنزال الماء ms2922 الذي هو سبب ثبات القطن والكتان وغيرهما الذي ~~يجعلون منه اللباس. وقيل: معنى قوله {أنزل لكم من الأنعام} جعلها نزلا لكم ~~ورزقا ومعنى قوله {ثمانية أزواج} أي: ثمانية أصناف وهي الإبل والبقر والضأن ~~والمعز من كل زوجان ذكر وأنثى كما بين في سورة الأنعام وقوله تعالى: ~~{يخلقكم في بطون أمهاتكم} بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسي والأنعام ~~إظهارا لما فيها من عجائب القدرة غير أنه تعالى غلب أولي العقل أو خصهم ~~بالخطاب لأنهم المقصودون، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بكسر الهمزة، ~~والباقون: بالضم وفي الابتداء الجميع بالضم وكسر حمزة الميم وفتحها الباقون ~~ومعنى قوله تعالى: {خلقا من بعد خلق} ما ذكره الله تعالى بقوله: {ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} (المؤمنون: 12 ~~13) # الآيات، وأما قوله تعالى: {في ظلمات ثلاث} فقال ابن عباس: ظلمة البطن ~~وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، وقيل: الصلب والرحم والبطن {ذلكم} أي: العالي ~~المراتب بشهادتكم أيها الخلق كلكم بعضكم بلسان قاله وبعضكم بناطق حاله الذي ~~جميع ما ذكر من أول السورة إلى هنا من أفعاله. # ولما أشار إلى عظمته بأداة البعد أخبر عن اسم الإشارة بقوله تعالى: ~~{الله} أي: الذي خلق هذه الأشياء {ربكم} أي: الملك والمربي لكم بالخلق ~~والرزق فهو المستحق لعبادتكم وقوله تعالى: {له الملك} يفيد الحصر أي: له ~~الملك لا لغيره. # ولما ثبت أنه لا ملك إلا له وجب القول بأنه {لا إله إلا هو} أي: لا ~~يشاركه في الخلق غيره. ولما بين بهذه الدلائل كمال قدرته ورحمته زيف طريقة ~~المشركين بقوله تعالى: {فأنى} أي: فكيف ومن أي: وجه {تصرفون} عن طريق الحق ~~بعد هذا البيان. # {إن تكفروا فإن الله} أي: الذي له الكمال كله {غني عنكم} لأنه تعالى ما ~~كلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة لأنه تعالى غني ~~على الإطلاق، فيمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة؛ لأنه تعالى واجب ~~الوجود لذاته، وواجب الوجود لذاته في جميع أفعاله يكون غنيا على ms2923 الإطلاق، ~~وأيضا فالقادر على خلق السموات # PageV03P433 # والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والعناصر الأربعة يمتنع أن ~~ينتفع بصلاة زيد وصيام عمرو وأن يستضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذاك {ولا ~~يرضى لعباده} أي: لأحد منهم {الكفر} أي: بالإقبال على ما سواه وأنتم لا ~~ترضون ذلك لعبيدكم مع أن ملككم لهم في غاية الضعف، ومعنى عدم الرضا به: لا ~~يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه ويثيب فاعله ويمدحه بل يفعل فعل ~~الساخط بأن ينهى عنه ويذم عليه ويعاقب مرتكبه وإن كان بإرادته إذ لا يخرج ~~شيء عنها، وهذا قول قتادة والسلف أجروه على عمومه، وقال ابن عباس: ولا يرضى ~~لعباده المؤمنين الكفر وهم الذين قال الله تعالى فيهم {إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان} (الإسراء: 65) # فيكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى كقوله تعالى: {عينا يشرب بها عباد ~~الله} (الإنسان: 6) # يريد بعض العباد. # {وإن تشكروا} الله تعالى أي: فتؤمنوا بربكم وتطيعوه {يرضه لكم} أي: ~~فيثيبكم عليه لأنه سبب فلاحكم. وقرأ السوسي في الوصل بسكون الهاء، وللدوري ~~وهشام وجهان السكون والضم وصلة الهاء بواو للدوري، وابن كثير وابن ذكوان ~~والكسائي والباقون بالسكون وهو لغة فيه. # {ولا تزر} أي: نفس {وازرة وزر} نفس {أخرى} أي: لا تحمله بل وزر كل نفس ~~عليها لا يتعداها يحفظ عليها مدة كونها في دار العمل. واحتج بهذا من أنكر ~~وجوب الدية على العاقلة ورد بأن السنة خصصت ذلك، وأما الإثم الذي يكتب على ~~الإنسان بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس وزر غيره، وإنما هو وزر ~~نفسه فوزر الفاعل على الفعل ووزر الساكت على الترك لما لزمه من الأمر ~~والنهي. وقوله تعالى: {ثم إلى ربكم مرجعكم} يدل على إثبات البعث والقيامة ~~{فينبئكم بما كنتم تعلمون} فيه تهديد للعاصي وبشارة للمطيع وقوله تعالى: ~~{إنه عليم} أي: بالغ العلم {بذات الصدور} أي: بما في القلوب كالعلة لما سبق ~~أي: إنه تعالى ينبئكم بأعمالكم لأنه عالم بجميع المعلومات فيعلم ما في ~~قلوبكم من الدواعي والصوارف، قال صلى الله ms2924 عليه وسلم «إن الله تعالى لا ~~ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» . # ولما بين تعالى فساد القول بالشرك وبين تعالى أنه الذي يجب أن يعبد بين ~~أن طريقة الكفار متناقضة بقوله تعالى: # {وإذا مس الإنسان} أي: هذا النوع الآنس بنفسه {ضر دعا ربه} لأنهم إذا ~~مسهم الضر طلبوا رفعه من الله تعالى وإذا زال ذلك الضر عنهم رجعوا إلى ~~عبادة الأصنام فكان الواجب عليهم أن يتعرفوا بالله تعالى في جميع الأحوال ~~لأنه القادر على إيصال الخير ودفع الشر فظهر تناقض طريقهم والمراد ~~بالإنسان: الكافر، وقيل: المؤمن والكافر، وقيل المراد: أقوام معينون كعتبة ~~بن ربيعة وغيره، والمراد بالضر: جميع المكاره في جسمه أو ماله أو أهله أو ~~ولده لعموم اللفظ وقوله تعالى {منيبا} حال من فاعل دعا وقوله تعالى {إليه} ~~متعلق بمنيبا أي: راجعا إليه في إزالة ذلك الضر لأن الإنابة الرجوع {ثم إذا ~~خوله} أي: أعطاه {نعمة} مبتدأة {منه} أي: من غير مقابل ولا يستعمل في ~~الجزاء بل في ابتداء العطية قال زهير: # * ... هنالك إن يستخولوا المال يخولوا* # ويروى أن يستخيلوا المال يخيلو وقال أبو النجم: # PageV03P434 # *أعطى فلم يبخل ولم يبخل ... كوم الذرى من خول المخول* # وحقيقة خول من إحدى معنيين: إما من قولهم: هو خائل مال إذا كان متعهدا له ~~حسن القيام عليه، وإما من خال يخول إذا اختال وافتخر ومنه قول العرب: إن ~~الغني طويل الذيل مياس. {نسي} أي: ترك {ما} أي: الأمر الذي {كان يدعو} أي: ~~يتضرع {إليه من قبل} أي: قبل النعمة. # تنبيه: يجوز في ما هذه أوجه؛ أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي مراعى بها ~~الضر الذي كان يدعو إلى كشفه أي: ترك دعاءه كأنه لم يتضرع إلى ربه، ثانيها: ~~أنها بمعنى الذي مرادا بها البارئ تعالى أي: نسي الله الذي كان يتضرع إليه ~~وهذا عند من يجيز وقوع ما على أولي العلم. وقال الرازي: ما بمعنى من كقوله ~~تعالى: {وما خلق الذكر والأنثى} (الليل: 3) # وقوله: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} ms2925 (الكافرون: 3) # وقوله {فانكحوا ما طاب لكم} (النساء: 3) # ثالثها: أن تكون مصدرية أي: نسي كونه داعيا {وجعل} أي: ذلك الإنسان زيادة ~~على الكفران بالنسيان للإحسان {لله} أي: الذي لا مكافئ له بشهادة الفطرة ~~والسمع والعقل {أندادا} أي: شركاء {ليضل عن سبيله} أي: دين الإسلام وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء بعد اللام أي: ليفعل الضلال بنفسه والباقون ~~بضمها أي: لم يقنع بضلاله في نفسه حتى يحمل غيره عليه فمفعوله محذوف، ~~واللام يجوز أن تكون للعلة وأن تكون لام العاقبة كقوله تعالى: {فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص: 8) # واختلف في سبب نزول قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قل} أي: ~~لهذا الذي قد حكم بكفره {تمتع} أي: في هذه الدنيا {بكفرك قليلا} أي: بقية ~~أجلك فقال مقاتل: نزل في أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وقيل: في عتبة بن ~~ربيعة وقيل: عام في كل كافر، وهذا أمر تهديد وفيه إقناط للكافر من التمتع ~~في الآخرة ولذلك علله بقوله تعالى: {إنك من أصحاب النار} أي: الذين لم ~~يخلقوا إلا لها على سبيل الاستئناف للمبالغة قال تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس} (الأعراف: 179) # الآية. # ولما شرح الله تعالى صفات المشركين وتمسكهم بغير الله تعالى أردفه بشرح ~~المخلصين فقال تعالى: # {أمن هو قانت} أي: قائم بوظائف الطاعات {آناء الليل} أي: جميع ساعاته ومن ~~إطلاق القنوت على القيام قوله صلى الله عليه وسلم «أفضل الصلاة صلاة ~~القنوت» وهو القيام فيها ومنه القنوت لأنه يدعو قائما، وعن ابن عمر أنه ~~قال: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا {أمن هو قانت} وعن ~~ابن عباس: القنوت الطاعة لقوله تعالى: {كل له قانتون} (البقرة: 116) # أي: مطيعون، وقرأ نافع وابن كثير وحمزة بتخفيف الميم والباقون بتشديدها ~~وفي القراءة الأولى وجهان؛ أحدهما: أن الهمزة همزة الاستفهام دخلت على من ~~بمعنى الذي والاستفهام للتقرير ومقابله محذوف تقديره أمن هو قانت كمن جعل ~~لله أندادا أو أمن هو قانت كغيره، وأما القراءة الثانية: فأم داخلة ms2926 على من ~~الموصولة أيضا فأدغمت الميم في الميم وفي أم حينئذ قولان؛ أحدهما: أنها ~~متصلة ومعاد لها محذوف تقديره الكافر خير أم الذي هو قانت، والثاني: أنها ~~منقطعة فتقدر ببل والهمزة أي: بل أمن هو قانت كغيره أو كالكافر المقول له ~~تمتع بكفرك وقوله تعالى {ساجدا} أي: وراكعا {وقائما} أي: وقاعدا في صلاته ~~حالان من ضمير قانت. # تنبيه: في هذه # PageV03P435 # الآية دلالة على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار، واختلف في سبب ~~نزولها فقال ابن عباس: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقال الضحاك: ~~في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال أبو عمرو: في عثمان رضي الله تعالى ~~عنه، وقال الكلبي: في ابن مسعود وعمار وسلمان رضي الله تعالى عنهم. # وقوله تعالى: {يحذر الآخرة} أي: عذاب الآخرة يجوز أن يكون حالا من الضمير ~~في ساجدا وقائما أو من الضمير في قانت وأن يكون مستأنفا جوابا لسؤال مقدر ~~كأنه قيل: ما شأنه يقنت آناء الليل ويتعب نفسه ويكدها قيل: يحذر الآخرة ~~{ويرجو رحمة} أي: جنة {ربه} الذي لم يزل يتقلب في إنعامه وفي الكلام حذف ~~والتقدير كمن لا يفعل شيئا من ذلك، وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ذكر الكافر ~~قبل هذه الآية وذكر بعدها. # {قل هل يستوي} أي: في الرتبة {الذين يعلمون} أي: وهم الذين صفتهم أنهم ~~يقنتون آناء الليل ساجدين وقائمين {والذين لا يعلمون} أي: وهم صفتهم عند ~~البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغ يشركون، وإنما وصف الله تعالى ~~الكفار بأنهم لا يعلمون لأن الله تعالى وإن أعطاهم آلة العلم إلا أنهم ~~أعرضوا عن تحصيل العلم، فلهذا جعلهم الله تعالى كأنهم ليسوا من أولي ~~الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم، وفي هذا تنبيه على فضيلة ~~العلم، قيل: لبعض العلماء: إنكم تقولون: العلم أفضل من المال ثم نرى ~~العلماء، عند أبواب الملوك ولا نرى الملوك عند أبواب العلماء فأجاب بأن هذا ~~أيضا يدل على فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع ~~فطلبوه، ms2927 والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جرم تركوه. # وقال في الكشاف: وأراد بالذين يعلمون العاملين من علماء الديانة كأنه جعل ~~من لا يعمل غير عالم، قال: وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا ~~يقنتون ويفتنون ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله تعالى جهلة حيث جعل الله ~~تعالى القانتين هم العلماء، قال: ويجوز أن يراد على سبيل التشبيه أي: كما ~~لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون ا. ه، وعن ~~الحسن: أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو فقال: هذا تمن، وإنما ~~الرجاء قوله تعالى وتلا هذه الآية. {إنما يتذكر} أي: يتعظ {أولو الألباب} ~~أي: أصحاب العقول الصافية والقلوب النيرة وهم الموصوفون في آخر سورة آل ~~عمران بقوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} (آل ~~عمران: 191) # إلى آخرها. # ولما نفى الله تعالى المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يخاطب المؤمنين فقال سبحانه: # {قل} أي: لهم {يا عبادي الذين آمنوا} أي: أوجدوا هذه الحقيقة {اتقوا ~~ربكم} أي: بطاعته واجتناب معاصيه ثم بين تعالى لهم ما في هذا الاتقاء من ~~الفوائد بقوله تعالى: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا} أي: بالطاعة {حسنة} أي: ~~في الآخرة وهي الجنة والتنكير في حسنة للتعظيم أي: حسنة لا يصل العقل إلى ~~كنه كمالها، فقوله تعالى: {في هذه الدنيا} متعلق: بأحسنوا وقيل: متعلق ~~{بحسنة} وعلى هذا قال السدي: معناه في هذه الدنيا حسنة يعني الصحة ~~والعافية. قال الرازي: الأولى أن يحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى ~~الله عليه وسلم «ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية» ا. ه ورد بأنه ~~يتعين حمله على حسنة الآخرة لأن ذلك حاصل للكفار # PageV03P436 # أكثر من حصوله للمؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم «الدنيا سجن المؤمن ~~وجنة الكافر» . # واختلف في معنى قوله تعالى: {وأرض الله} أي: الذي له الملك كله والعظمة ~~الشاملة {واسعة} فقال ابن عباس: يعني ارتحلوا من مكة وفيه حث على ms2928 الهجرة من ~~البلد الذي تظهر فيه المعاصي ونظيره قوله تعالى: {قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} (النساء: ~~57) # وقيل: نزلت في مهاجري الحبشة. وقال سعيد بن جبير: من أمر بالمعاصي ~~فليهرب، وقال أبو مسلم: لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة كما ~~قال تعالى: {جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} (آل عمران: 133) # {إنما يوفى} أي: التوفية العظيمة {الصابرون أجرهم} أي: على الطاعات وما ~~يبتلون به، وقيل: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حيث لم يتركوا دينهم ~~لما اشتد بهم البلاء وصبروا وهاجروا ومعنى {بغير حساب} أي: بغير نهاية بكيل ~~أو وزن لأن كل شيء داخل تحت الحساب فهو متناه، فما لا نهاية له كان خارجا ~~عن الحساب. وعن ابن عباس: لا يهتدي إليه حساب الحساب ولا يعرف. وقال علي ~~كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه: كل مطيع يكال له كيلا أو يوزن له وزنا ~~إلا الصابرين فإنه يحثى لهم حثيا. وروى الشعبي لكن بسند ضعيف عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم «أن الموازين تنصب يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج ~~فيوفون أجورهم ولا ينصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صبا حتى يتمنى أهل ~~العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من ~~الفضل» . # ولما كان للعبادة ركنان: عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل ~~الجوارح فقدمه سبحانه بقوله تعالى: # {قل} أي: يا أشرف المرسلين {إني أمرت} قرأ نافع بفتح الياء والباقون ~~بسكونها {أن أعبد الله مخلصا له الدين} أي: مخلصا له التوحيد لا أشرك به ~~شيئا ثم ذكر عقبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام المذكور في قوله: # {وأمرت لأن} أي: لأجل أن أو بأن {أكون أول المسلمين} أي: من هذه الأمة ~~وبهذا زال التكرار. # وقال الزمخشري: فإن قلت كيف عطف أمرت على أمرت وهما واحد؟ قلت: ليسا ~~بواحد لاختلاف جهتيهما، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء والأمر به ~~ليحرز ms2929 القائم به قصب السبق في الدين شيء آخر، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ~~ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين. # ولما دعا المشركون النبي صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه أمره الله ~~تعالى بقوله سبحانه: # {قل إني أخاف إن عصيت ربي} أي: المحسن إلي المربي لي بكل جميل وعبدت غيره ~~{عذاب يوم عظيم} والمقصود من هذا الأمر المبالغة في زجر الغير عن المعاصي، ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو أني بفتح الياء والباقون بسكونها. # {قل الله} أي: المحيط بصفات الكمال وحده {أعبد مخلصا له} وحده {ديني} من ~~الشرك. # قال الرازي: فإن قيل: ما معنى التكرير في قوله تعالى {قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين} وقوله تعالى: # {قل الله أعبد مخلصا له ديني} قلنا: ليس هذا بتكرير لأن الأول إخبار بأنه ~~مأمور من جهة الله تعالى بالإيمان بالعبادة، والثاني: إخبار بأنه أمر أن لا ~~يعبد أحدا غير الله تعالى، وذلك أن قوله {أمرت أن أعبد الله} لا يفيد الحصر ~~وقوله تعالى: {قل الله أعبد} يفيد الحصر أي: الله أعبد ولا أعبد أحدا سواه. # PageV03P437 # ويدل عليه أنه لما قال {قل الله أعبد} قال بعده: # {فاعبدوا} أي: أنتم أيها الداعون في وقت الضراء المعرضون في وقت الرخاء ~~{ما شئتم من دونه} أي: غيره في هذا تهديد وزجر لهم وإيذان بأنهم لا يعبدون ~~الله تعالى، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله سبحانه {قل إن الخاسرين} أي: ~~الكاملين في الخسران {الذين خسروا أنفسهم} أي: أوقعوها في هلاك لا يعقل ~~هلاك أعظم منه {و} خسروا {أهليهم يوم القيامة} أيضا لأنهم إن كانوا من أهل ~~النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا ذهابا ~~لا رجوع بعده البتة. وقوله تعالى {ألا ذلك} أي: الأمر العظيم البعيد الرتبة ~~في الخسارة {هو الخسران المبين} أي: البين يدل على غاية المبالغة من وجوه؛ ~~أحدها: أنه وصفهم بالخسران ثم أعاد ذلك بقوله تعالى: {ألا ذلك هو الخسران ~~المبين} وهذا التكرير لأجل التأكيد، وثانيها: ذكر ms2930 حرف ألا وهو للتنبيه، ~~وذكر التنبيه يدل على التعظيم، كأنه قال: بلغ في العظم إلى حيث لا تصل ~~عقولكم إليه فتنبهوا له، وثالثها: قوله تعالى {هو الخسران} ولفظة هو تفيد ~~الحصر كأنه قيل: كل خسران يصير في مقابلته كل خسران، ورابعها: وصفه تعالى ~~بكونه خسرانا مبينا يدل على التهويل. # ولما شرح الله تعالى خسرانهم وصف ذلك الخسران بقوله تعالى: # {لهم من فوقهم ظلل} أي: طباق {من النار ومن تحتهم ظلل} أي: فرش ومهاد ~~نظيره قوله تعالى: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} (الأعراف: 41) ، فإن ~~قيل: الظلة ما علا الإنسان فكيف سمى ما تحته ظلة؟ أجيب بأوجه: أحدها: أنه ~~من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} (الشورى: 40) ، ثانيها: أن الذي تحته يكون ظلة لغيره لأن النار ~~دركات كما أن الجنة درجات، ثالثها: أن الظلة التحتانية لما كانت مشابهة ~~للظلة الفوقانية في الحرارة والإحراق والإيذاء أطلق اسم إحداهما على الأخرى ~~لأجل المماثلة والمشابهة وقيل المراد: إحاطة النار بهم من جميع الجهات. # {ذلك} أي: العذاب المعد للكفار {يخوف الله به عباده} أي: المؤمنين ~~ليتجنبوا ما يوقعهم فيه، وقيل: يخوف به الكفار والضلال ويدل للأول قوله ~~تعالى: {يا عباد فاتقون} أي: ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي وهذه عظة من الله ~~تعالى ونصيحة بالغة، ووجه الدلالة أن إضافة العبيد إلى الله تعالى في ~~القرآن مختص بأهل الإيمان. # {والذين اجتنبوا الطاغوت} أي: البالغ غاية الطغيان والطاغوت فعلوت من ~~الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيه قلبا بتقديم اللام على العين إذ أصله ~~طغيوت قدمت الياء على الغين ثم قلبت الفاء لتحركها وانفتاح ما قبلها، أطلقت ~~على الشيطان أو الشياطين لكونها مصدرا وفيها مبالغات وهي التسمية بالمصدر ~~كأن عين الشيطان طغيان وإن البناء بناء مبالغة، فإن الرحموت الرحمة ~~الواسعة، والملكوت الملك المبسوط، والقلب وهو للاختصاص قال في الكشاف: إذ ~~لا تطلق على غير الشيطان والمراد بها هنا: الجمع انتهى. # لكن ابن الخازن فسر الطاغوت بالأوثان وتبعه الجلال المحلي. # فإن قيل: ms2931 يتعين هذا التفسير لأنهم إنما عبدوا الصنم لا الشيطان. أجيب: ~~بأن الداعي إلى عبادة الصنم هو الشيطان فلما كان هو الداعي كانت عبادة ~~الصنم عبادة له. # فإن قيل: ما وجه تسمية الصنم بالطاغوت على التفسير # PageV03P438 # الثاني مع أنه لا يطلق إلا على الشيطان كما مر؟ أجيب: بأنه أطلق عليه على ~~سبيل المجاز لأن الطغيان لما حصل بسبب عبادته والتقرب إليه وصفه بذلك ~~إطلاقا لاسم السبب على المسبب بحسب الظاهر. وقوله تعالى: {أن يعبدوها} بدل ~~اشتمال من الطاغوت لأن الطاغوت مؤنث كأنه قيل: اجتنبوا عبادة الطاغوت. فإن ~~قيل: على التفسير الأول إنما عبدوا الصنم لا الشيطان؟ أجيب: بأنه الداعي ~~إلى عبادة الصنم. # فائدة: نقل في التواريخ أن الأصل في عبادة الأصنام أن القوم مشبهة ~~واعتقدوا في الإله أنه نور عظيم وأن الملائكة أنوار مختلفة في الصغر والكبر ~~فوضعوا تماثيل صور على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على ~~اعتقادهم أنهم يعبدون الله والملائكة. # {وأنابوا} أي: رجعوا {إلى الله} أي: إلى عبادة الله بكليتهم وتركوا ما ~~كانوا عليه من عبادة غيره ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء أحدها قوله تعالى: ~~{لهم البشرى} أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: فالثناء عليهم بصالح ~~أعمالهم وعند نزول الموت وعند الوضع في القبر، وأما في الآخرة: فعند الخروج ~~من القبور وعند الوقوف للحساب وعند جواز الصراط وعند دخول الجنة ففي كل ~~موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة بنوع من الخير والراحة والروح ~~والريحان. # تنبيه: يحتمل أن يكون المبشر لهم هم الملائكة عليهم السلام لأنهم ~~يبشرونهم عند الموت لقوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون ~~سلام عليكم} (النحل: 32) # وعند دخول الجنة لقوله تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} (الرعد: 23 24) # ويحتمل أن يكون هو الله تعالى لقوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} ~~(الأحزاب: 44) # ولا مانع أن يكون من الله تعالى ومن الملائكة عليهم السلام فإن فضل الله ~~سبحانه واسع وقوله تعالى: {فبشر عباد} قرأه السوسي بياء ms2932 بعد الدال مفتوحة ~~في الوصل ساكنة في الوقف والباقون بغير ياء. # {الذين يستمعون} أي: بجميع قلوبهم {القول فيتبعون} أي: بكل عزائمهم بعد ~~انتقاده {أحسنه} أي: بما دلتهم عليه عقولهم من غير عدول إلى أدنى. # تنبيه: في هذا وضع الظاهر موضع مضمر {الذين اجتنبوا} للدلالة على مبدإ ~~إحسانهم وأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل، ~~فإذا اعترضهم أمران واجب وندب اختاروا الواجب أو مباح وندب اختاروا الندب ~~حرصا على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثوابا، ويدخل تحت ذلك أبواب التكاليف ~~وهي قسمان: عبادات ومعاملات، فأما العبادات فكقولنا: الصلاة التي يذكر في ~~تحريمها الله أكبر مع اقتران النية ويقرأ فيها بالفاتحة ويؤتى فيها ~~بالطمأنينة في مواضعها الخمسة ويتشهد فيها ويخرج منها بالسلام، لا شك أنها ~~أحسن من الصلاة التي لا يراعى فيها شيء من هذه الأحوال. قال الرازي: فوجب ~~على العاقل أن يختار هذه الصلاة دون غيرها ا. ه وكذا القول في جميع أبواب ~~العبادات. قال في الكشاف: ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك ~~وأقواها على السبر وأبينها دليلا أو أمارة ولا تكن في مذهبك كما قال ~~القائل: # *ولا تكن مثل غير قيد فانقادا* # يريد: المقلد ا. ه، وأما المعاملات فكإنظار المعسر وإبرائه فالإبراء أولى ~~وإن كان الأول واجبا، والثاني: مندوبا وكذا القول في جميع المعاملات. # PageV03P439 # وقيل: يسمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن وقيل: يسمعون أوامر الله تعالى ~~فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو قال تعالى: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} ~~(البقرة: 237) # وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوىء ~~فيحدث بأحسن ما يسمعه ويكف عما سواه. وروي عن ابن عباس آمن أبو بكر بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم فجاءه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن ~~أبي وقاص وسعيد بن زيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فنزل فيهم {فبشر ~~عبادي} الآية. # {أولئك} أي: العالو الهمة والرتبة {الذين هداهم الله} بما له من صفات ~~الكمال لدينه {وأولئك أولو الألباب} أي: أصحاب العقول السليمة عن ms2933 منازعة ~~الوهم والعادة، وقال أبو زيد: نزل {والذين اجتنبوا الطاغوت} (الزمر: 17) # الآيتين في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله زيد بن ~~عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي والأحسن لا إله إلا الله. # وفي هذه الآية لطيفة وهي: أن حصول الهداية في العقل والروح حادث فلا بد ~~من فاعل وقابل، فأما الفاعل: فهو الله تعالى وهو المراد من قوله تعالى: ~~{أولئك الذين هداهم الله} وأما القابل فإليه الإشارة بقوله تعالى: {وأولئك ~~هم أولو الألباب} فإن الإنسان ما لم يكن عاقلا كامل الفهم امتنع حصول هذه ~~المعارف الحقيقية في قلبه. # واختلف في معنى قوله تعالى: # {أفمن حق} وأسقط تاء التأنيث الدالة على اللين تأكيدا للنهي عن الأسف ~~عليهم {عليه كلمة العذاب} فقال ابن عباس معنى الآية من سبق في علم الله أنه ~~في النار، وقيل: كلمة العذاب قوله تعالى: {لأملأن جهنم} (الأعراف: 18) # الآية وقيل: قوله تعالى: «هؤلاء للنار ولا أبالي» وقوله تعالى {أفأنت ~~تنقذ} أي: تخرج {من في النار} جواب الشرط وأقيم فيه الظاهر مقام الضمير إذ ~~كان الأصل أفأنت تنقذه، وإنما وقع موقعه شهادة عليه بذلك، والهمزة للإنكار ~~والمعنى: لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار وقال ابن عباس: يريد أبا لهب ~~وولده ويجوز أن تكون من موصولة في محل رفع بالابتداء وخبره محذوف. واختلف ~~في تقديره فقدره أبو البقاء كمن نجا وقدره الزمخشري فأنت تخلصه أي: حذف ~~لدلالة أفأنت تنقذ عليه وقدره غيرهما تتأسف عليه وقدره آخر يتخلص منه أي: ~~من العذاب. # وقوله تعالى: # {لكن الذين اتقوا ربهم} استدراك بين شبهي نقيضين أو ضدين وهما المؤمنون ~~والكافرون أي: جعلوا بينهم وبين المحسن إليهم وقاية في كل حركة وسكون فلم ~~يجعلوا شيئا من ذلك إلا بنظر يدلهم على رضاه وقوله تعالى: {لهم غرف} أي: ~~علالي من الجنة يسكنونها {من فوقها غرف} شديدة العلو مقابل لما ذكر في وصف ~~الكفار لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل والمعنى لهم منازل في ~~الجنة رفيعة ومن فوقها منازل ms2934 أرفع منها. # فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {مبنية} ؟ أجيب: بأن المنزل إذا بني على ~~منزل آخر كان الفوقاني أضعف بناء من التحتاني فقوله تعالى: {مبنية} فائدته ~~أنه وإن كان فوق غيره لكنه في القوة والشدة مساو للمنزل الأسفل. # ولما كانت المنازل لا تطيب إلا بالماء وكان الجاري أحسن أشرف قال تعالى ~~{تجري من تحتها} أي: من تلك الغرف الفوقانية والتحتانية {الأنهار} أي: ~~المختلفة كما قال تعالى: {فيها أنهار من ماء # PageV03P440 # غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار ~~من عسل مصفى} (محمد: 15) # وقوله تعالى: {وعد الله} مصدر مؤكد لمضمون الجملة فهو منصوب بفعله المقدر ~~لأن قوله تعالى: {غرف} في معنى وعدهم الله ذلك {لا يخلف الله الميعاد} لأن ~~الخلف نقص وهو على الله سبحانه محال، وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون ~~الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: ~~يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: بلى والذي نفسي بيده ~~رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» وقوله: الغابر أي: الباقي في الأفق في ~~ناحية المشرق والمغرب. # ولما وصف الله تعالى الآخرة بوصف يوجب الرغبة العظيمة فيها وصف الدنيا ~~بصفات توجب اشتداد النفرة عنها بقوله تعالى: # {ألم تر} أي: تعلم {أن الله} أي: الذي له كمال القدرة {أنزل من السماء} ~~أي: التي لا يستمسك الماء فيها إلا بقدرة باهرة تقهر الماء على ذلك، ~~والمراد بالسماء: الجرم أو السحاب {ماء} وهو المطر، قال الشعبي: كل ماء في ~~الأرض فمن السماء نزل ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه {فسلكه} ~~أي: أدخل ذلك الماء خلال التراب حال كونه {ينابيع في الأرض} أي: عيونا ~~ومجاري ومسالك كالعروق في الأجسام {ثم يخرج} الله تعالى {به} أي: بالماء ~~{زرعا مختلفا ألوانه} من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك ومختلفا أصنافه ~~من بر وشعير وسمسم وغيرها {ثم ms2935 يهيج} أي: ييبس {فتراه} بعد الخضرة مثلا ~~{مصفرا} من يبسه لأنه إذا تم جفافه حان له أن يفصل عن منابته {ثم يجعله ~~حطاما} أي: فتاتا {إن في ذلك} أي: التدبير على هذا الوجه {لذكرى} أي: ~~تذكيرا وتنبيها {لأولي الألباب} أي: أصحاب العقول الصافية جدا فيتذكرون هذه ~~الأحوال في النبات فيعلمون بدلالته على وحدانية الله تعالى شأنه وقدرته ~~وأحوال الحيوان والإنسان، وإنه وإن طال عمره فلابد من الانتهاء إلى أن يصير ~~مصفر اللون منحطم الأعضاء والأجزاء ثم تكون عاقبته الموت، فإذا كانت مشاهدة ~~هذه الأحوال في النبات مذكرة حصول مثل هذه الأحوال في نفسه في حياته فحينئذ ~~تعظم نفرته عن الدنيا ولذاتها. # ولما بين تعالى الدلائل على وجوب الإقبال على طاعة الله تعالى ووجوب ~~الإعراض عن الدنيا ولذاتها ذكر أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا ~~شرح الصدور ونور القلوب فقال سبحانه: # {أفمن شرح الله} أي: الذي له القدرة الكاملة {صدره للإسلام} أي: وسعه ~~لقبول الحق فاهتدى {فهو} أي: بسبب ذلك {على نور من ربه} أي: المحسن إليه ~~كمن أقسى الله تعالى قلبه دل على هذا {فويل} كلمة عذاب {للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله} قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما ~~غضب الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة، وأما نور الله تعالى فهو ~~لطفه. روي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقيل: يا رسول ~~الله فما علامة انشراح الصدر للإسلام قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي ~~عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت» . # فإن قيل: إن ذكر الله تعالى سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان # PageV03P441 # قال تعالى {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد: 28) # فكيف جعله في هذه الآية سببا لحصول القسوة في القلب؟ أجيب: بأن النفس إذا ~~كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر، بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل ~~إلى الطباع البهيمية والأخلاق الذميمة فإن سماعها لذكر الله تعالى يزيدها ~~قسوة وكدرة، مثاله أن الفاعل الواحد تختلف أمثاله ms2936 بحسب اختلاف القوابل كنور ~~الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، ~~وقد نرى إنسانا واحدا يذكر كلاما واحدا في مجلس واحد فيستطيبه واحد ~~ويستكرهه غيره وما ذاك إلا بحسب اختلاف جواهر النفوس، ولما نزل قوله تعالى: ~~{ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} (المؤمنون: 12) # الآية وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حاضر وإنسان آخر فلما انتهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: {ثم أنشأناه خلقا آخر} ~~(المؤمنون: 14) # قال كل واحد منهما {تبارك الله أحسن الخالقين} (المؤمنون: 14) # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اكتب فكذا نزلت» فازداد عمر رضي الله ~~عنه إيمانا على إيمانه وارتد ذلك الإنسان. وإذا عرف ذلك لم يبعد أن يكون ~~ذكر الله تعالى يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة ~~الروحانية ويوجب القنوط والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة، وقيل: من بمعنى ~~عن أي: قست قلوبهم عن قبول ذكر الله وجرى على ذلك الجلال المحلي {أولئك} ~~أي: هؤلاء البعداء {في ضلال مبين} أي: بين قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر ~~رضي الله عنه وفي أبي بن خلف، وقيل: في علي وحمزة وأبي لهب وولده وقيل: في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. # {الله} الفعال لما يريد الذي له مجامع العظمة والإحاطة بصفات الكمال ~~{نزل} أي: بالتدريج للتدريب وللجواب عن كل شبهة {أحسن الحديث} أي: القرآن ~~روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا: حدثنا فنزلت ~~وكونه أحسن الحديث لوجهين؛ أحدهما: من جهة اللفظ، والآخر: من جهة المعنى، ~~أما الأول: فلأن القرآن أفصح الكلام وأبلغه وأجزله وليس هو من جنس الشعر ~~ولا من جنس الخطب ولا من جنس الرسائل بل هو نوع يخالف الكل في أسلوبه مع أن ~~كل طبع سليم يستلذه ويستطيبه، وأما من جهة المعنى: فهو منزه عن التناقض ~~والاختلاف قال جل ثناؤه: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} (النساء: 82) # ومشتمل على أخبار الماضين ms2937 وقصص الأولين وعلى أخبار الغيوب الكثيرة في ~~الماضي والمستقبل وعلى الوعد والوعيد والجنة والنار، وفي إيقاع لفظ الجلالة ~~مبتدأ وبناء نزل عليه تفخيم لأحسن الحديث واستشهاد على حسنه وتأكيده ~~لاستناده إلى الله تعالى وأنه من عنده وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه ~~وتنبيه على أنه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث. # وقوله تعالى: {كتابا} أي: جامعا لكل خير بدل من أحسن الحديث، وقيل: حال ~~منه بناء على أن أحسن الحديث معرفة لإضافته إلى معرفة، وأفعل التفضيل إذا ~~أضيف إلى معرفة فيه خلاف فقيل: إضافته محضة وقيل: غير محضة والصحيح الأول ~~وقوله تعالى: {متشابها} نعت لكتابا وهو المسوغ لمجيء الجامد حالا أو أنه في ~~قوة مكتوب وتشابهه بتشابه أبعاضه في الإعجاز والبلاغة والموعظة الحسنة لا ~~تفاوت فيه أصلا في لفظ ولا معنى مع كونه نزل مفرقا # PageV03P442 # في نيف وعشرين سنة، وأما كلام الناس فلا بد فيه من التفاوت وإن طال ~~الزمان في التهذيب سواء اتحد زمانه أم لا. # وقوله تعالى: {مثاني} جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه ~~وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده مواعظه أو جمع مثنى مفعل من التثنية ~~بمعنى التكرير والإعادة، وقيل: لأنه يثنى في التلاوة فلا يمل كما جاء في ~~وصفه لا يخلق على كثرة الترداد. # فإن قيل: كيف وصف كتابا وهو مفرد بالجمع؟ أجيب: بأن الكتاب جملة ذات ~~تفاصيل وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ألا ترى أنك تقول: القرآن أسباع ~~وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات ونظيره قولك ~~الإنسان عظام وعروق وأعصاب إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة وأصله كتابا ~~متشابها فصولا مثاني، ويجوز أن يكون مثاني منتصبا على التمييز من متشابها ~~كما تقول: رأيت رجلا حسنا شمائل. # فإن قيل: ما فائدة التثنية والتكرير؟ أجيب: بأن النفوس أنفر شيء عن حديث ~~الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عودا على بدء لم يرسخ فيها ولم يعمل ~~عمله ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ms2938 ما كان ~~يعظهم به وينصح ثلاث مرات وسبعا ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم {تقشعر} ~~أي: تضطرب وتشمئز {منه} عند ذكر وعيده {جلود} أي: ظواهر أجسام {الذين ~~يخشون} أي: يخافون {ربهم} والمعنى تأخذهم قشعريرة وهو تغير يحدث في جلد ~~الإنسان عند ذكر آيات العذاب {ثم تلين} أي: تطمئن {جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله} أي: عند ذكر وعده، والمعنى إذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم ~~كما قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد: 28) # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا اقشعر جلد العبد من ~~خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها» وفي ~~رواية: «حرمه الله على النار» قال قتادة: هذا نعت أولياء الله تعالى نعتهم ~~الله تعالى بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ولم ينعتهم بذهاب ~~عقولهم والغشيان عليهم وإنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان. # وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر رضي ~~الله تعالى عنهما: كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا ~~قرئ عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر ~~جلودهم، قال: قلت لها: إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا ~~عليه، قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وروي أن ابن عمر رضي الله تعالى ~~عنهما مر برجل من أهل العراق ساقط فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: إنه إذا قرئ ~~عليه القرآن أو سمع ذكر الله تعالى سقط فقال: إنا لنخشى الله تعالى وما ~~نسقط. وقال ابن عمر: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ ~~عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه ~~ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق. # فإن قيل: لم ذكرت الجلود وحدها أولا في جانب ms2939 الخوف ثم قرنت بها القلوب ~~ثانيا في الرجاء؟ أجيب: بأن الخشية التي محلها القلوب إذا ذكرت فقد ذكرت ~~القلوب # PageV03P443 # فكأنه قيل: تقشعر جلودهم من آيات الوعيد وتخشى قلوبهم في أول وهلة وإذا ~~ذكر الله تعالى ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في ~~قلوبهم وبالقشعريرة لينا في جلودهم. # فإن قيل: ما وجه تعدية تلين بإلى؟ أجيب: بأنه ضمن معنى فعل متعد بإلى ~~كأنه قيل: سكنت أو اطمأنت إلى ذكر الله تعالى. # فإن قيل: كيف قال الله تعالى: {إلى ذكر الله} ولم يقل إلى رحمة الله؟ ~~أجيب: بأن من أحب الله تعالى لأجل رحمته فهو ما أحب الله تعالى وإنما أحب ~~شيئا غيره وأما من أحب الله تعالى لا لشيء سواه فهو المحب الحق وهي الدرجة ~~العالية كما قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} {ذلك} أي: القرآن ~~الذي هو أحسن الحديث {هدى الله} الذي له صفات الكمال {يهدي به من يشاء} أي: ~~وهو الذي شرح الله تعالى صدره أولا لقبول الهداية {ومن يضلل الله} أي: يجعل ~~قلبه قاسيا مظلما {فما له من هاد} أي: يهديه. وقرأ ابن كثير في الوقف ~~بإثبات الياء بعد الدال، والباقون بغير الياء واتفقوا في الوصل على عدم ~~الياء. # ولما حكم تعالى على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وهو الضلال التام حكم ~~عليهم في الآخرة بحكم آخر وهو العذاب الشديد فقال: # {أفمن يتقي بوجهه سوء} أي: شدة {العذاب} أي: يجعله وقاية يقي بها نفسه ~~لأنه تكون يداه مغلولتين إلى عنقه {يوم القيامة} فلا يقدر أن يتقي إلا ~~بوجهه، وقال مجاهد: يجر على وجهه في النار. وقال عطاء: يرمى به في النار ~~منكوسا فأول شيء يلقى في النار وجهه. وقيل: يلقى في النار مغلولة يداه إلى ~~عنقه وفي عنقه صخرة عظيمة من كبريت مثل الجبل العظيم فتشتعل النار في تلك ~~الصخرة وهي في عنقه، فحرها ووهجها لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في يديه ~~وعنقه. وقيل المراد بالوجه الجملة، وقيل: نزلت في أبي جهل ومعنى الآية: ms2940 ~~أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن أمن من العذاب بدخول الجنة فحذف الخبر كما ~~حذف في نظائره، {وقيل} أي: تقول الخزنة {للظالمين} أي: الكافرين، وكان ~~الأصل لهم فوضع الظاهر موضعه تسجيلا عليهم بالظلم {ذوقوا ما} أي: وبال الذي ~~{كنتم تكسبون} أي: تعملون في الدنيا من المعاصي. # ولما بين تعالى كيفية عقاب القاسية قلوبهم في الآخرة وبين كيفية وقوعهم ~~في العذاب قال تعالى: # {كذب الذين} وأشار إلى قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال ~~تعالى: {من قبلهم} أي: من قبل كفار مكة أي: مثل سبأ وقوم تبع كذبوا رسلهم ~~في إتيان العذاب {فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: من جهة لا يخطر ~~ببالهم أن الشر يأتيهم منها. # {فأذاقهم الله} أي: الذي له القدرة الكاملة {الخزي} أي: الذل والهوان من ~~المسخ والقتل وغيرهما {في الحياة الدنيا} أي: العاجلة الدنيئة {ولعذاب ~~الآخرة} أي: المعد لهم {أكبر} أي: من ذلك الذي وقع بهم في الدنيا {لو ~~كانوا} أي: المكذبون {يعلمون} أي: عذابها ما كذبوا ولكن لا علم لهم أصلا إن ~~هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا.Y # ولما ذكر تعالى هذه الفوائد الكثيرة في هذه المطالب بين أن هذه البينات ~~بلغت حد الكمال والتمام فقال تعالى: # {ولقد ضربنا} أي: جعلنا {للناس} أي: عامة لأن رسالته صلى الله عليه وسلم ~~عامة {في هذا القرآن} أي: الجامع لكل علم وكل خير # PageV03P444 # {من كل مثل} أي: يحتاج إليه الناظر في أمر دينه {لعلهم يتذكرون} أي: ~~يتعظون به وقرأ نافع وقالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الضاد ~~والباقون بالإدغام. وقوله تعالى: # {قرآنا عربيا} فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يكون منصوبا على المدح لأنه لما ~~كان نكرة امتنع إتباعه للقرآن، ثانيها: أن ينتصب بيتذكرون أي: يتذكرون ~~قرآنا، ثالثها: أن ينتصب على الحال من القرآن على أنها حال مؤكدة وتسمى ~~حالا موطئة لأن الحال في الحقيقة عربيا وقرآنا توطئة له نحو جاء زيد رجلا ~~صالحا {غير ذي عوج} أي: مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف نعت لقرآنا أو ms2941 ~~حال أخرى. # فإن قيل: هلا قيل: مستقيما أو غير معوج؟ أجيب: بأن في ذلك فائدتين ~~إحداهما: نفي أن يكون فيه عوج قط كما قال تعالى: {ولم يجعل له عوجا} ~~(الكهف: 1) # ثانيتهما: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان، وقيل: المراد بالعوج ~~الشك واللبس قال القائل: # *وقد أتاك يقين غير ذي عوج ... من الإله وقول غير مكذوب* # {لعلهم يتقون} أي: الكفر. # تنبيه: وصف تعالى القرآن بثلاث صفات؛ أولها: كونه قرآنا والمراد كونه ~~متلوا في المحاريب إلى قرب قيام الساعة، ثانيها: كونه عربيا أي: أنه أعجز ~~الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} (الإسراء: 88) # ثالثها: كونه غير ذي عوج، قال مجاهد: غير ذي لبس وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: غير مختلف، وقال السدي: غير مخلوق، ويروى ذلك عن مالك بن أنس، وحكى ~~شقيق وابن عيينة عن سبعين من التابعين: أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق. # ولما شرح الله تعالى وعيد الكفار مثل لما يدل على فساد مذهبهم وقبيح ~~طريقتهم بقوله تعالى: # {ضرب الله} أي: الذي له الملك كله {مثلا} أي: للمشركين والموحدين وقوله ~~تعالى: {رجلا} بدل من مثلا وقوله تعالى: {فيه شركاء} يجوز أن تكون الجملة ~~من مبتدأ وخبر في محل نصب صفة ل {رجلا} ويجوز أن يكون الوصف الجار وحده ~~وشركاء فاعل به قال ابن عادل: وهو أولى لقربه من المفرد وقوله تعالى: ~~{متشاكسون} صفة لشركاء والتشاكس التخالف وأصله سوء الخلق وعسره وهو سبب ~~التخالف أي: متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم يقال: رجل شكس وشرس إذا كان سيء ~~الخلق مخالفا للناس لا يرضى بالإنصاف {ورجلا سلما} أي: خالصا من نزاع ~~{لرجل} أي: خالصا له لا شريك له فيه. ولا منازع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بألف بعد السين وكسر اللام بعدها، والباقون بغير ألف وفتح اللام وهو الذي ~~لا ينازع فيه من قولهم: هو لك سلم أي: مسلم لا منازع لك فيه. # وقوله تعالى: {هل يستويان} استفهام ms2942 إنكار أي: لا يستويان وقوله تعالى: ~~{مثلا} تمييز والمعنى اضرب لقومك مثلا وقل لهم: ما تقولون في رجل مملوك ~~لشركاء بينهم اختلاف وتنازع وكل واحد يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه حوائجهم ~~وهو متحير في أمره، وكلما أرضى أحدهم غضب الباقون وإذا احتاج إليهم فكل ~~واحد يرده إلى الآخر فبقي متحيرا لا يعرف أيهم أولى أن يطلب رضاه وأيهم ~~يعينه في حاجاته فهو بهذا السبب في عذاب أليم. وآخر له مخدوم واحد يخدمه ~~على سبيل الإخلاص وذلك المخدوم يعينه على مهماته فأي هذين العبدين # PageV03P445 # أحسن حالا، لا شك أن هذا أقرب إلى الصلاح من حال الأول، فإن الأول: مثل ~~المشرك والثاني: مثل الموحد، وهذا المثال في غاية الحسن في تقبيح المشرك ~~وتحسين الموحد. # فإن قيل: هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام لأنها جمادات فليس بينها ~~منازعة ولا تشاكس؟ أجيب: بأن عبدة الأصنام يختلفون، منهم من يقول: هذه ~~الأصنام تماثيل الكواكب السبعة فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة ~~وهم يثبتون بينها منازعة ومشاكسة ألا ترى أنهم يقولون: زحل هو النحس الأعظم ~~والمشتري هو: السعد الأعظم، ومنهم من يقول: هذه الأصنام تماثيل الأرواح ~~الفلكية والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم ~~يتعلق بروح من الأرواح السماوية، وحينئذ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ~~ومشاكسة فيكون المثال مطابقا، ومنهم من يقول: هذه الأصنام تماثيل لأشخاص من ~~العلماء والزهاد مضوا فهم يعبدون هذه التماثيل ليصير أولئك الأشخاص من ~~العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله تعالى، والقائلون بهذا القول تزعم كل ~~طائفة منهم أن المحق هو ذلك الرجل الذي هم على دينه وأن من سواه مبطل، وعلى ~~هذا التقدير أيضا ينطبق المثال. # ولما بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد وثبت أنه لا إله إلا هو الواحد ~~الأحد الحق قال الله تعالى: {الحمد} أي: الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي: ~~كل الحمد لله الذي لا مكافئ له فلا يشاركه فيه على الحقيقة سواه لأنه ~~المنعم بالذات والمالك على الإطلاق {بل أكثرهم} أي: أهل ms2943 مكة {لا يعلمون} ~~أي: ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون به غيره من فرط جهلهم وقول البغوي ~~والمراد بالأكثر الكل ليس بظاهر. # ولما كان كفار مكة يتربصون موت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الله ~~تعالى بأن الموت يجمعهم جميعا بقوله تعالى: # {إنك ميت} أي: ستموت وخصه الله تعالى بالخطاب لأن الخطاب إذا كان للرأس ~~كان أصدع لأتباعه فكل موضع كان للأتباع، وخص فيه صلى الله عليه وسلم ~~بالخطاب دونهم فهم المخاطبون في الحقيقة على وجه أبلغ {وإنهم ميتون} أي: ~~سيموتون فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني. # فائدة: قال الفراء: الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت، والميت: بالتخفيف ~~من فارقته الروح ولذلك لم يخفف هنا. وقوله تعالى: # {ثم إنكم} فيه تغليب المخاطب على الغائب {يوم القيامة عند ربكم} أي: ~~المربي لكم بالخلق والرزق {تختصمون} فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت وكذبوا ~~واجتهدت في الإرشاد والتبليغ فلجوا في التكذيب والعناد ويعتذرون بالأباطيل ~~يقول الأتباع أطعنا سادتنا وكبراءنا وتقول السادات أغوتنا آباؤنا الأقدمون ~~والشياطين، ويجوز أن يكون المراد به الاختصام العام وجرى عليه الجلال ~~المحلي وهو أولى وإن رجح الأول الكشاف، لما روي عن عبد الله بن الزبير رضي ~~الله تعالى عنهما قال: «لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله أتكون علينا ~~الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا قال: نعم فقال: إن الأمر إذا لشديد» ~~وقال ابن عمر: عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل ~~الكتابين، قلنا: كيف نختصم وديننا واحد وكتابنا واحد حتى رأينا بعضنا يضرب ~~وجوه بعض بالسيف فعرفنا أنها فينا نزلت. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~في هذه الآية قال: كنا نقول: ربنا # PageV03P446 # واحد وديننا واحد وكتابنا واحد فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد ~~بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: هو هذا. وعن إبراهيم النخعي قال: لما نزلت ~~قالت الصحابة كيف نختصم ونحن إخوان فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه ~~خصومتنا. وعن أبي العالية: نزلت في ms2944 أهل القبلة. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كانت لأخيه ~~عنده مظلمة من عرض أو مال فليستحله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا ~~درهم فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له أخذ من ~~سيئاته فجعلت عليه» . وعن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: ~~إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد كان شتم هذا ~~وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيقضي هذا من حسناته وهذا من ~~حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم ~~طرح في النار» . # ثم إنه تعالى بين نوعا آخر من قبائح أفعالهم بقوله تعالى: # {فمن} أي: لا أحد {أظلم} أي: منهم هكذا كان الأصل، ولكن قال تعالى: {ممن ~~كذب} تعميما {على الله} أي: الذي الكبرياء رداؤه والعظمة إزاره بنسبة الولد ~~والشريك إليه {وكذب} أي: أوقع التكذيب لكل من أخبره {بالصدق} أي: بالأمر ~~الذي هو الصدق بعينه وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {إذ جاءه} أي: ~~فاجأه بالتكذيب لما سمع من غير وقفة ولا إعمال روية بتمييز بين حق وباطل ~~كما يفعل أهل النصفة فيما يستمعون، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم ~~بإظهار الذال عند الجيم والباقون بالإدغام، ثم أردف ذلك بالوعيد فقال: ~~{أليس في جهنم} أي: النار التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى ~~الحق وأهله {مثوى} أي: مأوى {للكافرين} أي: لهؤلاء الذين كذبوا على الله ~~وكذبوا بالصدق، واللام في للكافرين إشارة إليهم والاستفهام بمعنى التقرير. # ولما ذكر من افترى وكذب ذكر مقابله وهو الذي جاء بالصدق وصدق به بقوله ~~تعالى: # {والذي جاء بالصدق} قال قتادة ومقاتل: هو النبي صلى الله عليه وسلم {وصدق ~~به} هم المؤمنون فالذي بمعنى الذين ولذلك روعي معناه ms2945 فجمع في قوله تعالى: ~~{أولئك} أي: العالو الرتبة {هم المتقون} أي: الشرك كما روعي معنى من في ~~قوله تعالى: {للكافرين} فإن الكافرين ظاهر واقع موقع الضمير، إذ الأصل مثوى ~~لهم وكما في قوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} (البقرة: 17) # ثم قال {ذهب الله بنورهم} (البقرة: 17) # قال الزمخشري: ويجوز أن يريد الفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به ~~وهم الرسول الذي جاء بالصدق وصحابته رضي الله تعالى عنهم الذين صدقوا به ا. ~~ه قال أبو حيان: وفيه توزيع للصلة والفوج هو الموصول فهو كقولك: جاء الفريق ~~الذي شرف وشرف، والأظهر عدم التوزيع بل المعطوف على الصلة صلة لمن له الصلة ~~الأولى، وقيل: بل الأصل والذين جاء بالصدق فحذفت النون تخفيفا كقوله تعالى: ~~{كالذي خاضوا} (التوبة: 69) # قال ابن عادل: وهذا وهم إذ لو قصد ذلك لجاء بعده ضمير الجمع فكان يقال: ~~والذي جاؤوا كقوله تعالى: {كالذي خاضوا} ويدل عليه أن نون التثنية إذا حذفت ~~عاد الضمير مثنى كقوله: # PageV03P447 # *أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا* # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: والذي جاء بالصدق يعني: رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله وصدق به الرسول أيضا بلغه إلى الخلق. ~~وقال السدي: والذي جاء بالصدق جبريل عليه السلام جاء بالقرآن وصدق به محمد ~~صلى الله عليه وسلم تلقاه بالقبول، وقال أبو العالية والكلبي: والذي جاء ~~بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق به أبو بكر رضي الله عنه، وقال ~~عطاء: والذي جاء بالصدق الأنبياء وصدق به الأتباع، وقال الحسن: هم المؤمنون ~~صدقوا به في الدنيا وجاؤوا به في الآخرة وقوله تعالى: # {لهم ما يشاؤون} أي: من أنواع الكرامات {عند ربهم} أي: في الجنة يدل على ~~حصول الثواب على أكمل الوجوه {ذلك} أي: هذا الجزاء {جزاء المحسنين} لأنفسهم ~~بإيمانهم. وقوله تعالى: # {ليكفر الله عنهم} يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ومعنى ~~تكفيرها أن يسترها عليهم بالمغفرة. # تنبيه: في تعلق هذه اللام وجهان أحدهما: ms2946 أنها متعلقة بمحذوف أي: يسر لهم ~~ذلك ليكفر، ثانيهما: أنها متعلقة بنفس المحسنين كأنه قيل: الذين أحسنوا ~~ليكفر أي: لأجل التكفير وقوله تعالى: {أسوأ الذي} أي: العمل الذي {عملوا} ~~فيه مبالغة فإنه إذا كفر غيره أولى بذلك أو للإيذان بأن الشيء الذي يفرط ~~منهم من الصغائر والزلات المكفرة هو عندهم الأسوأ لاستعظامهم المعصية أو ~~أنه بمعنى السيء كما جرى عليه الجلال المحلي كقولهم: الناقص والأشج أعدلا ~~بني مروان أي: عادلاهم إذ ليس المراد به التفضيل، والناقص هو محمد الخليفة ~~سمي به؛ لأنه نقص أعطية القوم والأشج هو عمر بن عبد العزيز سمي به لشجة ~~أصابت رأسه. # {ويجزيهم أجرهم} أي: ويعطيهم ثوابهم {بأحسن الذي} أي: العمل الذي {كانوا ~~يعملون} أي: فيعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها في زيادة الأجر لحسن إخلاصهم ~~فيها وهذا أولى من قول الجلال المحلي إنه بمعنى الحسن. وقوله تعالى: # {أليس الله} أي: الجامع لصفات الكمال كلها المنعوت بنعوت العظمة والجلال ~~{بكاف عبده} أي: الخالص له استفهام إنكار للنفي مبالغة في الإثبات، وقرأ ~~حمزة والكسائي بكسر العين وفتح الباء الموحدة وألف بعدها على الجمع، وقرأ ~~الباقون بفتح العين وسكون الباء على الإفراد، فقراءة الإفراد محمولة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة الجمع على جميع الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام فإن قومهم قصدوهم بالسوء كما قال الله تعالى {وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه} (غافر: 5) # وكفاهم الله تعالى شر من عاداهم ويحتمل أن يراد بقراءة الإفراد: الجنس ~~فتساوي قراءة الجمع وقيل: المراد أن الله تعالى كفى نوحا عليه السلام الغرق ~~وإبراهيم عليه السلام الحرق ويونس عليه السلام بطن الحوت فهو سبحانه وتعالى ~~كافيك يا محمد كما كفى هؤلاء الرسل قبلك. # {ويخوفونك} أي: عباد الأصنام {بالذين من دونه} وذلك أن قريشا خوفوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ~~ليصيبنك منهم خبل أو جنون فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي: «أنه صلى الله ~~عليه وسلم بعث خالدا إلى العزى ليكسرها فقال له سادتها أي: خادمها: لا ms2947 ~~تدركها أحذركها يا خالد إن لها شدة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إليها # PageV03P448 # فهشم أنفها فنزلت هذه الآية» . # ولما شرح الله الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ختم الكلام بخاتمة هي: ~~الفصل فقال تعالى شأنه {ومن يضلل الله} أي: الذي له الأمر كله {فما له من ~~هاد} أي: يهديه إلى الرشاد. # {ومن يهد الله فما له من مضل} أي: فهذه الدلائل والبينات لا تنفع إلا إذا ~~خص الله العبد بالهداية والتوفيق إذ لا راد لفعله كما قال تعالى: {أليس ~~الله} أي: الذي بيده كل شيء {بعزيز} أي: غالب على أمره {ذي انتقام} أي: من ~~أعدائه بلى هو كذلك، وفي هذا تهديد للكفار. # ولما بين تعالى وعيد المشركين ووعد الموحدين عاد إلى إقامة الدليل على ~~تزييف طريق عبدة الأوثان وهذا الترتيب مبني على أصلين الأول: أن هؤلاء ~~المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم وهو المراد من ~~قوله تعالى: # {ولئن سألتهم} أي: من شئت منهم فرادى أو مجموعين واللام لام القسم {من ~~خلق السموات} أي: على ما لها من الاتساع والعظمة والارتفاع {والأرض} أي: ~~على ما لها من العجائب وفيها من الانتفاع {ليقولن الله} أي: وحده لوضوح ~~البرهان على تفرده بالخالقية قال بعض العلماء: العلم بوجود الإله القادر ~~الحكيم الرحيم علم متفق عليه بين جمهور الخلائق لا نزاع بينهم فيه، وفطرة ~~العقل شاهدة بصحة هذا العلم فإن من تأمل في عجائب بدن الإنسان وما فيه من ~~أنواع الحكم الغريبة والمصالح العجيبة علم أنه لا بد من الاعتراف بالإله ~~القادر الحكيم الرحيم، والأصل الثاني: أن هذه الأصنام لا قدرة لها على ~~الخير والشر وهو المراد من قوله تعالى {قل أفرأيتم} أي: بعد ما تحققتم أن ~~خالق العالم هو الله تعالى: {ما تدعون} أي: تعبدون {من دون الله} أي: الذي ~~هو ذو الجلال والإكرام {إن أرادني الله} أي: الذي لا راد لأمره {بضر} أي: ~~بشدة بلاء {هل هن كاشفات ضره} أي: لا نقدر على ذلك {أو أرادني برحمة} أي: ~~بعافية وبركة {هل هن ms2948 ممسكات رحمته} أي: لا تقدر على ذلك فثبت أنه لا بد من ~~الإقرار بوجود الإله القادر الحكيم الرحيم، قال مقاتل: فسألهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا، وقرأ أبو عمرو بتنوين التاء من كاشفات ~~وممسكات ونصب الراء من ضره ورفع الهاء ونصب التاء من رحمته والباقون بغير ~~تنوين فيهما وكسر الراء والهاء من ضره والتاء والهاء من رحمته، وإذا كانت ~~هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر كانت عبادة الله تعالى كافية ~~والاعتماد عليه كافيا وهو المراد من قوله تعالى: {قل حسبي الله} أي: ثقتي ~~به واعتمادي {عليه يتوكل المتوكلون} أي: يثق الواثقون، فإن قيل: لم قال ~~تعالى: {كاشفات} {وممسكات} على التأنيث بعد قوله تعالى: {ويخوفونك بالذين ~~من دونه} (الزمر: 36) # أجيب: بأنه أنثها تحقيرا لما يدعون من دونه ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء ~~الإناث وهي اللات والعزى ومناة قال الله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى ~~ومناة الثالثة الأخرى} (النجم: 19 20) # وقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل يا قوم} أي: الذين أرجوهم عند الملمات وفيهم كفاية في القيام بما ~~يحاولون {اعملوا على مكانتكم} أي: على حالتكم فيه تهديد أي: أنكم تعتقدون ~~في أنفسكم أنكم في نهاية القوة والشدة فاجتهدوا في أنواع مكركم وكيدكم، ~~وقرأ شعبة بألف بعد النون جمعا والباقون بغير ألف إفرادا {إني عامل} # PageV03P449 # أي: في تقرير ديني {فسوف تعلمون} أي: بوعد لا خلف فيه. # {من يأتيه} منا ومنكم بسبب أعماله {عذاب يخزيه} فإن خزي أعدائه دليل عليه ~~وقد أخذهم الله تعالى يوم بدر {ويحل} أي: ينزل {عليه عذاب مقيم} أي: دائم ~~وهو عذاب النار. # تنبيه: المكانة بمعنى المكان فاستعيرت من العين للمعنى كما استعير لفظ ~~هنا وحيث للزمان وهما للمكان، فإن قيل: حق الكلام إني عامل على مكانتي فلم ~~حذف؟ أجيب: بأنه حذف للاختصار ولما فيه من زيادة الوعيد والإيذان بأن حاله ~~لا تقف وتزداد كل يوم قوة وشدة لأن الله تعالى ناصره ومعينه ومظهره على ~~الدين كله، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فسوف تعلمون} توعدهم ms2949 بكونه منصورا ~~عليهم غالبا عليهم في الدنيا والآخرة. # ولما بين تعالى في هذه الآيات فساد مذاهبهم أي: المشركين تارة بالدلائل ~~وتارة بضرب الأمثال وتارة بذكر الوعد والوعيد، وكان صلى الله عليه وسلم ~~يعظم عليه إصرارهم على الكفر كما قال {فلعلك باخع نفسك على آثارهم} (الكهف: ~~41 47) # وقال تعالى: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} (فاطر: 8) # أردفه بكلام يزيل ذلك الحزن العظيم عن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال تعالى: # {إنا أنزلنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة التامة {عليك} يا أشرف الخلق ~~{الكتاب} أي: الكامل الشرف {للناس} أي: لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في معاشهم ~~ومعادهم فهو للناس عامة لأن رسالتك عامة وجعلنا إنزاله مقرونا {بالحق} أي: ~~بالصدق وهو المعجز الذي يدل على أنه من عند الله {فمن اهتدى} أي: طاوع ~~الهادي {فلنفسه} أي: فنفعه يعود إلى نفسه {ومن ضل} أي: وقع في الضلال ~~بمخالفته {فإنما يضل عليها} أي: فضرر ضلاله يعود إليه. # ولما دل السياق على أن التقدير فما أنت عليهم بجبار لتقهرهم على الهدى ~~عطف عليه قوله تعالى: {وما أنت عليهم بوكيل} أي: لست مأمورا بأن تحملهم على ~~الإيمان على سبيل القهر بل القبول وعدمه مفوض إليهم، وذلك تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولأن الهداية والضلال من العبد لا يحصلان إلا من الله ~~تعالى لأن الهداية تشبه الحياة واليقظة والضلال يشبه الموت والنوم، فكما أن ~~الحياة واليقظة لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى كذلك الضلال لا يحصل إلا من ~~الله تعالى ومن عرف هذه الدقيقة فقد عرف سر الله تعالى في القدر ومن عرف سر ~~الله تعالى في القدر هانت عليه المصائب. # ولما بين سبحانه أن الهداية والضلال بتقديره قال تعالى: # {الله} أي: الذي له مجامع الكمال وليس لشائبة النقص إليه سبيل {يتوفى ~~الأنفس} أي: الأرواح {حين موتها} أي: موت أجسادها وتوفيها إماتتها وهي أن ~~تسلب ما هي به حية حساسة دراكة من صحة أجزائها وسلامتها لأنها عند سلب ~~الصحة كأن ذاتها قد سلبت وقوله تعالى: ms2950 {والتي لم تمت في منامها} عطف على ~~الأنفس أي: يتوفى الأنفس حين موتها ويتوفى أيضا الأنفس التي لم تمت في ~~منامها ففي منامها ظرف ليتوفى أي: يتوفاها حين تنام تشبيها للنائمين ~~بالموتى ومنه قوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} (الأنعام: 60) # حتى لا تميزوا ولا تتصرفوا كما أن الموتى كذلك فالتي تتوفى عند النوم هي ~~الأنفس التي يكون بها العقل والتمييز ولكل إنسان نفسان: # f # إحداهما: نفس الحياة وهي التي تفارقه عند الموت ويزول بزوالها النفس # PageV03P450 # والأخرى هي النفس التي تفارقه إذا نام وهو بعد النوم يتنفس {فيمسك التي ~~قضى عليها الموت} فلا يردها إلى جسدها، وقرأ حمزة والكسائي بضم القاف وكسر ~~الضاد وفتح الياء بعد الضاد ورفع التاء من الموت، والباقون بفتح القاف ~~والضاد وسكون الياء بعد الضاد ونصب الموت {ويرسل الأخرى} أي: يردها إلى ~~جسدها وهي التي لم يقض عليها الموت {إلى أجل مسمى} أي: إلى الوقت الذي ضربه ~~لموتها، وقيل: يتوفى الأنفس أي: يستوفيها ويقبضها وهي الأنفس التي تكون ~~معها الحياة والحركة ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وهي أنفس ~~التمييز، قالوا: والتي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة ولأن ~~نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس، ورووا عن ابن عباس رضي ~~الله عنه في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس: التي بها ~~العقل والتمييز، والروح: التي بها النفس والتحريك فإذا نام العبد قبض الله ~~تعالى نفسه ولم يقبض روحه. قال الزمخشري: والصحيح ما ذكر أولا لأن الله ~~تعالى علق التوفي والموت والمنام جميعا بالأنفس وما عنوا بنفس الحياة ~~والحركة ونفس العقل والتمييز غير متصف بالموت والنوم وإنما الجملة هي التي ~~تموت وهي التي تنام انتهى. # ويروى عن علي رضي الله تعالى عنه قال: يخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه ~~في الجسد فبذلك يرى الرؤيا فإذا نبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من ~~لحظة، ويقال: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء ~~الله فإذا ms2951 أرادت العود إلى أجسادها أمسك الله تعالى أرواح الأموات عنده ~~وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى أجل مدة حياتها. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا ~~أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخل إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ~~ثم يقول: اللهم باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن ~~أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين» . # {إن في ذلك} أي: التوفي والإمساك والإرسال {لآيات} أي: دلالات على كمال ~~قدرته وحكمته ورحمته. وقال مقاتل: لعلامات {لقوم يتفكرون} أي: فيعلمون أن ~~القادر على ذلك قادر على البعث، فإن قيل: قوله تعالى {الله يتوفى الأنفس} ~~(الزمر: 42) # يدل على أن المتوفي هو الله تعالى ويؤيده قوله تعالى: {الذي خلق الموت ~~والحياة} (الملك: 2) # وقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {ربي الذي يحيي ويميت} (البقرة: ~~258) # وقال تعالى في آية أخرى {إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا} (الأنعام: 61) # فكيف الجمع؟ أجيب: بأن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى إلا أنه تعالى ~~فوض كل نوع إلى ملك من الملائكة ففوض قبض الأرواح إلى ملك الموت وهو الرئيس ~~وتحته أتباع وخدم فأضيف التوفي في آية إلى الله تعالى وهي الإضافة ~~الحقيقية، وفي آية إلى ملك الموت لأنه الرئيس في هذا العمل وفي آية إلى: ~~أتباعه ثم إن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالا فقالوا: نحن لا نعبد هذه ~~الأصنام لاعتقاد أنها تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص ~~كانوا عند الله تعالى من المقربين فنحن نعبدها لتشفع لنا أولئك المقربون ~~عند الله تعالى فأجاب الله سبحانه عنه بقوله تعالى: # {أم اتخذوا} أي: كلفوا أنفسهم بعد وضوح الدلائل عندهم {من دون الله} أي: # PageV03P451 # الذي لا مكافئ له ولا مداني {شفعاء} أي: تشفع لهم عند الله تعالى. # تنبيه: أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة {قل} يا أشرف الخلق لهؤلاء البعداء ~~{أولو} أي: أيشفعون ولو {كانوا لا يملكون شيئا} أي: من الشفاعة وغيرها {ولا ~~يعقلون} أي: أنكم تعبدونهم ms2952 ولا غير ذلك وجواب لو محذوف تقديره ولو كانوا ~~بهذه الصفة تتخذونهم. # {قل} أي: لهم {لله} أي: الذي له كمال القدرة والعظمة {الشفاعة جميعا} أي: ~~هو مختص بها فلا يشفع أحد إلا بإذنه ثم قرر ذلك فقال {له ملك السموات ~~والأرض} أي: فإنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم دون إذنه ورضاه {ثم ~~إليه ترجعون} أي: يوم القيامة فيكون الملك له أيضا حينئذ ثم ذكر تعالى نوعا ~~آخر من أعمال المشركين القبيحة بقوله تعالى: # {وإذا ذكر الله} أي: الذي لا إله غيره {وحده} أي: دون آلهتهم {اشمأزت} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: يعني انقبضت، وقال قتادة: استكبرت ~~وأصل الاشمئزاز والنفور والاستكبار أي: نفرت واستكبرت {قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة} أي: لا يؤمنون بالبعث {وإذا ذكر الذين من دونه} أي: ~~الأصنام {إذا هم يستبشرون} أي: يفرحون لفرط افتتانهم ونسيانهم حق الله ~~تعالى ولقد بالغ في الأمرين حق الغاية فيهما، فإن الاستبشار أن يمتلئ قلبه ~~سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه والاشمئزاز أن يمتلئ غيظا وهما حتى ينقبض ~~أديم وجهه. قال مجاهد ومقاتل: وذلك حين: «قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~سورة والنجم وألقى الشيطان في أمنيته تلك الغرانيق العلا ففرح به المشركون ~~وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الحج» . # تنبيه: قال الزمخشري: فإن قلت ما العامل في إذا ذكر، قلت: العامل في إذا ~~المفاجأة تقديره وقت ذكر الذين من دونه فاجؤوا وقت الاستبشار. قال أبو ~~حيان: أما قول الزمخشري فلا أعلمه من قول من ينتمي إلى النحو هو أن الظرفين ~~معمولان لفاجؤوا ثم قال: إذا الأولى تنتصب على الظرفية والثانية على ~~المفعول به. # ولما حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار هذا الأمر العجيب الذي تشهد فطرة ~~العقل بفساده أردفه بذكر الدعاء العظيم فقال تعالى: # {قل اللهم} أي: يا الله {فاطر السموات والأرض} أي: مبدعهما من العدم أي: ~~ألتجئ إلى الله تعالى بالدعاء لما تحيرت في أمرهم وعجزت في عنادهم وشدة ~~شكيمتهم فإنه القادر على الأشياء والعالم ms2953 بالأحوال كلها {عالم الغيب ~~والشهادة} وصف تعالى نفسه بكمال القدرة وكمال العلم {أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون} أي: من أمر الدين وعن الربيع بن خيثم وكان قليل ~~الكلام لما أخبر بقتل الحسين وسخط على قاتله وقالوا: الآن يتكلم فما زاد ~~على أن قال: آه أوقد فعلوا وقرأ الآية، وروي أنه قال على أثرها: أو قتل من ~~كان يجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره ويضع فاه على فيه. وعن أبي ~~سلمة قال: «سألت عائشة رضي الله عنها بم كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلاته بالليل قالت: كان يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم ~~السلام فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما ~~كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء ~~إلى صراط مستقيم» . # ولما حكى الله تعالى عنهم هذا المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء. # أولها: قوله تعالى: # {ولو أن للذين # PageV03P452 # ظلموا} أي أنفسهم بالكفر {ما في الأرض جميعا} أي: من الأموال {ومثله معه ~~لا افتدوا} أي: اجتهدوا في طلب أن يفدوا أنفسهم {به من سوء العذاب يوم ~~القيامة} وهذا وعيد شديد وإقناط كلي لهم من الخلاص روى الشيخان عن أنس: «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا لو ~~أن لك ما في الأرض من شيء لكنت تفتدي به فيقول: نعم فيقول الله: قد أردت ~~منك وفي رواية سألتك أهون من هذا وأنت في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت ~~إلا أن تشرك بي شيئا» قوله أردت أي: فعلت معك فعل الآمر المريد وهو معنى ~~قوله في رواية قد سألتك. # ثانيها: قوله تعالى: {وبدا لهم من الله} أي: الملك الأعظم {ما لم يكونوا ~~يحتسبون} أي: ظهر لهم أنواع من العذاب لم تكن في حسابهم وفي هذا زيادة ~~مبالغة هو نظير قوله تعالى في الوعد {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين} ms2954 (السجدة: 17) # وقوله صلى الله عليه وسلم «في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر» . وقال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه ~~نازل بهم في الآخرة. وقال السدي: ظنوا أن أعمالهم حسنات فبدلت لهم سيئات ~~لأنهم كانوا يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأصنام ويظنونها حسنات فبدت ~~لهم سيئات. # ثالثها قوله تعالى: # {وبدا لهم} أي: ظهر ظهورا تاما {سيئات ما كسبوا} أي: مساوئ أعمالهم من ~~الشرك وظلم أولياء الله تعالى {وحاق} أي: نزل {بهم ما كانوا به يستهزؤون} ~~أي: يطلبون ويوجدون الهزء في العذاب ثم حكى الله تعالى عنهم طريقة أخرى من ~~طرائقهم الفاسدة بقوله تعالى: # {فإذا مس الإنسان} أي: الجنس {ضر} أي: فقر أو مرض أو غير ذلك {دعانا} أي: ~~في دفع ذلك، فإن قيل: ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول ~~السورة بالواو؟ أجيب: بأن السبب في ذلك أن هذه وقعت مسببة عن قوله تعالى: ~~{وإذا ذكر الله وحده اشمأزت} على معنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله ويستبشرون ~~بذكر آلهتهم فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره دون من استبشر بذكره ~~فقوله تعالى: {فإذا مس الإنسان} معطوف على قوله تعالى: {وإذا ذكر الله ~~وحده} وما بينهما اعتراض مؤكد لإنكار ذلك عليهم هذا محصل كلام الزمخشري، ~~واعترضه أبو حيان بأن أبا علي يمنع الاعتراض بجملتين فكيف بهذه الجمل ~~الكثيرة ثم قال: والذي يظهر في الربط أنه لما قال {ولو أن للذين ظلموا} ~~(الزمر: 47) # الآية وكان ذلك إشعارا بما ينال الظالمين من شدة العذاب وأنه يظهر لهم ~~يوم القيامة العذاب أتبع ذلك بما يدل على ظلمه وبغيه إذ كان إذا مسه ضر دعا ~~الله تعالى فإذا أحسن إليه لم ينسب ذلك إليه كما قال تعالى: {ثم إذا ~~خولناه} أي: أعطيناه {نعمة منا} أي: تفضلا فإن التحويل يختص به {قال إنما ~~أوتيته} أي: المنعم به {على علم} أي: على علم من الله تعالى إني له أهل. ms2955 ~~وقيل: إن كان ذلك سعادة في المال أو عافية في النفس يقول: إنما حصل ذلك ~~بجده واجتهاده وإن كان صحة قال: إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني وإن حصل ~~مال يقول: حصل بكسبي وهذا تناقض أيضا لأنه لما كان عاجزا محتاجا أضاف الكل ~~إلى الله تعالى، وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله تعالى وأسنده إلى كسب ~~نفسه وهذا تناقض قبيح {بل هي فتنة} أي: بلية يبتلي بها العبد. # فإن قيل: كيف ذكر النعمة أولا في قوله: {إنما أوتيته} # PageV03P453 # ثم أنثها ثانيا؟ أجيب: بأنه ذكر أولا لأن النعمة بمعنى المنعم به كما مر ~~وقيل: تقديره شيئا من النعمة وأتت ثانيا اعتبارا بلفظها أو لأن الخبر لما ~~كان مؤنثا أعني فتنة ساغ تأنيث المبتدأ لأجله لأنه في معناه كقولهم ما جاءت ~~حاجتك وقيل: هي أي: الحالة أو القولة كما جرى عليه الجلال المحلي أو العطية ~~أو النعمة كما قاله البقاعي {ولكن أكثرهم} أي: أكثر هؤلاء القائلين هذا ~~الكلام {لا يعلمون} أن التخويل استدراج وامتحان. # {قد قالها} أي: القولة المذكورة وهي قوله: {إنما أوتيته على علم} لأنها ~~كلمة أو جملة من القول {الذين من قبلهم} أي: من الأمم الماضية. قال ~~الزمخشري: هم قارون وقومه حيث قال إنما أوتيته على علم عندي، وقومه راضون ~~به فكأنهم قالوها. قال: ويجوز أن يكون في الأمم الماضية آخرون قائلون مثلها ~~{فما أغنى عنهم} أي: أولئك الماضين {ما كانوا يكسبون} أي: من متاع الدنيا ~~ويجمعون منه. # {فأصابهم سيئات ما كسبوا} أي: جزاؤها من العذاب ثم أوعد كفار مكة فقال ~~تعالى {والذين ظلموا} أي: بالعتو {من هؤلاء} أي: من مشركي قومك ومن للبيان ~~أو للتبعيض {سيصيبهم سيئات ما كسبوا} أي: كما أصاب أولئك {وما هم بمعجزين} ~~أي: فائتين عذابنا فقتل صناديدهم يوم بدر وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ~~فقيل لهم: # {أولم يعلموا أن الله} أي: الذي له الجلال والكمال {يبسط الرزق} أي: ~~يوسعه {لمن يشاء} وإن كان لا حيلة له ولا قوة امتحانا {ويقدر} أي: يضيق ~~الرزق ms2956 لمن يشاء وإن كان قويا شديد الحيلة ابتلاء فلا قابض ولا باسط إلا ~~الله تعالى، ويدل على ذلك أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه فلابد ~~لذلك من حكمة وسبب، وذلك السبب ليس هو عقل الإنسان وجهله فإنا نرى العاقل ~~القادر في أشد الضيق، ونرى الجاهل الضعيف في أعظم السعة، وليس ذلك أيضا ~~لأجل الطبائع والأفلاك لأن الساعة التي ولد فيها ذلك الملك السلطان القاهر ~~قد ولد فيها عالم أيضا من الناس وعالم من الحيوان غير الإنسان وتولد أيضا ~~في تلك الساعة عالم من النبات. # فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها ~~مختلفة في السعادة والشقاوة، علمنا أن الفاعل لذلك هو الله تعالى فصح بهذا ~~البرهان العقلي القاطع صحة قوله تعالى: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} ~~قال الشاعر: # *فلا السعد يقضي به المشتري ... ولا النحس يقضي علينا زحل* # *ولكنه حكم رب السماء ... وقاضي القضاة تعالى وجل* # {إن في ذلك} أي: البيان الظاهر {لآيات} أي: دلالات {لقوم يؤمنون} أي: بأن ~~الحوادث كلها من الله تعالى بوسط أو غيره. # ولما ذكر تعالى الوعيد أردفه بشرح كمال رحمته فقال تعالى لنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم # {قل} يا محمد ربكم المحسن إليكم يقول {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} ~~أي: أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي وإضافة العباد تخصصه ~~بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن {لا تقنطوا} أي: لا تيأسوا {من رحمة الله} ~~أي: إكرام المحيط بكل صفات الكمال فيمنعكم ذلك القنوط من التوبة التي هي ~~باب الرحمة، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي يا عبادي بسكون الياء وتسقط في ~~الوصل، وفتحها الباقون، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي # PageV03P454 # تقنطوا بكسر النون بعد القاف والباقون بفتحها {إن الله} أي: المتفضل على ~~عباده المؤمنين {يغفر الذنوب} لمن تاب من الشرك {جميعا} لمن يشاء كما قال ~~تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء: ~~48) # وأما الكافر إذا أسلم فإن الله تعالى لا ms2957 يؤاخذه بما وقع من كفره قال ~~تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} (الأنفال: 38) # تنبيه: في هذه الآية أنواع من المعاني والبيان حسنة منها إقباله عليهم ~~ونداؤهم ومنها إضافتهم إليه إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى ~~الغيبة في قوله تعالى: {من رحمة الله} ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه ~~الحسنى ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله تعالى: {إن الله} ومنها إبراز ~~الجملة في قوله تعالى {إنه هو} أي: وحده {الغفور} أي: البليغ الغفر يمحو ~~الذنوب عمن يشاء عينا وأثرا فلا يعاقب ولا يعاتب {الرحيم} أي: المكرم بعد ~~المغفرة مؤكدة بأن وبالفصل وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة ~~روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن ناسا من أهل الشرك كانوا ~~قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن ~~الذي تدعو له لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة» فنزلت هذه الآية. وروى ~~عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: «أنها نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله ~~تعالى عنهما حين بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، ~~فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلقى ~~أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة وأنا قد فعلت ذلك كله، فأنزل الله ~~سبحانه وتعالى {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} (مريم: 60) # فقال وحشي: هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله تعالى ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فقال وحشي: أراني ~~بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: {قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} الآية قال: نعم هذا. فجاء ~~فأسلم، فقال المسلمون: هذا له خاصة قال: بل للمسلمين عامة» . # وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن ~~الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد ms2958 أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، وكنا ~~نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا قد أسلموا ثم تركوا دينهم ~~لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب رضي ~~الله تعالى عنه بيده، ثم بعثها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ~~وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. # وروي عن ابن مسعود أنه دخل المسجد وإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال ~~فقام على رأسه فقال: يا مذكر لم تقنط الناس ثم قرأ {قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} وعن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقطنوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي» وروى الطبراني: ~~«أنه صلى الله عليه وسلم قال: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بها أي: بهذه ~~الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال: إلا من أشرك ~~ثلاث مرات» . # وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان في بني ~~إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل، فإذا راهب فسأله فقال: هل ~~لي توبة فقال: لا فقتله وجعل يسأل # PageV03P455 # فقال رجل: ائت قرية كذا فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها فاختصمت فيه ~~ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وإلى هذه ~~أن تباعدي وقال: قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له» . وفي ~~رواية فقال له: إني قتلت تسعة وتسعين نفسا فهل لي من توبة فقال: لا فقتله ~~فكمل مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم فقال: «إنه قتل مائة نفس ~~فهل له من توبة فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا إلى ~~أن قال: فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة» . وعن ابن ~~عمر قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه ms2959 وسلم نرى أو نقول ليس شيء ~~من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا ~~تبطلوا أعمالكم} (محمد: 33) # فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقيل لنا: الكبائر ~~والفواحش فكنا إذا رأينا من أصاب منها شيئا خفنا عليه، ومن لم يصب منها ~~شيئا رجونا له فأنزل الله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقطنوا من رحمة الله} وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر. # ولما كان التقدير وأقلعوا عن ذنوبكم فإنها قاطعة عن الخير مبعدة عن ~~الكمال عطف عليه استعظاما قوله تعالى: # {وأنيبوا} أي: ارجعوا بكلياتكم وكلوا حوائجكم وأسندوا أموركم واجعلوا ~~طريقكم {إلى ربكم} أي: الذي لم تروا إحسانا إلا وهو منه {وأسلموا} أي: ~~وأخلصوا {له} أعمالكم {من قبل أن يأتيكم} أي: وأنتم صاغرون {العذاب} أي: ~~القاطع لكل عذوبة، المجرع لكل مرارة وصعوبة {ثم لا تنصرون} أي: لا يتجدد ~~لكم نوع نصر أبدا إن لم تتوبوا. # {واتبعوا} أي: عالجوا أنفسكم وكلفوها أن تتبع {أحسن ما أنزل إليكم} أي: ~~على سبيل العدل كالإحسان الذي هو أعلى من العفو الذي هو فوق الانتقام ~~باتباع هذا القرآن الذي هو أحسن ما نزل من كتب الله تعالى، واتباع أحاسن ما ~~فيه فتصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحسن إلى من ظلمك، هذا في حق الخلائق ~~ومثله في عبادة الخالق بأن تكون كأنك تراه الذي هو أعلى من استحضار أنه ~~يراك الذي هو أعلى من أدائها مع الغفلة عن ذلك. # ولما كان هذا شديدا على النفس رغب فيه بقوله تعالى بمظهر صفة الإحسان ~~موضع الإضمار: {من ربكم} أي: الذي لم يزل يحسن إليكم وأنتم تبارزونه ~~بالعظائم. وقال الحسن رضي الله عنه: معنى الآية الزموا طاعته واجتنبوا ~~معصيته فإن في القرآن ذكر القبيح لتجتنبه، وذكر الأدون لئلا ترغب فيه، وذكر ~~الأحسن لتؤثره. وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ لقوله تعالى: {ما ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} (البقرة: 106) # وقيل: العزائم دون الرخص وقوله تعالى: {من قبل أن ms2960 يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون} أي: ليس عندكم شعور بإتيانه بوجه من الوجوه فيه تهديد ~~وتخويف. # ولما خوفهم الله تعالى بهذا العذاب بين أنهم بتقدير نزوله عليهم ماذا ~~يقولون، فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلام الأول: ما ذكره بقوله ~~تعالى: # {أن} أي: كراهة أن {تقول نفس} أي: عند وقوع العذاب وإفرادها وتنكيرها كاف ~~في الوعيد لأن كل أحد يجوز أن يكون هو المراد {يا حسرتا على ما فرطت في جنب ~~الله} قال الحسن: قصرت في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، # PageV03P456 # وقال سعيد بن جبير: في حق الله وقيل: ضيعت في ذات الله، وقيل: معناه قصرت ~~في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله تعالى والعرب تسمي الجانب جنبا، قال في ~~«الكشاف» : هذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه ~~فقد أثبته فيه ألا ترى إلى قول الشاعر: # *إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج* # أي: فإنه لم يصرح بثبوت هذه الصفات المذكورة لابن الحشرج بل كنى عن ذلك ~~في قبة مضروبة عليه فأفاد اثباتها له، والقبة تكون فوق الخيمة تتخذها ~~الرؤساء، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة والدوري عن أبي عمرو بين بين ~~وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح {وإن} أي: والحال إني {كنت} أي: ~~كان ذلك في طبعي {لمن الساخرين} أي: المستهزئين المتكبرين المنزلين أنفسهم ~~في غير منزلتها وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر من أهل الطاعة أي: ~~تقول هذا لعله يقبل منها ويعفى عنها على عادة المعترفين في وقت الشدائد ~~لعلهم يعاودون إلى أجمل العوائد. الثاني من الكلمات التي حكاها الله تعالى ~~عنهم بعد نزول العذاب عليهم: ما ذكره الله تعالى بقوله سبحانه: # {أو تقول} أي: تلك النفس المفرطة {لو أن الله} أي: الذي له القدرة ~~الكاملة والعلم الشامل {هداني} أي: لبيان الطريق {لكنت من المتقين} أي: ~~الذين لا يقدمون على فعل إلا ما يدلهم عليه دليل. الثالث من الكلمات ما ~~ذكره الله تعالى بقوله سبحانه: ms2961 # {أو تقول} أي: تلك النفس المفرطة {حين ترى العذاب} أي: الذي واجهها عيانا ~~{لو أن} أي: يا ليت {لي كرة} أي: رجعة إلى دار العمل {فأكون} أي: يتسبب عن ~~رجوعي إليها أن أكون {من المحسنين} أي: العاملين بالإحسان الذي دعا إليه ~~القرآن. # تنبيه: في نصب فأكون وجهان أحدهما: عطفه على كرة فإنها مصدر فعطف مصدر ~~مؤول على مصدر مصرح به كقولها: # *للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف* # والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله تعالى: {لو أن لي ~~كرة} والفرق بين الوجهين أن الأول: يكون فيه الكون متمنى ويجوز أن تضمر أن ~~وأن تظهر، والثاني: يكون فيه الكون مترتبا على حصول المتمنى لا متمنى ويجب ~~أن تضمر أن. ثم أجاب الله تعالى هذا القائل بقوله سبحانه: # {بلى قد جاءتك أياتي} أي: القرآن وهي سبب الهداية {فكذبت بها} أي: قلت ~~ليست من عند الله {واستكبرت} أي: تكبرت عن الإيمان بها {وكنت من الكافرين} ~~. # فإن قيل: هلا قرن الجواب بما هو جواب له وهو قوله: {لو أن الله هداني} ~~(الزمر: 57) # ولم يفصل بينهما؟ أجيب: بأنه لا يخلو إما أن يقدم على أخرى القرائن ~~الثلاث فيفرق بينهن وإما أن تؤخر القرينة الوسطى، فلم يحسن الأول لما فيه ~~من تبتير النظم بالجمع بين القرائن، وأما الثاني فيه من نقض الترتيب وهو ~~التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية، ثم تمنى الرجعة فكان ~~الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من ~~بينها عما اقتضى الجواب، فإن قيل: كيف صح أن تقع بلى جوابا لغير منفي؟ ~~أجيب: بأن قوله {لو أن الله هداني} بمعنى ما هديت. # {ويوم القيامة} # PageV03P457 # أي: الذي لا يصح في الحكمة تركه {ترى} أي: أيها المحسن {الذين كذبوا على ~~الله} أي: الحائز لجميع صفات الكمال بنسبة الشريك والولد إليه، وقال الحسن: ~~هم الذين يقولون إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل، قال البقاعي: وكأنه عنى ~~من المعتزلة الذين اعتزلوا ms2962 مجلسه وابتدعوا قولهم إنهم يخلقون أفعالهم قال: ~~ويدخل فيه من تكلم في الدين بجهل وكل من كذب وهو يعلم أنه كاذب في أي شيء ~~كان، فإنه من حيث إن فعله فعل من يظن أن الله تعالى لا يعلم كذبه أي: ولا ~~يقدر على جزائه كأنه كذب على الله وقوله تعالى: {وجوههم مسودة} جملة من ~~مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية وقيل: في محل ~~نصب مفعولا ثانيا لأن الرؤية قلبية، ورد بأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام ~~وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وذكر أن هذا السواد مخالف لسائر أنواع ~~السواد {أليس في جهنم مثوى} أي: مأوى {للمتكبرين} أي: الذين تكبروا على ~~اتباع أمر الله تعالى وهو تقرير لأنهم يرونه كذلك. # ولما ذكر الله تعالى الذين أشقاهم أتبعهم حال الذين أسعدهم بقوله تعالى: # {وينجي الله} أي: يفعل بما له من صفات الكمال في نجاتهم فعل المبالغ في ~~ذلك {الذين اتقوا} أي: بالغوا في وقاية أنفسهم من غضبه فكما وقاهم في ~~الدنيا من المخالفات حماهم هنا من العقوبات {بمفازتهم} أي: بسبب فلاحهم لأن ~~العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة، ويجوز أن يسمى العمل الصالح في ~~نفسه مفازة لأنه سببها، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بألف بعد الزاي جمعا على ~~أن لكل متق مفازة، والباقون بغير ألف بعد الزاي إفرادا وقوله تعالى {لا ~~يمسهم السوء} جملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقال: لا يمسهم ~~السوء فلا محل لها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من الذين اتقوا، ~~ومعنى الكلام لا يمسهم مكروه {ولا هم يحزنون} أي: ولا يطرق بواطنهم حزن على ~~فائت لأنه لا يفوت لهم شيء أصلا. # ولما كان المخوف منه والمحزون عليه جامعين لكل ما في الكون فكان لا يقدر ~~على دفعهما إلا القادر المبدع القيوم قال تعالى مستأنفا أو معللا، مظهرا ~~الاسم الأعظم تعظيما للمقام: # {الله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلما والذي نجاهم {خالق كل شيء} أي: من ~~خير وشر وإيمان ms2963 وكفر فلا يكون شيء أصلا إلا بخلقه. # ولما دل هذا على القدرة الشاملة وكان لا بد معها من العلم الكامل قال ~~تعالى: {وهو على كل شيء} أي: مع القهر والغلبة {وكيل} أي: حفيظ لجميع ما ~~يريده قيوم لا عجز يلم بساحته ولا غفلة وقوله تعالى: # {له مقاليد السموات والأرض} جملة مستأنفة والمقاليد جمع مقلاد مثل مفتاح ~~ومفاتيح أو مقليد مثل منديل ومناديل أي: هو مالك أمرها وحافظها وهي من باب ~~الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم ~~فلان ألقيت إليه مقاليد الملك وهي المفاتيح والكلمة أصلها فارسية، فإن قيل: ~~ما للكتاب المبين والفارسية؟ أجيب: بأن التعريب قد أحالها عربية كما أخرج ~~استعمال المهمل عن كونه مهملا، قال الزمخشري: «سأل عثمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى: {له مقاليد السموات والأرض} فقال: يا عثمان ~~ما سألني أحد عنها قبلك تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله # PageV03P458 # وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير» . وروى هذا الطبراني ~~بسند ضعيف بل رواه ابن الجوزي في الموضوعات، ثم قال الزمخشري وتأويله على ~~هذا: أن الله تعالى في هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح خير السموات ~~والأرض من تكلم بها من المتقين أصابه، وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات ~~والأرض بالرزق والرحمة وقال الكلبي: خزائن المطر والنبات. # ولما وصف الله تعالى بالصفة الإلهية والجلالة وهو كونه خالقا للأشياء ~~وكونه مالكا لمقاليد السموات والأرض بأسرها قال بعده: {والذين كفروا} أي: ~~لبسوا ما اتضح من الدلالات وجحدوا {بآيات الله} أي: دلائل قدرته الظاهرة ~~الباهرة {أولئك} أي: البعداء البغضاء {هم الخاسرون} لأنهم خسروا أنفسهم وكل ~~شيء متصل بها على وجه النفع، وقال الزمخشري: {والذين كفروا} متصل بقوله: ~~{وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} (الزمر: 61) # واعترض بينهما بأنه خالق الأشياء كلها وأن له مقاليد السموات والأرض، ~~واعترضه الرازي: بأن وينجي جملة فعلية والذين كفروا ms2964 جملة اسمية وعطف الجملة ~~الاسمية على الفعلية لا يجوز واعترض الآخر بأنه لا مانع من ذلك. # ولما دعا كفار قريش النبي صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائهم قال الله ~~تعالى: # {قل} أي: لهم {أفغير الله} أي: الملك الأعظم {تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون} أي: العريقون في الجهل لأن الدليل القاطع قد قام بأن الله تعالى ~~هو المستحق للعبادة فمن عبد غيره فهو جاهل، وقرأ نافع بتخفيف النون وفتح ~~الياء وابن كثير بتشديد النون وسكون الياء، وابن عامر بنونين الأولى مفتوحة ~~والثانية مكسورة وسكون الياء والباقون بتشديد النون وسكون الياء. # {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} أي: الذي ~~عملته قبل الشرك، فإن قيل: الموحى إليهم جماعة فكيف قال لئن أشركت على ~~التوحيد؟ أجيب: بأن تقدير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى ~~الذين من قبلك مثله أي: أوحي إليك وإلى كل واحد منهم لئن أشركت كما تقول: ~~كسانا حلة أي: كل واحد منا، فإن قيل: كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى ~~أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟ أجيب: بأن قوله تعالى: {لئن أشركت ~~ليحبطن عملك} قضية شرطية، والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزئها، ألا ~~ترى أن قولك لو كانت الخمسة زوجا لكانت منقسمة بمتساويين، قضية صادقة مع أن ~~كل واحد من جزأيها غير صادق قال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا} (الأنبياء: 22) # ولم يلزم من هذا صدق أن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا أو أن الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره كما قاله أكثر المفسرين أو أن ذلك على ~~سبيل الفرض المحال ذكر ليكون ردعا للأتباع. # ولما كان السياق للتهديد وكانت العبارة شاملة لما تقدم على الشرك من ~~الأعمال وما تأخر عنه لم يقيده بالاتصال بالموت اكتفاء بتقييده في آية ~~البقرة وهي {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر} (البقرة: 217) # قال تعالى: {ولتكونن} أي: لأجل حبوطه {من الخاسرين} فإن من ذهب جميع عمله ~~لا ms2965 شك في خسارته أما من أسلم بعد ردته فإنما يحبط ثواب عمله لا عمله كما نص ~~عليه الشافعي. # تنبيه: اللام الأولى موطئة للقسم # PageV03P459 # والأخريان للجواب. # ولما كان التقدير لا تشرك بنا عطف عليه قوله تعالى: # {بل الله} أي: المتصف بصفات الكمال وحده {فاعبد} أي: مخلصا له العبادة ~~{وكن من الشاكرين} أي: العريقين في هذا الوصف لأنه جعلك خير الخلائق ~~أجمعين. # ولما حكى الله تعالى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام، ثم ~~إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول أن يعبد الله ولا يعبد ~~سواه، وبين أنهم لو عرفوا الله تعالى حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء ~~الخسيسة مشاركة له في العبودية قال: # {وما قدروا الله} أي: الملك الأعظم {حق قدره} أي: ما عظموه حق عظمته حين ~~أشركوا به غيره مع أنهم لو استغرقوا الزمان كله في عبادته وخالص طاعته بحيث ~~لم يخل شيء منه عنها لما كان ذلك حق قدره فكيف إذا خلا بعضه عنها فكيف إذا ~~عدل به غيره. # ولما بين أنهم ما عظموه تعظيما لائقا به أردفه بما يدل على كمال عظمته ~~بقوله تعالى: {والأرض جميعا قبضته} وهو مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال ~~أي: ما عظموه حق عظمته والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة كقوله تعالى: ~~{كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} (البقرة: 28) # أي: كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا، وجميعا حال وهي دالة على أن ~~المراد بالأرض: الأرضون لأن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع، ~~وقدم الأرض على السموات لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها. # ولما كان في هذه الدنيا من يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة وكان الأمر ~~في الآخرة بخلاف هذا لانقطاع الأسباب قال تعالى: {يوم القيامة} ولا قبضة ~~هناك لا حقيقة ولا مجازا وكذا الطي واليمين وإنما هو تمثيل وتخييل لتمام ~~القدرة. # ولما كانوا يعلمون أن السموات سبع متطابقة بما يشاهدونه من سير النجوم ~~جمع ليكون مع جميعا كالتصريح في جمع الأرض أيضا في قوله تعالى: {والسموات ~~مطويات} ms2966 أي: مجموعات {بيمينه} قال الإمام الرازي: وههنا سؤالات؛ الأول: أن ~~العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع ثم إنه تعالى قال في صفة العرش ~~{ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} (الحاقة: 17) ، فإذا وصف الملائكة ~~بكونهم حاملين العرش العظيم فكيف يجوز تقرير عظمة الله عز وجل بكونه حاملا ~~للسموات والأرض؟ وأجاب: بأن مراتب التعظيم كثيرة. # فأولها: تقرير الله بكونه قادرا على هذه الأجسام العظيمة كما أن حفظها ~~وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكونه قادرا على إمساك ~~أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. # السؤال الثاني: قوله تعالى: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات ~~مطويات بيمينه} شرح حال لا تحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن ~~كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم معترفون بأنه لا يجوز القول بجعل ~~الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم، وإن كان الخطاب مع ~~المكذبين بالنبوة فهم ينكرون قوله تعالى: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} ~~فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟. # وأجاب عنه: بأن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأرضين من وجوه ~~العمارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإفنائها يوم القيامة، وذلك يدل ~~على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضا على كونه قادرا غنيا ~~على الإطلاق، فإنه # PageV03P460 # يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض وذلك يدل على كمال ~~الاستغناء. # السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية ~~بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا ~~بقدرته تعالى، فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ ~~وأجاب: بأنه خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته ~~في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا. # ولما كان هذا إنما هو تمثيل يعهد والمراد به الغاية في القدرة نزه نفسه ~~المقدس عما ربما نسبه له المجسم والمشبه فقال تعالى: {سبحانه} أي: تنزه من ~~هذه القدرة قدرته عن كل ms2967 شائبة نقص {وتعالى} علو الإيحاط به {عما يشركون} ~~معه لأنه لو كان له شريك ينازعه في هذه القدرة أو بعضها لمنعه شيئا منها ~~وهذه معبوداتهم لا قدرة لها على شيء البتة. روى البخاري في صحيحه في ~~التوحيد وغيره عن عبد الله بن مسعود قال: «جاء حبر من الأحبار إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذا كان يوم القيامة جعل الله تعالى السموات ~~على إصبع والأرضين على إصبع والماء والثرى على إصبع والخلائق على إصبع ثم ~~يهزهن ثم يقول: أنا الملك. فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى ~~بدت نواجذه تعجبا وتصديقا لقول الحبر ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {وما ~~قدروا الله حق قدره} الآية» وإنما ضحك صلى الله عليه وسلم وتعجب لأنه لم ~~يفهم منه إلا ما فهم علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا ~~شيء من ذلك، وإنما يدل ذلك على القدرة الباهرة وأن الأفعال العظام التي ~~تتحير فيها الأذهان هينة عليه هوانا لا يصل السامع إلى الوقوف عليه إلا ~~بإجراء العبارة في مثل هذه الطريقة على التخييل. # وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم ~~يقول أنا الملك أين الجبابرة أين المتكبرون، ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن ~~بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون» . وللبخاري عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض الله الأرض يوم القيامة ~~ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» . قال أبو سليمان ~~الخطابي: ليس فيما يضاف إلى الله عز وجل من وصف اليدين شمال لأن الشمال محل ~~النقص والضعف، وقد ورد كلتا يديه يمين وليس عندنا معنى اليد الجارحة وإنما ~~هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي حيث ~~انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة ~~رضي ms2968 الله تعالى عنهم، وقال سفيان ابن عيينة: كل ما وصف الله تعالى به نفسه ~~في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه انتهى. وقد قدمنا أن السلف يجرون ~~المتشابه على ما هو عليه وأن الخلف يؤولونه والأول أسلم والثاني أحكم. # ولما ذكر تعالى كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل ~~أيضا على كمال العظمة وهو شرح مقدمات يوم القيامة فقال: # {ونفخ في الصور} أي: القرن النفخة الأولى لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك ~~اليوم {فصعق} أي: مات {من في السموات ومن # PageV03P461 # في الأرض} واختلف فيمن استثنى الله تعالى بقوله سبحانه: {إلا من شاء ~~الله} فقال الحسن: هو الله وحده وقال ابن عباس: جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وملك الموت عليهم السلام، ثم يميت الله تعالى ميكائيل وإسرافيل وجبريل وملك ~~الموت، وقيل: حملة العرش، وقيل: الحور والولدان، وقيل: الشهداء لقوله ~~تعالى: {بل أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران: 169) # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هم الشهداء ~~متقلدون أسيافهم حول العرش» . وقال جابر: هو موسى عليه السلام لأنه صعق فلا ~~يصعق ثانيا وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على ~~أنهم من هم وهذا أسلم، {ثم نفخ فيه} أي: في الصور نفخة {أخرى} أي: نفخة ~~ثانية {فإذا هم} أي: جميع الخلائق الموتى {قيام} أي: قائمون {ينظرون} أي: ~~يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب جسيم، وقيل: ينتظرون ~~أمر الله تعالى فيهم وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى ~~لأن لفظة ثم للتراخي، وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ما بين النفختين أربعون قالوا: أربعون يوما، قال أبو ~~هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهرا، قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة، قال: ~~أبيت، قال: ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس ~~من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم ~~القيامة» وقوله ms2969 تعالى: {فإذا هم} يدل على أن قيامهم يحصل عقب هذه النفخة ~~الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء تدل على التعقيب. # ولما ذكر تعالى إقامتهم بالحياة التي هي نور البدن أتبعه بنور أرض ~~القيامة فقال: # {وأشرقت} أي: أضاءت إضاءة عظيمة مالت بها إلى الحمرة {الأرض} أي: التي ~~أوجدت لحشرهم وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} ~~(إبراهيم: 8) # . {بنور ربها} أي: خالقها وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه قال ~~صلى الله عليه وسلم «سترون ربكم» وقال: «كما لا تضارون في الشمس في يوم ~~الصحو» وقال الحسن والسدي: بعدل ربها. {ووضع الكتاب} أي: كتاب الأعمال ~~للحساب لقوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا} (الإسراء: 13) # وقوله تعالى: {ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} ~~(الكهف: 49) # وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ تقابل به الصحف، وقيل: الكتاب الذي أنزل إلى ~~كل أمة تعمل به، واقتصر على هذا البقاعي. {وجيء بالنبيين} أي: للشهادة على ~~أممهم واختلف في قوله تعالى: {والشهداء} فقال ابن عباس: يعني الذين يشهدون ~~للرسل بتبليغ الرسالة وهم: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه لقوله تعالى: ~~{جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} (البقرة: 143) # وقال عطاء ومقاتل: يعني الحفظة لقوله تعالى: {وجاءت كل نفس معها سائق ~~وشهيد} (ق: 21) # وقيل: هم المستشهدون في سبيل الله. # ولما بين تعالى أنه يوصل إلى كل واحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات ~~أولها قوله تعالى: {وقضى بينهم} أي: العباد {بالحق} أي: العدل، ثانيها: ~~قوله تعالى: {وهم لا يظلمون} أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم، ~~ثالثها: قوله تعالى: # {ووفيت كل نفس ما عملت} أي: جزاء ما عملته، رابعها: قوله تعالى: {وهو ~~أعلم بما يفعلون} أي: فلا يفوته شيء من أفعالهم ثم فصل التوفية بقوله تعالى ~~مقدما أهل الغضب: # {وسيق الذين كفروا} أي: بالعنف # PageV03P462 # والدفع {إلى جهنم} كما قال تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا} (الطور: ~~13) # أي: يدفعون إليها ms2970 دفعا وقوله تعالى: {زمرا} حال أي: جماعات في تفرقة ~~بعضهم على أثر بعض كل أمة على حدة. {حتى إذا جاؤوها} أي: على صفة الذل ~~والصغار، وأجاب إذا بقوله تعالى: {فتحت أبوابها} أي: السبعة وكانت مغلقة ~~قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها، وقرأ الكوفيون فتحت وفتحت ~~الآتية بالتخفيف والباقون بالتشديد على التكثير. {وقال لهم خزنتها} إنكارا ~~عليهم وتقريعا وتوبيخا {ألم يأتكم رسل منكم} أي: من جنسكم لأن قيام الحجة ~~بالجنس أقوى {يتلون} أي: يتلون مرة بعد مرة وشيئا في إثر شيء {عليكم آيات ~~ربكم} أي: المحسن إليكم من القرآن وغيره {وينذرونكم} أي: يخوفونكم {لقاء ~~يومكم} وقولهم {هذا} إشارة إلى يوم البعث، فإن قيل: لم أضيف إليهم اليوم؟ ~~أجيب: بأنهم أرادوا لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة، ~~قال الزمخشري: وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضا في أوقات الشدة، ~~ويجوز أن يراد باليوم يوم البعث كله وجرى عليه البقاعي وهو أولى ولما قال ~~لهم الخزنة ذلك {قالوا بلى} أتونا وتلوا علينا وحذرونا {ولكن حقت} أي: وجبت ~~{كلمة العذاب} أي: التي سبقت في الأزل علينا هكذا كان الأصل ولكنهم قالوا ~~{على الكافرين} تخصيصا بأهل هذا الوصف وبيانا لأنه موجب دخولهم وهو تغطيتهم ~~الأنوار التي أتتهم بها الرسل عليهم الصلاة والسلام. # تنبيه: في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا ~~لهم أنهم ما بقي لهم عذر ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلو ~~لم يكن مجيء الرسل شرطا في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة، ~~وقيل: كلمة العذاب هي قوله تعالى: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} ~~(هود: 119) # ثم كأنه قيل: فماذا وقع بعد هذا التقريع؟. # {قيل} : وقع أن الملائكة قالت لهم {ادخلوا أبواب جهنم} أي: طبقاتها ~~المتجهمة لداخلها {خالدين} أي: مقدرين الخلود {فيها} ولما كان سبب كفرهم ~~بالآيات هو التكبر قالوا لهم: {فبئس مثوى} أي: منزل ومقام {المتكبرين} أي: ~~الذين أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب عليهم فلذلك تعاطوا أسبابها. ms2971 # ولما ذكر تعالى أحوال الكافرين أتبعه أحوال أضدادهم فقال عز من قائل: # {وسيق الذين اتقوا ربهم} أي: الذين كلما زادهم إحسانا زادوا له هيبة {إلى ~~الجنة} وقوله تعالى: {زمرا} حال أي: جماعات أهل الصلاة المستكثرين منها على ~~حدة وأهل الصوم كذلك إلى غير ذلك من الأعمال التي تظهر آثارها على الوجوه. # فإن قيل: السوق في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع ~~العذاب لا بد وأن يساقوا إليه وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع ~~السعادة والراحة فأي حاجة فيه إلى السوق؟ أجيب: بأن المراد بسوق أهل النار ~~طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا ~~سيقوا إلى حبس أو قتل، والمراد بسوق أهل الجنة: سوق مراكبهم لأنه لا يذهب ~~بهم إلا راكبين سراعا إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من ~~الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين هذا سوق تشريف وإكرام وذاك ~~سوق إهانة وانتقام، وهذا من بدائع أنواع البديع وهو أن # PageV03P463 # يأتي سبحانه بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم بعقابهم، ويأتي بتلك ~~الكلمة بعينها وهيئتها في حق المؤمنين فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم فسبحان ~~من أنزله معجز المباني وتمكن المعاني عذب الموارد والمثاني. # وقيل: إن المحبة والصداقة باقية بين المتقين إلى يوم القيامة كما قال ~~تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوا إلا المتقين} (الإحزاب: 67) # فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبابي ~~وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السوق إلى الجنة. # ولما ذكر تعالى السوق ذكر غايته بقوله تعالى: {حتى إذا جاؤوها} اختلف في ~~جواب إذا على أوجه أحدها قوله تعالى: {وفتحت أبوابها} والواو زائدة وهو رأي ~~الكوفيين والأخفش، وإنما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجون ~~مغلقة عادة إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فتفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك ~~عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظارا لمن يدخلها، ~~فعلى هذا أبواب جهنم تكون مغلقة ms2972 لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، فأما ~~أبواب الجنة ففتحها يكون مقدما على دخولهم إليها كما قال تعالى: {جنات عدن ~~مفتحة لهم الأبواب} (ص: 50) # فلذلك جيء بالواو فكأنه قال: حتى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها. # ثانيها قوله تعالى: {وقال لهم خزنتها} أي: بزيادة الواو أيضا أي: حتى إذا ~~جاؤوها قال لهم خزنتها، ثالثها: قال الزجاج: القول عندي إن الجواب محذوف ~~تقديره دخلوها بعد قوله تعالى: {إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها} ~~أي: حين الوصول {سلام عليكم} تعجيلا للمسرة بالبشارة بالسلامة التي لا عطب ~~فيها {طبتم} أي: صلحتم لسكناها لأنها دار طهرها الله تعالى من كل دنس ~~وطيبها من كل قذر فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها فما أبعد أحوالنا ~~من تلك المناسبة وما أضعف سعينا في اكتساب تلك الصفة إلا أن يهب لنا الوهاب ~~الكريم توبة نصوحا تنقي أنفسنا من درن الذنوب وتميط وضر هذه القلوب ثم ~~سببوا عن ذلك {فادخلوها خالدين} أي: مقدرين الخلود. وسمى بعضهم الواو في ~~قوله تعالى: {وفتحت} واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا ~~في قوله تعالى: {وثامنهم كلبهم} (الكهف: 22) # وقيل: تقدير الجواب {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها} يعني أن الجواب بلفظ ~~الشرط ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صح، وقدره الجلال المحلي بقوله: ~~دخلوها وقال: إن قوله تعالى: # {وقالوا} عطف على دخلوها المقدر {الحمد} أي: الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} ~~أي: الملك الأعظم {الذي صدقنا وعده} في قوله تعالى: {تلك الجنة التي نورث ~~من عبادنا من كان تقيا} (مريم: 63) # فطابق قوله الواقع الذي وجدناه في هذه الساعة {وأورثنا} كما وعدنا ~~{الأرض} أي: الأرض التي لا أرض في الحقيقة غيرها وهي أرض الجنة التي لا كدر ~~فيها بوجه وفيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقولهم: {نتبوأ} أي: ننزل ~~{من الجنة حيث نشاء} جملة حالية وحيث ظرف على بابها وقيل: مفعول به، وإنما ~~عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجهين؛ أحدهما: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم ~~عليه السلام لأنه تعالى قال: ms2973 {فكلا منها رغدا حيث شئتما} فلما عادت الجنة ~~إلى أولاد آدم عليه السلام كان ذلك سببا للإرث، ثانيها: أن الوارث ينصرف ~~فيما ورثه كيف شاء من غير منازع فكذلك المؤمنون يتصرفون # PageV03P464 # في الجنة حيث شاؤوا وأرادوا، فإن قيل: كيف يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ أجيب: ~~بأن لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ من جنته حيث ~~شاء ولا يحتاج إلى جنة غيره ولا يشتهي أحد إلا مكانه مع أن في الجنة مقامات ~~معنوية لا يتمانع واردوها ولما كانت بهذا الوصف الجليل تسبب عنه مدحها ~~بقوله: {فنعم} أي: أجرنا هكذا كان الأصل ولكنه قال: {أجر العاملين} ترغيبا ~~في الأعمال وحثا على عدم الاتكال. # ولما ذكر سبحانه الذين أكرمهم من المتقين وما وصلوا إليه من المقامات ~~أتبعهم أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات فقال تعالى صارفا ~~الخطاب لعلو الخبر إلى أعلى الخلق لأنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره: # {وترى الملائكة} أي: القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق وقوله تعالى: ~~{حافين} حال أي: محدقين {من حول العرش} أي: من جوانبه التي يمكن الحفوف بها ~~بالقرب منها يسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتحميد والتقديس والاهتزاز خوفا من ~~ربهم، فإدخال من يفهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله تعالى أنهم لا ~~يملؤون حوله، وهذا أولى من قول البيضاوي: إن من زائدة وقوله تعالى: ~~{يسبحون} حال من ضمير حافين {بحمد ربهم} أي: متلبسين بحمده يقولون سبحان ~~الله وبحمده فهم ذاكرون له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذا به، وفيه إشعار بأن ~~منتهى درجات العليين وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق {وقضي بينهم} ~~أي: بين جميع الخلق {بالحق} أي: العدل فيدخل المؤمن الجنة والكافر النار أو ~~بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم {وقيل} أي: وقال ~~المؤمنون من المقضي بينهم والملائكة وطي ذكرهم لتعيينهم وتعظيمهم {الحمد} ~~أي: الإحاطة بجميع أوصاف الكمال، وعدل بالقول إلى ما هو أحق بهذا المقام ~~فقال {لله} ذي الجلال والإكرام علمنا ذلك في هذا اليوم عين ms2974 اليقين كما كنا ~~في الدنيا نعلمه علم اليقين. # ولما كان هذا اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق ~~وانفتاح البصائر وسعة الضمائر قال واصفا له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم ~~الأعظم {رب العالمين} أي: الذين ابتدأهم أول مرة من العدم، وأقامهم ثانيا ~~بما رباهم به من التدبير، وأعادهم ثالثا بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير ~~وأبقاهم رابعا لا إلى أخير وقيل: إن الله تعالى ابتدأ ذكر الخلق بالحمد لله ~~في قوله سبحانه: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} (الأنعام: 1) # وختم بالحمد في آخر الأمر وهو استقرار الفريقين في منازلهم فنبه بذلك على ~~تحميده في بداية كل أمر وخاتمته والله أعلم بمراده وأسرار كتابه، وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الزمر لم ~~يقطع الله رجاءه يوم القيامة وأعطاه الله ثواب الخائفين» . حديث موضوع، ~~وقوله عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: «أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر» رواه الترمذي وغيره. ### | سورة غافر # (المؤمن) # مكية قال الحسن: إلا قوله: {وسبح بحمد ربك} لأن الصلوات نزلت بالمدينة، ~~وقد قيل في الحواميم: أنها كلها مكية عن ابن عباس وابن الحنفية، وتسمى: ~~سورة الطول وسورة غافر وهي: خمس وقيل: اثنتان # PageV03P465 # وثمانون آية وألف ومائة وتسع وتسعون كلمة وأربع آلاف وتسعمائة وستون حرفا # {بسم الله} الملك الأعظم الذي يعطي كلا من عباده ما يستحقه فلا يقدر أحد ~~أن يناقض في شيء من ذلك ولا يعارض. {الرحمن} الذي عمهم برحمته في الدنيا ~~بالخلق والرزق والبيان الذي لا خفاء معه. {الرحيم} الذي يخص برحمته من يشاء ~~من عباده فيجعله حكيما وفي ملك الأرض وملكوت السموات عليما. وقوله تعالى: # {حم} قرأه ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة، وورش وأبو ~~عمرو بين بين والباقون بالفتح وقد سبق الكلام في حروف التهجي، وقال ابن ~~عباس: {حم} اسم الله الأعظم وعنه قال: الر وحم ون حروف الرحمن مقطعة وقيل: ~~حم اسم السورة، وقيل: الحاء افتتاح أسمائه حليم وحميد ms2975 وحي وحكيم وحنان ~~والميم افتتاح أسمائه ملك مجيد منان، وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى ما ~~هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معنى حم: حم بضم الحاء وتشديد الميم، وهل يجوز ~~أن يجمع حم على حواميم؟ نقل ابن الجوزي عن شيخه الجواليقي أنه خطأ وليس ~~بصواب بل الصواب أن يقول: قرأت آل حم. وفي الحديث عن ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات. وقال الكميت: # *وجدنا لكم في آل حم آية ... تأولها منا تقي ومعرب* # ومنهم من جوزه، وروي في ذلك أحاديث منها: قوله صلى الله عليه وسلم ~~«الحواميم ديباج القرآن» . وقوله صلى الله عليه وسلم «الحواميم سبع وأبواب ~~جهنم سبع جهنم والحطمة ولظى والسعير وسقر والهاوية والجحيم، فتجيء كل حم ~~منهن يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فتقول لا يدخل النار من كان يؤمن ~~بي ويقرؤني» . وقوله صلى الله عليه وسلم «لكل شيء ثمرة وثمرة القرآن ذوات ~~حم هن روضات حسان مخصبات متجاورات، فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ ~~الحواميم» . وقوله صلى الله عليه وسلم «الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في ~~الثياب» . وقال ابن عباس: لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم، قال ابن ~~عادل: فإن صحت هذه الأحاديث فهي الفصل في ذلك أي: فتدل على جواز الجمع، ~~وقال البيضاوي في حم السجدة: ولعل افتتاح هذه السبع بحم وتسميتها به لكونها ~~مصدرة بيان الكتاب متشاكلة في النظم والمعنى أي: أخذا مما قيل إن حم اسم من ~~أسماء القرآن وقوله تعالى: # {تنزيل الكتاب} أي: الجامع من الحدود والأحكام والمعارف والإكرام إما خبر ~~لحم إن كانت مبتدأ، وإما خبر لمبتدأ مضمر وإما مبتدأ وخبره {من الله} أي: ~~الجامع لجميع صفات الكمال، ولما كان النظر هنا من بين جميع الصفات إلى ~~العزة والعلم أكثر لأجل أن المقام لإثبات الصدق وعدا ووعيدا قال تعالى: ~~{العزيز} أي: في ملكه {العليم} بخلقه، فبين تعالى أنه بقدرته وعلمه أنزل ~~القرآن الذي يتضمن المصالح والإعجاز ولولا كونه ms2976 عزيزا عالما لما صح ذلك. # {غافر الذنب} أي: بتوبة وغير توبة للمؤمن إن شاء وأما الكافر فلا بد من ~~توبته بالإسلام {وقابل التوب} أي: ممن عصاه وهو يحتمل أن يكون اسما مفردا ~~مرادا به الجنس كالذنب وأن يكون جمعا لتوبة كتمر وتمرة {شديد العقاب} أي: ~~على الكافر، فإن قيل: إن شديد صفة مشبهة فإضافته غير محضة بكل حال بخلاف ~~اسم الفاعل إذا لم يرد به الحال ولا الاستقبال # PageV03P466 # كغافر الذنب وقابل التوب فإن إضافته محضة تفيد التعريف، قال سيبويه: كل ~~ما إضافته غير محضة يجوز أن تجعل محضة وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة ~~ولم يستثن الكوفيون شيئا؟ أجيب: بأن شديد معناه مشدد كأذين بمعنى مأذون ~~فتتمحض إضافته أو الشديد عقابه، فحذف اللام للازدواج مع أمن الالتباس أو ~~بالتزام مذهب الكوفيين هو أن الصفة المشبهة يجوز أن تتمحض إضافتها أيضا ~~فتكون معرفة يقولون في نحو حسن الوجه يجوز أن تصير إضافته محضة وقال ~~الرازي: لا نزاع في جعل غافر وقابل صفتين وإنما كان كذلك لأنهما يفيدان ~~معنى الدوام والاستمرار فكذلك شديد العقاب لأن صفاته منزهة عن الحدوث ~~والتجدد فمعناه كونه بحيث يقال شديد عقابه وهذا المعنى حاصل أبدا، فلا يوصف ~~بأنه حصل بعد أن لم يكن قال أبو حيان: وهذا كلام من لم يقف على علم النحو ~~ولا نظر فيه ويلزمه أن يكون: {حكيم عليم} و {مليك مقتدر} معارف لتنزيه ~~صفاته عن الحدوث والتجدد، ولأنها صفات لم تحصل بعد إن لم تكن ويكون تعريف ~~صفاته بأل وتنكيرها سواء وهذا لا يقوله مبتدئ في علم النحو فكيف من يصنف ~~فيه ويقدم على تفسير كتاب الله تعالى. قال الزمخشري: فإن قلت ما بال الواو ~~في قوله: {وقابل التوب} قلت: فيها نكتة جليلة وهي إفادة الجمع للمذنب ~~التائب بين رحمتين بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن ~~يجعلها محاءة للذنوب كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول. قال ابن ~~عادل: وبعد هذا الكلام الأنيق وإبراز هذه المعاني الحسنة، قال ms2977 أبو حيان: ~~وما أكثر تبجح # هذا الرجل وشقشقته والذي أفادته الواو الجمع وهذا معلوم من ظاهر علم ~~النحو. وأنشد بعضهم: # *وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم* # وقال آخر: # *قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم* # ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب بالعقوبة أتبعه التشويق إلى الفضل فقال ~~تعالى {ذي الطول} أي: سعة الفضل والإنعام والقدرة والغنى والسعة والمنة فلا ~~يماثله في شيء من ذلك أحد ولا يدانيه، قال ابن عباس: غافر الذنب لمن قال لا ~~إله إلا الله وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله شديد العقاب لمن لا ~~يقول: لا إله إلا الله ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله، وقال الحسن: ~~ذو الفضل، وقال قتادة: ذو النعم ثم علل تمكنه من كل شيء من ذلك بوحدانيته ~~فقال تعالى: {لا إله إلا هو إليه} وحده {المصير} أي: المرجع فلو جعل معه ~~إلها آخر يشاركه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة ~~فكان الترغيب والترهيب الكاملان حاصلين بسبب هذا التوحيد وقوله تعالى: ~~{إليه المصير} مما يقوي الرغبة في الإقرار بالعبودية له، روي أن عمر رضي ~~الله تعالى عنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له: تتابع في ~~هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك وأنا أحمد ~~إليك الله الذي لا إله إلا هو بسم الله الرحمن الرحيم حم إلى قوله تعالى: ~~{إليه المصير} وختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا، ثم ~~أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد ~~وعدني الله أن يغفر لي وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع وأحسن ~~النزوع وحسنت توبته، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا # PageV03P467 # فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زل زلة فسددوه وقفوه وادعوا له الله تعالى أن ~~يتوب عليه ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه. # ولما قرر تعالى أن القرآن كتاب ms2978 أنزله ليهتدي به في الدين ذكر أحوال من ~~يجادل لغرض إبطاله فقال: # {ما يجادل} أي: يخاصم ويماري أي: يفتل الأمور إلى مراده {في آيات الله} ~~أي: في إبطال أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدال كالشمس على أنه ~~تعالى إليه المصير بأن يغش نفسه بالشك في ذلك {إلا الذين كفروا} قال أبو ~~العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن قوله تعالى: {ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} وقوله تعالى: {وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق بعيد} (البقرة: 176) # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن جدالا في القرآن كفر» . ~~وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قوما يتمارون في القرآن فقال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم ضربوا كتاب الله ~~بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم عنه فكلوه إلى عالمه» . وعن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص قال: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ~~فسمعت أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف ~~في وجهه الغضب فقال: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب» . # تنبيه: الجدال نوعان: جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل. أما ~~الأول: فهو حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال تعالى لنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم {وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل: 125) # وحكى عن قوم نوح قولهم: {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} (هود: 32) # . وأما الثاني: فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية فجدالهم في آيات الله هو ~~قولهم مرة هذا سحر، ومرة هذا شعر، ومرة هو قول الكهنة، ومرة أساطير ~~الأولين، ومرة إنما يعلمه بشر، وأشباه هذا. # ولما أثبت أن الحشر لا بد منه وأن الله تعالى قادر كل القدرة لأنه لا ~~شريك له، وهو محيط بجميع أوصاف الكمال تسبب عن ذلك قوله تعالى: {فلا يغررك ~~تقلبهم} أي: تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال الدنيا ~~عليهم {في البلاد} كبلاد ms2979 الشام واليمن فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ ~~من قبلهم كما قال تعالى: # {كذبت قبلهم قوم نوح} وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام بما ~~يحاولونه وكانوا حزبا واحدا لم يفرقهم شيء، ولما كان الناس من بعدهم قد ~~كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان وكان للإجمال من الردع في بعض ~~المواطن ما ليس للتفصيل، قال تعالى: {والأحزاب} أي: الأمم المتفرقة الذين ~~لا يحصون عددا ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله: {من ~~بعدهم} كعاد وثمود {وهمت كل أمة} أي: من هؤلاء {برسولهم} أي: الذي أرسلناه ~~إليهم {ليأخذوه} أي: ليتمكنوا من إصابته بما أرادوه من تعذيب أو قتل.s # ويقال للأسير: أخيذ، وقال ابن عباس: ليقتلوه ويهلكوه {وجادلوا بالباطل} ~~أي: بالأمر الذي لا حقيقة له وليس له من ذاته إلا الزوال كما تفعل قريش ومن ~~ضاهاهم من العرب ثم بين علة مجادلتهم بقوله تعالى: {ليدحضوا} أي: ليزيلوا ~~{به الحق} أي: الذي جاءت به الرسل عليهم السلام {فأخذتهم} أي: أهلكتهم وهم ~~صاغرون، وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال والباقون بالإدغام {فكيف كان ~~عقاب} لهم أي: هو واقع موقعه وهم يمرون على ديارهم # PageV03P468 # ويرون أثرهم وهذا تقريع فيه معنى التعجب. # تنبيه: حذفت ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى شيء من عذابه بأدنى نسبة كاف ~~في المراد، ولما كان التقدير فحقت عليهم كلمة الله تعالى عطف عليه. # {وكذلك} أي: ومثل ما حقت عليهم كلمتنا بالأخذ {حقت كلمة ربك} أي: المحسن ~~إليك وهي {لأملأن جهنم} الآية {على الذين كفروا} لكفرهم، وقرأ نافع وابن ~~عامر بألف بعد الميم على الجمع والباقون بغير ألف على الإفراد، وقوله: ~~{أنهم أصحاب النار} في محل رفع بدل من {كلمة ربك} أي: مثل ذلك الوجوب وجب ~~على الكفرة كونهم من أصحاب النار ومعناها: كما وجب إهلاكهم في الدنيا ~~بالعذاب المستأصل كذلك وجب هلاكهم بعذاب النار في الآخرة أو في محل نصب ~~بحذف لام التعليل وإيصال الفعل ولما بين تعالى أن الكفار بالغوا في إظهار ~~العداوة للمؤمنين بقوله: {ما يجادل ms2980 في آيات الله} وما بعده، بين تعالى أن ~~الملائكة الذين هم حملة العرش والحافون حوله يبالغون في إظهار المحبة ~~والنصر للمؤمنين فقال تعالى: # {الذين يحملون العرش} وهو مبتدأ وقوله: {ومن حوله} عطف عليه وقوله تعالى: ~~{يسبحون} خبره {بحمد ربهم} أي: المحسن إليهم، قال شهر بن حوشب: حملة العرش ~~ثمانية أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك فلك الحمد على حلمك بعد ~~علمك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك فلك الحمد على عفوك بعد ~~قدرتك قال: وكأنهم يرون ذنوب بني آدم وقيل: إنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم ~~القيامة أمر الله تعالى بأربعة أخر كما قال تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم ~~يومئذ ثمانية} (الحاقة: 17) # وهم من أشراف الملائكة وأفضلهم لقربهم من محل رحمة ربهم قال ابن الخازن: ~~وجاء في الحديث: أن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، ولكل ~~واحد منهم أربعة أجنحة جناحان منها على وجه مخافة أن ينظر إلى العرش فيضعف ~~وجناحان يهفو بهما في الهواء، ليس لهم كلام غير التسبيح والتحميد والتكبير ~~والتمجيد، ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء. وقال ابن عباس: ~~حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام، ويروى أن ~~أقدامهم في تخوم الأرض والأرضون والسموات إلى حجزتهم وهم يقولون: سبحان ذي ~~العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبوح قدوس ~~رب الملائكة والروح، وقال ميسرة بن عرفة: أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم ~~خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة ~~وأهل السماء السابعة أشد خوفا من أهل السماء التي تليها والتي تليها أشد ~~خوفا من التي تليها. وقال مجاهد: بين الملائكة والعرش سبعون ألف حجاب من ~~نور وسبعون ألف حجاب من ظلمة. وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين ~~شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة ms2981 عام» ، وأما صفة العرش فقيل: أنه من ~~جوهرة خضراء وهو من أعظم المخلوقات خلقا. روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ~~أنه قال: بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطائر المسرع ~~ثلاثين ألف عام، ويكسي العرش كل يوم سبعين ألف لون من نور لا يستطيع أن ~~ينظر إليه خلق من خلق الله تعالى كلها، والأشياء كلها # PageV03P469 # في العرش كحلقة في فلاة، وقال مجاهد: بين السماء السابعة والعرش سبعون ~~ألف حجاب حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة. وقيل: إن العرش قبلة ~~أهل السماء كما أن الكعبة قبلة أهل الأرض، وأما من حول العرش فهم الكروبيون ~~وهم سادات الملائكة. قال وهب بن منبه: إن حول # العرش سبعين ألف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون بالعرش يقبل هؤلاء ~~ويقبل هؤلاء، فإذا استقبل بعضهم بعضا هلل هؤلاء وكبر هؤلاء، ومن ورائهم ~~سبعون ألف صف قيام أيديهم على أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم فإذا سمعوا ~~تكبير هؤلاء وتهليلهم رفعوا أصواتهم فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأحلمك ~~أنت الله لا إله غيرك أنت الأكبر، الخلق كلهم لك راجعون ومن وراء هؤلاء ~~وهؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى، ليس منهم أحد ~~إلا يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلثمائة عام، ~~وما بين شحمتي أذنيه إلى عاتقه أربعمائة عام، وقد احتجب الله عز وجل عن ~~الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابا من نار وسبعين حجابا من ظلمة وسبعين ~~حجابا من نور وسبعين حجابا من در أبيض وسبعين حجابا من ياقوت أحمر وسبعين ~~حجابا من زبرجد أخضر وسبعين حجابا من ثلج وسبعين حجابا من ماء وسبعين حجابا ~~من برد، وما لا يعلم علمه إلا الله تعالى، فسبحان من له هذا الملك العظيم. # ولما كان تعالى لا يحيط به علما أحد من خلقه أشار إلى أنهم مع قربهم ~~كغيرهم لا فرق في ذلك بينهم وبين من في الأرض السفلى بقوله تعالى: {ويؤمنون ~~به} لأن الإيمان ms2982 إنما يكون بالغيب فهم يصدقون بأنه واحد لا شريك له ولا مثل ~~له ولا نظير له، فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {ويؤمنون به} ولا يخفى على ~~أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون؟ أجيب: ~~بأن فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه كما وصف الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام في غير موضع من كتابه بالصلاح، لذلك وكما عقب أعمال الخير ~~بقوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} فأبان بذلك فضل الإيمان ولما كانوا ~~لقربهم أشد الخلق خوفا لأنه على قدر القرب من تلك الحضرات يكون الخوف وكان ~~أقرب ما يتقرب به إلى الملك لتقربه إلى أهل وده نبه سبحانه بقوله تعالى: ~~{ويستغفرون} أي: يطلبون محو الذنوب عينا وأثرا {للذين آمنوا} أي: أوقعوا ~~هذه الحقيقة فهم يستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم، وفي ذلك تنبيه على أن ~~الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعث على إمحاض ~~الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن، فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان ~~ولا بين سماوي وأرضي قط، ولكن لما جاء جامع الإيمان جاء معه التجانس الكلي ~~والتناسب الحقيقي حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض قال تعالى: ~~{ويستغفرون لمن في الأرض} (الشورى: 5) # واستغفارهم بأن يقولوا {ربنا} أي: أيها المحسن إلينا بالإيمان وغيره فهو ~~معمول لقول مضمر في محل نصب على الحال من فاعل يستغفرون أو خبر بعد خبر ~~{وسعت كل شيء رحمة وعلما} أي: وسعت رحمتك كل شيء وعلمك كل شيء، فأزيل ~~الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على ~~التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم كأن ذاته رحمة وعلم واسعان # PageV03P470 # كل شيء، وأكثر ما يكون الدعاء بذكر الرب لأن الملائكة قالوا في هذه الآية ~~وقال آدم عليه السلام: {ربنا ظلمنا أنفسنا} (الأعراف: 23) # وقال نوح عليه السلام: {رب إن قومي كذبون} (الشعراء: 117) # وقال: {رب اغفر لي ولوالدي} (إبراهيم: 41) # وقال إبراهيم عليه السلام: {رب أرني كيف تحيي الموتى} (البقرة: 260) # وقال: {ربنا ms2983 واجعلنا مسلمين لك} (البقرة: 128) # وقال يوسف عليه السلام: {رب قد آتيتني من الملك} (يوسف: 101) # وقال موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} (الأعراف: 143) # وقال: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} (القصص: 16) # وقال سليمان عليه السلام: {رب اغفر لي وهب لي ملكا} (ص: 35) # وقال عيسى عليه السلام: {ربنا أنزل علينا مائدة من السماء} (المائدة: ~~114) # وقال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} ~~(المؤمنون: 97) ، فإن قيل: لفظ الله أعظم من لفظ الرب فلم خص لفظ رب ~~بالدعاء؟ أجيب: بأن العبد يقول: كنت في العدم المحض والنفي الصرف فأخرجتني ~~إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك وإحسانك سببا لإجابة دعائي {فاغفر للذين ~~تابوا} أي: رجعوا إليك عن ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحوها عينا وأثرا فلا ~~عقاب ولا عتاب ولا ذكر لها {واتبعوا} أي: كلفوا أنفسهم على مالها من العوج ~~إن لزموا {سبيلك} المستقيم الذي لا لبس فيه. ولما كان الغفران قد يكون لبعض ~~الذنوب وكان سبحانه وتعالى له أن يعذب من لا ذنب له وأن يعذب من غفر ذنبه ~~قالوا: {وقهم عذاب الجحيم} أي: اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم ~~الاستقامة وتتم نعمتك عليهم فإنك وعدت من كان كذلك بذلك ولا يبدل القول ~~لديك وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء وإن الخلق عبيدك، ولما طلبوا من الله ~~سبحانه وتعالى إزالة العذاب عنهم وكان ذلك لا يستلزم الثواب قالوا مكررين ~~صفة الإحسان زيادة في الرقة في طلب الامتنان. # {ربنا} أيها المحسن إلينا {وأدخلهم جنات عدن} أي: إقامة {التي وعدتهم} ~~أي: إياها وقولهم: {ومن صلح} معطوف على هم في وعدتهم وقدموا قولهم: {من ~~آبائهم} على قولهم: {وأزواجهم وذرياتهم} لأن الآباء أحق الناس بالإجلال ~~وقدموا الأزواج في اللفظ على الذرية لأنهم أشد إلصاقا بالشخص وطلبوا لهم ~~ذلك لأن الإنسان لا يتم نعيمه إلا بأهله، قال سعيد بن جبير: يدخل الجنة ~~المؤمن فيقول: أين أبي أين ولدي وزوجتي؟ فيقال له: إنهم لم يعملوا مثل ~~عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم، فيقال: ms2984 أدخلوهم الجنة. {إنك أنت} أي: ~~وحدك {العزيز} أي: فأنت تغفر لمن شئت {الحكيم} فكل فعلك في أتم مواضعه فلا ~~يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه. # {وقهم السيئات} أي: بأن تجعل بينهم وبينها وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق ~~الحاملة عليها، فإن قيل: هذا مكرر مع قوله: {وقهم عذاب الجحيم} ؟ أجيب: بأن ~~التفاوت حاصل من وجهين: أحدهما: أن يكون قولهم وقهم عذاب الجحيم دعاء ~~مذكورا للأصول وقولهم: وقهم السيئات دعاء مذكورا للفروع وهم الآباء ~~والأزواج والذريات، ثانيهما: أن يكون قوله: {وقهم عذاب الجحيم} مقصورا على ~~إزالة عذاب الجحيم وقوله: {وقهم السيئات} يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف ~~يوم القيامة والسؤال والحساب، فيكون تعميما بعد تخصيص وهذا أولى. وقال بعض ~~المفسرين: إن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار عنهم بقولهم وقهم عذاب ~~الجحيم، وطلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم: وأدخلهم جنات عدن، ثم طلبوا بعد ~~ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا من العقائد الفاسدة بقولهم وقهم ~~السيئات. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر # PageV03P471 # الميم والهاء، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم ~~الميم ثم قالت الملائكة: {ومن تق السيئات} أي: جزاءها كلها {يومئذ} أي: يوم ~~تدخل فريقا الجنة وفريقا النار المسببة عن السيئات وهو يوم القيامة {فقد ~~رحمته} أي: الرحمة الكاملة التي لا يستحق غيرها معها أن يسمى رحمة فإن تمام ~~النعيم لا يكون إلا بها لزوال التحاسد والتباغض والنجاة من النار باجتناب ~~السيئات ولذلك قالوا: {وذلك} أي: الأمر العظيم جدا {هو الفوز العظيم} أي: ~~النعيم الذي لا ينقطع في جوار ملك لا تصل العقول إلى كنه عظمته وإجلاله هذا ~~آخر دعاء الملائكة للمؤمنين، قال مطرف: أنصح عباد الله تعالى للمؤمنين ~~الملائكة وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين. ثم إنه تعالى بعد أن ذكر أحوال ~~المؤمنين عاد إلى ذكر أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله تعالى وهم ~~المذكورون في قوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} (غافر: ~~4) # فقال تعالى مستأنفا مؤكدا لإنكارهم آيات الله تعالى: # {إن الذين كفروا} أي: أوقعوا الكفر ولو ms2985 لحظة {ينادون} يوم القيامة وهم في ~~النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرض عليهم سيئاتهم وعاينوا العذاب فيقال لهم: ~~{لمقت الله} أي: الملك الأعظم إياكم {أكبر} والتقدير: لمقت الله لأنفسكم ~~أكبر {من مقتكم أنفسكم} فاستغنى بذكرها مرة وقوله تعالى: {إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون} منصوب بالمقت الأول والمعنى: أنه يقال لهم يوم القيامة: ~~كان الله تعالى يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان يدعوكم إلى ~~الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر، أشد ما تمقتونهن اليوم وأنتم في ~~النار إذا وقعتم فيها باتباعكم هواهن. وذكروا في تفسير مقتهم أنفسهم وجوها؛ ~~أولها: أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم ~~على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا. ثانيها: أن الأتباع يشتد مقتهم ~~للرؤساء الذين يدعونهم إلى الكفر في الدنيا، والرؤساء أيضا يشتد مقتهم ~~للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضا بأنهم مقتوا أنفسهم كقوله تعالى: {اقتلوا ~~أنفسكم} (النساء: 66) # والمراد أن يقتل بعضكم بعضا. ثالثها: قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس ~~وهو في النار بقوله: ما كان لي عليكم من سلطان إلى قوله ولوموا أنفسكم، ففي ~~هذه الحالة مقتوا أنفسهم. وأما الذين ينادون الكفار بهذا الكلام فهم خزنة ~~جهنم، وعن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا لمقت الله ~~أكبر، وقيل: معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض كقوله ~~تعالى: {يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} (العنكبوت: 25) # و {إذ تدعون} تعليل، والمقت: أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال ~~فالمراد منه: أبلغ الإنكار وأشده، وعن مجاهد: مقتوا أنفسهم حين رأوا ~~أعمالهم ومقت الله تعالى إياهم في الدنيا، إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون ~~أكبر، وقال الفراء: معناه: ينادون إن مقت الله يقال: ناديت أن زيدا قائم ~~وناديت لزيد قائم، وقرأ أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي بإدغام الذال في ~~التاء والباقون بالإظهار ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خوطبوا بهذا ~~الخطاب: # {قالوا ربنا} أي: أيها المحسن إلينا بما تقدم في دار الدنيا {أمتنا ~~اثنتين} أي: إماتتين {وأحييتنا اثنتين} أي: ms2986 إحيائتين، قال ابن عباس # PageV03P472 # وقتادة والضحاك: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى في ~~الدنيا ثم أماتهم الموتة الأولى التي لا بد منها ثم أحياهم للبعث يوم ~~القيامة فهما موتتان وحياتان وهو كقوله تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} (البقرة: 28) # وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للمسألة ثم أميتوا في ~~قبورهم ثم أحيوا في الآخرة، وقيل: واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة ~~الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر ورد بأن الصعق ~~ليس بموت وما في القبر ليس بحياة حتى يكون عنه موت وإنما هو إقدار على ~~الكلام كما أقدر سبحانه الحصا على التسبيح والحجر على التسليم والضب على ~~الشهادتين. {فاعترفنا بذنوبنا} أي: بكفرنا بالبعث {فهل إلى خروج} من النار ~~إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك {من سبيل} أي: طريق ونظيره هل إلى ~~مرد من سبيل، والمعنى: أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان ~~فاسدا باطلا تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليشتغلوا بالأعمال الصالحة، فإن قيل: ~~الفاء في قوله تعالى: {فاعترفنا بذنوبنا} تقتضي أن تكون الإماتة مرتين ~~والإحياء مرتين سببا لهذا الاعتراف فما وجه هذه السببية؟ أجيب: بأنهم كانوا ~~منكرين البعث فلما شاهدوا هذا الإحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في ~~الإقرار بالبعث، فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن تلك الإماتة والإحياء. # ولما كان الجواب قطعا لا سبيل إلى ذلك علله بقوله تعالى: # {ذلكم} أي: القضاء النافذ العظيم العالي بتخليدكم في النار مقتا منه لكم ~~{بأنه} أي: كان بسبب أنه {إذا دعي الله} أي: الملك الأعظم من أي داع وفي ~~إعراب قوله تعالى {وحده} وجهان؛ أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال وجاز مع ~~كونه معرفة لفظا لكونه في قوة النكرة كأنه قيل: منفردا، ثانيهما: وهو قول ~~يونس: أنه منصوب على الظرف، والتقدير: دعي على حدته وهو مصدر محذوف ~~الزوائد، والتقدير: أوحدته إيحادا. {كفرتم} بتوحيده {وإن يشرك به} أي: يجعل ~~له تعالى شريك {تؤمنوا} ms2987 أي: تصدقوا بالإشراك {فالحكم} أي: فتسبب عن القطع ~~بأنه لا رجعة وأن الكفار ما ضروا إلا أنفسهم مع ادعائهم العقول الراجحة ~~ونحو ذلك أن الحكم كله {لله} أي: المحيط بصفات الكمال {العلي} أي: عن أن ~~يكون له شريك {الكبير} أي: الذي لا يليق الكبر إلا له. # ولما قصر الحكم عليه دل على ذلك بقوله تعالى: # {هو} أي: وحده {الذي يريكم} أي: بالصبر والبصيرة {آياته} أي: علاماته ~~الدالة على تفرده بصفات الكمال وأنه لا يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة ~~والخشب المصور شركاء لله عز وجل في العبودية، ومن آياته الدالة على كمال ~~القدرة والعظمة قوله تعالى: {وينزل لكم من السماء} أي: جهة العلو الدالة ~~على قهر ما نزل منها بإمساكه إلى حين الحكم بنزوله {رزقا} أي: أسباب رزق ~~كالمطر لإقامة أبدانكم لأن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان ومصالح ~~الأبدان، والله تعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات، ~~وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان ~~كموقع الأرزاق من الأبدان وعند حصولهما يكمل الأنعام الكامل، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي {وما ~~يتذكر} ذلك تذكرا # PageV03P473 # تاما فيتعظ بهذه الآيات {إلا من ينيب} أي: يرجع إلى الله تعالى ويقبل ~~بكليته إلى الله تعالى في جميع أموره فيعرض عن غير الله تعالى ولهذا قال عز ~~من قائل: # {فادعوا} وصرح بالاسم الأعظم فقال تعالى: {الله} الذي له صفات الكمال أي: ~~فاعبدوه {مخلصين له الدين} أي: الأفعال التي يقع الجزاء عليها فمن كان يصدق ~~بالجزاء وبأن ربه غني لا يقبل إلا خالصا، اجتهد في تصفية أعماله فيأتي بها ~~في غاية الخلوص عن كل ما يمكن أن يكدر من غير شائبة شرك جلي أو خفي كما أن ~~معبوده واحد من غير شائبة نقص {ولو كره} أي: الدعاء منكم {الكافرون} أي: ~~السائرون لأنوار عقولهم. # ولما ذكر تعالى من صفات كبريائه كونه مظهرا للآيات ذكر ثلاثة أخرى من ~~صفات الجلال والعظمة وهي قوله تعالى: # {رفيع الدرجات} وهذا ms2988 يحتمل أن يكون المراد منه الرافع، وأن يكون المراد ~~منه المرتفع، فإن حملناه على الأول ففيه وجهان: أولها: أنه تعالى يرفع ~~درجات الأنبياء والأولياء، ثانيهما: يرفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق ~~الفاضلة فجعل لكل أحد من الملائكة درجة معينة كما قال تعالى عنهم: {وما منا ~~إلا له مقام معلوم} (الصافات: 164) # وجعل لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا ~~منكم والذين أوتوا العلم درجات} (المجادلة: 11) # وعين لكل جسم درجة معينة، فجعل بعضها سفلية كدرة وبعضها فلكية وبعضها من ~~جواهر العرش والكرسي، وأيضا جعل لكل واحد مزية معينة في الخلق والخلق ~~والرزق والأجل فقال تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض ~~درجات} (الأنعام: 165) # وجعل لكل واحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات ~~السعادة وموجبات الشقاوة، وفي الآخرة تظهر تلك الآثار وإن حملنا الرفيع على ~~المرتفع فهو سبحانه وتعالى أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال. # تنبيه: في رفيع وجهان؛ أحدهما: أنه مبتدأ والخبر {ذو العرش} أي: الكامل ~~الذي لا عرش في الحقيقة إلا هو فهو محيط بجميع الأكوان ومادة لكل جماد ~~وحيوان وعال بجلاله وعظمته عن كل ما يخطر في الأذهان وقوله تعالى: {يلقي ~~الروح} أي: الوحي سماه روحا لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان ~~بالأرواح. # {من أمره} قال ابن عباس: أي: رضاه، وقوله: {يلقي} يجوز أن يكون خبرا ~~ثانيا وأن يكون حالا، ويجوز أن تكون الثلاثة أخبارا لقوله تعالى: {هو الذي ~~يريكم آياته} . # ولما كان أمره تعالى غالبا على كل أمر أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال ~~تعالى: {على من يشاء} أي: يختار {من عباده} للنبوة وفي هذا دليل على أنها ~~عطائية وقوله: {لينذر} أي: يخوف غاية الإلقاء والفاعل هو الله تعالى، أو ~~الروح، أو من يشاء، أو الرسول. والمنذر به محذوف تقديره لينذر العذاب. {يوم ~~التلاق} أي: يوم القيامة فإن فيه تتلاقى الأرواح والأجساد وأهل السماء ~~والأرض، وقال مقاتل: يلتقي الخلق والخالق تعالى. وقال ميمون بن مهران: ~~يلتقي ms2989 الظالم والمظلوم، وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون. وقيل: يلتقي فيه ~~المرء مع عمله والأولى أن تفسر الآية بما يشمل الجميع. # {يوم هم بارزون} أي: خارجون من قبورهم وقيل: ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل ~~أو شجر أو تلال أو غير ذلك، وقيل: بارزون كناية عن ظهور حالهم وانكشاف ~~أسرارهم كما قال تعالى: {يوم تبلى # PageV03P474 # السرائر} (الطلاق: 9) # والأولى أيضا أن تفسر الآية بما يشمل الجميع كما قال تعالى: {لا يخفى على ~~الله} أي: المحيط علما وقدرة {منهم} أي: من أعمالهم وأحوالهم {شيء} وإن دق ~~وخفي ويقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق {لمن الملك اليوم} أي: ~~يا من كانوا يعملون أعمال من يظن أنه لا يقدر عليه أحد، فلا يجيبه أحد ~~فيجيب نفسه فيقول تعالى: {لله} أي: الذي له جميع صفات الكمال ثم دل على ذلك ~~بقوله تعالى: {الواحد} أي: الذي لا يمكن أن يكون له ثان بشركة ولا قسيمة ~~ولا غيرهما {القهار} أي: الذي قهر الخلق بالموت، وقيل: يجيبونه بلسان الحال ~~أو المقال فيقولون ذلك، وقال الرازي: لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو ~~الله تعالى، ولا يبعد أيضا أن يكون السائل جمعا من الملائكة والمجيب جمعا ~~آخرين وليس على التعيين، فإن قيل: الله تعالى لا يخفى عليه شيء منهم في ~~جميع الأيام فما معنى تقييد هذا العلم بذلك اليوم؟ أجيب: بأنهم كانوا ~~يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله تعالى لا ~~يراهم وتخفى عليه أعمالهم فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى ~~حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمون في الدنيا كما قال تعالى: {ولكن ظننتم ~~أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون} (فصلت: 22) # وقال تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم} (النساء: ~~108) # وهو معنى قوله تعالى: {وبرزوا لله الواحد القهار} (إبراهيم: 48) # ولما أخبر تعالى عن إذعان كل نفس بانقطاع الأسباب أخبرهم بما يزيد رعبهم ~~ويبعث رغبتهم وهو نتيجة تفرده بالملك فقال تعالى: # {اليوم تجزى} أي: تقضى وتكافأ {كل نفس ms2990 بما} أي: بسبب ما {كسبت} أي: عملت ~~لا تترك نفس واحدة لأن العلم قد شملهم والقدرة قد أحاطت بهم وعمتهم، ~~والحكمة قد منعت إهمال أحد منهم فيجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته {لا ~~ظلم اليوم} أي: بوجه من الوجوه {إن الله} أي: التام القدرة الشامل للعلم ~~{سريع الحساب} أي: بليغ السرعة فيه لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره في وقت ~~حساب ذلك الغير ولا يشغله شأن عن شأن لأنه تعالى لا يحتاج إلى تكلف عد ولا ~~يفتقر إلى مراجعة كتاب ولا شيء، فكان في ذلك ترجية وخوف الفريقين لأن ~~المؤمن يرجو إسراع البسط بالثواب والظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب، وعن ~~ابن عباس: إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا ~~فيها. # ثم نبه تعالى بقوله سبحانه: # {وأنذرهم يوم الآزفة} أي: القيامة على أن يوم القيامة قريب، ونظيره قوله ~~تعالى: {اقتربت الساعة} (القمر: 1) # قال الزجاج: إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن ~~ما هو كائن قريب، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر كقوله تعالى في ~~صفة القيامة: {أزفت الآزفة} (النجم: 57) # أي: قربت قال النابغة: # *أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكان وقد* # وقال كعب بن زهير: # *بان الشباب وهذا الشيب قد أزفا ... ولا أرى لشباب بائن خلفا* # تنبيه: الآزفة: نعت لمحذوف مؤنث كيوم القيامة الآزفة أو يوم المجازاة ~~الآزفة، قال القفال: وأسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة والحاقة ~~لأنها مرجع معناها على الداهية، ويوم القيامة له أسماء كثيرة تدل على ~~أهواله باعتبار مواقفه وأحواله، منها يوم البعث وهو ظاهر # PageV03P475 # ومنها يوم التلاق لما مر ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه وخسرانه، ~~وقيل: المراد بيوم الآزفة مشارفتهم دخول النار فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم عن ~~مقارها من شدة الخوف، وقال أبو مسلم: هو يوم حضور الأجل فإن يوم الموت ~~بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب. # ولما ذكر تعالى اليوم هول أمره بما يحصل فيه من المشاق ms2991 بقوله تعالى: {إذ ~~القلوب} أي: من كل من حضره ترتفع {لدى} أي: عند {الحناجر} أي: حناجر ~~المجموعين فيه وهو جمع حنجور وهو الحلقوم يعني أنها زالت عن أماكنها صاعدة ~~من كثرة الرعب حتى كادت تخرج. # ثم أسند إليها ما يسند للعقلاء فقال تعالى: {كاظمين} أي: ممتلئين خوفا ~~ورعبا وحزنا مكروبين فقد استدت مجاري أنفاسهم وأخذ بجميع إحساسهم. # ولما كان من المعهود أن الصداقات تنفع في مثل ذلك والشفاعات قال تعالى ~~مستأنفا: {ما للظالمين} أي: العريقين في الظلم {من حميم} أي: قريب صادق في ~~مودتهم مهتم بأمورهم مزيل لكروبهم {ولا شفيع يطاع} فيشفع لهم. # تنبيه: احتج المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة عن المذنبين، فقالوا: ~~نفي حصول شفيع لهم يطاع يوجب أن لا يحصل لهم هذا الشفيع وأجيبوا بوجوه؛ ~~أولها: أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع ~~كقولك ما عندي كتاب يباع، لا يقتضي نفي الكتاب فهذا ينفي أن لهم شفيعا ~~يطيعه الله تعالى ما من شفيع إلا من بعد إذنه، ثانيها: أن المراد بالظالمين ~~في هذه الآية ههنا الكفار لأنها وردت في زجر الكفار قال تعالى: {إن الشرك ~~لظلم عظيم} (لقمان: 13) ، ثالثها: أن لفظ الظالمين إما أن يفيد الاستغراق ~~أو لا، فإن كان المراد: جميعهم فيدخل فيه الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا ~~الجمع شفيعا لأن بعضه كفار وليس لهم شفيع، فحينئذ لا يكون لهذا الجمع شفيع، ~~وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس ~~لهم شفيع. # ولما أمر الله تعالى بإنذار يوم الآزفة وما يعرض فيه من شدة الغم والكرب ~~وأن الظالم لا يجد من يحميه ولا يشفع له، ذكر اطلاعه على جميع ما يصدر من ~~الخلق سرا وجهرا فقال تعالى: # {يعلم خائنة الأعين} أي: خيانتها التي هي أخفى ما يقع من أفعال الظاهر، ~~جعل الخيانة مبالغة في الوصف وهو الإشارة بالعين، قال أبو حيان: من كسر عين ~~وغمز ونظر يفهم المراد. # ولما ذكر أخفى أفعال الظاهر أتبعه ms2992 أخفى أفعال الباطن فقال تعالى: {وما ~~تخفي الصدور} أي: القلوب فعلم من ذلك أن الله تعالى عالم بجميع أفعالهم لأن ~~الأفعال على قسمين أفعال الجوارح وأفعال القلوب، فأما أفعال الجوارح ~~فأخفاها خيانة الأعين والله تعالى عالم بها فكيف الحال في سائر الأعمال، ~~وأما أفعال القلوب فهي معلومة لله تعالى لقوله عز وجل: {وما تخفي الصدور} ~~(غافر: 19) # وقوله تعالى: # {والله} أي: المتصف بجميع صفات الكمال {يقضي بالحق} أي: الثابت الذي لا ~~ينتفي يوجب عظيم الخوف لأن الحاكم إذا كان عالما بجميع الأحوال وثبت أنه لا ~~يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى. ولما ~~عول الكفار في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام بين الله تعالى ~~أنه لا فائدة فيها البتة فقال تعالى: {والذين يدعون} أي: يعبدون {من دونه} ~~وهم الأصنام {لا يقضون} لهم {بشيء} من الأشياء أصلا فكيف يكونون # PageV03P476 # شركاء لله تعالى، وقرأ نافع وهشام تدعون بتاء الخطاب للمشركين والباقون ~~بياء الغيبة إخبارا عنهم بذلك. # ولما أخبر تعالى أنه لا فعل لشركائهم وأن الأمر له وحده قال تعالى مؤكدا ~~لأجل أن أفعالهم تقتضي إنكار ذلك {إن الله} أي: المنفرد بصفات الكمال {هو} ~~أي: وحده {السميع} أي: لجميع أقوالهم {البصير} أي: بجميع أفعالهم، ففي ذلك ~~تقرير لعلمه تعالى بخائنة الأعين وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ~~ويفعلون وتعريض بحال ما يدعون من دونه، فثبت أن الأمر له وحده فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي ~~خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهي المقام المحمود الذي يغبطه به ~~الأولون والآخرون، فإن كان أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليه صلى الله عليه ~~وسلم فيقول: أنا لها أنا لها، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيه فيشفع ~~فيشفعه الله تعالى، فيفصل سبحانه وتعالى بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى داره ~~جنته أو ناره. # ولما أوعدهم سبحانه بصادق الأخبار عن قوم نوح ومن تبعهم ms2993 من الكفار وختمه ~~بالإنذار بما يقع في دار القرار للظالمين الأشرار أتبعه الوعظ والتخويف ~~بالمشاهدة ممن تتبع الديار، والاعتبار بما كان لهم فيها من عجائب الآثار ~~فقال عز من قائل: # {أولم يسيروا في الأرض} أي: في أي أرض ساروا فيها {فينظروا} أي: نظر ~~اعتبار كما هو شأن أهل البصائر {كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر {الذين كانوا} ~~أي: سكانا للأرض عريقين في عمارتها {من قبلهم} أي: قبل زمانهم من الكفار ~~كعاد وثمود {كانوا هم} أي: المتقدمون لما لهم من القوة الظاهرة والباطنة ~~{أشد منهم} أي: من هؤلاء {قوة} أي: ذوات ومعاني وإنما جيء بالفصل وحقه أنه ~~يقع بين معرفتين لمضارعة أفعل من المعرفة في امتناع دخول اللام عليه، وقرأ ~~ابن عامر منكم بكاف والباقون بهاء الغيبة {و} أشد {آثارا في الأرض} لأن ~~آثارهم لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليه ألوف من السنين، وأما ~~المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من قرن ومع قوتهم {فأخذهم الله} أي: الذي ~~له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة {بذنوبهم} أي: بسببها {وما كان لهم} من ~~شركائهم الذين ضلوا بهم هؤلاء ومن غيرهم {من الله} أي: المتصف بجميع صفات ~~الكمال {من واق} أي: يقيهم عذابه والمعنى: أن العاقل من اعتبر بغيره وأن ~~الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء، ولما كذبوا رسلهم أهلكهم ~~الله تعالى عاجلا، وقرأ ابن كثير في الوقف بالياء بعد القاف والباقون بغير ~~ياء واتفقوا على التنوين في الوصل. ثم ذكر تعالى سبب أخذهم بقوله تعالى: # {ذلك} أي: الأخذ العظيم {بأنهم} أي: الذين كانوا من قبل {كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينات} أي: الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضوح الأمر بحيث ~~لا يسع منصفا إنكارها، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بضمها. # ولما كان مطلق الكفر كافيا في العذاب عبر بالماضي فقال تعالى: {فكفروا} ~~أي: سببوا عن إتيان الرسل عليهم السلام إليهم الكفر بهم {فأخذهم الله} أي: ~~الملك الأعظم أخذ غضب {إنه قوي} أي: متمكن مما يريد غاية ms2994 التمكن {شديد ~~العقاب} لا يؤبه بعقاب دون عقابه. # ولما سلى تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر الكفار الذين # PageV03P477 # كذبوا الأنبياء عليهم السلام قبله وبمشاهدة آثارهم، سلاه أيضا بذكر قصة ~~موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: # {ولقد أرسلنا} أي: على ما لنا من العظمة {موسى بآياتنا} أي: الدالة على ~~جلالنا {وسلطان} أي: أمر قاهر عظيم جدا لا حيلة لهم في مدافعة شيء منه ~~{مبين} أي: بين في نفسه يتبين لكل من يمكن إطلاعه عليه أنه ظاهر، وذلك ~~الأمر هو الذي كان يمنع فرعون من الوصول إلى أذاه مع ما له من القوة ~~والسلطان. # {إلى فرعون} أي: ملك مصر {وهامان} أي: وزيره {وقارون} أي: قريب موسى ~~{فقالوا} أي: هؤلاء ومن معهم هو {ساحر} لعجزهم عن مقاهرته أما من عدا قارون ~~فأولا وآخرا بالقوة والفعل، وأما قارون ففعله آخرا بين أنه مطبوع على الكفر ~~وإن آمن أولا، وإن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك الزمان فقد قاله ~~في النية، فدل ذلك على أنه لم يزل قائلا به لأنه لم يتب منه ثم وصفوه ~~بقولهم: {كذاب} لخوفهم من تصديق الناس له. # {فلما جاءهم بالحق} أي: بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه ~~كائنا {من عندنا} على ما لنا من القهر فآمن معه طائفة من قومه {قالوا} أي: ~~فرعون وأتباعه {اقتلوا} أي: قتلا حقيقيا بإزالة الروح {أبناء الذين آمنوا} ~~به أي: فكانوا {معه} أي: خصوهم بذلك واتركوا من عداهم فلعلهم يكذبونه ~~{واستحيوا نساءهم} أي: اطلبوا حياتهن بأن لا تقتلوهن، قال قتادة: هذا غير ~~القتل الأول لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث موسى عليه ~~السلام أعاد القتل عليهم فمعناه أعيدوا عليهم القتل لئلا ينشؤوا على دين ~~موسى فيقوى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين فلهذا أمر بقتل الأبناء واستحياء ~~نسائهم {وما} أي: والحال أنه ما {كيد الكافرين} تعميما وتعليقا بالوصف {إلا ~~في ضلال} أي: مجانبة للسداد الموصل إلى الظفر والفوز لأنه ما أفادهم أولا ~~في الحذر ms2995 من موسى عليه السلام ولا آخرا في صد من آمن به مرادهم بل كان فيه ~~تبارهم وهلاكهم، وكذا أفعال الفجرة مع أوليائه تعالى ما حفر أحد منهم لأحد ~~منهم حفرة مكرا إلا أركسه الله تعالى فيها. # {وقال فرعون} أي: أعظم الكفرة في ذلك الوقت لرؤساء أتباعه عندما علم أنه ~~عاجز عن قتله، وملأه ما رأى منه خوفا دافعا عن نفسه ما يقال من أنه ما ترك ~~موسى عليه السلام مع استهانته به إلا عجزا منه موهما أن قومه هم الذين ~~يردونه عنه وأنه لولا ذلك لقتله. {ذروني} أي: اتركوني على أي حالة كانت ~~{أقتل موسى} وزاد في الإيهام للأغبياء والمناداة على نفسه عند البصراء ~~بقوله: {وليدع ربه} أي: الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهر على يديه من ~~هذه الخوارق، وقيل: كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى، وفي منعه ~~من قتله وجوه؛ أولها: لعله كان فيهم من يعتقد بقلبه كون موسى عليه السلام ~~صادقا فيتحيل في منع فرعون من قتله، وثانيها: قال الحسن: إن أصحابه قالوا ~~له: لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكن أن يغلب سحرنا فإن قتلته أدخلت ~~الشبهة على الناس ويقولون: إنه كان محقا وعجزوا عن جوابه فقتلوه، وثالثها: ~~أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى ~~فلا يتفرغ لتأديب تلك الأقوام؛ لأن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكهم ~~بخصم خارجي حتى يصيروا آمنين من قبل ذلك الملك، # PageV03P478 # وقرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بالسكون. # ثم ذكر فرعون السبب الموجب لقتل موسى عليه السلام وهو إما فساد الدين أو ~~فساد الدنيا فقال: {إني أخاف} أي: إن تركته {أن يبدل دينكم أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد} أي: لا بد من وقوع أحد الأمرين إما فساد الدين، وإما فساد ~~الدنيا. أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي ~~كانوا عليه فلما كان موسى عليه السلام ساعيا في إفساده اعتقدوا أنه ساع في ms2996 ~~إفساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أن يجتمع عليه أقوام ويصير ذلك ~~سببا في وقوع الخصومات وإثارة الفتن، وبدأ فرعون بذكر الدين أولا لأن حب ~~الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم. # ولما توعد فرعون موسى عليه السلام بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن ~~استعان بالله واعتمد على فضله كما قال تعالى: # {وقال موسى إني عذت} أي: اعتصمت عند ابتداء الرسالة {بربي} ورغبهم في ~~الاعتصام به وثبتهم بقوله: {وربكم} أي: المحسن إلينا أجمعين وأرسلني ~~لاستنقاذكم من أعداء الدين والدنيا {من كل متكبر} أي: عات طاغ متعظم على ~~الحق هذا وغيره {لا يؤمن} أي: لا يتجدد له تصديق {بيوم الحساب} من ربه له ~~وهو يعلم أنه لا بد من حسابه هو لمن تحت يده من رعاياه وعبيده فيحكم على ~~ربه بما لا يحكم به على نفسه، وبهذين الأمرين يقدم الإنسان على اتقاء الناس ~~لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه عن إيذاء الناس إلا أنه إذا كان ~~مقرا بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعا له عن الجري على موجب تكبره، ~~فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعيا له إلى الإيذاء ~~لأن المانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائل فلا جرم تعظم القسوة ~~والإيذاء. واختلف في الرجل المؤمن في قوله تعالى: # {وقال رجل مؤمن} أي: راسخ الإيمان {من آل فرعون} أي: من وجوههم ورؤسائهم ~~{يكتم إيمانه} أي: يخفيه خفاء شديدا خوفا على نفسه، فقال مقاتل والسدي: كان ~~قبطيا ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله تعالى عنه: {وجاء رجل من أقصى ~~المدينة يسعى} (القصص: 20) ، وقيل: كان إسرائيليا، وعن ابن عباس: لم يكن في ~~آل فرعون غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى عليه السلام ~~الذي قال: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «الصديقون حبيب النجار مؤمن آل يس، ومؤمن آل فرعون الذي قال ~~{أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} (غافر: 28) # والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم» . وعن ms2997 جعفر بن محمد أن مؤمن آل فرعون ~~قال ذلك سرا وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه جهارا {أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربي الله} وروي عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: ~~أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ ~~بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ~~وقال له: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟ قال: أنا ذلك فأقبل أبو بكر ~~رضي الله تعالى عنه فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} فكان ~~أبو بكر أشد من ذلك» . وعن أنس بن مالك قال: «ضربوا رسول الله # PageV03P479 # صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادي ويلكم أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله قالوا: من هذا؟ قيل: هذا ابن أبي قحافة» . قال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: وأكثر العلماء كان اسم الرجل حزقيل، وقال ابن ~~إسحاق: جبريل، وقيل: حبيب. # ولما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد في دفع فرعون وشره ~~على الاستعاذة بالله تعالى، بين أنه تعالى قبض له إنسانا أجنبيا حتى ذب عنه ~~بأحسن الوجوه، وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال: {أتقتلون رجلا} أي: هو عظيم ~~في الرجال حسا ومعنى ثم علل قتلهم له بما ينافيه فقال: {أن} أي: لأجل أن ~~{يقول} قولا على سبيل الإنكار {ربي} أي: المربي والمحسن إلي {الله} أي: ~~الجامع لصفات الكمال {وقد} أي: والحال أنه قد {جاءكم بالبينات} أي: الآيات ~~الظاهرات من غير لبس {من ربكم} أي: الذي لا إحسان عندكم إلا منه ثم ذكر ذلك ~~المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام على قتله غير جائز وهي حجة مذكورة على ~~طريق التقسيم فقال: {وإن يك} أي: هذا الرجل {كاذبا ms2998 فعليه} أي: خاصة {كذبه} ~~أي: كان وبال كذبه عليه وليس عليكم منه ضرر فاتركوه {وإن يك صادقا يصيبكم ~~بعض الذي يعدكم} أي: العذاب عاجلا وله صدقه ينفعه ولا ينفعكم شيئا، فإن ~~قيل: لم قال {بعض الذي يعدكم} وهو نبي صادق لا بد لما يعدهم أن يصيبهم كله؟ ~~أجيب: بأنه إنما قال ذلك ليهضم موسى بعض حقه في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس ~~بكلام من أعطاه حقه وافيا فضلا عن أن يتعصب له، وهذا أولى من قول أبي عبيدة ~~وغيره أن بعض بمعنى كل، وأنشد قول لبيد: # *تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو ترتبط بعض النفوس حمامها* # وأنشد أيضا قول عمرو بن سهم: # d # *قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل* # وقال الآخر: # *إن الأمور إذا الأحداث دبرها ... دون الشيوخ ترى في بعضها خللا* # وقوله: {إن الله} أي: الذي له مجامع العظمة {لا يهدي} إلى ارتكاب ما ينفع ~~واجتناب ما يضر {من هو مسرف} بإظهار الفساد وبتجاوز الحدود {كذاب} فيه ~~احتمالان؛ أحدهما: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى عليه ~~السلام، والمعنى أن الله تعالى هدى موسى عليه السلام إلى الإتيان بالمعجزات ~~الباهرة ومن هداه الله تعالى إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفا كذابا، ~~فدل على أن موسى عليه السلام ليس من المسرفين الكذابين، ثانيهما: أن يكون ~~المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى عليه السلام كذاب في ادعائه ~~الإلهية والله تعالى لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يبطله ويهدم أمره. # ولما استدل مؤمن آل فرعون على أنه لا يجوز قتل موسى عليه السلام، خوف ~~فرعون وقومه ذلك العذاب الذي توعدهم به في قوله: {يصيبكم بعض الذي يعدكم} ~~فقال: # {يا قوم} وعبر بأسلوب الخطاب دون التكلم تصريحا بالمقصود فقال: {لكم ~~الملك} ونبه على ما يعرفونه من تقلبات الدهر بقوله: {اليوم} وأشار إلى ما ~~عهدوه من الخذلان في بعض الأزمان بقوله: {ظاهرين} أي: عالين على بني ~~إسرائيل # PageV03P480 # وغيرهم، وما زال أهل البلاء يتوقعون الرخاء ms2999 وأهل الرخاء يتوقعون البلاء ~~ونبه بقوله: {في الأرض} أي: أرض مصر على الاحتياج ترهيبا لهم وعرفها لأنها ~~كالأرض كلها لحسنها وجمعها المنافع ثم حذرهم من سخط الله تعالى فقال: {فمن ~~ينصرنا} أي: أنا وأنتم أدرج نفسه فيهم عند ذكر الشر بعد إفراده لهم بالملك ~~إبعادا للتهمة وحثا على قبول النصيحة. {من بأس الله} أي: الذي له الملك كله ~~{إن جاءنا} أي: غضبا لهذا الذي يدعي أنه أرسله فلا تفسدوا أمركم ولا ~~تتعرضوا لبأس الله تعالى بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد. # ولما قال المؤمن هذا الكلام {قال فرعون} أي: لقومه جوابا لما قاله هذا ~~المؤمن: {ما أريكم} من الآراء {إلا ما أرى} أي: إنه صواب على قدر مبلغ علمي ~~ولا أرى لكم إلا ما أرى لنفسي، وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم {وما ~~أهديكم} أي: بما أشرت به عليكم من قتل موسى وغيره {إلا سبيل الرشاد} أي: ~~الذي أرى أنه صواب لا أظهر شيئا وأبطن غيره. # ولما ظهر لهذا المؤمن أن فرعون ذل لكلامه ارتفع إلى أصرح من الأسلوب ~~الأول كما أخبرنا الله تعالى بقوله: # {وقال الذي آمن} أي: بعد قول فرعون هذا الكلام الذي دل على عجزه وجهله ~~وذله {يا قوم} وأكد لما رأى عندهم من إنكار أمره وخاف منهم اتهامه فقال: ~~{إني أخاف عليكم} أي: من المكابرة في أمر موسى عليه السلام {مثل يوم ~~الأحزاب} أي: أيام الأمم الماضية يعني وقائعهم وجمع الأحزاب مع التفسير ~~أغنى عن جمع اليوم مع أن إفراده أردع وأقوى في التخويف وأفظع للإشارة إلى ~~قوة الله تعالى وأنه قادر على إهلاكهم في أقل زمان. # ولما أجمل فصل وبين أو أبدل بعد أن هول بقوله: # {مثل دأب} أي: عادة {قوم نوح} أي: فيما دهمهم من الهلاك الذي محقهم فلم ~~يطيقوه مع ما كان فيهم من قوة المجادلة والمقاومة لما يريدونه {وعاد وثمود} ~~مع ما بلغكم من جبروتهم. # تنبيه: لابد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم. # ولما كان هؤلاء أقوى الأمم ms3000 اكتفى بهم وأجمل من بعدهم فقال: {والذين من ~~بعدهم} أي: بالقرب من زمانهم كقوم لوط {وما الله} أي: الذي له الإحاطة ~~بأوصاف الكمال {يريد ظلما للعباد} أي: فلا يهلكهم إلا بعد إقامة الحجة ~~عليهم ولا يهلكهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام وهو أبلغ من ~~قوله تعالى: {وما ربك بظلام للعبيد} (فصلت: 46) # من حيث أن المنفي فيه حدوث تعلق إرادته بالظلم. # ولما أشرق من آفاق هذا الوعظ شمس البعث ونور الحشر قال: # {ويا قوم إني أخاف عليكم} وقوله: {يوم التناد} أجمع المفسرون أنه يوم ~~البعث وفي تسميته بهذا الاسم وجوه؛ أولها: أن أصحاب النار ينادون أصحاب ~~الجنة وأصحاب الجنة ينادون أصحاب النار كما حكى الله تعالى عنهم، ثانيها: ~~قال الزجاج: هو قوله تعالى {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} (الإسراء: 71) # ثالثها: ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور فيقولون يا ويلنا. ~~رابعها: ينادون إلى المحشر. خامسها: ينادى المؤمن {هاؤم اقرؤوا كتابيه} ~~(الحاقة: 19) # والكافر {يا ليتني لم أوت كتابيه} (الحاقة: 25) # . سادسها: ينادى باللعنة على الظالمين. سابعها: يجاء بالموت على صورة كبش ~~أملح ثم يذبح بين الجنة والنار ثم ينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل ~~النار خلود فلا موت. ثامنها: ينادى بالسعادة والشقاوة إلا أن فلان بن فلان ~~سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا وفلان بن فلان شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبدا ~~وهذه الأمور كلها # PageV03P481 # تجتمع في هذا اليوم فلا بد من تسميته بها كلها. # ولما كان عادة المتنادين الإقبال وصف ذلك اليوم بضد ذلك لشدة الأهوال ~~فقال تعالى مبدلا أو مبينا: # {يوم تولون} أي: عن الموقف {مدبرين} قال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ~~وفروا هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا فيرجعون ~~إلى أماكنهم فذلك قوله تعالى: {والملك على إرجائها} (الحاقة: 17) # وقوله تعالى: {يا معشر الجن والأنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} (الرحمن: 33) # وقال مجاهد: فارين من النار غير معجزين، وقيل: منصرفين عن الموقف إلى ~~النار ms3001 ثم أكد التهديد بقوله تعالى: {مالكم من الله} أي: الملك الجبار الذي ~~لا يذل {من عاصم} أي: من فئة تحميكم وتنصركم وتمنعكم من عذابه. # ثم نبه على قوة ضلالهم وشدة جهالتهم فقال تعالى: {ومن يضلل الله} أي: ~~الملك المحيط بكل شيء {فما له من هاد} أي: إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه. # تنبيه: في قراءة هاد ما تقدم في قوله: {من واق} (الرعد: 34) # ولما قال لهم مؤمن آل فرعون: {ومن يضلل الله فما له من هاد} ذكر لهم ~~مثالا بقوله تعالى: # {ولقد جاءكم} أي: جاء آباءكم يا معشر القبط، ولكنه عبر بذلك دلالة على ~~أنهم على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد ومن أنهم على طبعهم لا ~~سيما أن كانوا لم يفارقوا مساكنهم {يوسف} أي: نبي الله ابن نبي الله يعقوب ~~ابن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا محمد أفضل ~~الصلاة والسلام {من قبل} أي: قبل زمن موسى عليه السلام {بالبينات} أي: ~~الآيات الظاهرات لا سيما في أمر يوم التناد {فما زلتم} أي: ما برحتم أنتم ~~تبعا لآبائكم {في شك} أي: محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة الظن {مما جاءكم به} ~~من التوحيد، وقال ابن عباس: من عبادة الله وحده لا شريك له فلم تنتفعوا ~~البتة بتلك البينات ودل على تمادي شكهم بقوله تعالى: {حتى إذا هلك} فهو ~~غاية أي: فما زلتم في شك حتى هلك {قلتم لن يبعث الله} أي: الذي له صفات ~~الكمال {من بعده} أي: يوسف عليه السلام {رسولا} أي: أقمتم على كفركم وظننتم ~~أن الله لا يجدد عليكم الحجة، وهذا ليس إقرارا منهم برسالته بل هو ضم منهم ~~إلى الشك في رسالته والتكذيب برسالة من بعده وقوله تعالى: {كذلك} خبر مبتدأ ~~مضمر أي: الأمر كذلك أو مثل هذا الضلال {يضل الله} أي: بما له من صفات ~~القهر {من هو مسرف} أي: مشرك متغال في الأمور خارج عن الحدود {مرتاب} أي: ~~شاك فيما تشهد به البينات بغلبة الوهم والانهماك في التقليد ms3002 ثم بين تعالى ~~ما لأجله بقوا في الشك والإسراف فقال سبحانه: # {الذين يجادلون} وهو مبتدأ أي: يخاصمون خصاما شديدا {في آيات الله} أي: ~~المحيط بأوصاف الكمال لاسيما الآيات الدالة على يوم التناد فإنها أظهر ~~الآيات، وكذا الآيات الدالة على وجوده سبحانه وتعالى وعلى ما هو عليه من ~~الصفات والأفعال وما يجوز عليه أو يستحيل {بغير سلطان} أي: برهان {أتاهم} ~~وقوله: {كبر} أي: جدالهم {مقتا} خبر المبتدأ ويجوز في الذين أوجه أيضا ~~منها: أنه بدل من قوله تعالى: {من هو مسرف} وإنما جمع اعتبارا بمعنى من، ~~ومنها: أن يكون بيانا له، ومنها: أن يكون صفة له وجمع على معنى من أيضا، ~~ومنها أن ينصب بإضمار أعني، وقال الزجاج قوله: {الذين يجادلون} تفسير لمسرف ~~مرتاب يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي: في إبطالها بالتكذيب # PageV03P482 # بغير سلطان أتاهم كبر مقتا {عند الله} أي: الملك الأعظم {و} كبر مقتا ~~أيضا {عند الذين آمنوا} أي: الذين هم خاصته، ودلت الآية على أنه يجوز وصفه ~~تعالى بأنه مقت بعض عباده إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله تعالى ~~كالغضب والحياء والعجب وقوله تعالى: {كذلك} أي: ومثل هذا الطبع العظيم ~~{يطبع الله} أي: الذي له جميع العظمة يدل على أن الكل من عند الله كما هو ~~مذهب أهل السنة {على كل قلب متكبر} أي: متكلف ما ليس له وليس لأحد غير الله ~~{جبار} أي: ظاهر الكبر قويه قهار، وقال مقاتل: الفرق بين المتكبر والجبار ~~أن المتكبر عن قبول التوحيد والجبار في غير الحق، قال الرازي: كما أن ~~السعادة في أمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، فعلى قول مقاتل ~~المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله والجبار كالمضاد للشفقة على خلق الله، ~~وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان: بتنوين الباء الموحدة، ووصف القلب بالتكبر ~~والتجبر لأنه منبعهما كقولهم: رأت عيني وسمعت أذني أو على حذف مضاف أي: على ~~كل ذي قلب متكبر جبار فهي حينئذ مساوية لقراءة الباقين بغير تنوين ثم إن ~~فرعون عليه اللعنة أعرض ms3003 عن جواب المؤمن لأنه لم يجد فيه # مطعنا. # {وقال فرعون يا هامان} وهو وزيره {ابن} وعرفه بشدة اهتمامه بالإضافة إليه ~~في قوله {لي صرحا} أي: بناء مكشوفا عاليا لا يخفى على الناظر وإن بعد، من ~~صرح الشيء إذا ظهر {لعلي أبلغ الأسباب} أي: التي لا أسباب غيرها لعظمها، ~~وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان يلبس على ~~قومه وهو يعرف الحق فإن عاقلا لا يعد ما رامه في عداد الممكن العادي. # ولما كان بلوغها أمرا عظيما أورده على نمط مشوق إليه ليعطيه السامع حقه ~~من الاهتمام تفخيما لشأنه ليتشوف السامع إلى بنائه بقوله: {أسباب السموات} ~~أي: الأمور الموصلة إليها وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه، وقرأ الكوفيون ~~بسكون الياء والباقون بالفتح وقرأ {فاطلع} حفص بنصب العين وفيه ثلاثة أوجه؛ ~~أحدها: أنه جواب الأمر في قوله ابن لي فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جوابه ~~على قاعدة البصريين كقوله: # *يا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا* # وهذا أوفق لمذهب البصريين، ثانيها: قال أبو حيان: أنه منصوب على التوهم ~~لأن خبر لعل جاء مقرونا بأن كثيرا في النظم وقليلا في النثر، فمن نصب توهم ~~أن الفعل المرفوع الواقع خبرا منصوب بأن والعطف على التوهم كثير وإن كان لا ~~ينقاس، ثالثها: على جواب الترجي في لعل وهو مذهب كوفي وإلى هذا نحا ~~الزمخشري وتبعه البيضاوي قال: وهو الأولى تشبيها للترجي بالتمني والباقون ~~عطفا على أبلغ أي: فلعله يتسبب عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع {إلى إله ~~موسى} ولعله أراد أن يبني له صرحا في موضع عال يرصد فيه أحوال الكواكب التي ~~هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية فيرى هل فيها ما يدل على إرسال ~~الله تعالى إياه أو أن يرى فساد قول موسى، فإن أخباره عن إله السماء يتوقف ~~على اطلاعه ووصوله إليه وذلك لا يتأتى إلا بالصعود إلى السماء وهو مما لا ~~يقوى عليه الإنسان وذلك لجهله بالله # PageV03P483 # تعالى وكيفية أسبابه {وإني لأظنه} ms3004 أي: موسى عليه السلام {كاذبا} في دعوى ~~الرسالة وفي أن له إلها غيري قال فرعون: ذلك تمويها {وكذلك} أي: مثل ذلك ~~التزيين العظيم الشأن {زين} أي: زين المزين النافذ الأمر وهو الله تعالى ~~حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات فهو خلقه ~~والشيطان مجازا بالتسبب بالوسوسة التي هي بخلق الله تعالى {لفرعون سوء ~~عمله} في جميع أمره فأقبل عليه راغبا فيه مع بعده عن عقل أقل ذوي العقول ~~فضلا عن ذوي الهمم منهم فضلا عن الملوك وأطاعه فيه قومه وقرأ غير الكوفيين ~~{وصد} بفتح الصاد أي: نفسه ومنع غيره، وقرأ الكوفيون بضمها أي: منعه الله ~~تعالى {عن السبيل} أي: طريق الهدى وهي الموصلة إلى الله تعالى {وما كيد ~~فرعون} أي: في إبطال ما جاء به موسى عليه السلام {إلا في تباب} أي: خسار ~~وهلاك عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه. # ولما كان فساد ما قال فرعون أظهر من أن يحتاج إلى بيان أعرض المؤمن عنه: # {وقال الذي آمن} أي: مشيرا إلى وهن قول فرعون بالإعراض عنه بقوله: {يا ~~قوم} أي: يا من لا قيام لي إلا بهم وأنا غير متهم في نصيحتهم {اتبعوني} أي: ~~كلفوا أنفسكم اتباعي لأن السعادة غالبا تكون فيما يكره الإنسان {أهدكم ~~سبيل} أي: طريق {الرشاد} أي: الهدى لأنه مع سهولته واتساعه موصل ولا بد إلى ~~المقصود، وأما ما قال فرعون مدعيا أنه سبيل الرشاد فلا يوصل إلا إلى النار ~~فهو تعريض به شبيه بالتصريح به، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي لأدنى أهل ~~الإيمان أن لا يخلي نفسه عن الوعظ لغيره، وقرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد ~~النون وقفا ووصلا، وأثبتها قالون وأبو عمرو وصلا لا وفقا، وحذفها الباقون ~~وصلا ووقفا ثم إن ذلك المؤمن زهدهم في الدنيا وكرر: # {يا قوم} كما كرر إبراهيم عليه السلام يا أبت زيادة في استعطافهم بقوله: ~~{إنما هذه الحياة} وحقرها بقوله: {الدنيا} إشارة إلى دناءتها بقوله: {متاع} ~~إشارة إلى أنها جيفة لأنها في اللغة ms3005 من جملة مدلولات المتاع فلا يتناول ~~منها إلا كما يتناول المضطر من الجيفة لأنها دار النقلة والزوال والتزود ~~والارتحال، والإخلاد إليها هو أصل الشر كله ومنه تشعب جميع ما يؤدي إلى سخط ~~الله تعالى ويجلب الشقاوة في العاقبة ثم رغبهم في الآخرة بقوله: {وإن ~~الآخرة} أي: لكونها مقصودة بالذات {هي دار القرار} أي: التي لا تحول منها ~~أصلا لأنها الوطن المستقر، قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهبا فانيا ~~والآخرة خزفا باقيا لكانت الآخرة خيرا من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان ~~والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن، وكما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب ~~فكان الترغيب في نعيم الجنان والترهيب من عذاب النيران من أعظم وجوه ~~الترغيب والترهيب. والآية من الاحتباك ذكر المتاع أولا دليلا على حذف ~~التوسع ثانيا والقرار ثانيا دليلا على حذف الارتحال أولا ثم قال ذلك المؤمن ~~لقومه: # {من عمل سيئة} أي: ما يسوء من أي صنف كان الذكور والإناث المؤمنين ~~والكافرين {فلا يجزى} أي: من الملك الذي لا ملك سواه {إلا مثلها} عدلا منه ~~لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها {ومن عمل صالحا} أي: ولو قل {من ذكر ~~أو أنثى وهو} أي: والحال أنه {مؤمن} إذ لا يصح عمل بدون إيمان # PageV03P484 # {فأولئك} أي: العالو الرتبة والهمة {يدخلون الجنة} أي: بأمر من له الأمر ~~كله بعد أن تضاعف لهم أعمالهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء ~~وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء {يرزقون فيها} أي: الجنة من غير ~~احتياج إلى تحيل ولا إلى أسباب {بغير حساب} لخروج ما فيها لكثرته عن الحصر ~~فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل أهل الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ملكه ~~شيء، وهذا من باب الفضل وفضل الله لا حد له ورحمته غلبت غضبه، وأما جزاء ~~السيئة فمن باب العدل فلذلك وقع الحساب فيها لئلا يقع الظلم، قال ~~الأصبهاني: فإذا عارضنا عمومات الوعيد بعمومات الوعد ترجح الوعد بسبق ~~الرحمة الغضب فانهدمت قواعد المعتزلة ثم كرر ms3006 الوعظ عليهم بقوله: # {ويا قوم ما} أي: أي شيء من الحظوظ والمصالح {لي} في أني {أدعوكم إلى ~~النجاة} والجنة شفقة عليكم ورحمة لكم واعترافا بحقكم {وتدعونني إلى النار} ~~والهلاك بالكفر فالآية من الاحتباك، ذكر النجاة الملازمة للإيمان أولا ~~دليلا على حذف الهلاك الملازم للكفران ثانيا والنار ثانيا دليلا على حذف ~~الجنة أولا، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بفتح ياء مالي والباقون ~~بسكونها واتفقوا على سكون الياء من تدعونني. # ولما أخبر ذلك المؤمن بقلة إنصافهم إجمالا بينه بقوله: # {تدعونني} أي: توقعون دعائي إلى معبوداتكم {لأكفر} أي: لأجل أن أكفر ~~{بالله} الذي له مجامع القهر والعز والعظمة والكبرياء {وأشرك به} أي: أجعل ~~له شريكا {ما ليس لي به} أي: بربوبيته {علم} أي: نوع من العلم بصلاحيته ~~لشيء من الشركة فهو دعاء إلى الكذب في شيء لا يحل الإقدام عليه إلا بالدليل ~~القطعي الذي لا يحتمل نوعا من الشرك، فالمراد بنفي العلم نفي الإله كأنه ~~قال وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكا للإله. # ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بين أنه يدعوهم إلى الإيمان بقوله: {وأنا ~~أدعوكم} أي: أوقع دعاءكم الآن وقبله وبعده {إلى العزيز} أي: البالغ العزة ~~الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، وأما فرعون فهو في غاية العجز فكيف يكون ~~إلها وأما الأصنام فإنها أحجار منحوتة فكيف يعقل كونها آلهة، وقرأ نافع ~~وأنا بالمد بعد النون، وقالون يمد ويقصر وورش بالمد لا غير والباقون بغير ~~مد. وقوله: {الغفار} أي: الذي يتكرر منه دائما محو الذنوب عينا وأثرا إشارة ~~إلى أنهم يجب عليهم أن لا ييأسوا من رحمة الله تعالى بسبب إصرارهم على ~~الكفر مدة مديدة فإن الإله العالم وإن كان عزيزا لا يغلب قادرا لا يعارض ~~لكنه غفار يغفر كفر سبعين سنة بإيمان ساعة واحدة وقوله: # {لا جرم} رد لما دعوه إليه وجرم فعل بمعنى حق وفاعله {أنما} أي: الذي ~~{تدعونني إليه} من هذه الأنداد {ليس له دعوة} بوجه من الوجوه فإنه ms3007 لا إدراك ~~له هذا إن أريد ما لا يعقل وإن أريد شيء مما يعقل فلا دعوة له مقبولة بوجه ~~فإنه لا يقوم عليها دليل بل ولا شبهة موهمة {في الدنيا} أي: التي هي محل ~~الأسباب الظاهرة {ولا في الآخرة} أي: ليس له استجابة دعوة فيهما فسمى ~~استجابة الدعوة دعوة إطلاقا لاسم أحد المتضايفين على الآخر كقوله تعالى ~~{وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى: 40) # وكقولهم: «كما تدين تدان» ، وقيل: ليس له دعوة أي: عبادة في الدنيا لأن ~~الأوثان لا تدعي الربوبية ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة # PageV03P485 # تتبرأ من عابديها ثم قال: {وأن مردنا} أي: مرجعنا {إلى الله} أي: الذي له ~~الإحاطة بصفات الكمال فيجازي كل أحد بما يستحقه {وأن المسرفين} أي: ~~المجاوزين للحدود الغريقين في هذا الوصف، قال قتادة: وهم المشركون لقوله ~~تعالى: {هم} أي: خاصة {أصحاب النار} أي: ملازموها، وعن مجاهد: هم السفاكون ~~للدماء بغير حلها، وقيل: الذين غلب شرهم هم المسرفون. # ولما بالغ هذا المؤمن في هذا الشأن ختم كلامه بخاتمة لطيفة هي قوله: # {فستذكرون} أي: قطعا بوعد لا خلف فيه مع القرب {ما أقول لكم} حين لا ~~ينفعكم الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام الذي يكون فيه القدم على القدم ~~إذا رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن قبلتم نصحي أو لم تقبلوه. # ولما خوفهم بذلك توعدوه وخوفوه بالقتل فعول في دفع تخويفهم وكبرهم ومكرهم ~~على الله تعالى بقوله: {وأفوض} أي: أنا الآن بسبب أنه لا دعوة لغير الله ~~{أمري} أي: فيما تمكرونه بي {إلى الله} أي: الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما ~~فهو يحمي منكم من شاء وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عليه السلام حين ~~خوفه فرعون بالقتل فرجع موسى عليه السلام في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى ~~فقال: إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقرأ نافع وأبو ~~عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون.Y # ولما علق تفويضه بالاسم العلم الجامع المقتضي للإحاطة علل ذلك بقوله: {إن ~~الله} أي: الذي لا يخفى عليه ms3008 شيء {بصير} أي: بالغ العلم {بالعباد} ظاهرا ~~وباطنا فيعلم من يستحق النصرة فينصره لاتصافه بأوصاف الكمال ويعلم من يمكر ~~فيرد مكره عليه بما له من الإحاطة، قال مقاتل: فلما قال هذه الكلمات قصدوا ~~قتله. # {فوقاه الله} أي: حصل له وقاية تنجيه منهم جزاء على تفويضه {سيئات} أي: ~~شدائد {ما مكروا} دينا ودنيا فنجاه مع موسى عليه السلام، قال قتادة: وكان ~~قبطيا تصديقا لوعده سبحانه بقوله تعالى: {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} ~~(القصص: 35) # ولما كان المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله قال تعالى: {وحاق} أي: نزل محيطا ~~بعد إحاطة الإغراق {بآل فرعون} أي: فرعون وأتباعه لأجل إصرارهم على الكفر ~~ومكرهم هذا إن قلنا أن الآل مشترك بين الشخص وأتباعه وإن لم نقل ذلك ~~فالإحاقة بفرعون من باب أولى لأن العادة جرت أنه لا يوصل إلى جميع أتباع ~~الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه {سوء العذاب} أي: الغرق في الدنيا والنار في ~~الآخرة، فإن قيل: قوله تعالى: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} معناه: أنه رجع ~~إليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين، كقول العرب: من حفر لأخيه جبا وقع ~~فيه منكبا، فإذا فسر سوء العذاب بالغرق في الدنيا ونار جهنم في الآخرة لم ~~يكن مكرهم راجعا إليهم لأنهم لا يعذبون بذلك؟ أجيب: بأنهم هموا بشر فأصابهم ~~ما وقع عليه اسم السوء ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه ~~وقوله تعالى: # {النار} في إعرابه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه بدل من سوء العذاب، قاله ~~الزجاج، ثانيها: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو أي: سوء العذاب النار لأنه ~~جواب لسؤال مقدر وقوله تعالى: {يعرضون} على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالا ~~من النار وأن يكون حالا من آل فرعون، ثالثها: أنه مبتدأ وخبره يعرضون ~~{عليها غدوا وعشيا} أي: صباحا ومساء، قال ابن مسعود: أرواح آل فرعون في ~~أجواف # PageV03P486 # طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو وتروح إلى النار ويقال: يا ~~آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة. وقال قتادة: تعرض روح كل ms3009 كافر على ~~النار بكرة وعشيا ما دامت الدنيا. وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل ~~الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك ~~حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة» . # ثم أخبر الله تعالى عن مستقر آل فرعون يوم القيامة بقوله سبحانه وتعالى: ~~{ويوم تقوم الساعة} يقال لهم: {أدخلوا آل} أي: يا آل {فرعون} أي: هو بنفسه ~~وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به {أشد العذاب} وهو عذاب جهنم، أجارنا ~~الله تعالى نحن وأحباءنا منها فإنه أشد مما كانوا فيه أو أشد عذاب جهنم، ~~وهذه الآية نص على إثبات عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب، وقرأ ~~نافع وحفص وحمزة والكسائي بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الخاء وصلا وابتداء على ~~أمر الملائكة بإدخالهم النار، والباقون بوصل الهمزة وضم الخاء وصلا في ~~الابتداء بضم الهمزة واختلف في العامل في قوله تعالى: # {وإذا} على ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه معطوف على غدوا فيكون معمولا ليعرضون ~~على النار في هذه الأوقات كلها، قاله أبو البقاء، ثانيها: أنه معطوف على ~~قوله إذا القلوب لدى الحناجر قاله الطبري ونظر فيه لبعد ما بينهما، ~~وثالثها: أنه منصوب بإضمار اذكر أي: واذكر يا أشرف الخلق لقومك إذ ~~{يتحاجون} أي: الكفار {في النار} أي: يتخاصمون فيها أتباعهم ورؤساؤهم مما ~~لا يغنيهم {فيقول الضعفاء} أي: الأتباع {للذين استكبروا} أي: طلبوا أن ~~يكونوا كبراءهم الرؤساء {أنا كنا لكم} أي: دون غيركم {تبعا} أي: أتباعا ~~فتكبرتم على الناس بنا {فهل أنتم} أيها الكبراء {مغنون} أي: كافون ومجزئون ~~وحاملون {عنا نصيبا من النار} . # تنبيه: تبعا اسم جمع لتابع ونحوه خادم وخدم، قال البغوي: والتبع يكون ~~واحدا وجمعا في قول أهل البصرة واحده تابع، وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد ~~له وجمعه أتباع، وقيل: إنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي: تابعين، وقيل: ~~مصدر ولكنه على حذف مضاف أي: ذوي ms3010 تبع ونصيبا منصوب بفعل مقدر يدل عليه ~~قولهم مغنون وتقديره: هل أنتم دافعون عنا نصيبا، وقيل: منصوب على المصدر، ~~قال البقاعي: كما كان شيئا كذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: {لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} في موضع غني فكذلك نصيبا ومن النار صفة ~~لنصيبا. # {قال الذين استكبروا} أي: من شدة ما هم فيه {إنا كل} أي: نحن وأنتم ~~{فيها} فكيف نغني عنكم ولو قدرنا أغنينا عن أنفسنا {إن الله} أي: المحيط ~~بأوصاف الكمال {قد حكم} بالعدل {بين العباد} أي: فأدخل أهل الجنة دارهم ~~وأهل النار دارهم فلا يغني أحد عن أحد شيئا فعند ذلك يحصل اليأس للأتباع من ~~المتبوعين فيرجعون كلهم إلى خزنة جهنم يسألونهم كما حكى الله عنهم بقوله ~~سبحانه وتعالى: # {وقال الذين في النار} أي: جميعا الأتباع والمتبوعون {لخزنة جهنم} أي: ~~لخزنتها فوضع جهنم موضع المضمر للتهويل أو لبيان محلهم فيها، قال البيضاوي: ~~ويحتمل أن تكون جهنم أبعد دركاتها # PageV03P487 # من قولهم بئر جهنام أي: بكسر الجيم والهاء وتشديد النون بعيد القعر، وقال ~~بعض أهل اللغة: هي مشتقة من الجهومة وهي الغلظ سميت بذلك: لغلظ عذابها وهي ~~عجمية منعت من الصرف للتعريف والعجمة، وقيل: عربية ومنعت من الصرف للتعريف ~~والتأنيث {ادعوا ربكم} أي: المحسن إليكم بأنكم لا تجدون ألما من النار ~~{يخفف عنا يوما} أي: قدر يوم {من العذاب} أي: شيئا، فيوما ظرف ليخفف ومفعول ~~يخفف محذوف أي: يخفف عنا شيئا من العذاب في يوم ويجوز أن يكون من العذاب هو ~~المفعول ليخفف ومن تبعيضية ويوما ظرفا، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا ~~كله في يوم ما لا في كل يوم ولا في يوم معين. # {قالوا} أي: الخزنة لهم {أولم تك تأتيكم} على سبيل التجدد شيئا في أثر ~~شيء {رسلكم} أي: الذين هم منكم وأنتم جديرون بالإصغاء إليهم والإقبال عليهم ~~لأن الجنس إلى الجنس أميل والإنسان من مثله أقبل {بالبينات} أي: التي لا ~~شيء أوضح منها أرادوا بذلك إلزامهم الحجة وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات ms3011 ~~الدعاء وتعطيلهم أسباب الإجابة، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بضمها ~~وكذلك رسلنا ورسلهم {قالوا} أي: الكفار {بلى} أي: أتونا كذلك {قالوا} أي: ~~الخزنة لهم {فادعوا} أي: أنتم فإنا لا نشفع لكافر {وما دعاء الكافرين} أي: ~~الذين ستروا مرأى عقولهم عن أنوار الحق {إلا في ضلال} أي: ذهاب في غير طريق ~~موصل كما كانوا هم في الدنيا كذلك فإن الدنيا مزرعة الآخرة، من زرع شيئا في ~~الدنيا حصده في الآخرة والآخرة ثمرة الدنيا لا تثمر إلا من جنس ما غرس في ~~الدنيا وفي هذا إقناطهم عن الإجابة. # ولما ذكر تعالى وقاية موسى عليه السلام وذلك المؤمن من مكر فرعون وقومه ~~من بقوله تعالى: # {إنا} أي: بما لنا من العظمة {لننصر رسلنا} أي: على من عاداهم {والذين ~~آمنوا} أي: اتسموا بهذا الوصف {في الحياة الدنيا} أي: بإلزامهم طريق الهدى ~~الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة وإن غلبوا في بعض الأحيان، فإن العاقبة ~~تكون لهم ولو بأن يقيض الله تعالى لأعدائهم من يقتص منهم ولو بعد حين وقل ~~أن يتمكن أعداؤهم من كل ما يريدون منهم {ويوم يقوم الأشهاد} وهو جمع شاهد ~~كصاحب وأصحاب والمراد بهم: من يقوم يوم القيامة للشهادة على الناس من ~~الملائكة والأنبياء والمؤمنين، أما الملائكة فهم الكرام الكاتبون يشهدون ~~للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب، وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~فقال تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} ~~(النساء: 41) # وأما المؤمنون فقال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس} (البقرة: 143) # وقوله تعالى: # {يوم} بدل من يوم قبله أو بيان له أو نصب بإضمار أعني يوم {لا تنفع ~~الظالمين} أي: الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير موضعها {معذرتهم} ~~أي: اعتذارهم، فإن قيل: هذا يدل على أنهم يذكرون الأعذار ولكن تلك الأعذار ~~لا تنفعهم فكيف هذا مع قوله تعالى: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} (المرسلات: 36) # أجيب: بأن هذا لا يدل على أنهم ذكروا الاعتذار بل ليس فيه إلا أن ليس ~~عندهم عذر مقبول، ms3012 وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضا يوم القيامة يوم ~~طويل فيعتذرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر، وقرأ نافع والكوفيون بالياء ~~التحتية والباقون بتاء الخطاب # PageV03P488 # {ولهم} أي: خاصة {اللعنة} أي: البعد عن كل خير مع الإهانة بكل ضير {ولهم} ~~أي: خاصة {سوء الدار} أي: الآخرة أي: أشد عذابها. # ولما بين تعالى أنه ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعا ~~من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال تعالى: # {ولقد آتينا} أي: بما لنا من العزة {موسى الهدى} أي: ما يهتدى به في ~~الدنيا من المعجزات والصحف والشرائع {وأورثنا} أي: بما لنا من العظمة {بني ~~إسرائيل} أي: بعدما كانوا فيه من الذل {الكتاب} أي: الذي أنزلناه عليه ~~وآتيناه الهدى به وهو التوراة إيتاء هو الإرث لا ينازعهم فيه أحد توارثوه ~~خلفا عن سلف ولا أهل له في ذلك الزمان غيرهم وأورثناه لهم من بعد موسى عليه ~~السلام حال كونه. # {هدى} أي: بيانا عاما لكل من تبعه {وذكرى} أي: عظة عظيمة {لأولي الألباب} ~~أي: القلوب الصافية والعقول الوافية الشافية. # ولما بين تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب ~~المثال في ذلك بحال موسى عليه السلام خاطب بعد ذلك محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بقوله تعالى: # {فاصبر} أي: يا أشرف الخلق على أذى قومك كما صبر موسى عليه السلام على ~~أذى فرعون {إن وعد الله} أي: الذي له الكمال كله {حق} أي: في إظهار دينك ~~وإهلاك أعدائك قال الكلبي: نسخت آية القتل آية الصبر، وقوله تعالى: ~~{واستغفر لذنبك} إما أن يكون المصدر مضافا للمفعول أي: لذنب أمتك في حقك، ~~وإما أن يكون ذلك تعبدا من الله تعالى ليزيده به درجة وليصير سنة يستن به ~~من بعده {وسبح بحمد ربك بالعشي} هو من بعد الزوال {والإبكار} قال الحسن رضي ~~الله عنه: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~الصلوات الخمس وذلك أن العشي من زوال الشمس إلى غروبها والإبكار من طلوع ~~الفجر إلى ms3013 طلوع الشمس، ولما ابتدأ بالرد على الذين يجادلون في آيات الله ~~واتصل الكلام بعضه ببعض على الترتيب المتقدم إلى هنا نبه تعالى على الماهية ~~التي تحمل الكفار على تلك المجادلة فقال تعالى: # {إن الذين يجادلون} أي: يناصبون العداوة {في آيات الله} أي: الملك الأعظم ~~الدالة على تمام قدرته اللازم منه قدرته على البعث الذي في تذكره صلاح ~~الدين والدنيا {بغير سلطان} أي: برهان {أتاهم أن} أي: ما {في صدورهم} أي: ~~بصدهم عن سواء السبيل، قال ابن عادل: ما حملهم على تكذيبك {إلا كبر} أي: ~~تكبر عن الحق وتعظم عن التفكير والتعلم وآذن ذكر الصدور دون القلوب بعظمه ~~جدا فإنه قد ملأ القلوب وفاض منها حتى شغل الصدور التي هي مساكنها {ما هم ~~ببالغيه} قال مجاهد: ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر لأن الله تعالى مذلهم، ~~وقال ابن قتيبة: إن في صدورهم إلا كبر على محمد صلى الله عليه وسلم وطمع أن ~~يغلبوه وما هم ببالغي ذلك، قال المفسرون: نزلت في اليهود وذلك أنهم قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم «إن صاحبنا المسيح بن داود يعنون الدجال يخرج في ~~آخر الزمان فيبلغ سلطانه البر والبحر ويرد الملك علينا» قال الله تعالى: ~~{فاستعذ} أي: اعتصم {بالله} أي: المحيط بكل شيء من فتنة الدجال ومن كيد من ~~يحسدك ويبغى عليك وغير ذلك كما عاذ به موسى عليه السلام لينجز لك ما وعدك ~~به كما أنجز له ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إنه هو} أي: # PageV03P489 # وحده {السميع} أي: لأقوالهم {البصير} أي: لأفعالهم. # ولما وصف تعالى جدالهم في الآيات بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالا ~~فقال: # {لخلق السموات} أي: على عظمها وارتفاعها وكثرة منافعها واتساعها {والأرض} ~~أي: على ما ترون من عجائبها وكثرة منافعها {أكبر} عند كل من يعقل {من خلق ~~الناس} أي: خلق الله تعالى لهم لأنهم شعبة يسيرة من خلقهما فعلم قطعا أن ~~الذي قدر على ابتدائه مع عظمه قادر على إعادة الناس على حقارتهم {ولكن أكثر ~~الناس} وهم الذين ينكرون ms3014 البعث وغيره {لا يعلمون} أي: لا علم لهم أصلا بل ~~هم كالبهائم لغلبة الغفلة عليهم. # تنبيه: تقدير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره ينقسم ثلاثة ~~أقسام؛ أحدها: أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا ~~فاسد. ثانيها: أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله فهذا الاستدلال صحيح ~~لما ثبت في الأصول أن حكم الشيء حكم مثله. ثالثها: أن يقال لما قدر على ~~الأقوى الأكمل قدر على الأقل الأرذل بالأولى، وهذا الاستدلال في غاية الصحة ~~والقوة ولا يرتاب فيه عاقل البتة ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السموات ~~والأرض هو الله تعالى ويعلمون بالضرورة أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق ~~الناس، وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السموات والأرض يكون ~~قادرا على إعادة الإنسان الذي خلقه أولا فهذا برهان كلي في إفادة هذا ~~المطلوب، ثم إن هذا البرهان على قوته صار لا يعرفه أكثر الناس، والمراد ~~منه: الذين ينكرون الحشر والنشر فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون ~~في آيات الله بغير سلطان أتاهم ولا حجة بل بمجرد الحسد والكبر والغضب. # ثم لما بين تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون وإن ~~الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون نبه تعالى على الفرق بين البيانين بذكر ~~مثال فقال تعالى: # {وما يستوي} أي: بوجه من الوجوه من حيث البصر {الأعمى والبصير} أي: وما ~~يستوي المستدل والجاهل المقلد {والذين آمنوا} أي: أوجدوا حقيقة الإيمان ~~{وعملوا الصالحات} أي: تحقيقا لإيمانهم {ولا المسيء} أي: وما يستوي المحسن ~~والمسيء فلا زائدة للتوكيد لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد قسم المؤمنين ~~أعاد معه لا توكيدا، والمراد بالأول: التفاوت بين العالم والجاهل، ~~وبالثاني: التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال السيئة ~~الباطلة. # ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ~~ورسوخه قال تعالى: {قليلا ما يتذكرون} أي: يتعظ المجادلون وإن كانوا يعلمون ~~أن العلم خير من الجهل وأن العمل ms3015 الصالح خير من العمل الفاسد إلا أنه قليلا ~~ما يتذكرون، فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو جهل وفي ~~النوع الثاني المعنى من العمل أنه عمل صالح أو فاسد. # تنبيه: التقابل يأتي على ثلاث طرق؛ إحداها: أن يجاور المناسب ما يناسبه ~~كهذه الآية. والثانية: أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى: {مثل الفريقين} ~~كالأعمى والأصم والبصير والسميع. الثالثة: أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل ~~الآخر كقوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور} ~~(فاطر: 19 20) # كل ذلك تفنن في البلاغة، وقدم الأعمى في نفي # PageV03P490 # التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقرأ ~~الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب أو الالتفات للمذكورين بعد الإخبار ~~عنهم، أو أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة، والباقون بياء ~~الغيبة نظرا لقوله تعالى: {إن الذين يجادلون} وهم الذين التفت إليهم في ~~قراءة الخطاب. # ولما قرر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة أردفه بالإخبار عن وقوعها ~~فقال تعالى: # {إن الساعة} أي: القيامة التي يجادل فيها المجادلون {لآتية} أي: للحكم ~~بالعدل بين المسيء والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن ~~يساوي بين محسن عبيده ومسيئهم {لا ريب} أي: لا شك {فيها} أي: في إتيانها. # ولما حصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلا نفى الإيمان دون العلم ~~فقال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بها وما ذاك إلا ~~لعناد بعضهم ولقصور نظر الباقين على الحس. # تنبيه: يأتي قبل قيام الساعة فتن أعظمها فتنة المسيح الدجال فعن هشام بن ~~عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما بين خلق آدم عليه ~~السلام إلى قيام الساعة أكبر من خلق الدجال» . معناه أكبر فتنة وأعظم شوكة ~~من الدجال، وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ~~الدجال فقال: «إنه أعور عين اليمنى كأنها عنبة طافية» ولأبي داود والترمذي ~~عنه قال: قام رسول الله صلى ms3016 الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله تعالى ~~بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: «إني أنذركموه وما من نبي إلا أنذر قومه، ~~ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون إنه أعور والله سبحانه ~~ليس بأعور» . وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «ما من نبي إلا وأنذر قومه وأمته الأعور الدجال ألا وأنه أعور وإن ~~ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر» وفي رواية مسلم: «بين عينيه ك ف ر ~~يقرؤه كل مسلم» . وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بيتي فذكر الدجال فقال: «إن بين يديه ثلاثة سنين سنة ~~تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها ~~والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله فلا ~~تبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلكت، ومن أشد فتنته أن يأتي ~~الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم إني ربك؟ فيقول: بلى، ~~فيمثل له مثل إبله كأحسن ما تكون ضروعا وأسنمة، ويأتي الرجل قد مات أخوه ~~ومات أبوه فيقول: إن أحييت لك أباك وأحييت لك أخاك ألست تعلم أني ربك؟ ~~فيقول: بلى، فيمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه قالت: ثم خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم فأخذ ~~بلحمتي الباب فقال: مهيم أسماء قلت: يا رسول الله قد خلعت أفئدتنا بذكر ~~الدجال قال: إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا # فربي خليفتي على كل مؤمن، قالت: فقلت يا رسول الله: إنا لنعجن عجيننا فما ~~نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين حينئذ؟ قال: يجزيهم ما يجزي أهل السماء من ~~التسبيح والتقديس» . وروى البغوي بسنده عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر ~~كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كاضطرام السعفة في النار» انتهى. والذي ms3017 جاء ~~في صحيح # PageV03P491 # مسلم قالت: قلت يا رسول الله ما مكثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوما يوم ~~كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله فذلك ~~اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدرا، قلنا: يا ~~رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح» . وفي رواية ~~أبي داود: «فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من ~~فتنته» ومنه: «ثم ينزل عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ~~فيدركه عند باب لد فيقتله» وعن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إن مع الدجال إذا خرج ماء ونارا، فأما الذي يرى الناس أنه نار ~~فماء بارد وأما الذي يرى الناس أنه ماء فنار تحرق، فمن أدرك ذلك منكم فليقع ~~في الذي يرى الناس أنه نار فإنه ماء عذب بارد» . وعن أبي هريرة: «ألا ~~أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء بمثال الجنة ~~والنار فالتي يقول: إنها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه» ~~وعن المغيرة بن شعبة قال: «ما سأل أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الدجال أكثر ما سألته وأنه قال لي: ما يضرك قلت إنهم يقولون: أن معه جبال ~~خبز ونهر ماء قال: هو أهون على الله من ذلك» . # أي: أهون على الله من أن يجعل ما خلق الله بيده مضلا للمؤمنين ومشككا ~~لقلوبهم، بل إنما جعله الله تعالى ليزدادوا إيمانا وتثبت الحجة على ~~الكافرين والمنافقين، وليس معناه ليس معه شيء من ذلك لما مر في الحديث أن ~~معه ماء ونارا وذكر فيه أحاديث كثيرة، وفي هذا القدر تذكرة لأولي الألباب ~~أجارنا الله تعالى وأحبابنا من فتنته آمين. # ولما بين تعالى أن القول بالقيامة حق وكان من المعلوم بالضرورة أن ~~الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله والتضرع إليه لا جرم كان ~~الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات. # ولما كان أشق ms3018 أنواع الطاعات الدعاء والتضرع لا جرم أمر الله تعالى به ~~فقال سبحانه: # {وقال ربكم} أي: المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة {ادعوني} أي: ~~اعبدوني دون غيري {أستجب لكم} أي: أثبكم وأغفر لكم بقرينة قوله تعالى: {إن ~~الذين يستكبرون} أي: يوجدون الكبر {عن عبادتي} أي: عن الاستجابة لي فيما ~~دعوت إليه من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي {سيدخلون} أي: ~~بوعد لا خلف فيه {جهنم} فتلقاهم جزاء على كفرهم بالتجهم والعبوسة والكراهة ~~{داخرين} أي: صاغرين حقيرين ذليلين وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار ~~الصارف عنه منزلا منزلته للمبالغة والمراد بالعبادة: الدعاء فإنه من ~~أبوابها، روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء مخ العبادة» ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لم ~~يسأل الله تعالى يغضب عليه» ، فإن قيل: أنه صلى الله عليه وسلم قال حكاية ~~عن ربه عز وجل: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ~~فهذا يقتضي أن ترك الدعاء أفضل فكيف من لم يسأل الله يغضب؟ أجيب: بأنه إن ~~كان مستغرقا في الثناء على الله تعالى فهو أفضل من الدعاء لأن الدعاء طلب ~~الجنة والاستغراق في معرفة الله تعالى وجلاله أفضل من طلب الجنة وإلا ~~فالدعاء أفضل، وعن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله # PageV03P492 # صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ الآية، ~~فإن قيل: كيف قال تعالى: {ادعوني أستجب لكم} وقد يدعو الإنسان كثيرا فلا ~~يستجاب له؟ أجاب الكعبي: بأن الدعاء إنما يصح بشرط ومن دعا كذلك أستجيب له، ~~وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة، ثم سأل نفسه فقال: إن ~~الله تعالى يفعل ما هو الأصلح بغير دعاء فما فائدة الدعاء وأجاب عنه بأن ~~فيه الفزع والانقطاع إلى الله تعالى، وأجاب الرازي عن الأول: بأن كل من دعا ~~الله تعالى وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأصدقائه واجتهاده فهو ~~في الحقيقة ما دعا ms3019 الله تعالى إلا باللسان وأما القلب فهو يعول # في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله تعالى، فهذا إنسان ما دعا ربه وأما ~~إذا دعا في وقت لا يكون القلب فيه ملتفتا إلى غير الله تعالى فالظاهر أنه ~~يستجاب له، وقال القشيري: الدعاء مفتاح الإجابة وأسنانه لقمة الحلال، وقرأ ~~ابن كثير وشعبة بضم ياء سيدخلون وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء. # ولما أمر الله تعالى بالدعاء فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون ~~مسبوقا بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القادر فقال تعالى مفتتحا ~~بالاسم الأعظم: # {الله} أي: المحيط بصفات الكمال {الذي جعل لكم} لا غيره {الليل} أي: ~~مظلما {لتسكنوا فيه} راحة ظاهرة بالنوم الذي هو الموت الأصغر وراحة حقيقية ~~بالعبادة التي هي الحياة الدائمة {والنهار مبصرا} لتنظروا فيه باليقظة التي ~~هي إحياء بالمعنى، فالآية من الاحتباك حذف الظلام أولا لكونه ليس من النعم ~~المقصودة في نفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة الضياء ~~المقصود في نفسه، وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار لما دل ~~عليه من السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل للراحة لمن أرادها ~~والعبادة لمن اعتمدها واستزادها، فإن قيل: هلا قيل بحسب رعاية النظم: هو ~~الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال جعل لكم الليل ~~ساكنا والنهار مبصرا ولكنه لم يقل ذلك فما الحكمة فيه وفي تقديم ذكر الليل؟ ~~أجيب عن الأول: بأن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود ~~بالذات وأما النور واليقظة فأمور وجودية مقصودة بالذات، وقد بين الشيخ عبد ~~القادر في دلائل الإعجاز أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من ~~دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفرق، وأجيب عن الثاني: بأن ~~الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على ~~الوجود فلهذا السبب قال تعالى في سورة الأنعام {وجعل الظلمات والنور} ~~(الأنعام: 1) # . {إن الله} أي: ذا الجلال والإكرام {لذو فضل} أي: عظيم ms3020 جدا باختياره ~~{على الناس} أي: كافة باختلاف الليل والنهار وما يحتويان عليه من المنافع ~~{ولكن أكثر الناس لا يشكرون} الله فلا يؤمنون وينسبون أفعاله سبحانه إلى ~~غيره جهلا ويعلمون بما يسلب عنهم اسم الشكر من الشرك وغيره، فإن قيل: ما ~~الحكمة في قوله تعالى: {ولكن أكثر الناس} ولم يقل ولكن أكثرهم ولا يكرر ذكر ~~الناس؟ أجيب: بأن في هذا التكرار تخصيصا لكفران النعمة بهم وأنهم هم الذين ~~يكفرون فضل الله تعالى ولا يشكرونه كقوله تعالى: {إن الإنسان لظلوم كفار} ~~(إبراهيم: 34) # ولما بين تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال تعالى: # {ذلكم} أي: # PageV03P493 # أيها المخاطبون {الله} أي: الملك الأعظم المعلوم لكل أحد المتميز عن كل ~~شيء بالأفعال التي لا يشاركه فيها أحد {ربكم} أي: المربي لكم المحسن إليكم ~~{خالق كل شيء} أي: بما ثبت من تمام قدرته لأنه {لا إله إلا هو} أي: هو ~~الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية فهي أخبار مترادفة وإذا كان خالق ~~كل شيء {فأنى} أي: فكيف ومن أي وجه {تؤفكون} أي: تصرفون عن عبادته إلى ~~عبادة غيره. # {كذلك} أي: مثل هذا الصرف البعيد عن مناهج العقلاء {يؤفك} أي: يصرف ~~{الذين كانوا} أي: مطبوعين على أنهم {بآيات الله} أي: ذي الجلال والكمال ~~{يجحدون} أي: ينكرون عنادا ومكابرة. # ولما كان دلائل وجوده تعالى إما أن تكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان ~~وهي أقسام وذكر منها أحوال الليل والنهار كما تقدم، ذكر أيضا منها ههنا ~~الأرض والسماء فقال تعالى: # {الله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء {الذي جعل} أي: وحده {لكم ~~الأرض} أي: مع كونها فراشا ممهدا {قرارا} مع كونها في غاية الثقل ولا ممسك ~~لها سوى قدرته {والسماء} أي: على علوها وسعتها مع كونها أفلاكا دائرة بنجوم ~~طول الزمان سائرة ينشأ عنها الليل والنهار والأظلام {بناء} مظلة كالقبة من ~~غير عماد وحامل. ثم ذكر دلائل النفس وهي دلالة أحوال بدن الإنسان على وجود ~~الصانع القادر الحكيم بقوله تعالى: {وصوركم} والتصوير على غير نظام واحد لا ms3021 ~~يكون إلا بقدرة قادر تام القدرة مختار {فأحسن صوركم} على أشكال وأحوال مع ~~أنها أحسن الصور ليس في الوجود ما يشبهها لم يخلق الله تعالى حيوانا أحسن ~~صورة من الإنسان كما قال تعالى: {في أحسن تقويم} (التين: 4) # قال ابن عباس رضي الله عنهما: خلق الإنسان قائما معتدلا يأكل ويتناول ~~بيده وغير ابن آدم يتناول بفيه. # ولما ذكر تعالى المساكن والساكن ذكر ما يحتاج إليه في مدة السكن فقال ~~سبحانه {ورزقكم من الطيبات} أي: الشهية الملائمة للطباع وقيل: هو ما خلق ~~الله تعالى لعباده من المأكل والمشرب من غير رزق الدواب، وعن الحسن: أنه ~~قال لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام وذريته قالت الملائكة عليهم ~~السلام: إن الأرض لا تسعهم قال الله تعالى: فإني جاعل موتا، قالوا: إذا لا ~~يهنأ لهم العيش قال تعالى: فإني جاعل أملا. # ولما دل هذا على التفرد قال تعالى على وجه الإنتاج {ذلكم} أي: الرفيع ~~الدرجات {الله} أي: المالك لجميع الملك {ربكم} أي: المحسن إليكم لا غيره ~~{فتبارك} أي: ثبت ثباتا عظيما مع اليمن والخير وحسن المدد والفيض {الله} ~~المختص بالكمال {رب العالمين} كلهم فهو المحسن إليهم بالتربية وغيرها. ثم ~~نبه تعالى بقوله سبحانه: # {هو الحي} بما يفيد الحصر بأنه لا حي على الدوام إلا هو ثم نبه تعالى على ~~وحدانيته بقوله سبحانه: {لا إله إلا هو} ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء ~~فقال تعالى: {فادعوه} أي: اعبدوه {مخلصين له الدين} أي: من كل شرك جلي أو ~~خفي. # ولما كان تعالى موصوفا بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له: ~~{الحمد} أي: الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي: المسمى بهذا الاسم الجامع ~~لمجامع معاني الأسماء الحسنى {رب العالمين} أي: الذي رباهم هذه التربية، ~~وقال الفراء: هو خبر وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحمدوه، وعن ابن عباس # PageV03P494 # رضي الله عنهما: من قال لا إله إلا الله فليقل: على أثرها الحمد لله رب ~~العالمين. # ولما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات إله العالم أمره ~~بقوله تعالى: ms3022 # {قل} أي: لهؤلاء الذين يجادلونك في البعث مقابلا لإنكارهم بالتوكيد {إني ~~نهيت} أي: ممن لا نهي لغيره نهيا عاما ببراهين العقول ونهيا خاصا بأدلة ~~النقل {أن أعبد الذين تدعون} أي: تعبدون {من دون الله} أي: الذي له الكمال ~~كله، قال البقاعي: ودل على أنه ما كان متعبدا قبل البعثة بشرع أحد بقوله: ~~{لما جاءني البينات} أي: الحجج وهي ما تقدم من الدلائل الدالة على أن إله ~~العالم قد ثبت كونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة وصريح العقل يشهد بأن ~~العبادة لا تليق إلا له وأما الأحجار المنحوتة والأخشاب المصورة فلا تصح أن ~~تكون شركاء له. ثم نبه على أنه تعالى كما يستحق الإفراد بالعبادة لذاته ~~يستحقها شكرا لإحسانه بقوله: {من ربي} أي: المربي لي تربية خاصة هي أعلى من ~~كل مخلوق سواي فأنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد. # ولما أمره بما ينهى عنه أمره بما يتحلى به فقال: {وأمرت أن أسلم} أي: حين ~~دعي إلى الكفر {لرب العالمين} لأن كل ما سواه مربوب له فالإقبال عليه خسار ~~وإذا نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمر بهذا لكون الآمر والناهي هو رب ~~العالمين كان غيره مشاركا له في ذلك لا محالة. # ولما استدل تعالى على إثبات الإلهية بدليل الآفاق وذكر منها الليل ~~والنهار والأرض والسماء، ثم ذكر الليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس ~~وهو نوعان؛ أحدهما: حسن الصورة ورزق الطيبات، ذكر النوع الثاني: وهو كيفية ~~تكوين البدن من ابتداء كونه نطفة وجنينا إلى آخر الشيخوخة والموت فقال ~~تعالى: # {هو} أي: لا غيره {الذي خلقكم من تراب} أي: بخلق أبيكم آدم عليه السلام ~~منه، قال الرازي: وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ~~ومن دم الطمث، والمني مخلوق من الدم والدم إنما يتولد من الأغذية إما ~~حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت ~~الأغذية كلها منتهية إلى النبات، والنبات إنما يكون من التراب والماء، فثبت ~~أن كل إنسان متكون من ms3023 التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة كما قال تعالى: ~~{ثم من نطفة} أي: من مني {ثم من علقة} أي: دم غليظ متباعد حاله عن حال ~~النطفة كما كان حال النطفة متباعدا عن حال التراب {ثم} بعد أن جرت شؤون ~~أخرى {يخرجكم} أي: يجدد إخراجكم شيئا بعد شيء {طفلا} أي: أطفالا والتوحيد ~~لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد منكم لا تملكون شيئا ولا تعلمون شيئا ~~{ثم} يدرجكم في مدارج التربية صاعدين بالقوة في أوج الكمال طورا بعد طور ~~وحالا بعد حال {لتبلغوا أشدكم} أي: تكامل قوتكم من الثلاثين سنة إلى ~~الأربعين وعن الشعبي صغر الغلام لسبع سنين ويحتلم لأربع عشرة وينتهي طوله ~~لإحدى وعشرين وينتهي عقله لثمان وعشرين ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين {ثم} ~~يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول {لتكونوا شيوخا} ضعفاء غرباء قد ماتت ~~قوتكم ووهنت أركانكم، وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم الشين والباقون ~~بكسرها {ومنكم من يتوفى} بقبض روحه {من قبل} أي: قبل حال الشيخوخة أو قبل ~~حال # PageV03P495 # الأشدية أو قبل هذه الأحوال إذا خرج. # تنبيه: قوله تعالى: {لتبلغوا أشدكم} متعلق قال الزمخشري: بفعل محذوف ~~تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا أشدكم وكذلك لتكونوا وأما قوله: {ولتبلغوا} أي: ~~كل واحد منكم {أجلا مسمى} فمعناه ويفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى وهو وقت ~~الموت وقيل: يوم القيامة {ولعلكم تعقلون} أي: ما في ذلك من العبر والحجج ~~وتستدلون بهذه الأحوال العجيبة على وحدانية الله تعالى. # ولما ذكر تعالى انتقال الأجسام من كونها ترابا إلى أن بلغت الشيخوخة ~~واستدل بهذه التقديرات على وجود الإله القادر أنتج قوله تعالى: # {هو} أي: لا غيره {الذي يحيي ويميت} كما تشاهدونه في أنفسكم فكما أن ~~الانتقال من صفة إلى صفة أخرى من الصفات المتقدمة يدل على الإله القادر ~~فكذلك الانتقال من الحياة إلى الموت وبالعكس يدل على الإله القادر. # ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة تسبب عن ذلك قوله تعالى: {فإذا قضى ~~أمرا} أي أراد أي: أمر كان من القيامة أو غيرها {فإنما يقول ms3024 له كن فيكون} ~~فلا يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة، وقرأ ابن عامر بنصب النون ~~والباقون بالرفع وتقدم توجيه ذلك في سورة البقرة، ثم إنه تعالى عاد إلى ذم ~~الذين يجادلون في آيات الله مخاطبا بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: # {ألم تر} أي: يا أنور الناس قلبا وأصفاهم لبا {إلى الذين يجادلون} أي: ~~بالباطل {في آيات الله} أي: الملك الأعظم {أني} أي: كيف ومن أي وجه ~~{يصرفون} أي: عن التصديق وتكرير ذم المجادلة بتعدد المجادل والمجادل فيه أو ~~للتوكيد وقوله تعالى: # {الذين كذبوا} يجوز أن يكون بدلا من الموصول قبله أو بيانا أو نعتا أو ~~خبر مبتدأ محذوف أو منصوبا على الذم {بالكتاب} أي: بسببه في جمع ما له من ~~الشؤون التي تفوق الحصر وهو القرآن أو بجنس الكتب السماوية {وبما أرسلنا} ~~أي: على ما لنا من العظمة {به رسلنا} أي: من جميع الملل والشرائع بكتاب كان ~~أو بغيره ولذا تسبب عنه تهديدهم في قوله تعالى: {فسوف يعلمون} أي: بوعد ~~صادق لا خلف فيه ما يحل بهم من سطواتنا وقوله تعالى: # {إذ الأغلال في أعناقهم} ظرف ليعلمون، فإن قيل: سوف للاستقبال وإذ للماضي ~~فهو مثل قولك سوف أصوم أمس؟ أجيب: بأن المعنى على إذا إلا أن الأمور ~~المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعا بها عبر عنها بلفظ ~~ما كان ووجد والمعنى على الاستقبال قالوا وكما تقع إذا موقع إذ في قوله ~~تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} (الجمعة: 11) # كذلك تقع إذ موقعها وقوله تعالى: {والسلاسل} عطف على الأغلال، فتكون في ~~الأعناق، والسلسلة معروفة، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره في أرجلهم وخبره ~~{يسحبون} والعائد محذوف أي: بها والسحب الجر بعنف، والسحاب من ذلك لأن ~~الريح تجره أو أنه يجر الماء {في الحميم} أي: الماء الحار الذي يكسب الوجوه ~~سوادا والأعراض عارا والأرواح عذابا والأجسام نارا {ثم في النار يسجرون} ~~أي: يلقون فيها وتوقد بهم مكردسين كما يسجر التنور بالحطب، كما قال تعالى: ~~{وقودها ms3025 الناس والحجارة} (البقرة: 24) # والسجير الخليل الذي يسجر في مودة خليله، كقولهم: فلان يحترق في مودة ~~فلان، هذه كيفية عقابهم. # {ثم قيل لهم} تبكيتا أي: بعد أن طال عذابهم وبلغ منهم كل مبلغ ولم يجدوا # PageV03P496 # ناصرا يخلصهم ولا شافعا يخصصهم {أين} وأكد التعبير عنهم بأداة ما لا يعقل ~~في قوله تعالى: {ما كنتم} أي: دائما {تشركون} {من دون الله} أي: معه وهي ~~الأصنام {قالوا ضلوا} أي: غابوا {عنا} فلا نراهم كما ضللنا نحن في الدنيا ~~عما ينفعنا وذلك قبل أن تقرن آلهتهم أو ضاعوا عنا فلم نجد منهم ما كنا ~~نتوقع منهم {بل لم نكن ندعو} أي: لم يكن ذلك في طباعنا {من قبل} أي: قبل ~~هذه الإعادة {شيئا} لنكون قد أشركنا به أنكروا عبادتهم إياها كقولهم في ~~سورة الأنعام: {والله ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام: 23) # وقال الحسن بن الفضل: أي: لم نكن نصنع من قبل شيئا، أي: ضاعت عبادتنا لها ~~كما يقول من ضاع عمله ما كنت أعمل شيئا ثم يقرنون بآلهتهم كما قال تعالى: ~~{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} (الأنبياء: 98) # أي: وقودها {كذلك} أي: مثل إضلال هؤلاء المكذبين {يضل الله} أي: المحيط ~~علما وقدرة عن القصد النافع من حجة وغيرها {الكافرين} أي: الذين ستروا ~~مرائي بصائرهم لئلا ينجلي فيها الحق ثم صار لهم ذلك ديدنا. # {ذلكم} أي: الجزاء العظيم {بما كنتم} أي: دائما {تفرحون} أي: تبالغون في ~~السرور وتستغرقون فيه {في الأرض بغير الحق} من الإشراك وإنكار البعث فأشعر ~~ذلك أن السرور لا ينبغي إلا إذا كان مع كمال هذه الحقيقة وهي الثبات دائما ~~للمفروح به وذلك لا يكون إلا في الجنة {وبما} أي: وبسبب ما {كنتم تمرحون} ~~أي: تبالغون في الفرح مع الأشر والبطر والنشاط الموجب للاختيال والتبختر ~~والخفة بعدم احتمال الفرح. # تنبيه: قوله تعالى: {تفرحون وتمرحون} من باب التحنيس المحرف وهو أن يقع ~~الفرق بين اللفظين بحرف. # ولما كان السياق لذم الجدال وكان الجدال إنما يكون عن الكبر قال تعالى: # {ادخلوا} أي: أيها المكذبون ms3026 {أبواب جهنم} أي: الأبواب السبعة المقسومة ~~لكم قال تعالى: {لها سبعة أبواب} (الحجر: 44) # لكل باب منهم جزء مقسوم، وسميت: جهنم لأنها تلقى صاحبها بتكبر وعبوس ~~وتجهم {خالدين فيها} أي: مقدرين الخلود {فبئس مثوى} أي: مأوى {المتكبرين} ~~أي: عن الحق والمخصوص بالذم محذوف أي: مثواكم، فإن قيل: كان قياس النظم أن ~~يقول: فبئس مدخل المتكبرين كما تقول: زرت بيت الله فنعم المزار وصليت في ~~المسجد فنعم المصلى؟ أجيب: بأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم المثوى فلذلك خصه ~~بالذم وإن كان الدخول أيضا مذموما. # ولما زيف تعالى طريقة المجادلين في آيات الله أمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بالصبر بقوله: # {فاصبر} أي: على أذاهم بسبب المجادلة وغيرها {إن وعد الله} أي: الجامع ~~لصفات الكمال {حق} أي: بنصرتك في الدارين فلا بد من وقوعه {فإما نرينك} قال ~~الزمخشري: أصله فإن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ولذلك ألحقت النون ~~بالفعل ألا تراك لا تقول: إن تكرمني أكرمك ولكن إما تكرمني أكرمك، قال أبو ~~حيان: وما ذكره من تلازم النون وما الزائدة ليس مذهب سيبويه إنما هو مذهب ~~المبرد والزجاج ونص سيبويه على التخيير {بعض الذي نعدهم} به من العذاب في ~~حياتك وجواب الشرط محذوف أي: فذاك {أو نتوفينك} أي: قبل تعذيبهم {فإلينا ~~يرجعون} أي: فنعذبهم أشد العذاب فالجواب المذكور للمعطوف فقط. # {ولقد أرسلنا} أي: بما لنا من العظمة {رسلا} # PageV03P497 # أي: بكثرة {من قبلك} إلى أممهم ليبلغوا عنا ما أمرناهم به {منهم من ~~قصصنا} بما لنا من العظمة {عليك} أي: أخبارهم وأخبار أممهم {ومنهم من لم ~~نقصص عليك} لا أخبارهم ولا أخبار أممهم ولا ذكرناهم لك بأسمائهم وإن كان ~~لنا العلم التام والقدرة الكاملة، روي أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف نبي ~~أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس {وما} أي: أرسلناهم ~~والحال أنه ما {كان لرسول} أصلا {أن يأتي بآية} أي: ملجئة أو غير ملجئة مما ~~يطلب الرسول استعجالا لاتباع قومه له أو اقتراحا من قومه عليه {إلا بإذن ~~الله} ms3027 أي: بأمره وتمكينه فإن له الإحاطة بكل شيء فلا يخرج شيء عن أمره وهم ~~عبيد مربوبون. # تنبيه: معنى الآية أن الله تعالى قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنت ~~كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس منهم أحد ~~أعطاه الله آيات ومعجزات إلا وقد جادله قومه وكذبوه فيها فصبروا وكانوا ~~أبدا يقترحون على أنبيائهم عليهم السلام إظهار المعجزات الزائدة على الحاجة ~~عنادا وعبثا، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله تعالى والله سبحانه ~~علم الصلاح في إظهار ما أظهروه دون غيره ولم يقدح ذلك في نبوتهم، فكذلك ~~الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحا لا ~~جرم ما أظهرناها {فإذا جاء أمر الله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلما بنزول ~~العذاب على الكفار {قضي} أي: بأمره على أيسر وجه وأسهله بين الرسل ومكذبيهم ~~{بالحق} الأمر الثابت {وخسر هنالك} أي: في ذلك الوقت العظيم {المبطلون} أي: ~~المنسوبون إلى إيثار الباطل على الحق المعاندون الذين يجادلون في آيات ~~الله، فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتا وعبثا، وقرأ قالون ~~والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وسهل ورش وقنبل ~~الهمزة الثانية وأبدلاها أيضا ألفا، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين. # ولما ذكر الله تعالى الوعيد عاد إلى ذكر ما يدل على وجود الإله القادر ~~الحكيم، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاما على العباد فقال تعالى: # {الله} أي: الملك الأعظم {الذي جعل لكم} أي: لا غيره {الأنعام} أي: ~~الأزواج الثمانية بالتذلل والتسخير، وقال الزجاج: الأنعام الإبل خاصة ~~{لتركبوا منها} وهي الإبل مع قوتها ونفرتها وقد تركب البقر أيضا {ومنها} ~~أي: من الأنعام كلها {تأكلون} ولما كان التصرف فيها غير منضبط أجمله بقوله ~~تعالى: # {ولكم فيها} أي: كلها {منافع} أي: كثيرة بغير ذلك من الدر والوبر والصوف ~~وغيرها {ولتبلغوا عليها} وهي في غاية الذل والطواعية ونبههم على نقصهم وعظم ~~نعمته عليهم بقوله تعالى: {حاجة} أي: جنس الحاجة، وقوله تعالى: {في ms3028 صدوركم} ~~إشارة إلى أن حاجة واحدة ضاقت عنها قلوب الجميع حتى فاضت منها فملأت ~~مساكنها {وعليها} أي: الإبل في البر {وعلى الفلك} أي: في البحر {تحملون} ~~أي: تحملون أمتعتكم الثقيلة من مكان إلى مكان آخر وأما حمل الإنسان نفسه ~~فقد مر بالركوب، فإن قيل: لم لم يقل وفي الفلك كما قال تعالى في سورة هود: ~~{قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} (هود: 40) # أجيب: بأن كلمة على للاستعلاء فالشيء الذي يوضع على الفلك كما صح أن يقال ~~وضع فيه صح أن يقال وضع عليه، ولما صح # PageV03P498 # الوجهان كانت لفظة على أولى حتى تتم المزاوجة في قوله تعالى {وعليها وعلى ~~الفلك تحملون} (المؤمنون: 22) # وقال بعضهم: أن لفظ فيها هناك أليق لأن سفينة نوح عليه السلام كما قيل ~~مسبقة عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح لأن ~~الناس على ظهرها. # ولما كانت هذه آية عظيمة جعلها الله سبحانه وتعالى مشتملة على آيات كثيرة ~~قال تعالى: # {ويريكم} أي: في كل لحظة {آياته} أي: دلائل قدرته {فأي آيات الله} أي: ~~المحيط بصفات الكمال الدالة على وحدانيته {تنكرون} حتى تتوجه لكم المجادلة ~~في آياته وهذا استفهام توبيخ. # تنبيه: أي: منصوب بتنكرون وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام وتذكيره أشهر من ~~تأنيثه، قال الزمخشري: وقولك فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر ~~والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب وهو في أي: أغرب ~~لإبهامه، قال أبو حيان: ومن قلة تأنيث أي: قول الشاعر: # *بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب* # قال ابن عادل: وقوله وهو في أي أغرب إن عني أيا على الإطلاق فليس بصحيح؛ ~~لأن المستفيض في النداء أن تؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: {يا أيتها ~~النفس المطمئنة} (الفجر: 27) # ولا نعلم أحدا ذكر تذكيرها فيه فيقول: يا أيها المرأة إلا صاحب «البديع ~~في النحو» وإن عني غير المناداة فكلامه صحيح، يقل تأنيثها في الاستفهام ~~وموصولة وشرطية. # ولما وصل الأمر إلى حد من الوضوح لا يخفى ms3029 على أحد تسبب عنه لفت الخطاب ~~عنهم دلالة على الغضب الموجب للعقاب المقتضي للرهب فقال تعالى: # {أفلم يسيروا} أي: هؤلاء الذين هم أضل من الإنعام، لما حصل في صدورهم من ~~الكبر العظيم طلبا للرياسة والتقديم على الغير في المال والجاه {في الأرض} ~~أي أرض كانت سير اعتبار {فينظروا} نظر تفكر فيما سلكوه من سبلها ونواحيها ~~{كيف كان عاقبة} أي: آخر {الذين من قبلهم} أي: مع قرب الزمان والمكان أو ~~بعد ذلك {كانوا أكثر منهم} عددا وعددا ومالا وجاها {وأشد قوة} في الأبدان ~~كقوم هود عليه السلام وبناء {وآثارا في الأرض} بنحت البيوت في الجبال وحفر ~~الآبار وبناء المصانع الجليلة وغير ذلك {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} ~~بقوة أبدانهم وعظم عقولهم واحتيالهم وما رتبوا من المصانع لنجاتهم حين ~~جاءهم الموت بل كانوا كأمس الذاهب. # تنبيه: ما الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى، والثانية موصولة أو ~~مصدرية مرفوعة به. # {فلما جاءتهم رسلهم} أي: الذين قد أرسلناهم إليهم وهم يعرفون صدقهم ~~وأماناتهم {بالبينات} أي: المعجزات الظاهرات الدالة على صدقهم لا محالة ~~واختلف في عود ضمير فرحوا في قوله تعالى: {فرحوا بما عندهم من العلم} على ~~وجهين؛ أحدهما: أنه عائد إلى الكفار واختلف في ذلك العلم الذي فرحوا به ~~فقيل: هو الأشياء التي كانوا يسمونها علما وهي الشبهات المحكية عنهم في ~~القرآن كقولهم: {ما يهلكنا إلا الدهر} (الجاثية: 24) # وقولهم: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} (الأنعام: 148) # وقولهم: {من يحيي العظام وهي رميم} (يس: 78) # {ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} (الكهف: 36) # فكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء كما قال تعالى: {كل حزب بما ~~لديهم فرحون} (الروم: 32) # وقيل: المراد علم الفلاسفة فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله تعالى دفعوه ~~وصغروا علوم الأنبياء # PageV03P499 # عن علومهم، كما روي عن بقراط أنه سمع بمجيء بعض الأنبياء عليهم السلام ~~فقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. ~~وقيل: المراد علمهم بأمر الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كقوله تعالى: {يعلمون ~~ظاهرا ms3030 من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ذلك مبلغهم من العلم} ~~(النجم: 29 30) # فلما جاءت الرسل عليهم السلام بعلوم الديانات ومعرفة الله عز وجل ومعرفة ~~المعاد وتطهير النفس من الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤوا بها واعتقدوا ~~أن لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به، ويجوز أن يكون المراد ~~علم الأنبياء وفرح الكفار به ضحكهم واستهزاؤهم به ويؤيده قوله تعالى: ~~{وحاق} أي: أحاط على وجه الشدة {بهم ما كانوا به يستهزئون} أي: من الوعيد ~~الذي كانوا قاطعين ببطلانه، والوجه الثاني: أنه عائد على الرسل وفيه وجهان؛ ~~أحدهما: أن تفرح الرسل إذا رأوا من قوم جهلا كاملا وإعراضا عن الحق وعلموا ~~سوء غفلتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم فرحوا بما أوتوا من ~~العلم وشكروا الله تعالى وحاق بالجاهلين جزاء جهلهم واستهزائهم، الثاني: أن ~~المراد أن الرسل فرحوا بما عند الكفار من العلم فرح ضحك واستهزاء. # {فلما رأوا} أي: عاينوا {بأسنا} أي: عذابنا الشديد ومنه قوله تعالى: ~~{بعذاب بئيس} (الأعراف: 165) # {قالوا آمنا بالله} أي: الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز ونفوذ الكلمة ~~{وحده} لا نشرك به شيئا {وكفرنا بما كنا} أي: جبلة وطبعا {به مشركين} يعنون ~~الأصنام أي: لأنا علمنا أنه لا يغني من دون الله شيء. # ولما كان الكفر بالغيب سببا لعدم قبول الإيمان عند الشهادة قال تعالى: # {فلم يك ينفعهم} أي: لم يصح ولم يقبل بوجه من الوجوه {إيمانهم} أي: لا ~~يتجدد لهم نفعه بعد ذلك لأنه إيمان الجاء واضطرار، لا إيمان طواعية واختيار ~~{لما رأوا} وأظهر موضع الإضمار زيادة في الترهيب فقال تعالى شأنه: {بأسنا} ~~أي: عذابنا لامتناع قبول الإيمان حينئذ لأنه لا يتحقق ولا يتصور إلا مع ~~الغيب، وأما عند الشهادة فقد كشفت سريرته على انه قد فاتت حقيقته وصورته، ~~ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه، فإن قيل: أي: فرق بين قوله تعالى: {فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم} وبينه، لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم؟ أجيب: بأنه من كان في ~~نحو قوله تعالى: {ما كان الله ms3031 أن يتخذ من ولد} (مريم: 35) # والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. فإن قيل: كيف ترادفت هذه ~~الفاءات؟ أجيب: بأن قوله تعالى: {فما أغنى عنهم} نتيجة قوله تعالى: {كانوا ~~أكثر منهم} وأما قوله تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم} فجار مجرى البيان ~~والتفسير لقوله تعالى: {فما أغنى عنهم} كقولك رزق زيد المال فمنع المعروف ~~فلم يحسن إلى الفقراء وقوله تعالى {فلما رأوا بأسنا} تابع لقوله تعالى: ~~{فلما جاءتهم} كأنه قال: فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا فكذلك فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله تعالى، وقوله تعالى: {سنت الله} ~~أي: الملك الأعظم، يجوز انتصابها على المصدر المؤكد لمضمون الجملة أي: الذي ~~فعله الله تعالى بهم سنة سابقة من الله تعالى ويجوز انتصابها على التحذير ~~أي: احذروا سنة الله تعالى في المكذبين {التي قد خلت في عباده} وتلك السنة ~~أنهم إذا عاينوا العذاب آمنوا ولم ينفعهم إيمانهم. # فائدة: رسمت سنة بتاء مجرورة ووقف عليها ابن كثير وأبو عمرو # PageV03P500 # والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، وأمال الكسائي الهاء في الوقف {وخسر} ~~أي: هلك أي: تحقق وتبين أنه خسر {هنالك الكافرون} أي: العريقون في هذا ~~الوصف فلا انفكاك بينهم وبين الكفر. # تنبيه: هنالك في الأصل اسم مكان قيل: استعير هنا للزمان ولا حاجة له ~~فالمكانية فيه ظاهرة، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا ~~صلى عليه واستغفر له» حديث موضوع. وعن ابن سيرين رأى رجل في المنام سبع ~~جوار حسان في مكان واحد لم ير أحسن منهن فقال لهن: لمن أنتن فقلن لمن يقرأ ~~آل حم. ### | سورة حم فصلت # مكية وتسمى فصلت وهي أربع وخمسون آية وسبعمائةوتسعة وتسعون كلمة وثلاثة ~~آلاف وثلاثمئة وخمسون حرفا # {بسم الله} الذي له أوصاف الكمال {الرحمن} الذي وسع كل شيء رحمة وعلما ~~{الرحيم} الذي فصل الكتاب تفصيلا وبينه غاية البيان، وتقدم الكلام على قوله ~~تعالى: # {حم} ثم إن جعلتها اسما للسورة ms3032 كانت في موضع الابتداء وخبره. # {تنزيل من الرحمن الرحيم} وإن جعلتها تعديدا للحروف كان تنزيل خبر ~~المبتدأ محذوف أي: هذا تنزيل وقال الأخفش: تنزيل رفع بالابتداء وخبره. # {كتاب} فصلت، وجرى على ذلك الجلال المحلي {فصلت} أي: بينت {آياته} ~~بالأحكام والقصص والمواعظ بيانا شافيا في اللفظ والمعنى حال كونه {قرآنا} ~~أي: جامعا مع التفصيل وهو مع جمع اللفظ وضبطه منثور اللؤلؤ منتشر المعاني ~~لا إلى حد ولا نهاية عد بل كلما دقق النظر جل المفهوم، ولذلك قال تعالى: ~~{عربيا} لأن لسان العرب أوسع الألسن ساحة وأعمقها عمقا وأغمرها باحة ~~وأرفعها بناء وأفصحها لفظا وأبينها معنى وأجلها في النفوس وقعا، وفي ذلك ~~امتنان لسهولة قراءته وفهمه، وقوله تعالى: {لقوم يعملون} أي: العربية أو ~~لأهل العلم وهو النظر وهو متعلق بفصلت أي: فصلت لهؤلاء وبينت لهم لأنهم هم ~~المنتفعون بها وإن كانت مفصلة في نفسها لجميع الناس، أو بمحذوف صفة لقرآنا ~~أي: كائنا لهؤلاء خاصة لما تقدم من المعنى. # تنبيه: حكم الله تعالى على هذه السورة بأشياء أولها: كونها تنزيلا ~~والمراد المنزل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور كقولك هذا بناء ~~الأمير أي: مبنيه وهذا الدرهم ضرب السلطان أي: مضروبه ومعنى كونها منزلة أن ~~الله تعالى كتبها في اللوح المحفوظ وأمر جبريل عليه السلام أن يحفظ الكلمات ~~ثم ينزل بها على محمد صلى الله عليه وسلم ويؤديها إليه، فلما حصل تفهم هذه ~~الكلمات بواسطة جبريل عليه السلام سمي لذلك تنزيلا. # وثانيها: كون ذلك التنزيل من الرحمن الرحيم، وذلك يدل على أن ذلك التنزيل ~~نعمة عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لابد وأن يكون مناسبا ~~لتلك الصفة، فكونه تعالى رحمانا رحيما صفتان دالتان على كمال الرحمة ~~والتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالا على أعظم وجوه ~~الرحمة والنعمة، والأمر كذلك لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى # PageV03P501 # والمحتاجين والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى ~~ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النعم من الله ms3033 تعالى على أهل ~~هذا العالم إنزال القرآن عليه. # وثالثها: كونه كتابا وهذا الاسم مشتق من الكتب وهو الجمع، فسمي كتابا ~~لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين. # ورابعها: قوله تعالى {فصلت آياته} أي: ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة ~~فبعضها وصف ذات الله تعالى وصفات التنزيه والتقديس وشرح كمال قدرته وعلمه ~~وحكمته ورحمته وعجائب أحوال خلقه من السموات والكواكب وتعاقب الليل والنهار ~~وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان، وبعضها في المواعظ والنصائح، ~~وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأنبياء عليهم ~~السلام وتواريخ الماضين وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب ~~اجتمع فيه من العلوم المختلفة مثل ما في القرآن. # وخامسها: قوله تعالى: {قرآنا} وقد مر توجيه هذا الاسم. # وسادسها: قوله تعالى: {عربيا} أي: إنما نزل بلغة العرب ويؤيده قوله تعالى ~~{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (إبراهيم: 4) # وسابعها: قوله تعالى: {لقوم يعلمون} أي: جعلناه قرآنا لأجل أنا أنزلناه ~~على قوم عرب بلغتهم ليفهموا منه المراد، وثامنها وتاسعها: قوله تعالى: # {بشيرا} أي: لمن اتبع {ونذيرا} أي: لمن امتنع وانقطع، وعاشرها: قوله ~~تعالى {فأعرض أكثرهم} أي: عن تدبره وقبولهم {فهم} لذلك {لا يسمعون} أي: ~~يفعلون فعل من لم يسمع لأنهم لا يسمعون سماع تأمل وطاعة فهذه صفات عشر وصف ~~الله تعالى القرآن بها. # واحتج القائلون بخلق القرآن بهذه الآية من وجوه أولها: أنه تعالى وصف ~~القرآن بكونه منزلا وتنزيلا والمنزل والتنزيل مشعر بالتغيير من حال إلى حال ~~فوجب أن يكون مخلوقا، ثانيها: أن التنزيل مصدر هو المفعول المطلق باتفاق ~~النحويين، ثالثها: أن المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو ~~المفعول المطلق وإما المكتوب الذي هو المفعول، رابعها: أن قوله تعالى: ~~{فصلت آياته} يدل على أن متصرفا تصرف فيه بالتفصيل وذلك لا يليق بالقديم، ~~خامسها: إنما سمي قرآنا لأنه قرن بعض أجزائه ببعض وذلك يدل على كونه مفعول ~~فاعل ومجعول جاعل، سادسها: وصفه بكونه عربيا وإنما صحت هذه النسبة لأن هذه ~~الألفاظ إنما دلت على هذه المعاني ms3034 بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم وما حصل بجعل ~~جاعل وفعل فاعل فلا بد وأن يكون محدثا ومخلوقا. وأجاب أهل السنة بأن كل هذه ~~الوجوه المذكورة عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات وهي حادثة، وذهب ~~قوم إلى أن في القرآن من سائر اللغات كالاستبرق والسجل فإنهما فارسيان ~~والمشكاة فإنها حبشية والقسطاس فإنه من لغة الروم وهذا فاسد لقوله تعالى: ~~{قرآنا عربيا} وقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (إبراهيم: ~~4) # ولما وصف الله تعالى القرآن بأنهم أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه بين أنهم ~~صرحوا بهذه النفرة، وذكر ثلاثة أشياء مذكورة عنهم في قوله تعالى: # {وقالوا} أي: عند إعراضهم ممثلين في عدم قبولهم {قلوبنا في أكنة} أي: ~~أغشية محيطة بها والأكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء والكنان هو الذي تجعل ~~فيه السهام والمعنى لانفقه ما تقول {مما تدعونا} أيها المخبر بأنه نبي ~~{إليه} فلا # PageV03P502 # سبيل إلى الوصول إليها لتفقه أصلا، فإن قيل: هلا قالوا على قلوبنا أكنة ~~كما قالوا: {وفي آذاننا} أي: التي نسمع بها وهي أحد الطرق الموصلة إلى ~~القلوب {وقر} أي: ثقل قد أصمها عن سماعه ليكون على نمط واحد؟ أجيب: بأنه ~~على نمط واحد لأنه لا فرق في المعنى بين قولك قلوبنا في أكنة وعلى قلوبنا ~~أكنة، والدليل عليه قوله تعالى: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة} (الكهف: 57) # ولو قيل: إنا جعلنا قلوبهم في أكنة لم يختلف المعنى، والمعنى: إنا في ترك ~~القبول عنك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع {ومن بيننا وبينك حجاب} أي: حاجز من ~~جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي {فاعمل} أي: على دينك {إننا عاملون} على ~~ديننا أو فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك، فإن قيل: هل ~~لزيادة من في قولهم من بيننا وبينك حجاب فائدة؟ أجيب: بنعم لأنهم لو قالوا ~~وبيننا وبينك حجاب لكان المعنى أن حجابا حاصل وسط بين الجهتين، وإما بزيادة ~~من، فالمعنى أن الحجاب ابتداء منا وابتداء منك فالمسافة المتوسطة لجهتنا ~~وجهتك كلها مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. ms3035 # ولما أخبروا بإعراضهم وعللوا بعدم فهمهم لما يدعو إليه أمر الله سبحانه ~~وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بجواب يبين أنهم على محض العناد فقال ~~تعالى: # {قل} أي: لهؤلاء الذين عجزوا عن رد شيء من أمرك بشيء يقبله ذو عقل فادعوا ~~ما ينادى عليهم بالعجز {إنما أنا بشر مثلكم} أي: لست غير بشر مما لا يرى ~~كالملك والجني بل واحد منكم والبشر يرى بعضهم بعضا ويسمعه ويبصره فلا وجه ~~لما تقولونه أصلا {يوحى إلي} أي: بطريق تخفى عليكم ولولا الوحي ما دعوتكم ~~{أنما إلهكم} أي: الذي يستحق العبادة {إله واحد} لا غير واحد، وهذا ما دلت ~~عليه الفطرة الأولى السوية وقامت عليه الأدلة العقلية وأيدتها في كل عصر ~~الطرق النقلية وانعقد عليه الإجماع في أوقات الضرورة النفسانية، قال الحسن: ~~علمه الله تعالى التواضع. # ولما قطع حجتهم وأزال علتهم تسبب عن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~{فاستقيموا إليه} أي: غير معوجين أصلا على نوع شرك بشفيع ولا غيره، وعدى ~~بإلى لتضمنه معنى توجهوا والمعنى: وجهوا استقامتكم إليه بطاعته ولا تميلوا ~~عن سبيله {واستغفروه} أي: اطلبوا منه غفران ذنوبكم وهو محوها عينا وأثرا ~~حتى لا تعاقبوا عليها ولا تعاتبوا بالندم عليها والإقلاع عنها حالا ومآلا، ~~ثم هدد على ذلك فقال: {وويل} كلمة عذاب أو واد في جهنم {للمشركين} أي: من ~~فرط جهالتهم واستخفافهم بالله تعالى. # {الذين لا يؤتون الزكاة} أي: لبخلهم وعدم إشفاقهم على الخلق وذلك من أعظم ~~الرذائل {وهم بالآخرة} أي: الحياة التي بعد هذه ولا بعد لها {هم كافرون} ~~واحتج من قال إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بهذه الآية فقالوا: إن الله ~~تعالى توعدهم بأمرين أحدهما: كونهم مشركين والثاني: لا يؤتون الزكاة، فوجب ~~أن يكون لكل واحد من هذين تأثير في حصول الوعيد وذلك يدل على أن لعدم إيتاء ~~الزكاة مع الشرك تأثيرا عظيما في زيادة الوعيد وهو المطلوب، فإن قيل: لم خص ~~تعالى من أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة؟ أجيب: بأن أحب ~~شيء إلى الإنسان ms3036 ماله وهو شقيق روحه فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل ~~على ثباته واستقامته # PageV03P503 # وصدق نيته ونصوح طويته ألا ترى قوله تعالى: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ~~ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم} (البقرة: 265) # أي: يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال وما خدع المؤلفة ~~قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرت عصبيتهم ولانت شكيمتهم، وأهل الردة بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة فنصبت لهم الحروب ~~وجوهدوا، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة وتخويف شديد في منعها، حيث جعل ~~المنع من أوصاف المشركين وقرن بالكفر بالآخرة، وقال ابن عباس: هم الذين لا ~~يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من ~~الشرك بالتوحيد، وقال الحسن وقتادة: لا يقرون بالزكاة ولا يرون إيتاءها ~~واجبا وكان يقال: الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك. # وقال الضحاك ومقاتل: لا ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون، وقال مجاهد: لا ~~يزكون أعمالهم. # ولما ذكر تعالى ما للجاهلين وعيدا وتحذيرا ذكر ما لأضدادهم وعدا وتبشيرا ~~فقال تعالى مجيبا لمن تشوق لذلك مؤكدا لإنكار من ينكره: # {إن الذين آمنوا} أي: بما آتاهم الله تعالى من العلم النافع {وعملوا ~~الصالحات} من الزكاة وغيرها من أنواع الطاعات {لهم أجر} أي: عظيم {غير ~~ممنون} أي: غير مقطوع جزاء على سماحهم بالفاني اليسير من أموالهم في الزكاة ~~وغيرها وما أمر الله تعالى من أقوالهم وأفعالهم في الآخرة والدنيا، ~~والممنون المقطوع من مننت الحبل إذا قطعته ومنه قولهم قد منه السفر أي: ~~قطعه، وقال مقاتل: غير منقوص، ومنه المنون لأنه ينقص من الإنسان وقوته، ~~وأنشدوا لذي الإصبع العدواني: # *إني لعمرك ما بابي بذي غلق ... على الصديق ولا أجري بممنون* # وقيل: غير ممنون به عليهم لأن عطاء الله تعالى لا يمن به إنما يمن ~~المخلوق، وقال السدي: نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم ~~الأجر كما صح ما كانوا يعملون فيه، روى عبد الله بن عمر أن رسول الله ms3037 صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض ~~قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو ألفته ~~إلي» . # ولما ذكر سبحانه وتعالى سفههم في كفرهم بالآخرة، شرع في ذكر الأدلة على ~~قدرته عليها وعلى كل ما يريد كخلق الأكوان وما فيها الشامل لهم ولمعبوداتهم ~~من الجمادات وغيرها الدال على أنه واحد لا شريك له، فقال منكرا عليهم ~~ومقررا بالوصف لأنهم كانوا عالمين بأصل الخلق: # {قل} يا أشرف الرسل لمن أنكر الخلق منكرا عليه بقولك: {أئنكم} وأكد ~~لإنكارهم التصريح بما يلزمهم من الكفر بقوله تعالى: {لتكفرون} أي: توجدون ~~حقيقة الستر لأنوار العقول الظاهرة {بالذي خلق الأرض} أي: على سعتها وعظمها ~~من العدم {في يومين} فتنكرون قدرته على إعادة ما خلقه منها ابتداء مع ~~اعترافكم بأنه ابتدأ خلقها وخلق ذلك منها وهذان اليومان الأحد والاثنين كما ~~قاله ابن عباس وعبد الله بن سلام، قال ابن الجوزي والأكثرون قال ابن عباس: ~~إن الله خلق يوما فسماه الأحد ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين ثم خلق ثالثا ~~فسماه الثلاثاء ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء ثم خلق خامسا فسماه الخميس، ~~فخلق الله الأرض في يوم # PageV03P504 # الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل، ~~وخلق مواضع الأنهار والشجر والقرى يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحش والسباع ~~والهوام والآفة يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة وفرغ من الخلق يوم ~~السبت ولكن، في حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «أخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها ~~الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، ~~وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر ~~من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى ~~الليل» ، فإن قيل: الأيام إنما كانت بدوران الأفلاك وإنما كان ذلك بعد تمام ~~الخلق ms3038 بالفعل؟ أجيب: بأن المراد في مقدار يومين أو نوبتين، خلق في كل نوبة ~~ما خلق في أسرع ما يكون، قال البيضاوي: ولعل المراد من الأرض ما في جهة ~~السفل من الأجرام البسيطة، ومن خلقها في يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم ~~خلق لها صورا بها صارت أنواعها، وكفرهم به إلحادهم في ذاته تعالى وصفاته، ~~وقرأ قالون وأبو عمرو وهشام بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام وأدخلوا بين ~~الهمزة المحققة # والمسهلة ألفا، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية من غير إدخال، والباقون ~~بتحقيقهما من غير إدخال. # ولما ذكر كفرهم بالبعث وغيره عطف على تكفرون قوله تعالى: {وتجعلون} أي: ~~مع هذا الكفر {له أندادا} من الخشب المنجور ومن الحجر المنحوت شركاء في ~~المعبودية ولما بكتهم على قبح معتقدهم عظم ذلك بتعظيم شأنه سبحانه فقال ~~تعالى: {ذلك} أي: الإله العظيم {رب العالمين} أي: موجدهم ومربيهم وذلك يدل ~~قطعا على جميع ما له من صفات الكمال. # ولما ذكر تعالى ما هم به مقرون من إبداعها أتبعه بثلاثة أنواع من الصنع ~~العجيب والفعل البديع بعد ذلك: فالأول: قوله تعالى: # {وجعل فيها رواسي} أي: جبالا ثوابت، وهو مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة ~~الموصول للفصل بينهما بأجنبي وهو قوله تعالى: {وتجعلون} فإنه معطوف على ~~لتكفرون كما مر، فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: {من فوقها} ولم يقتصر ~~على قوله: {وجعل فيها رواسي} كما اقتصر على قوله تعالى: {وجعلنا فيها رواسي ~~شامخات} (المرسلات: 27) # وقوله تعالى: {وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم} (فصلت: 10) # وقوله تعالى: {وجعل فيها رواسي} ؟ أجيب: بأنه تعالى لو قال وجعل لها ~~رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه ~~الأرض الثقيلة عن النزول، ولكنه تعالى قال: جعلت هذه الجبال الثقال فوق ~~الأرض ليرى الإنسان بعينه أن الأرض والجبال الثقال على أثقال، وكلها مفتقرة ~~إلى ممسك وحافظ، وما ذاك الحافظ المدبر إلا الله تعالى. # ولما هيأ الأرض لما يراد منها ذكر ما أودعها، وهو النوع الثاني: بقوله ~~تعالى: {وبارك ms3039 فيها} أي: بما خلق من البحار والأنهار والأشجار والثمار وغير ~~ذلك، وقال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال وخلق الأشجار والنار وخلق ~~أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه من الحيوانات، النوع الثالث: قوله ~~تعالى: {وقدر فيها أقواتها} أي: أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه ~~ويغني به، وقال محمد بن كعب: قدر الأقوات قبل أن يخلق الخلق والأبدان # PageV03P505 # أي: أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من أقطارها، فأضاف القوت ~~إلى الأرض لكونه متولدا من تلك الأرض حادثا فيها لأن النحاة قالوا: يكفي في ~~جنس الإضافة أدنى سبب، فالشيء يضاف إلى فاعله تارة وإلى محله أخرى، أي: قدر ~~الأقوات التي يختص حدوثها بها وذلك لأنه تعالى جعل كل بلدة معدة لنوع من ~~الأشياء المطلوبة حتى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في ~~تلك البلدة وبالعكس، فصار هذا المعنى سببا لرغبة الناس في التجارات واكتساب ~~الأموال لتنتظم عمارة الأرض كلها باحتياج بعضهم إلى بعض، فكان جميع ما تقدم ~~من إبداعها وإيداعها ما ذكر من متاعها دفعة واحدة على مقدار لا يتعداه ~~ومنهاج بديع دبره في الأزل وارتضاه وقدره فأمضاه لا ينقص عن حاجة المحتاجين ~~أصلا، وإنما ينقص توصلهم أو توصل بعضهم إليه فلا يجد له حينئذ ما يكفيه، ~~وفي الأرض أضعاف كفايته. # ثم ذكر فذلكة خلق الأرض وما فيها. فقال تعالى: {في أربعة أيام} أي: مع ~~اليومين الماضيين كقولك بنيت بيتي في يوم وأكملته في يومين أي: بالأول، ~~وقال أبو البقاء: في تمام أربعة أيام ولولا هذا التقدير لكانت ثمانية، ~~يومان في الأول وهو قوله تعالى {خلق الأرض في يومين} ويومان في الآخر وهو ~~قوله تعالى: {فقضاهن سبع سموات في يومين} وأربعة في الوسط وهو قوله تعالى: ~~{في أربعة أيام} ، فإن قيل: إنه تعالى ذكر خلق الأرض في يومين فلو ذكر أنه ~~خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعد عن الشبهة وعن ~~الغلط فلم ترك التصريح بذكر الكلام المجمل؟ أجيب: بأن قوله ms3040 تعالى في: ~~{أربعة أيام} {سواء} أي: استوت الأربعة استواء لا يزيد ولا ينقص فيه فائدة ~~زائدة على ما إذا قال خلقت هذه الثلاثة في يومين لأنه لو قال تعالى خلقت ~~هذه الأشياء في يومين لا يفيد هذا الكلام كون اليومين مستغرقين بتلك ~~الأعمال لأنه قد يقال عملت هذا العمل في يومين مع أن اليومين ما كانا ~~مستغرقين بذلك العمل بخلافه لما ذكر خلق الأرض وخلق هذه الأشياء، ثم قال: ~~{في أربعة أيام سواء} دل على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة في تلك ~~الأعمال من غير زيادة ولا نقصان. # ولم يفعل تعالى ذلك في أقل من لمح البصر مع تمام القدرة عليه لأن هذا أدل ~~على الاختيار وأدخل في الابتلاء والاختبار ليضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ~~فيكون أعظم لأجورهم لأنه أدل على تسليمهم، وجعل مدة خلقها ضعف مدة خلق ~~السموات مع كونها أصغر من السموات دلالة على أنها هي المقصودة بالذات لما ~~فيها من الثقلين الإنس والجن، فزادت لما فيها من كثرة المنافع وتباين أصناف ~~الأعراض والجواهر لأن ذلك أدخل في المنة على سكانها والاعتناء بشأنهم ~~وشأنها وزادت أيضا لما فيها من الابتلاء بالمعاصي والمجاهدات والمجادلات ~~والمعالجات كل ذلك دلالة على أن المدة ما هي لأجل القدرة بل لأجل التنبيه ~~على ما في القدرة من المقدور وعجائب الأمور. # قال البقاعي: ولعل تخصيص السماء بقصر المدة دون العكس لإجراء أمرها على ~~ما نتعارفه من أن بناء السقف أخف من بناء البيت، تنبيها على أنه بنى أمر ~~دارنا هذه على الأسباب تعليما للتأني وتدريبا للسكينة والبعد عن العجلة، ~~وقوله تعالى: {للسائلين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق # PageV03P506 # بسواء بمعنى مستويات للسائلين، ثانيها: أنه متعلق بقدر أي: قدر فيها ~~أقواتها لأجل الطالبين لها المحتاجين المقتاتين، ثالثها: أنه متعلق بمحذوف، ~~كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها. # ولما كانت السموات أعظم من الأرض في ذاتها باتساعها وزينتها ودوران ~~أفلاكها وارتفاعها، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي ولفظ ms3041 الاستواء وحرف ~~الغاية الدال على عظم الغاية فقال تعالى: # {ثم استوى} أي: قصد قصدا، هو القصد منتهيا قصده {إلى السماء وهي} أي: ~~والحال أنها {دخان} قال المفسرون: هذا الدخان بخار الماء وذلك أن عرش ~~الرحمن كان على الماء قبل خلق السموات والأرض كما قال تعالى: {وكان عرشه ~~على الماء} (هود: 7) # ثم إن الله تعالى أحدث في ذلك الماء اضطرابا فأزبد وارتفع فخرج منه دخان ~~فأما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق منه اليبوسة وأحدث منه الأرض وأما ~~الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السموات، فإن قيل: هذه الآية مشعرة بأن خلق ~~الأرض كان قبل السموات وقوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} (النازعات: 30) # مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السموات وذلك يوجب التناقض؟. # أجيب: بأن المشهور أنه تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق بعدها السموات ثم بعد ~~خلق السماء دحا الأرض ومدها حينئذ فلا تناقض، قال الرازي: وهذا الجواب مشكل ~~لأن الله تعالى خلق الأرض في يومين، ثم إنه في اليوم الثالث جعل فيها رواسي ~~من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في ~~الوجود إلا بعد أن صارت الأرض منبسطة، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك ثم استوى ~~إلى السماء فهذا يقتضي أن الله تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن ~~جعلها مدحوة وحينئذ يعود السؤال ثم قال: والمختار عندي أن يقال: خلق السماء ~~مقدم على خلق الأرض وتأويل الآية أن يقال الخلق ليس عبارة عن التكوين ~~والإيجاد والدليل عليه قوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون} (آل عمران: 59) # فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لصار تقدير الآية أوجده من تراب ~~ثم قال له كن فيكون وهذا محال، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن الإيجاد ~~والتكوين بل عبارة عن التقدير، والتقدير في حق الله تعالى هو: كلمته بأن ~~سيوجده، وإذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى: {خلق الأرض في يومين} : معناه: أنه ~~قضى بحدوثها في يومين ms3042 وقضاء الله تعالى أنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي ~~حدوث ذلك الشيء في الحال فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم ~~على إحداث السماء حينئذ يزول السؤال. {فقال لها} أي: السماء عقب الاستواء ~~{وللأرض ائتيا} أي: تعاليا وأقبلا منقادتين وقوله تعالى: {طوعا أو كرها} ~~مصدران في موضع الحال أي: طائعتين أو كارهتين {قالتا أتينا} أي: نحن وما ~~فينا وما بيننا {طائعين} أي: أتينا على الطوع لا على الكره، والغرض تصوير ~~أثر قدرته في المقدورات لا غير من غير أن يحقق شيئا من الخطاب والجواب، ~~ونحو ذلك قول القائل: قال الجدار للوتد لم تشقني قال الوتد سل من يدقني، ~~فإن قيل: هلا قال طائعتين على اللفظ أو طائعات على المعنى لأنهما سموات ~~وأرضون؟ أجيب: بأنه لما جعلهن مخاطبات ومجيبات ووصفهن بالطوع # PageV03P507 # والكره قال: طائعين في موضع طائعات نحو قوله ساجدين. # تنبيه: جمع الأمر لهما في الإخبار لا يدل على جمعه في الزمان بل قد يكون ~~القول لهما متعاقبا، فإن قيل: إن الله تعالى أمر السماء والأرض فأطاعتا كما ~~أن الله تعالى أنطق الجبال مع داود عليه السلام فقال تعالى: {يا جبال أوبي ~~معه والطير} (سبأ: 10) # وأنطق الأيدي والأرجل فقال تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون} (النور: 24) # وقوله تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء} (فصلت: 21) # وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله تعالى في ذات السموات والأرض ~~حياة وعقلا ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما؟. # ووجه هذا بوجوه؛ الأول: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا أن يمنع منه ~~مانع وههنا لا مانع، الثاني: أنه تعالى جمعها جمع العقلاء فقال تعالى: ~~{قالتا آتينا طائعين} الثالث: قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} (الأحزاب: 72) # وهذا يدل على كونها عارفة بالله تعالى عالمة بتوجه تكليف الله تعالى، ~~وأجاب الرازي عن هذا: بأن المراد من قوله تعالى: {ائتيا طوعا أو كرها} ~~الاتيان إلى ms3043 الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير، فحال توجه هذا الأمر ~~كانت السموات والأرض معدومة إذ لو كانت موجودة لم يجز، فثبت أن حال توجه ~~هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة وإذا كانت معدومة لم تكن عارفة ولا ~~فاهمة للخطاب فلم يجز توجه الأمر إليها. # فإن قيل: روى مجاهد وطاووس عن ابن عباس أنه قال: قال الله للسموات ~~والأرض: أخرجا ما فيكما من المنافع لمصالح العباد أما أنت يا سماء فاطلعي ~~شمسك وقمرك ونجومك، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك وقال ~~لهما: افعلا ما أمرتكما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه، وعلى هذا ~~لا يكون المراد من قوله {أتينا طائعين} حدوثهما في ذاتهما، بل يصير المراد ~~من هذا الأمر أن يظهر ما كان مودعا فيهما؟ أجيب: بأن هذا لم يثبت لأنه ~~تعالى قال: # {فقضاهن} أي: خلقهن خلقا إبداعيا {سبع سموات} وهذا يدل على أن حصول ~~السماء إنما حصل بعد قوله ائتيا طوعا أو كرها. # تنبيه: الضمير للسماء على المعنى كما قال تعالى: {طائعين} ونحوه {أعجاز ~~نخل خاوية} (الحاقة: 7) # ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا بسبع سموات، وسبع سموات حال على الأول، ~~وتمييز على الثاني، وقوله تعالى: {في يومين} قال أهل الأثر: إن الله تعالى ~~خلق الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق سائر ما في الأرض يوم الثلاثاء ~~والأربعاء وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة ~~من يوم الجمعة فخلق آدم عليه السلام وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة، ~~ولذلك لم يقل هنا سواء ووافق هذا آيات خلق السموات والأرض في ستة أيام، وعن ~~ابن عباس رضي الله عنه: «أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ~~خلق السموات والأرض فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال ~~وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء ~~والمعايش والعمران والخراب فهذه أربعة، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم ~~الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين # PageV03P508 # منه فخلق في ms3044 أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حتى يموت من مات، وفي ~~الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به، وفي الثالثة خلق آدم فأسكنه ~~الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة قالت اليهود: ثم ماذا ~~يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش قالوا: قد أصبت لو أتممت قالوا: ثم ~~استراح، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا فنزل {ولقد خلقنا ~~السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما ~~يقولون} (ق: 38 39) ، فإن قيل: اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك إنما ~~يحصل بطلوع الشمس وغروبها وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصول ~~اليوم؟. # أجيب: بأن معناه أنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار ~~مقدار اليوم كما مر، وقضاء الشيء إتمامه والفراغ منه قال ابن جرير: وإنما ~~سمي الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم وخلق السموات والأرض أي: فرغ من ~~ذلك وأتمه {فأوحى} أي: ألقى بطريق خفي وحكم بثبوت قوي {في كل سماء أمرها} ~~أي: الأمر الذي دبرها ودبر منافعها به على نظام محكم لا يختل وزمام مبرم لا ~~ينحل، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: خلق في كل سماء خلقها من ~~الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله تعالى. ~~وقال السدي: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها ولله في كل سماء بيت تحج ~~إليه وتطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل للكعبة بحيث لو وقعت منه حصاة ~~لوقعت على الكعبة. # ولما عم خص التي تلينا إشارة إلى تشريفنا فقال تعالى صارفا القول إلى ~~مظهر العظمة تنبيها على ما في هذه الآية من العظم {وزينا} أي: بما لنا من ~~العظمة {السماء الدنيا} أي: القربى إليكم لأجلكم {بمصابيح} وهي النيرات ~~التي خلقها الله في السموات وخص كل واحدة بضوء معين وسير معين وطبيعة معينة ~~لا يعلمها إلا الله تعالى ولا ينافي كون الدنيا مزينة بذلك أن تكون ms3045 النجوم ~~في غيرها مما هو أعلى منها لأن السياق دل على أنها زينة. # وقوله تعالى: {وحفظا} في نصبه وجهان؛ أحدهما: أنه منصوب على المصدر بفعل ~~مقدر أي: وحفظناها بالثواقب من الكواكب حفظا، والثاني: أنه مفعول من أجله ~~على المعنى فإن التقدير: وخلقنا الكواكب زينة وحفظا قال أبو حيان: وهو تكلف ~~وعدول عن السهل البين، والمعنى: وحفظناها من الشياطين الذين يسترقون السمع ~~بالشهب أو من الآفات {ذلك} أي: الأمر الرفيع والشأن البديع {تقدير العزيز} ~~أي: الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء، {العليم} أي: المحيط علما بكل شيء ~~فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والعليم إشارة إلى كمال العلم. # ولما كان المتمادي على إعراضه كأنه جدد إعراضا غير إعراضه الأول قال ~~تعالى مفصلا بعد قوله تعالى {فأعرض أكثرهم} : # {فإن أعرضوا} أي: استمروا على إعراضهم بعد هذا الشأن أو أعرض غيرهم عن ~~قبول ما جئتهم به من الذكر بعد هذا البيان الواضح في هذه الآيات التي دلت ~~على الوحدانية والعلم والقدرة وغيرها من صفات الكمال أتم دلالة {فقل} أي: ~~لهم {أنذرتكم صاعقة} أي: فحذرهم أن يصيبهم عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة {مثل ~~صاعقة عاد وثمود} وقال المبرد: الصاعقة المرة المهلكة لأي شيء كان والإنذار ~~التخويف، وإنما خص هاتين القبيلتين لأن # PageV03P509 # قريشا كانوا يمرون على بلادهم. # ثم علل إيقاع ذلك بقوله تعالى: {إذ} يجوز أن يكون ظرفا لصاعقة وظرفيته لا ~~تنافي عليته أي: حين {جاءتهم} أي: عادا أو ثمود {الرسل} لأن الزمان الطويل ~~يجوز نسبة ما وقع في جزء منه إليه {من بين أيديهم} أي: من قبلهم لأن نذير ~~الأول نذير لكل من أتى بعده بأنه إن واقع ما واقعه أتاه ما عذب به {ومن ~~خلفهم} وهم من أتى إليهم لأنهم لم يكونوا يعلمون إتيانهم فالخلف كناية عن ~~الخفاء والقدام عن الجلاء وأنهم أتوهم من كل جانب واجتهدوا بهم فاعملوا ~~فيهم كل حيلة فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض. # كما حكى الله تعالى عن الشيطان {لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم} ~~(الأعراف: 17) # أي: ms3046 لآتينهم من كل جهة، عن الحسن: أنذروهم من وقائع الله تعالى فيمن ~~قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاؤوهم بالوعظ من ~~جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار ومن جهة المستقبل وما سيجري ~~عليهم، وأتوهم مقبلين عليهم ومدبرين عنهم، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان ~~وعاصم بإظهار الذال عند الجيم وأدغمها الباقون. , # {أن} أي: بأن {لا تعبدوا إلا الله} أي: الذي له صفات الكمال جميعا ~~{قالوا} أي: الكفار لرسلهم {لو شاء ربنا} الذي ربانا أحسن تربية أن يرسل ~~إلينا رسولا {لأنزل} إلينا {ملائكة} فأرسلهم إلينا بما يريده منا لكنه لم ~~يرسل ملائكة فلم يشأ أن يرسل رسولا {فإنا بما} أي: بسبب ما {أرسلتم به} أي: ~~على زعمكم بأنكم رسل {كافرون} إذ أنتم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا. # روي: «أن أبا جهل قال في ملأ قريش: التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا ~~رجلا عالما بالسحر والشعر والكهانة وكلمه ثم أتانا ببيان من أمره، فقال ~~عتبة بن ربيعة: والله لقد علمت الشعر والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علما ~~وما يخفى علي، فأتاه فقال له: يا محمد أنت خير أم هاشم، أنت خير أم عبد ~~المطلب، أنت خير أم عبد الله، فلم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا؟ فإن كنت تريد ~~الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن كنت أردت الباء زوجناك عشر نسوة ~~تختارهن من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستعين به ~~على ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت فلما فرغ قال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أفرغت؟ قال: نعم قال: فاسمع ثم إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تعوذ ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم {حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب ~~فصلت آياته} إلى أن بلغ قوله تعالى {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود} فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم إلا ما سكت، ثم رجع إلى ~~أهله ولم يخرج إلى قريش فلما احتبس ms3047 عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ ~~فانطلقوا إليه وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت إلى محمد ~~وأعجبك طعامه، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد ~~فغضب عتبة وأقسم لا يكلم محمدا أبدا، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر ~~قريش مالا ولكني أتيته وقصصت عليه القصة وجاءني بشيء والله ما هو شعر ولا ~~كهانة ولا سحر وقرأ السورة إلى قوله تعالى {فإن # أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسكت بفيه وناشدته ~~الرحم حتى سكت، ولقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل ~~عليكم العذاب» . # وفي رواية لمحمد بن كعب أنه قال: إني سمعت قرآنا والله ما سمعت بمثله قط # PageV03P510 # ما هو شعر ولا سحر ولا كهانة يا معشر قريش أطيعوني، خلوا بينكم وبين هذا ~~الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه والله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن ~~تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظفر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم ~~وأنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا لوليد بلسانه قال: هذا رأي ~~لكم فاصنعوا ما بدا لكم. # ولما جمعهم الله فيما اجتمعوا فيه حتى كأنهم تواصوا به، فصلهم وفصل ما ~~اختلفوا فيه فقال مسببا عما مضى من مقالاتهم: # {فأما عاد} أي: قوم هود عليه السلام {فاستكبروا} أي: طلبوا الكبر وأوجدوه ~~{في الأرض} أي: كلها التي كانوا فيها بالفعل وغيرها بالقوة أو في الكل ~~بالفعل لكونهم ملكوها كلها، ثم بين كبرهم أنه {بغير الحق} أي: الذي لم ~~يطابق الواقع، ثم ذكر تعالى سبب الاستكبار بقوله تعالى: {وقالوا من أشد منا ~~قوة} وذلك أن هودا عليه السلام هددهم بالعذاب، فقالوا: نحن نقدر على دفع ~~العذاب بفضل قوتنا، وكانوا ذوي أجسام طوال طول الطويل منهم أربعمائة ذراع ~~كما سيأتي في سورة الفجر، قال الله تعالى ردا عليهم: # {أولم يروا} أي: يعلموا علما هو كالمشاهدة {أن الله} أي: المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما ms3048 {الذي خلقهم} ولم يكونوا شيئا {هو أشد منهم قوة} ومن علم أن ~~غيره أقوى منه وكان عاقلا انقاد له فيما ينفعه ولا يضره، وقوله تعالى: ~~{وكانوا بآياتنا يجحدون} أي: يعرفون أنها حق وينكرونها، عطف على فاستكبروا. # {فأرسلنا} أي: بسبب ذلك على مالنا من العظمة {عليهم ريحا} أي: عظيمة ~~{صرصرا} أي: شديد البرد والصوت والعصوف حتى كانت تجهد البدن ببردها فتكون ~~كأنها تصره أي: تجمعه في موضع واحد فتمنعه التصرف بقوتها وتقطع القلب ~~بصوتها فتقهر شجاعته وتمحق بشدة بردها كل ما مرت عليه، وقوله تعالى: {في ~~أيام نحسات} أي: مشؤومات جمع نحسة، وقرأ ابن عامر والكوفيون بكسر الحاء من ~~نحس، نحسا نقيض سعد سعدا فهو نحس والباقون بسكونها فهو إما مخفف نحس أو صفة ~~على فعل أو وصف بمصدر قال الضحاك: أمسك الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين ~~وكانت الريح عليهم من غير مطر، روي أن الأيام كانت آخر شوال من الأربعاء ~~إلى الأربعاء قال البيضاوي: وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. # وعن عبد الله بن عباس أنه قال: الرياح ثمان: أربع منها عذاب: وهي العاصفة ~~والصرصر والعقيم والقاصف، وأربع منها رحمة: وهي المبشرات والناشرات ~~والمرسلات والذاريات، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى ما أرسل ~~على عاد من الريح إلا قدر خاتمي، وفعلنا ذلك بهم {لنذيقهم عذاب الخزي} أي: ~~الذل والهوان {في الحياة الدنيا} كما استكبروا في الأرض بغير الحق فيذبلوا ~~عند من تعظموا عليه في الدار التي اغتروا بها فتعظموا فيها، فإن ذلك أدل ~~على القدرة عند من تقيد بالوهم {ولعذاب الآخرة} أي: الذي أعد للمتكبرين في ~~الآخرة بغير الحق {أخزى} أي: أشد إهانة، وهو في الأصل صفة المعذب، وإنما ~~وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة {وهم لا ينصرون} أي: لا يوجد ~~ولا يتجدد لهم نصر أبدا بوجه من الوجوه. # ولما أنهى تعالى أمر صاعقة عاد، شرع في بيان صاعقة ثمود فقال تعالى: # {وأما ثمود} وهم قوم صالح عليه السلام {فهديناهم} أي: بينا لهم طريق ms3049 ~~الهدى من أنا قادرون على البعث # PageV03P511 # وعلى كل شيء فلا شريك لنا، وكان بيان ذلك بالناقة غاية البيان فأبصروا ~~ذلك بأبصارهم التي هي سبب إبصار بصائرهم غاية الإبصار، فكرهوا ذلك لما ~~يلزمه من تركهم طريق آبائهم وأقبلوا على لزوم طريق آبائهم {فاستحبوا} أي: ~~اختاروا {العمى} أي: الكفر {على الهدى} أي: الإيمان، قال القشيري قيل: إنهم ~~آمنوا وصدقوا ثم ارتدوا وكذبوا فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستبدال. # فإن قيل: أليس معنى هديته حصلت فيه الهدى والدليل عليه قولك: هديته ~~فاهتدى، وبمعنى تحصيل البغية وحصولها كما تقول ردعته فارتدع، فكيف ساغ ~~استعماله في الدلالة المجردة؟ أجيب: بأنه لما مكنهم وأزاح عللهم ولم يبق ~~لهم عذرا ولا علة فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها. # {فأخذتهم صاعقة العذاب} أي: بسبب ذلك أخذ قهر وهوان {الهون} أي: ذي ~~الهوان وهو الذي يهينهم {بما كانوا} أي: دائما {يكسبون} أي: من شركهم ~~وتكذيبهم صالحا عليه السلام. # ولما أنهى الله تعالى الخبر عن الكافرين من الفريقين أتبعه الخبر عن ~~مؤمنيهم بشارة لمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ونذارة لمن صد عنه فقال ~~تعالى: # {ونجينا} أي: تنجية عظيمة بما لنا من القدرة {الذين آمنوا} أي: أوجدوا ~~هذا الوصف من الفريقين {وكانوا} أي: كونا عظيما {يتقون} أي: يتجدد لهم هذا ~~الوصف في كل حركة وسكون فلا يقدمون على شيء بغير دليل، فإن قيل: كيف يجوز ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه مثل صاعقة عاد وثمود مع العلم بأن ~~ذلك لا يقع في أمته، وقد صرح تعالى بذلك فقال عز من قائل: {وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم} (الأنفال: 33) # وجاء في الحديث الصحيح «أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع» ؟ ~~أجيب: بأنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في الكفر عرفوا كونهم ~~مشاركين لعاد وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة، وأن السبب الموجب للعذاب ~~واحد وربما يكون العذاب النازل من جنس ذلك العذاب وإن كان أقل درجة وهذا ~~القدر يكفي في التخويف. # ولما بين تعالى ms3050 كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه ببيان كيفية ~~عقوبتهم في الآخرة ليحصل تمام الاعتبار في الزجر والتحذير فقال تعالى: # {ويوم} أي: واذكر يوم {يحشر} أي: يجمع بكره بأمر قاهر لا كلفة فيه {أعداء ~~الله} أي: الملك الأعظم {إلى النار} وقرأ نافع بنون مفتوحة وضم الشين ونصب ~~أعداء على البناء للفاعل وهو الله تعالى، والباقون بياء الغيبة مضمومة وفتح ~~الشين على البناء للمفعول ورفع أعداء لقيامه مقام الفاعل، وجه الأول أنه ~~معطوف على نجينا فحسن أن يكون على وفقه في اللفظ، ووجه الثاني موافقة قوله ~~تعالى: {فهم} أي: بسبب حشرهم {يوزعون} أي: يساقون ويدفعون إلى النار، وقال ~~قتادة: يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا أي: يوقف سوابقهم حتى تصل إليهم. # ولما بين تعالى إهانتهم بالوزع بين غايتها بقوله تعالى: # {حتى إذا ما جاؤوها} أي: النار التي كانوا بها يكذبون، فما زائدة لتأكيد ~~اتصال الشهادة بالحضور، كما قال تعالى: {شهد عليهم} وبين الشاهد وعدده ~~بقوله تعالى: {سمعهم} وأفرد السمع لعدم تفاوت الناس فيه {وأبصارهم} وجمعها ~~لعظم تفاوت الناس فيها {وجلودهم بما كانوا يعملون} أي: يجددون عمله مستمرين ~~عليه. # تنبيه: في كيفية تلك الشهادة ثلاثة # PageV03P512 # أقوال؛ أولها: أن الله تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما ~~يشهد الرجل على ما يعرفه، ثانيها: أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات ~~والحروف الدالة على تلك المعاني، ثالثها: أن يظهر في تلك الأعضاء أحوالا ~~تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان وتلك الأمارات تسمى شهادات كما ~~يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه. # فإن قيل: ما السبب في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر مع أن الحواس ~~خمسة وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس؟ أجيب: بأن الذوق داخل في اللمس ~~من بعض الوجوه لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم ~~الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى يصير جلدة الأنف مماسة لجرم المشموم فكانا ~~داخلين في جنس اللمس، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد من شهادة ~~الجلود شهادة الفروج وهو ms3051 من باب الكنايات كما قال تعالى: {لا تواعدوهن سرا} ~~(البقرة: 235) # وأراد النكاح وقال تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} (النساء: 43) # والمراد قضاء الحاجة وقال صلى الله عليه وسلم «أول ما يتكلم من الآدمي ~~فخذه وكفه» وعلى هذا التقدير تكون الآية وعيدا شديدا في إتيان الزنا لأن ~~مقدمة الزنا إنما تحصل بالفخذ، وقال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمت الأنفس ~~من عملهم وعن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ~~فقال: «هل تدرون مم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ~~ربه فيقول يا رب ألم تجرني من الظلم فيقول: بلى قال فيقول فإني لا أجيز ~~اليوم على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ~~وبالكرام الكاتبين عليك شهودا قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنطق ~~بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل» . # {وقالوا} أي: الكفار الذين يحشرون إلى النار {لجلودهم} مخاطبين لها ~~مخاطبة العقلاء لما فعلت فعل العقلاء {لم شهدتم علينا} مع أنا كنا نحاجج ~~عنكم {قالوا} مجيبين لهم معتذرين {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} أراد نطقه ~~على وجه لم يقدر على التخلف عنه فليس بعجب من قدرة الله الذي له مجامع العز ~~{وهو خلقكم أول مرة} والعلم القطعي حاصل عندكم بأنكم كنتم عدما ثم نطفا لا ~~تقبل النطق في مجاري العادات بوجه، ثم طوركم في أدوار الأطوار كذلك إلى أن ~~أوصلكم إلى حيز الإدراك فقسركم على النطق بحيث لو أردتم سلبه عن أنفسكم ما ~~قدرتم {وإليه} لا إلى غيره {ترجعون} فينبئكم بما كنتم تعملون. # تنبيه: اختلف في قوله تعالى: {وهو خلقكم} الآية فقيل: هو من كلام الجلود ~~وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده وموقعه تقريب ما قبله بأن القادر ~~على إنشائكم ابتداء وعلى إعادتكم بعد الموت أحياء قادر على إنطاق جلودكم ~~وأعضائكم. # {وما كنتم تستترون} أي: عند ارتكابكم الفواحش خفية {أن يشهد عليكم سمعكم} ~~وأكد بتكرير النافي ms3052 فقال: {ولا أبصاركم} جمع وأفرد لما مضى {ولا جلودكم} ~~والمعنى: أنكم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش وما كان ~~استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها ~~عليكم بل كنتم جاحدين بالبعث جهلا منكم {ولكن} إنما استتاركم لأنكم {ظننتم} ~~بسبب إنكار البعث جهلا منكم {أن الله} الذي له جميع صفات الكمال # PageV03P513 # {لا يعلم} أي: في وقت من الأوقات {كثيرا مما تعملون} وهو الخفيات من ~~أعمالكم. # روي عن ابن مسعود قال: «كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر، ثقفيان ~~وقرشي أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون ~~الله يسمع ما نقول فقال الآخر: يسمع إن جهرنا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا ~~جهرنا يسمع إذا أخفينا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~تعالى {وما كنتم تستترون} الآية قيل: الثقفي عبد يا ليل وختناه القرشيان ~~ربيعة وصفوان بن أمية وقوله تعالى: # {وذلكم} إشارة إلى ظنهم هذا وهو مبتدأ وقوله تعالى: {ظنكم} بدل منه، ~~وقوله تعالى: {الذي ظننتم بربكم} نعت البدل والخبر {أرداكم} أي: أهلككم، ~~وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه ولا يزول عن ذهنه أن ~~عليه من الله تعالى عينا كالئة ورقيبا مهيمنا حتى يكون في أوقاته وخلواته ~~من ربه أهيب وأحسن احتشاما وأوفر تحفظا وتصورا منه مع الملأ، ولا ينبسط في ~~سره مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين. # ولما كان الصباح محل رجاء للإفراج فكان شر الإتراح ما كان فيه، قال تعالى ~~{فأصبحتم} أي: بسبب ما أعطيتموه من النعم لتستنقذوا أنفسكم به من الهلاك، ~~كان سبب هلاككم {من الخاسرين} أي: العريقين في الخسارة المحكوم بخسارتهم في ~~جميع ذلك اليوم. # قال المحققون: الظن قسمان أحدهما: حسن، والآخر: فاسد، فالحسن، أن يظن ~~بالله تعالى الرحمة والفضل والإحسان قال صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: ~~«أنا عند ظن عبدي بي» . وقال صلى الله عليه وسلم «لا يموتن أحدكم إلا وهو ~~يحسن الظن بالله» . # والظن الفاسد ms3053 أن يظن أن الله تعالى يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال. وقال ~~قتادة: الظن نوعان: منجي ومردي، فالمنجي: قوله: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} ~~(الحاقة: 20) # وقوله تعالى: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} (البقرة: ~~46) # والمردي: هو قوله تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم} . # {فإن يصبروا فالنار مثوى} أي: منزل {لهم} أي: إن أمسكوا عن الاستغاثة ~~لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مقاما لهم {وإن يستعتبوا} أي: ~~يسألوا العتبى وهو، الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعا مما هم فيه {فما هم من ~~المعتبين} أي: المجابين إليها، ونحوه قوله عز وجل: {أجزعنا أم صبرنا ما لنا ~~من محيص} (إبراهيم: 21) # ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة أتبعه سبب كفرهم الذي هو سبب الوعيد ~~فقال تعالى: # {وقيضنا} قال مقاتل: هيأنا وقال الزجاج: سببنا {لهم} أي: للكفرة وأصل ~~التقييض: التيسير والتهيئة يقال: قيضته للدواء هيأته له ويسرته، وهذان ~~ثوبان قيضان أي: كل منهما مكافئ للآخر في الثمن وقوله تعالى: {قرناء} أي: ~~نظراء من الشياطين حتى أضلوهم، جمع قرين قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين} {فزينوا لهم} أي: من القبائح {ما بين أيديهم} ~~أي: من أمر الدنيا حتى آثروها على الآخرة {وما خلفهم} أي: من أمر الآخرة ~~فدعوهم إلى التكذيب وإنكار البعث، وقال الزجاج: زينوا لهم ما بين أيديهم من ~~أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا بأن ~~الدنيا قديمة ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك، قال القشيري: إذا أراد الله ~~بعبده سوءا قيض له إخوان سوء وقرناء سوء # PageV03P514 # يحملونه على المخالفات ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وشر منه النفس ~~وبئس القرين، تدعو اليوم إلى ما فيه الهلاك وتشهد غدا عليه، وإذا أراد الله ~~بعبده خيرا قيض الله له قرناء خير يعينونه على الطاعة ويحملونه عليها ~~ويدعونه إليها. # وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبد شرا ~~قيض له قبل موته شيطانا فلا ms3054 يرى حسنا إلا قبحه عنده ولا قبيحا إلا حسنه ~~عنده» . وعن عائشة: إذا أراد الله بالوالي خيرا قيض له وزير صدق إن نسي ~~ذكره وإن ذكر أعانه، وإن أراد غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ~~ذكر لم يعنه، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة ~~تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من ~~عصمه الله تعالى» . # تنبيه: في الآية دلالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافرين لأنه تعالى ~~قيض لهم قرناء سوء فزينوا لهم الباطل، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم ~~الكفر ولكن لا يرضاه كما قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} (الزمر: 7) # {وحق} أي: وجب وثبت {عليهم القول} أي: كلمة العذاب، وقرأ أبو عمرو في ~~الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم، والباقون بكسر ~~الهاء وضم الميم وقوله تعالى: {في أمم} محله نصب على الحال من الضمير في ~~عليهم أي: حق عليهم القول كائنين في جملة أمم كثيرة، وفي بمعنى مع {قد خلت} ~~أي: لم تتعظ أمة منهم بالأخرى {من قبلهم} أي: في الزمان {من الجن والأنس} ~~قد عملوا مثل أعمالهم، وقوله تعالى: {إنهم} أي: جميع المذكورين منهم وممن ~~قبلهم {كانوا خاسرين} تعليل لاستحقاقهم العذاب وقوله تعالى: # {وقال الذين كفروا} أصله وقالوا أي: المعرضون، ولكنه قال ذلك تنبيها على ~~الوصف الذي أوجب إعراضهم {لا تسمعوا} أي: شيئا من مطلق السماع {لهذا ~~القرآن} وعينوه بالإشارة احترازا عن غيره من الكتب القديمة كالتوراة، قال ~~القشيري: لأنه مقلب القلوب وكل من استمع له صبا إليه {والغوا} أي: اهزؤوا ~~{فيه} أي: اجعلوه ظرفا للغو بأن تكثروا من الخرافات والهذيانات واللغط ~~واللغو والتصدية أي: التصفير والتصفيق وغيرها، وقال ابن عباس: كان بعضهم ~~يعني قريشا يعلم بعضا إذا رأيتم محمدا يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر، واللغو: ~~هو من باب لغي بالكسر يلغى بالفتح ms3055 إذا تكلم بما لا فائدة فيه {لعلكم ~~تغلبون} أي: ليكون حالكم حال من يرجى له أن يغلب ويظفر بمراده في أن لا ~~يميل إليه أحد وسكت ونسي ما كان يقول، وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من ~~يسمعه مال إليه وأقبل بكليته عليه وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها. # {فلنذيقن الذين كفروا} أظهر في موضع الإضمار إذ أصله فلنذيقنهم، لكنه ~~أظهر تعميما وتعليقا بالوصف {عذابا شديدا} في الدنيا بالحرمان وما يتبعه من ~~فنون الهوان، وفي الآخرة بالنيران {ولنجزينهم} أي: بأعمالهم {أسوأ} أي: سوء ~~العمل {الذي كانوا يعملون} أي: مواظبين عليه. # {ذلك} أي: الجزاء الأسوأ العظيم جدا {جزاء أعداء الله} أي: الملك الأعظم، ~~ثم بينه بقوله تعالى: {النار} وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل ~~بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة واوا خالصة، والباقون بتحقيقهما، وأما ~~الابتداء بالثانية فالجميع بالتحقيق، ثم فصل بعض # PageV03P515 # ما في النار بقوله تعالى: {لهم فيها} أي: النار {دار الخلد} أي: فإنها ~~دار إقامة، قال الزمخشري: فإن قلت ما معنى قوله: {لهم فيها دار الخلد} قال: ~~قلت: إن النار في نفسها دار الخلد كقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة} (الأحزاب: 21) # أي: الرسول هو نفس الأسوة. # وقال البيضاوي: هو كقولك في هذه الدار دار سرور يعني بالدار عينها على أن ~~المقصود هو الصفة قال ابن عادل: في هذا نظر إذ الظاهر وهو معنى صحيح منقول ~~أن في النار دارا تسمى دار الخلد والنار محيطة بها وهذا أولى، وقوله تعالى: ~~{جزاء} منصوب بالمصدر الذي قبله وهو {جزاء أعداء الله} والمصدر ينصب بمثله ~~كقوله تعالى: {فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا} (الإسراء: 63) # {بما كانوا بآياتنا} أي: على ما لنا من العظمة {يجحدون} أي: يلغون في ~~القراءة وسماه جحدا لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز خافوا ~~من أنه لو سمعه الناس لآمنوا فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة، وذلك يدل على ~~أنهم علموا كونه معجزا وأنهم جحدوا حسدا. # ولما بين تعالى أن الذي حملهم على الكفر ms3056 الموجب للعذاب الشديد مجالسة ~~قرناء السوء بين ما يقولون في النار بقوله تعالى: # {وقال الذين كفروا} أي: غطوا أنوار عقولهم داعين بما لا يسمع لهم فهو ~~زيادة في عقوبتهم وحكايته لها وعظ وتحذير {ربنا} أي: يا أيها الذي لم يقطع ~~قط إحسانه عنا {أرنا} الصنفين {اللذين أضلانا} أي: عن المنهج الموصل إلى ~~محل الرضوان {من الجن والإنس} لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي، قال تعالى: ~~{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} (الأنعام: 112) # وقال تعالى: {الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس} (الناس: 5 6) # وقيل: هما إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه، لأن الكفر سنه إبليس، ~~والقتل بغير حق سنه قابيل، فهما سنا المعصية، وقرأ ابن كثير والسوسي، وابن ~~عامر وشعبة بسكون الراء من أرنا، واختلس الدوري كسر الراء، وكسرها الباقون، ~~وشدد ابن كثير النون من اللذين {نجعلهما تحت أقدامنا} في النار إذلالا لهما ~~كما جعلانا تحت أمرهما {ليكونا من الأسفلين} قال مقاتل: أسفل منافي النار، ~~وقال الزجاج: ليكونا في الدرك الأسفل من النار أي: من أهل الدرك الأسفل ~~وممن هودوننا كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة الحال باتباعنا لهما، ~~وقال بعض الحكماء: المراد باللذين أضلانا: الشهوة والغضب، والمراد بجعلهما ~~تحت أقدامهم: كونهما مسخرين للنفس مطيعين لها وأن لا يكونا مستوليين عليها ~~ظاهرين عليها. # ولما ذكر تعالى الوعيد أردفه بذكر الوعد كما هو الغالب فقال تعالى: # {إن الذين قالوا} أي: قولا حقيقيا مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان ~~تصديقا لداعي الله تعالى في الدنيا {ربنا} أي: المحسن إلينا {الله} أي: ~~المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له، وثم في قوله تعالى: {ثم ~~استقاموا} لتراخي الرتبة في الفضيلة فإن الثبات على التوحيد ومصححاته إلى ~~الممات أمر في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام. # سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله ~~شيئا، وقال عمر رضي الله عنه، الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي ولا ~~تروغ روغان الثعلب. وقال عثمان ms3057 رضي الله عنه: أخلصوا العمل لله، وقال علي ~~رضي الله عنه: أدوا الفرائض، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: استقاموا على ~~أمر الله تعالى بطاعته # PageV03P516 # واجتنبوا معصيته، وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا ~~الله حتى لحقوا بالله، وقال قتادة: كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال: اللهم ~~ربنا ارزقنا الاستقامة، وقال سفيان بن عبد الله الثقفي: قلت: يا رسول الله ~~أخبرني بأمر أعتصم به قال: «قل ربي الله ثم استقم فقلت: ما أخوف ما تخاف ~~علي، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه فقال: هذا» . قال أبو ~~حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي ~~الله تعالى عنه. # {تتنزل عليهم الملائكة} قال ابن عباس: عند الموت وقال قتادة: إذا قاموا ~~من قبورهم، وقال وكيع بن الجراح: البشرى: تكون في ثلاثة مواطن عند الموت ~~وفي القبر وعند البعث وهي {ألا تخافوا} قال مجاهد: لا تخافوا مما تقدمون ~~عليه من أمر الآخرة {ولا تحزنوا} على ما خلفتم من أهل وولد فإنا نخلفكم في ~~ذلك كله، وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا من ذنوبكم ولا تحزنوا فإني ~~أغفرها لكم، والخوف غم يلحق لتوقع المكروه، والحزن يلحق لوقوعه من فوات ~~نافع أو حصول ضار، والمعنى أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل غم فلن ~~تذوقوه أبدا. # تنبيه: يجوز في أن: أن تكون المخففة أو الفسرة أو الناصبة، ولا ناهية على ~~الوجهين الأولين، ونافية على الثالث {وأبشروا} أي: املؤوا صدوركم سرورا ~~يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ويعم سائر الجسد {بالجنة التي كنتم} أي: ~~كونا عظيما على ألسنة الرسل عليهم السلام {توعدون} أي: يتجدد لكم ذلك كل ~~حين بالكتب والرسل. # تنبيه: فيما ذكر دلالة على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث ~~يكون فارغا من الأهوال والفزع الشديد. # فإن قيل: البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع فأما إذا أخبر ~~الشخص بحصول المنفعة ثم أخبر ثانيا بحصولها كان الإخبار ms3058 الثاني إخبارا ولا ~~يكون بشارة والمؤمن قد يسمع بشارات الخير فإذا سمع المؤمن هذا الخبر من ~~الملائكة وجب أن يكون هذا إخبارا ولا يكون بشارة فما السبب في تسمية هذا ~~الخبر بشارة؟ أجيب: بأن المؤمن قد يسمع بشارات الخير ولم يعلم بأن له الجنة ~~فيكون ذلك بشارة، أما إذا علم أنه من أهل الجنة بإخبار نبي فإنه إذا سمع ~~هذا الكلام من الملائكة فإنه يكون إخبارا. # ولما أثبتوا لهم الخير ونفوا عنهم الضير عللوه بقولهم: # {نحن أولياؤكم} أي: أقرب الأقرباء إليكم فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن ~~يفعله القريب {في الحياة الدنيا} نجلب لكم المسرات وندفع عنكم المضرات ~~ونحملكم على جميع الخيرات، فنوقظكم من المنام ونحملكم على الصلاة والصيام ~~ونبعدكم عن الآثام ضد ما تفعله الشياطين مع أوليائهم {وفي الآخرة} كذلك حيث ~~تتعادى الأخلاء إلا الأتقياء. # قال السدي: تقول الملائكة عليهم السلام: نحن الحفظة الذين كنا معكم في ~~الدنيا ونحن أولياؤكم في الآخرة. أي: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة {ولكم ~~فيها} أي: في الآخرة أي: في الجنة وقبل دخولها في جميع أوقات المحشر {ما ~~تشتهي} ولو على أدنى وجوه الشهوات، كما يرشد إليه حذف المفعول {أنفسكم} من ~~اللذائذ لأجل ما منعتموها من الشهوات في الدنيا {ولكم فيها} أي: في الآخرة ~~{ما تدعون} أي: تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من القول، وقوله ~~تعالى: # {نزلا} حال مما تدعون أي: هذا كله يكون لكم نزلا كما يقدم إلى الضيف # PageV03P517 # عند قدومه إلى أن يهيأ له ما يضاف به، وأما ما يعطون فهو مما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. # ولما كان من وحوسب عذب فلا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى، أشار ~~إلى ذلك بقوله تعالى: {من} أي: كائن ذلك النزل من {غفور} له صفة المحو ~~للذنوب عينا وأثرا على غاية لا يمكن وصفها {رحيم} أي: بالغ الرحمة وهو الله ~~تعالى، واختلف في تفسير قوله تعالى: # {ومن أحسن قولا} أي: من جهة القول {ممن ms3059 دعا إلى الله} أي: الذي عم بصفات ~~كماله جميع الخلق، فقال ابن سيرين والسدي: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقال الحسن: هو المؤمن الذي أجاب الله ~~تعالى دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب إليه {وعمل} أي: والحال أنه قد عمل ~~{صالحا} في نفسه ليكون ذلك أمكن لدعائه {وقال إنني من المسلمين} تفاخرا به ~~وقطعا لطمع المفسدين، وقال عكرمة: هم المؤذنون، وقالت عائشة رضي الله عنها: ~~إن هذه الآيات نزلت في المؤذنين، وقال أبو أمامة الباهلي رضي الله تعالى ~~عنه: وعمل صالحا صلى ركعتين بين الأذان والإقامة، وعن عبد الله بن مغفل رضي ~~الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كل أذانين صلاة ~~ثلاث مرات ثم قال في الثالثة لمن شاء، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ~~الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد. # {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} أي: الصبر والغضب والحلم والجهل والعفو ~~والإساءة في الجزاء وحسن العاقبة. # تنبيه: في لا الثانية وجهان: أحدهما: أنها زائدة للتأكيد كقوله تعالى: ~~{ولا الظل ولا الحرور} (فاطر: 21) # لأن الاستواء لا يكتفي بواحد، الثاني: أنها مؤسسة غير مؤكدة، إذ المراد ~~بالحسنة والسيئة الجنس، إذ لا تستوي الحسنات في أنفسها فإنها متفاوتة ولا ~~تستوي السيئات أيضا فرب واحدة أعظم من أخرى وهو مأخوذ من كلام الزمخشري ~~{ادفع} كل ما يمكن أن يضرك من نفسك ومن الناس {بالتي} أي: بالخصال والأحوال ~~التي {هي أحسن} على قدر الإمكان من الأعمال الصالحات والعفو عن المسيء حسن ~~والإحسان إليه أحسن منه. # {فإذا الذي بينك وبينه عداوة} عظيمة فاجأته حال كونه {كأنه ولي} أي: قريب ~~فاعل ما يفعله القريب {حميم} أي: في غاية القرب لا يدع مهما إلا قضاه وسهله ~~ويسره وشفى علله وقرب بعيده وأزال درنه كما يزيل الماء الحار الوسخ، وقيل: ~~نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان عدوا مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأسلم وصار وليا مصافيا لرسول ms3060 الله صلى الله عليه وسلم # ثم نبه على عظيم فضل هذه الخصلة بقوله تعالى: # {وما يلقاها} أي: على ما هي عليه من العظمة {إلا الذين صبروا وما يلقاها ~~إلا ذو حظ عظيم} من الفضائل النفسانية، وقال قتادة: الحظ العظيم الجنة أي: ~~وما يلقاها إلا من وجبت له الجنة وقوله تعالى: # {وإما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة {ينزغنك من الشيطان نزغ} ~~قال الزمخشري: النزغ والنسغ بمعنى واحد وهو شبيه النخس، والشيطان ينزغ ~~الإنسان كأنه ينخسه فيبعثه على ما لا ينبغي، وجعل النزغ نازغا كما قيل: جد ~~جده أو أريد وإما ينزغنك نازغ وصفا للشيطان بالمصدر أو تسويله، والمعنى: ~~وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن {فاستعذ بالله} أي: ~~استجر بالملك الأعلى من شر الشيطان واطلب من الله الدخول في عصمته مبادرا ~~إلى ذلك وامض على شأنك ولا تطعه وتوكل # PageV03P518 # على الله تعالى {إنه هو} أي: وحده {السميع} أي: لكل مسموع من استعاذتك ~~وغيرها {العليم} أي: بكل معلوم من نزغه وغيره فهو القادر على رد كيده ~~وتوهين أمره ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: # {ومن آياته} الدالة على وحدانيته وأنه سميع عليم {الليل والنهار} باختلاف ~~هيئتهما على قدرته على البعث وكل مقدور، وقدم الليل على ذكر النهار تنبيها ~~على أن الظلمة عدم، والنور وجود والعدم سابق على الوجود، {والشمس والقمر} ~~اللذان هما الليل والنهار، وقدم الشمس على ذكر القمر لكثرة نفعها. # ولما ثبت أنه تعالى المنفرد بالخلق قال سبحانه: {لا تسجدوا للشمس} التي ~~هي من أعظم أوثانكم وأعاد النافي تأكيدا فقال: {ولا للقمر} فإنهما دالان ~~على وجود الإله مخلوقان مسخران فلا ينبغي السجود لهما لأن السجود عبارة عن ~~نهاية التعظيم وهو لا يليق إلا بالذي أوجدهما من العدم كما قال تعالى: ~~{واسجدوا لله} (فصلت: 37) # أي: الذي له كل كمال من غير شائبة نقص. # واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: {الذي خلقهن} على أوجه؛ أولاها: ~~عوده للآيات الأربع كما جرى عليه الجلال المحلي، وقيل: يرجع ms3061 لليل والنهار ~~والشمس والقمر، قال الزمخشري: لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى ~~والإناث، يقال: الأقلام بريتها وبريتهن، وناقشه أبو حيان من حيث أنه لم ~~يفرق بين جمع القلة والكثرة في ذلك لأن الأفصح في جمع القلة أن يعامل ~~معاملة الإناث وفي جمع الكثرة أن يعامل معاملة الأنثى، والأفصح أن يقال: ~~الأجذاع كسرتهن والجذوع كسرتها، وأجاب بعضهم: بأن الزمخشري ليس في مقام ~~بيان الفصيح من الأفصح بل في مقام كيف يجيء الضمير ضمير إناث بعد تقدم ~~ثلاثة أشياء مذكرات وواحد مؤنث والقاعدة تغليب المذكر على المؤنت، وقال ~~البغوي: إنما قال خلقهن بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع التكسير ولم يجر ~~على طريق التغليب للمذكر على المؤنت. # ولما ظهر أن الكل عبيده وكان السيد لا يرضى بإشراك عبده عبدا آخر في ~~عبادة سيده قال تعالى: {إن كنتم إياه} أي: خاصة بغاية الرسوخ {تعبدون} كما ~~هو صريح قولكم في الدعاء في وقت الشدائد لا سيما في البحر، وفي الآية إشارة ~~إلى الحث على صيانة الآدميين على أن يقع منهم سجود لغيره رفعا لمقامهم عن ~~أن يكونوا ساجدين لمخلوق بعد أن كانوا مسجودا لهم، فإنه تعالى أمر الملائكة ~~عليهم السلام الذين هم من أشرف خلقه بالسجود لآدم عليه السلام وهم في ظهره ~~فتكبر إبليس فأبد لعنته إلى يوم القيامة. # {فإن استكبروا} أي: أوجدوا التكبر عن اتباعك فيما أمرتهم به من التوحيد ~~فلم ينزهوا الله تعالى عن الشريك {فالذين عند ربك} أي: من الملائكة، قال ~~الرازي: ليس المراد بهذه العندية: قرب المكان بل كما يقال عن الملك من ~~الجند كذا وكذا، ويدل عليه قوله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي» ، {وأنا عند ~~المنكسرة قلوبهم من أجلي} {يسبحون له بالليل والنهار} أي: دائما لقوله ~~تعالى: {وهم لا يسأمون} أي: لا يملون ولقوله سبحانه وتعالى: {يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون} (الأنبياء: 20) ، فإن قيل: اشتغالهم بهذا العمل على ~~الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال مع أنهم ينزلون إلى الأرض كما قال ~~تعالى {نزل به الروح الأمين ms3062 على قلبك} (الشعراء: 193 194) # وقال تعالى عن الذين قاتلوا يوم بدر {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين} (آل عمران: 125) # أجيب: بأن الذين ذكرهم الله تعالى ههنا # PageV03P519 # بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام معينون من الملائكة. # تنبيه: اختلف في مكان السجدة فقيل: هو عند قوله تعالى: {إياه تعبدون} وهو ~~قول ابن مسعود والحسن رضي الله عنهما حكاه الرافعي عن أبي حنيفة وأحمد رضي ~~الله تعالى عنهما لأنه ذكر السجدة قبيله، والصحيح عند الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه عند قوله تعالى {لا يسأمون} وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن ~~المسيب وقتادة وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة رضي الله عنه لأن عنده تم ~~الكلام. # ولما ذكر تعالى الدلائل الأربعة الفلكية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية ~~فقال تعالى: # {ومن آياته} الدالة على قدرته ووحدانيته {أنك} أي: أيها الإنسان {ترى ~~الأرض} أي: بعضها بحاسة البصر وبعضها بعين البصيرة قياسا على ما أبصرت ~~{خاشعة} أي: يابسة لا نبات فيها والخشوع التذلل والتقاصر فاستعير لحال ~~الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها كما وصفها بالهمود في قوله تعالى: {وترى ~~الأرض هامدة} (الحج: 5) # وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو، كما قال تعالى: {فإذا أنزلنا} أي: بما ~~لنا من العظمة {عليها الماء} من الغمام أو غيره {اهتزت} أي: تحركت حركة ~~عظيمة كثيرة سريعة فكان كمن يعالج ذلك بنفسه {وربت} أي: تشققت فارتفع ~~ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطيا لوجهها وتشعبت عروقه وغلظت ~~سوقه فصار يمنع سلوكها على ما كانت فيه من السهولة وتزخرفت بذلك النبات ~~كأنها بمنزلة المختال في زيه بعدما كانت قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في ~~الأطمار الرثة، وقرأ السوسي: ترى الأرض في الوصل بالإمالة بخلاف منه، ~~والباقون بالفتح، وفي الوقف أمال محضة أبو عمرو وحمزة والكسائي، وورش بين ~~بين، والباقون بالفتح، ثم استدل بذلك على القدرة على البعث فقال تعالى: {إن ~~الذي أحياها} أي: بما أخرج من نباتها بعد أن كانت ميتة {لمحيي الموتى} كما ~~فعل بالنبات من غير فرق {إنه على كل شيء ms3063 قدير} فهو قادر على إحياء الأرض ~~بعد موتها وعلى إحياء هذه الأجساد بعد موتها لأن الممكنات بالنسبة إلى ~~القدرة متساوية فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره. # ثم إنه تعالى هدد من يجادل في آياته بإلقاء الشبهات فيها بقوله تعالى: # {إن الذين يلحدون في آياتنا} أي: القرآن على ما لها من العظمة بالطعن ~~والتحريف والتأويل الباطل والإلغاز فيها، وقرأ حمزة بفتح الياء والحاء من ~~لحد، والباقون بضم الياء وكسر الحاء من ألحد يقال: لحد الحافر وألحد إذا ~~مال عن الاستقامة بحفره في شق، فالملحد هو المنحرف، ثم اختص في العرف ~~بالمنحرف عن الحق إلى الباطل، قال مجاهد: يلحدون في آياتنا بالمكاء ~~والتصدية واللغو واللغط، وقال السدي: يعاندون ويشاقون {لا يخفون علينا} أي: ~~في وقت من الأوقات ونحن قادرون على أخذهم متى شئنا أخذنا ولا يعجل إلا من ~~يخشى الفوات، قال مقاتل: نزلت في أبي جهل وقوله تعالى {أفمن يلقى في النار} ~~أي: على وجهه بأيسر أمر {خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة} استفهام بمعنى ~~التقرير والغرض منه التنبيه على أن الملحدين في الآيات يلقون في النار وأن ~~المؤمنين بالآيات يأتون آمنين يوم القيامة حين يجمع الله تعالى عباده للعرض ~~عليه للحكم بينهم بالعدل، قال البغوي قيل: هو حمزة وقيل: هو عثمان وقيل: ~~عمار بن ياسر. # فائدة: أم في الرسم مقطوعة وقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} أي: فقد علمتم # PageV03P520 # مصير المسيء والمحسن تهديد فمن أراد شيئا من الجزاءين فليعمل أعمله فإنه ~~ملاقيه، وقوله تعالى {إنه بما تعملون} أي: في كل وقت {بصير} أي: عالم ~~بأعمالكم فيه، وعيد بالمجازاة وقوله تعالى: # {إن الذين كفروا بالذكر} أي: القرآن {لما جاءهم} بدل من قوله تعالى: {إن ~~الذين يلحدون} أو مستأنف وخبر إن محذوف مثل معاندون أو هالكون أو أولئك ~~ينادون، ولما بالغ تعالى في تهديد الملحدين في آيات القرآن أتبعه ببيان ~~تعظيم القرآن فقال تعالى: {وإنه} أي: والحال إنه {لكتاب} أي: جامع لكل خير ~~{عزيز} أي: فهو كثير النفع عديم النظير ms3064 يغلب كل ذكر ولا يغلبه ذكر ولا يقرب ~~منه ذلك ويعجز كل معارض ولا يعجز عن إقعاد مناهض، وقال الكلبي: عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما كريم على الله تعالى، وقال قتادة: أعزه الله تعالى. # {لا يأتيه الباطل} لأنه يمتنع منه بمتانة وصفه وجزالة نظمه وحلاوة معانيه ~~فلا يلحقه تغيير {من بين يديه ولا من خلفه} أي: لا يتطرق إليه الباطل من ~~جهة من الجهات لأن قدام أوضح ما يكون وخلف أخفى ما يكون فما بين ذلك من باب ~~أولى، والعبارة كناية عن ذلك لأن صفة الله تعالى لا وراء لها ولا أمام لها ~~على الحقيقة، ومثل ذلك ليس وراء الله تعالى مرمى ولا دونه منتهى، وقال ~~قتادة والسدي: الباطل هو الشيطان لا يستطيع أن يغيره أو يزيد فيه أو ينقص ~~منه، وقال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين ~~يديه أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى هذا فمعنى الباطل الزيادة أو ~~النقصان، وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا يأتي بعده ~~كتاب فيبطله، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {تنزيل} أي: بحسب التدريج لأجل ~~المصالح {من حكيم} أي: بالغ الحكمة فهو يضع كل شيء منه في أتم محله من وقت ~~النزول وسياق النظم {حميد} أي: بالغ الإحاطة بأوصاف الكمال من الحكمة ~~وغيرها والتطهر والتقديس عن كل شائبة نقص يحمده كل خلقه بلسان حاله إن لم ~~يحمده بلسان قاله، فإن قيل: أما طعن فيه الطاعنون وتأوله المبطلون؟ أجيب: ~~بأن الله تعالى حماه عن تعلق الباطل به بأن قيض قوما عارضوهم بإبطال ~~تأويلهم وإفساد أقاويلهم، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقا ولا قول مبطل إلا ~~مضمحلا ونحو هذا قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ~~(الحجر: 9) # ثم سلى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {ما يقال} أي: من الكفار أو من غيرهم {لك} يا أكرم الخلق مما يحصل به ضيق ~~صدر وتشويش فكر {إلا ما} أي: شيء {قد ms3065 قيل} أي: حصل قوله على ذلك الوجه ~~{للرسل من قبلك} فصبروا على ما أوذوا فاصبر كما صبروا {إن ربك} أي: المحسن ~~إليك بإرسالك وإنزال كتابه إليك ومن يكرم بمثل هذا لا ينبغي له أن يحزن ~~لشيء يعرض له {لذو مغفرة} أي: لمن تاب وآمن بك {وذو عقاب أليم} أي: مؤلم ~~لمن أصر على التكذيب وعلى هذا فقوله تعالى: {إن ربك} الآية مستأنف، وقيل: ~~مفسر للمقول كأنه قيل للرسل: إن ربك لذو مغفرة وجرى على ذلك الزمخشري ونزل ~~جوابا لقولهم هلا نزل القرآن بلغة العجم. # {ولو جعلناه} أي: هذا الذكر بما لنا من العظمة {قرآنا} أي: على ما هو ~~عليه من الجمع {أعجميا} أي: لا يفصح {لقالوا} أي: هؤلاء المتعنتون {لولا} ~~أي: هلا ولم لا {فصلت} أي: بينت {آياته} حتى نفهمها # PageV03P521 # وقولهم: {أأعجمي} أي: أقرآن أعجمي {و} نبي {عربي} استفهام إنكار منهم، ~~وقال مقاتل: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على يسار غلام عامر بن ~~الحضرمي وكان يهوديا أعجميا يكنى أبا فكيهة فقال المشركون: إنما يعلمه يسار ~~غلام عامر فضربه سيده وقال: إنك تعلم محمدا فقال: هو يعلمني فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية» . # وقرأ قالون وأبو عمرو بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية وإدخال ألف ~~بينهما، وورش وابن كثير وابن ذكوان وحفص بتسهيل الثانية ولا إدخال، وأسقط ~~هشام الأولى والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # {قل هو} أي: هذا القرآن {للذين آمنوا} أي: أردنا وقوع الإيمان منهم {هدى} ~~أي: بيان لكل مطلوب {وشفاء} أي: لما في صدورهم من داء الكفر والهوى وقيل: ~~من الأوجاع والأسقام متعلق كما قال الرازي بقولهم: {وقالوا قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه} (فصلت: 5) # الآية كأنه تعالى يقول هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية ~~عنكم، فلا يمكنكم أن تقولوا قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا هذه اللغة فكل ~~من أعطاه الله تعالى طبعا مائلا إلى الحق وقلبا داعيا إلى الصدق فإن هذا ~~القرآن يكون في حقه هدى وشفاء، وأما من ms3066 غرق في بحر الخذلان وشغف بمتابعة ~~الشيطان فهو في ظلمة وعمى كما قال تعالى: {والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر} ~~أي: ثقل فلا يسمعون سماعا ينفعهم {وهو عليهم عمى} فلا يبصرون الداعي حق ~~الإبصار، ثم قال الرازي: وكل من أنصف علم أن التفسير على هذا الوجه الذي ~~ذكرناه أولى مما ذكروه، أي: أنه متعلق بما قبله لأن السورة تصير بذلك من ~~أولها إلى آخرها كلاما واحدا منتظما مسوقا لغرض واحد انتهى. # ولما بين بهذا بعدهم عن عليائه وطردهم عن فنائه قال تعالى: # {أولئك} أي: البعداء البغضاء مثالهم مثال من {ينادون} أي: يناديهم من ~~يريد نداءهم غير الله تعالى {من مكان بعيد} أي: هم كالمنادي من مكان بعيد ~~لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به. # {ولقد آتينا} أي: على ما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي: التوراة ~~{فاختلف} أي: وقع الاختلاف {فيه} وجه تعلقه بما قبله كأنه قيل: إنا لما ~~آتينا موسى الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحاب الهدى ورده بعضهم، فكذلك آتيناك ~~الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحابك ورده آخرون وهم الذين يقولون قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه {ولولا كلمة} أي: إرادة {سبقت} في الأزل {من ربك} أي: ~~المحسن إليك بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة {لقضي بينهم} ~~أي: في الدنيا فيما اختلفوا فيه من إنصاف المظلوم من ظالمه قال تعالى: {بل ~~الساعة موعدهم} (القمر: 46) # {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} (فاطر: 45) # {وإنهم لفي شك} أي: المكذبين محيط بهم {منه} أي: القضاء يوم الفصل {مريب} ~~أي: موقع في الريب وهو التهمة والاضطراب بحيث لا يقدرون على التخلص من ~~دائرته أصلا. ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {من عمل صالحا} أي: كائنا من كان {فلنفسه} أي: فنفع عمله لها لا لأحد ~~يتعداها والنفس فقيرة إلى التزكية بالأعمال الصالحة لأنها محل النقائص فلذا ~~عبر بها {ومن أساء} في عمله {فعليها} أي: على نفسه خاصة ليس عليك منه شيء ~~فخفف عن نفسك إعراضهم فإنهم إن آمنوا # PageV03P522 # فنفع إيمانهم يعود إليهم، وإن كفروا ms3067 فضرر كفرهم يعود إليهم، والله سبحانه ~~وتعالى يوصل إلى كل أحد ما يليق به من الجزاء {وما ربك} أي: المحسن إليك ~~بإرسالك لتتميم مكارم الأخلاق {بظلام} أي: بذي ظلم {للعبيد} أي: هذا الجنس ~~فلا يتصور أن يقع ظلم لأحد منهم أصلا لأن له الغنى المطلق والحكمة البالغة. # {إليه} أي: المحسن إليك لا إلى غيره {يرد علم الساعة} أي: لا سبيل إلى ~~معرفة وقت ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله، وكذا العلم بحدوث الحوادث ~~المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب ~~مثالين: # أحدهما قوله تعالى: {وما تخرج من ثمرات} أي: في وقت من الأوقات، وقرأ ~~نافع وابن عامر وحفص بألف بعد الراء جمعا، والباقون بغير ألف إفرادا وقوله ~~تعالى: {من أكمامها} جمع كم وكمامة، قال البقاعي تبعا للزمخشري: بالكسر ~~فيهما وهو وعاء الطلع وكل ما غطى على وجه الإحاطة شيئا من شأنه أن يخرج فهو ~~كم، وقال الراغب: الكم ما يغطي البدن من القميص وما يغطي الثمرة وجمعه ~~أكمام وهذا يدل على أنه مضموم الكاف أو جعله مشتركا بين كم القميص وكم ~~الثمرة، ولا خلاف في كم القمص أنه بالضم فيجوز أن يكون في وعاء الثمرة ~~لغتان دون كم القميص جمعا بين القولين. # والمثال الثاني قوله تعالى: {وما تحمل من أنثى} حملا ناقصا أو تاما، وأكد ~~النفي بإعادة النافي ليشهد كل على حياله {ولا تضع} حملا حيا أو ميتا {إلا} ~~حال كونه متلبسا {بعمله} ولا علم لأحد غيره بذلك، ومن ادعى علما به فليخبر ~~بأن ثمرة الحديقة الفلانية والبستان الفلاني والبلد الفلاني تخرج في الوقت ~~الفلاني أو لا تخرج العام شيئا، والمرأة الفلانية تحمل في الوقت الفلاني ~~وتضع في وقت كذا أو لا تحمل العام شيئا، ومن المعلوم أنه لا يحيط بهذا علما ~~إلا الله تعالى. # فإن قيل: قد يقول الرجل الصالح من أصحاب الكشوف قولا فيصيب فيه وكذلك ~~الكهان والمنجمون؟ أجيب: بأن أصحاب الكشوف إذا قالوا قولا فهو من إلهام ~~الله تعالى واطلاعه ms3068 إياهم عليه فكان من علمه الذي يرد إليه، وأما الكهان ~~والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم في شيء مما يقولونه البتة وإنما غايتهم ~~ادعاء ظن ضعيف قلما يصيب، وعلم الله تعالى هو العلم اليقين المقطوع به الذي ~~لا يشاركه فيه أحد جل ربنا وعلا {ويوم يناديهم} أي: المشركين بعد بعثهم من ~~القبول للفصل بينهم في سائر الأمور {أين شركائي} أي: الذين زعمتم أنهم ~~يشفعون لكم في هذا اليوم ويحمونكم من العقاب واللوم {قالوا} أي: المشركون ~~{آذناك} أي: أعلمناك {ما منا} وأكدوا النفي بإدخال الجار في المبتدأ {من ~~شهيد} أي: يشهد أن لك شريكا وذلك لما رأوا العذاب تبرؤوا من الأصنام وقيل: ~~معناه ما منا أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم فلا يبصرونها ~~في ساعة التوبيخ، وقيل: هذا كلام الأصنام كأن الله تعالى يحييها وأنها تقول ~~ما منا من شهيد أي: أحد يشهد بصحة ما أضافوا إلينا من الشركة، وعلى هذا ~~التقدير فمعنى ضلالتهم عنهم أنهم لا ينفعونهم فكأنهم ضلوا عنهم وهو معنى ~~قوله تعالى: # {وضل} أي: ذهب وغاب وخفي {عنهم ما كانوا} أي: دائما {يدعون} في كل حين ~~على وجه العبادة {من قبل} فهم لا يرونه فضلا عن أنهم يجدون نفعه {وظنوا} ~~أي: في ذلك الحال {ما لهم} وأبلغ في النفي # PageV03P523 # بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر فقال: {من محيض} أي: مهرب وملجأ ومعدل، ~~ولما بين تعالى من حال هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول ~~بإثبات الشركاء والأضداد لله تعالى في الدنيا تبرؤوا عن تلك الشركاء في ~~الآخرة، بين تعالى أن الإنسان في جميع الأوقات متغير الأحوال فإن أحس بخير ~~وقدرة تعاظم وإن أحس ببلاء ومحنة ذل بقوله تعالى: # {لا يسأم} أي: لا يمل ولا يعجز {الإنسان} أي: الآنس بنفسه الناظر في ~~إعطافه الذي لم يتأهل للمعارف الإلهية والطرق الشرعية {من دعاء الخير} أي: ~~لا يزال يسأل ربه المال والصحة وغيرهما {وإن مسه الشر} أي: من فقر وشدة ~~وغيرهما {فيؤوس} من فضل الله تعالى {قنوط} من رحمة ms3069 الله تعالى، والمعنى: أن ~~الإنسان في حال الإقبال لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها، وفي ~~حال الإدبار والحرمان يصير آيسا قانطا، وهذه صفة الكافر لقوله تعالى: {لا ~~ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف: 87) # تنبيه: في قوله تعالى {يؤوس قنوط} مبالغة من وجهين؛ أحدهما: من طريق ~~فعول، والثاني: من طريق التكرار واليأس من صفة القلب، والقنوط أن تظهر آثار ~~اليأس في الوجه والأحوال الظاهرة، ثم بين تعالى حال هذا الذي صار آيسا ~~قانطا بقوله تعالى: # {ولئن} اللام لام القسم {أذقناه} أي: آتينا ذلك الإنسان {رحمة} أي: غنى ~~وصحة {منا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة {من بعد ضراء} أي: شدة وبلاء ~~{مسته} فإنه يأتي بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة الموجبة للكفر والبعد ~~من الله تعالى، الأول منها ما حكاه الله بقوله سبحانه: {ليقولن} بمجرد ذوق ~~تلك الرحمة على أنها ربما كانت بلاء عظيما لكونها استدراجا إلى الهلاك ~~{هذا} الأمر العظيم {لي} أي: حقي مختص بي وصل إلي لأني استوجبته بعلمي ~~وعملي ولا يعلم المسكين أن أحدا لا يستحق على الله تعالى شيئا لأنه إن كان ~~عاريا من الفضائل فكلامه ظاهر الفساد، وإن كان موصوفا بشيء من الفضائل ~~والصفات الحميدة فهي إنما حصلت بفضل الله وإحسانه. # النوع الثاني: من كلامه الفاسد قوله: {وما أظن الساعة} أي: القيامة ~~{قائمة} أي: ثابتا قيامها فقطع الرجاء منها سواء عبر عن ذلك بلسان قاله أو ~~بلسان حاله لكونه يفعل أفعال الشاك فيها، النوع الثالث: من كلامه الفاسد ~~قوله {ولئن} اللام لام القسم {رجعت} أي: على سبيل الفرض أي: أن هذا الكافر ~~يقول لست على يقين من البعث وإن كان الأمر على ذلك ورددت {إلى ربي} أي: ~~الذي أحسن إلي بهذا الخير الذي أنا فيه {إن لي عنده للحسنى} أي: الحالة ~~الحسنى من الكرامة وهي الجنة، فكما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة، ~~ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال تعالى شأنه: ~~{فلننبئن} أي: فلنخبرن {الذين كفروا} أي: ستروا ما ms3070 دلت عليه العقول وصرائح ~~النقول {بما عملوا} لا ندع منه كثيرا ولا قليلا صغيرا ولا كبيرا فيرون ~~عيانا ضد ما ظنوه من الدنيا من أن لهم الحسنى {وقدمنا إلى ما علموا من عمل ~~فجعلنا هباء منثورا} (الفرقان: 23) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لنوقفهم على مساوي أعمالهم {ولنذيقهم} أي: ~~بعد إقامة الحجة عليهم بموازين القسط الوافية كمثاقيل الذر {من عذاب غليظ} ~~أي: شديد لا يدع جهة من أجسامهم إلا أحاط بها. # ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه # PageV03P524 # في الآفات حكى أفعاله أيضا فقال: # {وإذا أنعمنا} أي: بما لنا من العظمة {على الإنسان} أي: الواقف مع نفسه ~~نعمة تليق بعظمتنا {أعرض} أي: عن التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق ~~الله تعالى {ونأى} أي: أبعد بعدا جعل بيننا وبينه حجابا عظيما {بجانبه} أي: ~~ثنى عطفه متبخترا {وإذا مسه الشر} أي: هذا النوع قليله وكثيره {فذو دعاء} ~~أي: في كشفه وربما كان نعمة باطنة وهو لا يشعر ولا يدعو إلا عند المس، وقد ~~كان ينبغي له أن يشرع في الدعاء عند التوقع بل قبله تعرفا إلى الله تعالى ~~في الرخاء ليعرفه في الشدة وهو خلق شريف لا يفعله إلا أفراد خصهم الله ~~بلطفه {عريض} أي: مديد العرض جدا وأما طوله فلا يسئل عنه، وهذا كناية عن ~~النهاية في الكثرة، تقول العرب أطال فلان الدعاء وأعرض أي: أكثر، ثم أمر ~~الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {قل} أي: لهؤلاء المعرضين {أرأيتم} أي: أخبروني {إن كان} أي: هذا القرآن ~~{من عند الله} الذي له الإحاطة بجميع صفات الجلال والجمال {ثم كفرتم به} ~~أي: من غير نظر واتباع دليل {من أضل} منكم هكذا كان الأصل ولكنه قال: {ممن ~~هو في شقاق} أي: خلاف لأولياء الله تعالى {بعيد} أي: عن الحق تنبيها على ~~أنهم صاروا كذلك ومن صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله عز وجل. # {سنريهم آياتنا في الآفاق} قال ابن عباس: يعني منازل الأمم الخالية {وفي ms3071 ~~أنفسهم} أي: بالبلايا والأمراض، وقال قتادة: يعني وقائع الله تعالى في ~~الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر، وقال مجاهد: في الآفاق ما يفتح الله ~~تعالى من القرى على محمد صلى الله عليه وسلم وفي أنفسهم فتح مكة، وقال ~~عطاء: في الآفاق يعني: أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم في ~~آفاق الليل والنهار والأضواء والظلال والظلمات والنبات والأشجار والأنهار ~~وفي أنفسهم من لطائف الصنعة وبديع الحكمة في كيفية تكوين الأجنة في ظلمات ~~الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة كقوله تعالى: {وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون} (الذاريات: 21) # تنبيه: قال النووي في تهذيبه: قال أهل اللغة: الآفاق النواحي، الواحد أفق ~~بضم الهمزة والفاء، وأفق بإسكان الفاء. # ولما كان التقدير ولا نزال نكرر عليهم هذه الدلائل عطف عليه {حتى يتبين ~~لهم} غاية البيان بنفسه من غير إعمال فكر {أنه} أي: القرآن {الحق} أي: ~~الكامل في الحقبة الذي يطابق الواقع المنزل من الله تعالى بالبعث والحساب ~~والعقاب فيعاقبون على كفرهم به وبالجائي به، وقيل: الضمير في أنه لدين ~~الإسلام، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم {أولم يكف بربك} أي: المحسن إليك ~~بهذا البيان المعجز للأنس والجان شهادة بأن القرآن من عند الرحمن. # تنبيه: الباء زائدة للتأكيد كأنه قيل: أو لم تحصل الكفاية به ولا تكاد ~~تزاد في الفاعل إلا مع كفى وقوله تعالى: {أنه على كل شيء شهيد} بدل من ربك، ~~والمعنى: أولم يكفهم في صدقك أن ربك لا يغيب عنه شيء ما وقد شهد لك فيه ~~بالإعجاز لجميع الخلق بكل ما تضمنته آياته ونطقت به كلماته، ففيه أعظم ~~بشارة بتمام الدين وظهوره على المعتدين. # ولما لم يبق بعد هذا التعنت مقال ولا شبهة أصلا لضال، قال تعالى مناديا ~~على من جحد واستمر على عناده: # PageV03P525 # {ألا إنهم} أي: هؤلاء الكفرة {في مرية} أي: جحد وجدال وشك وضلال عن البعث ~~{من لقاء ربهم} أي: المحسن إليهم بأن خلقهم ورزقهم لإنكارهم البعث، ثم كرر ~~كونه قادرا على البعث وغيره بقوله تعالى: {ألا إنه} أي: هذا المحسن إليهم ms3072 ~~{بكل شيء} أي: من الأشياء جملتها وتفصيلها كلياتها وجزئياتها أصولها ~~وفروعها غيبتها وشهادتها ملكها وملكوتها {محيط} قدرة وعلما بكثير الأشياء ~~وقليلها كلياتها وجزئياتها فيجازيهم بكفرهم، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات» ~~حديث موضوع. ### | سورة الشورى # مكية وهي ثلاث وخمسون آية وثمانمائة وست وستون كلمةوثلاثة آلاف وخمسمائة ~~وثمانية وثمانون حرفا # {بسم الله} الذي أحاط بصفات الكمال {الرحمن} الذي عمت رحمته سائر عباده ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه بما ترضاه إلهيته من رحمته وقوله تعالى: # {حم} {عسق} تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح وسئل الحسن بن الفضل: لم ~~قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص؟ فقال: لأنها سورة أولها حم فجرت مجرى نظائرها ~~فكان حم مبتدأ وعسق خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل كهيعص والمص ~~والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها ~~أنها حروف تهج لا غير. واختلفوا في حم فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها ~~فعلا، وقيل: معناها حم أي: قضى ما هو كائن، روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ~~ح حلمه م مجده ع علمه س سناؤه ق قدرته أقسم الله تعالى بها. وقال شهر بن ~~حوشب وعطاء بن أبي رباح: ح: حرب قريش يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز في ~~قريش، م: ملك يتحول من قوم إلى قوم، ع: عداوة لقريش يقصدهم سن سنين كسني ~~يوسف تكون فيهم، ق: قدرة الله تعالى النافذة في خلقه. وروي عن ابن عباس أنه ~~قال ليس من نبي صاحب كتاب إلا وأوحيت إليه حم عسق فلذلك قال تعالى: # {كذلك} أي: مثل هذا الإيحاء العظيم الشأن {يوحى إليك} أي: ما دمت حيا لا ~~يقطع ذلك عنك {وإلى} أي: وأوحى إلى {الذين من قبلك} أي: من الرسل الكرام ~~والأنبياء الأعلام ومن جملة ما أوحى إليهم أن أمتك أكثر الأمم وأنك أشرف ~~الأنبياء وأخذ على كل منهم العهد باتباعك وأن يكونوا من أنصارك وأتباعك ~~وقوله تعالى: {الله} أي: ms3073 الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال فاعل الإيحاء. # ولما كان نفوذ الأمر دائرا على العزة والحكمة قال تعالى: {العزيز} أي: ~~الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} الذي يصنع ما يصنعه في أتقن محاله ~~فلذلك لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه ولا نقص ما أحكمه. # تنبيه: ما تقرر من أن الله تعالى فاعل الإيحاء هو على قراءة كسر الحاء من ~~يوحي وهي قراءة غير ابن كثير، وأما على قراءة ابن كثير بفتح الحاء فيجوز أن ~~يرتفع بفعل مضمر كأنه قيل: من يوحيه فقيل الله ك {يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال رجال} (النور: 36 37) # ويجوز أن يرتفع بالابتداء وما بعده خبر # PageV03P526 # والجملة قائمة مقام الفاعل وأن يكون العزيز الحكيم خبرين أو نعتين ~~والجملة من قوله تعالى: # {له ما في السموات} أي: من الذوات والمعاني {وما في الأرض} كذلك خبر أول ~~أو ثان على حسب ما تقدم في العزيز الحكيم، قال الزمخشري: لم يقل تعالى أوحى ~~إليك ولكن قال: يوحي إليك على لفظ المضارع ليدل على أن إيحاء مثله عادة ~~وكونه عزيزا يدل على كونه قادرا على ما لا نهاية له، وكونه حكيما يدل على ~~كونه عالما بجميع المعلومات غنيا عن جميع الحاجات وقوله تعالى: {ما في ~~السموات وما في الأرض} يدل على كونه متصفا بالقدرة الكاملة النافذة في جميع ~~أجزاء السموات والأرض على عظمتها وسعتها بالإيجاد والإعدام وأن ما في ~~السموات وما في الأرض خلقه وملكه. # ولما كان العلو مستلزما للقدرة قال تعالى: {وهو العلي} على كل شيء علو ~~رتبة وعظمة ومكانة لا علو مكان وملابسة {العظيم} بالقدرة والقهر والاستعلاء ~~وقوله تعالى: # {تكاد السموات} قرأه نافع والكسائي بالياء التحتية، والباقون بالفوقية ~~وقوله تعالى {يتفطرن} أي: يشققن قرأه شعبة وأبو عمرو بعد الياء بنون ساكنة ~~وكسر الطاء مخففة، والباقون بعد الياء بتاء فوقية مفتوحة وفتح الطاء مشددة ~~وقوله تعالى: {من فوقهن} في ضميره ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه عائد على السموات ~~أي: كل واحدة منهن تنفطر فوق التي تليها من عظمة الله ms3074 تعالى أو من قول ~~المشركين: {اتخذ الله ولدا} (الكهف: 4) # كما في سورة مريم أي: يبتدئ انفطارهن من هذه الجهة فمن: لابتداء الغاية ~~متعلقة بما قبلها، الثاني: أنه يعود على الأرضين لتقدم ذكر الأرض، الثالث: ~~أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين قاله الأخفش الصغير، وقال ~~الزمخشري: كلمة الكفر أي: على التفسير الثاني إنما جاءت من الذين تحت ~~السموات فكان القياس أن يقال: ينفطرن من تحتهن أي: من الجهة التي جاءت منها ~~الكلمة ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن ينفطرن ~~أي: من الجهة التي فوقهن دون الجهة التي تحتهن، ونظيره في المبالغة قوله عز ~~وجل {يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم} (الحج: 19 20) # فجعل الحميم مؤثرا في أجزائهم الباطنة ا. ه. # ولما بين تعالى أن سبب كيدودة انفطارهن جلال العظمة التي منها كثرة ~~الملائكة وشناعة الكفر، بين لها سببا آخر وهو عظم قول الملائكة فقال تعالى: ~~{والملائكة يسبحون} أي: يوقعون التنزيه لله تعالى متلبسين {بحمد ربهم} أي: ~~بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحا يليق بحالهم فلهم بذلك زجل وأصوات لا ~~تحملها العقول ولا تثبت لها الجبال. # تنبيه: عدل عن التأنيث ولم يقل يسبحن مراعاة للفظ التذكير وضمير الجمع، ~~إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين، فإن قيل: قوله تعالى: {ويستغفرون ~~لمن في الأرض} عام فيدخل فيه الكفار ولقد لعنهم الله تعالى فقال سبحانه: ~~{أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} (البقرة: 161) # فكيف يكونون لاعنين لهم ومستغفرين لهم؟ أجيب: بوجوه؛ الأول: أنه عام ~~مخصوص بآية غافر {ويستغفرون للذين آمنوا} (غافر: 7) ، الثاني: أن قوله ~~تعالى: {لمن في الأرض} لا يفيد العموم لأنه يصح أن يقال استغفروا لبعض من ~~في الأرض دون البعض ولو كان صريحا في العموم لما صح ذلك، الثالث: يجوز أن ~~يكون المراد بالاستغفار أن لا يعاجلهم # PageV03P527 # بالعقاب كما في قوله تعالى: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} إلى ~~أن قال تعالى {إنه كان حليما غفورا} (الإسراء: 44) # الرابع: يجوز أن يقال إنهم ms3075 يستغفرون لكل من في الأرض أما في حق الكفار ~~فبطلب الإيمان لهم، وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم، فإنا نقول ~~اللهم اهد الكفار وزين قلوبهم بنور الإيمان وأزل عن خواطرهم وحشة الكفر، ~~وهذا استغفار في الحقيقة وقوله تعالى: {ألا إن الله} أي: الذي له الإحاطة ~~بصفات الكمال {هو} أي: وحده {الغفور الرحيم} تنبيه على أن الملائكة وإن ~~كانوا يستغفرون للبشر إلا أن المغفرة المطلقة لله تعالى، وهذا يدل على أنه ~~تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة.u # {والذين اتخذوا من دونه} أي: غير الله تعالى {أولياء} أي: أندادا وشركاء ~~يعبدونهم كالأصنام {الله} أي: المحيط بصفات الكمال {حفيظ} أي: رقيب ومراع ~~وشهيد {عليهم} أي: على أعمالهم ولا يغيب عنه شيء من أعمالهم فهو إن شاء ~~أبقاهم على كفرهم وجازاهم عليه بما أعد للكافرين، وإن شاء تاب عليهم ومحا ~~ذلك عينا وأثرا ولم يعاقبهم، وإن شاء محاه عينا وأبقى الأثر حتى يعاقبهم ~~{وما أنت} يا أشرف الرسل {عليهم بوكيل} أي: حتى يلزمك أن تراعي جميع ~~أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم فتحفظها وتقسرهم على تركها ونحو ذلك مما ~~يتولاه الوكيل بما يقوم فيه مقام الموكل سواء قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~أم قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وغير ذلك إذ ما عليك إلا البلاغ. # {وكذلك} أي: ومثل ذلك الإيحاء {أوحينا} أي: بما لنا من العظمة {إليك ~~قرآنا} أي: جامعا لكل حكمة مع الفرق لكل ملتبس {عربيا} فهو بين الخطاب واضح ~~الصواب معجز الجناب {لتنذر} أي: به {أم القرى} أي: أهل مكة التي هي أم ~~الأرض وأصلها منها دحيت، أو لشرفها أوقع الفعل عليها عدا لها عداد العقلاء ~~أو غير ذلك إذ ما عليك إلا البلاغ، وقوله تعالى {ومن حولها} معطوف على أهل ~~المقدر قبل أم القرى، والمفعول الثاني محذوف أي: العذاب والمراد بمن حولها: ~~قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المدر والوبر، والإنذار: التخويف ~~{وتنذر} أي: الناس. # {يوم الجمع} أي: يوم القيامة يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين ms3076 وأهل ~~السموات والأرضين ويجمع الأرواح بالأجساد ويجمع بين العامل وعمله ويجمع بين ~~الظالم والمظلوم {لا ريب} أي: لا شك {فيه} لأنه ركز في فطرة كل أحد وقوله ~~تعالى: {فريق} يجوز فيه وجهان؛ أحدهما: أنه مبتدأ وساغ هذا في النكرة لأنه ~~مقام تفصيل وخبره {في الجنة} أي: تفضلا منه ورحمة، وهم الذين قبلوا الإنذار ~~وبالغوا في الحذار، ويجوز أن يكون الخبر مقدرا تقديره منهم فريق، وساغ ~~الابتداء بالنكرة حينئذ لشيئين: تقديم خبرها جارا ومجرورا ووصفها بالجار ~~بعدها، والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هم أي: المجموعون فريق، دل على ذلك ~~قوله تعالى: {يوم الجمع} وقوله تعالى: {وفريق في السعير} أي: عدلا منه فيه ~~ما مر، وهم الذين خذلهم الله تعالى ووكلهم إلى أنفسهم، فإن قيل: يوم الجمع ~~يقتضي كون القوم مجتمعين والجمع بين الصنفين محال؟ أجيب: بأنهم يجتمعون ~~أولا ثم يصيرون فريقين قال القشيري: كما أنهم في الدنيا فريقان فريق في ~~راحات الطاعات وحلاوات العبادات، # PageV03P528 # وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد والشك فكذلك غداهم فريقان، فريق هم ~~أهل اللقاء وفريق هم أهل البلاء والشقاء. # ورى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات يوم قابضا على كفيه ومعه كتابان فقال: أتدرون ما هذان ~~الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله فقال: للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب ~~العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا ~~نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون ~~فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة، ثم قال ~~للذي في يده اليسرى هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء ~~آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا ~~نطفا في الأرحام، إذ هم في الطينة منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم، ~~إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة، فقال عبد الله بن عمرو: ففيم ~~العمل ms3077 إذن؟ فقال: اعملوا وسددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل ~~الجنة وإن عمل أي: عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي: ~~عمل ثم قال {فريق في الجنة وفريق في السعير} عدل من الله تعالى» أخرجه أحمد ~~بن حنبل في مسنده. # {ولو شاء الله} أي: المحيط بجميع أوصاف الكمال {لجعلهم} أي: المجموعين ~~{أمة واحدة} للثواب أو للعذاب، ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين ~~مقسطين وظالمين ليظهر فضله وعدله وأنه إله جبار واحد قهار لا يبالي بأحد، ~~وهو معنى قوله تعالى {ولكن يدخل من يشاء} إدخاله {في رحمته} بخلق الهداية ~~في قلبه فتكون أفعالهم في مواضعها وهم المقسطون، ويدخل من يشاء في نقمته ~~بخلق الضلالة في قلوبهم فيكونوا ظالمين فلا تكون أفعالهم في مواضعها، ~~فالمقسطون ما لهم من عدو ولا نكير {والظالمون} أي: العريقون في الظلم الذين ~~ساء ظلمهم وهم الكافرون فيدخلهم في لعنته {ما لهم من ولي} أي: يلي أمورهم ~~فيجتهد في صلاحها فيدفع عنهم العذاب {ولا نصير} ينصرهم من الهوان فيمنعهم ~~من النار، وعلى هذا التقدير: فالآية من الاحتباك وهو ظاهر ذكر الرحمة أولا ~~دليلا على اللعنة ثانيا، والظلم وما معه ثانيا دليلا على أضداده أولا، وهذا ~~تقدير لقوله تعالى: {الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل} أي: أنت لا تقدر ~~أن تحملهم على الإيمان ولو شاء الله تعالى لفعله لأنه أقدر منك، لكنه تعالى ~~جعل البعض مؤمنا والبعض كافرا. # ولما حكى الله تعالى عنهم أولا أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم قال لنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم {لست عليهم بوكيل} أي: لا يجب عليك أن تحملهم على ~~الإيمان، فإن الله تعالى لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الإنكار ~~بقوله تعالى: # {أم اتخذوا من دونه أولياء} كالأصنام وهذه أم المنقطعة فتقدر ببل التي ~~للانتقال، وبهمزة الإنكار أو بالهمزة فقط أو ببل فقط أي: ليس المتخذون ~~أولياء {فالله} أي: المختص بصفات الكمال {هو} وحده {الولي} قال ابن عباس: ms3078 ~~وليك يا محمد وولي من اتبعك، والفاء: جواب الشرط المقدر كأنه قال: إن ~~أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي لا ولي سواه، وقيل: هي لمجرد العطف وجرى ~~على هذا الجلال المحلي، وعلى الأول الزمخشري {وهو} أي: ومن شأن هذا الولي ~~{يحيي الموتى} # PageV03P529 # أي: يجدد إحياءها في كل وقت يشاؤه {وهو} وحده {على كل شيء قدير} فهو ~~الحقيق بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء. # ولما منع تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحمل الكفار على ~~الإيمان، منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في المخاصمات والمنازعات بقوله ~~تعالى: # {وما اختلفتم} أي: أنتم والكفار {فيه من شيء} أي: من أمور الدنيا أو ~~الدين {فحكمه إلى الله} أي: مفوض إلى الذي هو الولي لا غيره، يميز المحق من ~~المبطل بالنصر والإثابة والمعاقبة، وقيل: ما اختلفتم فيه من تأويل المتشابه ~~فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله {ذلكم الله} أي: المحيط بجميع صفات ~~الكمال {ربي} أي: الذي لا مربي لي غيره في ماض ولا حال ولا استقبال {عليه} ~~أي: وحده {توكلت} أسلمت جميع أمري {وإليه} لا إلى غيره {أنيب} أي: أرجع ~~بالتوبة إذا قصرت في شيء من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه إذا نابني أمر من ~~الأمور فأعرف منه حكمة فافعلوا أنتم كذلك واجعلوه الحكم تفلحوا ولا تعدلوا ~~عنه في شيء من الأشياء تهلكوا، وقوله تعالى: # {فاطر} أي: مبدع {السموات والأرض} خبر آخر لذلكم أو مبتدأ خبره {جعل لكم} ~~أي: بعد أن خلقكم من الأرض {من أنفسكم أزواجا} حيث خلق حواء من ضلع آدم ~~فيكون بالسكون إليها بقاء نوعكم {ومن} أي: وجعل لكم أي: لأجلكم من ~~{الأنعام} التي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم أقواتكم {أزواجا} أي: ذكورا ~~وإناثا يكون بها أيضا بقاء نوعها {يذرؤكم} بالمعجمة أي: يخلقكم ويكثركم من ~~الذرء وهو: البث {فيه} أي: في هذا التدبير وهو جعل الناس والأنعام أزواجا ~~ليكون بينهم توالد فإنه كالمنبع للبث والتكثير فالضمير للأناسي والأنعام ~~بالتغليب، واختلف في الكاف في قوله تعالى: {ليس كمثله ms3079 شيء} فجرى الجلال ~~المحلي على أنها زائدة لأنه تعالى لا مثل له، وجرى غيره على أنها ليست ~~زائدة لأنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى، وحاصله كما ~~قال التفتازاني: إن قولنا ليس كذاته شيء وقولنا ليس كمثله شيء عبارتان ~~كلاهما من معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته، الأولى صريحا والثانية ~~كناية مشتملة على مبالغة، وهي أن المماثلة منفية عمن يكون مثله وعلى صفته ~~فكيف عن نفسه وهذا لا يستلزم وجود المثل، ألا ترى أن قولهم مثل الأمير يفعل ~~كذا ليس اعترافا بوجود المثل له، فالمعنى هنا: أن مثل مثله تعالى منفي فكيف ~~بمثله، وأيضا مثل المثل مثل فيلزم من نفيه نفيهما، وقال البغوي: المثل صلة ~~أي: ليس كهو شيء فأدخل المثل للتوكيد، كقوله تعالى {فإن آمنوا بمثل ما ~~آمنتم به} (البقرة: 137) # وهذا كالتأويل الأول وقيل: إن المراد بالمثل الصفة وذلك أن المثل بمعنى ~~المثل، والمثل الصفة كقوله تعالى: {مثل الجنة} (الرعد: 35) # فيكون المعنى: ليس كصفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره، وأما قوله ~~تعالى: {وله المثل الأعلى} (الروم: 27) # فمعناه أن له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله ولا يشاركه فيه أحد {وهو} ~~أي: والحال أنه هو لا غيره {السميع البصير} أي: الكامل في السمع والبصر بكل ~~ما يسمع ويبصر، فإن قيل: هذا يفيد الحصر مع أن العباد أيضا موصوفون بكونهم ~~سميعين بصيرين؟ أجيب: بأن السمع والبصر لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين ~~على سبيل الكمال كما مر، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله تعالى فهذا هو ~~المراد من هذا الحصر. # {له} أي: # PageV03P530 # وحده {مقاليد السموات والأرض} أي: خزائنهما ومفاتيح خزائنهما من الإمطار ~~والإنبات وغيرهما، وقد ثبت أنه ابتدعهما وأن له جميع ما فيهما مما اتخذ من ~~دونه وليا وغيره، قال القشيري: والمفاتيح الخزائن وخزائنه هي مقدوراته ا. ~~ه. ولما حصر الأمر فيه دل عليه بقوله تعالى: {يبسط الرزق} أي: يوسعه {لمن ~~يشاء} امتحانا {ويقدر} أي: يضيقه لمن يشاء ابتلاء كما وسع على فارس والروم ~~وضيق ms3080 على العرب، وفاوت في الأفراد بين أفراد من وسع عليهم ومن ضيق عليهم، ~~فدل ذلك قطعا على أنه لا شريك له وأنه هو المتصرف وحده، فقطع بذلك أفكار ~~الموفقين من عباده عن غيره ليقبلوا عليه ويتفرغوا له فإن عبادته هي ~~المقاليد بالحقيقة: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} (نوح: 10) # الآيات {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} ~~(الطلاق: 11) # {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} ~~(الأعراف: 96) # {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم} (المائدة: 65) # الآية، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إنه بكل شيء عليم} أي: فلا فعل له إلا ~~وهو جار على أتقن ما يكون من قوانين الحكمة فيفعله على ما ينبغي. # ولما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {كذلك يوحي إليك ~~وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم} ذكر تفصيل ذلك بقوله تعالى: # {شرع لكم} أي: طرق وسن طريقا ظاهرا بينا واضحا لكم أيتها الأمة الخاتمة ~~من الطرق الظاهرة المستقيمة {من الدين} وهو ما يعمل فيجازى عليه {ما} الذي ~~{وصى به} توصية عظيمة بعد إعلامه بأنه شرعه {نوحا} في الزمان الأقدم وهو ~~أول أنبياء الشريعة، قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد دينا واحدا {والذي ~~أوحينا إليك} أي: من القرآن وشرائع الإسلام {وما وصينا} أي: بما لنا من ~~العظمة الباهرة التي ظهرت بها تلك المعجزات {به إبراهيم} الذي نجيناه من ~~كيد نمروذ بالنار وغيرها ووهبنا له على الكبر إسماعيل وإسحاق، وقرأ هشام ~~بفتح الهاء وألف بعدها، والباقون بكسر الهاء وياء بعدها {وموسى} الذي ~~أنزلنا عليه التوراة موعظة وتفصيلا لكل شيء {وعيسى} الذي أنزلنا عليه ~~الإنجيل هدى ونورا وموعظة، وادخرناه في سمائنا لتأييد شريعة الفاتح الخاتم ~~صلى الله عليه وسلم # ثم بين المشروع الموصى به والموحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله ~~تعالى: {أن أقيموا} أي: أيها المشروع لهم من هذه الأمة الخاتمة ومن الأمم ~~الماضية {الدين} وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة ms3081 في أحكام الله تعالى، ~~ومحله النصب على البدل من مفعول شرع أو الرفع على الاستئناف كأنه جواب، وما ~~ذلك المشروع أو الجر على البدل من هاء به. # ولما عظمه بالأمر بالاجتماع أتبعه بالتعظيم بالنهي عن الافتراق بقوله ~~تعالى: {ولا تتفرقوا فيه} أي: ولا تختلفوا في هذا الأصل إما فروع الشرائع ~~المختلفة فقال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} (المائدة: 48) # وقال قتادة: الموصى به تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم ~~الأمهات والبنات والأخوات، وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبيا إلا وصاه ~~بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإفراد لله تعالى بالطاعة فذلك دينه الذي ~~شرعه، وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك، وجرى على هذا الجلال المحلي ~~والكل يرجع إليه {كبر} أي: عظم وشق {على المشركين} حتى # PageV03P531 # ضاقت به صدورهم {ما تدعوهم إليه} أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع ~~أبدا على ما اجتمعوا عليه وقت الاضطرار من وحدانية الواحد القهار، فلأجل ~~كبره عليهم هم يسعون في تفرقكم فإن تفرقتم كنتم تابعتم العدو الحسود ~~وخالفتم الولي الودود. # ثم نبه تعالى على أن الأمور كلها بيده بقوله تعالى: {الله} الذي له مجامع ~~العظمة ونفوذ الأمر {يجتبي} أي: يختار {إليه} أي: إلى هذا الدين الذي ~~تدعوهم إليه {من يشاء} اجتباءه {ويهدي إليه} بالتوفيق للطاعة {من ينيب} أي: ~~من يقبل إلى طاعته. # ولما بين تعالى أمر كل الأنبياء عليهم السلام والأمم بالأخذ بالدين ~~المتفق عليه كأن لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ أجاب بقوله تعالى: # {وما تفرقوا} أي: المشركون من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم {إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم} أي: بالتوحيد أو بمبعث الرسول صلى الله عليه وسلم أو بأن ~~التفرق ضلال متوعد عليه {بغيا بينهم} أي: فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة ~~فحملتهم الحمية النفسانية على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب ودعوا الناس إليه ~~وقبحوا ما سواه طلبا للذكر والرياسة، فصار ذلك سببا لوقوع الاختلاف، ثم ~~أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل إلا أنه تعالى أخر عنهم ~~العذاب لأن لكل عذاب ms3082 عنده أجلا مسمى، أي: وقتا معلوما وهذا معنى قوله ~~تعالى: {ولولا كلمة} أي: لا تبديل لها {سبقت} أي: في الأزل {من ربك} أي: ~~المحسن إليك بجعلك خير الخلائق وإمامهم بتأخيرهم {إلى أجل مسمى} ضربه ~~لآجالهم ثم يجمعهم في الآخرة {لقضي} على أيسر وجه وأسهله {بينهم} حين ~~الافتراق بإهلاك الظالم وإنجاء المحق، قال ابن عباس: والذين أريدوا بهذه ~~الصفة هم اليهود والنصارى لقوله تعالى في آل عمران: {وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} (آل عمران: 19) # وقوله تعالى في سورة لم يكن: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة} (البينة: 4) # وكذلك في قوله تعالى: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} (الشورى: 14) # أي: المتفرقين هم اليهود والنصارى الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقيل: هم هذه الأمة الذين أورثوا القرآن. ولما نسخ كتابهم ما ~~تقدمه كان غيرهم كأنه مات فورثوه كما قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا} (فاطر: 32) # فكان حالهم في تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم وعدم المنازعة ~~في ادعائه حال الوارث والموروث منه {لفي شك منه} أي: من كتاب لا يعلمونه ~~كما هو لا يؤمنون به حق الإيمان، أو من القرآن فيقولون إنه سحر وشعر وكهانة ~~ونحو ذلك، وقيل: في شك من محمد صلى الله عليه وسلم وجرى على ذلك الجلال ~~المحلي {مريب} أي: موقع في التهمة. # {فلذلك} أي: التوحيد {فادع} يا أشرف الخلق والناس {واستقم} أي: على ~~الدعوة {كما أمرت} أي: أمرك الله تعالى {ولا تتبع} أي: بعمل {أهواءهم} في ~~شيء ما، فإن الهوى لا يدعو إلى خير، والمقصود من كل أحد أن يفعل ما أمر به ~~{وقل} لجميع أهل الفرق وكل من يمكن له القول فإنك أرسلت إلى جميع الخلق ~~{آمنت بما أنزل الله} أي: الذي له العظمة الكاملة {من كتاب} أي: جميع الكتب ~~المنزلة لا كالكفار الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، روي أن رجلا أتى عليا ~~فقال: يا أمير ms3083 المؤمنين ما الإيمان # PageV03P532 # أو كيف الإيمان قال: الإيمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل ~~والجهاد والصبر على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهادة والترقب فمن اشتاق ~~إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في ~~الدنيا تهاون بالمصائب ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات، واليقين على أربع ~~شعب: تبصرة الفطنة وتأويل الحكمة وموعظة العبرة وسنة الأولين، فمن تبصر ~~الفطنة تأول الحكمة ومن تأول الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة عرف السنة ~~ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين، والعدل على أربع شعب: على غامض الفهم ~~وزهرة الحلم وروضة العلم وعلم الحكم فمن فهم جمع العلم ومن علم لم يضل في ~~الحكم ومن علم عرف شرائع الحلم ومن حلم لم يفرط أمره وعاش في الناس، ~~والجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في ~~المواطن وشنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهره، ومن نهى عن المنكر أرغم ~~أنف المنافقين، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه ومن # شنئ # الفاسقين غضب لله تعالى وغضب الله تعالى له، فقام الرجل وقبل رأسه. # {وأمرت} أي: ممن له الأمر كله {لاعدل} أي: لأجل أن أعدل {بينكم} أيها ~~المفترقون في الأديان من العرب والعجم من الأنس والجن، ثم علل ذلك بقوله ~~{الله} أي: الذي له الملك كله {ربنا وربكم} أي: موجدنا ومتولي جميع أمورنا ~~فلهذا أمرنا بالعدل على سبيل العموم لأن الكل عباده. # {لنا أعمالنا} خاصة بنا لا تعدونا إلى غيرنا {ولكم أعمالكم} خاصة بكم لا ~~تعدوكم إلى غيركم فكل مجازى بعمله {لا حجة} أي: لا خصومة {بيننا وبينكم} ~~وهذا قبل أن يؤمر بالجهاد كما قاله الجلال المحلي، وقال ابن الخازن: هذه ~~الآية منسوخة بآية القتال وكذا قال البغوي، ولكن قال البيضاوي: وليس في ~~الآية من يدل على متاركته رأسا حتى تكون منسوخة بآية القتال {الله} أي: ~~الذي هو أحكم الحاكمين {يجمع بيننا} أي: في الميعاد لفصل القضاء {وإليه} ~~أي: لا إلى غيره {المصير} أي: المرجع ms3084 حسا ومعنى، لتمام عزته وشمول عظمته. # {والذين يحاجون في الله} أي: يوردون تشكيكا في دين الملك الأعظم ليعيدوا ~~الناس بعدما دخلوا في نور الهدى إلى ظلام الضلال {من بعد ما استجيب له} أي: ~~استجاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم فأظهر دينه على الدين كله قال ~~قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم ~~فهذه خصومتهم وتشكيكهم، أو من بعد ما استجاب للرسول صلى الله عليه وسلم ~~الناس فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته. # {حجتهم} أي: التي زعموها حجة {داحضة} أي: زائلة باطلة {عند ربهم} أي: ~~المحسن إليهم بإضافة العقل الذي جعلهم به في أحسن تقويم وقال الرازي: تلك ~~المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون أن الأخذ بالمتفق عليه أولى من ~~الأخذ بالمختلف فيه؟ فنبوة موسى عليه السلام وحقية التوراة معلومة ~~بالاتفاق، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست متفقا عليها فوجب الأخذ ~~باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك أن اليهود أجمعوا على أنه إنما ~~وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وها هنا ظهرت ~~المعجزات على وفق قول محمد صلى الله عليه وسلم واليهود قد شاهدوا تلك ~~المعجزات فإن # PageV03P533 # كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته ~~بظهور المعجزات لأنه يكون تناقضا.v # تنبيه: والذين يحاجون مبتدأ وحجتهم مبتدأ ثان وداحضة خبر المبتدأ الثاني ~~والثاني وخبره خبر الأول، وأعرب مكي حجتهم بدلا من الموصول بدل اشتمال. # ولما قرر تعالى هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: {وعليهم} ~~أي: زيادة على قطع الإحسان {غضب} أي: عقوبة تليق بحالهم المذموم ووصفهم ~~المذموم ومنه الطرد فهم مطرودون عن بابه مبعدون عن جنابه مهانون بحجابه ~~{ولهم} مع ذلك {عذاب شديد} في الآخرة لا تصلون إلى حقيقة وصفه. # {الله} أي: الذي له جميع الملك {الذي أنزل الكتاب} أي: جنس الكتاب ~~{بالحق} أي: متلبسا ms3085 على أكمل الوجوه بالأمر الثابت الذي لا يبدل {والميزان} ~~أي: الشرع الذي توزن به الحقوق ويسوي بين الناس أو العدل، قال مجاهد: سمي ~~العدل ميزانا لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية، وقال ابن عباس: أمر الله ~~تعالى بالوفاء ونهى عن البخس فيجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال ~~ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. # ولما كان صلى الله عليه وسلم يهددهم بيوم القيامة ولم يروا لذلك أثرا ~~قالوا على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة وليتها قامت حتى يظهر لنا الحق ~~أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟ قال تعالى: {وما يدريك} أي: ~~يا أكمل الخلق {لعل الساعة} أي: التي يستعجلون بها {قريب} وذكر قريب وإن ~~كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث، أو على معنى النسب أي: ~~ذات قرب، أو على حذف مضاف أي: مجيء الساعة، قال مكي: ولأن تأنيثها مجازي ~~وهذا ممنوع إذ لا يجوز الشمس طالع ولا القدر فائر. # تنبيه: لعل معلق للفعل عن العمل أي: ما بعده سد مسد المفعولين، ولما ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الساعة وعنده قوم من المشركين، وقالوا مستهزئين: ~~متى الساعة تقوم؟ نزل قوله تعالى: # {يستعجل بها} أي: يطلب أن تكون قبل الوقت المضروب لها {الذين لا يؤمنون ~~بها} أي: لا يتجدد لهم ذلك أصلا وهم غير مشفقين ويظنون كذب القائل بها ~~{والذين آمنوا} وإن كانوا في أول درجات الإيمان {مشفقون} أي: خائفون خوفا ~~عظيما {منها} لأن الله تعالى هداهم بإيمانهم فصارت صدورهم معادن المعارف ~~وقلوبهم منابع الأنوار، فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار فخافوا ~~للطافتهم أن يكونوا مع صلاحهم من أهل النار {ويعلمون أنها الحق} إعلاما ~~بأنهم على بصيرة من أمرها لا يستعجلون بها، فالآية من الاحتباك، ذكر ~~الاستعجال أولا دليلا على حذف ضده ثانيا والإشفاق ثانيا دليلا على حذف ضده ~~أولا. # فائدة: روي: «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري في بعض ~~أسفاره فناداه: يا محمد، فقال له صلى الله عليه وسلم نحوا ms3086 من صوته: هاؤم ~~فقال: متى الساعة؟ فقال له صلى الله عليه وسلم ويحك إنها كائنة فما أعددت ~~لها، فقال: حب الله تعالى وحب رسوله، فقال: أنت مع من أحببت» . والغرض أنه ~~لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها ومن أحب الله تعالى ورسوله ~~فعل ما أمرا به واجتنب ما نهيا عنه، فهي المحبة الكاملة نسأل الله الكريم ~~من فضله أن يوفقنا وأحبابنا لطاعته # PageV03P534 # واجتناب معاصيه {إلا إن الذين يمارون} أي: يخاصمون ويجادلون {في الساعة} ~~أي: القيامة وما تحتوي عليه {لفي ضلال} أي: ذهاب حائد عن الحق {بعيد} جدا ~~عن الصواب فإن لها من الأدلة الظاهرة ما ألحقها بالمحسوسات، كما قال القائل ~~لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. # ولما أنزل الله عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، كان ذلك ~~من لطف الله تعالى بعباده كما قال عز من قائل: # {الله} أي: الذي له الأمر كله {لطيف} أي: بالغ في اللطف والعلم وإيقاع ~~الإحسان {بعباده} وقال ابن عباس: حق بهم، وقال عكرمة: بار بهم وقال السدي: ~~رفيق بهم، وقال القشيري: اللطيف: العالم بدقائق الأمور وغوامضها، وقال ~~الرازي: هو اسم مركب من علم ورحمة ورفق خفي أما لطفه بالمؤمنين فواضح، وأما ~~الكافر فأقل لطفه به أنه لا يعاجله في الدنيا ولا يعذبه فوق ما يستحق في ~~الأخرى، وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم بدليل ~~قوله تعالى: {يرزق من يشاء} أي: مهما شاء على سبيل من السعة والضيق أو ~~التوسعة لا مانع له من شيء من ذلك، فكل من رزقه الله تعالى من مؤمن وكافر ~~وذي روح فهو ممن يشاء الله تعالى أن يرزقه، قال جعفر الصادق: اللطف في ~~الرزق من وجهين؛ أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات والثاني: أنه لم يدفعه ~~إليك مرة واحدة {وهو القوي} أي: القادر على ما يشاء {العزيز} فلا يقدر أحد ~~أن يمنعه عن شيء يريده. # ولما بين بهذا أن الرزق ليس إلا في يده أتبعه ما يزهد في طلب رزق البدن ms3087 ~~ويرغب في رزق الروح فقال تعالى على سبيل الاستئناف: # {من كان} أي: من شريف أو دني {يريد} أي: بعمله {حرث الآخرة} أي: أعمالها ~~والحرث في اللغة الكسب {نزد له} أي: بعظمتنا التي لا يقدر أحد على تحويلها ~~{في حرثه} قال مقاتل: بأن يعينه على الأعمال الصالحة ويضاعف بالواحدة عشرة ~~إلى ما شاء الله تعالى من الزيادة، وقال الزمخشري: إنه تعالى سمى ما يعمله ~~العامل مما يطلب به الفائدة حرثا على سبيل المجاز {ومن كان} أي: من قوي أو ~~ضعيف {يريد} أي: بعمله {حرث الدنيا} أي: أرزاقها التي تطلب بالكد والسعي ~~وتستنمي به مكتفيا به مؤثرا له على الآخرة {نؤته منها} أي: ما قسمناه له ~~ولو تهاون به ولم يطلبه لآتاه، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة بسكون الهاء، ~~واختلس قالون كسرة الهاء، وعن هشام اختلاس الكسرة في الهاء والإشباع، ~~والباقون بإشباع الكسرة {وما} أي: والحال أن طالب الدنيا بعمله ما {له في ~~الآخرة من نصيب} لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، وروى أبي بن كعب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصرة ~~والتمكن في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من ~~نصيب» . أي: لأن هذا تهاون بالآخرة فلم يبنوها وهي أشرف من أن تقبل على من ~~أعرض عنها فإنها ضرة الدنيا وضدها، فالدنيا بخساستها تقبل على من أعرض عنها ~~وتبعد عمن أقبل عليها حتى تهلكه في مهاويها، والآخرة تقبل على من أقبل ~~عليها أضعاف إقباله وتنادي من أدبر عنها لينتهي عن غيه وضلاله، فلما سمى ~~الله تعالى كلا القسمين حرثا علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل ~~المشاق والمتاعب وصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في الزائد الباقي أولى من ~~صرفها لما يكون # PageV03P535 # في التناقص والانقضاء. # قال الرازي في اللوامع: أهل الإرادة على أصناف مريد الدنيا ومريد الآخرة ~~ومريد الحق جل وعلا، وعلامة إرادة الدنيا أن يرضى في زيادة دنياه بنقص دينه ~~والإعراض عن فقراء المسلمين ms3088 وأن تكون حاجاته في الدنيا مقصورة على الدنيا، ~~وعلامة إرادة الآخرة بعكس ذلك، وأما علامة إرادة الله تعالى كما قال تعالى: ~~{يريدون وجهه} (الكهف: 28) # فطرح الكونين والعزلة عن الخلق والخلاص من يد النفس انتهى. وحاصله: أن ~~يستغرق أوقاته في التوفية بحقوق الحق وحقوق الخلق وتزكية النفس لا طمعا في ~~جنة ولا خوفا من نار بل امتثالا لأجل الملك الأعلى لأنه أهل لذلك، مع ~~اعترافه بأنه لن يقدر الله تعالى حق قدره. # ولما بين تعالى أعمال الآخرة والدنيا أتبعه بيان ما هو الأصل في باب ~~الضلالة والشقاوة فقال تعالى: # {أم} أي: بل {لهم} أي: كفار مكة {شركاء} أي: على زعمهم وهم شياطينهم ~~{شرعوا} أي: سنوا بالتزيين {لهم} أي: الكفار {من الدين} أي: الفاسد في ~~العبادات والعادات {ما لم يأذن به الله} أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه ~~كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا، وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت ~~إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء لله، ولما كانت سببا لضلالهم جعلت ~~شارعة لدين ضلالتهم، كما قال إبراهيم عليه السلام {رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس} (إبراهيم: 36) # وقال ابن عباس: شرعوا لهم دينا غير دين الإسلام {ولولا كلمة الفصل} أي: ~~القضاء السابق بتأخير الجزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم ~~القيامة {لقضي بينهم} أي: بين الذين امتثلوا أمره والتزموا شرعه وبين الذين ~~اتبعوا ما شرعوه لمن سموهم شركاء في أقرب وقت، ولكنه قد سبق القضاء في ~~الأزل بمقادير الأشياء وتحديدها على وجوه الحكمة فهي تجري على ما حد لها لا ~~يتقدم شيء منها ولا يتاخر ولا يتبدل ولا يتغير وستنكشف لهم الأمور وتظهر ~~مخبآت المقدور فلا يقع الفصل إلا في الآخرة كما سبق القضاء {وإن الظالمين} ~~بشرع ما لم يأذن به الله من الشرك وغيره {لهم عذاب أليم} أي: مؤلم بليغ ~~إيلامه، ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب مبتدئا ~~بالأول منهما بقوله تعالى: # {ترى} أي: في ذلك اليوم {الظالمين} أي: الواضعين الأشياء في غير مواضعها ~~{مشفقين} أي: ms3089 خائفين أشد الخوف كما هو الحال من يحاسبه من هو أعلى منه وهو ~~مقصر {مما كسبوا} أي: عملوا معتقدين أنه غاية ما ينفعهم {وهو} أي: جزاؤه ~~ووباله الذي من جنسه حتى كأنه هو {واقع بهم} لا محالة سواء أشفقوا أم لم ~~يشفقوا، ثم ذكر الثاني بقوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} وهي ~~التي أذن الله تعالى فيها غير خائفين مما كسبوا لأنهم مأذون لهم في فعله ~~وهو مغفور لهم ما فرطوا فيه {في روضات الجنات} أي: في الدنيا بما يلذذهم به ~~الله تعالى من لذائذ الأقوال والأفعال والمعارف والأحوال، وفي الآخرة حقيقة ~~بلا زوال، وروضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفيه تنبيه على أن عصاة المؤمنين من ~~أهل الجنة لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات وهي: ~~البقاع الشريفة من الجنة فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون ~~مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله تعالى: {لهم ما ~~يشاؤون عند ربهم} يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده # PageV03P536 # مهيأة والعندية مجاز. # تنبيه: عند ربهم يجوز أن يكون ظرفا ليشاؤون قاله الحوفي، أو للاستقررار ~~العامل في لهم قاله: الزمخشري: وقوله تعالى: {ذلك} أي: الخير العظيم الرتبة ~~الجليل القدر {هو الفضل الكبير} أي: الذي يصغر ما لغيرهم في الدنيا يدل على ~~أن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق ~~الوجوب والاستحقاق وقوله تعالى: # {ذلك} أي: الجزاء العظيم من الجنة ونعيمها مبتدأ خبره {الذي يبشر الله} ~~أي: الملك الأعظم والعائد وهو به محذوف تفخيما للمبشر به لأن السياق ~~لتعظيمه بالإشارة ويجعلها بأداة البعد وبالوصف بالذي وذكر الاسم الأعظم ~~والتعبير بلفظ العباد في قوله تعالى {عباده} مع الإضافة إلى ضميره سبحانه. # ولما أشعر بصلاحهم بالإضافة نص عليه بقوله تعالى: {الذين آمنوا} أي: ~~صدقوا بالغيب {وعملوا} تحقيقا لإيمانهم {الصالحات} قرأ نافع وابن عامر ~~وعاصم بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين مشددة، والباقون بفتح الياء ~~وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة من بشره. ms3090 # ولما كان كأنه قيل: فما نطلب في هذه البشارة لأن الغالب أن المبشر وإن لم ~~يسأل يعطى بشارته، كما وقع لكعب لما أذن الله تعالى بتوبته ركض راكض على ~~فرس وسعى ساع على رجليه فأوفى على جبل سلع ونادى: يا كعب بن مالك أبشر فقد ~~تاب الله عليك فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءه الذي سمع صوته خلع عليه ~~ثوبيه وهو لا يملك يومئذ غيرهما واستعار له ثوبين قال الله تعالى لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم {قل} أي: لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين {لا أسألكم} ~~أي: الآن ولا في مستقبل الزمان {عليه} أي: البلاغ بشارة أو نذارة {أجرا} ~~أي: وإن قل {إلا} أي: لكن أسألكم {المودة} أي: المحبة العظيمة الواسعة {في ~~القربى} أي: مظروفة فيها بحيث تكون القربى موضعا للمودة وظرفا لها لا يخرج ~~شيء من محبتكم عنها. # تنبيه: في الآية ثلاثة أقوال؛ أولها: قال الشعبي: أكثر الناس علينا في ~~هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان وسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، ~~وكان له فيهم قرابة فقال الله عز وجل {قل لا أسألكم عليه أجرا} على ما ~~أدعوكم إليه إلا أن تودوا القربى، أي: تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة ~~والمعنى: أنكم قربى وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق ~~القربى وصلوا رحمي ولا تؤذوني، وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وغيرهما. # ثانيها: روى الكلبي عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة» فقالت الأنصار: «إن هذا ~~الرجل هداكم وهو ابن أخيكم وجاركم في بلدكم فاجمعوا له طائفة من أموالكم ~~ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم» ونزل قوله تعالى {قل لا أسألكم عليه} أي: ~~على الإيمان أجرا إلا المودة في القربى أي: لا تؤذوا قرابتي وعترتي ~~واحفظوني فيهم قاله سعيد بن جبير وعمرو ms3091 بن شعيب، ثالثها: قال الحسن: معناه ~~إلا أن توادوا الله تعالى وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، فالقربى ~~على القول الأول: القرابة التي بمعنى الرحم وعلى الثاني: بمعنى الأقارب ~~وعلى الثالث: فعلى بمعنى القرب والتقرب والزلفى، فإن قيل: طلب الأجر على ~~تبليغ الوحي لا يجوز # PageV03P537 # لوجوه؛ أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر ~~فقال تعالى في قصة نوح: {وما أسألكم عليه من أجر} (الفرقان: 57) # الآية، وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام، ورسولنا ~~أفضل الأنبياء فأن لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى، ثانيها: أنه ~~صلى الله عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر فقال: {قل ما أسألكم عليه من أجر ~~وما أنا من المتكلفين} و {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم} (سبأ: 47) # ثالثها: أن التبليغ كان واجبا عليه قال تعالى: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} ~~(المائدة: 67) # الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلا عن أعلم ~~العلماء. # رابعها: أن النبوة أفضل من الحكمة وقال تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا} (البقرة: 269) # ووصف الدنيا بأنها متاع قليل قال تعالى {قل متاع الدنيا قليل} (النساء: ~~77) # فكيف يحسن بالعقل مقابلة أشرف الأنبياء بأخس الأشياء، خامسها: أن طلب ~~الأجر يوجب التهمة وذلك ينافي القطع بصحة النبوة، فثبت بهذه الوجوه أنه لا ~~يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجرا البتة على التبليغ والرسالة ~~وههنا قد ذكر ما يجري مجرى طلب الأجر وهو المودة في القربى؟ أجيب: بأنه لا ~~نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ وأما قوله تعالى: {إلا المودة ~~في القربى} فالجواب عنه من وجهين؛ الأول: أن هذا من باب قوله: # *ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب* # يعني: أني لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجرا لأن حصول ~~المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض} (التوبة: 71) # وقال صلى الله عليه وسلم «المؤمنون كالبنيان ms3092 يشد بعضه بعضا» . والآيات ~~والأخبار في هذا كثيرة، وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجبا فحصولها ~~في حق أشرف المرسلين أولى فقوله: {إلا المودة في القربى} تقديره: والمودة ~~في القربى ليست أجرا، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة. الثاني: أن هذا ~~استثناء منقطع كما مر تقديره في الآية وتم الكلام عند قوله {قل لا أسألكم ~~عليه أجرا} ثم قال: {إلا المودة في القربى} أي: أذكركم قرابتي فيكم فكأنه ~~في اللفظ أجر وليس بأجر واختلفوا في قرابته صلى الله عليه وسلم فقيل: هم ~~فاطمة وعلي وأبناؤهما، وفيهم نزل {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا} (الأحزاب: 33) ، وروى زيد بن أرقم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «إني تارك فيكم كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله في أهل ~~بيتي» . قيل لزيد بن أرقم فمن أهل بيتي؟ فقال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر ~~وآل عباس. وروى ابن عمر عن أبي بكر رضي الله عنه قال: ارقبوا محمدا في أهل ~~بيته وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس وهم بنو ~~هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا جاهلية ولا إسلاما، وقيل: هذه الآية ~~منسوخة وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم والحسين بن الفضل، قال البغوي: وهذا قول ~~غير مرضي لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ومودة أقاربه ~~والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. # ولما كان التقدير فمن يقترف سيئة فعليه وزرها ولكنه طوى لأن المقام ~~للبشارة كما يدل عليه ختم الآية عطف عليه قوله تعالى {ومن يقترف} أي: يكتسب # PageV03P538 # ويخالط ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج {حسنة} أي: ولو صغرت {نزد} بما لنا ~~من العظمة {له فيها} أي: في الحسنة {حسنا} أي: بمضاعفة الثواب من الزيادة ~~أن يكون له مثل أجر من اقتدى به فيها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم ~~شيء، قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقيل: المراد ~~بها ms3093 العموم في أي: حسنة كانت إلا أنها لما ذكرت عقب ذكر المودة في القربى ~~دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة {إن الله} أي: الذي لا ~~يتعاظمه شيء {غفور} لكل ذنب تاب منه صاحبه وكان غير الشرك وإن لم يتب منه ~~إن شاء فلا يصدن أحدا سيئة عملها عن الإقبال على الحبيب {شكور} أي: فهو ~~يجزي بالحسنة أضعافها وإن قلت والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى: أنه ~~تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعا ~~كثيرا من التفضيل. # ثم ذكر الله تعالى الجواب عن طعن الكفرة في النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله تعالى: # {أم} أي: بل {يقولون افترى} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {على الله} الذي ~~أحاط بصفات الكمال فله العلم الشامل لمن يتقول عليه والقدرة التامة على ~~عقابه {كذبا} حين زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله بهذا الدين {فإن ~~يشأ الله} أي: الذي له الإحاطة بالكمال {يختم} أي: يربط {على قلبك} بالصبر ~~على أذاهم بهذا القول وغيره وقد فعل، وقال قتادة: يعني يطبع على قلبك ~~فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذبا لفعل به ما ~~أخبر عنه في هذه الآية، أي: أنه لا يجترئ على افتراء الكذب إلا من كان في ~~هذه الحالة، والمقصود من هذا الكلام: المبالغة في تقرير الاستبعاد ومثاله: ~~أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: ذلك لعل الله خذلني ~~أعمى قلبي وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد ~~صدور الخيانة منه وقوله تعالى {ويمح الله} أي: الذي له الأمر كله {الباطل} ~~وهو قولهم افترى مستأنف غير داخل في جزاء الشرط لأنه تعالى يمحو الباطل ~~مطلقا وسقطت الواو منه لفظا لالتقاء الساكنين في الدرج وخطا حملا للخط على ~~اللفظ كما كتبوا سندع الزبانية عليه وأما الحق فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا ~~قال: {ويحق} أي: يثبت على وجه لا يمكن زواله {الحق} أي: كل ما ms3094 من شأنه ~~الثبات لأنه أذن فيه وأقره {بكلماته} أي: التي لو كان البحر مدادا لها لنفذ ~~وقد فعل الله تعالى ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام عليهم {إنه عليم} ~~أي: بالغ العلم {بذات الصدور} أي: ما هو فيها مما يعلمه صاحبها ومما لا ~~يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك ولتعلمن نبأه بعد حين، ~~ولقد صدق الله تعالى فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان يقوله صلى الله عليه ~~وسلم وأبطل بسيف هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه ومن أصدق من الله ~~قيلا، قال ابن عباس: لما نزل {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى} وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد # أن يخلطنا على أقاربه من بعده فنزل جبريل عليه السلام فأخبره أنهم اتهموه ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق ~~فنزل: # {وهو} أي: لا غيره {الذي يقبل التوبة عن عباده} بالتجاوز عما تابوا عنه ~~سئل أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال: إذا ذكرت الذنب فلا تجد له حلاوة ~~في قلبك.d # وروى جابر: أن أعرابيا دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # PageV03P539 # «اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر» فلما فرغ من صلاته قال له علي رضي ~~الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة الاستغفار باللسان توبة الكذابين فقال يا ~~أمير المؤمنين ما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب ~~الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذاقة النفس مرارة الطاعة ~~كما أذقتها حلاوة المعصية وإذابتها في الطاعة كما ربيتها في المعصية ~~والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. وقال سهل بن عبد الله: التوبة الانتقال من ~~الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. وقال بعضهم: هي الندم على الماضي ~~والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل. وعن أبي هريرة ~~قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأستغفر الله ~~وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» . وروي أنه ms3095 صلى الله عليه وسلم ~~قال: «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة» . ~~وعن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز ~~وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ~~حتى تطلع الشمس من مغربها» . وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ~~جعل في الغرب بابا عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من ~~مغربها» . وروى: «أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» . # ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال الله تعالى ~~تفضلا منه ورحمة: {ويعفو عن السيئات} أي: التي كانت التوبة منها صغيرة كانت ~~أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ بها إن شاء لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن ~~الإسلام الذي هو توبة خاصة يجب ما يكون قبله وروى أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان ~~هو وراحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فآيس منها، فأتى ~~شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ~~فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة ~~الفرح» {ويعلم} أي: والحال أنه يعلم كل وقت {ما تفعلون} فيجازي ويتجاوز عن ~~إتقان وحكمة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتاء الخطاب إقبالا على الناس عامة ~~وهذا خطاب للمشركين، وقرأ الباقون بالغيبة نظرا إلى قوله تعالى عن عباده ~~وقال تعالى بعد {ويزيدهم من فضله} . # ولما رغب بالعفو زاد بالإكرام فقال تعالى: # {ويستجيب} أي: يوجد بغاية العناية والطلب إجابة {الذين آمنوا} أي: دعاء ~~الذين أقروا بالإيمان في كل ما دعوا به أو شفعوا عنده فيه لأنه لولا إرادته ~~لهم الإكرام بالإيمان ما آمنوا، وعدي الفعل بنفسه ولم يقل: {ويستجيب للذين ~~آمنوا} تنبيها على زيادة بره لهم ووصلهم به {وعملوا} تصديقا ms3096 لدعواهم ~~الإيمان {الصالحات} فيثيبهم النعيم المقيم {ويزيدهم} أي: مع ما دعوا به لما ~~لم يدعوا به ولم يخطر على قلوبهم {من فضله} أي: تفضلا منه عليهم ويجوز أن ~~يكون الموصول فاعلا أي: يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: {استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم} (الأنفال: 24) # واستجاب كأجاب ومنه: # *وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذلك مجيب* # وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: معناه ويثيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات # PageV03P540 # ويزيدهم من فضله سوى ثواب أعمالهم تفضلا منه، وروى أبو صالح عنه: «يشفعهم ~~ويزيدهم من فضله» قال في إخوان: إخوانهم ثم أتبع المؤمنين بذكر ضدهم فقال ~~تعالى {والكافرون} أي: العريقون في هذا الوصف القاطع الذين منعتهم عراقتهم ~~من التوبة والإيمان {لهم عذاب شديد} بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضيل ~~ولا يجيب دعاءهم وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، فالآية من الاحتباك ذكر ~~الاستجابة أولا دليلا على ضدها ثانيا والعذاب ثانيا دليلا على ضده أولا. # ولما قال تعالى أنه يجيب دعاء المؤمنين ورد سؤال وهو أن المؤمن قد يكون ~~في شدة وبلية وفقر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله ~~تعالى {ويستجيب الذين آمنوا} فأجاب تعالى عنه بقوله تعالى: # {ولو} أي: وهو يقبل ويستجيب والحال أنه لو {بسط الرزق} لهم هكذا كان ~~الأصل لكن قال: {لعباده} لئلا يظن خصوصية ذلك بالتائبين إذ لا فرق بين ~~التائب وغيره {لبغوا} أي: طغوا {في الأرض} أي: لصاروا يريدون كل ما يشتهون ~~فيكثر القتل والسلب والنهب ونحو ذلك من أنواع الفساد، قال خباب بن الأرت: ~~فينا نزلت هذه الآية وذلك إنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني ~~قينقاع وتمنيناها فنزلت، وذكر في كون بسط الرزق موجبا للطغيان وجوه: الأول: ~~أن الله تعالى لو سوى في الرزق بين الكل امتنع كون البعض محتاجا إلى البعض ~~وذلك موجب خراب العالم وتعطيل المصالح، ثانيها: أن هذه الآية مختصة بالعرب ~~فإنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن ms3097 الكلأ ومن العشب ~~ما يشبعهم قدموا على النهب والغارة، ثالثها: أن الإنسان متكبر بالطبع فإن ~~وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة ~~وبلية ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة، وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: «بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس» ~~{ولكن ينزل} أي: لعباده من الرزق، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بسكون النون ~~وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي {بقدر} أي: بتقدير لهم {ما ~~يشاء} أي: ما اقتضته مشيأته {أنه} وقال تعالى: {بعباده} ولم يقل بهم لئلا ~~يظن أن الأمر خاص بمن وسع عليهم أو ضيق عليهم {خبير بصير} يعلم جميع ظواهر ~~أمورهم وبواطنها فيقيم كل أحد فيما يصلح له من صلاح وفساد وعدل وبغي. # روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن ~~الله عز وجل في حديث طويل وفيه يقول الله عز وجل: «ما ترددت في شيء أنا ~~فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه» ، و «أن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته ~~لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته ~~لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته ~~لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته ~~لأفسده ذلك، وذلك أني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير» . وقرأ ~~ما يشاء أنه نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية كالياء ولهم ~~أيضا إبدالها واو أو الباقون بتحقيقهما وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ~~ألفا مع المد والقصر والروم والإشمام. # {وهو} # PageV03P541 # أي: لا غيره {الذي ينزل الغيث} أي: المطر الذي يغاث به الناس وقرأ نافع ~~وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وتشديد الزاي والباقون بسكون النون ~~وتخفيف الزاي {من بعد ما قنطوا} أي: يئسوا من نزوله ms3098 وعلموا أنه لا يقدر على ~~إنزاله غيره ولا يقصد فيه سواء ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وقال تعالى: ~~{وينشر رحمته} أي: يبسط مطره كما قال تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا ~~بين يدي رحمته} (الأعراف: 57) # وإن كان الأصل بنشره لأنه بين أنه غيث فقال رحمته بيانا وتعميما، فينزل ~~من السحاب المحمول بالريح من الماء ما لو اجتمع عليه الخلائق ما أطاقوا ~~عمله، فتصبح الأرض ما بين غدران وأنهار ونبات نجم وأشجار وزهر وحب وثمار ~~وغير ذلك من المنافع الصغار والكبار فلله ما أعلى هذه القدرة الباهرة ~~والآية الظاهرة، فيخرج من الأرض التي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول نجما ~~هو في لينه ألين من الحرير وفي لطافته ألطف من النسيم ومن سوق الأشجار التي ~~تنثني فيها المناقير أغصانا ألطف من ألسنة العصافير، فما أجلف من ينكر ~~إخراجه الموتى من القبور أو يحيد عن ذلك بنوع من الغرور {وهو} أي: لا غيره ~~{الولي} الذي لا أحد أقرب منه إلى عباده في شيء من الأشياء {الحميد} الذي ~~يستحق مجامع الحمد مع أنه يحمد من يطيعه فيزيده من فضله ويصل حبله دائما ~~بحبله. # {ومن آياته} أي: العظيمة على استحقاقه لجميع صفات الكمال {خلق السموات} ~~التي تعلمون أنها متعددة لما ترون من أمور الكواكب {والأرض} أي: جنسها على ~~ما هما عليه من الهيآت وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات وقوله تعالى: ~~{وما بث} أي: فرق ونشر يجوز أن يكون مجرور المحل عطفا على السموات أو ~~مرفوعه عطفا على خلق على حذف مضاف، أي: وخلق ما بث، قال أبو حيان: وفيه نظر ~~لأنه يؤول إلى جره بالإضافة لخلق المقدر فلا يعدل عنه {فيهما} أي: في ~~السموات والأرض {من دابة} أي: شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة والحركة من ~~الأنس والجن والملائكة وسائر الحيوانات على اختلاف ألوانهم وأصنافهم ~~وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم وأقطارهم ونواحيهم، فإن قيل: ~~كيف يجوز إطلاق الدابة على الملائكة؟ أجيب: بوجوه أولها: ما مر من أن ~~الدابة عبارة عما فيه الروح والحركة ms3099 والملائكة لهم الروح والحركة، ثانيها: ~~أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحدا منهم، ومنه قوله تعالى: ~~{يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن: 22) # ثالثها: قال ابن عادل: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى خلق في السموات أنواعا ~~من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض. # وروى العباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين ~~السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ~~ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ~~العرش» الحديث. {وهو} أي: لا غيره {على جمعهم} أي: هذه الدواب من ذوي ~~العقول وغيرهم للمحشر بعد تفريقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره {إذا} في ~~وقت {يشاء قدير} أي: بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم ~~يجمعهم في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينقذهم البصر ثم خاطب المؤمنين بقوله ~~تعالى: # {وما أصابكم من مصيبة} أي: بلية وشدة {فبما كسبت أيديكم} أي: من الذنوب، ~~وقرأ نافع وابن عامر بغير فاء والباقون بالفاء لأن ما شرطية # PageV03P542 # أو مضمنة معناه وأما من أسقطها فقد استغنى بما في الباء من معنى السببية، ~~فإن قيل: الكسب لا يكون باليد بل بالقدرة القائمة بها؟ أجيب: بأن المراد من ~~لفظ اليد هنا القدرة وإذا كان هذا المجاز مشهورا مستعملا كان لفظ اليد في ~~حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيها لله تبارك وتعالى عن الأعضاء، ~~واختلفوا فيما يحصل في الدنيا من الآلام والأسقام والقحط والغرق والمصائب ~~هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أولا، فمنهم من أنكر ذلك لوجوه أولها قوله ~~تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} (غافر: 17) # بين تعالى أن ذلك إنما يحصل يوم القيامة وقال تعالى: {مالك يوم الدين} ~~(الفاتحة: 4) # أي: يوم الجزاء وأجمعوا أن المراد منه يوم القيامة ثانيها: مصائب الدنيا ~~يشترك فيها الزنديق والصديق فيمتنع أن تكون عقوبة على الذنوب بل حصول ~~المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ~~«خص البلاء ms3100 بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» . ثالثها: أن الدنيا ~~دار تكليف فلو حصل الجزاء فيها لكانت دار تكليف ودار جزاء معا وهو محال، ~~وقال آخرون: هذه المصائب قد تكون أجزية على ذنوب متقدمة لهذه الآية، ولما ~~روى الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي ~~بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله ~~أكثر» . وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «ألا أخبركم بأفضل آية ~~في كتاب الله تعالى حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أصابكم من ~~مصيبة الآية، قال صلى الله عليه وسلم وسأفسرها لك يا علي ما أصابكم من مرض ~~أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله سبحانه وتعالى اكرم من ~~أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فإنه أحلم من ~~أن يعود بعد عفوه» وتمسكوا أيضا بقوله تعالى: بعد هذه الآية {أو يوبقهن بما ~~كسبوا} وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك بسبب كسبهم. # قيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ ~~قال: إنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم وقرأ هذه الآية. وأجاب ~~الأولون بأن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف لا من باب ~~العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء بل ذلك لزيادة درجات وفضائل وخصوصيات ~~لا يصلون إليها إلا بها لأن أعمالهم لم تبلغها فهي خير من الله تعالى لهم، ~~ويحمل قوله تعالى: {فبما كسبت أيديكم} على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك ~~الكسب إنزال هذه المصائب عليكم {ويعفو عن كثير} أي: من الذنوب بفضله ورحمته ~~فلا يعاقب عليها ولولا عفوه وتجاوزه ما ترك على ظهرها من دابة قال الواحدي ~~بعد أن روى حديث علي: وهذه أرجى آية في كتاب الله تعالى لأن الله تعالى جعل ~~ذنوب المؤمنين صنفين؛ صنف: كفر عنهم بالمصائب، وصنف: عفا عنهم في الدنيا ~~وهو كريم لا يرجع في عفوه، ms3101 فهذه سنة الله تعالى مع المؤمنين وأما الكافر: ~~فإنه لا تعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة. # {وما أنتم بمعجزين} أي: فائتين ما قضى عليكم من المصائب {في الأرض وما ~~لكم من دون الله} ولا في شيء أراده سبحانه منكم كائنا ما كان {من ولي} أي: ~~يكون متوليا لشيء من أموركم بالاستقلال {ولا نصير} يدفع عنكم شيئا يريده ~~سبحانه بكم. # {ومن آياته} أي: الدالة على تمام قدرته واختياره ووحدانيته {الجواري} أي: # PageV03P543 # السفن الجارية {في البحر كالأعلام} أي: كالجبال قالت الخنساء في مرثية ~~أخيها صخر: # *وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار* # أي: جبل في رأسه نار شبهت به أخاها. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~«استنشد قصيدتها هذه فلما وصل الراوي هذا البيت قال: قاتلها الله تعالى ما ~~رضيت بتشبيهه بالجبل حتى جعلت في رأسه نارا» . وقال مجاهد: الأعلام القصور ~~وأحدها علم، وقال الخليل بن أحمد: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. # فإن قيل: الصفة متى لم تكن خاصة بموصوفها امتنع حذف الموصوف فلا تقول: ~~مررت بماش لأن المشي عام وتقول: مررت بمهندس وكاتب والجري ليس من الصفات ~~الخاصة فما وجه ذلك؟ أجيب: بأن قوله تعالى: {في البحر} قرينة دالة على ~~الموصوف، فذلك حذف ويجوز أن تكون هذه صفة غالبة كالأبطح والأبرق فوليت ~~العوامل من دون موصوفها، وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء وصلا لا وقفا، ~~وابن كثير وهشام بإثباتها وقفا بخلاف عن هشام الباقون بحذفها وقفا ووصلا ~~وأمال الجواري محضة الدوري عن الكسائي وفتح الباقون. # {أن يشأ} أي: الله الذي حملكم فيها على ظهر الماء آية بينة سقط اعتبارها ~~عندكم لشدة ألفكم لها {يسكن الريح} الذي يسيرها وأنتم مقرون بأن أمرها ليس ~~إلا بيده، وقرأ نافع بألف بعد الياء جمعا والباقون بغير ألف إفرادا ~~{فيظللن} أي: فيتسبب عن ذلك أنهن يظللن أي: يقمن ليلا كان أو نهارا {رواكد} ~~أي: ثوابت لا تجري {على ظهره} أي: البحر {إن في ذلك} أي: ما ذكر ms3102 في حال ~~السفن في سيرها وركوبها بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى بدليل ما للناس ~~كافة من الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة والانخلاع مما سواه {لآيات} ~~أي: على إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال {لكل صبار} أي: على البلاء والشدة ~~{شكور} أي: على نعمائه وهو المؤمن الكامل يصبر في الشدة ويشكر في الرخاء ~~فإن الإيمان نصفان؛ نصف: صبر، ونصف: شكر. # {أو} أي: أو يشأ في كل وقت أراده {يوبقهن} أي: يهلكهن بعصف الريح بأهلهن ~~{بما كسبوا} أي: أهلهن من الذنوب {ويعفو} أي: إن يشأ {عن كثير} من ذنوبهم ~~فلا يعاقب فينجيهم بعوم أو حمل على خشبة أو غير ذلك، وإن يشأ يرسل الريح ~~طيبة فينجيها ويبلغها أقصى المراد إلى غير ذلك من التقادير الداخلة تحت ~~المشيئة وقوله تعالى: # {ويعلم} قرأه نافع وابن عامر برفع الميم مستأنفا والباقون بالنصب معطوف ~~على تعليل مقدر أي: ليغرقهم لينتقم منهم وليعلم {الذين يجادلون} أي: عند ~~النجاة بالعفو {في آياتنا} أي: يكذبون القرآن، أي: علم ظهور للناس {ما لهم ~~من محيص} أي: مهرب من العذاب وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم أو النفي ~~معلق عن العمل، وقوله تعالى: # {فما أوتيتم} خطاب للمؤمنين وغيرهم {من شيء} أي: من أثاث الدنيا {فمتاع ~~الحياة الدنيا} أي: القريبة الدنية لا نفع فيه لأحد إلا مدة حياته وذلك ~~جدير بالإعراض عنه وعما يسببه من الأعمال إلا ما يقرب إلى الله تعالى {وما} ~~أي: والذي {عند الله} أي: الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلما من نعم ~~الدارين {خير} أي: في نفسه وأشد خيرية من النعم الدنيوية المحضة لانقطاع ~~نفعه فسماه متاعا تنبيها على قلته وحقارته، وجعله من متاع الدنيا تنبيها ~~على انقراضه وأما # PageV03P544 # الآخرة فهي خير {وأبقى} والباقي خير من الخسيس الفاني. # ثم بين تعالى أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفا بصفات الصفة ~~الأولى قوله سبحانه وتعالى {للذين آمنوا} أي: أوجدوا هذه الحقيقة {وعلى} ~~أي: والحال إنهم على {ربهم} أي: الذي لم يروا إحسانا قط إلا ms3103 منه وحده بما ~~رباهم من الإخلاص {يتوكلون} أي: يحملون جميع أمورهم عليه كما يحمل غيرهم ~~متاعه على من يتوسم منه قوة على الحمل ولا يلتفتون في ذلك إلى شيء غيره ~~أصلا لينتفي عنهم بذلك الشرك الخفي كما انتفى بالإيمان الشرك الجلي وهذا ~~يرد على من زعم أن الطاعة توجب الثواب لأنه يتوكل على عمل نفسه لا على الله ~~تعالى فلا يدخل تحت الآية الصفة الثانية قوله عز وجل: # {والذين يجتنبون} أي: يكلفون أنفسهم أن يجانبوا {كبائر الإثم} أي: جنس ~~الفعال الكبائر التي لا توجد إلا في ضمن أفرادها ويحصل بها دنس النفس فيوجب ~~عقابها مع الجسم وعطف على كبائر قوله تعالى: {والفواحش} وهي ما أنكره الشرع ~~والعقل والطبع، والكبائر كل ذنب تعظم عقوبته كالقتل والزنا والسرقة ~~والفواحش ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال، وقال مقاتل: ما يوجب الحد وقد ~~تقدم الكلام على ذلك في سورة النساء، وقرأ حمزة والكسائي: بكسر الباء ~~الموحدة قبل الياء الساكنة وهي للجنس فهي بمعنى قراءة الجمع، كما قرأ ~~الباقون بفتح الموحدة وألف بعدها وبعد الألف همزة مكسورة والأولى أبلغ ~~لشمولها المفردة، الصفة الثالثة: قوله تبارك وتعالى: {وإذا ما غضبوا} أي: ~~غضبا هو على حقيقته من أمر مغضب في العادة وبين بضمير الفصل أن بواطنهم في ~~غفرهم كظواهرهم فقال تعالى: {هم يغفرون} أي: هم الأخصاء والأحقاء بأنهم ~~كلما تجدد لهم غضب جددوا غفرا أي: محوا للذنوب عينا وأثرا مع القدرة على ~~الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح دون الانتقام ما لم يكن من الظالم بغي لأنه ~~لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا متكبر والتكبر لا يصلح لغير الإله، وفي ~~الصحيح: «أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات ~~الله تعالى» . وروى ابن حاتم عن إبراهيم النخعي قال: «كان المؤمنون يكرهون ~~أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا غفروا» ، الصفة الرابعة: قوله تعالى: # {والذين استجابوا} أي: أوجدوا الإجابة لما لهم من العلم الهادي إلى سبيل ~~الرشاد {لربهم} أي: الداعي لهم إلى إجابة إحسانه إليهم، قال الرازي: ms3104 المراد ~~من هذا تمام الانقياد، فإن قيل: أليس أنه لما جعل الإيمان فيه شرطا قد دخل ~~في الإيمان إجابة الله تعالى؟ أجيب: بأنه يحمل هذا على الرضا بقضاء الله ~~تعالى من صميم القلب وأن لا يكون في قلبه منازعة، الصفة الخامسة: قوله ~~سبحانه وتعالى: {وأقاموا} أي: أداموا {الصلاة} الواجبة {وأمرهم} أي: كل ما ~~ينوبهم مما يحوجهم إلى تدبير {شورى بينهم} أي: يتشاورون فيه مشاورة عظيمة ~~مبالغين بما لهم من قوة الباطن ولا يعجلون في أمورهم والشورى مصدر كالفتيا ~~بمعنى التشاور، الصفة السادسة، قوله تعالى: {ومما رزقناهم} أي: أعطيناهم ~~بعظمتنا من غير حول منهم ولا قوة {ينفقون} أي: يديمون الإنفاق في سبيل الله ~~تعالى كرما منهم، وإن قل ما بأيديهم اعتمادا على فضل الله تعالى لا يقبضون ~~أيديهم كالمنافقين. # {والذين إذا أصابهم البغي} أي: وقع بهم وأثر فيهم وهو التمادي على الرمي ~~بالشر {هم ينتصرون} # PageV03P545 # أي: ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه، كما قال تعالى: # {وجزاء سيئة سيئة مثلها} سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة ~~قال مقاتل: يعني القصاص وهي الجراحات والدماء، وقال مجاهد والسدي: هو جواب ~~القبيح إذا قال: أخزاك الله يقول: أخزاك الله وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من ~~غير أن تعتدي، قال سفيان بن عيينة: سألت سفيان الثوري عن ذلك فقال: إن شتمك ~~رجل فتشتمه أو يفعل كذا فتفعل به فلم أجد عنده شيئا، فسأل هشام بن حجر عن ~~ذلك فقال: الجارح إذا جرح يقتص منه وليس هو أن يشتمك وتشتمه وقد تكفلت هذه ~~الجمل بأمهات الفضائل الثلاث، العلم والعفة والشجاعة على أحسن الوجوه، ~~فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم وبالنفقة إلى العفة وبالانتصار ~~إلى الشجاعة حتى لا يظن أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل، والقصر على المماثلة ~~دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل، وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل ~~الثلاث فإن من علم المماثلة كان عالما، ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفا ومن ~~قسر نفسه على ذلك كان شجاعا وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران ~~أن ms3105 الأول: للعاجز، والثاني: للمتغلب المتكبر بدليل البغي، فإن قيل: هذه ~~الآية مشكلة لوجهين؛ الأول: أنه لما ذكر قبله {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} ، ~~كيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو {الذين إذا أصابهم البغي هم ~~ينتصرون} ، الثاني: أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن، قال تعالى: ~~{وأن تعفوا أقرب للتقوى} (البقرة: 237) # وقال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} (الفرقان: 72) # وقال تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} (الأعراف: 199) # أجيب: بأن العفو على قسمين؛ أحدهما: أن يصير العفو سببا لتسكين الفتنة ~~ورجوع الجاني عن جنايته، والثاني: أن يصير العفو سببا لمزيد جراءة الجاني ~~وقوة غيظه وغضبه، فآيات العفو محمولة على القسم الأول وهذه الآية محمولة ~~على القسم الثاني، وحينئذ يزول التناقض روي: «أن زينب أقبلت على عائشة ~~تشتمها فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عنها فلم تنته، فقال لها النبي صلى ~~الله عليه وسلم سبيها» . وأيضا فإنه تعالى لم يرغب ففي الانتصار بل بين أنه ~~مشروع فقط، ثم بين أن مشروعيته مشروطة برعاية المماثلة بقوله تعالى: {وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها} ثم بين أن العفو أولى بقوله تعالى: {فمن عفا} أي: بإسقاط ~~حقه كله أو بالنقص منه لتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة {وأصلح} أي: أوقع ~~الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس ~~فيكون بذلك منتصرا من نفسه لنفسه {فأجره على الله} أي: المحيط بجميع صفات ~~الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم، وهذا سر لفت ~~الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله صلى الله عليه وسلم «ما زاد الله بعفو ~~إلا عزا» {إنه لا يحب الظالمين} أي: لا يكرم الواضعين للشيء في غير محله ~~فيترتب عليهم عقابه. # {ولمن انتصر} أي: سعى في نصر نفسه بجهده {بعد ظلمه} أي: بعد ظلم الغير له ~~وليس قاصدا التعدي عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان التعدي {فأولئك} ~~أي: المنتصرون لأجل دفع الظالم عنهم {ما عليهم} وأكد بإثبات الجار فقال ~~تعالى: ms3106 {من سبيل} أي: عتاب ولا عقاب لأنهم فعلوا ما أبيح لهم من الانتصار ~~روى النسائي عن عائشة قالت: «ما علمت حتى دخلت على زينب وهي غضبى، فأقبلت ~~علي فأعرضت # PageV03P546 # عنها حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم دونك فانتصري، فأقبلت عليها حين ~~رأيتها قد يبس ريقها في فمها ما ترد علي شيئا، فرأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتهلل وجهه» . واحتجوا بهذه الآية على أن سراية القود مهدرة لأنه فعل ~~مأذون فيه فيدخل تحت هذه الآية. # {إنما السبيل} أي: الطريق السالك الذي لا منع منه أصلا {على الذين يظلمون ~~الناس} أي: يوقعون بهم ظلمهم تعمدا عدوانا {ويبغون} أي: يتجاوزون الحدود ~~{في الأرض} بما يفسدها بعد إصلاحها بتهيئتها للصلاح طبعا وعلما وعملا {بغير ~~الحق} أي: الكامل لأن الفعل قد يكون بغيا وإن كانت مصحوبا بحق كالانتصار ~~المقرون بالتعدي فيه {أولئك} أي: البعداء من الله تعالى {لهم عذاب أليم} ~~أي: مؤلم يعم إيلامه أبدانهم وأرواحهم بما آلموا من ظلموه. # {ولمن صبر} أي: عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى {وغفر} أي: صرح ~~بإسقاط العقاب والعتاب بمحي عين الذنب وأثره {فإن ذلك} أي: الفعل الواقع ~~منه البالغ في العلو حدا لا يوصف {لمن عزم الأمور} أي: معزوماتها بمعنى ~~المطلوبات شرعا. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد ظلم مظلمة ~~فعفا لله إلا أعزه الله تعالى بها نصرا» . # {ومن يضلل الله} أي: الذي له صفات الكمال بأن لم يوفقه {فما له من ولي} ~~أي: يتولى أمره في الهداية بالبيان لما أخفاه الله تعالى عنه {من بعده} أي: ~~بعد إضلال الله تعالى له، وهذا صريح في جواز أن الإضلال من الله تعالى وأن ~~الهداية ليست في مقدر أحد سوى الله تعالى وقال تعالى: {وترى الظالمين} موضع ~~وتراهم لبيان أن الضال لا يضع شيئا في موضعه. # ولما كان عذابهم حتما عبر عنه بالماضي فقال: {لما رأوا العذاب} أي: يوم ~~القيامة المعلوم مصير الظالم إليه {يقولون} أي: مكررين لما اعتراهم من ~~الدهش وغلب على ms3107 قلوبهم من الوجل {هل إلى مرد} أي: إلى دار العمل {من سبيل} ~~أي: طريق فيتمنون حينئذ الرجوع إلى الدنيا لتدارك ما فات من الطاعات ~~الموجبة للنجاة. # {وتراهم} أي: في ذلك اليوم والضمير في قوله تعالى: {يعرضون عليها} يعود ~~على النار لدلالة العذاب عليها. ثم ذكر حالهم عند عرضهم على النار بقوله ~~تعالى: {خاشعين} أي: خاضعين حقيرين بسبب ما لحقهم {من الذل} لأنهم عرفوا إذ ~~ذاك ذنوبهم وانكشفت لهم عظمة من عصوه {ينظرون} أي: يبتدئ نظرهم المكرر {من ~~طرف} أي: تحريك الأجفان {خفي} أي: ضعيف النظر يسارقون النظر إلى النار خوفا ~~منها وذلة في أنفسهم كما ينظر المقتول إلى السيف فلا يقدر (أن) يملأ عينه ~~منه ولا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها، ويصح أن تكون من بمعنى الباء أي: بطرف ~~خفي ضعيف من الذل، فإن قيل: قد قال الله تعالى في صفة الكفار أنهم يحشرون ~~عميا فكيف قال تعالى هنا: {إنهم ينظرون من طرف خفي} ؟ أجيب: بأنهم يكونون ~~في الابتداء هكذا ثم يصيرون عميا أو أن هذا في قوم وذاك في قوم آخرين، ~~وقيل: ينظرون إلى النار بقلوبهم والنظر بالقلب خفي. # ولما وصف تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال تعالى: ~~{وقال} أي: في ذلك الموقف الأعظم على سبيل التعيير لهم والتبكيت والتوبيخ ~~والتقريع {الذين آمنوا} أي: أوقعوا هذه الحقيقة سواء كان إيقاعهم لها في ~~أدنى الرتب أو أعلاها {إن الخاسرين} أي: # PageV03P547 # الذين كملت خسارتهم {الذين خسروا أنفسهم} بما استغرقها من العذاب ~~{وأهليهم} بمفارقتهم لهم، أما في إطباق العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران ~~أو في دار الثواب إن كانوا من أهل الإيمان {يوم القيامة} أي: هو يوم فوت ~~التدارك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات شرطه بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف ~~الغطاء، وهذا القول يحتمل أن يكون واقعا في الدنيا أو يوم القيامة إذا ~~رأوهم على تلك الصفة وقوله تعالى: {ألا إن الظالمين} أي: الراسخين في هذا ~~الوصف {في عذاب مقيم} أي: دائم يحتمل أن يكون من تمام كلام المؤمنين ms3108 وأن ~~يكون تصديقا من الله تعالى لهم. # {وما كان} أي: ما صح ووجد {لهم} وأغرق في النفي فقال تعالى: {من أولياء} ~~أي: فما لهم من ولي لأن النصرة إذا انتفت من الجمع انتفت من الواحد من باب ~~أولى {ينصرونهم} أي: يوجدون نصرهم في وقت من الأوقات {من دون الله} أي: ~~الملك الأعظم، أي: لا في الدنيا بأن يقدروا على إنقاذهم من وصف الظلم ولا ~~في الآخرة بإنقاذهم من العذاب {ومن يضلل الله} أي: يوجد إضلاله إيجادا ~~بليغا بما أفاده الفك على سبيل الاستمرار بعدم البيان أو بعدم التوفيق بعد ~~البيان {فما له} بسبب إضلال من له جميع صفات الكمال وأغرق تعالى في النفي ~~بقوله سبحانه: {من سبيل} أي: طريق إلى الحق في الدنيا وإلى الجنة في ~~الآخرة. # ولما ذكر تعالى الوعد والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود فقال تعالى: # {استجيبوا لربكم} أي: أجيبوه بالتوحيد والعبادة فإنه الذي لم تروا إحسانا ~~إلا وهو منه {من قبل أن يأتي يوم} هو يوم القيامة {لا مرد له من الله} أي: ~~الذي له جميع العظمة فإنه إذا أتى به لا يرده وإذا لم يكن له مرد منه لم ~~يكن له مرد من غيره ومتى عدم ذلك أنتج قوله تعالى: {ما لكم} وأغرق في النفي ~~بقوله تعالى: {من ملجأ} أي: تلجؤون إليه {يومئذ} أي: في ذلك اليوم وزاد في ~~التأكيد بإعادة النافي وما في حيزه إبلاغا في التحذير فقال تعالى: {وما لكم ~~من نكير} أي: إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائفكم تشهد عليه ألسنتكم ~~وجوارحكم. # {فإن أعرضوا} أي: عن الإجابة فيما دعوتهم إليه {فما أرسلناك} أي: بما لنا ~~من العظمة {عليهم حفيظا} أي: تقهرهم على امتثال ما أرسلناك به {إن عليك إلا ~~البلاغ} لما أرسلناك به، وأما الهداية والإضلال فإلينا، وهذا كما قال ~~الجلال المحلي: قبل الأمر بالجهاد {وإنا إذا أذقنا} أي: بالعظمة التي لا ~~يمكن مخالفتها {الإنسان} أي: بما جبلناه عليه من النقص وعدم التمالك {منا ~~رحمة} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ms3109 نوعا من أنواع الإكرام من صحة أو غنى ~~أو نحو ذلك {فرح بها} أي: بتلك الرحمة وأفرد ضمير فرح نظرا للفظ الإنسان ~~إشارة إلى أنه مطبوع على أنه ليس عليه إلا من نفسه، ولو كان أهل الأرض كلهم ~~على غير ذلك ونعمة الله تعالى عليهم، وإن كانت في الدنيا عظيمة إلا أنها ~~بالنسبة إلى سعادات الآخرة القطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سميت ذوقا، فبين ~~تعالى أن الإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح به وعظم غروره ~~ووقع في العجب والكبر وظن أنه فاز بكل المنى ووصل إلى أقصى السعادات، وهذه ~~طريقة من ضعف اعتقاده في سعادات الآخرة وجمع ضمير الإنسان في قوله تعالى: ~~{وإن تصبهم} باعتبار معناه {سيئة} أي: شيء يسوءهم في الحال كالمرض والفقر ~~والقحط {بما قدمت أيديهم} أي: قدموه وعبر بالأيدي # PageV03P548 # لأن أكثر الأفعال بها {فإن الإنسان} أي: الآنس بنفسه المعرض عن غيره بما ~~هو طبع له بسبب سيئة تضره {كفور} أي: بليغ الكفران ينسى النعمة رأسا ويذكر ~~البلية ويعظمها ولم يتأمل سببها وتصدير الشرطية الأولى: بإذا، والثانية: ~~بإن لأن إذاقته النعمة محققة من حيث إنها عادة مقضية بالذات بخلاف إصابة ~~البلية وإقامة علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضعه الضمير في الثانية ~~للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة، فإن كان في نعمة أشر وبطر، ~~وإن كان في نقمة أيس وقنط، فهذا حال الجنس من حيث هو ومن وفقه الله تعالى ~~جنبه ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم «المؤمن إن أصابه سراء # شكر فكان خيرا، وإن أصابه ضراء صبر فكان خيرا» . # ولما ذكر تعالى إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بعدها السيئة أتبع ذلك ~~بقوله تعالى: # {لله} أي: الملك الأعظم وحده {ملك السموات} كلها على علوها وتطابقها ~~وكبرها وعظمها وتباعد أقطارها {والأرض} جميعها على تباينها وتكاثفها ~~واختلاف أقطارها وسكانها واتساعها {يخلق} أي: على سبيل التجدد والاختيار ~~والاستمرار {ما يشاء} وإن كان على غير اختيار العباد لئلا يغتر الإنسان بما ~~ملكه من المال والجاه، بل إذا ms3110 علم أن الكل ملك لله وملكه وإنما حصل له ذلك ~~القدر إنعاما من الله تعالى عليه فيصير ذلك حاملا له على مزيد الطاعة. # ثم ذكر من أقسام تصرفه تعالى في العالم أنه يخص بعض الناس بالأولاد ~~الإناث والبعض بالذكور والبعض بهما والبعض محروم من الكل كما قال تعالى: ~~{يهب} أي: يخلق {لمن يشاء} أولادا {إناثا} فقط ليس معهن ذكر {ويهب لمن يشاء ~~الذكور} فقط ليس معهم أنثى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: بتسهيل الهمزة ~~الثانية كالياء وتبدل أيضا واوا خالصة، والباقون بتحقيقهما وفي الابتداء ~~الجميع بالتحقيق، وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفا مع المد والتوسط ~~والقصر ولهما أيضا تسهيلها مع المد والقصر والروم والإشمام. # {أو يزوجهم} أي: الأولاد فيجعلهم أزواجا أي: صنفين حال كونهم {ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما} أي: لا يولد له. # قال الرازي: وفي الآية سؤالات؛ الأول: أنه قدم الإناث في الذكر على ~~الذكور أولا ثم قدم الذكور على الإناث ثانيا فما السبب أي: فما الحكمة في ~~هذا التقديم والتأخير؟ الثاني: أنه نكر الإناث وعرف الذكور، وقال في ~~الصنفين معا: أو يزوجهم ذكرانا وإناثا؟ الثالث: أنه لما كان حصول الولد هبة ~~من الله تعالى فيكفي في عدم حصوله أن لا يهب فأي: حاجة في عدم حصوله إلى ~~قوله تعالى: {ويجعل من يشاء عقيما} الرابع: هل المراد بهذا الحكم جمع ~~معينون أو الحكم على الإنسان المطلق ثم قال: والجواب عن الأول: أن الكريم ~~يسعى في أن يقع الختم على الخير والراحة فإذا وهب الأنثى أولا ثم أعطى ~~الذكر بعدها فكأنه نقله من الغم إلى الفرح وهذا غاية الكرم، أما إذا أعطى ~~الذكر أولا ثم أعطى الأنثى ثانيا فكأنه نقله من الفرح إلى الغم، فذكر الله ~~تعالى هبة الأنثى أولا ثم ثنى بهبة الذكر حتى يكون قد نقله من الغم إلى ~~الفرح فيكون أليق بالكرم، قيل: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر ~~لأن الله تعالى بدأ بالإناث، وأما تقديم ذكر الذكور على ذكر الإناث ثانيا ~~فلأن ms3111 الذكر أكمل وأفضل من الأنثى والأفضل مقدم على المفضول، وأما الجواب عن ~~تنكير الإناث وتعريف # PageV03P549 # الذكور فهو أن المقصود منه التنبيه على أن الذكر أفضل من الأنثى. # وأما قوله تعالى: {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} فهو أن كل شيئين يقترن ~~أحدهما بالآخر فهما زوجان وكل واحد منهما يقال له: زوج والكناية في يزوجهم ~~عائدة على الإناث والذكور، والمعنى: يجعل الذكور والإناث أزواجا أي: يجمع ~~له بينهما فيولد له الذكور والإناث وأما الجواب عن قوله تعالى: {عقيما} ~~فالعقيم: هو الذي لا يلد ولا يولد له يقال: رجل عقيم وامرأة عقيم، وأصل ~~العقم: القطع، ومنه قيل الملك عقيم لأنه تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق، ~~وأما الجواب عن الرابع: فقال ابن عباس رضي الله عنهما: يهب لمن يشاء إناثا ~~يريد لوطا وشعيبا عليهما السلام لم يكن لهما إلا البنات ويهب لمن يشاء ~~الذكور يريد إبراهيم عليه السلام لم يكن له إلا الذكور أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا يريد محمدا صلى الله عليه وسلم كان له من البنين ثلاثة على الصحيح ~~القاسم وعبد الله وإبراهيم ومن البنات أربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، ~~ويجعل من يشاء عقيما يريد يحيى وعيسى عليهما السلام، وقال أكثر المفسرين: ~~هذا على وجه التمثيل وإنما الحكم عام في كل الناس لأن المقصود بيان نفاذ ~~قدرة الله تعالى في تكوين الأشياء كيف شاء فلا معنى للتخصيص ثم إنه تعالى ~~ختم الآية بقوله تعالى: {إنه عليم} أي: بالغ العلم بمصالح العباد وغيرها ~~{قدير} أي: شامل القدرة على تكوين ما يشاء. # ولما بين تعالى حال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه ~~بوحيه وكلامه فقال تعالى: # {وما كان} أي: وما صح {لبشر} من الأقسام المذكورة وحل المصدر الذي هو اسم ~~كان ليقع التصريح بالفاعل والمفعول على أتم الوجوه فقال تعالى: {أن يكلمه} ~~وأظهر موضع الإضمار إعظاما للوحي وتشريفا لمقداره فقال تعالى: {الله} أي: ~~يوجد الملك الأعظم الجامع بصفات الكمال في قلبه كلاما {إلا} أن يوحي إليه ~~{وحيا} أي: كلاما خفيا يوجده فيه ms3112 بغير واسطة بوجه خفي لا يطلع عليه أحد إما ~~بمشافهة كما ورد في حديث المعراج، وإما بإلهام أو رؤية منام كما رأى ~~إبراهيم عليه السلام في المنام أن يذبح ولده، أو بغير ذلك سواء خلق الله ~~تعالى في المتكلم قوة السماع له وهو أشرف هذه الأقسام أم لا ومن الثاني ~~قوله تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى} (القصص: 7) # {وأوحى ربك إلى النحل} (النحل: 68) # {وأوحى في كل سماء أمرها} (فصلت: 12) # {أو} إلا {من وراء حجاب} أي: من وجه لا يرى فيه المتكلم مع السماع للكلام ~~على وجه الجهر كما وقع لموسى عليه السلام {أو يرسل رسولا} من الملائكة إما ~~جبريل عليه السلام أو غيره. # تنبيه: ذكر المفسرون: أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألا تكلم ~~الله تعالى وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال: «لم ~~ينظر موسى إلى الله عز وجل فأنزل الله تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا} ، {فيوحي} أي: الرسول إلى المرسل ~~إليه أن يكلمه {بإذنه} أي: الله تعالى {ما يشاء} أي: الله عز وجل، وقرأ ~~نافع برفع اللام من يرسل وسكون الياء من يوحي والباقون بنصب اللام والياء ~~أما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه رفع على إضمار مبتدأ، أي: ~~هو يرسل، ثانيها: أنه عطف على وحيا على أنه حال لأن وحيا في تقدير الحال ~~أيضا فكأنه قال: إلا موحيا إليه أو مرسلا، ثالثها: أن يعطف على ما يتعلق به # PageV03P550 # من وراء إذ تقديره أو يسمع من وراء حجاب ووحيا في موضع الحال عطف عليه ~~ذلك المقدر المعطوف عليه أو يرسل، والتقدير: إلا موحيا أو مسمعا من وراء ~~حجاب أو مرسلا. # وأما القراءة الثانية: ففيها ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يعطف على المضمر الذي ~~يتعلق به من وراء حجاب إذ تقديره أو يكلمه من وراء حجاب وهذا الفعل المقدر ~~معطوف على وحيا، والمعنى: إلا بوحي أو سماع من وراء حجاب أو إرسال رسول، ms3113 ~~ولا يجوز أن يعطف على أن يكلمه لفساد المعنى إذ يصير التقدير: وما كان لبشر ~~أن يرسل الله رسولا بل يفسد لفظا ومعنى، وقال مكي: لأنه يلزم منه نفي الرسل ~~ونفي المرسل إليهم، ثانيها: أن ينصب بأن مضمرة وتكون هي وما نصبته معطوفين ~~على وحيا ووحيا حال فيكون هذا أيضا حالا والتقدير: إلا موحيا أو مرسلا، ~~ثالثها: أنه معطوف على معنى وحيا فإنه مصدر مقدر بأن والفعل والتقدير: إلا ~~بأن يوحي إليه أو بأن يرسل ذكره مكي وأبو البقاء {إنه} أي: هذا الذي له هذا ~~التصرف العظيم في هذا الوحي الكريم {علي} أي: بالغ العلو جدا عن صفات ~~المخلوقين {حكيم} يفعل ما تقتضيه حكمته فيكلم تارة بواسطة وتارة بغير واسطة ~~إما عيانا وإما من وراء حجاب. # {وكذلك} أي: ومثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل {أوحينا} بما لنا من العظمة ~~{إليك} يا أفضل الرسل {روحا} قال ابن عباس: نبوة وقال الحسن: رحمة وقال ~~السدي: وحيا وقال الكلبي: كتابا وقال الربيع: جبريل وقال مالك بن دينار: ~~القرآن، وسمي الوحي روحا؛ لأنه مدبر الروح كما أن الروح مدبر للبدن وزاد ~~عظمته بقوله تعالى: {من أمرنا} أي: الذي نوحيه إليك. # ثم بين تعالى حال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قبل الوحي بقوله سبحانه: ~~{ما كنت} أي: فيما قبل الأربعين التي مضت لك وأنت بين ظهراني قومك {تدري} ~~أي: تعرف قبل الوحي إليك {ما الكتاب} أي: القرآن {ولا الإيمان} أي: تفصيل ~~الشرايع على ما جددناه لك بما أوحيناه إليك وهو صلى الله عليه وسلم وإن كان ~~قبل النبوة قد كان مقرا بوحدانية الله تعالى وعظمته، فإنه كان يصلي ويحج ~~ويعتمر ويبغض اللات والعزى ولا يأكل ما ذبح على النصب لكنه لم يكن يعلم ~~الرسل على ما هم عليه، ولا شك أن الشهادة له صلى الله عليه وسلم نفسه ~~بالرسالة ركن الإيمان ولم يكن له علم بذلك وكذلك الملائكة، فصح نفي المنفي ~~لفواته بفوات جزئه وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: الإيمان هنا الصلاة لقوله ms3114 ~~تعالى {وما كان الله ليضيع إيمانكم} (البقرة: 143) # أي: صلاتكم، وقيل: هذا على حذف ومعناه: ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان حين كنت طفلا في المهد، وقيل: الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما ~~كلف الله تعالى به، وقال بعضهم: صفات الله تعالى على قسمين: منها ما يمكن ~~معرفته بمحض دلائل العقول ومنها: ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية ~~فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوة. # تنبيه: ما؛ الأولى نافية والثانية استفهامية والجملة الاستفهامية معلقة ~~للدراية فهي في محل نصب لسدها مسد مفعولين والجملة المنفية بأسرها في محل ~~نصب على الحال من الكاف في إليك، وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع وفي المسألة خلاف للعلماء فقيل: كان ~~يتعبد على دين إبراهيم عليه السلام وقيل: غيره والضمير في قوله تعالى {ولكن ~~جعلناه نورا} يعود إما لروحا وإما للكتاب وإما لهما وهو أولى لأنهما # PageV03P551 # مقصود واحد فهو كقوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة: 62) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني الإيمان وقال السدي: يعني القرآن ~~{نهدي} على عظمتنا {به من نشاء} خاصة لا يقدر أحد على هدايته بغير مشيئتنا ~~{من عبادنا} بخلق الهداية في قلبه بالتوفيق فهذه لا يقدر عليها أحد غير ~~الله تعالى، وأما الهداية بالتبيين والإرشاد فهي قوله تعالى: {وإنك} يا ~~أفضل الخلق {لتهدي} أي: تبين وترشد وأكده لإنكارهم ذلك {إلى صراط} أي: طريق ~~واضح جدا {مستقيم} أي: شديد التقوم وهو دين الإسلام وقوله تعالى: # {صراط الله} أي: الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال وقرأ سراط في الموضعين ~~قنبل بالسين وخلف: بالإشمام أي: بين الصاد والزاي والباقون بالصاد الخالصة. ~~ثم وصف سبحانه وتعالى نفسه بأنه مالك لما في السموات والأرض بقوله تعالى: ~~{الذي له ما في السموات وما في الأرض} خلقا وملكا وعبيدا {ألا إلى الله} ~~أي: المحيط بجميع صفات الكمال الذي تعالى عن مثل وند وهو الكبير المتعال لا ~~إلى غيره {تصير} أي: على الدوام وإن كانت ms3115 في الظاهر في ملك غيره بحيث يظن ~~الجاهل أن ملكها مستقر له. # قال أبو حيان: أخبر بالمضارع والمراد به الديمومة كقوله: زيد يعطي ويمنع ~~أي: من شاء ذلك ولا يراد به حينئذ حقيقة المستقبل {الأمور} كلها من الخلق ~~والأمر معنى وحسا كما كانت الأمور كلها مبتدأة منه وحده وفي ذلك وعد ~~للمطيعين ووعيد للمجرمين فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب، وما ~~قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة ~~حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون ويسترحمون له» حديث موضوع. ### | سورة الزخرف # مكية وهي تسع وتسعون آية وثمانمائةوثلاثة وثلاثون كلمة وثلاثة آلاف ~~وأربعمائة حرف # {بسم الله} أي: الذي له مقاليد الأمور كلها فهو يعطي من يشاء وإن طال ~~سؤله {الرحمن} الذي نال بره جميع خلقه على حسب منازلهم عنده {الرحيم} الذي ~~يقرب إليه من يشاء زلفى وإن وصل في البعد إلى الحد الأقصى وقد تقدم الكلام ~~على قوله تعالى: # {حم} والواو في قوله تعالى: # {والكتاب} أي: القرآن {المبين} أي: مظهر طريق الهدى وما يحتاج إليه من ~~الشريعة عاطفة إن جعلت حم قسما وإلا كانت للقسم وقوله تعالى: # {إنا جعلناه} أي: أوجدنا هذا الكتاب {قرآنا عربيا} أي: بلغة العرب جواب ~~القسم وهذا عندهم من البلاغة وهو كون القسم والمقسم عليه من واد واحد كقول ~~أبي تمام: # وثناياك إنها إغريض أي: طلع وبرد، وقيل: كل أبيض طري ولآل توم وبرق وميض ~~والتوم جمع تومة وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة، والوميض مصدر ومض أي: لمع ~~لمعا خفيفا. # تنبيه: احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه؛ الأول: أنها تدل ~~على أن القرآن مجعول والمجعول هو المصنوع المخلوق، الثاني: أنه وصفه بكونه ~~قرآنا وهو إنما سمي قرآنا لأنه جعل بعضه مقرونا بالبعض وما كان كذلك كان ~~مصنوعا، الثالث: # PageV03P552 # وصفه بكونه عربيا وإنما يكون عربيا لأن العرب اختصت بوضع ألفاظه في ~~اصطلاحهم وذلك يدل على أنه مجعول والتقدير حم ورب الكتاب المبين، ويؤيد هذا ms3116 ~~قوله صلى الله عليه وسلم يا رب طه ويس ويا رب القرآن العظيم. وأجاب الرازي ~~عن ذلك: بأن هذا الذي ذكرتموه حق لأنكم استدللتم بهذه الوجوه على كون ~~الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبة محدثة وذلك معلوم بالضرورة ومن الذي ~~ينازعكم فيه {لعلكم} أي: يا أهل مكة {تعقلون} أي: لتكونوا على رجاء عند من ~~يصح منه الرجاء من أن تفهموا معانيه وأحكامه وبديع وصفه ومعجز وضعه ونظامه ~~فترجعوا عن كل ما أنتم عليه من المغالبة ولا بد أن يقع هذا التعقل فإن ~~القادر إذا عبر بأداة الترجي حقق ما يقع ترجيه ليكون بين كلامه وكلام ~~العاجز فرق وقوله تعالى: # {وإنه} أي: القرآن عطف على إنا أي: مثبت {في أم الكتاب} أي: أصل الكتب ~~وهو اللوح المحفوظ، وقال قتادة: أم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء أصله، ~~وقال ابن عباس: أول ما خلق الله تعالى القلم فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق ~~فالكتاب مثبت عنده في اللوح المحفوظ كما قال تعالى: {بل هو قرآن مجيد في ~~لوح محفوظ} (البروج: 22) ، فإن قيل: ما الحكمة في خلق هذا اللوح المحفوظ مع ~~أنه تعالى علام الغيوب يستحيل عليه السهو والنسيان؟. # أجيب: بأنه تعالى لما أثبت في ذلك أحكام حوادث المخلوقات ثم إن الملائكة ~~إذا شاهدوا أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب استدلوا بذلك ~~على كمال حكمته وعلمه، وقيل: المراد بأم الكتاب الآيات المحكمة لقوله ~~تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} (آل ~~عمران: 7) # والمعنى: أن سورة حم واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل والأم، وقرأ ~~حمزة والكسائي في الوصل بكسر الهمزة والباقون بضمها واتفقوا في الابتداء ~~بالهمزة على الضم وقوله تعالى: {لدينا} أي: عندنا بدل من الجار قبله {لعلي} ~~أي: رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزا من بينها {حكيم} أي: ذو حكمة بالغة أو ~~محكم في أبواب البلاغة والفصاحة. # {أفنضرب} أي: أنهملكم فنضرب أي: ننجي مجاوزين {عنكم الذكر} أي: القرآن ~~وفي نصب قوله تعالى: {صفحا} أوجه؛ ms3117 أحدها: أنه مصدر من معنى نضرب لأنه يقال ~~ضرب عن كذا وأضرب عنه بمعنى أعرض عنه وصرف وجهه عنه قال طرفة: # *اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس* # واضرب بفتح الباء أصله اضربن بنون التوكيد الخفيفة فحذفت النون وحركت ~~الباء بالفتح، والطارق ما يطرق بالليل والقونس: منبت شعر الناصية وهو عظم ~~نابت بين أذني الفرس، ثانيها: أنه منصوب على الحال أي: صافحين ثالثها أن ~~يكون مفعولا من أجله وقيل غير ذلك {أن} أي: أنفعل ذلك لأن {كنتم قوما ~~مسرفين} أي: مشركين لا نفعل ذلك وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض، ~~وقرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق ~~ومخرج المشكوك استجهالا لهم وما قبلها دليل الجزاء، وقرأ الباقون بفتحها ~~وذكر تعالى تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسية وتعزية وتسلية قوله ~~سبحانه وتعالى: # PageV03P553 # {وكم أرسلنا} أي: على ما لنا من العظمة {من نبي في الأولين} أي: في الأمم ~~الماضية ثم حكى حالهم الماضية بقوله تعالى: # {وما} أي: والحال أنه ما {يأتيهم} وأغرق في النفي بقوله تعالى: {من نبي} ~~أي: في أمة بعد أمة أو زمان بعد زمان {إلا كانوا} أي: خلقا وطبعا {به ~~يستهزؤون} كما استهزأ قومك بك فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب تكذيبهم ~~واستهزائهم لأن المصيبة إذا عمت خفت. # تنبيه: كم خبرية مفعول مقدم ومن نبي تمييز وفي الأولين متعلق بالإرسال أو ~~بمحذوف على أنه صفة لنبي. # {فأهلكنا} أي: فتسبب عن الاستهزاء بالرسل أنا أهلكنا {أشد منهم} أي: من ~~قريش الذين يستهزؤون بك {بطشا} أي: قوة وكان الأصل الإضمار ولكنه أظهر ~~الضمير صارفا أسلوب الخطاب إلى الغيبة إقبالا على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~تسلية له وإبلاغا في وعيدهم {ومضى} أي: سبق في آيات الله {مثل} أي: صفة ~~{الأولين} في الإهلاك وفي لك وعد للرسول صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم مثل ~~ما جرى على الأولين واللام في قوله تعالى: # {ولئن} لام قسم {سألتهم} أي: سألت قومك {من خلق السموات} على ms3118 علوها ~~وسعتها {والأرض} على كثرة عجائبها وعظمها وقوله تعالى: {ليقولن} حذف منه ~~نون الرفع لتوالي النونات وواو الضمير لالتقاء الساكنين {خلقهن} الذي هو ~~موصوف بأنه {العزيز} أي: الذي لا يغالب {العليم} بما كان وما يكون. # تنبيه: هذا الجواب مطابق للسؤال من حيث المعنى إذ لو جاء على اللفظ لجيء ~~فيه بجملة ابتدائية كالسؤال فكان الجواب هنا الله كما غيره من الآيات، لكنه ~~عدل عنه إلى المطابقة المعنوية مكررا للفعل تأكيدا لإغراقهم زيادة في ~~توبيخهم وتنبيها على عظم غلطهم. # ولما تم الإخبار عنهم ابتدأ الأدلة على نفسه بذكر مصنوعاته فقال تعالى: # {الذي جعل لكم} ولو كان ذلك قولهم لقالوا لنا: {الأرض مهادا} أي: فراشا ~~قارة ثابتة كالمهد للصبي ولو شاء لجعلها مزلة لا ينبت فيها شيء كما ترون من ~~بعض الجبال، فالانتفاع بها إنما حصل لكونها واقفة ساكنة فإنها لو كانت ~~متحركة ما أمكن الانتفاع بها في الزراعة والأبنية وستر عيوب الأحياء ~~والأموات، ولأن المهد موضع راحة الصبي فكانت الأرض مهادا لكثرة ما فيها من ~~الراحات، وقرأ الكوفيون بفتح الميم وسكون الهاء والباقون بكسر الميم وفتح ~~الهاء وألف بعد الهاء {وجعل لكم فيها سبلا} أي: طرقا تسلكونها وذلك أن ~~انتفاع الناس إنما يكمل إذا سعوا في أقطار الأرض فهيأ تعالى تلك السبل ووضع ~~عليها علامات ليحصل الانتفاع ولو شاء لجعلها بحيث لا يسكن في مكان منها كما ~~جعل بعض الجبال كذلك ثم ذكر الغاية في ذلك فقال تعالى: {لعلكم تهتدون} أي: ~~لكي تهتدوا إلى مقاصدكم في الأسفار وغيرها فتتوصلون بها إلى الأقطار ~~الشاسعة والأقاليم الواسعة أو لتهتدوا إلى الحق في الدين. # {والذي نزل} أي: بحسب التدريج ولولا قدرته تعالى الباهرة لكان دفعة واحدة ~~أو قريبا منها {من السماء} أي: المحل العالي {ماء} أي: لزرعكم وثماركم ~~وشرابكم بأنفسكم وأنعامكم {بقدر} أي: بقدر حاجتكم إليه من غير زيادة ولا ~~نقصان لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم {فأنشرنا} أي: أحيينا ~~{به} أي: الماء {بلدة} أي: مكانا يجتمع فيه للإقامة يعتنون ms3119 بإحيائه # PageV03P554 # يتعاونون على دوام إبقائه {ميتا} أي: كان قد يبس نباته وعجز أهله عن ~~إيصال الماء إليه ليحيا به، قال البقاعي: ولعله أنث البلد وذكر الميت إشارة ~~إلى أن بلوغها في الضعف والموت بلغ الغاية بضعف أرضه في نفسها وضعف أهله عن ~~إحيائه. # {كذلك} أي: مثل هذا الإخراج العظيم الذي شاهدتموه في النبات {تخرجون} من ~~قبوركم أحياء، والمعنى: أن هذا الدليل كما دل على قدرة الله تعالى وحكمته ~~فكذلك يدل على قدرته على البعث والقيامة، ووجه التشبيه: أنه جعلهم أحياء ~~بعد الإماتة كهذه الأرض التي انتشرت بعدما كانت ميتة، وقيل: بل وجه التشبيه ~~أن يعيدهم ويخرجهم من الأرض بماء كالمني كما تنبت الأرض بماء المطر قال ابن ~~عادل: وهذا ضعيف لأن ظاهر لفظ الإشارة الإعادة فقط دون هذه الزيادة. ثم شرع ~~تعالى في إكمال ما تقتضيه الحال من الأوصاف فقال عز من قائل: # {والذي خلق الأزواج} أي: الأصناف المتشاكلة التي لا يكمل شيء منها غاية ~~الكمال إلا بالآخر على ما دبره سبحانه في نظم هذا الوجود {كلها} من النبات ~~والحيوان وغير ذلك من سائر الأكوان لم يشاركه في شيء منها أحد وقال ابن ~~عباس رضي الله عنه: الأزواج الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض ~~والأسود والذكر والأنثى، وقال بعض المحققين: كل ما سوى الله تعالى فهو زوج ~~كالفوق والتحت واليمين واليسار والقدام والخلف والماضي والمستقبل والذوات ~~والصفات والصيف والشتاء والربيع والخريف، وكونها أزواجا يدل على أنها ممكنة ~~الوجود في ذواتها محدثة مسبوقة بالعدم، فأما الحق تعالى: فهو الفرد المنزه ~~عن الضد والند والمقابل والمعاضد، فلهذا قال تعالى: {والذي خلق الأزواج ~~كلها} فهو مخلوق فدل هذا على أن خالقها فرد مطلق منزه عن الزوجية، قال ~~الرازي: وأيضا علماء الحساب يثبتون أن الفرد أفضل من الزوج من وجود الأول ~~أن الاثنين لا توجد إلا عند حصول وحدتين، فالزوج محتاج إلى الفرد والفرد هو ~~الوحدة وهي غنية عن الزوج والغني أفضل من المحتاج، الثاني: أن الزوج يقبل ~~القسمة بقسمين متساويين والفرد لا يقبل القسمة ms3120 وقبول القسمة انفعال وتأثر ~~وعدم قبولها قوة وشدة فكان الفرد أفضل من الزوج، ثم ذكر وجوها أخر تدل على ~~أن الفرد أفضل من الزوج وإذا كان كذلك ثبت أن الأزواج ممكنات ومخلوقات وأن ~~الفرد هو القائم بذاته المستقل بنفسه الغني عما سواه {وجعل لكم من الفلك} ~~أي: السفن العظام في البحر {والأنعام} كالإبل في البر {ما تركبون} وحذف ~~العائد لفهم المعنى تغليبا للمتعدي بنفسه في الأنعام على المتعدي بواسطة في ~~الفلك، والعائد مجرور في الأول أي: فيه منصوب في الثاني وذكر الضمير وجمع ~~الظهور في قوله تعالى: # {لتستووا على ظهوره} نظرا للفظ ما ومعناها: ولما أتم النعمة بخلق ما تدعو ~~إليه الحاجة وجعله على وجه دال على ما له من الصفات، ذكر ما ينبغي أن تكون ~~من غايتها على ما هو المتعارف بينهم من شكر المنعم، فقال دالا على عظم قدر ~~النعمة وبعد غايتها وعلو أمر الذكر بحرف التراخي {ثم تذوكرا} أي: بقلوبكم ~~وصرف القول إلى وجه التربية حثا على تذكر إحسانه للانتهاء عن كفرانه ~~والإقبال على شكرانه فقال تعالى: {نعمة ربكم} أي: الذي أحسن إليكم بنعمة ~~تسخيرها # PageV03P555 # لكم وما تعرفونه من غيرها {إذا استويتم عليه} أي: على ما تركبونه وذلك ~~الذكر هو أن يعرف أن الله تعالى خلق البحر وخلق الرياح وخلق جرم السفينة ~~على وجه يمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي: جانب شاء، فإذا تذكر أن ~~خلق البحر وخلق الرياح وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصرف الإنسان ~~ولتحريكاته إنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير عرف أن ذلك نعمة من الله ~~تعالى، فيحمله ذلك على الإنقياد لطاعة الله تعالى وعلى الإشتغال بالشكر ~~لنعم الله تعالى التي لا نهاية لها. # ولما كان تذكر النعمة يبعث الجنان واللسان والأركان على الشكر لمن أسداها ~~قال عز من قائل: {وتقولوا} أي: بألسنتكم جمعا بين القلب واللسان {سبحان ~~الذي سخر} أي: بعلمه الكامل وقدرته التامة {لنا هذا} أي: الذي ركبناه سفينة ~~كانت أو دابة {وما} أي: والحال أنا ما {كنا ms3121 له مقرنين} أي: مطيقين والمقرن ~~المطيق للشيء الضابط له من أقرنه أي: أطاقه قال الواحدي: كان اشتقاقه من ~~قولك صرت له قرنا ومعنى قرن فلان أي: مثله في الشدة، وقيل: ضابطين وقال أبو ~~عبيدة: قرن لفلان أي: ضابط له والقرن الحبل، ومعنى الآية: ليس عندنا من ~~القوة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك وأن نطيقهما فسبحان من سخر لنا ~~هذا بقدرته وحكمته. # روى الزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وضع رجله في ~~الركاب قال: «بسم الله، فإذا استوى على الدابة قال: الحمد لله على كل حال ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون» . وروى ~~أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح عن علي رضي الله عنه: أنه وضع رجله ~~في الركاب وقال: «فقال بسم الله فلما استوى على الدابة، قال: الحمد لله ~~سبحان الذي سخر لنا هذه الآية، ثم حمد ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال: لا إله إلا ~~الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقيل: مم تضحك ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ما فعلت ~~فقلنا: ما يضحكك يا رسول الله قال: إن ربك يعجب من عبده إذا قال العبد لا ~~إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ويقول: علم ~~عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» . # وروى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أردفه على دابة فلما استقر عليها كبر ثلاثا وحمد الله تعالى ثلاثا وسبح ~~الله ثلاثا وهلل الله تعالى واحدة وضحك، ثم أقبل عليه فقال: ما من امرئ ~~مسلم ركب دابة فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله عليه يضحك إليه كما ضحكت إليك» ~~. # ولما كان راكب الفلك في خطر الهلاك وراكب الدابة كذلك أيضا لأن الدابة قد ~~يحصل لها ما يوجب هلاك الراكب وكذا السفينة قد تنكسر فوجب على الراكب أن ms3122 ~~يذكر أمر الموت ويقول: # {وإنا إلى ربنا} المحسن إلينا بالأقدار على هذه التنقلات على هذه المراكب ~~لا إلى غيره {لمنقلبون} أي: لصائرون بالموت وما بعده إلى الدار الآخرة ~~انقلابا لا إياب معه إلى هذه الدار، فالآية منبهة بالسير الدنيوي على السير ~~الأخروي وأكد لأجل إنكارهم البعث. # ولما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} بين ~~أنهم مع إقرارهم بذلك جعلوا له من عباده جزءا كما قال تعالى: # {وجعلوا له من عباده} الذين أبدعهم كما أبدع غيرهم # PageV03P556 # {جزأ} أي: ولدا هو لحصرهم في الأنثى أحد قسمي الأولاد، وكل ولد فهو جزء ~~من والده قال صلى الله عليه وسلم «فاطمة بضعة مني» ، ومن كان له جزء كان ~~محتاجا فلم يكن إلها وذلك لقولهم: الملائكة بنات الله فثبت بذلك طيش عقولهم ~~وسخافة آرائهم، وقرأ شعبة: بضم الزاي والباقون بسكونها وهما لغتان وإذا وقف ~~حمزة نقل حركة الهمزة إلى الزاي. # ولما كان هذا في غاية الغلط من الكفر قال مؤكدا لإنكارهم أن يكون كفرا ~~{إن الإنسان} أي: هذا النوع الذي هو بعضه {لكفور مبين} أي: بين الكفر في ~~نفسه مناد عليها بالكفر وقوله تعالى: # {أم اتخذ} أي: أعالج هو نفسه فأخذ هو بعد المعالجة وهو خالق الخلق كلهم ~~{مما يخلق} أي: يجدد إبداعه في كل وقت {بنات} استفهام توبيخ وإنكار أي: فلم ~~يقدر بعد التكلف والتعب على غير البنات التي هي أبغض الجزأين إليكم ثم عطف ~~على قوله تعالى اتخذ ليكون منفيا على أبلغ وجه لكونه في حيز الإنكار ~~{وأصفاكم} وهو السيد الكامل وأنتم عبيده أي: خصكم {بالبنين} اللازم من ~~قولكم السابق ثم بين كون البنات أبغض إليهم بقوله تعالى: # {وإذا} أي: جعلوا ذلك والحال أنه إذا {بشر} أي: من أي: مبشر كان {أحدهم} ~~أي: أحد هؤلاء البعداء البغضاء {بما ضرب} أي: جعل {للرحمن} الذي لا نعمة ~~على شيء من الخالق ألا وهي منه {مثلا} أي: شبها بنسبة البنات إليه لأن ~~الولد يشبه الوالد، والمعنى إذا أخبر أحدهم بالبنت تولد له ms3123 {ظل} أي: صار ~~{وجهه مسودا} أي: شديد السواد لما يعتريه من الكآبة {وهو كظيم} أي: ممتلئ ~~غما فكيف تنسب البنات إليه تعالى، هذا ما لا يرضى عاقل أن يمر بفكره فضلا ~~عن أن يتفوه به وقوله تعالى: # {أومن ينشأ} أي: على ما جرت به عوائدكم {في الحلية} يجوز في من وجهان؛ ~~أحدهما: أن تكون في محل نصب مفعولا بفعل مقدر أي: أو تجعلون من ينشأ في ~~الحلية، والثاني: أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره أو من ينشأ جزء أولد أو ~~جعلوه له جزأ، والمعنى: أن التي تتزين في الحلية تكون ناقصة الذات لأنه ~~لولا نقصانها في ذاتها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية، وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين أي: يربي، والباقون بفتح ~~الياء وسكون النون وتخفيف الشين، وإذا وقف همزة وهشام أبدلا الهمزة ألفا ~~ولهما أيضا تسهيلها والروم والإشمام، ثم بين نقصان حالها بطريق آخر بقوله ~~تعالى: {وهو} أي: والحال أنه وقدم في إفادة الاهتمام قوله تعالى: {في ~~الخصام} أي: المجادلة إذا احتج إليها فيها {غير مبين} أي: مظهر حجته لضعفه ~~عنها بالأنوثة، قال قتادة: في هذه الآية قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم ~~بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها، ثم بين تعالى جرأتهم على ما لا ينبغي لعاقل ~~أن يتفوه بقوله تعالى: # {وجعلوا الملائكة الذين هم} متصفون بأشرف الأوصاف وهو أنهم {عباد الرحمن} ~~أي: العام النعمة الذين ما عصوه طرفة عين {إناثا} وذلك أدنى الأوصاف خلقا ~~وخلقا ذاتا وصفة فهذا كفر ثالث كالكافرين قبله، وقرأ نافع وابن كثير وابن ~~عامر: بكسر العين وبعدها نون ساكنة ونصب الدال، والباقون بعد العين بباء ~~موحدة مفتوحة وبعدها ألف ورفع الدال ثم قال تعالى تهكما بهؤلاء القائلين ~~ذلك وتوبيخا لهم # PageV03P557 # وإنكارا عليهم {أشهدوا} أي: أحضروا {خلقهم} أي: خلقي إياهم فشاهدوهم ~~إناثا فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة، وقرأ نافع بهمزتين الأولى مفتوحة ~~والثانية مضمومة مسهلة كالواو وسكون الشين، وأدخل قالون بينهما ألفا ولم ~~يدخل ورش والباقون بهمزة واحدة مفتوحة وفتح الشين. ms3124 # {ستكتب} بكتابة من وكلناهم بهم من الحفظة الذين لا يعصوننا فنحن نقدرهم ~~على جميع ما نأمرهم به {شهادتهم} أي: قولهم فيهم أنهم إناث الذي لا ينبغي ~~أن يكون إلا بعد تمام المشاهدة فهو قول ركيك سخيف ضعيف كما أشار إليه ~~التأنيث {ويسألون} عنها عند الرجوع إلينا، قال الكلبي ومقاتل: «لما قالوا ~~هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما يدريكم أنهم إناث؟ ~~قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال تعالى {ستكتب ~~شهادتهم ويسألون} عنها في الآخرة هذا يدل على أن القول بغير دليل منكر وأن ~~التقليد حرام يوجب الذم العظيم قال المحققون: هؤلاء الكفار كفروا في هذا ~~القول من ثلاثة أوجه؛ أولها: إثبات الولد ثانيها: أن ذلك الولد بنت ثالثها: ~~الحكم على الملائكة بالأنوثة. # تنبيه: قال البقاعي: يجوز أن يكون في السين استعطاف التوبة قبل كتابة ما ~~قالوا ولا علم لهم به فإنه قد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب ~~الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا وإذا ~~عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح الله أو ~~يستغفر» . ثم نبه سبحانه على أنهم عبدوهم مع ادعاء الأنوثة فيهم فقال تعالى ~~معجبا منهم في ذلك وفي جعل قولهم حجة دالة على صحة مذهبهم وهو من أوهى ~~الشبه: # {وقالوا} أي: بعد عبادتهم لهم ونهيهم عن عبادة غير الله تعالى {لو شاء ~~الرحمن} أي: الذي له عموم الرحمة {ما عبدناهم} أي: الملائكة فعبادتنا إياهم ~~بمشيئته فهو راض بها ولولا أنه راض بها لعجل لنا العقوبة، فاستدلوا بنفي ~~مشيئة عدم العبادة على الرضا بها وذلك باطل لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات ~~على بعض، مأمورا كان أو منهيا حسنا كان أو غيره ولذلك جهلهم فقال تعالى: ~~{ما لهم بذلك} أي: المقول من الرضا بعبادتها {من علم إن} أي: {هم إلا ~~يخرصون} أي: يكذبون في هذه ms3125 النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضا الله ~~تعالى بكفرهم فيترتب عليهم العقاب. # ولما بين تعالى بطلان قولهم بالعقل أتبعه بطلان قولهم بالنقل فقال تعالى: # {أم آتيناهم} أي: على ما لنا من العظمة {كتابا} أي: جامعا لما يريدون ~~اعتقاده من أقوالهم هذه {من قبله} أي: القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلنا ~~الملائكة إناثا وأنا لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به {فهم به} أي: ~~فتسبب عن هذا الإتيان أنهم به وحده {مستمسكون} أي: موجدون الاستمساك به ~~فيأخذون بما فيه، لم يقع ذلك. # ولما بين تعالى أنه لا دليل على صحة قولهم البتة لا من العقل ولا من ~~النقل، بين أنه لا حامل لهم يحملهم عليه إلا التقليد بقوله تعالى: # {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا} أي: وهم أرجح منا عقولا وأصح منا إفهاما ~~{على أمة} أي: طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم ثم أكدوا قطعا الرجاء ~~المخالف عن لفتهم عن ذلك فقالوا {وإنا على آثارهم} أي: خاصة لا غيرها ~~{مهتدون} أي: متبعون فلم نأت بشيء من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع # PageV03P558 # واقتفاء الآثار فلا اعتراض علينا بوجه هذا قولهم في الدين بل في أصوله ~~التي من ضل في شيء منها هلك ولو ظهر لأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي ~~الذي به يحصل الدينار والدرهم ما اقتدى به أصلا وخالفه أي مخالفة ما هذا ~~إلا قصور نظر ومحض عناد ثم أخبر تعالى أن غيرهم قال هذه المقالة بقوله ~~سبحانه: # {وكذلك} أي: ومثل هذه المقالة المتناهية في البشاعة فعلت الأمم الماضية ~~مع إخوانك الأنبياء عليهم السلام ثم فسر ذلك بقوله تعالى: {ما أرسلنا} أي: ~~مع ما لنا من العظمة {من قبلك} أي: في الأزمنة السالفة {في قرية} وأغرق في ~~النفي بقوله تعالى: {من نذير} وبين به أن موضع الكراهة والخلاف الإنذار على ~~مخالفة الأهواء {إلا قال مترفوها} أي: أهل الترفه بالضم وهي النعمة والطعام ~~الطيب والشيء الظريف يكون خاصا بالمترف وذلك موجب لقلة الهم وللراحة ~~والبطالة {إنا وجدنا آباءنا} ms3126 أي: وهم أعرف منا بالأمور {على أمة} أي: أمر ~~جامع يستحق أن يقصد ويؤم ثم أكدوا كما أكد هؤلاء فقالوا: {وإنا على آثارهم} ~~أي: لا على غيرها {مقتدون} أي: راكبون سنن طريقتهم لازمون لها ففي هذا ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: يا أفضل الخلق لهؤلاء البعداء البغضاء {أولو} أي: أتبغون ذلك ~~ولو {جئتم بأهدى} أي: بأمر أعظم في الهداية وأوضح في الدلالة {مما وجدتم} ~~أي: أيها المقتدون بالآباء {عليه آباءكم} أي: كما تضمن قولكم أنكم تقتفون ~~في اتباعكم بالآثار في أعظم الأشياء وهو الدين الذي الخسارة فيه خسارة ~~للنفس وأنتم تخالفونهم في أمر نفس الدنيا إذا وجدتم طريقا أهدى في التصرف ~~فيها من طريقتهم ولو أمرا يسيرا، ويفتخر أحدكم بأنه أدرك من ذلك ما لم يدرك ~~أبوه فحصل من المال أكثر مما حصل فيا له من نظر ما أقصره ومتجر ما أخسره، ~~وقرأ ابن عامر وحفص: قال بصيغة الماضي أي: قال المنذر أو الرسول وهو النبي ~~صلى الله عليه وسلم والباقون: قل بصيغة الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~أجابوه بأن {قالوا} مؤكدين ردا لما قطع به كل عاقل سمع هذا الكلام من أنهم ~~يبادرون النظر في الدليل والرجوع إلى سواء السبيل {إنا بما أرسلتم به} أي: ~~أنت ومن قبلك {كافرون} أي: ساترون لما ظهر من ذلك جهدنا حتى لا يظهر لأحد ~~ولا يتبعكم فيه مخلوق وإن كان أهدى مما كان عليه آباؤنا فعند هذا لم يبق ~~لهم عذر فلهذا قال تعالى: # {فانتقمنا} أي: بما لنا من العظمة التي استحقوا بها {منهم} فأهلكناهم ~~بعذاب الاستئصال ثم عظم أمر النقمة بالأمر بالنظر فيها في قوله: {فانظر} يا ~~أفضل الرسل {كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر {المكذبين} لرسلنا فإنهم أهلكوا ~~أجمعون ونجا المؤمنون أجمعون فليحذر من رد رسالتك من مثل ذلك، وهذا تهديد ~~عظيم لكفار قريش. ثم بين تعالى وجها آخر يدل على فساد التقليد بقوله تعالى: # {وإذ} أي: واذكر يا أفضل الخلق إذ {قال إبراهيم} أي: ms3127 الذي هو أعظم آبائهم ~~ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب وغيرهم ~~{لأبيه} من غير أن يقلده كما قلدتم أنتم آباءكم {وقومه} الذين كانوا هم ~~القوم في الحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض {إنني براء} أي: بريء {مما ~~تعبدون} أي: في الحال والاستقبال. # {إلا الذي فطرني} # PageV03P559 # أي: خلقني {فإنه سيهدين} أي: يرشدني لدينه ويوفقني لطاعته. # تنبيه: في هذا الاستثناء أوجه؛ أحدها: أنه استثناء منقطع لأنهم كانوا ~~عبدة أصنام فقط، ثانيها: أنه متصل لأنه روي أنهم كانوا يشركون مع الباري ~~غيره، ثالثها: أن تكون إلا صفة بمعنى غير على أن تكون ما نكرة موصوفة قاله ~~الزمخشري. قال أبو حيان: وإنما أخرجها في هذا الوجه عن كونها موصولة لأنه ~~يرى أن إلا بمعنى غير لا يوصف بها إلا النكرة وفيها خلاف، وعلى هذا يجوز أن ~~تكون ما موصولة وإلا بمعنى غير صفة لها. # {وجعلها} أي: إبراهيم {كملة} أي: التوحيد المفهومة من قوله إنني إلى ~~سيهدين {باقية في عقبه} أي: ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله تعالى لأنه ~~عليه السلام مجاب الدعوة وقال: {ومن ذريتي} (إبراهيم: 40) # {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم} (البقرة: 129) # {لعلهم} أي: أهل مكة {يرجعون} عما هم عليه إلى دين أبيهم فإنهم إذا ذكروا ~~أن أباهم الأعظم الذي بنى لهم البيت وأورثهم الفخر قال ذلك تابعوه قال الله ~~تعالى: # {بل متعت هؤلاء} أي: الذين بحضرتك من المشكرين وأعداء الدين {وآياتهم} ~~أي: مددت لهم في الأعمار مع إسباغ النعم وسلامة الأبدان من البلايا والنقم ~~ولم أعاجلهم بالعقوبة فأبطرتهم نعمتي، وتمادى بهم ركوب ذلك الباطل {حتى ~~جاءهم الحق} أي: القرآن {ورسول مبين} أي: مظهر لهم الأحكام الشرعية وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم # {ولما جاءهم الحق} أي: الكامل في حقيقته بمطابقة الواقع إياها من غير ~~إلباس ولا اشتباه وهو القرآن العظيم {قالوا} مكابرة وعنادا وحسدا من غير ~~وقفة ولا تأمل {هذا} مشيرين إلى الحق الذي يطابقه الواقع فلا شيء أثبت منه ms3128 ~~وهو القرآن الكريم {سحر} أي: خيال لا حقيقة له {وإنا به كافرون} أي: عريقون ~~في ستره بخصوصه حتى لا يعرفه أحد ولا يكون له تابع. ثم ذكر تعالى نوعا آخر ~~من كفرهم بقوله تعالى: # {وقالوا لولا} أي: هلا {نزل} يعني من المنزل الذي ذكره محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعينوا مرادهم ونفوا اللبس فقالوا: {هذا القرآن} أي: الذي جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم وادعى أنه جامع لكل خير {على رجل من القريتين} أي: ~~مكة والطائف {عظيم} لأنهم قالوا: منصب الرسالة منصب شريف لا يليق إلا برجل ~~شريف وصدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة، وهي: أن الرجل الشريف ~~عندهم هو الذي يكون كثير المال والجاه، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس كذلك ~~فلا تليق رسالة الله تعالى به، وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه كثير ~~المال يعنون الوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود بالطائف، قال قتادة، ~~وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة وعبد يا ليل الثقفي من الطائف، وعن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: هو الوليد بن المغيرة من مكة ومن الطائف حبيب ~~بن عمرو بن عمير الثقفي. # تنبيه: قوله تعالى: {من القريتين} فيه حذف مضاف قدره بعضهم من رجلي ~~القريتين، وقيل: من إحدى القريتين، وقيل: المراد عروة بن مسعود الثقفي كان ~~بالطائف وكان يتردد بين القريتين فنسب إلى كليهما، ثم رد الله تعالى عليهم ~~إعراضهم منكرا عليهم موبخا لهم بما معناه أنه ليس الأمر مردودا ولا موقوفا ~~عليهم بل إلى الله تعالى وحده والله أعلم حيث يجعل رسالاته بقوله تعالى: # {أهم} أي: أهؤلاء الجهلة # PageV03P560 # العجزة {يقسمون} أي: على التجدد والاستمرار {رحمت ربك} أي: إكرام المحسن ~~إليك وإنعامه وتشريفه أنواع اللطف والبر وإعظامه بما رباك له من تخصيصك ~~بالإرسال إليهم لإنقاذهم من الضلال وجعلك وأنت أفضل العالمين الرسول إليهم، ~~ففضلوا بفضيلتك مع أنك أشرفهم نسبا وأفضلهم حسبا وأعظمهم عقلا وأصفاهم لبا ~~وأرحمهم قلبا، ليتصرفوا في تلك الرحمة التي هي روح الوجود وسر ms3129 الأمر لا يحب ~~شهواتهم ولا يقدرون على التصرف في المتاع الزائل بمثل ذلك كما قال تعالى: ~~{نحن قسمنا} بما لنا من العظمة {بينهم} أي: في الأمر الزائل الذي يعمهم ~~ويجب تخصيص كل منهم لما لديه {معيشتهم} أي: التي يعدونها رحمة ويقصرون ~~عليهم النعمة {في الحياة الدنيا} التي هي أدنى الأشياء عندنا وأشار ~~بتأنيثها إلى أنها حياة ناقصة لا يرضاها عاقل، وأما الآخرة فعبر بالحيوان ~~لأنا لو تركنا قسمها إليهم لتفانوا على ذلك فلم يبق منهم أحد، فكيف يدخل في ~~الوهم أن نجعل إليهم شيئا من الكلام في أمر النبوة التي هي روح الوجود وبها ~~سعادة الدارين {ورفعنا} أي: بما لنا من نفوذ الأمر {بعضهم} وإن كان ضعيف ~~البدن قليل العقل {فوق بعض} وإن كان قويا غزير العقل {درجات} في الجاه ~~والمال ونفوذ الأمر وعظم القدر لينتظم حال الوجود، فإنه لابد في انتظامه من ~~تشارك الموجودين وتعاونهم ففاوتنا بينهم في الجثث والقوى والهمم، ليقتسموا ~~الصنائع والمعارف ويكون كل ميسرا لما خلق له وجانحا لما هيىء لتعاطيه فلم ~~يقدر أحد من دني أو غني أن يعدو قدره ويرتقي فوق منزلته. # ثم علل ذلك بما ثمرته عمارة الأرض بقوله تعالى: {ليتخذ} أي: بغاية جهده ~~{بعضهم بعضا سخريا} أي: ليستخدم بعضهم بعضا فيسخر الأغنياء بأموالهم ~~الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض هذا بماله وهذا ~~بأعماله فيلتئم قوام العالم؛ لأن المقادير لو تساوت لتعطلت المعايش فلم ~~يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنيء، فكيف يطمعون ~~في الاعتراض في أمر النبوة أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ونكل العالي ~~إلى غيرنا، قال ابن الجوزي: فإذا كانت الأرزاق بقدر الله تعالى لا بحول ~~المحتال وهي دون النبوة فكيف تكون النبوة وهذا هو المراد بقوله تعالى: ~~صارفا القول عن مظهر العظمة إلى الوصف بالإحسان إظهار الشرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم # {ورحمت ربك} أي: المربي لك والمدبر لأمرك بإرسالك وإنارة الوجود برسالتك ~~التي هي لعظمتها جديرة بأن تضاف إليه ولا يسمي ms3130 غيرها رحمة {خير مما يجمعون} ~~من حطام الدنيا الفاني فإنه وإن تأتى فيه خير في استعماله في وجوه البر ~~بشرطه فهو بالنسبة إلى النبوة وما قاربها مما دعا إلى الإعراض عن الدنيا ~~متلاش، وقيل: المراد بالرحمة: الجنة، وجرى عليه البغوي وتبعه الجلال المحلي ~~وابن عادل، وجرى على الأول البيضاوي وتبعه البقاعي وهو الظاهر من الآية ~~الكريمة. # فائدة: اتفق القراء هنا على قراءة سخريا بضم السين ثم بين تعالى حقارة ~~الدنيا وخستها التي يفتخرون بها بقوله تعالى: # {ولولا أن يكون الناس} أي: أهل التمتع بالأموال بما فيهم من الاضطراب ~~والأنس بأنفسهم {أمة واحدة} أي: في الضلال بالكفر لاعتقادهم أن إعطاءنا # PageV03P561 # المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا وجعلها محط أنظارهم ~~وهممهم إلا من عصمه الله تعالى {لجعلنا} أي: في كل زمان وكل مكان بما لنا ~~من العظمة التي لا يقدر أحد على معارضتها لحقارة الدنيا عندنا وبغضا لها ~~{لمن يكفر} وقوله تعالى: {بالرحمن} أي: العام الرحمة دليل على حقارة الدنيا ~~من جهة إعطائها إلا بعد الممقوت، وعلى أن صفة الرحمة مقتضية لتناهي بسط ~~النعم على الكافر لولا العلة التي ذكرها الله تعالى من الرفق بالمؤمنين ~~وقوله تعالى: {لبيوتهم} بدل من لمن بدل اشتمال بإعادة العامل واللامان ~~للاختصاص {سقفا من فضة} قال البقاعي: كأنه خصها أي: الفضة لإفادتها النور، ~~وقرأ أبو عمرو وورش وحفص بضم الباء الموحدة والباقون بكسرها، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وسقفا بفتح السين وسكون القاف على إرادة الجنس، والباقون بضمها ~~جمعا وقوله تعالى: {ومعارج} جمع معرج وهو السلم أي: من فضة أيضا وسميت ~~المصاعد من الدرج معارج لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج {عليها} خاصة لتيسر ~~أمرها لهم {يظهرون} أي: يعلون ويرتقون على ظهرها إلى المعالي. # {ولبيوتهم أبوابا} أي: من فضة أيضا وقوله تعالى {وسررا} أي: من فضة جمع ~~سرير ودل على هدوء بالهم وصفاء أوقاتهم وأحوالهم بقوله تعالى: {عليها ~~يتكئون} ودل على ما هو أعظم من الفضة بقوله تعالى: # {وزخرفا} أي: ذهبا وزينة كاملة عامة. # تنبيه: ms3131 زخرفا يجوز أن يكون منصوبا بجعل أي: وجعلنا لهم زخرفا، وجوز ~~الزمخشري: أن ينتصب عطفا على محل من فضة، كأنه قيل: سقفا من فضة وذهب، فلما ~~حذف الخافض انتصب أي: بعضها كذا وبعضها كذا، وقيل: الزخرف هو الذهب لقوله ~~تعالى: {أو يكون لك بيت من زخرف} (الإسراء: 93) # فيكون المعنى ويجعل لهم مع ذلك ذهبا كثيرا، وقيل: الزخرف الزينة لقوله ~~تعالى: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت} (يونس: 24) # فيكون المعنى نعطيهم زينة عظيمة في كل باب {وإن كل ذلك} أي: البعيد من ~~الخير لكونه في الأغلب مبعدا مما يرضينا {لما متاع الحياة الدنيا} أي: التي ~~اسمها دال على دناءتها يتمتع به فيها ثم يزول، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: ~~بتشديد الميم بعد اللام بمعنى إلا حكى سيبويه: (أنشدتك الله لما فعلت) ~~بمعنى إلا، وتكون أن نافية أي: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وقرأ ~~الباقون: بالتخفيف فتكون إن هي المخففة من الثقيلة أي: وإنه كل ذلك لما ~~متاع الحياة الدنيا. # {والآخرة} أي: الجنة التي لا دار تعدلها بل لا دار في الحقيقة إلا هي ~~{عند ربك} أي: المحسن إليك بأن جعلك أفضل الخلق {للمتقين} أي: الذين هم ~~دائما واقفون عن أدنى تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم من الكفار، ~~ولهذا لما ذكر عمر رضي الله عنه كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم «ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة» وقال ~~صلى الله عليه وسلم «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها ~~الكافر قطرة ماء» . # وروى المستورد بن شداد قال: «كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أترى ~~هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا: من هوانها ألقوها قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها» أخرجه # PageV03P562 # الترمذي وقال حديث حسن. وعن أبي هريرة رضي الله ms3132 تعالى عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وعن قتادة بن ~~النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله عبده حماه من ~~الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء» . # قال البقاعي: ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة من زخرفة ~~الأبنية وتذهيب السقوف وغيرها من مبادي الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة في ~~الكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول: الله، أوفي زمن الدجال ~~لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث أنه لا عداد لهم في جانب ~~الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك ~~الملوك سبحانه. # فإن قيل: لم بين تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم لصار ذلك سببا ~~لاجتماع الناس على الكفر فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير سببا لاجتماع ~~الناس على الإسلام؟ أجيب: بأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على ~~الإسلام لطلب الدنيا وهذا الإيمان إيمان المنافقين فاقتضت الحكمة أن لا ~~يجعل ذلك للمسلمين حتى أن كل من دخل في الإسلام يدخل لمتابعة الدليل ولطلب ~~رضوان الله تعالى. # {ومن يعش} أي: يعرض {عن ذكر الرحمن} أي: الذي عمت رحمته فلا رحمة على أحد ~~إلا وهي منه تعالى كما فعل هؤلاء حين متعناهم وأباءهم حتى أبطرهم ذلك وهو ~~شيء يسير جدا، فأعرضوا عن الآيات والدلائل فلم ينظروا فيها إلا نظرا ضعيفا ~~كنظر من عشا بصره وهو من ساء بصره بالليل والنهار {نقيض} أي: نسبب {له} ~~عقابا على إعراضه عن ذكر الله تعالى {شيطانا} أي: شخصا ناريا بعيدا من ~~الرحمة يكون غالبا عليه محيطا به مثل قيض البيضة وهو القشر الداخل {فهو له ~~قرين} أي: مشدود به لا يفارقه فلا يمكنه التخلص منه ما دام متعاميا عن ذكر ~~الله تعالى، فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه على عين الهدى كما أن من ~~يستبصر بذكر الرحمن يسخر له ملك ms3133 فهو له ولي يثيره إلى كل خير، فذكر الله ~~تعالى حصن حصين من الشيطان الرجيم متى خرج العبد منه أسره العدو كما ورد في ~~الحديث» . # {وأنهم} أي: القرناء {ليصدونهم} أي: العاشين {عن السبيل} أي: الطريق الذي ~~من حاد عنه هلك لأنه لا طريق له في الحقيقة سواه {ويحسبون} أي: العاشون مع ~~سيرهم في المهالك لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد المواعظ ~~{أنهم مهتدون} أي: غريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من التوسعة عليهم ~~والتضييق على الذاكرين. # تنبيه: ذكر الإنسان والشيطان بلفظ الجمع لأن قوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا} فهو له قرين يفيد: الجمع وإن كان اللفظ على الواحد، ~~قال أبو حيان: الظاهر أن ضميري النصب في وأنهم ليصدونهم: عائدان على من من ~~حيث معناها وأما لفظها أولا فأفراد في له وله ثم راعى معناها فجمع في قوله ~~تعالى: {وإنهم ليصدونهم} والضمير المرفوع على الشيطان لأن المراد به: الجنس ~~ولأن كل كافر معه قرينه، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: بفتح السين والباقون ~~بكسرها وقرأ: # {حتى إذا جاءنا} نافع وابن عامر وأبو بكر: بمد الهمزة بعد الجيم على ~~التثنية أي: جاء العاشي والشيطان، # PageV03P563 # والباقون بغير مد إفراد أي: جاء العاشي {قال} أي: العاشي تندما وتحسرا لا ~~انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل {يا ليت بيني وبينك} أي: أيها ~~القرين {بعد المشرقين} أي: ما بين المشرق والمغرب على التغليب قاله ابن ~~جرير وغيره، أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر ثم سبب عن هذا ~~التمني قوله جامعا له أنواع المذام {فبئس القرين} والمخصوص بالذم محذوف أي: ~~أنت لأنك الذي قد أضللتني وأوصلتني إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض قال ~~أبو سعيد الخدري: «إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى ~~يصيرا إلى النار» وفي فاعل قوله تعالى: # d # {ولن ينفعكم اليوم} قولان أحدهما: أنه ملفوظ به وهو أنكم وما في حيزها ~~والتقدير: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب بالتأسي كما ينفعكم الاشتراك ms3134 في ~~مصائب الدنيا فيتأسى المصاب بمثله ومنه قول الخنساء: # *ولولا كثرة الباكين حولي ... على موتاهم لقتلت نفسي* # *وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي* # والثاني: أنه مضمر فقدره بعضهم ضمير التمني المدلول عليه بقوله: {يا ليت ~~بيني} أي: لن ينفعكم تمنيكم البعد وبعضهم اجتماعكم وبعضهم ظلمكم وجحدكم، ~~وعبارة من عبر بأن الفاعل محذوف مقصوده الإضمار المذكور لا الحذف إذ الفاعل ~~لا يحذف إلا في مواضع ليس هذا منها والمعنى: ولن ينفعكم اليوم في الآخرة ~~{إذ ظلمتم} أي: أشركتم في الدنيا {أنكم في العذاب مشتركون} أي: لا ينفعكم ~~الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم لأن لكل واحد من الكفار ~~والشياطين الحظ الأوفر من العذاب كما كنتم تشتركون في الدنيا. # تنبيه: استشكل المعربون هذه الآية ووجهه أن قوله تعالى: {اليوم} ظرف حالي ~~وإذ ظرف ماضي وينفعكم مستقبل لاقترانه بلن التي لنفي المستقبل، والظاهر أنه ~~عامل في الظرفين وكيف يعمل الحدث المستقبل الذي لم يقع إلا بعد في ظرف حالي ~~وماض هذا مما لا يجوز؟ أجيب: عن أعماله في الظرف الحالي على سبيل قربه منه ~~لأن الحال قريب من الاستقبال فيجوز في ذلك قال تعالى: {فمن يستمع الآن يجد ~~له شهابا رصدا} (الجن: 9) # وقال الشاعر: # *سأسعى الآن إذ بلغت أباها ... وهو إقناعي وإلا فالمستقبل* # يستحيل وقوعه في الحال عقلا وأما قوله تعالى: {إذ} ففيها للناس أوجه ~~كثيرة قال ابن جني: راجعت أبا علي فيها مرارا كثيرة فآخر ما حصلت منه أن ~~الدنيا والآخرة متصلتان وهما سواء في حكم الله تعالى وعلمه، فإذ بدل من ~~اليوم حتى كأنها مستقبلة أو كان اليوم ماض وإلى هذا نحا الزمخشري قال: وإذ ~~بدل من اليوم، وحمل الزمخشري على معنى إذ تبين وصح ظلمكم ولم يبق لأحد ولا ~~لكم شبهة في أنكم كنتم ظالمين ونظيره: # *إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة* # أي: تبين أني ولد كريمة. # ولما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم بالصمم والعمى بقوله تعالى: # {أفأنت} أي: وحدك من غير إرادة الله تعالى ms3135 {تسمع الصم} وقد أصممناهم بما ~~صببنا في مسامع أفهامهم من رصاص الشقاء # PageV03P564 # {أوتهدي العمي} الذين أعميناهم بما غشينا به أبصار بصائرهم من أغشية ~~الخسارة روي أنه صلى الله عليه وسلم «كان يجتهد في دعاء قومه وهم لا يزيدون ~~إلا تصميما على الكفر وعنادا في الغي فنزلت» . أي: هم في النفرة عنك وعن ~~دينك بحيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالصم وإذا أريتهم المعجزات كانوا ~~كالعمي وقوله تعالى {ومن كان} أي: جبلة وطبعا {في ضلال مبين} عطف على العمي ~~باعتبار تغاير الوصفين، وفيه إشعار بأن الموجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى ~~بين في نفسه أنه ضلال وأنه محيط بالضال، يظهر لكل أحد ذلك فهو بحيث لا يخفى ~~على أحد فالمعنى: ليس شيء من ذلك إليك بل هو إلى الله تعالى القادر على كل ~~شيء وأما أنت فليس عليك إلا البلاغ فلا تتعب نفسك. # {فإما نذهبن بك} أي: من بين أظهرهم بموت أو غيره وما مزيدة مؤكدة بمنزلة ~~لام القسم في استجلاب النون المؤكدة {فإنا منهم} أي: من الذين تقدم التعريض ~~بأنهم صم عمي ضلال لم تنفعهم مشاعرهم {منتقمون} أي: بعد فراقك لأن وجودك ~~بين أظهرهم هو سبب تأخير العذاب عنهم. # {أو نرينك} وأنت بينهم {الذي وعدناهم} أي: من العذاب وعبر فيه بالوعد ~~ليدل على الخير بلفظه وعلى الشر بأسلوبه {فإنا} أي: بما لنا من العظمة التي ~~أنت أعلم الخلق بها {عليهم} أي: على عقابهم {مقتدرون} على كلا التقديرين، ~~وأكد بأن لأن أفعالهم أفعال من ينكر قدرته وكذا بالإتيان بنون العظمة وصيغة ~~الافتعال. # {فاستمسك} أي: اطلب وأوجد بجد عظيم على كل حال من أحوال الإمساك {بالذي ~~أوحى إليك} من حين نبوتك إلى الآن في الانتقام منهم وفي غيره {إنك على ~~صراط} أي: طريق واسع واضح جدا {مستقيم} أي: موصل إلى المقصود لا يصح أصلا ~~أن يلحقه شيء من عوج. # {وإنه} أي: الذي أوحى إليك في الدين والدنيا {لذكر} أي: لشرف عظيم جدا ~~وموعظة وبيان {لك ولقومك} قريش خصوصا لنزوله بلغتهم والعرب عموما ms3136 وسائر من ~~اتبعك ولو كان من غيرهم روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم «كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك لم يخبر بشيء حتى نزلت ~~هذه الآية فكان بعد ذلك إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك قال: لقريش» . وروى ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يزال هذا الأمر في قريش ما ~~بقي منهم اثنان» . وروى معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما ~~أقاموا الدين» . وقال مجاهد: القوم هم العرب فالقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم ~~ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب حتى يكون الأكثر لقريش ولبني ~~هاشم، وقيل: ذكر لك بما أعطاك من الحكمة ولقومك من المؤمنين بما هداهم الله ~~تعالى به {وسوف تسألون} أي: عن القرآن يوم القيامة وعن قيامكم بحقه وكيف ~~كنتم في العمل به والاستجابة له، وقال الكلبي: تسألون هل أديتم شكر إنعامنا ~~عليكم بهذا الذكر الجميل، وقال مقاتل: يقال لمن كذب به لم كذبت؟ فيسأل سؤال ~~توبيخ وقيل: يسألون هل عملتم بما دل عليه القرآن من التكاليف. وروى عطاء عن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى المسجد الأقصى إلى السموات العلى بعث له آدم وولده من # PageV03P565 # المرسلين عليهم السلام فأذن جبريل عليه السلام ثم أقام وقال: يا محمد ~~تقدم فصل بهم، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل عليه السلام: # {واسأل من أرسلنا} أي: على ما لنا من العظمة {من قبلك من رسلنا اجعلنا من ~~دون الرحمن} أي: غيره {آلهة يعبدون} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~أسأل قد اكتفيت ولست شاكا فيه. وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وأبي زيد: ~~قالوا جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم فلم يسأل ولم يشك. وقال ~~أكثر المفسرين: سل مؤمني أهل الكتاب الذين ms3137 أرسلت إليهم الأنبياء عليهم ~~السلام هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد وهو قول مجاهد وقتادة والسدي، ولم ~~يسأل النبي صلى الله عليه وسلم على واحد من القولين لأن المراد من الأمر ~~بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول من الله تعالى ولا كتاب ~~بعبادة غير الله تعالى. # ولما طعن كفار قريش في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبكونه فقيرا معدما ~~عديم الجاه والمال بين الله تعالى أن موسى عليه السلام بعد أن أورد ~~المعجزات القاهرة التي لا يشك في صحتها عاقل أورد عليه فرعون هذه الشبهة ~~التي ذكرها كفار قريش فقال تعالى: # {ولقد أرسلنا} أي: بما ظهر من عظمتنا {موسى} أي: الذي كان يرى فرعون أنه ~~أحق الناس بعظمته لأنه رباه وكفله {بآياتنا} التي قهر بها عظماء الخلق ~~وبجابرتهم فدل ذلك على صحة دعواه {إلى فرعون} الذي ادعى أنه الرب الأعلى ~~{وملائه} أي: القبط {فقال} أي: بسبب إرسالنا {إني رسول رب العالمين} أي: ~~مالكهم ومدبرهم ومربيهم فقالوا له: ائت بآية فأتى بها. # {فلما جاءهم بآياتنا} أي: بآيتي اليد والعصا اللتين شاهدوا فيهما عظمتنا ~~ودلهم ذلك على قدرتنا على جميع الآيات {إذا هم} أي: بأجمعهم {منها يضحكون} ~~أي: فاجؤا المجيء بها من غير توقف ولا تأمل بالضحك سخرية واستهزاء، قيل: ~~إنه لما ألقى عصاه صارت ثعبانا فلما أخذه وصار عصا كما كانت ضحكوا. # ولما أعرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا: # {وما} أي: والحال إنا ما {نريهم} على ما لنا من الجلال والعلو وأغرق في ~~النفي بإثبات الجار فقال تعالى: {من آية} أي: من آيات العذاب كالطوفان وهو ~~ماء دخل بيوتهم ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيام والجراد وغير ذلك {الا هي ~~أكبر} أي: في الرتبة {من أختها} أي: التي تقدمت عليها بالنسبة إلى علم ~~الناظرين لها {وأخذناهم} أي: أخذ قهر وغلبة {بالعذاب} أي: أنواع العذاب ~~كالدم والقمل والضفادع والبرد الكبار الذي لم يعهد مثله ملتهبا بالنار وموت ~~الإبكار فكانت آيات على صدق موسى عليه السلام بما لها ms3138 من الإعجاز، وعذابا ~~لهم في الدنيا موصولا بعذاب الآخرة فيا لها من قدرة باهرة وحكمة ظاهرة ~~{لعلهم يرجعون} أي: ليكون حالهم عندنا إذا نظرهم الجاهل بالعواقب حال من ~~يرجى رجوعه. # {و} لما عاينوا العذاب {قالوا} لموسى أي: قال فرعون بالمباشرة وأتباعه ~~بالموافقة له: {يا أيها الساحر} فنادوه بذلك في تلك الحالة لشدة شكيمتهم ~~وفرط حماقتهم، أو لأنهم كانوا يسمون العالم الماهر ساحرا {ادع لنا ربك} أي: ~~المحسن إليك بما يفعل معك من هذه الأفعال التي نهيتنا بها إكراما لك {بما} ~~أي: بسبب ما {عهد عندك} أي: من كشف العذاب عنا إن آمنا {إننا لمهتدون} أي: ~~مؤمنون. # {فلما كشفنا} أي: على ما لنا من العظمة التي ترهب الجبال # PageV03P566 # {عنهم العذاب} أي: الذي أنزلناه بهم {إذا هم ينكثون} أي: فاجؤا الكشف ~~بتجدد النكث بإخلاف بعد إخلاف. # {ونادى فرعون} أي: زيادة على نكثه {في قومه} أي: الذين هم في غاية القيام ~~معه وأمر كلا منهم أن يشيع قوله إشاعة تعم البعيد والقريب فتكون كأنها ~~مناداة إعلاما بأنه مستمر على الكفر لئلا يظن بعضهم أنه رجع فيرجعون. # ولما كان كأنه قيل: بم نادى أجاب بقوله: {قال} أي: خوفا من إيمان القبط ~~لما رأى من أن ما شاهدوه من باهر الآيات مثله يزلزل ويأخذ القلوب {يا قوم} ~~مستعطفا بإعلامهم أنهم لحمة واحدة ومستنهضا بوصفهم بأنهم ذو قوة على ما ~~يحاولنه مقررا لهم على عذره في نكثه بقوله: {أليس لي} أي: وحدي {ملك مصر} ~~أي: كله فلا اعتراض علي من بني إسرائيل ولا غيرهم {وهذه} أي: والحال أن هذه ~~{الأنهار} أي: أنهار النيل قال البيضاوي: ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر ~~طولون ونهر دمياط ونهر تنيس، وقال البقاعي: كأنه كان قد أكثر من تشقيق ~~الخلجان إلى بساتينه وقصوره ونحو ذلك من أموره فقال: {تجري من تحتي} أي: ~~تحت قصري أو أمري أو بين يدي في جناني وزاد في التقرير بقوله: {أفلا ~~تبصرون} أي: هذا الذي ذكرته لكم فتعلموا ببصائر قلوبكم أنه لا ينبغي لأحد ~~أن ينازعني، وهذا ms3139 لعمري قول من ضعفت قواه وانحلت عراه. # {أم أنا خير} أي: مع ما وصفت لكم من ضخامتي وما لي من القدرة على إجراء ~~المياه التي بها حياة كل شيء {من هذا} وكنى بإشارة القريب عن تحقيره ثم ~~وصفه بما يبين مراده بقوله: {الذي هو معين} أي: ضعيف حقير ذليل لأنه يتعاطى ~~أموره بنفسه وليس له ملك ولا قوى يجري بها نهرا ولا ينفذ بها أمرا {ولا ~~يكاد يبين} أي: لا يقرب من أن يعرب عن معنى من المعاني لما في لسانه من ~~الحبسة، فلا هو قادر في نفسه ولا له قوة بلسانه على تصريف المعاني وتنويع ~~البيان ليستجلب القلوب وينعش الألباب فتكثر أتباعه ويضخم أمره، وقد كذب في ~~جميع قوله فقد كان موسى عليه السلام أبلغ أهل زمانه قولا وفعلا بتقدير الله ~~تعالى الذي أرسله له وأمره إياه ولكن اللعين أسند هذا إلى ما بقي في لسانه ~~من الحبسة تخييلا لاتباعه لأن موسى عليه السلام ما دعا بإزالة جميع حبسته ~~بل بعقدة منها فإنه قال {واحلل عقدة من لسان يفقهوا قولي} (طه: 27 28) # تنبيه: في أم من قوله أم أنا خير أقوال؛ أحدها: أنها منقطعة فتقدر ببل ~~التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي للإنكار، والثاني: أنها بمعنى بل فقط ~~كقوله: # *بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح* # أي: بل أنت، الثالث: أنها منقطعة لفظا متصلة معنى قال أبو البقاء: أم هنا ~~منقطعة في اللفظ لوقوع الجملة بعدها في اللفظ وهي في المعنى متصلة معادلة ~~إذ المعنى: أنا خير منه أم لا وأينا خير، قال ابن عادل: وهذه عبارة غريبة ~~أن تكون منقطعة لفظا متصلة معنى وذلك أنهما معنيان مختلفان فإن الانقطاع ~~يقتضي إضرابا إما إبطالا وإما انتقالا ثم إن فرعون اللعين ظن أن القرب من ~~الملوك والغلبة على الأمور لا تكون إلا بكثرة الإعراض الدنيوية والتحلي ~~بحلي الملوك ولذا قال: # {فلولا} # PageV03P567 # أي: فهلا {ألقي عليه} عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة {أساورة} ~~وقرأ حفص ms3140 بسكون السين ولا ألف بعدها كالأحمرة، والباقون بفتح السين وألف ~~بعدها فأسورة جمع سوار كحمار وأحمرة وهو جمع قلة وأساور جمع أسوار بمعنى ~~سوار يقال: سوار المرأة وإسوارها والأصل: أساوير بالياء فعوض من حرف المد ~~تاء التأنيث كزنديق وزنادقة وبطريق وبطارقة، وقيل: بل هي جمع أسورة فهي جمع ~~الجمع قاله الزجاج، والسوار ما يوضع في المعصم من الحلية {من ذهب} ليكون ~~ذلك إمارة له على صحة دعواه كما نفعل نحن عند إنعامنا على أحد من عبيدنا ~~بالإرسال إلى ناحية من النواحي لمهم من المهمات، إذ كان من عادتهم أنهم إذا ~~جعلوا واحدا منهم رئيسا لهم سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب فطلب ~~فرعون من موسى عليه السلام مثل عادتهم {أو جاء معه} أي: صحبته عندما جاء ~~إلينا بهذا النبأ الجسيم والملم العظيم {الملائكة} أي: هذا النوع وأشار إلى ~~كثرتهم بما بين من الحال بقوله: {مقترنين} أي: يقارن بعضهم بعضا بحيث ~~يملؤون الفضاء ويكونون في غاية القرب منه بحيث يكون مقارنا لهم ليجاب إلى ~~هذا الأمر الذي جاء يطلبه كما نفعل نحن إذا أرسلنا رسولا إلى أمر يحتاج إلى ~~دفاع وخصام ونزاع، فكان حاصل أمره كما ترى أنه تعزز بإجراء المياه فأهلكه ~~الله تعالى بها، إيماء إلى أن من تعزز بشيء دون الله تعالى أهلكه الله به ~~واستصغر موسى عليه السلام وعابه بالفقر والعي فسلطه الله تعالى عليه إشارة ~~إلى أنه ما استصغر أحد شيئا إلا غلبه، أفاده القشيري. # {فاستخف} أي: بسبب هذه الخدع التي سحرهم بها في هذا الكلام الذي هو في ~~الحقيقة محقر له موهن لأمره قاصم لملكه عند من له لب {قومه} الذين لهم قوة ~~عظيمة فحملهم بغروره على ما كانوا مهينين له من خفة الحلم {فأطاعوه} أي: ~~بأن أقروا بملكه واعترفوا بربوبيته وردوا أمر موسى عليه السلام {أنهم ~~كانوا} أي: بما في جبلاتهم من الشر {قوما فاسقين} أي: غريقين في الخروج عن ~~طاعة الله تعالى إلى معصيته فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق. # {فلما آسفونا} أي: أغضبونا ms3141 في الإفراط في العناد والعصيان منقول من أسف ~~إذا اشتد غضبه، حكي أن ابن جريج غضب في شيء فقيل له: أتغضب يا أبا خالد ~~فقال: قد غضب الذي خلق الأحلام إن الله تعالى يقول: {فلما آسفونا} أي: ~~أغضبونا {انتقمنا منهم} أي: أوقعنا بهم على وجه المكافأة بما فعلوا برسولنا ~~عليه السلام عقوبة عظيمة منكرة مكروهة كأنها بعلاج {فأغرقناهم أجمعين} أي: ~~إهلاك نفس واحدة لم يلفت منهم أحد على كثرتهم وقوتهم وشدتهم. # تنبيه: ذكر لفظ الأسف في حق الله تعالى وذكر لفظ الانتقام كل واحد منهما ~~من المتشابهات التي يجب تأويلها فمعنى الغضب في حق الله تعالى: إرادة ~~العذاب ومعنى الانتقام: إرادة العقاب بجرم سابق وقال بعض المفسرين: معنى ~~آسفونا: احزنوا أولياءنا. # {فجعلناهم} أي: بأخذنا لهم على هذه الصورة من الإغراق وغيره مما تقدمه ~~{سلفا} أي: متقدما لكل من يهلك بعدهم إهلاك غضب في الهلاك في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة أو قدوة لمن يريد العلو في الأرض فتكون عاقبته في الهلاك ~~في الدارين أو إحداهما عاقبتهم كما قال تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون # PageV03P568 # إلى النار} (القصص: 41) # {ومثلا} أي: حديثا عجيب الشأن سائرا سير المثل {للآخرين} أي: الذين خلفوا ~~بعدهم من زمنهم إلى آخر الدهر فيكون حالهم عظة لناس وإضلالا لآخرين فمن ~~أريد به الخير وفق لمثل خير يرده عن غيه، ومن أريد به الشر اقتدى به في ~~الشر، وقرأ حمزة والكسائي: بضم السين واللام والباقون بفتحهما، فأما ~~الأولى: فتحتمل ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه جمع سليف كرغيف ورغف وسمع القاسم بن ~~معن من العرب: سليف من الناس كالفريق منهم، والثاني: أنه جمع سالف كصابر ~~وصبير، والثالث: أنها جمع سلف كاسد وأسد، وأما الثانية: فتحتمل وجهين؛ ~~أحدهما: أن يكون جمعا لسالف كحارس وحرس وخادم وخدم وهذا في الحقيقة اسم جمع ~~لا جمع تكسير إذ ليس في أبنية التكسير صيغة فعل، والثاني: أنه مصدر يطلق ~~على الجماعة تقول سلف الرجل يسلف سلفا أي: تقدم والسلف كل شيء قدمته من عمل ~~صالح أو قرض وسلف الرجل ms3142 آباؤه المتقدمون والجمع أسلاف وسلاف، وقال طفيل: ~~سلفوا سلفا فصد السبيل عليهم صروف المنايا والرجال تغلب واختلف في سبب نزول ~~قوله تعالى: # {ولما ضرب ابن مريم مثلا} فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين: ~~نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعرى مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ~~عيسى عليه السلام لما نزل قوله تعالى {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم} كما تقدم في سورة الأنبياء والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى ~~عيسى ابن مريم مثلا وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى ~~إياه {إذا قومك} أي: من قريش {منه} أي: من هذا المثل {يصدون} أي: يرفع لهم ~~ضجيج فرحا بسبب ما رأوا من سكوت النبي صلى الله عليه وسلم فإن العادات قد ~~جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج، وقال ~~قتادة: يقولون ما يريد محمد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلها كما عبدت النصارى ~~عيسى. # {وقالوا آلهتنا} أي: التي نعبدها من الأصنام {خير أم هو} قال قتادة: ~~يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم فنعبده ونطيعه ونترك آلهتنا، وقال السدي ~~وابن زيد: يعنون عيسى عليه السلام قالوا: توهم محمد أن كل ما نعبد من دون ~~الله فهو في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في ~~النار قال الله تعالى: {ما ضربوه} أي: المثل {لك إلا جدلا} أي: خصومة ~~بالباطل لعلمهم أن لفظ ما لغير العاقل فلا يتناول من ذكروه {بل هم قوم} أي: ~~أصحاب قوة على القيام فيما يحاولونه {خصمون} أي: شديد الخصام. # روى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما ضل ~~قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال» . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ~~يصدون بكسر الصاد، والباقون بضمها وهما بمعنى واحد يقال صد يصد ويصد كعكف ~~يعكف ويعكف وعرش يعرش ويعرش، وقيل: الضم من الصدود وهو الإعراض، وقرأ ~~الكوفيون: آلهتنا بتحقيق الهمزتين، والباقون بتسهيل الثانية واتفقوا ms3143 على ~~إبدال الثانية ألفا، ثم إنه تعالى بين أن عيسى عبد من عبيده الذين أنعم ~~عليهم بقوله تعالى: # {إن} أي: ما {هو} أي: عيسى عليه السلام {إلا عبد} أي: وليس هو بإله ~~{أنعمنا} أي: بما لنا من العظمة {عليه} أي: بالنبوة والإقدار على # PageV03P569 # الخوارق {وجعلناه} أي: بما خرقنا به العادة في ميلاده وغير ذلك من آياته ~~{مثلا} أي: أمرا عجيبا كالمثل لغرابته من أنثى فقط بلا واسطة ذكر كما خلقنا ~~آدم من غير ذكر وأنثى وشرفناه بالنبوة {لبني إسرائيل} الذين هم أعرف الناس ~~به، بعضهم بالمشاهدة، وبعضهم بالنقل القريب المتواتر فيعرفون به قدرة الله ~~تعالى على ما يشاء حيث خلقه من غير أب. # {ولو نشاء} أي: على ما لنا من العظمة {لجعلنا} ما هو أغرب مما صنعناه من ~~أمر عيسى عليه السلام {منكم} أي: جعلا مبتدأ منكم إما بالتوليد كما جعلنا ~~عيسى عليه السلام من أنثى من غير ذكر، وجعلنا آدم عليه السلام من تراب من ~~غير أنثى ولا ذكر، وإما بالبدلية {ملائكة في الأرض يخلفون} أي: يخلفونكم في ~~الأرض والمعنى: أن حال عيسى عليه السلام وإن كانت عجيبة فالله تعالى قادر ~~على ما هو أعجب من ذلك، وأن الملائكة مثلكم من حيث إنها ذوات ممكنة يحتمل ~~خلقها توليدا كما جاز خلقها إبداعا فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب ~~إلى الله تعالى. # {وإنه} أي: عيسى عليه السلام {لعلم للساعة} أي: نزوله سبب للعلم بقرب ~~الساعة التي هي تعم الخلائق كلها بالموت فنزوله من أشراط الساعة يعلم به ~~قربها قال صلى الله عليه وسلم «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا يكسر ~~الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية وتهلك في زمنه الملل كلها إلا الإسلام» . # وروي: «أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها: أنيق وبيده حربة ~~وعليه مخصرتان وشعر رأسه دهين يقتل الدجال ويأتي بيت المقدس والناس في صلاة ~~العصر، وروي في صلاة الصبح فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى عليه السلام ويصلي ~~خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم ms3144 يقتل الخنزير ويكسر الصليب ~~ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به» . وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» . وقال الحسن ~~وجماعة. وإنه أي: القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها ويخبركم أحوالها ~~وأهوالها {فلا تمترن بها} حذف منه نون الرفع للجزم وواو الضمير لالتقاء ~~الساكنين من المرية وهي الشك أي: لا تشكن فيها وقال ابن عباس: لا تكذبوا ~~بها {واتبعوني} أي: أوجدوا تبعكم لي {هذا} أي: كل ما أمرتكم به من هذا أو ~~غيره {صراط} أي: طريق واضح {مستقيم} أي: لا عوج له، وقرأ أبو عمرو بإثبات ~~الياء في الوصل دون الوقف والباقون بغير ياء وصلا وقفا. # {ولا يصدنكم الشيطان} أي: عن هذا الطريق الواضح الواسع المستقيم الموصل ~~إلى المقصود بأيسر سعي {إنه لكم} أي: عامة وأكد الخبر لأن أفعال التابعين ~~له أفعال من ينكر عداوته {عدو مبين} أي: واضح العداوة في نفسه مناد بها ~~وذلك بإبلاغه في عداوة أبيكم آدم عليه السلام حتى أنزلكم بإنزاله عن محل ~~الراحة إلى موضع النصب عداوة ناشئة عن الحسد فهي لا تنفك أبدا. # {ولما جاء عيسى} أي: إلى بني إسرائيل {بالبينات} أي: المعجزات أي: بآيات ~~الإنجيل وبالشرائع الواضحات {قال} منبها لهم {قد جئتكم} بما يدلكم قطعا على ~~أني آية من عند الله وكلمة منه {بالحكمة} أي: الأمر المحكم الذي لا يستطاع ~~نقضه، ولا يدفع بالمعاندة لأخلصكم بذلك مما وقعتم فيه من الضلال {ولأبين ~~لكم} أي: بيانا واضحا # PageV03P570 # {بعض الذي تختلفون} أي: الآن {فيه} ولا تزالون تجددون الخلاف بسببه، فإن ~~قيل: لم لم يبين لهم كل الذي يختلفون فيه؟. # أجيب: بأنه بين لهم كل ما يكون من أمر الدين لا ما يتعلق بأمر الدنيا فإن ~~الأنبياء لم تبعث لبيانه، ولذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم «أنتم أعلم ~~بأمر دنياكم» . ويحتمل أن يكون المراد أنه يبين لهم بعض المتشابه وهو ما ~~يكون بيانه كافيا في رد بقية المتشابه إلى المحكم بالقياس عليه، فإن الشأن ~~في كل ms3145 كتاب أن يجمع المحكم والمتشابه، فالمحكم: ما ليس فيه التباس، ~~والمتشابه: ما يكون ملتبسا وفيه ما يرده إلى المحكم لكن على طريق الرمز ~~والإشارة التي لا يذوقها إلا أهل البصائر ليتبين بذلك الصادق من الكاذب، ~~فالصادق الذي رسخ علما وإيمانا يرد المتشابه منه إلى المحكم أو يعجز فيقول: ~~الله أعلم بمراده {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} (آل عمران: 8) # ولا يتزلزل، والكاذب يتبع المتشابه فيجريه على ظاهره كأهل الإلحاد ~~الجوامد المفتونين أو يؤوله بحسب هواه بما لا يتمشى على قواعد العلم ولا ~~يوافق المحكم فيفتتن. # ولما بين لهم الأصول والفروع قال: {فاتقوا الله} أي: خافوا من له الملك ~~الأعظم من الكفر والإعراض عن دينه لأن له كل شيء منكم ومن غيركم، ومن ~~المعلوم لكل ذي عقل أنه لا يتصرف في ملك الغير بوجه من الوجه إلا بإذنه ~~{وأطيعون} أي: فيما أبلغه عنه إليكم من التكاليف فطاعتي لأمره بما يرضيه هو ~~ثمرة التقوى وكلما زاد المتقي في أعمال الطاعة زادت تقواه. # {إن الله} أي: الذي اختص بالجلال والجمال فكان أهلا لأن يتقى {هو} أي: ~~وحده {ربي وربكم} أي: المحسن إلي وإليكم {فاعبدوه} أي: بما أمركم به لأنه ~~صدقني في أمركم باتباعي بما أظهره على يدي فصار هو الآمر لكم لا أنا {هذا} ~~أي: الأمر العظيم الذي دعوتكم إليه {صراط} أي: طريق واسع جدا واضح {مستقيم} ~~لا عوج فيه. # ولما كان الطريق الواضح القويم موجبا للاجتماع عليه والوفاق عند سلوكه ~~بين تعالى أنهم اختلفوا فيه بقوله تعالى: # {فاختلف الأحزاب} أي: الفرق المتحزبة {من بينهم} أي: اختلافا ناشئا ~~ابتداء من بني إسرائيل في عيسى أهو الله؟ أو ابن الله؟ أو ثالث ثلاثة؟ ~~وقوله تعالى: {فويل} كلمة عذاب {للذين ظلموا} أي: وضعوا الشيء في غير موضعه ~~بما قالوه في عيسى عليه السلام {من عذاب يوم أليم} أي: مؤلم وإذا كان اليوم ~~مؤلما فما الظن بعذابه. # {هل ينظرون} أي: هل ينظر كفار مكة أو الذين ظلموا {إلا الساعة} أي: ساعة ~~الموت العام والبعث والقيامة ms3146 فإن ذلك لتحقق أمره كأنه موجود منظور إليه ~~وقوله تعالى: {أن تأتيهم} بدل من الساعة، فإن قيل: قوله تعالى: {بغتة} أي: ~~فجأة يفيد قوله تعالى: {وهم لا يشعرون} أي: بوقت مجيئها قبله؟ أجيب: بأنه ~~يجوز أن تأتيهم بغتة وهم يعرفونه بسبب أنهم يشاهدونه. # {الأخلاء} أي: الأحباء في الدنيا على المعصية وقوله تعالى: {يومئذ} أي: ~~يوم القيامة، متعلق بقوله تعالى: {بعضهم لبعض عدو} أي: يتعادون في ذلك ~~اليوم لانقطاع العلق لظهور ما كانوا يتحابون له سببا للعذاب {إلا المتقين} ~~أي: المتحابين في الله على طاعة الله تعالى وهم الموحدون الذين يخالل بعضهم ~~بعضا على الإيمان والتقوى فإن خلتهم لا تصير عداوة. # روى أبو ثور عن معمر عن قتادة عن أبي إسحاق أن عليا قال في الآية: خليلان ~~مؤمنان وخليلان كافران فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلانا # PageV03P571 # كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك يأمرني بالخير وينهاني عن الشر ويخبرني ~~أني ملاقيك يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني، فإذا ~~مات خليله المؤمن جمع الله بينهما فيقول: ليثنين أحدكم على صاحبه فيقول: ~~نعم الأخ ونعم الخليل ونعم الصاحب، قال: ويموت أحد الكافرين فيقول: يا رب ~~إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ~~ويخبرني أني غير ملاقيك فبئس الأخ وبئس الخليل وبئس الصاحب. ثم بين تعالى ~~ما يتلقى به المؤمنين الذين قد توادوا فيه سبحانه تشريفا لهم وتسكينا لما ~~يقتضيه ذلك المقام من الأهوال بقوله تعالى: # {يا عباد} فأضافهم إلى نفسه إضافة تشريف لأن عادة القرآن جارية بتخصيص ~~لفظ العباد بالمؤمنين المطيعين المتقين، وفيه أنواع كثيرة توجب المدح ~~أولها: أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة وهذا تشريف عظيم ~~بدليل أنه تعالى لما أراد تشريف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ~~{سبحان الذي أسرى بعبده} والثاني قوله: {لا خوف} أي: بوجه من الوجوه {عليكم ~~اليوم} أي: في يوم الآخرة مما يحويه من الأهوال والأمور الشداد والزلزال، ~~وثالثها: قوله تعالى: ms3147 {ولا أنتم تحزنون} أي: لا يتجدد لكم حزن على شيء فات ~~في وقت من الأوقات الآتية لأنكم لا يفوتكم شيء تسرون به، وقرأ شعبة بفتح ~~الياء في الوصل وسكنها نافع وأبو عمرو وابن عامر وحذفها الباقون وقفا ووصلا ~~وقوله تعالى: # {الذين آمنوا} أي: أوجدوا هذه الحقيقة يجوز أن يكون نعتا لعبادي أو بدلا ~~منه أو عطف بيان له أو مقطوعا منصوبا بفعل أي: أعني الذين آمنوا أو مرفوعا ~~وخبره مضمر تقديره يقال لهم: ادخلوا الجنة، قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم ~~القيامة نادى مناد: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم فإذا سمعوا النداء رفع ~~الخلائق رؤوسهم فيقول الذين آمنوا {بآياتنا} الظاهرة عظمتها في نفسها أولا ~~وبنسبتها إلينا ثانيا {وكانوا} أي: دائما بما هو لهم كالجبلة والخلق ~~{مسملين} أي: منقادين للأوامر والنواهي أتم انقياد فبذلك يعدلون إلى حقيقة ~~التقوى فينكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم فيمر حسابهم على أحسن الوجوه ثم ~~يقال لهم: # {ادخلوا الجنة} ولما كان السرور لا يكمل إلا بالرفيق السار قال تعالى: ~~{أنتم وأزواجكم} أي: نساؤكم اللاتي كن مشاكلات لكم في الصفات، وأما قرناؤهم ~~من الرجال فدخلوا في قوله تعالى وكانوا مسلمين {تحبرون} أي: تسرون وتنعمون ~~والحبرة: المبالغة في الإكرام على أحسن الوجوه وقوله تعالى: # {يطاف} قبله محذوف أي: يدخلون يطاف {عليهم} أي: المتقين الذي جعلناهم ~~بهذا النداء ملوكا {بصحاف من ذهب} فيها من ألوان الأطعمة والفواكه والحلوى ~~ما لا يدخل تحت الوهم، والصحاف جمع صحفة كجفنة وجفان، قال الجوهري: الصحفة ~~كالقصعة والجمع صحاف، قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها ~~تشبع العشرة ثم الصحفة تشبع الخمسة ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة ثم ~~الصحيفة تشبع الرجل والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف. # ولما كانت آلة الشرب في الدنيا أقل من آنية الأكل جرى على ذلك المعهود ~~فعبر بجمع القلة في قوله تعالى: {وأكواب} جمع كوب وهو كوز مستدير مدور ~~الرأس لا عروة له إيذانا بأنه لا حاجة أصلا إلى تعليق شيء لتبريد أو صيانة # PageV03P572 # عن أذى أو نحو ذلك: ms3148 وقيل: هو كالإبريق إلا أنه لا عروة له، وقيل: إنه لا ~~خرطوم له، وقيل: إنه لا عروة له ولا خرطوم معا قال الجواليقي: ليتمكن ~~الشارب من أين شاء فإن العروة تمنع من ذلك وقال عدي: # *متكئا تصفق أبوابه ... يطوف عليه العبد بالكوب* # ثم إنه تعالى لما ذكر التفصيل ذكر بيانا كليا فقال {وفيها} أي: الجنة {ما ~~تشتهي الأنفس} من الأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة جزاء لهم بما منعوا ~~أنفسهم من الشهوات في الدنيا {وتلذ الأعين} أي: من الأشياء المبصرة التي ~~أعلاها النظر إلى وجهه الكريم جزاء ما تحملوه من مشاق الاشتياق. # روي أن رجلا قال: «يا رسول الله أفي الجنة خيل فإني أحب الخيل فقال: إن ~~يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي ~~الجنة شئت إلا فعلت، فقال أعرابي: يا رسول الله أفي الجنة إبل فإني أحب ~~الإبل فقال: يا أعرابي إن أدخلك الله الجنة أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت ~~عينك» وقرأ نافع وابن عامر وحفص بهاء بعد الياء بإثبات العائد على الموصول ~~كقوله تعالى: {الذي يتخبطه الشيطان من المس} والباقون بغيرها بعد الياء ~~كقوله تعالى: {أهذا الذي بعث الله رسولا} وهذه القراءة مشبهة بقوله تعالى: ~~{وما عملته أيديهم} وهذه الهاء في هذه السورة رسمت في مصاحف المدينة والشام ~~وحذفت من غيرها، وقد وقع لأبي عبد الله الفاسي شارح القصيدة وهم فسبق قلمه ~~فكتب الهاء منه محذوفة في مصاحف المدينة والشام مثبوتة في غيرها فعكس. # ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالدوام قال تعالى عائدا إلى الخطاب لأنه أشرف ~~وأكد {وأنتم فيها خالدون} لبقائها وبقاء كل ما فيها فلا كلفة عليهم أصلا من ~~خوف من زوال ولا خوف من فوات. ثم أشار إلى فخامتها بأداة البعد فقال تعالى: # {وتلك الجنة} أي: العالية المقام {التي أورثتموها} شبه جزاء العمل ~~بالميراث لأنه يخلفه عليه العامل، وقرأ أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي ~~بإدغام الثاء المثلثة في المثناة وأظهرها الباقون {بما} أي: بسبب ما {كنتم ~~تعملون} ms3149 أي: مواظبين على ذلك لا تفترون لأن العمل كان لهم كالجبلة التي ~~جبلوا عليها فالمنة لربهم في الحقيقة بما زكى لهم أنفسهم. # ولما ذكر سبحانه الطعام والشراب ذكر الفاكهة فقال: # {لكم فيها فاكهة} أي: ما يؤكل تفكها وإن كان لحما وخبزا {كثيرة} ودل على ~~الكثرة وعلى دوام النعمة بقصد التفكه لكل شيء فيها بقوله تعالى: {منها} أي: ~~لا من غيرها مما يلحظ فيه القوت {تأكلون} فلا تنفد أبدا ولا تتأثر بأكل ~~الآكلين لأنها على صفة الماء النابع لا يؤخذ منها شيء إلا خلف مكانه مثله ~~في الحال، ورد في الحديث: «أنه لا ينزع رجل ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها» . # تنبيه: # لما بعث الله تعالى نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام إلى العرب وكانت في ~~ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة ذكر الله تعالى هذه المعاني مرة ~~بعد أخرى تكميلا لرغباتهم وتقوية لدواعيهم ومن في قوله تعالى {منها تأكلون} ~~تبعيضية أو ابتدائية وقدم الجار لأجل الفاصلة. # ولما ذكر سبحانه الوعد أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن فقال ~~تعالى: # {إن المجرمين} أي: الراسخين في قطع ما أمر الله به أن يوصل {في عذاب ~~جهنم} # PageV03P573 # أي: النار التي من شأنها إلقاء داخلها بالتجهم والكراهة والعبوسة كما كان ~~يعمل عند قطعه لأولياء الله تعالى {خالدون} لأن اجتراءهم كان طبعا لهم لا ~~ينفكون عنه أصلا ما بقوا. # {لا يفتر عنهم} أي: لا يقصد إضعافه بنوع من الضعف فنفي التفتر نفي للفتور ~~من غير عكس، قال البيضاوي: وهو من فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلا والتركيب ~~للضعف {وهم فيه} أي: العذاب {مبلسون} أي: ساكتون سكوت يأس من النجاة ~~والفرج، وعن الضحاك: يجعل المجرم في تابوت من نار ثم يقفل عليه فيبقى خالدا ~~لا يرى ولا يرى. # {وما ظلمناهم} نوعا من الظلم {ولكن كانوا} جبلة وطبعا وعملا وصنعا {هم ~~الظالمين} لأنهم بارزوا المنعم عليهم بالعظائم ونووا أنهم لا ينفكون عن ذلك ~~ما بقوا والأعمال بالنيات. # ولما كان مفهوم الإبلاس السكوت بين تعالى أنهم ليسوا ساكتين دائما بقوله ms3150 ~~تعالى: # {ونادوا} ثم بين أن المنادي خازن النار بقوله تعالى: مؤكدا البعد بأداته ~~{يا مالك ليقض علينا} أي: سل سؤالا حتما أن يقضي القضاء الذي لا قضاء مثله ~~وهو الموت على كل واحد منا وجروا على عادتهم في الغباوة والجلافة فقالوا: ~~{ربك} أي: المحسن إليك فلم يروا لله تعالى عليهم إحسانا وهم في تلك الحالة ~~ولا شك أن إحسانه ما انقطع عن موجود أصلا، وأقل ذلك أنه لا يعذب أحدا منهم ~~فوق استحقاقه، ولذلك جعل النار دركات كما جعل الجنة درجات فأجاب مالك عليه ~~السلام بأن {قال} مؤكدا قطعا لأطماعهم لأن كلامهم هذا هو بحيث يفهم الرجاء ~~وإعلاما بأن رحمة الله التي موضع الرجاء خاصة بغيرهم {إنكم ماكثون} أي: ~~دائما أبدا لا خلاص لكم بموت ولا غيره وليس في القرآن متى أجابهم هل أجابهم ~~في الحال أو بعد مدة لكن. # روى ابن عباس: أن أهل النار يدعون مالكا خازن النار يقولون: ليقض علينا ~~ربك أي: ليمتنا ربك فنستريح، فيجيبهم مالك بعد ألف سنة إنكم ماكثون أي: ~~مقيمون في العذاب. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: يجيبهم بعد أربعين، وعن ~~غيره مائة سنة واختلفوا في أن قولهم: {يا مالك ليقض علينا ربك} على أي وجه ~~طلبوه فقال بعضهم: على التمني وقال آخرون: على وجه الاستغاثة وإلا فهم ~~عالمون بأنه لا خلاص لهم من ذلك العذاب. ثم إنه تعالى ذكر ما هو كالعلة ~~لذلك الجواب بقوله تعالى: # {لقد جئناكم} أي: في هذه السورة خصوصا وفي جميع القرآن عموما {بالحق} على ~~لسان الرسل وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال عند الجيم، ~~والباقون بالإدغام {ولكن أكثركم للحق كارهون} لما فيه من المنع من الشهوات ~~فلذلك أنتم تقولون إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط لا لأجل أن في حقيته نوعا ~~من الخفاء، فإن قيل: كيف قال: ونادوا يا مالك بعد أن وصفهم بالإبلاس؟ أجيب: ~~بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة ~~اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتا لشدة ما ms3151 بهم، روى أنه يلقى على أهل النار ~~الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيقولون: ادعوا مالكا فيدعون {يا مالك ~~ليقض علينا ربك} . # ولما ذكر تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد ~~باطنهم في الدنيا فقال تعالى: # {أم أبرموا} أي: أحكم كفار مكة {أمرا} أي: في المكر برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفي رد أمرنا ومعاداة أوليائنا مع علمهم بأنا مطلعون عليهم {فإنا ~~مبرمون} # PageV03P574 # أي: محكمون أمرا في مجازاتهم أي: مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله ~~تعالى: {أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون} (الطور: 42) # قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم المكر في دار الندوة. # تنبيه: أم منقطعة والإبرام: الإتقان وأصله في الفتل يقال أبرم الحبل، أي: ~~أتقن فتله وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل قال زهير: # *لعمري لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم* # {أم يحسبون أنا} أي: على ما لنا من العظمة المقتضية لجميع صفات الكمال ~~{لا نسمع سرهم} أي: كلامهم الخفي ولو كان في الضمائر فيما يغضبنا، والسر ما ~~حدث به الشخص نفسه أو غيره في مكان خال. # ولما كان ربما وقع في الأوهام أن المراد بالسمع إنما هو العلم لأن السر ~~ما يخفى وهو يعلم ما في الضمائر وهي مما يعلم حقق أن المراد به حقيقته ~~بقوله تعالى: {ونجواهم} أي: تناجيهم في كلامهم المرتفع فيما بينهم حتى كأنه ~~على نجوة أي: مكان عال، فعلم أن المراد حقيقة السمع وأنه تعالى يسمع كل ما ~~يمكن أن يسمع {بلى} نسمع الصنفين كليهما على حد سواء {ورسلنا} وهم الحفظة ~~من الملائكة على الجميع السلام على ما لهم من العظمة بنسبتهم إلينا {لديهم} ~~أي: عندهم، وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها {يكتبون} أي: يجددون ~~الكتابة كل ما تجدد ما يقتضيها لأن الكتابة أوقع في التهديد لأن من علم أن ~~أعماله محصاة مكتوبة يجتنب ما يخاف عاقبته، وعن يحيى بن معاذ الرازي: من ~~ستر عن الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في ms3152 السموات فقد جعله ~~أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق. # ولما تقدم أول السورة تبكيتهم والتعجيب منهم في ادعائهم لله ولدا من ~~الملائكة وهددهم بقوله تعالى: {ستكتب شهادتهم ويسألون} أمر الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: # {قل} أي: لهؤلاء البعداء البغضاء {إن كان للرحمن} أي: العام الرحمة {ولد} ~~أي: على زعمكم والمراد به الجنس لادعائهم في الملائكة وغيرهم {فأنا} أي: في ~~الرتبة، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون والباقون بغير مد {أول العابدين} ~~للرحمن العبادة التي هي العبادة ولا يستحق غيرها أن يسمى عبادة وهي الخالصة ~~أي: فأنا لا أعبد غيره لا ولدا ولا غيره، ولم يشأ لي الرحمن أن أعبد الولد ~~ولا غيره، أو يكون المعنى: أنا أول العابدين للرحمن على وجه الإخلاص لم ~~أشرك به شيئا أصلا في وقت من الأوقات بما سميتموه ولدا أو شريكا أو غيرهما، ~~ولو شاء ما عبدته على وجه الإخلاص ولا شك عندكم وعند غيركم أن من أخلص لأحد ~~كان أولى من غيره برحمته فلو أن الإخلاص له ممنوع ما شاءه لي ولولا أن ~~عبادة غيره ممنوعة لشاءها لي ولو أن له ولدا لشاء لي عبادته، فإن عموم ~~رحمته لكافة خلقه لكونهم خلقه وخصوصها بي لكوني عبده خالصا يمنع على زعمكم ~~من أن يشقيني وأنا أخلص له فبطلت شبهتكم بمثلها بل بأقوى منها، وهذا مما ~~علق بشيء هو بنقيضه أولى. # وقال الزمخشري: إن كان للرحمن ولد وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة ~~واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد ~~له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض ~~والتمثيل لغرض وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه وأن لا يترك # PageV03P575 # الناطق به شبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب ~~التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان ~~المعلق بها محالا مثلها فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى ms3153 ~~نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها، ثم قال: وقد تمحل الناس بما أخرجوه من هذا ~~الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ ~~وجوهه فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله ~~المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه، وقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا ~~أول الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد. # وقال ابن عباس: إن أن نافية أي: ما كان له ولد فإني أول من عبده رتبة وما ~~علمت له ولدا ولو كان له ولد إله لعبدته تقربا إليه بعبادة ولده، وروي أن ~~النضر بن عبد الدار بن قصي قال: إن الملائكة بنات الله تعالى فنزلت فقال ~~النضر: ألا ترون أنه قد صدقني فقال له الوليد بن المغيرة: ما صدقك ولكن قال ~~ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له ثم ~~إنه تعالى نزه نفسه فقال: # {سبحان رب} أي: مبدع ومالك {السموات والأرض} أي: اللتين كل ما فيهما ومن ~~فيهما مقهور مربوب محتاج لا يصح أن يكون له منه سبحانه نسبة بغير العبودية ~~بالإيجاد والتربية. # ولما كانت خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلا قال ~~محققا لملكه لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له، ولم يعد العطف لأن العرش من ~~السموات {رب العرش} أي: المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه السموات ~~والأرض {عما يصفون} أي: يقولون من الكذب من أن له ولدا أو شريكا وذلك أن ~~إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، وكل ما كان كذلك فهو لا يقبل ~~التجزي بوجه من الوجوه، والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشيء جزء فيتولد عن ~~ذلك الجزء شخص مثله وهذا إنما يعقل فيمن تكون ذاته قابلة للتجزي والتبعيض، ~~وإذا كان ذلك محالا في حق إله العالم امتنع إثبات الولد. # ولما ذكر تعالى هذا البرهان القاطع قال تعالى مسببا عن ذلك: # {فذرهم} ms3154 أي: اتركهم على أسوأ أحوالهم {يخوضوا} أي: يفعلوا في باطلهم فعل ~~الخائض في الماء {ويلعبوا} أي: يفعلوا فعل اللاعب في دنياهم {حتى يلاقوا} ~~أي: يفعلوا بتصرم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في أن يلقوا ~~{يومهم الذي يوعدون} أي: بوعد لا خلف فيه وهو يوم القيامة فيظهر فيه وعيدهم ~~والمقصود منه التهديد لأنه تعالى ذكر الحجة القاطعة على فساد ما ذكروا فلم ~~يلتفتوا إليها لأجل استغراقهم في طلب المال والجاه والرياسة، فاتركهم في ~~ذلك الباطل واللعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الموعود به ثم زاد في التنزيه ~~فقال تعالى: # {وهو الذي في السماء إله} أي: معبود لا شريك له {وفي الأرض إله} تتوجه ~~الرغبات إليه في جميع الأحوال وتخلص إليه في جميع أوقات الاضطرار، فقد وقع ~~الإجماع من جميع من في السماء والأرض على إلهيته فثبت استحقاقه لهذه الرتبة ~~وثبت اختصاصه باستحقاقها في الشدائد فباقي الأوقات كذلك من غير فرق لأنه لا ~~مشارك له في هذا الاستحقاق فعبادة غيره باطلة، وقرأ قالون والبزي بتسهيلها ~~مع المد والقصر، وقرأ أبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وقرأ ~~ورش وقنبل بتسهيل # PageV03P576 # الثانية وإبدالها أيضا ألفا وقرأ الباقون بتحقيقهما. # تنبيه: كل من الظرفين متعلق بما بعده لأن إله بمعنى معبود أي: معبود في ~~السماء ومعبود في الأرض وحينئذ يقال: الصلة لا تكون إلا جملة أو ما في ~~تقديرها وهو الظرف وعديله ولا شيء منهما هنا؟ أجيب: بأن المبتدأ حذف لدلالة ~~المعنى عليه وذلك المحذوف هو العائد تقديره وهو الذي هو في السماء إله وهو ~~في الأرض إله، وإنما حذف لطول الصلة بالمعمول فإن الجار متعلق بإله ومثله ~~ما أنا بالذي قائل لك سوأ {وهو الحكيم} أي: البليغ الحكمة في تدبير خلقه ~~{العليم} أي: البالغ في علمه بمصالحهم. # {وتبارك} أي: وثبت ثباتا لا يشبهه ثبات لأنه لا زوال له مع اليمن والبركة ~~وكل كمال فلا شبيه له حتى يدعى أنه ولد له أو شريك. ثم وصفه تعالى بما يبين ~~تباركيته واختصاصه ms3155 بالألوهية فقال عز من قائل: {الذي له ملك السموات} أي: ~~كلها {والأرض} كذلك {وما بينهما} أي: وما بين كل اثنين منهما، والدليل على ~~هذا الإجماع القائم على توحيده عند الاضطرار {وعنده} أي: وحده {علم الساعة} ~~أي: العلم بالساعة التي تقوم القيامة فيها {وإليه} أي: وحده لا إلى غيره ~~{ترجعون} بأيسر أمر تحقيقا لملكه وقطعا للنزاع في وحدانيته، وقرأ ابن كثير ~~وحمزة والكسائي بالياء التحتية على الغيبة، والباقون بالفوقية على الالتفات ~~للتهديد. # {ولا يملك} أي: بوجه من الوجوه في وقت ما {الذين يدعون} أي: يعبدون أي: ~~الكفار {من دونه} أي: الله تعالى {الشفاعة} كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند ~~الله وقوله تعالى {إلا من شهد بالحق} أي: قال: لا إله إلا الله، فيه قولان؛ ~~أحدهما: أنه متصل إن أريد بالموصول كل ما عبد من دون الله والمعنى: لا يقدر ~~هؤلاء أن يشفعوا لأحد إلا من شهد بالحق {وهم يعلمون} أي: بقلوبهم ما شهدوا ~~به بألسنتهم وهم عيسى ومريم وعزير والملائكة فإنهم يملكون أن يشفعوا ~~للمؤمنين بتمليك الله تعالى إياهم لها، والثاني: هو منقطع إن خص بالأصنام. # {ولئن سألتهم} أي: الكفار مع ادعائهم الشريك {من خلقهم} أي: العابدين ~~والمعبودين معا {ليقولون الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال لتعذر ~~المكابرة من فرط ظهوره {فأنى} أي: فكيف وأي جهة بعد أن أثبتوا له الخلق ~~والأمر {يؤفكون} أي: يصرفون عن اتباع رسولنا الآمر لهم بتوحيدنا في العبادة ~~كما أنا توحدنا في الخلق. وقرأ: # {وقيله} أي: قول محمد صلى الله عليه وسلم عاصم وحمزة بخفض اللام والهاء ~~على معنى وعنده علم الساعة وعلم قبله، والباقون بنصب اللام ورفع الهاء على ~~المصدر بفعله المقدر أي: وقال {يا رب إن هؤلاء قوم} أي: أقوياء على الباطل ~~ولم يضفهم إلى نفسه بأن يقول قومي ونحو ذلك من العبارات ولا سماهم باسم ~~قبيلتهم لما شأنه من حالهم {لا يؤمنون} أي: لا يتجدد منهم هذا الفعل أصلا. # {فاصفح} أي: اعف عفو من أعرض {عنهم} صفحا فلا تلتفت إليهم بغير التبليغ ~~{وقل} ms3156 أي: لهم {سلام} أي: شأني الآن متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم، ~~قال ابن عباس: وهذا منسوخ بآية السيف، وقال الرازي: وعندي التزام النسخ في ~~مثل هذه المواضع مشكل لأن الأمر لا يقيد بالفعل إلا مرة واحدة فسقطت دلالة ~~اللفظ فأي حاجة إلى التزام النسخ، وأيضا فاللفظ المطلق قد يتقيد بحسب العرف ~~فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى التزام النسخ # PageV03P577 # وجرى على النسخ الجلال المحلي فقال: وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم وقوله ~~تعالى: {فسوف يعلمون} فيه تهديد لهم وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وقرأ ~~نافع وابن عامر بتاء الخطاب التفاتا، والباقون بياء الغيبة نظرا لما تقدم ~~وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ~~ولا أنتم تحزنون» حديث موضوع. ### | سورة الدخان # مكية وقيل: إلا قوله تعالى: {إنا كاشفوا العذاب قليلا} الآيةوهي ست أو ~~سبع أو تسع وخمسون آية وثلاثمئةوست وأربعون كلمة وألف وأربعمائة وواحد ~~وثلاثون حرفا # {بسم الله} الملك الجبار الواحد القهار. # {الرحمن} الذي عم بنعمته سائر مخلوقاته {الرحيم} بأهل وداده وقوله تعالى: # {حم} قرأه ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة، وقرأه ورش ~~وأبو عمرو بالإمالة بين بين والباقون بالفتح وتقدمت الإشارة إلى شيء من ~~أسرار أخواتها وقوله تعالى: # {والكتاب المبين} فيه احتمالان؛ الأول: أن يكون التقدير هذه حم والكتاب ~~المبين كقولك: هذا زيد والله، الثاني: أن يكون التقدير حم والكتاب المبين. # {إنا أنزلناه} فيكون في ذلك تقدير قسمين على شيء واحد ويجوز أن يكون {إنا ~~أنزلناه} جواب القسم وأن يكون اعتراضا والجواب قوله تعالى: {إنا كنا ~~منذرين} واختاره ابن عطية، وقيل: {إنا كنا} مستأنف و {فيها يفرق} يجوز أن ~~يكون مستأنفا وأن يكون صفة ليلة وما بينهما اعتراض. # تنبيه: يجوز أن يكون المراد بالكتاب هنا الكتب المتقدمة المنزلة على ~~الأنبياء عليهم السلام كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا ~~معهم الكتاب} (الحديد: 25) # ويجوز أن يكون ms3157 المراد به اللوح المحفوظ قال الله تعالى: {يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (الرعد: 39) # وقال تعالى: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} (الزخرف: 4) # ويجوز أن يكون المراد به القرآن واقتصر على ذلك البيضاوي وتبعه الجلال ~~المحلي، وعلى هذا فقد أقسم بالقرآن أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة، وهذا ~~النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم ~~الرجل له إليه حاجة: أتشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك وجاء في الحديث: «أعوذ ~~برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك» . والمبين: هو ~~المشتمل على بيان ما بالناس من حاجة إليه في دينهم ودنياهم فوصفه بكونه ~~مبينا وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى لأن الإبانة حصلت به كقوله تعالى: ~~{أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} (الروم: 35) # فوصفه بالتكلم إذ كان غاية في الإبانة فكأنه ذو لسان ينطق مبالغة في ~~وصفه. # واختلف في قوله سبحانه وتعالى: {في ليلة مباركة} فقال قتادة وابن زيد ~~وأكثر المفسرين: هي ليلة القدر: وقال عكرمة وطائفة: إنها ليلة البراءة وهي ~~ليلة النصف من شعبان، واحتج الأولون بوجوه؛ الأول: قوله تعالى {إنا أنزلنا ~~في ليلة القدر} (القدر: 4) # فقوله تعالى {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} يجب أن تكون هي تلك الليلة # PageV03P578 # المسماة بليلة القدر لئلا يلزم التناقض، ثانيها: قوله تعالى: {شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة: 185) # فقوله تعالى ههنا {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} يجب أن تكون هذه الليلة ~~المباركة في رمضان فثبت أنها ليلة القدر، ثالثها: قوله تعالى في صفة ليلة ~~القدر: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} (القدر: 4) # وقال تعالى ههنا. # {فيها يفرق كل أمر حكيم} وقال ههنا {رحمة من ربك} وقال تعالى في ليلة ~~القدر {سلام هي} (القدر: 5) # وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى، رابعها: نقل ~~محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ~~ليلة من ms3158 رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لثنتي عشرة ليلة مضت منه، ~~والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان، والليلة المباركة هي: ليلة القدر، ~~خامسها: أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم لأن قدرها وشرفها عند الله ~~عظيم، ومعلوم أن قدرها وشرفها ليس بسبب نفس الزمان لأن الزمان شيء واحد في ~~الذات والصفات فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته فثبت أن شرفه وقدره بسبب ~~أنه حصل فيه أمور شريفة لها قدر عظيم، ومن المعلوم أن منصب الدين أعظم من ~~مناصب الدنيا، وأعظم الأشياء وأشرفها شعبا في الدين هو القرآن لأنه ثبت به ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل كما قال ~~تعالى في صفته: {ومهيمنا عليه} (المائدة: 48) # وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ودركات أرباب الشقاوات فعلى هذا لا شيء ~~إلا والقرآن أعظم قدرا وأعلى ذكرا وأعظم منصبا، وحيث أطبقوا على أن ليلة ~~القدر هي التي وقعت في رمضان علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة وهذه ~~أدلة ظاهرة واضحة، واحتج الآخرون على أنها ليلة النصف من شعبان بوجوه؛ ~~أولها: أن لها أربعة أسماء الليلة المباركة وليلة البراءة وليلة الصك وليلة ~~الرحمة، وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة. # وقيل في تسميتها: ليلة البراءة والصك أن البندار إذا استوفى الخراج من ~~أهله كتب لهم البراءة وكذلك الله تعالى يكتب لعباده المؤمنين البراءة في ~~هذه الليلة، ثانيها: أنها مختصة بخمس خصال الأولى: قال تعالى: {فيها يفرق ~~كل أمر حكيم} والثانية: فضيلة العبادة فيها، روى الزمخشري أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله تعالى إليه مائة ~~ملك: ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون ~~يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان» . ثالثها: نزول ~~الرحمة قال صلى الله عليه وسلم «إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر ~~أغنام بني كلب» . رابعها: حصول المغفرة فيها قال صلى الله عليه وسلم «إن ~~الله يغفر لجميع المسلمين في ms3159 تلك الليلة إلا الكاهن والساحر ومدمن الخمر ~~وعاق والديه والمصر على الزنا» . خامسها: أنه تعالى أعطى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الليلة تمام الشفاعة في أمته، قال الزمخشري: وذلك ~~أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها ثم سأل ليلة ~~الرابع عشر فأعطي الثلثين ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع إلا من شرد ~~عن الله شرود البعير. # وروي أن عطية الحروري سأل ابن عباس عن قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر} (القدر: 1) # كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الشهور فقال ابن عباس: ~~يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع في نفسك هذا ولم # PageV03P579 # تحرجوا به لهلكت، نزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى البيت ~~المعمور في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالا فحالا، ~~وقال قتادة وابن زيد: أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب ~~إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه ~~وسلم نجوما في عشرين سنة وقوله تعالى {إنا} أي: على ما لنا من العظمة {كنا} ~~أي: دائما لعبادنا {منذرين} أي: مخوفين استئناف بين به المقتضى للإنزال ~~وكذلك قوله تعالى: # {فيها} أي: الليلة المباركة سواء قلنا إنها ليلة القدر أو ليلة النصف ~~{يفرق} أي: ينشر ويبين ويفصل ويوضح مرة بعد مرة {كل أمر حكيم} أي: محكم ~~الأمر لا يستطاع أن يطعن فيه بوجه من جميع ما يوحي به من الكتب وغيرها ~~والأرزاق والآجال والنصر والهزيمة والخصب والقحط وغيرها من جميع أقسام ~~الحوادث وجزئياتها في أوقاتها وأماكنها، ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة ~~إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء فيزدادون بذلك إيمانا، قال ابن ~~عباس: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر ~~والأرزاق والآجال حتى الحجاج يقال: يحج فلان ويحج فلان، وقال الحسن ومجاهد ~~وقتادة: يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل ms3160 عمل وأجل وخلق ورزق وما يكون ~~في تلك السنة، وقال عكرمة: ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وتنسخ ~~الأحياء من الأموات فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أحد قال صلى الله عليه ~~وسلم «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح النساء ويولد له ~~وقد خرج اسمه في ديوان الموتى» . # وعن ابن عباس: أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ~~ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدور، وروي: أن الله تعالى أنزل القرآن من ~~اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر فدفع نسخة ~~الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب إلى جبريل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ~~ونسخة الأعمال، قال ابن عادل: إلى إسرافيل وقال الزمخشري: إلى إسماعيل صاحب ~~سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت، قال الزمخشري: وعن ~~بعضهم يعطى كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم ~~هيبته وقوله تعالى: # {أمرا} أي: فرقا حال من فاعل أنزلناه ومن مفعوله أي: أنزلناه آمرين أو ~~مأمورا به كائنا {من عندنا} على مقتضى حكمتنا وقوله تعالى: {إنا كنا} أي: ~~أزلا وأبدا {مرسلين} جواب ثالث أو مستأنف أو بدل من قوله تعالى: {إنا كنا ~~منذرين} أي: لنا صفة الإرسال بالقدرة عليها في كل حين والإرسال لمصالح ~~العباد لا بد فيه من الفرقان بالبشارة والنذارة وغيرهما حتى لا يكون لبس ~~فلا يكون لأحد على الله تعالى حجة، قال البقاعي: وهذا الكلام المنتظم ~~والقول الملتئم بعضه ببعض المتراصف أجمل رصف في وصف ليلة الإنزال دال على ~~أنه لم ينزل صحيفة ولا كتابا إلا في هذه الليلة، فيدل على أنها ليلة القدر ~~للأحاديث الواردة في أن الكتب كلها نزلت فيها، وكذلك قوله تعالى في سورة ~~القدر: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} (القدر: 4) # فإن الوحي الذي هو مجمع ذلك هو روح الأمر الحكيم ثم بين تعالى حال ~~الرسالات بقوله تعالى: # {رحمة} وعدل لأجل # PageV03P580 # ما اقتضاه التعبير بالرحمة عما كان من ms3161 أسلوب التكلم بالعظمة من قوله: ~~{منا} إلى قوله تعالى {من ربك} أي: المحسن إليك بإرسالك وإرسال كل نبي مضى ~~من قبلك فإن رسالاتهم كانت لب الأنوار في العبادات وتمهيد الشرائع في ~~البلاد حتى استنارت القلوب واطمأنت النفوس بما صارت تعهد من شرع الشرائع ~~وتوطئة الأديان فتسهلت طرق الرب لتعميم رسالتك حتى ملأت أنوارك الآفاق فكنت ~~نتيجة كل من تقدمك من الرفاق وقال ابن عباس: معنى رحمة من ربك أي: رأفة مني ~~بخلقي ونعمة عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل، وقال الزجاج: أنزلناه في ليلة ~~مباركة للرحمة {إنه هو} أي: وحده {السميع العليم} أي: أن تلك الرحمة كانت ~~رحمة في الحقيقة لأن المحتاجين إما أن يذكروا حاجاتهم بألسنتهم أو لم ~~يذكروها فإن ذكروها فإنه سميع وإن لم يذكروها فهو تعالى عالم بها. # {رب} أي: مالك ومنشئ ومدبر {السموات} أي: جميع الأجرام العالية {والأرض ~~وما بينهما} مما تشاهدون من هذا الفضاء وما فيه من الهواء وغيره مما تعلمون ~~من أكساب العباد وغيرها مما لا تعلمون، ومن المعلوم أنه ذو العرش والكرسي ~~فعلم بهذا أنه مالك الملك كله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بخفض الباء ~~الموحدة على البدل أو البيان أو النعت، والباقون برفعها على إضمار مبتدأ أو ~~على أنه مبتدأ خبره لا إله إلا هو، والمقصود من هذه الآية أن المنزل إذا ~~كان موصوفا بهذه الجلالة والكبرياء كان المنزل الذي هو القرآن في غاية ~~الشرف والرفعة، فإن قيل: ما معنى الشرط الذي هو قوله تعالى {إن كنتم ~~موقنين} ؟ أجيب: بأنهم كانوا يقرون بأن للسموات والأرض ربا وخالقا فقيل ~~لهم: إن كنتم يا أهل مكة موقنين بأنه تعالى رب السموات والأرض فأيقنوا بأن ~~محمدا عبده ورسوله. # ولما ثبت بهذا النظر الصافي ربوبيته وبعدم اختلال التدبير على طول الزمان ~~وحدانيته أنتج ذلك قوله تعالى: # {لا إله إلا هو} أي: وإلا لنازعه في أمرهما منازع، أو أمكن أن ينازع ~~فيكون محتاجا لا محالة وإلا لدفع عنه من يمكن نزاعه وخلافه إياه فلا يكون ~~صالحا للتدبير والقهر ms3162 لكل من يخالف رسله والإنجاء لكل من يوافقهم على ممر ~~الزمان وتطاول الدهر ومر الحدثان على نظام مستمر وحال ثابت مستقر. # ولما ثبت أنه لا مدبر للوجود غيره ثبت قوله تعالى: {يحيي ويميت} لأن ذلك ~~من أجل ما فيهما من التدبير وهو تنبيه على تمام دلائل التوحيد لأنه لا شيء ~~ممن فيهما يبقى ليسند التدبير إليه ويحال شيء من الأمر عليه فهما جملتان ~~الأولى: نافية لما أثبتوه من الشركة، والثانية، مثبتة لما نفوه من البعث ~~{ربكم} أي: الذي أفاض عليكم ما تشاهدونه من النعم في الأرواح وغيرها {ورب ~~آبائكم الأولين} أي: الذي أفاض عليهم ما أفاض عليكم ثم سلبهم ذلك كما ~~تعلمون فلم يقدر أحد منهم على ممانعة، ولا طمع في منازعة بنوع مدافعة. # {بل هم} أي: بضمائرهم {في شك} أي: من البعث {يلعبون} أي: يفعلون دائما ~~فعل التارك لما هو فيه من أخذ الجد الذي لا مرية فيه إلى اللعب الذي لا ~~فائدة فيه ولا ثمرة له بوجه استهزاء بك يا أشرف الرسل فقال صلى الله عليه ~~وسلم «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» قال تعالى: # {فارتقب} أي: انتظر بكل جهد عاليا عليهم ناظرا لأحوالهم نظر من هو حارس # PageV03P581 # لها {يوم تأتي السماء بدخان مبين} أي: ظاهر. # {يغشى الناس} أي: المهددين بهذا فقالوا عند إتيانه {هذا عذاب اليم} أي: ~~يخلص وجعه إلى القلب فيبلغ في ألمه كما كنتم تؤلمون من يدعوكم إلى الله ~~تعالى، واختلف في هذا الدخان فروى أبو الصفاء عن مسروق قال: بينما رجل يحدث ~~في كندة قال: يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ ~~المؤمن كهيئة الزكام ففزعنا، فأتينا ابن مسعود وكان متكئا فغضب فجلس فقال: ~~من علم فليقل به ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم فإن من العلم أن تقول لما لا ~~تعلم: لا أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل ما أسألكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} فإن قريشا أبطأوا عن الإسلام فدعاهم ~~النبي صلى الله ms3163 عليه وسلم فقال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم ~~سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض ~~كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك ~~قد هلكوا فادع الله تعالى لهم فقرأ {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} ~~إلى قوله تعالى {عائدون} وهذا قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد واختيار الفراء ~~والزجاج وهو قول ابن مسعود وكان ينكر أن يكون الدخان إلا هذا الذي أصابهم ~~من شدة الجوع كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا كأنهم يرون دخانا. # وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان في هذه الحالة وجهين الأول: أن في سنة ~~القحط يعظم يبس الأرض فبسبب انقطاع المطر يرتفع الغبار الكثير ويظلم الهواء ~~وذلك يشبه الدخان ويقولون: كان بيننا أمر ارتفع له دخان، ولهذا يقال للسنة ~~المجدبة الغبراء، الثاني: أن العرب يسمون الشيء الغالب بالدخان والسبب فيه: ~~أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه ويرى الدنيا كالمملوءة من ~~الدخان. # ونقل عن علي بن أبي طالب: أنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات ~~القيامة، ويروى أيضا عن ابن عباس في المشهور عنه لما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من ~~قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا ~~قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الآية وقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما ~~المؤمن فيصيبه كالزكمة وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ~~ودبره وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار» . وقال صلى الله عليه وسلم ~~«باكروا بالأعمال ستا وذكر منها طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة» ~~رواه الحسن. واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: # {ربنا اكشف عنا العذاب} ثم عللوا بما علموا أنه الموجب للكشف فقالوا ~~مؤكدين {إنا مؤمنون} أي: عريقون في وصف الإيمان فإذا ms3164 حمل على القحط الذي ~~وقع بمكة استقام، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو ~~سفيان فناشده الله والرحم وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن ~~يؤمنوا به، فلما أزالها الله عنهم رجعوا إلى شركهم، أما إذا حمل على أن ~~المراد منه: ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك لأن عند ظهور علامات ~~القيامة لا يمكنهم أن يقولوا: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} ولم يصح ~~أيضا أن يقال: {إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون} قال البقاعي: ويصح أن ~~يراد به # PageV03P582 # طلوع الشمس من مغربها، روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس ~~آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها» ثم قرأ الآية. # {أنى} أي: كيف ومن أين {لهم الذكرى} أي: هذا التذكر العظيم الذي وصفوا به ~~أنفسهم، وقرأ حمزة والكسائي أنى بالإمالة محضة، وقرأ أبو عمرو بالإمالة بين ~~بين، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح وأمال الذكرى محضة أبو ~~عمرو وحمزة والكسائي، وأمال ورش بين بين، والباقون بالفتح وكذلك الكبري ~~{وقد} أي: والحال أنه قد {جاءهم} ما هو أعظم من ذلك وأدخل في وجوب الطاعة ~~{رسول مبين} أي: ظاهر غاية الظهور، وموضح غاية الإيضاح، وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأظهر دال قد نافع وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون. # {ثم تولوا عنه} أي: أطاعوا ما دعاهم إلى الإدبار عنه من دواعي الهوى ~~ونوازع الشهوات والحظوظ {وقالوا} أي: زيادة على إساءتهم بالتولي {معلم} أي: ~~علمه غيره القرآن من البشر، قال بعضهم: علمه غلام أعجمي لبعض ثقيف، وقال ~~آخرون: إنه {مجنون} أي: يلقي الجن إليه هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشي. # {إنا} أي: على ما لنا من العظمة {كاشفو العذاب} أي: بدعاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنه دعا فرفع عنهم القحط {قليلا} أي: زمنا يسيرا، قيل: إلى يوم ~~بدر، وقيل: ما بقي من أعمارهم {إنكم ms3165 عائدون} أي: ثابت عودكم عقب كشفنا عنكم ~~إلى الكفران لما في جبلاتكم من العوج وطبائعكم من المبادرة إلى الزلل، ~~فإيمانكم هذا الذي أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل وقوله تعالى: # {يوم نبطش} أي: بما لنا من العظمة {البطشة الكبرى} أي: يوم بدر منصوب ~~باذكر أو بدل من يوم تأتي، والبطش: الأخذ بقوة {إنا منتقمون} أي: منهم في ~~ذلك اليوم وهو قول ابن عباس وأكثر العلماء وفي رواية عن ابن عباس: أنه يوم ~~القيامة. # {ولقد فتنا} أي: اختبرنا بما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي ~~يريد أن يعلم حقيقة الحال بالإبلاء والتمكين ثم الإرسال {قبلهم} أي: هؤلاء ~~العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم {قوم فرعون} أي: مع فرعون لأن ما كان ~~فتنة لقومه كان فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة بما أحاط به من الدنيا ~~وسيأتي التصريح به في آخر القصة {وجاءهم} أي: فرعون وقومه زيادة في فتنتهم ~~{رسول كريم} هو موسى عليه السلام قال الكلبي: كريم على ربه بمعنى أنه تعالى ~~أعطاه أنواعا كثيرة من الإكرام، وقال مقاتل: حسن الخلق، وقال الفراء: يقال ~~فلان كريم قومه، قيل: ما بعث نبي إلا من أشراف قومه وأكرمهم ثم فسر ما ~~بلغهم من الرسالة بقوله: # {أن أدوا إلي} ما أدعوكم إليه من الإيمان أي: أظهروا طاعتكم بالإيمان لي ~~يا {عباد الله} أو أطلقوا بني إسرائيل ولا تعذبوهم وأرسلوهم معي كقوله ~~{فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم} (طه: 47) # {إني لكم} أي: خاصة بسبب ذلك {رسول} أي: من عند الله الذي لا تكون ~~الرسالة الكاملة إلا منه {أمين} أي: بالغ الأمانة لأن الملك الديان لا يرسل ~~إلا من كان كذلك وقوله عليه السلام: # {وأن لا تعلوا} معطوف على أن الأولى وأن هذه مقطوعة في الرسم، والمعنى لا ~~تتكبروا {على الله} تعالى بإهانة وحيه ورسوله {إني آتيكم بسلطان} أي: برهان ~~{مبين} أي: بين على رسالتي فتوعدوه حين قال لهم ذلك بالرجم فقال: # PageV03P583 # {وإني عذت} أي: اعتصمت وامتنعت {بربي} الذي رباني على ms3166 ما اقتضاه لطفه ~~وإحسانه إلي {وربكم} الذي أعاذني من تكبركم وقوة مكنتكم {أن ترجمون} أي: أن ~~يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي فإني قلت: إني أخاف أن يقتلون فقال ~~تعالى {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا} ~~(القصص: 35) # فمن أعظم آياتي أن لا تصلوا مع قوتكم وكثرتكم إلى قتلي مع أنه لا قوة لي ~~بغير الله الذي أرسلني، وقال ابن عباس: أن ترجمون بالقول وهو الشتم ~~وتقولوا: هو ساحر، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي عذت بإدغام الذال في ~~التاء، والباقون بالإظهار، وقرأ ورش بإثبات الياء بعد النون في ترجمون في ~~الوصل دون الوقف، والباقون بغير ياء وقفا وصلا وكذلك فاعتزلون الآتي. # ولما كان التقدير فإن آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم عطف عليه قوله تعالى: # {وإن لم تؤمنوا لي} أي: تصدقوا لأجل ما أخبرتكم به {فاعتزلون} أي: كونوا ~~بمعزل مني لا علي ولا لي فلا تتعرضوا إلي بسوء فإنه ليس جزاء دعائكم إلى ما ~~فيه فلا حكم، والفاء في قوله تعالى: # {فدعا} تدل على أنه متصل بمحذوف قبله وتأويله أنهم كفروا ولم يرضوا فدعا ~~موسى عليه السلام {ربه} الذي أحسن إليه سياسته وسياسة قومه ثم فسر ما دعا ~~بقوله: {أن هؤلاء} أي: الحقيرين الأذلين الأرذلين {قوم} لهم قوة على القيام ~~فيما يحاولونه {مجرمون} أي: موصوفون بالعراقة في قطع ما أمرت به أن يوصل، ~~فإن قيل: الكفر أعظم حالا من الجرم فما السبب في أنه جعل الكفار مجرمين حين ~~أراد المبالغة في ذمهم؟ أجيب: بأن الكافر قد يكون عدلا في دينه وقد يكون ~~فاسقا في دينه والفاسق في دينه، أخس الناس. ثم تسبب عن دعائه لأنه ممن ~~يستجاب دعاؤه قوله تعالى: # {فأسر بعبادي} أي: بني إسرائيل الذين أرسلناك لإسعادهم باستنقاذهم ممن ~~يظلمهم وتفريغهم لعبادتي وقوله تعالى: {ليلا} نصب على الظرفية، والإسراء: ~~سير الليل، فذكر الليل تأكيد بغير اللفظ وإنما أمره بالسير بالليل لأنه ~~أوقع بالقبط موت الإبكار ليلا فأمر موسى أن يخرج بقومه في ذلك الوقت خوفا ms3167 ~~من أن يموتوا مع القبط. # ولما علم الله تعالى أنهم إن تأخروا إلى أن يطلع الفجر ويرتفع عنهم الموت ~~منعوهم الخروج وإن تأخروا إلى آخر الليل أدركوهم قبل الوصول إلى البحر ~~فقتلوهم، علل هذا الأمر بقوله مؤكدا له لأن حال القبط عندما أمرهم بالخروج ~~كان حال من لا يتهيأ له الخروج في قوله: {إنكم متبعون} أي: مطلوبون بغاية ~~الجهد من عدوكم فلا يغرنكم ما هم فيه عند أمركم بالخروج من الجزع من ~~إقامتكم بين أظهرهم وسؤالهم لكم في الخروج عنهم بسبب وقوع الموت الناشئ ~~فيهم، فإن القلوب بيد الله تعالى فهو ينسي قلب فرعون بعد رؤية هذه الآيات ~~حين يرتفع عنهم الموت ويفرغون من دفن موتاهم فيطلبكم لما دبرته في القدم من ~~سياستكم بإغراقهم أجمعين ليظهر مجدي بذلك وأدفع عنكم روع مدافعتهم، فإني ~~أعلم أنه لا قوة لكم ولا طاقة بكم فلم أكلفكم بمباشرة شيء من أمرهم، وقرأ ~~نافع وابن كثير فاسر بوصل الهمزة بعد الفاء، والباقون بقطعها، قال ~~الزمخشري: وفيه وجهان إضمار القول بعد الفاء أي: فقال اسر بعبادي، وجواب ~~شرط مقدر كأنه قال: إن كان الأمر كما تقول: فأسر بعبادي، قال أبو حيان: ~~وكثيرا # PageV03P584 # ما يدعى حذف الشرط ولا يجوز إلا لدليل واضح كأن يتقدمه الأمر أو ما أشبهه ~~يقال: سرى وأسرى لغتان. # ولما أمر بالإسراء أمر بما يفعل فيه فقال تعالى: # {واترك البحر} أي: إذا سريت بهم وتبعك العدو ووصلت بعد إليه وأمرناك ~~بضربه لينفتح لتدخلوا فيه فدخلتم ونجيتم {رهوا} بعد خروجكم منه بأجمعكم وفي ~~الرهو وجهان أحدهما: أنه الساكن أي: اتركه ساكنا قال الأعشى: # *يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل* # أي: مشيا ساكنا على هينه قارا على حاله بحيث يبقى المرتفع من مائه ~~مرتفعا، والمنخفض منخفضا كالجدار، وطريقه الذي سرتم به يابسا ذا سير سهل ~~على الحالة التي دخلتم فيها لأن موسى لما جاوز البحر أراد أن يضربه بعصاه ~~فينطبق كما ضربه فانفلق، فأمر أن يتركه ساكنا على هيئته قارا على حاله ms3168 ~~ليدخله القبط فإذا حصلوا فيه أطبقه الله تعالى عليهم، والثاني: أن الرهو ~~الفجوة الواسعة وعن بعض العرب أنه رأى جملا فالجا فقال: سبحان الله رهو بين ~~سنامين أي: اتركه مفتوحا على حاله منفرجا {إنهم جند مغرقون} أي: متمكنون في ~~هذا الوصف وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي محطه النجدة الموجبة للعلو ~~في الأمور. # ولما أخبر تعالى عن غرقهم أخبر عن متخلفهم بقوله تعالى: # {كم تركوا} أي: كثيرا ترك الذين سبق الحكم بإغراقهم فغرقوا {من جنات} أي: ~~بساتين هي في غاية ما يكون من طيب الأرض وكثرة الأشجار وزكاء الثمار ~~والنبات وحسنها الذي يستر الهموم ودل على كرم الأرض بقوله تعالى: {وعيون} ~~{وزروع} أي: ما هو دون الأشجار، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة ~~والكسائي بكسر العين والباقون بضمها ثم أخبر عن منازلهم بقوله تعالى: ~~{ومقام كريم} أي: مجلس شريف هو أهل لأن يقوم الإنسان فيه لأنه في النهاية ~~فيما يرضيه. # {ونعمة} وهي اسم للتنعم بمعنى الترفيه والعيش اللين الرغد {كانوا فيها} ~~أي: دائما {فاكهين} أي: فعلهم في عيشهم فعل المتفكه المترفه لا فعل من يضطر ~~إلى إقامة نفسه وقوله تعالى: # {كذلك} خبر لمبتدأ مضمر أي: الأمر كما أخبرنا به من تنعيمهم وإخراجهم ~~وإغراقهم وأنهم تركوا جميع ما كانوا فيه لم يغن عنهم شيء منه فلا يغتر أحد ~~بما ابتليناه من النعم لئلا نصنع به من الإهلاك ما صنعنا بهم وقوله تعالى: ~~{وأورثناها} أي: تلك الأمور العظيمة عطف على تركوا {قوما} أي: ناسا ذوي قوة ~~في القيام على ما يحاولونه وحقق أنهم غيرهم تحقيقا لإغراقهم بقوله تعالى: ~~{آخرين} ليسوا منهم في شيء وهم بنو إسرائيل وقيل: غيرهم لأنهم لم يعودوا ~~إلى مصر بل سكنوا الأرض المقدسة. # ولما سكن القوم الآخرون بمصر ورثوا كنوزها وأموالها ونعمها ومقامها ~~الكريم وقوله تعالى: # {فما بكت عليهم السماء والأرض} مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم لهوانهم، ~~وإذا لم تبك المساكن فما ظنك بالساكن الذي هو فيها تقول العرب: إذا مات رجل ~~خطير في تعظيم مهلكه: ms3169 بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح وأظلمت له الشمس ~~قال الفرزدق: # *فالشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمر* # وقالت الخارجية: # PageV03P585 # *أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف* # وقال جرير: # *لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع* # وذلك على سبيل التخييل والتمثيل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء، عليه قال ~~الزمخشري: وكذلك ما يروى عن ابن عباس من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الأرض ~~ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل، ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى: ~~{فما بكت عليهم السماء والأرض} تهكما بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم ~~فقده فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض. # وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مسلم إلا ~~وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله فإذا مات وفقداه ~~بكيا عليه وتلا هذه الآية» . وقال علي رضي الله عنه: إن المؤمن إذا مات بكى ~~عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. وعن الحسن: فما بكى عليهم ~~الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين يعني فما بكى عليهم أهل ~~السماء وأهل الأرض. وقال عطاء: بكاء السماء حمرة أطرافها، وقال السدي: لما ~~قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما: بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها، وقرأ ~~أبو عمرو عليهم في الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضمهما، ~~والباقون: بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف فحمزة بضم الهاء والباقون ~~بالكسر {وما كانوا منظرين} أي: لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى وقت آخر ~~لتوبة وتدارك تقصير. # ولما كان إنقاذ بني إسرائيل من القبط أمرا باهرا لا يكاد يصدق فضلا عن أن ~~يكون بإهلاك أعدائهم، أكد سبحانه الأخبار بذلك إشارة إلى ما يحق له من ~~العظمة تنبيها على أنه قادر أن يفعل بهذا النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ~~كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالا وأنهم في قبضتهم فقال تعالى: # {ولقد نجينا} أي: بما لنا من العظمة تنجية عظيمة {بني ms3170 إسرائيل} بعبدنا ~~المخلص لنا {من العذاب المهين} أي: من استعباد فرعون وقتله أبناءهم وقوله ~~تعالى: # {من فرعون} بدل من العذاب على حذف المضاف، أو جعله عذابا لإفراطه في ~~التعذيب، أو حال من المهين أي: واقعا من جهته {إنه كان عاليا} أي: في جبلته ~~العراقة في العلو {من المسرفين} أي: العريقين في مجاوزة الحدود. # {ولقد اخترناهم} أي: بني إسرائيل بما لنا من العظمة {على علم} أي: عالمين ~~بأنهم أحقاء بأن يختاروا ويجوز أن يكون المعنى مع علم منا بأنهم يزيغون ~~ويفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال. ثم بين المفضل عليه بعد أن بين المفضل ~~بقوله تعالى: {على العالمين} أي: الموجودين في زمانهم بما أنزلنا عليهم من ~~الكتب وأرسلنا إليهم من الرسل، وقيل: على الناس جميعا لكثرة الأنبياء منهم، ~~وقيل: عام دخله التخصص ثم بين آثار الاختيار بقوله تعالى: # {وآتيناهم} أي: على ما لنا من العظمة {من الآيات} أي: العلامات الدالة ~~على عظمتنا واختيارنا لهم من حين أتى موسى عبدنا عليه السلام فرعون إلى أن ~~فارقهم بالوفاة وبعد وفاته على أيدي الأنبياء المقررين للشريعة عليهم ~~السلام {ما فيه بلاء} أي: اختبار مثله يميل من ينظره أو يسمعه إلى غير ما ~~كان عليه، وذلك بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن # PageV03P586 # والسلوى وغير ذلك مما رأوه من الآيات التسع {مبين} أي: بين في نفسه موضح ~~لغيره. # {إن هؤلاء} إشارة إلى كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة ~~للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار على مثل ما حل بهم ~~{ليقولون} أي: بعد قيام الحجة البالغة عليهم مبالغين في الإنكار. # {أن} أي: ما {هي} وقولهم {إلا موتتنا} على حذف مضاف أي: ما الحياة إلا ~~حياة موتتنا {الأولى} التي كانت قبل نفخ الروح كما سيأتي إن شاء الله تعالى ~~في الجاثية {إن هي إلا حياتنا الدنيا} (الأنعام: 29) # وقال الجلال المحلي: إن هي ما الموتة التي بعدها الحياة إلا موتتنا ~~الأولى أي: وهم نطف، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة وأبو عمرو بين بين، ms3171 ~~وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح {وما نحن بمنشرين} أي: بمبعوثين ~~بحيث نصير ذوي حركة اختيارية ننتشر بها بعد الموت، يقال: نشره وأنشره أحياه ~~ثم احتجوا على نفي الحشر والنشر بقولهم: # {فأتوا} أي: أيها الزاعمون أنا نبعث بعد الموت {بآبائنا} أي: لكوننا ~~نعرفهم ونعرف وفور عقولهم {إن كنتم صادقين} أي: ثابتا صدقكم في أنا نبعث ~~يوم القيامة أحياء بعد الموت ثم خوفهم الله تعالى بمثل عذاب الأمم الخالية ~~فقال تعالى: # {أهم خير} أي: في الدين والدنيا {أم قوم تبع} أي: ليسوا خيرا منهم فهو ~~استفهام على سبيل الإنكار، قال أبو عبيدة: ملوك اليمن كل واحد منهم يسمى ~~تبعا لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في ~~الإسلام وهم الأعاظم في ملوك الحرب، وقال قتادة: هو تبع الحميري وكان من ~~ملوك اليمن سمي بذلك: لكثرة أتباعه وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه ~~وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه، ولذلك ذم الله تعالى قومه ولم يذمه، وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا تبعا فإنه قد أسلم» . وعنه صلى الله ~~عليه وسلم «ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي» . وعن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: «لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا» . وذكر عكرمة عن ابن عباس: أنه ~~كان تبع الآخر وهو أبو كرب أسعد بن مليك وكان سار بالجيوش نحو المشرق وحبر ~~الحبر وبنى قصر سمرقند، وملك بقومه الأرض طولها والعرض وكان أقرب المملكين ~~إلى قريش زمانا ومكانا، وكان له بمكة المشرفة ما ليس لغيره من الآثار، قال ~~الرازي في اللوامع: هو أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام ~~به ستة أيام وطاف به وحلق. # قال البغوي بعد أن ذكر قصته مع الأنصار: لما قتل ابنه غيلة في المدينة ~~الشريفة وما وعظ به اليهود في الكف عن خراب المدينة لأنها مهاجر نبي من ~~قريش إنه صدقهم واتبع دينهم وذلك قبل نسخه. وعن الرياشي آمن تبع بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن ms3172 يبعث بسبعمائة عام، فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ~~{أهم خير أم قوم تبع} مع أنه لا خير في الفريقين؟ أجيب: بأن معناه أهم خير ~~في القوة والشوكة كقوله تعالى: {أكفاركم خير من أولئكم} (القمر: 43) # بعد ذكر آل فرعون ويجوز في قوله تعالى: {والذين من قبلهم} أي: مشاهير ~~الأمم كمدين وأصحاب الأيكة والرس وثمود وعاد، ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يكون ~~معطوفا على قوم تبع، ثانيها: أن يكون مبتدأ وخبره {أهلكناهم} أي: بعظمتنا ~~وإن كانوا أصحاب مكنة وقوة، وأما على الأول {فأهلكناهم} إما مستأنف، وإما ~~حال من الضمير المستكن في الصلة، ثالثها: أن يكون منصوبا بفعل مقدر يفسره ~~أهلكناهم ولا محل لأهلكناهم حينئذ {إنهم # PageV03P587 # كانوا} أي: جبلة وطبعا {مجرمين} أي: عريقين في الإجرام فليحذر هؤلاء إن ~~ارتكبوا مثل أفعالهم من مثل حالهم. # ولما أنكر تعالى على كفار مكة قولهم، ووصفهم بأنهم أضعف ممن كان قبلهم، ~~ذكر الدليل القاطع على صحة القول بالبعث والقيامة فقال تعالى: # {وما خلقنا السموات} أي: على عظمها واتساع كل واحدة منها واحتوائها لما ~~تحتها وجمعها لأن العمل كلما زاد كان أبعد عن العبث. # ولما كان الدليل على تطابق الأرض دليلا دقيقا وحدها بقوله تعالى: ~~{والأرض} أي: على ما فيها من المنافع {وما بينهما} أي: النوعين وبين كل ~~واحدة منهما وما يليها {لاعبين} أي: على ما لنا من العظمة التي يدرك من له ~~أدنى عقل تعاليها عن اللعب لأنه لا يفعله إلا ناقص، ولو تركنا الناس يبغي ~~بعضهم على بعض كما تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم بحقه من قويهم لكان خلقنا ~~لهم لعبا بل اللعب أخف منه، ولم نكن على ذلك التقدير مستحقين للصفة القدسية ~~وقد تقدم تقرير هذا الدليل في أول سورة يونس وفي آخر سورة المؤمنين عند ~~قوله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} (المؤمنون: 115) # وفي ص عند قوله تعالى {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا} (ص: ~~28) . # {ما خلقناهما} أي: السموات والأرض مع ما بينهما وقوله تعالى: {إلا بالحق} ~~حال إما من الفاعل وهو الظاهر، وإما ms3173 من المفعول أي: إلا محقين في ذلك يستدل ~~به على وحدانيتنا وقدرتنا وغير ذلك، أو متلبسين بالحق {ولكن أكثرهم} أي: ~~هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم وهم يقولون: {إن هي إلا موتتنا الأولى} وكذا من ~~نحا نحوهم {لا يعلمون} أي: إنا خلقنا الخلق بسبب إقامته الحق عليهم فهم ~~لأجل ذلك يجترؤون على المعاصي ويفسدون في الأرض لا يرجون ثوابا ولا يخافون ~~عقابا، ولو تذكروا ما ذكرناه في جبلاتهم لعلموا علما ظاهرا أنه الحق الذي ~~لا معدل عنه، كما يتولى حكامهم المناصب لأجل إظهار الحكم بين رعاياهم ~~ويشترطون الحكم بالحق ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا يتجاوزونه. # ولما ذكر الدليل على إثبات البعث والقيامة ذكر عقبه يوم الفصل فقال ~~تعالى: # {إن يوم الفصل} أي: يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين العباد، قال ~~الحسن: سمي بذلك؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بين أهل الجنة والنار، وقيل: ~~يفصل فيه بين المؤمن وما يكرهه وبين الكافر وما يريده {ميقاتهم} أي: وقت ~~موعدهم الذي ضرب لهم في الأزل وأنزلت فيه الكتب على ألسنة الرسل {أجمعين} ~~لا يتخلف عنه أحد ممن مات من الجن والأنس والملائكة وجميع الحيوانات وقوله ~~تعالى: # {يوم لا يغني} أي: بوجه من الوجوه بدل من يوم الفصل، أو منصوب بإضمار ~~أعني، أو صفة لميقاتهم، ولا يجوز أن ينتصب بالفصل نفسه لما يلزم من الفصل ~~بينهما بأجنبي وهو ميقاتهم {مولى} أي: من قرابة أو غيرها {عن مولى} بقرابة ~~أو غيرها أي: لا يدفع عنه {شيئا} من الأشياء كثر أو قل {ولا هم} أي: ~~القسمان {ينصرون} أي: ليس لهم ناصر يمنعهم من عذاب الله تعالى. # تنبيه: المولى إما في الدين، أو في النسب، أو العتق، وكل هؤلاء لا يسمون ~~بالمولى فلما لم تحصل النصرة منهم فأن لا تحصل ممن سواهم أولى، ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} إلى قوله تعالى ~~{ولا هم ينصرون} (البقرة: 48) # وقال الواحدي: المراد بقوله تعالى: {مولى عن مولى} الكفار # PageV03P588 # لأنه ذكر بعده المؤمن فقال ms3174 تعالى: # {إلا من رحم الله} أي: أراد إكرامه الملك الأعظم وهم المؤمنون يشفع بعضهم ~~لبعض بإذن الله تعالى في الشفاعة لأحدهم فيكرم الشافع فيه وقال ابن عباس: ~~يريد المؤمن فإنه يشفع له الأنبياء والملائكة. # تنبيه: يجوز في {إلا من رحم الله} أوجه؛ أحدها: وهو قول الكسائي أنه ~~منقطع، ثانيها: أنه متصل تقديره لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنهم ~~يؤذن لهم في الشفاعة فيشفعون في بعضهم كما مر، ثالثها: أن يكون مرفوعا على ~~البدلية من مولى الأول ويكون يغني بمعنى ينفع قاله الحوفي، رابعها: أنه ~~مرفوع المحل أيضا على البدل من واو ينصرون أي: لا يمنع من العذاب إلا من ~~رحم الله {إنه} أي: وحده {هو العزيز} أي: المنيع الذي لا يقدح في عزته عفو ~~ولا عقاب بل ذلك دليل على عزته فإنه يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير مبالاة ~~بأحد {الرحيم} أي: الذي لا يمنع عزته أن يكرم من شاء. # ولما وصف تعالى اليوم ذكر بعده وعيد الكفار فقال سبحانه: # {إن شجرت الزقوم} هي من أخبث الشجر المر بتهامة ينبتها الله تعالى في ~~الجحيم وقد مر الكلام عليها في الصافات، ورسمت بالتاء المجرورة فوقف عليها ~~بالهاء أبو عمرو وابن كثير والكسائي، ووقف الباقون بالتاء على الرسم. # {طعام الأثيم} أي: المبالغ في اكتساب الآثام حتى صارت به إلى الكفر قال ~~أكثر المفسرين: هو أبو جهل. # {كالمهل} أي: وهو ما يمهل في النار حتى يذوب من ذهب أو فضة وكل ما في ~~معناهما من المنطبعات سواء كان من صفر أو حديد أو رصاص، وقيل: هو عكر ~~القطران، وقيل: عكر الزيت وقرأ {يغلي في البطون} أي: من شدة الحر ابن كثير ~~وحفص بالياء التحتية على أن الفاعل ضمير يعود على طعام، وجوز أبو البقاء أن ~~يعود على الزقوم، وقيل: يعود على المهل نفسه والباقون بالتاء الفوقية على ~~أن الفاعل ضمير الشجر. # {كغلي} أي: مثل غلي {الحميم} أي: الماء الذي تناهى حره بما يوقد تحته، ~~وعن ابن عباس أن النبي صلى ms3175 الله عليه وسلم قال: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت ~~في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه» ويقال ~~للزبانية: # {خذوه} أي: هذا الأثيم أخذ قهر فلا تدعوه يملك من أمره شيئا {فاعتلوه} ~~أي: جروه بقهر بغلظة وعنف وسرعة إلى العذاب والإهانة بحيث يكون كأنه محمول، ~~وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بضم التاء والباقون بكسرها وهما لغتان في ~~مضارع عتل، قال البقاعي: وقراءة الضم أدل على تناهي الغلظة والشدة من قراءة ~~الكسر {إلى سواء} أي: وسط {الجحيم} أي: النار التي هي غاية في الاضطرام ~~والتوقد وهو موضع خروج الشجرة التي هي طعامه. # {ثم صبوا فوق رأسه} أي: ليكون المصبوب محيطا بجميع جسده {من عذاب الحميم} ~~أي: من الحميم الذي لا يفارقه العذاب فهو أبلغ مما في آية {يصب من فوق ~~رؤوسهم الحميم} (الحج: 19) # ويقال له توبيخا وتقريعا: # {ذق} أي: العذاب {إنك} وأكد بقوله: {أنت} أي: وحدك دون هؤلاء الذين ~~يخبرون بحقارتك {العزيز الكريم} بزعمك وقولك: ما بين جبليها أعز وأكرم مني، ~~وقرأ الكسائي بفتح الهزة بعد القاف على معنى العلة أي: لأنك، وقيل: تقديره ~~ذق عذاب الحميم إنك أنت العزيز، والباقون بالكسر على الاستئناف المفيد ~~للعلة فتتحد القراءتان معنى، وهذا # PageV03P589 # الكلام الذي على سبيل التهكم أغيظ للمستهزأ به ومثله قول جرير لشاعر سمى ~~نفسه زهرة اليمن: # *ألم يكن في رسوم قد رسمت بها ... من كان موعظة يا زهرة اليمن* # وكان هذا الشاعر قد قال: # *أبلغ كليبا وأبلغ عنك شاعرها ... أني الأعز وأني زهرة اليمن* # ويقال لهم: # {إن هذا} أي: الذي ترون من العذاب {ما كنتم به} أي: جبلة وطبعا {تمترون} ~~أي: تعالجون أنفسكم وتحملونها على الشك فيه وتردونها عما لها من الفطرة ~~الأولى من التصديق بالممكن لاسيما من جرب صدقه وظهرت خوارق العادات على يده ~~بحيث كنتم لشدة ردكم له كأنكم تخصونه بالشك. # ولما ذكر سبحانه وتعالى وعيد الكفار أردفه بآيات الوعد فقال: # {إن المتقين} أي: العريقين في هذا الوصف {في مقام} أي: موضع إقامة لا ms3176 ~~يريد الحال فيه تحولا عنه {أمين} أي: يأمن صاحبه فيه من كل ما لا يعجبه، ~~وقرأ نافع وابن عامر بفتح الميم أي: في مجلس أمين، والباقون بضمها على ~~المصدر أي: في إقامة وقوله تعالى: # {في جنات} أي: بساتين تقصر العقول عن إدراك كل وصفها، بدل من قوله تعالى ~~في مقام أمين أو خبر ثان وقرأ {وعيون} ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة ~~والكسائي بكسر العين، والباقون بضمها. # ولما كان لا يتم العيش إلا بكسوة البدن أشار إلى ذلك بقوله تعالى: # {يلبسون} ودل على الكثرة جدا بقوله تعالى: {من سندس} وهو ما رق من الحرير ~~يعمل وجوها {وإستبرق} هو ما غلظ منه يعمل بطائن، وسمي بذلك: لشدة بريقه ~~وقوله تعالى: {متقابلين} أي: في مجلسهم ليستأنس بعضهم ببعض حال وقوله: ~~{يلبسون} حال من الضمير المستكن في الجار أو خبر ثان فيتعلق الجار به أو ~~مستأنف، فإن قيل: الجلوس على هذه الهيئة موحش لأن كل واحد منهم يصير مطلعا ~~على ما يفعل الآخر وأيضا فقليل الثواب إذا طلع على كثيره ينغص عليه؟ أجيب: ~~بأن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا وقد قال تعالى {ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل} (الأعراف: 43) # وقوله تعالى: # {كذلك} يجوز فيه وجهان؛ أحدهما: النصب نعتا لمصدر أي: نفعل بالمتقين فعلا ~~كذلك أي: مثل ذلك الفعل، ثانيهما: الرفع على خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر ~~كذلك. # ولما كان ذلك لا يتم السرور به إلا بالأزواج قال تعالى: {وزوجناهم} أي: ~~قرناهم كما تقرن الأزواج وليس المراد به العقد لأن فائدة العقد الحل والجنة ~~ليست بدار تكليف من تحليل أو تحريم {بحور} أي: جوار بيض حسان نقيات الثياب ~~{عين} أي: واسعات الأعين قال البيضاوي: واختلف في أنهن نساء الدنيا أو ~~غيرهن. # ولما كان الشخص في الدنيا يخشى كلف النفقات وصف ما هنالك من سعة الخيرات ~~فقال تعالى: # {يدعون} أي: يطلبون طلبا هو غاية المسرة {فيها} أي: الجنة أي: يؤتون {بكل ~~فاكهة} أي: لا يمتنع عليهم صنف من الأصناف لبعد مكان ولا فقدان ولا غير ms3177 ذلك ~~من الشأن، وفي ذلك إيذان بأنه مع سعته ليس فيه شيء لإقامة البنية وإنما هو ~~للتفكه والتلذذ حال كونهم مع ذلك {آمنين} في غاية الأمن من كل مخوف. # {لا يذوقون فيها} أي: الجنة {الموت} لأنها دار خلود لا دار فناء وقوله ~~تعالى {إلا الموتة الأولى} فيه أوجه؛ أحدها: أنه استثناء منقطع أي: لكن # PageV03P590 # الموتة الأولى قد ذاقوها، ثانيها: أنه متصل وتأولوه بأن المؤمن عند موته ~~في الدنيا يصير بلطف الله كأنه في الجنة لاتصاله بأسبابها ومشاهدته إياها ~~وما يعطاه من نعيمها فكأنه مات فيها، ثالثها: أن إلا بمعنى سوى أي: سوى ~~الموتة التي ذاقوها في الدنيا كما في قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} (النساء: 22) # أي: سوى ما قد سلف، رابعها: أن إلا بمعنى بعد، أي: لا يذوقون فيها الموت ~~بعد الموتة الأولى في الدنيا واختاره الطبري لكن نوزع بأن إلا بمعنى بعد لم ~~يثبت وقد يجاب: بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، خامسها: قال الزمخشري: أريد ~~أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع قوله: {إلا الموتة الأولى} موضع ~~ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق ~~بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم ~~يذوقونها، سادسها: المراد بالمتقين أعم من الراسخين وغيرهم وإن ضمير فيها ~~يرجع للآخرة، فالعاصي إذا أراد الله تعالى تعذيبه بالنار يذيقه فيها موتة ~~أخرى كما جاء في الأحاديث الصحيحة فيكون على المجموع، سابعها: أن الموتة ~~الأولى في الجنة المجازية فلا يكون ذلك بالمحال وذلك أن المتقي لم يزل فيها ~~في الدنيا. # قال بعض العلماء: الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن التقي فإنها جنة صغرى ~~لتوليه سبحانه إياه فيها وقربه منه ونظره إليه وذكره له وعبادته إياه وشغله ~~به وهو معه أينما كان، فإن قيل: أهل النار لا يذوقون الموت أبدا فلم بشر ~~أهل الجنة بهذا مع أن أهل النار يشاركونهم فيه؟ أجيب: بأن البشارة ما وقعت ms3178 ~~بدوام الحياة فقط بل مع حصول تلك الخيرات والسعادات فافترفا {ووقاهم} أي: ~~المتقين {عذاب الجحيم} أي: التي تقدم أنها لكل كفار أثيم وأما غير المتقين ~~من العصاة فيدخل الله تعالى من أراد منهم النار فيعذب كلا منهم على قدر ~~ذنوبه ثم يميتهم فيها ويستمرون إلى أن يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم، ~~فيخرجهم ثم يحييهم بما يرش عليهم من ماء الحياة، ثم يدخلهم الله تعالى ~~الجنة. # روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل ناس في النار حتى إذا ~~صاروا فحما أدخلوا الجنة فيقول أهل الجنة: من هؤلاء فيقال: هؤلاء ~~الجهنميون» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يعذب ناس من أهل التوحيد ~~في النار حتى يكونوا فيها حمما ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب ~~الجنة» ، فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة ~~السيل ثم يدخلون الجنة. وقوله تعالى: # {فضلا} مفعول لأجله أي: فعل ذلك بهم لأجل الفضل، وجعله أبو البقاء: ~~منصوبا بمقدر أي: تفضلنا بذلك فضلا أي: تفضلا. # تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الثواب يحصل من الله تعالى فضلا ~~وإحسانا وأن كل ما وصل إليه العبد من الخلاص من النار والفوز بالجنة فإنما ~~يحصل بفضل الله تعالى {من ربك} أي: المحسن إليك بكمال إحسانه إلى أتباعك ~~إحسانا يليق بك، قال الرازي في اللوامع: أصل الإيمان رؤية الفضل في جميع ~~الأحوال. # ولما عظمه الله تعالى بإظهار هذه الصفة مضافة إليه صلى الله عليه وسلم ~~زاد تعظيمه بالإشارة بأداة البعد فقال تعالى: {ذلك} أي: الفضل العظيم ~~الواسع {هو} أي: خاصة {الفوز} أي: الظفر بجميع المطالب {العظيم} لأنه خلاص ~~عن المكاره ولم يدع جهة من الشرف إلا ملأها، وهذا يدل على أن # PageV03P591 # الفضل أعلى من درجات الثواب المستحق لأنه تعالى وصفه بكونه فوزا عظيما، ~~وأيضا فإن الملك العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع على إنسان آخر فإن ~~تلك الخلعة أعلى من إعطاء تلك الأجرة. # ولما بين تعالى الدليل وشرح الوعد ms3179 والوعيد قال تعالى: # {فإنما يسرناه} أي: سهلنا القرآن سهولة كبيرة {بلسانك} أي: هذا العربي ~~المبين وهم عرب سجيتهم الفصاحة {لعلهم يتذكرون} أي: يفهمونه فيتعظون به وإن ~~لم يتعظوا ولم يؤمنوا به. # {فارتقب} أي: فانتظر ما يحل بهم {إنهم مرتقبون} أي: منتظرون ما يحل بك ~~فمفعولا الارتقاب محذوفان أي: فارتقب النصر من ربك إنهم مرتقبون بك ما ~~يتمنونه من الدوائر والغوائل ولن يضرك ذلك، وما رواه البيضاوي تبعا ~~للزمخشري أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ حم الدخان ليلة جمعة أصبح ~~مغفورا له» . رواه الترمذي وزاد الزمخشري: «من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح ~~يستغفر له سبعون ألف ملك» ورواه البغوي عن أبي هريرة. قال ابن عادل: قال ~~أبو أمامة رضي الله تعالى عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا في الجنة» ~~والله تعالى أعلم بالصواب. ### | سورة الجاثية # مكية إلا {قل للذين آمنوا يغفروا} الآية هي سبع وثلاثون آية وأربعمائة ~~وثمان وثمانون كلمة، وألفان ومائة وواحد وتسعون حرفا # {بسم الله} الذي تفرد بتمام العز والكبرياء {الرحمن} الذي أحكم رحمته ~~بالبيان العام للسعداء والأشقياء {الرحيم} الذي خص بملابسة طاعته الأولياء ~~وتقدم الكلام على قوله تعالى: # {حم} ثم إن جعلتها اسما مبتدأ مخبرا عنه بقوله تعالى: # {تنزيل الكتاب} أي: الجامع لكل خير لم يكن بد من حذف مضاف تقديره، تنزيل ~~حم تنزيل الكتاب. وقوله تعالى: {من الله} أي: المحيط بصفات الكمال صلة ~~للتنزيل، وإن جعلتها تعديدا للحروف كان تنزيل الكتاب مبتدأ والظرف خبرا ~~{العزيز} في ملكه {الحكيم} في صنعه. # ولما كانت الحواميم كما روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ابن عباس لبيان ~~القرآن حذف ما ذكر في البقرة من قوله تعالى {خلق} ليكون ما هنا أشمل فقال ~~تعالى: # {إن في السموات} أي: ذواتها بما لها من الدلالة على صانعها وخلقها على ما ~~فيها من العبر بما فيها من المنافع وعظيم الصنعة وما لها من الشفوف الدال ms3180 ~~على تعددها بما فيها من الكواكب {والأرض} كذلك وبما حوت من المعادن والمعاش ~~{لآيات} أي: دلالات على وجود الإله القادر الفاعل المختار فإن من المعلوم ~~أنه لا بد لكل ذلك من صانع متصف بذلك وقال تعالى {للمؤمنين} لأنهم برسوخهم ~~في هذا الوصف الشريف أهل للنظر لأن ربهم يهديهم بإيمانهم، فشواهد الربوبية ~~لهم منهما لائحة وأدلة الإلهية فيهما واضحة. # ولما ذكر سبحانه وتعالى النظر في آيات الآفاق أتبعها آيات الأنفس بقوله ~~تعالى: # {وفي خلقكم} أي: خلق كل منكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة إلى أن صار ~~إنسانا المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل والانتشار ~~والقدرة على السار والضار {وما} أي: وخلق ما {يبث} أي: ينشر ويفرق بالحركة ~~الاختيارية على سبيل # PageV03P592 # التجدد والاستمرار {من دابة} مما تعلمون ومما لا تعلمون بما في ذلك من ~~مشاركتكم بالاختيار والهداية للمنافع بإدراك الجزيئات ومخالفتكم في الصورة ~~والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من مخالفة الأشكال والطبائع والمنافع وغير ~~ذلك {آيات} دالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته. # وقرأ حمزة والكسائي آيات بكسر التاء حملا على اسم إن، والباقون بالرفع ~~حملا على محل إن واسمها، ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة ~~والاختيار بما لها من التجدد والاختلاف قال تعالى {لقوم} أي: فيهم أهلية ~~القيام بما يحاولونه {يوقنون} أي: يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى ~~أن يصلوا إلى شرف الإيقان فلا يخالجهم شك في وحدانيته. # {واختلاف الليل والنهار} بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب ~~آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره {وما ~~أنزل الله} أي: الذي تمت عظمته فنفذت كلمته {من السماء من رزق} أي: مطر ~~وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق {فأحيا به} أي: بسببه {الأرض} أي: ~~الصالحة للحياة ولذلك قال تعالى {بعد موتها} أي: يبسها وتهشيم ما كان فيها ~~من النبات {وتصريف} أي: تحويل {الرياح} باختلاف جهاتها وأحوالها. # وقرأ حمزة والكسائي بالتوحيد، والباقون بالجمع وقوله تعالى {آيات} فيه ~~القراءتان المتقدمتان، أما الرفع فظاهر ms3181 وأما الكسر ففيه وجهان؛ أحدهما: ~~أنها معطوفة على اسم إن والخبر قوله {وفي خلقكم} كأنه قيل: وإن في خلقكم ~~وما يبث من دابة آيات، والثاني: أن تكون كررت تأكيدا لآيات الأولى ويكون ~~{في خلقكم} معطوفا على {في السموات} كرر معه حرف الجر توكيدا، ونظيره أن ~~تقول: إن في بيتك زيدا وفي السوق زيدا فزيدا الثاني تأكيد للأول كأنك قلت: ~~إن زيدا زيدا في بيتك وفي السوق وليس في هذه عطف على معمولي عاملين ألبتة. # ولما كانت هذه الآية أوضح دلالة من بقيتها على البعث قال تعالى فيها ~~{لقوم يعقلون} الدليل فيؤمنون وأبدى بعض المفسرين معنى لطيفا فقال: إن ~~المنصفين إذا نظروا في السموات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا وإذا ~~نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيمانا فأيقنوا، فإذا نظروا في سائر ~~الحوادث عقلوا واستحكم علمهم. # ولما ذكر هذه الآيات العظيمات قال تعالى مشيرا إلى علو رتبتها بأداة ~~البعد: # {تلك} أي: الآيات المذكورة {آيات الله} أي: حجج المحيط بصفات الكمال التي ~~لا شيء أجل منها الدالة على وحدانيته {نتلوها} أي: نقصها {عليك} سواء أكانت ~~مرئية أو مسموعة ملتبسة {بالحق} أي: الأمر الثابت الذي لا يستطاع تحويله ~~ليس بسحر ولا كذب {فبأي حديث} أي: خبر عظيم صادق يتجدد علمه به يستحق أن ~~يتحدث به واستغرق كل حديث فقال تعالى {بعد الله} أي: حديث الملك الأعظم وهو ~~القرآن {وآياته} أي: حججه {يؤمنون} أي: كفار مكة أي: لا يؤمنون، وقرأ ابن ~~عامر وشعبة والكسائي بتاء الخطاب رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {نتلوها عليك بالحق} ، والباقون بياء ~~الغيبة ردوه على قوله تعالى {وفي خلقكم} وهو أقوى تبكيتا. # ولما بين الآيات للكفار وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها بعد ظهورها فبأي ~~حديث بعدها يؤمنون؟ أتبعه # PageV03P593 # بوعيد عظيم لهم فقال تعالى: # {ويل لكل أفاك} أي: مبالغ في صرف الحق عن وجهه {أثيم} أي: مبالغ في ~~اكتساب الإثم وهو أن يبقى مصرا على الإنكار والاستكبار، ms3182 قال المفسرون: يعني ~~النضر ابن الحارث والآية عامة فيمن كان موصوفا بهذه الصفة وفسر هذا بقوله ~~تعالى: # {يسمع آيات الله} أي: دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها {تتلى عليه} ~~بجميع ما فيها وهي القرآن من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها ~~وجلالة مقاصدها مع الإعجاز وهي القرآن العظيم، فكيف إذا كان التالي أشرف ~~الخلق، وقرأ حمزة والكسائي بإمالة محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون ~~بالفتح {ثم يصر} أي: يدوم دواما عظيما على قبح ما هو فيه حال كونه ~~{مستكبرا} أي: طالبا للكبر عن الإذعان وموجدا له {كأن} أي: كأنه {لم ~~يسمعها} أي: حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء {فبشره} أي: على هذا ~~الفعل الخبيث {بعذاب أليم} أي: مؤلم، والبشارة على الأصل أو التهكم، وقرأ ~~ابن كثير وحفص {أليم} بالرفع والباقون بالجر. # {وإذا علم} أي: بلغه {من آياتنا} أي: القرآن {شيئا} وعلم أنه من آياتنا ~~{اتخذها هزوا} أي: مهزوا بها. # تنبيه: في الضمير المؤنث وجهان؛ أحدهما: أنه عائد على {آياتنا} يعني ~~القرآن، والثاني: أنه يعود على {شيئا} وإن كان مذكرا لأنه بمعنى الآية كقول ~~أبي العالية: # *نفسي بشيء من الدنيا معلقة ... الله والقائم المهدي يكفيها* # لأنه أراد بشيء جارية يقال لها: عنبة، والمعنى: اتخذ ذلك الشيء هزوا إلا ~~أنه تعالى قال: {اتخذها} للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحس بشيء من الكلام أنه ~~من جملة الآيات المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم خاض في الاستهزاء ~~بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد وقوله تعالى {أولئك لهم ~~عذاب مهين} أي: ذو إهانة إشارة إلى معنى {كل أفاك أثيم} (الشعراء: 222) # ليدخل فيه جميع الأفاكين، فحمل أولا على لفظها فأفراد ثم على معناها فجمع ~~كقوله تعالى {كل حزب بما لديهم فرحون} (الروم: 32) # ثم وصف تعالى كيفية ذلك العذاب فقال: # {من ورائهم} أي: أمامهم لأنهم في الدنيا {جهنم} قال الزمخشري: والوراء ~~اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام قال: # *أليس ورائي إن تراخت منيتي ... أدب مع الولدان أزحف كالنسر* # ومنه ms3183 قوله تعالى {من ورائهم} أي: من قدامهم ا. ه ثم بين تعالى أن ما ~~سلكوه في الدنيا لا ينفعهم بقوله تعالى: {ولا يغني} أي: ولا يدفع {عنهم ما ~~كسبوا} من الأموال في رحلهم ومتاجرهم والأولاد {شيئا} من الإغناء. وقوله ~~تعالى: {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} أي: من الأوثان عطف على {ما ~~كسبوا} و {ما} فيهما إما مصدرية، أو بمعنى الذي أي: لا يغني عنهم كسبهم ولا ~~اتخاذهم أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه {ولهم عذاب عظيم} أي: لا يدع جهة من ~~جهاتهم ولا زمانا من أزمانهم ولاعضوا من أعضائهم إلا ملأه، فإن قيل: قال ~~تعالى في الأول {مهين} وفي الثاني {عظيم} فما الفرق بينهما؟ أجيب: بأن كون ~~العذاب مهينا يدل على حصول العذاب مع الإهانة، وكونه عظيما يدل على كونه ~~بالغا إلى أقصى الغايات في الضرر وقوله تعالى: # {هذا هدى} إشارة إلى القرآن يدل عليه قوله تعالى {والذين كفروا بآيات ~~ربهم} هي القرآن أي: هذا القرآن كامل في الهداية # PageV03P594 # كما تقول: زيد رجل أي: كامل في الرجولية وأيما رجل {لهم عذاب} كائن {من ~~رجز} أي: شديد العذاب {أليم} أي: بليغ الإيلام. # ولما ذكر تعالى ذكر الربوبية ذكر بعض آثارها وما فيها من آياته فقال ~~مستأنفا دالا على عظمتها بالاسم الأعظم: # {الله} أي: الملك الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال {الذي سخر} أي: وحده ~~من غير حول منكم ولا قوة في ذلك بوجه من الوجوه {لكم البحر} أيها الناس ~~بركم وفاجركم بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل ~~بالاختيار من القابلية للسير فيه من الرقة والليونة {لتجري الفلك} أي: ~~السفن {فيه بأمره} أي: بإذنه ولو كانت موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه ~~أخف شيء منه كالإبرة وما دونها، ففي ذلك دلالة ظاهرة على وحدانيته لأن ~~جريان الفلك على وجه الماء لا يحصل إلا بثلاثة أشياء؛ أحدها: الرياح التي ~~توافق المراد، وثانيها: خلق وجه الماء على الملامسة التي تجري عليها الفلك، ~~وثالثها: خلق الخشبة على ms3184 وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تغرق فيه، وهذه ~~الأحوال لا يقدر عليها أحد من البشر {ولتبتغوا} أي: تطلبوا بشهوة نفس ~~واجتهاد بما تحملون فيه من البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد ~~بالصيد والغوص على اللؤلؤ والمرجان وغير ذلك {من فضله} لم يصنع شيئا منه ~~سواه {ولعلكم تشكرون} نعمه على ذلك. # {وسخر لكم ما في السموات} من شمس وقمر ونجم بها وغير ذلك بحيث لا يمكنكم ~~الوصول إليه بوجه {وما في الأرض} من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيره ولو شاء ~~لجعله كما في السماء لا وصول لكم إليه وقوله تعالى {جميعا} توكيد لما دل ~~عليه معنى ما من العموم وقيل: حال من {ما في السموات وما في الأرض} وقوله ~~تعالى {منه} حال أي: سخرها كائنة منه تعالى لا صنع لأحد غيره في شيء من ~~ذلك، قال ابن عباس: كل ذلك رحمة منه، وقال الزجاج: كل ذلك تفضل منه وإحسان، ~~وقال بعض العارفين: سخر لك الكل لئلا يسخرك لشيء منها فتكون مسخرا لمن سخر ~~لك الكل وهو الله تعالى فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم خادمه {إن في ذلك} أي: ~~الأمر العظيم من تسخيره لنا كل شيء في الكون {لآيات} أي: دلالات واضحات على ~~أنهم في الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من الأعضاء ~~والقوى على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا ~~{لقوم} أي: ناس فيهم أهلية القيام بما يجعل إليهم {يتفكرون} فيعلمون أنه ~~المتوحد باستحقاق الإلهية فلا يشركون به شيئا واختلف في سبب نزل قوله ~~تعالى: # {قل} أي: يا أفضل الخلق {للذين آمنوا} ادعوا التصديق بكل ما جاءهم عن ~~الله تعالى {يغفروا} أي: يستروا سترا بالغا {للذين لا يرجون أيام الله} أي: ~~مثل وقائع الملك الأعظم المحيط بصفة الكمال، فقال ابن عباس: «نزلت في عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه وذلك أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال ~~لها: المريسيع، فأرسل عبد الله بن أبي غلامه ms3185 ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما ~~أتاه قال له ما حبسك؟ قال غلام عمر: قعد على طرف البئر فما ترك أحدا يستقي ~~حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر رضي الله عنه، فقال عبد ~~الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ ذلك عمر ~~فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية» . # وقال مقاتل: إن رجلا من بني غفار شتم عمر # PageV03P595 # بمكة فهم عمر أن يبطش به، فنزلت بالغفر والتجاوز، وروى ميمون بن مهران: ~~«أن فتحاص اليهودي لما نزل قوله تعالى {من ذا الذي يقرض الله قرضااحسنا} ~~(البقرة: 245) # قال: احتاج رب محمد فسمع ذلك عمر فاشتمل على سيفه وخرج في طلبه فبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم إليه فرده» . # وقال القرطبي والسدي: «نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أهل مكة كانوا في أذى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال ~~فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت» . ثم نسختها آية ~~القتال، قال الرازي: وإنما قالوا بالنسخ لأنه يدخل تحت الغفران أن لا ~~يقتلوا ولا يقاتلوا، فلما أمر الله تعالى بالمقاتلة كان نسخا والأقرب أن ~~يقال إنه محمول على ترك المنازعة وعلى التجاوز فيما يصدر عنهم من الكلمات ~~المؤذية، وقال ابن عباس: لا يرجون أيام الله أي: ثوابه ولا يخافون عقابه ~~ولا يخشون مثل عذاب الأمم الماضية وتقدم تفسير أيام الله عند قوله تعالى ~~{وذكرهم بأيام الله} (إبراهيم: 5) # وقوله تعالى {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} علة للأمر، والقوم: هم ~~المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو ~~التنويع أو لكسب المغفرة أو الإساءة أو ما يعمهما، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي بالنون لنجزي نحن بما لنا من العظمة، والباقون بالياء التحتية أي: ~~ليجزي الله سبحانه وتعالى. # ولما رغب سبحانه وتعالى ورهب وقرر أنه لا بد من الجزاء زاد في الترغيب ~~والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال تعالى شارحا للجزاء: ms3186 # {من عمل صالحا} قل أو جل {فلنفسه} أي: خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا ~~والآخرة وهو مثل ضربه الله تعالى للذين يغفرون {ومن أساء} كذلك {فعليها} ~~خاصة إساءته كذلك، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار الذين كانوا يؤذون ~~الرسول والمؤمنين، وذلك في غاية الظهور لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكا ~~يدع عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيما، وإن كانت نقائص النفوس غطت ~~على كثير من العقول ذلك {ثم} أي: بعد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس ~~في البرزخ {إلى ربكم} أي: الملك المالك لكم لا إلى غيره {ترجعون} أي: ~~تصيرون فيجازي المصلح والمسيء. # {ولقد آتينا} أي: على ما لنا من العظمة {بني إسرائيل الكتاب} أي: الجامع ~~للخيرات وهو يعم التوراة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على أنبيائهم ~~عليهم السلام {والحكم} أي: العلم والعمل الثابتين ثبات الأحكام بحيث لا ~~يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل وللعمل من الإتقان بالعلم ~~{والنبوة} التي تدرك بها الخيرات العظيمة التي لا يمكن إبلاغ الخلق إليها ~~بلوغ اكتساب منهم فأكثرنا فيهم من الأنبياء عليهم السلام. # {ورزقناهم} بما لنا من العظمة لإقامة أبدانهم {من الطيبات} أي: الحلالات ~~من المن والسلوى وغيرهما {وفضلناهم} أي: بما لنا من العزة {على العالمين} ~~قال أكثر المفسرين: علامي زمانهم، وقال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين ~~أكرم على الله ولا أحب إليه منهم، أي: لما آتاهم من الآيات المرئية ~~والمسموعة وأكثر فيهم من الأنبياء مما لم يفعله بغيرهم ممن سبق وكل ذلك ~~فضيلة ظاهرة. # {وآتيناهم} مع ذلك {بينات من الأمر} أي: الموحى به إلى أنبيائهم من ~~الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات ومن صفات الأنبياء ~~الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو # PageV03P596 # في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته، وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد ~~كانوا متفقين وهم في زمن الضلال لا يختلفون إلا اختلافا يسيرا لا يضر مثله ~~ولا يعد اختلافا، فلما جاءهم العلم اختلفوا كما قال تعالى {فما اختلفوا} ~~أي: أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم ms3187 {إلا من بعد ما جاءهم العلم} ~~أي: الذي من شأنه الجمع على المعلوم فكان ما هو سبب الاجتماع سببا لهم في ~~الافتراق {بغيا} أي: للمجاوزة في الحدود التي اقتضاها لهم طلب الرياسة ~~والحسد وغيرهما من نقائص النفوس {بينهم} أي: واقعا فيهم لم يعدهم إلى غيرهم ~~وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على ~~الرضا بالذل، ولذلك استأنف قوله تعالى الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده ~~العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أمرهم مؤكدا لأجل إنكارهم {إن ربك} أي: ~~المحسن إليك {يقضي بينهم} أي: بإحصاء الأعمال والجزاء عليها {يوم القيامة} ~~أي: الذي ينكره قومك الذين شرفناهم برسالتك {فيما كانوا} أي: لما هو لهم ~~كالجبلة {فيه يختلفون} بغاية الجهد، والمعنى: أنه لا ينبغي للمبطل أن يفرح ~~بنعم الدنيا فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها فإنه سيرى في الآخرة ~~ما يسوءه وذلك كالزجر لهم. # ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق بغيا وحسدا أمر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يعدل عن تلك الطريقة وأن يتمسك بالحق وأن لا يكون له غرض سوى إظهار ~~الحق فقال تعالى: # {ثم} أي: بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على رتبة شريعتهم ~~{جعلناك} أي: بما لنا من العزة والقدرة {على شريعة} أي: طريقة واسعة عظيمة ~~ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ~~ويخالطوها مبتدأة {من الأمر} أي: أمر الدين الذي هو حياة الأرواح كما أن ~~الأرواح حياة الأشباح {فاتبعها} أي: اتبع بغاية جهدك شريعتك الثابتة بالحجج ~~{ولا تتبع أهواء} أي: آراء {الذين لا يعلمون} أي: لا علم لهم أو لهم علم ~~لكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلا من كفار العرب وغيرهم، قال الكلبي: ~~«إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة: ارجع إلى دين ~~آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن فأنزل الله تعالى هذه الآية» . ثم علل هذا ~~النهي مهددا بقوله تعالى مؤكدا: # {إنهم} وأكد النفي فقال ms3188 عز من قائل {لن يغنوا عنك} أي: لا يتجدد لهم نوع ~~إغناء مبتدأ {من الله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلما {شيئا} أي: من إغناء ~~أي: إن اتبعتهم، كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم ~~{وإن الظالمين} أي: الغريقين في هذا الوصف وهم الكفرة، وكان الأصل: وإنهم ~~ولكنه تعالى أظهر للإعلام بوصفهم {بعضهم أولياء بعض} إذ الجنسية علة ~~الانضمام فلا توالوهم باتباع أهوائهم {والله} أي: الذي له صفات الكمال {ولي ~~المتقين} أي: الذين همهم الأعظم الاتصاف باتخاذ الوقايات المنجية لهم من ~~سخط الله تعالى، والمعنى: أن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا وأما في ~~الآخرة فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب، وأما المتقون ~~المهتدون فالله سبحانه وليهم وناصرهم. # {هذا} أي: الوحي المنزل وهو القرآن {بصائر} أي: معالم {للناس} أي: في ~~الحدود والأحكام فيبصروا بها ما ينفعهم وما يضرهم {وهدى} أي: قائد إلى كل ~~خير مانع من كل زيغ {ورحمة} أي: كرامة وفوز ونعمة # PageV03P597 # {لقوم يوقنون} أي: ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد ~~الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له وقوله تعالى: # {أم حسب} منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها أو بالهمزة وحدها ومعنى ~~الهمزة فيها: إنكار الحسبان {الذين اجترحوا} أي: اكتسبوا ومنه الجوارح ~~وفلان جارحة أهله أي: كاسبهم وقال تعالى {ويعلم ما جرحتم بالنهار} ~~(الأنعام: 60) # {السيئات} أي: الكفر والمعاصي {أن نجعلهم} أي: بما لنا من العظمة المانعة ~~من الظلم المقتضية للحكمة {كالذين آمنوا وعملوا} تصديقا لإقرارهم ~~{الصالحات} أي: بأن نتركهم بغير حساب للفصل بين المحسن والمسيء. # ولما كانت المماثلة مجملة بينها استئنافا بقوله تعالى: {سواء} أي: مستو ~~استواء عظيما {محياهم ومماتهم} أي: حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في ~~الارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني، وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص سواء بالنصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور ~~وهما كالذين آمنوا، ويكون المفعول الثاني للجعل كالذين آمنوا أي: أحسبوا أن ~~نجعلهم مثلهم في حال ms3189 استواء محياهم ومماتهم ليس الأمر كذلك، وقرأه الباقون ~~بالرفع على أنه خبر ومحياهم ومماتهم مبتدأ ومعطوف والجملة بدل من الكاف ~~والضميران للكفار، والمعنى: أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين ~~أي: في رغد من العيش مساو لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين: لئن بعثنا ~~لنعطي من الخير مثل ما تعطون، قال تعالى على وفق إنكاره بالهمزة {ساء ما ~~يحكمون} أي: ليس الأمر كذلك فهم في الآخرة في العذاب على خلاف عيشهم في ~~الدنيا والمؤمنون في الآخرة في الثواب بأعمالهم الصالحات في الدنيا من ~~الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك، وما مصدرية أي: بئس حكما حكمهم هذا. # ولما بين تعالى أن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادة أتبعه ~~بالدلائل الظاهرة على صحة ذلك فقال تعالى: # {وخلق الله} أي: الذي له جميع أوصاف الكمال {السموات والأرض} وقوله تعالى ~~{بالحق} متعلق بخلق وقوله تعالى {ولتجزى} أي: بأيسر أمر {كل نفس} أي: منكم ~~ومن غيركم معطوف على بالحق في المعنى لأن كلا منهما سبب فعطف العلة على ~~مثلها أو أنه معطوف على معلل محذوف والتقدير: خلق هذا العالم إظهارا للعدل ~~والرحمة، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة وحصل التفاوت بين الدرجات ~~والدركات من المحقين والمبطلين {بما} أي: بسبب ما {كسبت} من خير أو شر ~~{وهم} أي: والحال أنهم {لا يظلمون} أي: لا يوجد من موجد ما في وقت من ~~الأوقات جزاء لهم في غير موضعه هذا على ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل، ~~ولو وجد منه سبحانه وتعالى غير ذلك لم يكن ظلما منه لأنه المالك المطلق ~~والملك الأعظم، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم في نفس ~~الأمر، فهذا الخطاب إنما هو على ما يتعارفونه من إقامة الحجة بمخالفة الأمر ~~ثم عاد سبحانه وتعالى إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طرائقهم فقال: # {أفرأيت} أي: أعلمت علما هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي هي أثبت ~~الحواس {من اتخذ} أي: بغاية جهده {إلهه هواه} أي: ما يهواه من ms3190 حجر بعد حجر ~~يراه أحسن، روي عن أبي رجاء العطاردي وهو ثقة أدرك الجاهلية ومات سنة # PageV03P598 # خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة قال: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرا أحسن ~~منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب فحلبنا ~~عليها ثم طفنا بها. قال الأصفهاني: سئل ابن المقفع عن الهوى فقال: هوان ~~سرقت نونه فنظمه من قال: # *نون الهوان من الهوى مسروقة ... فأسير كل هوى أسير هوان* # وقال آخر أيضا: # *إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا* # {وأضله الله} أي: بما له من الإحاطة {على علم} منه تعالى أي: عالما بأنه ~~من أهل الضلالة قبل خلقه {وختم} زيادة على الإضلال الخاص {على سمعه} فلا ~~فهم له في الآيات المسموعة {وقلبه} أي: فهو لا يعي ما فى حقه وعيه {وجعل ~~على بصره غشاوة} أي: ظلمة فلا يبصر الهوى ويقدر هنا المفعول الثاني لرأيت ~~أي: أيهتدي، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الغين وسكون الشين، والباقون بكسر ~~الغين وفتح الشين وألف بعد الشين وإذا صار بهذه المثابة {فمن يهديه} وأشار ~~تعالى إلى قدرته عليه بقوله سبحانه وتعالى {من بعد الله} أي: إن أراد الله ~~إضلاله الذي له الإحاطة بكل شيء أي: لا يهتدي {أفلا تذكرون} أي: ألم يكن ~~لكم نوع تذكر فتتعظوا وفيه إدغام إحدى التاءين في الذال. # {وقالوا} أي: في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه تعالى قادر على كل شيء ~~{ما هي} أي: الحياة {إلا حياتنا} أي: أيها الناس {الدنيا} أي: هذه التي نحن ~~فيها {نموت ونحيا} ، فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكروا ~~القيامة كان يجب أن يقولوا: نحيا ونموت فما السبب في تقديم ذكر الموت على ~~الحياة؟ أجيب: من وجوه أولها: أن المراد بقولهم نموت أي: حال كونهم نطفا في ~~أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقولهم ونحيا ما حصل بعد ذلك في الدنيا، ~~ثانيها: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا، ثالثها: قال الزجاج: الواو ~~للاجتماع والمعنى: يموت بعض ونحيا بعض، رابعها: قال الرازي: ms3191 إنه تعالى قدم ~~ذكر الحياة فقال {إن هي إلا حياتنا الدنيا} ثم قال بعده {نموت ونحيا} يعني ~~أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما ~~لا يطرأ عليه الموت بعد ذلك وهو في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد، وقال ~~البيضاوي: يحتمل أنهم أرادوا به التناسخ أي: وهو أن روح الشخص إذا خرجت ~~تنتقل إلى شخص آخر فيحيا بعد أن لم يكن فإنه عقيدة أكثر عبدة الأصنام {وما ~~يهلكنا} أي: بعد الحياة {إلا الدهر} أي: مر الزمان الطويل بغلبته علينا ~~وطول العمر واختلاف الليل والنهار من دهره إذا غلبه {وما} أي: قالوه والحال ~~أنه ما {لهم بذلك} أي: المقول البعيد من الصواب وهو أنه لا حياة بعد هذه ~~وأن الإهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه وأغرق في النفي فقال تعالى ~~{من علم} أي: كثير ولا قليل {إن} أي: ما {هم إلا يظنون} أي: بقرينة أن ~~الإنسان كلما تقدم في السن ضعف وأنه لم يرجع أحد من الموتى هذا ظنهم ~~الفاسد. # روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: لا ~~يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت ~~قبضتهما» . وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يسب أحدكم # PageV03P599 # الدهر فإن الدهر هو الله تعالى ولا يقولن للعنب الكرم فإن الكرم هو الرجل ~~المسلم» . ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل ~~لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون: أصابتهم ~~قوارع الدهر وأبادهم الدهر كما أخبر الله تعالى عنهم فإذا أضافوا إلى الدهر ~~ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان يرجع سبهم إلى الله تعالى إذ هو ~~الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهوا عن سبه.u # {وإذا تتلى} أي: تتابع بالقراءة من أي تال كان {عليهم آياتنا} أي: على ما ~~لها من العظمة في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها ms3192 {بينات} أي: في غاية ~~المكنة في الدلالة على البعث فلا عذر لهم في ردها {ما كان} أي: بوجه من ~~وجوه الكون {حجتهم} أي: قولهم الذي ساقوه مساق الحجة {إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبائنا} أي: أحياء {إن كنتم صادقين} أي: في أنا نبعث فهو لا يستحق أن يسمى ~~شبهة فسمي حجة بزعمهم أو لأن من كانت حجته هذه فليست له ألبتة حجة كقوله: # *تحية بينهم ضرب وجيع* # ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بقوله تعالى: # {قل الله} أي: المحيط علما وقدرة {يحييكم} أي: حين كنتم نطفا {ثم يميتكم} ~~أي: بأن يخرج أرواحكم من أجسادكم فتكونون كما كنتم قبل الإحياء كما تشاهدون ~~{ثم يجمعكم} أي: بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة ~~الرقاد منتهين {إلى يوم القيامة} أي: القيام الأعظم لكونه عاما لجميع ~~الخلائق {لا ريب} أي: لا شك بوجه من الوجوه {فيه} بل هو معلوم علما قطعيا ~~ضروريا {ولكن أكثر الناس} أي: وهم القائلون ما ذكر {لا يعلمون} أي: لا ~~يتجدد لهم علم لما لهم من النفوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض ~~الجهل فهم واقفون مع المحسوسات لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور وقوله ~~تعالى: # {ولله} أي: الملك الأعظم وحده {ملك السموات} أي: كلها {والأرض} أي: التي ~~ابتدأكم منها تعميم للقدرة بعد تخصيصها {ويوم تقوم الساعة} أي: توجد وتتحقق ~~تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمام أمره الناهض بأعباء ما يريد ثم ~~كرر للتأكيد والتهويل قوله تعالى {يومئذ} أي: يوم تقوم يخسرون هكذا كان ~~الأصل ولكنه قال تعالى للتعميم والتعليق بالوصف {يخسر المبطلون} أي: ~~الداخلون في الباطل الغريقون في الاتصاف به الذين كانوا لا يرضون بقضائي. # تنبيه: الحياة والعقل والصحة كأنها رأس مال والتصرف فيها بطلب السعادة ~~الأخروية يجري مجرى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح، والكفار قد أتعبوا ~~أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلا الحرمان ~~والخذلان ودخول النار وذلك في ms3193 الحقيقة نهاية الخسران. # {وترى} أي: في ذلك اليوم {كل أمة} أي: أهل دين {جاثية} أي: مجتمعة لا ~~يخالطها غيرها وهي مع ذلك باركة على الركب رعبا واستيفازا لما لعلها تؤمر ~~به جلسة المخاصم بين يدي الحاكم تنتظر القضاء الحاتم والأمر الجازم اللازم ~~لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم {كل أمة} من الجاثين {تدعى إلى كتابها} ~~أي: الذي أنزل عليها وتعبدها الله تعالى به والذي نسخته الحفظة عليهم ~~السلام من أعمالها ليطبق أحدهما بالآخر فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ~~ربه نجا ومن خالفه هلك ويقال لهم حالة الدعاء {اليوم تجزون} أي: على وفق ~~الحكمة بأيسر أمر {ما} أي: عين الذي # PageV03P600 # {كنتم} بما هو لكم كالجبلات {تعملون} أي: مصرين عليه غير راجعين عنه من ~~خير أو شر، فإن قيل: الجثو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف ~~عليهم يوم القيامة؟ أجيب: بأن الجاثي الآمن يشارك المبطل في مثل هذه الحالة ~~إلى أن يظهر كونه محقا. # {هذا كتابنا} أي: الذي أنزلناه على ألسنة رسلنا عليهم الصلاة والسلام ~~{ينطق} أي: يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق {عليكم بالحق} أي: الأمر الثابت ~~الذي يطابقه الواقع من أعمالكم وذلك بأن يقول: من عمل كذا فهو عاص، ومن عمل ~~كذا فهو مطيع فينطبق ذلك على ما عملتموه سواء بسواء من غير زيادة ولا ~~نقصان، وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. # ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة الحقوق بكتابة الوثائق وكانوا ~~كأنهم يقولون ومن يحفظ أعمالنا على كثرتها مع طول المدة وبعد الزمان؟ قال ~~تعالى مجيبا بما يقرب إلى عقل من يسأل عن ذلك {إنا} أي: على ما لنا من ~~العظمة المغنية عن الكتابة {كنا} على الدوام {نستنسخ ما كنتم} طبعا لكم ~~وخلقا {تعملون} قولا وفعلا ونية أي: نأمر الملائكة عليهم السلام بكتبها ~~وإثباتها عليكم، وقيل: نستنسخ أي: نأخذ نسخه وذلك أن الملكين يرفعان عمل ~~الإنسان فيثبت الله تعالى منه ما كان له من ثواب أو عقاب ويطرح منه اللغو ~~نحو قولهم ms3194 هلم واذهب، والاستنساخ من اللوح المحفوظ، تنسخ الملائكة كل عام ~~ما يكون من أعمال بني آدم والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ من كتاب ~~كتاب، وقال الضحاك: نستنسخ أي: نثبت، وقال السدي: نكتب، وقال الحسن: نحفظ. # ثم بين تعالى أحوال المطيعين بقوله تعالى: # {فأما الذين آمنوا} أي: من الأمم الجاثية {وعملوا} أي: تصديقا لدعواهم ~~الإيمان {الصالحات} أي: الطاعات فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان ~~يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه {فيدخلهم} أي: في ذلك ~~اليوم {ربهم} أي: المحسن إليهم بالتوفيق بالإيمان {في رحمته} التي من ~~جملتها الجنة والنظر إلى وجهه الكريم الذي هو الغاية القصوى وتقول لهم ~~الملائكة تشريفا: سلام أيها المؤمنون ودل على عظمة الرحمة بقوله تعالى: ~~{ذلك} أي: الإحسان العالي المنزلة {هو} أي: لا غيره {الفوز المبين} أي: ~~الظاهر الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره لأنه لا يشوبه كدر أصلا ولا نقص ~~بخلاف ما كان من أسبابه في الدنيا فإنها مع كونها كانت فوزا كانت خفية جدا ~~على غير الموقنين. ثم بين تعالى أحوال الفريق الآخر بقوله تعالى: # {وأما الذين كفروا} أي: ستروا ما أمر الله تعالى به {أفلم} أي: فيقال لهم ~~ألم {تكن} تأتيكم رسلي فلم تكن {آياتي} على ما لها من عظمة إضافتها إلي ~~وأعظمها القرآن {تتلى} أي: تواصل قراءتها من أي تال كان فكيف إذا كانت ~~بواسطة الرسل تلاوة مستعلية {عليكم} لا تقدرون على دفع شيء منها. # تنبيه: حذف المقول المعطوف عليه كما تقرر اكتفاء بالمقصود واستغناء ~~بالقرينة {فاستكبرتم} أي: فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث الخشوع ~~والإخبات والخضوع إن طلبتم الكبر لأنفسكم أوجدتموه على رسلي وآياتي {وكنتم ~~قوما} أي: ذوي قيام وقدرة على ما تحاولونه {مجرمين} أي: غريقين في قطع ما ~~يستحق الوصل وذلك هو الخسران المبين. # {وإذا} أي: وكنتم إذا {قيل} أي: من أي قائل كان ولو على سبيل # PageV03P601 # التأكيد {إن وعد الله} أي: الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات الكمال {حق} ~~أي: ثابت ms3195 لا محيد عنه مطابق للواقع من البعث وغيره لأن أقل الملوك لا يرضى ~~بأن يخلف وعده فكيف به سبحانه وتعالى فكيف إذا كان الإخلاف فيه متناقضا ~~للحكم وقرأ {والساعة} حمزة بالنصب عطفا على وعد الله، والباقون برفعها وفيه ~~ثلاثة أوجه؛ أحدها: الابتداء وما بعدها من الجملة المنفية وهو قوله تعالى ~~{لا ريب} أي: لا شك {فيها} خبرها، ثانيها: العطف على محل اسم إن لأنه قبل ~~دخولها مرفوع بالابتداء، ثالثها: أنه عطف على محل إن واسمها معا لأن بعضهم ~~كالفارسي والزمخشري يرون أن لأن واسمها موضعا وهو الرفع بالابتداء {قلتم} ~~أي: راضين لأنفسكم بحضيض الجهل {ما ندري} أي: الآن دراية علم ولو بذلنا ~~جهدنا في محاولة الوصول إليه {ما الساعة} أي: لا نعرف حقيقتها فضلا عما ~~تخبروننا به من أحوالها. # تنبيه: الساعة هنا مرفوعة باتفاق {إن} أي: ما {نظن} أي: نعتقد ما ~~تخبروننا به عنها {إلا ظنا} وأما وصوله إلى درجة العمل فلا {وما نحن} ~~وأكدوا النفي فقالوا {بمستيقنين} أي: بموجود عندنا اليقين في أمرها، قال ~~الرازي: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين: منهم من كان قاطعا بنفي ~~البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى {وقالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا} ومنهم من كان شاكا متحيرا فيه لأنهم لكثرة ما سمعوه من الرسل عليهم ~~السلام ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحته صاروا شاكين فيه وهم ~~المذكورون في هذه الآية، ويدل على ذلك أنه حكى تعالى مذهب أولئك القاطعين ~~ثم أتبعه بحكاية قول هؤلاء فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. # ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد التفت إلى أسلوب الغيبة إعراضا عنهم ~~إيذانا بشدة الغضب عليهم فقال تعالى: # {وبدا} أي: ولم يزالوا يقولون ذلك إلى أن بدت لهم الساعة بما فيها من ~~الأوجال والزلازل والأهوال وظهر {لهم} غاية الظهور {سيئات ما عملوا} في ~~الدنيا فتمثلت لهم وعرفوا مقدار جزائها واطلعوا على جميع ما يلزم على ذلك ~~{وحاق} أي: أحاط {بهم} على حال القهر والغلبة قال أبو حيان: ولا يستعمل ms3196 إلا ~~في المكروه {ما كانوا} جبلة وطبعا {به يستهزئون} أي: يوجدون الهزء به على ~~غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك، وهذا كالدليل على أن هذه الفرقة ~~لما قالوا إن نظن إلا ظنا إنما ذكروه استهزاء وسخرية فصار هذا الفريق أشر ~~من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا منكرين وما كانوا مستهزئين وهؤلاء ضموا ~~إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء، وقرأ حمزة في الوقف بتسهيل الهمزة بعد ~~الزاي كالواو وله أيضا إبدالها ياء ونقل عنه أيضا غير ذلك. # {وقيل} أي: لهم على أفظع الأحوال وأشدها قولا لا معقب له فكأنه بلسان كل ~~قائل {اليوم ننساكم} أي: نترككم في العذاب {كما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: ~~كما تركتم الإيمان والعمل للقائه، وقيل: نجعلكم منزلة الشيء المنسي غير ~~المبالى به كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه {ومأواكم ~~النار} ليس لكم براح عنها {وما لكم من ناصرين} ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا ~~مقاهرة فجمع الله تعالى عليهم من وجوه العذاب ثلاثة أشياء: قطع الرحمة ~~عنهم، وتصيير مأواهم النار، وعدم الأنصار؛ لأنهم أتوا # PageV03P602 # بثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة وهي: الإصرار على إنكار الدين الحق، ~~والاستهزاء به والسخرية، والاستغراق في حب الدنيا. وهو المراد بقوله تعالى: # {ذلكم} أي: العذاب العظيم {بأنكم اتخذتم} أي: بتكليف منكم لأنفسكم {آيات ~~الله} أي: الملك الأعظم {هزوا} أي: استهزاء بها ولم تتفكروا فيها، وقرأ ~~{اتخذتم} ابن كثير وحفص بإظهار الذال عند التاء والباقون بالإدغام {وغرتكم ~~الحياة الدنيا} الدنيئة لضعف عقولكم فآثرتموها لكونها حاضرة وأنتم كلابها ~~فقلتم: لا حياة غيرها ولا بعث ولا حساب ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى ~~الإقرار بالآخرة {فاليوم} أي: بعد إيوائهم فيها {لا يخرجون منها} أي: النار ~~لأن الله تعالى لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك، وقرأ حمزة والكسائي بفتح ~~الياء التحتية وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء {ولا هم يستعتبون} ~~أي: لا يطلب من طالب ما منهم الإعتاب وهو الاعتذار لأنه لا يقبل ذلك اليوم ~~عذر ولا توبة. # ولما تم ms3197 الكلام في المباحث الروحانية ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال ~~عز من قائل: # {فلله} أي: الذي له الأمر كله {الحمد} أي: الإحاطة بجميع صفات الكمال {رب ~~السموات} أي: ذوات العلو والاتساع والبركات {ورب الأرض} أي: ذات القبول ~~للواردات {رب العالمين} أي: خالق ما ذكر إذ الكل نعمة منه دال على كمال ~~قدرته فاحمدوا الله الذي هو خالق السموات والأرضين وخالق كل العالمين من ~~الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه توجب الحمد والثناء على كل من ~~المخلوقين والمربوبين. # ولما أفاد ذلك غناه الغنى المطلق وسيادته وأنه لا كفء له عطف عليه بعض ~~اللوازم لذلك تنبيها على مزيد الاعتناء به لدفع ما يتوهمونه من ادعاء ~~الشركة التي لا يرضونها لأنفسهم فقال تعالى: # {وله} أي: وحده {الكبرياء} أي: الكبر الأعظم الذي لا نهاية له {في ~~السموات} كلها {والأرض} جميعا اللتين فيهما آيات الموقنين روي عن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله عز وجل: الكبرياء ~~ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما أدخلته النار» . وفي رواية ~~عذبته وفي رواية قصمته {وهو} وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ~~{الحكيم} الذي يضع الأشياء في مواضعها ولا يضع شيئا إلا كذلك كما أحكم أمره ~~ونهيه وجميع شرعه، وأحكم نظم هذا القرآن جملا وآيات وفواصل وغايات بعد أن ~~حرر معانيه وتنزيله فصار معجزا في نظمه ومعناه وما رواه البيضاوي تبعا ~~للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة حم الجاثية ستر الله ~~عورته وسكن روعته يوم الحساب» حديث موضوع. # PageV03P603 ### | سورة الأحقاف # مكية # إلا قوله تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله} الآية وإلا {فاصبر كما ~~صبر أولوا العزم من الرسل} الآية وإلا {ووصينا الإنسان بوالديه} الثلاث ~~آيات، وهي خمس وثلاثون آية وستمائة وأربع وأربعون كلمة، وألفان وخمسمائة ~~وخمسة وتسعون حرفا. # {بسم الله} الذي لا يذل من والى ولا يعز من عادى. {الرحمن} الذي سبقت ~~رحمته غضبه {الرحيم} الذي خص حزبه بعمل الأبرار للفوز في ms3198 دار القرار، وتقدم ~~الكلام على قوله تعالى: # {حم} مرارا، وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة، ~~وقرأ ورش وأبو عمرو بإمالتها بين بين وفتحها الباقون. وقيل: المراد بحم ~~حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي النهاية في الصواب والسداد أحكمها ~~الذي أحاطت قدرته فهو لا يخلف الميعاد. # وقوله تعالى: # {تنزيل الكتاب} أي الجامع لجميع الخيرات بالتدريج على حسب المصالح {من ~~الله} أي الجبار المتكبر المختص بصفات الكمال {العزيز} في ملكه {الحكيم} في ~~صنعه لأنه لم يفعل شيئا إلا في أوفق محاله وأنه الخالق للخير والشر وأنه ~~يعز أولياءه ويذل أعداءه. # {ما خلقنا} أي؛ على مالنا من العظمة الموجبة للتفرد بالكبرياء {السموات ~~والأرض} على ما فيهما من الآيات {وما بينهما إلا} خلقا ملتبسا {بالحق} أي: ~~الأمر الثابت من القدرة التامة والتصرف المطلق ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا ~~{وأجل} أي وبتقدير أجل {مسمى} ينتهي إليه وهو يوم القيامة. # {والذين كفروا عما أنذروا} أي: خوفوا به من القرآن من هول ذلك اليوم الذي ~~لا بد لكل خلق من انتهائه إليه {معرضون} أي لا يؤمنون به ولا يهتمون ~~للاستعداد له. # ثم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: لهؤلاء المعرضين أنفسهم لغاية الخطوب منكرا عليهم تبكيتا ~~وتوبيخا # PageV04P002 # {أرأيتم} أي: أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل وروية باطنة. {ما تدعون} ~~أي: تعبدون ثم نبه على سفولهم بقوله تعالى: # {من دون الله} أي: المالك الأعظم الذي كل شيء دونه فلا كفء له مفعول أول ~~وقوله تعالى: {أروني} أي: أخبروني تأكيد وقوله: {ماذا خلقوا} مفعول ثان ~~وقوله تعالى: {من الأرض} بيان لما أي: ليصح ادعاء أنهم شركاء فيها باختراع ~~ذلك الجزء. # {أم لهم} أي: الذين تدعونهم {شرك} أي مشاركة {في} خلق. {السموات} أي: ~~بنوع من أنواع الشركة مع الله تعالى و {أم} بمعنى همزة الإنكار ولما كان ~~الدليل أحد شيئين سمع وعقل قال تعالى: {ائتوني بكتاب} أي: منزل على دعواكم ~~في هذه الأصنام: أنها خلقت شيئا أو أنها تستحق أن تعبد. # تنبيه ms3199 أبدل ورش والسوسي الهمزة من {ائتوني} في الوصل {ياء} وحققها ~~الباقون. وأما الابتداء بها، فجميع القراء أبدلوها ياء بعد الابتداء بهمزة ~~الوصل مكسورة. # {من قبل هذا} أي: القرآن الذي أنزل علي كالتوراة والإنجيل والزبور، وهذا ~~من أعلام النبوة، فإنها كلها شاهدة بالوحدانية لو أتى بها آت لشهدت عليه. ~~ولما ذكر تعالى الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به وهو: النقل القاطع، سهل ~~عليهم فنزل إلى ما دونه فقال: {أو أثارة} أي: بقية {من علم} يؤثر عن ~~الأولين بصحة دعواكم في عبادة الأصنام: أنها تقربكم إلى الله تعالى: وقال ~~المبرد: {أثارة} ما يؤثر من علم كقولك هذا الحديث يؤثر عن فلان. ومن هذا ~~المعنى سميت الأخبار بالآثار. يقال: جاء في الأثر كذا وكذا. وقال الواحدي: ~~وكلام أهل اللغة في هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال؛ الأول: الأثارة ~~واشتقاقها من: أثرت الشيء أثيره إثارة كأنها بقية تستخرج فتثار. والثاني: ~~من الأثر الذي هو الرواية. والثالث: من الأثر بمعنى العلامة. وقال الكلبي ~~في تفسير الأثارة: أي بقية من علم يؤثر عن الأولين أي: يسند إليهم وقال ~~مجاهد وعكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء قال الرازي: وههنا قول آخر: أو ~~أثارة من علم هو علم الخط الذي يخط في الرمل، والعرب كانوا يخطونه وهو علم ~~مشهور روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق ~~خطه خطه علم علمه» فعلى هذا الوجه معنى الآية {أئتوني بعلم من قبل هذا} ~~الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام فإن صح ~~تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم وأقوالهم ودلائلهم. ثم ~~أشار إلى تقريعهم بالكذب إذ لم يقيموا دليلا على دعواهم بقوله: {إن كنتم ~~صادقين} أي: عريقين في الصدق على ما تدعون لأنفسكم. ولما أبطل سبحانه قولهم ~~في الأصنام بعدم قدرتها أتبعه إبطاله بعدم علمها بقوله تعالى: # {ومن أضل} وهو استفهام بمعنى النفي أي: لا أحد أضل {ممن يدعو} أي: يعبد ~~ما لا قدرة له ms3200 ولا علم. ومن انتفت قدرته وعلمه لم تصح عبادته ببديهة العقل. ~~وأرشد إلى سفولها بقوله عز وجل. {من دون الله} أي: من أدنى رتبة من رتب ~~الذي له صفات الكمال فهو يعلم كل شيء. ويقدر على كل شيء فهو بحيث يجيب ~~الدعاء، ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا شاء، ويدبر عبده لما يعلم من سره ~~وعلنه بما لا يقدر هو على تدبير نفسه به، ويريد العبد في كثير من الأشياء ~~ما لو وكل فيه إلى نفسه، وأجيب إلى طلبته، كان فيه حتفه فيدبره سبحانه بما ~~تشتد كراهته له، فيكشف الحال على أنه لم يكن له فرج إلا فيه. {من لا يستجيب ~~له} أي: لا توجد الإجابة، ولا يطلب إيجادها من الأصنام وغيرها، لأنه لا ~~أهلية له لذلك. # PageV04P003 # والمعنى: أنه لا أحد أبعد عن الحق وأقرب إلى الجدل، ممن يدعو من دون الله ~~الأصنام، فيتخذها آلهة ويعبدها وهي إذا دعيت لا تسمع ولا تجيب لا في الحال، ~~ولا في المآل {إلى يوم القيامة} وإنما جعل ذلك غاية؛ لأن يوم القيامة قد ~~قيل: إن الله تعالى يحييها ويخاطب من يعبدها. فلذلك جعله الله تعالى حدا ~~وقيل المراد عبدة الملائكة وعيسى وأنهم يوم القيامة يظهرون عبادة هؤلاء ~~العابدين. {وهم عن دعائهم} أي: دعاء المشركين إياهم. {غافلون} أي: لهم هذا ~~الوصف لا ينفكون عنه لا يعلمون من يدعوهم ومن لا يدعوهم وعبر بالغفلة التي ~~هي من أوصاف العقلاء للجماد تغليبا إن كان المراد أعم من الأصنام وغيرها ~~مما عبدوه من عقلاء الإنس وغيرهم ولما غيا سبحانه بيوم القيامة فأفهم أنهم ~~يستجيبون لهم فيه، بين ما يحاورونهم به إذ ذاك. فقال تعالى: # {وإذا حشر} أي: جمع بكره على أيسر وجه وأسهل أمر. {الناس} أي: يوم ~~القيامة {كانوا} أي: المدعوون {لهم} أي: الداعين {أعداء} ويعطيهم الله ~~تعالى قوة الكلام فيخاطبونهم بكل ما يخاطب به العدو عدوه {وكانوا} أي: ~~المعبودون {بعبادتهم} أي: الداعين وهم المشركون إياهم. # {كافرين} أي: جاحدين لأنهم كانوا عنها غافلين، كما قال تعالى في سورة ms3201 ~~يونس عليه السلام {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} (يونس: 28) ثم بين ~~تعالى أنهم في نهاية الغباوة بإنكار ما لا شيء أبين منه. بقوله سبحانه: # {وإذا تتلى} أي: تقرأ من أي قارئ كان على وجه المتابعة {عليهم} أي: هؤلاء ~~البعداء البغضاء {آياتنا} التي لا أعظم منها في أنفسها بإضافتها إلينا وهي ~~القرآن وقوله تعالى: {بينات} أي: ظاهرات حال قالوا هكذا كان الأصل. ولكنه ~~تعالى بين الوصف الحامل لهم على القول فقال عز وجل: {قال الذين كفروا} أي: ~~ستروا تلك الأنوار التي أبرزتها تلك التلاوة لها هكذا كان الأصل ولكن قال ~~تعالى {للحق} أي: لأجله {لما} أي: حين {جاءهم} أي: من غير نظر وتأمل {هذا} ~~أي: الذي يتلى {سحر} أي: خيال لا حقيقة له {مبين} أي: ظاهر في أنه خيال ~~باطل. # وقوله تعالى: {أم يقولون افتراه} إضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحرا إلى ذكر ~~ما هو أشنع وإنكار له وتعجب، ثم بين تعالى بطلان شبهتهم بقوله تعالى: {قل} ~~أي: يا أشرف الخلق {إن افتريته} أي: تعمدت كذبه على زعمكم وأنا إنما أريد ~~به نصيحتكم فالذي أفتريه عليه وأنسبه إليه يعاقبني على ذلك ولا يتركني أصلا ~~وذلك هو معنى قوله: {فلا تملكون} أي: أيها المنصوحون بوجه من الوجوه ولا في ~~وقت من الأوقات. {لي من الله} أي: المتكبر الحليم {شيئا} من الأشياء لما ~~يرد عني انتقامه لأن الملك لا يترك من كذب عليه مطلق كذب فكيف من يتعمد ~~الكذب عليه في الرسالة بأمور عظيمة وملازمته مساء وصباحا فأي حامل لي حينئذ ~~على افترائه؟ ثم علل ما أفاده الكلام من وجوب الانتقام بقوله: {هو} أي: ~~الله سبحانه {أعلم} أي: منكم ومن كل أحد {بما تفيضون فيه} أي: بما تخوضون ~~فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه بأنه سحر. {كفى به شهيدا} أي: شاهدا ~~بليغ الشهادة لأنه أعلم بجميع أحوالنا. # {بيني وبينكم} أي أن القرآن جاء من عنده فيشهد لي بالصدق ولكم بالكذب، ~~وقد شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت ms3202 به فثبت بذلك ~~أنه كلامه لأني لا أقدر على ما تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين، وأنتم عرب ~~مثلي، بل وأنا أمي وفيكم أنتم الكتبة، والذين خالطوا العلماء، وسمعوا ~~أحاديث الأمم، وضربوا بعد بلاد العرب في بلاد # PageV04P004 # العجم، فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم كاذبون {وهو} أي: وحده {الغفور} أي: ~~الذي من شأنه أن يمحو الذنوب أعيانها وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ~~{الرحيم} أي الذي يكرم بعد المغفرة ويتفضل بالتوفيق لما يرضيه قال الزجاج: ~~هذا دعاء إلى التوبة ومعناه غفور لمن تاب منكم رحيم به ولما حكى تعالى ~~طعنهم في كون القرآن معجزا بقولهم: إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى ~~أنه كلام الله تعالى على سبيل الفرية حكى عنهم شبهة أخرى وهو أنهم كانوا ~~يقترحون عليه معجزات عجيبة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجاب الله ~~تعالى عن ذلك. بقوله عز وجل: # {قل} أي: لهؤلاء الذين نسبوك إلى الافتراء {ما كنت} أي: كونا ما {بدعا} ~~أي: منشأ مبتدعا محدثا مخترعا، بحيث أكون أجنبيا منقطعا {من الرسل} أي: لم ~~يتقدم لي منهم مثال في أصل ما جئت به وهو التوحيد ومحاسن الأخلاق بل قد ~~تقدمني رسل كثيرون أتوا بمثل ما أتيت به، ودعوا إليه كما دعوت إليه، وصدقهم ~~الله تعالى بمثل ما صدقني به. فثبت بذلك رسالتهم وسعد بهم من صدقهم من ~~قومهم وشقي من كذبهم فانظروا إلى آثارهم واسألوا عن سيرهم من أتباعهم ~~وأنصارهم وأشياعهم. # {تنبيه} البدع والبديع من كل شيء: المبدأ والبدعة؛ ما اخترع مما لم يكن ~~موجودا قبله. وفي الحديث «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» قال البقاعي ~~معناه والله أعلم: أنه يبتدع ما يخالف السنة إذا كانت البدعة ضد السنة فإذا ~~أحدث ما يخالفها كان بإحداثه ضالا مشركا وكان وما أحدث في النار. ولم يدخل ~~تحت هذا ما يخترعه الإنسان من أفعال البر يسمى بدعة لعدم فعله قبل ذلك ~~فيخرج عما ذكر. ا. ه. وقال ابن عبد السلام: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ~~ومندوبة ومكروهة ومباحة: ms3203 قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد ~~الشريعة؛ فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، كالاشتغال بعلم النحو، أو ~~في قواعد التحريم فمحرمة، كمذهب القدرية والمجسمة والرافضة، قال: والرد على ~~هؤلاء من البدع الواجبة، أوفى قواعد المندوب، فمندوبة كبناء الربط ~~والمدارس، وكل إحسان لم يحدث في العصر الأول كصلاة التراويح، أو في قواعد ~~المكروه فمكروهة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف أو في قواعد المباح فمباحة، ~~كالمصافحة عقب الصبح والعصر والتوسع في المآكل والملابس. وروى البيهقي ~~بإسناده في مناقب الشافعي رضى الله تعالى عنه أنه قال: المحدثات ضربان؛ ~~أحدهما: ما خالف كتابا أو سنة أو إجماعا فهو بدعة وضلالة، والثاني: ما أحدث ~~من الخير فهو غير مذموم. # واختلف في تفسير قوله تعالى عن قوله عليه الصلاة والسلام: {وما أدري ما ~~يفعل بي ولا بكم} على وجهين؛ أحدهما: أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا ~~والثاني: أن يحمل على أحوال الآخرة. أما الأول؛ ففيه وجوه. أحدها: أن معناه ~~لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم، ومن الغالب منا ومن المغلوب. ثانيها: ~~قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء بأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمكة: رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصها على ~~أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج ما بهم من أذى المشركين. ثم إنهم ~~مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا يا رسول الله ما رأينا الذي ~~قلت متى تهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام؟ فسكت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله تعالى: # {قل ما كنت بدعا من الرسل # PageV04P005 # وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} هو شيء رأيته في المنام. {إن} أي: ما ~~{أتبع} أي: بغاية جهدي وجدي {إلاما} أي: الذي {يوحى} أي: يجدد لقاؤه ممن لا ~~يوحى بحق سواه {إلي} على سبيل التدريج لا يطلع عليه حق اطلاعه غيري. ~~ثالثها: قال الضحاك: لا أدري ما تؤمرون به ولا ما أومر به من التكاليف ~~والشرائع، ولا من ms3204 الابتلاء والامتحان. # {وما أنا} أي: بإخباري لكم عما يوحى إلي {إلا نذير مبين} أي: بين الإنذار ~~رابعها: كأنه يقول: ما أدري ما يفعل بي في الدنيا؛ أموت، أو أقتل كما قتل ~~الأنبياء قبلي؟ ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون؛ أترمون بالحجارة من ~~السماء، أو يخسف بكم، أو يفعل بكم ما يفعل بسائر الأمم؟ قال السدي: ثم ~~أخبره الله تعالى أنه يظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: {هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} (التوبة: 23) # وقال في أمته {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون} (الأنفال: 33) # فأخبره الله تعالى بما يصنع به وبأمته. # وأما من حمل الآية على أحوال الآخرة، فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه قال: لما نزلت هذه الآية، فرح المشركون والمنافقون واليهود. وقالوا: ~~كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا؟ فأنزل الله تعالى: {إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} إلى قوله تعالى: ~~{وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} (الفتح: 5) # فقالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك فما يفعل بنا؟ ~~فأنزل الله عز وجل: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} ~~(سورة الفتح، آية: 5) # الآية وأنزل: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} (الأحزاب: 47) # فبين لهم ما يفعل به وبهم وبهذا قال أنس والحسن وعكرمة. وقالوا إنما قال ~~هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه، لأنه إنما أخبر به عام الحديبية فنسخ ذلك. # قال الرازي: وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول من وجهين؛ أحدهما: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا بد وأن يعلم من نفسه ومتى علم كونه نبيا علم ~~أنه لا تصدر عنه الكبائر، وأنه مغفور له وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكا في ~~أنه هل هو مغفور له أو لا ثانيهما: أن الأنبياء أرفع حالا من الأولياء وقد ~~قال تعالى في حقهم {إن الذين قالوا ربنا الله ثم ms3205 استقاموا فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون} (الأحقاف: 13) # فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأنبياء وقدوة الأولياء شاكا في ~~أنه هل هو من المغفور لهم؟ فثبت ضعف هذا القول. # {قل} يا أفضل الخلق لهؤلاء المصرين على التكذيب {أرأيتم} أي: أخبروني {إن ~~كان} أي: هذا الذي أتيتكم به وهو القرآن {من عند الله} أي: الملك الأعظم. ~~{وكفرتم به} أي: أيها المشركون {وشهد شاهد} واحد أو أكثر {من بني إسرائيل} ~~أي: الذي جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم {على مثله} أي: مثل ما في ~~القرآن من أن من وحد فقد آمن ومن أشرك فقد كفر وأن الله تعالى أنزل ذلك في ~~التوراة والإنجيل وجميع أسفارهم فتطابقت عليه كتبهم وتضافرت به رسلهم، ~~وتواترت على الدعاء إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام {فآمن} ~~أي: هذا الذي شهد هذه الشهادة {واستكبرتم} أي: أوجدتم الكبر بالإعراض عنه ~~طالبين بذلك الرياسة والفخر، فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد معاندين من غير ~~شبهة فضللتم، فوضعتم الشيء في غير موضعه، فانسد عليكم باب الهداية. # واختلف في هذا الشاهد فقال قتادة والضحاك وأكثر المفسرين: هو عبد الله بن ~~سلام شهد بنبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم وآمن به، واستكبرت اليهود فلم ~~يؤمنوا به. كما روى أنس # PageV04P006 # قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه ~~فنظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس وجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر، ~~فقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: «ما أول أشراط الساعة؟ وما ~~أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال صلى الله ~~عليه وسلم أخبرني بهن جبريل آنفا قال: جبريل؟ قال: نعم قال: ذاك عدو اليهود ~~من الملائكة فقرأ {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} (سورة ~~البقرة، آية: 97) # ثم قال: أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. ~~وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وأما الولد فإذا ms3206 سبق ماء ~~الرجل نزعه، وإذا سبق ماء المرأة نزعته. فقال: أشهد أنك لرسول الله حقا. ثم ~~قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني ~~بهتوني عندك فجاءت اليهود، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أي رجل عبد ~~الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن ~~أعلمنا، قال أفرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك ~~فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول ~~الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه فقال: هذا ما كنت أخاف منه يا رسول ~~الله. قال سعد بن أبي وقاص: «ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد ~~يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام؟ وفيه نزلت هذه ~~الآية {وشهد شاهد من بني إسرائيل} (الأحقاف: 10) # وقيل: الشاهد هو موسى بن عمران قال الشعبي: قال مسروق في هذه الآية: ~~والله ما نزلت في عبد الله بن سلام لأن ال {حم} نزلت بمكة وإنما أسلم عبد ~~الله بن سلام بالمدينة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين فكيف ~~يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت في عهد الرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة؟ وإنما نزلت الآية في محاجة كانت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكانت بالمدينة وأجاب الكلبي: بأن السورة مكية إلا هذه الآية ~~فإنها مدنية، وأن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في ~~هذه السورة المكية في هذا الموضع المعين. وقيل المراد بالشاهد موسى، ومثل ~~القرآن هو التوراة. فشهد موسى على التوراة، ومحمد على الفرقان فكل واحد ~~يصدق الآخر: لأن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن مصدق للتوراة. وجواب الشرط: ألستم ظالمين دل عليه قوله تعالى: # {إن الله} أي: الملك الأعظم ذا العزة والحكمة {لا يهدي القوم} أي: الذين ~~لهم قوة على القيام بما يريدون {الظالمين} ms3207 أي: الذين من شأنهم وضع الأمور ~~في غير مواضعها فلأجل ذلك لا يهديكم، إذ لا أحد أرسخ منكم في الظلم الذي ~~تسبب عنه هلاككم. # {س46ش11/ش14 وقال الذين كفروا? للذينءامنوا? لو كان خيرا ما سبقونآ إليه? ~~وإذ لم يهتدوا? به? فسيقولون هاذآ إفك قديم * ومن قبله? كتاب موسى? إماما ~~ورحمة? وهاذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا? وبشرى للمحسنين * ~~إن الذين قالوا? ربنا الله ثم استقاموا? ف خوف عليهم وهم يحزنون * ~~أو?لا???ك أصحاب الجنة خالدين فيها جزآء? بما كانوا? يعملون} # {وقال الذين كفروا} أي: تعمدوا تغطية الحق {للذين} أي: لأجل إيمان الذين ~~{آمنوا} أي سبقوهم إلى الإيمان {لو كان} أي: إيمانهم بالقرآن {خيرا} أي: من ~~جملة الخيور {ما سبقونا إليه} ونحن أشرف منهم، وأكثر أموالا وأولادا، وأعلم ~~بتحصيل العز والسؤدد الذي هو مناط الخير. كما لم يسبقونا إلى شيء من هذه ~~الخيرات التي نحن فائزون بها وهم صفر منها لكن ليس بخير، فلهذا سبقونا إليه ~~{وإذ} أي: فحين {لم يهتدوا به} أي: بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان ~~{فسيقولون هذا} أي: القرآن الذي سبقتم إليه {إفك} أي: شيء مصروف عن وجهه ~~إلى قفاه {قديم} أي: أفك غيره وعثر هو عليه فأتى به ونسبه إلى الله تعالى ~~كما # PageV04P007 # قالوا أساطير الأولين {ومن} أي: قالوا ذلك، والحال أنه كان في بعض الزمن ~~الذي من {قبله} أي: القرآن {كتاب موسى} كليم الله تعالى، حال كون كتابه وهو ~~التوراة {إماما} أي: يستحق أن يؤمه كل من سمع به {ورحمة} لما فيه من نعم ~~الدلائل على الله تعالى، والبيان الشافي، وفي الكلام محذوف، تقديره: وتقدمه ~~كتاب موسى إماما ورحمة ولم يهتدوا به كما قال تعالى في الآية الأولى {وإذ ~~لم يهتدوا به} .k # {وهذا} أي: القرآن {كتاب} أي: جامع لجميع الخيرات {مصدق} أي: لكتاب موسى ~~عليه السلام، وغيره من الكتب التي تصح نسبتها إلى الله تعالى في أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله تعالى وقوله تعالى: {لسانا} حال من ~~الضمير في ms3208 مصدق. وقوله: # {عربيا} صفة ل {لسانا} وهو المسوغ لوقوع هذا الجامد حالا أي: في أعلى ~~طبقات اللسان العربي، مع كونه أسهل الكتب تناولا، وأبعدها عن التكلف، ليس ~~هو بحيث يمنعه علوه بفخامة الألفاظ، وجلالة المعاني، ودقة الإشارة عن سهولة ~~الفهم، وقرب التناول. وقوله تعالى: {لينذر} أي: الكتاب بحسن بيانه، وعظم ~~شأنه {الذي ظلموا} أي: سواء كانوا عريقين في الظلم، أم لا وقرأ نافع وابن ~~عامر: بالتاء خطابا أي: أيها الرسول. والباقون: بالياء غيبة بخلاف عن ~~البزي. {وبشرى} أي: كاملة {للمحسنين} أي: المؤمنين، بأن لهم الجنة ولما قرر ~~دلائل التوحيد والنبوة، وذكر شبهات المتكبرين وأجاب عنها ذكر بعد ذلك طريقة ~~المحقين. فقال تعالى: # {إن الذين قالوا ربنا} أي: خالقنا ومولانا والمحسن إلينا {الله} وحده {ثم ~~استقاموا} أي: جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة في الأمور ~~التي هي منتهى العلم، و {ثم} للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف اعتباره ~~على التوحيد {فلا خوف عليهم} أي: من لحوق مكروه {ولاهم يحزنون} أي: على ~~فوات محبوب، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط. {أولئك} أي: العالون الدرجات ~~{أصحاب الجنة خالدين فيها} خلودا لا آخر له جوزوا بذلك {جزاء بما} أي: بسبب ~~ما {كانوا} طبعا وخلقا {يعملون} أي: على سبيل التجديد المستمر. # ولما كان رضا الله تعالى في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما كما ورد به ~~الحديث حث عليه بقوله تعالى: # {ووصينا} أي: بما لنا من العظمة {الإنسان} أي: هذا النوع الذي أنس بنفسه ~~{بوالديه} وقرأ: {حسنا} نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الحاء ~~وسكون السين. وقرأ الكوفيون بسكون الحاء وقبلها همزة مكسورة وفتح السين ~~وبعدها ألف، فهو منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي: وصيناه أن يحسن إليهما ~~إحسانا، ومثله حسنا. وقرأ: # {حملته أمه كرها} أي: على مشقة {ووضعته كرها} أي: بمشقة الكوفيون وابن ~~ذكوان بضم الكاف فيهما، والباقون بالفتح، وهما لغتان بمعنى واحد. مثل الضعف ~~والضعف، وقيل: المضموم اسم، والمفتوح مصدر. وليس المراد ابتداء الحمل. فإن ~~ذلك لا يكون بمشقة لقوله تعالى: ms3209 {فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما ~~أثقلت} (سورة الأعراف، آية: 189) # فحينئذ حملته كرها ووضعته كرها. # تنبيه: دلت الآية على أن حق الأم أعظم لأنه تعالى قال: {ووصينا الإنسان ~~بوالديه حسنا} فذكرهما معا ثم خص الأم بالذكر فقال: {حملته أمه كرها ووضعته ~~كرها} وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأن وصول المشاق إليها بسبب الولد كثيرة ~~والأخبار كثيرة. في هذا الباب. {وحمله وفصاله} أي: من الرضاع {ثلاثون شهرا} ~~كل ذلك بيان لما تكابده الأم في تربية الولد، ومبالغة في الوصية # PageV04P008 # بها. وفي ذلك دلالة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع ~~مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهرا، وقال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين} (البقرة: 233) # فإذا أسقطنا الحولين الكاملين، وهي أربعة وعشرون شهرا من ثلاثين بقي مدة ~~الحمل ستة أشهر. # روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا حملت المرأة تسعة أشهر، ~~أرضعت أحد وعشرين شهرا. وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا وروي ~~عن أبي بكر أن امرأة دفعت إليه وقد ولدت لستة أشهر فأمر برجمها، فقال عمر: ~~لا رجم عليها، وذكر الطريق المتقدمة وعن عثمان نحوه، وأنه هم بذلك، فقرأ ~~ابن عباس رضي الله عنهما عليه الآية. وأما مدة أكثر الحمل فليس في القرآن ~~ما يدل عليه، واختلف الأئمة في ذلك: فعند الشافعي أربع سنين. وقوله تعالى: # {حتى إذا بلغ أشده} لا بد فيه من جملة محذوفة. تكون حتى غاية لها، أي: ~~عاش واستمرت حياته حتى إذا بلغ أشده قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية ~~عطاء: الأشد ثماني عشرة سنة، وقيل: نهاية قوته وغاية شبابه واستوائه، وهو ~~ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة فذلك قوله تعالى: {وبلغ أربعين سنة} ~~وقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقيل: نزلت في ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه: وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو وأمه أم الخير ~~بنت صخر بن عمرو وقال علي بن أبي ms3210 طالب رضي الله عنه الآية في أبي بكر ~~الصديق أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، أوصاه ~~الله تعالى بهما ولزم ذلك من بعده، وكان أبو بكر يصحب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة في ~~تجارته إلى الشام، فلما بلغ أربعين سنة، وتنبأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~آمن به ثم آمن أبواه، ثم ابنه عبد الرحمن، وابن عبد الرحمن أبو عتيق ثم إن ~~أبا بكر دعا ربه بأن {قال رب أوزعني} أي: ألهمني، وقرأ ورش والبزي: بفتح ~~الياء في الوصل، والباقون بسكونها {أن أشكر نعمتك التي أنعمت} أي: بها ~~{علي} أي: وعلى أولادي {وعلى والدي} وهي: التوحيد. # وأكثر المفسرين: على أن الأشد ثلاث وثلاثون. قال الرازي: مراتب الحيوان ~~ثلاثة؛ لأن بدن الحيوان لا يكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية والرطوبة ~~الغريزية زائدة في أول العمر ناقصة في آخره. والانتقال من الزيادة إلى ~~النقصان لا يعقل حصوله إلا إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدتين، فثبت أن ~~مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام فأولها: أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة ~~على الحرارة الغريزية. وحينئذ تكون الأعضاء عظيمة التمدد في ذواتها ~~وزيادتها في الطول والعرض والعمق وهذا هو سن النشء والثانية وهي المرتبة ~~المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ الحرارة الغريزية من غير ~~زيادة ولا نقصان. وهذا هو سن الوقوف، وهو حين الشباب. # والمرتبة الثالثة: أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ ~~الحرارة الغريزية ثم هذا النقصان على قسمين فالأول: هو النقصان الخفي، وهو ~~سن الكهولة. والثاني: هو النقصان الظاهر، وهو سن الشيخوخة. # قال المفسرون: لم يبعث نبي قط إلا بعد الأربعين سنة. قال الرازي: وهذا ~~يشكل بعيسى عليه السلام فإنه تعالى جعله نبيا من أول عمره، إلا أنه يجب أن ~~يقال: الأغلب أنه ما جاء الوحي # PageV04P009 # إلا بعد الأربعين، وهكذا كان الأمر في حق نبينا صلى الله عليه وسلم ثم إن ~~أبا بكر دعا ms3211 أيضا فقال: {وأن أعمل صالحا ترضاه} قال ابن عباس: أجاب الله ~~تعالى دعاء أبي بكر، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله تعالى، منهم ~~بلال ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه ودعا أيضا فقال: {وأصلح لي ~~في ذريتي} فأجاب الله تعالى دعاءه، فلم يكن له ولد إلا آمن فاجتمع له إسلام ~~أبويه وأولاده جميعا وأدرك أبواه وابنه عبد الرحمن وابن ابنه أبو عتيق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهم مؤمنون. ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة. # تنبيه أصلح يتعدى بنفسه لقوله تعالى: {وأصلحنا له زوجه} (الأنبياء: 90) # وإنما تعدى بفي لتضمنه معنى ألطف بي في ذريتي، أو لأنه جعل الذرية ظرفا ~~للإصلاح والمعنى: هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم. # {إني تبت} أي: رجعت {إليك} عن كل ما يقدح في الإقبال عليك. وأكده إعلاما ~~بأن حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع: فينكر إخباره به ~~وكذا قوله: {وإني من المسلمين} أي: الذين أسلموا بظواهرهم وبواطنهم ~~فانقادوا أتم انقياد. {أولئك} أي: العالون الرتبة، القائلون هذا القول أبو ~~بكر، وغيره. # {الذين يتقبل} بأسهل وجه {عنهم} وأشار بصيغة التفعل إلى أنه يعمل في ~~قبوله عمل المعتني، والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله وقوله ~~تعالى: {أحسن ما عملوا} أي: أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا. # فإن قيل: كيف قال الله تعالى {أحسن} والله تعالى يتقبل الأحسن وما دونه؟. # أجيب بوجهين أحدهما: أن المراد بالأحسن الحسن، كقوله تعالى: {واتبعوا ~~أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} (الزمر: 55) # وكقوله: الناقص والأشج أعدلا بني مروان. أي: عادلا بني مروان. # ثانيهما: أن الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. ~~والأحسن ما يغاير ذلك، وهو المندوب، أو الواجب. # ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان محسنا، نبه على ذلك بقوله تعالى: # {ويتجاوز} أي بوعد لا خلف فيه {عن سيئاتهم} أي: فلا يعاقبهم عليها. وقرأ ~~حفص وحمزة والكسائي: بنون مفتوحة قبل الفوقية من {يتقبل} ونصب {أحسن} ، ~~ونون مفتوحة ms3212 قبل الفوقية من {يتجاوز} والباقون بياء مضمومة قبل الفوقية من ~~{يتقبل} ، و {يتجاوز} ورفع {أحسن} وقوله تعالى: # {في أصحاب الجنة} في محل الحال أي: كائنين في جملة أصحاب الجنة. كقولك ~~أكرمني الأمير في أصحابه أي: في جملتهم. وقيل: خبر مبتدأ مضمر أي: هم في ~~أصحاب الجنة وقوله تعالى: {وعد الصدق} مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأن ~~قوله تعالى: {أولئك الذين يتقبل عنهم} في معنى الوعد. فيكون قوله تعالى: ~~{يتقبل} ، و {يتجاوز} وعدا من الله تعالى لهم بالتقبل والتجاوز. والمعنى ~~يعامل من صفته ما قدمنا بهذا الجزاء. وذلك وعد من الله تعالى صدق، لكونه ~~مطابقا للواقع {الذي كانوا يوعدون} أي: يقع لهم الوعد به في الدنيا ممن لا ~~أصدق منهم، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام حين أخبروا بقوله تعالى: {وعد ~~الله المؤمنين والمؤمنات جنات} (التوبة: 72) # ولما وصف تعالى الولد البار بوالديه وصف الولد العاق لهما. بقوله تعالى: # والمراد به الجنس. وقال ابن عباس والسدي: نزلت في عبد الله بن أبي. وقيل: ~~في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه؛ كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، وهو ~~يأبى، وهو {قوله أف لكما} وقال الحسن وقتادة: # PageV04P010 # إنها نزلت في كل كافر عاق لوالديه وعلى ثبوت أنها نزلت فيمن تقدم، لا ~~ينافي أن المراد الجنس، فإن خصوص السبب لا يوجب التخصيص وفي {أف} قراءات ~~ذكرت في سورة بني إسرائيل {أتعدانني} أي: على سبيل الاستمرار والتجديد في ~~كل وقت وقرأ هشام بإدغام النون الأولى في الثانية وفتح الياء نافع وابن ~~كثير وسكنها الباقون. {أن أخرج} أي: من مخرج يخرجني من الأرض بعد أن غبت ~~فيها وصرت ترابا يحييني كما كنت أول مرة {وقد} أي: والحال أنه قد {خلت} أي: ~~مضت على سنن الموتى {القرون} أي: الأمم الكثيرة مع صلابتهم {من قبلي} أي: ~~قرنا بعد قرن، وتطاولت الأزمان، ولم يخرج منهم أحد من القبور {وهما} أي: ~~والحال أنهما كلما قال لهما ذلك {يستغيثان الله} أي: يطلبان بدعائهما من له ~~جميع صفات الكمال أن يغيثهما بإلهامه قبول كلامهما ms3213 ويقولان إن لم ترجع ~~{ويلك} أي: هلاكك بمعنى: هلكت {آمن} أي: أوقع الإيمان الذي لا إيمان غيره، ~~وهو الذي ينقذ من كل هلكة، ويوجب كل فوز، بالتصديق بالبعث وبكل ما جاء عن ~~الله تعالى. ثم عللا أمرهما على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة إنكاره ~~بقولهما: {إن وعد الله} أي: الملك المحيط بجميع صفات الكمال حق أي: ثابت ~~أعظم ثبات؛ لأنه لو لم يكن حقا لكان نقصا من جهة الأخلاق الذي لا يرضاه ~~لنفسه أقل الملوك. فكيف بملك الملوك؟ {فيقول} مسببا عن قولهما ومعقبا له ~~{ما هذا} أي: الذي تذكرانه من البعث {إلا أساطير} أي: أكاذيب {الأولين} ~~التي كتبوها. # {أولئك} أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير. # {الذين حق} أي: ثبت ووجب {عليهم القول} أي: الكامل في بابه، بأنهم أسفل ~~السافلين. وهذا كما قال البيضاوي يرد على من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن ~~بن أبي بكر؛ لأنه يدل على أنه من أهلها لذلك وقد جب عنه إن كان لإسلامه ~~وقال البقاعي: وهذا يكذب من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه ~~أسلم وصار من أكابر الصحابة فحقت له الجنة، ولما أثبت لهم هذه الشنعة بين ~~كثرة من شاركهم فيها بقوله تعالى: {في} أي: كائنين في {أمم} أي: خلائق ~~كانوا بحيث يقصدهم الناس، ويتبع بعضهم بعضا {قد خلت} أي: تلك الأمم {من ~~قبلهم} وكانوا قدوتهم وأدخل الجار؛ لأن المحكوم عليه بعض السالفين {من ~~الجن} لأن العرب كانت تستعظمهم، وتستجير بهم وذلك لأنهم يتظاهرون لهم، ~~ويؤذونهم ولم يقطع أذاهم لهم، وتسلطهم عليهم ظاهرا وباطنا إلا القرآن: فإنه ~~أحرقهم بأنواره، وجلاهم عن تلك البلاد بتجلي آثاره {وإلانس} ولا نفعتهم ~~كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم وقوله تعالى {إنهم} أي: كلهم {كانوا} أي: جبلة ~~وطبعا وخلقا لا يقدرون على الانفكاك عنه {خاسرين} أي عريقين في هذا الوصف ~~تعليل للحكم على الاستئناف. {ولكل درجات مما عملوا} قال ابن عباس: يريد من ~~سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو ساعة وقال مقاتل: ms3214 ولكل واحد من ~~الفريقين يعنى البار بوالديه والعاق لهما درجات في الإيمان والكفر والطاعة ~~والمعصية. # فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدرجات على أهل النار وقد روي «الجنة درجات ~~والنار دركات» أجيب من وجوه أحدها: أن ذلك على جهة التغليب وثانيها: قال ~~ابن زيد: درج أهل الجنة تذهب علوا، ودرج أهل النار تذهب هبوطا وثالثها: ~~المراد بالدرجات المراتب المتزايدة، # PageV04P011 # فدرجات أهل الجنة في الخيرات والطاعات، ودرجات أهل النار في المعاصي ~~والسيئات. # وقوله تعالى: {وليوفيهم أعمالهم} أي: جزاءها معلله محذوف، تقديره: جازاهم ~~بذلك. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو وهشام، وعاصم: بالياء التحتية أي: الله ~~والباقون بالنون أي نحن وقوله تعالى: {وهم لا يظلمون} أي: شيئا بنقص ~~للمؤمنين ولا بزيادة للكافرين (والواو) إما استئناف وإما حال مؤكدة. # {ويوم} أي: واذكر يا أفضل الخلق لهؤلاء يوم يعرضون هكذا كان الأصل. ولكنه ~~تعالى أظهر الوصف الذي أوجب لهم الخزي بقوله تعالى: {يعرض الذين كفروا على ~~النار} أي: يصلون لهيبها ويقلبون فيها، كما يعرض اللحم الذي يشوى وقيل: ~~تعرض عليهم النار ليروا أهوالها، مقولا لهم على سبيل التنديم والتقريع ~~والتوبيخ والتشنيع؛ لأنهم لم يذكروه تعالى حق ذكره عند شهواتهم بل نالوها ~~عند مخالفة أمره سبحانه وتعالى. {أذهبتم طيباتكم} أي: لذاتكم باتباعكم ~~الشهوات. وقرأ ابن كثير وابن عامر قبل الدال: بهمزتين مفتوحتين الأولى: ~~محققة بلا خلاف. والثانية: مسهلة بخلاف عن هشام وأدخل هشام بينهما ألفا ولم ~~يدخل ابن كثير وابن ذكوان والباقون بهمزة واحدة محققة. {في حياتكم الدنيا} ~~أي: القريبة الدنية المؤذن وصفها لمن يعقل بحياة أخرى بعدها، فكان سعيكم في ~~حركاتكم وسكناتكم لأجلها حتى نلتموها {واستمتعتم} أي: طلبتم وأوجدتم ~~انتفاعكم {بها} وجعلتموها غاية حظكم في رفعتكم ونعمتكم. والمعنى: أن ما قدر ~~لكم من الطيبات والدرجات فقد استوفيتموه في الدنيا فلم يبق لكم بعد استيفاء ~~حظكم شيء منها وعن عمر رضي الله عنه «لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم ~~لباسا ولكني أستبقي طيباتي» قال الواحدي: إن الصالحين يؤثرون التقشف والزهد ~~في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم ms3215 في الآخرة أكمل لأن هذه الآية لا تدل على ~~المنع من التمتع لأنها وردت في حق الكافر وإنما وبخ الله تعالى الكافر لأنه ~~تمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ويدل على ذلك قوله تعالى: ~~{قل من حرم زينة الله التي أخرج # لعباده والطيبات من الرزق} (الأعراف: 32) # نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب ~~عليها الاحتراز والانقياد وحينئذ ربما حمل الميل إلى تلك الطيبات على فعل ~~ما لا ينبغي. # روى عمر قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو على رمال ~~حصير، قد أثر الرمال بجنبه فقلت: يا رسول الله، ادع الله تعالى أن يوسع على ~~أمتك، فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم يعبدون غير الله تعالى. فقال صلى ~~الله عليه وسلم أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» وعن عائشة ~~رضي الله عنها قالت: ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير ~~يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنها أنها قالت: ~~«كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا وما هو إلا الماء والتمر» «وعن ابن ~~عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويا ~~وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم الشعير» والأحاديث في هذا كثيرة ولما ~~كانت الاستهانة بالأوامر والنواهي استهانة بيوم الجزاء سبب عنه قوله تعالى: # {فاليوم تجزون} أي: على إعراضكم عنا {عذاب الهون} أي: الهوان العظيم ~~المجتمع الشديد الذي فيه ذل وخزي {بما كنتم} أي: جبلة وطبعا {تستكبرون} # PageV04P012 # أي: تطلبون الترفع وتوجدونه على الاستمرار {في الأرض} التي هي لكونها ~~ترابا وموضوعة على الزوال والخراب أحق شيء بالتواضع والذل والهوان {بغير ~~الحق} أي: الأمر الذي يطابقه الواقع، وهو أوامرنا ونواهينا {وبما كنتم} أي: ~~على الاستمرار {تفسقون} أي: بسبب الاستكبار الباطل، والفسوق عن طاعة الله ~~تعالى. # تنبيه: دلت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأن الله تعالى ~~علل عذابهم بأمرين؛ ms3216 أولهما: الكفر. وثانيهما: الفسق وهذا الفسق لا بد وأن ~~يكون مغايرا لذلك الكفر، لأن العطف يوجب المغايرة فثبت أن فسق الكفار يوجب ~~العقاب في حقهم ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات. # ولما كان قوم عاد أكثر أموالا وقوة وجاها من أهل مكة، ذكر تعالى قصتهم ~~ليعتبروا، فيتركوا الاغترار بما وجدوه في الدنيا. فقال عز من قائل: # {واذكر} يا أشرف الرسل، لهؤلاء الذين لا يتعظون {أخا عاد} وهو أخوك هود ~~عليه السلام، الذي كان بين قوم أشد من قومك، ولم يخف عاقبتهم وأمرهم ونهاهم ~~ونجيناه منهم فهو لك قدوة، وفيه أسوة، ولقومك في قصدهم إياك بالأذى من أمره ~~موعظة. وقوله تعالى: {إذ أنذر} بدل اشتمال من {أخا} {قومه} أي: الذين لهم ~~قوة على القيام فيما يحاولونه. {بالأحقاف} قال ابن عباس: واديين عمان ~~ومهرة، وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له: مهرة ~~إليها تنسب الإبل المهرية. وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج العود ~~رجعوا إلى منازلهم. وكانوا من قبيلة إرم قال قتادة: ذكر لنا: أن عادا كانوا ~~حيا من اليمن، كانوا أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر. # {وقد} أي: والحال أنه قد {خلت النذر} أي: مرت ومضت الرسل الكثيرون {من ~~بين يديه} أي: قبل هود، كنوح وشيث وآدم عليهم السلام {ومن خلفه} أي: بعده ~~والمعنى؛ أن الرسل الذين بعثوا قبله، والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو ~~إنذاره، والجملة حال، أو اعتراض. ولما أشار إلى كثرة الرسل، ذكر وحدتهم في ~~أصل الدعاء، فقال مفسرا للإنذار معبرا بالنهي {أن لا تعبدوا} أي: أيها ~~العباد المنذرون، بوجه من الوجوه شيئا من الأشياء {إلا الله} أي: الملك ~~الذي لا ملك غيره، ولا خالق سواه، ولا منعم إلا هو فإني أراكم تشركون به من ~~لم يشركه في شيء من تدبيركم والملك لا يقر على مثل هذا {إني أخاف عليكم} ~~لكونكم قومي، وأعز الناس علي {عذاب يوم عظيم} أي لا يدع جهة إلا ملأها ~~عذابه إن أصررتم ms3217 على ما أنتم فيه من الشرك. # {قالوا} له في جوابه منكرين عليه {أجئتنا} أي: يا هود، {لتأفكنا} أي: ~~لتصرفنا عن وجه أمرنا إلى قفاه {عن آلهتنا} فلا نعبدها، ولا نعتد بها ~~{فأتنا بما تعدنا} من العذاب؛ سموا الوعيد وعدا {إن كنت} أي: يقال عنك كونا ~~ثابتا {من الصادقين} في أنك رسول من الله، وأنه يأتينا بما تخافه علينا من ~~العذاب إن أصررنا.I # {قال} أي هود مكذبا لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء من ذلك: {إنما العلم} ~~أي: المحيط بكل شيء، عذابكم وغيره. {عند الله} أي: المحيط بجميع صفات ~~الكمال، فهو ينزل علم ما توعدون به على من يشاء إن شاء. ولا علم لي إلى ~~الآن، ولا لكم بشيء من ذلك ولا قدرة، {وأبلغكم} أي: في الحال والاستقبال ~~وقرأ أبو عمرو بسكون الباء الموحدة وتخفيف اللام والباقون: بفتح الموحدة ~~وتشديد اللام. # PageV04P013 # {ما أرسلت به} ممن لا مرسل في الحقيقة غيره، سواء أكان وعدا أم وعيدا أم ~~غير ذلك. ولم يذكر الغاية؛ لأن ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم {ولكني أراكم} ~~أي: أعلمكم علما كالرؤية. وقرأ نافع والبزي وأبو عمرو: بفتح الياء ~~والباقون: بسكونها. وأمال الألف بعد الراء ورش بين بين وأمالها أبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي محضة. والباقون بالفتح. {قوما تجهلون} أي: باستعجال ~~العذاب. فإن الرسل بعثوا مبلغين منذرين لا مقترحين. # {فلما رأوه} أي: العذاب الذي توعدهم به {عارضا} أي: سحابا أسود بارزا في ~~الأفق، ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر، حال كونه قاصدا إليهم. {مستقبل ~~أوديتهم} أي: طالبا لأن يكون مقابلا لها وموجدا لذلك. {قالوا} على عادة ~~جهلهم، مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم في غاية الجهل، لأن جهلهم ~~به استمر حتى كاد أن يواقعهم. {هذا عارض} أي: سحاب معترض في عرض السماء. ~~أي: ناحيتها. {ممطرنا} قال المفسرون: كان حبس عنهم المطر أياما فساق الله ~~تعالى إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها ~~استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا فقال الله تعالى {بل هو} ms3218 أي: هذا العارض ~~الذي ترونه {ما استعجلتم به} أي: طلبتم العجلة في إتيانه وقوله تعالى: ~~{ريح} بدل من {ما} {فيها عذاب أليم} أي: شديد الإيلام وروي أنها كانت تحمل ~~الفسطاط فترفعه في الجو، وتحمل الظعينة في الجو، فترفعها وهودجها حتى ترى ~~كأنها جرادة وكانوا يرون ما كان خارجا عن منازلهم من الناس والمواشي تطير ~~بهم الريح بين السماء والأرض، ثم تقذف بهم. ثم وصف تلك الريح. بقوله تعالى: # {تدمر} أي: تهلك إهلاكا عظيما شديدا. {كل شيء} أي: أتت عليه من الحيوان ~~والناس وغيرهما، هذا شأنها فمن سلم منها كهود عليه السلام ومن آمن به، ~~فسلامته أمر خارق للعادة. كما أن أمرها في إهلاك كل ما مرت عليه أمر خارق ~~للعادة. {بأمر ربها} أي: المبدع لها والمربي والمحسن بالانتقام من أعدائه. # فإن قيل: ما فائدة إضافة الرب إلى الريح أجيب: بأن فائدة ذلك: الدلالة ~~على أن الريح وتصريف أعنتها، مما يشهد بعظيم قدرته لأنها من أعاجيب خلقه، ~~وأكابر جنوده. # وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقويه فليس من تأثير ~~الكواكب والقرانات. # قيل: إن أول من أبصر العذاب امرأة منهم، قالت: رأيت ريحا فيها كشهب ~~النار. وروي: أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم: أنهم رأوا ما كان في ~~الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا ~~بيوتهم، وغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم ~~الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، لهم أنين ثم أمر الله تعالى ~~الريح، فكشفت عنهم الرمال، وحملتهم، فرمت بهم في البحر. # وروي: أن هودا عليه السلام لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا ~~إلى جنب عين تنبع وكانت الريح التي تصيبهم ريحا طيبة هادئة، والريح التي ~~تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء وتضربهم على الأرض. # وعن ابن عباس اعتزل هود ومن معه في حظيرة، ما يصيبهم من الريح إلا ما ~~يلين على الجلود وتلذه الأنفس. وإنها لتمر من عاد بالظعن ms3219 بين السماء ~~والأرض، وتدمغهم بالحجارة. وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح # PageV04P014 # من هذا الوجه «قال صلى الله عليه وسلم ما أمر الله تعالى خازن الريح أن ~~يرسل على عاد إلا مقدار الخاتم وذلك القدر أهلكهم بكليتهم» كما قال تعالى: # {فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم} أي: فجاءتهم الريح فدمرتهم، فأصبحوا بحيث ~~لو خضت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم. وقرأ عاصم وحمزة: بالياء التحتية ~~المضمومة ورفع النون من مساكنهم، لقيامه مقام الفاعل. والباقون: بالتاء ~~الفوقية مفتوحة مبنيا للفاعل، ونصب مساكنهم مفعولا به. وأمال الألف بعد ~~الراء ورش بين بين، وأبو عمرو وحمزة والكسائي محضة. وكذلك من {القرى} ~~{كذلك} أي: مثل هذا الجزاء الهائل؛ في أصله، أو جنسه، أو نوعه، أو شخصه من ~~الإهلاك. {نجزي} بعظمتنا دائما إذا شئنا {القوم المجرمين} أي: العريقين في ~~الإجرام الذين يقطعون ما حقه الوصل وذلك الجزاء هو الإهلاك على هذا الوجه ~~الشنيع «وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الريح فزع وقال: «اللهم ~~إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به، وإذا ~~رأى مخيلة أي: سحابة. قام وقعد، وجاء وذهب، وتغير لونه، فنقول له: يا رسول ~~الله ما تخاف؟ فيقول: إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا: هذا عارض ~~ممطرنا فاحذروا أيها العرب مثل ذلك إن لم ترجعوا» فإن قيل قال تعالى: {وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} (الأنفال: 33) # فكيف يحصل التخويف أجيب بأن ذلك كان قبل نزول الآية ثم أخبر الله تعالى ~~عن مكنة عاد بقوله سبحانه: # {ولقد مكناهم} أي: تمكينا تظهر به عظمتنا {فيما} أي: في الذي {إن} نافية ~~أي: ما {مكناكم} يا أهل مكة {فيه} من قوة الأبدان، وطول الأعمار، وكثرة ~~الأموال، وغيرها. ثم إنهم مع ذلك ما نجوا من عذاب الله تعالى. فكيف يكون ~~حالكم؟. # تنبيه: قال البقاعي: وجعل النافي إن؛ لأنها أبلغ من {ما} لأن ما تنفى ~~تمام الفوت، لتركبها من الميم والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام الإدراك. ~~وإن ms3220 تنفي أدنى مظاهر مدخولها، فكيف بما وراء من تمامه؟ لأن الهمزة أول مظهر ~~لفوت الألف، والنون لمطلق الإظهار. هذا إلى ما في ذلك من عذوبة اللفظ، ~~وصونه عن ثقل التكرار، إلى غير ذلك من بديع الأسرار ا. ه. # وقال الزمخشري: إن نافية أي: فيما ما مكناكم فيه إلا أن إن أحسن في ~~اللفظ، لما في مجامعة ما بمثلها من التكرار المستبشع، ومثله مجتنب. ألا ترى ~~أن الأصل في مهما ما ما فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء ولقد أغث أبو ~~الطيب في قوله: # *لعمرك ما ما بان منك لضارب # وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال: # لعمرك ما إن بان منك لضارب. وقد جعلت إن صلة مثلها فيما أنشده الأخفش ~~رحمه الله تعالى: # *يرجى المرء ما إن لا يراه # ... وتعرض دون أدناه الخطوب # وتؤول بأنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه والوجه هو الأول {وجعلنا لهم} أي ~~على ما اقتضته عظمتنا {سمعا} وأفرده لقلة التفاوت فيه {وأبصارا} وجمعه ~~لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار، وكذا في قوله تعالى: {وأفئدة} أي: فتحنا ~~عليهم أبواب النعم، وأعطيناهم سمعا فما استعملوه في سماع الدلائل. ~~وأعطيناهم أبصارا فما استعملوها في دلائل ملكوت السموات والأرض وأعطيناهم ~~أفئدة، أي: قلوبا فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى، بل صرفوا كل هذه ~~القوى إلى طلب # PageV04P015 # الدنيا ولذاتها. فلا جرم قال تعالى: {فما أغنى عنهم} في حال إرسالنا ~~إليهم الرحمة على لسان هود عليه السلام ثم النقمة بيد الريح {سمعهم} وأكد ~~النفي بتكرير النافي بقوله تعالى: {ولا أبصارهم} وكذا في قوله تعالى: {ولا ~~أفئدتهم} أردنا إهلاكهم، وأكد بإثبات الجار بقوله تعالى: {من شيء} أي: من ~~الأشياء وإن قل وقال الجلال المحلي إن {من} زائدة وقوله تعالى: {إذ} معمولة ~~لأغنى وأشربت معنى التعليل. أي: لأنهم {كانوا} أي: طبعا وخلقا {يجحدون} أي: ~~يكررون على ممر الزمان الجحد {بآيات الله} أي: الإنكار لما يعرب عن دلائل ~~الملك الأعظم {وحاق} أي: نزل {بهم ما كانوا به يستهزئون} لأنهم؛ كانوا ~~يطلبون نزول العذاب على ms3221 سبيل الاستهزاء ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم ~~على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم أتبعهم من كان مشاركا ~~لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك فقال تعالى: # {ولقد أهلكنا} أي: بما لنا من العظمة {ما حولكم} يا أهل مكة {من القرى} ~~كحجر ثمود وعاد وأرض سدوم وسبأ ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس، ~~وغيرهم ممن فيهم معتبر {وصرفنا} أي: بينا {الآيات} أي: الحجج البينات ~~{لعلهم} أي: الكفار {يرجعون} أي: ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية ~~الآيات، حال من يرجع عن الغي الذي كان يرتكبه، لتقليد أو شبهة كشفتها ~~الآيات وفضحتها الدلالات؛ فلم يرجعوا فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكهم. {فلولا} ~~أي: فهلا ولم لا {نصرهم الذين} أي: نصر هؤلاء المهلكين الذين {اتخذوا} أي: ~~اجتهدوا في صرف أنفسهم عن دواعي العقل حتى أخذوا. {من دون الله} أي: الملك ~~الذي هو أعظم من كل عظيم {قربانا} أي: متقربا بهم إلى الله تعالى: {آلهة} ~~معه وهم الأصنام ومفعول اتخذوا الأول ضمير محذوف يعود على الموصول أي: هم، ~~وقربانا المفعول الثاني، وآلهة بدل منه {بل ضلوا} أي: غابوا {عنهم} وقت ~~نزول النقمة. وقرأ الكسائي بإدغام اللام في الضاد، والباقون بالإظهار ~~{وذلك} أي: اتخاذهم الأصنام آلهة قربانا {إفكهم} أي: كذبهم {وما كانوا} أي: ~~على وجه الدوام لكونه في طباعهم {يفترون} أي: يتعمدون كذبه، لأن إصرارهم ~~عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا كذلك، لأن من نظر فيها مجردا نفسه عن ~~الهوى اهتدى. {وإذ} أي: واذكر إذ {صرفنا} أي: أملنا {إليك نفرا} وهو اسم ~~يطلق على ما دون العشرة وسيأتي في ذلك خلاف {من الجن} أي جن نصيبين اليمن، ~~أو جن نينوى {يستمعون القرآن} أي: يطلبون سماع الذكر الجامع لكل خير الفارق ~~بين كل ملبس، وأنت في صلاة الفجر في نخلة، تصلي بأصحابك {فلما حضروه} أي: ~~صاروا بحيث يستمعونه {قالوا} أي: قال بعضهم لبعض، ورضي الآخرون {أنصتوا} ~~أي: اسكتوا، وميلوا بكلياتكم، واستمعوا. حفظا للأدب على بساط الخدمة وفيه ~~تأدب مع العلم ms3222 في تعلمه. قال القشيري: فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون ~~والهيبة والوقار. # تنبيه: ذكروا في كيفية هذه الواقعة قولين: أحدهما «قال سعيد بن جبير: كان ~~الجن تستمع فلما رجموا قالوا هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لشيء في ~~الأرض فذهبوا يطلبون السبب، وكان قد اتفق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أيس من أهل مكة أن يجيبوه، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام # PageV04P016 # فلما انصرف إلى مكة وكان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن، فمر به نفر من أشرار ~~جن نصيبين، كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، ~~فسمعوا القرآن فعرفوا أن ذلك هو السبب» . والقول الثاني أن الله تعالى أمر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم ~~القرآن فصرف الله تعالى إليه نفرا من الجن يستمعون منه القرآن وينذرون ~~قومهم روي أن الجن كانوا يهودا لأن في الجن مللا كما في الإنس من اليهود ~~والنصارى، وعبدة الأوثان، والمجوس وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون سئل ~~ابن عباس هل للجن ثواب قال نعم لهم ثواب وعليهم عقاب يلبثون في أبواب الجنة ~~ويزدحمون على أبوابها. «وروى الطبراني عن ابن عباس أن أولئك الجن كانوا ~~سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى ~~قومهم» «وعن زر ابن حبيش كانوا تسعة، أحدهم زوبعة» «وعن قتادة ذكر لنا أنهم ~~صرفوا إليه من نينوى» وروي في الحديث: «أن الجن ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة ~~يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون ويظعنون» واختلفت الروايات هل ~~كان عبد الله بن مسعود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن أو لا؟ ~~وروى عن أنس قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو بظاهر المدينة، إذ ~~أقبل شيخ يتوكأ على عكازة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها لمشية جني، ~~ثم أتى فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم إنها ~~لنغمة جني فقال ms3223 الشيخ: أجل يا رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~من أي الجن أنت؟ فقال # يا رسول الله، أنا هام بن هيم بن لاقيس بن إبليس فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين. قال: أجل يا رسول الله، قال: ~~كم أتى عليك من العمر؟ قال: أكلت عمر الدنيا إلا القليل، كنت حين قتل هابيل ~~غلاما ابن أعوام، فكنت أتشرف على الآكام، وأصطاد الهام، وأورش بين الأنام. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم بئس العمل. فقال: يا رسول الله، دعني من ~~العتب فإني ممن آمن مع نوح عليه السلام وعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، ~~وقال: والله إني لمن النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقيت هودا ~~فعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، وقال والله إني لمن النادمين، وأعوذ بالله ~~أن أكون من الجاهلين ولقيت إبراهيم، وآمنت به، وكنت بينه وبين الأرض إذ رمي ~~به في المنجنيق، وكنت معه في النار إذ ألقي فيها وكنت مع يوسف إذ ألقي في ~~الجب، فسبقته إلى قعره. ولقيت موسى بن عمران بالمكان الأثير. وكنت مع عيسى ~~بن مريم عليهما السلام. فقال لي: إن لقيت محمدا فاقرأ عليه السلام. قال ~~أنس: فقال النبي صلى الله عليه وسلم وعليه السلام وعليك يا هام ما حاجتك؟ ~~قال: إن موسى علمني التوراة، وإن عيسى علمني الإنجيل، فعلمني القرآن قال ~~أنس: فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم سورة الواقعة عم يتساءلون وإذا الشمس ~~كورت وقل يا أيها الكافرون وسورة الإخلاص والمعوذتين. {فلما قضي} أي: فرغ ~~من قراءته {ولوا} أي: رجعوا {إلى قومهم} الذين فيهم قوة القيام بما ~~يحاولونه {منذرين} أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال بأمر من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس جعلهم رسول الله صلى الله # PageV04P017 # عليه وسلم رسلا إلى قومهم. # ولما كان كأنه قيل ما قالوا لهم في إنذارهم؟ قيل: # {قالوا يا قومنا} مترققين لهم، ومترفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم، ~~يهمهم ما ms3224 يهمهم {إنا سمعنا} أي: ما بيننا وبين القارىء واسطة. وأشاروا إلى ~~أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه، مغن عن جميع الكتب ~~غير هذا. وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع بقولهم: {كتابا} أي: ذكرا ~~جامعا، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل {أنزل} أي: ممن لا منزل ~~غيره، وهو ملك الملوك لأن عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه ~~بأنه منها، فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز؟ وعلموا قطعا بعربيته أنه عربي، ~~وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه ~~من الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار، وأنه مباين لجميع ذلك {من بعد ~~موسى} فلم يقتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة، من الإنجيل وما ~~قبله، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع، وروي عن عطاء والحسن: إنما قالوا ~~ذلك لأنهم كانوا يهودا. «وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الجن ما سمعوا أمر ~~عيسى، فلذلك قالوا من بعد موسى» ولما أخبروا بأنه منزل، أتبعوه ما يشهد له ~~بالصحة بقولهم: # {مصدقا لما بين يديه} أي: من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله، ثم ~~بينوا تصديقه بقولهم: {يهدي إلى الحق} الأمر الثابت الذي يطابق الواقع، فلا ~~يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به الكامل في جميع ذلك {وإلى طريق} موصل ~~إلى المقصود {مستقيم} لا عوج فيه {يا قومنا} الذين لهم قوة العلم والعمل ~~{أجيبوا داعي الله} أي: الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال. فإن دعوة هذا ~~الداعي عامة لجميع الخلق، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره وفي هذه ~~الآية دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن، كما كان ~~مبعوثا إلى الإنس {وآمنوا به} أي: أوقعوا التصديق بسبب الداعي، وهو النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا بسبب آخر فإن المفعول معه مفعول مع الله تعالى. # فإن قيل قوله تعالى: {أجيبوا داعي الله} أمر بإجابته في كل ما أمر به ~~فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال وآمنوا به؟ ms3225 أجيب بأنه إنما ذكر الإيمان ~~على التعيين، لأنه أهم الأقسام وأشرفها وقد جرت العادة في القرآن العظيم ~~بأن يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه، كقوله تعالى {وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكال} (البقرة: 98) # وقوله تعالى {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} (الأحزاب: 7) # ولما أمر تعالى بالإيمان ذكر فائدته بقوله تعالى: {يغفر لكم} أي: الله ~~تعالى {من ذنوبكم} أي: بعضها من الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى وكذا ~~ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها، مما أشار ~~إليه قوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} ~~(الشورى: 30) # وأما المظالم فلا تغفر إلا برضا أربابها، وقيل: {من} زائدة والتقدير: ~~يغفر لكم ذنوبكم، وقيل: بل فائدته أن كلمة {من} هنا لابتداء الغاية، ~~والمعنى: أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم ~~من ترك الأولى والأكمل {ويجركم} أي: يمنعكم منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز ~~إلى داعيه صرتم من حزبه. # {من عذاب أليم} «قال ابن عباس: فاستجاب لله تعالى لهم من قومهم نحو سبعين ~~رجلا من الجن فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافوه في البطحاء، ~~فقرأ عليهم القرآن # PageV04P018 # وأمرهم ونهاهم» . # تنبيه: اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أو لا فقيل: لا ثواب لهم إلا ~~النجاة من النار، ويقال لهم: كونوا ترابا، مثل البهائم واحتجوا على ذلك ~~بقوله تعالى {ويجركم من عذاب أليم} وهو قول أبي حنيفة. # والصحيح أن حكمهم حكم بني آدم يستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على ~~المعصية، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك وتقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أيضا نحو ذلك قال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، لأن كل دليل دل ~~على أن البشر يستحقون الثواب فهو بعينه قائم في حق الجن، والفرق بينهما ~~بعيد جدا وذكر النقاش في تفسيره حديثا أنهم يدخلون الجنة، فقيل: هل يصيبون ~~من نعيمها قال يلهمهم الله تعالى تسبيحه وذكره فيصيبهم من لذته ما يصيب بني ~~آدم ms3226 من نعيم الجنة وقال أرطأة بن المنذر سألت ضمرة بن حبيب هل للجن ثواب؟ ~~قال: نعم وقرأ {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} (الرحمن: 56) # وقال عمر بن عبد العزيز إن مؤمني الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا ~~فيها» ولما أفهم كلامهم أنهم إن لم يجيبوا ينتقم منهم بالعذاب الأليم، ~~أتبعوه ما هو أغلظ إنذارا منه. # فقالوا {ومن لا يجب} أي: لا يتجدد منه أن يجيب {داعي الله} أي: الملك ~~الذي لا كفء له {فليس بمعجز} أي: لا يعجز الله عز وجل بالهرب منه {في ~~الأرض} فيفوته فإنه أي مكان سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به ~~{وليس له من دونه} أي: الله تعالى الذي لا مجير عليه {أولياء} يفعلون لأجله ~~ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء {أولئك} ~~البعيدون من كل خير {في ضلال مبين} ظاهر في نفسه أنه ضلال مظهر لكل أحد قبح ~~إحاطته بهم. # تنبيه: ههنا همزتان مضمومتان من كلمتين ولا نظير لهما في القرآن العظيم ~~قرأ قالون والبزي بتسهيل الأولى كالواو مع المد والقصر وسهل الثانية ورش ~~وقنبل بعد تحقيق الأولى ولهما أيضا إبدال الثانية ألفا وأسقط الأولى أبو ~~عمرو مع المد والقصر والباقون بتحقيقهما وهم على مراتبهم في المد. # {أولم يروا} أي: يعلموا علما هو في الوضوح كالرؤية {أن الله} ودل على ما ~~دل عليه هذا الاسم الأعظم بقوله تعالى: {الذي خلق السموات} على ما احتوت ~~عليه بما يعجز الوصف من العبر {والأرض} على ما اشتملت عليه من الآيات ~~المدركة بالعيان والخبر {ولم يعي} أي: ولم يتعب ولم يعجز {بخلقهن} أي: بسبب ~~من الأسباب. فإنه لو حصل له شيء من ذلك أدى إلى نقصان فيهما، أو في ~~إحداهما. وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجار في خبر إن فقال: {بقادر} ~~أي: قدرة عظيمة {على أن يحيي} أي: على سبيل التجديد مستمرا {الموتى} والأمر ~~فيهم لكونه إعادة وكونه جزءا يسيرا مما ذكر، اختراعه أصغر شأنا وأسهل صنعا ~~وأجاب بقوله تعالى {بلى} ms3227 لأن هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي. # أي: قد علموا أنه قادر على ذلك علما هو في إيقانه كالبصر لأنهم يعلمون ~~أنه المخترع لذلك، وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري عاداتهم، ولكنهم ~~عن ذلك غافلون لأنهم عنه معرضون. وقوله تعالى: {إنه على كل شيء قدير} تقرير ~~للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود. كأنه لما صدر السورة بتحقيق ~~المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد. ولما أثبت البعث بما أقام من الدلائل، ~~ذكر بعض ما يحصل في يومه من الأهوال. بقوله تعالى: # {ويوم} أي: واذكر يوم {يعرض} أي: بأيسر أمر # PageV04P019 # من أوامرنا {الذين كفروا} أي: ستروا بغفلتهم وتماديهم الأدلة الظاهرة ~~{على النار} عرض الجند على الملك، فيسمعون من تغيظها وزفيرها ما لو قدر أن ~~أحدا يموت في ذلك اليوم لماتوا من معاينته، وهائل رؤيته ثم يقال لهم {أليس ~~هذا} أي: الأمر الذي كنتم به توعدون، ولرسلنا في إخبارهم به تكذبون {بالحق} ~~أي: الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، أم هو خيال وسحر {قالوا} أي: مصدقين ~~حيث لا ينفعهم التصديق {بلى} وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا ~~عليه بقولهم: {وربنا} أي إنه لحق هو أثبت الأشياء، وليس فيه شيء مما يقارب ~~السحر. # تنبيه: المقصود من هذا الاستفهام التحكم والتوبيخ على استهزائهم بوعد ~~الله تعالى ووعيده. {قال فذوقوا العذاب} أي: باشروه مباشرة الذائق باللسان. ~~ومعنى الأمر؛ الإهانة بهم والتوبيخ لهم ثم صرح بالسبب فقال تعالى: {بما ~~كنتم} أي: خلقا مستمرا {تكفرون} في دار العمل. # ولما قرر تعالى المطالب الثلاثة؛ وهي التوحيد، والنبوة، والمعاد. وأجاب ~~عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة لنبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم وذلك لأن الكفار كانوا يؤذونه ويوحشون صدره. فقال تعالى: # {فاصبر} أي: على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة، وعلى أذى قومك قال ~~القشيري: الصبر، هو الوثوق بحكم الله تعالى والثبات من غير بث ولا استكراه ~~{كما صبر أولو العزم} أي: الثبات والجد في الأمور. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أولو الحزم وقوله ms3228 تعالى: {من الرسل} يجوز فيه أن تكون {من} تبعيضية ~~وعلى هذا فالرسل: أولو عزم وغير أولي عزم ويجوز أن تكون للبيان، وعليه جرى ~~الجلال المحلي فكلهم على هذا أولو عزم. # قال ابن زيد كل الرسل كانوا أولي عزم وحزم ورأي وكمال عقل، وإنما أدخلت ~~من للتجنيس لا للتبعيض كما يقال: اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز. ~~وقال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعلة كانت فيه. ألا ترى أنه ~~قيل لنبينا صلى الله عليه وسلم {ولا تكن كصحاب الحوت} (القلم: 48) # وقال قوم: هم نجباء الرسل، وهم المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر ~~لقوله تعالى بعد ذكرهم {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} (الأنعام: 90) # وقال الكلبي هم الذين أمروا بالجهاد، وأظهروا المكاشفة مع أعداء الله ~~تعالى وقيل: هم ستة؛ نوح وهود وصالح ولوط. وشعيب وموسى. وهم المذكورون على ~~النسق في سورة الأعراف والشعراء وقال مقاتل: هم ستة، نوح صبر على أذى قومه، ~~وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده، ~~وذهاب بصره ويوسف صبر في الجب والسجن، وأيوب صبر على الضر. وقال ابن عباس ~~وقتادة هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، أصحاب الشرائع فهم مع محمد صلى الله ~~عليه وسلم خمسة ونظمهم بعضهم في بيت فقال: # *محمد إبراهيم موسى كليمه ... فعيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم* # قال البغوي: ذكرهم الله تعالى على التخصيص في قوله تعالى {وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم} (الأحزاب: 7) # وفي قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} (الشورى: 13) # الآية. # وعن مسروق قال «قالت عائشة رضي الله عنها: قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن ~~الله لم يرض من أولي العزم # PageV04P020 # إلا الصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها. ولم يرض إلا أن كلفني ما ~~كلفهم قال تعالى {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} وإني والله لا ms3229 بد لي ~~من طاعته والله لأصبرن كما صبروا ولأجهدن، ولا قوة إلا بالله، ولما أمره ~~الله تعالى بالصبر الذي هو من أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة التي هي من ~~أمهات الرذائل. فقال عز من قائل: # {ولا تستعجل لهم} أي: لا تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئا مما يسوءهم ~~في غير حينه الأليق به. فإنه نازل بهم في وقته لا محالة. # قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ضجر من قومه، وأحب أن ينزل الله تعالى ~~العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر وترك الاستعجال ثم أخبر أن ذلك العذاب ~~إذا نزل بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، حتى يحسبونها ساعة من نهار فقال ~~تعالى: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون} أي: من العذاب بهم في الآخرة {لم ~~يلبثوا} أي: في الدنيا {إلا ساعة من نهار} استقصروا مدة لبثهم في الدنيا ~~والبرزخ كأنه ساعة من نهار، أو كأنه لم يكن لهول ما عاينوا، ولأن ما مضى ~~وإن كان طويلا صار كأنه لم يكن قال الشاعر: # *كأن شيئا لم يكن إذا مضى ... كأن شيئا لم يكن إذا أتى* # تنبيه: تم الكلام ههنا وقوله تعالى {بلاغ} خبر مبتدأ محذوف قدره بعضهم: ~~تلك الساعة بلاغ لدلالة قوله تعالى {إلا ساعة من نهار} وبعضهم: هذا أي ~~القرآن بلاغ أي تبليغ من الله تعالى إليكم وجرى عليه الجلال المحلي. {فهل} ~~أي: لا {يهلك} أي: بالعذاب إذا نزل {إلا القوم} أي: الذين هم أهل القيام ~~بما يحاولونه من اللدد، {الفاسقون} أي: العريقون في إدامة الخروج عن ~~الانقياد والطاعة، وهم الكافرون. قال الزجاج: تأويله لا يهلك مع فضل الله ~~ورحمته إلا القوم الفاسقون ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله أقوى من ~~هذه الآية. وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري: من أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال من قرأ سورة الأحقاف كتب الله له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا. ~~حديث موضوع. ### | سورة محمد # صلى الله عليه وسلم. # مكية وتسمى القتال والذين كفروا وهي: ثمان وثلاثون آية، وخمسمائةوتسع ms3230 ~~وثلاثون كلمة، وألفان وثلثمائة وتسعة وأربعون حرفا # {بسم الله} الملك الأعظم الذي أقام جنده للذب عن حماه {الرحمن} الذي عمت ~~رحمته تارة بالبرهان، وتارة بالسيف واللسان {الرحيم} الذي خص حزبه بالحفظ ~~في طريق الجنان. واختلف في قوله تعالى: # {الذين كفروا} من هم؟ فقيل: هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر منهم ~~أبو جهل والحارث ابنا هشام، وعقبة، وشيبة ابنا ربيعة، وغيرهم، وقيل: كفار ~~قريش وقيل: أهل الكتاب وقيل: كل كافر لأنهم ستروا أنوار الأدلة وضلوا على ~~علم {وصدوا} أي: امتنعوا بأنفسهم، ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر، {عن ~~سبيل الله} أي: الطريق الرحب المستقيم الذي شرعه الملك الأعظم، {أضل} أي: ~~أبطل إبطالا عظيما يزيل العين والأثر، {أعمالهم} كإطعام الطعام، وصلة # PageV04P021 # الأرحام، وفك الأسارى، وحفظ الجوار، وغير ذلك. فلا يرون لها في الآخرة ~~ثوابا ويجزي عليها في الدنيا من فضله تعالى. # تنبيه: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة. # ولما ذكر تعالى أهل الكفر معبرا عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم، ذكر ~~أضدادهم كذلك؛ ليعم من كان منهم من جميع الفرق. بقوله تعالى: {والذي آمنوا} ~~أي: أقروا بالإيمان باللسان {وعملوا} تصديقا لدعواهم {الصالحات} أي: ~~الأعمال الكاملة في الصلاح، بتأسيسها على الإيمان. ولما كان هذا الوصف لا ~~يخص أتباع محمد صلى الله عليه وسلم خصهم بقوله تعالى: {وآمنوا} أي: مع ذلك ~~{بما نزل} أي: ممن لا منزل إلا هو، منجما مفرقا ليجددوا بعد الإيمان به ~~إجمالا الإيمان بكل نجم منه {على محمد} النبي الأمي العربي القرشي المكي ~~المدني الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل صلى الله عليه وسلم ~~وقوله تعالى: {وهو} أي: هذا الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم موصوف بأنه ~~{الحق} أي: الكامل في الحقيقة ينسخ ولا ينسخ كائنا {من ربهم} أي: المحسن ~~إليهم بإرساله أما إحسانه إلى أمته فواضح وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع ~~فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة، وأمته هي الشاهدة لهم جملة معترضة وقرأ ~~قالون وأبو عمرو والكسائي {وهو} بسكون الهاء والباقون بضمها {كفر عنهم ~~سيئاتهم} ms3231 أي: ستر أعمالهم السيئة بالإيمان، وعملهم الصالح {وأصلح بالهم} ~~أي: حالهم في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد. # {ذلك} أي: الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين. # {بأن} أي: بسبب أن {الذين كفروا} أي: ستروا مرائي عقولهم {اتبعوا} أي: ~~بغاية جهدهم ومعالجتهم {الباطل} من العمل الذي لا حقيقة له في الخارج ~~تطابقه وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى فضلوا {وأن الذين آمنوا} أي: ولو ~~كانوا في أقل درجات الإيمان {اتبعوا} أي بغاية جهدهم {الحق} أي الذي له ~~واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهو العلم بموافقة العمل وهو معرفة المعلوم على ~~ما هو عليه {من ربهم} أي: الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن ~~اعتقادهم فاهتدوا {كذلك} أي: مثل هذا الضرب العظيم الشأن {يضرب الله} أي: ~~الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {للناس} أي: كل من فيه قوة الاضطراب ~~والحركة {أمثالهم} أي: أمثال أنفسهم، أو أمثال الفريقين المتقدمين، أو ~~أمثال جميع الأشياء التي يحتاجون إلى بيان أمثالها، مبينا لها مثل هذا ~~البيان، ليأخذ كل أحد من ذلك جزاء حاله، فقد علم من هذا المثل أن من اتبع ~~الباطل أضل الله تعالى عمله، ووفر سيئاته، وأفسد باله ومن اتبع الحق عمل به ~~ضد ذلك كائنا من كان. وهو غاية الحث على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم والعمل بها. # ولما بين تعالى أن الذين كفروا أضل أعمالهم، وأن اعتبار الإنسان بالعمل، ~~ومن لا عمل له فهو همج إعدامه خير من وجوده سبب عنه. قوله تعالى: # {فإذا لقيتم الذين كفروا} أيها المؤمنون في المحاربة، وقوله تعالى: {فضرب ~~الرقاب} أصله: فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل وقدم المصدر فأنيب منابه ~~مضافا إلى المفعول، ضما إلى التأكيد الاختصار والحكمة في اختيار ضرب الرقبة ~~دون غيرها من الأعضاء، لأن المؤمن هنا ليس بدافع إنما هو رافع، وذلك لأن من ~~يدفع الصائل لا ينبغي أولا أن يقصد # PageV04P022 # مقتله بل يتدرج ويضرب غير المقتل، فإن اندفع فذاك، ولا يرقى إلى درجة ~~الإهلاك فأخبر تعالى ms3232 أنه ليس المقصود دفعهم عنكم بل المقصود رفعهم من وجه ~~الأرض؛ فإذا ينبغي أن يكون قصدكم أولا إلى قتلهم، بخلاف دفع الصائل. ~~فالرقبة أظهر المقاتل وقطع الحلقوم والأوداج مستلزم للموت لكن في الحرب لا ~~يتهيأ ذلك والرقبة ظاهرة في الحرب، ففي ضربها حز العنق، وهو مستلزم للموت، ~~بخلاف سائر المواضع، ولا سيما في الحرب وفي قوله تعالى: {لقيتم} ما ينبىء ~~عن مخالفتهم الصائل؛ لأن قوله تعالى {لقيتم} يدل على أن القصد من جانبهم، ~~بخلاف قولنا: لقيكم ولذلك؛ قال تعالى في غير هذا الموضع {واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم} (البقرة: 191) # {حتى إذا أثخنتموهم} أي: أكثرتم فيهم القتل، وهذه غاية الأمر بضرب ~~الرقاب، لا لبيان غاية القتل. # {فشدوا} أي: فأمسكوا عن القتل وأسروهم {الوثاق} أي: ما يوثق به الأسرى ~~وقوله تعالى: {فإما منا بعد} أي: في جميع أزمان ما بعد الأسر {وإما فداء} ~~فيه وجهان أشهرهما: أنهما منصوبان على المصدر بفعل لا يجوز إظهاره، لأن ~~المصدر متى سيق تفصيلا لعاقبة جملة، وجب نصبه بإضمار فعل لا يجوز إظهاره، ~~والتقدير: فإما أن تمنوا منا أي: بإطلاقهم من غير شيء، وإما أن تفدوا فداء ~~أي: تفادوهم بمال أو أسرى مسلمين ومثل هذا قول القائل: # *لأحمدن فإما درء واقعة ... تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل* # والثاني: قاله أبو البقاء أنهما مفعولان بهما لعامل مقدر تقديره: أولوهم ~~منا، واقبلوا منهم فداء قال أبو حيان: وليس بإعراب نحوي وقوله تعالى: {حتى ~~تضع الحرب أوزارها} أي: أثقالها من السلاح وغيره بأن يسلم الكافر، أو يدخل ~~في العهد، مجاز وقيل: هو من مجاز الحذف أي: أهل الحرب وهو غاية للقتل ~~والأسر. والمعنى أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى تدخل الملل كلها في ~~الإسلام، ويكون الدين كله لله، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال وذلك عند نزول ~~عيسى عليه السلام وجاء في الحديث: «الجهاد حاضر منذ بعثني الله إلى أن ~~يقاتل آخر أمتي الدجال» وقال الفراء حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. # تنبيه: اختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم هي منسوخة ms3233 بقوله تعالى ~~{فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} (الأنفال: 57) # وبقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة: 5) # وإليه ذهب قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وهو قول الأوزاعي، وأصحاب ~~الرأي وقالوا: لا يجوز المن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء وذهب ~~آخرون إلى أن الآية محكمة والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار ~~إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو يسترقهم أو يمن عليهم فيطلقهم بغير ~~عوض. أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال ~~الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ~~قال ابن عباس رضى الله عنهما لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله ~~تعالى في الأسارى {فإما منا بعدوا ما فداء} وهذا هو الأصح والاختيار لأنه ~~عمل به صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده، روى البخاري عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من ~~بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه في سارية من # PageV04P023 # سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندك يا ~~ثمامة؟ فقال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا ذم وإن تنعم تنعم على ~~شاكر، وإن كنت تريد المال فسل ما شئت، حتى كان الغد فقال له صلى الله عليه ~~وسلم ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه ~~حتى إذا كان بعد الغد، قال: ما عندك يا ثمامة قال: عندي ما قلت لك؟. قال: ~~أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والله ما كان على وجه الأرض ~~وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي والله ما كان من دين ~~أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي ~~من بلدك، ms3234 فقد أصبح بلدك أحب البلاد إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة ~~فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر. فلما قدم ~~مكة، قال له قائل: صبوت قال: لا، ولكن أسلمت مع # محمد صلى الله عليه وسلم # وعن عمران بن حصين قال: أسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من ~~عقيل فأوثقوه وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف. # قوله تعالى: {ذلك} يجوز أن يكون خبر مبتدإ مضمر، أي: الأمر ذلك وأن ينتصب ~~بإضمار افعلوا قال الرازي: ويحتمل أن يقال: ذلك واجب. أو مقدم كما يقول ~~القائل إن فعلت فذاك. أي: فذاك مقصود ومطلوب، قال المفسرون: ومعناه ذلك ~~الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار. {ولو يشاء الله} أي: الملك الأعظم الذي له ~~جميع الكمال {لاتنصر منهم} أي: بنفسه من غير أحد انتصارا عظيما، فيهلكهم ~~بأن لا يبقي منهم أحدا وكفاكم أمرهم بغير قتال. # {ولكن} أمركم بذلك {ليبلو} أي يختبر {بعضكم ببعض} أي يفعل في ذلك فعل ~~المختبر، ليرتب عليه الجزاء فيصير من قتل من المؤمنين إلى الجنة ومن قتل من ~~الكافرين إلى النار. # فإن قيل: فما فائدة الابتلاء مع حصول العلم عند المبتلي، فإذا كان الله ~~تعالى عالما بجميع الأشياء فأي فائدة فيه؟ أجيب: بأن هذا السؤال كقول ~~القائل: لم عاقب الكافر وهو مستغن؟ ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن ~~يخلقها بحيث تنفع ولا تضر؟ وجوابه: {لا يسئل عما يفعل} (الأنبياء: 23) # . ونزل يوم أحد لما فشا في المسلمين القتل والجراحات {والذين قتلوا في ~~سبيل الله} أي: لأجل تسهيل طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال ~~{فلن يضل} أي: لا يضيع ولا يبطل {أعمالهم} وقرأ أبو عمرو وحفص: بضم القاف ~~وكسر التاء مبنيا للمفعول على معنى أنه أصاب القتل بعضهم كقوله تعالى {قاتل ~~معه ربيون} (آل عمران: 146) # والباقون بفتح القاف والتاء وألف بينهما أي جاهدوا. # {سيهديهم} أي ms3235 أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى ~~الدرجات بوعد لا خلف فيه {ويصلح بالهم} أي يرضي خصماءهم، ويقبل أعمالهم ~~{ويدخلهم الجنة} أي: الكاملة في النعيم {عرفها} أي: أعلمها، وبينها {لهم} ~~أي: بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة قال مجاهد: يهتدي أهل الجنة ~~إلى مساكنهم منها لا يخطئون كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا، يستدلون عليها ~~وعن مقاتل: أن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل ~~شيء أعطاه الله تعالى وعن ابن # PageV04P024 # عباس رضي الله عنهما: عرفها لهم: طيبها مشتق من العرف وهو الريح الطيبة ~~يقال طعام معرف أي: مطيب. {يأيها الذين آمنوا} أي: أقروا بذلك {إن تنصروا ~~الله} أي: دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم {ينصركم} أي: على عدوكم فإنه ~~الناصر لا غيره، من عدد أو عدد. ويثبت أقدامكم أي في القيام بحقوق الإسلام ~~والمجاهده مع الكفار ولما بين تعالى ما لأهل الإيمان بين ما لأهل الكفران ~~بقوله تعالى: # {والذين كفروا} وهو مبتدأ أي: ستروا ما دل عليه العقل، وقادت إليه الفطرة ~~الأولى، وخبره تعسوا يدل عليه قوله تعالى: {فتعسا لهم} أي: هلاكا لهم وخيبة ~~من الله تعالى، وقال ابن عباس: أي بعدا لهم وقيل التعس الجر على الوجه، ~~والنكس: الجر على الرأس وقوله تعالى: {وأضل أعمالهم} عطف على تعسوا أي: ~~أبطلها وإن كانت ظاهرة الإتقان؛ لأجل تضييع الأساس وهو الإيمان. وقوله ~~تعالى: # {ذلك} يجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجار بعده، أو خبر مبتدأ مضمر. أي: ~~الأمر ذلك {بأنهم} أي: بسبب أنهم {كرهوا ما أنزل الله} أي: الملك الأعظم ~~الذي لا نعمة إلا منه من القرآن وما أنزل الله تعالى فيه من التكاليف ~~والأحكام لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ فشق ~~عليهم ذلك، وتعاظمهم والذي أنزله من القرآن وغيره هو روح الوجود الذي لا ~~بقاء بدونه فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبعتها أشباحهم وهو معنى ~~قوله تعالى مسببا بيانا لمعنى إضلال أعمالهم {فأحبط} أي: أبطل إبطالا ms3236 ~~لاصلاح معه {أعمالهم} بسبب: أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها ~~صالحة ليس لها أرواح لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا أمر إلا ~~له، ولا يقبل من العمل إلا ما حده ورسمه ثم خوف الكفار بقوله تعالى: {أفلم ~~يسيروا في الأرض} أي: التي فيها آثار الوقائع {فينظروا كيف كان عاقبة} أي: ~~آخر أمر {الذين من قبلهم دمر الله} أي: أوقع الملك الأعظم الهلاك {عليهم} ~~بما عم أهاليهم وأموالهم، وكل من رضي أفعالهم أو مقالهم. وعدل عن أن يقول ~~{ولهؤلاء} إلى قوله تعالى {وللكافرين} تعميما وتعليقا للحكم بالوصف وهو ~~العراقة في الكفر {أمثالها} أي: أمثال عاقبة من قبلهم. # {ذلك} أي: الأمر العظيم وهو نصر المؤمنين وقهر الكافرين، {بأن الله} أي: ~~بسبب أن الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال {مولى} أي: ولي وناصر {الذين ~~آمنوا} فهو يفعل معهم بما له من الجلال والجمال ما يفعل القريب بقريبه ~~الحبيب له قال القشيري: ويصح أن يقال: أرجى آية في القرآن هذه الآية؛ لأن ~~الله تعالى لم يقل إنه هادي العباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد بل علق ذلك ~~بالإيمان {وأن الكافرين} أي: العريقين في هذا الوصف.l # {لا مولى لهم} فيدفع العذاب عنهم وهذا لا يخالف قوله تعالى {وردوا إلى ~~الله مولاهم الحق} (سورة يونس، آية: 30) # فإن المولى فيه بمعنى المالك ثم ذكر سبحانه وتعالى ما للفريقين بقوله ~~تعالى: # {إن الله} أي الذي له جميع الصفات {يدخل الذين آمنوا} أي: أوقعوا التصديق ~~{وعملوا} تصديقا لما ادعوا أنهم أوقعوه {الصالحات} أي: الطاعات {جنات} أي: ~~بساتين عظيمة الشأن موصوفة بأنها {تجري من تحتها} أي: من تحت قصورها ~~{الأنهار} فهي دائمة النمو والبهجة والنضارة والثمرة {والذين كفروا ~~يتمتعون} أي: في الدنيا بالملاذ، كما تتمتع الأنعام # PageV04P025 # ناسين ما أمر الله تعالى به معرضين عن كتابه. # {ويأكلون} على سبيل الاستمرار {كما تأكل الأنعام} أي: أكل التذاذ ومرح من ~~أي موضع كان وكيف الأكل من غير تمييز الحرام من غيره، إذ ليس لهم همة إلا ~~بطونهم وفروجهم، لا يلتفتون إلى ms3237 الآخرة؛ لأن الله تعالى أعطاهم الدنيا، ~~ووسع عليهم فيها، وفرغهم لها حتى شغلتهم عنه هوانا بهم وبغضا لهم فيدخلهم ~~نارا وقودها الناس والحجارة كما قال تعالى: {والنار مثوى لهم} أي: منزل ~~ومقام ومصير ولما ضرب الله تعالى لهم مثلا بقوله تعالى {أفلم يسيروا في ~~الأرض} ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل ضرب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~مثلا تسلية له. فقال تعالى: # {وكأين} أي: وكم {من قرية} أريد أهلها أي: كذبت رسولها {هي أشد قوة} ~~وأكثر عددا {من قريتك} مكة أي: أهلها وقوله تعالى: {التي أخرجتك} روعي فيه ~~لفظ قرية وقوله تعالى: {أهلكناهم} أي: بأنواع العذاب روعي فيه معنى قرية ~~الأول {فلا ناصر لهم} يدفع عنهم الهلاك. كذلك نفعل بهم فاصبر كما صبر رسلهم ~~قال ابن عباس: «لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الغار ~~التفت إلى مكة وقال أنت أحب أرض الله إلى الله وأحب بلاد الله إلي ولو أن ~~المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك» فأنزل الله تعالى هذه. # {أفمن كان} أي: في جميع أحواله {على بينة} أي: حجة ظاهرة البيان في أنها ~~حق {من ربه} أي: المربي والمدبر له المحسن إليه وهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنون {كمن زين له} بتزيين الشيطان بتسليطنا له عليه {سوء عمله} ~~فرآه حسنا وهم: أبو جهل والكفار {واتبعوا أهواءهم} في ذلك ولا شبهة لهم في ~~شيء من أعمالهم السيئة فضلا عن دليل ولما تكرر ذكر الجنة في هذه السورة بين ~~صفتها. بقوله تعالى: # {مثل} أي: صفة {الجنة} أي: البساتين العظيمة التي تستر داخلها من كثرة ~~أشجارها {التي وعد المتقون} أي: الذين حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن فعل لم ~~يدل عليه دليل على أن استمعوا منك فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين. # تنبيه: اختلف في إعراب هذه الآية على أوجه: # أحدها: أن {مثل} مبتدأ وخبره مقدر. قدره النضر بن شميل: مثل الجنة ما ~~تسمعون. فما تسمعون خبره و {فيها أنهار} مفسر له. وقدره سيبويه: فيما ms3238 يتلى ~~عليكم مثل الجنة. والجملة بعدها أيضا مفسرة للمثل. # ثانيها: أن {مثل} زائدة تقديره: الجنة التي وعد المتقون {فيها أنهار} ~~ونظير زيادة {مثل} هنا زيادة اسم في قول القائل: # *إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ثالثها: أن مثل الجنة مبتدأ، والخبر: قوله تعالى {كمن هو خالد في النار} ~~فقدره ابن عطية: أمثل أهل الجنة كمن هو خالد فقدر حرف الإنكار ومضافا ليصح ~~وقدره الزمخشري: أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد. والجملة من قوله تعالى ~~{فيها أنهار} حال من الجنة أي: مستقرة فيها أنهار {من ماء} ولما كان ماء ~~الدنيا مختلف الطعوم، مع اتحاد الأرض ببساطها، وشدة اتصالها، للدلالة على ~~أن فاعل ذلك قادر مختار وقد يكون آسنا أي: متغيرا عن الماء الذي يشرب بريح ~~منتنة من أصل خلقته، أو من عارض عرض له من منبعه، أو مجراه قال تعالى: {غير ~~آسن} أي: ثابت له في وقت ما شيء من الطعم، أو اللون، أو الريح بوجه من ~~الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا يقبل التغير بوجه بخلاف ~~ماء الدنيا فيتغير # PageV04P026 # لعارض وقرأ ابن كثير: بقصر الهمزة والباقون: بمدها وهما لغتان {وأنهار من ~~لبن} ولما كان التغير غير محمود قال تعالى: {لم يتغير طعمه} أي: بنفسه عن ~~أصل خلقته وإن أقام مدى الدهر بخلاف لبن الدنيا، لخروجه من الضرع وهذا ~~يفهم: أنهم لو أرادوا تغييره لشهوة اشتهوها تغير. وأنه مع طيبه على أنواع ~~كثيرة، كما كان في الدنيا متنوعا {وأنهار من خمر} ولما كان الخمر يكره ~~طعمها وإنما يشربها شاربوها لأثرها. وإنه متى تغير طعمها زال اسمها عرف أن ~~كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن، غير متعرض لطعم فقال تعالى: {لذة} أي: ~~لذيذة {للشاربين} في طيب الطعم، وحسن العاقبة بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة ~~عند الشرب {وأنهار من عسل} ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطا، لخروجه ~~من بطون النحل بالشمع، وغيره من القذى قال تعالى: # {مصفى} أي: هو صاف صفاء ما اجتهد في ms3239 تصفيته من ذلك وهذا الوصف ثابت له ~~دائما لا انفكاك له في وقت ما. # تنبيه: قال أبو حيان في حكمة ترتيب هذه الأنهار: إنه بدأ بالماء الذي لا ~~تستغني عنه المشروبات، ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات في كثير من ~~أوقات العرب، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعم، تشوقت النفس إلى ما ~~تلتذ به، ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المطعوم ~~والمشروب، ا. ه. فإن قيل ما الحكمة في قوله تعالى في الخمر: {لذة للشاربين} ~~ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين، ولا قال في العسل مصفى للناظرين. ~~أجاب الرازي: بأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص، ~~ويعافه الآخر. فقال: لذة للشاربين بأسرهم، ولأن الخمر كريهة الطعم في ~~الدنيا فقال: لذة أي: لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم. وأما الطعم ~~واللون فلا يختلف باختلاف الناس، فإن الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد ~~لكن قد يعافه بعض الناس، ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أن له طعما واحدا. ~~وكذلك اللبن فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة. # فائدة: روي عن كعب الأحبار أنه قال: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ونهر ~~الفرات نهر لبنهم ونهر مصر نهر خمرهم ونهر سيحان وجيجان نهر عسلهم وهذه ~~الأنهار الأربعة، تخرج من نهر الكوثر وقال ابن عبد الحكم في فتوح مصر: إن ~~كعب الأحبار سئل هل تجد لهذا النيل في كتاب الله عز وجل خبرا فقال أي: ~~والذي فلق البحر لموسى إني أجده في كتاب الله تعالى أن الله عز وجل يوحي ~~إليه في كل عام مرتين يوحى إليه عند جريه أن الله يأمرك أن تجري فيجري ما ~~كتب الله تعالى له ثم يوحى إليه بعد ذلك يا نيل غر حميدا وعن كعب أيضا أنه ~~قال: أربعة أنهر من الجنة، وضعها الله تعالى في الدنيا فالنيل: نهر العسل ~~في الجنة، والفرات: نهر الخمر في الجنة، وسيحان: نهر الماء في الجنة، ~~وجيجان: نهر اللبن في الجنة» وعنه ms3240 أيضا أنه قال: النيل في الآخرة لبنا، ~~أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، والفرات خمر أغزر ما يكون ~~من الأنهار التي سمى الله عز وجل، وجيجان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي ~~سمى الله عز وجل وأصل هذا كله ما في الصحيح في وصف الجنة عن أبي هريرة «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال سيحان وجيجان والنيل والفرات من أنهار الجنة» ~~ولما كانت الثمار # PageV04P027 # ألذ مستطاب بعد منافع الشراب قال تعالى: # {ولهم فيها} وقوله تعالى: {من كل الثمرات} فيه وجهان أحدهما: أن هذا ~~الجار صفه لمقدر، ذلك المقدر مبتدأ، وخبره الجار قبله، وهو لهم وفيها متعلق ~~بما تعلق به والتقدير ولهم فيها زوجان من كل الثمرات كأنه انتزعه من قوله ~~تعالى {فيهما من كل فاكهة زوجان} وقدره بعضهم صنف والأول كما قال ابن عادل ~~أليق ثانيهما أن {من} مزيدة في المبتدأ. # {ومغفرة من ربهم} فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر، بخلاف سيد ~~العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطا عليهم وقوله تعالى: ~~{كمن هو خالد في النار} خبر مبتدأ مقدر أي: أمن هو في هذا النعيم، كمن هو ~~مقيم إقامة لا انقطاع معها في النار التي لا ينطفئ لهيبها، ولا ينفك ~~أسيرها، ووحده لأن الخلود يعم من فيها على حد سواء، {وسقوا} أي: عوض ما ذكر ~~من شراب أهل الجنة {ماء حميما} هو في غاية الحرارة {فقطع أمعاءهم} أي: ~~مصارينهم، فخرجت من أدبارهم وهو جمع مع بالقصر وألفه عن ياء لقولهم معيان. # {ومنهم من يستمع إليك} أي: في خطب الجمعة، وهم المنافقون والضمير في قوله ~~تعالى {ومنهم} يحتمل أن يعود إلى الناس كما قال تعالى في سورة البقرة {ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله} (البقرة: 81) # بعد ذكر الكفار ويحتمل أن يعود إلى أهل مكة؛ لأن ذكرهم سبق في قوله تعالى ~~{هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} ويحتمل أن يرجع إلى معنى قوله تعالى {هو ~~خالد في النار وسقوا ms3241 ماء حميما} أي: ومن الخالدين في النار قوم يستمعون ~~إليك {حتى إذا} أي: واستمر جهلهم لأنفسهم في الإصغاء حتى إذا {خرجوا} أي: ~~المستمعون والسامعون {من عندك قالوا} أي: الفريقان تعاميا واستهزاء. # {للذين أوتوا العلم} بسبب تهيئة الله تعالى لهم من صفاء الأفهام بتجردهم ~~عن النفوس والحظوظ، وانقيادهم لما تدعو إليه الفطرة الأولى. منهم ابن مسعود ~~وابن عباس {ماذا قال} أي: النبي صلى الله عليه وسلم {آنفا} أي: قبل ~~افتراقنا وخروجنا عنه روى مقاتل: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ~~ويعيب المنافقين فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء ~~ماذا قال محمد آنفا» أي الساعة، أي: لا ترجع إليه وقرأ البزي بقصر الهمزة ~~بخلاف عنه والباقون بالمد وهما لغتان بمعنى واحد وهما اسما فاعل كحاذر ~~وحذر، {أولئك} أي: البعداء من كل خير {الذين طبع الله} أي: الملك الأعظم ~~{على قلوبهم} أي: بالكفر فلم يفهموا فهم انتفاع؛ لأن مثل هذا الجمود لا ~~يكون إلا بذلك {واتبعوا} أي: بغاية جهدهم # {أهواءهم} أي: في الكفر والنفاق، فلذلك هم يتهاونون بأعظم الكلام، ~~ويقبلون على جمع الحطام، فهم أهل النار المشار إليهم قبل آية {مثل الجنة} ~~بأنهم {زين لهم سوء عملهم} ثم ذكر تعالى أضداد هؤلاء. # بقوله سبحانه: # {والذين اهتدوا} أي: اجتهدوا باستماعهم منك في الإيمان، والتسليم ~~والإذعان بأنواع المجاهدات وهم المؤمنون {زادهم} أي: الله الذي طبع على ~~قلوب الكفرة، {هدى} بأن شرح صدورهم، ونورها بأنوار المشاهدات، فصارت أوعية ~~للحكمة {وآتاهم تقواهم} أي: ألهمهم ما يتقون به النار، قال ابن برحان: ~~التقوى عمل الإيمان كما أن أعمال الجوارح عمل الإسلام. # {فهل} أي: ما {ينظرون} أي: ينتظرون وجودها إشارة إلى شدة # PageV04P028 # قربها. # {إلا الساعة} وقوله تعالى: {أن تأتيهم} أي: الكافرين بدل اشتمال من ~~الساعة أي: ليس الأمر إلا أن تأتيهم {بغتة} أي: فجأة من غير شعور بها، ولا ~~استعداد لها. وقوله تعالى: {فقد جاء أشراطها} جمع شرط بسكون الراء وفتحها ~~قال أبو الأسود: # *فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا ... فقد جعلت أشراطا ms3242 وله تبدو* # والأشراط: العلامات ومنه أشراط الساعة وأشرط الرجل نفسه أي ألزمها أمورا ~~قال أوس: # *فأشرط فيها نفسه وهو يقسم ... فألقى بأسباب له وتوكلا* # والشرط: القطع أيضا، مصدر شرط الجلد يشرطه شرطا قال السهيلي عن ابن سعد ~~عن أنس قال «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي ~~تلي الإبهام بعثت والساعة كهاتين» وعن أنس قال: «لأحدثنكم بحديث سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ~~ويكثر الجهل، ويكثر الربا، ويشرب الخمر، وتقل الرجال، وتكثر النساء، حتى ~~يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» وعن أبي هريرة قال: «بينما النبي صلى الله ~~عليه وسلم في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال ~~وقال بعضهم: لم يسمع حتى إذا قضى حديثه، قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ~~ها أنا يا رسول الله قال: إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة فقيل: كيف ~~إضاعتها قال: إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة» . # ومن أشراطها انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها، وغير ~~ذلك وما بعد مقدمات الشيء إلا حضوره. # {فأنى} أي: فكيف وأين {لهم} أي التذكر والاتعاظ والتوبة {إذا جاءتهم ~~ذكراهم} أي: الساعة لا تنفعهم. # نظيره قوله تعالى {يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} ولما علم بذلك أن ~~الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل، أو جاءت الأشراط ~~المحققة الكاشفة لها، سبب عنه أمر أعظم الخلق تكوينا ليكون لغيره تكليفا ~~فقال: # {فاعلم أنه} أي: الشأن العظيم {لا إله} أي: لا معبود بحق {إلا الله} أي: ~~إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين، فاثبت على ما أنت عليه من العلم ~~بالوحدانية، فإنه النافع يوم القيامة وقيل: الخطاب مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد غيره وقال الحسن بن الفضل: فازدد علما إلى علمك وقال أبو ~~العالية وابن عيينة معناه إذا جاءتهم الساعة، فاعلم ms3243 أنه لا ملجأ ولا مفزع ~~عند قيامها إلا إلى الله، {واستغفر لذنبك} أي: لأجله، أمر بذلك مع عصمته ~~لتستن به أمته وقد فعله قال صلى الله عليه وسلم «إني لأستغفر الله في اليوم ~~مائة مرة» وقيل: معنى قوله {لذنبك} أي: لذنب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات ~~الذين ليسوا من أمتك بأهل بيت وقيل: المراد النبي، والذنب هو ترك الأفضل ~~الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحسناتنا دون ذلك قال صلى الله عليه وسلم «إنه ~~ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» وقيل: هو كل مقام ~~عال ارتفع منه إلى أعلى منه. وقوله تعالى: {وللمؤمنين والمؤمنات} فيه إكرام ~~من الله تعالى لهذه الأمة؛ حيث أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر ~~لذنوبهم {والله} المحيط بجميع صفات الكمال {يعلم متقلبكم} أي: تصرفكم ~~لأشغالكم بالنهار، ومكانه وزمانه # PageV04P029 # {ومثواكم} أي: مأواكم إلى مضاجعكم بالليل أي: هو عالم بجميع أحوالكم، لا ~~يخفى عليه شيء منها فاحذروه، والخطاب للمؤمنين وغيرهم، وقيل: يعلم متقلبكم ~~في أعمالكم، ومثواكم في الجنة والنار، ومثله حقيق بأن يخشى ويتقى وأن ~~يستغفر ويسترحم، وعن سفيان ابن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع ~~قوله تعالى حين بدأ به {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} فأمر ~~بالعمل بعد العلم وقال: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو} (الحديد: 20) # الآية. # {ويقول الذين آمنوا} طلبا للجهاد. # {لولا} أي: هلا، ولا التفات إلى قول بعضهم أن لا زائدة والأصل لو {نزلت ~~سورة} أي سورة كانت، نسر بسماعها، ونتعبد بتلاوتها، ونعمل بما فيها {فإذا ~~أنزلت سورة} أي: قطعة من القرآن، تكامل نزولها كلها تدريجا، أو جملة وزادت ~~على مطلوبهم في الحسن بأنها {محكمة} أي: مبينة، لا يلتبس شيء منها بنوع ~~إجمال، ولا ينسخ لكونه جامعا للمحاسن في كل زمان ومكان وقال قتادة: كل سورة ~~ذكر فيها الجهاد فهي محكمة. وهي أشد القرآن على المنافقين {وذكر فيها ~~القتال} أي: الأمر به {رأيت الذين في قلوبهم مرض} أي: شك وهم المنافقون. ~~{ينظرون إليك} ms3244 شررا بتحديق شديد، كراهية منهم للجهاد، وجبنا منهم عن لقاء ~~العدو {نظر المغشي} والأصل نظرا مثل نظر المغشي {عليه من الموت} الذي هو: ~~نهاية الغشي فهو لا يطرف بعينه، بل شاخص لا يطرف كراهية القتال؛ من الجبن ~~والخوف. والمعنى: أن المؤمن كان ينتظر نزول الأحكام والتكاليف ويطلب ~~تنزيلها، وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول هلا أمرت بشيء من العبادة خوفا من ~~أن لا يؤهل لها وأما المنافق، فإذا أنزلت السورة أو الآية وفيها تكليف شق ~~عليه ذلك فحصل التباين بين الفريقين في العلم والعمل وقوله تعالى {فأولى ~~لهم} وعيد بمعنى فويل لهم وهو أفعل من الولي وهو القرب ومعناه الدعاء عليه ~~بأن يليهم المكروه. # وقوله تعالى: # {طاعة وقول معروف} مستأنف، أي: طاعة ومعروف خير لهم وأمثل، أي: لو أطاعوا ~~وقالوا قولا معروفا لكان أمثل وأحسن، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها وصفت ~~بدليل قوله تعالى: {وقول معروف} فإنه موصوف فكأنه تعالى قال: طاعة مخلصة ~~وقول معروف خير، وقيل: يقول المنافقون قبل نزول السورة المحكمة طاعة رفع ~~على الحكاية، أي: أمرنا طاعة أو منا طاعة وقول معروف حسن، وقيل: متصل بما ~~قبله واللام في قوله تعالى {لهم} بمعنى الباء أي فأولى بهم طاعة الله ~~ورسوله، وقوله: معروف بالإجابة أولى بهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء. ~~ثم سبب عنهما قوله تعالى مسندا إلى الأمر ما هو لأهله تأكيدا لمضمون ~~الكلام: {فإذا عزم الأمر} ، أي: فإذا أمر بالقتال الذي ذكر في أول السورة ~~وغيره من الأوامر أمرا مجزوما به مقروحا عليه {فلو صدقوا الله} أي: الملك ~~الأعظم في قولهم الذي قالوه في طلب التنزيل {لكان} أي: صدقهم له {خيرا لهم} ~~أي: من تعللهم، وجملة لو جواب إذا، نحو: إذا جاءني طعام فلو جئتني لأطعمتك، ~~وقيل: محذوف، وتقديره: فاصدق كذا قدره أبو البقاء وعزم الأمر على سبيل ~~المجاز، كقوله: قد جدت الحرب فجدوا، أو يكون على حذف مضاف أي عزم أهل ~~الأمر. # وقوله تعالى: {فهل عسيتم} فيه التفات عن الغيبة، أي: لعلكم {إن توليتم} ms3245 ~~أي: أعرضتم عن الإيمان والجهاد {أن تفسدوا} أي: # PageV04P030 # توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر تجدده {في الأرض} بالمعصية والبغي وسفك ~~الدماء الذي يسخط الله تعالى، ويغضبه أشد غضب على فاعله، وتكونوا في غاية ~~الجراءة عليه وترجعوا إلى الفرقة بعدما جمعكم الله بالإسلام. وقرأ نافع ~~بكسر السين والباقون بفتحها {وتقطعوا} أي: تقطيعا كثيرا {أرحامكم} أي: ~~تعودوا إلى أمر الجاهلية في الإغارة من بعض على بعض وغير ذلك، قال قتادة: ~~كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدم الحرام ~~وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن، وقال بعضهم: هو من الولاية. قال الفراء: يقول ~~فهل عسيتم إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم نزلت في بني أمية ~~وبني هاشم. # {أولئك} أي: المفسدون {الذين لعنهم الله} أي: طردهم أشد الطرد الملك ~~الأعظم لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم، ثم سبب عن لعنهم قوله تعالى {فأصمهم} ~~أي: عن الانتفاع بما سمعوه {وأعمى أبصارهم} أي عن الانتفاع بما يبصرون فليس ~~سماعهم سماع إدراك، ولا إبصارهم إبصار اعتبار، فلا سماع ولا إبصار. # {أفلا يتدبرون} بقلوب منفتحة منشرحة ليهتدوا إلى كل خير {القرآن} أي: ~~يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير، الفارق بين الحق ~~والباطل، حتى لا يجسروا على المعاصي # فإن قيل قال تعالى: {فأصمهم وأعمى أبصارهم} فكيف يمكنهم التدبر في ~~القرآن؟ وهو كقول القائل للأعمى: أبصر وللأصم اسمع، أجيب بثلاثة أوجه ~~مترتبة بعضها أحسن من بعض؛ الأول: تكليف ما لا يطاق جائز. والله تعالى أمر ~~من علم منه بأنه لا يؤمن أن يؤمن فلذلك جاز أن يصمهم، ويعميهم، ويذمهم على ~~ترك التدبر. # الثاني: أن قوله {أفلا يتدبرون القرآن} المراد منه الناس. # الثالث: أن يقال أن هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة، كأنه ~~تعالى قال {أولئك الذين لعنهم الله} أي: أبعدهم عنه، أو عن الصدق، أو ~~الخير، أو غير ذلك من الأمور الحسنة فأصمهم لا يسمعون حقيقة الكلام، ~~وأعماهم لا يبصرون طريقة الإسلام فإذا هم بين أمرين: إما لا يتدبرون ~~القرآن، فيبعدون ms3246 عنه لأن الله تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق، ~~والقرآن منها هو الصنف الأعلى بل النوع الأشرف. # وإما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة تقديره أفلا ~~يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعدين {أم} أي: بل {على قلوب} أي: من قلوب ~~الفاعلين لذلك {أقفالها} فلا تعي شيئا ولا تفهم أمرا، ولا تزداد إلا غباوة ~~وعنادا لأنها لا تقدر على التدبير قال القشيري: فلا يدخلها زواجر التنبيه، ~~ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم الخطاب. والباب إذا كان ~~مغلقا فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه فلا كفرهم يخرج، ولا الإيمان ~~الذي يدعون إليه يدخل. ا. ه فإن قيل ما الفائدة في تنكير القلوب. # أجاب الزمخشري بقوله: يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون للتنبيه على كونه موصوفا، لأن النكرة بالوصف أولى من ~~المعرفة كأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة # الثاني: أن تكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض القلوب لأن النكرة لا تعم ~~تقول: جاءني رجال فيفهم البعض، وجاءني الرجال فيفهم الكل. والتنكير في ~~القلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب، وذلك لأن القلب إذا كان عارفا ~~كان معروفا، لأن القلب خلق للمعرفة فإذا لم تكن فيه المعرفة، فكأنه لا يعرف ~~قلبا # PageV04P031 # فلا يكون قلبا يعرف، كما يقال للإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان فكذلك ~~يقال: هذا ليس بقلب، هذا حجر، وإذا علم هذا، فالتعريف إما بالألف واللام، ~~وإما بالإضافة بأن يقال على قلوبهم أقفالها، وهي لعدم عود فائدة إليهم ~~كأنها ليست لهم. # فإن قيل قد قال تعالى {ختم الله على قلوبهم} (البقرة: 7) # وقال تعالى: {فويل للقاسية قلوبهم} (الزمر: 22) # أجيب بأن الأقفال أبلغ من الختم، فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأسا. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: {أقفالها} بالإضافة؟ ولم يقل أقفال ~~كما قال: {قلوب} . # أجيب بأن الأقفال كأنها ليست إلا لها ولم يضف القلوب إليهم لعدم نفعها ~~إياهم، وأضاف الأقفال إليها لكونها مناسبة لها، أو يقال: أراد به أقفالا ~~مخصوصة هي أقفال الكفر والعناد ولما ms3247 أخبر تعالى بأقفال قلوبهم بين منشأ ~~ذلك. # فقال تعالى: # {إن الذين ارتدوا} أي: من أهل الكتاب وغيرهم {على أدبارهم} أي: رجعوا ~~كفارا {من بعدما تبين} أي: غاية البيان {لهم الهدى} أي: بالدلائل التي هي ~~من شدة ظهورها غنية عن بيان مبين {الشيطان سول لهم} أي: زين وسهل لهم ~~اقتراف الكبائر {وأملى} أي: ومد الشيطان {لهم} في الآمال والأماني بإرادته ~~تعالى فهو المضل لهم وقرأ أبو عمرو: بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء ~~والباقون: بفتح الهمزة واللام وسكون الألف المنقلبة وأمالها حمزة والكسائي ~~محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح قال في الكشاف: فإن ~~قلت: من هؤلاء؟ قلت: اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعدما تبين ~~لهم الهدى وهو نعته في التوراة وقيل: هم المنافقون. # {ذلك} أي: إضلالهم {بأنهم} أي: بسبب أنهم {قالوا} أي: المنافقون {للذين ~~كرهوا} أي: وهم المشركون {ما} أي: جميع ما {نزل الله} أي: الملك الأعظم على ~~التدريج بحسب الوقائع، تنزيلا في إعجاز الخلق في بلاغة التركيب مع فصاحة ~~المفردات وجزالتها، مع السهولة في النطق، والعذوبة في السمع، والملاءمة ~~للطبع {سنطيعكم في بعض الأمر} أي: أمر المعاونة على عداوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتثبيط الناس عن الجهاد معه قالوا ذلك سرا، فأظهره الله تعالى، ~~{والله} أي: قالوا ذلك والحال أن الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة ~~{يعلم} أي: على ممر الأوقات {أسرارهم} أي: كلها؛ هذا الذي أفشاه عليهم، ~~وغيره مما في ضمائرهم مما لم يبرز على ألسنتهم ولعلهم لم يعلموه فضلا عن ~~أقوالهم التي تحدثت بها أنفسهم فبان بذلك أنه لا أديان لهم ولا عقول ولا ~~مروءات. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر الهمزة مصدرا والباقون بفتحها جمع ~~سر. # {فكيف} أي: حالهم {إذا توفتهم الملائكة} أي: قبضت رسلنا، وهم ملك الموت ~~وأعوانه أرواحهم كاملة وقوله تعالى: {يضربون وجوههم وأدبارهم} تصوير ~~لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال له وعن ابن عباس: لا يتوفى أحد ~~على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره. وقوله ms3248 تعالى: # {ذلك} إشارة إلى التوفي الموصوف {بأنهم} أي: بسبب أنهم {اتبعوا} أي: ~~عالجوا فطرتهم الأولى في أن اتبعوا {ما أسخط الله} أي: الملك الأعظم، وهو ~~الكفر وكتمان نعت الرسول صلى الله عليه وسلم وعصيان الأمر {وكرهوا} ~~بالإشراك {رضوانه} بكراهتهم أعظم أسباب رضاه وهو الإيمان، فهم لما دونه ~~بالقعود عن الطاعات أكره؛ لأن ذلك ظاهر غاية الظهور في أن فاعله غير معذور ~~في ترك # PageV04P032 # النظر فيه. # {فأحبط} أي: فلذلك تسبب عنه أنه أفسد. # {أعمالهم} أي: الصالحة فأسقطها بحيث لم يبق لها وزن أصلا لتضييع الأساس ~~من مكارم الأخلاق؛ من القرى والأخذ بيد الضعيف والتصدق والإعتاق وغير ذلك ~~من وجوه الإرفاق. # {أم حسب الذين} وكان الأصل أم حسبوا لضعف عقولهم كما أفهمه التعبير ~~بالحسبان ولكنه عبر تعالى بما دل على الآفة التي أدتهم إلى ذلك بقوله ~~تعالى: {في قلوبهم} أي: التي إذا أفسدت فسد جميع أجسادهم {مرض} أي: آفة لا ~~طب لها حسبانا هو في غاية الثبات كما دل عليه التأكيد في قوله تعالى: {أن ~~لن يخرج الله} أي يبرز من هو محيط بصفات الكمال للرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين على سبيل التجديد والاستمرار وقوله تعالى: {أضغانهم} جمع ضغن، ~~وهي الأحقاد أي أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى تعرفوا نفاقهم وكانت ~~صدورهم تغلي حنقا عليهم. # {ولو نشاء لأريناكهم} من رؤية البصر وجاء على الأفصح من اتصال الضميرين ~~ولو جاء على أريناك إياهم جاز وقال الرازي الإراءة هنا بمعنى التعريف وقوله ~~تعالى {فلعرفتهم} عطف على جواب لو {بسيماهم} أي: بسبب علاماتهم التي نجعلها ~~غالبة عليهم عالية لهم في إظهار ضمائرهم غلبة لا يقدرون على مدافعتها بوجه ~~ولم يذكرهم سبحانه بأسمائهم إبقاء على قراباتهم المخلصين من الفتن وقوله ~~تعالى {ولتعرفنهم} جواب قسم محذوف {في لحن القول} أي: الصادر منهم، ولحنه ~~فحواه أي معناه وما يدل عليه ويلوح عليه من ميله عن حقائقه إلى عواقبه، وما ~~يؤول إليه أمره مما يخفى على غيرك قال أنس: ما خفي على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد ms3249 نزول هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم. وعن ~~ابن عباس: لحن القول هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما ~~علينا إن عصينا وقيل اللحن أن تلحن بكلامك أي تميله إلى نحو من الانحاء ~~ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال: # *ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... واللحن يعرفه ذوو الألباب* # وقيل للمخطىء: لاحن، لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. وقال أبو حيان: كانوا ~~اصطلحوا على ألفاظ يخاطبون بها الرسول صلى الله عليه وسلم مما ظاهره حسن ~~ويعنون به القبيح {والله} أي: بما له من الكمال {يعلم أعمالكم} كلها ~~الفعلية والقولية جليها وخفيها علما ثابتا غيبيا وعلما راسخا شهوديا يتجدد ~~بحسب تجددها مستمرا باستمرار ذلك. # {ولنبلونكم} أي: نعاملكم معاملة المبتلى، بأن نخالطكم بما لنا من العظمة ~~بالأوامر الشديدة على النفوس والنواهي الكريهة إليها. {حتى نعلم} أي: ~~بالابتلاء علما شهوديا يشهده غيرنا مطابقا لما كنا نعلمه علما غيبيا، ~~فنستخرج من سرائركم ما جبلناكم عليه مما لا يعلمه أحد منكم بل ولا تعلمونه ~~حق علمه {المجاهدين منكم} في القتال وفي سائر الأعمال والشدائد والأهوال ~~امتثالا للأمر بذلك {والصابرين} أي: على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد قال ~~القشيري: فبالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال فيظهر المخلص ويفتضح ~~المماذق وينكشف المنافق ا. ه. # وعن الفضيل: أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن ~~بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا {ونبلو أخباركم} أي: نخالطها # PageV04P033 # بأن: نسلط عليها من يحرفها فيجعل حسنها قبيحا وقبيحها حسنا ليظهر للناس ~~العامل لله والعامل للشيطان، فإن العامل لله إذا سمى قبيحه باسم الحسن علم ~~أن ذلك إحسان من الله تعالى إليه فيستحي منه ويرجع، وإذا سمى حسنه باسم ~~القبيح وأشهر به علم أن ذلك لطف من الله تعالى به لكي لا يدركه العجب أو ~~يهاجمه الرياء فيزيد في إحسانه، والعامل للشيطان يزداد في القبائح، لأن ~~شهرته عند الناس محط نظره ويرجع عن الحسن لأنه لم يوصله إلى ما أراد به من ~~ثناء الناس عليه بالخير. ms3250 # {إن الذين كفروا} أي: غطوا ما دلتهم عليه عقولهم من ظاهر آيات الله لا ~~سيما بعد إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بواضح المعجزات {وصدوا} ~~أي امتنعوا ومنعوا غيرهم زيادة في كفرهم {عن سبيل الله} أي الطريق الواضح ~~الذي نهجه الملك الأعظم {وشاقوا الرسول} أي: الكامل في الرسالة المعروف ~~غاية المعرفة. {من بعد ما تبين} أي: غاية البيان بالمعجز {لهم الهدى} بحيث ~~صار ظاهرا بنفسه غير محتاج ما أظهره الرسول من الآيات الظاهرة وهم قريظة ~~والنضير والمطعمون يوم بدر {لن يضروا الله} أي ملك الملوك {شيئا} بما هم ~~عليه من الكفر والصد أو لن يضروا رسوله صلى الله عليه وسلم بمشاقته وحذف ~~المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته {وسيحبط} أي: يفسد فيبطل بوعد لا خلف فيه ~~{أعمالهم} من المحاسن لبنائها على غير أساس. # {يا أيها الذين آمنوا} أي: أقروا بألسنتهم {أطيعوا الله} أي: الملك ~~الأعظم تصديقا لدعواكم طاعة لشدة الاجتهاد فيها أنها خالصة، وعظم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بإفراده فقال تعالى: {وأطيعوا الرسول} لأن طاعته من ~~طاعة الذي أرسله، فإذا فعلتم ذلك حصنتم أنفسكم وأعمالكم، فتكون صحيحة ~~ببنائها على الطاعة بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان للصورة في الظاهر، ~~ليستكمل العمل صورة وروحا {ولا تبطلوا أعمالكم} قال عطاء بالشك والنفاق. ~~وقال الكلبي: بالرياء والسمعة. وقال الحسن: بالمعاصي والكبائر. وقال أبو ~~العالية: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع ~~الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية» فخافوا الكبائر أن ~~تحبط الأعمال. وقال مقاتل: لا تمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتبطلوا أعمالكم نزلت في بني أسد. قال تعالى {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى} (البقرة: 264) # وعن حذيفة فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم. وعن ابن عمر: كنا نرى أنه ليس ~~شيء من حسناتنا إلا مقبولا حتى {نزل ولا تبطلوا أعمالكم} فقلنا ما هذا الذي ~~يبطل أعمالنا فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل {إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ms3251 ذلك لمن يشاء} (النساء: 48) # فكففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم ~~يصبها. وعن قتادة: رحم الله عبدا لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء. وعن ابن ~~عباس: لا تبطلوا بالرياء والسمعة أعمالكم. وعنه أيضا: بالشك والنفاق. وقيل ~~بالعجب، فإن العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. # {إن الذين كفروا} أي: أوقعوا الكفر بفعلهم فعل الساتر لما دل عليه العقل ~~من آيات الله المرئية والمسموعة {وصدوا عن سبيل الله} أي: الملك الأعلى عن ~~الواضح المستقيم الموصل إلى كل ما ينبغي أن يقصد كل من أراد بتماديهم على ~~باطلهم وأذاهم لمن خالفهم {ثم ماتوا} بعد المد لهم في مضمارهم بالتطويل في ~~أعمارهم {وهم} أي: # PageV04P034 # والحال أنهم {كفار فلن يغفر الله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال الذي ~~يمنع من تسوية المسيء بالمحسن {لهم} فلا يمحو ذنوبهم ولا يستر عيوبهم، بل ~~يفضح سرائرهم ويردهم على أعقابهم في كل ما يتقلبون فيه، لأنهم قد أبطلوا ~~أعمالهم بالخروج عن دائرة الطاعة فلم يبق لهم ما يغفر لهم تسببه، وقد دلت ~~هذه الآية على ما دلت عليه آية البقرة من أن إحباط العمل في المرتد مشروط ~~بالموت على الكفر قيل: نزلت في أصحاب القليب قال الزمخشري: والظاهر العموم ~~ثم رغب تعالى في لزوم الجهاد محذرا من تركه بقوله تعالى: # {فلا تهنوا} أي: تضعفوا ضعفا يؤدي بكم إلى الهوان والذل {وتدعوا} أعداءكم ~~{إلى السلم} أي: المسالمة وهي الصلح {وأنتم} أي: والحال أنكم {الأعلون} أي: ~~الظاهرون الغالبون قال الكلبي: آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات. ~~وأصل الأعلون الأعليون فأعل وقرأ حمزة وشعبة بكسر السين والباقون بفتحها ثم ~~عطف على الحال قوله تعالى {والله} أي: الملك الأعظم الذي لا يعجزه شيء ولا ~~كفء له {معكم} أي: بنصره ومعونته وجميع ما يفعله الكريم إذا كان مع عبده ~~ومن علم أنه سيده وعلم أنه قادر على ما يريد لم يبال بشيء أصلا {ولن يتركم} ~~أي: ينقصكم {أعمالكم} أي: ثوابها كما يفعل مع أعدائكم في ms3252 إحباط أعمالهم، ~~لأنكم لم تبطلوا أعمالكم بجعل الدنيا محط أمركم. # {إنما الحياة} وأشار إلى دناءتها تنفيرا عنها بقوله: {الدنيا} أي: ~~الاشتغال بها {لعب} أي: أعمال ضائعة سافلة تزيد في السرور ما يسرع اضمحلاله ~~فيبطل من غير ثمرة {ولهو} أي: مشغلة يطلب بها إثارة اللذة كالغناء {وإن ~~تؤمنوا وتتقوا} أي: تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه سبحانه وتعالى وقاية من ~~جهاد أعدائه، وذلك من أعمال الآخرة {يؤتكم} أي: الله سبحانه الذي فعلتم ذلك ~~من أجله في الدار الآخرة {أجوركم} أي: ثواب كل أعمالكم ببنائها على الأساس، ~~ولأنه غني لا ينقصه الإعطاء {ولا يسألكم} أي: الله في الدنيا {أموالكم} أي: ~~لنفسه ولا كلها لغيره، بل يقتصر على جزء يسير مما تفضل به عليكم كربع العشر ~~وعشره. # {إن يسألكموها} أي: كلها {فيحفكم} أي: يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه الغاية ~~حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك، فالإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء ~~يقال: أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه استأصله ~~{تبخلوا} فلا تعطوا شيئا {ويخرج أضغانكم} أي: ما تضغنون على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والضمير في يخرج لله تعالى أو الرسول أو السؤال، أو البخل، ~~واقتصر عليه الجلال المحلي، قال قتادة: علم الله تعالى أن في مسألة الأموال ~~خروج الأضغان يعني ما طلبها ولو طلبها وألح عليكم في الطلب لبخلتم كيف ~~وأنتم تبخلون باليسير فكيف لا تبخلون بالكثير. # {هاأنتم} وحقر أمرهم بقوله تعالى: {هؤلاء} أي: أنتم يا مخاطبون هؤلاء ~~الموصوفون، وقوله تعالى {تدعون لتنفقوا في سبيل الله} أي: الملك الأعظم ~~الذي يرجى خيره ولا يخشى غيره استئناف مقرر لذلك أو صلة لهؤلاء على أنه ~~بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرها {فمنكم من يبخل} أي: ناس ~~يبخلون، وحذف القسم الآخر وهو ومنكم من يجود، لأن المراد الاستدلال على ما ~~قبله من البخل ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه ~~لينفع المطلوب منه فقط زاد العجب بقوله تعالى: {ومن} أي: # PageV04P035 # والحال أنه من {يبحل} بذلك ms3253 {فإنما يبخل} بماله بخلا ضارا {عن نفسه} فإن ~~نفع الإنفاق وضر البخل عائدان إليه والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى ~~الإمساك والتعدي فإنه إمساك عمن يستحق {والله} أي: الملك الأعظم الذي له ~~الإحاطة بجميع صفات الكمال {الغني} وحده عن نفقتكم {وأنتم} أيها المكلفون ~~خاصة {الفقراء} لاحتياجكم في جميع أحوالكم إليه {وإن تتولوا} عطف على {وإن ~~تؤمنوا وتتقوا} {يستبدل قوما غيركم} أي: يخلق قوما سواكم على خلاف صفتكم ~~راغبين في الإيمان والتقوى {ثم لا يكونوا أمثالكم} في التولي عنه والزهد في ~~الإيمان كقوله تعالى {ويأت بخلق جديد} قيل: هم الملائكة. وقيل الأنصار وعن ~~ابن عباس: كندة والنخع وعن الحسن: العجم وعن عكرمة: فارس والروم «وسئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: ~~هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من ~~فارس» رواه الترمذي والحاكم وصححاه وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة محمد كان حقا على الله تعالى أن ~~يسقيه من أنهار الجنة» حديث موضوع. ### | سورة الفتح # مكية وهي تسع وعشرون آية وخمسمائة وستون كلمةوألفان وأربعمائة وثمانية ~~وثلاثون حرفا # {بسم الله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلما {الرحمن} الذي عم خلقه بنعمه ~~{الرحيم} الذي خص أهل وداده بمزيد فضله روى زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه، كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ~~أسفاره فسأله عمر عن شيء فلم يجبه. ثم سأله فلم يجبه قال عمر فحركت بعيري ~~حتى تقدمت أمام الناس وخشيت أن يكون نزل في قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا ~~يصرخ بي فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال: «لقد أنزلت ~~علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ» . # {إنا فتحنا لك} أي: بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال {فتحنا ~~مبينا} أي: لا لبس فيه على ms3254 أحد. واختلفوا في هذا الفتح فروى عن أنس أنه فتح ~~مكة. وقال مجاهد: فتح خيبر. والأكثرون على أنه صلح الحديبية. قال أنس: نزلت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم إنا فتحنا لك إلى آخر الآية عند مرجعه من ~~الحديبية وأصحابه مخالطوا الحزن والكآبة فقال: «نزلت علي آية هي أحب إلي من ~~الدنيا جميعها» فلما تلاها نبي الله صلى الله عليه وسلم قال رجل من القوم ~~هنيأ مريئا قد بين الله لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فأنزل الله تعالى: ~~{ليدخل المؤمنين والمؤمنان جنات تجري من تحتها الأنهار} حتى ختم الآية. ~~وقيل: فتح الروم. وقيل: فتح الإسلام بالحجة والبرهان والسيف واللسان. وقيل: ~~الفتح الحكم لقوله تعالى {فافتح بيننا وبين قومنا بالحق} (سورة الأعراف، ~~آية: 89) # وقوله تعالى {ثم يفتح بيننا بالحق} (سورة سبأ، آية: 26) # فمن قال هو فتح مكة قال لأنه مناسب لآخر السورة التي قبلها من وجوه أحدها ~~أنه تعالى لما قال {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله} إلى أن قال ~~{ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} بين تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم ~~وحصل # PageV04P036 # لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على ~~أنفسهم. # ثانيها: لما قال تعالى: {والله معكم} (محمد: 35) # وقال تعالى {وأنتم الأعلون} (محمد: 35) # بين برهانه بفتح مكة فإنهم كانوا هم الأعلون. ثالثها لما قال تعالى {فلا ~~تنهوا وتدعوا إلى السلم} (محمد: 35) # وكان معناه لا تسألوا الصلح بل اصبروا فإنكم تسألوا الصلح كما كان يوم ~~الحديبية فكان المراد فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ~~ومسلمين ومستسلمين فإن قيل: إن كان المراد فتح مكة فمكة لم تكن فتحت. فكيف ~~قال تعالى: {فتحنا} بلفظ الماضي أجيب من وجهين: أحدهما فتحنا في حكمنا ~~وتقديرنا. # ثانيهما: ما قدره الله تعالى فهو كائن فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه ~~أمر واقع لا دافع له. وأما حجة قول الأكثرين على أنه صلح الحديبية فلما روى ~~البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد ms3255 كان فتح مكة فتحا ونحن نعد ~~الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع ~~عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها فدعا بإناء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ~~وصبه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه» وقيل: جاش حتى امتلأت ولم ~~ينفد ماؤها بعد وقال الشعبي في قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال ~~فتح الحديبية غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر واطعموا نخل خيبر وبلغ الهدي ~~محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. قال ~~الزهري: ولم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية. وذلك أن المشركين اختلطوا ~~بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق ~~كثير وكثر سواد الإسلام. # وقال البغوى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} أي: قضينا لك قضاء مبينا. وقال ~~الضحاك: أي بغير مال وكان الصلح من الفتح. واختلف قول المفسرين في معنى ~~اللام في قوله تعالى: # {ليغفر لك الله} أي: الملك الأعظم. فقال البيضاوي: علة للفتح من حيث إنه ~~مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك وتكميل النفوس ~~الناقصة وقال البغوي: قيل: اللام لام كي معناه {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} ~~لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح. وقال الجلال المحلي: اللام ~~للعلة الغائية فمدخولها مسبب لا سبب. وقال بعضهم: إنها لام القسم. والأصل ~~ليغفرن فكسرت اللام تشبيها بلام كي وحذفت النون ورد هذا: بأن اللام لا تكسر ~~وبأنها لا تنصب المضارع، قال ابن عادل: وقد يقال إن هذا ليس بنصب، وإنما هو ~~بقاء الفتح الذي كان قبل نون التوكيد بقي ليدل عليها ولكنه قول مردود. وقال ~~الزمخشري: فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة ~~ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية ~~الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قال يسرنا لك ms3256 فتح مكة ونصرناك على ~~عدوك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض الآجل والعاجل ويجوز أن يكون فتح مكة ~~من حيث إنه جهاد للعدو سببا للمغفرة والثواب ا. ه قال ابن عادل: وهذا الذي ~~قاله مخالف لظاهر الآية، فإن اللام داخلة على المغفرة فتكون المغفرة علة ~~للفتح والفتح معلل بها فكان ينبغي أن يقول: كيف جعل فتح مكة معللا بالمغفرة ~~ثم يقول لم يجعل معللا ا. ه وقيل غير ذلك والأسلم ما اقتصر عليه الجلال ~~المحلي واختلف أيضا # PageV04P037 # في الذنب في قوله تعالى: {ما تقدم من ذنبك} فقال البقاعي: أي الذي تقدم ~~في القتال أمرك بالاستغفار له وهو ما تنتقل عنه من مقام كامل إلى مقام فوقه ~~أكمل منه فتراه بالنسبة إلى أكملية المقام الثاني ذنبا. وكذا قوله تعالى: ~~{وما تأخر} وقال الرازي: المغفرة المعتبرة لها درجات كما أن الذنوب لها ~~درجات حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقال عطاء الخراساني: {ما تقدم من ~~ذنبك} يعني ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك وما تأخر ذنوب أمتك بدعوتك. # وقال سفيان الثوري: {ما تقدم} ما عملت في الجاهلية {وما تأخر} كل شيء لم ~~تعمله. قال البغوي: ويذكر مثل ذلك على سبيل التأكيد، كما يقال أعطى من رآه ~~ومن لم يره. وقيل: ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد. # وقيل: المراد به ترك الأفضل. وقيل: الصغائر على طريق من جوز الصغائر على ~~الأنبياء وقيل المراد بالمغفرة: العصمة ومعنى قوله تعالى: {وما تأخر} قيل: ~~إنه وعد للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يذنب بعد النبوة. وقيل: ما تقدم ~~على الفتح وما تأخر عنه وقيل: المراد ذنب المؤمنين. وقيل: غير ذلك. والأولى ~~في ذلك: هو الأول واختلف أيضا في النعمة في قوله تعالى {ويتم نعمته عليك} ~~فقال البقاعي: بنقلتك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ومن عالم الكون ~~والفساد إلى عالم الثبات والصلاح الذي هو أخص بحضرته وأولى برحمته وإظهار ~~أصحابك من بعدك على جميع أهل الملل. # وقال البيضاوي: بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوة. ms3257 وقال الجلال المحلي: ~~بالفتح المذكور. وقيل: إن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب الحج وهو آخر ~~التكاليف والتكليف نعمة. وقيل: بإجلاء الأرض لك عن معانديك فإن من يوم ~~الفتح لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم عدو فإن بعضهم قتل يوم بدر والباقون ~~آمنوا واستأمنوا يوم الفتح. وقيل ويتم نعمته عليك في الدنيا والآخرة. # أما في الدنيا فباستجابة دعائك في طلب الفتح. # وفي الآخرة بقبول شفاعتك. وقيل غير ذلك والأول أولى واختلف أيضا في معنى ~~الهداية في قوله تعالى: {ويهديك صراطا} أي: طريقا {مستقيما} أي: واضحا ~~جليا. فقال البقاعي: أي بهداية جميع قومك. # ولما كانت هدايتهم من هدايته أضافها سبحانه إليه إعلاما له أنها هداية ~~تليق بجنابه الشريف سرورا له وقال البيضاوي: في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم ~~الرياسة. وقيل: يهدي بك. وقيل: يديمك على الصراط المستقيم. وقيل: جعل الفتح ~~سبب الهداية إلى الصراط المستقيم لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم ~~بفوائده العاجلة والآجلة. وقيل: المراد التعريف، أي لتعرف أنك على صراط ~~مستقيم. # {وينصرك الله} أي: على ملوك الأمم نصرا يليق إسناده إلى اسمه المحيط ~~بسائر العظم {نصرا عزيزا} أي: يغلب المنصور به كل من ناوأه ولا يغلبه شيء ~~مع دوامه فلا ذل بعده لأن الأمة التي تتصف به لا يظهر عليها أحد والدين ~~الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء، فإن قيل: إن الله تعالى وصف النصر بكونه ~~عزيزا والعزيز من له النصر أجيب من وجهين: # أحدهما: قال الزمخشري: إنه يحتمل وجوها ثلاثة: # الأول: معناه نصرا ذا عزة كقولك في عيشة راضية أي ذات رضا ثانيها: وصف ~~النصر بما يوصف به المنصور إسنادا مجازيا يقال له: كلام صادق. كما يقال له ~~متكلم صادق. ثالثها: المراد نصرا عزيزا صاحبه. # الوجه الثاني: أن يقال إنما يلزم ما ذكره الزمخشري إذا # PageV04P038 # قلنا العزة في الغلبة والعزيز الغالب، وأما إذا قلنا العزيز هو النفيس ~~القليل النظير أو المحتاج إليه القليل الوجود يقال عز الشيء في سوق كذا أي ~~قل وجوده مع أنه محتاج إليه فالنصر ms3258 كان محتاجا إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ ~~بيت الله تعالى من الكفار المقيمين فيه من غير عدد ولا عدد. # {هو} أي: وحده {الذي أنزل} أي: في يوم الحديبية وغيره {السكينة} أي: ~~الثبات على الدين والطمأنينة {في قلوب المؤمنين} أي: الراسخين في الإيمان ~~وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ ~~القلوب من صد الكفار ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصودهم فلم يرجع أحد منهم عن ~~الإيمان بعد أن هاج الناس وزلزلوا حتى عمر مع أنه فاروق ومع وصفه في الكتب ~~السالفة بأنه قرن من حديد فما الظن بغيره، وكان عند الصديق من القدم الثابت ~~والأصل الراسخ ما علم به أنه لم يسابق ثم ثبتهم الله تعالى أجمعين. وقال ~~الرازي: السكينة الثقة بوعد الله والصبر على حكم الله. وقيل: السكينة ههنا ~~معنى يجمع فوزا وقوة وروحا يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين. # وأثر هذه السكينة غير السكينة المذكورة في قوله تعالى: {يأتيكم التابوت ~~فيه سكينة من ربكم} (البقرة: 248) # ويحتمل أن تكون هي تلك لأن المقصود منها على جميع الوجوه اليقين وثبات ~~القلب {ليزدادوا} أي بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال لهم: إنه لا ~~بد أن تدخلوا مكة وتطوفوا بالبيت {إيمانا} عند التصديق بالغيب {مع إيمانهم} ~~الثابت من قبل هذه الواقعة أو بشرائع الدين مع إيمانهم بالله واليوم الآخر ~~وقال القشيري: بطلوع أقمار عين اليقين على نجوم علم اليقين ثم بطلوع شمس حق ~~اليقين على بدر عين اليقين. وقال ابن عباس: بعث الله رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوا زادهم الصلاة، ثم الزكاة، ثم ~~الصيام، ثم الحج، ثم الجهاد، حتى أكمل لهم دينهم فكلما أمروا بشيء فصدقوه ~~ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم. وقال الضحاك: يقينا مع يقينهم وقيل: ازدادوا ~~إيمانا استدلالا مع إيمانهم الفطري. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في ~~حق الكفار {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} (آل عمران: 178) # ولم يقل مع كفرهم، وقال في حق ms3259 المؤمنين {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} ؟ ~~أجيب بأن كفر الكافر عنادي وليس في الوجود كفر فطري ولا في الإمكان كفر غير ~~عنادي لينضم إلى الكفر العنادي بل الكفر ليس إلا عنادا وكذلك الكفر ~~بالفروع، لا يقال انضم إلى الكفر بالأصول، لأن من ضرورة الكفر بالأصول ~~الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة ~~والانقياد. ولهذا قال تعالى {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} . # {ولله} أي: الملك الأعظم الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين {جنود ~~السموات والأرض} فهو قادر على إهلاك عدوه بجنوده بل بصيحة ولم يفعل بل أنزل ~~السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائه بأيديهم فيكون لهم الثواب وجنود ~~السموات والأرض الملائكة. وقيل: جنود السموات الملائكة وجنود الأرض الجن ~~والحيوانات. وقيل: الأسباب السماوية والأرضية {وكان الله} أي: الملك الأعظم ~~أزلا وأبدا {عليما} أي: بالذوات والمعاني {حكيما} في إتقان ما يصنع. وقوله ~~تعالى: # {ليدخل} متعلق # PageV04P039 # بمحذوف أي: أمر بالجهاد ليدخل {المؤمنين والمؤمنات} الذين جبلتهم جبلة ~~خير بجهاد بعضهم ودخول بعضهم في الدين بجهاد المجاهدين، ولو سلط على الكفار ~~جنوده من أول الأمر فأهلكوهم أو دمر عليهم بغير واسطة لفات دخول أكثرهم ~~الجنة، وهم من آمن منهم بعد صلح الحديبية {جنات} أي بساتين لا يصل إلى ~~عقولكم من وصفها إلا ما تعرفونه بعقولكم وإن كان الأمر أعظم من ذلك {تجري ~~من تحتها الأنهار} فأي موضع أردت أن تجري منه نهرا قدرت على ذلك؛ لأن الماء ~~قريب من وجه الأرض مع صلابتها وحسنها {خالدين فيها} أي لا إلى آخر، فإن ~~قيل: ما الحكمة في أنه تعالى ذكر في بعض المواضع المؤمنين والمؤمنات وفي ~~بعضها اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كقوله تعالى: {قد أفلح ~~المؤمنون} (المؤمنون: 1) # وقوله تعالى: {وبشر المؤمنين} (البقرة: 223) # أجيب بأنه في المواضع التي فيها ما يوهم اختصاص المؤمنين بالخير الموعود ~~به مع مشاركة المؤمنات لهم ذكرهن الله تعالى صريحا وفي المواضع التي فيها ~~ما لا يوهم ذلك اكتفى بدخولهم في المؤمنين كقوله تعالى: {وبشر المؤمنين} ~~ولما كان ههنا قوله تعالى: ms3260 {ليدخل المؤمنين} متعلقا بالأمر بالقتال والمرأة ~~لا تقاتل فلا تدخل الجنة الموعود بها فصرح الله تعالى بذكرهن {ويكفر} أي ~~يستر سترا بليغا {عنهم سيئاتهم} فلا يظهرها، فإن قيل: تكفير السيئات قبل ~~الإدخال فكيف ذكره بعده أجيب بأن الواو لا تقتضي الترتيب بأن تكفير السيئات ~~والمغفرة من توابع كون المكلف من أهل الجنة فقدم الادخال في الذكر بمعنى ~~أنه من أهل الجنة {وكان ذلك} أي: الإدخال والتكفير {عند الله} أي: الملك ~~الأعظم ذي الجلال والإكرام {فوزا عظيما} لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع ~~ودفع ضر. # تنبيه: {عند} متعلق بمحذوف على أنه حال من {فوزا} ولما كان من أعظم الفوز ~~إقرار العين بالانتقام من العدو وكان العدو الكاتم أشد من المجاهر المراغم. ~~قال تعالى: # {ويعذب المنافقين} المخفين للكفر المظهرين الإيمان أي: فيزيل كل ما لهم ~~من العذوبة {والمنافقات} لما غاظهم من ازدياد الإيمان {والمشركين ~~والمشركات} أي: المظهرين الكفر للمؤمنين وقدم المنافقين على المشركين في ~~كثير من المواضع؛ لأنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكفار المجاهرين؛ لأن ~~المؤمن كان يتوقى المشرك المجاهر ويخالط المنافق لظنه إيمانه وكان يفشي ~~أسراره وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «أعدى عدوك نفسك التي ~~بين جنبيك» ولهذا قال الشاعر: # *احذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة* # *فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أخبر بالمضرة* # وقوله تعالى: {الظانين بالله} أي: المحيط بصفات الكمال صفة للفريقين وأما ~~قوله تعالى {ظن السوء} فقال أكثر المفسرين: هو أن لا ينصر محمدا صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين {عليهم دائرة السوء} أي: ~~دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم لا يتخطاهم. ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بضم السين والباقون بالفتح. وهما لغتان كالكره ~~والكره والضعف والضعف من ساء إلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ~~ذمه من كل شيء، # PageV04P040 # وأما السوء فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير {وغضب الله} أي: الملك ~~الأعظم بما له من صفات الجلال والجمال فاستعلى ms3261 غضبه {عليهم} وهو أنه تعالى ~~يعاملهم معاملة الغضبان بما لا طاقة لهم به {ولعنهم} أي: طردهم طردا أنزلوا ~~به أسفل السافلين فبعدوا به عن كل خير {وأعد} أي: هيأ {لهم} الآن {جهنم} ~~تلقاهم بالعبوسة والتغيظ والزفير والتجهم كما كانوا يتجهمون عباد الله مع ~~ما فيها من العذاب والحر والبرد والإحراق وغير ذلك من أنواع المشاق {وساءت} ~~أي: جهنم {مصيرا} أي: مرجعا. وقوله تعالى: # {ولله} أي: الملك الأعظم {جنود السموات والأرض} تقدم تفسيره. # وفائدة الإعادة التأكيد وجنود السموات والأرض منهم من هو للرحمة، ومنهم ~~من هو للعذاب وقدم ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة ليكون ~~مع المؤمنين ملائكة الرحمة فتبشرهم على الصراط وعند الميزان، فإذا دخلوا ~~الجنة أفضوا إلى جوار الله تعالى ورحمته والقرب منه فلا حاجة لهم بعد ذلك ~~إلى شيء وأخر ذكر جنود السموات والأرض بعد ذكر تعذيب الكفار والمنافقين ~~ليكون معهم جنود السخط فلا يفارقونهم أبدا كما قال تعالى {عليها ملائكة ~~غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم} (التحريم: 6) # فإن قيل: قال الله تعالى {وكان الله عليما حكيما} (النساء: 17) # وقال هنا {وكان الله} أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه أزلا وأبدا {عزيزا} ~~أي: يغلب ولا يغلب {حكيما} أي: يضع الشيء في أحكم مواضعه فلا يستطاع نقض ~~شيء مما ينسب إليه أجيب: بأنه لما كان في جنود السموات والأرض من هو للرحمة ~~ومن هو للعذاب وعلم الله تعالى ضعف المؤمنين ناسب أن تكون خاتمة الآية ~~الثانية {وكان الله عزيزا حكيما} . # {إنا} أي: بما لنا من العز والحكمة {أرسلناك} أي: بما لنا من العظمة إلى ~~الخلق كافة {شاهدا} على أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة وعصيان من كان بحضرتك ~~فبنفسك ومن كان بعد موتك أو غائبا عنك فبكتابك مع ما أيدناك به من الحفظة ~~من الملائكة الكرام {ومبشرا} أي: لمن أطاع بأنواع البشائر {ونذيرا} أي ~~مخوفا لمن خالفك وعصى أمرك بالنار. ثم بين تعالى فائدة الإرسال. # بقوله سبحانه: {ليؤمنوا بالله} أي: لا يسوغ لأحد من خلقه. والكل خلقه ms3262 ~~التوجه إلى غيره {ورسوله} أي: الذي أرسله من له كل شيء ملكا وخلقا إلى جميع ~~خلقه {ويعزروه} أي يعينوه وينصرونه والتعزير نصر مع تعظيم {ويوقروه} أي: ~~يعظموه والتوقير التعظيم والتبجيل {ويسبحوه} من التسبيح الذي هو التنزيه عن ~~جميع النقائص أو من السبحة وهي الصلاة. قال الزمخشري: والضمائر لله عز وجل: ~~والمراد بتعزير الله تعزير دينه ورسوله ومن فرق الضمائر فقد أبعد. وقال ~~غيره: الكنايات في قوله {ويعزروه ويوقروه} راجعة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعندها تم الكلام فالوقف على {ويوقروه} وقف تام ثم يبتدئ بقوله ~~تعالى: {ويسبحوه} {بكرة وأصيلا} أي غدوة وعشيا أي دائما وعن ابن عباس صلاة ~~الفجر وصلاة الظهر والعصر على أن الكناية في {ويسبحوه} راجعة إلى الله عز ~~وجل وقال البقاعي: الأفعال الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله تعالى لأن من ~~سعى في قمع الكفار فقد فعل فعل المعزر الموقر، فيكون إما عائدا على المذكور ~~وإما أن يكون جعل الأسمين واحدا إشارة إلى اتحاد المسميين # PageV04P041 # في الأمر فلما اتحد أمرهما وحد الضمير إشارة إلى ذلك ا. ه فعنده أنه يصح ~~رجوع الثلاثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه فسر {ويسبحوه} بقوله ~~ينزهوه عن كل وخيمة باختلاف الوعد بدخول مكة والطواف بالبيت الحرام ونحو ~~ذلك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء في الأربعة على الغيبة رجوعا إلى ~~قوله تعالى {ليدخل المؤمنين والمؤمنات} والباقون بالتاء على الخطاب ولما ~~بين تعالى أنه مرسل ذكر أن من بايع رسوله فقد بايعه. فقال تعالى: # {إن الذين يبايعونك} يا أشرف الرسل بالحديبية على أن لا يفروا {إنما ~~يبايعون الله} أي: الملك الأعظم لأن عملك كله من قول أو فعل له تعالى وما ~~ينطق عن الهوى وسميت مبايعة لأنهم باعوا أنفسهم فيها من الله تعالى بالجنة ~~قال الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة} (التوبة: 111) # الآية «وروى يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع على أي شيء ~~بايعتم رسول الله صلى الله عليه ms3263 وسلم يوم الحديبية قال: على الموت» وعن ~~معقل بن يسار قال: «لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع ~~الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ونحن أربعة عشر مائة قال: لم ~~نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر» قال أبو عيسى: معنى الحديثين ~~صحيح بايعه جماعة على الموت. أي لا نزال نقاتل بين يديك ما لم نقتل وبايعه ~~آخرون وقالوا: لا نفر. وقوله تعالى: {يد الله} أي: المتردي بالكبرياء {فوق ~~أيديهم} أي: في المبايعة يحتمل وجوها وذلك أن اليد في الموضعين إما أن تكون ~~بمعنى واحد وإما أن تكون بمعنيين فإن كانت بمعنى واحد ففيه وجهان: أحدهما ~~قال الكلبي: نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة كما قال ~~تعالى: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} (الحجرات: 17) # ثانيهما: قال ابن عباس ومجاهد: يد الله بالوفاء بما وعدهم من النصر ~~والخير أقوى وأعلى من نصرتهم إياه. يقال: اليد لفلان أي الغلبة والقوة. وإن ~~كانت بمعنيين ففي حق الله تعالى بمعنى الحفظ. وفي حق المبايعين بمعنى ~~الجارحة. قال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويبايعونه ويد الله تعالى فوق أيديهم في المبايعة وذلك أن المتبايعين إذا ~~مد أحدهما يده إلى الآخر في البيع وبينهما ثالث يضع يده على أيديهما ويحفظ ~~أيديهما إلى أن يتم العقد ولا يترك أحدهما يترك يد الآخر لكي يلزم العقد ~~ولا يتفاسخان فصار وضع اليد فوق الأيدي سببا لحفظ البيعة فقال تعالى: {يد ~~الله فوق أيديهم} يحفظهم على البيعة كما يحفظ المتوسط أيدي المتبايعين. قال ~~البقاعي: فلعنة الله على من حمله على الظاهر من أهل العناد ببدعة الاتحاد ~~وعلى من تبعهم على ذلك من الذين شاقوا الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ~~وسائر الأئمة الأعلام ورضوا لأنفسهم بأن يكونوا أتباع فرعون اللعين وناهيك ~~به من ضلال مبين ا. ه وقد مر أن التأويل في الآيات المتشابهات مذهب الخلف، ~~ومذهب السلف السكوت عن التأويل وإمرار الصفات على ms3264 ما جاءت وتفسيرها قراءتها ~~والإيمان بها من غير تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل. {فمن نكث} أي: نقض البيعة ~~في وقت من الأوقات فجعلها كالكساء والحبل البالي الذي ينقض {فإنما ينكث} ~~أي: يرجع وبال نقضه {على نفسه} أي: فلا يضر إلا هي {ومن أوفى} أي: فعل ~~الإتمام والإكثار والإطالة {بما عاهد} وقدم الظرف في قوله # PageV04P042 # {عليه الله} أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما من هذه المبايعات وغيرها ~~اهتماما به. وقرأ حفص بضم الهاء قبل الاسم الجليل والباقون بكسر الهاء ~~والترقيق {فسيؤتيه} بوعد مؤكد لا خلف فيه {أجرا عظيما} لا تسع عقولكم شرح ~~وصفه. قال ابن عادل: والمراد به الجنة وقرأ أبو عمرو والكوفيون بالياء ~~التحتية والباقون بالنون. # ولما ذكر تعالى أهل بيعة الرضوان وأضافهم إلى حضرة الرحمن ذكر من غاب عن ~~ذلك الجناب وأبطأ عن حضرة تلك العمرة. بقوله تعالى: # {سيقول} أي: بوعد لا خلف فيه {لك} أي: لأنهم يعلمون شدة رحمتك ورفقك ~~وشفقتك على عباد الله فهم يطمعون في قبولك من فاسد عذرهم ما لا يطمعون فيه ~~من غيرك من خلص المؤمنين {المخلفون} أي: الذين خلفهم الله تعالى عنك فلم ~~يرضهم لصحبتك في هذه العمرة فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه الإنسان لأنه ~~لا فائدة فيه فلا يعبأ به. وقال تعالى: {من الأعراب} ليخرج من تخلف بالجسد ~~من خلص الأنصار وغيرهم ممن كان حاضرا معه صلى الله عليه وسلم بالقلب. قال ~~ابن عادل وابن عباس ومجاهد: يعني بالأعراب أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع ~~وأسلم. «وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام ~~الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب والبوادي ليخرجوا معه ~~حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأحرم بالعمرة وساق معه ~~الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربا فتثاقل كثير من الأعراب وتخلفوا ~~واعتلوا بالشغل فأنزل الله تعالى فيهم {سيقول لك المخلفون} » أي: الذي ~~خلفهم الله تعالى من الأعراب عن صحبتك إذا رجعت إليهم من عمرتك وعاتبتهم ms3265 ~~على التخلف {شغلتنا} أي: عن إجابتك في هذه العمرة {أموالنا وأهلونا} أي: ~~النساء والذراري فأنا لو تركناهم لضاعوا لأنه لم يكن لنا من يقوم بهم وأنت ~~قد نهيت عن ضياع المال والتفريط في العيال ثم سببوا عن هذا القول المراد به ~~السوء قولهم {فاستغفر} أي اطلب المغفرة {لنا} من الله تعالى إن كنا أخطأنا ~~وقصرنا فكذبهم الله تعالى في اعتذارهم بقوله سبحانه وتعالى {ويقولون ~~بألسنتهم} أي: في الشغل والاستغفار وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ~~ظاهري نفيا للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله تعالى: {ما ليس ~~في قلوبهم} لأنهم لم يكن لهم شغل ولا كانت لهم نية في سؤال # الاستغفار فإنهم لا يبالون استغفر لهم الرسول أم لا {قل} يا أشرف الرسل ~~لهؤلاء الأغبياء واعظا لهم مسببا عن مخادعتهم لمن لا تخفى عليه خافية إشارة ~~إلى أن العاقل يقبح عليه أن يقدم على ما هو بحيث تخشى عواقبه {فمن يملك ~~لكم} أي: أيها المخادعون {من الله} أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه لا ~~كفء له {شيأ} يمنعكم {إن أراد بكم ضرا} أي: نوعا من أنواع الضر عظيما أو ~~حقيرا فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في حفظها فلم ينفعها حضوركم ~~وأهلككم أنتم. # وقرأ حمزة والكسائي: بضم الضاد والباقون بفتحها {أو أراد بكم نفعا} ~~يحفظهما به في غيبتكم فلا يضرهم بعدكم عنهم ويحفظكم في أنفسكم {بل كان ~~الله} أي: المحيط أزلا وأبدا بكل شيء قدرة وعلما {بما تعملون} أي أيها ~~الجهلة {خبيرا} يعلم بواطن أموركم هذه وغيرها كما يعلم ظواهرها. # {س48ش12/ش15 بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى? أهليهم أبدا ~~وزين ذالك فى قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوم?ابورا * ومن لم يؤمن? بالله ~~ورسوله? فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا * ولله ملك السماوات وا?رض? يغفر لمن ~~يشآء ويعذب من يشآء? وكان الله غفورا رحيما * سيقول المخلفون إذا انطلقتم ~~إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم? يريدون أن يبدلوا? كلام الله? قل لن ~~تتبعونا كذالكم قال الله من قبل? فسيقولون ms3266 بل تحسدوننا? بل كانوا? يفقهون ~~إs قلي?} # {بل ظننتم} أي: فأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة ليس # PageV04P043 # لكم نفوذ إلى البواطن. وقرأ الكسائي: بإدغام اللام في الظاء والباقون ~~بالإظهار وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم بقوله تعالى {أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا} أي: ظننتم أن العدو يستأصلهم ولا يرجعون لما في ~~قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم ما هم في ~~قريش إلا أكلة رأس، فإن قيل: ما الفرق بين حرفي الإضراب أجيب: بأن الإضراب ~~الأول إضراب معناه رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوه وإثبات الحسد والثاني ~~إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين أي وصفهم بما هو أعم منه وهو ~~الجهل وقلة الفقه {وزين ذلك} أي: الأمر القبيح الذي هو خراب الدنيا {في ~~قلوبكم} حتى قلتموه {وظننتم} أي: بذلك وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر ~~وما يتفرع عنه {ظن السوء} أي: الذي لم يدع شيئا مما يكره غاية الكراهة إلا ~~أحاط به وقوله تعالى: {وكنتم قوما بورا} جمع بائر أي هالكين عند الله تعالى ~~بهذا الظن وهذا بالنظر إلى الجمع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد فإنه ~~قد أخلص منهم بعد ذلك كثير وثبتوا ولم يرتدوا. # {ومن لم يؤمن} أي: منكم ومن غيركم {بالله} أي: الذي لا موجود على الحقيقة ~~سواه {ورسوله} أي: الذي أرسله لإظهار دينه {فإنا} على مالنا من العظمة ~~{اعتدنا} أي: له هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى معلللا للحكم بالوصف ~~{للكافرين} إيذانا بأنه لم يجمع الإيمان بهما فهو كافر وأعد له {سعيرا} أي: ~~نارا شديدة. # {ولله} أي: الملك الأعظم وحده {ملك السموات والأرض} أي: من الجنود وغيرها ~~يدبر ذلك كله كيف يشاء {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} أي: لا اعتراض لأحد ~~عليه لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافئه أحد وليس هو كالملوك الذين لا ~~يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في الجملة وعلم من هذا أن ~~منهم من يرتد ms3267 فيعذبه ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا يعذب بغير ~~ذنب وإن كان له أن يفعل ذلك لأنه لا يسئل عما يفعل وملكه تام فتصرفه فيه ~~عدل كيف كان {وكان الله} أي: المحيط بصفات الكمال أزلا وأبدا لم يتجدد له ~~شيء لم يكن {غفورا} أي: لذنوب المسيئين {رحيما} أي: مكرما ما بعد الستر بما ~~لا تسعه العقول وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام. # {سيقول} أي: بوعد لا خلف فيه {المخلفون} أي: الذين تخلفوا عن الحديبية ~~{إذا انطلقتم} أي: سرتم أيها المؤمنون {إلى مغانم لتأخذوها} أي: مغانم ~~خيبر. وذلك أن المؤمنين لما انصرفوا من الحديبية على صلح من غير قتال ولم ~~يصيبوا من المغانم شيئا وعدهم الله تعالى فتح خيبر وجعل غنائمها لم شهد ~~الحديبية خاصة عوضا عن غنائم أهل مكة حيث انصرفوا عنهم ولم يصيبوا منهم ~~شيئا {ذرونا} أي: على أي حالة شئتم من الأحوال الدنيئة {نتبعكم} أي: إلى ~~خيبر لنشهد معكم قتال أهلها وفي هذا بيان كذب المخلفين عن الحديبية حيث ~~قالوا شغلتنا أموالنا وأهلونا إذ لم يكن لهم هناك طمع في الغنيمة وهنا ~~قالوا ذرونا نتبعكم حيث كان لهم طمع في الغنيمة {يريدون} أن بذهابهم معكم ~~{أن يبدلوا كلام الله} أي: يريدون أن يغيروا مواعيد الملك الأعظم لأهل ~~الحديبية بغنيمة خيبر خاصة وهذا قول جمهور المفسرين. # وقال مقاتل: يعني أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حيث أمره أن ~~لا يسير معه منهم أحد # PageV04P044 # إلى خيبر. وقال ابن زيد: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تخلف القوم ~~أطلعه الله تعالى على ظنهم وأظهر له نفاقهم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~{فإذا استأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا} (التوبة: 83) # وقرأ حمزة والكسائي: بكسر اللام بعد الكاف ولا ألف بعد اللام والباقون ~~بفتح اللام وألف بعدها {قل} يا أشرف الخلق لهؤلاء المبعدين إذا بلغك كلامهم ~~أنت بنفسك فإن غيرك لا يقوم مقامك في هذا الأمر المهم قولا مؤكدا {لن ~~تتبعونا} أي: وإن اجتهدتم ms3268 في ذلك وساقه مساقه النفي وإن كان المراد به ~~النهي مع كونه آكد ليكون علما من أعلام النبوة وهو أزجر وأدل على استهانتهم ~~{كذلكم} أي مثل هذا القول البديع الشأن العالي الرتبة {قال الله} أي: الذي ~~لا يكون إلا ما يريد وليس هو كالملوك الذين لا قدرة لهم على الغفران لمن ~~شاؤوا والعقاب لمن شاؤوا {من قبل} أي: من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر ~~لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئا ~~من هذه الأقوال بل يظنون أنها حيل على التوصل إلى المرادات الدنيوية سبب عن ~~قوله لهم ذلك قوله تعالى تنبيها على جلافتهم وفساد ظنونهم {فسيقولون} ليس ~~الأمر كما ذكر مما ادعى أنه قول الله تعالى {بل} إنما قلتم ذلك لأنكم ~~{تحسدوننا} فلا تريدون أن يصل إلينا من مال الغنائم شيء وقرأ هشام وحمزة ~~والكسائي بإدغام اللام في التاء والباقون بالإظهار. {بل كانوا} أي: جبلة ~~وطبعا {لا يفقهون} أي: لا يفهمون فهم الحاذق الماهر {إلا قليلا} أي: في أمر ~~دنياهم ومن ذلك اقرارهم باللسان لأجلها، وأما أمور الآخرة فلا يفهمون منها ~~شيئا. # {قل} أي: يا أشرف الرسل {للمخلفين} وزاد في ذمهم بنسبتهم إلى الجلافة ~~بقوله تعالى {من الأعراب} أي: أهل غلظ الأكباد {ستدعون} بوعد لا خلف فيه ~~{إلى قوم أولي} أي: أصحاب {بأس شديد} أي: شدة في الحرب وشجاعة قال ابن عباس ~~ومجاهد: هم أهل فارس. وقال كعب: الروم. وقال الحسن: فارس والروم. وقال: ~~سعيد بن جبير: هوازن وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان قوم حنين. وقال ~~الزهري ومقاتل وجماعة: هم بنو حنيفة أصحاب اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. ~~وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى ~~قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة: لم يأت تأويل هذه الآية ~~بعد قال ابن الخازن: وأقوى هذه الأقوال قول من قال أنهم هوازن وثقيف، لأن ~~الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده قول من ms3269 قال أنهم بنو حنيفة ~~أصحاب مسيلمة الكذاب وقوله تعالى {تقاتلونهم أو يسلمون} فيه إشارة إلى وقوع ~~أحد الأمرين إما المقاتلة منكم وإما الإسلام منهم فإن لم يسلموا كان القتال ~~لا غير وإن أسلموا لم يكن قتال لأن الغرض ليس إلا إعلاء كلمة الله تعالى ~~{فإن تطيعوا} أي: توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك {يؤتكم الله} أي: الذي له ~~الإحاطة {أجرا حسنا} دنيا وهو الغنيمة وأخرى وهي الجنة {وإن تتولوا} أي ~~تعرضوا عن الجهاد {كما توليتم من قبل} أي عام الحديبية {يعذبكم} أي يخالطكم ~~بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما {عذابا أليما} لأجل ~~تكرر ذلك منكم فلما أنزلت هذه الآية، قال أهل الزمانة كيف بنا يا رسول الله ~~فأنزل الله عز وجل. # PageV04P045 # {ليس على الأعمى} أي: في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو مع غيره من أئمة الهدى {حرج} أي: ميل بثقل الإثم لأنه لا ~~يمكنه الإقدام على العدو والطلب ولا يمكنه الاحتراز منه ولا الهرب {ولا على ~~الأعرج} وإن كان نقصه أدنى من نقص الأعمى {حرج} وفي معنى الأعرج الزمن ~~المقعد والأقطع {ولا على المريض} أي: بأي مرض كان يمنعه {حرج} وفي معناه ~~صاحب السعال الشديد والطحال الكبير والذين لا يقدرون على الكر والفر فهذه ~~أعذار مانعة من الجهاد ظاهرة، ومن وراء ذلك أعذار أخر دون ما ذكر كتمريض ~~المريض الذي ليس له من يقوم مقامه عليه. # تنبيه: جعل تعالى كل جملة مستقلة تأكيدا لهذا الحكم وقدم الأعمى على ~~الأعرج لأن عذر الأعمى مستمر لا يمكن الانتفاع به في حرس ولا غيره بخلاف ~~الأعرج وقدم الأعرج على المريض لأن عذره أشد من عذر المريض لإمكان زوال ~~المرض عن قرب. # {ومن يطع الله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال المفيض من آثار صفاته على ~~من يشاء ولو كان ضعيفا. المانع منها من يشاء وإن كان قويا {ورسوله} من ~~المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه بأي طاعة كانت {يدخله} أي: الله الملك ~~الأعظم جزاء له ms3270 {جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: من أي موضع أردت أجريت ~~نهرا {ومن يتول} أي يعرض عن الطاعة ويستمر على الكفر والنفاق {يعذبه} أي ~~على توليه في الدارين أو إحداهما {عذابا أليما} أي مؤلما وقرأ نافع وابن ~~عامر ندخله ونعذبه بالنون فيهما والباقون بالياء التحتية ولما بين تعالى ~~حال المخلفين بعد قوله تعالى {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} عاد ~~إلى حال بيان المبايعين. بقوله تعالى: # {لقد رضي الله} أي: الذي له الجلال والكمال {عن المؤمنين} أي: الراسخين ~~في الإيمان أي فعل بهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح وما قدر لهم من ~~الثواب وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا مع ما أعد لهم ~~في الآخرة فالآية تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور مشاهدة وقوله تعالى ~~{إذ} أي: حين {يبايعونك} منصوب برضى واللام في قوله تعالى {تحت الشجرة} ~~للعهد الذهني وكانت شجرة في الموضع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~نازلا به في الحديبية ولأجل هذا الرضا سميت بيعة الرضوان وقصتها «أن النبي ~~عليه الصلاة والسلام حين نزل الحديبية بعث جواس بن أمية الخزاعي رسولا إلى ~~أهل مكة فهموا به فمنعه الأحابيش واحدها حبوش وهو الفوج من قبائل شتى فلما ~~رجع دعا عمر ليبعثه فقال: إني أخافهم على نفسي لما أعرف من عدواتي إياهم ~~وما بمكة عدوي يمنعني ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني وأحب إليهم عثمان ~~بن عفان فبعثه فخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما ~~لحرمته فوقروه وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل فقال ما أفعل قبل أن ~~يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبس عندهم فأرجف أنهم قتلوه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى ~~البيعة فبايعوه تحت الشجرة» روى البغوي من طريق الثعلبي «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» وقال سعيد بن ~~المسيب: ms3271 حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت # PageV04P046 # الشجرة قال فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. وروي أن ~~عمر مر بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة فقال: أين كانت فجعل بعضهم يقول ~~ههنا وبعضهم يقول ههنا فلما كثر اختلافهم قال سيروا قد ذهبت الشجرة. وروى ~~جابر بن عبد الله قال: «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ~~أنتم خير أهل الأرض وكنا ألفا وأربعمائة # ولو كنت اليوم مبصرا لأريتكم مكان الشجرة» . # وقيل: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصل الشجرة وعلى ظهره ~~غصن من أغصانها قال عبد الله بن المغفل: وكنت قائما على رأسه وبيدي غصن من ~~الشجرة أذب عنه فرفعت الغصن عن ظهره وبايعوه على الموت دونه على أن يفروا ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم خير أهل الأرض» وكان عدد ~~المبايعين ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين. وروى سالم عن جابر قال: كنا خمس ~~عشرة مائة. وقال عبد الله بن أبي أوفى: كنا أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة. ~~ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم سبب عنه قوله تعالى {فعلم} أي: بما له من ~~الإحاطة {ما في قلوبهم} أي: من الصدق والوفاء فيما بايعوا عليه {فأنزل ~~السكينة} أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح {عليهم} أو بالتشجيع وسكون النفس ~~في كل حالة ترضي الله ورسوله فلم يخافوا عاقبة القتال لما ندبوا إليه وإن ~~كانوا في كثرة الكفار كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود {وأثابهم} أي: ~~أعطاهم جزاء لهم على ما وهبوه من الطاعة {فتحا قريبا} هو فتح خيبر عقب ~~انصرافهم. وعن الحسن: فتح هجر، ونبه تعالى بصيغة منتهى الجموع في قوله ~~تعالى. # {ومغانم} على أنها عظيمة ثم صرح بذلك بقوله تعالى {كثيرة تأخذونها} وهي ~~مغانم خيبر وكانت أرضا ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بينهم {وكان الله} أي: الذي لا كفء له {عزيزا} يغلب ولا يغلب {حكيما} ~~أي: يقضي ما يريد فلا ms3272 ينقض فحكم لكم بالغنائم ولإعدائكم بالهلاك على أيديكم ~~ليثيبكم عليه. # {وعدكم الله} أي: الملك الأعظم {مغانم} وحقق معناها بقوله تعالى: {كثيرة ~~تأخذونها} أي: فيما يأتي من بلدان شتى لا تدخل تحت حصر. وليس المغانم كل ~~الثواب بل الجنة والنظر إلى وجهه الكريم قدامهم. وإنما هي كعاجلة عجل بها ~~ولهذا قال تعالى: {فعجل لكم} أي: من الغنائم {هذه} أي: مغانم خيبر {وكف ~~أيدي الناس عنكم} «وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قصد خيبر وحاصر ~~أهلها همت قبائل من أسد وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم ~~بالمدينة فكف الله تعالى أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم فنكصوا» وقيل: أيدي ~~أهل مكة بالصلح. وقوله تعالى: {ولتكون} أي: هذه المعجلة عطف على مقدر أي ~~لتشكروه ولتكون {آية} أي: علامة في غاية الوضوح {للمؤمنين} أي: أنهم من ~~الله تعالى بمكان أو صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في وعدهم فتح خيبر في ~~حين رجوعه من الحديبية أو وعدهم الغنم أو عنوانا لفتح مكة. # {ويهديكم صراطا} أي: طريقا {مستقيما} أي: يثبتكم على الإسلام ويزيدكم ~~بصيرة ويقينا بصلح الحديبية وفتح خيبر. «وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم ثم خرج ~~في سنة سبع إلى خيبر» روى أنس بن مالك «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا غزا بنا قوما لم يكن # PageV04P047 # يغزو بنا حتى يصبح ينظر فإن سمع أذانا كف عنهم وإن لم يسمع أذانا أغار ~~عليهم قال فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا فلما أصبح ولم يسمع أذانا ~~ركب وركبنا وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قالوا: والله محمد والخميس أي الجيش فلما رآهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح ~~المنذرين» وروى إياس بن سلمة قال: حدثني أبي قال: ms3273 «خرجنا إلى خبير مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال فجعل عمي عامر يرنجز بالقوم ثم قال: # *تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدينا ولا صلينا* # *ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا* # * ... وأنزلن سكينة علينا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا، قال: أنا عامر فقال: غفر لك ~~ربك وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد إلا استشهد قال: فنادى ~~عمر بن الخطاب وهو على جمل له يا نبي الله لولا متعتنا بعامر قال فلما ~~قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول: # *قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب* # * ... إذا الحروب أقبلت تلتهب # قال: فبرز له عامر بن عثمان فقال: # *قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مقامر* # فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر فرجع سيف عامر على نفسه فقطع ~~أكحله فكانت فيها نفسه قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ~~فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قال ذلك قلت ناس من أصحابك قال: من قال ذلك بل له أجره مرتين ثم أرسلني إلى ~~علي وهو أرمد فقال: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ~~فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فبصق في عينيه فبرئ وأعطاه الراية وخرج مرحب وقال: # *أنا الذي سمتني أمي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب* # فقال علي كرم الله تعالى وجهه: # *أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظرة* # * ... أكيلكم بالسيف كيل السندرة* # قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتح على يديه» ومعنى أكيلكم بالسيف ~~كيل السندره أي: أقتلكم قتلا واسعا ذريعا. والسندرة مكيال واسع. قيل: يحتمل ~~أن يكون اتخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النبل والقسي. والسندرة أيضا ~~العجلة والنون زائدة قال ابن الأثير وذكرها الجوهري في هذا الباب ولم ينبه ~~على زيادتها. وروي فتح ms3274 خيبر من طرق أخر في بعضها # PageV04P048 # زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض. وقوله تعالى: # {وأخرى} صفة مغانم مقدرا مبتدأ وقيل: هي مبتدأ والخبر {لم تقدروا عليها} ~~وهي كما قال ابن عباس: فارس والروم وما كانت العرب تقدر تقاتل فارس والروم ~~بل كانوا خولا لهم حتى قدروا عليهما بالإسلام. وقال الضحاك: هي خيبر وعدها ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها ولم يكونوا يرجونها. ~~وقال قتادة: هي مكة. وقال عكرمة: حنين. وقال البقاعي: هي والله أعلم غنائم ~~هوازن التي لم يحصل قبلها ما يقاربها. {قد أحاط الله} أي: المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما {بها} أي: علم أنها ستكون لكم {وكان الله} أي: المحيط بجميع ~~صفات الكمال أزلا وأبدا {على كل شيء} منها ومن غيرها {قديرا} أي: بالغ ~~القدرة لأنه بكل شيء عليم. # {ولو قاتلكم الذين كفروا} وهم أهل مكة ومن وافقهم وكانوا قد اجتمعوا ~~وجمعوا الأحابيش ومن أطاعهم وقدموا خالد بن الوليد طليعة لهم إلى كراع ~~الغميم ولم يكن أسلم بعد {لولوا} أي: بغاية جهدهم {الأدبار} منهزمين {ثم} ~~أي: بعد طول الزمان وكثرة الأعوان {لا يجدون} أي: في وقت من الأوقات {وليا} ~~أي: من يفعل معهم فعل القريب من الشفقة {ولا نصيرا} ينصرهم ولما كانت هذه ~~عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من الرسل وأتباعهم {وإن ~~جندنا لهم الغالبون} (الصافات: 173) # قال تعالى: {سنة الله} أي: سن المحيط بكل شيء علما غلبة أنبيائه وأتباعهم ~~{التي قد خلت من قبل} أي: فيمن مضى من الأمم. كما قال تعالى: {لأغلبن أنا ~~ورسلي} (المجادلة: 21) # {ولن تجد} أيها السامع {لسنة الله} أي: الذي لا يخلف قوله، لأنه محيط ~~بجميع صفات الكمال {تبديلا} أي: تغييرا من مغير ما يغيرها بما يكون بدلها ~~ثم عطف على ما تقديره هو الذي سن هذه السنة العامة. # قوله تعالى: {وهو الذي كف} أي: وحده {أيديهم} أي: الذين كفروا من أهل مكة ~~وغيرهم. فإن الكف مشروع لكل أحد {عنكم وأيديكم} أيها المؤمنون {عنهم ببطن ~~مكة} أي: ms3275 بالحديبية وقيل التنعيم. وقيل وادي مكة. وقيل: داخل مكة {من بعد ~~أن أظفركم} أي: أظهركم {عليهم} وهذا تبيين لما تقدم من قوله تعالى: {ولو ~~قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار} (الفتح: 22) # بتقدير أنه كما كف أيديهم عنكم بالفرار وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم ~~روى ثابت عن أنس بن مالك «أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فأخذهم سلما فاستحياهم فنزلت هذه الآية» . وقال عبد الله بن ~~مغفل المزني: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة ~~التي قال الله في القرآن وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره ~~وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم ~~السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله ~~أبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جئتم ~~في عهد أو هل جعل لكم أحد أمانا قالوا: اللهم لا فخلى سبيلهم فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية وعن ابن عباس أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى ~~أدخلوهم البيوت وقيل: إن ذلك كان يوم فتح مكة وبه استشهد أبو حنيفة على أن ~~مكة فتحت عنوة لا صلحا {وكان الله} أي: المحيط بالجلال والإكرام أزلا وأبدا ~~وقرأ {بما يعملون} أبو عمرو: بالياء # PageV04P049 # التحتية أي الكفار. # والباقون بالتاء الفوقية، أي: أنتم {بصيرا} أي: محيط العلم ببواطن ذلك ~~كما هو محيط بظواهره ولما كان ما مضى من وصف الكفار يشمل كفار مكة وغيرهم ~~عينهم بسبب كفهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن البيت الحرام. # بقوله تعالى: {هم} أي: أهل مكة ومن لاقهم {الذين كفروا} أي: أوغلوا في ~~هذا الوصف ببواطنهم وظواهرهم {وصدوكم} زيادة على كفرهم في عمرة الحديبية ~~{عن المسجد الحرام} أي: منعوكم الوصول إلى مكة ونفس المسجد والكعبة للإحلال ~~مما أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة. # روى الزهري ms3276 عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم كل ~~منهما يصدق حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ~~عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه يريد زيارة البيت لا يريد قتالا ~~وساق معه سبعين بدنة والناس سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن عشرة نفر فلما ~~أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة ~~يخبره عن قريش فسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الإشطاط ~~قريبا من عسفان أتاه عتبة الخزاعي. # وقال: إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك ~~وصادوك عن البيت الحرام. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أيها الناس أترون أني أميل على ~~ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن لجوا تكن ~~عنقا قطعها الله أو ترون نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه فقال أبو بكر يا ~~رسول الله إنما جئت عامدا لهذا البيت لا نريد قتال أحد ولا حربا فتوجه له ~~فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله فنفروا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن خالدا بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ~~فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بغبرة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ~~وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها ~~بركت به راحلته. فقال الناس: حل حل فألحت فقالوا: خلأت أي حرنت القصواء. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن ~~حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة ~~يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت. ~~قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل من الماء يتبرضه الناس ~~تبرضا فلم تلبث الناس أن نزحوه وشكا الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~العطش فنزع ms3277 سهما من كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه يقال له ناجية بن عمير ~~وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم فنزل في البئر فغرزه في جوفه، ~~فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ~~ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب ابن لؤي وعامر بن لؤي نزلا مع ~~جمع أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ~~الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا ~~معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا ~~بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ~~وإلا فقد جموا وإن أبوا # PageV04P050 # فو الذي نفسي بيده لاقاتلنهم على أمري. هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن ~~الله أمره فقال بديل: سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد ~~جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. ~~فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم: هات ما ~~سمعته يقول قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: أي قوم ألستم بالوالد. قالوا: بلى ~~قال: أولست بالولد. قالوا بلى. فقال فهل تتهموني قالوا: لا قال: ألستم ~~تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني. ~~قالوا: بلى. قال: # فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته قالوا: ائته ~~فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك ~~فهل سمعت أحدا من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فو الله إني أرى ~~وجوها وأشوابا من الناس ms3278 خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر الصديق: ~~امصص بظر اللات والعزى أنحن نفر عنه وندعه. فقال: من ذا. قالوا: أبو بكر ~~فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: ~~وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة قائم ~~على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة ~~بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك ~~عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عروة رأسه وقال: من هذا قالوا: ~~المغيرة بن شعبة فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك. وكان المغيرة صحب قوما ~~في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فهدم ما قبله وأما المال فلست ~~منه في شيء ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه ~~قال: فو الله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف ~~رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا ~~يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه ~~تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ~~ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن أي ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ~~ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن أي ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل ~~منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون ~~على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم وما يجدون النظر إليه تعظيما له وأنه قد ~~عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من بني كنانة دعوني آته فقالوا: ائته ~~فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا فلان من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثوها له واستقبله الناس ~~يلبون ms3279 فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ~~فلما رجع إلى أصحابه قال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن ~~البيت. # ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش. فلما رآه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدي في ~~وجهه حتى يراه # PageV04P051 # فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاده من طول ~~الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إعظاما لما رأى فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صده. الهدي في ~~قلائده قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محله. # قالوا له: اجلس فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك فغضب الحليس عند ذلك، ~~وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن ~~تصدوا عن بيت الله من جاءه معظما له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد ~~وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. # فقالوا: مه كف عنايا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به فقام رجل يقال له ~~مكرز بن حفص. فقال: دعوني آته فقالوا له ائته فلما أشرف عليهم قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاءه سهيل بن عمر. وقال عكرمة: لما رآه النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: قد سهل لكم من أمركم قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن ~~عمرو فقال: هات نكتب بيننا وبينك كتابا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~علي بن أبي طالب فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: أما الرحمن ~~فلا أدري من هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون: والله ~~لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: ~~اكتب باسمك ms3280 اللهم. ثم قال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال ~~سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك ~~ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أني لرسول ~~الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله. # قال الزهري: وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يسألوني خطة يعظمون فيها ~~حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» . فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ~~سهيل بن عمرو واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن الناس فيه ويكف بعضهم عن ~~بعض فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت ~~فنطوف به فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذاك من ~~العام المقبل. فكتب فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك ~~إلا رددته إلينا فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء ~~مسلما. وروى ابن إسحاق عن البراء قصة الصلح وفيها قالوا: لو نعلم أنك رسول ~~الله ما منعناك شيئا ولكن أنت محمد بن عبد الله قال: أنا رسول الله وأنا ~~محمد بن عبد الله ثم قال لعلي: امح رسول الله فقال: والله لا أمحوك أبدا ~~فقال فأرينه فأراه إياه فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده. # وفي رواية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب ~~هذا ما قاضى محمد بن عبد الله قال البراء: صالح على ثلاثة أشياء على أن من ~~أتى من المشركين يرده إليهم ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه على أن يدخلها ~~من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام ولا يدخلها بجلبان السلاح السيف والقوس ~~ونحوه. وروى في صلح الحديبية طرق أخر في بعضها زيادات وفي بعضها نقصان عن ~~بعض. وقوله تعالى {والهدي} معطوف على كم من صدوكم أي وصدوا الهدي وهو البدن ~~التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت سبعين. # وقوله تعالى: {معكوفا} أي: ms3281 محبوسا حال وقوله تعالى: # PageV04P052 # {أن يبلغ محله} أي: مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال ~~{ولولا رجال} أي: مقيمون بين أظهر الكفار بمكة {مؤمنون} أي: غريقون في ~~الإيمان فكانوا لذلك أهلا للوصف بالرجولية {ونساء مؤمنات} أي: كذلك حبس ~~الكل عن الهجرة العذر لأن الكفار لكثرتهم استضعفوهم فمنعوهم الهجرة، على أن ~~ذلك شامل لمن جبله الله تعالى على الخير وعلم منه الإيمان وإن كان في ذلك ~~الوقت كافرا {لم تعلموهم} أي: لم يحط علمكم بهم من جميع الوجوه لتميزوهم ~~بأعيانهم عن المشركين لأنهم ليس لهم قوة التمييز منهم وأنتم لا تعرفون ~~أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ولا سيما في حال الحرب والطعن والضرب ثم ~~أبدل من الرجال والنساء قوله تعالى: {أن تطؤهم} أي تؤذوهم بالقتل أو ما ~~يقاربه من الجراح والضرب والنهب ونحو ذلك. # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم أشدد وطأتك على مضر» {فتصيبكم} أي: ~~فيتسبب عن هذا الوطء أن تصيبكم {منهم} أي: من جهتهم وبسببهم {معرة} أي: ~~مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتغيير الكفار بذلك ~~والإثم بالتقصير في البحث مفعلة من عره إذا عراه ما يكرهه وقوله تعالى: ~~{بغير علم} متعلق بأن تطؤوهم أي: غير عالمين بهم وجواب لولا محذوف لدلالة ~~الكلام عليه. # والمعنى ولولا كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمنين بين أظهر الكافرين جاهلين ~~بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم. # فإن قيل: أي: معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون، أجيب: بأنهم يصيبهم ~~وجوب الدية والكفارة وسوء قالة المشركين إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما ~~فعلوا بنا من غير تمييز والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير. # وقوله تعالى: {ليدخل الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال متعلق بمقدر أي ~~كان انتفاء التسليط على أهل مكة وانتفاء العذاب ليدخل الله. قال البغوي: ~~اللام في {ليدخل} متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام يعني ليدخل الله {في ~~رحمته} أي: في إكرامه وإنعامه {من يشاء} بعد الصلح قبل أن يدخولها من ~~المشركين بأن يعطفهم إلى ms3282 الإسلام، ومن المؤمنين بأن يستنقذهم منهم على أرفق ~~وجه. وقوله تعالى: {لو تزيلوا} يجوز أن يعود على المؤمنين فقط أو على ~~الكافرين أو على الفريقين والمعنى لو تميز هؤلاء من هؤلاء {لعذبنا} أي: ~~بأيديكم بتسليطنا لكم عليهم بالقتل والسبي {الذين كفروا} أي: أوقعوا ستر ~~الإيمان {منهم} أي: أهل مكة {عذابا أليما} أي شديد الإيجاع. قال قتادة: في ~~الآية أن الله تعالى يدفع بالمؤمنين عن الكافرين كما دفع بالمستضعفين من ~~المؤمنين عن مشركي مكة ولما بين شرط استحقاقهم للعذاب بين وقته وفيه بيان ~~العلة. # فقال تعالى: {إذ} أي: حين {جعل الذين كفروا} أي: ستروا ما تراءى من الحق ~~في مرائي عقولهم وقوله تعالى: {في قلوبهم} أي: في قلوب أنفسهم يجوز أن ~~يتعلق بجعل على أنها بمعنى ألقى فتتعدى لواحد أي إذ ألقى الكافرون في ~~قلوبهم الحمية وأن يتعلق بمحذوف على أنه مفعول ثان قدم على أنها بمعنى صير ~~{الحمية} أي: المنع الشديد والإباء الذي هو في شدة حره ونفوذه في أشد ~~الأجسام كالسم والنار وأنشدوا: # *إلا إنني منهم وعرضي عرضهم ... كذا الرأس يحمي أنفه أن يهشما* # وقرأ أبو عمر وفي الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي: بضم الهاء ~~والميم والباقون: بكسر # PageV04P053 # الهاء وضم الميم وأظهر الذال عند الجيم نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم ~~وأدغمها الباقون وقوله تعالى: {حمية الجاهلية} بدل من الحمية قبلها ووزنها ~~فعلية وهي مصدر يقال حميت من كذا حمية وحمية الجاهلية: هي التي مدارها مطلق ~~المنع سواء كان بحق أم باطل فتمنع من الإذعان للحق ومبتاها على التشفي على ~~مقتضى الغضب لغير الله فتوجب تخطي حدود الشرع ولذلك أنفوا من دخول المسلمين ~~مكة المشرفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواء. قال مقاتل: قال أهل ~~مكة قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخول علينا فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا ~~على رغم أنفنا واللات والعزى لا يدخلونها علينا فهذه حمية الجاهلية التي ~~دخلت قلوبهم. # {فأنزل الله} أي: الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء بسبب حميتهم ~~{سكينته} أي: الشيء ms3283 اللائق إضافته إليه سبحانه من الفهم عن الله والروح ~~الموجب لسكون القلب المؤثر للإقدام على العدو والنصر عليه انزالا كافيا ~~{على رسوله} الذي عظمته من عظمته ففهم عن الله مراده في هذه القضية فجرى ~~على أتم ما يرضيه {وعلى المؤمنين} أي: الغريقين في الإيمان لأنهم أتباع ~~رسوله وأنصار دينه فألزمهم قبول أمره وحماهم من همزات الشياطين ولم يدخلهم ~~ما دخل الكفار من الحمية فيقاتلوا غضبا لأنفسهم فيتعدوا حدود الشرع ~~{وألزمهم} أي: المؤمنين إلزام إكرام وتشريف لا إلزام إهانة وتعنيف {كلمة ~~التقوى} فإنها السبب الأقوى وهي كل قول أو فعل ناشىء عن التقوى وأعلاه كلمة ~~الإخلاص المتقدمة في القتال وهي لا إله إلا الله التي هي أحق الحق ولا بد ~~من قول محمد رسول الله وإلا لم يتم إسلامه وعن الحسن: كلمة التقوى هي ~~الوفاء بالعهد. ومعنى إضافتها إلى التقوى إنها سبب التقوى وأساسها، وقيل: ~~كلمة أهل التقوى وقيل هي بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله {وكانوا} ~~أي: جبلة وطبعا {أحق بها} أي: كلمة التقوى من الكفار {وأهلها} أي: وكانوا ~~أهلها في علم الله تعالى لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل الخير ~~{وكان الله} أي: المحيط علما وقدرة {بكل شيء} من ذلك وغيره {عليما} أي: ~~محيط العلم وروي «أنه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام في المدينة عام ~~الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين ويحلقون ويقصرون فأخبر ~~بذلك أصحابه ففرحوا فلما خرجوا معه وصدهم الكفار بالحديبية رجعوا وشق عليهم ~~ذلك وراب بعض المنافقين فأنزل الله» . # قوله تعالى: {لقد صدق الله} أي: الذي لا كفؤ له المحيط بجميع صفات الكمال ~~{رسوله} الذي هو أعز الخلائق عنده وهو غني عن الأخبار عما لا يكون أنه يكون ~~فيكف إذا كان المخبر رسوله {الرؤيا} التي هي من الوحي أي صدقه في رؤياه ولم ~~يكذبه تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوا كبيرا. فحذف الجار وأوصل ~~الفعل. كقوله تعالى: {صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (الأحزاب: 23) # وروي عن مجمع ms3284 بن حارثة الأنصاري «قال شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم: ما ~~بال الناس قالوا: أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فخرجنا نرجف ~~فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم واقفا على راحلته على كراع الغميم فلما ~~اجتمع عليه الناس قرأ {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} فقال عمر: أو فتح هو يا ~~رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده» ففيه دليل على أن # PageV04P054 # المراد بالفتح صلح الحديبية وتحقيق الرؤيا كان في العام المقبل فقال جل ~~ذكره {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} أخبر أن الرؤيا التي أراه إياها في ~~مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام صدق وحق وقوله تعالى ~~{بالحق} فيه أربعة أوجه. # أحدها: أنه يتعلق بصدق. ثانيها: أن يكون صفة مصدر محذوف أي صدقا ملتبسا ~~بالحق أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز ~~بين المؤمن المخلص وبين من في قلبه مرض. ثالثها: أن يتعلق بمحذوف على أنه ~~حال من الرؤيا أي ملتبسة بالحق. رابعها: له قسم وجوابه {لتدخلن} أي بعد هذا ~~دخولا قد تحتم أمره {المسجد} أي: الذي يطاف فيه بالكعبة ولا يكون دخوله إلا ~~بدخول الحرم {الحرام} أي: الذي أجاره من امتهان الجبابرة ومنعه من كل ظالم. ~~قال الزمخشري: وعلى تقديره قسما إما أن يكون قسما بالله تعالى فإن الحق من ~~أسمائه تعالى وأما أن يكون قسما بالحق الذي هو نقيض الباطل. # فإن قيل: ما وجه دخول {إن شاء الله} أي: الذي له الإحاطة بصفات الكمال ~~أجيب بأوجه # أحدها: أنه تعالى ذكره تعليما لعباده الأدب لأن يقولوا في غداتهم مثل ذلك ~~متأدبين بآداب الله ومقتدين بسنته لقوله تعالى {ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا إلا أن يشاء الله} (الكهف: 23 24) # ثانيها: أن يريد لتدخلن جميعا إن شاء الله. ولم يمت منكم أحد. # ثالثها: أن ذلك كان على لسان ملك فأدخل الملك إن شاء الله. # رابعها: إنها حكاية ms3285 ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقص ~~عليهم. وقال أبو عبيدة: أن بمعنى إذ مجازه إذ شاء الله. كقوله تعالى {إن ~~كنتم تعلمون} (الجمعة: 9) # خامسها: إنها للتبرك وقيل هي متعلقة بآمنين فالاستثناء مواقع على الأمن ~~لا على الدخول لأن الدخول لم يكن فيه شك كقوله صلى الله عليه وسلم عند دخول ~~المقبرة وإنا إن شاء الله بكم لاحقون فالاستثناء راجع إلى اللحوق لا إلى ~~الموت. وقوله تعالى: {آمنين} حال من فاعل لتدخلن وكذا {محلقين رؤوسكم} أي: ~~كلها {ومقصرين} أي: بعضها أي منقسمين بحسب التحليق والتقصير إلى قسمين لا ~~تخشون إلا الله تعالى وفيه إشارة إلى أنهم يتمون الحج من أوله إلى آخره ~~فقوله {لتدخلن} فيه إشارة إلى الأول وقوله {محلقين} {ومقصرين} إشارة إلى ~~الآخر فإن قيل محلقين حال الداخلين والداخل لا يكون إلا محرما والمحرم لا ~~يكون محلقا أجيب بأن قوله آمنين معناه متمكنين من أن تتموا الحج محلقين ~~ومقصرين وأشار بصيغة التفعيل إلى الكثرة فيهما غير أن التقديم يفهم أن ~~الأول أكثر. # وقوله تعالى: {لا تخافون} أي: لا يتجدد لكم خوف بعد ذلك يجوز أن يكون ~~مستأنفا وأن يكون حالا ثالثة أما من فاعل لتدخلن أو من ضمير آمنين أو ~~محلقين أو مقصرين فإن كانت حالا من آمنين أو حالا من فاعل لتدخلن فهي حال ~~للتوكيد وآمنين حال مقارنة وما بعدها حال مقدرة إلا قوله {لا تخافون} إذا ~~جعل حالا فإنها مقدرة أيضا فإن قيل: قوله تعالى: {لا تخافون} معناه غير ~~خائفين وذلك يحصل بقوله تعالى: {آمنين} أجيب: بأن فيه كمال الأمن لأن بعد ~~الحلق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال وكان عند أهل مكة يحرم ~~قتال من أحرم ومن دخل الحرم. فقال تدخلون آمنين وتحلقون ويبقى أمنكم بعد ~~خروجكم من الإحرام {فعلم} أي: الله في الصلح من المصلحة {ما لم تعلموا} من ~~المصالح فإن الصلاح # PageV04P055 # كان في الصلح وإن دخولكم في سنتكم سبب لوطء المؤمنين والمؤمنات وهو قوله ~~تعالى: {ولولا رجال مؤمنون ونساء ms3286 مؤمنات} (الفتح: 25) # الآية. # فإن قيل: الفاء في قوله تعالى: {فعلم} فاء التعقيب فقوله تعالى: {فعلم} ~~وقع عقب ماذا أجيب: بأنه إن كان المراد من {فعلم} وقت الدخول فهو عقب صدق ~~وإن كان المراد فعلم المصلحة فالمراد علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب ~~والتقدير لما حصلت المصلحة في العام القابل فعلم ما لم تعلموا من المصلحة ~~المتجددة {فجعل} أي: بسبب إحاطة علمه {من دون} أي: أدنى رتبة من {ذلك} أي: ~~الدخول العظيم في هذا العام {فتحا قريبا} يقويكم به من فتح خيبر ووضع الحرب ~~بين العرب بهذا الصلح واختلاط بعض الناس بسبب ذلك ببعض الموجب لإسلام ناس ~~كثيرة تتقوون بهم فتكون تلك الكثرة والقوة بسبب هيبة الكفار المانعة لهم من ~~القتال فقتل القتلى ترفقا بأهل حرم الله إكراما لهذا النبي الكريم صلى الله ~~عليه وسلم # u # وقوله تعالى: # {هو الذي أرسل رسوله} أي: الذي لا رسول أحق منه بإضافته إليه {بالهدى} ~~أي: الكامل الذي يقتضي أن يهتدي به أكثر الناس تأكيدا لبيان صدق الله تعالى ~~للرؤيا لأنه لما كان مرسلا لرسوله ليهدي لا يريه ما لا يكون فيحدث الناس ~~فيظهر خلافه فيكون ذلك سببا للضلال. # فإن قيل: الرؤيا للواقع قد تقع لغير المرسل أجيب: بأن ذلك قليل لا يقع ~~لكل أحد تنبيه الهدي يحتمل أن يكون هو القرآن كقوله تعالى: {أنزل فيه ~~القرآن هدى للناس} (البقرة: 185) # وعلى هذا قوله تعالى: {ودين الحق} هو ما فيه من الأصول والفروع ويحتمل أن ~~يكون الهدي هو المعجزة أي أرسله بالمعجزة فيكون قوله تعالى {ودين الحق} ~~إشارة إلى ما شرع والألف واللام في الهدى يحتمل أن تكون للعهد وهو قوله ~~تعالى: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} وأن تكون للتعريف أي كل ما هو هدى ~~تنبيه دين الحق يحتمل أن يكون المراد دين الله لأن الحق من أسماء الله ~~تعالى ويحتمل أن يكون الحق نقيض الباطل فكأنه قال ودين الأمر الحق {ليظهره} ~~أي: دينه {على الدين كله} أي: جميع باقي الأديان {وكفى بالله} أي: ms3287 الذي له ~~الإحاطة بجميع صفات الكمال {شهيدا} أي: على أنك مرسل بما ذكر كما قال ~~تعالى. # {محمد رسول الله} أي: الملك الذي لا كفؤ له فهو الرسول الذي لا رسول ~~يساويه فإنه رسول إلى جميع الخلق من أدرك زمانه بالفعل في الدنيا ومن تقدمه ~~بالقوة فيها وبالفعل في الآخرة يوم يكون الكل تحت لوائه وقد أخذ على ~~الأنبياء كلهم الميثاق بأن يؤمنوا به إن أدركوه وأخذ ذلك الأنبياء على ~~أممهم وأشار بذكر هذا الاسم بخصوصه في سورة الفتح إلى أنه صلى الله عليه ~~وسلم هو الخاتم بما أشارت إليه الميم التي مخرجها ختام المخارج واستنبط بعض ~~العلماء من محمد ثلاثمائة وأربعة عشر رسولا فقال فيه ثلاث ميمات وإذا بسطت ~~كل منهما قلت فيه م ي م وعدتها بحساب الجمل الكبير تسعون فيحصل منها مائتان ~~وسبعون وإذا بسطت الحاء والدال قلت دال بخمسة وثلاثين، وحاء بتسعة فالجملة ~~ما ذكر والاسم واحد فتم عدد الرسل كما قيل أنهم ثلاثمائة وخمسة عشر وقد ~~تقدم الكلام على أولي العزم منهم في سورة الأحقاف. # تنبيه: يجوز أن يكون محمد خبر مبتدأ مضمر لأنه لما تقدم هو الذي أرسل ~~رسوله دل على ذلك المقدر أي هو أي الرسول بالهدى # PageV04P056 # محمد. ورسول الله بدل أو بيان أو نعت وأن يكون محمد مبتدأ وخبره رسول ~~الله وقيل غير ذلك. # ولما ذكر الرسول ذكر المرسل إليهم فقال تعالى {والذين معه} أي: بمعية ~~الصحبة من الصحابة وحسن التبعية من التابعين لهم بإحسان {أشداء} أي: غلاظ ~~{على الكفار} منهم لا تأخذهم بهم رأفة بل هم معهم كالأسد على فريسته لأن ~~الله تعالى أمرهم بالغلظة عليهم لا يرحمونهم {رحماء بينهم} أي: متعاطفون ~~متوادون كالوالد مع الولد. # كما قال تعالى {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} (المائدة: 54) # وعن الحسن بلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن ~~تلزق بثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنه ~~كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه، ومن حق ms3288 المسلمين في كل زمان أن ~~يراعوا هذا التذلل وهذا التعطف فيشددوا على من ليس من دينهم ويتحاموه ~~ويعاشروا إخوانهم المؤمنين في الإسلام متعطفين بالبر والصلة والمعونة وكف ~~الأذى والاحتمال منهم. # تنبيه: والذين معه مبتدأ خبره أشداء على الكفار ورحماء بينهم خبر ثان ~~وقيل غير ذلك. ثم بين تعالى الحامل لهم على ذلك بقوله سبحانه وتعالى ~~{تراهم} أي: أيها الناظر لهم {ركعا سجدا} أي: دائمين الخشوع فأكثر أوقاتهم ~~صلاة قد غلبت صفة الملكية على صفاتهم الحيوانية فكانت الصلاة آمرة بالخير ~~مصينة عن كل نقص وضير. # ثم أشار إلى إخلاصهم بقوله تعالى {يبتغون} أي: يطلبون بذلك وغيره من جميع ~~أحوالهم بغاية جهدهم تغليبا لعقولهم على شهواتهم وحظوظهم {فضلا} أي: زيادة ~~من الخير {من الله} أي: الذي له الإحاطة بصفات الكمال من الجلال والجمال ~~الذي أعطاهم ملكة العظمة على الكفار بما وهبهم من جلاله والرأفة على ~~أوليائه {ورضوانا} أي: رضا منه عظيما بما نالهم من رحمته التي هيأهم بها ~~للإحسان إلى عياله فنزعوا الهوى من صدورهم فصاروا يرونه وحده سيدهم المحسن ~~إليهم لا يرون سيدا غيره ولا محسن سواه. # ثم بين كثرة صلاتهم. بقوله تعالى: {سيماهم} أي: علامتهم التي لا تفارقهم ~~{في وجوههم} ثم بين تعالى العلامة بقوله {من أثر السجود} وهو نور وبياض في ~~وجوههم يوم القيامة كما قال تعالى {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} (آل عمران: ~~106) # رواه عطية العوفي عن ابن عباس. وعن أنس هو استنارة وجوههم من كثرة ~~صلاتهم. وقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. ~~وقال مجاهد هو السمت الحسن والخشوع والتواضع والمعنى أن السجود أورثهم ~~الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به. وقال الضحاك: هو صفرة الوجه. وقال ~~الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. وقال عكرمة: هو أثر التراب ~~على الجباه. قال أبو العالية: لأنهم يسجدون على التراب لا على الثياب. وقال ~~عطاء: استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل لأن من كثرت صلاته بالليل حسن ~~وجهه بالنهار. # قال بعضهم: دخل في ms3289 هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. قال البقاعي: ~~ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من أثر هيئة السجود في جبهته ~~فإن ذلك من سيما الخوارج. وفي نهاية ابن الأثير في تفسير الثقات ومنه حديث ~~أبي الدرداء أنه رأى رجلا بين عينيه مثل ثغنة البعير فقال: لو لم يكن هذا ~~كان خيرا يعني كان على جبهته أثر السجود # PageV04P057 # وإنما كرهها خوفا من الرياء عليه. وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود» وعن بعض ~~المتقدمين: كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء ونرى أحدنا الآن يصلي فيرى بين ~~عينيه ركبة البعير فلا ندري أثقلت الرؤوس أم خشنت الأرض. وإنما أراد بذلك ~~من تعمد ذلك للنفاق ثم أشار تعالى إلى علو مرتبة ذلك الوصف بقوله سبحانه: # {ذلك} أي: هذا الوصف العالي جدا البديع المثال البعيد المنال {مثلهم} أي: ~~صفتهم {في التوراة} وههنا تم الكلام فإن مثلهم: مبتدأ وخبره في التوراة ~~وقوله تعالى: {ومثلهم في الإنجيل} أي: الذي نسخ الله تعالى به بعض أحكام ~~التوراة مبتدأ وخبره {كزرع} أي: مثل زرع {أخرج شطأه} أي: فراخه يقال أشطأ ~~الزرع إذا فرخ وهل يختص ذلك بالحنطة فقط أو بها وبالشعير أو لا يختص خلاف ~~مشهور قال الشاعر: # *أخرج الشطأ على وجه الثرى # ... ومن الأشجار أفنان الثمر # وقرأ ابن كثير وابن ذكوان: بفتح الطاء والباقون بإسكانها. وهما لغتان ~~كالنهر والنهر وأدغم أبو عمرو الجيم في الشين بخلاف عنه ثم سبب عن هذا ~~الإخراج قوله تعالى: {فآزره} أي: قواه وأعانه. وقرأ ابن ذكوان: بقصر الهمزة ~~بعد الفاء والباقون بالمد. {فاستغلظ} أي: فطلب المذكور من الزرع والشطء ~~الغلظ وأوجده فتسبب عن ذلك اعتداله {فاستوى} أي: قوى واستقام وقوله تعالى: ~~{على سوقه} متعلق باستوى ويجوز أن يكون حالا أي كائنا على سوقه أي قائما ~~عليها، هذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل ~~أنهم يكونون قليلا ثم ms3290 يزدادون ويكثرون. # قال قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه ~~سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وقيل: ~~الزرع محمد صلى الله عليه وسلم والشطء: أصحابه والمؤمنون. وروى مبارك بن ~~فضالة عن الحسن قال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه أبو بكر ~~الصديق. أشداء على الكفار: عمر بن الخطاب. رحماء بينهم: عثمان بن عفان. ~~تراهم ركعا سجدا: علي بن أبي طالب يبتغون فضلا من الله العشرة المبشرون ~~بالجنة كمثل زرع محمد صلى الله عليه وسلم أخرج شطأه أبو بكر فآزره عمر، ~~فاستغلظ عثمان يعني استغلظ عثمان بالإسلام، فاستوى على سوقه علي بن أبي ~~طالب رضى الله عنه استقام الإسلام بسيفه. # {يعجب الزراع} قال: المؤمنون {ليغيظ بهم الكفار} قول عمر لأهل مكة بعدما ~~أسلم: لا يعبد الله سرا بعد اليوم روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أرحم أمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء ~~عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أبي، وأعلمهم بالحرام والحلال معاذ بن جبل، ~~ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» وفي رواية أخرى ~~وأقضاهم علي وروى بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات من ~~أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة» . # تنبيه: يعجب حال أي معجبا وهنا تم الكلام. # وقوله تعالى {ليغيظ بهم الكفار} فيه أوجه: أحدها: أنه متعلق بمحذوف دل ~~عليه تشبيههم بالزرع في نمائهم وقوتهم. قال الزمخشري: أي شبههم الله تعالى ~~بذلك ليغيظ. ثانيها: أنه متعلق بما دل # PageV04P058 # عليه قوله تعالى {أشداء} متعلق على الكفار الخ أي: جعلهم بهذه الصفات ~~ليغيظ. ثالثها: أنه متعلق بقوله تعالى: {وعد الله} أي: الملك الأعظم {الذين ~~آمنوا} لأن الكفار إذا سمعوا بعزة المؤمنين في الدنيا وما أعد الله لهم في ~~الآخرة غاظهم ذلك. وقوله تعالى: {وعملوا الصالحات} فيه إشارة إلى تصديق ~~دعواهم ومن في قوله تعالى: {منهم} للبيان لا للتبعيض لأنهم كلهم كذلك فهي ~~كقوله تعالى: ms3291 {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} (الحج: 30) # ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصرا عما يجب لله تعالى من العبادة. أشار ~~إلى ذلك بقوله تعالى: {مغفرة} أي: لما يقع منهم من الذنوب والهفوات {وأجرا ~~عظيما} بعد ذلك الستر وهو الجنة. وهما أيضا لمن بعدهم ممن يأتي. # فائدة قد جمعت هذه الآية الخاتمة لهذه السورة جميع حروف المعجم وفي ذلك ~~بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم وعلو نصرهم ~~رضى الله عنهم وحشرنا معهم نحن ووالدينا ومحبينا وجميع المسلمين بمنه ~~وكرمه. # قال: وهذا آخر القسم الأول من القرآن، وهو المطول وقد ختم كما ترى ~~بسورتين هما في الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم وحاصلهما: الفتح بالسيف ~~والنصر على من قاتله ظاهرا. كما ختم القسم الثاني المفصل بسورتين هما: نصره ~~له صلى الله عليه وسلم بالحال على من قصده بالضر باطنا وما رواه البيضاوي ~~تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الفتح فكأنما ~~كان ممن شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة» حديث موضوع. وقال ~~ابن عادل: روى أن من قرأ في أول ليلة من رمضان {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} ~~في التطوع حفظ في ذلك العام ولم أره لغيره ا. ه. ### | سورة الحجرات # مدنية وهي: ثمان عشرة آية وثلاثمائة وثلاث وأربعون كلمةوألف وأربعمائة ~~وستة وسبعون حرفا # {بسم الله} الجبار المتكبر الذي أعز رسوله صلى الله عليه وسلم {الرحمن} ~~الذي من عموم رحمته الآداب للتوصل إلى حسن المآب {الرحيم} الذي خص أولي ~~الألباب بالإقبال على ما يوجب لهم دار الثواب. # ولما نوه سبحانه في القتال بذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصرح في ~~ابتدائها باسمه الشريف وسمى السورة به وملأ سورة الفتح بتعظيمه وختمها ~~باسمه ومدح أتباعه لأجله افتتح هذه السورة باشتراط الأدب معه في القول ~~والفعل فقال تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان {لا تقدموا} من قدم بمعنى تقدم ~~أي لا تتقدموا وحذف المفعول ليعم كل ما يصح تقديمه، فيذهب الوهم ms3292 كل مذهب ~~ويجوز أن يكون حذفه من غير قصد إليه أصلا بل يكون النهي موجها إلى نفس ~~التقدمة أي لا تتلبسوا بهذا الفعل {بين يدي الله} أي: الملك الأعظم الذي لا ~~يطاق انتقامه {ورسوله} أي: الذي عظمته ظاهرة جدا لا نهاية له، لأن عظمته من ~~عظمته، ولذلك قرن اسمه باسمه واختلف في سبب نزول ذلك. فقال الشعبي عن جابر ~~أنه في الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة. أي لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي صلى ~~الله عليه وسلم وذلك «أن أناسا ذبحوا قبله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن ~~يعيدوا الذبح» وقال: «من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من # PageV04P059 # النسك في شيء» . # وعن مسروق عن عائشة رضى الله عنها: أنه في النهي عن صوم يوم الشك. أي لا ~~تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. وعن ابن الزبير: «أنه قدم ركب من بني تميم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة وقال ~~عمر بل أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما ~~أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت هذه الآية» . قال ابن ~~الزبير: فكان عمر لا يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى ~~يستفهمه. وعن ابن أبي مليكة: نزل {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم} ~~وهذا أنسب. وقال الضحاك: يعني في القتال وشرائع الدين أي لا تقطعوا أمرا ~~دون الله ورسوله. قال الرازي: والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل ومنع مطلق ~~يدخل فيه كل افتيات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ضروري من غير ~~مشاورة. # تنبيه: معنى بين يدي الله ورسوله أي: بحضرتهما لأن ما بحضرة الإنسان فهو ~~بين يديه ناظر إليه. وحقيقة قولهم جلست بين يدي فلان أن يجلس بين الجهتين ~~المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت ~~اليدين مع القرب منهما توسعا. كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه ~~في غير ms3293 موضع، وقد جرت هذه العبارة هنا على ضرب من المجاز، وهو الذي يسميه ~~أهل البيان تمثيلا. # وقيل: المراد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الله تعالى ~~تعظيم له وإشعار بأنه من الله تعالى بمكان يوجب إجلاله {واتقوا الله} ~~اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية، فإن التقوى مانعة من أن تضيعوا ~~حقه وتخالفوا أمره أو تقدموا على شيء لم تعلموا رضاه فيه {إن الله} أي: ~~الذي له الإحاطة بصفات الكمال {سميع} لأقوالكم {عليم} بأعمالكم. # ونزل فيمن رفع صوته عند النبي عليه الصلاة والسلام. # {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم} أي: في شيء من الأشياء عند ~~النطق إذا نطقتم {فوق صوت النبي} إذا نطق. # تنبيه: في إعادة النداء فوائد: منها أن في ذلك بيان زيادة الشفقة على ~~المسترشد كقول لقمان لابنه: {يا بني لا تشرك بالله} (لقمان: 13) ، {يا بني ~~إنها إن تك} (لقمان: 16) ، {يا بني أقم الصلاة} (لقمان: 17) ، لأن النداء ~~تنبيه للمنادي ليقبل على استماع الكلام ويجعل باله منه، فإعادته تفيد تجدد ~~ذلك ومنها أن لا يتوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب أولا فإن من الجائز أن ~~يقول القائل: يا زيد افعل كذا وكذا يا عمرو. فإذا أعاد مرة أخرى وقال: يا ~~زيد قل يا زيد قل كذا وقل كذا يعلم أن المخاطب أولا هو المخاطب ثانيا. ~~ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ليس الثاني تأكيدا للأول ~~كقولك: يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق وأنه لا يحسن أن يقول يا زيد لا ~~تنطق يا زيد لا تتكلم، كما يحسن عند اختلاف المطلوبين {ولا تجهروا له ~~بالقول} أي: إذا كلمتموه سواء كان ذلك مثل صوته أو أخفض من صوته، فإن ذلك ~~غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر الكبراء {كجهر بعضكم لبعض} أي: ولا ~~تبلغوا به الجهر الدائر بينكم بل اجعلوا أصواتكم أخفض من ذلك فإنكم إن لم ~~تفعلوا ذلك لم يظهر فرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين غيره. # فإن قيل: ms3294 ما الفائدة في ولا تجهروا بعد لا ترفعوا؟. # أجيب: بأن المنع من رفع الصوت هو أن لا يجعل كلامه أو صوته أعلى من كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم وصوته والنهي عن الجهر منع من المساواة. # PageV04P060 # أي لا تجهروا له بالقول كما تجهرون لنظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا ثم ~~حذرهم بقوله تعالى: {أن} أي: كراهة أن {تحبط} أي: تفسد فتسقط {أعمالكم} ~~التي هي الأعمال بالحقيقة، وهي الحسنات كلها {وأنتم لا تشعرون} أي: بأنها ~~حبطت فإن ذلك إذا أجترأ الإنسان عليه استخف به وإذا استخف واظب عليه، وإذا ~~واظب عليه أو شك أن يستخف بالمخاطب فيكفر وهو لا يشعر، روى أنس بن مالك ~~قال: «لما نزل قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم} الآية ~~جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار واحتبس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما ~~شأن ثابت اشتكى فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له شكوى قال: فأتاه سعد فذكر ~~له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ثابت: نزلت هذه الآية وقد علمتم ~~أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا من أهل النار. ~~فذكر ذلك سعد لنبي صلى الله عليه وسلم فقال بل هو من أهل الجنة» . # وروي لما نزلت هذه الآية «قعد ثابت في الطريق يبكي فمر به عاصم بن عدي ~~فقال: وما يبكيك يا ثابت. قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت في وأنا رفيع ~~الصوت أخاف أن يحبط عملي وأكون من أهل النار فمضى عاصم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وغلب ثابتا البكاء فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي ~~ابن سلول فقال لها: إذا دخلت بيت فرشي فسدي علي الضبة بمسمار فضربت عليه ~~بمسمار وقال لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأتى عاصم رسول الله صلى ms3295 الله عليه وسلم فأخبره خبره فقال: اذهب فادعه ~~لي فجاءه عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في ~~بيت الفرش. # فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك. فقال: اكسر الضبة فأتيا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك ~~يا ثابت فقال: أنا ميت فأخاف أن تكون هذه الآية نزلت في فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة. فقال: ~~رضيت ببشرى الله ورسوله لا أرفع صوتي أبدا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله عز وجل. # {إن الذين يغضون} أي: يخفضون ويلينون لما وقع عليهم من السكينة من هيبة ~~حضرته قال الطبري وأصل الغض الكف في لين {أصواتهم} تخشعا وتخضعا ورعاية ~~للأدب وتوقيرا {عند رسول الله} أي الذي من شأنه أن يعلو كلامه على كل كلام، ~~لأنه مبلغ عن الملك الأعظم وعبر بعند الذي للظاهر إشارة إلى أن أهل حضرة ~~الخصوصية لا يقع منهم إلا أكمل الأدب {أولئك} أي عالو الرتبة {الذين امتحن ~~الله} أي: فعل المحيط بجميع صفات الكمال فعل المختبر {قلوبهم للتقوى} أي: ~~اختبرها وأخلصها لتظهر منهم من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه. ~~فإن الامتحان اختبار بليغ يؤدي إلى خبر فالمعنى أنه طهر قلوبهم ونقاها كما ~~يمتحن الصائغ الذهب والفضة بالإذابة والتنقية والتخليص من كل غش لأجل إظهار ~~ما بطن فيها من التقوى ليصير معلوما للخلق في عالم الشهادة، كما كان له ~~سبحانه في عالم الغيب. {لهم مغفرة} أي: لهفواتهم وزلاتهم {وأجر عظيم} لغضهم ~~وسائر # PageV04P061 # طاعاتهم. والتنكير للتعظيم. # قال أنس: فكنا أي بعد نزول هذه الآية في حق ثابت ننظر إلى رجل من أهل ~~الجنة يمشي بين أيدينا فلما كان في يوم حرب مسيلمة رأى ثابت من المسلمين ~~بعض الإنكسار فانهزمت طائفة منهم فقال: أف لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى ~~أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله ms3296 مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ~~هذا ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه درع، فرآه رجل من الصحابة ~~بعد موته في المنام فقال له: اعلم أن فلانا رجل من المسلمين نزع درعي فذهب ~~بها وهي في ناحية من العسكر عند فرس يستن في طوله، وقد وضع على درعي ثوبه ~~فائت أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له: إن علي دينا حتى ~~يقضيه عني وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما ~~وصفه فاسترد الدرع وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤية فأجاز أبو بكر وصيته قال ~~مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه. # واختلف في سبب نزول قوله عز وجل: # {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} فقال ابن عباس رضى الله عنهما: «بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني النضير وأمر عليهم عتبة بن حصن ~~الغزاوي فلما علموا هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عتبة وقدم بهم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري فقدموا وقت ~~الظهيرة ووافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا في أهله، فلما رأتهم ~~الذراري اجهشوا إلى آبائهم يبكون وكان لكل امرأة من نساء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجعلوا ينادون يا محمد اخرج إلينا حتى أيقظوه من نومه فخرج إليهم.l # فقالوا: يا محمد فادنا عيالنا. فنزل جبريل عليه السلام فقال إن الله ~~تبارك وتعالى يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا. فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أترضون أن يكون بيني وبينكم شبرمة بن عمرو وهو على دينكم فقالوا: ~~نعم. فقال شبرمة: أنا لا أحكم بينهم وعمي شاهد وهو الأعور بن بسامة فرضوا ~~به فقال الأعور: أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد رضيت ففادى نصفهم وأعتق نصفهم» فأنزل الله تعالى ms3297 {إن الذين ~~ينادونك من وراء الحجرات} جمع حجرة وهي ما تحجره من الأرض بحائط ونحوه. كان ~~كل واحد منهم نادى خلف حجرة لأنهم لم يعلموه في أيها مناداة الأعراب بغلظة ~~وجفاء {أكثرهم} أي: المنادي والراضى دون الساكت لعذر {لا يعقلون} أي: محلك ~~الرفيع وما يناسبه من التعظيم، فلم يصبروا بل فعلوا معه صلى الله عليه وسلم ~~كما يفعل بعضهم ببعض. # {ولو أنهم} أي: المنادي والراضي {صبروا} أي: حبسوا أنفسهم ومنعوها من ~~مناداتهم والصبر: حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها، وهو حبس فيه شدة وصبر. ~~{حتى تخرج إليهم} من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من واردات ~~الحق ومصالح الخلق {لكان} أي: الصبر {خيرا لهم} أي: من استعجالهم إيقاظك في ~~الهاجرة. # ومما لو قرعوا الباب بالأظافر كما كان يفعل غيرهم من الصحابة. قال أبو ~~عثمان: الأدب عند الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلا والخير في الأولى ~~والعقبى ا. ه فإنهم لو تأدبوا لربهم لزادهم صلى الله عليه وسلم في الفضل ~~فأعتق جميع سبيهم # PageV04P062 # وأطلقهم بلا فداء. {والله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال {غفور} أي: ستور ~~ذنب من تاب من جهله {رحيم} أي: يعاملهم معاملة الراحم، فيسبغ عليهم نعمه. ~~وقال قتادة: «نزلت في ناس من أعراب تميم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فنادوا على الباب اخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين وذمنا شين فخرج ~~إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه ~~زين وذمه شين. # فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن ~~هاتوا. فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لثابت بن قيس بن شماس وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم قم فأجبه ~~فأجابه. وقام شاعر فذكر أبياتا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ~~ثابت: أجبه فأجابه. فقام الأقرع بن ms3298 حابس فقال: إن محمدا المولى تكلم خطيبنا ~~فكان خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا ثم دنا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يضرك ما كان من قبل هذا ثم أعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وكان قد تخلف في ركابهم عمرو بن ~~الأهيم لحداثة سنه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم ~~فأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزل فيهم {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} ~~الآيات الأربع إلى قوله تعالى: {غفور رحيم} وقال زيد بن أرقم جاء ناس من ~~العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى ~~هذا الرجل فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكا نعش في جناحه. ~~فجاؤوا فجعلوا ينادون من وراء الحجرات يا محمد. فأنزل الله تعالى {إن الذين ~~ينادونك} الآية وقيل: المراد بأكثرهم كلهم. لأن العرب تذكر الأكثر وتريد ~~الكل احتراز عن الكذب واحتياطا في الكلام. لأن الكل ما لا يحيط به علم ~~الإنسان في بعض الأشياء فيقول الأكثر وفي اعتقاده الكل. # ثم إن الله تعالى مع إحاطة علمه بالأمور أتى بما يناسب كلامهم وفيه إشارة ~~إلى لطيفة، وهي أن الله تعالى يقول مع إحاطة علمي بكل شيء جريت على عادتكم ~~استحسانا لتلك العادة، وهي الاحتراز عن الكذب فلا تتركوها واجعلوا اختياري ~~ذلك في كلامي دليلا قاطعا على رضاي بذلك منكم. # تنبيه: جعل الزمخشري أنهم من ولو أنهم فاعلا بفعل مقدر أي ولو ثبت صبرهم ~~وجعل اسم كان ضميرا عائدا على هذا الفاعل. ولكن مذهب سيبويه أنها في محل ~~رفع بالابتداء وحينئذ يكون اسم كان ضميرا عائدا على صبرهم المفهوم وجرى على ~~الأول البيضاوي، وعلى الثاني الجلال المحلى واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {يا أيها ms3299 الذين آمنوا إن جاءكم} أي: في وقت من الأوقات {فاسق} أي: خارج ~~من ربقة الديانة {بنبأ} أي: خبر يعظم خطبه فيثير شرا {فتبينوا} صدقه من ~~كذبه. فقال أكثر المفسرين: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أخو ~~عثمان لأمه. «وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني المصطلق بعد ~~الوقعة واليا ومصدقا أي يأخذ منهم الصدقة وكان بينه # PageV04P063 # وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من ~~الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنهم منعوا صدقاتهم وأرادوا ~~قتلى. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه، ~~فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا ~~نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله فبدا له في الرجوع، فخشينا ~~أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من ~~غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث خالد بن الوليد ~~خفية في عسكره وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال: انظر فإن رأيت منهم ما يدل ~~على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل ~~في الكفار. ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء ~~فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير وانصرف إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخبره الخبر» فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} {أن تصيبوا} أي: بأذى {قوما} أي: هم مع قوتهم ~~النافعة لأهل الإسلام برآء مما نسب إليهم {بجهالة} أي: مع الجهل بحال ~~استحقاقهم لذلك {فتصبحوا} أي: فتصيروا ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما ~~استقبل الإنسان صباحا وقت انتباهه وفراغه وإقباله على لذاته {على ما فعلتم} ~~أي: من إصابتهم {نادمين} أي: غريقين في الأسف على ما # فات مما يوقع ms3300 الله تعالى في نفوسكم من أمور ترجف القلوب. وقال الرازي: ~~هذا ضعيف لأن الله تعالى لم يقل إني أنزلتها لكذا والنبي صلى الله عليه ~~وسلم لم ينقل عنه أنه قال وردت الآية لبيان ذلك حسب غاية ما في الباب أنها ~~نزلت في ذلك الوقت وهو مثل تاريخ نزول الآية مما يصدق ذلك ويؤيده أن إطلاق ~~لفظ الفاسق على الوليد بعيد لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقا ~~فكيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن رتبة الإيمان كقوله ~~تعالى: {إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} (المنافقون: 6) # وقوله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} (الكهف: 50) # وقوله تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} الآية إلى غير ذلك ا. ه ~~وقال ابن الخازن في تفسيره: وقيل هو عام نزلت لبيان التثبيت وترك الاعتماد ~~على قول الفاسق وهذا أولى من حكم الآية على رجل بعينه. # تنبيه: قوله تعالى: {أن تصيبوا} مفعول له كقوله تعالى: {أن تحبط} ~~(الحجرات: 2) # قال الرازي: معناه على مذهب الكوفيين لئلا تصيبوا وعلى مذهب البصريين ~~كراهة أن تصيبوا وقرأ حمزة والكسائي: بعد التاء المثناة بثاء مثلثة وبعد ~~الباء الموحدة بتاء مثناة فوق من التثبت أي: فتوقفوا إلى أن يتبين لكم ~~الحال. والباقون بعد التاء المثناة بباء موحدة وبعدها ياء تحتية وبعدها نون ~~من البيان. # {واعلموا} أي: أيتها الأمة {أن فيكم} أي: على وجه الاختصاص بكم ويا له من ~~شرف {رسول الله} أي: الملك الأعظم المتصف بالجلال والإكرام فلا تقولوا ~~الباطل فإن الله يخبره بالحال {لو يطيعكم} وهو لا يحب عنتكم ولا شيئا يشق ~~عليكم {في كثير من الأمر} أي: الذي تريدونه على فعله من أنه يعمل في ~~الحوادث على مقتضى ما يعن لكم، وتستصوبونه ليكون فعله معكم فعل المطواع ~~لغيره التابع له فينقلب حينئذ الحال ويصير المتبوع تابعا، والمطاع طائعا، ~~{لعنتم} أي: # PageV04P064 # لأثمتم دونه وهلكتم. لأن من أراد أن يكون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~تابعا لأمره فقد زين له الشيطان الكفران وقوله تعالى: {ولكن الله} أي: ~~الملك ms3301 الأعظم الذي يفعل ما يريد {حبب إليكم الإيمان وزينه} أي: حسنه {في ~~قلوبكم} فلزمتم طاعته وعشقتم متابعته استدراك من جهة المعنى لا من جهة ~~اللفظ لبيان عذرهم، وهو أنه من فرط حبهم للإيمان وكرهتهم للكفر كما قال ~~تعالى: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} حملهم على ذلك ما سمعوا قول ~~الوليد أو بصفة من لم يفعل ذلك منهم إخمادا لفعلهم وتعريضا بذم من فعل. قال ~~الرازي: هذه الأمور الثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل المزين وهو التصديق ~~بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان فقوله تعالى {كره إليكم الكفر} ~~وهو التكذيب وهو في مقابلة التصديق بالجنان وأما الفسوق فقيل هو الكذب كما ~~قاله ابن عباس قال تعالى {إن جاءكم فاسق بنبأ} فسمى الكاذب فاسقا وقال ~~البيضاوي: الكفر تغطية نعم الله بالجحود والفسوق الخروج عن القصد والعصيان ~~الامتناع عن الانقياد. وقال بعضهم: الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة والعصيان ~~هو الصغيرة {أولئك} أي: الذين أعلى الله تعالى مقاديرهم {هم الراشدون} أي: ~~الكاملون في الرشد الثابتون الاستقامة وعلى دينهم وفي تفسير الأصفهاني ~~الرشد هو الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه. # وقوله تعالى: {فضلا} مصدر منصوب بفعله المقدر أي فضل وقيل: تعليل لكره أو ~~حبب، وما بينهما اعتراض فهو امتنان عظيم ودرجة عالية {من الله} أي: الملك ~~الأعظم الذي بيده كل شيء {ونعمة} أي: وعيشا حسنا ناعما وكرامة {والله} أي: ~~المحيط بصفات الكمال {عليم} أي: محيط العلم يعلم أحوال المؤمنين وما بينهم ~~من التفاضل. {حكيم} أي: بالغ الحكمة، فهو يضع الأشياء في أوفق محالها ~~وأتقنها فكذلك وضع نعمته من الرسالة والإيمان على حسب علمه وحكمته ونزل في ~~قضية. # {وإن طائفتان من المؤمنين} الآية وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب ~~حمارا ومر علي ابن أبي فبال الحمار فسد ابن أبي أنفه فقال ابن رواحة لبول ~~حماره: أطيب ريحا من مسكك فكان بين قومهما ضرب بالأيدي والنعال والسعف. وعن ~~أنس قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي فانطلق ~~إليه النبي صلى ms3302 الله عليه وسلم وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون معه وهو ~~بأرض سبخة فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إليك عني فوالله لقد ~~أذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجل من قومه فتشاتما فغضب لكل واحد ~~منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها نزلت ~~فيهم» . # ويروى أنهما لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاصطلحوا وكف ~~بعضهم عن بعض. وعن قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كان بينهما مدارأة في ~~حق فقال أحدهما للآخر: لآخذن حقي منك عنوة لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعاه ~~ليحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه فلم يزل الأمر بينهما ~~حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ولم يكن قتال بالسيوف. # وعن سفيان عن السدي قال: كانت امرأة # PageV04P065 # من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل وكان بينهما وبين زوجها شيء فرقى بها ~~إلى علية وحبسها فبلغ ذلك قومها فجاؤوا وجاء قومه واقتتلوا بالأيدي والنعال ~~فنزلت. # وجمع تعالى قوله سبحانه: {اقتتلوا} نظرا للمعنى لأن كل طائفة جماعة وثنى ~~الضمير في قوله تعالى: {فأصلحوا} أي: أوقعوا الإصلاح ليحصل الصلح {بينهما} ~~نظرا للفظ أي: أصلحوا بينهما بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى {فإن بغت} ~~أي: أوقعت الإرادات السيئة الكائنة من النفوس التي لا تأمر بخير {إحداهما} ~~أي: الطائفتين {على الأخرى} فلم ترجع إلى حكم الله الذي خرجت عنه ولم تقبل ~~الحق {فقاتلوا} أي: اطلبوا وأوجدوا مقاتلة {التي تبغي} أي توقع الإرادة ~~السيئة وتصر عليها وأديموا القتال لها {حتى تفيء} أي: ترجع عما صارت إليه ~~من حر القطيعة الذي كأنه حر الشمس حتى نسخه الظل إلى ما كانت فيه من البرد ~~والخير الذي هو كالظل الذي نسخته الشمس. # وهو معنى قوله تعالى: {إلى أمر الله} أي: التزام ما أمر به الملك الذي لا ~~يهمل الظالم بل لا بد من أن يقاصصه. وقرأ نافع وابن ms3303 كثير وأبو عمرو بتسهيل ~~الهمزة الثانية كالياء والباقون بتحقيقهما {فإن فاءت} أي: رجعت إلى ما كانت ~~عليه من التمسك بأمر الله الذي هو العدل {فأصلحوا} أي: أوقعوا الإصلاح ~~{بينهما بالعدل} أي: بالإنصاف ولا يحملنكم القتال على الحقد على المقاتلين ~~فتحيفوا {وأقسطوا} أي: وأزيلوا القسط بالفتح وهو الجور، بأن تفعلوا القسط ~~بالكسر وهو العدل الذي لا جور فيه في ذلك، وفي جميع أموركم ثم علله ترغيبا ~~فيه بقوله تعالى مؤكدا تنبيها على أنه من أعظم ما يتمادح به وردا على من ~~لعله يقول أنه لا يلزم نفسه الوقوف عنده الأضعف {إن الله} أي: الذي بيده ~~النصر والخذلان {يحب المقسطين} أي: يفعل مع أهل العدل من الإكرام فعل ~~المحب. # {إنما المؤمنون} أي: كلهم وإن تباعدت أنسابهم وبلادهم {إخوة} أي: في ~~الدين لانتسابهم إلى أصل واحد هو الإيمان ولما كانت الأخوة داعية ولا بد ~~إلى الإصلاح تسبب عنها قوله تعالى: {فأصلحوابين أخويكم} كما تصلحون بين ~~أخويكم من النسب ووضع الظاهر موضع الضمير مضافا إلى المأمور مبالغة في ~~التقرير والتحضيض وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق. وعن ~~أبي عثمان الحيري: أن أخوة الدين أثبت من أخوة النسب فإن أخوة النسب تنقطع ~~بمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب {واتقوا الله} أي: الملك ~~الأعظم في مخالفة حكمه والإهمال فيه {لعلكم ترحمون} أي: لتكونوا إذا فعلتم ~~ذلك على رجاء عند أنفسكم أن يكرمكم الذي لا قادر على الإكرام في الحقيقة ~~غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوانكم بإكرامكم عن إفساد ذات البين. # وعن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه فمن كان في حاجة أخيه كان الله في ~~حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ~~ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» . # تنبيه: في هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان لأن الله ~~تعالى سماهم أخوة مؤمنين مع ms3304 كونهم باغين يدل عليه ما روى عن علي بن أبي ~~طالب سئل وهو القدوة في قتال أهل # PageV04P066 # البغي عن أهل الجمل وصفين أمشركون. فقال: لا من الشرك فروا فقيل: ~~أمنافقون هم فقال: لا إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما ~~حالهم قال: إخواننا بغوا علينا. # والباغي في الشرع هو الخارج عن الإمام العدل بتأويل محتمل وشوكة لهم ~~ومطاع تحصل به قوة الشوكة، وإن لم يكن لهم إمام والحكم فيهم أن يبعث إليهم ~~الإمام أمينا فطنا ناصحا ينصحهم ما ينقمون فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها ~~وإن أصروا نصحهم ثم أعلمهم بالقتال، فإن استمهلوا اجتهد وفعل ما رآه صوابا. # والحكم في قتالهم أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ويرد سلاحهم وخيلهم ~~إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت عائلتهم ولا يستعمل في قتال إلا لضرورة ولا ~~يقاتلون بعظيم كنار ومنجنيق إلا لضرورة، ولو أقاموا حد أو أخذوا زكاة وجزية ~~وخراجا وفرقوا أسهم المرتزقة على جندهم صح ما فعلوه، وما أتلفه باغ على ~~عادل وعكسه إن كان بسبب قتال فلا ضمان على واحد منهما، وإلا فعلى المتلف ~~الضمان. قال ابن سهل: كانت في تلك الفتنة دماء يغرق في بعضها القاتل ~~والمقتول وأتلف فيها أموال ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم وجرى ~~الحكم عليهم فما رأيته اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه ولو أظهر قوم رأي ~~الخوارج كترك الجماعات وتكفير ذي كبيرة ولم يقاتلوا فلا نتعرض لهم. # روي أن عليا سمع رجلا يقول في ناحية المسجد. لا حكم إلا لله تعالى. فقال ~~علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاثة لا نمنعكم مساجد ~~الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفيء ما دام أيديكم مع أيدينا ~~ولا نبدئكم بقتال فإن قاتلوا فحكمهم حكم قطاع الطريق، وتفريعات أحكام ~~البغاة مذكورة في الفقه. وفي هذا القدر كفاية. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: أوقعوا الإقرار بالتصديق {لا يسخر} أي: لا ~~يهزأ ms3305 والسخرية: هي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال ولا يلتفت ~~إليه ويسقطه عن درجته {قوم} أي: ناس فيهم قوة المحاولة وهم الرجال وفي ~~التعبير بذلك تنبيه على قيام الإنسان على نفسه وكفها عما تريده من النقائص ~~منكرا لما أعطاه الله تعالى من القوة {من قوم} أي: من رجال، فإن ذلك يوجب ~~الشر لأن أضعف الناس إذا استهزئ به قوي لما يثور عنده من حظ النفس. # فقال ابن عباس: «نزلت في ثابت بن قيس كان في أذنه وقر أي ثقل فكان إذا ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس ~~إلى جنبه فيسمع ما يقول فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر فلما ~~انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم فضن أي بخل ~~كل رجل منهم بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد فكان الرجل إذا جاء فلم يجد ~~مجلسا قام قائما فلما فرغ ثابت من صلاته أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتخطى رقاب الناس ويقول تفسحوا تفسحوا فجعلوا يتفسحون حتى انتهى لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل فقال له: تفسح فقال الرجل: قد ~~أصبت مجلسا فاجلس. فجلس ثابت خلفه مغضبا فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل ~~فقال: من هذا. فقال له: أنا فلان فقال له ثابت: ابن فلانة ذكر أما له كان ~~يعير بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه فاستحيا فأنزل الله تعالى هذه الآية» ~~. # وقال الضحاك نزلت في وفد تميم كانوا يستهزئون # PageV04P067 # بفقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخبيب وبلال وصهيب ~~وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة لما رأوا من رثاثة حالهم. ومعنى الآية: لا ~~تحقروا إخوانكم ولا تستصغروهم ثم علل النهي بقوله تعالى: {عسى} أي: لأنه ~~جدير وخليق لهم {أن يكونوا} أي: المستهزأ بهم {خيرا منهم} فينقلب الأمر ~~عليهم وتكون لهم سوء العاقبة. قال ابن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت ~~من كلب خشيت أن أحول كلبا ms3306 وقال القشيري: ما استصغر أحد أحدا إلا سلط عليه ~~ولا ينبغي أن يغتر بظاهر أحوال الناس، فإن في الزوايا خبايا. والحق سبحانه ~~يستر أولياءه في حجاب الظنة وكذا في الخبر كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا ~~يؤبه له لو أقسم على الله لأبره. # {ولا} يسخر {نساء من نساء} ثم علل النهي بقوله تعالى: {عسى} أي: ينبغي أن ~~يخفن من {أن يكن} أي: المسخور بهن {خيرا منهن} أي الساخرات. روي أنها نزلت ~~في نساء النبي صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر. وروى عكرمة عن ابن ~~عباس أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب قال لها النساء يهودية بنت ~~يهوديين. # تنبيهان: أحدهما: قال الرازي: القوم اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع ~~على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم. والقائم بالأمور هم الرجال وعلى ~~هذا ففي أفراد الرجال والنساء. # فائدة: وهي أن عدم الالتفات والاستحقار أن يصدر في أكثر الأمر من الرجال ~~بالنسبة إلى الرجال لأن المرأة في نفسها ضعيفة، قال صلى الله عليه وسلم ~~«النساء لحم على وضم» فالمرأة لا يوجد منها استحقار لرجل لأنها مضطرة إليه ~~في رفع حوائجها، وأما الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى ~~النساء فإنه يوجد فيهن ذلك. # الثاني: في حكمه قوله تعالى: {عسى أن يكونوا خيرا منهم} هي أنهم إذا ~~وجدوا منهم التكبر المقتضى إلى إحباط العمل جعل نفسه خيرا منهم كما فعل ~~إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم، وقال: أنا خير منه فصار هو خيرا منه. ويحتمل ~~أن يكون المراد بقوله تعالى {يكونوا} أي يصيروا فإن من استحقر إنسانا لفقره ~~أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير ويقوى الضعيف {ولاتلمزوا} أي ~~تعيبوا على وجه الظهور الخفية {أنفسكم} بأن يعيب بعضكم بعضا بإشارة أو ~~نحوها فكيف إذا كان على وجه فإنكم في التواصل والتراحم كنفس واحدة أو يعمل ~~الإنسان ما يعاب به فيكون الإنسان قد لمز نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له ~~سببا لأن يبحث عن ms3307 عيوبه فيلمزه فيكون هو الذي لمز نفسه {ولا تنابزوا ~~بالألقاب} أي: ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء فإن النبز يختص بلقب السوء.k # واختلف في هذا اللقب فقال عكرمة هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق يا ~~كافر. وقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يسلم فيقال له بعد إسلامه يا ~~يهودي يا نصراني فنهوا عن ذلك. وقال عطاء: هو أن يقول الرجل لأخيه يا حمار ~~يا خنزير # وعن ابن عباس: التنابز بالألقاب: هو أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب ~~عنها فنهي أن يعير بما سلف من عمله والحاصل أنه يحرم تلقيب الشخص بما يكره ~~وإن كان فيه كالأعور والأعمش ويجوز ذكره بنية التعريف لمن لا يعرفه إلا به ~~وأما ألقاب المدح فنعما هي فقد لقب الصديق بعتيق، وعمر بالفاروق، وحمزة ~~بأسد الله، وخالد بن الوليد بسيف الله، ومازالت الألقاب # PageV04P068 # الحسنة في الجاهلية والإسلام. # قال الزمخشري: إلا ما أحدثه الناس في زماننا من التوسع حتى لقبوا السفلة ~~بالألقاب العلية وهب أن العذر مبسوط فما أقول لمن ليس من الدين في قبيل ولا ~~دبير بفلان الدين لعمري والله إنها الغصة التي لا تساغ. ومعنى اللقب: اسم ~~زائد على الاسم يشعر بضعة المسمى أو رفعته والمقصود به الشهرة فما كان ~~مكروها نهى عنه، ويسن أن يكنى أهل الفضل الرجال والنساء وإن لم يكن لهم ولد ~~وأما التكني بأبي القاسم فهو حرام. # وقيل: إنما يحرم في زمانه صلى الله عليه وسلم فقط وقيل: إنما يحرم على من ~~اسمه محمد ولا يكنى كافر ولا فاسق ولا مبتدع لأن الكنية للتكرمة وليسوا من ~~أهلها بل أمرنا بالإغلاظ عليهم إلا لخوف فتنة من ذكره باسمه أو تعريفه كما ~~قيل به في قوله تعالى: {تبت يد أبي لهب} (المسد: 1) # واسمه عبد العزى ولا بأس بكنية الصغير. ويسن أن يكنى من له أولاد بأكبر ~~أولاده ويسن لولد الشخص وتلميذه وغلامه أن لا يسميه باسمه والأدب أن لا ~~يكني الشخص نفسه في كتاب أو غيره إلا إن كان لا يعرف ms3308 بغيرها أو كانت أشهر ~~من الاسم. # تنبيه: ذكر في الآية ثلاثة أمور مرتبة بعضها دون بعض كما علم من تقريرها ~~{بئس الاسم} أي المذكور من السخرية واللمز والتنابز. وقوله تعالى: {الفسوق} ~~أي: الخروج من ربقة الدين {بعد الإيمان} بدل من الاسم لإفادة أنه فسق ~~لتكرره عادة. وروي أن الآية «نزلت في صفية بنت حيي أتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: إن النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين فقال: هلا قلت ~~إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم {ومن لم يتب} أي: ~~يرجع عما نهى الله عنه فخفف على نفسه ما كان شدد عليها {فأولئك} أي: ~~البعداء من الله تعالى {هم الظالمون} أي الغريقون في وضع الأشياء في غير ~~مواضعها. وأدغم أبو عمرو والكسائي الباء في الفاء. واختلف عن خلاد والباقون ~~بالإظهار. # {يا أيها الذين آمنوا} أي: اعترفوا بالإيمان وإن كانوا في أول مراتبه ~~{اجتنبوا} أي: كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في جانب بعيد عنكم ~~{كثيرا من الظن} أي: في الناس وغيرهم واحتاطوا في كل ظن ولا تتمادوا معه ~~حتى تجزموا بسببه. # تنبيه: أفهم ذلك أن من الظن ما لا يجتنب كما في الاجتهاد حيث لا قاطع ~~وكما في ظن الخير في الله تعالى: ففي الحديث «أنا عند ظن عبدي بي فلا يظن ~~بي إلا خيرا» بل قد يجب كما في قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا} (النور: 12) # وقيل: نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما. «وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ~~ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيء لهما طعامهما وشرابهما فضم سلمان الفارسي إلى ~~رجلين في بعض أسفاره فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فلم يهيء لهما ~~فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا، قال: لا غلبتني عيناي، قالا له: انطلق ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعاما فجاء سلمان إلى رسول ~~الله ms3309 صلى الله عليه وسلم وسأله طعاما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له: إن كان عندك فضل من طعام فليعطك وكان أسامة ~~خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحله فأتاه فقال: ما عندي شيء فرجع ~~سلمان إليهما # PageV04P069 # فأخبرهما فقالا: كان عند أسامة ولكن بخل فبعثا سلمان إلى طائفة من ~~الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فلما رجع قالا له: لو بعثناه إلى بئر سميحة ~~لغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما جاءا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: ما لي ~~أرى خضرة اللحم في أفواهكما قالا والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا ~~لحما. قال ظلتم تأكلون لحم أسامة وسلمان فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين ~~آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن} . # وقوله تعالى: {إن بعض الظن إثم} تعليل مستأنف للأمر قال صلى الله عليه ~~وسلم «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة ~~عليه وجعل الزمخشري همزه بدلا من واو قال: لأنه يتم الأعمال أي يكسرها قال ~~ابن عادل: وهذا غيره مسلم بل تلك مادة أخرى. # قال سفيان الثوري: الظن ظنان: أحدهما: إثم وهو أن يظن ويتكلم به والآخر ~~ليس بإثم وهو أن يظن ولا يتكلم به. وقوله تعالى {ولا تجسسوا} حذف منه إحدى ~~التاءين أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعائبهم بالبحث عنها قال صلى الله ~~عليه وسلم «لا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ~~وكونوا عباد الله إخوانا» وقال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر من آمن ~~بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ~~فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ~~ولو في جوف رحله» ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك ~~والمؤمن أعظم عند الله حرمة منك. وقيل لابن مسعود: هل لك في ms3310 الوليد بن عقبة ~~تقطر لحيته خمرا فقال: إنا نهينا عن التجسس وإن يظهر لنا شيئا نأخذه به. # تنبيه: قرأ ولا تنابزوا ولا تجسسوا ولتعارفوا البزي في الوصل بتشديد ~~التاء والباقون بغير تشديد # ولما كانت الغيبة أعم من التجسس قال: {ولا يغتب} أي: ولا يتعمد أن يذكر ~~{بعضكم بعضا} أي: في غيبته بما يكره. قال القشيري: وليس تحصل الغيبة للخلق ~~إلا من الغيبة عن الحق وقال أبو حيان: قال ابن عباس: الغيبة إدام كلاب ~~الناس. # وعن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتدرون ما الغيبة ~~قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ~~ما أقوله قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد ~~بهته» وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجلا فقالوا لا نأكل حتى يطعم ولا نرحل حتى يرحل فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «اغتبتموه فقالوا: إنما حدثنا بما فيه قال: حسبك إذا ذكرت ~~أخاك بما فيه» وفي هذا إشارة إلى وجوب حفظ عرض المؤمن فإن تمزيق عرض ~~الإنسان كتمزيق أديمه ولحمه كما قال تعالى: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه} ~~وقرأ {ميتا} نافع بتشديد الياء والباقون بالسكون. # ولما كان الجواب قطعا لا يحب أحد ذلك أشار إليه بما سببه من قوله تعالى: ~~{فكرهتموه} أي: بسبب ما ذكر طبعا فأولى أن تكرهوا الغيبة المحرمة عقلا لأن ~~داعي العقل بصير عالم وداعي الطبع أعمى جاهل. # تنبيه: في هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه لأن الإنسان ~~يتألم قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم وهذا # PageV04P070 # من باب القياس الظاهر لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه، فإذا لم يحسن ~~من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأن ذلك ~~أشد ألما وقوله تعالى لحم أخيه آكد في المنع لأن العدو يحمله الغضب ms3311 على مضغ ~~لحم العدو وفي قوله تعالى: {ميتا} إشارة إلى دفع وهم وهو أن يقال: إن الشتم ~~في الوجه يؤلم فيحرم وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه فلا يؤلم، فيقال لحم ~~الأخ وهو ميت أيضا لا يؤلم ومع هذا هو في غاية القبح كما أنه لو اطلع عليه ~~لتألم فإن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه وفيه معنى لطيف وهو أن الاغتياب ~~أكل لحم الآدمي ميتا ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة والمضطر إذا وجد ~~لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي فلا يأكل لحم الآدمي فكذلك المغتاب إذا وجد ~~لحاجته مدفعا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب. قال مجاهد: لما قيل لهم ~~أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا قالوا: لا قيل فكرهتموه أي كما كرهتم هذا ~~فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا. قال الزجاج: تأويله أن ذكرك من لم يحضرك بسوء ~~بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك. # قال الرازي: وفي ضمير فكرهتموه وجوه: أظهرها: أن يعود إلى الأكل. ~~وثانيها: أن يعود إلى اللحم أي: فكرهتم اللحم. وثالثها: أن يعود إلى الميت ~~في قوله تعالى ميتا تقديره أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا متغيرا ~~فكرهتموه فكأنه صفة لقوله ميتا ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير يعني ~~الميتة إن أكلت في الندرة تستطاب نادرا ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل ~~أصلا. فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة وذلك يحقق الكراهة ويوجب النفرة إلى حد ~~لا يشتهي الإنسان أن يبيت في بيت فيه ميت فكيف يقربه بحيث يأكله ففيه إذا ~~كراهية شديدة. وكذلك حال الغيبة. # وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافير من ~~نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل قال: هؤلاء الذين ~~يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» وقال ميمون بن سنان: بينما أنا نائم ~~إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول لي كل هذا قلت يا عبد الله ولم آكل هذا قال ~~إنك اغتبت عبد فلان قلت والله ما ذكرت فيه خيرا ولا ms3312 شرا قال ولكن سمعت ~~ورضيت فكان ميمون لا يغتاب أحد ولا يدع أحدا يغتاب عنده. # وقوله تعالى: {واتقوا الله} أي: اجعلوا بينكم وبين الملك الأعظم وقاية ~~بطاعته معطوف على ما تقدم من الأوامر والنواهي أي اجتنبوا واتقوا الله {إن ~~الله} أي: الملك الأعظم {تواب} أي: مكرر للتوبة وهي الرجوع عن المعصية إلى ~~ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرر الذنب فلا ييأس أحد وإن كثرت ذنوبه ~~وعظمت {رحيم} يزيده على ذلك بأن يكرمه غاية الإكرام. # تنبيه: ختم سبحانه وتعالى الآيتين بذكر التوبة فقال في الأولى: {ومن لم ~~يتب فأولئك هم الظالمون} وقال ههنا {إن الله تواب رحيم} لكن لما كان ~~الابتداء في الآية الأولى بالنهي في قوله تعالى: {لا يسخر قوم من قوم} ذكر ~~النفي الذي هو قريب من النهي وفي الثانية كان الابتداء بالأمر في قوله ~~تعالى: {اجتنبوا كثيرا} فذكر الإثبات الذي هو قريب من الأمر. وقوله تعالى: # {يا أيها الناس} أي: كافة المؤمن وغيره {إنا} أي: على مالنا من العظمة ~~{خلقناكم} أي: أوجدناكم من العدم على ما أنتم عليه من المقادير # PageV04P071 # {من ذكر وأنثى} الآية مبين ومقرر لما تقدم، لأن السخرية من الغير وغيبته ~~إن كان ذلك بسبب غير الدين والإيمان فلا يجوز لأن الناس بعمومهم كافرهم ~~ومؤمنهم يشتركون فيما يفتخر به المفتخر، لأن التكبر والافتخار إن كان بسبب ~~الغنى فالكافر قد يكون غنيا والمؤمن فقيرا وبالعكس. # وإن كان بسبب النسب فالكافر قد يكون نسيبا والمؤمن مولى وعبدا أسود ~~وبالعكس، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون ومتقاربون ولا يؤثر شيء ~~من ذلك مع عدم التقوى. كما قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فقوله ~~تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} أي آدم وحواء فأنتم ~~متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أبناء رجل واحد وامرأة ~~واحدة. # قال ابن عباس: «نزلت في ثابت بن قيس. وقوله للرجل الذي لم يفسح له ابن ~~فلانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم من الذاكر فلانة. ms3313 قال ثابت: أنا يا ~~رسول الله فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت قال: رأيت ~~أبيض وأحمر وأسود. قال: فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى» فنزلت هذه ~~الآية ونزل في الذي لم يفسح له {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في ~~المجالس} (المجادلة: 11) # الآية وقال قتادة: «لما كان فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلالا حتى علا على ظهر الكعبة فأذن فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد ~~لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد ~~أغبر من هذا الغراب الأسود مؤذنا. وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا ~~يغيره وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبره به رب العالمين رب ~~السموات فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قالوه فدعاهم ~~وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله تعالى في هذه الآية» وزجرهم عن التفاخر ~~بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء. # تنبيه: الحكمة في اختيار النسب مع أن غيره من جملة أسباب التفاخر ولم ~~يذكر الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لأن النسب أعلاها لأن ~~المال قد يحصل للفقير فيبطل افختار الغني المفتخر به عليه والسمن والحسن ~~وغير ذلك لا يدوم. والنسب ثابت مستمر غير مقدورا التحصيل لمن ليس له ذلك ~~فاختاره الله تعالى للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه ~~بطلان غيره بطريق الأولى فإن قيل: إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز ~~الافتخار بغير التقوى فما فائدة قوله تعالى: {إنا خلقناكم} أجيب: بأن ~~فائدته أن كل شيء يترجح على غيره فأما أن يترجح بأمر فيه يلحقه ويرتب عليه ~~بعد وجوده. # وأما أن يترجح عليه بأمر قبله فالذي بعده كالحسن والقوة وغيرهما من ~~الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء. # وأما الذي قبله فأما راجع إلى أصله الذي وجد فيه أو إلى الفاعل الذي ~~أوجده فالأول كقولك هذا من نحاس وهذا من فضة، ms3314 والثاني كقولك هذا عمل فلان ~~وهذا عمل فلان. فقال تعالى: لا ترجيح بالنسبة إلى فاعلكم لأنكم كلكم خلق ~~الله تعالى فإن كان عناكم تفاوت فهو بأمور تحصل لكم بعد وجودكم وأشرفها ~~التقوى. ولما كان تفصيلهم إلى فرق كل منها يعرف به أمرا باهرا عبر فيه بنون ~~العظمة فقال تعالى: {وجعلناكم} أي بعظمتنا {شعوبا} جمع شعب بفتح الشين وهو ~~أعلى طبقات الإنسان مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج {وقبائل} أي: تحت # PageV04P072 # الشعوب وذلك أن طبقات النسل التي عليها العرب سبعة الشعب والقبيلة ~~والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة والعشيرة وكل واحد يدخل فيما قبله ~~فالقبائل تحت الشعوب والعمائر تحت القبائل والبطون تحت العمائر، والأفخاذ ~~تحت البطون، والفصائل تحت الأفخاذ، والعشائر تحت الفصائل خزيمة شعب وكنانة ~~قبيلة وقريش عمارة وقصي بطن وعبد مناف فخذ وهاشم فصيلة والعباس عشيرة. قال ~~البغوي: وليس بعد العشيرة حي يوصف ا. ه. وسمى الشعب شعبا لتشعب القبائل منه ~~واجتماعهم به كتشعب أغصان الشجرة والشعب من الأضداد يقال شعب أي: جمع ومنه ~~شعب القدح وشعب أي: فرق والقبائل واحدها قبيلة سميت بذلك لتقابلها شبهت ~~بقبائل الرأس وهي قطع متقابلة. وقيل الشعوب في العجم والقبائل في العرب ~~والأسباط في بني اسرائيل وقيل: الشعب النسب الأبعد والقبيلة الأقرب والنسبة ~~إلى الشعب شعوبية بفتح الشين وهم جيل يبغضون العرب والعمائر واحدتها: عمارة ~~بفتح العين والبطون واحدتها: بطن. والفصائل: واحدتها فصيلة. والعشائر: ~~واحدتها: عشيرة. وقال أبو روق الشعوب الذين لا يعتزون إلى أحد بل ينتسبون ~~إلى المدائن والقرى والقبائل العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. # ثم ذكر تعالى علة الشعب بقوله تعالى: {لتعارفوا} أي: ليعرف الإنسان من ~~يقاربه في النسب ليصل من رحمه ما يحق له لا لتفاخروا {إن أكرمكم} أي ~~المتفاخرون {عند الله} أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه ولا كريم إلا من ~~أخبركم بكرمه ولا كمال لأحد سواه {أتقاكم} أي: أرفعكم منزلة عند الله ~~أتقاكم. قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى وألام الؤم الفجر وقال ~~عليه الصلاة والسلام «الحسب المال والكرم ms3315 التقوى» وقال ابن عباس «كرم ~~الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى» وعن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه وهو عصا محنية الرأس ~~فلما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال ثم قام فخطبهم فحمد الله وأثنى ~~عليه فقال الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية يعني كبرها وفخرها الناس ~~رجل تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم تلا {يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى} ثم قال أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» وعن أبي ~~هريرة قال «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم. قال: أكرمهم ~~عند الله أتقاهم قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ~~بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن ~~معادن العرب تسألوني قالوا: نعم. قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في ~~الإسلام إذا فقهوا» بضم القاف على المشهور وحكى كسره ومعناه إذا تعلموا ~~أحكام الشرع. # وقال صلى الله عليه وسلم «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى ~~قلوبكم» قال الرازي في المراد بالآية: وجهان: الأول أن التقوى تفيد ~~الإكرام. الثاني: أن الإكرام يورث التقوى كما يقال المخلصون على خطر والأول ~~أشهر، والثاني أظهر فإن قيل: التقوى من الأعمال والعلم أشرف لقوله صلى الله ~~عليه وسلم «لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» أجيب: بأن التقوى ثمرة ~~العلم لقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر: 28) # فلا تقوى # PageV04P073 # إلا للعالم فالتقي العالم أثمر علمه، والعالم الذي لا يتقي كشجرة لا ثمر ~~لها، لكن الشجرة المثمرة أشرف من التي لا تثمر، بل هي حطب. قال الحسن ~~البصري: إنما الفقيه العامل بعلمه أي وهو المراد من قوله صلى الله عليه ~~وسلم «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» ومن قوله عز من قائل {قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (الزمر: 9) # فإن ms3316 قيل: خطاب الناس بقوله تعالى {أكرمكم} يقتضي اشتراك الكل في الإكرام ~~ولا كرامة لكافر فإنه أضل من الأنعام أجيب بأن ذلك غير لازم مع أنه حاصل ~~لدليل قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} (الإسراء: 70) # لأن كل من خلق فقد اعترف بربه ثم من استمر عليه وزاد زيد في كرامته ومن ~~رجع عنه أزيل عنه أكثر الكرامة {إن الله} أي: المحيط بكل شيء علما وقدرة ~~{عليم} أي: بالغ العلم بظواهركم يعلم أنسابكم {خبير} أي: محيط العلم ~~ببواطنكم لا تخفى عليه أسراركم فجعلوا التقوى رداءكم # ولما قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} والتقى لا يكون إلا بعد ~~حصول التقوى وأصله الإيمان والإتقاء من الشرك. # {قالت الأعراب} أي: أهل البادية من بني أسد وغيرهم الذين هم معدن الغلظة ~~والجفاء {آمنا} أي: بجميع ما جئت به فامتثلنا ما أمرنا به في هذه السورة ~~ولنا النسب الخالص فنحن أشرف من غيرنا من أهل المدر {قل} يا أشرف الخلق ~~تكذيبا لهم مع مراعاة الأدب في عدم التصريح بالتكذيب {لم تؤمنوا} أي: لم ~~تصدق قلوبكم لأنكم لو آمنتم لم تمنوا لأن الإيمان التصديق بجميع ما لله من ~~الكمال الذي منه أنه لولا منه بالهداية لم يحصل الإيمان فله ولرسوله الذي ~~كان ذلك على يديه المن والفضل {ولكن قولوا أسلمنا} أي: أظهرنا الانقياد في ~~الظاهر للأحكام الظاهرة وأمنا من أن نكون حربا للمؤمنين وعونا للمشركين، ~~فأخبر الله تعالى أن حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب وإن الإقرار باللسان ~~وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيمانا دون التصديق بالقلب والإخلاص ~~فالإسلام هو الدخول في السلم كما يقال أشتى إذا دخل في الشتاء وأصاف إذا ~~دخل في الصيف وأربع إذا دخل في الربيع فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة ~~باللسان والأبدان والجنان كقوله عز وجل لإبراهيم {أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين} (البقرة: 131) # ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله تعالى: {ولكن قولوا ~~أسلمنا} {ولما يدخل الإيمان} أي: المعرفة التامة لم تدخل إلى هذا الوقت {في ~~قلوبكم} فلا يعد ms3317 إقرار اللسان إيمانا إلا لمواطأة القلب قال ابن برجان: ~~فعموم الناس وأكثر أهل الغفلة مسلمون غير مؤمنين. # وعن سعد بن أبي وقاص «قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا ~~جالس فيهم فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا منهم لم يعطه وهو أعجبهم ~~إلي فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساررته. # فقلت: مالك عن فلان والله إني لأراه مؤمنا. فقال صلى الله عليه وسلم أو ~~مسلما ذكر ذلك سعد ثلاثا وأجابه بمثل ذلك ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره ~~أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه» . # وقال الرازي: المسلم والمؤمن واحد عند أهل السنة. فنقول الفرق بين العام ~~والخاص: أن الإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل بالقلب وقد يحصل ~~باللسان فالإسلام أعم لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص، ولا يكون ~~أمرا آخر غيره. مثاله الحيوان في صورة الإنسان أمر لا ينفك عن # PageV04P074 # الإنسان فلا يجوز أن يكون ذلك الحيوان حيوانا ولا يكون إنسانا فالعام ~~والخاص مختلفان في العموم متحدان في الوجود، وكذلك المؤمن والمسلم، وسيأتي ~~زيادة على ذلك في الذاريات إن شاء الله تعالى. # وقال الرازي: في الآية إشارة إلى بيان حال المؤلفة إذا أسلموا ويكون ~~إيمانهم ضعيفا فيقال لهم: لم تؤمنوا لأن الإيمان إيقان وذلك بعد لم يدخل في ~~قلوبهم وسيدخل بإطلاعهم على محاسن الإسلام انتهى. بل الإيمان دخل في قلوبهم ~~ولكن لم يتألفوا بأهل الإسلام؟. # تنبيه: التعبير بلما يفهم أنهم آمنوا بعد ذلك ويجوز أن يكون المراد بهذا ~~النفي نفي التمكن في القلب لا نفي مطلق الدخول بدليل إنما المؤمنون دون ~~إنما الذين آمنوا {وإن تطيعوا الله} أي: الملك الذي من خالفه لم يأمن ~~عقوبته {ورسوله} أي: الذي طاعته من طاعته على ما أنتم عليه من الأمر الظاهر ~~فتؤمن قلوبكم {لا يلتكم} أي: لا ينقصكم {من أعمالكم شيئا} بل يعطيكم ما ~~يليق به من الجزاء لأن من حمل إلى ملك فاكهة طيبة قدر ثمنها في ms3318 السوق ردهم ~~فأعطاه الملك درهما انتسب الملك إلى البخل فهو يعطي ما تتوقعون بأعمالكم ~~وزيادة من غير نقص فلا حاجة إلى إخباركم عن إيمانكم بغير ما يدل عليه من ~~الأقوال والأفعال. # وقرأ الدوري: عن أبي عمرو بعد الياء التحتية بهمزة ساكنة وأبدلها السوسي ~~ألفا والباقون بغير همز ولا ألف. ولما كان الإنسان مبنيا على النقص وإن ~~اجتهد غاية اجتهاده قال الله تعالى: {إن الله} أي: الذي له صفات الكمال ~~{غفور} أي: ستور للهفوات والزلات لمن تاب وصحت نيته ولغيره إن شاء فلا عتاب ~~ولا عقاب {رحيم} أي: يزيد على الستر عظيم الإكرام ثم بين تعالى لهم حقيقة ~~الإيمان بقوله تعالى: # {إنما المؤمنون} أي العريقون في الإيمان الذي هو حياة القلوب. قال ~~القشيري: والقلوب لا تحيا إلا بعد ذبح النفوس والنفوس لا تموت ولكنها تعيش ~~{الذين آمنوا} أي: صدقوا معترفين {بالله} معتقدين بجميع ماله من صفات ~~الكمال {ورسوله} شاهدين برسالته وهذا الإثبات هنا يدل على أن المنفي فيما ~~قبل الكمال المطلق وإلا لقال تعالى إنما الذين آمنوا {ثم لم يرتابوا} أي: ~~لم يشكوا في دينهم وأيقنوا بأن الإيمان إيقان. # تنبيه: ثم للتراخي في الحكاية كأنه يقول آمنوا ثم أقول شيئا آخر لم ~~يرتابوا ويحتمل أن تكون للتراخي في الفعل أي آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا فيما نقل النبي صلى الله عليه وسلم من الحشر والنشر {وجاهدوا} أي: ~~أوقعوا الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفوس فيه تصديقا لما ادعوه بألسنتهم ~~من الإيمان {بأموالهم} وذلك هو النية وقوله تعالى: {وأنفسهم} أعم من النية ~~وغيرها وذلك هو الشجاعة قدم الأموال لقلتها عند العرب {في سبيل الله} أي: ~~طريق الملك الأعظم بقتال الكفار وغيره من سائر العبادات المحتاجة إلى المال ~~والنفس لا الذين يتخلفون ويقولون شغلتنا أموالنا وأهلونا. قال القشيري: جعل ~~الله تعالى الإيمان مشروطا بخصال ذكرها وذكر بلفظ إنما وهي للتحقيق يقتضي ~~الطرد والعكس فمن أفرد الإيمان عن شرائطه التي جعلها له فمردود عليه قوله: ~~{أولئك} أي: العالو الرتبة {هم الصادقون} أي: ms3319 في قولهم وفعلهم أنهم مؤمنون. ~~ولما نزل هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون ~~بالله أنهم مؤمنون صادقون # PageV04P075 # وعلم الله منهم غير ذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: لهؤلاء الأعراب مجهلا لهم ومبكتا {أتعلمون الله} أي: أتخبرون ~~أخبارا عظيما الملك الأعظم المحيط قدرة وعلما {بدينكم} أي بقولكم آمنا ~~{والله} أي: والحال أن الملك المحيط بكل شيء {يعلم ما في السموات} كلها على ~~عظمتها وكثرة ما فيها {وما في الأرض} كذلك {والله} أي: الذي له الإحاطة ~~الكاملة {بكل شيء} أي مما ذكر ومما لم يذكر {عليم} أي: لا تخفي عليه خافية ~~وهو تجهيل لهم وتوبيخ # {يمنون عليك} أي: يذكرون ذكر من اصطنع صنيعة وأسدى إليك نعمة {أن أسلموا} ~~أي: من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتال منهم ولما كان المن هو ~~القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء قال تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم {قل} أي: في جواب قولهم هذا {لا تمنوا علي إسلامكم} لو فرض أنكم كنتم ~~متدينين بدين الإسلام الذي هو انقياد الظاهر مع اذعان الباطن أي لا تذكروا ~~الامتنان أصلا لأن الإسلام لا يطلب جزاؤه إلا من الله تعالى فلا ينبغي عده ~~صنيعة على أحد فإن ذلك يفسده {بل الله} أي: الملك الأعظم الذي له المنة على ~~كل موجود ولا منة عليه بوجه {يمن عليكم} أي: بذكر أنه أسدى إليكم نعمة {أن} ~~أي: بأن {هداكم للإيمان} أي: فهو المان عليكم لا أنتم عليه وعلي. # فإن قيل: كيف من عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه تبين أنهم لم يؤمنوا. ~~أجيب بأوجه: أحدها: أنه تعالى لم يقل بل الله يمن عليكم أن رزقكم الإيمان ~~بل قال أن هداكم للإيمان ثانيها: أنه تعالى من عليهم بما زعموا فكأنه تعالى ~~قال أنتم قلتم آمنا فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار. فقال تعالى ~~{هداكم} في زعمكم # ولهذا قال تعالى: {إن كنتم صادقين} أي: في قولكم آمنا فإنه على ms3320 تقدير ~~الصدق إنما هو بتوفيق الله تعالى وهو الذي خلق لكم قدرة الطاعة فهو الفاعل ~~في الحقيقة فله المنة عليكم. قال القشيري: من لاحظ شيئا من أحواله فإن رآها ~~من نفسه كان مشركا وإن رآها لنفسه كان مكرا فكيف يمن العبد بما هو شرك أو ~~مكر والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة هذا لعمري فضيحة ~~والمنة تكدر الصنيعة إذا كانت من المخلوقين وبالمنة تطيب النعمة إذا كانت ~~من قبل الله تعالى. # {إن الله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلما {يعلم غيب السموات} أي: ما غاب ~~فيها كلها {والأرض} كذلك ولما أريد التعميم من غير تقييد بالخافقين أظهر ~~ولم يضمر قوله تعالى: {والله} أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا ~~تعلمون {بصير} أي: عالم أتم العلم {بما تعملون} أي: من ظاهر إسلامكم في ~~الماضي والحاضر والآتي سواء أكان ظاهرا أم باطنا سواء أكان قد حدث فصار ~~بحيث تعلمونه أنتم أو كان مفروزا في جبلاتكم وهو خفي عنكم. وقرأ ابن كثير: ~~بالياء التحتية على الغيبة نظرا لقوله تعالى: {يمنون} وما بعده والباقون ~~بالفوقية على الخطاب نظرا إلى قوله تعالى: {لا تمنوا علي إسلامكم} إلى آخره ~~وفي هذه الآية إشارة إلى أنه يبصر أعمال جوارحكم الظاهرة والباطنة لا يخفى ~~عليه شيء وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه» حديث موضوع. # PageV04P076 ### | سورة ق # مكية إلا قوله تعالى {ولقد خلقنا السموات والأرض} الآيةمدنية، وهي خمس ~~وأربعون آية وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمةوألف وأربعمائة وأربعة وتسعون حرفا # {بسم الله} أي: الذي أحاط علمه بجيمع خلقه العاكف منهم والبادي {الرحمن} ~~أي الذي عم خلقه برحمته حين أرسل إليهم بشرائعه أصدق العباد {الرحيم} أي: ~~الذي خص بالفوز في دار القرار أهل الرشاد واختلف في تفسير قوله عز من قائل: # {ق} فقال ابن عباس: هو قسم. وقيل: هو اسم للسورة. وقيل: اسم من أسماء ~~القرآن. وقال القرطبي: ms3321 هو مفتاح اسمه قدير وقادر وقاهر وقريب وقابض. وقال ~~عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء ومنه خضرة السماء ~~والسماء مغيبة عليه وعليه كنفاها ويقال هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ~~ورائه بمسيرة سنة قيل: متصلة عروقه بالصخرة التي عليها الأرض والسماء كهيئة ~~القبة وعليه كنفاها. قال الرازي: وهذا القول ضعيف لوجوه: أحدها: أن أكثر ~~القراء يقف عليها ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في الإدراج لأن من قال ذلك ~~قال: إن الله تعالى أقسم به. ثانيها: أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع ~~الألف والفاء كما يكتب عين جارية ويكتب {أليس الله بكاف عبده} (الزمر: 36) # وفي جميع المصاحف تكتب حرف ق. ثالثها: أن الظاهر كون الأمر فيه كالأمر في ~~ص ون وحم وهي حروف لا كلمات فكذلك في ق فإن قيل: هو منقول عن ابن عباس ~~نقول: المنقول عنه أن القاف اسم جبل، وأما أن المراد ههنا ذلك فلا ا. ه. # وقيل: معناه قضى الأمر وقضى ما هو كائن كما قالوا في {حم} وفي {ص} صدق ~~الله. قال الرازي: وقد ذكرنا أن الحروف تنبيهات قدمت على القرآن ليكون ~~السامع بسببها يقبل على استماع ما يرد على الإسماع فلا يفوته شيء من الكلام ~~الرائق والمعنى الفائق وذكرنا أيضا أن العبادة منها قلبية ومنها لسانية ~~ومنها جارحية ظاهرة ووجد في الجارحية ما عقل معناه ووجد فيها ما لم يعقل ~~معناه كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما ووجد في القلبية ما عقل بالدليل ~~وعلم كالتوحيد وإمكان الحشر وصفات الله تعالى وصدق الرسل ووجد فيها ما لم ~~يعقل ولا يمكن التصديق به لولا السمع كالصراط الممدود الأحد من السيف الأرق ~~من الشعر. والميزان الذي توزن به الأعمال. # فكذلك ينبغي أن تكون الأذكار التي هي العبادة اللسانية فيها ما يعقل ~~معناه كجميع القرآن إلا قليلا منه وفيها ما لا يعقل ولا يفهم كل حروف ~~التهجي ليكون التلفظ به لمحض الانقياد للأمر لا لما يكون في الكلام من طيب ms3322 ~~الحكاية والقصد إلى غرض كقولك: ربنا اغفر لنا وارحمنا بل يكون النطق به ~~تعبدا محضا. # ويؤيد هذا وجه آخر: وهو أن هذه الحروف مقسم بها لأن الله تعالى لما أقسم ~~بالتين والزيتون كان تشريفا لهما فإذا أقسم بالحروف التي هل أصل الكلام ~~الشريف الذي هو دليل المعرفة وآلة التعريف كان أولى، وإذا عرفت هذا فنقول ~~القسم من الله تعالى وقع بأمر واحد كما في قوله تعالى: {والعصر} (العصر: 1) # وقوله تعالى: {والنجم} (النجم: 1) # بحرف واحد كما في قوله تعالى: {ص} و {ن} ووقع بأمرين كما في قوله تعالى: ~~{والضحى} (الضحى: 1) # {والليل} (الليل: 1) # وفي قوله تعالى: {والسماء والطارق} (الطارق: 1) # بحرفين كما قال في قوله تعالى: # PageV04P077 # {طه} (طه: 1) # و {طس} (النمل: 1) # و {حم} (غافر: 1) # ووقع بثلاثة أمور كما في قوله تعالى: {والصافات، فالزاجرات، فالتاليات} ~~(الصافات: 1 3) # وقوله تعالى: {والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود} (البروج: ~~1 3) # بثلاثة أحرف كما في قوله تعالى: {ألم} (البقرة: 1) # و {طسم} (الشعراء: 1) # {الر} (يونس: 1) # ووقع بأربعة أمور كما في قوله تعالى: {والذاريات فالحاملات فالجاريات ~~فالمقسمات} (الذاريات: 4) # وفي قوله تعالى: {والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين} (التين: ~~1 3) # وبأربعة أحرف كما في قوله تعالى: {المص} (الأعراف: 1) # و {المر} (الرعد: 1) # ووقع بخمسة أمور كما في قوله تعالى: {والطور وكتاب مسطور والبيت المعمور ~~والسقف المرفوع والبحر المسجور} (الطور: 1 6) # وفي قوله تعالى: {والمرسلات فالعاصفات والناشرات فالفارقات فالملقيات} ~~(المرسلات: 1 5) # وفي النازعات وفي الفجر وبخمسة أحرف كما في قوله تعالى: {كهيعص} (مريم: ~~1) # و {حم عسق} (الشورى: 1 2) # ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي {والشمس وضحاها} ~~(الشمس: 1) # ولما أقسم بالأشياء المعهودة ذكر حرف القسم وهو الواو فقال: {والطور ~~والنجم والشمس} وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم فلم يقل وحم وق لأن ~~القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسما به فلم يورده في موضع كونه آلة ~~القسم تسوية بين الحرف وغيره ولم يدخل القسم بالحروف في أثناء السورة لأنه ~~يخل بالنظم. # وقوله تعالى: # {والقرآن} أي: ms3323 الكتاب الجامع الفارق {المجيد} أي: الذي له العلو والشرف ~~والكرم والعظمة على كل كلام قسم وفي جوابه أوجه. # أحدها: قوله تعالى {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} ثانيها {ما يبدل القول ~~لدي} ثالثها: {ما يلفظ من قول} رابعها {إن في ذلك لذكرى} خامسها {بل عجبوا} ~~وهو قول كوفي قالوا لأن معناه قد عجبوا. سادسها: أنه محذوف قدره الزجاج ~~والمبرد والأخفش لتبعثن وغيرهم لقد جاءكم منذر وقدره الجلال المحلي بقوله ~~ما آمن كفار مكة بمحمد صلى الله عليه وسلم # تنبيه: جوابات القسم سبعة أن المشددة كقوله تعالى: {والعصر إن الإنسان ~~لفي خسر} (العصر: 1 2) # وما النافية كقوله تعالى: {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك} (الضحى: 1 ~~3) # واللام المفتوحة كقوله تعالى: {فو ربك لنسألنهم أجمعين} (الحجر: 92) # وإن الخفيفة كقوله تعالى {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} (الشعراء: 97) # ولا النافية كقوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت} (النحل: 38) # وقد كقوله تعالى {والشمس وضحاها} (الشمس: 1) # {قد أفلح من زكاها} (الشمس: 9) # وبل كقوله تعالى {والقرآن المجيد} بل أي أن تكذيبهم ليس لإنكار شيء من ~~مجدك ولا إنكار صدقك. # {بل} لأنهم {عجبوا} أي: الكفار وأضمرهم قبل الذكر إشارة إلى أنه إذا ذكر ~~شيء خارج عن سنن الاستقامة انصرف إليهم العجب تغير النفس لأمر خارج عن ~~العادة {إن جاءهم منذر منهم} أي: رسول من أنفسهم يخوفهم بالنار بعد البعث ~~واقتصر على الإنذار لأن المقام لتخويف من قدم بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو من عليه بإسلام أو غيره ولتخويف من أنكر البعث والعجب منهم هو ~~العجب لأن العادة عندهم وعند جميع الناس أنه إذا كان لنذير منهم لم يداخلهم ~~في إنذاره شك بوجه من الوجوه وهؤلاء خالفوا عادة الناس في تعجبهم من كون ~~النذير وهو أحدهم خص بالرسالة دونهم ولم يدركوا وجه الخصوصية لكونه مثلهم ~~فلذلك أنكروا رسالته وفضل كتابه بألسنتهم تعاندا وحسدا لأنهم كانوا معترفين ~~بخصائصه التي رفعه الله تعالى بها عليهم قبل الرسالة فحطهم عجبهم ذلك إلى ms3324 ~~الحضيض من دركات السفه # PageV04P078 # وخفة الأحلام، لأنهم عجبوا أن كان الرسول بشرا وأوجبوا أن يكون الإله ~~حجرا، وعجبوا أن يعادوا من تراب لم يكن له أصل في الحياة ولذلك سبب عنه ~~قوله تعالى: {فقال} أي: بسبب إنذاره بالبعث {الكافرون} وصرح به في موضع ~~الإضمار إيذانا بأنهم لم يخف عليهم شيء من أمره ولكنهم ستروا تعديا برأي ~~عقولهم الدالة على جميع أمره دلالة ظاهرة وعبر بما دل على النذارة لأنها ~~المقصود الأعظم من هذه السورة وجميع سياق الحجرات ظاهر فيها {هذا} أي كون ~~النذير منا خصص بالرسالة من دوننا وكون ما أنذر به هو البعث بعد الموت {شيء ~~عجيب} أي: بليغ في الخروج عن عادة أشكاله وقد كذبوا في ذلك أما من جهة ~~النذير فإن أكثر الرسل من الطوائف الذين أرسلوا إليهم وقليل منهم من كان ~~غريبا ممن أرسل إليه وأما من جهة البعث فإن أكثر ما في الكون مثل ذلك من ~~إعادة كل من الملوين بعد ذهابه وإحياء الأرض بعد موتها وإخراج النبات ~~والأشجار والثمار وغير ذلك مما هو ظاهر جدا. ولما كان المتعجب منه مجملا ~~أوضحه بقوله تعالى # حكاية عنهم مبالغين في الإنكار بافتتاح إنكارهم باستفهام إنكاري. # {أءذا متنا} ففارقت أرواحنا أبداننا {وكنا ترابا} لا فرق بينه وبين تراب ~~الأرض ولما كان العامل في الظرف ما تقديره نرجع دل عليه بقوله تعالى دالا ~~بالإشارة بأداة البعد إلى عظيم استبعادهم {ذلك} أي: الأمر الذي في غاية ~~البعد وهو مضمون الخبر برجوعنا {رجع} أي: رد إلى ما كنا عليه {بعيد} جدا ~~لأنه لا يمكن تمييز ترابنا من بقية التراب وقرأ قالون وأبو عمرو بتسهيل ~~الهمزة الثانية وهي المكسورة وإدخال ألف بينها وبين الهمزة الأولى المفتوحة ~~وقرأ ورش وابن كثير بتسهيل الثانية من غير إدخال وقرأ الباقون بتحقيقهما ~~وأدخل هشام بينهما ألفا بخلاف عنه والباقون بغير إدخال وكسر الميم من متنا ~~نافع وحفص وحمزة والكسائي والباقون بالضم وقوله تعالى: # {قد علمنا} أي: بما لنا من العظمة {ما تنقص الأرض منهم} أي: تأكل ms3325 من ~~أجزائهم المتحللة من أبدانهم بعد الموت. وقبله رد لاستبعادهم لأن من لطف ~~علمه حتى تغلغل إلى ما تنقص الأرض من أجزاء الموتى وتأكله من لحومهم ~~وعظامهم كان قادرا على رجعهم أحياء كما كانوا وعنه عليه الصلاة والسلام «كل ~~ابن آدم يبلي إلا عجب الذنب» وعن السدي ما تنقص الأرض منهم من يموت منهم ~~ومن يبقى. وهذه الآية تدل على جواز البعث وقدرته تعالى عليه لأن الله تعالى ~~عالم بأجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء واحد بجزء الآخر قادر على ~~الجمع والتأليف فليس الرجع منه ببعيد وهذا كقوله تعالى: {وهو الخلاق ~~العليم} (يس: 81) # حيث جعل للعلم مدخلا في الإعادة وهذا جواب ما كانوا يقولون أئذا ضللنا في ~~الأرض أي أنه تعالى كما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فيرجعهم ويعيدهم بما ~~كانوا يقولون وبما كانوا يعملون {وعندنا} أي: على مالنا من الغنى من كل شيء ~~{كتاب} أي: جامع لكل شيء {حفيظ} أي بالغ في الحفظ لا يشذ عنه شيء من ~~الأشياء جل أودق وقيل محفوظ من الشياطين ومن أن يندرس أو يغير وعلى الحالين ~~الحفيظ هو اللوح المحفوظ. قال الرازي: والأول هو الأصح لأن الحفيظ بمعنى ~~الحافظ وارد في القرآن قال الله تعالى: {وما أنا عليكم بحفيظ} (الأنعام: ~~104) # وقال تعالى {حفيظ عليهم} (الشورى: 6) # ولأن الكتاب للتمثيل # PageV04P079 # ومعناه العلم عندي كما يكون في الكتاب فهو يحفظ الأشياء وهو مستغن عن أن ~~يحفظ. وقوله تعالى: # {بل كذبوا بالحق} أي: الأمر الثابت الذي لا أثبت منه إضراب ثان قال ~~الزمخشري: إضراب أتبع للإضراب الأول للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من ~~تعجبهم وهو التكذيب بالحق {لما} أي: حين {جاءهم} أي: لما ثار عندهم من أجل ~~تعجبهم من إرسال رسولهم من حظوظ النفوس حسدا منهم من غير تأمل لما قالوه ~~ولا تدبر ولا نظر فيه ولا تذكر فلذلك قالوا ما لا يعقل من أن من قدر على ~~إيجاد شيء من العدم وابدائه لا يقدر على إعادته بعد إعدامه له {فهم} أي: ~~لأجل ms3326 مبادرتهم إلى هذا القول السفساف {في أمر مريج} أي: مضطرب جدا مختلط من ~~المرج الذي هو اختلاط النبت بالأنواع المختلفة فهم تارة يقولون سحر وتارة ~~كهانة وتارة شعر وتارة كذب وتارة غير ذلك، لا يثبتون على شيء واحد. ~~والاضطراب موجب للاختلاف وذلك أدل دليل على الإبطال كما أن الثبات والخلوص ~~موجب للاتفاق وذلك أدل دليل على الحقية قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج ~~أمرهم. وكذا قال قتادة وزاد والتبس عليهم دينهم. # ثم ذكر تعالى الدليل الذي يدفع قولهم ذلك رجع بعيد بقوله تعالى: # {أفلم ينظروا} أي: بعين البصر والبصيرة {إلى السماء} أي: المحيطة بهم ~~{فوقهم} فإن غيرها إنما هو فوق ناس منهم لا فوق الكل {كيف بنيناها} أي: ~~أوجدناها على مالنا من المجد والعز مبنية كالخيمة إلا أنها من غير عمد ~~{وزيناها} أي بما فيها من الكواكب الكبار والصغار السيارة والثابتة {وما} ~~أي: والحال أن ما {لها} وأكد النفي بقوله تعالى: {من فروج} أي: فتوق وطاقات ~~وشقوق بل هي ملساء متلاصقة الأجزاء.H # {والأرض} أي: المحيطة بهم التي هم عليها {مددناها} أي: بسطناها بما لنا ~~من العظمة {وألقينا} أي: بعظمتنا {فيها رواسي} أي جبالا ثوابت كانت سببا ~~لثباتها وخالفت عادة المراسي في أنها من فوق والمراسي التي تعالجونها أنتم ~~من تحت {وأنبتنا} أي بما لنا من العظمة {فيها} أي الأرض وعظم قدرته ~~بالتبعيض فقال تعالى: {من كل زوج} أي صنف من النبات تزاوجت أشكاله {بهيج} ~~أي هي في غاية الرونق والإعجاب فكان مع كونه رزقا منتزها. # {تبصرة} أي: جعلنا هذه الأشياء كلها لأجل أن تنظروا بأبصاركم وتتفكروا ~~ببصائركم فتعبروا منها إلى صانعها فتعلموا ما له من العظمة {وذكرى} أي: ~~ولتذكروا بها تذكرا عظيما بما لكم من القوى والقدر فتعلموا بعجزكم عن كل ~~شيء من ذلك أن صانعها لا يعجزه شيء وأنه محيط بجميع صفات الكمال وقرأ أبو ~~عمرو وحمزة والكسائي: بالإمالة محضة. وقرأ ورش: بالإمالة بين بين والباقون ~~بالفتح. # تنبيه: قال الرازي: يحتمل أن يكون الأمران عائدين إلى السماء ms3327 والأرض أي ~~خلق السماء تبصرة وخلق الأرض ذكرى ويدل على ذلك أن السماء وزينتها غير ~~مستجدة في كل عام فهي كالشيء المرئي على ممر الزمان. وأما الأرض فهي كل سنة ~~تأخذ زينتها وزخرفها فتذكر فالسماء تبصرة والأرض تذكرة ويحتمل أن يكون كل ~~واحد من الأمرين موجودا في كل واحد من الأمرين فالسماء تبصرة وتذكرة والأرض ~~كذلك. # والفرق بين التذكرة والتبصرة هو أن فيهما آيات مستمرة منصوبة في مقابلة ~~البصائر وآيات متجددة مذكرة عند التناسي {لكل عبد} أي: # PageV04P080 # لتبصر وتذكر كل عبد بماله من النقص وبمادل عليه هذا الصنع من الكمال أنه ~~عبد مربوب لصانعه {منيب} أي: رجاع عما خطه إليه طبعه إلى ما يغلبه عليه ~~عقله فيرجع من شهود هذه الأفعال إلى شهود الصفات إلى علم الذات. # ثم ذكر تعالى دليلا بقوله تعالى: # {ونزلنا من السماء} أي: المحل العالي الذي لا يمسك فيه الماء عن دوام ~~التقاطر إلا بقاهر {ماء} أي شيئا فشيئا في أوقات وعلى سبيل التقاطر ولولا ~~عظمتنا التي لا تضاهي لغلب بما له من الثقل والميوع والنفوذ فنزل دفعة ~~واحدة فأهلك ما نزل عليه فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه فزالت المسرة ~~وعادت المنفعة مضرة {مباركا} أي: نافعا جدا كثير لبركة وفيه حياة كل شيء، ~~وهو المطر فيكون الاستدلال بالسماء والأرض وما بينهما وهو إنزال الماء من ~~فوق وإخراج النبات من تحت {فأنبتنا} أي: بما لنا من القدرة الباهرة {به ~~جنات} من الشجر والثمر والزرع والريحان وغيره مما تجمعه البساتين فتجن أي ~~تستر الداخل فيها {وحب الحصيد} أي: النجم الذي من شأنه أنه يحصد كالبر ~~والشعير ونحوهما وقوله تعالى: # {والنخل} منصوب عطفا على مفعول أنبتنا أي وأنبتنا النخل وقوله تعالى ~~{باسقات} أي: طوالا حال مقدرة لأنها وقت الإثبات لم تكن طوالا والبسوق ~~الطول يقال بسق فلان على أصحابه أي طال عليهم في الفضل ومنه قول أبي نوفل ~~في ابن هبيرة: # *يا ابن الذين بمجدهم ... بسقتهم قيس فزاره* # وهو استعارة والأصل استعماله في بسقت النخلة تبسق بسوقا ms3328 أي طالت قال ~~الشاعر: # *لنا خمر وليست خمر كرم ... ولكن من نتاج الباسقات* # *كرام في السماء ذهبن طولا ... وفات ثمارها أيدي الجناة* # وبسقت الشاة ولدت، وأبسقت الناقة وقع في ضرعها اللبن قبل النتاج. وقال ~~سعيد بن جبير: باسقات: مستويات وأفردها بالذكر لفرط ارتفاعها {لها طلع} ~~يجوز أن تكون الجملة حالا من النخل أو من الضمير في باسقات ويجوز أن يكون ~~الحال وحده لها وطلع فاعل به وقوله تعالى: {نضيد} بمعنى منضود بعضها فوق ~~بعض في أكمامها كما في سنبلة الزرع وهو عجيب فإن الأشجار الطوال ثمارها ~~بارزة بعضها على بعض لكل واحدة منها أصل يخرج منه كالجوز واللوز والطلع ~~كالسنبلة الواحدة تكون على أصل واحد وقوله تعالى: # {رزقا} يجوز أن يكون حالا أي مرزوقا {للعباد} ويجوز أن يكون مفعولا له ~~وللعباد إما صفة وإما متعلق بالمصدر، فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى عند ~~ذكر خلق السماء والأرض تبصرة وذكرى وفي الثمار قال رزقا والثمار أيضا فيها ~~تبصرة وفي السماء والأرض أيضا منفعة غير التبصرة والتذكرة. # أجيب: بأن الاستدلال وقع لوجود أمرين: # أحدهما: الإعادة. والثاني: البقاء بعد الإعادة فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعده الثواب الدائم والعقاب الدائم وأنكروا ~~ذلك فقال: أما الأول فالله القادر على خلق السموات والأرض قادر على خلق ~~الخلق بعد الفناء وأما الثاني فلأن البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على ~~إخراج الأرزاق من النخل والشجر قادر على أن يرزق بعد الحشر فكان الأول ~~تبصرة وتذكرة بالخلق. والثاني: تذكرة بالبقاء والرزق ويدل على هذا الفصل ~~بينهما بقوله تعالى # PageV04P081 # {تبصرة وذكرى} حيث ذكر ذلك بين الآيتين ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإثبات ~~النبات # تنبيه: لم يقيد هنا العباد بالإنابة وقيده في قوله تعالى: {تبصرة وذكرى ~~لكل عبد منيب} لأن التذكرة لا تكون إلا للمنيب والرزق يعم كل أحد غير أن ~~المنيب يأكل ذاكرا أو شاكرا للأنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام فلم يخصص ~~بقيد ولما كان في ذلك أعظم مذكر للبصراء بالبعث ms3329 وبجميع صفات الكمال أتبعه ~~ماله من التذكير بالبعث بخصوصية فقال تعالى {وأحيينا به} أي: الماء بعظمتنا ~~{بلدة} بالتأنيث إشارة إلى أنها في غاية الضعف والحاجة إلى النبات والخلو ~~عنه وذكر {ميتا} للزيادة في تقرير تمكن الحاجة فيها أو حملا على معنى ~~المكان فإن قيل: ما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله تعالى: {وآية لهم الأرض ~~الميتة} (يس: 33) # حيث أثبت الهاء هناك أجيب: بأن الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة: لأن ~~معنى الفاعلية ظاهر هناك والبلدة الأصل فيها الحياة لأن الأرض إذا صارت حية ~~صارت آهلة وأقام بها القوم وعمروها فصارت بلدة فأسقط التاء لأن معنى ~~الفاعلية غير ظاهر فتثبت فيه الهاء وإذا كان معنى الفاعل لم يظهر لا تثبت ~~فيه الهاء. # ويحقق هذا القول قوله تعالى {بلدة طيبة} (سبأ: 15) # حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعل ولم يثبت حيث لم يظهر {كذلك} أي: مثل ~~الإخراج العظيم {الخروج} من قبورهم على ما كانوا عليه في الدنيا إذ لا فرق ~~بين خروج النبات بعد ما تهشم وتفتت في الأرض وصار ترابا كما كان من بين ~~أصفره وأبيضه وأحمره وأزرقه إلى غير ذلك وبين إخراج ما تفتت من الموتى كما ~~كانوا في الدنيا # تنبيه: قال أبو حيان: ذكر تعالى في السماء ثلاثة البناء والتزيين ونفي ~~الفروج وفي الأرض ثلاثة المد وإلقاء الرواسي والإنبات فقابل المد بالبناء ~~لأن المد وضع والبناء رفع وإلقاء الرواسي بالتزيين بالكواكب لارتكاب كل ~~واحد منها أي على سطح ما هو فيه والإنبات المترتب على الشق بانتفاء الفروج ~~فلا شق فيها ونبه فيما تعلق به الإنبات على ما يقطف كل سنة ويبقى أصله وما ~~يزرع كل سنة أو سنتين ويقطف كل سنة وعلى ما اختلط من جنسين فبعض الثمار ~~فاكهة لا قوت وأكثر الزرع قوت والثمر فاكهة وقوت وقوله تعالى: # {كذبت قبلهم} الآية فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتنبيه بأن حاله ~~كحال من تقدمه من الرسل كذبوا وصبروا فأهلك الله تعالى مكذبيهم ونصرهم. ~~ولما لم يكن لهؤلاء المكذبين ms3330 شهرة يعرفون بها قال تعالى: {قوم نوح} الذين ~~كان آخر أمرهم أنه التقى عليهم الماءان نزل عليهم ماء السماء وطلع عليهم ~~ماء الأرض فأغرقهم ووسم الفعل بالتاء إشارة إلى هو أنهم في جنب هذا المجد ~~وأسقط الجار من قوله تعالى: {قبلهم} إشارة إلى أن هؤلاء الأحزاب لقوتهم ~~وكثرتهم كأنهم أهل الأرض قد استغرقوا مكانها وزمانها ثم أتبع قوم نوح ~~بمشابهيهم بقوله تعالى: {وأصحاب الرس} أي: البئر كانوا مقيمين عليها ~~بمواشيهم يعبدون الأصنام، ونبيهم قيل: حنظلة بن صفوان وقيل غيره فخسفت تلك ~~البئر مع ما حولها فذهبت بهم وبكل مالهم كما ذكرت قصتهم في الفرقان. # ثم أتبع أصحاب الرس بقوم صالح عليه السلام فقال {وثمود} لأن الرجفة التي ~~أخذتهم مبدأ الخسف ثم أتبع ثمود بقوم هود عليه السلام فقال تعالى: # {وعاد} لأن الريح التي أهلكتهم أثرت بها صيحة ثمود وقال تعالى: {وفرعون} ~~ولم يقل قوم فرعون لأنه ليس في قادة هذه # PageV04P082 # الفرق كافر غيره والنص عليه يفهم عظمته وأنه استخف قومه فأطاعوه {وإخوان ~~لوط} أي: أصهاره الذين صار بينه وبينهم مع المصاهرة المناصرة بملوكهم على ~~من قاواهم بنفسه وعمه خليل الله إبراهيم عليهما السلام ومع ذلك عاملوه ~~بالخيانة والتكذيب. # {وأصحاب الأيكة} أي: الغيضة. وهم قوم شعيب، والغضة الشجرة الملتف بعضه ~~على بعض ولما كان تبع الحميري واسمه سعد وكنيته أبو كرب مع كونه في قومه ~~ملكا قاهرا وخالفوه مع ذلك، وكان لقومه نار في بلادهم يتحاكمون إليها فتأكل ~~الظالم ختم بهم فقال تعالى: {وقوم تبع} مع كونه ملكا وهو يدعوهم إلى الله ~~تعالى فلا يظن أن التكذيب مخصوص بمن كان قويا لمن كان مستضعفا بل هو واقع ~~بمن شئنا من قوي وضعيف لا يخرج شيء عن مرادنا {كل} أي من هذه الفرق {كذب ~~الرسل} أي كلهم بتكذيب رسولهم فإن الكل متساوون فيما يوجب الإيمان من إظهار ~~المعجز والدعاء إلى الله تعالى {فحق} أي: فتسبب عن تكذيبهم لهم أن ثبت ~~عليهم ووجب {وعيد} أي: الذي كانوا يكذبون به عند إنذارهم لهم إياه ms3331 فجعلنا ~~لهم منه في الدنيا ما حكمنا به عليهم في الأزل فأهلكناهم إهلاكا عاما ~~كإهلاك نفس واحدة على أنحاء مختلفة كما هو مشهور عند من له بأمثاله عناية ~~وأتبعناه ما هو في البرزخ وأخرنا ما هو في القيامة إلى يوم البعث فثبت ~~بإهلاكنا لهم على تنائي ديارهم وتباعد أعصارهم وكثرة أعدادهم أن لنا ~~الإحاطة البالغة فتسل بإخوانك المرسلين وتأس بهم وليحذر قومك ما حل بمن ~~كذبهم أن أصروا. # {أفعيينا بالخلق} أي: أحصل لنا مع ما لنا من العظمة الإعياء وهو العجز ~~بسبب الخلق في شيء من إيجاده أو إعدامه {الأول} أي: من السموات والأرض وما ~~بينهما حين ابتدأناه اختراعا من العدم ومن خلق الإنسان وسائر الحيوان مجددا ~~في كل أوان في الأطوار المشاهدة على هذه التدريجات المعتادة بعد أن خلقنا ~~أصله على ذلك الوجه مما ليس له أصل في الحياة، ومن إعدامه بعد خلقه جملة ~~كهذه الأمم أو تدريجا كغيرهم {بل هم في لبس} أي: شك شديد وشبهة موجبة ~~للتكلم بكلام مختلط لا يعقل له معنى بل السكوت عنه أجمل {من} أي: لأجل {خلق ~~جديد} أي: بالإعادة ولما ذكر الخافقين أتبعه خلق ما هو جامع لجميع ما هو ~~فيهما. فقال تعالى: # {ولقد} أي: والحال أنا قد {خلقنا} أي: بما لنا من العظمة {الإنسان} وهو ~~أعجب خلقا وأجمع من جميع ما مضى ذكره بما فيه من الأنس والطغيان والذكر ~~والنسيان والجهل والعرفان والطاعة والعصيان وغير ذلك من عجيب الشان. ووكلنا ~~به من جنودنا من يحفظ فيضبط حركاته وسكناته وجميع أحواله {ونعلم} والحال ~~أنا نعلم بما لنا من الإحاطة {ماتوسوس} أي: تكلم على وجه الخفاء {به} أي: ~~الآن وفيما بعد ذلك {نفسه} مما لم نقدح بعد من خزائن الغيب إلى سر النفس ~~كما علمنا ما تكلم نفسه وهي الخواطر التي تعرض له حتى أنه هو ربما عجز عن ~~ضبطها فنحن نعلم أن قلوبهم عالمة بقدرتنا على أكمل ما نريد وبصحة القرآن ~~وإعجازه وصدق الرسول به صلى الله عليه وسلم وامتيازه وإنما حملهم ms3332 الحسد ~~والنفاسة والكبر والرياسة على الإنكار باللسان، حتى صار لهم ذلك خلقا ~~وتمادوا فيه، حتى غطى على عقولهم فصاروا في لبس محيط بهم من جميع الجوانب ~~ونحن أي بما لنا من العظمة {أقرب إليه} أي: قرب علم وشهود من غير # PageV04P083 # مسافة {من حبل الوريد} لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضا ولا يحجب علم ~~الله تعالى شيء والوريدان عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمها متصلان من ~~الرأس إلى الوتين وهو عرق متصل بالقلب إذا قطع مات صاحبه. وهذا مثل في فرط ~~القرب وإضافته مثل مسجد الجامع أي حبل العرق الوريد أو لأن الحبل أعم فأضيف ~~للبيان نحو بئر ساقية أو يراد حبل العاتق وأضيف إلى الوريد كما يضاف إلى ~~العاتق لأنهما ما في عضو واحد. وقال البغوي: حبل الوريد: عرق الفرق وهو عرق ~~بين الحلقوم والعلباوين يتفرق في البدن والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه ~~لاختلاف اللفظين. قال القشيري: وفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم وروح ~~وأنس وسكون قلب لقوم. وقوله تعالى: # {إذ يتلقى} ظرف لأقرب ويجوز أن يكون منصوبا باذكر أي واذكر إذ يتلقى أي ~~بغاية الاجتهاد والمراقبة والمراعاة من كل إنسان خلقناه وأبرزناه إلى هذا ~~الوجود {المتلقيان} أي: الملكان الموكلان بعمل الإنسان ومنطقه يحفظانه ~~ويكتبانه حال كونهما {عن اليمين} لكل إنسان {وعن الشمال} أي: أحدهما عن ~~يمينه والآخر عن شماله فالذي عن اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب ~~السيئات وقوله تعالى: {قعيد} أي: قاعدان. مبتدأ وخبره ما قبله لأن فعيلا ~~يطلق على الواحد والمتعدد كقوله تعالى: {بعد ذلك ظهير} (التحريم: 4) # قال ابن عادل: والأجود أن يدع حذف إما من الأول أي عن اليمين قعيد وعن ~~الشمال قعيد وإما من الثاني فيكون قعيد الملفوظ به للأول ومثله قوله: # *رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطوي رماني* # وقال مجاهد: القعيد المرصد. ونحن أعلم منهما وأقرب وإنما استحفظناهما ~~لإقامة الحجة بهما على مجاري عاداتكم وغير ذلك من الحكم. # {ما يلفظ} أي: يرمي ويخرج المكلف من فيه وعمم في ms3333 النفي بقوله تعالى {من ~~قول} جل أو قل {إلا لديه} أي: الإنسان أو القول على هيئة من القدرة والعظمة ~~من أغرب المستغرب {رقيب} من حفظتنا شديد المراعاة في كل من أحواله {عتيد} ~~أي: حاضر مراقب غير غافل بوجه قال الجلال المحلي: وكل منهما بمعنى المثنى ~~أي رقيبان عتيدان. روى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل وكاتب الحسنات ~~أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة ~~قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر» . # تنبيه: اختلف فيما يكتبان فقال مجاهد: يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه. ~~وقال عكرمة: لا يكتبان إلا ما يؤجر أو يوزر فيه. # فائدتان: إحداهما: قال الحسن: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند حالتين ~~عند غائطه وعند جماعه. # الثانية: قال الضحاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك ومثله عن الحسن يعجبه ~~أن ينظف عنفقته # {وجاءت} أي: أتت وحضرت {سكرة الموت} أي: حالته عند النزع وشدته وغمرته ~~يصير المريض بها السكران لا يعي وتخرج بها أقواله وأفعاله عن قانون ~~الاعتدال مجيئا ملتبسا بالحق أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا حيلة ~~في الاحتراس منه. وقيل: للميت بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال {ذلك} ~~أي: هذا الأمر العظيم العالي الرتبة الذي يحق لكل أحد الاعتداد له بغاية ~~الجهد {ما} أي: الأمر الذي {كنت} أي: جبلة # PageV04P084 # وطبعا {منه تحيد} أي: تميل وتنفر وتروغ وتهرب. # تنبيه: قيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم قال الرازي: وهو منكر ~~وقيل مع الكافر قال ابن عادل: والأقوى أن يقال هو خطاب عام مع السامع وهذا ~~أولى وقوله تعالى: # {ونفخ في الصور} عطف على قوله تعالى: {وجاءت سكرة الموت} وهو القرن الذي ~~ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام للموت العام والبعث العام عند التكامل ~~وانقطاع أوان التعامل وهو بحيث لا يعلم قدر عظمه واتساعه إلا الله تعالى ~~وهو عليه السلام قد التقم الصور ms3334 من حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم وحنى ~~جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر فيالها من عظمة ما أغفلنا وعنها أنسانا ~~لها والمراد بهذه نفخة البعث وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى الزمان المفهوم ~~من قوله نفخ لأن الفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان فكأنه تعالى قال ~~ذلك الزمان العظيم الأهوال والأوجال {يوم الوعيد} أي: للكفار بالعذاب. # {وجاءت} أي: فيه {كل نفس} أي مكلفة {معها سائق} أي ملك يسوقها إليه ~~{وشهيد} يشهد عليها بعملها. قال الضحاك: السائق من الملائكة والشاهد من ~~أنفسهم وهو الأيدي والأرجل وغيرها وهي رواية العوفي عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما وقيل: هما جميعا من الملائكة، فالسائق كما قيل لا تعلق له بالشهادة ~~لئلا تقول تلك النفس أنه خصم والخصم لا تقبل شهادته وقيل السائق هو الذي ~~يسوقه إلى الموقف ومنه إلى مقعده. والشهيد هو الكاتب والسائق لازم للبر ~~والفاجر أما البر فيساق إلى الجنة وأما الفاجر فإلى النار قال تعالى: {وسيق ~~الذين كفروا} (الزمر: 71) # وقال تعالى: {وسيق الذين اتقوا} (الزمر: 73) # والشهيد يشهد عليها بما عملت. تنبيه: يجوز في جملة معها سائق وشهيد أن ~~تكون في موضع جر صفة لنفس، وأن تكون في موضع رفع صفة لكل، وأن تكون في موضع ~~نصب على الحال من كل. # ويقال للكافر. # {لقد كنت} أي: كونا كأنه جبلة لك {في غفلة} أي: عظيمة محيطة بك ناشئة لك ~~{من هذا} أي: من تصور هذا اليوم على ما هو عليه من انقطاع الأسباب والجزاء ~~بالثواب أو العقاب لأنه على شدة جلائه خفي على من اتبع الشهوات {فكشفنا} ~~بعظمتنا بالموت ثم البعث {عنك غطاءك} الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك ~~وبصرك من الغفلة بالآمال في الحال والمآل وسائر الحظوظ والشهوات {فبصرك ~~اليوم} أي بعد البعث {حديد} أي في غاية الحدة والنفوذ فلذا تقر بما كنت ~~تنكر في الدنيا. وقال مجاهد: يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك ~~وسيئاتك. والمعنى: أزلنا غفلتك فبصرك اليوم جديد وكان من قبل كليلا. # واختلف ms3335 في القرين في قوله تعالى: # {وقال قرينه} فأكثر المفسرين على أنه الملك الموكل به فيقول {هذا ما} أي: ~~الذي {لدي عتيد} أي: حاضر ونقل الكرماني عن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه ~~الشيطان الذي سلط على إغوائه واستدراجه إلى ما يريد فزين له الكفر ~~والعصيان. ويدل لهذا قوله تعالى: {وقيضنا لهم قرناء} (فصلت: 25) # وقال تعالى: {نقيض له شيطانا فهو له قرين} (الزخرف: 36) # وقال تعالى {فبئس القرين} فالإشارة بهذا إلى المسوق المرتكب الفجور ~~والفسوق. والعتيد معناه المعتد للنار ومعناه أن الشيطان يقول هذا العاصي هو ~~شيء عندي معتد لجهنم أعددته لها بالإغواء والإضلال وقوله تعالى: # {ألقيا في جهنم} أي: النار التي تلقى الملقي فيها بما كان يعامل به عباد ~~الله تعالى من الكبر والعبوسة {كل كفار} خطاب من # PageV04P085 # الله تعالى للسائق والشهيد أو للملكين من خزنة النار أو الواحد وتثنية ~~الفاعل منزل منزلة تثنية الفعل وتكريره كأنه قيل ألقي ألقي وقيل: أراد ~~ألقيا بالنون الخفيفة فأبدلها ألفا إجراء للوصل مجرى الوقف وقيل العرب: ~~تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين تأكيدا كقوله: # *فإن تزجراني يا ابن عفان أزدجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا* # قال ابن عادل وقيل المأمور مثنى وهذا هو الحق لأن المراد ملكان يفعلان ~~ذلك ا. ه وهو القول المتقدم {عنيد} وهو المبالغ في ستر الحق والمعاداة ~~لأهله بغير حجة حمية وأنفة نظرا إلى استحسان ما عنده والثبات عليه تجبرا ~~وتكبرا على ما عند غيره ازدراء له كائنا من كان. # {مناع} أي: كثير المنع {للخير} من المال وغيره من كل معروف يعلق بالمال ~~والمقال والفعال. # وقيل المراد الإسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة لما منع بني ~~أخيه عنه {معتد} أي: مجاوز للحدود {مريب} أي: داخل في الريب وهو الشك ~~والتهمة في أهل الدين. وقوله تعالى: # {الذي جعل مع الله} أي: الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {إلها آخر} ~~يجوز أن يكون منصوبا على الذم أو على البدل من كل وأن يكون مجرورا بدلا من ~~كفار أو مرفوعا بالابتداء والخبر {فألقياه ms3336 في العذاب} أي: الذي يزيل كل ~~عذوبة {الشديد} ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. ويجوز أن ~~يكون خبر مبتدأ مضمر أي هو الذي جعل ويكون فألقياه تأكيدا. # {قال قرينه} مناديا بإسقاط الأداة كدأب أهل القرب إيهاما أنه منهم {ربنا} ~~أي: أيها المحسن إلينا أيتها الخلائق كلهم {ما أطغيته} أي: ما أوقعته فيما ~~كان فيه من الطغيان فإني لا سلطان لي عليه وأنت أعلم بذلك {ولكن كان} أي: ~~بجبلته وطبعه {في ضلال بعيد} أي: محيط به من جميع جوانبه لا يمكن رجوعه معه ~~فلذلك كان يبادر إلى كل ما يغضب الله تعالى. # تنبيه: هذا جواب لكلام مقدر فإن الكافر حينما يلقى في النار يقول ربنا ~~أطغاني شيطاني فيقول ربنا ما أطغيته بدليل قوله تعالى: {لا تختصموا لدي} ~~لأن المخاصمة تستدعي كلاما من الجانبين ونظيره قوله تعالى في سورة ص {قالوا ~~بل أنتم لا مرحبا بكم} (ص: 60) # إلى قوله تعالى {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} (ص: 64) # قال الزمخشري: وهذا يدل على أن المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو ~~الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد. # قال الرازي: وجاءت هذه الآية بلا واو وفي الأولى بواو عاطفة لأن الأولى ~~إشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين فإن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها سائق ~~وشهيد فيقول الشهيد ذلك القول وفي الثانية لم يجد هنا معنيان مجتمعان حتى ~~تذكر الواو فإن الفاء في قوله تعالى: {فألقياه في العذاب} لا تناسب قوله ~~تعالى: {قال قرينه ربنا ما أطغيته} فليس هناك مناسبة مقتضية للعطف. # فإن قيل: كيف قال ما أطغيته مع أنه قال لأغوينهم أجمعين. أجيب: بأن ~~المراد من قوله لأغوينهم أي لأديمنهم على الغواية كما أن الضال إذا قال له ~~شخص أنت على الجادة فلا تتركها يقال أنه يضله كذا هنا فقوله ما أطغيته أي ~~ما كان ابتداء الغي مني. وقوله تعالى: # {قال} أي: الله تعالى المحيط علما وقدرة الذي حكم عليهم بذلك في الأزل ~~{لا تختصموا} أي: لا توقعوا الخصومة بهذا الجد ms3337 والاجتهاد استئناف كان قائلا ~~يقول فماذا قال الله تعالى. فأجيب: يقال لا تختصموا وقوله تعالى: {لدي} أي # PageV04P086 # في دار الجزاء بهذه الحضرة التي هي فوق ما كنتم تدركونه من الأخبار عنها ~~بكثير يفيد مفهومه أن الاختصام كان ينبغي أن يكون قبل الحضور والوقوف بين ~~يدي. وقوله تعالى: {وقد قدمت إليكم بالوعيد} أي: التهديد وهو التخويف ~~العظيم على جميع ما ارتكبتموه من الكفر والعدوان جملة حالية ولا بد من ~~تأويلها وذلك أن النهي في الآخرة وتقدمه الوعيد في الدنيا. فاختلف الزمان ~~فكيف يصح جعلها حالية وتأويلها هو أن المعنى وقد صح أني قدمت وزمان الصحة ~~وزمان النهي واحد وقدمت يجوز أن يكون بمعنى تقدمت فتكون الواو للحال ولا بد ~~من حذف مضاف أي: وقد تقدم قولي لكم ملتبسا بالوعيد ويجوز أن يكون قدمت على ~~حاله تعديا والباء مزيدة في المفعول أي قدمت إليكم الوعيد. كقوله تعالى: ~~{تنبت بالدهن} (المؤمنون: 2) # على قول من قال بزيادتها هناك وقيل الباء هنا للمصاحبة كقولك اشتريت ~~الفرس بلجامه أي معه فكأنه قال تعالى قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد على تركه ~~والإنذار. # {ما يبدل} أي: يغير بوجه من الوجوه {القول لدي} أي: الواصل إليكم من ~~حضرتي التي لا يحيط بها أحد من خلقي وعبر بما التي هي للحاضر دون لا التي ~~للمستقبل لأن الأوقات كلها عنده حاضرة {وما أنا} وأكد النفي بقوله تعالى: ~~{بظلام للعبيد} فأعذبهم بغير ظلم. # فإن قيل: الظلام مبالغة في الظلم ويلزم من انتفائه إثبات أصل الظلم فإذا ~~قال القائل هو كذاب يلزم أن يكون كثير الكذب، ولا يلزم من نفيه نفي أصل ~~الكذب، لجواز أن يقال ليس بكذاب كثير الكذب لكنه يكذب أحيانا. فقوله تعالى ~~{ما أنا بظلام} لا يفهم منه نفي أصل الظلم وأن الله ليس بظالم. أجيب بأربعة ~~أجوبة: # أحدها: أن الظلام بمعنى الظالم كالتمار بمعنى التامر فتكون اللام في قوله ~~تعالى {للعبيد} لتحقيق النسبة لأن الفعال حينئذ بمعنى ذي ظلم لقوله تعالى: ~~{لا ظلم اليوم} (غافر: 17) # ثانيها: قال الزمخشري: ms3338 إن ذلك أمر تقديري كأنه تعالى يقول لو ظلمت عبدي ~~الضعيف الذي هو محل الرحمة لكان ذلك غاية الظلم وما أنا بذلك فيلزم من نفي ~~كونه ظلاما نفي كونه ظالما ويحقق هذا الوجه إظهار لفظ العبيد حيث قال الله ~~تعالى: {وما أنا بظلام للعبيد} أي: في ذلك اليوم الذي أملأ فيه جهنم مع ~~سعتها حتى تصيح وتقول لم يبق في طاقة بهم ولم يبق في موضع لهم فهل من مزيد ~~استفهام استنكار. # ثالثها: أنه لمقابلة الجمع بالجمع والمعنى أن ذلك اليوم مع أني ألقي في ~~جهنم عددا لا حصر له لا أكون بسبب كثرة التعذيب كثير الظلم لأنه تعالى قال: ~~{وما أنا بظلام للعبيد} . # {يوم نقول} أي على مالنا من العظمة {لجهنم} ولم يقل ما أنا بظلام في جميع ~~الأزمان وخصص بالعبيد ولم يطلق فلذلك خصص النفي بنوع من أنواع الظلم ولم ~~يطلق ولم يلزم منه أن يكون ظالما في غير ذلك الوقت لأن التخصيص بالذكر لا ~~يدل على نفي ما عداه لأنه نفي كونه ظلاما ولم يلزم منه كونه ظالما ونفي ~~كونه ظلاما للعبيد ولم يلزم منه كونه ظلاما لغيرهم. # تنبيه: يحتمل أن يكون المراد بالعبيد الكفار كقوله تعالى: {يا حسرة على ~~العباد ما يأتيهم من رسول} (يس: 30) # الآية والمعنى أعذبهم وما أنا بظلام لهم ويحتمل أن يكون المراد منه ~~المؤمنين. # والمعنى أن الله تعالى يقول: لو بدلت قولي ورحمت الكافر لكنت في تكليف ~~العباد ظالما لعبادي المؤمنين لأني منعتهم من الشهوات لأجل هذا اليوم فلو ~~كان ينال من لم يأت بما أتى به المؤمن ما يناله # PageV04P087 # المؤمن لكان إتيان المؤمن بما أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد وهذا ~~معنى قوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} (الحشر: 20) # ويحتمل أن يكون المراد التعميم وهذا أظهر. وقوله تعالى لجهنم أي التي هي ~~دار العذاب مع الكراهة والعبوسة والتجهم {هل امتلأت} استفهام تحقيق لوعده ~~عليها وهو قوله تعالى {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (هود: 119) # {وتقول} بصورة الاستفهام كالسؤال ms3339 {هل من مزيد} أي: قد امتلأت ولم يبق في ~~موضع لم يمتلئ فهو استفهام إنكار. وقيل بمعنى الاستزادة رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس رضى الله عنهما وعلى هذا يكون السؤال وهو قوله تعالى هل امتلأت ~~قبل دخول جميع أهلها فيها. # وروي عن ابن عباس رضى الله عنهما «أن الله تعالى سبقت كلمته لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ~~ذهب فيها ولا يملؤها فتقول ألست قد أقسمت لتملأني فيضع قدمه عليها فيقول هل ~~امتلأت فتقول هل من مزيد قط قط قد امتلأت وليس في مزيد» وعن ابن عباس رضى ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها ~~وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العرش وفي رواية رب العزة فيها قدمه فيزوى ~~بعضها إلى بعض وتقول: قط قط بعد ذلك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله ~~تعالى لها خلقا فيسكنهم فضول الجنة» ولأبي هريرة رضى الله عنه نحوه ولا ~~يظلم الله تعالى من خلقه أحدا. # تنبيه: هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات وللعلماء فيه وفي أمثاله ~~مذهبان: # أحدهما: وهو مذهب جمهور السلف وطائفة من المتكلمين أنه لا يتكلم في ~~تأويلها بل نفوض بأنها حق على ما أراد الله ورسوله ونجريها على ظاهرها ~~أولها معنى يليق بها وظاهرها غير مراد. # المذهب الثاني: وهو قول جمهور المتكلمين أنها تؤول بحسب ما يليق بها فعلى ~~هذا اختلفوا في تأويل الحديث فقيل المراد بالقدم التقدم وهو شائع في اللغة ~~والمعنى يضع الله تعالى فيها من قدمه لها من أهل العذاب. وقيل: المراد به ~~قدم بعض المخلوقين فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم. وقيل: ~~يحتمل أن في المخلوقات من يسمى بهذه التسمية وخلقوا لها. قال القاضي عياض ~~أظهر التأويلات أنهم استحقوها وخلقوا لها. # قال المتكلمون: ولا بد من صرفه عن ظاهره لقيام الدليل العقلي القطعي على ~~استحالة الجارحة على الله تعالى وقولها قط قط ms3340 أي حسبي حسبي قد اكتفيت وفيها ~~ثلاث لغات إسكان الطاء وكسرها منونة وغير منونة ولما ذكر النار التي هي دار ~~الفجار وقدمها لأن المقام للإنذار اتبعها دار الأبرار. # فقال تعالى سارا لهم بإسقاط مؤنة المسير وطي مشقة البعد. # {وأزلفت الجنة} أي: قربت بأيسر أمر مع الدرجات والحياض الممتلئة ~~{للمتقين} أي: الغريقين في هذا الوصف فإذا رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما ~~كانوا فيه في الموقف من منابر النور وكثبان المسك ونحو هذا. وأما غيرهم من ~~أهل الإيمان فقد يكون لهم غير هذا الوصف فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى ~~في الزمر. وقوله تعالى: {غير بعيد} يجوز أن يكون حالا من الجنة ولم يؤنث ~~لأنها بمعنى البستان أو لأن فعيلا لا يؤنث لأنه بزنة المصادر قاله ~~الزمخشري. ومنعه أبو حيان وتقدم الكلام على ذلك في قوله تعالى: {إن رحمة ~~الله قريب من المحسنين} (الأعراف: 56) # ويجوز أن يكون منصوبا على الظرف المكاني أي مكانا غير بعيد ويجوز أن يكون ~~نعتا لمصدر محذوف # PageV04P088 # أي إزلافا غير بعيد وظاهر عبارة الزمخشري فإنه قال أو شيئا غير بعيد فإن ~~قيل: ما وجه التقريب والجنة مكان والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب. أجيب: من ~~أوجه. أولها: أن الجنة لا تزال ولا يؤمر المؤمن في ذلك اليوم بالانتقام ~~إليها مع بعدها لكن الله تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو ~~التقريب. # فإن قيل: فعلى هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف المؤمن من ~~الجنة فما فائدة قوله تعالى: {أزلفت الجنة} أجيب بأن ذلك إكرام للمؤمن ~~وبيان لشرفه وأنه ممن يمشي إليه ثانيها: قريب من الحصول في الدخول لا بمعنى ~~القرب المكاني. ثالثها: أن الله تعالى قادر على نقل الجنة من السماء إلى ~~الأرض فيقربها للمؤمن. ويحتمل أنها أزلفت بمعنى جمعت محاسنها لأنها مخلوقة ~~وأما بمعنى قرب الحصول لها لأنها تنال بكلمة طيبة وحسنة وخص المتقين بذلك ~~لأنهم أحق بها. # وقوله تعالى: {هذا} أي: الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم {ما} أي: ~~الأمر الذي {توعدون} ms3341 أي: وقع الوعد لكم به في الدنيا يجوز فيه وجهان. # أحدهما: أن يكون معترضا بين البدل والمبدل منه وذلك أن {لكل أواب} أي: ~~رجاع إلى طاعة الله تعالى بدل من المتقين بإعادة العامل. # ثانيهما: أن يكون منصوبا بقول مضمر ذلك القول منصوب على الحال أي مقولا ~~لهم. وقرأ ابن كثير: بالياء على الغيبة. والباقون: بالتاء على الخطاب ونسب ~~أبو حيان قراءة الياء لابن كثير ولأبي عمرو وإنما هي لابن كثير فقط. وقال ~~سعيد بن المسيب: الأواب هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال الشعبي ~~ومجاهد هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقال ابن عباس رضى الله ~~عنهما وعطاء: هو المسبح من قوله تعالى {يا جبال أوبي معه} (سبأ: 10) # وقال قتادة: هو المصلي. وقوله تعالى {حفيظ} اختلف فيه. فقال ابن عباس رضى ~~الله عنهما: هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر منها. وعن ابن عباس ~~رضى الله عنهما أيضا: الحفيظ لأمر الله. وقال قتادة: الحفيظ لما استودعه ~~الله تعالى من حقه. والأواب والحفيظ كلاهما من باب المبالغة أي يكون كثير ~~الأوب شديد الحفظ ثم أبدل من كل تنميما لبيان المتقين قوله تعالى: # {من خشي} أي: خاف ونبه على كثرة خشيته بقوله تعالى: {الرحمن} لأنه إذا ~~خافه مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها ~~أولى وقال القشيري: التعبير بذلك للإشارة إلى أنها خشية تكون مقرونة بالأنس ~~يعني الرجاء كما هو المشروع، قال: ولذلك لم يقل الجبار أو القهار. ويقال ~~الخشية ألطف من الخوف فكأنها قريبة من الهيبة وقوله تعالى: {بالغيب} حال أي ~~غائبا عنه فيحتمل أن يكون حالا من الفاعل أو المفعول أو منهما. وقيل الباء ~~للمصاحبة أي مصاحب له من غير أن يطلب آية أو أمرا يصير به إلى حد المكاشفة ~~بل استغنى بالبراهين القطيعة التي منها أنه مربوب وهو أيضا بيان لبليغ ~~خشيته ويجوز أن يكون صفة لمصدر خشى أي خشيه خشية ملتبسة بالغيب ومعنى الآية ~~من خاف الرحمن فأطاعه ms3342 بالغيب ولم يره. # وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. وقال الحسن: إذا ~~أرخى الستور وأغلق الباب. وقوله تعالى {وجاء} أي: بعد الموت {بقلب منيب} ~~أي: راجع إلى الله تعالى صفة مدح لأن شأن الخائف أن يهرب فأما المتقي فجاء ~~ربه لعلمه أنه # PageV04P089 # لا ينجي الفرار منه والباء في {بقلب} إما للتعدية وإما للمصاحبة وإما ~~للسببية، والقلب المنيب كالقلب السليم في قوله تعالى: {إذ جاء ربه بقلب ~~سليم} (الصافات: 84) # من الشرك والضمير في قوله تعالى. # {ادخلوها} عائد إلى الجنة وقوله تعالى: {بسلام} حال من فاعل ادخلوها أي ~~سالمين من العذاب والهموم فهي حال مقارنة أو بسلام من الله تعالى وملائكته ~~عليهم فهي حال مقدرة كقوله تعالى {فادخلوها خالدين} (الزمر: 73) # كذا قيل. قال ابن عادل: وفيه نظر إذ لا مانع من مقارنة تسليم الملائكة ~~عليهم حال الدخول بخلاف فادخلوها خالدين فإنه لا يعقل الخلود إلا بعد ~~الدخول {ذلك} أي: اليوم الذي حصل فيه الدخول {يوم الخلود} أي: الدوام في ~~الجنة الذي لا آخر له ولا نفاد لشيء من لذاته أصلا ولذلك وصل به قوله تعالى ~~جوابا لمن قال على أي وجه خلودهم. # {لهم} بظواهرهم وبواطنهم {ما يشاؤون} أي: تتجدد مشيئتهم أو يمكن مشيئتهم ~~له {فيها} أي: الجنة {ولدينا} أي: عندنا من الأمور التي هي في غاية الغرابة ~~عندهم وإن كان كل ما عندهم مستغربا {مزيد} أي: مما لا يدخل تحت أوهامهم ~~ليشاؤوه فإن شياق الامتنان يدل على أن تنوينه للتعظيم والتعبير ب {لدي} ~~يؤكد ذلك فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى قال: {ادخلوها بسلام} على ~~المخاطبة ثم قال لهم ولم يقل لكم أجيب: من وجوه أولها: أن قوله تعالى: ~~{ادخلوها} فيه مقدر أي فيقال لهم ادخلوها فلا يكون التفاتا. # ثانيها: أنه التفات والحكمة الجمع بين الطرفين كأنه تعالى يقول غير مخل ~~بهم في غيبتهم وحضورهم ففي حضورهم الحبور في غيبتهم الحور والقصور. # ثالثها: أنه يجوز أن يكون قوله تعالى لهم كلاما مع الملائكة يقول ~~للملائكة توكلوا بخدمتهم ms3343 واعلموا أن لهم ما يشاءون فيها فأحضروا بين أيديهم ~~ما يشاؤون وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم ولا تقدرون أنتم عليه. والمزيد ~~يحتمل أن يكون معناه الزيادة كقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ~~(يونس: 26) # ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول أي عندنا ما نزيده على ما يرجون ويأملون. ~~قال أنس وجابر: وهو النظر إلى وجه الله الكريم. قيل يتجلى لهم الرب تبارك ~~وتعالى في كل ليلة جمعة في دار كرامته فهذا هو المزيد. ولما ذكر تعالى أو ل ~~السورة تكذيب الأمم السابقة ذكر هنا إهلاك قرون ماضية. بقوله تعالى: # {وكم أهلكنا} أي: بما لنا من العظمة {قبلهم من قرن} أي: جيل هم في غاية ~~القوة وزاد في بيان القوة قوله تعالى: {هم أشد منهم} أي: من قريش {بطشا} ~~أي: قوة وأخذا لما يريدونه بالعنف والسطوة والشدة. # تنبيه: كم منصوب بما بعده وقدم إما لأنه استفهام وإما لأن كم الخبرية ~~تجري مجرى كم الاستفهامية في التصدير ومن قرن تمييز هم أشد صفة إما لكم ~~وإما لقرن والفاء في قوله تعالى: {فنقبوا} عاطفة على المعنى كأنه قيل اشتد ~~بطشهم فنقبوا: {في البلاد} والضمير في نقبوا ما للقرن المتقدم وهو الظاهر ~~وإما لقريش والتنقيب التنقير والتفتيش ومعناه التطواف في البلاد قال الحارث ~~بن حلزة: # *نقبوا في البلاد من حذر المو ... ت وجالوا في الأرض كل مجال* # وقال امرؤ القيس: # *وقد نقبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب* # PageV04P090 # ولما كان التقدير ولم يسلموا مع كثرة تنقيبهم توجه سؤال تنبيه للغافل ~~الذاهل وتقريع وتبكيت للمعاند الجاهل بقوله تعالى {هل من محيص} أي: معدل ~~ومحيد ومهرب وإن دق من قضائنا ليكون لهؤلاء وجه ما في رد أمرنا. # {إن في ذلك} أي: فيما ذكر في هذه السورة من الأساليب العجيبة والطرق ~~الغريبة {لذكري} أي: تذكيرا عظيما جدا {لمن كان} أي: كونا عظيما {له قلب} ~~أي عقل في غاية العظمة فهو بحيث يفهم ما يراه ويعتبر به ومن لم يكن كذلك ~~فلا قلب له سليم بل له ms3344 قلب لاه {أو ألقى السمع} أي: استمع الوعظ بغاية ~~إصغائه حتى كأنه يرمي بشيء ثقيل من علو إلى سفل {وهو} أي: والحال أنه في ~~حال إلقائه {شهيد} أي: حاضر بكليته فهو في غاية ما يكون من تصويب الفكر ~~وجمع الخاطر فلا يغيب عنه شيء مما تلي عليه وألقي إليه فيتذكر وعطف على ~~قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان} قوله تعالى: # {ولقد خلقنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر قدرها ولا يطاق حصرها ~~{السموات والأرض} أي: على ما هما عليه من الكبر وكثرة المنافع {وما بينهما} ~~من الأمور التي لا ينتظم الأمر على قاعدة الأسباب والمسببات بدونها {في ستة ~~أيام} الأرض في يومين. ومنافعها في يومين والسموات في يومين ولو شاء لكان ~~ذلك في أقل من لمح البصر ولكنه تعالى سن لنا التأني بذلك {وما مسنا} لأجل ~~مالنا من العظمة أدنى مس. وعمم في النفي فقال تعالى: {من لغوب} أي: إعياء ~~فإنه لو كان لاقتضى ضعفا فاقتضى فسادا فكان من ذلك شيء على غير ما أردناه ~~فكأن تصرفنا فيه غير تصرفنا في الباقي وأنتم تشاهدون الأمر في الكل على حد ~~سواء من نفوذ الأمر وتمام التصرف. # {فاصبر} يا أشرف الخلق {على ما يقولون} أي: اليهود وغيرهم من إنكار البعث ~~والتشبيه وغير ذلك فإن من قدر على خلق العالم بلا إعياء قدر على البعث ~~وغيره {وسبح} أي: أوقع التنزيه عن كل شائبة نقص ملتبسا {بحمد ربك} أي: ~~بإثبات الإحاطة بجميع صفات الكمال للسيد المدبر المحسن إليك بجميع هذه ~~البراهين التي خصك بها مفضلا لك على جميع الخلق وقوله تعالى: {قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب} إشارة إلى طرفي النهار. # وقوله تعالى: {ومن الليل فسبحه} إشارة إلى زلفى من الليل وتقريره أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان مشتغلا بأمرين أحدهما عبادة الله تعالى والثاني هداية ~~الخلق فإذا لم يهتدوا قيل له أقبل على شغلك الآخر وهو العبادة قبل الطلوع ~~وقبل الغروب، لأنهما وقتا اجتماعهم ويكون المراد بقوله تعالى: ومن الليل ~~أوله لأنه أيضا ms3345 وقت اجتماعهم وقال أكثر المفسرين قبل طلوع الشمس صلاة الصبح ~~وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل العشاءان والتهجد {وأدبار السجود} ~~التنقل بعد المكتوبات وقيل: الوتر بعد العشاء وقال مجاهد ومن الليل: يعني ~~صلاة الليل أي وقت صلى. وقرأ نافع وابن كثير وحمزة بكسر الهمزة على أنه ~~مصدر قام مقام ظرف الزمان كقولهم آتيك خفوق النجم وخلافة الحجاج ومعنى وقت ~~إدبار الصلاة أي انقضائها وتمامها والباقون بالفتح جمع دبر وهو آخر الليل ~~وعقبها ومنه قول أوس: # *على دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدب سنون تلمع* # PageV04P091 # ولم يختلفوا في وأدبار النجوم وقوله تعالى: وأدبار معطوف إما على قبل ~~الغروب وإما على من الليل وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهما: إدبار السجود الركعتان بعد صلاة المغرب وإدبار النجوم الركعتان قبل ~~صلاة الفجر وهي رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما وروي عنه مرفوعا. ~~قال البغوي: هذا قول أكثر المفسرين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ~~الركعتين أمام الصبح» وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» يعني بذلك سنة الفجر وعن عبد الله بن ~~مسعود رضى الله عنه «ما أحصي ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل الفجر بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله ~~أحد» وعن مجاهد وأدبار السجود: هو التسبيح باللسان في أدبار الصلوات ~~المكتوبات. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~سبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا ~~وثلاثين فذاك تسعة وتسعون ثم قال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد ~~البحر» وعنه أيضا «أن فقراء المهاجرين أتوا ms3346 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم فقال صلى الله ~~عليه وسلم وما ذاك فقالوا: صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا وأنفقوا من ~~فضول أموالهم وليست لنا أموال قال أفلا أخبركم بأمر تدركون به من قبلكم ~~وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد مثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله تسبحون ~~في دبر كل صلاة عشرا وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا» . وقوله تعالى: # {واستمع} أي: لما أخبرك به من أحوال القيامة فيه تهويل وتعظيم للمخبر به ~~والمحدث عنه. كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سبعة أيام لمعاذ ~~بن جبل «يا معاذ اسمع ما أقول ثم حدثه بعد ذلك» وقوله تعالى {يوم} ظرف ~~لاستمع أي استمع ذلك في يوم {ينادي المنادي} أي: إسرافيل يقف على صخرة ببيت ~~المقدس فينادي بالحشر فيقول: أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة ~~والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. # وقيل: المنادي جبريل {من مكان قريب} بحيث يسمع الصوت من بعد كما يسمعه من ~~قرب يكونون في السماع سواء، لا تفاوت بينهم أصلا. واختلف في ذلك المكان ~~القريب. فأكثر المفسرين: أنه صخرة بيت المقدس فإنها أقرب الأرض إلى السماء ~~باثني عشر ميلا وهي وسط الأرض. وقيل: من تحت أقدامهم. وقيل: من منابت ~~شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية. وقوله تعالى: # {يوم يسمعون الصيحة} بدل من يوم ينادي والصيحة النفخة الثانية وقوله ~~تعالى: {بالحق} حال من الصحية أي متلبسة بالحق أو من الفاعل أي يسمعون ~~ملتبسين بسماع حق {ذلك} أي: اليوم العظيم الذي يظهر به المجد ويعلو بضعفاء ~~المؤمنين الجد {يوم الخروج} أي: الذي لا خروج أعظم منه وهو خروجهم من ~~قبورهم من الأرض التي خلقوا منها إلى المحشر وهو من أسماء يوم القيامة. # {إنا} أي: بما لنا من العظمة {نحن} أي: خاصة {نحيي ونميت} أي: نجدد ذلك ~~شيئا بعد شيء سنة مستقرة # PageV04P092 # وعادة مستمرة كما تشاهدونه فقد كان منا بالإحياء الأول ms3347 المبدأ {وإلينا} ~~أي: خاصة بالإماتة ثم الأحياء {المصير} أي: في الآخرة. وقيل تقديره نميت في ~~الدنيا ونحيي في الآخرة للبعث. وإلينا المصير بعد البعث وقوله تعالى: # {يوم} يدل من يوم قبله وما بينهما اعتراض. وقرأ {تشقق الأرض} نافع وابن ~~كثير وابن عامر بتشديد الشين والباقون بالتخفيف {عنهم} أي: مجاوزة لهم بعد ~~أن كانوا في بطنها فيخرجون منها أحياء كما كانوا على ظهرها أحياء حال كونهم ~~{سراعا} أي: إجابة منادينا وهو جمع سريع وأشار إلى عظمة الأمر بقوله تعالى ~~{ذلك} أي: الإخراج العظيم جدا {حشر} أي: جمع بكره وزاد في بيان عظمة هذا ~~الأمر بدلالته على اختصاصه بتقدم الجار فقال تعالى: {علينا} أي: خاصة ~~{يسير} فكيف يتوقف فيه عاقل فضلا عن أن ينكره وأما غيرنا فلا يمكنه ذلك ~~بوجه. تنبيه: علينا متعلق بيسير ففصل بمعمول الصفة بينها وبين موصوفها ولا ~~يضر ذلك. وقال الزمخشري: التقديم للاختصاص وهو ما أشرت إليه أي لا يتيسر ~~ذلك إلا على الله تعالى وحده وهو إعادة جواب قولهم ذلك رجع بعيد. وقوله ~~تعالى: # {نحن أعلم} أي: عالمون {بما يقولون} أي: في الحال والاستقبال من التكذيب ~~بالبعث وغيره تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم {وما أنت عليهم ~~بجبار} أي: بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما أنت منذر وقد فعلت ما أمرت به ~~ونحن القادرون على ردهم بما لنا من العلم المحيط وهذا قبل الأمر بالقتال ~~{فذكر} أي: بطريق البشارة والنذارة {بالقرآن} أي: الجامع بمجده لكل خير ~~المحيط بكل صلاح {من يخاف وعيد} فإنه لا ينتفع به غيره وهم المؤمنون. وقرأ ~~ورش بإثبات الياء بعد الدال وصلا لا وقفا وحذفها الباقون وصلا ووقفا وما ~~رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال «من قرأ سورة ق ~~هون الله عليه ثأرات الموت وسكراته» حديث موضوع وثأرات الموت بمثلثة وهمزة ~~مفتوحة أهواله. ### | سورة الذاريات # مكية وهي ستون آية وثلاثمائة وستون كلمةوألف ومائتان وتسعة وثمانون حرفا # {بسم الله} أي المحيط بصفات الكمال فهو لا يخلف الميعاد {الرحمن} ms3348 الذي عم ~~الخلائق بنعمة الإيجاد {الرحيم} الذي خص من اختاره بالتوفيق لما يرضاه من ~~المراد ولما ختم الله سبحانه وتعالى ق بالتذكير بالوعيد افتتح هذا بالقسم ~~البالغ على صدقه، فقال عز من قائل مناسبا بين القسم والمقسم عليه. # {والذاريات} أي: الرياح تذرو التراب وغيره، وقيل: النساء الوالدات، فإنهن ~~يذرين الأولاد، وقوله تعالى {ذروا} منصوب على المصدر المؤكد والعامل فيه ~~فرعه وهو اسم الفاعل والمفعول محذوف اقتصارا، يقال: ذرت الريح التراب ~~وأذرته. # {فالحاملات} أي: السحب تحمل الماء وقيل: الرياح الحاملة للسحاب وقيل ~~النساء الحوامل وقوله تعالى: {وقرا} أي: ثقلا مفعول به بالحاملات كما يقال ~~حمل فلان عدلا ثقيلا، قال الرازي: ويحتمل أن يكون اسما أقيم مقام المصدر ~~كقوله: ضربته سوطا. # {فالجاريات} أي: السفن، وقيل: الرياح الجارية # PageV04P093 # في مهابها، وقيل الكواكب التي تجري في منازلها، وقوله تعالى: {يسرا} أي: ~~بسهولة، مصدر في موضع الحال أي ميسرة. # {فالمقسمات} أي الملائكة التي تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد ~~والبلاد وقوله تعالى: {أمرا} يجوز أن يكون مفعولا به كقولك: فلان قسم الرزق ~~أو المال، وأن يكون حالا، أي: مأمورة، وهذه أشياء مختلفة فتكون الفاء على ~~بابها من عطف المتغايرات والفاء للترتيب في القسم لا في المقسم به، قال ~~الزمخشري: ويجوز أن يراد الرياح وحدها؛ لأنها تنشىء السحاب وتقله وتصرفه ~~وتجري في الجو جريا سهلا، وعلى هذا يكون من عطف الصفات والمراد واحد فتكون ~~الفاء على هذا لترتيب الأمور في الوجود وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى ~~عنه أنه قال وهو على المنبر: سلوني، قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي ~~مثلي فقام ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟ قال: الرياح، قال: فالحاملات وقرا ~~قال: السحاب، قال: فالجاريات يسرا، قال: الفلك قال: فالمقسمات أمرا، قال: ~~الملائكة وكذا عن ابن عباس وعن الحسن المقسمات السحاب يقسم الله تعالى بها ~~أرزاق العباد وقد حملت على الكواكب السبعة، ويجوز أن يراد الرياح لا غير، ~~لأنها تنشىء السحاب وتقله وتصرفه وتجري في الجو جريا سهلا وتقسم الأمطار ~~بتصريف السحاب. ms3349 # فإن قيل: إن كان وقرا مفعولا فلم لم يجمع؟ وقيل: أوقارا أجيب بأن جماعة ~~من الرياح قد تحمل وقرا واحدا وكذا القول في المقسمات أمرا إذا قيل إنه ~~مفعول به لأن جماعة من الملائكة قد تجتمع على أمر واحد. # فائدة: أقسم الله تعالى بجمع السلامة المؤنث في خمس سور ولم يقسم بجمع ~~السلامة المذكر في سورة أصلا فلم يقل والصالحين من عبادي ولا المقربين إلى ~~غير ذلك مع أن المذكر أشرف لأن جموع السلامة بالواو والنون في الغالب لمن ~~يعقل # ولما كانوا يكذبون بالوعيد أكد الجواب بعد التأكيد بنفس القسم فقال ~~تعالى: {إن ما توعدون لصادق} أي مطابق الإخبار به للواقع وسترون مطابقته ~~له. # تنبيه: ما يجوز أن تكون إسمية وعائدها محذوف أي توعدونه وأن تكون مصدرية ~~فلا عائد على المشهور وحينئذ يحتمل أن يكون توعدون مبنيا من الوعد وأن يكون ~~مبنيا من الوعيد، لأنه يصلح أن يقال أوعدته فهو يوعد ووعدته فهو يوعد لا ~~يختلف فالتقدير: إن وعدكم أوان وعيدكم {وإن الدين} أي المجازاة لكل أحد بما ~~كسب يوم البعث {لواقع} لا بد منه وإن أنكرتم. # {والسماء ذات الحبك} قال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ذات الخلق الحسن ~~المستوي، يقال للنساج إذا نسج الثوب فأجاد ما أحسن حبكه، وقال سعيد بن ~~جبير: ذات الزينة، أي: المزينة بزينة الكواكب، قال الحسن: حبكتها النجوم ~~وقال مقاتل والكلبي والضحاك ذات الطريق كحبك الماء إذا ضربته الريح، وحبك ~~الرمل والشعر الجعد وهو آثار تثنيه وتكسره قال زهير: # *مكلل بأصول النجم تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك* # والحبك يحتمل أن يكون مفرده حبيكة كطريقة وطرق أو حباك نحو حمار وحمر قال ~~الشاعر: # *كأنما جللها الحواك ... ظننته في وشيها حباك* # وأصل الحبك إحكام الشيء وإتقانه، ومنه يقال للدرع: محبوكة. # وجواب القسم {إنكم} يا معشر # PageV04P094 # قريش {لفي قول} محيط بكم في أمر القرآن والآتي به وجميع أمر دينكم وغيره ~~مما تريدون به إبطال الدين الحق {مختلف} فتقولون في القرآن سحر وكهانة ~~وأساطير الأولين، وفي محمد صلى الله ms3350 عليه وسلم ساحر وشاعر ومجنون وكاهن ~~وكاذب. # {يؤفك} أي يصرف {عنه} أي عن النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن أي عن ~~الإيمان بذلك {من أفك} أي صرف عن الهداية في علم الله تعالى ومعناه حينئذ ~~الذم، وقيل: إنه مدح للمؤمنين ومعناه يصرف عن القول المختلف من يصرف عن ذلك ~~القول ويرشد إلى القول المستوي. # {قتل} أي لعن {الخراصون} أي الكذابون وهم الذين لا يجزمون بأمر بل هم ~~شاكون متحيرون وهم أصحاب القول المختلف. # ثم وصفهم الله تعالى فقال تعالى: # {الذين هم} أي خاصة {في غمرة} أي جهل يغمرهم {ساهون} أي غريقون في السهو ~~وهو النسيان والغفلة والحيرة وذهاب القلب إلى غير ما يهمه، ففاعل ذلك ذو ~~ألوان متخالفة من هول ما هو فيه وشدة كربه. # {يسألون} النبي استهزاء {أيان} أي متى وأي حين {يوم الدين} أي وقوع ~~الجزاء الذي تخبرنا به ولولا أنهم بهذه الحالة لتذكروا من أنفسهم أنه ليس ~~أحد منهم يترك عبيده وإجراءه في عمل من الأعمال إلا وهو يحاسبهم على ~~أعمالهم، وينظر قطعا في أحوالهم ويحكم بينهم في أقوالهم وأفعالهم فكيف الظن ~~بأحكم الحاكمين أن يترك عبيده الذين خلقهم على هذا النظام المحكم وأبدع لهم ~~هذين الخافقين وهيأ لأجلهم فيهما كل ما يحتاجون إليه فيتركهم سدى ويوجدهم ~~عبثا؟. # وقوله تعالى: {يوم هم} منصوب بمضمر، أي: الجزاء كائن يوم هم {على النار ~~يفتنون} أي يعذبون فيها جواب لسؤالهم أيان يوم الدين، وقال الرازي يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أن يكون جوابا عن قولهم أيان يقع فكما أنهم لم يسألوا سؤال ~~مستفهم طالب للعلم، كذلك لم يجبهم جواب معلم مبين، بل قال {يوم هم على ~~النار يفتنون} فجهلهم بالثاني أقوى من جهلهم بالأول، ولا يجوز أن يكون ~~الجواب بالأخفى، فلو قال قائل: متى يقدم زيد فلو أجيب بقوله: يوم يقدم ~~رفيقه، ولا يعلم يوم قدوم الرفيق لم يصح هذا الجواب. # ثانيهما: أن يكون ذلك ابتداء كلام تمامه في قوله تعالى: # {ذوقوا فتنتكم} أي تعذيبكم فإن قيل: هذا يفضي إلى الإضمار ms3351 أجيب: بأن ~~الإضمار لا بد منه لأن قوله تعالى: {ذوقوا فتنتكم} لا يتصل بما قبله إلا ~~بإضمار يقال {هذا} أي العذاب الملون {الذي كنتم به تستعجلون} في الدنيا ~~استهزاء. # ولما بين تعالى حال المجرمين بين بعده حال المتقين فقال تعالى: # {إن المتقين} أي الذين كانت التقوى لهم وصفا ثابتا {في جنات} أي بساتين ~~عظيمة تجن داخلها أي تستره من كثرة ظلالها لكثرة أشجارها وعظمها {وعيون} ~~جارية في خلال الجنان. # تنبيه: المتقي له مقامات أدناها أن يتقي الشرك وأعلاها أن يتقي الدنيا ~~والآخرة، وأدنى درجات المتقي الجنة فما من مكلف اجتنب الكفر إلا ويدخل ~~الجنة. # وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بكسر العين والباقون ~~بالضم. وقوله تعالى: # {آخذين} حال من الضمير في خبر إن. وقوله تعالى: {وما آتاهم ربهم} أي ~~المحسن إليهم المدبر لهم بتمام علمه وشامل قدرته إن كان مما في الجنة فتكون ~~حالا حقيقية وإن كان مما آتاهم من أمره ونهيه في الدنيا فتكون حالا محكية ~~لاختلاف الزمانين. # تنبيه: اعلم أن الله تعالى وحد الجنة # PageV04P095 # تارة قال تعالى: {مثل الجنة} (الرعد: 35) # وأخرى جمعها كقوله تعالى هنا: {إن المتقين في جنات} وتارة ثناها قال ~~تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن: 46) # والحكمة فيه أن الجنة في توحيدها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة ~~واحدة، وأما جمعها فإنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إليها جنات لا ~~يحصرها عدد وأما تثنيتها فسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في سورة ~~الرحمن وهو قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن: 46) # فقيل: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه شهوته، وقيل جنة لخائف الإنس وجنة ~~لخائف الجن فيكون من باب التوزيع قال الرازي: غير أنا نقول ههنا إن الله ~~تعالى عند الوعد وحد الجنة وكذلك عند الشراء فقال تعالى {إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} (التوبة: 111) # وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة بخلاف ما لو ~~وعد بجنات ثم يقول إنه في جنة لأنه دون الموعود. # ومعنى ms3352 آخذين: قابضين ما آتاهم شيئا فشيئا ولا يستوفونه بكماله لامتناع ~~استيفاء ما لا نهاية له وقيل: قابلين قبول رضا كقوله تعالى {ويأخذ الصدقات} ~~(التوبة: 104) # أي يقبلها قاله الزمخشري وقوله تعالى: {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} إشارة ~~إلى أنهم أخذوها بثمنها وملكوها بالإحسان في الدنيا، والإشارة بذلك إما ~~لدخول الجنة وإما لإيتاء الله تعالى وإما ليوم الدين والإحسان يكون في ~~معاملة الخالق والخلائق وقيل: هو قول لا إله إلا الله ولهذا قيل. في معنى ~~كلمة التقوى: إنها لا إله إلا الله وفي قوله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا ~~إلى الله} (فصلت: 33) # وقوله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرحمن: 60) # هو الإتيان بكلمة لا إله إلا الله. # ثم فسر إحسانهم معبرا عنه بما هو في غاية المبالغة بقوله تعالى: # {كانوا} أي لما عندهم من الإجلال له والحب فيه بحيث كأنهم مطبوعين فيه ~~{قليلا من الليل} الذي هو وقت الراحات وقضاء الشهوات {ما يهجعون} أي يفعلون ~~الهجوع وهو النوع الخفيف القليل بالليل فما ظنك بما فوقه فما مزيدة ويهجعون ~~خبر كان وقليلا ظرف أي: ينامون في زمن يسير من الليل ويصلون أكثره، وقال ~~ابن عباس رضي الله عنه كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئا إما من ~~أولها أو من وسطها، وعن أنس بن مالك كانوا يصلون من المغرب إلى العشاء، ~~وقال محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلون العتمة، وقال مطرف بن عبد ~~الله: قل ليلة أتت عليهم هجوعا كلها وقال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل. # ووقف بعضهم على قليلا ليؤاخي بها قوله تعالى {وقليل ما هم} (ص: 24) # و {قليل من عبادي الشكور} (سبأ: 13) # ويبتدئ من الليل ما يهجعون أي ما يهجعون من الليل والمعنى: كانوا من ~~الناس قليلا ثم ابتدأ فقال: ما يهجعون من الليل وجعله جحدا أي لا ينامون ~~بالليل البتة بل يقومون للصلاة والعبادة وهو قول الضحاك ومقاتل، وقيل: إن ~~ما بمعنى الذي وعائدها محذوف تقديره: كانوا قليلا من الليل الوقت الذي ~~يهجعونه وهذا ms3353 فيه تكلف ولما كان المحسن لا يرى نفسه إلا مقصرا. # قال تعالى دالا على ذلك وعلى أن تهجدهم متصل بآخر الليل. # {وبالأسحار} قال ابن زيد: السحر السدس الأخير من الليل {هم} أي: دائما ~~بظواهرهم وبواطنهم {يستغفرون} أي: يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين ~~ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم بالله تعالى، وأنهم لا يقدرون على أن ~~يقدروه حق قدره وإن اجتهدوا لقول سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم «لا ~~أحصي ثناء # PageV04P096 # عليك» وإبراز الضمير دل على أن غيرهم لو فعل هذا ليلة لا عجب بنفسه ورأى ~~أنه لا أحد أفضل منه، وعلى أن استغفارهم في الكثرة يقتضي أنهم يكونون بحيث ~~يظن أنهم أحق بالتذلل من المصرين على المعاصي، فإن استغفارهم ذلك على بصيرة ~~لأنهم نظروا ماله سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات والحكم البالغة ~~فأقبلوا على الاستغفار عالمين بأنه تعالى لا يقدر حق قدره. # تنبيه: بالأسحار متعلق بيستغفرون والباء بمعنى في وقدم متعلق الخبر على ~~المبتدأ لجواز تقديم العامل. # وقال الكلبي ومجاهد: بالأسحار يصلون وذلك أن صلاتهم بالأسحار لطلب ~~المغفرة روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل الله ~~إلى السماء كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل فيقول أنا الملك أنا الملك من الذي ~~يدعوني فأستجيب له، من الذي يسألني فأعطيه من الذي يستغفرني فأغفر له» وهذا ~~الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان معروفان: # أحدهما: وهو مذهب السلف وغيرهم أنه يمر كما جاء من غير تأويل ولا تعطيل ~~وترك الكلام فيه وفي أمثاله مع الإيمان به وتنزيه الرب سبحانه عن صفات ~~الأجسام. # المذهب الثاني: وهو قول جماعة من المتكلمين وغيرهم أن الصعود والنزول من ~~صفات الأجسام فالله تعالى منزه عن ذلك فعلى هذا يكون معناه نزول الرحمة ~~والألطاف الإلهية والإقبال على الداعين بالإجابة واللطف وتخصيصه بالثلث ~~الأخير من الليل، لأن ذلك وقت التهجد والدعاء وغفلة أكثر الناس وعن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم ~~لك ms3354 الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات ~~والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد ~~أنت الحق ووعدك حق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ~~ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك ~~خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت» وزاد في ~~رواية «وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله ~~غيرك» زاد النسائي «ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» . # ولما ذكر تعالى معاملتهم للخالق أتبعه المعاملة للخلائق تكميلا لحقيقة ~~الإحسان فقال تعالى: # {وفي أموالهم} أي كل أصنافها {حق} أي نصيب ثابت {للسائل} أي الذي ينبه ~~على حاجته بسؤال الناس وهو المتكفف {والمحروم} وهو المتعفف الذي لا يجد ما ~~يغنيه ولا يسأل الناس ولا يفطن له ليتصدق عليه وهذه صفة أهل الصفة رضي الله ~~تعالى عنهم، فالمحسنون يعرفون صاحب الوصف لما لهم من ناقد البصيرة ولله ~~تعالى بهم العناية، وقدم السائل لأنه يعرف بسؤاله أو يكون إشارة إلى كثرة ~~العطاء فيعطي السؤال، فإذا لم يجدهم يسأل عن المحتاجين فيكون سائلا ~~ومسؤولا. # وقيل قدم السائل لتجانس رؤوس الآي. وقيل: السائل هو الآدمي، والمحروم كل ~~ذي روح غيره من الحيوانات المحترمة قال صلى الله عليه وسلم «في كل كبد حراء ~~أجر» وهذا ترتيب حسن لأن الآدمي مقدم على البهائم، وقال ابن عباس وسعيد بن ~~المسيب: السائل الذي يسأل الناس والمحروم الذي ليس له في الغنائم سهم ولا ~~يجري عليه من الفيء شيء، وقال قتادة والزهري: المحروم # PageV04P097 # المتعفف الذي لا يسأل الناس وقال زيد بن أسلم: المحروم هو المصاب ثمره أو ~~زرعه أو نسل ماشيته وهو قول محمد بن كعب القرظي قال: المحروم صاحب الجائحة ~~ثم قرأ {إنا لمغرومون بل نحن محرومون} (الواقعة: 66 67) # {وفي الأرض} أي من الجبال والبحار والأشجار والثمار والنبات وغيرها ~~{آيات} أي دلالات على ms3355 قدرة الله تعالى ووحدانيته {للموقنين} أي الذين صار ~~الإيقان لهم غريزة ثابتة فهم لذلك يتفطنون لرؤية ما فيها قال القشيري: من ~~الآيات فيها أنها تحمل كل شيء، فكذلك العارف يحمل كل أحد ومن استثقل أحدا ~~أو تبرم برؤية أحد فلغيبته عن الحقيقة ومطالعته الخلق بعين التفرقة، وأهل ~~الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة، ومن الآيات فيها أنه يلقي عليها كل قذر ~~وقمامة فتنبت كل زهر ونور فكذلك العارف بتشرب ما يسقى من الجفاء ولا يترشح ~~إلا بكل خلق حسن علي وشيمة زكية. # {وفي أنفسكم} آيات أيضا من مبدإ خلقكم إلى منتهاه، وما في تركيب خلقكم من ~~العجائب {أفلا تبصرون} أي: بأبصاركم وبصائركم فتتأملوا ما في ذلك من الآيات ~~فمن تأملها علم أنه عبد، ومتى علم ذلك علم أن له ربا غير محتاج إلى أحد. # {وفي السماء} أي: جهة العلو {رزقكم} بما يأتي من المطر والرياح والحر ~~والبرد وغير ذلك مما رتبه سبحانه وتعالى لمنافع العباد، وقال ابن عباس يعني ~~بالرزق المطر لأنه سبب الأرزاق، وقيل: في السماء رزقكم مكتوب وقيل تقدير ~~الأرزاق كلها من السماء ولولاه لما حصل في الأرض حبة قوت {وما توعدون} قال ~~عطاء: من الثواب والعقاب وقال مجاهد: من الخير والشر وقال الضحاك: من الجنة ~~والنار. # ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه فقال عز من قائل: # {فورب} أي: مبدع ومدبر {السماء والأرض} أي: وما أودع فيهما مما علمتموه ~~وما لم تعلموه {إنه} أي: الذي توعدونه من الخير والشر والجنة والنار وما ~~ذكر من أمر الرزق وما تقدم الإقسام عليه {لحق} أي ثبات يطابقه الواقع {مثل ~~ما أنكم تنطقون} أي مثل نطقكم كما أنه لا شك في أنكم تنطقون ينبغي لكم أن ~~لا تشكوا في تحقيق ذلك وقال بعض الحكماء: معناه أن كل إنسان ينطق بلسان ~~نفسه ولا يمكن أن ينطق بلسان غيره، كذلك كل أحد يأكل رزق نفسه الذي قسم له ~~لا يقدر أن يأكل رزق غيره وأنشدوا في المعنى: # *ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبدا وما هو ms3356 كائن سيكون* # *سيكون ما هو كائن في وقته ... وأخو الجهالة مكمد مغبون* # وقيل: معناه إن القرآن لحق تكلم به الملك النازل من السماء مثل ما ~~تتكلمون، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة برفع اللام على أنه نعت لحق، وما مزيدة ~~وأنكم مضاف إليه أي لحق مثل نطقكم ولا يضر تقدير إضافتها لمعرفة لأنها لا ~~تتعرف بذلك لإبهامها، والباقون بالنصب على أنه نعت لحق أيضا كما في القراءة ~~الأولى: وإنما بنى الاسم لإضافته إلى غير ممكن كما بناه القائل في قوله: # *فتداعى منخراه بدم ... مثل ما أثمر حماض الجبل* # يفتح مثل مع أنها نعت لدم وقيل أنها نعت لمصدر محذوف أي لحق حقا مثل ~~نطقكم. وقوله # PageV04P098 # تعالى: # {هل أتاك} أي يا أكمل الخلق {حديث ضيف إبراهيم المكرمين} تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وتبشير له بالفرج وسماهم ضيفا؛ لأنه حسبهم كذلك ويقع على ~~الواحد والجمع لأنه مصدر، وسماهم مكرمين عند الله تعالى، أو لأن إبراهيم ~~عليه السلام أكرمهم بأن عجل قراهم وأجلسهم في أكرم المواضع واختيار إبراهيم ~~لكونه شيخ المرسلين، وكون النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بأن يتبع ملته ~~وكان إبراهيم عليه السلام أكرم الخليقة، وضيف الكرام مكرمون. وقال ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد: لأن إبراهيم عليه السلام خدمهم بنفسه، وعن ابن عباس سماهم ~~مكرمين لأنهم جاؤوا غير مدعوين، وقال صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» . # فإن قيل: إذا كان المراد من الآية التسلية والإنذار، فأي فائدة في حكاية ~~الضيافة؟ أجيب: بأن في ذلك إشارة إلى أن الفرج في حق الأنبياء والبلاء على ~~الجهلة يأتي من حيث لم يحتسبوا كقوله تعالى: {فأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون} (الزمر: 25) # فلم يكن عند إبراهيم عليه السلام خبر من إنزال العذاب مع ارتفاع منزلته ~~قال القشيري: وقيل كان عددهم اثني عشر ملكا وقيل: جبريل عليه السلام وكان ~~معه تسعة وقيل: كانوا ثلاثة، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها والباقون ~~بكسر الهاء وياء بعدها. # {إذ} أي حديثهم حين {دخلوا عليه} ms3357 أي دخول استعلاء مخالف لدخول بقية ~~الضيوف، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الذال عند الدال والباقون ~~بالإدغام. # تنبيه: اختلف في العامل في إذ على أربعة أوجه: أحدها: أنه حديث أي هل ~~أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه. ثانيها: أنه منصوب بما في ضيف من ~~معنى الفعل، لأنه في الأصل مصدر ولذلك استوى فيه الواحد المذكر وغيره، كأنه ~~قيل: الذين أضافهم في وقت دخولهم عليه. ثالثها: أنه منصوب بالمكرمين إن ~~أريد بإكرامهم أن إبراهيم عليه السلام أكرمهم بخدمته لهم كأنه تعالى يقول: ~~أكرموا إذ دخلوا. رابعها: أنه منصوب بإضمار اذكر، ولا يجوز نصبه بأتاك ~~لاختلاف الزمانين. # فإن قيل: إنما أرسلوا إلى قوم لوط فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم عليه ~~السلام؟ أجيب من وجهين: أحدهما: أن إبراهيم عليه السلام شيخ المرسلين ولوط ~~من قومه، وعادة الملك إذا أرسل رسولا لملك وفي طريقه من هو أكبر منه يقول ~~له: اعبر على فلان الملك وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه. ثانيهما: أن ~~إبراهيم عليه السلام كان شديد الشفقة حليما فكان يشق عليه إهلاك أمة عظيمة، ~~وكان ذلك مما يحزن إبراهيم عليه السلام شفقة منه على العباد، فقال لهم: ~~بشروه بغلام يخرج من صلبه أضعاف من هلك ويكون من صلبه فروع الأنبياء عليهم ~~السلام {فقالوا سلاما} أي هذا اللفظ. {قال سلام} أي: هذا اللفظ، والمشهور ~~أن السلام الأول المراد به التحية أن نسلم سلاما، وقيل: إن سلاما معناه ~~حسنا؛ لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو ويأثم، فكأنهم قالوا قولا حسنا ~~سليما من الإثم فيكون مفعولا به، لأنه في معنى القول، وأما رفع الثاني ~~فالمشهور أنه التحية فهو مبتدأ وخبره محذوف أي عليكم، وقيل: إنه السلامة، ~~أي: أمري سلام لأني لا أعرفكم، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين وسكون اللام ~~والباقون بفتح السين واللام وألف بعدها والمعنى واحد. # PageV04P099 # وقوله تعالى: {قوم منكرون} أي غرباء لا أعرفهم قال ذلك في نفسه كما قاله ~~ابن عباس خبر مبتدأ مقدر أي هؤلاء. وقيل: إنما أنكر أمرهم؛ ms3358 لأنهم دخلوا ~~عليه من غير استئذان وقال أبو العالية: أنكر إسلامهم في ذلك الزمان وفي تلك ~~الأرض. # {فراغ} أي ذهب في خفية من ضيفه، فإن من آداب المضيف أن يبادر بالقرى حذرا ~~من أن يكفه الضيف أو يصير منتظرا {إلى أهله} أي الذين عندهم بقرة {فجاء ~~بعجل} أي فتى من أولاد البقر لأنه كان عامة ماله البقر {سمين} قد شواه ~~وأنضجه كما قال تعالى في سورة هود {حنيذ} (هود: 66) # أي: مشوي. # {فقربه إليهم} بأن وضعه بين أيديهم ليأكلوا فلم يأكلوا {قال ألا تأكلون} ~~والهمزة إما للإنكار عليهم في عدم أكلهم، وإما للعرض وإما للتحضيض فلم ~~يجيبوا. # {فأوجس} أي أضمر في نفسه {منهم خيفة} لما رأى إعراضهم على طعامه لظنه ~~أنهم جاؤوه لشر. وقيل: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا بعذاب فلما عرفوا ~~منه ذلك {قالوا} مؤنسين له {لا تخف} وأعلموه أنهم رسل الله {وبشروه بغلام} ~~يأتيه على شيخوخته ويأس امرأته بالطعن في السن بعد عقمها وهو إسحاق عليه ~~السلام {عليم} أي مجبول جبلة مهيأة للعلم ولا يموت حتى يظهر علمه بالفعل في ~~أوانه، فإن جميع الأنبياء بعده من ذريته إلا نبينا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فإنه من ذرية إسماعيل عليه السلام. # تنبيه: ذكر ههنا من آداب الضيافة تسليم المضيف على الضيف ولقاءه بالوجه ~~الحسن والمبالغة في الإكرام بقوله سلام وهو آكد وسلامهم بالمصدر في قوله ~~سلام بالرفع زيادة على ذلك ولم يقل سلام عليكم، لأن الامتناع من الطعام يدل ~~على العداوة، والغدر لا يليق بالأنبياء فقال: سلام أي امرئ مسالمة ثم فيها ~~من آداب المضيف تعجيل الضيافة فإن الفاء في قوله فراغ تدل على التعقيب ~~وإخفائها. # لأن الروغان يقتضي الإخفاء وغيبة المضيف عن الضيف ليستريح ويأتي بما ~~يمنعه الحياء منه ويخدم الضيف بنفسه ويختار الأجود لقوله سمين، ويقدم ~~الطعام للضيف في مكانه ولا ينقل الضيف للطعام لقوله قربه إليهم، ويعرض ~~الأكل عليه ولا يأمره لقوله تعالى {قال ألا تأكلون} ولم يقل كلوا وسروره ~~بأكله لا كما يوجد في بعض ms3359 البخلاء الذين يحضرون طعاما كثيرا، ويجعل نظره ~~ونظر أهل بيته إلى الطعام حتى يمسك الضيف يده عنه لقوله تعالى: {فأوجس منهم ~~خيفة} لعدم أكلهم. # ومن آداب الضيف إذا حضر الطعام ولم يكن يصلح له لكونه مضرا به أو يكون ~~ضعيف القوة عن هضم ذلك الطعام أن لا يقول هذا طعام غليظ لا يصلح لي بل يأتي ~~بعبارة حسنة ويقول: في مانع من أكل الطعام لأنهم أجابوه بقولهم {لا تخف} ~~ولم يذكروا في الطعام شيئا ولا أنه يضر بهم بل بشروه بالولد إشعارا بأنهم ~~ملائكة وبشروه بالأشرف وهو الذكر، حيث فهموه أنهم ليسوا ممن يأكلون ثم ~~وصفوه بالعلم دون المال والجمال؛ لأن العلم أشرف الصفات # ثم أدب آخر في البشارة وهو أن لا يخبر الإنسان بما يسره دفعة واحدة لأنه ~~يورث مرضا لأنهم جلسوا واستأنس بهم إبراهيم ثم قالوا نبشرك فإن قيل: قال ~~تعالى في سورة هود {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} (هود: 70) # فدل على أن إنكاره، حصل بعد تقريب العجل إليهم وههنا قال {فقالوا سلاما ~~قال سلام قوم منكرون} ثم قال {فراغ إلى أهله} بفاء التعقيب وذلك يدل على أن ~~تقريب الطعام منهم # PageV04P100 # بعد حصول إنكاره فما وجهه؟ أجيب بأن يقال لعلهم كانوا مخالفين لصفة الناس ~~في الشكل والهيئة ولذلك قال {قوم منكرون} أي عند كل أحد واشترك إبراهيم ~~عليه السلام وغيره فيه ولهذا لم يقل أنكرتم بل قال: أنتم منكرون في أنفسكم ~~عند كل أحد منا، ثم لما امتنعوا من الطعام تأكد الإنكار لأن إبراهيم تفرد ~~بمشاهدة إمساكهم فنكرهم فوق الإنكار الأول وحكاية الحال في سورة هود أبسط ~~مما ذكره ههنا، فإنه هنا لم يبين المبشر به وهناك ذكره باسمه وهو إسحاق ~~وههنا لم يقل إن القوم قوم من، وهناك قال: قوم لوط. # ولما كانا بعيدين عن قبول الولد تسبب عن ذلك قوله تعالى دالا على أن ~~الولد إسحاق مع الدلالة على أن خفاء الأسباب لا يؤثر في وجود المسببات. # {فأقبلت} أي: من سماع هذا الكلام {امرأته} ms3360 سارة قيل: لم يكن ذلك إقبالا ~~من مكان إلى مكان بل كانت في البيت، فهو كقول القائل: أقبل يفعل كذا إذا ~~أخذ فيه وقوله تعالى: {في صرة} أي: صيحة حال، أي: جاءت صائحة لأنها قد ~~امتلأت عجبا {فصكت} قال ابن عباس: لطمت {وجهها} واختلف في صفته فقيل: هو ~~الضرب باليد مبسوطة وقيل: هو ضرب الوجه بأطراف الأصابع فعل المتعجب، وهي ~~عادة النساء إذا أنكرن شيئا، وأصل الصك ضرب الشيء بالشيء العريض. وقيل: ~~جمعت أصابعها وضربت جبهتها عجبا وذاك من عادة النساء أيضا إذا أنكرن شيئا ~~{وقالت} تريد أن تستبين الأمر هل الولد منها أو من غيرها {عجوز} قال ~~القشيري: قيل إنها كانت يومئذ ابنة ثمان وتسعين سنة ومع ذلك {عقيم} فهي حال ~~شبابها لم تكن تقبل الحبل فلم تلد قط. # ولما قالت ذلك قالوا مجيبين لها. # {قالوا كذلك} أي مثل ما قلنا من هذه البشرى العظيمة {قال ربك} أي المحسن ~~إليك بتأهيلك لذلك على ما ذكرت من حالك وبتأهيلك من قبل الاتصال بخليله صلى ~~الله عليه وسلم {إنه هو} أي: وحده {الحكيم} أي: الذي يضع الأشياء في أحق ~~مواضعها {العليم} المحيط العلم، فهو لذلك لا يعجزه شيء. # ثم بين سبحانه وتعالى ما كان من حال إبراهيم وحال الملائكة بعد ذلك بقوله ~~تعالى. # {قال} أي إبراهيم عليه السلام مسببا عما رأى من حالهم وأن اجتماع ~~الملائكة على تلك الحالة لم يكن لهذه البشارة فقط {فما خطبكم} أي: خبركم ~~العظيم {أيها المرسلون} أي لأمر عظيم وهذا أيضا من آداب المضيف إذا بادر ~~الضيف بالخروج قال له: ما هذه العجلة وما شأنك لأن في سكوته ما يوهم ~~اشتغاله، ثم إنهم أتوا بما هو من آداب الصديق الذي لا يسر عن الصديق شيئا ~~وكان ذلك بإذن الله تعالى لهم في إطلاع إبراهيم عليه السلام على إهلاكهم ~~وجبر قلبه بتقديم البشارة بأبي الأنبياء إسحاق عليه السلام. # فإن قيل: فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ولم لا قال: ما هذا الاستعجال وما ~~خطبكم المعجل لكم. أجيب: بأنه ms3361 لما أوجس منهم خيفة لو خرجوا من غير بشارة ~~وإيناس فلما آنسوه قال: فما خطبكم، أي: بعد هذا الأنس العظيم ما هذا الإ ~~يحاش الأليم. # {قالوا} قاطعين بالتأكيد بأن مضمون خبرهم حتم لا بد منه ولا مدخل للشفاعة ~~فيه {إنا أرسلنا} أي: بإرسال من تعلم {إلى قوم مجرمين} أي: هم في غاية ~~القوة على ما يحاولونه، وقد صرفوا ما أنعم الله تعالى به عليهم من القوة في ~~قطع ما يحق وصله، ووصل ما يحق قطعه يعنون قوم لوط. # {لنرسل عليهم} أي: من السماء التي فيها # PageV04P101 # ما وعد العباد به وتوعدوا {حجارة من طين} أي: مهيأ للإحراق والاحتراق. # {مسومة} أي: معلمة بعلامة العذاب المخصوص عليها اسم من يرمي بها وقوله ~~تعالى: {عند ربك} أي: المحسن إليك بهذه البشارة وغيرها ظرف المسومة، أي: ~~معلمة عنده {للمسرفين} أي: المتجاوزين الحدود غير قانعين بما أبيح لهم ~~فالمسرف المتمادي ولو في الصغائر، فهم مجرمون أي: مسرفون. والمجرم قال ابن ~~عباس: هو المشرك لأن الشرك أعظم الذنوب. # وهنا لطيفة: وهي أن الحجارة سومت للمصر المسرف الذي لا يترك الذنب في ~~المستقبل وذلك إنما يعلمه الله تعالى فلذلك قال {عند ربك للمسرفين} . # ولما كان الإجرام ظاهرا قالوا {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} واللام في ~~المسرفين لتعريف العهد أي لهؤلاء المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسومة، ~~وإسرافهم بأنهم أتوا بما لم يسبقهم به أحد من العالمين وفي هذا دليل على ~~رجم اللائط، والفائدة في إرسال جماعة من الملائكة لهذا الأمر وإن كان يكفي ~~فيه الواحد منهم إذ الملك العظيم قد يهلك بالأمر الحقير كما أهلك النمروذ ~~بالبعوض، وكما أهلك فرعون بالقمل والجراد بل بالريح التي بها الحياة إظهارا ~~للقدرة، وقد تكثر الأسباب كما في يوم بدر أمر خمسة آلاف من الملائكة بإهلاك ~~أهل بدر مع قلتهم إظهارا لعظيم قدرته. # تنبيه: قوله تعالى: {من طين} أي ليس من البرد والفاعل لذلك هو الله تعالى ~~لا كما تقول الحكماء فإنهم يقولون: إن البرد يسمى حجارة فقوله تعالى: {من ~~طين} ms3362 يدفع ذلك التوهم قال الرازي: إن بعض من يدعي العقل يقول لا ينزل من ~~السماء إلا حجارة من طين مدورات على هيئة البرد وهيئة البنادق التي يتخذها ~~الرماة قالوا: وسبب ذلك أن الإعصار تصعد الغبار من الفلوات العظيمة التي لا ~~عمارة فيها والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ويتفق ذلك إلى هواء ندي فيصير ~~ذلك طينا رطبا، والرطب إذا نزل وتفرق استدار، بدليل أنك إذا رميت الماء إلى ~~فوق ثم نظرت إليه رأيته يقطر كرات مدورات كاللآلىء الكبار، ثم في النزول إن ~~اتفق أن تضربه النيران التي في الجو جعلته حجارة كالآجر المطبوخ فينزل ~~فيصيب من هيأ الله تعالى هلاكه، وقد ينزل كثيرا في المواضع التي لا عمارة ~~بها فلا يرى ولا يدري به فلهذا قال: {من طين} ، لأن ما لا يكون من طين ~~كالحجر الذي يكون في الصواعق لا يكون كثيرا بحيث يمطر وهذا تعسف، لأن ذلك ~~الإعصار لما وقع فإن وقع لحادث آخر لزم التسلسل ولا بد من الانتهاء إلى ~~محدث ليس بحادث فذلك المحدث لا بد وأن يكون فاعلا مختارا، والمختار له أن ~~يفعل ذلك وله أن يخلق الحجارة من طين على وجه آخر من غير نار ولا غبار لكن ~~العقل لا طريق له إلى الجزم بطريق إحداثه، وما لا يصل العقل إليه لا يؤخذ ~~إلا بالنقل والنص ومن المعلوم أن نزول حجارة الطين من السماء أغرب وأعجب من ~~غيرها. # ولما أراد الله تعالى أن يهلك المجرمين ميز المؤمنين بقوله تعالى: # {فأخرجنا} أي: بما لنا من العظمة بعد أن ذهبت رسلنا إليهم ووقعت بينهم ~~وبين لوط عليه السلام محاورات معروفة لم يدع الحال هنا إلى ذكرها {من كان ~~فيها} أي: قرى قوم لوط {من المؤمنين} أي: المصدقين بقلوبهم لأنا لا نسويهم ~~بالمجرمين فخلصناهم من العذاب على قلتهم وضعفهم وقوة المخالفين وكثرتهم. # {فما وجدنا فيها} أي: تلك القرى، أسند الأمر إليه تشريفا # PageV04P102 # لرسله وإعلاما بأن فعلهم فعله تعالى {غير بيت} أي: واحد وهو بيت ابن أخي ~~إبراهيم عليهما السلام، ms3363 وقيل: كانت عدة الناجين منهم ثلاثة عشر {من ~~المسلمين} أي: العريقين في إسلام الظاهر والباطن لله تعالى من غير اعتراض ~~أصلا، وهم إبراهيم وآله عليهم السلام وإنهم أول من وجد منهم الإسلام الأتم ~~وتسموا به كما مر في سورة البقرة، وسموا به أتباعهم فكان هذا البيت الواحد ~~صادقا عليه الإيمان الذي هو التصديق والإسلام الذي هو الإنقياد قال البغوي: ~~وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعا لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم ~~يعني لما بينهما من التلازم وإن اختلف المفهومان، وقال الأصفهاني: وقيل: ~~كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر وقيل: هم لوط وابنتاه وصفوا ~~بالإيمان والإسلام أي هم مصدقون بقلوبهم عاملون بجوارحهم الطاعات. # تنبيه: في الآية إشارة إلى أن الكفر إذا غلب والفسق إذا فشا لا تنفع معه ~~عبادة المؤمنين، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة وفيهم ~~شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون ومثاله: أن العالم كالبدن، ووجود الصالحين ~~كالأغذية الباردة والحارة والسموم والواردة عليه الضارة، ثم إن البدن إذا ~~خلا عن النافع وفيه الضار هلك وإن خلا عن الضار وفيه النافع طاب ونما، وإن ~~وجدا فيه معا فالحكم للأغلب، وإطلاق الخاص على العام لا مانع منه لأن ~~المسلم أعم من المؤمن، فإذا سمى المؤمن مسلما لا يدل على اتحاد مفهوميهما ~~فكأنه تعالى قال: أخرجنا المؤمنين فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتا من ~~المسلمين، ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين. # {وتركنا} أي: بما لنا من العظمة {فيها} أي تلك القرى بما أوقعنا بها من ~~العذاب {آية} أي علامة عبرة على هلاكهم كالحجارة أو الماء المنتن، فإنا ~~قلعنا قراهم كلها وصعدت في الجو كالغمام إلى عنان السماء ولم يشعر أحد من ~~أهلها بشيء من ذلك ثم قلبت واتبعت بالحجارة ثم خسف بها وغمرت بالماء الذي ~~لا يشبهه شيء من مياه الأرض، كما أن جنايتهم لم تكن تشبه جناية أحد ممن ~~تقدمهم من أهل الأرض {للذين يخافون العذاب الأليم} أي: أن يحل بهم كما حل ms3364 ~~بهذه القرى في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذاري إلى عنان ~~السماء وقلبهم وإتباعهم الحجارة المحرقة، وغمرهم بالماء المناسب لفعلهم ~~بنتنه وعدم نفعه، وما ادخر لهم في الآخرة أعظم وخص الذين يخافون بالذكر ~~لأنهم المعتبرون بها. وقوله تعالى: # عطف على قوله تعالى: {فيها} بإعادة الجار، لأن المعطوف عليه ضمير مجرور ~~فيتعلق بتركنا من حيث المعنى ويكون التقدير وتركنا في قصة موسى آية {إذ ~~أرسلناه} أي: بمالنا من العظمة {إلى فرعون بسلطان مبين} أي بحجة واضحة وهي ~~معجزاته الظاهرة كاليد والعصا ومع ذلك لم ينتفع بها، ولذلك سبب عنها وعقب ~~بها قوله تعالى: # k # {فتولى} أي: كلف نفسه الإعراض عنها بعدما دعاه علمها إلى الإقبال إليها ~~وأشار إلى قواه بقوله تعالى: {بركنه} أي: بسبب ما يركن إليه من القوة في ~~نفسه وبأعوانه وجنوده، لأنهم له كالركن وقيل: بجميع بدنه كناية عن المبالغة ~~في الإعراض {وقال} معلما بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر {ساحر} ثم ناقض ~~كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله {أو مجنون} أي: لاجترائه على مع ~~مالي من عظيم الملك # PageV04P103 # بمثل هذا الذي يدعو إليه # تنبيه: أو هنا على بابها من الإبهام على السامع أو للشك نزل نفسه مع أنه ~~يعرفه نبيا حقا منزلة الشاك في أمره تمويها على قومه، وقال أبو عبيدة: أو ~~بمعنى الواو قال: لأنه قد قالهما قال تعالى: {إن هذا لساحر عليم} (الأعراف: ~~109) # وقال في موضع آخر {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} (الشعراء: 27) # ورد الناس عليه هذا وقالوا: لا ضرورة تدعو إلى ذلك وأما الآيتان فلا ~~تدلان على أنه قالهما معا في آن واحد، وإنما يفيدان أنه قالهما أعم من أن ~~يكونا معا، أو هذه في وقت وهذه في آخر. # ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء قال تعالى محذرا للأعداء. # {فأخذناه} أي: أخذ غضب وقهر بعظمتنا وقوله تعالى: {وجنوده} يجوز أن يكون ~~معطوفا على مفعول أخذناه وهو الظاهر وأن يكون مفعولا معه. # {فنبذناهم} أي: طرحناهم طرح مستهين بهم كما تطرح الحصيات {في ms3365 اليم} أي: ~~البحر الذي هو أهل لأن يقصد بعد أن سلطنا الريح عليه فغرقته لما ضربه موسى ~~عليه السلام بعصاه ونشفت أرضه وأيبست ما أبرزت فيه من الطرق لنجاة أوليائنا ~~وهلاك أعدائنا {وهو} أي والحال أن فرعون {مليم} أي آت بما يلام عليه من ~~تكذيب الرسول ودعوى الربوبية وغير ذلك. # ثم ذكر تعالى قصصا أخر تسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم إحداها: قوله ~~تعالى: # {وفي عاد} أي: إهلاكهم وهم قوم هود عليه السلام آية عظيمة {إذ} أي حين ~~{أرسلنا} بعظمتنا {عليهم الريح} فأتتهم تحمل سحابة سوداء وهي تدر الرمل ~~وترمي بالحجارة كما مرت الإشارة إليه على كيفية لا تطاق {العقيم} أي التي ~~لا خير فيها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر وهي الدبور. # ثم بين عقمها وإعقامها بقوله تعالى: # {ما تذر} أي: تترك على حالة رديئة، وأغرق في النفي فقال تعالى: {من شيء ~~أتت عليه} أي: إتيانا أراد مرسلها إهلاكه بها {إلا جعلته كالرميم} أي: ~~الشيء البالي الذي دهكته الأيام والليالي إلى حالة الدمار وهو في كلامهم ما ~~يبس من نبات الأرض وديس، قاله ابن جرير. # فإن قيل: الجبال والصخور وغير ذلك أتت عليهم وما جعلتهم كالرميم أجيب بأن ~~المراد أتت عليه قاصدة له وهو عاد وأبنيتهم وعروشهم، لأنها كانت مأمورة ~~بأمر من عند الله فكأنها كانت قاصدة لهم فما تركت شيئا من تلك الأشياء إلا ~~جعلته كالرميم. # ثانيها: قوله تعالى: {وفي ثمود} أي إهلاكهم وهم قوم صالح عليه السلام آية ~~عظيمة {إذ} أي حين {قيل لهم} أي ممن لا يخلف الميعاد، وقرأ هشام والكسائي ~~بضم القاف والباقون بكسرها {تمتعوا} أي بلبن الناقة وغيره مما مكناهم فيه ~~من الزروع والنخيل والأبنية في الجبال والسهول وغير ذلك من جلائل الأمور ~~على الوجه الذي أمرناكم به، ولا تطغوا {حتى حين} أي وقت ضربناه لآجالكم. # {فعتوا} أي أوقعوا بسبب إحساننا إليهم العتو وهو التكبر والإباء {عن أمر ~~ربهم} أي: مولاهم الذي أعظم إحسانه إليهم فعقروا ناقته وأرادوا قتل نبيه ~~صالح عليه السلام {فأخذتهم} ms3366 أي: بسبب عتوهم أخذ قهر وعذاب {الصاعقة} أي: ~~الصيحة العظيمة التي حملتها الريح فأوصلتها إلى مسامعهم بغاية العظمة ورجت ~~ديارهم رجة أزالت أرواحهم بالصعق، وقرأ الكسائي بإسكان العين ولا ألف ~~قبلها، والباقون بكسر العين وقبلها ألف وقوله تعالى: {وهم ينظرون} دال على ~~أنها كانت في غمام وكان فيها # PageV04P104 # نار، ويجوز مع كونه من النظر أن يكون أيضا من الانتظار فإنهم وعدوا نزول ~~العذاب بعد ثلاثة أيام وجعل في كل يوم علامة وقعت بهم فتحققوا وقوعه في ~~اليوم الرابع. وقال بعض المفسرين: المراد منه هو ما أمهلهم الله تعالى بعد ~~عقرهم الناقة وهو ثلاثة أيام بقوله تعالى: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} ~~(هود: 65) # وكان في تلك الأيام تتغير ألوانهم فتحمر وتصفر وتسود قال الرازي: وهذا ~~ضعيف، لأن قوله تعالى {فعتوا عن أمر ربهم} بحرف الفاء دليل على أن العتو ~~كان بعد قوله تعالى: {تمتعوا} فإذا الظاهر أن المراد هو ما قدر الله تعالى ~~للناس من الآجال فما من أحد إلا وهو ممهل مدة الأجل انتهى. ولحسن هذا فسرت ~~الآية به. # {فما} أي: فتسبب عن ذلك أنهم ما {استطاعوا} أي: تمكنوا، وأكد النفي بقوله ~~تعالى: {من قيام} أي: فما قاموا بعد نزول العذاب وما قدروا على نهوض، قال ~~قتادة: لم ينهضوا من تلك الصرعة كقوله تعالى: {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} ~~(الأعراف: 78) # وقيل: هو من قولهم ما يقوم به إذا عجز عن دفعه {وما كانوا} أي: كونا ما ~~{منتصرين} أي: لم يكن فيهم أهلية الانتصار بوجه لا بأنفسهم ولا بناصر ~~ينصرهم فيطاوعونه في النصرة، لأن تهيؤهم لذلك سقط بكل اعتبار. # ثالثها: قوله تعالى: {وقوم نوح} بالجر، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة ~~والكسائي عطف على ثمود أي وفي إهلاكهم بماء السماء والأرض آية، وبالنصب وهي ~~قراءة الباقين أي وأهلكنا قوم نوح {من قبل} أي: من قبل إهلاك هؤلاء ~~المذكورين ثم علل إهلاكهم بقوله تعالى: {إنهم كانوا} خلقا وطبعا لا حيلة ~~لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم {قوما} أي: أقوياء {فاسقين} أي: غريقين في ~~الخروج ms3367 عن حظيرة الدين. # ثم ذكر ما يدل على تمام القدرة على البعث بقوله تعالى: # {والسماء بنيناها} أي: بمالنا من العظمة {بأيد} أي: بقوة وشدة عظيمة لا ~~يقدر قدرها. فائدة: رسمت بأيد بيائين بعد الألف {وإنا} على عظمتنا بعد ذلك ~~{لموسعون} أي: أغنياء وقادرون ذووا سعة لا تتناهى، ولذلك أوسعنا بقدر جرمها ~~وما فيها من الرزق عن أهلها فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط دائرة ~~السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا تصح معها الشركة أصلا فلسنا كمن ~~تعرفون من الملوك، لأنهم إذا فعلوا شيئا لم يقدروا على أعظم منه وإن قدروا ~~كان ذلك منهم بكلفة ومشقة وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى ما ترون في جنبه ~~ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من الأمور ~~الخارقة للعوائد، وعن الحسن لموسعون الرزق بالمطر وقيل: جعلنا بينها وبين ~~الأرض سعة. # {والأرض فرشناها} أي: بسطناها ومهدناها بما لنا من العظمة، فصارت ممهدة ~~جديرة بأن تستقر عليها الأشياء، وهي آية على تمهيد أرض الجنة وسقنا ~~لأنهارها وغرسنا لأشجارها {فنعم} أي: فتسبب عن ذلك أن يقال: في وصفنا نعم ~~{الماهدون} والمخصوص بالمدح محذوف لفهم المعنى، أي: نحن لكمال قدرتنا فما ~~نزل من السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا واختيارنا وتقديرنا ~~من الأزل لأنا إذا صنعنا شيئا علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين ~~إفنائه ولا يكون شيء منه إلا بتقديرنا، وذلك تذكير بالجنة والنار فما فيها ~~من خير فهو آية على الجنة، وما فيها من شر فهو آية على النار وقوله تعالى: # {ومن كل شيء خلقنا} يجوز أن يتعلق بخلقنا أي خلقنا # PageV04P105 # من كل شيء {زوجين} وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من زوجين، لأنه في الأصل ~~صفة له إذ التقدير خلقنا زوجين كائنين من كل شيء، أي صنفين كل منهما يزاوج ~~الآخر من وجه وإن خالفه من آخر ولا يتم نفع أحدهما إلا بالآخر من الحيوان ~~والنبات وغيرهما، ويدخل فيه الأضداد ms3368 من الغنى والفقر والحسن والقبح والحياة ~~والموت والظلام والنور والليل والنهار والصحة والسقم والبر والبحر والسهل ~~والجبل والشمس والقمر والحر والبرد اللذين هما من نفس جهنم آية بينة عليها ~~وبناؤها على الاعتدال في بعض الأحوال آية على الجنة مذكرة بها مشوقة إليها، ~~والإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحق والباطل والحلو والمر قال الحسن: ~~كل اثنين منها زوج والله سبحانه وتعالى فرد لا مثل له {لعلكم تذكرون} أي: ~~فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا ~~فتعلموا أن خالق هذه الأشياء واحد لا شريك له لا يعجزه حشر الأجساد وجمع ~~الأرواح، وقرأ حفص والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد # {ففروا} أي: أقبلوا والجؤوا {إلى الله} أي: الذي لا سمي له فضلا عن ~~مكافىء، وله الكمال كله فهو في غاية العلو فلا يفر ويسكن أحد إلى غير محتاج ~~مثله فإن المحتاج لا غنى عنده ولا يفر إليه سبحانه إلا من تجرد عن حضيض ~~عوائقه الجسمية إلى أوج صفاته الروحانية وذلك من وعيده إلى وعده اللذين دل ~~عليهما بالزوجين فتكمل السياق بالتحذير والاستعطاف بالاستدعاء فهو من باب ~~لا ملجأ منك إلى إليك أعوذ بك منك قال القشيري: ومن صح فراره إلى الله ~~تعالى صح قراره مع الله تعالى قال البقاعي: وهو بكمال المتابعة ليس عينا ~~ومن فهم منه اتحادا بذات أو صفة فقد نابذ طريق القوم فعليه لعنة الله. # {إني لكم منه} أي: لا من غيره {نذير} أي: من أن يفر أحد إلى غيره فإنه لا ~~يحصل له قصد {مبين} أي: بين الإنذار ففرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا ~~وسعيا، ومن الكسل إلى التشمير حذرا وحزما ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء ~~وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق استغراقا في وحدانيته. # {ولا تجعلوا} أي: بأهوائكم {مع الله} وكرر الاسم الأعظم ولم يضمر تعيينا ~~للمراد، لأنه لم يشاركه في التسمية به أحد وتنبيها على ماله من صفات الكمال ~~وتعميما لوجوه المقاصد لئلا يظن لو قيل معه إن المراد ms3369 النهي على الجعل من ~~جهة الفرار لا من جهة غيرها {إلها آخر} ثم علل النهي مع التأكيد بطعنهم في ~~نذارته فقال {إني لكم منه} أي لا من غيره، فإن غيره لا يقدر على شيء {نذير} ~~أي: محذر من الهلاك الأبدي بالعقوبة التي لاخلاص معها إن فعلتم ذلك {مبين} ~~أي: لا أقول شيئا من واضح النقل إلا ودليله ظاهر. # {كذلك} أي مثل قول قومك المختلف العظيم الشناعة البعيد من الصواب بما له ~~من الاضطراب وقع لمن قبلهم ودل على هذا المقدر بقوله تعالى مستأنفا {ما أتى ~~الذين من قبلهم} أي: كفار مكة وعمم النفي فقال تعالى: {من رسول} أي من عند ~~الله تعالى {إلا قالوا ساحر أو مجنون} أي مثل تكذيبهم لك بقولهم ذلك لأن ~~الرسول يأتيهم بمخالفة مألوفاتهم التي قادتهم إليها أهواؤهم، والهوى هو ~~الذي أوجب لهم هذا التناقض الظاهر سواء أكانت أو للتفصيل، لأن بعضهم قال: ~~واحدا، وبعضهم # PageV04P106 # قال: آخر، أو كانت للشك لأن الساحر يكون لبيبا فطنا آتيا بما يعجز عنه ~~كثير من الناس، والمجنون بالضد من ذلك. # فإن قيل: قوله تعالى {إلا قالوا} يدل على أنهم كلهم قالوا ذلك والأمر ليس ~~كذلك، لأن ما من رسول إلا وآمن به قوم أجيب: بأن ذلك ليس بعام فإنه لم يقل ~~إلا قالوا كلهم وإنما قال إلا قالوا ولما كان كثير منهم قائلين قال تعالى ~~إلا {إلا قالوا} . # فإن قيل: فلم لم يذكر المصدقين كما ذكر المكذبين، وقال: إلا قال بعضهم: ~~صدقت وبعضهم كذبت أجيب: بأن المقصود التسلية وهي أعلى التكذيب فكأنه تعالى ~~قال لا تأس على تكذيب قومك فإن أقواما قبلك كذبوا ورسلا كذبوا. # ثم عجب منهم بقوله تعالى: # {أتواصوا به} فهو استفهام للتعجب والتوبيخ والضمير في به يعود على القول ~~المدلول عليه بقالوا، أي أتواصوا الأولون والآخرون بهذا القول المتضمن ~~لساحر أو مجنون والمعنى: كيف اتفقوا على معنى واحد، كأنهم تواطؤا عليه ~~وأوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وقوله تعالى {بل هم قوم} أي: ذو شماخة وكبر ~~{طاغون} إضراب عن ms3370 أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على ~~هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه، ثم إن الله تعالى سلى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {فتول} أي: أعرض {عنهم} أي: كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم ولا ~~تأسف على تخلفهم عن الإسلام {فما أنت بملوم} لأنك بلغتهم الرسالة وما قصرت ~~فيما أمرت به. # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية «حزن النبي صلى الله عليه وسلم واشتد ~~ذلك على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع وإن العذاب قد حضر إذ أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم» فأنزل الله تعالى: # {وذكر} أي: ولا تدع التذكير والموعظة {فإن الذكرى تنفع المؤمنين} فطابت ~~أنفسهم، والمعنى: ليس التولي مطلقا بل تول وأقبل وأعرض وادع فلا التولي ~~يضرك إذا كان عليهم ولا التذكير يضيع إذا كان مع المؤمنين، وقال مقاتل: ~~معناه عظ بالقرآن كفار مكة فإن الذكرى تنفع من علم الله تعالى أنه مؤمن ~~منهم، وقال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم. # ولما بين حال من قبل النبي صلى الله عليه وسلم في التكذيب بين سوء صنيعهم ~~حيث تركوا عبادة الله تعالى الذي خلقهم للعبادة بقوله تعالى: # {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} واختلف في تفسير ذلك فأكثر المفسرين ~~على أن المراد بهم العموم، ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين لأن الغاية لا ~~يلزم وجودها كما في قولك بريت هذا القلم لأكتب به فإنك قد لا تكتب به هكذا ~~قال الجلال المحلي، وأوضح منه ما قاله ابن عادل: إن المعنى إلا معدين ~~للعبادة ثم منهم من يتأتى منه ذلك ومنهم من لا، كقولك: هذا القلم بريته ~~للكتابة ثم قد لا تكتب به وقد تكتب انتهى أو إن المراد إلا لأمرهم بالعبادة ~~وليقروا بها وهذا منقول عن علي بن أبي طالب، أو إن المراد ليطيعوا وينقادوا ~~لقضائي، فالمؤمن يفعل ذلك طوعا والكافر يفعل ذلك كرها، أو أن المراد إلا ~~ليوحدون فأما المؤمن فيوحد اختيارا في ms3371 الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحد ~~اضطرارا في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء. وقال مجاهد: معناه إلا ~~ليعرفون قال البغوي: وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده ~~بدليل قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} (الزخرف: 87) # وقيل: المراد به الخصوص أي: # PageV04P107 # ما خلقت السعداء من الجن والأنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم إلا ~~لمعصيتي. قال زيد بن أسلم: قال هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة، ~~ويؤيده قوله تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} (الأعراف: 179) # وقيل: وما خلقت الجن والإنس المؤمنين وقيل: الطائعين. # تنبيه: استدل المعتزلة بهذه الآية على أن أفعال الله تعالى معللة ~~بالأغراض وأجيبوا بوجوه منها: أن اللام قد ثبتت لغير الغرض كقوله تعالى: ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس} (الإسراء: 78) # وقوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} (الطلاق: 1) # ومعناه المقارنة فيكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم ~~العبادة ومنها قوله تعالى {الله خالق كل شيء} (الرعد: 16) # ومنها ما يدل على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى {يضل من يشاء} ~~(الرعد: 27) # وأمثاله، ومنها قوله تعالى {لا يسئل عما يفعل} (الأنبياء: 23) # وقوله تعالى {يفعل ما يشاء} (آل عمران: 40) # {ويحكم ما يريد} (المائدة: 1) # فإن قيل: ما الحكمة في أنه لم يذكر الملائكة مع أنهم من أصناف المكلفين ~~وعبادتهم أكثر من عبادة غيرهم من المكلفين قال تعالى: {بل عباد مكرمون} ~~(الأنبياء: 26) # وقال تعالى {لا يستكبرون عن عبادته} (الأعراف: 206) # أجيب بوجوه. # أحدها: أن الآية سيقت لبيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له وهذا ~~مختص بالجن والأنس، لأن الكفر موجود فيهما دون الملائكة. ثانيها: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن والإنس فلما قال تعالى: {وذكر} بين ~~ما يذكر به، وهو كون الخلق للعبادة وخصص أمته بالذكر أي ذكر الجن والأنس ~~ثالثها: أن عباد الأصنام كانوا يقولون إن الله تعالى عظيم الشأن خلق ~~الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله تعالى وخلقهم لعبادته، ونحن لنزول ~~درجتنا لا نصلح لعبادة الله تعالى فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله تعالى ms3372 ~~كما قالوا {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (الزمر: 3) # فقال تعالى: # {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم ~~كان مسلما من القوم فذكر المنازع فيه. رابعها: فعل الجن يتناول الملائكة ~~لأن أصل الجن من الاستتار وهم مستترون عن الخلق فذكر الجن لدخول الملائكة ~~فيهم. # ولما خص سبحانه خلقهم في إرادة العبادة صرح بهذا المفهوم بقوله تعالى: # {ما أريد منهم} أي: في وقت من الأوقات وعمم في النفي بقوله تعالى: {من ~~رزق} أي: شيء من الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع، لأني منزه عن لحاق ~~نفع أو ضر كما يفعل غيري من الموالي مع عبيدهم، فإن ملاك العبيد إنما ~~يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصل معايشهم وأرزاقهم، فإما مجهز في تجارة ~~ليفيء ربحا، أو مرتب في فلاحة ليغتل أرضا، أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته، ~~أو محتطب أو محتش أو مستق أو طابخ أو خابز وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن ~~التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق لأني الغني المطلق وكل شيء ~~مفتقر إلي. # {وما أريد} أصلا {أن يطعمون} أي: أن يرزقون رزقا خاصا هو الإطعام وفيه ~~تعريض بأصنامهم فإنهم كانوا يعملون معها ما ينفعها ويحضرون لها المأكل ~~فربما أكلتها الكلاب ثم بالت على الأصنام، ثم لا يصدهم ذلك عن عبادتها ~~وقيل: في الآية حذف مضاف أي وما أريد أن يطعموا أحدا من خلقي وإنما أسند ~~الإطعام إلى نفسه لأن الخلق كلهم عيال الله ومن أطعم عيال الله فقد أطعمه ~~كما صح في الحديث عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال «إن الله عز وجل ~~يقول # PageV04P108 # يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب ~~العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما تعلم أنك لو عدته ~~لوجدتني عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب ~~العالمين قال استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت ms3373 أنك لو أطعمته لوجدت ~~ذلك عندي يا ابن دم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب ~~العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو أسقيته لوجدت ~~ذلك عندي» . # فإن قيل: ما الفائدة في تكرير الإرادتين مع أن من لا يريد من أحد رزقا لا ~~يريد أن يطعمه؟ أجيب: بأن السيد قد يطلب من العبد المكتسب له الرزق وقد ~~يكون للسيد مال وافر يستغني به عن التكسب لكنه يطلب من العبد قضاء حوائجه ~~وإحضار الطعام بين يديه فقال: لا أريد ذلك ولا هذا وقدم طلب الرزق على طلب ~~الإطعام من باب الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى. # فإن قيل: ما فائدة تخصيص الإطعام بالذكر مع أن المراد عدم طلب فعل منهم ~~غير التعظيم؟ أجيب: بأنه لما عمم النفي في طلب الأول بقوله تعالى {من رزق} ~~وذلك إشارة إلى التعميم فذكر الإطعام ونفى الأدنى ليتبعه بنفي الأعلى بطريق ~~الأولى فكأنه قال: ما أريد منهم من غنى ولا عمل. # فإن قيل: المطالب لا تنحصر فيما ذكره فإن السيد قد يشتري العبد لا لطلب ~~رزق منه ولا للتعظيم بل يشتريه للتجارة. أجيب: بأن العموم في قوله تعالى: ~~{ما أريد منهم من رزق} يتناول ذلك. # ثم بين تعالى أنه الرزاق لا غيره بقوله عز من قائل. # {إن الله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال المنزه عن جميع صفات النقص {هو} ~~أي: لا غيره {الرزاق} أي: على سبيل التكرار لكل حي وفي كل وقت {ذو القوة} ~~أي: التي لا تزول بوجه {المتين} أي: الشديد الدائم. # فإن قيل: لم لم يقل إني رزاق؟ بل قال على الحكاية عن الغائب إن الله هو ~~الرزاق فما الحكمة أجيب: بأن المعنى قل يا محمد إن الله هو الرزاق، أو يكون ~~من باب الالتفات من التكلم إلى الغيبة، أو يكون قل مضمرا عند قوله تعالى: ~~{ما أريد منهم من رزق} ولم يقل القوي بل قال ذو القوة لأن المقصود تقرير ما ~~تقدم من عدم إرادة الرزق وعدم ms3374 الاستعانة بالغير، وقيد بالمتين لأن ذو القوة ~~لا يدل إلا على أن له قوة ما فزاد في الوصف المتانة وهو الذي له ثبات لا ~~يتزلزل، والمعنى في وصفه سبحانه بالقوة والمتانة أنه القادر البليغ ~~الاقتدار على كل شيء. # ولما أقسم سبحانه على الصدق في وعيدهم إلى أن ختم بقوته التي لا حد لها ~~سبب عن ذلك إيقاعه بالمتوعدين فقال تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم: # {فإن للذين ظلموا} أي: أوقعوا الأشياء في غير مواقعها {ذنوبا} أي: نصيبا ~~من العذاب طويل الشر كأنه من طوله صاحب ذنب {مثل ذنوب أصحابهم} أي: الذين ~~تقدم ظلمهم بتكذيب الرسل من قوم نوح وعاد وثمود، والذنوب في الأصل الدلو ~~العظيمة المملوءة ماء وفي الحديث «فأتى بذنوب من ماء» فإن لم تكن ملأى فهي ~~دلو ثم عبر به عن النصيب قال عمرو بن شاس: # *وفي كل حي قد خطبت بنعمة ... فحق لشاس من نداك ذنوب* # قال الملك: نعم وأذنبه، قال الزمخشري: وهذا تمثيل أصله في السقاة يتقسمون ~~الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا آخر. قال الشاعر: # PageV04P109 # *لكم ذنوب ولنا ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب* # وقال الراغب الذنوب الدلو لذي له ذنب انتهى. فراعى الاشتقاق والذنوب ~~أيضا: الفرس الطويل الذنب، وهو صفة على فعول والذنوب لحم أسفل المتن ويقال: ~~يوم ذنوب أي طويل الشر استعارة من ذلك ويجمع في القلة على أذنبة وفي الكثرة ~~على ذنائب {فلا تستعجلون} أي تطلبوا أن آتيكم به قبل أوانه حق به، فإن ذلك ~~لا يفعله إلا ناقص وأنا متعال عن ذلك لا أخاف الفوت ولا يلحقني عجز ولا ~~أوصف به، ولا بد أن أوقعه بهم في الوقت الذي قضيت به في الأزل فإنه أحق ~~الأوقات بعقابهم لتكامل ذنوبهم. # {فويل} أي شدة عذاب {للذين كفروا} أي ستروا ما ظهر من هذه الأدلة التي لا ~~يسع عاقلا إنكارها {من يومهم الذي يوعدون} أضافه إليهم لأنه خاص بهم دون ~~المؤمنين، وهو يوم القيامة وقيل يوم بدر وحذف العائد لاستكمال شروطه أي ~~يوعدونه، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل ms3375 بضم الهاء والميم، وأبو عمرو بكسر ~~الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف عليها فالجميع بكسر ~~الهاء وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال من ~~«قرأ سورة الذاريات أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في ~~الدنيا» حديث موضوع والله أعلم. ### | سورة الطور # مكية وهي تسع وأربعون آية وثلاثمائةواثنتا عشرة كلمة وألف وخمسمائة حرف # {بسم الله} الملك الأعظم ذي الملك والملكوت {الرحمن} الذي عم خلقه ~~بالرحموت {الرحيم} الحي الذي لا يموت. # وقوله تعالى: {والطور} وما بعده أقسام جوابها {إن عذاب ربك لواقع} ~~والواوات التي بعد الأولى عواطف لا حروف قسم كما قاله الخليل. # والطور: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وهو بمدين أقسم ~~الله تعالى به وقيل: هو الجبل الذي قال الله تعالى {وطور سنين} وقيل هو اسم ~~جنس. # تنبيه: مناسبة هذه السورة لما قبلها من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر ~~فيهما. # والمراد بالكتاب في قوله تعالى {وكتاب مسطور} أي: متفق الكتابة بسطور ~~مصفوفة في حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة هو كتاب موسى عليه السلام وهو ~~التوراة وقيل: القرآن وقيل: اللوح المحفوظ وقيل: صحائف أعمال الخلق قال ~~تعالى {ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} (الإسراء: 13) # وقوله تعالى: {في رق} متعلق بمسطور أي مكتوب في رق والرق: الجلد الرقيق ~~يكتب فيه وقال الراغب: الرق ما يكتب فيه شبه كاغد ا. ه. فهو أعم من كونه ~~جلدا وغيره {منشور} أي مبسوط مهيأ للقراءة. # وقوله تعالى: {والبيت المعمور} مختلف في مكانه فقيل في السماء العليا تحت ~~العرش وقيل: في السماء الثالثة وقيل في السادسة وعلى كل قول هو بحيال ~~الكعبة يقال له: الضراح حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض يدخله كل ~~يوم سبعون ألف ملك يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون إليه أبدا ووصفه ~~بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة وقيل: هو بيت الله الحرام لكونه ~~معمورا بالحجاج والعمار والمجاورين وقيل: اللام # PageV04P110 # في البيت المعمور لتعريف الجنس ms3376 كأنه تعالى أقسم بالبيوت المعمورة ~~والعمائر المشهورة. # وقوله تعالى: {والسقف المرفوع} مختلف فيه أيضا فالأكثر على أنه السماء ~~كما قال تعالى: {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} (الأنبياء: 32) # وقيل: المراد به سقف الكعبة وقيل: سقف الجنة وهو العرش ونقل عن ابن عباس. # وقوله تعالى: {والبحر المسجور} من الأضداد يقال بحر مسجور أي مملوء وبحر ~~مسجور أي فارغ وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أنه قال: خرجت أمة لتستقي ~~فقالت إن الحوض مسجور أي فارغ ويؤيد هذا أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة ~~وقيل: المسجور الممسوك ومنه ساجور الكلب لأنه يمسكه ويحبسه. وقال محمد بن ~~كعب القرظي: يعني بالمسجور الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور وهو قول ~~ابن عباس لما روي أنه تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها ~~في نار جهنم كما قال تعالى: {وإذا البحار سجرت} (التكوير: 6) # وعن علي أنه سأل يهوديا أين موضع النار في كتابكم قال: في البحر قال علي: ~~ما أراه إلا صادقا لقوله تعالى {والبحر المسجور} ، وعن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يركبن البحر رجل إلا غازيا أو معتمرا أو ~~حاجا فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا» وقال الربيع بن أنس المختلط ~~العذب بالملح. وروى الضحاك عن المنزل بن سمرة عن علي أنه قال: البحر ~~المسجور هو بحر تحت العرش غمره كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين فيه ماء ~~غليظ يقال له بحر الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا ~~فينبتون في قبورهم وهذا قول مقاتل. فإن قيل: ما الحكمة في القسم بهذه ~~الثلاثة أشياء؟ أجيب: بأن هذه الأماكن الثلاثة وهي الطور والبيت المعمور ~~والبحر المسجور كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم والخلاص من الخلق وخطابهم ~~مع الله تعالى، أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام وخاطب الله سبحانه ~~وتعالى هناك، وأما البيت المعمور فانتقل إليه محمد صلى الله عليه وسلم وقال ~~لربه سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت ms3377 ~~على نفسك، وأما البحر المسجور فانتقل إليه يونس عليه السلام ونادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فصارت هذه الأماكن ~~شريفة بهذه الأسباب فأقسم الله تعالى بها. وأما ذكر الكتاب فلأن الأنبياء ~~كان لهم مع الله تعالى في هذه الأماكن كلام والكلام في الكتاب. # تنبيه: أقسم الله تعالى في بعض السور بمجموع كقوله تعالى: {والذاريات} ~~(الذاريات: 1) # و {المرسلات} (المرسلات: 1) # و {النازعات} (النازعات: 1) # وفي بعضها بإفراد كقوله تعالى {والطور} ولم يقل والأطوار والأبحار قال ~~الرازي: والحكمة فيه أن في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات والريح ~~الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدلة بأفرادها مستمرة بأنواعها والمقصود منها ~~لا يحصل إلا بالتبدل والتغير فقال {والذاريات} إشارة إلى النوع المستمر لا ~~إلى الفرد المعين المستقر، وأما الجبل فهو ثابت غير متغير عادة فالواحد من ~~الجبال دائم زمانا ودهرا فأقسم في ذاك بالواحد، وكذلك في قوله تعالى ~~{والنجم} (النجم: 1) # ولو قال والريح لما علم المقسم به وفي الطور علم. # وقوله تعالى: {إن عذاب ربك} أي: الذي تولى تربيتك {لواقع} أي: ثابت نازل ~~بمستحقه جواب القسم كما مر. # {ما له من دافع} أي: مانع لأنه لا شريك لموقعه لما دلت عليه هذه الأقسام ~~من كمال القدرة وجلال الحكمة قال جبير # PageV04P111 # بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر ~~فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ ~~والطور إلى قوله تعالى: {إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع} فكأنما صدع قلبي ~~حين سمعته ولم أكن أسلمت يومئذ فأسلمت خوفا من العذاب وما كنت أظن أني أقوم ~~من مكاني حتى يقع بي العذاب. # ثم بين تعالى أنه متى يقع بقوله تعالى {يوم تمور السماء} أي: تتحرك ~~وتضطرب وتجيء وتذهب وتدور دوران الرحى ويموج بعضها في بعض وتتكفأ بأهلها ~~تكفؤ السفينة وتختلف أجزاؤها بعضها في بعض. قال البغوي: والمور يجمع هذه ~~المعاني وهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب قال ~~الرازي: وقيل ms3378 تجيء وتذهب كالدخان ثم تضمحل {مورا} أي: اضطرابا شديدا. # {وتسير الجبال} أي: تنتقل من أمكنتها انتقال السحاب وحقق معناه بقوله ~~تعالى {سيرا} فتصير هباء منثورا وتكون الأرض قاعا صفصفا. # ثم بين من يقع عليه العذاب بقوله تعالى {فويل} أي: شدة عذاب {يومئذ} أي: ~~يوم إذ يكون ما تقدم ذكره {للمكذبين} أي: الغريقين في التكذيب للرسل. # {الذين هم} من بين الناس بظواهرهم وبواطنهم {في خوض} أي: أقوالهم ~~وأفعالهم أفعال الخائض في الماء فهو لا يدري أين يضع رجله {يلعبون} فاجتمع ~~عليهم أمران موجبان للباطل الخوض واللعب فهم بحيث لا يكاد يقع لهم قول ولا ~~فعل في موضعه فلا يؤسس على بيان أو حجة. # فإن قيل: أهل الكبائر لا يكذبون فمقتضى ذلك أنهم لا يعذبون. أجيب بأن ذلك ~~العذاب لا يقع على أهل الكبائر لقوله تعالى {كلما ألقي فيها فوج سألهم ~~خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا} (الملك: 8 9) # فالمؤمن لا يلقى فيها إلقاء هوان وإنما يدخل فيها للتطهير إدخالا مع نوع ~~إكرام فالويل إنما هو للمكذبين. # وقوله تعالى: {يوم يدعون} بدل من يوم تمور السماء أو من يومئذ قبله ~~تقديره: فويل يومئذ يوم يدعون، أي: يدفعون دفعا عنيفا بجفوة وغلظة من كل من ~~يقيمه الله تعالى لذلك ذاهبين ومتهيئين {إلى نار جهنم} وهي الطبقة التي ~~تلقاهم بالعبوسة والكراهة وأكد المعنى وحققه بقوله تعالى {دعا} . # قال البغوي: وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم ~~إلى أقدامهم ثم يدفعون دفعا على وجوههم وزجا في أقفيتهم مقولا لهم تبكيتا ~~وتوبيخا {هذه النار} أي: الجسم المحرق المفسد لما اتى عليه الشاغل عن اللعب ~~{التي كنتم بها} في الدنيا {تكذبون} على التجدد والاستمرار. # خبر مقدم وقوله تعالى {هذا} هو المبتدأ وقدم الخبر لأنه المقصود بالإنكار ~~والتوبيخ، وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا صلى الله عليه وسلم إلى السحر وأنه ~~يغطي الأبصار بالسحر وأن انشقاق القمر وأمثاله سحر فوبخوا به، وقيل لهم: ~~{أفسحر هذا} أي الذي أنتم فيه من العذاب مع ms3379 هذا الإحراق الذي تصلون فيه {أم ~~أنتم} في منام أو نحوه {لا تبصرون} بالقلوب كما كنتم تقولون في الدنيا ~~قلوبنا في أكنة، ولا بالأعين كما كنتم تقولون للمنذر {بيننا وبينك حجاب ~~فاعمل أننا عاملون} (فصلت: 5) # {اصلوها} أي: إذا لم يمكنكم إنكارها وتحققتم أنه ليس بسحر ولا خلل في ~~أبصاركم فقاسوا شدتها {فاصبروا} على هذا الذي لا طاقة لكم به {أو لا ~~تصبروا} فإنه لا محيص لكم عنه {سواء # PageV04P112 # عليكم} أي: الصبر والجزع فإن صبركم لا ينفعكم. وقوله تعالى: {إنما تجزون ~~ما كنتم تعملون} تعليل للاستواء فإنه لماكان الجزاء واجبا كان الصبر وعدمه ~~سيين في عدم النفع. # ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب أتبعه ما لأضدادهم من الثواب فقال تعالى ~~{إن المتقين} أي: الذين صارت التقوى لهم صفة راسخة {في جنات} أي: بساتين ~~أية بساتين دائما في الدنيا حكما وفي الآخرة حقيقة {ونعيم} أي: نعيم في ~~العاجل يعني بما لهم فيه من الأنس وفي الآجل بالفعل. # وزاد في تحقيق التنعم بقوله تعالى {فاكهين} أي: متلذذين معجبين ناعمين ~~{بما آتاهم} أي: أعطاهم {ربهم} الذي تولى تربيتهم بعملهم بالطاعات إلى أن ~~أوصلهم إلى هذا النعيم {ووقاهم} أي: قبل ذلك {ربهم} أي: المتفضل بتربيتهم ~~بكفهم عن المعاصي والقاذورات {عذاب الجحيم} أي النار الشديدة التوقد. # ولما كان من باشر النعمة وجانب النقمة في غنى عظيم قال مترجما لذلك على ~~تقدير القول {كلوا} أي: أكلا هنيئا {واشربوا} أي: شربا {هنيئا} وهو الذي لا ~~تنغيص فيه فكل ما تتناولونه مأمون العاقبة من التخم والسقم وغيرهما {بما} ~~أي: بسبب ما {كنتم} أي: كونا راسخا {تعملون} أي: مجددين العمل على سبيل ~~الاستمرار حتى كأنه طبع لكم. # ثم نبه على أنهم مع هذا النعيم مخدومون بقوله تعالى {متكئين} أي: مستندين ~~استناد راحة لأنهم يخدمون فلا حاجة لهم إلى الحركة {على سرر مصفوفة} أي: ~~منصوبة واحدا إلى جنب واحد مستوية كأنها الستور على أحسن نظام وأبدعه. # ثم نبه على تمام سرورهم بالتمتع بالنساء بقوله تعالى {وزوجناهم} أي: ~~تزويجا يليق بما لنا ms3380 من العظمة أي صيرناهم ممتعين {بحور} أي: نساؤهن في شدة ~~بياض العين وسوادها واستدارة حدقتها ورقة جفونها في غاية حسن لا توصف {عين} ~~أي: واسعات الأعين في رونق وحسن. # تنبيه: اعلم أنه تعالى بين أسباب التنعم على الترتيب فأول ما يكون المسكن ~~وهو الجنان، ثم الأكل والشرب ثم الفرش والبسط ثم الأزواج فهذه أمور أربعة ~~ذكرها الله تعالى على الترتيب، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله ~~فقوله: {جنات} إشارة إلى المسكن وقال {فاكهين} إشارة إلى عدم التنغيص وعلو ~~المرتبة لكونه مما آتاهم الله. وقال: {كلوا واشربوا هنيئا} أي مأمون ~~العاقبة وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنويعهما وكثرتهما. وقوله ~~تعالى {بما كنتم تعملون} إشارة إلى أنه تعالى يقول: إني مع كوني ربكم ~~وخالقكم وأدخلتكم الجنة بفضلي فلا منة لي عليكم اليوم وإنما منتي عليكم ~~كانت في الدنيا هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة كما قال تعالى {بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان} (الحجرات: 17) # وأما اليوم فلا منة عليكم لأن هذا إنجاز الوعد. # وقوله تعالى: {والذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان وإن لم يبالغوا في ~~الأعمال الصالحة مبتدأ وقرأ أبو عمرو {وأتبعناهم} أي بما لنا من الفضل ~~الناشىء عن العظمة بقطع الهمزة وسكون التاء الفوقية وسكون العين وبعد العين ~~نون مفتوحة بعدها ألف والباقون بهمزة وصل محذوفة وتشديد التاء الفوقية وفتح ~~العين وبعدها تاء فوقية ساكنة وهو معطوف على آمنوا {ذرياتهم} أي: الصغار ~~والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم والصغار بإيمان آبائهم، فإن الولد الصغير ~~يحكم بإسلامه تبعا لأحد أبويه {بإيمان} أي بسبب إيمان حاصل منهم ولو كان في ~~أدنى درجات الإيمان ولكنهم ثبتوا عليه إلى # PageV04P113 # أن ماتوا وذلك شرط اتباعهم الذريات قال البقاعي: ويجوز أن يراد وهو أقرب ~~بسبب إيمان الذرية حقيقة إن كانوا كبارا أو حكما إن كانوا صغارا، ثم أخبر ~~عن الموصول المبتدأ بقوله تعالى: {ألحقنا بهم} تفضلا منا عليهم {ذريتهم} ~~وإن لم يكن للذرية أعمال لأنه: # *لعين تجازى ألف عين وتكرم # والذريات هنا تصدق على الآباء وعلى الأبناء ms3381 وإن المؤمن إذا كان عمله أكثر ~~ألحق به من دونه في العمل ابنا كان أو أبا وهو منقول عن ابن عباس وغيره، ~~ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب وهو المحبة فإن كان معها أخذ لعلم أو ~~عمل كانت أجدر فتكون ذرية الإفادة كذرية الولادة وذلك لقوله صلى الله عليه ~~وسلم «المرء مع من أحب» في جواب من سأل عمن يحب القوم ولما يلحق بهم، وقرأ ~~{ذريتهم بإيمان} و {ألحقنا بهم ذرياتهم} نافع بالقصر في الأولى والجمع في ~~الثانية مع كسر التاء، وقرأ ابن كثير والكوفيون بالقصر فيهما مع ضم التاء، ~~وقرأ أبو عمرو بالجمع فيهما مع كسر التاء، وقرأ ابن عامر بالجمع فيهما إلا ~~أنه يرفع التاء في الأولى ويكسرها في الثانية. # فإن قيل: قوله تعالى {أتبعناهم ذرياتهم} يفيد فائدة قوله تعالى {ألحقنا ~~بهم ذرياتهم} أجيب بأن قوله تعالى {ألحقنا بهم} أي في الدرجات والإتباع ~~إنما هو في حكم الإيمان وإن لم يبلغوه كما مر ثم أشار إلى عدم نقصان ~~المتبوع بقوله تعالى {وما ألتناهم} أي: ما نقصنا المتبوعين {من عملهم} وأكد ~~النفي بقوله تعالى {من شيء} أي: بسبب هذا الإلحاق. # ولما بين تعالى اتباع الأدنى للأعلى في الخير، بين أن الأدنى لا يتبع ~~الأعلى في الشر بقوله تعالى: {كل امرئ} من الذين آمنوا والمتقين وغيرهم ~~{بما كسب} أي: عمل من خير أو شر {رهين} أي: مرهون يؤخذ بالشر ويجازى بالخير ~~وقال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك رهين في النار، والمؤمن لا يكون ~~مرتهنا لقوله تعالى {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين} (المدثر: 38 ~~39) # وقال الواحدي: هذا يعود إلى ذكر أهل النار وهو قول مجاهد أيضا قال ~~الرازي: وفيه وجه آخر وهو أن يكون الرهين فعيلا بمعنى الفاعل فيكون المعنى ~~كل امرئ راهن أي دائم إن أحسن ففي الجنة مؤبدا وإن أساء ففي النار مخلدا؛ ~~لأن في الدنيا دوام الأعمال بدوام الأعيان، فإن العرض لا يبقى إلا في جوهر ~~ولا يوجد إلا فيه، وفي الآخرة ms3382 دوام الأعيان بدوام الأعمال فإن الله تعالى ~~يبقي أعمالهم لكونها عند الله تعالى من الباقيات الصالحات وما عند الله باق ~~والباقي يبقى مع عمله. # {وأمددناهم} أي: الذين آمنوا والمتقين ومن ألحق بهم من ذرياتهم بما لنا ~~من العظمة {بفاكهة} وقتا بعد وقت زيادة على ما تقدم، ولما كانت الفاكهة ~~ظاهرة فيما نعرفه في الدنيا وإن كان عيش الجنة بجميع الأشياء تفكها ليس فيه ~~شيء يقصد به حفظ البدن قال تعالى: {ولحم مما يشتهون} من أنواع اللحمان ~~والمعنى: زدناهم مأكولا ومشروبا فالمأكول الفاكهة واللحم، والمشروب الكأس ~~وفي هذا لطيفة: وهي أنه تعالى لما قال {وما ألتناهم من عملهم من شيء} ونفي ~~النقصان يصدق بحصول المساوي فقال ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوي بل ~~بالزيادة والإمداد. # وقوله تعالى: {يتنازعون} في موضع نصب على الحال من مفعول أمددناهم ويجوز ~~أن يكون مستأنفا وقوله تعالى: {فيها} يجوز أن يعود الضمير لشربها ويجوز أن ~~يعود للجنة # PageV04P114 # ومعنى يتنازعون يتعاطون، ويحتمل أن يقال: التنازع التجاذب ويكون تجاذبهم ~~تجاذب ملاعبة لا تجاذب منازعة وفيه نوع لذة لأنهم يفعلون ذلك هم وجلساؤهم ~~من أقربائهم وإخوانهم {كأسا} أي: خمرا من رقة حاشيتها تكاد أن لا ترى في ~~كأسها {لالغو} أي: لا سقط حديث وهو ما لا ينفع من الكلام ولا يضر {فيها} ~~أي: في تنازعها ولا بسببها لأنها لا تذهب بعقولهم فلا يتكلمون إلا بالحسن ~~الجميل بخلاف المتنادمين في الدنيا على الشراب بسفههم وعربدتهم {ولا تأثيم} ~~أي: لا يكون منهم ما يؤثمهم وقال الزجاج: لا يجري منهم ما يلغي ولا ما فيه ~~إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر قال الرازي: ويحتمل أن يكون المراد من ~~التأثيم السكر وقيل: لا يأثمون في شربها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بنصب لغو ~~وتأثيم من غير تنوين، والباقون بالرفع فيهما مع التنوين. # ولما كانت المعاطاة لا يكمل بسطها ويعظم أنسها إلا بخدم وسقاة قال تعالى: ~~{ويطوف عليهم} بالكؤوس وغيرها من أنواع التحف {غلمان} أي: أرقاء، ولما كان ~~أحب مال إلى الإنسان ما ms3383 يختص به قال تعالى: {لهم} ولم يقل تعالى غلمانهم ~~لئلا يظن أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحدا في ~~الدنيا بقول أو فعل أن يكون خادما له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعا، ~~وأفاد التنكير أن كل من دخل الجنة وجد له خدم لم يعرفهم قبل ذلك {كأنهم} في ~~بياضهم وشدة صفائهم {لؤلؤ مكنون} أي: مخزون مصون لم تمسه الأيدي. قال سعيد ~~بن جبير يعني في الصدف لأنه فيها أحسن منه في غيره أو مصون في الجنة لم ~~تغيره العوارض.Y # قال عبد الله بن عمر: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام وكل ~~غلام على عمل ما عليه صاحبه، هذه صفة الخادم وأما المخدوم فروي عن الحسن ~~أنه لما تلا هذه الآية قال يا رسول الله: الخادم كاللؤلؤ المكنون فكيف ~~المخدوم، قال «فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب» وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ~~ينادي الخادم من خدامة فيجيبه ألف ببابه لبيك لبيك» وقرأ السوسي وشعبة لولو ~~بالبدل والباقون بالهمز. # {وأقبل بعضهم} لما ازدهاهم من السرور واللذة والحبور {على بعض يتساءلون} ~~أي: يسأل بعضهم بعضا في الجنة قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه من ~~التعب والخوف في الدنيا. # {قالوا} أي: قال كل منهم {إنا كنا قبل} أي: في دار العمل {في أهلنا} على ~~ما لهم من العدد والعدد والسعة، ولنا بهم من جوانب اللذة والدواعي إلى ~~اللعب {مشفقين} أي: عريقين في الخوف من الله تعالى لا يلهينا عنه شيء مع ~~لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا نقدره لما له من العظمة ~~والجلال والكبرياء والكمال حق قدره، والمعنى: أنهم يسألون عن سبب ما وصلوا ~~إليه تلذذا واعترافا بالنعمة فيقولون ذلك خشية الله تعالى أي كنا نخاف الله ~~تعالى. # {فمن الله} الذي له جميع الكمال بسبب إشفاقنا منه {علينا} بالرحمة ~~والتوفيق {ووقانا} أي: وجنبنا بما سترنا به ms3384 {عذاب السموم} قال الكلبي عذاب ~~النار، وقال الحسن: السموم من أسماء جهنم، والسموم في الأصل الريح الحارة ~~التي تتخلل المسام والجمع سمائم. يقال: سم يومنا أي اشتد حره، وقال ثعلب: ~~السموم شدة الحر أو شدة البرد في النهار، وقال أبو عبيدة: # PageV04P115 # السموم بالنهار وقد تكون بالليل، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار. # {إنا كنا} أي: بما طبعنا عليه وهيئنا له {من قبل} أي: في الدنيا {ندعوه} ~~أي: نسأله ونعبده بالفعل وأما خوفنا بالقوة فقد كان في كل حركة وسكون، ثم ~~عللوا دعاءهم إياه مؤكدين لأن أنعامه عليهم مع تقصيرهم مما لا يكاد يفعله ~~غيره فهو مما يتعجب منه غاية التعجب بقولهم: {إنه هو} أي: وحده، وقرأ نافع ~~والكسائي بفتح الهمزة والباقون بكسرها {البر} أي: الواسع الجود الذي عطاؤه ~~حكمة ومنعه رحمة لأنه لا ينقصه إعطاء ولا يزيده منع، فهو يبر عبده المؤمن ~~بما يوافق نفسه فربما بره بالنعمة وربما بره بالبؤس فهو يختار له من ~~الأحوال ما هو خير له ليوسع له البر في العقبى فعلى المؤمن أن لا يتهم ربه ~~في شيء من قضائه {الرحيم} أي: المكرم لمن أراد من عباده بإقامته فيما يرضاه ~~من طاعته ثم بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته. # ولما بين تعالى أن في الوجود قوما يخافون الله تعالى ويشفقون في أهليهم ~~والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى لقوله تعالى: ~~{فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} (ق: 45) # فوجب التذكير. فلذلك قال تعالى: {فذكر} أي: عظ يا أشرف الخلق بالقرآن ودم ~~على ذلك ولا ترجع عنه لقول المشركين لك كاهن ومجنون {فما أنت بنعمة ربك} ~~أي: بسبب ما أنعم به عليك المحسن إليك من هذا الناموس الأعظم بعد تأهيلك له ~~بما هيأك به من رجاحة العقل وعلو الهمة وكرم الفعال وجود الكف وطهارة ~~الأخلاق، وجعلك أشرف الناس عنصرا وأكملهم نفسا وأزكاهم خلقا وهم معترفون لك ~~بذلك قبل النبوة. وأكد النفي بقوله تعالى: {بكاهن} أي: تقول كلاما مع كونه ~~سجعا متكلفا أكثره فارغ وتحكم ms3385 على المغيبات من غير وحي {ولا مجنون} أي: ~~تقول كلاما لا نظام له مع الإخبار ببعض المغيبات فلا يفترك قولهم هذا عن ~~التذكير فإنه قول باطل لا تلحقك به معرة أصلا، وعما قليل يكون عيبا لهم لا ~~يغسله عنهم إلا اتباعهم لك فمن اتبعك منهم غسل عاره ومن استمر على عناده ~~استمر تبابه وخساره. # تنبيه: نزلت هذه الآية في الذين اقتسموا عقاب مكة يرمون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والجنون والشعر. # {أم يقولون} أي: هؤلاء المقتسمون {شاعر} أي: هو شاعر قال الثعلبي: قال ~~الخليل: كل ما في سورة والطور من أم فاستفهام وليس بعطف، وقال أبو البقاء: ~~أم في هذه الآيات منقطعة وتقدم الخلاف في المنقطعة هل تقدر ببل وحدها أو ~~ببل والهمزة أو بالهمزة وحدها، والصحيح الثاني. وقال مجاهد: في قوله تعالى: ~~{أم تأمرهم} (الطور: 32) # تقديره: بل تأمرهم {نتربص} أي ننتظر {به ريب المنون} أي: حوادث الدهر ~~وتقلبات الزمان لأنها لا تدوم على حال كالريب وهو الشك فإنه لا يبقى بل هو ~~متزلزل قال الشاعر: # *تربص بها ريب المنون لعلها ... تطلق يوما أو يموت حليلها* # وقال أبو ذئب: # *أمن المنون وريبها تتوجع # * ... والدهر ليس بمعتب من يجزع* # والمنون في الأصل: الدهر، وقال الراغب: المنون المنية لأنها تنقص العدد ~~وتقطع المدد، والمعنى: بل يقولون يعني هؤلاء المقتسمين الخراصين شاعر نتربص ~~به ريب المنون حوادث الدهر # PageV04P116 # وصروفه، وذلك أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء فإن الشعر كان عندهم ~~يحفظ ويدون فقالوا لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره وإنما ~~نصبر ونتربص موته ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء وتتفرق أصحابه فإن أباه ~~مات شابا ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه، والمنون يكون بمعنى الدهر ~~وبمعنى الموت سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل. # ثم إنه تعالى أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: {قل} أي: لهؤلاء ~~البعداء {تربصوا} أي انتظروا بي الموت ولم يعرج على محاججتهم في قولهم هذا ~~تنبيها على أنه من السقوط ms3386 بمنزلة ما لا يحتاج معه إلى رد بمجادلة، ثم سبب ~~عن أمره لهم بالتربص قوله: {فإني معكم من المتربصين} أي: العريقين في ~~التربص وإن ظننتم خلاف ذلك وأكده تنبيها على أنه يرجو الفرج بمصيبتهم كما ~~يرجون الفرج بمصيبته، وأشار بالمعية إلى أنه مساو لهم في ذلك وإن ظنوا ~~لكثرتهم وقوتهم ووحدته وضعفه أن الأمر بخلاف ذلك. # قال القشيري: جاء في التفسير أن جميعهم أي الذين تربصوا به ماتوا قال ولا ~~ينبغي لأحد أن يؤمل نفاق سوقه بموت أحد لتنتهي النوبة إليه فقل من تكون هذه ~~صفاته إلا وسبقته المنية ولا يدرك ما تمناه من الأمنية. # فإن قيل: هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولفظ الأمر يوجب المأمور به ~~أو يبيحه ويجوزه وتربصهم كان حراما. أجيب: بأن ذلك ليس بأمر وإنما هو تهديد ~~أي تربصوا ذلك فإني متربص الهلاك بكم كقول الغضبان لعبده افعل ما شئت فإني ~~لست عنك بغافل. # {أم تأمرهم} أي: تزين لهم تزيينا يصير ما لهم إليه من الانبعاث كالأمر ~~{أحلامهم} أي عقولهم التي يزعمون أنهم اختصوا بجودتها دون الناس بحيث إنه ~~كان يقال فيهم أولو الأحلام والنهى، فأزرى الله تعالى بعقولهم حين لم تتم ~~لهم معرفة الحق من الباطل وذلك أن الأشياء لا يعبأ بها إلا إن تزينت بعقل ~~أو نقل فقال: هل ورد أمر سمعي أم عقولهم تأمرهم {بهذا} أي: قولهم له ساحر ~~كاهن مجنون وقيل: إلى عبادة الأوثان، وقيل: إلى التربص أي لا تأمرهم بذلك ~~{أم} أي بل {هم} بظواهرهم وبواطنهم {قوم} ذوو قوة على ما يحاولونه فهم لذلك ~~{طاغون} أي: مفترون ويقولون ما لا دليل عليه سمعا ولا مقتضى له عقلا، ~~والطغيان مجاوزة الحد في العصيان وكذلك كل شيء مكروه ظاهر قال تعالى: {لما ~~طغى الماء} (الحاقة: 11) # تنبيه: اعلم أن قوله تعالى: {أم تأمرهم} متصل تقديره: أأنزل عليهم ذكر أم ~~تأمرهم أحلامهم بهذا، وفي هذه الآية إشارة إلى أن كل ما لا يكون على وفق ~~العقل لا ينبغي أن يقال، وإنما ينبغي أن ms3387 يقال ما يجب قوله عقلا والأحلام ~~جمع حلم وهو العقل فهما من باب واحد من حيث المعنى، لأن العقل يضبط المرء ~~فيكون كالبعير المعقول لا يتحرك من مكانه والحلم من الاحتلام وهو أيضا سبب ~~وقار المرء وثباته لأن الحلم في أصل اللغة هو ما يراه النائم فينزل ويلزم ~~الغسل الذي هو سبب البلوغ وعنده يصير الإنسان مكلفا، فالله تعالى من لطيف ~~حكمته قرن الشهوة بالعقل وعند ظهور الشهوة يكمل العقل ويكلف صاحبه فأشار ~~تعالى إلى العقل بالإشارة إلى ما يقارنه وهو الحلم ليعلم أنه يريد به كمال ~~العقل. # {أم يقولون} ما هو أفحش عارا من التناقض {تقوله} أي: تكلف قوله من عند ~~نفسه كذبا وليس بشعر ولا كهانة ولا جنون وهم على كثرتهم وإلمام بعضهم ~~بالعلم وعراقة آخرين # PageV04P117 # في الشعر والخطب والترسل والسجع يعجزون عن مثله بل عن مثل شيء منه. # تنبيه: التقول تكلف القول ولا يستعمل إلا في الكذب وهذا أيضا متصل بقوله ~~تعالى {أم يقولون شاعر} تقديره أم يقولون شاعر أم يقولون تقوله والمعنى ليس ~~الأمر كما زعموا {بل لا يؤمنون} بالقرآن استكبارا. # ثم ألزمهم الحجة وأبطل جميع الأقسام. # فقال عز من قائل: {فليأتوا} أي: على أي تقدير أرادوه {بحديث} أي: كلام ~~مفرق مجدد إتيانه مع الأزمان {مثله} أي القرآن في البلاغة وصحة المعاني ~~والإخبار بالمغيبات مما كان أو يكون على ما هي عليه لا نكلفهم أن يأتوا به ~~جملة. # فإن قيل: الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير، والموصوف هنا حديث وهو ~~منكر ومثله مضاف إلى القرآن والمضاف إلى القرآن معرف فكيف هذا. أجيب: بأن ~~مثلا وغيرا لا يتعرفان بالإضافة وذلك أن غيرا ومثلا وأمثالهما في غاية ~~التنكير لأنك إذا قلت: مثل زيد يتناول كل شيء فإن كل شيء مثل زيد في شيء ~~فالحمار مثله في الجسم والحجم والإمكان، والنبات مثله في النمو والنشء ~~والذبول والفناء، والحيوان مثله في الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف ~~وأما غير فهو عند الإضافة ينكر وعند قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت: ms3388 ~~غير زيد صار في غاية الإبهام فإنه يتناول أمورا لا حصر لها وأما إذا قطعت ~~غير عن الإضافة فربما يكون الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل ~~الغير كأسماء الأجناس وتجعله مبتدأ أو تريد به معنى معينا. # تنبيه: قالت المعتزلة: الحديث محدث والقرآن سماه حديثا فيكون محدثا، ~~وأجيبوا: بأن الحديث اسم مشترك يقال للمحدث والمنقول ولهذا يصح أن يقال هذا ~~حديث قديم أي متقادم العهد لا بمعنى سلب الأولية وذلك لانزاع فيه. قال بعض ~~العلماء: وهذا أمر تعجيز، قال الرازي: والظاهر أن الأمر ههنا على حقيقته ~~لأنه لم يقل ائتوا مطلقا بل قال تعالى: {إن كانوا} أي: كونا هم راسخون فيه ~~{صادقين} أي: في أنه تقوله من عند نفسه كما يزعمون فهو أمر معلق على شرط ~~إذا وجد ذلك الشرط يجب الإتيان به وأمر التعجيز كقوله تعالى: {فإن الله ~~يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} (البقرة: 258) # وفي هذا تشنيع عليهم سواء ادعوا أنه مجنون أم شاعر أم كاهن أم غير ذلك، ~~لأن العادة تحيل أن يأتي واحد من قوم وهو مساو لهم بما لا يقدرون كلهم على ~~مثله، والعاقل لا يجزم بشيء إلا وهو عالم به ويلزم من علمهم بذلك قدرتهم ~~على مثل ما يأتي به، فإنه صلى الله عليه وسلم مثلهم في الفصاحة والبلد ~~والنسب وبعضهم يزيد عليه بالكتابة وقول الشعر ومخالطة العلماء ومزاولة ~~الخطب والرسائل وغير ذلك فلا يقدر على ما يعجزون عنه إلا بتأييد إلهي وهو ~~المراد من تكذيبهم. # {أم خلقوا} أي: وقع خلقهم على هذه الكيفية المتقنة {من غير شيء} أي: خالق ~~خلقهم فوجدوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن يكون لأن تعلق الخلق بالخالق من ~~ضرورة الاسم فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق {أم هم الخالقون} ~~لأنفسهم وذلك في البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق فإذا بطل الوجهان ~~قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا وهو الله تعالى فلم لا يوحدنه ويؤمنون به ms3389 ~~وبرسوله وبكتابه وقال الزجاج: معناه أخلقوا باطلا لا يحاسبون # PageV04P118 # ولا يؤمنون وقال ابن كيسان: أخلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون ~~كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء، أي: لغير شيء أم هم الخالقون ~~لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر. وقيل: معناه أخلقوا من غير أب وأم. # تنبيه: لا خلاف أن أم هنا ليست بمعنى بل لكن أكثر المفسرين على أن المراد ~~ما يقع في صدر الكلام من الاستفهام بالهمزة كأنه يقول اخلقوا من غير شيء ~~قال الرازي: ويحتمل أن يقال هو على أصل الوضع للاستفهام الذي يقع في أثناء ~~الكلام وتقديره: أخلقوا من غير شيء أم هم الخالقون. # {أم خلقوا} أي: على وجه الشركة {السموات والأرض} فهم بذلك عالمون بما ~~فيهما على وجه الإحاطة واليقين، حتى علموا أنك تقولته ليصير لهم رده ~~والتهكم عليه {بل لا يوقنون} أي: ليس لهم نوع يقين وإلا لآمنوا برسوله ~~وكتابه. # {أم عندهم} أي: خاصة دون غيرهم {خزائن ربك} أي: المحسن إليك بإرسالك ~~فيعلموا أن هذا الذي أتيت به ليس من قول الله تعالى فيصح قولهم إنك تقولته ~~{أم هم} أي: لا غيرهم {المسيطرون} أي: الرقباء الحافظون المتسلطون الجبارون ~~الرؤساء الحكام الكتبة ليكونوا ضابطين للأشياء كلها، كما هو شأن كتاب السر ~~عند الملوك فيعلمون أنك تقولت هذا الذكر لأنهم لم يكتبوا به إليك. # {أم لهم سلم} يصعدون به إلى السماء {يستمعون} أي: يتعمدون السماع لكل ما ~~يكون فيها ومنها {فيه} أي: صاعدين في ذلك السلم إلى كلام الملائكة وما يوحي ~~إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن {فليأت مستمعهم} أي: مدعي ~~الاستماع {بسلطان مبين} أي: بحجة بينة واضحة. # ولشبه هذا الزعم زعمهم أن الملائكة بنات الله قال تعالى: {أم له البنات} ~~أي: بزعمكم {ولكم البنون} أي: خاصة لتكونوا أقوى منه فتكذبوا رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وتردوا قوله من غير حجة فتكونوا آمنين من عذاب يأتيكم منه ~~لضعفه وقوتكم. # {أم تسألهم} أي: أيها الطاهر الشيم البعيد عن مواقع التهم {أجرا} ms3390 على ~~إبلاغ ما أتيتهم به {فهم من مغرم} أي: غرم لك ولو قل، والمغرم التزام ما لا ~~يجب {مثقلون} فهم لذلك يكذبون من كان سببا في هذا الثقل بغير مستند ~~ليستريحوا مما جره لهم من الثقل. # {أم عندهم} أي: خاصة بهم {الغيب} أي: علم ما غاب عنهم {فهم يكتبون} أي: ~~يجددون للناس كتابة جميع ما غاب عنهم مما ينفعهم ويضرهم حتى يحسدوك فيما ~~شاركتهم به منه فيردوه لذلك وينسبوك إلى ما نسبوك إليه مما يعلم كل أحد ~~نزاهتك عنه وبعدك منه. وقال ابن عباس معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم ~~يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به. واللام في الغيب لا للعهد ولا لتعريف ~~الجنس بل المراد نوع الغيب، كما تقول اشتر اللحم تريد بيان الحقيقة لا كل ~~لحم ولا لحما معينا. # {أم يريدون} أي: بهذا القول الذي يرمونك به {كيدا} أي: مكرا وضررا عظيما ~~ليهلكوك به {فالذين كفروا} وكان الأصل فهم، ولكنه قال تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف {هم} أي خاصة {المكيدون} أي: المغلوبون المهلكون فإنهم مكروا به في ~~دار الندوة فحفظه الله تعالى منهم ثم أهلكهم ببدر عند انتهاء سنين عدتها ~~عدة ما هنا من أم وهي خمس عشرة مرة، لأن بدرا كانت في الثانية من الهجرة ~~وهي الخامسة عشر من النبوة فقد سبب الله تعالى فيها من الأسباب ما أوجب ~~سعيهم إلى # PageV04P119 # هلاكهم بأمور خارقة للعادة، فلو كانت لهم بصائر لكفتهم في الهداية والرد ~~عن الضلالة والغواية. # {أم لهم إله} أي: يمنعهم من التصديق بكتابنا أو يستندون إليه للأمان من ~~عذابنا {غير الله} أي: الذي أحاط بجميع صفات الكمال {سبحان الله} الملك ~~الأعظم الذي تعالى عن أن يداني جنابه شائبة نقص {عما يشركون} من الأصنام ~~وغيرها. # تنبيه: الاستفهام بأم في مواضعها للتقبيح والتوبيخ، ولما بين تعالى فساد ~~أقوالهم وسقوطها أشار إلى أنهم لم يبق لهم عذر فإن الآيات والحجج قد ظهرت ~~ولم يؤمنوا فبعد ذلك استحقوا الانتقام. # وقوله تعالى: {وإن يروا} أي: معاينة {كسفا} أي: قطعة وقيل قطعا واحدتها ms3391 ~~كسفة مثل سدرة وسدر {من السماء} جهارا نهارا {ساقطا يقولوا} جواب لقولهم ~~فأسقط علينا كسفا من السماء كأن الله تعالى يقول لو عذبناهم بسقوط قطعة من ~~السماء عليهم لم ينتهوا عن قولهم ويقولون لمعاندتهم: هذا {سحاب} فإن قيل ~~لهم هو مخالف للسحاب بصلابته وغلظته قالوا {مركوم} أي: مركب بعضه على بعض ~~فتلبد وتصلب. # وقوله تعالى: {فذرهم} أي: اتركهم على شر أحوالهم كقوله تعالى: {فأعرض ~~عنهم} (السجدة: 30) # وقوله تعالى: {فتول عنهم} (الصافات: 174) # إلى غير ذلك فقيل: كلها منسوخة بآية القتال قال ابن عادل وهو ضعيف وإنما ~~المراد التهديد كقول السيد لعبده الجاني لمن يصحبه دعه فإنه سينال جنايته ~~{حتى يلاقوا يومهم الذي فيه} أي: لا في غيره لأن ما حكمنا به لا يتقدم ولا ~~يتأخر {يصعقون} أي: يموتون من شدة الأهوال وعظم الزلزال كما صعق بنو ~~إسرائيل في الطور، ولكن لا نقيمهم كما أقمنا أولئك إلا عند النفخ في الصور ~~لنحشرهم للحساب الذي يكذبون به. # قال البقاعي: والظاهر أن هذا اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعين بالنصر ~~فيه فما أغنى أحد منهم عن أحد شيئا كما قال أبو سفيان بن الحارث: ما هو إلا ~~أنا ألقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا. # وقوله تعالى: {يوم لا يغني} أي: بوجه من الوجوه بدل من يومهم {عنهم ~~كيدهم} أي: الذي يرمونه بهذه الأقوال المتناقضة {شيئا} من الإغناء في دفع ~~شيء يكرهونه من الموت ولا غيره كما يظنون أنه يغني عنهم في غير ذلك من ~~أحوال هذه الدار {ولا هم ينصرون} أي: يتجدد لهم نصر ما في ساعة ما يمنعهم ~~من العذاب. # وقوله تعالى: {وإن للذين ظلموا} يجوز أن يكون من إيقاع الظاهر موضع ~~المضمر وأن لا يكون، والمعنى: وإن للذين أوقعوا الأشياء في غير مواقعها كما ~~يقولونه في القرآن ويفعلونه من العصيان ويعتقدونه من الشرك والبهتان {عذابا ~~دون ذلك} أي: غير عذاب ذلك اليوم قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر وقال ~~الضحاك: هو الجوع والقحط سبع سنين وقال البراء بن ms3392 عازب: عذاب القبر، والآية ~~تحتمل هذه المعاني كلها {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن العذاب نازل بهم. # {واصبر} أي: أوجد هذه الحقيقة لتصبر على ما أنت عليه من أداء الرسالة ~~{لحكم ربك} أي: المحسن إليك فإنه هو المريد لذلك ولو لم يرده لم يكن شيء ~~منه فهو إحسان منه إليك وتدريب لك وترقية في معارج الحكم، وسبب عن ذلك قوله ~~تعالى مؤكدا لما يغلب على الطبع البشري في بعض أوقات الامتحان من نوع نسيان ~~{فإنك بأعيننا} أي: بمرأى منا نراك ونحفظك، وجمع لما اقتضته نون العظمة ~~التي هذا سياقها وهي # PageV04P120 # ظاهرة في الجمع، وإشارة إلى أنه محفوظ بالجنود الذين رؤيتهم من رؤيته ~~سبحانه وتعالى {وسبح} ملتبسا {بحمد ربك} أي: المحسن إليك فأثبت له كل كمال ~~من تنزيهك له عن كل نقص فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يريد إلا ما هو ~~حكمة بالغة {حين تقوم} قال سعيد بن جبير وعطاء: أي قل حين تقوم من مجلسك: ~~سبحانك اللهم وبحمدك فإن كان المجلس خيرا ازددت إحسانا وإن كان غير ذلك كان ~~كفارة له. # وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من جلس مجلسا وكثر ~~فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله ~~إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا كان كفارة لما بينهما» أي من الذنوب ~~الصغائر. وقال ابن عباس: معناه صل لله حين تقوم من مقامك وقال الضحاك ~~والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى ~~جدك ولا إله غيرك، وقال الكلبي: هو ذكر الله تعالى باللسان حتى تقوم من ~~الفراش إلى أن تدخل في الصلاة لما روى عاصم بن حميد قال: سألت عائشة بأي ~~شيء كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل فقالت «كان إذا قام ~~كبر عشرا وحمد الله تعالى عشرا وهلل عشرا واستغفر عشرا، وقال: اللهم اغفر ~~لي واهدني وارزقني وعافني، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة» وقيل حين ms3393 ~~تقوم لأمر ما. # {ومن الليل} أي: الذي هو محل السكون والراحة {فسبحه} أي: صل له قال ~~مقاتل: يعني صلاة المغرب والعشاء {وإدبار النجوم} أي: صل الركعتين قبل صلاة ~~الفجر وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح هذا قول أكثر المفسرين وقال ~~الضحاك: هي فريضة صلاة الصبح وهذه الآية نظير قوله تعالى: {فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون} (الروم: 17) # وقد تقدم الكلام عليها قال الرازي: # قال تعالى هنا: {وإدبار النجوم} وقال في سورة ق: {وأدبار السجود} (ق: 40) # فيحتمل أن يكون المعنى واحدا والمراد من السجود جمع ساجد والنجوم سجود ~~قال تعالى: {والنجم والشجر يسجدان} (الرحمن: 6) # وقيل المراد من النجوم نجوم السماء وقيل النجم ما لا ساق له من النبات ~~قال الله تعالى: {ولله يسجد من في السموات والأرض} (الرعد: 15) # الآية أو المراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نجم في اللغة أي إذا فرغت ~~من وظائف الصلاة فقل سبحان الله كما مر، وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري ~~من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة والطور كان حقا على الله أن ~~يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته» حديث موضوع. ### | سورة النجم # مكية ثنتان وستون آية وثلاثمائة وستون كلمةوألف وأربعمائة وخمسة أحرف # {بسم الله} الذي أحاط بصفات الكمال {الرحمن} الذي عم الموجودات بصفة ~~الجمال {الرحيم} الذي خص أهل وده بصالح الأعمال. # {والنجم إذا هوى} قال ابن عباس في رواية العوفي: يعني الثريا إذا غابت ~~وسقطت وهوت مغيبة، والعرب تسمي الثريا نجما، وجاء في الحديث عن أبي هريرة ~~مرفوعا «ما طلع النجم قط وفي الأرض شيء من العاهات إلا رفع» وأراد بالنجم ~~الثريا، وقال مجاهد: هو نجم السماء كلها حين يغرب، لفظه واحد ومعناه الجمع ~~سمى الكوكب نجما لطلوعه وكل طالع # PageV04P121 # نجم يقال: نجم السن والنبت والقرن إذا طلع. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنها ما يرجم به الشياطين عند استراقهم السمع ~~وقال أبو حمزة الثمالي: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة وقيل: المراد ~~بالنجم القرآن سمي نجما لأنه نزل ms3394 نجوما متفرقة في عشرين سنة ويسمى التفريق ~~تنجيما والمفرق منجما هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وقال الكلبي: والهوى ~~النزول من أعلى إلى أسفل وقال الأخفش: النجم هو النبت الذي لا ساق له ومنه ~~قوله تعالى: {والنجم والشجر يسجدان} (الرحمن: 6) # وهويه سقوطه على الأرض. # وقال جعفر الصادق: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم إذا نزل من السماء ليلة ~~المعراج والهوى النزول يقال هوى يهوى هويا والكلام في قوله تعالى: {والنجم} ~~كالكلام في قوله تعالى {والطور} حيث لم يقل والنجوم والأطوار وقال: ~~{والذاريات} (الذاريات: 1) # {والمرسلات} (المرسلات: 1) # كما مر. # تنبيه: أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها فإنه تعالى قال في آخر تلك ~~{وأدبار النجوم} وقال تعالى في أول هذه: {والنجم إذا هوى} قال الرازي: ~~والفائدة في تقييد القسم به في وقت هويه أنه إذا كان في وسط السماء يكون ~~بعيدا عن الأرض لا يهتدي به الساري لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا ~~الجنوب من الشمال، فإذا نزل عن وسط السماء تبين بنزوله جانب المغرب عن ~~المشرق والجنوب عن الشمال. # وقوله تعالى: {ما ضل} أي: عن طريق الهداية {صاحبكم} محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقتا من الأوقات، جواب القسم وعبر بالصحبة لأنها مع كونها أدل على ~~القصد مرغبة لهم فيه وقتا من الأوقات جواب القسم وعبر بالصحبة لأنها مع ~~كونها أدل على القصد مرغبة لهم فيه ومقبلة بهم إليه ومقبحة عليهم اتهامه في ~~إنذاره وهم يعرفون طهارة شمائله {وما غوى} أي: وما مال أدنى ميل ولا كان ~~مقصده مما يسوء فإنه محروس من أسباب غواية الشياطين وغيرها. # تنبيه: الغي جهل عن اعتقاد فاسد بخلاف الضلال، وذهب أكثر المفسرين إلى أن ~~الغي والضلال بمعنى واحد وفرق بعضهم بينهما فقال: الضلال في مقابلة الهدى، ~~والغي في مقابلة الرشد قال تعالى: {قد تبين الرشد من الغي} (البقرة: 256) # وقال تعالى {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا} (الأعراف: 146) # قال الرازي: وتحقيق القول فيه أن الضلال أعم استعمالا ms3395 في الوضع تقول: ضل ~~بعيري ورحلي ولا تقول غي. # فائدة: قد دافع الله سبحانه عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأما باقي ~~الأنبياء فدافعوا عن أنفسهم ليس بي ضلالة ليس بي سفاهة ونحو ذلك قاله ~~القشيري فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: {ما ضل صاحبكم} وبين قوله ~~تعالى: {ووجدك ضالا فهدى} (الضحى: 7) # أجيب: بأن المراد من الآية الآتية وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من ~~الشريعة فهداك إليها بخلاف هذه الآية. # {وما ينطق} أي: يجاوز نطقه فمه في وقت من الأوقات لا في هذا الحال ولا في ~~الاستقبال نطقا ناشئا {عن الهوى} أي: عن أمره كالكهان الذين يغلب كذبهم ~~صدقهم، والشعراء وغيرهم وما يقول هذا القرآن من عند نفسه. # {إن} أي: ما {هو} أي: الذي يتكلم به من القرآن وكل أقواله وأفعاله ~~وأحواله {إلا وحي} أي: من الله تعالى وأكده بقوله تعالى: {يوحى} أي: يجدد ~~إليه إيحاؤه منا وقتا بعد وقت. # تنبيه: استدل بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، وأجيب: بأن الله ~~تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحيا لا نطقا ~~عن الهوى. # {علمه} أي: صاحبكم الوحي الذي أتاكم به ملك {شديد القوى} # PageV04P122 # فلا تعجبوا من هذه البحار الزاخرة فإن معلمه بهذه الصفة التي هو بها بحيث ~~ينفذ كل ما أمره الله تعالى به وهو جبريل عليه السلام، فإنه الواسطة في ~~إبداء الخوارق. روي أنه قلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح ~~صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أوحى من ~~رجعة الطرف، ورأى إبليس يكلم عيسى على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفحه نفحة ~~بجناحه فألقاه في أقصى بلاد الهند. # {ذو مرة} قال ابن عباس: ذو منظر حسن وقال أكثر المفسرين: ذو قوة وقدرة ~~عظيمة على الذهاب فيما أمر به، والطاقة لحمله بغاية النشاط والحدة كأنه ذو ~~مزاج غلبت عليه الحدة فهو صعب المراس في مزاولته ماض على طريقة واحدة على ~~غاية من الشدة لا توصف ms3396 لا التفات له بوجه إلى غير ما أمر به، فهو مجتمع ~~القوى مستحكم الشأن شديد الشكيمة لا يسأم في شيء يزاوله، ومن جملة ما أعطي ~~من القوة القدرة على التشكل وإلى ذلك أشار بما تسبب عن هذا من قوله تعالى ~~{فاستوى} أي: فاستقام واعتدل بغاية ما يكون من قوته على أكمل حالاته في ~~الصورة التي فطر عليها. # {وهو} أي: والحال أن جبريل عليه السلام {بالأفق الأعلى} أي: عند مطلع ~~الشمس، وذلك أن جبريل عليه السلام كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صورة الآدميين كما كان يأتي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله، فسأله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، ~~فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، فأما التي في الأرض ففي ~~الأفق الأعلى، والمراد بالأعلى جانب المشرق وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان بحراء وكان جبريل واعده أن يأتيه وهو بحراء فطلع له جبريل من المشرق ~~فسد الأفق إلى المغرب فخر صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه فنزل له جبريل ~~عليه السلام في صورة الآدميين. # {ثم دنا} أي قرب منه {فتدلى} أي زاد في القرب. # {فكان} منه {قاب} أي قدر {قوسين} أي عربيتين {أو أدنى} من ذلك وضمه إلى ~~نفسه حتى أفاق وسكن روعه وجعل يمسح التراب عن وجهه، وأما في السماء فعند ~~سدرة المنتهى ولم يره أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد صلى الله ~~عليه وسلم # تنبيه: القاب والقيب والقاد والقيد والقيس المقدار، وقد جاء التقدير ~~بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع والخطوة والشبر والفتر والأصبع ومنه ~~«لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين» وفي الحديث «لقاب قوس أحدكم من ~~الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها» والقد: السوط، ويقال بينهما خطوات ~~يسيرة وقال الشاعر: # * ... وقد جعلتني من خزيمة أصبعا # فإن قيل: كيف تقدير قوله: {فكان قاب قوسين} أجيب: بأن تقديره فكان مسافة ~~قربه مثل قاب قوسين فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي ms3397 في قوله: وقد ~~جعلتني من خزيمة أصبعا أي ذا مقدار مسافة أصبع. # وروى الشيباني قال: سألت زرا عن قوله تعالى: {فكان قاب قوسين أو أدنى} ~~قال أخبرنا عبد الله يعني ابن مسعود «أنه محمد صلى الله عليه وسلم رأى ~~جبريل له ستمائة جناح» وبهذا قال ابن عباس والحسن وقتادة، وقال آخرون: دنا ~~الرب عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى فقرب منه حتى كان قاب قوسين ~~أو أدنى، ومعنى دنوه تعالى: قرب منزلة كقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ~~ربه تبارك وتعالى «من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا # PageV04P123 # تقربت إليه باعا ومن مشى إلي أتيته هرولة» وهذا إشارة إلى المعنى المجازي ~~قال البغوي: وروينا في قصة المعراج من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر ~~عن أنس: فدنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وهذه ~~رواية أبي سلمة عن ابن عباس وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه وقد قدمت الكلام ~~على المعراج وعلى جواز رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه في أول الإسراء. وقال ~~الضحاك: دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجل فتدلى فأهوى للسجود ~~فكان منه قاب قوسين أو أدنى وتقدم الكلام على القاب، والقوس: ما يرمى به في ~~قول مجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل عليه السلام ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين. وقال مجاهد: معناه حيث الوتر من ~~القوس وهذا إشارة إلى تأكيد القرب والأصل في ذلك أن الحليفين من العرب كانا ~~إذا أراد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فالصقا بينهما يريدان بذلك أنهما ~~متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه، وقال عبد الله بن مسعود: قاب قوسين ~~قدر ذراعين وهو قول سعيد بن جبير، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء أو أدنى ~~بل أقرب وإنما ضرب المثل بالقوس لأنها لا تختلف بالقاب. # {فأوحى} أي: الله تعالى وإن لم يجر له ذكر لعدم اللبس {إلى ms3398 عبده} أي: ~~جبريل عليه السلام {ما أوحى} أي: جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يذكر الموحي تفخيما لشأنه وهذا التفسير ما جرى عليه الجلال ~~المحلي وهو ظاهر، وقيل: فأوحى إلى جبريل بسبب هذا القرب وعقبه إلى عبده أي ~~عبد الله ما أوحى أي جبريل وقيل: الضمائر كلها لله تعالى وهو المعني بشديد ~~القوى كما في قوله تعالى: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (الذاريات: ~~58) # ودنوه منه برفع مكانته وتدليه جذبه بكليته إلى جانب القدس، واختلف في ~~الموحى على أقوال الأول قال سعيد ابن جبير: أوحى إليه {ألم يجدك يتيما} ~~(الضحى: 6) # إلى قوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} (الشرح: 4) # الثاني: أوحى إليه الصلاة. الثالث: أن أحدا من الأنبياء لا يدخل الجنة ~~قبلك وأن أمة من الأمم لا تدخلها قبل أمتك. الرابع: أنه مبهم لا يطلع عليه ~~أحد وتعبدنا به على الجملة. الخامس: أن ما للعموم والمراد كل ما جاء به ~~جبريل. # {ما كذب الفؤاد} أي: فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم {ما رأى} أي: ما رآه ~~ببصره من صورة جبريل عليه السلام، وهذا أيضا ما جرى عليه الجلال المحلي. ~~وقال البقاعي: ما رأى البصر أي حين رؤية البصر كأنه حاضر القلب لا أنها ~~رؤية بصر فقط يمكن فيها الخلو عن حضور القلب وقال القشيري ما معناه: ما كذب ~~فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره على الوصف الذي علمه قبل أن ~~رآه، فكان علمه حق اليقين وقرأ هشام بتشديد الذال والباقون بالتخفيف. # وقوله تعالى: {أفتمارونه} أي: تجادلونه وتغلبونه {على ما يرى} خطاب ~~للمشركين المكذبين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل، وهذا ما قاله ابن ~~مسعود وعائشة. ومن قال: إن المرئي هو الله تعالى اختلفوا في معنى الرؤية ~~فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده وهو قول ابن عباس قال: رآه ~~بفؤاده مرتين ما كذب الفؤاد ما رأى، وقال أنس والحسن وعكرمة: رأى محمد صلى ~~الله عليه وسلم ربه عز وجل بعينه، وروى عكرمة ms3399 عن ابن عباس قال: إن الله ~~تعالى اصطفى إبراهيم عليه السلام بالخلة واصطفى في موسى عليه السلام ~~بالكلام واصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم بالرؤية # PageV04P124 # وكانت عائشة تقول لم ير محمد صلى الله عليه وسلم ربه وتحمل الرؤية على ~~رؤية جبريل قال مسروق قلت لعائشة: يا أمتاه هل رأى محمد ربه فقالت لقد قف ~~شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدا رأى ~~ربه فقد كذب ثم قرأت {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف ~~الخبير} (الأنعام: 103) # {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} (الشورى: 51) # ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت {وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت} (لقمان: 34) # . ومن حدثك أنه كتم شيئا مما أنزل الله تعالى فقد كذب، ثم قرأت {يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} (المائدة: 67) # الآية ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين» ، وروى أبو ذر قال سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك «قال نور أنى أراه» وحاصل المسألة: أن ~~الصحيح ثبوت الرؤية وهو ما جرى عليه ابن عباس حبر الأمة، وهو الذي يرجع ~~إليه في المعضلات، وقد راجعه أبو عمرو فأخبره أنه رآه ولا يقدح في ذلك حديث ~~عائشة، لأنها لم تخبر أنها سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لم أر وإنما اعتمدت على الاستنباط مما تقدم وجوابه ظاهر، فإن الإدراك هو ~~الإحاطة والله تعالى لا يحاط به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه ~~نفي الرؤية بغير إحاطة، وأجيب عن احتجاجها بقوله تعالى: {وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله} (الشورى: 51) # الآية بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية ~~من غير كلام، وبأنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم «نور أنى أراه» فقال الماوردي: الضمير في ~~أراه عائد إلى الله ms3400 تعالى ومعناه: إنه خالق النور المانع من رؤيته أي رؤية ~~إحاطة كما مر إذ من المستحيل أن تكون ذات الله نورا إذ النور من جملة ~~الأجسام والله تعالى منزه عن ذلك فإن قيل: هلا قيل أفتمارونه على ما رأى ~~بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه حين أسري به فقالوا: صف لنا بيت المقدس ~~وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به وما الحكمة في إبرازه ~~بصيغة المضارع أجيب: بأن التقدير أفتمارونه على ما يرى فكيف وهو قد رآه في ~~السماء فماذا تقولون فيه. # والواو في قوله تعالى: {ولقد رآه} يحتمل أن تكون عاطفة ويحتمل أن تكون ~~للحال أي: كيف تجادلونه فيما رآه وهو قد رآه {نزلة أخرى} على وجه لا شك ~~فيه. # تنبيه: قوله تعالى: {نزلة} فعلة من النزول كجلسة من الجلوس فلا بد من ~~نزول، واختلفوا في ذلك النزول. وفيه وجوه: # الأول: أن الضمير في رآه عائد إلى جبريل أي رأى جبريل نزلة أخرى أي رأى ~~جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء مرة أخرى وذلك أنه رآه في ~~صورته مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء {عند سدرة المنتهى} قال الرازي: ~~ويحتمل أن تكون النزلة لمحمد صلى الله عليه وسلم # الثاني: أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي رأى الله نزلة أخرى، وهذا قول ~~من قال في قوله تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى} هو الله تعالى وقد قيل: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه مرتين وعلى هذا ففي النزول وجهان: ~~أحدهما: قول من يجوز على الله الحركة من غير تشبيه. وثانيهما: أن نزوله ~~بمعنى القرب بالرحمة والفضل، الثالث: أن محمدا رأى الله تعالى نزلة أخرى ~~والمراد من النزلة: ضدها وهي العرجة كأنه قال: رآه عرجة أخرى قال ابن عباس: ~~نزلة أخرى هو أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسألة ~~التخفيف # PageV04P125 # في الصلوات فيكون لكل عرجة نزلة فرأى ربه في بعضها. # وروي عن ابن عباس أن النبي ms3401 صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده مرتين وعنه ~~أنه رأى ربه بعينه وعلى أن المرئي هو الله تعالى فيكون قوله تعالى: {عند ~~سدرة المنتهى} ظرفا للرائي كما إذا قال القائل رأيت الهلال فيقال له: أين ~~رأيته فيقول: على السطح، وقد يقول: عند الشجرة الفلانية، وأما قول من قال: ~~بأن الله تعالى في مكان فذلك باطل، وإن قيل: بأن المرئي جبريل عليه السلام ~~فظاهر. # الآية بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية ~~من غير كلام، وبأنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم «نور أنى أراه» فقال الماوردي: الضمير في ~~أراه عائد إلى الله تعالى ومعناه: إنه خالق النور المانع من رؤيته أي رؤية ~~إحاطة كما مر إذ من المستحيل أن تكون ذات الله نورا إذ النور من جملة ~~الأجسام والله تعالى منزه عن ذلك فإن قيل: هلا قيل أفتمارونه على ما رأى ~~بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه حين أسري به فقالوا: صف لنا بيت المقدس ~~وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به وما الحكمة في إبرازه ~~بصيغة المضارع أجيب: بأن التقدير أفتمارونه على ما يرى فكيف وهو قد رآه في ~~السماء فماذا تقولون فيه. # والواو في قوله تعالى: {ولقد رآه} يحتمل أن تكون عاطفة ويحتمل أن تكون ~~للحال أي: كيف تجادلونه فيما رآه وهو قد رآه {نزلة أخرى} على وجه لا شك ~~فيه. # تنبيه: قوله تعالى: {نزلة} فعلة من النزول كجلسة من الجلوس فلا بد من ~~نزول، واختلفوا في ذلك النزول. وفيه وجوه: # الأول: أن الضمير في رآه عائد إلى جبريل أي رأى جبريل نزلة أخرى أي رأى ~~جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء مرة أخرى وذلك أنه رآه في ~~صورته مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء {عند سدرة المنتهى} قال الرازي: ~~ويحتمل أن تكون النزلة لمحمد صلى الله عليه وسلم # الثاني: أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي رأى الله نزلة ms3402 أخرى، وهذا قول ~~من قال في قوله تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى} هو الله تعالى وقد قيل: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه مرتين وعلى هذا ففي النزول وجهان: ~~أحدهما: قول من يجوز على الله الحركة من غير تشبيه. وثانيهما: أن نزوله ~~بمعنى القرب بالرحمة والفضل، الثالث: أن محمدا رأى الله تعالى نزلة أخرى ~~والمراد من النزلة: ضدها وهي العرجة كأنه قال: رآه عرجة أخرى قال ابن عباس: ~~نزلة أخرى هو أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسألة ~~التخفيف في الصلوات فيكون لكل عرجة نزلة فرأى ربه في بعضها. # وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده مرتين وعنه ~~أنه رأى ربه بعينه وعلى أن المرئي هو الله تعالى فيكون قوله تعالى: {عند ~~سدرة المنتهى} ظرفا للرائي كما إذا قال القائل رأيت الهلال فيقال له: أين ~~رأيته فيقول: على السطح، وقد يقول: عند الشجرة الفلانية، وأما قول من قال: ~~بأن الله تعالى في مكان فذلك باطل، وإن قيل: بأن المرئي جبريل عليه السلام ~~فظاهر. # تنبيه: إضافة السدرة إلى المنتهى تحتمل وجوها: # أحدها: إضافة الشيء إلى مكانه كقولك أشجار بلدة كذا، فالمنتهى حينئذ موضع ~~لا يتعداه ملك، قال هلال بن كيسان: سأل ابن عباس كعبا عن سدرة المنتهى وأنا ~~حاضر فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي ~~علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، وقيل: ينتهي إليها ما ~~هبط من فوقها ويصعد من تحتها، وقال كعب: تنتهي إليها الملائكة والأنبياء، ~~وقال الربيع: تنتهي إليها أرواح المؤمنين. # وثانيها: إضافة الملك إلى مالكه كقولك: دار زيد وشجر زيد وحينئذ المنتهى ~~فيه محذوف تقديره سدرة المنتهى إليه قال الله تعالى: {إلى ربك المنتهى} ~~(النجم: 42) # فالمنتهى إليه هو الله تعالى وإضافة السدرة إليه حينئذ كإضافة البيت إليه ~~للتشريف والعظيم، كما يقال في التسبيح يا غاية رغبتاه ويا منتهى أملاه. # وثالثها: إضافة المحل ms3403 إلى الحال فيه كقولك كتاب الفقه وعلى هذا فالتقدير ~~سدرة عندها منتهى العلوم فتتلقى هناك. # قال البقاعي: وذلك والله أعلم ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من ~~النبوة قبل الهجرة بقليل بعد أن ترقى في معارج الكمالات من السنين على عدد ~~السموات وما بينها من المسافات فانتهى إلى منتهى سمع فيه صرير الأقلام. # وعظمها بقوله تعالى: {عندها} أي: السدرة {جنة المأوى} أي: التي لا مأوى ~~في الحقيقة غيرها وهي الجنة التي وعدها المتقون كقوله تعالى: {دار المقامة} ~~(فاطر: 35) # وقيل هي جنة أخرى عندها تكون أرواح الشهداء تأوي إليها وقيل هي جنة ~~الملائكة. # وقوله تعالى: {إذ} معمول لرأى أي: رأى من آيات ربه الكبرى حين {يغشى ~~السدرة} وهي شجرة النبق وقوله تعالى: {ما يغشى} تعظيم وتكثير لما يغشاها ~~واختلفوا فيما يغشاها فقيل: فراش أو جراد من ذهب وهو قول ابن عباس وابن ~~مسعود والضحاك قال الرازي: وهذا ضعيف لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي، فإن ~~صح فيه خبر وإلا فلا وجه له ا. ه. قال القرطبي ورواه ابن مسعود وابن عباس ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أيضا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنه قال «رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة ملكا ~~قائما يسبح الله تعالى وذلك قوله عز من قائل: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} » ~~وقيل: ملائكة تغشاها كأنهم طيور يرتقون إليها متشوقين متبركين بها زائرين ~~كما يزور الناس الكعبة وروي في حديث المعراج عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ~~ثمرها كقلال هجر قال: فلما غشيها من أمر الله تعالى ما غشي تغيرت فما أحد ~~من خلق الله تعالى يقدر أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى ففرض علي ~~خمسين صلاة في كل يوم وليلة» . # وقيل: يغشاها أنوار الله تعالى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل ~~إليها تجلى ربه لها كما تجلى للجبل # PageV04P126 # فظهرت الأنوار، ms3404 ولكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت فجعل دكا ولم تتحرك ~~الشجرة وخر موسى عليه السلام صعقا ولم يتزلزل محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: أبهمه تعظيما له والغشيان يكون بمعنى التغطية قال الماوردي في معاني ~~القرآن: فإن قيل: لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر قلنا: ~~لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد وطعم لذيذ ورائحة ذكية، فشابهت ~~الإيمان الذي يجمع قولا وعملا ونية فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوره، ~~وطعمها بمنزلة النية لكمونه، وريحها بمنزلة القول لظهوره، وروى أبو داود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قطع سدرة صوب الله تعالى رأسه في النار» ~~وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال: هو مختصر يعني: من قطع سدرة في ~~فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم، عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها، صوب ~~الله تعالى رأسه في النار. # ثم أكد سبحانه الرؤية وقررها بقوله تعالى {ما زاغ} أي: ما مال أدنى ميل ~~{البصر} أي الذي لا بصر لمخلوق أكمل منه فما قصر عن النظر إلى ما أذن له ~~فيه وما زاد {وما طغى} أي: تجاوز الحد إلى ما لم يؤذن له فيه، مع أن ذاك ~~العالم غريب عن بني آدم وفيه من العجائب ما يحير الناظر، بل كانت له الصفة ~~الصادقة المتوسطة بين الشره والزهادة على أتم قوانين العدل فأثبت ما رآه ~~على حقيقته، وكما هو قال السهروردي في أول الباب الثاني والثلاثين من ~~عوارفه: وأخبر تعالى بحسن أدبه في الحضرة بهذه الآية وهذه غامضة من غوامض ~~الأدب اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم # تنبيه: اللام في البصر تحتمل وجهين: # أحدهما: المعروف أي ما زاغ بصر محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا إن قيل ~~بأن الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش فمعناه لم يلتفت إليه ولم يشتغل به ~~ولم يقطع نظره عن مقصوده فيكون غشيان الجراد والفراش ابتلاء وامتحانا لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وإن قيل إن الغاشي أنوار الله تعالى ففيه ms3405 وجهان: ~~أحدهما: لم يلتفت يمنة ولا يسرة بل اشتغل بمطالعتها. الثاني: ما زاغ البصر ~~بصعقه بخلاف موسى عليه السلام فإنه قطع النظر وغشي عليه، ففي الأول بيان ~~أدب محمد صلى الله عليه وسلم وفي الثاني بيان قوته. # الوجه الثاني: أن اللام لتعريف الجنس أي ما زاغ بصره أصلا في ذلك الموضع ~~لعظم هيبته فإن قيل: لو كان كذلك لقال ما زاغ بصره فإنه أدل على العموم فإن ~~النكرة في معرض النفي تعم، أجيب: بأن هذا مثل كقوله تعالى: {لا تدركه ~~الأبصار} (الأنعام: 103) # ولم يقل ولا يدركه بصر. # ولما كانوا قد أنكروا الإسراء إنكارا لم يقع لهم في غيره مثله زاد في ~~تأكيده على وجه يعم غيره فقال تعالى: {لقد رأى} أي: أبصر ما أهلناه له من ~~الرسالة تلك الليلة إبصارا ساريا إلى البواطن غير مقتصر على الظواهر {من ~~آيات ربه} أي: المحسن إليه بما لم يصل إليه أحد قبله ولا يصل إليه أحد بعده ~~{الكبرى} أي: العظام أي بعضها، واختلف في ذلك البعض فقيل جبريل عليه السلام ~~رآه في صورته له ستمائة جناح. وقال الرازي: والظاهر أن هذه الآيات غير تلك ~~لأن جبريل عليه السلام وإن كان عظيما لكنه ورد في الأخبار أن لله تعالى ~~ملائكة أعظم منه، والكبرى تأنيث الأكبر فكأنه تعالى قال رأى من آيات ربه ~~آيات هن أكبر الآيات وقيل رأى: رفرفا أخضر سد الأفق وقيل: أراد ما رأى في ~~تلك الليلة في مسيره وعوده ومن اجتماعه تلك الليلة بالأنبياء عليهم الصلاة # PageV04P127 # والسلام في السموات. # ولما قرر تعالى الرسالة ذكر ما ينبغي أن يبتدئ به الرسول وهو التوحيد ~~ومنع الخلق عن الإشراك بقوله تعالى: # إشارة إلى إبطال قولهم كما إذا ادعى ضعيف الملك ثم رآه العقلاء في غاية ~~البعد عما يدعيه يقولون: انظروا إلى هذا الذي يدعي الملك منكرين عليه غير ~~مستدلين بدليل لظهور أمره، فلذلك قال تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى} أي كما ~~هما فكيف تشركونهما بالله سبحانه وتعالى، واللات صنم ثقيف والعزى شجرة ~~لغسان وهما أعظم ms3406 أصنامهم، اشتقوا لهما اسمين من أسماء الله تعالى فقالوا من ~~الله اللات ومن العزيز العزى وقيل: العزى تأنيث الأعز وعن ابن عباس كان ~~اللات رجلا يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره. # وعن مجاهد أن العزى شجرة لغطفان كانوا يعبدونه فبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد يضربها بالفأس ويقول: # *يا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك* # فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية بويلها واضعة يدها على رأسها ويقال ~~إن خالدا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قلعتها فقال ما رأيت ~~قال ما رأيت شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلت فعاودها ومعه ~~المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة عريانة فقتلها ثم رجع إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال تلك العزى ولن تعبد أبدا. # وقال الضحاك: هي صنم لغطفان وضعها لهم سعيد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه ~~لما قدم مكة فرأى الصفا والمروة ورأى أهل مكة يطوفون بهما فعاد إلى نخلة ~~وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم ولهم إله يعبدونه وليس ~~لكم قالوا: فما تأمرنا به، قال: أنا أصنع لكم كذلك وأخذ حجرا من الصفا ~~وحجرا من المروة ونقلهما إلى نخلة فوضع الذي أخذه من الصفا وقال: هذا الصفا ~~ووضع الذي أخذه من المروة، وقال هذه المروة: ثم أخذ ثلاثة أحجار فاسندها ~~إلى شجرة فقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة حتى ~~افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فأمر برفع الحجارة وبعث خالد بن ~~الوليد إلى العزى فقطعها وقال ابن زيد: هي بيت بالطائف كان تعبده ثقيف. # وأما قوله تعالى {ومناة} فقال قتادة: هي صخرة كانت لخزاعة بقديد، وقالت ~~عائشة في الأنصار كانوا يصلون لمناة فكانت حذو قديد. وقال ابن زيد بيت ~~بالمشلل تعبده بنو كعب وقال الضحاك: مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبده أهل مكة ~~وقيل اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة كانت في ms3407 جوف الكعبة يعبدونها. # وقوله تعالى: {الثالثة الأخرى} نعت لمناة إذ هي الثالثة للصنمين في ~~الذكر، وأما الأخرى فقال أبو البقاء: توكيد لأن الثالثة لا تكون إلا أخرى، ~~وقال الزمخشري: الأخرى ذم وهي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله تعالى: ~~{وقالت أخراهم} أي: وضعاؤهم {لأولاهم} أي: لأشرافهم، ويجوز أن تكون الأولية ~~والتقدم عندهم للات والعزى ا. ه. قال ابن عادل: وفيه نظر لأن الأخرى إنما ~~تدل على الغيرية وليس فيها تعرض لمدح ولا ذم فإن جاء شيء فلقرينة خارجية ا. ~~ه. ووجه الترتيب أن اللات كان وثنا على صورة آدمي، والعزى شجرة نبات، ومناة ~~صخرة فهي جماد فهي في أخريات المراتب. # فإن قيل: ما فائدة الفاء في # PageV04P128 # قوله تعالى: {أفرأيتم} وقد وردت في مواضع بغير فاء كقوله تعالى: {أرأيتم ~~ما تدعون من دون الله} (الأحقاف: 4) # {أرأيتم شركاءكم} (فاطر: 40) # أجيب: بأنه تعالى لما قدم عظمته في ملكوته وأن رسوله إلى الرسل يسد ~~الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته ولا يمكنه مع هذا أن يتعدى ~~السدرة في مقام جلال الله وعزته قال: أفرايتم هذه الأصنام مع ذلتها ~~وحقارتها شركاء الله تعالى مع ما تقدم، فقال بالفاء أي عقب ما سمعتم من ~~عظمة آيات الله الكبرى ونفاذ علمه في الملأ الأعلى وما تحت الثرى انظروا ~~إلى اللات والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه. # تنبيه: مفعول أرأيت الأول اللات وما عطف عليه والثاني: محذوف والمعنى ~~أخبروني ألهذه الأصنام قدرة على شيء ما فتعبدونها دون الله القادر على ما ~~تقدم ذكره. # وقرأ ابن كثير {مناة} بهمزة مفتوحة بعد الألف والباقون بغير همز. # ولما زعموا أيضا أن الملائكة بنات الله مع كراهتهم للبنات نزل {ألكم} أي: ~~خاصة {الذكر} أي: النوع الأعلى {وله} أي: وحده {الأنثى} أي: النوع الأسفل. # {تلك} أي: هذه القسمة البعيدة عن الصواب {إذا} أي: إذ جعلتم البنات له ~~والبنين لكم {قسمة ضيزى} أي: جائرة ظالمة ناقصة فيها بخس للحق إلى الغاية ~~عوجاء غير معتدلة، حيث خصصتم به ما أوصلتكم الكراهة له إلى دفنه حيا بل ms3408 كان ~~ينبغي أن تجعلوا الأعظم للعظيم والأنقص للحقير فخالفتم العقل والنقل ~~والعادة. # {إن} أي: ما {هي} أي: هذه الأصنام {إلا أسماء} أي: لا حقائق لها فيما ~~ادعيتم لها من الإلهية ليس لها من ذلك غير الأسماء وأكد ذلك بقوله تعالى: ~~{سميتموها} أي: ابتدعتم تسميتها. # فإن قيل: الأسماء لا تسمى وإنما يسمى بها أجيب: بأن التسمية وضع الاسم ~~فكأنه قال أسماء وضعتموها فاستعمل سميتموها استعمال وضعتموها {أنتم ~~وآباؤكم} أي: لا غير {ماأنزل الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال {بها} أي ~~باستحقاقها للأسماء أو لما سميتموها به من الإلهية، وأغرق في النفي فقال: ~~{من سلطان} أي: حجة تصلح مسلطا على ما يدعى فيها بل لمجرد الهوى لم تروا ~~منها آية ولا كلمتكم قط بكلمة تعتمدونها وعلى تقدير أن تتكلم الشياطين على ~~ألسنتها فأي طريقة قويمة شرعت لكم، وأي كلام صالح أو بليغ برز إليكم منها ~~وأي آية كبرى أرتكموها. # {إن} أي: ما {يتبعون} أي: في وقت من الأوقات في أمر هذه الأوثان بغاية ~~جهدهم من أنها آلهة وأنها تشفع لهم أو تقربهم إلى الله تعالى {إلا الظن} ~~أي: وهو غاية أمرهم لمن يحسن الظن بهم والظن ترجيح أحد الجائزين على زعم ~~الظان. ولما كان الظن قد يكون موافقا للحق مخالفا للهوى قال تعالى: {وما ~~تهوى الأنفس} أي: تشتهي وهي لما لها من النقص لا تشتهي أبدا إلا ما يهوى ~~بها عن غاية أوجها إلى أسفل حضيضها، وأما المعالي وحسن العواقب فإنما يسوق ~~إليها العقل. # قال القشيري: فأما الظن الجميل بالله تعالى فليس من هذا الباب، والتباس ~~عواقب الشخص عليه ليس من هذه الجملة بسبيل إنما الظن المعلول في الله تعالى ~~وأحكامه وصفاته ا. ه. ولهذا كان كثير من الفقه ظنيا وقال صلى الله عليه ~~وسلم حكاية عن ربه «أنا عند ظن عبدي بي» . # {ولقد جاءهم} أي: العجب أنهم يقولون ذلك والحال أنهم قد جاءهم {من ربهم} ~~المحسن إليهم {الهدى} على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالبرهان القاطع ~~أنها ليست بآلهة، ms3409 وأن العبادة # PageV04P129 # لا تصلح إلا لله الواحد القهار فلم يرجعوا عما هم عليه، وقرأ حمزة ~~والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم وقرأ أبو عمرو بكسرهما والباقون بكسر ~~الهاء وضم الميم. # {أم للإنسان} أي: كل إنسان منهم {ما تمنى} أي: من اتباع ما يشتهي من جاه ~~ومال وطول عمر ورفاهة عيش، ومن أن الأصنام تشفع له ليس الأمر كذلك. # {فلله} أي: الملك الأعظم وحده {الآخرة} فهو لا يعطي ما فيها إلا لمن تبع ~~هداه وترك هواه {والأولى} أي: الدنيا فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد ~~أصلا كما هو مشاهد ولكنه يعطي منها ما يشاء لمن يريد وليس لأحد أن يتحكم ~~عليه سبحانه في شيء منها. # {وكم من ملك} أي: كثير من الملائكة أي ممن يعبدهم هؤلاء الكفار، ودل على ~~زيادة قوتهم بشرف مسكنهم، وهو قوله تعالى: {في السموات} أي: وهم في الكرامة ~~والزلفى {لا تغني شفاعتهم} أي: عن أحد من الناس {شيئا} ثم قصر الأمر عليه ~~ورده بحذافيره إليه بقوله تعالى: {إلا من بعد أن يأذن} أي: يمكن ويريد ~~{الله} أي الملك الذي لا أمر أصلا لأحد معه {لمن يشاء} من عباده من ~~الملائكة أو من الناس أن يشفع {ويرضى} أي: ويراه أهلا لذلك فكيف تعبد ~~الأصنام مع حقارتها لتشفع لهم. # {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: لا يصدقون ولا يقرون بالبعث وغيره من ~~أحوال يوم القيامة {ليسمون الملائكة} أي: كل واحد منهم {تسمية الأنثى} بأن ~~سموه بنتا، وذلك أنهم كانوا يقولون: الملائكة وجدوا من الله تعالى فهم ~~أولاده بمعنى الإيجاد، ثم إنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث وصح عندهم أن ~~يقال: سجدت الملائكة فقالوا بنات الله فسموهم تسمية الإناث. # فإن قيل: كيف يقال إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوبا على قبر من يموت ~~ويعتقدون أنه يحشر عليه أجيب: بأنهم ما كانوا يجزمون به بل كانوا يقولون لا ~~حشر فإن كان فلنا شفعاء بدليل ما حكى الله تعالى ms3410 عنهم: {وما أظن الساعة ~~قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} (فصلت: 50) # وبأنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه الذي وردت به الرسل فإن قيل: ~~كيف قال: تسمية الأنثى ولم يقل تسمية الإناث أجيب بأن المراد بيان الجنس ~~وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمؤاخاة رؤوس الآي. # {وما} أي: والحال أنهم ما {لهم به} أي: بما يقولون، وقيل: الضمير يعود ~~إلى ما تقدم من عدم قبول الشفاعة وقيل: يعود إلى الله تعالى أي ما لهم ~~بالله تعالى {من علم} ثم بين تعالى الحامل لهم على ذلك بقوله تعالى: {إن} ~~أي: ما {يتبعون} أي بغاية ما يكون من شهوة النفس في ذلك وغيره {إلا الظن} ~~أي الذي يتخيلونه {وإن} أي: والحال أن {الظن} أي: مطلقا في هذا وفي غيره، ~~ولذلك أظهر في موضع الإضمار {لا يغني} أي إغناء مبتدأ {من الحق} أي: الأمر ~~الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته بحيث يكون الظن بدله والظن ~~إنما يعتبر في العمليات لا في العلميات ولا سيما الأصولية {شيئا} أي: من ~~الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدي أبدا إلى الجزم بالعلم بالشيء على ما ~~هو عليه في نفس الأمر فهو ممنوع في أصول الدين، فإن المقصود فيها تحقيق ~~الأمر على ما هو عليه في الواقع، وأما الفروع فإن المكلف به فيها هو الظن ~~لكن بشرطه المأذون فيه وهو رده إلى الأصول المستنبط منها، لعجز الإنسان عن ~~القطع في جميع الفروع # PageV04P130 # تنبيها على عجزه وافتقاره إلى الله تعالى ليقبل عليه ويتبرأ من حوله ~~وقوته ليكشف له عن الحقائق. # ولما أن أصروا على الهوى بعد مجيء الهدى سبب عن ذلك قوله تعالى: {فأعرض} ~~أي: يا أشرف الرسل {عمن تولى} أي: كلف نفسه خلاف ما يدعو إليه العقل ~~والفطرة الأولى {عن ذكرنا} أي: القرآن الذي أنزلناه فلم يتله ولم يتدبر ~~معانيه {ولم يرد} أي: في وقت من الأوقات {إلا الحياة الدنيا} أي الحاضرة ~~لتقيده بالمحسوسات كالبهائم مع العمى عن دناءتها وحقارتها. قال ms3411 الجلال ~~المحلي: وهذا قبل الأمر بالجهاد. # قال الرازي: وأكثر المفسرين يقولون: بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى: ~~{فأعرض} منسوخ بآية القتال وهو باطل، لأن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال ~~فكيف ينسخ بها وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم في الأول كان مأمورا ~~بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة فلما عارضوه بأباطيلهم أمر بإزالة شبههم ~~والجواب عن أباطيلهم. وقيل له: وجادلهم بالتي أحسن ثم لما لم ينفع قال له ~~ربه: أعرض عنهم ولا تقل لهم بالدليل والبرهان فإنهم لا ينتفعون به ولا ~~يتبعون الحق، وقاتلهم والإعراض عن المناظرة شرط لجواز المقاتلة فكيف يكون ~~منسوخا بها. # {ذلك} أي: الأمر المتناهي في الجهل والقباحة {مبلغهم} أي: نهاية بلوغهم ~~وموضع بلوغهم والحاصل لهم وتهكم بهم بقوله تعالى: {من العلم} أي غايتهم من ~~العلم أنهم آثروا الدنيا على الآخرة، والجملة اعتراض مقرر لقصور همتهم على ~~الدنيا وقوله تعالى: {إن ربك} أي: المحسن إليك بالرسالة {هو أعلم} أي: عالم ~~{بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى} أي: ظاهرا وباطنا، تعليل للأمر ~~بالإعراض أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب فلا تتعب نفسك في دعوتهم ~~إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان كالطبيب ~~للقلوب فأتى على ترتيب الأطباء في أن المرض إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا ~~يستعملون الدواء، وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون الدواء ~~القوي، ثم إذا عجزوا عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحديد والكي ~~كما قيل: آخر الدواء الكي فالنبي صلى الله عليه وسلم أولا أمر القلوب بذكر ~~الله تعالى فقط، فإن بذكر الله تطمئن القلوب، كما أن بالغذاء تطمئن النفوس ~~والذكر غذاء القلوب، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أولا: «قولوا لا إله إلا ~~الله أمر بالذكر فانتفع مثل أبي بكر، ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليل وقال {أو ~~لم يتفكروا} (الأعراف: 184) # {قل انظروا} (يونس: 101) # {أفلا ينظرون} (الغاشية: 17) # إلى غير ذلك، فلما لم ينتفعوا أتى بالوعيد والتهديد فلما لم ينفعهم قال ms3412 ~~أعرض عن المعالجة واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح. # فإن قيل: إن الله تعالى بين أن غايتهم ذلك في العلم ولا يكلف الله تعالى ~~نفسا إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له أو الصبي الذي لا يؤمر بما فوق ~~احتماله فكيف يعاقبهم الله تعالى؟ أجيب: بأنه ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ~~ذكر الله فكان عدم علمهم لعدم قبولهم العلم، وإنما قدر الله تعالى توليهم ~~ليضاف الجهل إلى ذلك فيتحقق العقاب. # {ولله} أي: الملك الأعظم وحده {ما في السموات وما في الأرض} أي: من ~~الذوات والمعاني فيشمل ذلك السموات والأرض معترض بين الآية الأولى وبين ~~قوله تعالى {ليجزي الذين أساؤوا} أي: بالضلال {بما عملوا} أي: بسببه أو ~~بجنسه إما بواسطتك بسيوفك وبسيوف أتباعك إذ أذنت لكم # PageV04P131 # في القتال، وإما بغير ذلك بالموت حتف الأنف تضرب الملائكة وجوههم ~~وأدبارهم ثم بعذاب الآخرة على جميع ذنوبهم من غير أن يكون عجل لهم في ~~الدنيا شيء ينقص بسببه عذاب الآخرة. # تنبيه: اللام في ليجزي يجوز أن تتعلق بقوله تعالى: {بمن ضل} و {بمن ~~اهتدى} ، واللام للصيرورة أي عاقبة أمرهم جميعا للجزاء بما عملوا قال معناه ~~الزمخشري، وأن تتعلق بما دل عليه قوله تعالى: {أعلم بمن ضل} أي: حفظ ذلك ~~ليجزي قاله أبو البقاء {ويجزي} أي: ويثيب ويكرم {الذين أحسنوا} أي: على ~~ثباتهم على الدين وصبرهم عليه وعلى أذى أعدائهم {بالحسنى} أي: بالمثوبة ~~الحسنى وهي الجنة. # وبين المحسنين بقوله تعالى: {الذين يجتنبون} أي: يكلفون أنفسهم ويجهدونها ~~على أن يتركوا {كبائر الإثم} أي: ما عظم الشارع إثمه بعد تحريمه بالوعيد ~~والحد، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الباء الموحدة وبعدها ياء ساكنة والباقون ~~بفتح الموحدة وبعدها ألف وبعد الألف همزة مكسورة وعطف على كبائر قوله ~~تعالى: {والفواحش} والفاحشة من الكبائر ما كرهه الطبع وأنكره العقل ~~واستخبثه الشرع والكبيرة صفة عائدة إلى الكيفية. # وقوله تعالى: {إلا اللمم} فيه أوجه: أحدها وهو المشهور أنه استثناء منقطع ~~أي لكن اللمم، لأنه الصغائر فلم تندرج فيما قبلها ثانيها: أنه صفة وإلا ~~بمعنى ms3413 غير كقوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} (الأنبياء: 22) # أي كبائر الأثم والفواحش غير اللمم. ثالثها: أنه متصل وهذا عند من يفسر ~~اللمم بغير الصغائر قالوا: إن اللمم من الكبائر والفواحش قالوا: إن معنى ~~الآية إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي ~~هريرة ومجاهد والحسن ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال عبد ~~الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك قال السدي: قال أبو صالح: سئلت ~~عن قول الله عز وجل إلا اللمم فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده ~~فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم ~~وروى: عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم ~~مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أن الله عز وجل كتب ~~على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر، وزنا ~~اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» ولمسلم «كتب ~~على ابن آدم نصيبه من الزنا يدرك ذلك لا محالة العينان زناهما النظر ~~والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه النطق واليد زناها البطش والرجل ~~زناها الخطأ والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» . # تنبيه: ذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي ~~إلى كبائر وصغائر، وقد تظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة، وقد اختلف في ~~ضبط الكبيرة بالحد فقال جمع: هي ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، ~~وقال جمع: هي المعصية الموجبة للحد والأول أوجه لأنهم عدوا الربا وأكل مال ~~اليتيم وشهادة الزور ونحوها من الكبائر ولا حد فيها وقال إمام الحرمين: هي ~~كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، وأما تعريفها بالعد فقال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: هي إلى السبعين أقرب وقال سعيد بن جبير هي إلى ~~السبعمائة أقرب أي باعتبار أصناف أنواعها وما عدا ms3414 المحدود من المعاصي فمن ~~الصغائر ولا بأس بذكر شيء من النوعين. # PageV04P132 # فمن الأول تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر ومنع الزكاة وترك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ونسيان القرآن واليأس من رحمة ~~الله تعالى، وأمن مكر الله تعالى، وقتل النفس عمدا أو شبه عمد، والفرار من ~~الزحف وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والإفطار في رمضان من غير عذر، وعقوق ~~الوالدين والزنا واللواط وشهادة الزور، وشرب الخمر وإن قل، والسرقة والغصب ~~وقيده جماعة بما يبلغ ربع مثقال كما يقطع به في السرقة، وكتمان الشهادة بلا ~~عذر، وضرب المسلم بغير حق، وقطع الرحم والكذب على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عمدا، وسب الصحابة، وأخذ الرشوة، والسحر والنميمة، وأما الغيبة فإن ~~كانت في أهل العلم وحملة القرآن فهي كبيرة وإلا فصغيرة.q # ومن الصغائر النظر المحرم وكذب لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على سوآت ~~الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث والضحك في الصلاة المفروضة، والنياحة وشق ~~الجيب في المصيبة والتبختر في المشي والجلوس بين الفساق إيناسا لهم، وإدخال ~~مجانين وصبيان ونجاسة يغلب تنجيسهم المسجد، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب ~~لغير حاجة، والإصرار على صغيرة من نوع أو أنواع يصيرها كبيرة إلا أن تغلب ~~طاعاته معاصيه كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج وغيره. # {إن ربك} أي: المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين والتخفيف عن أمتك {واسع ~~المغفرة} يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة وله أن يفغر ~~ما شاء من الذنوب ما عدا الشرك صغيرها وكبيرها كما قال تعالى: {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء: 48) # بخلاف غيره من الملوك فإنه لا يغفر لمن تكررت ذنوبه إليهم وإن صغرت قال ~~البيضاوي: ولعله عقب به وعيد المسيئين لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته ولا ~~يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى ا. ه. ونزل فيمن كان يقول صلاتنا صيامنا ~~حجنا {هو أعلم بكم} أي: بذواتكم وأحوالكم منكم بأنفسكم {إذ} أي: حين ~~{أنشأكم من الأرض} أي: ms3415 التي طبعها طبع الموت البرد واليبس بإنشاء أبيكم آدم ~~عليه السلام منها، وتهيئتكم للتكوين بعد أن لم يكن فيكم وأنتم تراب قابلية ~~للحياة بقوة قريبة ولا بعيدة أصلا فميز التراب الذي يصلح لتكوينكم منه ~~والذي لا يصلح {وإذ} أي: وحين {أنتم أجنة} أي: مستورون {في بطون أمهاتكم} ~~فهو يعلم إذ ذاك ما أنتم صائرون إليه من خير وشر وإن عملتم مدة من العمر ~~بخلافه، لأنه يعلم ما جبلكم عليه من ذلك. # وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بكسر الهمزة والباقون بضمها، وكسر حمزة ~~الميم وفتحها الباقون، وأما في الابتداء بالهمزة فالجميع بضمها. # {فلا تزكوا} أي: تمدحوا بالزكاة وهي البركة والطهارة عن الدناءة {أنفسكم} ~~أي: حقيقة بأن يثني الإنسان على نفسه فإن تزكيته لنفسه قال القشيري: من ~~علامات كونه محجوبا عن الله تعالى أي: من مدح نفسه على سبيل الإعجاب، أما ~~على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن، أو مجازا بأن يثنى على غيره من إخوانه ~~وأنه كثيرا ما يثنى بشيء فيظهر خلافه وربما حصل له الأذى بسببه «وإن العبد ~~ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع» الحديث ~~ولذلك علل بقوله تعالى: {هو أعلم} أي: منكم ومن جميع الخلق {بمن اتقى} أي ~~فإنه يعلم المتقي وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم عليه السلام ~~فمن # PageV04P133 # جاهد نفسه حتى حصل منه تقوى فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين ~~فكيف بمن صارت له التقوى وصفا ثابتا. # ولما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحد منهم بسوء فعله فقال ~~تعالى: # {أفرأيت الذي تولى} أي: عن اتباع الحق والثبات عليه. قال مجاهد وأبو زيد ~~ومقاتل نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ~~على دينه فعيره بعض المشركين وقال له تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال: إني ~~خشيت عذاب الله تعالى فضمن الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله، ورجع إلى ~~شركه أن يتحمل عنه عذاب الله فرجع الوليد إلى الشرك ms3416 وأعطى الذي عيره بعض ~~ذلك الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله تعالى {أفرأيت الذي تولى} أي أدبر عن ~~الإيمان. # {وأعطى قليلا} أي: من المال المسمى {وأكدى} أي: منع الباقي، مأخوذ من ~~الكدية أرض صلبة كالصخرة تمنع حافر البئر إذا وصل إليها من الحفر، فأكدى ~~أصله من أكدى الحافر إذا حفر شيئا فصادف كدية منعته من الحفر ومثله: أجبل ~~إذا صادف جبلا منعه من الحفر وكديت أصابعه كلت من الحفر ثم استعمل في كل من ~~طلب شيئا فلم يصل إليه أو لم يتممه ولمن طلب شيئا ولم يبلغ آخره قال ~~الحطيئة: # *وأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه ... ومن يفعل المعروف في الناس يحمد* # وقال السدي: نزلت في العاصي بن وائل السهمي وذلك أنه ربما يوافق النبي ~~صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي ~~جهل وذلك أنه قال والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله ~~تعالى: {وأعطى قليلا وأكدى} أي لم يؤمن به ومعنى أكدى قطع، وروي أن عثمان ~~رضى الله تعالى عنه كان يعطي ماله في الخير فقال عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح وهو أخوه من الرضاعة: يوشك أن لا يبقى لك شيء فقال عثمان: إن لي ذنوبا ~~وخطايا وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه فقال عبد الله: أعطني ~~ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء ~~فنزلت. # وقوله تعالى: {أعنده علم الغيب} أي: ما غاب هو المفعول الثاني لرأيت ~~بمعنى أخبرني، والمفعول الأول محذوف اقتصارا لأعطى {فهو} أي: فتسبب عن ذلك ~~أنه {يرى} أي: يعلم أن صاحبه يتحمل عنه ذنوبه. # {أم} أي: بل {لم ينبأ} أي: يخبر أخبارا عظيما متتابعا {بما في صحف موسى} ~~أي: التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه، وكذا ما تبعها من أسفار الأنبياء ~~الذين جاؤوا بعده بتقريرها. # وقدم صحف موسى عليه السلام على قوله: {وإبراهيم} أي: وصحفه لأن كتاب موسى ~~عليه السلام أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود ms3417 بين الناس تمكن مراجعته، ثم ~~مدح إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى: {الذي وفى} أي: أتم ما أمر به من ذلك ~~تبليغ الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة وقيامه بأضيافه وخدمتهم إياه بنفسه، ~~وإنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخا يرتاد ضيفا فإن وافقه أكرمه وإلا نوى ~~الصوم وعن الحسن: ما أمر الله تعالى بشيء إلا وفى به وصبر على ما امتحن به، ~~وما قلق شيئا من قلق وصبر على حر ذبح الولد وعلى حر النار ولم يستعن بمخلوق ~~بل قال لجبريل عليه السلام لما قال له: ألك حاجة قال: أما إليك فلا وقال ~~الضحاك: وفي المناسك، وروي عن النبي # PageV04P134 # صلى الله عليه وسلم أنه قال «إبراهيم الذي وفى أربع ركعات من أول النهار» ~~وهي صلاة الضحى وروي «ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى كان يقول: إذا ~~أصبح وأمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى تظهرون» وقيل: وفى سهام ~~الإسلام وهي ثلاثون عشرة في التوبة {التائبون ... } (التوبة: 112) ، وعشرة ~~في الأحزاب {إن المسلمين ... } (الأحزاب: 35) ، وعشرة في المؤمنون، {قد ~~أفلح المؤمنون} (المؤمنون: 1) # وخص هذين النبيين لأن الموعودين من بني إسرائيل اليهود والنصارى يدعون ~~متابعة موسى عليه السلام، ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم عليه السلام ومن ~~عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوة محققة ولا شريعة محفوظة، وقرأ هشام ~~بفتح الهاء وألف بعدها والباقون بكسر الهاء وياء بعدها. # ثم فسر تعالى الذي في الصحف واستأنف بقوله تعالى: {ألا تزر} أي: تأثم ~~وتحمل {وازرة} أي: نفس بلغت مبلغا تكون فيه حاملة لوزر {وزر أخرى} أي: ~~حملها الثقيل من الإثم، وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أن ~~يحمل عنه الإثم، وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانوا قبل ~~إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، وكان الرجل يقتل بقتل أبيه ~~وابنه وأخيه وعمه وخاله وامرأته والعبد بسيده، حتى جاءهم إبراهيم عليه ~~السلام فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله عز وجل {ألا تزر وازرة وزر أخرى} . # {س53ش39/ش44 وأن ليس ms3418 ل?نسان إs ما سعى * وأن سعيه? سوف يرى * ثم يجز?اه ~~الجزآء ا?وفى * وأن إلى ربك المنتهى * وأنه? هو أضحك وأبكى * وأنه? هو أمات ~~وأحيا} # ولما نفى أن يضره أثم غيره نفي أن ينفعه سعي غيره بقوله تعالى: # {وأن ليس للإنسان} كائنا من كان {إلا ما سعى} فلا بد أن يعلم الحق في أي ~~جهة فيسعى فيه ودعاء المؤمنين للمؤمن من سعيه بموادته ولو بموافقته لهم في ~~الدين فقط، وكذا الحج عنه والصدقة ونحوها، وأما الولد فواضح في ذلك، وأما ~~ما كان بسبب العلم والصدقة ونحوها فكذلك، وتضحية النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن أمته أصل كبير في ذلك فإن من تبعه فقد واده وهو أصل في التصدق عن الغير ~~وإهداء ما له من الثواب في القراءة ونحوها إليه. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة أي: وإنما ~~هو في صحف موسى وإبراهيم عليهما السلام بقوله: {ألحقنا بهم ذريتهم} (الطور: ~~21) # فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقال عكرمة إن ذلك لقوم موسى وإبراهيم ~~عليهما السلام، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما يروى أن ~~امرأة رفعت صبيا لها فقالت يا رسول الله ألهذا حج فقال نعم ولك أجر «وقال ~~رجل للنبي صلى الله عليه وسلم إن أمي انسلت نفسها فهل لها أجر إن تصدقت ~~عنها قال نعم» . # قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ~~ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة: أحدها: أن ~~الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها ثم ~~لأهل الكبائر في الخروج من النار وهذا انتفاع بعمل الغير. ثالثها: أن كل ~~نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير. رابعها: أن الملائكة يدعون ~~ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها: أن الله تعالى يخرج ~~من النار من لم يعمل ms3419 خيرا قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها: ~~أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. ~~سابعها: قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين {وكان أبوهما صالحا} (الكهف: ~~82) # PageV04P135 # فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما. ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة ~~عنه والعتق بنص السنة والإجماع وهو من عمل الغير. تاسعها: أن الحج المفروض ~~يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة وهو انتفاع بعلم الغير. عاشرها: أن الحج ~~المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة وهو انتفاع ~~بعمل الغير. حادي عشرها: أن المدين الذي امتنع صلى الله عليه وسلم من ~~الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب ~~وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل ~~الغير. ثاني عشرها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده «ألا رجل ~~يتصدق على هذا فيصلى معه» فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. ثالث عشرها: ~~أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع بعمل ~~الغير. رابع عشرها: أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا ~~انتفاع بعمل الغير. خامس عشرها: أن الجار الصالح ينفع في المحيا والممات ~~كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشرها: أن جليس أهل الذكر ~~يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له والأعمال بالنيات ~~فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشرها: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة ~~انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره. ثامن عشرها: أن الجمعة تحصل ~~باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع ~~عشرها: أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم} (الأنفال: 33) # وقال تعالى: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} (الفتح: 25) # {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} (البقرة: 251) # فقد دفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس ms3420 بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل ~~الغير. عشروها: أن صدقة الفطر تجب عن الصغير وغيره ممن يمونه الرجل فينتفع ~~بذلك من يخرج عنه ولا سعي لهما. حادي عشريها: أن الزكاة تجب في مال الصبي ~~والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان ~~بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأول الآية على خلاف صريح ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة. # والمراد بالإنسان العموم وقال الربيع بن أنس: ليس للإنسان يعني الكافر: ~~وأما المؤمن فله ما سعي وما سعى له وقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله ~~يثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير، وروي «أن عبد الله بن ~~أبي كان أعطى العباس قميصا ألبسه إياه فلما مات أرسل النبي صلى الله عليه ~~وسلم قميصه ليكفن فيه فلم تبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها» . # {وأن سعيه} أي: من خير وشر {سوف يرى} أي: في ميزانه من غير شك يوم ~~القيامة بوعد لا خلف فيه وإن طال المدى، من: أريته الشيء، أي: يعرض عليه ~~ويكشف له. # فإن قيل: العمل كيف يرى بعد وجوده ومضيه؟ أجيب: بأنه يرى على صورة جميلة ~~إن كان العمل صالحا قال الرازي وذلك على مذهبنا غير بعيد، فإن كل موجود يرى ~~والله تعالى قادر على إعادة كل ما عدم فيعيد الفعل فيرى، وفيه بشارة للموحد ~~وذلك أن الله تعالى يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ويحزن الكافر بأعماله ~~الفاسدة فيزداد غما. # {ثم يجزاه} أي: السعي {الجزاء الأوفى} أي: الأتم الأكمل والمعنى: أن ~~الإنسان يجزى جزاء سعيه بالجزاء الأوفى يقال: جزيت فلانا سعيه وبسعيه. قال ~~الرازي: # PageV04P136 # الجزاء الأوفى يليق بالمؤمنين الصالحين، لأن جزاء الطالح وافر قال تعالى: ~~{فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا} (الإسراء: 63) # وذلك أن جهنم ضررها أكثر من نفع الآثام فهي في نفسها أوفر. # {وأن إلى ربك} أي: المحسن إليك لا إلى غيره {المنتهى} أي: الانتهاء برجوع ~~الخلائق ومصيرهم إليه فيجازيهم بأعمالهم وقيل: منه ابتداء المنة وإليه ms3421 ~~انتهاء الآمال، وروى أبو هريرة مرفوعا «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في ~~الخالق فإن الله تعالى لا يحيط به الفكر» وفي رواية «لا تتفكروا في الله ~~فإنكم لن تقدروا قدره» قال القرطبي: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم «يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول له من خلق ~~ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله تعالى» ولقد أحسن من قال: # *ولا تفكرن في ذي العلا عز وجهه ... فإنك تردى إن فعلت وتخذل* # *ودونك مخلوقاته فاعتبر بها ... وقل مثل ما قال الخليل المبجل* # وقيل: المراد من الآية التوحيد وفي المخاطب وجهان: أحدهما: أنه عام ~~تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل والثاني: أنه خطاب مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعلى الأول يكون تهديدا وعلى الثاني يكون تسلية لقلب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعلى الأول تكون اللام في المنتهى للعهد المعهود في القران ~~وعلى الثاني تكون للعموم أي إلى ربك كل منتهى. # وقوله تعالى: {وأنه هو} أي: لا غيره {أضحك وأبكى} يدل على أن كل ما يعمله ~~الإنسان فبقضاء الله تعالى وخلقه حتى الضحك والبكاء، وروي أنه صلى الله ~~عليه وسلم مر على قوم من أصحابه وهم يضحكون فقال صلى الله عليه وسلم «لو ~~تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» فنزل عليه جبريل عليه السلام ~~فقال يا محمد إن الله يقول لك: {وأنه هو أضحك وأبكى} أي: قضى أسبابهما فرجع ~~إليهم صلى الله عليه وسلم فقال ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال: ~~ائت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول: {هو أضحك وأبكى} أي قضى أسباب الضحك ~~والبكاء وقال بسام بن عبد الله أضحك أسنانهم وأبكى قلوبهم وأنشد يقول: # *السن تضحك والأحشاء تحترق ... وإنما ضحكها زور ومختلق* # *يا رب باك بعين لا دموع لها ... ورب ضاحك سن ما به رمق* # وقال مجاهد والكلبي أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار، ~~وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر ms3422 وقال عطاء بن أبي ~~مسلم: يعني أفرح وأحزن لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء وقيل: إن ~~الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من سائر الحيوان وقيل: القرد وحده ~~يضحك ولا يبكي وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك وقال يونس بن الحسين: سئل ~~طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت ~~جهنم وعن عائشة قالت: «لا والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إن ~~الميت يعذب ببكاء أحد ولكنه قال إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن ~~الله تعالى هو أضحك وأبكى» . # تنبيه: قوله تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى} وما بعده يسميه البيانيون ~~الطباق المتضاد # PageV04P137 # وهو نوع من البديع، وهو: أن يذكر ضدان أو نقيضان أو متنافيان بوجه من ~~الوجوه، وأضحك وأبكى لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما سيقا لقدرة الله ~~تعالى لا لبيان المقدور فلا حاجة إلى المفعول كقول القائل: فلان بيده الأخذ ~~والعطاء يعطي ويمنع، ولا يريد ممنوعا ومعطى واختار هذين الموضعين المذكورين ~~لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبائعيين يبين لاختصاص الإنسان ~~بالضحك والبكاء وجها ولا سببا، وإذا لم يعلل بأمر فلا بد له من موجد وهو ~~الله تعالى بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون: سببهما اختلال المزاج وخروجه ~~عن الاعتدال ومما يدل على ذلك أنهم إذا عللوا الضحك قالوا: لقوة التعجب وهو ~~باطل، لأن الإنسان ربما بهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك وقيل: لقوة ~~الفرح وليس كذلك لأن الإنسان قد يبكي لقوة الفرح كما قال بعضهم: # *هجم السرور على حتى أنه ... من عظم ما قد سرني أبكاني* # {وأنه هو} أي: لا غيره {أمات وأحيا} وإن رأيتم أسبابا ظاهرة فإنها لا ~~عبرة بها في نفس الأمر بل هو الذي خلقها أي أمات في الدنيا وأحيا في البعث ~~وقال القرطبي: قضى أسباب الموت والحياة وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء ~~وقيل: أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان. # {س53ش45/ش55 وأنه? خلق الزوجين الذكر وا?نثى * من نطفة إذا ms3423 تمنى * وأن ~~عليه النشأة ا?خرى * وأنه? هو أغنى وأقنى * وأنه? هو رب الشعرى * وأنه?? ~~أهلك عادا ا?ولى * وثمودا? فمآ أبقى * وقوم نوح من قبل? إنهم كانوا? هم ~~أظلم وأطغى * والمؤتفكة أهوى * فغش?اها ما غشى * فبأىءا?ء ربك تتمارى} # {وأنه خلق الزوجين} ثم فسرهما بقوله تعالى: {الذكر والأنثى} فإنه لو كان ~~ذلك في يد غيره لمنع البنات لأنها مكروهة لغالب الناس. # وقوله تعالى: {من نطفة إذا تمنى} أي: تصب يشمل سائر الحيوانات لا أن ذلك ~~مختص بآدم وحواء عليهما السلام، لأنهما ما خلقا من نطفة، وهذا أيضا تنبيه ~~على كمال القدرة لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء ويخلق الله تعالى منها ~~أعضاء مختلفة وطباعا متباينة، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون ولهذا ~~لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم قال تعالى: ~~{ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} (الزخرف: 87) # وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} (لقمان: ~~25) # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: {وأنه خلق} ولم يقل وأنه هو خلق كما ~~قال تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى} أجيب بأن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما ~~بفعل الإنسان، والإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد فيهما لكن ربما ~~يقول به جاهل كما قال من حاج إبراهيم عليه السلام أنا أحيي وأميت فأكد ذلك ~~بالفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أنه بخلق أحد من ~~الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى: {وأنه هو أغنى وأقنى} ~~(النجم: 48) # حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى الله تعالى، وكان في معتقدهم أن ذلك ~~بفعلهم كما قال قارون: {إنما أوتيته على علم عندي} (القصص: 78) # ولذلك قال: {هو رب الشعرى} (النجم: 49) # فأكد في مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره. # {وأن عليه} أي: خاصا به علما وقدرة {النشأة} أي الحياة {الأخرى} للبعث ~~يوم القيامة بعد الحياة الأولى فإن قيل: الإعادة لا تجب على الله تعالى فما ~~معنى عليه؟ أجيب: بأنه عليه بحكم الوعد فإنه قال: ms3424 {إنا نحن نحيي الموتى} ~~(يس: 12) # فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح ~~الشين وبعدها ألف ممدودة قبل الهمزة والباقون بسكون الشين وبعدها الهمزة ~~المفتوحة وإذا وقف حمزة نقل حركة # PageV04P138 # الهمزة إلى الشين. # {وأنه هو} أي: وحده من غير نظر إلى سعي ساع ولا غيره {أغنى} قال أبو ~~صالح: أغنى الناس بالأموال {وأقنى} أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه ~~بعد الكفاية وقال الضحاك: أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وأقنى بالإبل ~~والبقر والغنم وقال الحسن وقتادة: أخدم، وقال ابن عباس: أغنى وأقنى أعطى ~~فأرضى وقال مجاهد ومقاتل: أقنى أرضى بما أعطى وقنع قال الراغب: وتحقيقه أنه ~~جعل له قنية من الرضا وقال سليمان التيمي: أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه وقال ~~ابن زيد: أغنى أكثر وأقنى أقل وقرأ {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} (الرعد: ~~26) # وقال الأخفش: أقنى أفقر وقال ابن كيسان: أولد وقال الزمخشري: أقنى أعطى ~~القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت على أن لا يخرج من يدك. # تنبيه: حذف مفعولا أغنى وأقنى لأن المراد نسبة هذين الفعلين إليه، وكذلك ~~باقيها وألف أقنى منقلبه عن ياء لأنه من القنية قال الشاعر: # * ... ألا إن بعد العدم للمرء قنية* # ويقال: قنيت كذا وأقنيته قال الشاعر: # * ... قنيت حياتي عفة وتكرما* # {وأنه هو} أي: لا غيره {رب الشعرى} أي: رب معبودهم وكانت خزاعة تعبد ~~الشعرى، وأول من سن ذلك رجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها وقال: لأن ~~النجوم تقطع السماء عرضا والشعرى تقطعها طولا فهي مخالفة لها فعبدها ~~وعبدتها خزاعة وحمير، وأبو كبشة أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ~~أمهاته وبذلك كان مشركو قريش يسمون النبي صلى الله عليه وسلم بابن أبي كبشة ~~حين دعا إلى الله تعالى وخالف أديانهم تشبيها بذلك الرجل في أنه أحدث دينا ~~غير دينهم. # والشعرى في لسان العرب كوكبان: تسمى أحدهما الشعرى العبور وهي المرادة في ~~الآية الكريمة وهي تطلع بعد الجوزاء في شدة الحر ويقال لها: مرزم الجوزاء ~~وتسمى كلب ms3425 الجبار أيضا، وتسمى الشعرى اليمانية. والثانية: الشعرى الغميصاء ~~وهي التي في الذراع والمجرة بينهما، وتسمى الشامية وسبب تسميتها بالغميضاء ~~على ما زعمه العرب أنهما كانا أختين أو زوجتين لسهيل فانحدر سهيل إلى اليمن ~~فأتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة فسميت العبور، وأقامت الغميصاء تبكي ~~حتى غمصت عينها ولذلك كانت أخفى من العبور وكان من لا يعبد الشعرى من العرب ~~يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم. # {وأنه أهلك عادا الأولى} وهم قوم هود عليه السلام هلكوا بريح صرصر، ~~والأخرى قوم صالح وقيل: الأخرى إرم وقيل: الأولى أول الخلق هلاكا بعد قوم ~~نوح، وقرأ نافع وأبو عمرو بتشديد اللام بعد الدال المفتوحة نقلا وهمز قالون ~~الواو بعد اللام همزة ساكنة والباقون بتنوين الدال وكسر التنوين وسكون ~~اللام وبعدها همزة مضمومة، فإذا قرأ القارئ عاد الأولى لقالون وأبي عمرو ~~فله في الوصل أي وصل عاد بالأولى وجه واحد وهو النقل المذكور، وقالون على ~~أصله بالهمزة كما ذكر، فإذا وقف على عادا وابتدأ بالولى فله الابتداء بهمزة ~~الوصل وهو ألولى، وله أيضا الابتداء بغير همز الوصل وهو لولى، وقالون يهمز ~~الواو في الوجهين الأولين ولم يهمز في الوجه الثالث الذي هو الأصل، ~~ووافقهما ورش في الأوجه المذكورة في الوصل # PageV04P139 # والابتداء لا في الوجه الثالث الذي هو الأصل فإنه ليس من مذهبه إلا ~~النقل. # {وثمودا} وهم قوم صالح أهلكهم الله تعالى بصحية {فما أبقى} منهم أحدا، ~~وقرأ عاصم وحمزة بغير تنوين للدال في الوصل وسكون الدال في الوقف والباقون ~~بالتنوين في الوصل والوقف على الألف. # {وقوم نوح} أي: أهلكهم لأجل ظلمهم بالتكذيب {من قبل} أي: قبل الفريقين ~~{إنهم} أي: قوم نوح {كانوا} أي: بما لهم من الأخلاق التي هي كالجبلات التي ~~لا انفكاك عنها {هم} أي: خاصة {أظلم} أي: من الطائفتين المذكورتين {وأطغى} ~~أي: وأشد تجاوزا في الظلم وعلوا وإسرافا في المعاصي وتجبرا وعتوا لتمادي ~~دعوة نوح عليه السلام قريبا من ألف سنة، ولأنهم أطول أعمارا وأشد أبدانا ~~وكانوا مع ذلك ملء الأرض، روي أن الرجل منهم ms3426 كان يأخذ بيد ابنه فينطلق به ~~إلى نوح عليه السلام فيقول: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا ~~وقال لي ما قلت لك فيموت الكبير على الكفر وينشأ الصغير على وصية أبيه ~~ولهذا قال نوح عليه السلام: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن ~~تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} (نوح: 26 27) # وقوله تعالى: {والمؤتفكة} منصوب بقوله تعالى: {أهوى} وقدم لأجل الفواصل، ~~والمراد بالمؤتفكة قرى قوم لوط رفعها إلى عنان السماء على جناح جبريل عليه ~~السلام، ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها وأتبعها بحجارة النار الكبريتية، ~~وهو قوله تعالى: {فغشاها} أي: أتبعها ما غطاها فكان لها بمنزلة الغشاء ~~وهوله بقوله تعالى: {ما غشى} أي: أمرا عظيما من الحجارة المنضودة المسمومة ~~وغيرها مما لا تسع العقول وصفه. # {فبأي آلاء} أي: أنعم {ربك} أي: المحسن إليك {تتمارى} أي: تشك أيها ~~الإنسان وقيل: أراد الوليد بن المغيرة وقال ابن عباس: تتمارى أي تكذب وقيل: ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي تشك في إجالة الخواطر في فكرك في إرادة ~~هداية جميع قومك بحيث لا تريد أن أحدا منهم يهلك، وقد حكم ربك بإهلاك كثير ~~منهم لما اقتضته حكمته فكان بعض خواطرك في تلك الإجالة يشكك ببعضها بعضا. # {هذا} أي: النبي صلى الله عليه وسلم {نذير} أي: محذر بليغ التحذير {من ~~النذر الأولى} أي: من جنسهم أي رسول كالرسل قبله أرسل إليكم كما أرسلوا إلى ~~أقوامهم، وقال تعالى {الأولى} على تأويل الجماعة، أو هذا القرآن نذير من ~~النذر الأولى أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم. # {أزفت الأزفة} أي: قربت الموصوفة بالقرب في قوله تعالى: {اقتربت الساعة} ~~(القمر: 1) # وهو يوم القيامة. # {ليس لها من دون الله} أي: من أدنى رتبة من رتبة الملك المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما وقوله تعالى: {كاشفة} يجوز أن يكون وصفا وأن يكون مصدرا، فإن ~~كان وصفا احتمل أن يكون التأنيث لأجل أنه وصف لمؤنث محذوف تقديره ms3427 نفس ~~كاشفة، أو حال كاشفة أي مبينة متى تقوم كقول تعالى: {لا يجليها لوقتها إلا ~~هو} (الأعراف: 187) # أو ليس لها نفس كاشفة أي قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله تعالى غير ~~أنه تعالى لا يكشفها، أو ليس لها الآن نفس كاشفة بالتأخير وإن كان مصدرا ~~فهي بمعنى الكشف كالعافية والمعنى ليس لها من دون الله كشف أي لا يكشف عنها ~~ولا يظهرها غيره. # {أفمن هذا الحديث} قال: أكثر المفسرين المراد بالحديث القرآن # PageV04P140 # العظيم الذي يأتي على سبيل التجدد بحسب الوقائع والحاجات {تعجبون} إنكارا ~~وهو في غاية ما يكون من ترقيق القلوب، وقرأ أبو عمرو بإدغام المثلثة في ~~التاء المثناة بخلاف عنه. # {وتضحكون} أي: استهزاء من هذا الحديث وتجددون ذلك في كل وقت {ولا تبكون} ~~أي كما هو حق من يسمعه لما فيه من الوعد والوعيد وغير ذلك وقال الرازي ~~يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى حديث أزفت الآزفة، فإنهم كانوا يتعجبون من حشر ~~الأجساد والعظام البالية. # وقوله تعالى: {وأنتم سامدون} جملة مستأنفة أخبر الله تعالى عنهم بذلك ~~ويحتمل أن تكون حالا أي انتفى عنكم البكاء في حال كونكم سامدين، واختلف في ~~معنى السمود فقيل: هو الإعراض والغفلة عن الشيء أي: وأنتم معرضون غافلون ~~عما يطلب منكم وقيل: هو اللهو يقال: دع عنا سمودك، أي: لهوك قاله الوالبي ~~والعوفي عن ابن عباس وقال الشاعر: # *ألا أيها الإنسان إنك سامد ... كأنك لا تفنى ولا أنت هالك* # فهذا بمعنى لاه لاعب وقيل هو الجمود وقيل هو الاستكبار قال الشاعر: # *رمى الحدثان نسوة آل سعد ... بمقدار سمدن له سمودا* # *فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا* # فهذا بمعنى الجمود والخشوع وقال عكرمة وأبو عبيدة: السمود الغناء بلغة ~~حمير يقولون: يا جارية اسمدي لنا أي: غني، فكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ~~ولعبوا وقال مجاهد أشرون وقال الضحاك: غضاب يتبرطمون وقال الراغب: السامد ~~اللاهي الرافع رأسه من قولهم بعير سامد في سيره وقال الحسن: السامد الواقف ~~للصلاة قبل وقوف الإمام لما روي: أنه صلى ms3428 الله عليه وسلم خرج والناس ~~ينتظرونه قياما فقال: «مالي أراكم سامدين» وتسميد الأرض أن يجعل فيها ~~السماد وهو سرجين ورماد وقوله تعالى: {فاسجدوا} أي: اخضعوا خضوعا كثيرا ~~بالسجود {لله} أي الملك الأعظم يحتمل أن يكون المراد به سجود التلاوة وأن ~~يكون المراد به سجود الصلاة {واعبدوا} أي: اشتغلوا بكل أنواع العبادة ولم ~~يقل واعبدوا الله إما لكونه معلوما من قوله تعالى: {فاسجدوا لله} وإما لأن ~~العبادة في الحقيقة لا تكون إلا لله ويقوى الاحتمال الأول ما روى عكرمة عن ~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم «سجد في النجم وسجد معه المسلمون ~~والمشركون والجن والإنس» وعن عبد الله ابن مسعود قال أول سورة أنزلت فيها ~~سجدة النجم قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلا ~~شيخا من قريش أخذ كفا من حصا أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، ~~قال عبد الله: فلقد رأيته بعد ذلك قتل كافرا وهو أمية بن خلف كما في بعض ~~الروايات. وروى زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~{والنجم} فلم يسجد فيها وهذا يدل على أن سجود التلاوة غير واجب، قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه إن الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وهو قول ~~الشافعي وأحمد رضي الله عنهما، أي: فهي مستحبة وذهب قوم إلى وجوبها على ~~القارئ والمستمع جميعا وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي وذهب قوم إلى ~~أنها في المفصل غير مستحبة. وما رواه البيضاوي # PageV04P141 # تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة والنجم # أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحد به» ~~حديث موضوع. ### | سورة القمر # وتسمى اقتربت # مكية إلا {سيهزم الجمع ويولون الدبر} الآياتوهي خمس وخمسون آية وثلاثمائة ~~واثنتان وأربعونكلمة وألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفا # {بسم الله} أي الذي أحاط علمه فتمت قدرته {الرحمن} الذي وسعت رحمته كل ~~شيء فعمت الشقي والسعيد نعمته {الرحيم} الذي خص بإتمام ms3429 نعمته من اصطفاه ~~فأسعدتهم رحمته. # {اقتربت الساعة} دنت القيامة وفي أول هذه السورة مناسبة لآخر ما قبلها، ~~وهو قوله تعالى: {أزفت الأزفة} (النجم: 57) # فكأنه أعاد ذلك مستدلا عليه بقوله تعالى: {أزفت الأزفة} فهو حق إذ القمر ~~انشق. وقوله تعالى: {وانشق القمر} ماض على حقيقته وهو قول عامة المسلمين ~~إلا من لا يلتفت إلى قوله وقد صح في الأخبار أن القمر انشق على عهد # PageV04P142 # رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، وعن ابن مسعود قال: «انشق القمر على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا» وروى أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا ~~حرا بينهما. وقال سنان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين. وقال أبو ~~الضحى عن مسروق عن عبد الله: لم ينشق بمكة. وقال مقاتل: انشق القمر ثم ~~التأم بعد ذلك وقيل انشق بمعنى سينشق يوم القيامة، وأوقع الماضي موقع ~~المستقبل وهو خلاف الإجماع وقيل انشق بمعنى انفلق عنه الظلام عند طلوعه كما ~~يسمى الصبح فلقا وأنشد النابغة: # *فلما أدبروا ولهم دوي ... دعانا عند شق الصبح داع* # وإنما ذكرت ذلك تنبيها على ضعفه. وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله ~~قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: سحركم ~~ابن أبي كبشة فسلوا السفار فسألوهم فقالوا نعم قد رأيناه فأنزل الله تعالى: ~~{اقتربت الساعة وانشق القمر} . # {وإن يروا} أي: كفار قريش {آية} أي: معجزة له صلى الله عليه وسلم كانشقاق ~~القمر {يعرضوا} عنها {ويقولوا} هذا {سحر مستمر} أي: ذاهب سوف يذهب ويبطل من ~~قولهم مر الشيء واستمر إذا ذهب مثل قولهم: قر واستقر قاله مجاهد وقتادة، ~~وقال أبو العالية والضحاك: مستمر أي: قوي شديد، من قولهم: مر الحبل إذا صلب ~~واشتد، وأمررته: إذا أحكمت فتله، واستمر الشيء إذا قوي واستحكم، وقيل: ~~مستمر أي دائم، فإن محمدا ms3430 صلى الله عليه وسلم كان يأتي كل زمان بمعجز ~~فقالوا: هذا سحر مستمر دائم لا يختلف بالنسبة إلى شيء بخلاف سحر السحرة، ~~فإن بعضهم يقدر على أمر وأمرين وثلاثة ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكل ~~قاله الزمخشري ومنه قول الشاعر: # *ألا إنما الدنيا ليال وأعصر ... وليس على شيء قديم بمستمر* # وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد ~~انشق على عهد نبيكم مستمر دائم مطرد، وكل شيء قد انقادت طريقه ودامت حاله ~~قيل فيه قد استمر وقال أبو حيان: سبب نزولها أن مشركي قريش قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين ووعدوا بالإيمان إن فعل ~~ذلك وقال ليلة بدرأي ليلة أربعة عشر في الشهر فسأل ربه فانشق القمر فقالوا ~~سحر مستمر ولم يؤمنوا. # {وكذبوا} بكون انشقاقه دالا على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وجزموا ~~بالتكذيب عنادا {واتبعوا} أي: بمعالجة فطرتهم الأولى المستقيمة في دعائها ~~إلى التصديق {أهواءهم} في أنه صلى الله عليه وسلم سحر القمر وأنه خسوف في ~~القمر وظهور شيء في جانب آخر من الجو يشبه نصف القمر وأنه سحر أعيننا وأن ~~القمر لم يصبه شيء فهذه أهواؤهم. # قال القشيري: إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب لأن الله تعالى ~~يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصروا الرشد واتباع الرضا مقرون بالتصديق لأن ~~الله تعالى ببركات الاتباع للحق يفتح عين البصيرة فيأتي بالتصديق. # {وكل أمر} أي: من أموركم من الخير أو الشر {مستقر} أي: بأهله في الجنة أو ~~النار وقال قتادة وكل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير والشر مستقر بأهل ~~الشر وقيل مستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب ~~والعذاب، وقيل: كل أمر مستقر في علم الله تعالى لا يخفى عليه شيء فهم كذبوا ~~واتبعوا أهواءهم والأنبياء صدقوا وبلغوا كقوله تعالى: {لا يخفى على الله ~~منهم شيء} (غافر: 16) # {ولقد جاءهم} أي أهل مكة في القرآن قبل الانشقاق {من الأنباء} أي: أخبار ms3431 ~~إهلاك الأمم الماضية المكذبة رسلهم لأن الأنباء الأخبار العظام التي لها ~~وقع كقول الهدهد {وجئتك من سبأ بنبأ يقين} (النمل: 22) # لأنه كان خبرا عظيما له وقع وخطر وقال تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ} ~~(الحجرات: 6) # أي بأمر عظيم له خطر وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ~~ذو بال {ما فيه} خاصة {مزدجر} أي: عماهم فيه من الباطل، ولكن لم يزدجر منهم ~~إلا من أراد الله تعالى. # تنبيه: المزدجر اسم مصدر أي ازدجار أو اسم مكان أي موضع ازدجار والدال ~~بدل من تاء الافتعال وازدجرته وزجرته نهيته بغلظة وما موصولة أو موصوفة. # وقوله تعالى: {حكمة} خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ما أومن مزدجر {بالغة} ~~أي: لها أعظم البلوغ إلى أنهى غايات الحكمة لصحتها ووضوحها ففيها مع الزجر ~~ترجئة ومواعظ وأحكام ودقائق {فما تغن} أي: تنفع {النذر} أي: الإنذارات ~~والمنذرون والأمور المنذر بها ومنها إنما المغني بذلك هو الله تعالى فما ~~شاءه كان وما لم يشأه لم يكن. # قال البقاعي: ولعل الإشارة بإسقاط ياء تغني بإجماع المصاحف من غير موجب ~~في اللفظ إلى أنه كما سقطت غاية أحرف الكلمة سقطت ثمرة الإنذار وهو القبول. # تنبيه: يجوز في ما أن تكون استفهامية وتكون في محل نصب مفعولا مقدما أي ~~أي شيء تغني النذر وأن تكون نافية أي لم تغن النذر شيئا والنذر جمع نذير ~~والمراد به المصدر أو اسم الفاعل. # ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد التعلق بطلب نجاتهم فهو لذلك ربما ~~اشتهى إجابتهم إلى مقترحاتهم تسبب عن ذلك قوله تعالى: {فتول عنهم} أي: كلف ~~نفسك الإعراض عن تمني ذلك فما عليك إلا البلاغ وأما الهداية فإلى الله ~~تعالى وحده. # تنبيه: قال أكثر المفسرين نسختها آية السيف وقال الرازي # PageV04P143 # إن قول المفسرين في قوله تعالى: {فتول} منسوخ ليس كذلك بل المراد منه لا ~~تناظرهم بالكلام وقوله تعالى: {يوم} منصوب باذكر، أي: واذكر يوم {يدع ~~الداع} . وقيل: منصوب بيخرجون بعده والداعي معرف كالمنادي في قوله تعالى: ~~{يوم ينادي المنادي} ms3432 (ق: 41) # لأنه معلوم قد أخبر عنه فقيل إن مناديا ينادي وداعيا يدعو، فقيل: الداعي ~~إسرافيل عليه السلام ينفخ قائما على صخرة بيت المقدس قاله مقاتل، وقيل: ~~جبريل عليه السلام وقيل: ملك موكل بذلك والتعريف حينئذ لا يقطع حد العلمية ~~ويكون كقولنا جاء رجل فقال الرجل قاله الرازي. وقرأ نافع وأبو عمرو بحذف ~~الياء بعد العين وقفا وإثباتها وصلا وابن كثير بإثباتها وقفا ووصلا ~~والباقون بحذفها وقفا ووصلا {إلى شيء نكر} أي: منكر فظيع لم ير مثله ~~فينكرونه استعظاما. # فإن قيل ما ذلك الشيء المنكر أجيب بأنه الحساب أو الجمع له أو النشر ~~للجمع فإن قيل النشر لا يكون منكرا فإنه أحياء ولأن الكافر من أين يعرف وقت ~~النشر ما يجزى عليه لينكره أجيب بأنه يعلم ذلك لقوله تعالى عنهم: {يا ويلنا ~~من بعثنا من مرقدنا} (يس: 52) # وقرأ ابن كثير بسكون الكاف والباقون بالرفع. # ولما بين تعالى دعاءه بما هال أمره بين حال المدعوين زيادة في الهول فقال ~~تعالى: {خشعا أبصارهم} أي: ينظرون نظر الخاضع الذليل السافل المنزلة ~~المستوحش الذي هو شر حال، ونسب الخشوع إلى الأبصار لأن الذل والعز يتبين في ~~النظر والذل أن يرمي به صاحبه إلى الأرض مثلا مع هيبة يعرف منها ذلك كما ~~قال تعالى: {خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} (الشورى: 45) # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين والباقون ~~بضم الخاء ولا ألف بعدها وفتح الشين مشددة أما القراءة الأولى فهي جارية ~~على اللغة الفصحى من حيث إن الفعل وما جرى مجراه إذا قدم على الفاعل وحد ~~تقول: تخشع أبصارهم، ولا تقول: تخشعن أبصارهم وأما القراءة الثانية فجاءت ~~على لغة طيىء يقولون: أكلوني البراغيث قال الزمخشري: ويجوز أن يكون في خشعا ~~ضمير هم ويقع أبصارهم بدلا عنه ا. ه. وتقدم نظير ذلك في قوله تعالى في ~~الأنبياء: {وأسروا النجوى الذين ظلموا} (الأنبياء: 3) # وجملة {خشعا أبصارهم} حال من فاعل {يخرجون} أي: الناس {من الأجداث} أي: ~~القبور {كأنهم جراد} أي: في كثرتهم وتراكم ms3433 بعضهم على بعض وصغارهم وضعفهم ~~وتموجهم يقال في الجيش الكثير المائج بعضه فوق بعض جاؤوا كالجراد وكالذباب ~~{منتشر} أي: منبث متفرق في كل مكان لكثرتهم لا يدرون أين يذهبون. # {مهطعين} أي: مسرعين مادي أعناقهم {إلى الداعي} مصوبي رؤوسهم إليه لا ~~يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر في ذل وخضوع وصمت واستكانة هذا حال ~~الكل، وأما الكافر فنبه عليه بقوله تعالى: {يقول} أي: على سبيل التكرار ~~{الكافرون} أي الذين كانوا في الدنيا عريقين في ستر الأدلة وإظهار الأباطيل ~~المضلة: {هذا} أي الوقت الذي نحن فيه لما نرى فيه من الأهوال {يوم عسر} أي: ~~في غاية العسر والصعوبة والشدة وذلك بحسب حالهم فيه كما قال تعالى في سورة ~~المدثر: {يوم عسير على الكافرين} (المدثر: 9 10) # ولما فرغ من حكاية كلام الكافرين ومن ذكر علامات الساعة أعاد ذكر بعض ~~الأنبياء فقال تعالى: # {كذبت} أي: # PageV04P144 # أوقعت التكذيب العظيم الذي عموا به جميع الرسالات وجميع الرسل {قبلهم} ~~أي: أهل مكة {قوم نوح} مع ما كان بهم من القوة ولهم من الانتشار في جميع ~~الأقطار، وأنث فعلهم تحقيرا لهم، وتهوينا لأمرهم في جنب قدرته تعالى. # فإن قيل: إلحاق الضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز وحسن بالاتفاق ~~وإلحاق ضمير الجمع بالفعل قبيح عند أكثرهم فلا يجوزون كذبوا قوم نوح ~~ويجوزون كذبت فما الفرق؟ أجاب الرازي بأن التأنيث إنما جاز قبل الجمع لأن ~~الأنوثة والذكورة للفاعل أمر لا يتبدل ولم تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعله ~~بخلاف الجمع لأن الجمع للفاعلين بسبب فعلهم {فكذبوا عبدنا} نوحا عليه ~~السلام على ماله من العظمة بنسبته إلينا مع تشريفنا إياه بالرسالة {وقالوا} ~~زيادة على التكذيب {مجنون} أي: فهذا الذي يصدر منه من الخوارق أمر من الجن. # {وازدجر} وهل هذا من مقولهم أي قالوا: إنه ازدجر أي ازدجرته الجن وذهبت ~~بلبه قاله مجاهد، أو هو من كلام الله تعالى أخبر الله تعالى عنه بأنه انتهر ~~وازدجر بالسب وأنواع الأذى، وقالوا: {لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين} (الشعراء: 116) . # قال الرازي: ms3434 وهذا أصح لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذكر من تقدمه وأيضا يترتب عليه قوله تعالى: {فدعا ربه} وهذا الترتيب في ~~غاية الحسن، لأنهم لما زجروه وانزجر هو عن دعائهم دعا ربه الذي رباه ~~بالإحسان إليه وبرسالته {أني} أي: بأني {مغلوب} أي: من قومي كلهم بالقوة ~~والمنعة لا بالحجة وأكده ابلاغا في الشكاية وإظهار الذل العبودية؛ لأن الله ~~تعالى عالم بسر العبد وجهره فما شرع الدعاء في أصله إلا لإظهار التذلل وكذا ~~الإبلاغ فيه، وقال ابن عطية: غلبتني نفسي وحملتني على الدعاء عليهم. قال ~~ابن عادل: وهو ضعيف. {فانتصر} أي: أوقع نصرتي عليهم أنت وحدك على أبلغ وجه ~~فانتقم لي منهم. # {ففتحنا} أي: بسبب دعائه فتحا يليق بعظمتنا {أبواب السماء} أي: كلها في ~~جميع الأقطار، وعبر بجمع القلة عن جمع الكثرة والمراد من الفتح والأبواب ~~والسماء حقائقها فإن للسماء أبوابا تفتح وتغلق وقيل: هذا على سبيل ~~الاستعارة فإن الظاهر أن الماء كان من السحاب فهو كقول القائل في المطر ~~الوابل جرت ميازيب السماء وفي قوله تعالى: {ففتحنا} بيان بأن الله تعالى ~~انتصر منهم وانتقم بماء لا بجند أنزله ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر ~~سنين فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم وقرأ ابن عامر بتشديد التاء بعد الفاء ~~والباقون بالتخفيف. # وفي الباء في قوله تعالى: {بماء} وجهان: أظهرهما: أنها للتعدية وذلك على ~~المبالغة في أنه جعل الماء كالآلة للفتح به كما تقول فتحت بالمفتاح والثاني ~~أنها للحال أي فتحناها ملتبسة بماء {منهمر} أي: منصب بأبلغ ما يكون من ~~السيلان والصب كثرة وعظما ولذلك لم يقل بمطر لأنه خارج عن تلك العادة ~~واستمر ذلك أربعين يوما. # {وفجرنا} أي: صدعنا بما لنا من العظمة وشققنا وبعثنا وأسلنا {الأرض ~~عيونا} أي: جميع عيون الأرض ولكنه عدل عنه للتهويل بالإبهام ثم البيان ~~وإفادة أن وجه الأرض صار كله عيونا وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة ~~والكسائي بكسر العين والباقون بضمها. # {فالتقى الماء} أي: المعهود وهو ماء السماء وماء الأرض بسبب فعلنا هذا، ms3435 ~~وزاد في تعظيمه بأداة الاستعلاء فقال تعالى: {على أمر} أي: حال # PageV04P145 # {قد قدر} أي: قضى أي في الأزل وهو هلاكهم غرقا بماء مقدر لا يزيد قطرة ~~ولا يهلك غير من أمرناه بإهلاكهم. # {وحملناه} أي: نوحا عليه السلام تتميما لانتصاره {على ذات} أي: سفينة ~~صاحبة {ألواح} أي: أخشاب نجرت حتى صارت عريضة {ودسر} جمع دسار ككتاب وهو ما ~~تشد به السفينة من مسمار وحديد أو خشب أو من خيوط الليف ونحوها قال ~~البقاعي: ولعله عبر عن السفينة بما شرحها تنبيها على قدرته على ما يريد. # {تجري} أي: السفينة {بأعيننا} أي: محفوظة من أن تدخل بحر الظلمات، أو ~~يأتي عليها غير ذلك من الآفات بحفظنا على مالنا من العظمة حفظ من ينظر ~~الشيء بأعين كثيرة ولا يغيب عنه أصلا، وجوزوا أن يكون جمع تكسير لعين ~~الماء. وقوله تعالى: {جزاء} منصوب بفعل مقدر أي أغرقوا انتصارا {لمن كان ~~كفر} وهو نوح عليه الصلاة والسلام أو الباري تعالى: # {ولقد تركناها} أي: أبقينا هذه الفعلة العظيمة من جري السفينة على هذا ~~الوجه وإبقاء نوعها دالة على ما لنا من العظمة وقيل تلك السفينة بعينها ~~بقيت على الجودي حتى أدرك بقاياها أول هذه الأمة {آية} أي: علامة عظيمة على ~~مالنا من العلم المحيط والقدرة التامة {فهل من مدكر} أي: معتبر ومتعظ بها ~~وأصله مذتكر أبدلت التاء دالا مهملة وكذا المعجمة وأدغمت فيها. # وقوله تعالى: {فكيف كان} أي وجد وتحقق {عذابي} أي: لمن كفر وكذب رسلي ~~{ونذر} أي: إنذاري، استفهام تقرير فكيف خبر كان وهي للسؤال عن الحال ~~والمعنى حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذابه تعالى بالمكذبين لنوح موقعه ~~وقرأ ورش بإثبات الياء بعد الراء وصلا لا وقفا جميع ما في هذه السورة، ~~والباقون بغير ياء وقفا ووصلا. # قال البقاعي: ولما كان هذا المفصل مما أنزل أول القرآن تيسيرا على الأمة ~~نبه على ذلك بقوله تعالى: {ولقد يسرنا} أي: على مالنا من العظمة {القرآن} ~~أي: على ماله من الجمع والفرق والعظمة المناسبة لكونه وصفا لنا {للذكر} أي: ms3436 ~~الاتعاظ والتذكر والتدبر والفهم والتشريف والحفظ لمن يراعيه. قال ابن ~~برجان: أنزلناه باللسان العربي ونزلناه للإفهام تنزيلا، وضربنا لهم ~~الأمثال، وأطلنا لهم في هذه الأعمار ليتذكروا الميثاق المأخوذ عليهم، وقال ~~القشيري: يسر قراءته على ألسنة قوم وعلمه على قلوب قوم وفهمه على قلوب قوم ~~وحفظه على قلوب قوم وكلهم أهل القرآن وخاصته وليس يحفظ من كتب الله تعالى ~~عن ظهر قلب غيره. قاله المحلى. {فهل من مدكر} أي: معتبر ومتعظ بها وتقدم ~~أصله. # ولما انقضت قصة نوح عليه السلام على هذا الهول العظيم ذكر قصة عاد لأنها ~~أعظم قصة جرت بعد قوم نوح فيما تعرفه العرب بقوله تعالى: # {س54ش18/ش22 كذبت عاد فكيف كان عذابى ونذر * إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ~~فى يوم نحس مستمر * تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابى ~~ونذر * ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر} # {كذبت عاد} أي: أوقعت التكذيب العام المطلق الذي أوجب تكذيبهم برسولهم ~~هود عليه الصلاة والسلام في دعائه لهم إلي وإنذاره عذابي {فكيف} أي: فعلى ~~أي الأحوال لأجل تكذيبهم {كان عذابي} لهم {ونذر} أي: وإنذاري إياهم بلسان ~~رسولي قبل نزوله، أي وقع موقعه. # فإن قيل: لم لم يقل: فكذبوا هودا كما قال تعالى في قصة نوح: {فكذبوا ~~عبدنا} أجيب: بأن تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم وكثرة عنادهم وإما ~~لأن قصة عاد ذكرت مختصرة. # ثم بين عذابهم بقوله تعالى: {إنا أرسلنا} أي: بمالنا من العظمة. {عليهم ~~ريحا} # PageV04P146 # وعبر بحرف الاستعلاء إعلاما بالنقمة، ثم وصف الريح بقوله تعالى: {صرصرا} ~~أي: شديدة الصوت من صرصر الباب أو القلم إذا صوت، وقيل: الشديدة البرد من ~~الصر، وهو البرد، وقال مكي: أصله صرر من صر الشيء إذا صوت لكن أبدلوا من ~~الراء المشدة صادا وهذا قول الكوفيين وقال الرازي: الصرصر: الدائمة الهبوب، ~~من أصر على الشيء إذا دام وثبت. # وأكد شؤمها بذم زمانها فقال تعالى: {في يوم نحس} أي: شديد القباحة قيل: ~~كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر وهو شوال لثمان بقين ms3437 منه، واستمر إلى ~~غروب شمس الأربعاء آخره، فإنه قال تعالى في سورة الحاقة: {سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما} وقال تعالى في حم السجدة: {في أيام نحسات} (فصلت: 16) # فالمراد باليوم هنا الوقت والزمان، وقوله تعالى: {مستمر} أي: دائم الشؤم ~~إلى وقت نفاذ المراد منه يفيد ما تفيده الأيام، لأن الاستمرار ينبىء عن ~~امتداد الزمان كما تنبىء عنه الأيام، والحكاية مذكورة هنا على سبيل ~~الاختصار، فذكر الزمان ولم يذكر مقداره على سبيل الإيجاز فاستمر عليهم ~~بنحوسه ولم يبق منهم أحد إلا أهلكه، هذا وصفها في ذاتها. # وأما وصفها بفعلها فيهم فذكره بقوله تعالى: {تنزع} أي: تأخذ {الناس} أي: ~~الذين هم صور لاثبات لهم بأرواح التقوى من الأرض: بعضهم من وجهها، وبعضهم ~~من حفر حفروها ليمتنعوا بها من العذاب فتطيرهم بين السماء والأرض كأنهم ~~الهباء المنثور فتقلع رؤوسهم من جثثهم. # وقوله تعالى: {كأنهم} أي: حين ينزعون فيلقون لا أرواح فيهم {أعجاز نخل} ~~أي: أصول نخل قطعت رؤوسها حال من الناس مقدرة. وقوله: {منقعر} صفة لنخل ~~باعتبار الجنس وأنث في الحاقة فقال: {نخل خاوية} (الحاقة: 7) # باعتبار معنى الجماعة. قال ابن عادل: وإنما ذكر هنا وأنث هناك مراعاة ~~للفواصل في الموضعين. وقال الرازي: ذكر الله تعالى لفظ النخل في مواضع ~~ثلاثة ووصفها على الأوجه الثلاثة فقال تعالى: {والنخل باسقات} (ق: 10) # وذلك حال عنها وهي كالوصف، وقال تعالى: {نخل خاوية} (الحاقة: 7) # و {نخل منقعر} فحيث قال: منقعر كان المختار ذلك لأن المنقعر في حقيقة ~~الأمر كالمفعول لأنه ورد عليه القعر فهو مقعور، والخاوي والباسق فاعل، ~~وإخلاء المفعول من علامة التأنيث أولى: تقول: امرأة قتيل، وأما الباسقات ~~فهي فاعلات حقيقة لأن البسوق أمر قائم بها، وأما الخاوية فهي من باب حسن ~~الوجه لأن الخاوي موضعها فكأنه قال نخل خاوية المواضع، وهذا غاية الإعجاز ~~حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث اللفظ. # تنبيه: الأعجاز جمع عجز وهو مؤخر الشيء، ومنه العجز لأنه يؤدي إلى تأخير ~~الأمور، والمنقعر المنقلع من أصله: يقال: قعرت النخلة: قلعتها من أصلها ms3438 ~~فانقعرت، وقعرت البئر وصلت إلى قعرها، وقعرت الإناء شربت ما فيه حتى وصلت ~~إلى قعره. # وكرر قوله تعالى: {فكيف كان عذابي ونذر} للتهويل. وقيل: الأول: لما حاق ~~بهم في الدنيا، والثاني: لما يحيق بهم في الآخرة، كما قال أيضا في قصتهم: ~~{لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى} (فصلت: 16) # وتقدم تفسير قوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} وكرره ~~إيذانا بأن تفسير القرآن مع إعجازه لا يكون إلا بعظمة تفوت قوى البشر، ~~وتعجز عنها منهم القدر. # ولما انقضت قصة عاد ذكر تعالى قصة ثمود لأنها تلي # PageV04P147 # قصة عاد في الفظاعة، فقال تعالى: {كذبت ثمود} أي قوم صالح عليه السلام ~~وقوله تعالى: {بالنذر} جمع نذير بمعنى منذر أي بالإنذارات التي أنذرهم بها ~~نبيهم صالح عليه السلام إن لم يؤمنوا به. # ثم علل ذلك وعقبه بقوله تعالى: {فقالوا} منكرين لما جاءهم من الله تعالى ~~غاية الإنكار {أبشرا} إنكار الرسالة، هذا النوع ليكون إنكار النبوة نبيهم ~~على أبلغ الوجوه وهو منصوب بفعل يفسره {نتبعه} الآتي، وقولهم: {منا} نعت له ~~أي فلا فضل له علينا فما وجه اختصاصه بذلك من بيننا، وقولهم: {واحدا} نعت ~~له أيضا، ثم عظموا الإنكار بقولهم {نتبعه} أي: نجاهد أنفسنا في خلع مألوفنا ~~وما كان عليه آباؤنا، والاستفهام بمعنى النفي والمعنى: كيف نتبعه ونحن أشد ~~الناس قوة وكثرة وهو واحد منا. # ثم استنتجوا من هذا الإنكار الشديد قولهم مؤكدين: {إنا إذا} أي: إن ~~أتبعناه {لفي ضلال} أي: ذهاب عن الصواب محيط بنا {وسعر} أي: ونيران جمع ~~سعير فعكسوا عليه وقالوا: إن اتبعناك كنا إذا كما تقول، وقيل: السعر الجنون ~~يقال ناقة مسعورة قال الشاعر: # *كأن بها سعر إذا العيس هزها ... ذميل وإرخاء من السير متعب* # ثم استدلوا بأمر آخر ساقوه مساق الإنكار فقالوا: {أألقي} أي: أنزل ~~{الذكر} أي: الوحي الذي يكون به الشرف الأعظم بغتة في سرعة {عليه} لأنه لم ~~يكن عندهم في مضمار هذا الشأن، ولا توسموا فيه قبل إشارته به شيئا منه بل ~~أتاهم ms3439 به بغتة في غاية الإسراع ودلوا على وجه التعجب والإنكار بالاختصاص ~~بقولهم: {من بيننا} أي: وفينا من هو أولى بذلك منه سنا وشرفا، وقرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو: بتحقيق الهمزة الأولى المفتوحة وتسهيل الثانية ~~المضمومة كالواو، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفا بخلاف عن أبي عمرو ولم ~~يدخل ورش وابن كثير ألفا، وأما هشام فله تسهيل الثانية وتحقيقها وإدخال ~~الألف بينهما مع التحقيق، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال، وإذا وقف ~~حمزة فله في الثانية التسهيل وإبدالها واوا والتحقيق. # ثم أضربوا عن ذلك الاستفهام لأنه بمعنى النفي بقولهم: {بل هو كذاب} أي: ~~بليغ في الكذب في قوله إنه أوحى إليه ما ذكر {أشر} أي: متكبر بطر غلبت عليه ~~البطالة حتى أعجبته نفسه فتجبر فهو يريد الترفع، قال الله تعالى: {سيعلمون} ~~أي: بوعد لا خلف فيه {غدا} أي: في الزمن الآتي القريب وهو يوم القيامة، لأن ~~كل ما حقق إتيانه قريب عند نزول العذاب في الدنيا ويوم القيامة. # وقرأ ابن عامر وحمزة بعد السين بتاء الخطاب وفيه وجهان: أحدهما أنه حكاية ~~عن قول صالح عليه السلام لقومه. والثاني: أنه خطاب من الله تعالى على جهة ~~الالتفات، والباقون بياء الغيبة جريا على الغيب قبله في قوله تعالى: ~~{فقالوا أبشرا} واختار هذه القراءة مكي، لأن عليها الأكثر. {من الكذاب ~~الأشر} أي: وهو هم بأن يعذبوا على تكذيبهم لنبيه صالح صلى الله عليه وسلم ~~وروي أنهم تعنتوا عليه فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء فقال ~~تعالى: {إنا} أي: بما لنا من العظمة {مرسلوا الناقة} أي موجدوها لهم ~~ومخرجوها كما اقترحوا من حجر أهلناه لذلك وخصصناه من بين الأحجار دلالة على ~~إرسالنا صالحا عليه السلام: مخصصين له # PageV04P148 # من بين قومه وذلك أنهم قالوا لصالح عليه السلام نريد أن نعرف المحق، منا ~~بأن ندعوا آلهتنا وتدعو إلهاك فمن أجابه إلهه علم أنه المحق فدعوا أوثانهم ~~فلم تجبهم، فقالوا: ادع أنت فقال: فما تريدون؟ قالوا: تخرج لنا من هذه ~~الصخرة ناقة عشراء وبراء، فأجابهم ms3440 إلى ذلك بشرط الإيمان، فوعدوه بذلك ~~وأكدوا فكذبوا بعدما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم، وصدق هو عليه السلام في كل ~~ما قال فأخبره ربه سبحانه أنه يجيبهم إلى إخراجها {فتنة لهم} أي: امتحانا ~~يخالطهم به فيميلهم عن حالتهم التي وعدوا بها وتخليهم عنها، لأن المعجزة ~~فتنة لأن بها يتميز المثاب من المعذب، فالمعجزة تصديق وحينئذ يفترق المصدق ~~من المكذب، أو يقال: إخراج الناقة من الصخرة معجزة ودورانها بينهم وقسمة ~~الماء كان فتنة، ولهذا قال تعالى: {إنا مرسلوا الناقة} ولم يقل: {مخرجوا} . # {فارتقبهم} أي: كلف نفسك انتظارهم فيما يكون لهم جزاء على أعمالهم انتظار ~~من يحرسهم {واصطبر} أي: عالج نفسك واجتهد في الصبر عليهم، وأصل الطاء في ~~اصطبر تاء فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق {ونبئهم} أي: أخبرهم ~~إخبارا عظيما بأمر عظيم وهو {أن الماء} أي: الذي يشربونه وهو ماء بئرهم ~~{قسمة بينهم} أي: بين قوم صالح عليه السلام والناقة فغلب العاقل عليها، ~~والمعنى أنا إذا بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه، ولها يوم لا تدع في ~~البئر قطرة يأخذها أحد منهم وتوسع الكل بدل الماء لبنا. # {كل شرب} أي: نصيب من الماء {محتضر} أي: فالناقة تحضر الماء يوم وردها ~~وتغيب عنهم يوم ورودهم قاله: مقاتل، وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم ~~غيبها فيشربون، ويحضرون اللبن يوم وردها فيحتلبون. # تنبيه: الحكمة في قسمة الماء إما لأن الناقة عظيمة الخلق فتنفر منها ~~حيواناتهم فكان يوم للناقة ويوم لهم، وإما لقلة الماء فلا يحملهم، وإما لأن ~~الماء كان مقسوما بينهم لكل فريق يوم، فيوم ورد الناقة على هؤلاء يرجعون ~~على الآخرين وكذلك الآخرون فيكون النقصان على الكل، ولا تختص الناقة بجميع ~~الماء، روي أنهم كانوا يكتفون في يوم وردها بلبنها، وليس في الآية إلا ~~القسمة دون كيفيتها وظاهر قوله تعالى: {كل شرب محتضر} يعضد الوجه الثالث، ~~وحضر واحتضر بمعنى واحد. # وقوله تعالى: {فنادوا صاحبهم} فيه حذف قبله، أي: فتمادوا على ذلك ثم ملوه ~~فعزموا على عقرها فنادوا صاحبهم وهو قدار ms3441 بن سالف الذي انتدبوه بطرا وأشرا ~~لقتل الناقة وكذبا في وعدهم الإيمان وإكرامها بالإحسان وكان أشجعهم، وقيل ~~كان رئيسهم. # {فتعاطى} أي: فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث به {فعقر} أي: ~~فتسبب عن ذلك عقرها، وقيل: فتعاطى الناقة فعقرها، أو فتعاطى السيف فقتلها، ~~والتعاطي تفاعل الشيء بتكليف. قال محمد بن إسحق كمن لها في أصل شجرة على ~~طريقها فرماها فانتظم به عضلة ساقها ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ~~ورغت رغاءة واحدة ثم نحرها. وقال ابن عباس: كان الذي عقرها احمر أزرق أشقر ~~أكشف أقعى يقال له قدار بن سالف، والعرب تسمي الجزار قدار تشبيها بقدار بن ~~سالف مشؤوم آل ثمود. # {فكيف كان عذابي} أي: كان على حال ووجه هو أهل لأن يجتهد في الإقبال على ~~تعرفه والسؤال عنه {ونذر} أي: إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، # PageV04P149 # أي وقع موقعه. # وبينه بقوله تعالى: {إنا} أي: بمالنا من العظمة {أرسلنا} أي: إرسالا ~~عظيما {عليهم صيحة} وحقر شأنهم بالنسبة إلى عظمة عذابه بقوله تعالى: ~~{واحدة} صاحها عليهم جبريل عليه السلام فلم يكن لهم بصيحته هذه التي هي ~~واحدة طاقة، كما قال تعالى {فكانوا كهشيم المحتظر} (القمر: 31) # وهو الذي يجعل لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك يحفظهن فيها من الذئاب ~~والسباع، وما يسقط من ذلك فما داسته هو الهشيم والهشيم المهشوم المكسور، ~~ومنه سمي هاشم لهشمه الثريد في الجفان غير أن الهشيم يستعمل كثيرا في الحطب ~~المتكسر اليابس قال المفسرون كانوا كالخشب المتكسر الذي يخرج من الحظائر، ~~بدليل قوله تعالى: {هشيما تذروه الرياح} (الكهف: 45) # وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف، وتشبيههم بالهشيم: إما لكونهم ~~يابسين كالموتى الذين ماتوا من زمان، أو لانضمام بعضهم إلى بعض فاجتمعوا ~~بعضهم فوق بعض كما يجمع الحاطب الحطب يضعه شيئا فوق شيء منتظرا حضور من ~~يشتري منه. قال ابن عادل: ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم، أي ~~كانوا كالحطب اليابس الذي للوقيد، كقوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم} (الأنبياء: 98) ، وقوله تعالى: ms3442 {فكانوا لجهنم حطبا} (الجن: ~~15) # تنبيهات # أحدها: أنه تعالى ذكر {فكيف كان عذابي ونذر} في ثلاثة مواضع؛ ذكرها في ~~حكاية نوح عليه السلام بعد بيان العذاب؛ وذكرها ههنا قبل بيان العذاب؛ ~~وذكرها في حكاية عاد قبل بيانه، وبعد بيانه فحيث ذكر قبل بيان العذاب ~~فللبيان، كقول العارف حكاية لغير العارف: هل تعلم كيف كان أمر فلان؟ وغرضه ~~أن يقول: أخبرني عنه وحيث ذكرها بعد بيان العذاب ذكرها للتعظيم؛ كقول فلان: ~~أي ضرب وأيما ضرب، ويقول: ضربته وكيف ضربته؟ أي قويا وفي حكاية عاد ذكرها ~~مرتين: للبيان والاستفهام. # ثانيها: أنه تعالى ذكر في حكاية نوح عليه السلام الذي للتعظيم وفي حكاية ~~ثمود ذكر الذي للبيان؛ لأن عذاب قوم نوح كان بأمر عظيم عام وهو الطوفان ~~الذي عم العالم ولا كذلك عذاب قوم هود فإنه كان مختصا بهم. # ثالثها: أنه تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص، وجعل القصة المتوسطة ~~مذكورة على أتم وجه، لأن حال صالح عليه السلام كان أتم مشابهة بحال محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأنه أتى بأمر عجيب أرضى، وكان أعجب مما جاء به ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن عيسى عليه السلام أحيى الميت، لكن ~~الميت كان محلا للحياة، فقامت الحياة بإذن الله تعالى في محل كان قابلا ~~لها، وموسى عليه السلام انقلبت عصاه ثعبانا، فأثبت الله تعالى له في الخشب ~~الحياة بإذنه سبحانه، لكن الخشبة نبات كان له قوة في النمو، فأشبه الحيوان ~~في النمو، وصالح عليه السلام كان الظاهر في بدء خروج الناقة من الحجر، ~~والحجر جماد ليس محلا للحياة، ولا محلا للنمو، ونبينا صلى الله عليه وسلم ~~أتى بأعجب من الكل، وهو المتصرف في الجرم السماوي الذي يقول المشرك لا وصول ~~لأحد إلى السماء، وأما الأرضيات فقالوا: إنها أجسام مشتركة المواد تقبل كل ~~واحدة منها صورة الأخرى، والسماويات لا تقبل ذلك فلما أتى بما اعترفوا بأنه ~~لا يقدر على مثله آدمي كان أتم وأبلغ من معجزة صالح عليه السلام التي هي ~~أتم من معجزة سائر الأنبياء ms3443 غير محمد صلى الله عليه وسلم # {ولقد يسرنا} أي: على مالنا من العظمة # PageV04P150 # {القرآن} أي: الكتاب الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس، {للذكر} أي: ~~الحفظ، والتذكر، والتدبر وحصول الشرف في الدارين؛ {فهل من مدكر} أي: من ~~ناظر بعين الإنصاف، والتجرد عن الهوى ليرى كل ما أخبرنا به فيعينه عليه. # ولما انقضت قصة ثمود بما تعرفه العرب بالأخبار، ورؤية الآثار، فقال ~~تعالى: # {كذبت قوم لوط} أي: وهم في قوة عظيمة على ما يحاولونه، وإن كانوا في ~~تكذيبهم هذا أضعف من عقول النساء عن التجرد عن الهوى بما دل عليه تأنيث ~~الفعل بالتاء، وكذا ما قبلها من القصص {بالنذر} أي: بالأمور المنذرة لهم ~~على لسان نبيهم لوط عليه السلام. # ودل على تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الأخبار عن عذابهم، فقال تعالى ~~مؤكدا توعدا لمن استمر على التكذيب {إنا} أي: بما لنا من العظمة {أرسلنا ~~عليهم حاصبا} أي: ريحا شديدة ترميهم بالحصباء، وهي صغار الحجارة الواحد دون ~~ملء الكف فهلكوا {إلا آل لوط} وهم من آمن به، فكان إذا رأيته فكأنك رأيت ~~لوطا عليه السلام لما يلوح عليه من أفعاله، والمشي على منواله في أقواله ~~وأفعاله {نجيناهم} أي: تنجية عظيمة {بسحر} أي: بآخر ليلة من الليالي، وهي ~~الليلة التي عذب فيها قومه، «وانصرف» لأنه نكرة لأنا لا نعرف تلك الليلة ~~بعينها، ولو قصد به وقت بعينه لمنع الصرف للتعريف، والعدل عن أل هذا هو ~~المشهور، وزعم صدر الأفاضل: أنه مبني على الفتح كأمس مبنيا على الكسر. # تنبيه: قال الجلال المحلي: وهل أرسل الحاصب على آل لوط أو لا: قولان؛ ~~وعبر عن الاستثناء على الأول بأنه متصل، وعلى الثاني بأنه منقطع، وإن كان ~~من الجنس تسمحا. # وقوله تعالى: {نعمة} أما مفعول له؛ وإما مصدر بفعل من لفظها أو من معنى ~~نجيناهم لأن تنجيتهم، إنعام فالتأويل: إما في العامل، وإما في المصدر. ~~وقوله تعالى: {من عندنا} متعلق بنعمة، أو بمحذوف صفة لها. {كذلك} أي: مثل ~~هذا الإنجاء العظيم الذي جعلناه جزاء لهم {نجزي من ms3444 شكر} أي: من آمن بالله ~~تعالى، وأطاعه قال بعض المفسرين: وهو وعد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بأنه يصونهم عن الهلاك العام؛ وقال الرازي: ويمكن أن يقال: هو وعد لهؤلاء ~~بالثواب يوم القيامة كما أنجاهم في الدنيا من العذاب، لقوله تعالى: {ومن ~~يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين} (آل عمران: 145) # وقال مقاتل: من وحد الله تعالى لم يعذبه مع المشركين. # {ولقد أنذرهم} أي: رسولنا لوط عليه السلام {بطشتنا} أي: أخذتنا المقرونة ~~من الشدة بما لنا من العظمة، وهي العذاب الذي نزل بهم، وقيل: هي عذاب ~~الآخرة لقوله تعالى: {يوم نبطش البطشة الكبرى} (الدخان: 16) # {فتماروا} أي تجادلوا وكذبوا {بالنذر} أي بإنذاره فكان سببا للأخذ. # {ولقد راودوه عن ضيفه} أي أرادوا أن يخلي بينهم وبين القوم الذين أتوه في ~~صورة الأضياف، ليخبثوا بهم، وكانوا ملائكة في صورة شباب مرد؛ وأفرد لأن ~~المراد الجنس {فطمسنا} أي: فتسبب عن مراودتهم أن طمسنا بعظمتنا {أعينهم} ~~أي: أعميناها، وجعلناها بلاشق كباقي الوجه بأن صفقها جبريل عليه السلام ~~بجناحه؛ وقال الضحاك: بل أعماهم الله تعالى فلم يروا الرسل وقالوا: لقد ~~رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا فرجعوا فلم يروهم؛ وهذا قول ابن عباس ~~وروي أنهم صارت أعينهم مع وجوههم كالصفيحة الواحدة؛ وقال # PageV04P151 # القشيري: مسح بجناحه على وجوههم فعموا، ولم يهتدوا للخروج. # قال ابن جرير: والعرب تقول: طمست الريح الأعلام إذا دفنتها بما تسفي ~~عليها، فانطلقوا هاربين مسرعين إلى الباب لا يهتدون إليه ولا يقعون عليه، ~~بل يصادمون الجدران خوفا مما هو أعظم من ذلك، وهم يقولون عند ذلك لوط سحر ~~الناس، وما أدتهم عقولهم إلى أن يؤمنوا فينجوا أنفسهم. # قال القشيري: وكذلك أجرى الله تعالى سنته في أوليائه بأن يطمس على قلوب ~~أعدائهم حتى يلتبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ويخلصهم من كيدهم. وقوله تعالى: ~~{فذوقوا عذابي ونذر} أي: إنذاري وتخويفي، خطاب لهم أي: قلنا لهم على لسان ~~الملائكة فذوقوا، فهو خطاب مع كل مكذب أي: إن كنتم تكذبون فذوقوا. قال ~~القرطبي: والمراد من هذا الأمر ms3445 الخبر أي: فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط ~~عليه السلام. # فإن قيل: النذر كيف تذاق؟ أجيب بأن المراد ثمرته وفائدته. # فإن قيل: إذا كان المراد بقوله تعالى: {عذابي} هو العذاب العاجل وبقوله ~~تعالى: {ونذر} هو العذاب الآجل: فهما لم يكونا في زمان واحد، فكيف قال ~~تعالى: {فذوقوا} ؟ أجيب: بأن العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل ~~فهما كالواقع في زمان واحد، وهو قوله تعالى: {أغرقوا فأدخلوا نارا} (نوح: ~~25) # {ولقد صبحهم} أي: أتاهم وقت الصباح؛ وقرأ نافع، وابن كثير، وابن ذكوان ~~وعاصم بإظهار الدال عند الصاد؛ والباقون: بلا إظهار؛ وحقق المعنى بقوله ~~تعالى: {بكرة} أي في أول نهار العذاب؛ وانصرف بكرة لأنه نكرة؛ ولو قصد به ~~وقت بعينه امتنع الصرف للتأنيث والتعريف؛ {عذاب} أي: فقلع بلادهم ورفعها؛ ~~ثم قلبها وحصبها بحجارة النار وخسفها وغمرها بالماء المنتن الذي لا يعيش به ~~حيوان؛ {مستقر} أي ثابت عليهم غير زائل ليس بخيال ولا سحر كما قالوا عند ~~الطمس، فإنه أهلكهم فاتصل بعذاب البرزخ المتصل بعذاب القيامة المتصل ~~بالعذاب الأكبر في الطبقة التي تناسب أعمالهم من عذاب النار. # فقال لهم لسان الحال إن لم ينطق لسان المقال: {فذوقوا} أي: بسبب أفعالكم ~~الخبيثة {عذابي ونذر} . # تنبيه: قد علم من تكرير هذا أن سبب العذاب التكذيب بالإنذار لأي رسول ~~كان، وكان استئناف كل قصة منبها على أنها أهل على حدتها لأن يتعظ بها. # {ولقد يسرنا} أي: على مالنا من العظمة {القرآن} أي: الجامع الفارق بين ~~الحق والباطل؛ ولو شئنا لأعليناه بما لنا من القدرة إلى حد تعجز القوى عن ~~فهمه، كما أعليناه إلى رتبة وقفت القوى عن معارضته {للذكر فهل من مدكر} أي: ~~فيخلص نفسه من مثل هذا الذي أوقع فيه هؤلاء أنفسهم ظنا منهم أن الأمر لا ~~يصل إلى ما وصل إليه جهلا منهم، وعدم اكتراث بالعواقب. # ولما انقضت قصة لوط عليه السلام أتبعها قصة موسى عليه السلام لأنها بعد ~~قوم لوط؛ بقوله تعالى: # {ولقد جاء آل فرعون} أي: فرعون ملك القبط بمصر؛ وقومه الذين إذا ms3446 رآهم أحد ~~كان كأنه فيهم لشدة قربهم منه، وتخلقهم بأخلاقه {النذر} أي الإنذار على ~~لسان موسى وهرون عليهما السلام؛ فلم يؤمنوا بل {كذبوا} أي: تكذيبا عظيما ~~مستهزئين {بآياتنا} التي أتاهم بها موسى عليه السلام {كلها} أي: التسع التي ~~أوتيها وهي: العصا، واليد، والسنين، والطمس، والطوفان، والجراد، والقمل، # PageV04P152 # والضفادع، والدم. # فإن قيل كيف قال: {ولقد جاء} ولم يقل في غيره جاء؟ أجيب: بأن موسى عليه ~~السلام لما جاء كان غائبا عن القوم، فقدم عليهم كما قال تعالى: {فلما جاء ~~آل لوط المرسلون} (الحجر: 61) # وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} لأنه جاءهم من عند الله من ~~السموات بعد المعراج، كما جاء موسى قومه من الطور؛ والنذر: الرسل ولقد ~~جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى عليه السلام، وقيل: النذر: الإنذارات # تنبيه: ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ أبو عمرو وقالون: بإسقاط ~~الهمزة الأولى مع المد والقصر؛ وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية؛ ولهما أيضا ~~إبدالها ألفا وورش على أصله في الهمزة المسهلة؛ ومد بعد الجيم حمزة وابن ~~ذكوان، والباقون بالفتح؛ وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفا مع المد ~~والتوسط والقصر؛ {فأخذناهم} أي: بما لنا من العظمة بنحو ما أخذنا به قوم ~~نوح من الإغراق {أخذ عزيز} أي: لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {مقتدر} أي: ~~لا يعجل بالأخذ لأنه لا يخاف الفوت ولا يخشى معقبا لحكمه بالغ القدرة إلى ~~حد لا يدرك الوصف كنهه. # ثم خوف كفار مكة فقال تعالى: {أكفاركم} أي: الراسخون منكم يا أهل مكة في ~~الكفر الثابتون عليه، يا أيها المكذبون، لهذا النبي الكريم الساترون لشموس ~~دينه {خير} في الدنيا بالقوة والكثرة، أو في الدين عند الله أو عند الناس ~~{من أولئكم} أي: المذكورين من قوم نوح إلى فرعون الذين وعظناكم بهم في هذه ~~السورة؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار أي ليسوا بأقوى منهم فمعناه نفي أي ليس ~~كفاركم خيرا من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. # تنبيه: قوله تعالى: {خير} مع أنه لا خير فيهم ms3447 إما أن يكون كقول حسان: # *فشر كما لخير كما الفداء* # أو هو بحسب زعمهم واعتقادهم؛ أو المراد بالخير شدة القوة؛ أو لأن كل ممكن ~~فلا بد وأن يكون له صفات محمودة، فالمراد تلك الصفات {أم لكم} أي: يا أهل ~~مكة {براءة في الزبر} أي: أنزل إليكم من الكتب السماوية أن من كفر منكم فهو ~~في أمان من عذاب الله تعالى والاستفهام هنا أيضا بمعنى النفي أي ليس الأمر ~~كذلك. # {أم يقولون} أي: كفار قريش {نحن جميع} أي جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو ~~في الغاية من الضم فلا افتراق له {منتصر} أي على كل من يعاديه، لأنهم على ~~قلب رجل واحد ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي. # ولما قال أبو جهل يوم بدر: إنا جميع منتصر نزل {سيهزم الجمع} بأيسر أمر ~~بوعد لا خلف فيه. وقال مقاتل: ضرب أبو جهل يوم بدر فرسه فتقدم من الصف ~~وقال: نحن ننتصر اليوم على محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى: {أم يقولون نحن ~~جميع منتصر} وقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ~~لما نزلت {سيهزم الجمع ويولون الدبر} ، كنت لا أدري أي جمع يهزم فلما كان ~~يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في درعه ويقول: {سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر} فهزموا ببدر ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يقل الأدبار لموافقة رؤوس الآي. # {بل الساعة} أي: القيامة التي يكون فيها الجمع الأكبر والهول الأعظم ~~{موعدهم} أي: للعذاب {والساعة أدهى} أي من كل ما يفرض وقوعه في الدنيا ~~وأدهى أفعل تفضيل من الداهية، وهي أمر هائل لا يهتدي لدوائه فهي أمر عظيم؛ ~~يقال: دهاه أمر كذا أي أصابه دهوا ودهيا؛ # PageV04P153 # وقال ابن السكيت دهته داهية دهواء ودهياء وهي توكيد لها وقرأ حمزة ~~والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ~~{وأمر} لأن عذابها للكفار غير مفارق ولا مزايل فهي أعظم نائبة وأشد مرارة ~~من الأسر والقتل يوم بدر وفي رواية: أن النبي صلى ms3448 الله عليه وسلم كان يثب ~~في درعه ويقول: اللهم إن قريشا جادلتك وتجاهر رسولك بفخرها بخيلها فأخنهم ~~الغداة. يقال: أخنى عليه الدهر أي غلبه وأهلكه ومنه قول النابغة: # *أخني عليها الذي أخنى على لبد* # وأخنيت عليه أفسدت ثم قال: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} قال عمر: فعرفت ~~تأويلها وهذا من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن غيب ~~فكان كما أخبر؛ قال ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين. ~~فالآية على هذا مكية وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: ~~«لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب» {بل الساعة ~~موعدهم والساعة أدهى وأمر} وعن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال: «وهو ~~في قبة له يوم بدر أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا، ~~فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك وهو في الدرع ~~فخرج وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم} يريد يوم ~~القيامة {والساعة أدهى وأمر} مما لحقهم يوم بدر» . # {إن المجرمين} أي: المشركين القاطعين لما أمر الله تعالى أن يوصل {في ~~ضلال} أي: هلاك بالقتل في الدنيا {وسعر} أي: نار مسعرة أي مهيجة في الآخرة ~~وقيل: {في ضلال} أي: عمى عن القصد بالبعث وسعر. قال الضحاك أي: نار تسعر ~~عليهم وقيل ضلال ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، وسعر جمع سعير نار مسعرة ~~وقال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة. وقال ~~قتادة: في عناء وعذاب. # ثم بين عذابهم في الآخرة بقوله تعالى: {يوم يسحبون} أي: في القيامة إهانة ~~لهم من أي ساحب كان {في النار} أي الكاملة النارية {على وجوههم} لأنهم في ~~غاية الذل والهوان جزاء بما كانوا يذلون أولياء الله تعالى مقولا لهم من أي ~~قائل اتفق {ذوقوا} لأنه لا منعة لهم ولا حمية بوجه {مس سقر} أي: حر النار ~~وألمها فإن مسها ms3449 سبب للتألم بها، وسقر علم لجهنم مشتقة من سقرته الشمس أو ~~النار أي لوحته ويقال: صقرته بالصاد وهي مبدلة من السين قال ذو الرمة: # *إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها ... يا فنان مربوع الصريمة معبل* # وعدم صرفها للتعريف والتأنيث. وقال بعض المفسرين: إن هذه الآية نزلت في ~~القدرية لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مجوس هذه الأمة القدرية» وهم ~~المجرمون الذين سماهم الله تعالى في قوله سبحانه {إن المجرمين في ضلال ~~وسعر} وفي مسلم عن أبي هريرة قال: «جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في القدر فنزلت هذه الآية إلى آخرها» قال الرازي: والقدري ~~هو الذي ينكر القدر وينسب الحوادث لاتصالات الكواكب لما مر أن قريشا خاصموا ~~النبي صلى الله عليه وسلم في القدر، ومذهبهم أن الله تعالى مكن العبد من ~~الطاعة والمعصية وهو قادر على خلق ذلك في العبد وقادر على أن يطعم الفقير ~~ولهذا قالوا: أنطعم من لو # PageV04P154 # يشاء الله أطعمه منكرين لقدرته تعالى على الإطعام. # وقوله صلى الله عليه وسلم «القدرية مجوس هذه الأمة» إن أريد بالأمة ~~المرسل إليهم مطلقا كالقوم فالقدرية في زمانه صلى الله عليه وسلم هم ~~المشركون المنكرون قدرته على الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة؛ وإن كان ~~المراد بالأمة من آمن به صلى الله عليه وسلم فمعناه أن نسبة القدرية إليهم ~~كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة؛ فإن المجوس أضعف الكفرة المتقدمين شبهة ~~وأشد مخالفة للعقل وكذا القدرية في هذه الأمة؛ وكونهم كذلك لا يقتضي الجزم ~~بكونهم في النار فالحق أن القدري: هو الذي ينكر قدرة الله تعالى وقد رد ~~عليهم بالكتاب والسنة. # أما من الكتاب فقوله تعالى: # {إنا} أي: بمالنا من العظمة {كل شيء} من الأشياء المخلوقة صغيرها وكبيرها ~~{خلقناه بقدر} أي: قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقوة بالغة وتدبير ~~محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب ذلك في اللوح قبل وقوعه. # وأما من السنة: فما روى عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله ~~صلى ms3450 الله عليه وسلم يقول: كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف عام قال وعرشه على الماء. وعن طاووس اليماني ~~قال: أدركت ما شاء الله تعالى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقولون كل شيء بقدر الله تعالى؛ قال: وسمعت من عبد الله بن عمرو يقول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس ~~والعجز» وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لا يؤمن بالله عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأني رسول الله: بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، والبعث بعد الموت، ويؤمن ~~بالقدر؛ وزاد عبد الله خيره وشره» . # تنبيه: {كل شيء} منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر، ولما بين سبحانه وتعالى ~~أن كل شيء بفعله بين يسر ذلك وسهولته عليه بقوله تعالى: {وما أمرنا} في كل ~~شيء أردناه وإن عظم أمره {إلا واحدة} أي: فعلة يسيرة لا معالجة فيها وليس ~~هناك أحداث قول لأنه قديم بل تعلق القدرة بالمقدور على وفق الإرادة ~~الأزلية؛ وقيل إلا كلمة واحدة وهي قوله تعالى {كن} كما قال تعالى: {إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) # ثم مثل لنا ذلك بأسرع ما نعقله وأخفه بقوله تعالى: {كلمح بالبصر} واللمح ~~النظر بالعجلة وفي الصحاح لمحة وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف أي فكما أن لمح ~~أحدكم بصره لا كلفة عليه فيه فكذلك الأفعال كلها عندنا بل أيسر؛ وعن ابن ~~عباس معناه: وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر. # {ولقد أهلكنا} أي: بما لنا من العظمة {أشياعكم} أي: أشباهكم ونظراءكم في ~~الكفر من الأمم السابقة والقدرة عليكم كالقدرة عليهم فاحذروا أن يصيبكم ما ~~أصابهم ولذلك سبب عنه قوله تعالى: {فهل من مدكر} أي بما وقع لهم أنه مثل من ~~مضى بل أضعف وأن قدرته تعالى عليه كقدرته تعالى عليهم ليرجع عن غيه خوفا من ~~سطوته والاستفهام بمعنى الأمر أي ms3451 ادكروا واتعظوا. # {وكل شيء فعلوه} قال الجلال المحلي: أي: العباد. وقال أكثر المفسرين: أي: ~~الأشياع لأنه هو المتقدم ذكره {في الزبر} أي مكتوب في دواوين الحفظة. وقيل: ~~في اللوح المحفوظ. وقيل: في أم الكتاب فلتحذروا من أفعالهم فإنها غير منسية ~~هذا ما أطبق # PageV04P155 # عليه القراء بما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل لأنه لو نصب لأوهم تعلق ~~الجار بالفعل فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من الأشياء وهو فاسد. # {وكل صغير وكبير} أي: من الخلق وأعمالهم وآجالهم {مستطر} أي: مكتوب في ~~اللوح المحفوظ. # ولما وصف الكفار وصف المؤمنين مؤكدا ردا على المنكر فقال عز من قائل: {إن ~~المتقين} أي: العريقين في وصف الخوف من الله الذي وفقهم لطاعته {في جنات} ~~أي: خلال بساتين ذات أشجار تستر داخلها وقوله تعالى: {ونهر} أريد به الجنس: ~~لأن فيها أنهارا من ماء وعسل ولبن وخمر؛ أفرده لموافقة رؤوس الآي ولشدة ~~اتصال بعضها ببعض فكأنها شيء واحد. والمعنى: أنهم يشربون من أنهارها وقيل: ~~هو السعة والصفاء من النهار. # وكما جعل للمتقين في تلك الدار ذلك جعل لهم في هذه الدار أيضا جنات ~~العلوم وأنهار المعارف ولهذا كانوا {في مقعد صدق} أي حق لا لغو فيه ولا ~~تأثيم، ولم يقل في مجلس صدق، لأن القعود جلوس فيه مكث ومنه قواعد البيت ~~والقواعد من النساء ولذا قال: {عند مليك} أي: ملك تام الملك {مقتدر} أي: ~~قادر لا يعجزه شيء وهو الله تعالى. وعند إشارة للرتبة والكرامة والمنزلة من ~~فضله تعالى، جعلنا الله تعالى ومحبينا منهم. # وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة القمر في كل غب أي يقرأ يوما ويترك يوما بعثه الله تعالى يوم القيامة ~~ووجهه مثل القمر ليلة البدر» . حديث موضوع. ### | سورة الرحمن # وتسمى عروس القرآن # لأنها مجمع النعم والجمال والبهجة في نوعها والكمال مكية كلها في قول ~~الحسن وعروة وابن الزبير وعطاء وجابر؛ وقال ابن عباس: إلا آية منها وهي: ~~قوله تعالى: {يسأله من ms3452 في السموات والأرض} (الرحمن: 29) # الآية وقال ابن مسعود ومقاتل: هي مدنية كلها قال ابن عادل: والأول أصح ~~لما روى عروة بن الزبير قال: أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ابن مسعود، وذلك أن الصحابة قالوا: ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر ~~به قط فمن رجل يسمعهموه، فقال ابن مسعود: أنا فقالوا نخشى عليك وإنما نريد ~~رجلا له عشيرة يمنعونه، فأبى ثم قام عند المقام فقرأ بسم الله الرحمن ~~الرحيم {الرحمن علم القرآن} ثم تمادى بها رافعا صوته وقريش في أنديتها ~~فتأملوا وقالوا: ما يقول ابن أم عبد؟ قالوا: هو يقول الذي يزعم محمد أنه ~~أنزل عليه ثم ضربوه حتى أثروا في وجهه، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~«قام يصلي الصبح بنخلة فقرأ بسورة الرحمن، ومر النفر من الجن فآمنوا به» ~~وهي سبع وثمانون آية وثلاثمائة، وإحدى وخمسون كلمة وألف وستمائة وستة ~~وثلاثون حرفا. # {بسم الله} الذي ظهرت إحاطة كماله بما ظهر من عجائب مخلوقاته؛ {الرحمن} ~~الذي ظهر عموم رحمته بما بهر من بدائع مصنوعاته؛ {الرحيم} الذي ظهر اختصاصه ~~لأهل طاعته بما تحققوا من الذل المفيد للعز بلزوم عباداته. # ولما كانت هذه السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية صدرها ~~بقوله تعالى: # {علم} أي: من شاء {القرآن} وقدم من نعمه الدينية ما هو أعلى مراتبها ~~وأقصى مراقبها وهو إنعامه تعالى بالقرآن العظيم، وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم # PageV04P156 # وحي الله تعالى رتبة، وأعلاها منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثرا؛ وهو ~~سنام الكتب السماوية، ومصداقها والعيار عليها. # تنبيه: أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها؛ لأن آخر تلك مليك مقتدر، ~~وأول هذه أنه رحمن. قال سعيد بن جبير وعامر والشعبي: الرحمن: فاتحة ثلاث ~~سور إذا جمعن كن اسما من أسماء الله تعالى الر، وحم، ون، فيكون مجموع هذه ~~الرحمن.l # ولله تبارك وتعالى رحمتان: رحمة سابقة بها خلق الخلق؛ ورحمة لاحقة بها ~~أعطاهم الرزق والمنافع، فهو رحمن باعتبار السابقة، رحيم باعتبار اللاحقة، ~~ولما اختص بالإيجاد لم يقل لغيره ms3453 رحمن ولما خلق بعض خلقه الصالحين ببعض ~~أخلاقه بحسب الطاقة البشرية فأطعم ونفع جاز أن يقال له: رحيم. # وفي إعراب الرحمن ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر أي الله الرحمن ~~الثاني: أنه مبتدأ وخبره مضمر أي الرحمن ربنا. الثالث: أنه مبتدأ خبره علم ~~القرآن؛ فإن قيل: كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {وما يعلم ~~تأويله إلا الله} (آل عمران: 7) # أجيب بأنا أن قلنا بعطف الراسخين على الله فهو ظاهر، وإن قلنا بالوقف على ~~الله ويبتدأ بقوله تعالى: {والراسخون} (آل عمران: 7) # فلأن من علم كتابا عظيما فيه مواضع مشكلة قليلة وتأملها بقدر الإمكان ~~فإنه يقال فلان يعلم الكتاب الفلاني، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب ~~بيقين في تلك المواضع القليلة، وكذا القول في تعليم القرآن، أو يقال المراد ~~لا يعلمه من تلقاء نفسه بخلاف الكتب التي تستخرج بقوة الذكاء والفكر. # واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال أكثر المفسرين: نزلت حين قالوا: وما ~~الرحمن، وقيل: نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر وهو رحمان ~~اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب؛ فأنزل الله تعالى: {الرحمن علم القرآن} أي: ~~سهله ليذكر ويقرأ، كما قال تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر} (القمر: 17) # ولما كان كأنه قيل كيف يعلمه وهو صفة من صفاته، ولمن علمه قال تعالى ~~مستأنفا أو معللا {خلق الإنسان} أي: الجنس بأن قدره وأوجده على هذا الشكل ~~المعروف والتركيب الموصوف منفصلا عن جميع الجمادات، وأصله منها ثم عن سائر ~~الناميات، ثم عن غيره من الحيوانات، وخلقه له دليل على خلقه لكل شيء موجود ~~{إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر: 49) # وقيل علم القرآن جعله علامة. # وآية {علمه البيان} أي القوة الناطقة وهي الإدراك للأمور الكلية ~~والجزئية، والحكم على الحاضر والغائب بقياسه على الحاضر، وغير ذلك مما ~~أودعه له سبحانه مع تعبيره عما أدركه مما هو غائب في ضميره وإفهامه لغيره: ~~تارة بالقول وتارة بالفعل، نطقا وكتابة وإشارة وغيرها، فصار بذلك ذا قدرة ~~في نفسه والتكميل لغيره فهذا تعليم البيان الذي ms3454 مكن من تعليم القرآن، وقال ~~ابن عباس وقتادة والحسن: يعني آدم عليه السلام علم أسماء كل شيء، وقيل: ~~علمه اللغات كلها وكان آدم يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية، وعن ابن ~~عباس أيضا وابن كيسان: المراد بالإنسان ههنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~والمراد من البيان: الحلال والحرام والهدى من الضلال، وقيل: ما كان وما ~~يكون لأنه بين عن الأولين والآخرين، وعن يوم الدين، وقال الضحاك: البيان: ~~الخير والشر، وقال الربيع بن أنس: هو ما ينفعه وما يضره. وقال السدي: علم ~~كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. وقيل: بيان الكتابة والخط بالقلم نظيره ~~قوله تعالى: {علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} . # PageV04P157 # فإن قيل: لم قدم تعليم القرآن للإنسان على خلقه وهو متأخر عنه في الوجود؟ ~~أجيب: بأن التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه. # فإن قيل: كيف صرح بذكر المفعولين في علمه البيان ولم يصرح بهما في علم ~~القرآن؟ أجيب: بأن في ذلك إشارة إلى أن النعمة في التعميم لا في تعليم شخص ~~دون شخص، وبأن المراد من قوله تعالى: {علمه البيان} : تعديد النعم على ~~الإنسان واستدعاء الشكر منه؛ ولم يذكر الملائكة لأن المقصود ذكر ما يرجع ~~إلى الإنسان. وقيل: تقديره علم جبريل القرآن وقيل علم محمدا صلى الله عليه ~~وسلم وقيل علم الإنسان وهذا أولى لعمومه. # تنبيه هذه الجمل من قوله تعالى: {علم القرآن} إلى هنا جيء بها من غير ~~عاطف لأنها سيقت لتعديد نعمه؛ كقولك: فلان أحسن إلى فلان أكرمه أشاد ذكره ~~رفع قدره؛ فلشدة الوصل ترك العاطف؛ وهي أخبار مترادفة للرحمن. # ولما ذكر تعالى خلق الإنسان وإنعامه عليه بتعليمه البيان ذكر نعمتين ~~عظيمتين بقوله تعالى: {الشمس} وهي آية النهار {والقمر} وهي آية الليل ~~{بحسبان} فإنهما على قانون واحد وحساب لا يتغيران وبذلك تتم منفعتهما ~~للزراعات وغيرها ولولا الشمس والقمر لفات كثير من المنافع الظاهرة بخلاف ~~غيرهما من الكواكب فإن نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ظهور نعمتهما، وإنهما ~~بحسبان لا يتغير أبدا، ولو كان سيرهما غير معلوم ms3455 للخلق لما انتفعوا ~~بالزراعات في أوقاتها ومعرفة فصول السنة، والمعنى يجريان بحسبان معلوم ~~فأضمر الخبر. قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك: يجريان بحسبان في منازل لا ~~يعدوانها ولا يحيدان عنها. وقال أبو زيد وابن كيسان بهما تحسب الأوقات ~~والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئا إن ~~كان الدهر كله ليلا أو نهارا. وقال السدي: بحسبان تقدير آجالهما أي: يجريان ~~بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا نظيره {كل يجري إلى أجل مسمى} ~~(لقمان: 29) # {والنجم} أي: النبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له كالبقول ~~{والشجر} أي: الذي له ساق كشجر الرمان وتقدم الجواب عن قوله تعالى: ~~{وأنبتنا عليه شجرة من يقطين} (الصافات: 146) # في سورة الصافات {يسجدان} أي: ينقادان لله تعالى فيما يريده طبعا انقياد ~~الساجد من المكلفين طوعا وقال الضحاك سجودهما سجود ظلالهما. وقال الفراء ~~سجودهما أنهما يستقبلان إذا طلعت الشمس ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء، ~~وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما كما قال تعالى: {يتفيؤوا ظلاله} ~~(النحل: 48) # وقال الحسن ومجاهد: النجم نجم السماء وسجوده في قول مجاهد دوران ظله؛ ~~وقيل: سجود النجم أفوله وسجود الشجر إمكان الاجتناء لثمارها حكاه الماوردي. # وقال النحاس: أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله عز وجل فهو من ~~الموات كلها استسلامها لأمر الله عز وجل وانقيادها له، ومن الحيوان كذلك. # فإن قيل: كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن؟ أجيب بأنه استغنى فيهما عن ~~الوصل اللفظي بالوصل المعنوي لما علم أن الحسبان حسبانه والسجود له لا ~~لغيره كأنه قيل الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له. # فإن قيل: أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟ أجيب: بأن ~~الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان فبين القبيلين تناسب من # PageV04P158 # حيث التقابل، فإن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جرى الشمس ~~والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله تعالى فهو مناسب لسجود النجم ~~والشجر. # {والسماء} أي: ورفع السماء ثم فسر ناصبها فيكون كالمذكور مرتين إشارة إلى ~~عظيم تدبيره ms3456 لشدة ما فيها من الحكم فقال تعالى: {رفعها} أي حسا قال ~~البقاعي: بعدما كانت ملتصقة بالأرض ففتقها وأعلاها عنها؛ وقال الزمخشري ~~وتبعه البيضاوي: خلقها مرفوعة؛ قال البيضاوي: محلا ورتبه، وقال الزمخشري: ~~حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته ~~الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه ~~وسلطانه. # {ووضع الميزان} أي: العدل الذي دبر به الخافقين من الموازنة وهي المعادلة ~~لتنتظم أمورنا كما قال صلى الله عليه وسلم «بالعدل قامت السموات والأرض» ~~وقال السدي: وضع في الأرض العدل الذي أمر به يقال وضع الله الشريعة ووضع ~~فلان كذا أي: ألفه. وقيل على هذا الميزان القرآن لأن فيه بيان ما يحتاج ~~إليه وهو قول الحسين بن الفضل، وقال الحسن وقتادة والضحاك هو الميزان الذي ~~يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل يدل عليه ~~قوله تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط} (الرحمن: 9) # والقسط هو العدل؛ وقيل هو الحكم، وقيل المراد وضع الميزان في الآخرة لوزن ~~الأعمال. # {أن} أي: لأجل أن {لا تطغوا} أي: تتجاوزوا الحدود {في الميزان} فمن قال: ~~الميزان العدل قال: طغيانه الجور؛ ومن قال: إنه الميزان الذي يوزن به قال: ~~طغيانه البخس قال ابن عباس: لا تخونوا من وزنتم له. وعنه أنه قال: يا معشر ~~الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس المكيال والميزان ومن قال: إنه الحكم ~~قال: طغيانه التحريف. وقيل فيه إضمار أي: وضع الميزان وأمركم أن لا تطغوا ~~فيه. # فإن قيل: إذا كان المراد به ما يوزن به فأي نعمة عظيمة فيه حتى يعد في ~~الآلاء؟ أجيب: بأن النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد أن يغلبه غيره ولو في ~~الشيء اليسير، ويرى أن ذلك استهانة به فلا يترك خصمه يغلبه فوضع الله تعالى ~~معيارا بين به التساوي ولا تقع به البغضاء بين الناس وهو الميزان، وهو كل ~~ما توزن به الأشياء بين الناس، ويعرف مقاديرها به من ميزان ومكيال ومقياس، ~~فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور ms3457 نعمته وكثرته وسهولة الوصول إليه ~~كالهواء والماء اللذين لا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما. # {وأقيموا الوزن بالقسط} أي: افعلوه مستقيما بالعدل. وقال أبو الدرداء: ~~أقيموا لسان الميزان بالعدل. وقال ابن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب ~~وقال مجاهد: القسط العدل بالرومية {ولا تخسروا الميزان} أي: لا تنقصوا ~~الموزون، أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران ~~الذي هو تطفيف ونقصان؛ وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية وتقوية للأمر ~~باستعماله والحث عليه؛ وقيل: كرره لمحال رؤوس الآي، وقيل كرره ثلاث مرات: ~~الأول: بمعنى الآلة وهو قوله تعالى: {ووضع الميزان} والثاني: بمعنى المصدر ~~أي لا تطغوا في الوزن. والثالث: للمفعول أي لا تخسروا الموزون. قال ابن ~~عادل: وبين القرآن والميزان مناسبة، فإن القرآن فيه العلم الذي لا يوجد في ~~غيره من الكتب والميزان به يقام العدل الذي لا يقام بغيره من # PageV04P159 # الآلات. # ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء، ذكر على ذلك الوجه ~~مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيها على شدة العناية ~~والاهتمام به فقال تعالى: {والأرض} أي: ووضع الأرض ثم فسر ناصبها كما فعل ~~في قوله تعالى: {والسماء رفعها} فقال تعالى: {وضعها} أي: دحاها وبسطها على ~~الماء {للأنام} أي: كل من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم وهو الصوت. ~~وقيل: هو الحيوان وقيل: بنو آدم خاصة. وهو مروي عن ابن عباس ونقل النووي في ~~التهذيب عن الزبيدي الأنام الخلق قال: ويجوز الأنيم وقال: الواحدي قال ~~الليث: الأنام ما على ظهر الأرض من جميع الخلق. وقال: الحسن هم الأنس ~~والجن. # {فيها} أي: الأرض {فاكهة} أي: ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار ~~ونكرها لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما ذكر بعدها فهو من باب الترقي من ~~الأدنى إلى الأعلى، إذ التنكير فيها للتعظيم والتكثير، نبه عليه بتعريف فرع ~~منها ونوه به لأن فيه مع التفكه التقوت وهو أكثر ثمار العرب المقصودين بهذا ~~الذكر بالقصد الأول فقال تعالى: {والنخل} ودل على تمام القدرة بقول تعالى: ~~{ذات} ms3458 أي: صاحبة {الأكمام} أي: أوعية ثمرها وهو الطلع قبل أن ينفتق بالثمر، ~~والأكمام جمع كم بالكسر قال الجوهري: والكم بالكسر والكمامة وعاء الطلع ~~وغطاء النور والجمع كمام وأكمة وإكمام والكمامة ما يكم به فم البعير لئلا ~~يعض؛ وكم القميص بالضم والجمع أكمام وكممه والكمة القلنسوة المدورة لأنها ~~تغطي الرأس. # {والحب} أي: جميع الحبوب التي يقتات بها كالحنطة والشعير {ذو العصف} قال ~~ابن عباس: تبن الزرع وورقه الذي يعصفه الريح، وقال مجاهد: ورق الشجر ~~والزرع، وقال سعيد بن جبير: بقل الزرع الذي أول ما ينبت منه وهو قول ~~الفراء. والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك وقيل: ~~العصف حطام النبات. {والريحان} وهو في الأصل مصدر ثم أطلق على الرزق قال ~~ابن عباس ومجاهد والضحاك: هو الرزق بلغة حمير، كقولهم: سبحان الله وريحانه ~~نصبوهما على المصدر يريدون تنزيها له واسترزاقا. وعن ابن عباس أيضا والضحاك ~~وقتادة: أنه الريحان الذي يشم، وهو قول ابن زيد. وقال سعيد بن جبير: هو ما ~~قام على ساق. وقال الفراء: العصف المأكول من الزرع والريحان ما لا يؤكل ~~وقال الكلبي: العصف الورق الذي يؤكل والريحان هو الحب المأكول. وقيل: كل ~~بقلة طيبة الريح سميت ريحانا، لأن الإنسان يراح لها رائحة طيبة أي يشم. وفي ~~الصحاح: والريحان نبت معروف، والريحان الرزق تقول: خرجت أبتغي ريحان الله، ~~وفي الحديث: «الولد من ريحان الله» . وقرأ ابن عامر: بنصب الحب وذا ~~والريحان بخلق مضمر، أي: وخلق الحب وذا العصف والريحان. # وقرأ حمزة والكسائي: برفع الحب وذو عطفا على فاكهة، وجر الريحان عطفا على ~~العصف، والباقون: برفع الثلاثة عطفا على فاكهة أي وفيها أيضا هذه الأشياء. # ولما دخل في قوله تعالى: {والأرض وضعها للأنام} الجن والأنس خاطبهما ~~بقوله تعالى: {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المحسن إليكما المدبر لكما ~~الذي لا مدبر ولا سيد لكما غيره {تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرها؟ وكرر هذه ~~الآية في هذه السورة في أحد وثلاثين # PageV04P160 # موضعا تقريرا للنعمة، وتأكيدا في التذكير، وفصل بين ms3459 كل نعمتين بما ينبههم ~~عليها ليفهمهم النعم، ويقررهم بها كما تقول لمن تتابع عليه إحسانك وهو ~~يكفره وينكره: ألم تكن فقيرا فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملا فعززتك؟ ~~أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلا فحملتك؟ أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا، ~~قال القائل: # *كم نعمة كانت لكم كم كم وكم* # وقال آخر: # *لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة ... إياك من دمه إياك إياك* # وقال آخر: # *لا تقطعن الصديق ما طرفت ... عيناك من قول كاشح أشر* # *ولا تملن يوما زيارته ... زره وزره وزر وزر وزر* # وقال الحسن بن الفضل: التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجة قال بعض العلماء: ~~والتكرير ههنا كما تقدم في قوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر} (القمر: ~~17) # وكقوله تعالى: فيما سيأتي {ويل يومئذ للمكذبين} (المرسلات: 15) # وذهب جماعة منهم ابن قتيبة إلى أن التكرير لاختلاف النعم، فلذلك كرر ~~التوقيف مع كل واحدة. # وقال الرازي: وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الالتفات، والمراد به التقرير ~~والزجر وذكر لفظ الرب لأنه يشعر بالرحمة؛ قال: وكررت هذه اللفظة في هذه ~~السورة نيفا وثلاثين مرة: إما للتأكيد، ولا يعقل لخصوص العدد معنى. وقيل: ~~الخطاب مع الأنس والجن والنعمة منحصرة في دفع المكروه، وتحصيل المقصود، ~~وأعظم المكروهات: نار جهنم ولها سبعة أبواب، وأعظم المقاصد نعيم الجنة ولها ~~ثمانية أبواب، فالمجموعة خمسة عشر وذلك بالنسبة للإنس والجن ثلاثون والزائد ~~لبيان التأكيد. وروى جابر بن عبد الله قال: «قرأ علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال ما لي أراكم سكوتا للجن كانوا ~~أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ~~إلا قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد» وقرأ ورش {فبأي آلاء} ~~على أصله بالمد، والتوسط، والقصر جميع ما في هذه السورة. # ولما ذكر تعالى خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيهما من ~~الدلالات على وحدانيته وقدرته ذكر خلق العالم الصغير فقال تعالى: {خلق ~~الإنسان} أي: آدم عليه السلام {من صلصال} أي: من ms3460 طين يابس له صلصلة أي صوت ~~إذا نقر {كالفخار} أي كالخزف المصنوع المشوي بالنار، وقيل هو طين خلط برمل؛ ~~وقيل: هو الطين المنتن من صل اللحم وأصل إذا أنتن. # تنبيه: قال تعالى: هنا. # من {صلصال كالفخار} وقال تعالى في الحجر: {من حما مسنون} وقال تعالى في ~~الصافات: {من طين لازب} (الصافات: 11) # وقال تعالى في آل عمران {كمثل آدم خلقه من تراب} (آل عمران: 59) # وكله متفق المعنى وذلك أنه أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء، فصار طينا، ~~ثم ترك حتى صار حمأ مسنونا ثم منتنا ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من ~~الأواني، ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر صوت ~~صوتا، يعلم منه هل فيه عيب أو لا فالمذكور هنا آخر تخليقه وهو أنسب ~~بالرحمانية وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة أثناؤه فالأرض أمه والماء أبوه ~~ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من فيح جهنم؛ فمن التراب جسده ونفسه، ~~ومن الماء روحه # PageV04P161 # وعقله، ومن النار غوايته وحدته، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ~~ومذامه، فالغالب في جبلته التراب، فلهذا نسب إليه، وإن خلق من العناصر ~~الأربع، كما أن الجان خلق من العناصر الأربع لكن الغالب في جبلته النار ~~فنسب إليها؛ كما قال تعالى: {وخلق الجان} أي: أبا الجن، وهو إبليس وقيل: هو ~~أبوهم وليس هو بإبليس؛ وقيل: هو اسم جنس كالإنسان {من مارج من نار} وهو ~~لهبها الخالص من الدخان؛ وقال القشيري: هو اللهب المختلط بسواد النار، ~~فالنار أغلب عناصره. وقال الليث: المارج الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد. ~~وعن ابن عباس: أنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر ~~وأخضر وهو مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلط بعضها ببعض؛ ونحوه عن ~~مجاهد. وقال أبو عبيدة والحسن: المارج المختلط من النار وأصله من مرج إذا ~~اضطرب واختلط قال القرطبي: يروى أن الله تعالى خلق نارين فمرج أحداهما ~~بالأخرى فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار السموم، فخلق منها إبليس. # تنبيه: {من مارج من نار} من الأولى ms3461 لابتداء الغاية؛ وفي الثانية وجهان: ~~أحدهما: أنها للبيان. والثاني: أنها للتبعيض. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} الناشئة عن مبدئكما ومربيكما وسيد كما ~~{تكذبان} أي: مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات ~~وخلاصة الكائنات. # {رب} أي: خالق ومدبر {المشرقين} أي: مشرق الشتاء ومشرق الصيف {ورب ~~المغربين} كذلك. # {فبأي آلاء} أي: نعم ربكما أي الذي دبر لكما هذا التدبير العظيم {تكذبان} ~~أي: بما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى كاعتدال الهواء واختلاف الفصول ~~وحدوث ما يناسب كل فصل فيه إلى غير ذلك. # {مرج} أي: أرسل الرحمن {البحرين} أي: العذب والملح فجعلهما مضطربين من ~~طبعهما الاضطراب حال كونهما {يلتقيان} أي: يتماسان على وجه الأرض بلا فصل ~~بينهما في رؤية العين. وقال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض. قال سعيد بن ~~جبير: يلتقيان في كل عام. وقيل: يلتقي طرفاهما. وقال الحسن وقتادة: بحر ~~فارس والروم. وقال ابن جريج: البحر المالح والأنهار العذبة. وقيل: بحر ~~المشرق وبحر المغرب. وقيل: بحر اللؤلؤ وبحر المرجان. # {بينهما برزخ} أي حاجز عظيم فعلى القول بأنهما بحر السماء وبحر الأرض ~~فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض؛ قاله الضحاك وعلى الأقوال ~~الباقية: قال الحسن وقتادة: هو الأرض. وقال بعضهم هو القدرة الإلهية وهذا ~~أولى. # {لا يبغيان} اختلف فيه. فقال قتادة: لا يبغيان على الناس فيغرقانهم كما ~~طغيا فأهلكا من على الأرض في أيام نوح عليه السلام، فجعل بينهما وبين الناس ~~اليبس، وقال مجاهد وقتادة أيضا: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه. وقيل ~~البرزخ ما بين الدنيا والآخرة أي: بينهما مدة قدرها الله تعالى وهي مدة ~~الدنيا فهما لا يبغيان فإذا أذن الله تعالى في انقضاء الدنيا صار البحران ~~شيئا واحدا؛ وهو كقوله تعالى: {وإذا البحار فجرت} (الإنفطار: 3) # وقال سهل بن عبد الله: البحران طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما ~~التوفيق والعصمة، وقال الرازي: معنى الآية أن الله تعالى أرسل بعض البحرين ~~إلى بعض ومن شأنهما الاختلاط، فحجزهما ببرزخ من قدرته فهما لا يبغيان أي لا ms3462 ~~يتجاوز كل واحد منهما ما حده له خالقه # PageV04P162 # لا في الظاهر ولا في الباطن فمتى حفرت على جنب الملح في بعض الأماكن وجدت ~~الماء العذب وإن قربت الحفرة منه؛ قال البقاعي: بل كلما قربت كان أحلى ~~فخلطهما سبحانه في رأي العين وحجز بينهما في غيب القدرة هذا وهما جمادان لا ~~نطق لهما ولا إدراك، فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها المدركون العقلاء؟. # {فبأي آلاء} أي نعم {ربكما} أي الموجد لكما والمربي {تكذبان} أبتلك النعم ~~أم بغيرها فهلا اعتبرتم بهذه الأصول من أنواع الموجودات فصدقتم بالآخرة ~~لعلكم تنجون من عذاب الله تعالى. # {يخرج منهما اللؤلؤ} وهو كبار الجوهر {والمرجان} وهو صغار الجوهر، قاله ~~علي وابن عباس والضحاك: وقيل: بالعكس؛ وقيل: المرجان حجر أحمر وقيل: حجر ~~شديد البياض والمرجان أعجمي أي بمخالطة العذب المالح من غير واسطة أو ~~بواسطة السحاب فصار ذلك كالذكر والأنثى، وقال الرازي: فيكون العذب كاللقاح ~~للملح، وقال أبو حيان: قال الجمهور: إنما يخرج من الأجاج في المواضع التي ~~تقع فيها الأنهار والمياه العذبة فأسند ذلك إليهما، وهذا مشهور عند ~~الغواصين. قال مكي: كما قال: {على رجل من القريتين عظيم} (الزخرف: 31) # أي: من إحدى القريتين وحذف المضاف كثير شائع؛ وقيل: هو كقوله تعالى: ~~{نسيا حوتهما} (الكهف: 61) # وإنما الناسي فتاه، ويعزى لأبي عبيدة؛ قال البغوي: وهذا جائز في كلام ~~العرب أن يذكر شيئان ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله تعالى {يا معشر الجن والأنس ~~ألم يأتكم رسل منكم} وكانت الرسل من الأنس، وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ~~ومن الآخر المرجان، وقيل: بل يخرجان منهما جميعا، وقال ابن عباس: تكون هذه ~~الأشياء في البحر بنزول المطر والصدف تفتح أفواهها للمطر وقد شاهده الناس ~~فيكون تولده من بحر السماء وبحر الأرض، وهذا قول الطبري. # وقال الزمخشري: فإن قلت لم قال منهما، وإنما يخرجان من الملح؟ قلت: لما ~~التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من ~~البحر ولا يخرجان من جميع البحر وإنما يخرجان من بعضه؛ وتقول خرجت من ms3463 البلد ~~وإنما خرجت من محلة من محاله بل من دار واحدة من دوره، وقيل: لايخرجان إلا ~~من ملتقى الملح والعذب ا. ه. # وقال بعضهم: كلام الله تعالى أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس، فمن ~~الجائز أنه يسوقهما من البحر العذب إلى الملح، واتفق أنهم لم يخرجوهما إلا ~~من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التجار المترددين القاطعين ~~المفاوز فكيف بما في قعر البحر. قال ابن عادل: والجواب عن هذا أن الله ~~تعالى لا يخاطب الناس ولا يمتن عليهم إلا بما يألفون ويشاهدون. # وقرأ نافع وأبو عمرو: يخرج بضم الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول، والباقون ~~بفتح الياء وضم الراء مبنيا للفاعل على المجاز. وقرأ السوسي وشعبة: بإبدال ~~الهمزة الساكنة واوا وصلا ووقفا، وإذا وقف حمزة أبدل الأولى والثانية. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: الملك الأعظم المالك لكما {تكذبان} ~~أبكثرة النعم من خلق المنافع في البحار وتسليطكم عليها، وإخراج الحلي ~~العجيبة أم بغيرها. # {وله} أي: لا لغيره {الجواري} أي: السفن الكبار والصغار الفارغة ~~والمشحونة فلا تغتروا بالأسباب الظاهرة فتقفوا معها فتسندوا شيئا من ذلك ~~إليها، وقرأ: {والمنشآت} حمزة وأبو بكر بخلاف عنه بكسر # PageV04P163 # الشين بمعنى أنها تنشئ الموج بجريها أو تنشئ السير إقبالا وإدبارا، أو ~~التي رفعت شراعها أي قلوعها والشراع القلع وعن مجاهد كل ما رفعت قلعها فهي ~~من المنشآت وإلا فليست منها ونسبة الرفع إليها مجاز كما يقال: أنشأت ~~السحابة المطر وقرأ الباقون بفتح الشين وهو اسم مفعول أي أنشأها الله تعالى ~~أو الناس أو رفعوا شراعها. # تنبيه: الجواري جمع جارية وهو اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر لأن ~~جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك فيقولون لك الفلك ولك ~~الملك؛ وإذا خافوا الغرق دعوا الله وحده، وسميت السفينة جارية لأن شأنها ~~ذلك وإن كانت واقفة في الساحل كما سماها في موضع آخر بالجارية كما قال ~~تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} (الحاقة: 11) # وسماها بالفلك قبل أن لم تكن كذلك فقال تعالى ms3464 لنوح عليه السلام: {واصنع ~~الفلك بأعيننا} (هود: 37) # ثم بعدما عملها سماها سفينة فقال تعالى: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} ~~(العنكبوت: 15) # قال الرازي: فالفلك أولا ثم السفينة ثم الجارية ا. ه. والمرأة المملوكة ~~تسمى أيضا جارية لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها بخلاف الزوجة فهي ~~من الصفات الغالبة. # والسفينة فعليه بمعنى فاعله عند ابن دريد؛ كأنها تسفن الماء وفعيلة بمعنى ~~مفعولة عند غيره بمعنى مسفونة وقوله تعالى: {في البحر} متعلق بالمنشآت ~~وقوله تعالى: {كالأعلام} حال إما من الضمير المستكن في المنشآت وإما من ~~الجواري وكلاهما بمعنى واحد؛ والأعلام الجبال والعلم الجبل الطويل علما على ~~الأرض قال القائل: # *إذا قطعنا علما بدا لنا علم* # وقال آخر: # *ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبى شمالات* # وقالت الخنساء في أخيها صخر: # *وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار* # أي: جبل فالسفن في البحر كالجبال في البر؛ وجمع الجواري. ووحد البحر وجمع ~~الأعلام إشارة إلى عظمة البحر. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} العظمى التي عمت خلقه {تكذبان} أبتلك النعم ~~من خلق مواد السفن والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر ~~وأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره أم غيرها؟. # وقوله تعالى: {كل من عليها فان} أي: هالك غلب فيه من يعقل على غيره ~~وجميعهم مراد؛ والضمير في عليها للأرض قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر كقوله ~~تعالى: {حتى توارت بالحجاب} (ص: 32) # ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله تعالى: {والأرض وضعها} (الرحمن: 10) # وقيل: الضمير عائد إلى الجواري. # قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلكت أهل الأرض فنزل: ~~{كل شيء هالك إلا وجهه} فأيقنت الملائكة بالهلاك. # فإن قيل: الكلام في تعدد النعم فأين النعمة في فناء الخلق؟ أجيب: بأنها ~~التسوية بينهم في الموت والموت سبب للنقل إلى دار الجزاء والثواب. # {ويبقى} أي: بعد فناء الكل بقاء مستمرا إلى ما لا نهاية له {وجه ربك} أي: ~~ذاته فالوجه عبارة عن وجود ذاته. قال ابن عباس: الوجه عبارة عنه. # فإن قيل ms3465 كيف خاطب الاثنين بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وخاطب ههنا ~~الواحد فقال: {ويبقى وجه ربك} ولم يقل وجه # PageV04P164 # ربكما؟ أجيب: بأن الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد فقال: ويبقى وجه ربك أيها ~~السامع ليعلم كل أحد أن غيره فان فلو قال: ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد ~~يخرج نفسه ورفيقه؛ المخاطب عن الفناء، فإن قيل: فلو قال: ويبقى وجه الرب من ~~غير خطاب كان أدل على فناء الكل؛ أجيب: بأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى ~~اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، ~~فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب # ولما ذكر تعالى مباينته للمخلوقات وصف نفسه بالإحاطة الكاملة فقال تعالى: ~~{ذو الجلال} أي: العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ~~ما لا يليق به {والإكرام} أي: الإحسان العام وهو صفة فعله مع جلاله وعظمته. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المربى لكما على هذا الوجه الذي مآله ~~إلى العدم إلى أجل مسمى {تكذبان} أبتلك النعم من بقاء الرب وفناء الكل ~~والحياة الدائمة والنعيم المقيم أم بغيرها؟. # وقوله تعالى: {كل من عليها فان} أي: هالك غلب فيه من يعقل على غيره ~~وجميعهم مراد؛ والضمير في عليها للأرض قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر كقوله ~~تعالى: {حتى توارت بالحجاب} (ص: 32) # ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله تعالى: {والأرض وضعها} (الرحمن: 10) # وقيل: الضمير عائد إلى الجواري. # قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلكت أهل الأرض فنزل: ~~{كل شيء هالك إلا وجهه} فأيقنت الملائكة بالهلاك. # فإن قيل: الكلام في تعدد النعم فأين النعمة في فناء الخلق؟ أجيب: بأنها ~~التسوية بينهم في الموت والموت سبب للنقل إلى دار الجزاء والثواب. # {ويبقى} أي: بعد فناء الكل بقاء مستمرا إلى ما لا نهاية له {وجه ربك} أي: ~~ذاته فالوجه عبارة عن وجود ذاته. قال ابن عباس: الوجه عبارة عنه. # فإن قيل كيف خاطب الاثنين بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وخاطب ههنا ~~الواحد ms3466 فقال: {ويبقى وجه ربك} ولم يقل وجه ربكما؟ أجيب: بأن الإشارة ههنا ~~وقعت إلى كل أحد فقال: ويبقى وجه ربك أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فان ~~فلو قال: ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه؛ المخاطب عن ~~الفناء، فإن قيل: فلو قال: ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء ~~الكل؛ أجيب: بأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى ~~القهر والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف ~~الخطاب # ولما ذكر تعالى مباينته للمخلوقات وصف نفسه بالإحاطة الكاملة فقال تعالى: ~~{ذو الجلال} أي: العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ~~ما لا يليق به {والإكرام} أي: الإحسان العام وهو صفة فعله مع جلاله وعظمته. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المربى لكما على هذا الوجه الذي مآله ~~إلى العدم إلى أجل مسمى {تكذبان} أبتلك النعم من بقاء الرب وفناء الكل ~~والحياة الدائمة والنعيم المقيم أم بغيرها؟. # وقوله تعالى: {كل من عليها فان} أي: هالك غلب فيه من يعقل على غيره ~~وجميعهم مراد؛ والضمير في عليها للأرض قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر كقوله ~~تعالى: {حتى توارت بالحجاب} (ص: 32) # ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله تعالى: {والأرض وضعها} (الرحمن: 10) # وقيل: الضمير عائد إلى الجواري. # قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلكت أهل الأرض فنزل: ~~{كل شيء هالك إلا وجهه} فأيقنت الملائكة بالهلاك. # فإن قيل: الكلام في تعدد النعم فأين النعمة في فناء الخلق؟ أجيب: بأنها ~~التسوية بينهم في الموت والموت سبب للنقل إلى دار الجزاء والثواب. # {ويبقى} أي: بعد فناء الكل بقاء مستمرا إلى ما لا نهاية له {وجه ربك} أي: ~~ذاته فالوجه عبارة عن وجود ذاته. قال ابن عباس: الوجه عبارة عنه. # فإن قيل كيف خاطب الاثنين بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وخاطب ههنا ~~الواحد فقال: {ويبقى وجه ربك} ولم يقل وجه ربكما؟ أجيب: بأن الإشارة ms3467 ههنا ~~وقعت إلى كل أحد فقال: ويبقى وجه ربك أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فان ~~فلو قال: ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه؛ المخاطب عن ~~الفناء، فإن قيل: فلو قال: ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء ~~الكل؛ أجيب: بأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى ~~القهر والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف ~~الخطاب # ولما ذكر تعالى مباينته للمخلوقات وصف نفسه بالإحاطة الكاملة فقال تعالى: ~~{ذو الجلال} أي: العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ~~ما لا يليق به {والإكرام} أي: الإحسان العام وهو صفة فعله مع جلاله وعظمته. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المربى لكما على هذا الوجه الذي مآله ~~إلى العدم إلى أجل مسمى {تكذبان} أبتلك النعم من بقاء الرب وفناء الكل ~~والحياة الدائمة والنعيم المقيم أم بغيرها؟. # الكتاب: السراج المنير للخطيب الشربينى # وقوله تعالى: {يسأله من في السموات} أي: كلها كلهم {والأرض} كذلك مستأنف ~~وقيل: حال من وجه والعامل فيه يبقى أي: يبقى مسؤولا من أهل السموات والأرض ~~بلسان الحال أو المقال أو بهما. قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات ~~يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعا. وقال ابن ~~جريج: يسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض فكانت المسألتان جميعا من أهل ~~السماء وأهل الأرض لأهل الأرض كما في الحديث، قال القرطبي: وفي الحديث: «إن ~~من الملائكة ملكا له أربعة أوجه وجه كوجه الإنسان يسأل الله تعالى الرزق ~~لبني آدم، ووجه كوجه الأسد وهو يسأل الله تعالى الرزق للسباع، ووجه كوجه ~~الثور وهو يسأل الله تعالى الرزق للبهائم، ووجه كوجه النسر وهو يسأل الله ~~تعالى الرزق للطير» . وقال ابن عطاء: إنهم يسألوه القوة على العبادة. وقوله ~~تعالى: {كل يوم} منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر وهو قوله تعالى: {هو في ~~شان} والشأن الأمر روى أبو الدرداء: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ms3468 ~~يوم هو في شان قال من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربة ويرفع أقواما ويضع ~~آخرين» . وعن ابن عمر: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يفغر ذنبا ويكشف ~~كربا ويجيب داعيا» . وقال أكثر المفسرين من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويعز ~~قوما ويذل قوما ويشفي قوما ويفرج مكروبا ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويغفر ~~ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء. وروى البغوي: عن ~~ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: «إن مما خلق الله عز وجل لوحا من درة ~~بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكلماته نور ينظر الله تعالى فيه كل ~~يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء» ~~، فذلك قوله تعالى: {كل يوم هو في شان} . # وقال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند الله تعالى يومان أحدهما: اليوم الذي ~~هو مدة عمر الدنيا فشأنه فيه أي: في كل يوم من أيامها الأمر والنهي ~~والإماتة والإحياء والاعطاء والمنع، والثاني: يوم القيامة وشأنه فيه الجزاء ~~والحساب والثواب والعقاب. وقال أبو سليمان الداراني: في هذه الآية له في كل ~~يوم إلى العبيد بر جديد. # وقال بعض المفسرين: شأنه تعالى أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر ~~عسكرا من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا، ~~وعسكرا # PageV04P165 # من الدنيا إلى القبور ثم يرتحلون جميعا إلى الله تعالى. وقيل: نزلت في ~~اليهود حين قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا. # وسأل بعض الملوك وزيره عن هذه الآية فاستمهله إلى الغد وذهب كئيبا يتفكر ~~فيها، فقال له غلام أسود: يا مولاي أخبرني ما أصابك لعل الله تعالى يسهل لك ~~على يدي؛ فأخبره فقال: أنا أفسرها للملك فأعلمه فقال أيها الملك شأن الله ~~تعالى أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من ~~الميت، ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما، ويسقم صحيحا، ويبتلي معافى، ~~ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا، فقال ms3469 ~~الأمير: أحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة، فقال: يا مولاي هذا ~~من شأن الله تعالى. # وعن عبد الله بن طاهر: أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له أشكلت علي ثلاث ~~آيات دعوتك لتكشف لي قوله تعالى: {فأصبح من النادمين} (المائدة: 31) # وقد صح أن الندم توبة. وقوله تعالى: {كل يوم هو في شان} وصح أن القلم جف ~~بما هو كائن إلى يوم القيامة وقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~(النجم: 39) # فمعناه ليس له إلا ما يسعى فما بال الأضعاف؟ قال الحسين: يجوز أن لا يكون ~~الندم توبة في تلك الأمة، ويكون في هذه الأمة لأن الله تعالى خص هذه الأمة ~~بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ~~ولكن على حمله، وأما قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فمعناه أنه ~~ليس له إلا ما يسعى عدلا ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا، وأما قوله تعالى: ~~{كل يوم هو شان} فإنها شؤون يبديها لاشؤون يبتديها؛ فقام عبد الله: فقبل ~~رأسه وسوغ خراجه. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} المدبر لكما هذا التدبر العظيم {تكذبان} أي: ~~أبتلك النعم أم بغيرها؟. # {سنفرغ لكم} أي سنقصد لحسابكم وجزائكم؛ وقرأ حمزة والكسائي: بعد السين ~~بالياء التحتية والباقون بالنون {أيه الثقلان} أي: الإنس والجن وذلك يوم ~~القيامة فإنه تعالى لا يفعل ذلك في غيره قال القرطبي: يقال فرغت من الشغل ~~أفرغ فراغا وفروغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلت وليس بالله ~~تعالى شغل يفرغ منه؛ وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم ومحاسبتكم فهو وعيد لهم ~~وتهديد قاله ابن عباس والضحاك؛ كقول القائل لمن يريد تهديده: إذا أتفرغ لك ~~أي أقصدك وأنشد ابن الأنباري لجرير: # *الآن وقد فرغت إلى نمير ... فهذا حين كنت لهم عذابا* # يريد: وقد قصدت، وأنشد الزجاج والنحاس: # *فرغت إلى العبد المقيد في الحجل* # وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم «أنه لما بايع الأنصار ليلة العقبة ~~صاح الشيطان: يا أهل الحباحب هذا مذمم ms3470 يبايع بني قيلة على حربكم، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة أما والله يا عدو الله لأتفرغن ~~لك» أي: أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا اختيار الكسائي وغيره. قال ابن الأثير ~~الأزب في اللغة الكثير الشعر؛ وهو ههنا شيطان اسمه أزب العقبة وهو الحية. ~~وقيل: إن الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور ثم قال تعالى: {سنفرغ ~~لكم أيها الثقلان} أي ما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه أقسم ذلك وأتفرغ ~~منه قاله الحسن ومقاتل وابن زيد. # تنبيه: رسم {أيه} بغير ألف فإذا وقف عليها وقف أبو عمرو والكسائي أيها ~~بالألف ووقف الباقون على الرسم أيه وفى # PageV04P166 # الوصل قرأ ابن عامر أيه برفع الهاء والباقون بنصبها. # فائدة: سمى الإنس والجن بالثقلين لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض ~~من غيرهما بسبب التكليف؛ وقيل: سموا بذلك لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتا. ~~قال الله تعالى: {وأخرجت الأرض أثقالها} (الزلزلة: 2) # ومنه قولهم: أعطه ثقله أي وزنه؛ وقال بعض أهل المعاني كل شيء له قدر ووزن ~~ينافس فيه فهو ثقل ومنه قيل لبيض النعام: ثقل؛ لأن واجده وصائده يفرح به ~~إذا ظفر به؛ وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب؛ وقيل: ~~الثقل الإنس لشرفهم وسمي الجن بذلك مجازا للمجاورة والتغلب كالقمرين ~~والعمرين والثقل العظيم الشريف. قال صلى الله عليه وسلم «إني تارك فيكم ~~ثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي» . # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المحسن إليكما بهذا الصنيع المحكم ~~{تكذبان} أي: أبتلك النعم من إثابة أهل طاعته وعقوبة أهل معصيته أم ~~بغيرها؟. # {يا معشر الجن} أي: يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة والتصادق {والإنس} أي: ~~الخواص والمستأنسين والمأنوسين المبني أمرهم على الإقامة والاجتماع {إن ~~استطعتم} أي: وجدت لكم إطاعة الكون في {أن تنفذوا} أي: تسلكوا بأجسامكم ~~وتمضوا من غير مانع يمنعكم {من أقطار} أي: نواحي {السموات والأرض} هاربين ~~من الله تعالى من أنواع الجزاء بينكم، أو عصيانا عليه في قبول أحكامه وجري ~~مراداته وأقضيته عليكم من الموت وغيره. وقوله تعالى: ms3471 {فانفذوا} أمر تعجيز ~~والمعنى: إن استطعتم أن تجوزوا نواحي السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا ~~يقدر عليكم فجوزوا، يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله تعالى أينما ~~تولوا فثم ملك الله عز وجل. # فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس ههنا، وتقديم الإنس على الجن ~~في قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} ~~(الإسراء: 88) # أجيب بأن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن والإتيان ~~بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن فقدم في كل موضع ما يليق به. # فإن قيل: لم جمع في قوله تعالى: {سنفرغ لكم} وفي قوله تعالى: {إن ~~استطعتم} وثنى في قوله {أيه الثقلان} أجيب: بأنهما فريقان في حال الجمع ~~كقوله تعالى: {فإذا هم فريقان يختصمون} (النمل: 45) # {وهذان خصمان اختصموا في ربهم} . # {لا تنفذون} أي: لا تقدرون على النفوذ {إلا بسلطان} أي: إلا بقوة وقهر ~~وأنى لكم ذلك؟ وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال معناه إن استطعتم ~~أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا ولن تعلموا إلا بسلطان أي بينة من ~~الله تعالى. # تنبيه: في هذه الآيات والتي في الأحقاف وفي قل أوحى دليل على أن الجن ~~مكلفون مخاطبون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء مؤمنهم كمؤمنهم ~~وكافرهم ككافرهم. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} المحسن إليكما المربي لكما بما تعرفون به ~~قدرته على ما يريد {تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرهما؟. # وقال البغوى: وفي الخبر يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ~~ينادون {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم} الآية، فذلك قوله تعالى: {يرسل ~~عليكما} أي: أيها المعاندون؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: حين يخرجون من ~~القبور لسوقهم إلى المحشر {شواظ من نار} قال مجاهد: هو اللهب الأخضر ~~المنقطع من النار. وقال ابن عباس # PageV04P167 # رضي الله تعالى عنهما: هو اللهب الخالص الذي لا دخان له. وقال الضحاك هو ~~الدخان الذي يخرج من اللهب ليس كدخان الحطب وقال سعيد بن جبير: عن ms3472 ابن عباس ~~رضي الله عنهما: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر وقيل: هو اللهب ~~الأحمر. وقال عمرو: هو النار والدخان جميعا وحكاه الأخفش عن بعض العرب قال ~~حسان: # *هجوتك فاختضعت لها بذل ... بقافية تأجج كالشواظ* # وقرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل ~~صوار من البقر وصوار وهو القطيع من البقر. # واختلف في قوله سبحانه وتعالى: {ونحاس} فقيل: هو الصفر المعروف يذيبه ~~الله تعالى ويعذبهم به. وقيل: هو الدخان الذي لا لهب معه قاله الخليل، وهو ~~معروف في كلام العرب؛ وأنشد الأعشى: # *تضيء كضوء سراج السلي # ... ط لم يجعل الله فيه نحاسا* # وقال ابن برحان والعرب تسمى الدخان نحاسا بضم النون وكسرها، وأجمع القراء ~~على ضمها ا. ه وقال الضحاك: هو دردري الزيت المغلي. وقال الكسائي: التي لها ~~ريح شديد. {فلا تنتصران} أي فلا تمتنعان ولا ينصر بعضكم بعضا من ذلك بل ~~يسوقكم إلى المحشر. # {فبأي آلاء} أي نعم {ربكما} أي: المدبر لكما هذا التدبير المتقن {تكذبان} ~~أبتلك النعم فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء ~~والانتقام من الكفار في عداد الآلاء أم بغيرها؟. # {فإذا انشقت السماء} أي: انفرجت، فكانت أبوابا لنزول الملائكة {فكانت ~~وردة} أي: محمرة مثل الوردة {كالدهان} أي: كالأديم الأحمر على خلاف العهد ~~بها لشدة حر نار جهنم. وقال مجاهد والضحاك وغيرهما: الدهان الدهن والمعنى ~~صارت في صفاء الدهن؛ والدهان على هذا جمع دهن. وقال سعيد بن جبير وقتادة: ~~المعنى تصير في حمرة الورد وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير ~~حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقتها وذوبانها؛ وقال الحسن: ~~كصب الدهن فإنك إذا صببته ترى فيه ألوانا؛ وجواب إذا فما أعظم الهول. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: الخالق والرازق لكما {تكذبان} أبتلك ~~النعم أم بغيرها مما يكون بعد ذلك؟. # {فيومئذ} أي: فتسبب عن يوم إذ انشقت السماء أنه {لا يسأل عن ذنبه إنس ولا ~~جان} أي: سؤال تعرف واستعلام، بل سؤال تقريع وتوبيخ ms3473 وملام، وذلك أنه لا ~~يقال له هل فعلت كذا؟ بل يقال له لم فعلت كذا؟ على أن ذلك اليوم طويل وهو ~~ذو ألوان تارة يسأل فيه، وتارة لا يسأل والأمر في غاية الشدة وكل لون من ~~تلك الألوان يسمى يوما فيسأل في بعض ولا يسأل في بعض وقيل: المعنى ألا ~~يسألون إذا استقروا في النار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم لأن ~~الله تعالى حفظها عليهم وكتبتها الملائكة؛ رواه العوفي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما. وعن الحسن ومجاهد: لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم ~~بسيماهم؛ دليله قوله تعالى: {يعرف المجرمون بسيماهم} (الرحمن: 41) . # ورواه مجاهد عنه أيضا: في قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين} (الحجر: ~~92) # وقوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} (الرحمن: 39) # قال لا يسألهم ليعرف ذلك منهم ولكنه يسألهم لم عملتموها سؤال توبيخ؛ وقال ~~أبو العالية: لا يسأل # PageV04P168 # غير المجرم عن ذنب المجرم؛ وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم ثم ~~يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم. # تنبيه: الجان هنا وفيما يأتي بمعنى الجني والإنس بمعنى الإنسي. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: الذي ربى كلا منكم بما لا مطمع في ~~إنكاره ولا خفاء فيه {تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرها مما أنعم الله تعالى ~~على عبادة المؤمنين في هذا اليوم؟. # {يعرف} أي: لكل أحد {المجرمون} أي: العريقون في هذا الوصف {بسيماهم} أي ~~العلامات التي صور الله تعالى ذنوبهم فيها، فجعلها ظاهرة بعد أن كانت باطنة ~~وظاهرة الدلالة عليهم، كما يعرف الآن الليل إذا جاء لا يخفى على أحد أصلا ~~وكذا النهار ونحوهما لغير الأعمى؛ قال البقاعي: وتلك السيمى والله أعلم ~~زرقه العيون، وسواد الوجوه، والعمى والصمم والمشي على الوجوه، ونحو ذلك، ~~وكما يعرف المحسنون بسيماهم: من بياض الوجوه، وإشراقها، وتبسمها، والغرة ~~والتحجيل، ونحو ذلك. # وسبب عن هذه المعرفة قوله تعالى: مشيرا بالبناء للمفعول إلى سهولة الأخذ ~~من أي آخذ كان {فيؤخذ بالنواصي} أي: منهم وهي مقدمات الرؤوس {والأقدام} بعد ~~أن يجمع بينها فيسحبون بها ms3474 سحبا من كل ساحب أقامه الله تعالى لذلك لا ~~يقدرون على الامتناع بوجه فيلقون في النار؛ وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته ~~وقدميه في سلسلة من وراء ظهره وعنه يؤخذ برجلي الرجل فيجمع بينهما وبين ~~ناصيته حتى يندق ظهره، ثم يلقى في النار؛ وفعل بالكافر ذلك ليكون أشد ~~لعذابه؛ وقيل: تسحبه الملائكة إلى النار تارة تأخذ بناصيته وتجره على وجهه ~~وتارة تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المنعم عليكما الذي دبر مصالحكم بعد أن ~~أوجدكم {تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرها مما وعد أن يفعل من الجزاء في ~~الآخرة لكل شخص بما كان يعمل في الدنيا أو غير ذلك من الفضل؟. # {هذه جهنم} أي: يقال لهم إذا ألقوا فيها هذه جهنم {التي يكذب} أي: ماضيا ~~وحالا ومآلا استهانة؛ ولو ردوا إلى الدنيا بعد إدخالهم إياها لعادوا لما ~~انهوا عنه. # {بها المجرمون} أي: المشركون الحقيقون بالإجرام، وهو قطع ما من حقه أن ~~يوصل وهو ما أمر الله تعالى به وخص هذا الاسم إشارة إلى أنها تلقاهم ~~بالتجهم والعبوسة والكلاحة والفظاعة كما كانوا يفعلون مع الصالحين عند ~~الإجرام المذكور. # {يطوفون بينها} أي بين درك النار {وبين حميم آن} أي: حارمتناه في الحرارة ~~وهو منقوص كقاض؛ يقال: أنى يأني فهو آن؛ كقضى يقضي فهو قاض؛ والمعنى أنهم ~~يسعون بين الحميم والجحيم، فإذا استغاثوا من النار جعل عذابهم الحميم الآن ~~الذي صار كالمهل؛ وهو قوله تعالى: {وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل} ~~(الكهف: 29) # وقال كعب الأحبار: واد من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم ~~في الأغلال فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منه وقد أحدث الله ~~تعالى لهم خلقا جديدا، فيلقون في النار، فذلك قوله تعالى: {يطوفون بينها ~~وبين حميم آن} . # فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة؟ فكيف قال عز وجل: {فبأي آلاء} أي: نعم ~~{ربكما} أي: المحسن أيها الثقلان إليكما {تكذبان} أجيب: من وجهين: # أحدهما: أن ما وصف من هول يوم القيامة وعقاب المجرمين فيه زجر عن ms3475 المعاصي ~~وترغيب في الطاعات، وهذا من أعظم النعم؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتى على شاب يقرأ في # PageV04P169 # الليل {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان} (الرحمن: 37) # فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل يقول ويحي من يوم تنشق فيه السماء ويحي ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ويحك يا فتى منها فو الذي نفسي بيده لقد ~~بكت ملائكة السماء من بكائك» . # الثاني: أن المعنى إن كذبتم بالنعمة المتقدمة استحقيتم هذه العقوبات وهي ~~دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم. # ولما عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم وقدمه لما اقتضاه مقام التكذيب ~~من الترهيب، وجعله سابعا إشارة إلى أبواب النار السبع، عطف عليه ما للخائف ~~الذي أداه خوفه إلى الطاعة، وجعله ثامنا على عدد أبواب الجنة الثمانية فقال ~~تعالى: # {ولمن خاف} أي: من الثقلين ووحد الضمير مراعاة للفظ من إشارة إلى قلة ~~الخائفين {مقام ربه} أي: قيامه بين يدي ربه للحساب بترك المعصية والشهوة؛ ~~قال القرطبي: ويجوز أن يكون المقام للعبد ثم يضاف إلى الله تعالى وهو ~~كالأجل في قوله تعالى: {فإذا جاء أجلهم} (الأعراف: 34) # وقوله تعالى في موضع آخر: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} (نزح: 4) # . وقال مجاهد: هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله تعالى فيدعها من مخافته ~~عز وجل. {جنتان} أي: لكل خائف جنتان على حدة. قال مقاتل: جنة عدن وجنة ~~النعيم وقال محمد بن علي الترمذي: جنة بخوف ربه وجنة بترك شهوته؛ وقال ابن ~~عباس: من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض؛ وقيل: جنتان لجميع الخائفين؛ ~~وقيل: جنة لخائف الإنس وأخرى لخائف الجن فيكون من باب التوزيع؛ وقيل: مقام ~~هنا مقحم كما تقول أخاف جانب فلان، وفعلت هذا لمكانك، وأنشد: ### | ................ # ونفيت عنه ... مقام الذئب؛ كالرجل اللعين* # يريد ونفيت عنه الذئب؛ قال ابن عادل: وليس بجيد لأن زيادة الاسم ليست ~~بالسهلة؛ وقيل: إن الجنتين جنته التي خلقت له وجنة، ورثها؛ وقيل: إحدى ~~الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعل رؤساء الدنيا؛ وقيل: إحدى ~~الجنتين مسكنه والأخرى بستانه؛ ms3476 وقيل: إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى ~~أعاليها؛ وقال الفراء: إنها جنة واحدة وإنما ثنى مراعاة لرؤوس الآي؛ وأنكر ~~القتيبي هذا وقال: لا يجوز أن يقال خزنة النار عشرون وإنما قال: تسعة عشر ~~مراعاة لرؤوس الآي؛ وقيل: جنة واحدة وإنما ثنى تأكيدا كقوله تعالى: {ألقيا ~~في جهنم} (ق: 24) # وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خاف أدلج ~~ومن أدلج بلغ المنزل إلا أن يبلغه الله تعالى إليه إلا أن يبلغه الله تعالى ~~الجنة» أخرجه الترمذي. قوله أدلج الإدلاج مخففا سير أول الليل، ومثقلا سير ~~آخر الليل؛ والمراد من الإدلاج التشمير والجد والاجتهاد في أول الأمر فإن ~~من سار في أول الليل كان جديرا ببلوغ المنزل. # روى البغوي بسنده عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقص على المنبر وهو يقول: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} قلت: وإن زنى وإن سرق ~~يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ~~فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الثالثة: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} قلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا ~~رسول الله قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء» . # فائدة: قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن من قال لزوجته إن لم أكن ~~من أهل الجنة فأنت طالق إنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها خوفا من ~~الله تعالى وحياء منه؛ وقاله سفيان الثوري وأفتى به. هذا ومذهب # PageV04P170 # الشافعي أنه لا يحنث إذا كان مسلما ومات على الإسلام. # وقال عطاء: نزلت هذه الآية في أبي بكر حين ذكر ذات يوم الجنة حين أزلفت ~~والنار حين أبرزت؛ وقال الضحاك: بل شرب ذات يوم لبنا على ظمأ فأعجبه فسأل ~~عنه، فأخبر عنه أنه من غير حل فاستقاءه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ~~إليه فقال: رحمك الله لقد أنزلت فيك آية وتلا عليه ms3477 الآية. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} المربي لكما بإحسانه الكبار التي لا يقدر ~~أحد على شيء منها {تكذبان} أبتلك النعمة أم بغيرها من نعمة التي لا تحصى؟. # ثم وصف الجنتين بقوله تعالى: {ذواتا} أي: صاحبتا أو خبر لمبتدأ محذوف أي: ~~هما ذواتا، وفي تثنية ذات لغتان الرد إلى الأصل، فإن أصلها ذوية فالعين واو ~~واللام ياء لأنها مؤنثة ذوو الثانية التثنية على اللفظ فيقال ذاتا. وقوله ~~تعالى {أفنان} فيه وجهان: # أحدهما: أنه جمع فنن كطلل وهو الغصن المستقيم طولا تكون به الزينة بالورق ~~والثمر وكمال الانتفاع، قال النابغة الذبياني: # *بكاء حمامة تدعو هديلا # ... مفجعة على فنن تغني # وفي الحديث: «أهل الجنة مرد مكحولون الوفانين» يريد الأفانين وهو جمع ~~أفنان وأفنان جمع فنن من الشعر شبه بالغصن ذكره الهروي. وقال قتادة: ذواتا ~~أفنان أي: ذواتا سعة وفضل على سواهما. # والوجه الثاني: أنه جمع فن وإليه أشار ابن عباس. والمعنى ذواتا أنواع ~~وأشكال وقال الضحاك: ألوان من الفاكهة واحدها فن إلا أن الكثير في فن أن ~~يجمع على فنون: وقال عطاء كل غصن فنون من الفاكهة، ولذا سبب عنه قوله ~~تعالى: {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المحسن إليكما والمدبر لكما ~~{تكذبان} أبتلك النعم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما تعتبرون به، ~~أم بغيرها؟. # ولما كانت الجنان لا تقوم إلا بأنهار قال تعالى: {فيهما عينان تجريان} ~~أي: في كل واحدة منهما عين جارية قال ابن عباس تجريان: ماء بالزيادة ~~والكرامة من الله تعالى على أهل الجنة؛ وعن ابن عباس أيضا والحسن: تجريان ~~بالماء الزلال إحدى العينين التسنيم والأخرى السلسبيل؛ وقال عطية: أحدهما ~~من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين؛ وقيل: تجريان من جبل من مسك ~~قال أبو بكر الوراق: فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان ~~من مخالفة الله عز وجل فتجريان في أي مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما ~~تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها وإن زاد علوها. # {فبأي آلاء} أي: ms3478 نعم {ربكما} أي: المالك لكما والمحسن إليكما {تكذبان} ~~أبتلك النعم التي ذكرها وجعل لها في الدنيا أمثالا كثيرة أم بغيرها؟. # {فيهما} أي: الجنتين {من كل فاكهة} أي: تعلمونها أو لا تعلمونها {زوجان} ~~أي: صنفان ونوعان قيل: معناه أن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطبا ~~ويابسا؛ وقال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة ~~حتى الحنظل إلا أنه حلو. # فإن قيل: قوله تعالى: {ذواتا أفنان} و {فيهما عينان تجريان} و {فيهما من ~~كل فاكهة زوجان} كلها أوصاف للجنتين فما الحكمة في فصل بعضها عن بعض بقوله ~~تعالى {فبأي آلاء ربكما تكذبان} مع أنه تعالى لم يفصل حين ذكر العذاب بين ~~الصفات؛ بل قال تعالى: {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران} مع أن ~~إرسال الشواظ غير إرسال النحاس؟ أجيب: بأنه تعالى جمع # PageV04P171 # العذاب جملة، وفصل آيات الثواب ترجيحا لجانب الرحمة على جانب العذاب، ~~وتطييبا للقلب وتهييجا للسامع فإن إعادة ذكر المحبوب وتطويل الكلام في ~~اللذات مستحسن. # فإن قيل: فما وجه توسط آية العينين بين ذكر الأفنان وآية الفاكهة ~~والفاكهة إنما تكون على الأعصان، والمناسبة ألا يفصل بين آية الأغصان ~~والفاكهة؟ أجيب: بأن ذلك على عادة المتنعمين إذا خرجوا متفرجين في البستان؛ ~~فأول قصدهم الفرجة بالخضرة والماء ثم يكون الأكل تبعا. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} التي ادخرها الموجد لكما المحسن إليكما ~~{تكذبان} أبتلك النعم أم بغيرها مما فوضه إليكم من سائر النعم التي لا ~~تحصى. # ولما كان التفكه لا يكمل حسنه إلا مع التنعم من طيب الفرش وغيره؛ قال ~~تعالى مخبرا عن هؤلاء الذين يخافون مقام ربهم {متكئين} أي: لهم ما ذكر حال ~~الاتكاء، والعامل في الحال محذوف أي يتنعمون متكئين {على فرش} وعظمها بقول ~~تعالى مخاطبا للمكلفين بما يحتمل عقولهم وإلا فليس في الجنة ما يشبهه على ~~الحقيقة شيء من الدنيا {بطائنها من استبرق} وهو ما غلظ من الديباج؛ قال ابن ~~مسعود: وأبو هريرة: إذا كانت البطائن التي تلي الأرض هكذا، ms3479 فما ظنك ~~بالظهارة؟. # وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من استبرق فما الظاهر؟ قال: هذا مما قال ~~الله تعالى {فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين} (السجدة: 17) # وقال ابن عباس: إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم فأما الظواهر ~~فلا يعلمها إلا الله تعالى؛ ونظير ذلك في الجنة قوله تعالى: {عرضها السموات ~~والأرض} (آل عمران: 133) # وأما الطول فلا يعلمه إلا الله عز وجل، لكن قال القرطبي: وفي الخبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ظواهرها نور يتلألأ» . وقيل: الظهائر ~~من السندس. وعن الحس البطائن: هي الظواهر وهو قول الفراء. وروي عن قتادة: ~~والعرب تقول للبطن ظهر فيقولون: هذا بطن السماء وظهر الأرض. وقال الفراء: ~~قد تكون البطانة الظهارة والظهارة البطانة لأن كل واحد منهما يكون وجها، ~~والعرب تقول هذا ظهر السماء وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه وأنكر ابن ~~قتيبة وغيره هذا، وقالوا: لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين إذا ولي ~~كل واحد منهما قوم كالحائط بينك وبين قوم وعلى أديم السماء؛ وقال ابن عباس: ~~وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ماء الظواهر. # تنبيه: قال الرازي: الاستبرق معرب وهو الديباج الثخين؛ أي: وهذا ومثله لا ~~يخرج القرآن عن كونه عربيا لأن العربي ما نطقت به العرب وضعا واستعمالا من ~~لغة غيرها، وذلك كله سهل عليهم وبه يحصل الإعجاز بخلاف ما لم يستعملوه من ~~كلام العجم لصعوبته عليهم، وذكر الاتكاء لأنه حال الصحيح الفارغ القلب ~~المتنعم البدن بخلاف المريض والمهموم. # {وجنى الجنتين} أي: ثمرها {دان} أي: قريب؛ قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى ~~يجنيها ولي الله تعالى إن شاء قائما، وإن شاء قاعدا وإن شاء مضطجعا، وقال ~~قتادة: لا يرد يده بعد ولا شوك. # قال الرازي: جنة الآخرة مخالفة لجنة الدنيا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن ~~الثمرة على رؤوس الشجر في الدنيا بعيدة على الإنسان المتكىء وفي الجنة هو ~~متكىء والثمرة تتدلى إليه؛ وثانيها: أن الإنسان في الدنيا يسعى إلى الثمرة ~~ويتحرك إليها ms3480 وفي الآخرة هي تدنو إليهم وتدور عليهم؛ وثالثها أن الإنسان في ~~الدنيا إذا قرب من ثمرة شجرة بعد عن غيرها وثمار # PageV04P172 # الجنة كلها تدنوا إليهم في وقت واحد ومكان واحد. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المربي لكما الذي يقدر على كل ما يريده ~~{تكذبان} أمن قدرته على عطف الأغصان وتقريب الثمار أم من غيرها؟. # ولما كان ما ذكر لا تتم نعمته إلا بالنسوان الحسان قال تعالى: {فيهن} أي ~~الجنان التي علم مما مضى أن لكل فرد من الخائفين منها جنتين، فصح الجمع؛ ~~وقال الزمخشري فيهن في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة ~~والفرش والجنى، أو في الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس ا. ه. قال ~~أبو حيان: وفيه أي: الأول بعد لأن الاستعمال أن يقال على الفراش كذا، ولا ~~يقال في الفراش كذا إلا بتكلف ولذلك جمع الزمخشري مع الفرش غيرها حتى صح له ~~أن يقول ذلك؛ وقيل يعود على الجنتين لأن أقل الجمع اثنان وقال الفراء كل ~~موضع في الجنة جنة فلذلك صح أن يقال فيهن {قاصرات الطرف} أي: الأعين على ~~أزواجهن المتكئين من الأنس والجن. # قال الرازي وقوله قاصرات الطرف أي نساء وأزواج فحذف الموصوف لنكتة وهي ~~أنه تعالى لم يذكرهن باسم الجنس وهو النساء بل بالصفات، فقال تعالى: {حور ~~عين} (الواقعة: 22) # {كواعب أترابا} (النبأ: 33) # {قاصرات الطرف} {حور مقصورات} (الرحمن: 72) # ولم يقل: نساء عربا ولا نساء قاصرات لوجهين: أما على عادة العظماء كبنات ~~الملوك إنما يذكرن بأوصافهن؛ وإما لأنهن لما كملن كأنهن خرجن عن جنسهن. # وقوله تعالى: {قاصرات الطرف} يدل على عفتهن وعلى حسن المؤمنين في أعينهن ~~فيحببن أزواجهن حبا شديد يشغلهن عن النظر إلى غيرهم. قال ابن زيد: تقول ~~لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك فالحمد الله الذي جعلك زوجي ~~وجعلني زوجك، ويدل أيضا على الحياء لأن الطرف حركة الجفن والحيية لا تحرك ~~جفنها ولا ترفع رأسها. # تنبيه: انظر إلى حسن هذا الترتيب فإنه تعالى بين أولا: المسكن وهو الجنة، ~~ثم بين ms3481 ما يتنزه به وهو البستان والأعين الجارية، ثم ذكر المأكول فقال ~~تعالى: {فيهما من كل فاكهة} ثم ذكر موضع الراحة بعد الأكل وهو الفراش، ثم ~~ذكر ما يكون في الفراش معه. # ولما كان الاختصاص بالشيء من أعظم الملذذات لا سيما المرأة قال تعالى {لم ~~يطمثهن} أي: لم يجامعهن ويتسلط عليهن؛ يقال طمثت المرأة كضرب وفرح حاضت، ~~وطمثها الرجل افتضها، وأيضا جامعها {إنس قبلهم} أي: المتكئين {ولا جان} ~~فكأنه قال: هن أبكار لم يخالطهن أحد فإن هذا جمع كل من يمكن منه جماع، وفي ~~ذلك دليل على أن الجني يغشى كما يغشى الإنسي ويدخل الجنة ويكون لهم فيها ~~جنتان، قال ضمرة: للمؤمنين منهم أزواج من الحور فالإنسيات للإنس والجنيات ~~للجن، وقال مقاتل لأنهن خلقن في الجنة فعلى قوله يكونون من حور الجنة؛ وقال ~~الشعبي: من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشئن خلق وهو قول الكلبي. أي: لم ~~يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان؛ وأما في الدنيا فقال ~~مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يسم ينطوي الجني على إحليله فيجامع معه. وقال ~~القرطبي: لم يطمثهن لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد، وهذا شامل لنساء ~~الجنة ولنساء الدنيا بعد إنشائهن خلقا جديدا، وقرأ الكسائي: يطمثهن بضم ~~الميم في الموضعين بخلاف عنه وتخييرا في أحدهما، وهما لغتان: يقال طمثها ~~يطمثها ويطمثها إذا جامعها. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} المدبر مصالحكما {تكذبان} # PageV04P173 # أي: بأي نوع من أنواع هذا الإحسان أم غيره. # {كأنهن الياقوت} أي: صفاء {والمرجان} أي: اللؤلؤ بياضا، والياقوت جوهر ~~نفيس يقال إن النار لا تؤثر فيه، والمرجان صغار اللؤلؤ وأشده بياضا؛ وقيل: ~~شبه لونهن ببياض اللؤلؤ مع حمرة الياقوت لأن أحسن الألوان البياض المشرب ~~بحمرة. قال ابن الخازن: والأصح أنه شبههن بالياقوت لصفائه فإنه حجر لو ~~أدخلت فيه سلكا ثم استضأته لرأيت السلك من ظاهره لصفائه. قال عمرو بن ~~ميمون: إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من وراء ~~الحلل كما يرى الشراب الأحمر من الزجاجة ms3482 البيضاء: يدل على صحة ذلك ما روي ~~عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن المرأة من نساء أهل ~~الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها» ، وذلك لأن الله ~~تعالى يقول: {كأنهن الياقوت والمرجان} ، فأما الياقوت: فإنه حجر لو أدخلت ~~فيها سلكا ثم استضأته لرأيته من ورائه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر» ~~؛ زاد في رواية «ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا ~~يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون؛ آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم ~~الذهب، ومجامرهم الألوة» أي: بخورهم العود ورشحهم المسك ولكل واحد منهم ~~زوجتان يرى مخ ساقها من وراء لحمها من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض ~~قلوبهم على قلب رجل واحد» . # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المالك الملك المربي ببدائع التربية ~~{تكذبان} أبما جعله مثالا لما ذكر من وصفهن أم بغيره؟. # {هل جزاء الإحسان} أي: بالطاعة من الإنس والجن وغيرهما {إلا الإحسان} أي: ~~بالثواب؛ وقال ابن عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة؛ وعن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ثم قال: «أتدرون ما قال ~~ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد ~~إلا الجنة» . # ورى الواحدي بغير سند عن ابن عمر وابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: في هذه الآية يقول الله عز وجل هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي ~~وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} الكريم الرحيم الجامع لأوصاف الكمال ~~{تكذبان} أبشيء من هذه النعم الجزيلة أم بغيرها؟. # {ومن دونهما} أي: من أدنى مكان ورتبة تحت جنتي هؤلاء المحسنين المقربين ~~{جنتان} أي: لكل واحد ممن دون هؤلاء المحسنين من ms3483 الخائفين، وهم أصحاب ~~اليمين؛ وقال أبو موسى الأشعري: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة ~~للتابعين؛ وقال ابن جريج هي أربع جنان جنتان للمقربين السابقين فيهما من كل ~~فاكهة زوجان؛ وجنتان: لأصحاب اليمين والتابعين فيهما فاكهة ونخل ورمان. ~~وقال الكسائي ومن دونهما أي أمامهما وقبلهما يدل عليه قول الضحاك: الجنتان ~~الأوليان من ذهب وفضة والأخريان من ياقوت؛ وعلى هذا فهما أفضل من الأوليين؛ ~~وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقال: ~~ومعنى {ومن دونهما جنتان} أي: دون هذا إلى العرش أي: أقرب وأدنى إلى العرش. ~~وقال مقاتل: الجنتان الأوليان جنة عدن، وجنة النعيم، والأخريان الفردوس، ~~وجنة المأوى. # PageV04P174 # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المحسن بنعمه لجميع خلقه {تكذبان} أبشيء ~~مما تفضل به عليكم أم بغيره؟. # ثم وصف تلك الجنتين بقوله تعالى: {مدهامتان} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: خضراوان. وقال مجاهد: سوداوان لأن الخضرة إذا اشتدت تضرب إلى ~~السواد، وهذا مشاهد بالنظر ولذلك قالوا: سواد العراق لكثرة شجره وزرعه، ~~والأرض إذا اخضرت غاية الخضرة تضرب إلى سواد؛ قال الرازي: والتحقيق فيه أن ~~ابتداء الألوان هو البياض وانتهاءها هو السواد فإن الأبيض يقبل كل لون ~~والأسود لا يقبل شيئا من الألوان. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المحسن إليكما بالرزق وغيره {تكذبان} ~~أبشيء من تلك النعم أم بغيرها. # ثم وصف تلك الجنتين أيضا بقوله تعالى: {فيهما} أي: في جنتي كل شخص منهم ~~{عينان نضاختان} قال ابن عباس: أي: فوارتان بالماء، والنضخ بالخاء المعجمة ~~أكثر من النضح بالحاء المهملة لأن النضح بالمهملة الرشح والرش، وبالمعجمة ~~فوران الماء وقال مجاهد: المعنى نضاختان بالخير والبركة، وعن ابن مسعود: ~~تنضخ على أولياء الله تعالى بالمسك والكافور والعنبر في دور أهل الجنة كما ~~ينضخ رش المطر، وقال سعيد بن جبير بأنواع الفواكه والماء. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} المربي البليغ الحكمة في التربية {تكذبان} ~~أبتلك النعمة أم بغيرها؟. # ثم وصف الجنتين أيضا بقوله تعالى: {فيهما فاكهة} وخص أشرفها وأكثرها ~~وجدانا في ms3484 الخريف والشتاء، كما في جنان الدنيا التي جعلت مثالا لهاتين ~~بقوله تعالى: {ونخل ورمان} فإن كلا منهما فاكهة وأدام، فلهذا خصا تشريفا ~~وتنبيها على ما فيهما من التفكه، وأولهما أعم نفعا، وأعجب خلقا، ولذا قدمه ~~فعطفهما على الفاكهة من باب ذكر الخاص بعد العام تفضيلا له؛ كقوله تعالى: ~~{وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة: 98) # وقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} (البقرة: 238) # وقال بعض العلماء: ليس ذلك من الفاكهة. ولهذا قال أبو حنيفة: إذا حلف لا ~~يأكل الفاكهة فأكل رطبا أو رمانا لم يحنث، وخالفه صاحباه. وقال القرطبي: ~~وقيل: إنما كررها لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر ~~عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات فكان يكثر غرسها عندهم ~~لحاجتهم إليه، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها فإنما ~~ذكر الفاكهة ثم ذكر النخل والرمان لعمومها وكثرتها عندهم من المدينة إلى ~~مكة إلى ما والاها من أرض اليمن فأخرجهما من الذكر من الفواكه وأفرد ~~الفواكه على حدتها. # وقيل: أفردا بالذكر لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء فلم ~~يخلصا للتفكه قال البغوي: وعن ابن عباس قال: نخل الجنة جذوعهما زمرد أخضر ~~وورقها ذهب أحمر، وسعفها كسوة أهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال ~~القلال، والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، وألين من الزبد ليس له ~~عجم. # وروي أن الرمانة من رمان الجنة ملء جلد البعير المقتب؛ وقيل: إن نخل ~~الجنة نضيد، وثمرها كالقلال كلما نزعت عادت مكانها أخرى؛ العنقود منها اثنا ~~عشر ذراعا. # {فبأي آلاء} أي نعم {ربكما} المحسن إلى الثقلين بجليل التربية {تكذبان} ~~أبتلك النعم أم بغيرها مما أحسن به إليكم؟. # {فيهن} أي: الجنان الأربع، أو الجنتين وقصورهما {خيرات حسان} أي: نساء ~~الواحدة خيرة على معنى ذوات خير، وقيل: خيرات بمعنى خيرات فخفف كهين ولين. # روى الحسن عن أمه عن # PageV04P175 # أم سلمة: قالت: «قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أخبرني ~~عن قوله تعالى: {خيرات حسان} ؛ قال: خيرات الأخلاق ms3485 حسان الوجوه» . وقال أبو ~~صالح: لأنهن عذارى أبكار؛ قال الحكيم الترمذي: فالخيرة ما اختارهن الله ~~تعالى فأبدع خلقهن باختياره، فاختيار الله تعالى لا يشبهه اختيار الآدميين، ~~فوصفهن بالحسن فإذا وصف الله تبارك وتعالى خالق الحسن شيئا بالحسن فانظر ما ~~هناك وقال الرازي: في باطنهن الخير وفي ظاهرهن الحسن. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: الكامل الإحسان إليكما {تكذبان} أبنعمة ~~ما جعل لكم من الفواكه أم غيرها؟. # ثم زاد في وصفهن بقوله تعالى: {حور} جمع حوراء وهي الشديدة سواد العين ~~الشديدة بياضها {مقصورات} والمقصورات المحبوسات المستورات {في الخيام} وهي ~~الحجال، فلسن بالطوافات في الطرق؛ قاله ابن عباس، والنساء تمدح بملازمتهن ~~البيوت كما قال قيس بن الأسلت: # *وتكسل عن جيرانها فيزرنها ... وتعتل من إتيانهن فتعذر* # ويقال امرأة مقصورة وقصيرة وقصورة بمعنى واحد، قال كثير عزة: # *وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي ولم يعلم بذاك القصائر* # *عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا شر النساء البحاتر* # والخيام: جمع خيمة، وهي: أربعة أعواد تنصب وتسقف بشيء من نبات الأرض، ~~وجمعها خيم، كتمرة وتمر، وتجمع الخيم على خيام فهو جمع الجمع؛ وأما ما يتخذ ~~من شعر أو وبر أو نحوه فيقال له: خباء، وقد يطلق عليه خيمة تجوزا. وقال ~~عمر: الخيمة درة مجوفة. وقاله ابن عباس قال: وهي فرسخ في فرسخ لها أربعة ~~آلاف مصراع من ذهب. وفي الحديث: «أن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها: ~~ستون ميلا؛ في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون» . ~~وقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي: قال: بلغنا أن سحابة أمطرت من العرش ~~فخلقن أي: الحور العين من قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة خيمة على ~~شاطىء الأنهار سعتها أربعون ميلا وليس لها باب، حتى إذا دخل ولي الله تعالى ~~بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من ~~الملائكة والخدم لم تأخذها، فهي مقصورة قد قصرها الله عن أبصار المخلوقين. ~~وقال مجاهد: معناه قصرن أطرافهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يبغين ms3486 بدلا. وقال ~~صلى الله عليه وسلم «لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض ~~لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من ~~الدنيا وما فيها» . # فائدة: اختلفوا أيما أكثر حسنا وأتم جمالا، الحور أم الآدميات؛ فقيل: ~~الحور لما ذكر في وصفهن في القرآن والسنة، ولقوله صلى الله عليه وسلم في ~~دعائه في صلاة الجنازة: «وأبدله زوجا خيرا من زوجه» . وقيل: الآدميات أفضل ~~من الحور العين بسبعين ألف ضعف روي ذلك مرفوعا. وقيل: إن الحور العين ~~المذكورات في القرآن هن المؤمنات من أزواج النبيين والمؤمنين، يخلقن في ~~الآخرة على أحسن صورة، قاله الحسن البصري، قال ابن عادل: والمشهور أن الحور ~~العين لسن من نساء أهل الدنيا، إنما هن مخلوقات في الجنة لأن الله تعالى ~~قال: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات ا. ه. ~~لكن مر أنه # PageV04P176 # لم يطمثهن بعد إنشائهن خلقا آخر وعلى هذا لا دليل في ذلك. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} الذي صوركم فأحسن صوركم {تكذبان} أبهذه ~~النعم أم بغيرها؟. # {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} كحور الجنتين الأوليين وضميرهم في قبلهم ~~لأصحاب الجنتين. # {فبأي آلاء} أي نعم {ربكما} الذي جعل لكم في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر {تكذبان} أبهذه النعم أم بغيرها. # {متكئين} أي لهم ما ذكر حالة الاتكاء والعامل في الحال محذوف، أي: ينعمون ~~متكئين {على رفرف} أي: ثياب ناعمة وفرش رقيقة النسج من الديباج لينة ووسائد ~~عظيمة، ورياض باهرة، وبسط لها أطراف فاضلة، وهو جمع رفرفة، لأن الله تعالى ~~وصفه بالجمع بقوله: {خضر} ووصفه بذلك لأن الخضرة أحسن الألوان وأبهجها، ~~وقال الجوهري: هو ثياب خضر تتخذ منها المحابس الواحدة رفرفة واشتقاقه من رف ~~الطائر أي: ارتفع في الهواء ورفرف بجناحيه إذا نشرهما للطيران؛ وقيل: ~~الرفرف طرف الفسطاط والخباء الواقع على الأرض دون الأطناب والأوتاد؛ وفي ~~الخبر في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم «فرفع الرفرف، فرأينا ms3487 وجهه كأنه ~~ورقة» ، أي: رفع طرف الفسطاط وقال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول: الرفرف ~~أعظم خطرا من الفرش فذكر في الأولين {متكئين على فرش بطائنها من استبرق} ~~وقال هنا: {متكئين على رفرف خضر} فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى ~~عليه الولي رفرف به أي طار به حيثما يريد كالمرجاح. وروي في حديث المعراج ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى، جاءه الرفرف ~~فتناوله من جبريل وطار به إلى سند العرش فذكر أنه قال طار بي يخفضني ~~ويرفعني حتى وقف بي على ربي. أي: في محل تنزلات رحمة ربي ثم لما جاء ~~الانصراف تناوله فطار به خفضا ورفعا يهوي به، حتى أداه إلى جبريل عليه ~~السلام؛ فالرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى له خواص الأمور من الدنو ~~والقرب؛ كما أن البراق دابة تركبها الأنبياء عليهم السلام مخصوصة بذلك، ~~وهذا الرفرف الذي سخر لأهل الجنتين الدائبتين هو متكؤهما وفرشهما يرفرف ~~بالولي على حافات تلك الأنهار حيث يشاء إلى خيام أزواجه. # وقوله تعالى: {وعبقري} منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد الجن ~~فينسبون إليه كل شيء عجب؛ قال في القاموس: عبقر موضع كثير الجن وقرية ~~ثيابها في غاية الحسن، والعبقري الكامل من كل شيء؛ وقال الخليل: هو كل جليل ~~نفيس فاخر من الرجال وغيرهم؛ وقال قطرب ليس هو من المنسوب بل هو بمنزلة ~~كرسي وبختي ا. ه. والمراد به: الجنس، ولذلك قال تعالى: {حسان} حملا على ~~المعنى أي هي في غاية من كمال الصنعة وحسن المنظر لا توصف. # {فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} المحسن الواحد الذي لا محسن غيره ولا إحسان ~~إلا منه {تكذبان} أبشيء من هذه النعم أم بغيرها. # ولما دل ما ذكر في هذه السورة من النعم على إحاطة مبدعها بأوصاف الكمال ~~وختم نعم الدنيا بقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وفيه ~~إشارة إلى أن الباقي هو الله تعالى وأن الدنيا فانية ختم نعيم الآخرة بقوله ~~عز من قائل: {تبارك} ms3488 قال ابن برجان: تفاعل من البركة ولا يكاد يذكره جل ~~ذكره إلا عند أمر معجب ا. ه. ومعناه ثبت ثباتا لا تسع العقول وصفه. # ولما كان تعظيم الاسم أبلغ في تعظيم المسمى قال تعالى: {اسم ربك} # PageV04P177 # أي: المحسن إليك بإنزال هذا القرآن الذي جبلك على متابعته فصرت مظهرا له ~~وصار خلقا لك فصار إحسانه إليك فوق الوصف؛ وقيل: لفظ اسم زائد وجرى عليه ~~الجلال المحلي والأول أولى. # {ذي الجلال} أي: العظمة الباهرة {والإكرام} قال القرطبي: كأنه يريد به ~~الاسم الذي افتتح به السورة، فقال: {الرحمن} فافتتح بهذا الاسم فوصف خلق ~~الإنسان والجن، وخلق السموات والأرض وصنعه؛ وأنه تعالى كل يوم هو في شان، ~~ووصف تدبيره فيهم؛ ثم وصف يوم القيامة، وأهوالها، وصفة النار، ثم ختمها ~~بصفة الجنان. # ثم قال في آخر الصفة {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} أي: هذا لاسم ~~الذي افتتح به هذه السورة، كأنه يعلمهم أن هذا كله خرج لكم من رحمتي، فمن ~~رحمتي خلقتكم، وخلقت لكم السماء والأرض والخليقة والجنة والنار فهذا كله ~~لكم من اسم الرحمن فمدح اسمه فقال تعالى: {تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام} أي: جليل في ذاته كريم في أفعاله وقرأ ابن عامر: بالواو رفعا صفة ~~للاسم والباقون بالياء خفضا صفة لرب، فإنه هو الموصوف بذلك. روى الثعلبي عن ~~علي أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لكل شيء عروس وعروس ~~القرآن سورة الرحمن جل ذكره» . وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري: من أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الرحمن أدى شكر ما أنعم الله عليه» ~~حديث موضوع. ### | سورة الواقعة # مكية # في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء؛ وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها ~~نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} وقال الكلبي: ~~مكية إلا أربع آيات؛ منها آيتان {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون} نزلتا في سفره إلى مكة؛ وقوله تعالى: {ثلة من الأولين وثلة من ~~الآخرين} نزلتا في سفره إلى المدينة، ms3489 وقدمنا أن في المدني والمكي اصطلاحين، ~~وأن المشهور أن المكي ما نزل قبل الهجرة؛ والمدني ما نزل بعدها وهي ست ~~وتسعون آية؛ قال الجلال المحلي: وهي ست أو سبع أو تسع وتسعون آية وثلاثمئة ~~وثمان وتسعون كلمة، وألف وسبع مئة وثلاثة أحرف. # {بسم الله} الذي له الكمال كله ففاوت بين الناس في الأحوال {الرحمن} الذي ~~عم بنعمة البيان وفاضل في قبولها بين أهل الإدبار وأهل الإقبال {الرحيم} ~~الذي قرب أهل حزبه ففازوا بمحاسن الأقوال والأفعال. # ولما قسم سبحانه الناس في تلك السورة إلى ثلاثة أصناف مجرمين وسابقين ~~ولاحقين، شرح أحوالهم في هذه السورة وبين الوقت الذي يظهر فيه إكرامه ~~وانتقامه بقوله تعالى: # {إذا وقعت الواقعة} أي: التي لا بد من وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى ~~الواقعة بلام الكمال وتاء المبالغة غيرها، وهي النفخة الثانية التي يكون ~~عنها البعث الأكبر الذي هو القيامة الجامعة لجميع الخلق، فسميت واقعة لتحقق ~~وقوعها، وقيل: لكثرة ما يقع فيها من الشدائد، وانتصاب إذا بمحذوف مثل اذكر ~~أو كان كيت وكيت، وقال الجرجاني: إذا صلة كقوله تعالى: {اقتربت الساعة} ~~(القمر: 1) # و {أتى أمر الله} (النحل: 1) # وهو كما يقال: جاء الصوم أي دنا وقرب وقوله تعالى: {ليس لوقعتها # PageV04P178 # كاذبة} مصدر بمعنى الكذب والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر ~~كقوله تعالى: {لا تسمع فيها لاغية} (الغاشية: 11) # أي: لغو والمعنى: ليس لها كذب قاله الكسائي، أو صفة والموصوف محذوف أي: ~~ليس لوقعتها حال كاذبة، أي: كل من يخبر عن وقعتها صادق، أو نفس كاذبة بأن ~~تنفيها كما نفتها في الدنيا وقال الزجاج: ليس لوقعتها كاذبة أي: لا يردها ~~شيء، وقيل: إن قيامها جد لا هزل وقوله تعالى: {خافضة رافعة} تقرير لعظمتها ~~وهو خبر لمبتدأ محذوف أي: هي، قال عكرمة ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ~~ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني: أسمعت القريب والبعيد. وعن السدى خفضت ~~المتكبرين ورفعت المستضعفين. # وقال قتادة: خفضت أقواما في عذاب الله تعالى ورفعت أقواما إلى طاعة الله ~~تعالى. وقال عمر بن ms3490 الخطاب رضي الله تعالى عنه: خفضت أعداء الله تعالى في ~~النار ورفعت أولياء الله تعالى في الجنة. وقال ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ~~ورفعت آخرين بالفضل. ولا مانع أن كل ذلك موجود فيها والرفع والخفض يستعملان ~~عند العرب في المكان والمكانة والعز والإهانة؛ ونسب سبحانه وتعالى الخفض ~~والرفع إلى القيامة توسعا ومجازا على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى ~~المحل والزمان وغيرهما مما لا يمكن منه الفعل، يقولون: ليل قائم ونهار صائم ~~وفي التنزيل: {بل مكر الليل والنهار} (سبأ: 33) # والخافض والرافع في الحقيقة هو الله تعالى، واللام في قوله تعالى: ~~{لوقعتها} إما للتعليل أي: لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدة وقعتها، وإما ~~للتعدية كقولك ليس لزيد ضارب، فيكون التقدير إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها ~~أمر يوجد لها كاذب إذا أخبر عنه. # قال الرازي: وعلى هذا لا تكون ليس عاملة في إذا وهي بمعنى ليس لها كاذب ~~{إذا رجت الأرض} أي: كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر {رجا} أي: حركت ~~تحريكا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل، قال بعض المفسرين: ترتج ~~كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها وينكسر كل شيء عليها من الجبال ~~وغيرها، والرجرجة: الاضطراب، وارتج البحر وغيره واضطرب وفي الحديث: «من ركب ~~البحر حين يرتج فلا ذمة له» . يعني إذا اضطربت أمواجه والظرف متعلق بخافضة ~~أو بدل من إذا وقعت. # ولما ذكر حركتها المزعجة أتبعها غايتها بقوله تعالى: {وبست الجبال بسا} ~~أي: فتتت حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لته؛ قال ابن عباس ~~ومجاهد: كما يبس الدقيق أي: يلت، والبسيسة السويق، أو الدقيق يلت بالسمن أو ~~الزيت ثم يؤكل ولا يطبخ وقد يتخذ زادا قال الراجز: # *لا تخبزا خبزا وبسابسا ... ولا تطيلا بمناخ حبسا* # أو سيقت وسيرت من بس الغنم إذا ساقها وبست الأبل وأبسستها لغتان إذا ~~زجرتها، وقلت: بس بس قاله أبو زيد؛ وقال الحسن: بست قلعت من أصلها فذهبت، ~~ونظيرها ينسفها ربي نسفا؛ وقال عطية: بسطت بالرمل والتراب {فكانت} ms3491 أي: بسبب ~~ذلك {هباء} أي: غبارا هو في غاية الانسحاق وإلى شدة لطافته أشار بصفته فقال ~~تعالى: {منبثا} أي: منتشر متفرقا بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه، فهو ~~كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من كوة؛ وعن ابن عباس: هو ما تطاير من ~~النار إذا أضرمت يطير منها شرر، فإذا وقع لم يكن شيئا {وكنتم} أي: قسمتم ~~بما كان في جبلاتكم # PageV04P179 # وطبائعكم في الدنيا {أزواجا} أي: أصنافا {ثلاثة} كل صنف يشاكل ما هو منه ~~كما يشاكل الزوج الزوجة؛ قال البيضاوي: وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر ~~زوج. # ثم بين من هم بقوله تعالى: {فأصحاب الميمنة} وهم الذين يؤتون كتبهم ~~بإيمانهم مبتدأ، وقوله تعالى: {ما} استفهام فيه تعظيم مبتدأ ثان، وقوله ~~تعالى: {أصحاب الميمنة} خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول، وتكرير ~~المبتدأ بلفظه مغن عن الضمير، ومثله {الحاقة ما الحاقة} (الحاقة: 1 2) # {القارعة ما القارعة} (القارعة: 1 2) # ولا يكون ذلك إلا في مواضع التعظيم. # ولما ذكر الناجين بقسميهم أتبعهم أضدادهم بقوله تعالى: {وأصحاب المشأمة} ~~أي: الشمال وهم الذي يؤتون كتبهم بشمائلهم وقوله تعالى: {ما أصحاب المشأمة} ~~تحقير لشأنه بدخولهم النار، وقال السدي: {أصحاب الميمنة} هم الذين يؤخذ بهم ~~ذات اليمين إلى الجنة، {وأصحاب المشأمة} هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى ~~النار، والمشأمة الميسرة وكذا الشامة والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمي، قال ~~البغوي: ومنه سمى الشأم واليمن، لأن اليمن عن يمين الكعبة، والشام عن ~~شمالها؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما: {أصحاب الميمنة} هم الذين كانوا عن ~~يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه، فقال الله تعالى لهم: هؤلاء في الجنة ~~ولا أبالي؛ وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن؛ وقال ابن ~~جريج: {أصحاب الميمنة} هم أصحاب الحسنات {وأصحاب المشأمة} هم {أصحاب ~~السيئات} .d # وفي صحيح مسلم من حديث الإسراء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة ~~قال: ms3492 فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى قال: فقال: مرحبا ~~بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: آدم عليه ~~السلام وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين أهل الجنة، ~~والأسودة التي عن شماله أهل النار» . وذكر الحديث وقال المبرد: أصحاب ~~الميمنة: أصحاب التقدم وأصحاب المشأمة: أصحاب التأخر والعرب تقول اجعلني في ~~يمينك ولا تجعلني في شمالك، أي: اجعلني من المتقدمين، ولا تجعلني من ~~المتأخرين. # تنبيه: الفاء في قوله تعالى: {فأصحاب} تدل على التقسيم وبيان ما ورد عليه ~~التقسيم، كأنه قال: أزواجا ثلاثة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون، ~~ثم بين حال كل قسم فقال: فأما أصحاب الميمنة وترك التقسيم أولا واكتفى بما ~~يدل عليه بأن ذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها، فإن قيل: ما الحكمة في ~~اختيار لفظ المشأمة في مقابلة الميمنة مع أنه قال في بيان أحوالهم: وأصحاب ~~الشمال ما أصحاب الشمال؟ أجيب: بأن اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا ~~منه ألفاظا في مواضع، فقالوا: هذا ميمون تيمنا به، ووضعوا مقابلة اليمين ~~اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، واستعملوا منه ألفاظا تشاؤما به ~~فذكر المشأمة في مقابلة الميمنة، وذكر الشمال في مقابلة اليمين، فاستعمل كل ~~لفظ مع مقابلة. # ولما ذكر تعالى القسمين وكان كل منهما قسمين ذكر أعلى أهل القسم الأول ~~ترغيبا في حسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيبا في سوء حالهم فقال تعالى: ~~{والسابقون} أي: إلى أعمال الطاعة مبتدأ وقوله تعالى: {السابقون} تأكيد عن ~~المهدوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السابقون الذين # PageV04P180 # إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» . ~~وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء عليهم السلام، وقال الحسن وقتادة: ~~السابقون إلى الإيمان من كل أمة؛ وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلوا إلى ~~القبلتين قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} (التوبة: ~~100) # وقال مجاهد والضحاك: هم السابقون إلى الجهاد وأول الناس رواحا إلى ~~الصلاة؛ وقال علي بن أبي طالب رضي الله ms3493 عنه: هم السابقون إلى الصلوات ~~الخمس؛ وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة وأعمال البر، قال تعالى: {وسارعوا ~~إلى مغفرة من ربكم} (آل عمران: 133) # {ثم أثنى عليهم فقال تعالى أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} ~~(المؤمنون: 61) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هم أربعة: منهم سابق أمة موسى عليه السلام ~~وهو حز قيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى عليه السلام وهو حبيب النجار ~~صاحب أنطاكية، وسابقا أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهما: أبو بكر وعمر رضي ~~الله عنهما. وقال سميط بن عجلان: الناس ثلاثة: رجل ابتكر الخير في حداثة ~~سنه ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق المقرب، ورجل ابتكر ~~عمره بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من أصحاب ~~اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها فهذا من ~~أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة، وقيل: ~~هم أول الناس رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله. # وخبر المبتدأ {أولئك} أي: العالو الرتبة جدا {المقربون} أي: الذين قربت ~~درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت مراتبهم واصطفاهم الله تعالى للسبق، ~~فأرادهم لقربه ولولا فضله في تقريبهم لم يكونوا سابقين؛ قال الرازي في ~~اللوامع: المقربون تخلصوا من نفوسهم وأعمالهم كلها الله تعالى دينا ودنيا ~~من حق الله تعالى، وحق الناس وكلاهما عندهم حق الله تعالى، والدنيا عندهم ~~آخرتهم لأنهم يراقبون ما يبدو لهم من ملكوته فيتلقونه بالرضا والإنقياد، ~~وهم صنفان: صنف قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة قد ملكتهم هيبته فالحق ~~يستعملهم في وصف آخر قد أرخى من عنانه والأمر عليه أسهل لأنه قد جاوز بقلبه ~~هذه الخطة، ومحله أعلى فهو أمين الله تعالى في أرضه فيكون عليه أوسع ا. ه. # ثم بين تقريبه لهم بقوله تعالى: {في جنات النعيم} أي: الذي لا كدر فيه ~~بوجه ولا منغص ولما ذكر السابقين فصلهم بقوله تعالى: {ثلة} أي: جماعة ~~وقيدها الزمخشري بالكثيرة وأنشد: ms3494 # *وجاءت إليهم ثلة خندفية ... تجيش كتيار من السيل مزبد* # قال ابن عادل: ولم يقيدها غيره بل صرح بأنها الجماعة؛ قلت: أو كثرت ثم ~~قال: والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق ا. ه. لكن قال البغوي: ~~والثلة جماعة غير محصورة العدد {من الأولين} أي: من الأمم السابقة من لدن ~~آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم من النبيين عليهم السلام ومن آمن بهم ~~{وقليل من الآخرين} وهم من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كان الأنبياء ~~عليهم السلام مئة ألف ونيفا وعشرين ألفا، وكان من خرج مع موسى عليه السلام ~~من مصر وهو مؤمن به من الرجال المقاتلين ممن هو فوق العشرين ودون الثمانين ~~ست مئة ألف، فما ظنك بمن عداهم من الشيوخ ومن دون العشرين من البالغين ~~الصبيان ومن النساء، فكيف بمن عداه من سائر النبيين عليهم السلام المجددين ~~من بني إسرائيل وغيرهم. قال البيضاوي: ولا يخالف ذلك # PageV04P181 # قوله عليه الصلاة والسلام: «أمتي يكثرون سائر الأمم» . لجواز أن يكون ~~سابقو سائر الأمم أكثر من سابقي هذه الأمة، وتابعوا هذه الأمة أكثر من ~~تابعيهم. # قيل: لما نزلت هذه الآية شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ~~{ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إني ~~لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل نصف أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف ~~الثاني» . رواه أبو هريرة رضي الله عنه. ذكره الماوردي وغيره ومعناه ثابت ~~في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود وكأنه أراد أنها منسوخة؛ قال ~~الرازي: وهذا في غاية الضعف لأن عدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم كان في ~~ذلك الزمان بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة والمراد ~~بالأولين الأنبياء وكبار أصحابهم وهم إذا اجتمعوا كانوا أكثر من السابقين ~~من هذه الأمة ولأن هذا خبر والخبر لا ينسخ، وقال الحسن: سابقوا من مضى أكثر ~~من سابقينا فلذا قال تعالى: {وقليل من الآخرين} وقال في أصحاب اليمين: وهم ms3495 ~~سوى السابقين {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} ولذا قال صلى الله عليه ~~وسلم «إنى لأرجو أن تكون أمتي شطر أهل الجنة ثم تلا {ثلة من الأولين وثلة ~~من الآخرين} » . وروى الطبراني: أن الثلة والقليل كلاهما من هذه الأمة ~~فتكون الصحابة كلهم من هذه الثلة، وكذا من تبعهم بإحسان إلى رأس القرن ~~الثالث وهم لا يحصيهم إلا الله تعالى؛ ومن المعلوم أنه تناقص الأمر بعد ذلك ~~إلى أن صار السابق في الناس أقل من القليل لرجوع الإسلام إلى الحال التي ~~بدأ عليها من الغربة، «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى ~~للغرباء أي وهم الذين إذا فسد الناس صلحوا، كما فسر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك، وقال أبو بكر: كلا الثلتين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمنهم ~~من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها، وهو مثل قوله تعالى: {فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} (فاطر: 32) # وقيل: المراد بالأولين {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وبالآخرين ~~{ذرياتهم} الملحقون بهم في قوله تعالى: {وأتبعتهم ذريتهم بإيمان} (الطور: ~~21) # ألحقنا بهم ذرياتهم، واشتقاق الثلة وهي مبتدأ من الثل وهو القطع والخبر ~~{على سرر} جمع سرير وهو ما يجعل الإنسان من المقاعد العالية المصنوعة ~~للراحة والكرامة {موضونة} قال ابن عباس رضي الله عنهما: منسوجة بالذهب، ~~وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا: ~~موضونة، أي: مصفوفة لقوله تعالى في موضع آخر: {على سرر مصفوفة} وقيل: ~~منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت، والموضونة المنسوجة، وأصله: من ~~وضنت الشيء أي: ركبت بعضه على بعض، ومنه قيل للدرع موضونة لتركب حلقها قال ~~الأعشى: # *ومن نسج داود موضونة ... تسير مع الحي عيرا فعيرا* # ومنه أيضا وضين الناقة وهو حزامها لتراكب طاقاته، قال عمر رضي الله عنه: ~~وهو مار بواد محسر. # *إليك تعد وقلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها* # *مخالفا دين النصارى دينها # رواه البيهقي. ومناه أن ناقتي تعدو إليك مسرعة في طاعتك قلقا، وضينها وهو ~~حبل كالجزام ms3496 من كثرة السير والإقبال التام والاجتهاد البالغ في طاعتك؛ ~~والمراد: صاحب الناقة فيسن للمار # PageV04P182 # بوادي محسر أن يقول هذا الكلام الذي قاله عمر رضى الله تعالى عنه. # ولما ذكر تعالى السرر وبين عظمتها ذكر غايتها فقال سبحانه: {متكئين ~~عليها} أي: السرر على الجنب أو غيره كحال من يكون على كرسي فيوضع تحته شيء ~~آخر للإتكاء عليه {متقابلين} فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وقال مجاهد ~~وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله أي: يتكؤون متقابلين، قال الكلبي طول كل ~~سرير ثلث مئة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ~~ارتفعت وقيل: إنهم صاروا أرواحا نورانية صافية ليس لهم أدبار ولا ظهور. # تنبيه: {متكئين عليها متقابلين} حالان من الضمير في على سرر، ويجوز أن ~~تكون حالا متداخلة فيكون متقابلين حالا من ضمير متكئين، ثم بين تعالى أنهم ~~في غاية الراحة بقوله تعالى: # {يطوف عليهم} أي: لكفاية كل ما يحتاجون إليه {ولدان} أي: على أحسن صورة ~~وزي وهيئة {مخلدون} قد حكم الله تعالى ببقائهم على ما هم عليه من الهيئة ~~على شكل الأولاد قال الحسن والكلبي: لا يهرمون ولا يتغيرون، ومنه قول امرئ ~~القيس: # *وهل ينعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال* # وقال سعيد بن جبير: مخلدون مقرطون، يقال للقرط: الخلد، والقرط ما يجعل في ~~الأذنين من الحلق؛ وقيل: مقرطقون أي ممنطقون من المناطق والمنطقة ما يجعل ~~في الوسط؛ وأكثر المفسرين أنهم على سن واحد أنشأهم الله تعالى لأهل الجنة، ~~يطوفون عليهم نشؤا من غير ولادة فيها لأن الجنة لا ولادة فيها؛ وقال علي بن ~~أبي طالب والحسن البصري رضى الله عنهم: الولدان ههنا ولدان المسلمين الذي ~~يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة؛ وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين ~~هم خدم أهل الجنة؛ قال الحسن: لم تكن لهم حسنات يجازون بها ولا سيآت ~~يعاقبون عليها فوضعوا هذا الموضع. والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور ~~والنعمة وقوله تعالى: {بأكواب} متعلق بيطوفون، والأكواب جمع كوب وهي كيزان ~~مستديرة ms3497 الأفواه بلا عرى ولا خراطيم، لا يعوق الشارب منهاعائق عن شرب من أي ~~موضع. أراد منها، فلا يحتاج أن يحول الإناء عن الحالة التي تناوله بها ~~ليشرب، وقوله تعالى: {وأباريق} جمع إبريق، وهي أوان لها عرى وخراطيم فيها ~~من أنواع المشارب ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، سمى بذلك لبريق لونه من ~~صفائه {وكأس} أي: إناء شراب الخمر {من معين} أي: خمر صافية صفاء الماء ليس ~~يتكلف عصرها جارية من منبع لا ينقطع أبدا. # فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق وأفرد الكأس؟ أجيب: أن ذلك على عادة ~~أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كثيرة ويشربون بكأس واحد، وفيها ~~مباينتهم أهل الدنيا من حيث أنهم يطوفون بالأكواب والأباريق ولا تثقل عليهم ~~بخلاف أهل الدنيا {لا يصدعون عنها} أي: بسببها قال الزمخشري وحقيقته لا ~~يصدر صداعهم عنها، والصداع: هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، ~~والخمر تؤثر فيه؛ قال علقمة بن عبدة في وصف الخمر: # *تشفى الصداع ولا يؤذيك صالتها ... ولا يخالطها في الرأس تدويم* # قال أبو حيان: هذه صفة خمر الجنة كذا قال لي الشيخ أبو جعفر بن الزبير؛ ~~والمعنى: لا تتصدع رؤوسهم من شربها فهي لذة بلا أذى بخلاف خمر الدنيا؛ ~~وقيل: لا يتفرقون عنها {ولا ينزفون} أي: تذهب # PageV04P183 # بعقولهم بوجه من الوجوه أي: يفرغ شرابهم من نزفت البئر إذا نزح ماؤها ~~كله؛ وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الزاي والباقون بفتحها {وفاكهة مما ~~يتخيرون} أي: يختارون ما يشتهون من الفواكه لكثرتها؛ وقيل: المعنى: وفاكهة ~~متخيرة مرضية والتخير الاختيار {ولحم طير مما يشتهون} أي: يتمنون؛ قال ابن ~~عباس رضى الله عنهما: يخطر على قلبه لحم الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما ~~اشتهى، ويقال: إنه يقع على صحفة الرجل فيأكل منه ما يشتهي ثم يطير فيذهب؛ ~~فإن قيل: ما الحكمة في تخصيص الفاكهة بالتخيير، واللحم بالاشتهاء؟ أجيب: ~~بأن اللحم والفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه إلى اللحم، وإذا حضرا ~~عند الشبعان تميل نفسه إلى الفاكهة، فالجائع مشته، والشبعان غير ms3498 مشته بل هو ~~مختار، وأهل الجنة إنما يأكلون لا من جوع بل للتفكه فميلهم للفاكهة أكثر ~~فيتخيرونها، ولهذا ذكرت في مواضع كثيرة في القرآن بخلاف اللحم، وإذا اشتهاه ~~حضر بين يديه على ما يشتهيه فتميل نفسه إليه أدنى ميل، ولهذا قدم الفاكهة ~~على اللحم. # فإن قيل: الفاكهة واللحم لا يطوف بهما الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ أجيب: ~~بأن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما ~~الولدان فيناولونهم الفواكه الغريبة واللحوم العجيبة لا للأكل بل للإكرام ~~كما يضع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفا على المعنى في ~~قوله: {جنات النعيم} أي: مقربون في جنات النعيم وفاكهة ولحم، أي: في هذا ~~النعيم يتقلبون. # ولما لم يكن بعد الأكل والشراب أشهى من النساء قال تعالى: {وحور} أي: ~~نساء شديدات سواد العيون وبياضها {عين} أي: ضخام العيون وقرأ حمزة والكسائي ~~بخفض الاسمين عطفا على سرر، فإن النساء في معنى المتكأ لأنهن يسمين فراشا، ~~والباقون بالرفع عطفا على ولدان {كأمثال اللؤلؤ المكنون} أي: المخزون في ~~الصدف المصون الذي لم تمسه الأيدي ولم تقع عليه الشمس والهواء، فيكون في ~~نهاية الصفاء؛ قال البغوي: ويروى أنه يسطع نور في الجنة فيقولون: ما هذا؟ ~~فيقال: ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها ويروى أن الحوراء إذا مشت يسمع تقديس ~~الخلاخل من ساقها، وتمجيد الأسورة من ساعديها، وأن عقد الياقوت يضحك في ~~نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح. ولما بالغ ~~في وصف جزائهم بالحسن والصفاء دل على أن أعمالهم كانت كذلك لأن الجزاء من ~~جنس العمل فقال تعالى: {جزاء} أي: فعل ذلك لهم لأجل الجزاء {بما كانوا ~~يعملون} أي: يجددون عمله على جهة الاستمرار، قالت المعتزلة: هذا يدل على أن ~~إيصال الثواب واجب على الله تعالى، لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به، وأجيبوا ~~بأنه لو صح ما ذكروه لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة، لأن العقل إذا ~~حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله ms3499 تعالى لا يوجد علم ~~أن الله تعالى يعطى هذه الأشياء لأنها جزاؤه، وإيصال الجزاء واجب، فكان لا ~~يصح التمدح به {لا يسمعون فيها لغوا} أي: شيئا مما لا ينفع واللغو # الساقط {ولا تأثيما} أي: ما يحصل به الإثم أو النسبة إلى الأثم بل ~~حركاتهم وسكناتهم كلها في رضا الله تعالى؛ وقال ابن عباس رضى الله عنهما: ~~باطلا وكذبا؛ قال محمد بن كعب: ولا تأثيما أي: لا يؤثم بعضهم بعضا؛ وقال ~~مجاهد: لا يسمعون شتما ولا مأثما وقوله تعالى: {إلا قيلا} فيه قولان ~~أحدهما: أنه # PageV04P184 # استثناء منقطع وهذا واضح لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم، والثاني: أنه ~~متصل وفيه بعد؛ قال # ابن عادل فكان هذا رأى أن الأصل لا يسمعون فيها كلاما فاندرج عنده فيه؛ ~~ثم بين تعالى ذلك بقوله: {سلاما سلاما} أي قولا سلاما، قال عطاء: يحيى ~~بعضهم بعضا بالسلام، أو تحيهم الملائكة، أو يحييهم ربهم؛ ودل على دوامه ~~بتكريره فقال تعالى: {سلاما} ففيه إشارة إلى كثرة السلام عليهم ولهذا لم ~~يكرر في قوله تعالى {سلام قولا من رب رحيم} (يس: 58) # وقال القرطبي: السلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قولا يسلم فيه ~~من اللغو. # ولما بين حال السابقين شرع في بيان حال أصحاب اليمين فقال تعالى: # {وأصحاب اليمين} ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم فقال تعالى: {ما ~~أصحاب اليمين} فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ أصحاب الميمنة عند تقسيم ~~الأزواج الثلاثة وبلفظ أصحاب اليمين عند ذكر الإنعام؟ أجيب: بأن ذلك تفنن ~~في العبارة والمعنى واحد {في سدر} أي: شجر نبق {مخضود} أي: لا شوك فيه كأنه ~~خضد شوكه أي: قطع ونزع منه؛ قال ابن المبارك: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر ~~قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إنا لينفعنا الأعراب ~~ومسائلهم؛ قال: أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله تعالى في ~~القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذى صاحبها، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «وما هي؟» ms3500 قال: السدر فإن له شوكا مؤذيا؛ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «أو ليس يقول سدر مخضود خضض الله شوكه فجعل مكان ~~كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرا على اثنين وسبعين لونا من الطعام ما فيه لون ~~يشبه الآخر» ؛ وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى وج وهو واد ~~بالطائف مخصب فأعجبهم سدره فقالوا يا ليت لنا مثل هذا فنزلت. قال أمية بن ~~أبي الصلت يصف الجنة وما فيها: # *إن الحدائق في الجنان ظليلة ... فيها الكواعب سدرها مخضود* # قال مجاهد: {في سدر مخضود} هو الموقر حملا الذي تنثني أغصانه كثرة حمله ~~من خضض الغصن إذا ثناه وهو رطب؛ وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال ~~{وطلح منضود} أي: منظوم بالجمل من أعلاه إلى أسفله ليست له ساق بارزة ~~متراكم يتركب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية الإعجاب، والطلح جمع ~~الطلحة؛ قال علي وابن عباس رضى الله عنهم وأكثر المفسرين: الطلح شجر الموز ~~واحده طلحة؛ وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظل بارد رطب؛ وقال ~~الفراء وأبو عبيدة: شجر عظيم كثير الشوك والطلح كل شجر عظيم له شوك؛ وقال ~~الزجاج: هو شجر أم غيلان؛ قال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل، وقال ~~الزجاج: لها نور طيب جدا خوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلا أن فضله على ما ~~في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا؛ وقال السدي: طلح الجنة ~~يشبه طلح الدنيا لكن له ثمر أحلى من العسل؛ وقال مسروق: أشجار الجنة من ~~عروقها إلى أفنانها نضيدة ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها ~~{وظل ممدود} أي: دائم لا يزول ولا تنسخه الشمس لقوله تعالى: {ألم تر إلى ~~ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا} (الفرقان: 45) # كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس؛ وقيل: الظل ليس ظل أشجار بل ظل يخلقه ~~الله تعالى، قال الربيع بن أنس رضى الله عنه: يعني ظل العرش؛ وقال عمرو بن ~~ميمون رضى الله ms3501 عنه: مسيرة سبعين ألف سنة؛ وقال أبو عبيدة: تقول العرب ~~للدهر # PageV04P185 # الطويل والعمر الطويل والشيء الذي لا ينقطع ممدود قال الشاعر: # *غلب العزاء وكان غير مغلب ... دهر طويل دائم ممدود* # وفي صحيح الترمذي وغيره، عن أبي هريرة رضى الله عنه: عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، ~~واقرؤوا إن شئتم {وظل ممدود} » في هذا الحديث رد على من يقول: إن الأشجار ~~لا ظل لها وقد سئل السبكي عن الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولا إذا تراءت ~~له شجرة يقول: يا رب أدنني من هذه لأستظل في ظلها، الحديث من أي شيء يستظل ~~والشمس قد كورت؟ أجاب بقوله تعالى: {وظل ممدود} وبقوله تعالى: {هم وأزواجهم ~~في ظلال} (يس: 56) # إذ لا يلزم من تكوير الشمس عدم الظل لأنه مخلوق لله تعالى وليس بعدم بل ~~أمر وجودي له نفع بإذن الله تعالى في الأبدان وغيرها. فليس الظل عدم الشمس ~~كما قد يتوهم؛ وروى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله تعالى: {وظل ~~ممدود} قال شجرة في الجنة يخرج إليها أهل الجنة فيتحدثون، ويشتهي بعضهم لهو ~~الدنيا فيرسل الله تعالى عليهم ريحا من الجنة فتتحرك تلك الشجرة بكل لهو في ~~الدنيا {وماء مسكوب} أي: جار في منازلهم في غير أخدود لا يحتاجون فيه إلى ~~جلب ماء من الأماكن البعيدة ولا إدلاء في بئر كأهل البوادي، فإن العرب كانت ~~أصحاب بادية وبلاد حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء ~~إلا بالدلو والرشاء فوعدوا في الجنة خلاف ذلك {فاكهة كثيرة} أي: أجناسها ~~وأنواعها وأشخاصها {لا مقطوعة ولا ممنوعة} قال ابن عباس رضى الله عنهما: لا ~~تنقطع إذا جنيت، ولا تمتنع من أحد إذ أراد أخذها، وقال بعضهم: لا مقطوعة ~~بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان كما تنقطع أكثر ثمار الدنيا إذا جاء الشتاء، ~~ولا يتوصل إليها إلا بالثمن؛ وقيل: لا يمنع من أرادها شوك ولا بعد ولا حائط ~~بل إذا ms3502 اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى {قطوفها دانية} ~~(الحاقة: 23) # وجاء في الحديث: «ما قطع من ثمار الجنة إلا أبدل الله تعالى مكانها ~~ضعفين» . # ولما كان التفكه لا يكمل الإلتذاذ به إلا مع الراحة قال تعالى: {وفرش ~~مرفوعة} أي: رفيعة القدر يقال: ثوب رفيع، أي: عزيز مرتفع القدر والثمن ~~بدليل قوله تعالى: {متكئين على فرش بطائنها من استبرق} (الرحمن: 54) # فكيف ظهائرها أو مرفوعة فوق السرر بعضها فوق بعض؛ روى الترمذي عن أبي ~~سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وفرش مرفوعة} قال: ~~«ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام» . قال: حديث غريب؛ ~~وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار ~~في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمى المرأة فراشا ولباسا على الاستعارة. # دليل هذا التأويل قوله تعالى: {إنا} أي: بمالنا من العظمة التي لا ~~يتعاظمها شيء {أنشاناهن} أي: الفرش التي معناها النساء من أهل الدنيا بعد ~~الموت بالبعث وزاد في التأكيد فقال تعالى: {إنشاء} أي: خلقا جديدا من غير ~~ولادة بل جمعناهن من التراب كسائر بني آدم، ليكونوا كأبيهم آدم عليه السلام ~~في خلقه من تراب، لتكون الإعادة كالبداءة ولذلك يكون الكل عند دخول الجنة ~~على شكله عليه السلام، وروى النحاس بإسناده أن أم سلمة سألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن قوله تعالى: {إنا أنشأناهن إنشاء} فقال: «هن اللواتي قبضن في ~~الدنيا عجائز شمطا عمشا # PageV04P186 # رمصا جعلهن الله تعالى بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء» . ~~وروى أنس بن مالك رضى الله عنه يرفعه في قوله تعالى {إنا أنشأناهن إنشاء} ~~قال: هن العجائز العمش الرمص كن في الدنيا عمشا رمصا. وعن المسيب بن شريك ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {إنا أنشأناهن إنشاء} قال: «هن ~~عجائز الدنيا أنشأهن الله تعالى خلقا جديدا كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن ~~أبكارا» فلما سمعت عائشة رضى الله عنها ذلك قالت واوجعاه فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «ليس هناك وجع» . وعن ms3503 الحسن رضى الله عنه قال: أتت عجوز ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يدخلني ~~الجنة فقال: «يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، قال: فولت تبكي، فقال: ~~أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى يقول {إنا أنشأناهن إنشاء} ~~» {فجعلناهن} أي: الفرش المنشآت وغيرهن بعظمتنا المحيطة بكل شيء {أبكارا} ~~أي عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن عذارى ولا وجع؛ وذكر المسيب عن غيره: ~~أنهن فضلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا؛ وقال مقاتل وغيره: هن الحور ~~العين أنشأهن الله تعالى لم تقع عليهن الولادة وقوله تعالى: {عربا} جمع ~~عروب كصبور وصبر وهي الغنجة المحببة إلى زوجها، وقال الرازي في اللوامع: ~~الفطنة # بمراد الزواج كفطنة العرب؛ وقيل: الحسناء؛ وقيل: المحسنة لكلامها؛ وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: هن العواتق. وأنشدوا # *وفي الخباء عروب غير فاحشة ... ريا الروادف يعشى دونها البصر* # وقرأ حمزة وشعبة: بسكون الراء والباقون بضمها كرسل ورسل وفرش وفرش وقوله ~~تعالى: {أترابا} جمع ترب، وهو المساوي لك في سنك لأنه يمس جلدهما التراب في ~~وقت واحد، وهو آكد في الأئتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة، ~~لأنه في معنى الصفة إذ معناه مساويك، ومثله: خدنك لأنه بمعنى مصاحبك؛ قال ~~القرطبي: سن واحد وهو ثلاث وثلاثون سنة؛ يقال في النساء: أتراب، وفي ~~الرجال: أقران؛ وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حد الفتى من النساء، وانحطت ~~عن الكبر؛ وقال مجاهد: الأتراب الأمثال والأشكال. وقال السدي: أتراب في ~~الأخلاق لا تباغض فيهن ولا تحاسد، وروى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا محجلين ~~أبناء ثلاثين أو قال ثلاثا وثلاثين على خلق آدم عليه السلام ستون ذراعا في ~~سبعة أذرع» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من مات من أهل الجنة من ~~صغير وكبير يردون بنى ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وكذلك أهل ~~النار» . وعن أبي سعيد الخدري: ms3504 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنان وسبعون ألف زوجة، وتنصب ~~له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء، ينظر وجهه في خدها ~~أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها تضئ ما بين المشرق والمغرب، وأنه ~~ليكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك» . وعن ~~أبي هريرة رضي الله عنه: أن أدنى أهل الجنة منزلة وما منهم دنيء لمن يغدو ~~عليه ويروح عشرة آلاف خادم مع كل واحد منهم ظريفة ليست مع صاحبه. # «وفي تعلق اللام في قوله تعالى: {لأصحاب اليمين} وجهان أحدهما: أنها ~~متعلقة بأنشأناهن أي: لأجل أصحاب اليمين والثاني: أنها متعلقة بأترابا ~~كقولك: هذا ترب لهذا أي: مساو له. # PageV04P187 # ثم بينهم بقوله تعالى: {ثلة من الأولين} أي: من أصحاب اليمين {وثلة} أي: ~~منهم {من الآخرين} فلم يبين فيهم قلة ولا كثرة، قال البقاعي: والظاهر أن ~~الآخرين أكثر فإن وصف الأولين بالكثرة لا ينافي كون غيرهم أكثر ليتفق مع ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم «أن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة فإنهم عشرون ~~ومئة صف هذه الأمة منهم ثمانون صفا وأربعون من سائر الأمم» . وعن عروة بن ~~رويم قال: لما نزل قوله تعالى: {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} بكى عمر ~~وقال: يا نبي الله آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منا قليل فأنزل الله ~~تعالى: {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عمر فقال: قد أنزل الله تعالى فيما قلت فقال عمر: رضينا عن ربنا ~~وتصديق نبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من آدم إلينا ثلة ومنا ~~إلى يوم القيامة ثلة ولا يستتمها الأسود من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا ~~الله» . # وعن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه: قال: «عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي ~~معه الرجل والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورفع ~~إلي سواد ms3505 عظيم فقلت إنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى ~~الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون ~~الجنة بغير حساب ولا عذاب فتفرق الناس، ولم يبين لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما نحن فولدنا ~~في الشرك ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك فقال: «هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، ~~وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة ابن محصن فقال: ادع الله تعالى أن يجعلني ~~منهم، فقال: أنت منهم ثم قام رجل آخر فقال ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: ~~سبقك بها عكاشة» . والرهط دون العشرة وقيل إلى الأربعين. وعن عبد الله بن ~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرضت علي الأنبياء الليلة ~~باتباعها حتى أتى على موسى في كبكبة بني إسرائيل فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: ~~أي رب من هؤلاء؟ قيل: هو أخوك موسى ومن معه من بني إسرائيل، قلت: يا رب ~~وأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فنظرت فإذا ظراب مكة قد سد بوجوه الرجال، ~~فقال: هؤلاء أمتك أرضيت؟ فقلت: رضيت رب، قيل: انظر عن يسارك فنظرت فإذا ~~الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت فقيل: إن ~~مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة لا حساب عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم ~~إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل ~~الظراب، فإن عجزتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت أناسا يتهاوشون ~~كثيرا» . وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في قبة نحوا من أربعين فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم، ~~قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ # قلنا: نعم، قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك ~~أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما أنتم في ms3506 أهل الشرك إلا كالشعرة ~~البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر» . ~~وتقدم في الحديث المار أنهم ثلثا أهل الجنة ولا منافاة لأنه صلى الله عليه ~~وسلم أخبر أولا بالقليل ثم أطلعه الله تعالى على الزيادة # ولما أتم وصف أصحاب الجنة أتبعه أضدادهم بقوله تعالى: # {وأصحاب الشمال} أي: الجهة التي تتشاءم العرب بها ويعبر بها # PageV04P188 # عن الشيء الأخس والحظ الأنقص قال البقاعي: والظاهر أنهم أدنى أصحاب ~~المشأمة كما أن أصحاب اليمين دون السابقين من أصحاب الميمنة ثم عظم ذمهم ~~ومصابهم فقال تعالى: {ما أصحاب الشمال} أي: أنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن ~~يسأل عنه وسماهم بذلك لأنهم يأخذون كتبهم بشمالهم ثم بين متقلبهم وما أعد ~~لهم من العذاب فقال تعالى: {في سموم} أي: ريح حارة من النار تنفذ في المسام ~~{وحميم} أي: ماء حار بالغ في الحرارة إلى حد يذيب اللحم {وظل من يحموم} أي: ~~دخان أسود كالحمم أي الفحم شديد السواد؛ وقيل: النار سوداء وأهلها سود وكل ~~شيء فيها أسود؛ وقيل: اليحموم اسم من أسماء النار؛ قال الرازي: وفي الأمور ~~الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائما لأنهم إن تعرضوا لمهب الهواء ~~أصابهم السموم، وإن استكنوا كما يفعل الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان ~~بالكن يكونون في ظل من يحموم، وإن أرادوا التبرد بالماء من حر السموم يكون ~~الماء من حميم فلا إنفكاك لهم من العذاب؛ أو يقال: أن السموم تضربه فيعطس ~~وتلتهب نار السموم في أحشائه فيشرب الماء فيقطع أمعاءه فيريد الاستظلال بظل ~~فيكون ذلك الظل اليحموم؛ وذكر السموم والحميم دون النار تنبيها بالأدنى على ~~الأعلى كأنه قال أبرد الأشياء في الدنيا حار عندهم فكيف أحرها؟ وقوله تعالى ~~{لا بارد} أي: ليروح النفس {ولا كريم} أي: ليؤنس به ويلجأ إليه صفتان للظل ~~كقوله تعالى: {من يحموم} وقال الضحاك: لا بارد أي: كغيره من الظلال بل حار ~~لأنه من دخان شفير جهنم ولا كريم عذب؛ وقال سعيد بن المسيب: ولا حسن منظره ~~وكل شيء ms3507 لا خير فيه ليس بكريم فسماه ظلا ونفى عنه برد الظل وروحه ونفعه من ~~يأوى إليه من أذى الحر، وذلك كرمه ليمحو ما في مدلول الظن من الاسترواح ~~إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار إلا أن للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات ~~وفيه تهكم بأصحاب المشأمة # وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم في الجنة. # ثم بين استحقاقهم لذلك بقوله تعالى: {إنهم كانوا} أي: في الدنيا قبل ذلك ~~أي الأمر العظيم الذي وصلوا إليه {مترفين} أي: أنهم إنما استحقوا هذه ~~العقوبة لأنهم كانوا في الدنيا في سعة من العيش متمكنين في الشهوات ~~مستمتعين بها متمكنين منها {وكانوا يصرون} أي: يقيمون ويديمون على سبيل ~~التجديد لما لهم من الميل الجبلي إلى ذلك {على الحنث} أي: الذنب ويعبر ~~بالحنث عن البلوغ ومنه قولهم: لم يبلغوا الحنث، وإنما قيل ذلك لأن الإنسان ~~عند بلوغه إليه يؤاخذ بالحنث أي: الذنب، وتحنث فلان أي: جانب الحنث، وفي ~~الحديث: «كان يتحنث بغار حراء» أي: يتعبد لمجانبة الإثم نحو خرج فتفعل في ~~هذه كلها للسلب. # ولما كان ذلك قد يكون من الصغائر التي تغفر قال تعالى: {العظيم} أي: وهو ~~الشرك قاله الحسن والضحاك؛ وقال مجاهد: هو الذنب الذي لا يتوبون منه؛ وقال ~~الشعبي: هو اليمين الغموس وهو من الكبائر يقال حنث في يمينه، أي: لم يبرها ~~ورجع فيها، وكانوا يقسمون أن لا بعث وأن الأصنام أنداد الله تعالى فذلك ~~حنثهم، فإن قيل: الترفه هو التنعم وذلك لا يوجب ذما؟ أجيب: بأن الذم إنما ~~حصل بقوله تعالى: {وكانوا يصرون على الحنث العظيم} فإن صدور المعاصي ممن ~~كثرت النعم عليه أقبح القبائح وفي الآية مبالغات، لأن قوله تعالى: {يصرون} ~~يقتضي أن ذلك عادتهم والإصرار مداومة المعصية ولأن الحنث أبلغ من الذنب لأن ~~الذنب يطلق # PageV04P189 # على الصغيرة ويدل على ذلك قولهم: بلغ الحنث أي: بلغ مبلغا تلحقه فيه ~~الكبيرة، ووصفه بالعظيم يخرج الصغائر فإنها لا توصف بذلك؛ قال الرازي: ~~والحكمة في ذكره سبب عذابهم ولم يذكر في ms3508 أصحاب اليمين سبب ثوابهم فلم يقل ~~إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين وذلك تنبيه على أن الثواب منه فضل ~~والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر يتوهم بالتفضل نقص وظلم، ~~وأما العدل إن لم يعلم سبب العقاب يظن أن هناك ظلما، ويدل على ذلك أنه ~~تعالى لم يقل في حق أصحاب اليمين {جزاء بما كانوا يعملون} كما قال في ~~السابقين لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل بخلاف من كثرت ~~حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه. # {وكانوا} أي: زيادة على ما ذكر {يقولون} أي: إنكارا مجددين لذلك دائما ~~عنادا {أئذا} أي أنبعث إذا {متنا وكنا} أي كونا ثابتا {ترابا وعظاما} ثم ~~أعادوا الاستفهام تأكيدا لإنكارهم فقالوا: {أئنا لمبعوثون} أي: كائن وثابت ~~بعثنا ساعة من الدهر وأكدوا ليكون إنكارهم لما دون ذلك بطريق الأولى وقرأ ~~قالون أئذا بتحقيق الهمزة الأولى، المفتوحة وتسهيل الثانية المكسورة وإدخال ~~ألف بينهما وكسر الميم من متنا وهمزة واحدة مكسورة في أئناء، وقرأ ورش ~~بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية ولا إدخال بينهما وكسر ميم متنا وهمزة واحدة ~~مكسورة في أئنا مع النقل عن أصله؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالاستفهام ~~فيهما مع تسهيل الثانية إلا أن أبا عمرو يدخل بينهما ألفا فيهما وابن كثير ~~لا يدخل ألفا وضما ميم متنا {أو آباؤنا} أي: أو تبعث آباؤنا {الأولون} أي: ~~الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم فصاروا كلهم ترابا ولا سيما أن حملتهم ~~السيول ففرقت أعضاءهم وذهبت بها في الآفاق؛ فإن قيل: كيف حسن العطف على ~~المضمر في لمبعوثون من غير تأكيد بنحن؟ أجيب بأنه حسن للفاصل الذي هو ~~الهمزة كما حسن في قوله تعالى: {ما أشركنا ولا آباؤنا} (الأنعام: 148) # لفصل لا المؤكدة للنفي، وقرأ قالون وابن عامر: بسكون الواو من أو ~~والباقون بفتحها. # ثم رد الله تعالى عليهم قولهم ذلك بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: لهؤلاء ولكل من كان مثلهم وأكد لإنكارهم {إن الأولين} أي: الذين ~~جعلتم الاستبعاد فيهم وهم الآباء ms3509 {والآخرين} وهم الأبناء {لمجموعون} أي: في ~~المكان الذي يكون فيه الحساب {إلى ميقات يوم} أي: زمان {معلوم} أي: معين ~~عند الله تعالى وهو يوم القيامة إذ هو من شأنه أن يعلم بما عليه من ~~الأمارات والميقات ما وقت به الشيء من زمان أو مكان إلى حد {ثم إنكم} أي: ~~بعد هذا الجمع {أيها الضالون} أي: الذين غلبت عليهم الغباوة فهم لا يفهمون ~~فضلوا عن الهدى ثم اتبع ذلك ما أوجب الحكم عليهم بالضلال فقال تعالى: ~~{المكذبون} بالبعث والخطاب لأهل مكة ومن في مثل حالهم {لآكلون من شجر من ~~زقوم} وهو من أخبث الشجر المر بتهامة ينبتها الله تعالى في الجحيم فهو في ~~غاية الكراهة وبشاعة المنظر ونتن الرائحة وقد مر الكلام على ذلك في الصافات # تنبيه: من الأولى لابتداء الغاية والثانية لبيان الشجر {فمالؤن} أي: ملأ ~~هو في غاية الثبات وأنتم في غاية الإقبال عليه مع ما هو عليه من عظيم ~~الكراهة {منها} أي: الشجر وأنثه لأنه جمع شجرة وهو اسم جنس، قال البقاعي: ~~وهم يكرهون الإناث فتأنيثه والله أعلم زيادة في تنفيرهم؛ وقال الزمخشري: ~~أنت ضمير الشجر على المعنى وذكره على اللفظ في قوله: {منها} وعليه وهو # PageV04P190 # لف ونشر مرتب {البطون} أي: يضطركم إلى تناول هذا الكريه حتى تملؤا بطونكم ~~منه. # ثم لما بين أكلهم أتبعه مشربهم فقال تعالى: {فشاربون عليه} أي: الأكل أو ~~الزقوم {من الحميم} لأجل مرارته وحرارته يحتاجون إلى شرب الماء فيشربون من ~~الماء الحار {فشاربون} أي: منه {شرب الهيم} أي: الإبل العطاش وهو جمع هيمان ~~للذكر وهيمى للأنثى كعطشان وعطشى، والهيام: داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن ~~تموت أو تسقم سقما شديدا؛ وقيل: إنه جمع هائم وهائمة من الهيام أيضا إلا أن ~~جمع فاعل وفاعلة على فعل قليل نحو نازل ونزل وعائد وعود؛ وقيل: إنه جمع ~~هيام بفتح الهاء وهو الرمل غير المتماسك الذي لا يروى من الماء أصلا فيكون ~~مثل سحاب وسحب بضمتين ثم خفف بإسكان عينه ثم كسرت فاؤه لتصح الباء كما ms3510 فعل ~~بالذي قبله، والمعنى: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم ~~الذي هو كالمهل فإذا ملؤوا منه البطون سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى ~~شرب الحميم الذي يقطع أمعاؤهم فيشربون منه شرب الهيم. # فإن قيل: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين وهما لذوات متفقة وصفتان ~~متفقتان فكان عطفا للشيء على نفسه؟ أجيب: بأنهما ليستا بمتفقتين من حيث أن ~~كونهم شاربين الحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة وقطع أمعائهم أمر ~~عجيب فشربهم له على ذلك كما يشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا فكانتا صفتين ~~مختلفتين؛ وقرأ نافع وعاصم وحمزة: بضم الشين والباقون بفتحها. # {هذا} أي: ما ذكر {نزلهم} أي: ما يعد لهم أول قدومهم مكان ما يعد للضيف ~~أول حلوله كرامة له {يوم الدين} أي: الجزاء الذي هو حكمة القيامة وإذا كان ~~هذا نزلهم فما ظنك بما يأتي بعدما استقروا في الجحيم وفي هذا تهكم كما في ~~قوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران: 21) # فإن النزل ما يعد للنازل تكرمة له ثم استدل على منكري البعث بقوله تعالى: ~~{نحن} أي: لا غيرنا {خلقناكم} أي بما لنا من العظمة {فلولا} تحضيض، أي: ~~فهلا {تصدقون} أي: بالبعث فإن الإعادة أسهل من الابتداء؛ وقيل: نحن خلقنا ~~رزقكم فهلا تصدقون أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا؛ ومتعلق التصديق محذوف ~~تقديره: فلولا تصدقون بخلقنا {أفرأيتم} أي: أخبروني هل رأيتم بالبصر ~~والبصيرة {ما تمنون} أي: تصبون من المني في أرحام النساء {أأنتم تخلقونه} ~~أي: توجدونه مقدرا على ما هو عليه من الإستواء، والحكمة بعد خلقه من صورة ~~النطفة إلى صورة العلقة ثم من صورة العلقة إلى صورة المضغة ثم منها إلى ~~صورة العظام والأعصاب {أم نحن} أي: خاصة {الخالقون} أي الثابت لنا ذلك وقرأ ~~أفرأيتم في الثلاثة مواضع نافع بتسهيل الهمزة التي هي عين الكلمة، ولو رش ~~وجه ثان وهو أبدالها ألفا، وأسقطها الكسائي، والباقون بالتحقيق، وقرأ أأنتم ~~في الثلاثة المواضع نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بتحقيق الأولى وتسهيل ~~الثانية ms3511 بخلاف عن هشام، وأدخل بينهما ألفا، قالون وأبو عمرو وهشام، ولم ~~يدخل بينهما ورش وابن كثير ولو رش وجه ثان وهو إبدال الثانية ألفا والباقون ~~بتحقيقهما مع عدم الإدخال بينهما. # ولما كان الجواب قطعا أنت الخالق وحدك أكد ذلك بقوله تعالى: {نحن} أي: ~~بمالنا من العظمة لا غيرنا {قدرنا} أي: تقديرا عظيما لا يقدر سوانا على نقص ~~شيء منه، {بينكم الموت} أي قسمنا عليكم فلم نترك أحدا منكم بغير حصة منه، ~~وأقتنا موت كل بوقت معين لا يتعداه، فقصرنا عمر هذا وربما كان # PageV04P191 # في الأوج من قوة البدن وصحة المزاج فلو اجتمع الخلق لهم على إطالة عمره ~~ما قدروا أن يؤخروه لحظة، وأطلنا عمر هذا وربما كان في الحضيض من ضعف البدن ~~واضطراب المزاج فلو تمالؤا على تقصيره طرفة عين لعجزوا. # وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال والباقون بالتشديد {وما نحن} أي: على ما لنا ~~من العظمة {بمسبوقين} أي: بالموت أي: لا عاجزين ولا مغلوبين {على} أي: عن ~~{أن نبدل} أي تبديلا عظيما {أمثالكم} أي: صوركم وأشخاصكم {وننشئكم} أي ~~إنشاء جديدا بعد تبديل ذواتكم {في ما لا تعلمون} فإن بعضكم تأكله الحيتان ~~أو السباع أو الطيور فننشئ أبدانه منها، وبعضهم يصير ترابا فربما نشأ منه ~~نبات فأكلته الدواب فنشأت منه أبدانها وربما صار ترابه من معادن الأرض ~~الذهب والفضة والحديد والنحاس والحجر ونحو ذلك وقد لمح إلى ذلك قوله تعالى: ~~{قل كونوا حجارة أو حديدا} (الإسراء: 50) # إلى آخرها ويكون المعنى كما قال البغوي: نأت بخلق مثلكم بدلا منكم ~~ونخلقكم فيما لا تعلمون من الصور أي: بتغيير أوصافكم وصوركم إلى صور أخرى ~~بالمسخ ومن قدر على ذلك قدر على الإعادة وقال الطبري: معنى الآية نحن قدرنا ~~بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، وما نحن ~~بمسبوقين في آجالكم أي: لا يتقدم متأخر ولا يتأخر متقدم، وننشئكم فيما لا ~~تعلمون من الصور وقال الحسن: أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام ~~قبلكم، وقيل: المعنى: ننشئكم في البعث على غير ms3512 صوركم في الدنيا فنجمل ~~المؤمن ببياض وجهه ونقبح الكافر بسواد وجهه «فائدة» في ما مقطوعة في ~~الرسم.H # {ولقد علمتم النشأة الأولى} أي: الترابية لأبيكم آدم عليه السلام، ~~واللحمية لأمكم حواء رضى الله عنها والنطفية لكم وكل منها تحويل من شيء إلى ~~آخر غيره، فما الذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن ~~تصيروا ترابا إلى ما كنتم عليه أولا من الصور ولهذا سبب عما تقدم قوله ~~تعالى: {فلولا} أي: فهلا ولم لا {تذكرون} أي تذكرا عظيما تكرهون أنفسكم ~~عليه فتعلمون أن من قدر على النشأة الأولى قدر على الثانية فإنها أقل ضعفا ~~لحصول المواد وتخصيص الأجزاء وسبق المثال وفيه دليل على صحة القياس، وفي ~~الخبر عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجبا ~~للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~النشأة بفتح الشين وبعدها ألف قبل الهمزة والباقون بسكونها ولا ألف بعدها، ~~فإذا وقف حمزة نقل حركة الهمزة إلى الشين وخفف ذال تذكرون حمزة والكسائي ~~وحفص، وشددها الباقون. # ثم ذكر لهم حجة أخرى بقوله تعالى: {أفرأيتم} أي: أخبروني هل رأيتم بالبصر ~~والبصيرة ما نبهنا كم عليه فيما تقدم فتسبب عن تنبيهكم لذلك أنكم رأيتم {ما ~~تحرثون} أي: تجددون حرثه على الاستمرار من أراضيكم فتطرحون فيه البذر ~~{أأنتم تزرعونه} أي: تنشئونه بعد طرحكم وتجعلونه زرعا فيكون فيه السنبل ~~والحب {أم نحن} خاصة {الزارعون} أي: المنبتون له والحافظون؛ روى أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال: «لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت» . قال أبو هريرة ~~أرأيتم إلى قوله تعالى: {أفرأيتم} الآية. # ولما كان الجواب قطعا أنت الفعال لذلك وحدك قال تعالى موضحا لأنه ما زرعه ~~غيره {لو نشاء} أي: لو عاملناكم بصفة العظمة # PageV04P192 # {لجعلناه} أي: بتلك العظمة {حطاما} أي: مكسورا مفتتا لا حب فيه قبل ~~النبات حتى لا يقبل الخروج أو بعده ببرد مفرط أو حر مهل أو غير ذلك فلا ~~ينتفع به {فظلتم} أي فأقمتم بسبب ذلك نهارا في وقت الأشغال العظيمة ms3513 وتركتم ~~ما يهمكم {تفكهون} حذفت منه إحدى التائين في الأصل تخفيفا أي تتعجبون مما ~~نزل بكم في زرعكم وقيل: تندمون على ما سلف منكم من المعاصي التي أوجبت تلك ~~العقوبة قال الزمخشري: ومنه الحديث: «مثل العالم كمثل الحمة يأتيها البعداء ~~ويتركها القرباء فبينما هم إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكهون» ~~. أي: يتندمون. وقال الكسائي: التفكة التلهف على ما فات من الأضداد، تقول ~~العرب: تفكهت أي تنعمت وتفكهت أي حزنت وتقولون: {أنا لمغرمون} بحذف القول ~~ومعنى الغرم ذهاب المال بغير عوض من الغرام وهو الهلاك ومن مجيء الغرام ~~بمعنى الهلاك قول القائل: # *أن يعذب يكن غراما وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي* # وقال ابن عباس: الغرام العذاب، أي: عذبوا بذهاب أموالهم، والمعنى: أن ~~غرمنا الحب الذي بذرناه فذهب بغير عوض ومن الغرام بمعنى العذاب قول القائل: # *وثقت بأن الحلم منك سجية # ... وأن فؤادي مبتلى بك مغرم # وقرأ شعبة: أئنا بهمزة مفتوحة بعدها همزة مكسورة على الاستفهام والباقون ~~بهمزة واحدة مكسورة على الخبر {بل نحن} أي: خاصة {محرومون} أي: ممنوعون ~~رزقنا حرمنا من لا يرد قضاؤه فلاحظ لنا في الاكتساب فلو كان الزارع ممن له ~~خط لأفلح زرعه ثم ذكر تعالى لهم حجة أخرى بقوله تعالى: {أفرأيتم الماء} أي: ~~أخبروني هل رأيتم بالبصر والبصيرة ما نبهنا عليه فيما مضى من المطعم وغيره ~~فرأيتم الماء {الذي تشربون} فتحيوا به أنفسكم وتسكنوا به عطشكم، ذكرهم ~~بنعمه التي أنعم بها عليهم بإنزال المطر الذي لا يقدر عليه أحد إلا الله عز ~~وجل {أأنتم أنزلتموه من المزن} أي: السحاب وهو اسم جنس واحد مزنة قال ~~القائل: # *فلا مزنة ودقت ودقها # ... ولا أرض أبقل إبقالها # وعن ابن عباس والثوري: المزن السماء والسحاب، وقال أبو زيد: المزنة: ~~السحابة البيضاء أي خاصة وهي أعذب ماء والجمع مزن والمزنة المطرة {أم نحن} ~~أي: خاصة {المنزلون} أي: له بمالنا من العظمة {لو نشاء} أي: حال إنزاله ~~وبعده قبل أن ينتفع به {جعلناه} أي بما تقتضيه صفة العظمة ms3514 {أجاجا} أي: ملحا ~~مرا محرقا كأنه في الأحشاء لهيب النار المؤجج فلا يبرد عطشا ولا ينبت نبتا ~~ينتفع به، وقال ابن عادل: الأجاج المالح الشديد الملوحة {فلولا} أي: فهلا ~~ولم لا {تشكرون} أي: تجددون الشكر على سبيل الاستمرار باستعمال ما أفادكم ~~ذلك من القوى في طاعة الله الذي أوجده لكم ومكنكم منه. # ثم ذكر تعالى لهم حجة أخرى بقوله تعالى: {أفرأيتم النار} أي: أخبروني هل ~~رأيتم بالبصر والبصيرة ما تقدم فرأيتم النار {التي تورون} أي: تخرجون من ~~الشجر الأخضر {أأنتم أنشأتم} أي: اخترعتم وأوجدتم وأحييتم وربيتم ورفعتم ~~{شجرتها} أي: التي يقدح منها النار وهي المرخ والعقار وهما شجرتان قدح ~~منهما النار وهما رطبتان، وقيل: أراد جميع # PageV04P193 # الشجر الذي توقد به النار {أم نحن} أي: خاصة وأكد بقوله تعالى: {المنشؤن} ~~أي: لها بمالنا من العظمة على تلك الهيئة فمن قدر على إيجاد النار التي هي ~~أيبس ما يكون في الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها كان أقدر ~~على إعادة الطراوة في تراب الجسد الذي كان غضا طريا فيبس. # ولما كان الجواب قطعا أنت وحدك قال تعالى دالا على ذلك تنبيها على عظم ~~هذا الخبر {نحن} أي: خاصة {جعلناها} أي: لما اقتضته عظمتنا {تذكرة} أي: ~~شيئا يتذكر به تذكرا عظيما جليلا كما أخبرنا به من البعث وعذاب النار ~~الكبرى وما ينشأ فيها من شجرة الزقوم وغير ذلك، وقيل: موعظة يتعظ بها ~~المؤمن؛ وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزأ من نار جهنم، قالوا: والله إن كانت ~~لكافية يا رسول الله قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزأ كلها مثلها مثل ~~حرها» . {ومتاعا} أي: بلغة ومنفعة {للمقوين} أي: المسافرين والمقوى النازل ~~في أرض القوا بالكسر والقصر والمد وهي القفر البعيدة من العمران، والمعنى: ~~أنه ينتفع بها أهل البوادي والأسفار فإن منفعتهم بها أكثر من المقيم فإنهم ~~يوقدونها بالليل لتهرب السباع ويهتدي الضال إلى غير ذلك من ms3515 المنافع؛ وقال ~~مجاهد: للمقوين أي: المنتفعين بها من الناس أجمعين يستضيئون بها في الظلمة ~~ويصطلون بها من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز إلى غير ذلك من ~~المنافع، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله تعالى منها؛ وقال ابن زيد: ~~للجائعين في إصلاح طعامهم يقال: أقويت منذ كذا وكذا أي: ما أكلت شيئا قال ~~الشاعر: # *وإني لاختار القوا طاوي الحشى ... محافظة من أن يقال لئيم* # وقال قطرب: المقوي من الأضداد يقال للفقير: مقو لخلوه من المال ويقال ~~للغني: مقو لقوته على ما يريد، والمعنى: فيها متاعا ومنفعة للفقراء ~~والأغنياء لا غنى لأحد عنها، وقال المهدوي: الآية تصلح للجميع لأن النار ~~يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير. # ولما ذكر تعالى ما يدل على وجوب وحدانيته وقدرته وإنعامه على سائر الخلق ~~خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم أو كل أحد من الناس بقوله تعالى: {فسبح} أي: ~~أوقع التنزيه العظيم من كل شائبة نقص من ترك البعث وغيره ولا سيما بعد بلوغ ~~هذه الأدلة {باسم} أي: ملتبسا بذكر اسم {ربك} أي: المحسن إليك بهذا البيان ~~الأعظم. # فائدة: أثبتوا ألف الوصل هنا في اسم ربك لأنه لم يكثر دوره كثرته في ~~البسملة وحذفوه منها لكثرة دورها وهم شأنهم الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف ~~معناه وهذا معروف لا يجهل، وإثبات ما أثبت من أشكاله مما لا يكثر دليل على ~~الحذف منه، ولذا لا تحذف مع غير الباء في اسم الله ولا مع الباء في غير ~~الجلالة الكريمة من الأسماء وقد أوضحت ذلك في مقدمتي على البسملة والحمدلة. # ولما كان المقام للعظمة قال الله تعالى: {العظيم} أي: الذي ملأ الأكوان ~~كلها عظمة فلا شيء منها إلا وهو مملوء بعظمته تنزيها عن أن يلحقه شائبة نقص ~~أو يفوته شيء من كمال، فالعظيم صفة للإسم أو الرب، والاسم قيل: بمعنى الذات ~~وقيل: زائد أي: فسبح ربك واختلف في «لا» في قوله تعالى: {فلا أقسم} فقال ~~أكثر المفسرين: معناه فاقسم ولا صلة مؤكدة بدليل قوله تعالى بعد ذلك: {وإنه ~~لقسم} ms3516 ومثلها في قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب} (الحديد: 29) # والتقدير: # PageV04P194 # ليعلم وقال بعضهم أنها حرف نفي وإن المنفي بها محذوف وهو كلام الكافر ~~الجاهل والتقدير فلا حجة بما يقوله الكافر؛ ثم ابتدأ قسما بما ذكر وضعف هذا ~~بأن فيه حذف اسم لا وخبرها قال أبو حيان: ولا ينبغي فإن القائل بذلك مثل ~~سعيد بن جبير تلميذ حبر القرآن وهو عبد الله بن عباس، ويبعد أن يقول سعيد ~~إلا بتوقيف، وقال بعضهم: إنها لام الابتداء والأصل: فلأقسم فأشبعت الفتحة ~~فتولد منها ألف كقول بعضهم: أعوذ بالله من العقراب قال الزمخشري: ولا يصح ~~أن تكون اللام لام القسم لأمرين: أحدهما: أن حقها أن تقرن بها النون ~~المؤكدة والإخلال بها ضعيف قبيح، والثاني: أن لأفعلن في جواب القسم ~~للاستقبال وفعل القسم يجب أن يكون للحال. # واختلف أيضا في معنى قوله عز وجل: {بمواقع النجوم} فقال أكثر المفسرين: ~~بمساقطها لغروبها، قال الزمخشري: ولعل الله تعالى في آخر الليل إذا انحطت ~~النجوم إلى المغرب أفعالا عظيمة مخصوصة وللملائكة عبادات موصوفة، أو لأنه ~~وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه من عباده الصالحين ونزول الرحمة ~~والرضوان عليهم، فلذلك أقسم بمواقعها واستعظم ذلك بقوله تعالى: {وإنه لقسم ~~لو تعلمون عظيم} وقال عطاء بن رباح: أراد بمواقعها منازلها، قال الزمخشري: ~~وله في ذلك من الدليل على عظيم القدرة والحكمة ما لا يحيط به الوصف، وقال ~~الحسن: مواقعها انكدارها وانتثارها يوم القيامة؛ وقال ابن عباس والسدي: ~~المراد نجوم القرآن أي أوقات نزولها؛ وقال الضحاك: هي الأنواء التي كانت ~~الجاهلية تقول إذا مطروا: مطرنا بنوء كذا، وقال القشيري: هو قسم ولله أن ~~يقسم بما يريد وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة فإن قيل لو ~~تعلمون جوابه ماذا؟ أجيب: بأنه مقدر تقديره لعظمتموه أي: لو كنتم من ذوي ~~العلم لعلمتم عظم هذا القسم ولكنكم ما علمتموه فعلم أنكم لا تعلمون، وقرأ ~~بموقع حمزة والكسائي بسكون الواو ولا ألف بعدها والباقون بفتح الواو ألف ~~بعدها. # وقوله تعالى: {إنه} أي: القرآن الذي ms3517 أفهمته النجوم بعموم إفهامها {لقرآن} ~~أي: جامع سهل ذو أنواع جليلة {كريم} أي: بالغ الكرم منزه عن كل شائبة لؤم ~~ودناءة هو المقسم عليه، وفي الكلام اعتراضان أحدهما: الاعتراض بقوله تعالى: ~~{وإنه لقسم} بين القسم والمقسم عليه، والثاني الاعتراض بقوله تعالى: {لو ~~تعلمون} بين الصفة الموصوف. # تنبيه: من كرم هذا القرآن العظيم كونه من الملك الأعلى إلى خير الخلق ~~بسفارة روح القدس، مشتملا على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد ~~وبلسان العرب الذين اتفقت علماء الفرق على أن لسانهم أفصح الألسن، وعلى وجه ~~أعجز العرب كافة وبقية الخلق أجمعين واختلف في معنى قوله تعالى: {في كتاب} ~~أي: مكتوب {مكنون} أي: مصون فالذي عليه الأكثر أنه المصحف سمي قرآنا لقرب ~~الجوار على الاتساع ولأن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى أن يسافر بالقرآن ~~إلى أرض العدو» . أراد به المصحف وقوله تعالى: {لا يمسه} خبر بمعنى النهي ~~ولو كان باقيا على خبرتيه لزم منه الخلف لأن غير المطهر يمسه وخبر الله ~~تعالى لا يقع فيه خلف لأن المراد بقوله تعالى: {إلا المطهرون} لا المحدثون ~~وهو قول عطاء وطاوس وسالم والقاسم وأكثر أهل العلم وبه قال مالك والشافعي ~~رضى الله عنهما؛ وقال # PageV04P195 # ابن عادل: والصحيح أن المراد بالكتاب: المصحف الذي بأيدينا لما روى مالك ~~وغيره أن كتاب عمرو بن حزم «لا يمس القرآن إلا طاهر» ، وقال ابن عمر قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» وقالت أخت عمر ~~لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالمصحف {لا يمسه إلا المطهرون} فقام ~~فاغتسل وأسلم، وعلى هذا قال قتادة وغيره معناه لا يمسه إلا المطهرون من ~~الأحداث والأنجاس انتهى. # وقال ابن عباس: {مكنون} محفوظ عن الباطل والكتاب هنا كتاب في السماء، ~~وقال جابر: هو اللوح المحفوظ، أي: لقوله تعالى: {بل هو قرآن مجيد في لوح ~~محفوظ} (البروج: 21 22) # وقال عكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن، وقال السدي: الزبور ~~وقيل: لا من «لا يمسه» نافية والضمة في لا يمسه ضمة ms3518 إعراب وعلى هذا ففي ~~الجملة وجهان: أحدهما: أن محلها الجر صفة لكتاب، والمراد به: إما اللوح ~~المحفوظ والمطهرون حينئذ الملائكة، أو المراد به المصحف والمراد بالمطهرون ~~الملائكة كلهم، والثاني: محلها رفع صفة لقرآن والمراد بالمطهرين: الملائكة ~~فقط أي: لا يطلع عليه، لأن نسبة المس إلى المعاني متعذرة وقيل: إنها ناهية ~~والفعل بعدها مجزوم لأنه لوفك عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى: {لم ~~يمسسهم سوء} (آل عمران: 174) # ولكنه أدغم، ولما أدغم حرك بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب، وفي ~~الحديث: «إنا لم نرده عليكما إلا أنا حرم» بضم الدال، وإن كان القياس يقتضي ~~جواز فتحها تخفيفا، وبهذا ظهر فساد رد من رد بأن هذا لو كان نهيا كان يقال ~~لا يمسه بالفتح لأنه خفي عليه وانضم ما قبل الهاء في هذا التحويل لا يجوز ~~سيبويه غيره. # واختلفوا في المس المذكور في الآية فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك ~~إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة وقال أبو العالية وابن زيد: هم الذين ~~طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم، وقال الكلبي: هم ~~السفرة الكرام البررة وهذا كله قول واحد وهو اختيار مالك، وقال الحسن: هم ~~الملائكة الموصوفون في سورة عبس في قوله تعالى: {صحف مكرمة مرفوعة مطهرة ~~بأيدي سفرة كرام بررة} (عبس: 13 16) # وقيل: معنى لا يمسه لا ينزل به إلا المطهرون أي: إلا الرسل من الملائكة ~~على الرسل من الأنبياء ولا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا ~~الملائكة المطهرون، ولو كان المراد طهر الحدث لقال المتطهرون أو المطهرون ~~بتشديد الطاء ومن قال بالأول قال: المطهرون يعني المتطهرون. # تنبيه: اختلف العلماء في مس المصحف وحمله على غير وضوء فالجمهور على ~~المنع من مسه على غير طهارة لحديث عمرو بن حزم وهو مذهب علي وابن مسعود ~~وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد وجماعة ~~من الفقهاء منهم مالك والشافعي، وأما الحمل فلأنه أبلغ من المس سواء حمله ~~بعلاقته أم في ms3519 كمه أم على رأسه وسواء مس نفس الأسطر أم ما بينها أم الحواشي ~~أم الجلد أم العلاقة أم الخريطة أم الصندوق إذا كان المصحف فيهما، وسواء مس ~~بأعضاء الوضوء أم بغيرها؛ وقال جماعة بجواز مسه وحمله واحتجوا بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل كتابا فيه قرآن، وهرقل محدث يمسه هو ~~وأصحابه، وبأن الصبيان يحملون الألواح محدثين بلا إنكار، وبأنه إذا لم تحرم ~~القراءة فالحمل والمس أولى، وبأنه يجوز حمله # PageV04P196 # في أمتعة. # وأجيب عن الأول: بأن ذلك الكتاب كان فيه آيتان ولا يسمى مصحفا ولا ما في ~~معناه وبأنه لو كان كتابا قد تضمن مع القرآن دعاء إلى الإسلام فلم يكن ~~القرآن بانفراده مقصودا فجاز تغليبا للمقصود فيه، وعن الثاني: بأنه أبيح ~~للصبيان للضرورة لأنهم غير مكلفين، وعن الثالث: بأن القراءة أبيحت للحاجة ~~وعسر الوضوء لها كل وقت وبأنا لا نسلم الأولوية المذكورة بدليل أن الكافر ~~لا يمنع من القراءة ويمنع من حمل المصحف ومسه، وعن الرابع: بأن جواز حمل ~~المصحف في الأمتعة محله إذا لم يكن المصحف مقصود بالحمل. # وقال آخرون بحرمة المس دون الحمل واحتجوا بأن المحرم يحرم عليه مس الطيب ~~دون حمله، وأجيب عنه: بأنه غير صحيح لأن حمل المصحف أبلغ في الاستيلاء عليه ~~من مسه، فلما حرم الأدنى كان تحريم الأعلى أولى ولأن تحريم المصحف إنما هو ~~لحرمته فاستوى فيه مسه وحمله بخلاف طيب المحرم فإن تحريمه مقصور على ~~الاستمتاع به وليس في حمله استمتاع به، ولو لف كمه على يده وقلب به أوراق ~~المصحف حرم عليه لأن القلب يقع باليد لا بالكم بخلاف قلب ذلك بعود، ويحرم ~~كتب شيء من القرآن أو من أسماءه تعالى بنجس أو على نجس ومسه به إذا كان غير ~~معفو عنه، ولو خاف على المصحف من حرق أو غرق أو وقوع نجاسة عليه أو وقوعه ~~في يد كافر جاز حمله مع الحدث بل يجب ذلك صيانة للمصحف، ولو لم يجد من ~~يودعه المصحف وعجز عن الوضوء فله حمله ms3520 مع الحدث ويلزمه أن يتيمم إن وجد ~~التراب ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم ~~للنهي عنه في الصحيحين، وخرج المصحف غيره نحو كتب الفقه والحديث وكتب ~~التفسير، فلا يحرم حملها ولا مسها إلا أن يكون القرآن أكثر من التفسير أو ~~مساويا له فيحرم الحمل والمس لأنه حينئذ في معنى المصحف وفي ذلك زيادة ~~ذكرتها في شرح المنهاج وغيره. # وقوله تعالى: {تنزيل} أي: منزل إليكم بالتدريج بحسب الوقائع والتقريب ~~للإفهام والتأني والترقية من حال إلى حال وحكم إلى حكم بوسائط الرسل من ~~الملائكة {من رب العالمين} أي: الخالق العالم بتربيتهم صفة القرآن أي: ~~القرآن منزل من عند رب العالمين سمى المنزل تنزيلا على اتساع اللغة كقوله ~~تعالى: {هذا خلق الله} (لقمان: 11) # وأوثر المصدر لأن تعلق المصدر بالفاعل أكثر، وفي ذلك رد على قول من قال: ~~بأن القرآن شعر أو سحر أو كهانة. # {أفبهذا الحديث} أي: القرآن الذي تقدمت أوصافه العالية وهو يتجدد إليكم ~~إنزاله وقتا بعد وقت {أنتم مدهنون} أي: متهاونون كمن يدهن في الأمر أي: ~~يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به، قال ابن برجان: الأدهان والمداهنة: ~~الملاينة في الأمور والتغافل والركون إلى التجاوز ا. ه. # قال البقاعي: فهو على هذا إنكار على من سمع أحدا يتكلم في القرآن بما لا ~~يليق ثم لا يجاهره بالعداوة، وأهل الاتحاد كابن عربي الطائي صاحب الفصوص، ~~وابن الفارض صاحب التائية، أول من صوبت إليه هذه الآية فإنهم تكلموا في ~~القرآن على وجه يبطل الدين أصلا ورأسا ويحله عروة عروة، فهم أضر الناس على ~~هذا الدين ومن يتأول لهم أو ينافح عنهم أو يعتذر لهم أو يحسن الظن بهم ~~مخالف لإجماع الأمة أنجس حالا منهم فإن مراده إبقاء كلامهم الذي لا أفسد ~~للإسلام منه من غير أن يكون لإبقائه مصلحة ما بوجه من الوجوه ا. ه. وجرى ~~ابن المقري في روضه على # PageV04P197 # كفر من شك في كفر طائفة ابن العربي الذين ظاهر كلامهم عند غيرهم الاتحاد، ~~وهو بحسب ms3521 ما فهمه من ظاهر كلامهم، ولكن كلام هؤلاء جار على اصطلاحهم إذا ~~اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي مجاز في غيره، والمعتقد منهم ~~لمعناه معتقد لمعنى صحيح؛ وأما من اعتقد ظاهره من جهلة الصوفية الذين لا ~~علم عندهم بل أكثرهم يدعي أن العلم حجاب ومدعي ذلك هو المحجوب فإنه يعرف ~~فإن استمر على ذلك بعد معرفته صار كافرا. فنسأل الله تعالى التوفيق ~~والعصمة. # ولما كان هذا القرآن متكفلا بسعادة الدارين قال تعالى: {وتجعلون رزقكم} ~~أي: حظكم ونصيبكم وجميع ما تنتفعون به من هذا الكتاب وهو نفعكم كله {أنكم ~~تكذبون} فتضعون الكذب مكان الشكر كقوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت ~~إلا مكاء وتصدية} (الأنفال: 35) # أي: لم يكونوا يصلون ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصلاة، قال ~~القرطبي: وفيه بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل ~~الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسبابا بل ينبغي أن يروه من قبل الله ~~تعالى ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة أو صبر إن كان مكروها تعبدا له وتذللا، ~~وعن ابن عباس: أن المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب مطرنا بنوء ~~كذا؛ ورواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي صحيح مسلم عن ~~ابن عباس قال: «مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر فقال بعضهم: هذه رحمة ~~الله تعالى وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا قال: فنزلت هذه الآية {فلا أقسم ~~بمواقع النجوم} حتى بلغ {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} » . # وفيه أيضا «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في سفر فعطشوا فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أرأيتم إن دعوت الله تعالى لكم فسقيتم لعلكم أن تقولوا ~~هذا المطر بنوء كذا فقالوا: يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء فصلى ركعتين ~~ودعا الله تعالى، فهاجت ريح ثم هاجت سحابة فمطروا، فمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومعه عصابة من ms3522 أصحابه برجل يغترف بقدح له وهو يقول سقينا بنوء كذا ولم ~~يقل هذا من رزق الله تعالى فنزلت {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} » . أي: شكرا ~~الله على رزقه إياكم أنكم تكذبون بالنعمة، وتقولون: سقينا بنوء كذا كقول ~~القائل: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي وجعلت إنعامي لديك أن اتخذتني ~~عدوا، قال الشافعي: لا أحب لأحد أن يقول مطرنا بنوء كذا وإن كان النوء ~~عندنا الوقت لا يضر ولا ينفع ولا يمطر ولا يحبس شيئا من المطر، والذي أحب ~~أن يقول: مطرنا وقت كذا كما يقول مطرنا شهر كذا، ومن قال مطرنا بنوء كذا ~~وهو يريد أن النوء أنزل الماء كما يقول أهل الشرك فهو كافر حلال دمه إن لم ~~يتب. وحاصله إن اعتقد أن النوء هو الفاعل حقيقة فهو كافر وإلا فيكره له ذلك ~~كراهة تنزيه، وسبب الكراهة: أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره فيساء الظن ~~بقائلها ولأنها من شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم # ثم بين سبحانه أنه لا فاعل لشيء في الحقيقة سواه بقوله تعالى: {فلولا} ~~وهي: أداة تفهم طلبا بزجر وتوبيخ وتقريع بمعنى فهلا ولم لا {إذا بلغت ~~الحلقوم} أي: بلغت الروح منكم ومن غيركم عند الاحتضار الحلقوم، أضمرت من ~~غير ذكر لدلالة الكلام عليها دلالة ظاهرة، # PageV04P198 # وفي الحديث: «أن ملك الموت له أعوان يقطعون العروق ويجمعون الروح شيئا ~~فشيئا حتى تنتهي إلى الحلقوم فيتوفاها ملك الموت» . والحلقوم مجرى الطعام ~~في الحلق والحلق مساغ الطعام والشراب معروف فكان الحلقوم أدنى الحلق إلى ~~جهة اللسان {وأنتم} أي: والحال أنكم أيها العاكفون حول المحتضر المتوجعون ~~له {حينئذ} أي: بلغت الروح ذلك الموضع {تنظرون} أي: إلى أمري وسلطاني، أو ~~إلى الميت ولا حيلة لكم ولا فعل بغير النظر ولم يقل: تبصرون لئلا يظن أن ~~لهم إدراكا بالبصر لشيء من البواطن من حقيقة الروح ونحوها {ونحن} أي: ~~والحال أنا نحن بما لنا من العظمة {أقرب إليه} أي: المحتضر بعلمنا وقدرتنا ~~{منكم} على شدة قربكم منه، قال عامر بن قيس: ما نظرت إلى شيء ms3523 إلا رأيت الله ~~أقرب إلي منه {ولكن لا تبصرون} من البصيرة أي: لا تعلمون ذلك {فلولا} أي: ~~فهلا {إن كنتم} أيها المكذبون بالعبث {غير مدينين} أي: مربوبين من دان ~~السلطان الرعية إذا ساسهم، أو مقهورين مملوكين مجزيين محاسبين بما عملتم في ~~دار البلاء التي أقامكم فيها أحكم الحاكمين، من دانه إذا ذله واستعبده، ~~وأصل تركيب دان للذل والإنقياد قاله البيضاوي {ترجعونها} أي: الروح إلى ما ~~كانت عليه {إن كنتم} كونا ثابتا {صادقين} فيما زعمتم فلولا الثانية تأكيد ~~للأولى، وإذ ظرف لترجعون المتعلق به الشرطان؛ والمعنى: أنكم في جحودكم ~~أفعال الله تعالى وآياته في كل شيء أن أنزل عليكم كتابا معجزا قلتم سحر ~~وافتراء، وإن أرسل إليكم رسولا صادقا قلتم ساحر كذاب، وإن رزقكم مطرا ~~يحييكم به قلتم صدق نوء كذا على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل، فما لكم ~~لا # ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم ~~صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد. # ثم ذكر تعالى طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم فقال عز من قائل: {فأما ~~إن كان} المتوفى {من المقربين} السابقين الذين اجتذبهم الحق من أنفسهم ~~فقربهم منه فكانوا مرادين قبل أن يكونوا مريدين، وليس القرب قرب مكان لأنه ~~تعالى منزه عنه وإنما هو بالتخلق بالصفات الشريفة على قدر الطاقة البشرية ~~ليصير الإنسان روحا خالصا كالملائكة لا سبيل إلى الحظوظ والشهوات عليها ~~وقوله تعالى: {فروح} مبتدأ خبره مقدر قبله أي: فله روح، أي: راحة ورحمة وما ~~ينعشه من نسيم الريح. وقال سعيد بن جبير: فله فرج، وقال الضحاك: مغفرة ~~ورحمة {وريحان} أي: رزق عظيم ونبات حسن بهيج وأزاهير طيبة الرائحة، وقال ~~مقاتل: هو بلسان حمير رزق، يقال: خرجت أطلب ريحان الله أي: رزقه؛ وقيل: هو ~~الريحان الذي يشم؛ قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى ~~يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه؛ وقال أبو بكر الوراق: الروح ~~النجاة من النار والريحان دخول دار القرار {وجنت} أي: ms3524 بستان جامع الفواكه ~~والرياحين {نعيم} أي: ذات تنعم ليس فيها غيره وأهله مقصورة عليهم. # تنبيه: جنت هنا مجرورة التاء ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي، فالكسائي بالأمالة في الوقف على أصله، والباقون بالتاء على ~~المرسوم. # {وأما إن كان} المتوفى {من أصحاب اليمين} أي: الذين هم في الدرجة الثانية ~~من أصحاب الميمنة {فسلام لك} أي: يا صاحب اليمين # PageV04P199 # {من} إخوانك {أصحاب اليمين} أي: يسلمون عليك كقوله تعالى: {إلا قيلا ~~سلاما سلاما} وقال القرطبي: فسلام لك من أصحاب اليمين أي: لست ترى منهم إلا ~~ما تحب من السلامة فلا تهتم لهم فإنهم يسلمون من عذاب الله تعالى؛ وقيل ~~المعنى: سلام لك منهم، أي: أنت سالم من الاعتمام لهم والمعنى واحد؛ وقيل: ~~أصحاب اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلي الله عليك ويسلم؛ وقيل معناه: سلمت ~~أيها العبد مما تكره فإنك من أصحاب اليمين فحذف إنك؛ وقيل: إنه يحيى ~~بالسلام تكرما؛ وعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقوال: أحدها: عند قبض روحه ~~في الدنيا يسلم عليه ملك الموت قاله الضحاك، وقال ابن مسعود: إذا جاء ملك ~~الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام، الثاني: عند مسألته في ~~القبر يسلم عليه منكر ونكير، الثالث: عند بعثه في القيامة تسلم عليه ~~الملائكة قبل وصوله إليها؛ قال القرطبي: ويحتمل أن يسلم عليه في المواطن ~~الثلاثة ويكون ذلك إكراما بعد إكرام. # ولما ذكر تعالى الصنفين الناجيين أتبعهما الهالكين جامعا لهم في صنف واحد ~~لأن من أريدت له السعادة يكفيه ذلك ومن ختم له بالشقاوة والعياذ بالله ~~تعالى لا ينفعه الإغلاظ والإكثار فقال تعالى: {وأما إن كان} المتوفى {من ~~المكذبين} الذين أخذناه من أصحاب المشأمة وأنتم حوله تتقطع أكبادكم له ولا ~~تقدرون له على شيء أصلا {الضالين} أي: عن الهدى وطريق الحق {فنزل من حميم} ~~كما قال تعالى: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون} إلى أن قال: {فشاربون شرب ~~الهيم} وقال تعالى: {ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم} (الصافات: 67) # أي: ماء متناه في الحرارة بعد ms3525 ما نالوا من العطش كما يرد أصحاب الميمنة ~~الحوض كما يبادر به للقادم ليبرد به غلة عطشه ويغسل به وجهه ويديه {وتصلية ~~جحيم} أي: ونزل من تصلية جحيم، والمعنى: إدخال في النار؛ وقيل: إقامة في ~~الجحيم ومقاساة لأنواع عذابها، يقال: أصلاه النار وصلاه أي: جعله يصلاها ~~والمصدر هنا مضاف إلى المفعول كما يقال: لفلان إعطاء ما له أي: يعطي المال ~~{إن هذا} أي: الذي ذكر في هذه السورة من أمر البعث الذي كذبوا به في قولهم: ~~إننا لمبعوثون ومن قيام الأدلة عليه {لهو حق اليقين} أي: حق الخبر اليقين ~~أي: لما عليه من الأدلة القطعية المشاهدة كأنه مشاهد مباشر، وقيل: إنما جاز ~~إضافة الحق إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما وذلك من باب إضافة ~~المترادفين # ولما حقق له تعالى إلى هذا اليقين سبب عن أمره لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالتنزيه عما وصفوه به مما يلزم منه وصفه بالعجز فقال تعالى: {فسبح} أي: ~~أوقع التنزيه كله عن كل شائبة نقص بالاعتقاد والقول والفعل بالصلاة وغيرها ~~بأن تصفه بكل ما وصف به نفسه من الأسماء الحسنى وتنزهه عن كل ما نزه نفسه ~~عنه {باسم ربك} أي: المحسن إليك بما خصك به مما لم يعطه أحدا غيرك وإذا كان ~~هذا لاسمه فكيف بما هو له {العظيم} الذي ملأت عظمته جميع الأقطار والأكوان ~~وزادت على ذلك بما لا يعلمه حق العلم سواه، لأن من له هذا الخلق على هذا ~~الوجه المحكم وهذا الكلام الأعز الأكرم لا ينبغي لشائبة نقص أن تلم بجنابه ~~أو تدنو من فناء بابه، وعن عقبة بن عامر قال: «لما نزلت {فسبح باسم ربك ~~العظيم} قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت {سبح ~~اسم ربك الأعلى} قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في سجودكم» . خرجه ~~أبو داود وعن # PageV04P200 # أبي ذر قال: «قال لي عليه الصلاة والسلام: ألا أخبرك بأحب الكلام إلى ~~الله تعالى سبحان الله وبحمده» . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله ms3526 عليه وسلم «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى ~~الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» هذا الحديث آخر حديث في ~~البخاري وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال: «سبحان ~~الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة» . «روى أبو طيبة عن عبد الله بن ~~مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ سورة الواقعة ~~كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» ورواه البيهقي وغيره وكان أبو طيبة لا يدعها ~~أبدا وأخرجه ابن الأثير في كتابه جامع الأصول ولم يعزه. ### | سورة الحديد # مكية أو مدنية وهي تسع وعشرون آية وخمسمئة وأربع وأربعون كلمة وألفان ~~وأربعمئة وستة وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي أحاطت هيبته بجميع الموجودات {الرحمن} الذي وسعهم جوده ~~في جميع الحركات والسكنات {الرحيم} الذي خص أهل ولايته بما يرضيه من ~~العبادات # ولما ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث جاءت هذه ~~لتقرير ذلك التنزيه فقال تعالى: # {سبح لله} أي: الملك المحيط بجميع صفات الكمال {ما في السموات} أي: ~~الإجرام العالية والذي فيها {والأرض} والذي فيها أي: نزهه كل شيء فاللام ~~مزيدة وجيء بما دون من تغليبا للأكثر {وهو} أي: وحده {العزيز} الذي يغلب كل ~~شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} أي: الذي أتقن كل شيء صنعه، وقرأ قالون وأبو ~~عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها {له} أي: وحده {ملك السموات ~~والأرض} وما فيهما وما بينهما ظاهرا أو باطنا فالملك الظاهر ما هو الآن ~~موجود في الدنيا من أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك ورياح وسحاب ~~مرئية وغير ذلك مما يحيط به علمه تعالى والملك الباطن الغائب عنا وأعظمه ~~المضاف إلى الآخرة وهو الملكوت {يحيي} أي: له صفة الإحياء فيحيي ما شاء من ~~الخلق بأن يوجده على صفة الحياة كيف شاء في أطوار يقلبها كيف شاء ومما شاء ~~{ويميت} أي: له هاتان الصفتان على سبيل الاختيار والتجدد والاستمرار فهو ~~قادر على البعث بدليل ما ثبت له من صفة ms3527 الإحياء {وهو على كل شيء} أي: من ~~الإحياء والإمانة وغيرهما من كل ممكن {قدير} أي: بالغ القدرة. # {هو} أي: وحده {الأول} بالأزلية قبل كل شيء فلا أول له، والقديم الذي منه ~~وجود كل شيء، وليس وجوده من شيء لأن كل ما نشاهده متأثر لأنه متغير وكل ما ~~كان كذلك فلا بد له من موجد غير متأثر ولا متغير {والآخر} أي: بالأبدية ~~الذي ينتهي إليه وجود كل شيء في سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء باق فلا ~~آخر له، لأنه يستحيل عليه نعت العدم لأن كل ما سواه متغير وكل ما تغير بنوع ~~من التغير جاز إعدامه وما جاز إعدامه فلا بد له من معدم يكون بعده ولا يمكن ~~إعدامه {والظاهر} أي: الغالب العلي على كل شيء {والباطن} أي: العالم بكل ~~شيء هذا معنى قول ابن عباس، وقال يمان: هو الأول القديم والآخر الرحيم ~~والظاهر # PageV04P201 # الحكيم والباطن العليم؛ وقال السدي: هو الأول ببره إذ عرفك توحيده والآخر ~~بجوده إذ عرفك التوبة على ما جنيت والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له ~~والباطن بستره إذ عصيته فستر عليك؛ وقال الجنيد: هو الأول بشرح القلوب ~~والآخر بغفران الذنوب والظاهر بكشف الكروب والباطن بعلم الغيوب؛ وسأل عمر ~~كعبا عن هذه الآية فقال: معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر وعلمه بالظاهر ~~كعلمه بالباطن {وهو بكل شيء عليم} أي: لكون الأشياء عنده على حد سواء ~~والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق، وأما هو سبحانه وتعالى فلا ~~باطن من الخلق عنده بل هم في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم. # فإن قيل: ما معنى هذه الواوات؟ أجيب: بأن الواو الأولى: معناها الدلالة ~~على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية؛ والثالثة: أنه الجامع بين ~~الظهور والخفاء، وأما الوسطى: فعلى أنه الجامع بين الصفتين الأوليين ومجموع ~~الصفتين الآخريين فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والحاضرة ~~والآتية وهي في جميعها ظاهر وباطن جامع للظهور بالأدلة والخفاء فلا يدرك ~~بالحواس؛ قال الزمخشري: وفي هذا حجة على من جوز إدراكه ms3528 في الآخرة بالحاسة ~~وهذا على رأيه الفاسد وهو على رأي المعتزلة المنكرين رؤية الله تعالى في ~~الآخرة؛ # وأما أهل السنة فإنهم يثبتون الرؤية للأحاديث الدالة على ذلك من غير ~~تشبيه ولا تكييف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ وعن سهل قال: كان أبو صالح ~~يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: اللهم رب ~~السموات والأرض رب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى ومنزل ~~التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم ~~أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك ~~شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من فضلك. وكان يروى ~~ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم # {هو} أي: وحده {الذي خلق السموات} وجمعها لعلم العرب بتعددها {والأرض} ~~أي: الجنس الشامل للكل وأفردها لعدم توصلهم إلى العلم بتعددها وقال تعالى: ~~{في ستة أيام} أي: من أيام الدنيا أولها الأحد وآخرها الجمعة سنا للتأني في ~~الأمور وتقدير للأيام التي أوترها سابعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل يوم ~~خلقه باسمه الجمعة على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع نهاية المخلوقات ~~وقوله تعالى: {ثم استوى على العرش} أي: السرير كناية عن انفراده بالتدبير ~~وإحاطة قدرته وعلمه، كما يقال في ملوكنا جلس فلان على سرير الملك بمعنى: ~~أنه انفرد بالتدبير لا يكون هناك سرير فضلا عن جلوس وأتى بأداة التراخي ~~تنبيها على عظمته {يعلم ما يلج} أي: يدخل دخولا يغيب فيه {في الأرض} أي: من ~~النبات وغيره من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك في غاية البعد فإن ~~الأماكن كلها بالنسبة إليه تعالى على حد سواء في القرب والبعد {وما يخرج ~~منها} كذلك. # تنبيه: في التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى ~~فصارا بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدد مستمرا إلى حين خرابهما {وما ينزل ~~من السماء} من الوحي والأمطار والحر والبرد وغيرها من الأعيان ms3529 والمنافع ~~التي يوجدها سبحانه وتعالى # PageV04P202 # من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع شؤونهم {وما يعرج} أي: ~~يصعد ويرتقي ويغيب {فيها} كالأبخرة والأنوار والكواكب والأعمال وغيرها ولم ~~يجمع السماء لأن المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس الشامل ~~للكل {وهو معكم} بالعلم والقدرة أيها الخلق {أينما كنتم} لا ينفك علمه ~~وقدرته عنكم بحال فهو عالم بجميع أموركم وقادر عليكم تعالى الله عن اتصال ~~بالعالم ومماسة أو انفصال عنه بغيبة أو مسافة {والله} أي: المحيط بجميع ~~صفات الكمال {بما تعملون} أي: على سبيل التجدد والاستمرار {بصير} أي: عالم ~~بجليله وحقيرة فيجازيكم به وقدم الجار لمزيد الاهتمام والتنبيه على تحقيق ~~الإحاطة {له} أي: وحده {ملك السموات} وجمع لاقتضاء المقام له {والأرض} ~~وأفرد لخفاء تعددها عليهم مع إرادة الجنس، ودل على إرادة ملكه وإحاطته ~~بقوله تعالى: {وإلى الله} أي: الملك الذي لا كفؤ له وحده {ترجع} بكل اعتبار ~~على غاية السهولة {الأمور} أي: كلها حسا لبعث ومعنى بالابتداء والإفناء ودل ~~على ذلك بقوله تعالى: {يولج} أي: يدخل ويغيب بالنقص والمحو {الليل في ~~النهار} فإذا هو قد قصر بعد طوله وقد انمحى بعد شخوصه وحلوله، وزاد النهار ~~وملأ الضياء الأقطار بعد ذلك الظلام {ويولج النهار} الذي عم الكون ضياؤه ~~{في الليل} الذي كان قد غاب في علمه فإذا الظلام قد طبق الآفاق فيزيد الليل ~~والطول الذي كان في النهار قد صار نقصا {وهو} أي: وحده {عليم} أي: بالغ ~~العلم {بذات الصدور} أي: بما فيها من الأسرار والمعتقدات على كثرة اختلافها ~~وتغيرها وإن خفيت على أصحابها. # ولما قامت الأدلة على تنزيهه سبحانه قال تعالى آمرا بالإذعان له ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم # {آمنوا} أي: أيها الثقلان {بالله} أي: الملك الأعظم الذي لا مثل له ~~{ورسوله} الذي عظمته من عظمته، ونزل في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك ~~{وأنفقوا} أي: في سبيل الله {مما جعلكم مستخلفين فيه} أي: من الأموال التي ~~في أيديكم فإنها أموال الله تعالى لأنها بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم ~~إياها وخولكم ms3530 بالاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها فليست هي ~~بأموالكم في الحقيقة وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا ~~منها في حقوق الله تعالى وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل ~~النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما ~~في أيديكم بتوريثه إياكم فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم وسينقل منكم ~~إلى من بعدكم، فلا تبخلوا به وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم. # ولما أمر تعالى بالإنفاق ووصفه بما سهله سبب عنه ما يرغب فيه فقال تعالى: ~~{فالذين آمنوا منكم وأنفقوا} من أموالهم في الوجوه التي ندب إليها على وجه ~~الإصلاح على ما دل عليه التعبير بالإنفاق {لهم أجر كبير} أي: لا تبلغ ~~عقولكم حقيقة كبره فاغتنموا الإنفاق في أيام استخلافكم قبل عزلكم وإتلافكم، ~~وخصهم بالذكر بقوله تعالى: {منكم} لضيق في زمانهم، وقيل: إن ذلك إشارة إلى ~~عثمان فإنه جهز جيش العسرة. # وقوله تعالى: {وما} أي: وأي شيء {لكم} من الأعذار أو غيرها في أنكم أو ~~حال كونكم {لا تؤمنون بالله} أي: تجددون الإيمان تجديدا مستمرا بالملك ~~الأعلى، أي: الذي له الملك كله والأمر كله # PageV04P203 # خطاب للكفار، أي: لا مانع لكم بعد سماعكم ما ذكر {والرسول} أي: والحال أن ~~الذي له الرسالة العامة {يدعوكم} في الصباح والمساء {لتؤمنوا} أي: لأجل أن ~~تؤمنوا {بربكم} الذي أحسن تربيتكم بأن جعلكم من أمة هذا النبي الكريم ~~فشرفكم به {وقد} أي: والحال أنه قد {أخذ ميثاقكم} أي: وقع أخذه فصار في ~~غاية القباحة، ترك التوثق بسبب نصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول ~~وذلك كله منضم إلى أخذ الذرية من ظهر آدم عليه السلام حين أشهدهم على ~~أنفسهم {ألست بربكم قالوا بلى} (الأعراف: 172) # وقرأ أبو عمرو: بضم الهمزة وكسر الخاء ورفع القاف على البناء للمفعول ~~ليكون المعنى: من أي أخذ كان من غير نظر إلى معين وقرأ الباقون بفتح الهمزة ~~والخاء ونصب القاف على البناء للفاعل والآخذ هو الله القادر على كل شيء ~~العالم بكل شيء، والحاصل: ms3531 أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان فلم يؤاخذهم حتى ~~أرسل الرسل {إن كنتم مؤمنين} أي: مريدين الإيمان فبادروا إليه {هو} أي: لا ~~غيره {الذي ينزل} أي: على سبيل التدريج والموالاة بحسب الحاجة، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد ~~الزاي {على عبده} الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم {آيات} أي: علامات هي من ظهورها حقيقة أن يرجع إليها ويتعبد بها ~~{بينات} أي: واضحات وهي آيات القرآن الكريم {ليخرجكم} أي: الله بالقرآن أو ~~عبده بالدعوة {من الظلمات} التي أنتم منغمسون فيها من الحظوظ والنقائص التي ~~جبل عليها الإنسان والغفلة الكاملة على تراكم الجهل، فمن آتاه الله تعالى ~~العلم والإيمان فقد أخرجه من هذه الظلمات التي طرأت عليه {إلى النور} الذي ~~كان له وصفا لروحه وفطرته الأولى السليمة {وإن الله} أي: الذي له صفات ~~الكمال {بكم لرؤوف رحيم} أي: حيث نبهكم بالرسل والآيات ولم يقتصر على ما ~~نصب لكم من الحجج العقلية، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر ~~الهمزة، والباقون بالمد، وورش على أصله بالمد والتوسط والقصر، وليس قصره ~~كقصر أبي عمرو ومن معه وإنما قصره كمد قالون ومن وافقه {وما} أي: وأي شيء ~~يحصل {لكم} في {أن لا تنفقوا} أي: توجدوا الإنفاق للمال {في سبيل الله} أي: ~~في كل ما يرضى الملك الأعظم الذي له صفات الكمال ليكون لكم به وصلة فيخصكم ~~بالرأفة التي هي أعظم الرحمة، فإنه ما يبخل أحد عن وجه خير إلا سلط الله ~~عليه غرامة في وجه شر {ولله} أي: الذي له صفات الكمال لا سيما صفة الإرث ~~المقتضية للزهد في الموروث {ميراث السموات # والأرض} أي: يرث كل شيء فيهما فلا يبقى لأحد مال فمن تأمل أنه زائل هو ~~وكل ما في يده والموت من ورائه وطوارق الحوادث مطبقة به وعما قليل ينقل ما ~~في يده إلى غيره هان عليه الجود بنفسه وماله # s # ثم بين تعالى التفاوت بين المنفقين منهم فقال تعالى: {لا ms3532 يستوي منكم من ~~أنفق} أي: أوجد الإنفاق في ماله وجميع قواه وما يقدر عليه {من قبل الفتح} ~~أي: الذي هو فتح جميع الدنيا في الحقيقة وهو فتح مكة الذي كان سببا لظهور ~~الدين الحق {وقاتل} سعيا في إنفاق نفسه لمن آمن به قبل الإسلام وقوة أهله ~~ودخول الناس في دين الله أفواجا وقله الحاجة إلى القتال والنفقة فيه ومن ~~أنفق من بعد # PageV04P204 # الفتح، فحذف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه، وفضل الأول لما ناله إذ ذاك ~~بالإنفاق من كثرة المشاق لضيق المال حينئذ، وفي هذا دليل على فضل أبي بكر ~~فإنه أول من أنفق لم يسبقه في ذلك أحد، وخاصم الكفار حتى ضرب ضربا شديدا ~~أشرف منه على الهلاك، روى محمد بن فضيل عن الكلبي: أن هذه الآية نزلت في ~~أبي بكر الصديق رضى الله عنه، وعن ابن عمر قال: «كنت عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال ~~فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها ~~بخلال؟ فقال: أنفق ماله علي قبل الفتح قال: فإن الله عز وجل يقول: اقرأ ~~عليه السلام وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أسخط ~~على ربي إني عن ربي راض» {أولئك} أي: المنفقون المقاتلون وهم السابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~«لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلع مد أحدهم ولا نصيفه» لمبادرتهم إلى ~~الجود بالنفس والمال {أعظم درجة} وتعظيم الدرجة يكون لعظم صاحبها {من الذين ~~أنفقوا من بعد} أي: من بعد الفتح {وقاتلوا} أي: من بعد الفتح {وكلا} أي: ~~وكل واحد من الفريقين {وعد الله} أي: الذي له # الجلال # والإكرام {الحسنى} أي: المثوبة الحسنى وهي: الجنة مع تفاوت الدرجات، وقرأ ~~ابن عامر: برفع اللام على الابتداء أي: وكل وعده ليطابق ما عطف عليه ~~والباقون بنصبها أي: وعد كلا {والله} أي: الذي له الإحاطة ms3533 الكاملة بجميع ~~صفات الكمال {بما تعملون} أي: تجددون عمله على الأوقات {خبير} أي: عالم ~~بباطنه وظاهره علما لا مزيد عليه بوجه فهو يجعل جزاء الأعمال على قدر ~~النيات التي هي أرواح صورها. # تنبيه: التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدين وقد يكون في أحكام الدنيا ~~فأما التقدم في أحكام الدين فقالت عائشة «أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن ننزل الناس منازلهم وأعظم المنازل مرتبة الصلاة» وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم في مرضه: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» وقال: «يؤم القوم أقرؤهم ~~لكتاب الله» وقال: «فليؤمكما أكبركما» وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على ~~أحكام الدين فمن قدم في الدين قدم في الدنيا، وفي الحديث «ليس منا من لم ~~يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا» وفي الحديث: «ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض ~~الله له عند سنه من يكرمه» # ثم رغب في الإنفاق بقوله تعالى: {من} وأكد بالإشارة بقوله تعالى: {ذا} ~~لأجل ما للنفوس من الشح {الذي يقرض الله} أي: يعطي الذي له جميع صفات ~~الجلال والإكرام شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز لأنه إذا أعطى المستحق ما ~~له لوجه الله تعالى فكأنه أقرضه إياه {قرضا حسنا} أي: طيبا خالصا مخلصا فيه ~~متحريا به أفضل الوجوه من غير من وكدر بتسويف وغيره {فيضاعفه له} أي: يؤتي ~~أجره من عشرة إلى أكثر من سبعمئة كما ذكره في البقرة إلى ما شاء الله تعالى ~~من الأضعاف، وقيل: القرض الحسن أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر وقال زيد بن أسلم: هو النفقة على الأهل، وقال الحسن: ~~التطوع بالعبادات، وقرأ ابن عامر وعاصم بنصب الفاء بعد العين والباقون ~~بالرفع وقرأ ابن كثير وابن عامر بغير ألف بعد الضاد وتشديد العين، والباقون ~~بألف بعد الضاد وتخفيف العين {وله} أي: للمقرض زيادة # PageV04P205 # على ذلك {أجر} لا يعلم قدره إلا الله تعالى وهو معنى وصفه بقوله تعالى: ~~{كريم} أي: حسن طيب زاك تام وقوله تعالى: # {يوم} ظرف لقوله تعالى: {وله أجر ms3534 كريم} أو منصوب بإضمار أذكر أي: واذكر ~~يوم {ترى} أي: بالعين {المؤمنين والمؤمنات} أي: الذين صار الإيمان لهم صفة ~~راسخة {يسعى نورهم} أي: ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة {بين أيديهم ~~وبأيمانهم} لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن ~~الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم فيجعل النور في الجهتين شعار لهم ~~وآية لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم ~~إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون يسعى معهم ذلك النور حبيبا لهم ومتقدما، ~~والأول: نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقبولة، والثاني: نور الإنفاق ~~لأنه بالإيمان نبه عليه الرازي وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم «قال من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن ودون ذلك حتى ~~أن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه» . وقال عبد الله بن مسعود: ~~«يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة ومنهم من يؤتى ~~نوره كالرجل القائم وأدناهم نورا نوره على إبهامه فيطفأ مرة ويتقد أخرى ~~ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة: {بشراكم اليوم} أي: بشارتكم العظيمة ~~في جميع ما يستقبلكم من الزمان. # تنبيه: {بشراكم اليوم} مبتدأ واليوم ظرف وقوله تعالى: {جنات} خبره على ~~حذف مضاف أي: دخول جنات وهو المبشر به ثم وصفها بما لا تكمل اللذة إلا به ~~بقوله: {تجري من تحتها الأنهار} ثم آمنهم من خوف الانقطاع بقوله تعالى: ~~{خالدين فيها} أي: خلودا لا آخر له لأن الله تعالى أورثهم ذلك فلا يورث عنه ~~لأن الجنة لا موت فيها {ذلك} أي: هذا الأمر العظيم المتقدم من النور ~~والبشرى بالجنات المخلدة {هو الفوز العظيم} أي: الذي ملأ بعظمته جميع ~~جهاتهم. # ولما شرح تعالى حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال ~~المنافقين بقوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات} وهم المظهرون الإيمان ~~المبطنون الكفر. # تنبيه: يوم بدل من يوم ترى أو منصوب بأذكر {للذين آمنوا} أي: ظاهرا ~~وباطنا {انظرونا} أي: انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف ms3535 على ~~ركائب تزف بهم وهؤلاء مشاة، أو انظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم ~~استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به، وقرأ حمزة: بقطع الهمزة ~~في الوصل وكسر الظاء والباقون بوصل الهمزة ورفع الظاء، وأما الوقف على ~~آمنوا والابتداء بانظرونا فحمزة على حاله كما يقرأ في الوصل، والباقون بضم ~~همزة الوصل في الابتداء والظاء على حالها من الضم {نقتبس} أي: نستضيء {من ~~نوركم} أي: هذا الذي نراه لكم ولا يلحقنا منه شيء كما كنا في الدنيا نرى ~~إيمانكم بما نرى من ظواهركم ولا نتعلق من ذلك بشيء، {جزاء وفاقا} (النبأ: ~~26) # وذلك لأن الله تعالى يضيء للمؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على ~~الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم وهو قوله تعالى: {وهو خادعهم} ~~(التحريم: 8) # فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحا وظلمة فأطفأت نور المنافقين فذلك قوله ~~تعالى: {يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه} الآية مخافة أن يسلبوا ~~نورهم كما سلب نور المنافقين والقبس الشعلة من النار أو السراج، قال ابن ~~عباس # PageV04P206 # وأبو إمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة؛ قال الماوردي: أظنها بعد فصل ~~القضاء ثم يعطون نورا يمشون فيه؛ وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور ~~المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا ~~للمؤمنين: {انظرونا نقتبس من نوركم} قيل لهم جوابا لسؤالهم؛ قال ابن عباس ~~يقول لهم المؤمنون: أي: قول رد وتوبيخ وتهكم وتنديم {ارجعوا وراءكم} أي: ~~ارجعوا إلى الموقف حيث أعطينا النور {فالتمسوا نورا} هناك فمن ثم يقتبس أو ~~ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا بتحصيل سببه وهو الإيمان أو ارجعوا خائبين ~~وتنحوا عنا والتمسوا نورا آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن لا ~~نور وراءهم وإنما هو تخييب وإقناط لهم، وقال قتادة: تقول لهم الملائكة: ~~ارجعوا وراءكم من حيث جئتم، وقرأ هشام والكسائي: بضم القاف والباقون ~~بكسرها. # ولما كان التقدير فرجعوا أو فأقاموا في الظلمة سبب عنه وعقب قوله تعالى: ~~{فضرب بينهم} أي: بين المؤمنين والمنافقين {بسور} أي: حائط ms3536 حائل بين شق ~~الجنة وشق النار {له} أي: لذلك السور {باب} موكل به حجاب لا يفتحون إلا لمن ~~أذن له الله تعالى من المؤمنين لما يهديهم إليه من نورهم الذي بين أيديهم ~~بشفاعة أو نحوها {باطنه} أي: ذلك السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة ~~من جهة الذين آمنوا جزاء لإيمانهم الذي هو غيب {فيه الرحمة} وهي ما لهم من ~~الكرامة لأنه يلي الجنة التي هي ساترة تبطن من فيها بأشجارها وبأستارها كما ~~كانت بواطنهم ملآنة رحمة {وظاهره} أي: ما ظهر لأهل النار {من قبله} أي: من ~~عنده ومن جهته {العذاب} وهو الظلمة والنار لأنه يليها لاقتصار أهلها على ~~الظواهر من غير أن يكون لهم نفوذ إلى باطن، وروي عن عبد الله بن عمر أن ~~السور الذي ذكر الله تعالى في القرآن هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه ~~المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم. # وقال ابن سريج: كان كعب يقول: في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت ~~المقدس إنه الباب الذي قال الله تعالى: {فضرب بينهم بسور له باب} الآية، ~~وقيل: السور عبارة عن منع المنافقين عن طلب المؤمنين {ينادونهم} أي: ينادي ~~المنافقون الذين آمنوا ويترققون لهم {ألم نكن معكم} أي: في الدنيا نصلي ~~ونصوم فنستحق المشاركة فيما صرتم إليه بسبب ذلك الذي كنا معكم فيه {قالوا} ~~أي: الذين آمنوا {بلى} أي: كنتم معنا في الظاهر {ولكنكم فتنتم أنفسكم} ~~أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها فتنة ~~{وتربصتم} أي: بالإيمان والتوبة وبمحمد صلى الله عليه وسلم وقلتم: يوشك أن ~~يموت فنستريح منه {وارتبتم} أي: شككتم في الدين وفي نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وفيما وعدكم به {وغرتكم الأماني} أي: ما تتمنون من الإرادات التي ~~معها شهوة عظيمة من الأطماع الفارغة التي لا سبب لها غير شهوة النفس إياها ~~بما كنتم تتوقعون لنا من دوائر السوء {حتى جاء أمر الله} أي: قضاء الملك ~~المتصف بجميع صفات الكمال فلا كفؤ له ولا خلف وقرأ قالون وأبو ms3537 عمرو بإسقاط ~~الهمزة الأولى مع المد والقصر، وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية، وأيضا لهما ~~إبدالها والباقون بتحقيقهما، وأمال الألف بعد الميم حمزة وابن ذكوان، ~~والباقون # PageV04P207 # بالفتح وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة الثانية مع المد والتوسط والقصر ~~{وغركم بالله} أي: الملك الذي له جميع العظمة {الغرور} أي: من لا صنع له ~~إلا الكذب وهو الشيطان فإنه يزين لكم بغروره التسويف ويقول: إن الله غفور ~~رحيم وعفو كريم وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنده وهو عظيم ومحسن وحليم ونحو ~~ذلك فلا يزال حتى يوقع الإنسان فإذا أوقعه واصل عليه مثل ذلك حتى يتمادى ~~فإذا تمادى صار الباعث له حينئذ من قبل نفسه فصار طوع يده {فاليوم} أي: ~~بسبب أفعالكم تلك {لا يؤخذ منكم فدية} أي: نوع من أنواع الفداء وهو البدل ~~والعوض للنفس على أي حال كان من قلة أو # كثرة لأن الإله غني وقد فات محل العمل الذي شرعه لكم لانقياد أنفسكم، ~~وقرأ ابن عامر بالتاء الفوقية على التأنيث والباقون بالتحتية على التذكير ~~{ولا من الذين كفروا} أي: الذين أظهروا كفرهم ولم يستروه كما سترتموه أنتم ~~لمساواتكم لهم في الكفر، وإنما عطف الكافر على المنافق وإن كان المنافق ~~كافرا في الحقيقة لأن المنافق أبطن الكفر والكافر أظهره فصار غير المنافق ~~فحسن عطفه على المنافق {مأواكم النار} أي: منزلكم ومسكنكم لا مقر لكم غيرها ~~تحرقكم كما كنتم تحرقون قلوب الأولياء بإقبالكم على الشهوات وإضاعة حقوق ~~ذوي الحاجات، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين ~~اللفظين، والباقون بالفتح، وورش لا يبدل هذه الهمزة ثم أكد ذلك بقوله ~~تعالى: {هي} أي: لا غيرها {مولاكم} أي: هي أولى بكم وأنشد قول لبيد: # فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها* # والشاهد في مولى المخافة فمولى بمعنى أولى والفرجان الجانبان وهو الخلف ~~والقدام وهو وصف بقرة وحشية أي: غدت على حالة كلا جانبيها مخوف وحقيقته في ~~الآية محراكم بحاء مهملة وراء أي: مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما ~~قيل هو ms3538 مئنة للكرم أي: مكان، كقول القائل: إنه لكريم، ويجوز أن يراد هي ~~ناصركم، أي: لا ناصر لكم غيرها، والمراد: نفي الناصر على البنات، وقيل: ~~تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار. # ولما كان التقدير بئس المولى هي عطف عليه قوله تعالى: {وبئس المصير} أي: ~~هذه النار واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {ألم يأن} أي: يحن ويدرك وينتهي ~~إلى الغاية {للذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان {أن تخشع} أي: تلين وتسكن ~~وتخضع وتذل وتطمئن {قلوبهم لذكر الله} أي: الملك الأعظم الذي لا خير إلا ~~منه فيصدق في إيمانه من كان كاذبا ويقوى في الدين من كان ضعيفا فيعرض عن ~~الفاني ويقبل على الباقي ولا يطلب لداء دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في ~~غير القرآن، فقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: إن الله استبطأ قلوب ~~المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وعن ابن مسعود رضى ~~الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، ~~وعن الحسن: أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل ما تقرؤون ~~فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق، وقيل: كانوا مجدبين ~~بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت؛ وعن ~~أبي بكر رضى الله عنه: أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل ~~اليمامة # PageV04P208 # فبكوا بكاء شديدا فنظر إليهم وقال: هكذا كنا حتى قست القلوب وقال الشاعر: # *ألم يأن لي يا قلب أن نترك الجهلا ... وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا* # وقوله تعالى: {وما نزل من الحق} أي: القرآن عطف على الذكر عطف أحد ~~الوصفين على الآخر لأن القرآن جامع للأمرين للذكر والموعظة أو أنه حق نازل ~~من السموات؛ ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله تعالى، وقرأ نافع وحفص ~~بتخفيف الزاي والباقون بالتشديد وقوله تعالى: {ولا يكونوا كالذين أوتوا ~~الكتاب من قبل} أي: قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى معطوف على تخشع ~~والمراد: ms3539 النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكى عنهم بقوله تعالى: {فطال ~~عليهم الأمد} أي: الأجل لطول أعمارهم أو آمالهم أو ما بينهم وبين أنبيائهم ~~{فقست} أي: بسبب الطول {قلوبهم} أي: صلبت واعوجت بحيث لا تنفعل بالطاعات ~~والخير فكانوا كل حين في تعنت جديد على أنبيائهم عليهم السلام يسألونهم ~~المقترحات، وأما بعد أنبيائهم فابعدوا في القساوة فمالوا إلى دار الكدر ~~وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات؛ قال القشيري: ~~وقسوة القلب إنما تحصل باتباع الشهوة فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان؛ وعن ~~أبي موسى الأشعري: أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاث مئة رجل قد ~~قرؤوا القرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاقرؤه ولا تطيلوا عليكم ~~الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم {وكثير منهم} أخرجته قساوته ~~عن الدين أصلا ورأسا فهم {فاسقون} أي: عريقون في صفة الإقدام على الخروج من ~~دائرة الحق التي حدها لهم الكتاب حتى تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما ~~الصلاة والسلام وقوله تعالى: # {اعلموا أن الله} أي: الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء ~~{يحيي} أي: على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه {الأرض} أي: بالنبات ~~{بعد موتها} أي: يبسها تمثيل لإحياء الأموات بجميع أجسادهم وإفاضة الأرواح ~~عليها كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة، ولإحياء القلوب القاسية ~~بالذكر والتلاوة فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته، لإحياء القلوب ~~فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير ~~بأحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض رابية بعد خشوعها وموتها. ~~{ { # ولما انكشف الأمر بهذه غاية الانكشاف أنتج قوله تعالى: {قد بينا} أي: على ~~مالنا من العظمة {لكم الآيات} أي: العلامات النيرات {لعلكم تعقلون} أي: ~~لتكونوا عند من يعلم ذلك ويمنعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما ~~يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدائم بالاستمرار # وقرأ: {إن المصدقين} أي: العريقين في هذا الوصف من الرجال {والمصدقات} ~~أي: من النساء، ابن كثير وشعبة بتخفيف الصاد فيهما ms3540 من التصديق بالإيمان ~~والباقون بالتشديد فيهما من التصدق أدغمت التاء في الصاد أي: الذين تصدقوا ~~وقوله تعالى: {وأقرضوا الله} أي: الذي له الكمال كله عطف على معنى الفعل في ~~المصدقين لأن اللام بمعنى الذين واسم الفاعل بمعنى أصدقوا كأنه قيل: إن ~~الذين أصدقوا وأقرضوا الله {قرضا حسنا} أي: بغاية ما يكون من طيب النفس ~~وإخلاص النية والنفقة # PageV04P209 # في سبيل الخير وحسنه؛ كما قال الرازي: أن يصرف بصره عن النظر إلى فعله ~~والنفقة وإلا متنا به وطلب العوض عليه {يضاعف} أي: ذلك القرض {لهم} من عشرة ~~إلى سبعمائة كما مر لأن الذي كان له العرض كريم، وقرأ ابن كثير وابن عامر: ~~بتشديد العين ولا ألف بينها وبين الضاد؛ والباقون بتخفيف العين وبينها وبين ~~الضاد ألف {ولهم} أي: مع المضاعفة {أجر كريم} أي: ثواب حسن وهو الجنة ~~والنظر إلى وجهه الكريم. # ثم بين سبحانه وتعالى الحامل على الصدقة ترغيبا فيه وهو الإيمان فقال ~~تعالى: {والذين آمنوا} أي: أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم {بالله} ~~أي: الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام {ورسله} أي: كلهم لأجل ما لهم من ~~النسبة إليه فمن كذب واحد منهم لم يكن مؤمنا بالله تعالى: {أولئك} أي: ~~هؤلاء العالو الرتبة {هم الصديقون} أي: الذين هم في غاية الصدق والتصديق ~~لما يحق له أن يصدقه من سمعه؛ وقال القشيري الصديق من استوى ظاهره وباطنه؛ ~~ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص ولا يجنح ~~للتأويلات؛ وقال مجاهد: كل من آمن بالله تعالى ورسله عليهم السلام فهو صديق ~~وتلا هذه الآية؛ وقال الضحاك: الآية خاصة في ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا ~~أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير ~~وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضى الله عنهم ألحقه الله تعالى بهم لما ~~عرف من صدق نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله، واختلف في نظم قوله تعالى: ~~{والشهداء عند ربهم} أي: المحسن إليهم بالتربية لمثل تلك الرتبة العالية ~~فمنهم من ms3541 قال: هي متصلة بما قبلها والواو للنسق وأراد بالشهداء المؤمنين ~~المخلصين، وقال الضحاك: هم التسعة الذين سميناهم رضي الله عنهم؛ وقال ~~مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد وتلا هذه الآية، وقال قوم: تم الكلام عند قوله ~~تعالى: {هم الصديقون} ثم ابتدأ بقوله تعالى: {والشهداء} فهو مبتدأ وخبره ~~{لهم أجرهم} أي: جعله ربهم لهم {ونورهم} أي: الذي زادهموه من فضله برحمته ~~قالوا: والواو للاستئناف وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومسروق وجماعة؛ ~~ثم اختلفوا فيهم فمنهم من قال: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين ~~يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما وهو قول مقاتل بن ~~حيان، وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله عز وجل. # ولما ذكر تعالى أهل السعادة جعلنا الله تعالى ووالدينا ومحبينا منهم ~~جامعا لأصنافهم أتبعهم أهل الشقاوة لذلك بقوله تعالى: {والذين كفروا} أي: ~~ستروا ما دلت عليه الأدلة {وكذبوا بآياتنا} أي: على مالها من العظمة ~~بنسبتها إلينا {أولئك} أي: هؤلاء البعداء من كل خير {أصحاب الجحيم} أي: ~~النار التي هي غاية في توقدها وفي ذلك دليل على أن الخلود في النار مخصوص ~~بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة عرفا، ~~وأما غيرهم من العصاة فدخولهم فيها ليس على وجه الصحبة الدالة على ~~الملازمة. # ثم بين سبحانه وتعالى الحامل على الصدقة ترغيبا فيه وهو الإيمان فقال ~~تعالى: {والذين آمنوا} أي: أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم {بالله} ~~أي: الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام {ورسله} أي: كلهم لأجل ما لهم من ~~النسبة إليه فمن كذب واحد منهم لم يكن مؤمنا بالله تعالى: {أولئك} أي: ~~هؤلاء العالو الرتبة {هم الصديقون} أي: الذين هم في غاية الصدق والتصديق ~~لما يحق له أن يصدقه من سمعه؛ وقال القشيري الصديق من استوى ظاهره وباطنه؛ ~~ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص ولا يجنح ~~للتأويلات؛ وقال مجاهد: كل من آمن بالله تعالى ورسله عليهم السلام فهو صديق ~~وتلا ms3542 هذه الآية؛ وقال الضحاك: الآية خاصة في ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا ~~أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير ~~وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضى الله عنهم ألحقه الله تعالى بهم لما ~~عرف من صدق نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله، واختلف في نظم قوله تعالى: ~~{والشهداء عند ربهم} أي: المحسن إليهم بالتربية لمثل تلك الرتبة العالية ~~فمنهم من قال: هي متصلة بما قبلها والواو للنسق وأراد بالشهداء المؤمنين ~~المخلصين، وقال الضحاك: هم التسعة الذين سميناهم رضي الله عنهم؛ وقال ~~مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد وتلا هذه الآية، وقال قوم: تم الكلام عند قوله ~~تعالى: {هم الصديقون} ثم ابتدأ بقوله تعالى: {والشهداء} فهو مبتدأ وخبره ~~{لهم أجرهم} أي: جعله ربهم لهم {ونورهم} أي: الذي زادهموه من فضله برحمته ~~قالوا: والواو للاستئناف وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومسروق وجماعة؛ ~~ثم اختلفوا فيهم فمنهم من قال: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين ~~يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما وهو قول مقاتل بن ~~حيان، وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله عز وجل. # ولما ذكر تعالى أهل السعادة جعلنا الله تعالى ووالدينا ومحبينا منهم ~~جامعا لأصنافهم أتبعهم أهل الشقاوة لذلك بقوله تعالى: {والذين كفروا} أي: ~~ستروا ما دلت عليه الأدلة {وكذبوا بآياتنا} أي: على مالها من العظمة ~~بنسبتها إلينا {أولئك} أي: هؤلاء البعداء من كل خير {أصحاب الجحيم} أي: ~~النار التي هي غاية في توقدها وفي ذلك دليل على أن الخلود في النار مخصوص ~~بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة عرفا، ~~وأما غيرهم من العصاة فدخولهم فيها ليس على وجه الصحبة الدالة على ~~الملازمة. # ولما ذكر تعالى حال الفريقين في الآخرة حقر أمر الدنيا بقوله تعالى: ~~{اعلموا} أي: أيها العباد المبتلون بحب الدنيا {أنما الحياة الدنيا} أي: ~~الحاضرة التي رغب في الزهد فيها والخروج عنها بالصدقة والقرض الحسن، وما ms3543 ~~مزيدة للتأكيد أي: الحياة في هذه الدار {لعب} أي: لعب لا ثمرة له فهو باطل ~~كلعب الصبيان {ولهو} أي: # PageV04P210 # شيء يفرح به الإنسان فيلهيه أي يشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ~~ثم أتبع ذلك أعظم ما يلهي في الدنيا بقوله تعالى: {وزينة} أي: شيء يبهج ~~العين ويسر النفس كزينة النسوان وأتبعها ثمرتها بقوله تعالى: {وتفاخر ~~بينكم} أي: كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض فيجر ذلك إلى الحسد ~~والبغضاء وأتبع ذلك بما يحصل به الفخر بقوله تعالى: {وتكاثر} أي: من ~~الجانبين كتكاثر الرهبان {في الأموال} أي: التي لا يفتخر بها إلا أحمق ~~لكونها مائلة {والأولاد} أي: التي لا يغتر بها إلا سفيه لأنها زائلة ~~وآفاتها هائلة وإنما هي فتنة وابتلاء يظهر بها الشاكر من غيره، ثم ذلك كله ~~قد يكون ذهابه عن قريب فيكون على أضداد ما كان عليه فيكون أشد في الحسرة ثم ~~في آخر ذلك يموت فإذا هو قد اضمحل أمره ونسى عما قليل ذكره وصار ماله لغيره ~~وزينته متمتعا بها سواه، فالدنيا حقيرة وأحقر منها طالبها لأنها جيفة وطالب ~~الجيفة ليس له خطر وأخسهم من يبخل بها، وقال علي لعمار: لا تحزن على الدنيا ~~فإن الدنيا ستة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح، فأحسن ~~طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء ويستوي فيه جميع الحيوان، ~~وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل مشمومها المسك وهو دم فأرة، ~~وأفضل المركوب الفرس وعليها تقتل الرجال، وأما المنكوح فهو النساء وهو مبال ~~في مبال والله إن المرأة لتزين أحسنها فيراد منها أقبحها ا. ه. ويناسب بعض ~~ذلك قول الشاعر: # *فخير لباسها نسجات دود # ... وخير شرابها قيء الذباب # *وأشهى ما ينال المرء فيها # ... مبال في مبال مستطاب # قال القشيري: وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخرة فكل ما ~~يشغله عن الآخرة فهو الدنيا ا. ه. أي: وأما الطاعات وما يعين عليها فمن ~~أمور الآخرة ثم ضرب الله للدنيا مثلا بقوله تعالى: {كمثل} أي: هذا الذي ~~ذكرته من ms3544 أمرها يشبه مثل {غيث} أي: مطر حصل بعد جدب وسوء حال {أعجب الكفار} ~~أي: الزراع الذين حصل منهم الحرث والبذر الذي يستره الحارث كما يستر الكافر ~~حقيقة أنوار الإيمان بما يحصل منه من الجحد والطغيان {نباته} أي: نبات ذلك ~~الغيث كما يعجب الكافر في الغالب بسط الدنيا له استدراجا من الله تعالى: ~~{ثم يهيج} أي: ييبس فيتم جفافه فيحين حصاده {فتراه} أي: عقب كل ذلك وبالقرب ~~منه {مصفرا} أي: على حالة لا نمو بعدها {ثم} أي: بعد تناهي الجفاف {يكون} ~~أي: كونا كأنه مطبوع عليه {حطاما} أي: فتاتا يضمحل بالرياح. # ولما ذكر تعالى الظل الزائل ذكر أثره الثابت الدائم مقسما له إلى قسمين ~~فقال تعالى: {وفي الآخرة عذاب شديد} أي: على من آثر الدنيا وأخذها بغير ~~حقها معرضا عن ذكر الله تعالى وعن الآخرة هذا أحد القسمين، وأما القسم ~~الآخر فهو: ما ذكره بقوله تعالى: {ومغفرة} أي: ولمن أقبل على الآخرة ورفض ~~الدنيا ولم تشغله عن ذلك الله تعالى مغفرة {من الله} أي: الملك الأعظم ~~{ورضوان} أي: في جنة عالية تفضلا منه تعالى ورحمة، وقوله تعالى جل وعلا: ~~{وما الحياة الدنيا} أي: لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة {إلا متاع ~~الغرور} أي: هو في نفسه غرور لا حقيقة له # PageV04P211 # إلا ذلك لأنه لا يسر بقدر ما يضر تأكيد لما سبق، قال سعيد بن جبير: ~~الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان ~~الله وطلب الآخرة فنعم المتاع ونعم الوسيلة. # ثم أرشدهم الله تعالى إلى المسابقة إلى الخيرات لأن الدنيا خيال ومحال، ~~والآخرة بقاء وكمال بقوله تعالى: # {سابقوا} أي: سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار {إلى مغفرة} أي: ستر ~~لذنوبكم عينا وأثرا {من ربكم} أي: المحسن إليكم بأنواع الخيرات التي توجب ~~المغفرة لكم من ربكم، وقال الكلبي: سارعوا بالتوبة لأنها تؤدي إلى المغفرة، ~~وقال مكحول: هي التكبيرة الأولى مع الإمام، وقيل: الصف الأول {وجنة} أي: ~~وبستان هو من عظم أشجاره واطراد أنهاره بحيث يستر داخله {عرضها ms3545 كعرض السماء ~~والأرض} أي: السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض ~~لكان عرض الجنة في قدرها جميعا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أن لكل ~~واحد من المطيعين جنة بهذه السعة، وقال مقاتل: إن السموات السبع والأرضين ~~السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها إلى بعض لكانت عرض جنة واحدة من الجنان، ~~وسأل عمر ناس من اليهود إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين النار؟ فقال لهم: ~~أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ ~~فقالوا: إنه لمثلهما في التوراة. ومعناه: أنه حيث شاء الله وهذا عرضها ولا ~~شك أن الطول أزيد من العرض فذكر العرض تنبيها على أن طولها أضعاف ذلك، وقيل ~~إن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في أنفسهم وأفكارهم وأكثر ما يقع في ~~أنفسهم مقدار السموات والأرض فشبه عرض الجنة بما تعرفه الناس {أعدت} أي: ~~هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ من أمرها بأيسر أمر {للذين آمنوا} أي: ~~أوقعوا هذه الحقيقة {بالله} أي: الذي له جميع العظمة لأجل ذاته مخلصين له ~~الإيمان {ورسله} فلم يفرقوا بين أحد منهم وفي هذا أعظم رجاء وأقوى أمل لأنه ~~ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ولم يذكر مع الإيمان شيئا آخر، يدل ~~عليه قوله تعالى في سياق الآية {ذلك} أي: الفضل العظيم جدا {فضل الله} أي: ~~الملك الذي لا كفؤ له فلا اعتراض عليه {يؤتيه من يشاء} فبين أنه لا يدخل ~~أحد الجنة إلا بفضل الله لا بعمله، لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # «لن يدخل الجنة أحدا منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا ~~إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمة» . ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {ادخلوا الجنة ~~بما كنتم تعملون} لأن الباء في الحديث عوضيه، وفي الآية سببية، فإن قيل: ~~يلزم على هذا أن يقطع بحصول الجنة لجميع العصاة وأن يقطع بأنه لا عقاب ~~عليهم؟ أجيب: بأنا نقطع بحصول ms3546 الجنة ولا نقطع بنفي العقاب عنهم لأنهم إذا ~~عذبوا مدة ثم نقلوا إلى الجنة بقوا فيها أبد الآباد فكانت معدة لهم {والله} ~~أي: والحال أن الملك المختص بجميع صفات الكمال فله الأمر كله {ذو الفضل ~~العظيم} أي: الذي جل أن تحيط بوصفه العقول {ما أصاب من مصيبة في الأرض} أي: ~~من قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمرات وغلاء الأسعار وتتابع الحوائج وغير ~~ذلك {ولا في أنفسكم} أي: من الأمراض والفقر وذهاب الأولاد وضيق العيش وغير ~~ذلك {إلا في كتاب} أي: مكتوبة في اللوح مثبتة في علم الله تعالى: # PageV04P212 # {من قبل أن نبرأها} أي: نخلق ونوجد ونقدر المصيبة في الأرض والأنفس، وهذا ~~دليل على أن اكتساب العباد بخلقه سبحانه وتعالى وتقديره {إن ذلك} أي: الأمر ~~الجليل وهو علمه بالشيء وكتبه له على تفاصيله قبل أن يخلقه {على الله} أي: ~~لما له من الإحاطة بصفات الكمال {يسير} لأن علمه محيط بكل شيء فقدرته شاملة ~~لا يعجزه فيها شيء. # ثم بين ثمرة إعلامه بذلك بقوله تعالى: {لكيلا} أي: أعلمناكم بأنا على ~~مالنا من العظمة قد فرغنا من التقدير فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا ~~تبديل ولا تغيير لا الحزن يدفعه ولا السرور يجلبه ويجمعه كما قال صلى الله ~~عليه وسلم «يا معاذ ليقل همك ما قدر يكن» لأجل أن {لا تأسوا} أي: تحزنوا ~~حزنا كبيرا زائدا على ما في أصل الجبلة فربما جر ذلك إلى السخط وعدم الرضا ~~بالقضاء {على ما فاتكم} أي: من المحبوبات الدنيوية {ولا تفرحوا} أي: تسروا ~~سرورا يوصلكم إلى البطر بالتمادي على ما في أصل الجبلة وقوله تعالى: {بما ~~آتاكم} قرأه أبو عمرو بقصر الهمزة، أي: جاءكم منه، والباقون بالمد أي ~~أعطاكم قال جعفر الصادق رضي الله عنه: مالك تأسف على مفقود ولا يرده عليك ~~الفوت ومالك تفرح بموجود ولا يتركه في يدك الموت ا. ه. # ولقد عزى الله تعالى المؤمنين رحمة بهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن ~~أسفهم على فوت المطلوب لا يعيده، وفرحهم بحصول المحبوب ms3547 لا يفيده، وبأن ذلك ~~لا مطمع في بقائه إلا بإدخاره عند الله تعالى وذلك بأن يقول: المصيبة قدر ~~الله تعالى وما شاء فعل ويصبر؛ وفي النعمة هكذا قضى وما أدري مآله هذا من ~~فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر فلا يزال خائفا عند النعمة قائلا في الحالين ~~ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن، وأكمل من هذا أن يكون مسرورا ~~بذكر ربه في كلتا الحالتين، وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات المغيرة فمن ~~لم يتغير بالمضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته كما أشار إليه القشيري؛ ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن المؤمن ~~يجعل مصيبته صبرا وغنيمته شكرا والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان ~~تتعدى فيهما إلى ما لا يجوز {والله} أي: الذي له صفات الكمال {لا يحب} أي: ~~لا يفعل فعل المحب بأن يكرم {كل مختال} أي: متكبر نظرا إلى ما في يده من ~~الدنيا {فخور} أي: به على الناس قال القشيري: الاختيال من بقايا النفس ~~ورؤيتها، والفخر من رؤية خطر ما به يفتخر. # وقوله تعالى: {الذين يبخلون} بدل من كل مختال فخور فإن المختال بالمال ~~يضن به غالبا {ويأمرون الناس} أي: كل من يعرفونه {بالبخل} إرادة أن يكونوا ~~لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله ~~تعالى: {ومن يتول} أي: يكلف نفسه الإعراض ضد ما في فطرته من محبة الخير ~~والإقبال على الله تعالى: {فإن الله} الذي له جميع صفات الكمال {هو} أي: ~~وحده {الغني الحميد} لأن معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله غني أي: عن ~~ماله وعن إنفاقه وكل شيء مفتقر إليه وهو مستحق للحمد سواء أحمده الحامدون ~~أم لا {لقد أرسلنا} أي: بما لنا من العظمة {رسلنا} أي: الذين لهم نهاية ~~الجلال بما لهم بنا من الاتصال من الملائكة إلى الأنبياء على جميعهم أفضل ~~الصلاة والسلام ومن الأنبياء إلى الأمم {بالبينات} أي: الحجج القواطع ~~{وأنزلنا} أي: بعظمتنا التي لا شيء أعلى ms3548 منها {معهم الكتاب} # PageV04P213 # أي: الكتب المتضمنة للأحكام وشرائع الدين {والميزان} أي: العدل، وقيل: ~~الآلة روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عليه السلام ~~وقال مر قومك يزنوا به {ليقوم الناس بالقسط} أي: ليتعاملوا بينهم بالعدل ~~{وأنزلنا} أي: خلقنا خلقا عظيما بما لنا من القوة {الحديد} أي: المعروف على ~~وجه من القوة والصلابة واللين فلذلك سمي إيجاده إنزالا؛ وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: نزل آدم عليه السلام من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد ~~وروي من آلة الحدادين السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة، وحكاه ~~القشيري قال: والميقعة ما يحدد به يقال: وقعت الحديدة أقعها أي: حددتها وفي ~~الصحاح: الميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشبة القصار التي ~~يدق عليها والمطرقة والمسن الطويل، وروي ومعه المبرد والمسحاة، وعن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء ~~إلى الأرض أنزل الحديد والنار والماء والملح» . وروى عكرمة # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أنزل ثلاثة أشياء مع آدم عليه السلام ~~الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج وعصا موسى عليه السلام وكانت من آس ~~طولها عشرة أذرع مع طول موسى» ؛ وعن الحسن {وأنزلنا الحديد} خلقناه كقوله ~~تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام} (الزمر: 6) # وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه {فيه بأس} أي: قوة وشدة ~~{شديد} أي: قوة شديدة فمنه جنة وهي آلة الدفع ومنه سلاح وهو آلة الضرب ~~{ومنافع للناس} بما يعمل منه من مرافقهم لتقوم أحوالهم بذلك قال البيضاوي: ~~ما من صنعة إلا والحديد آلتها، وقال مجاهد: يعني جنة، وقيل: انتفاع الناس ~~بالماعون الحديد كالسكين والفأس ونحو ذلك، وروي أن الحديد أنزل في يوم ~~الثلاثاء فيه بأس شديد، أي مهراق الدماء ولذلك نهي عن الفصد والحجامة في ~~يوم الثلاثاء لأنه يوم جرى فيه الدم؛ وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أن ~~في يوم الثلاثاء ساعة لا يراقد فيها الدم» . # وقوله تعالى: {وليعلم الله} أي: الذي له ms3549 جميع العظمة علم شهادة لأجل ~~إقامة الحجة بما يليق بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم، ~~عطف على قوله تعالى: {ليقوم الناس} أي: لقد أرسلنا رسلنا وفعلنا كيت وكيت ~~ليقوم الناس وليعلم الله {من ينصره} أي: ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد ~~وغيره وقوله تعالى: {ورسله} عطف على مفعول ينصره أي: وينصر رسله وقوله ~~تعالى: {بالغيب} حال من هاء ينصره، أي: غائبا عنهم في الدنيا، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ينصرونه ولا يبصرونه {إن الله} أي: الذي له العظمة كلها ~~{قوي} أي: فهو قادر على إهلاك جميع أعدائه وتأييد من ينصره من أوليائه ~~{عزيز} فهو غير مفتقر إلى نصرة أحد وإنما دعا عباده إلى نصرة دينه ليقيم ~~الحجة عليهم فيرحم من أراد بامتثال المأمور ويعذب من يشاء بارتكاب المنهي ~~لبناء هذه الدار على حكمة ربط المسببات بالأسباب ولما أجمل الرسل في قوله ~~تعالى: # {لقد أرسلنا رسلنا} (الحديد: 5) فصل هنا ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب ~~فقال تعالى: {ولقد أرسلنا} أي: بما لنا من العظمة {نوحا} وهو الأب الثاني ~~وجعلنا الأغلب على رسالته مظهر الجلال {وإبراهيم} وهو أبو العرب والروم ~~وبني إسرائيل الذي أكثر الأنبياء من نسله وجعلنا الأغلب على رسالته تجلى ~~الإكرام {وجعلنا} أي: بما لنا من العظمة {في ذريتهما النبوة} # PageV04P214 # فلا يوجد نبي إلا من نسلهما {والكتاب} أي: الكتب الأربعة وهي التوراة ~~والإنجيل والزبور والفرقان، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الكتاب الخط ~~بالقلم يقال: كتب كتابا وكتابة والضمير في قوله تعالى: {فمنهم مهتد} يعود ~~على الذرية لتقدم ذكرها لفظا وقيل: يعود على المرسل إليهم لدلالة أرسلنا، ~~أي: هو بعين الرضا منا وهو من لزم طريقة الاصفياء وإن كان من أولاد الأعداء ~~{وكثير منهم} أي: المذكورين {فاسقون} أي: هم بعين السخط وإن كانوا من أولاد ~~الأصفياء، والمراد بالفاسق ههنا: الكافر لأنه جعل الفساق ضد المهتدين، ~~وقيل: هو الذي ارتكب الكبيرة سواء أكان كافرا أم لم يكن لإطلاق هذا الاسم ~~وهو يشمل الكافر وغيره {ثم قفينا} أي: ms3550 أتبعنا بما لنا من العظمة {على ~~آثارهم} أي: الأبوين المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل أو عاصرهما منهم ~~{برسلنا} أي: فأرسلناهم واحدا في أثر واحد كموسى والياس وداود وغيرهم، ولا ~~يعود الضمير على الذرية لأنها باقية مع الرسل وبعدهم وأيضا الرسل المقفى ~~بهم من الذرية {وقفينا} أي: أتبعنا بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن ~~تندرس {بعيسى بن مريم} وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه وهو آخر من جاء قبل ~~النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام فأمته أولى الأمم باتباعه صلى الله عليه ~~وسلم {وآتيناه} أي: بما لنا من العظمة {الإنجيل} كتابا ضابطا لما جاء به ~~مقيما لملته مبشرا بالنبي العربي موضحا لأمره مكثرا من ذكره {وجعلنا} أي: ~~بما لنا من العظمة {في قلوب الذين اتبعوه} أي: على # دينه بغاية جهدهم فكانوا على { { # منهاجه {رأفة} أي: أشد رقة على من كان ينسب إلى الاتصال بهم {ورحمة} أي: ~~رقة وعطفا على من لم يكن له سبب في الاتصال بهم كما كان الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم أجمعين رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أن قلوبهم ~~في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين متوادين بعضهم لبعض وقوله تعالى: ~~{ورهبانية} منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر وهو قوله تعالى: {ابتدعوها} قال ~~أبو علي: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها فتكون المسألة من باب الاشتغال وإلى هذا ~~نحا الفارسي والزمخشري وأبو البقاء وجماعة إلا أن هذا يقال: إنه إعراب ~~المعتزلة، وذلك أنهم يقولون: ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له فالرحمة ~~والرأفة لما كانتا من فعل الله تعالى نسب خلقهما إليه، والرهبانية لما لم ~~تكن من فعل الله تعالى بل من فعل العبد يستقل بفعلها نسب ابتداعها إليه، ~~وقيل: إن رهبانية معطوفة على رأفة ورحمة، وجعل إما بمعنى خلق أو بمعنى صير ~~وابتدعوها على هذا صفة الرهبانية، وإنما خصت بذكر الابتداع لأن الرأفة ~~والرحمة في القلب أمر غريزي لا تكلف للإنسان فيهما بخلاف الرهبانية فإنها ~~أفعال البدن وللإنسان فيها تكسب، لكن أبو البقاء منع ms3551 هذا بأن ما جعله الله ~~تعالى ليبتدعونه. وجوابه: ما تقدم من أنه لما كانت مكتسبة صح ذلك بها ~~والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين متحملين ~~كلفا زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلو واللباس والخشن ~~والاعتزال عن النساء والتعبد في الكهوف والغيران، روي أن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: في أيام الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم غير الملوك ~~التوراة والإنجيل فساح نفر وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا؛ قال الضحاك: # PageV04P215 # إن ملوكا بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة فأنكرها ~~عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقي بعدهم: نحن إذا # نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم # فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع. وقال قتادة: الرهبانية التي ابتعدوها ~~رفض النساء واتخاذ الصوامع. وفي خبر مرفوع هي لحوقهم بالبراري والجبال ~~وقوله تعالى: {ما كتبناها} صفة لرهبانية ويجوز أن يكون استئناف إخبار بذلك، ~~قال ابن زيد: معناه ما فرضناها {عليهم} ولا أمرنا هم بها في كتابهم ولا على ~~لسان رسولهم وقوله تعالى: {إلا ابتغاء رضوان الله} أي: الملك الأعظم ~~استثناء منقطع، أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، وقيل: متصل بما هو ~~مفعول من أجله والمعنى: ما كتبناها عليهم الشيء من الأشياء إلا لابتغاء ~~مرضاة الله ويكون كتب بمعنى: قضى فصار المعنى: كتبناها عليهم ابتغاء مرضاة ~~الله {فما رعوها حق رعايتها} أي: ما قاموا بها حق القيام بل ضموا إليها ~~التثليث وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملكهم وبقي على دين عيسى كثير منهم ~~وآمنوا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم {فآتينا} أي: بما لنا من صفات ~~الكمال {الذين آمنوا} أي: بالنبي صلى الله عليه وسلم {منهم أجرهم} أي: ~~اللائق بهم وهو الرضوان المضاعف {وكثير منهم} أي: من هؤلاء الذين ابتدعوها ~~فضيعوا {فاسقون} أي: عريقون في وصف الخروج عن الحدود التي حدها الله تعالى ~~وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى عليه السلام، روى البغوي بسنده ~~عن ابن مسعود أنه قال: ms3552 «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة نجا منهم ثلاث وهلك ~~سائرهم فرقة غزت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى وفرقة لم يكن لهم طاقة ~~بمعاداة الملوك ولا أن يقيموا بين أظهرهم فدعوهم إلى دين الله تعالى ودين ~~عيسى عليه السلام فساحوا في البلاد فترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل: ~~{ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} » ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم # الهالكون» . # وعن ابن مسعود أيضا قال: «كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~حمار فقال: يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟ ~~فقلت الله ورسوله أعلم، قال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بالمعاصي ~~فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزموا أهل الإيمان ثلاث مرار فلم يبق منهم إلا ~~القليل فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء قتلونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه ~~فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله تعالى النبي الذي وعدنا عيسى عليه ~~السلام يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا ~~الرهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الآية {ورهبانية ~~ابتدعوها} إلى قوله تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} يعني من ثبت ~~عليها أجرهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا ابن أم عبد أتدري ما ~~رهبانية أمتي قلت الله ورسوله أعلم قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم ~~والحج والعمرة» # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل أمة رهبانية ورهبانية ~~هذه الأمة الجهاد في سبيل الله تعالى» وعن ابن عباس قال: كانت ملوك بني ~~إسرائيل بعد عيسى عليه السلام بدلوا التوراة والإنجيل # PageV04P216 # وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله تعالى: ~~فقيل لملوكهم: لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما ~~نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم ms3553 القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل ~~وإلا فما بدلوا منهما فقالوا نحن نكفيكم أنفسنا، فقالت طائفة: ابنوا لنا ~~اسطوانة ثم ارفعونا إليها أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد ~~عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن ~~قدرتم علينا بأرض فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي نحتفر ~~الآبار ونحترث البقر فلا نرد عليكم ولا نراكم ففعلوا بهم ذلك، فمضى أولئك ~~على منهاج عيسى عليه السلام، وخلف قوم من بعدهم ممن غير الكتاب فجعل الرجل ~~يقول: نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا ~~كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم فذلك قوله ~~عز وجل: {ورهبانية ابتدعوها} ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها حق رعايتها، ~~يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} يعني: ~~الذين اتبعوها ابتغاء مرضاة الله {وكثير منهم فاسقون} هم الذين جاؤوا من ~~بعدهم قال: فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا القليل ~~انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فآمنوا وصدقوا ~~فقال الله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: بموسى وعيسى عليهما السلام إيمانا صحيحا ~~{اتقوا الله} أي: خافوا عقاب الملك الأعظم {وآمنوا برسوله} محمد صلى الله ~~عليه وسلم إيمانا مضموما إلى إيمانكم بمن تقدمه، هذا إذا كان خطابا لمؤمني ~~أهل الكتاب، وأما إذا كان خطابا للمؤمنين من أهل الكتاب وغيرهم، فالمعنى: ~~آمنوا برسوله إيمانا مضموما إلى إيمانكم بالله تعالى فإنه لا يصح الإيمان ~~بالله إلا مع الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم {يؤتكم} أي: يثبكم على ~~اتباعه {كفلين} أي: نصيبين ضخمين {من رحمته} يحصنانكم من العذاب كما يحصن ~~الكفل الراكب من الوقوع وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقي مقدمه على ~~الكاهل ومؤخره على العجز وهذا التحصين لأجل إيمانكم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وإيمانكم بمن تقدمه مع خفة العمل ورفع الآصار، ولا يبعد أن يثابوا ms3554 على ~~دينهم السابق وإن كان منسوخا ببركة الإسلام. وقيل: الخطاب للنصارى الذين ~~كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم وقال أبو موسى الأشعري: كفلين ضعفين ~~بلسان الحبشة، وقال ابن زيد: كفلين أجر الدنيا وأجر الآخرة، وعن أبي موسى ~~الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث يؤتون أجرهم مرتين رجل ~~كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها، ورجل من أهل الكتاب ~~آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده» ~~{ويجعل لكم} أي: مع ذلك {نورا} مجازيا في الدنيا من العلوم والمعارف ~~القلبية وحسيا في الآخرة بسبب العمل {تمشون به} أي: مجازا في الدنيا ~~بالتوفيق للعمل وحقيقة في الآخرة بسبب العمل، وقال مجاهد: النور هو البيان ~~والهدى، وقال ابن عباس: هو القرآن، وقال الزمخشري: هو النور المذكور في ~~قوله تعالى: {نورهم يسعى} (التحريم: 1) # وقيل: يمشون في الناس يدعونهم إلى الإسلام فيكونون رؤساء في دين الإسلام ~~لا تزول عنكم رياستكم فيه وذلك أنهم خافوا أن تزول # PageV04P217 # رياستهم لو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة ~~يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله تعالى لا الرياسة الحقيقية في الدين ~~{ويغفر لكم} أي: ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجد {والله} أي: المحيط ~~بجميع صفات الكمال {غفور} أي: بليغ المحو للذنوب عينا وأثر {رحيم} أي: بليغ ~~الإكرام لمن يغفر له ويوفقه للعمل بما يرضيه. # ولما بلغ من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين} قالوا للمسلمين: أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه ~~بكتابكم وبكتابنا ومن لم يؤمن منا فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا فأنزل ~~الله تعالى: {لئلا يعلم} أي: ليعلم ولا زائدة للتأكيد {أهل الكتاب} الذين ~~لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم {أن} مخففة من الثقيلة اسمها ضمير ~~الشان والمعنى أنهم {لا يقدرون على شيء} في زمن من الأزمان {من فضل الله} ~~أي: الملك الأعلى فلا أجر لهم ولا نصيب في فضله ms3555 إن لم يؤمنوا بنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب ~~المؤمنين منهم فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج منا ~~نبي يقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فنزلت الآية. وروي أن ~~مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين ~~وادعوا الفضل عليهم فنزلت، وقيل: المراد من فضل الله الإسلام، وقيل: ~~الثواب، وقال الكلبي: من رزق الله وقيل: نعم الله تعالى التي لا تحصى {وأن} ~~أي: وليعلموا أن {الفضل} أي: الذي لا يحتاج إليه من هو عنده {بيد الله} ~~الذي له الأمر كله {يؤتيه من يشاء} لأنه قادر مختار فآتى المؤمنين منهم ~~أجرهم مرتين {والله} أي: الذي أحاط بجميع صفات الكمال {ذو الفضل العظيم} ~~أي: مالكه ملكا لا ينفك ولا ملك لأحد فيه معه ولا تصرف بوجه أصلا فلذلك يخص ~~من يشاء بما يشاء # روى البخاري عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو ~~قائم على المنبر: «إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر ~~إلى غروب الشمس أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم ~~عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى ~~صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى ~~غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين، قال أهل التوراة: ربنا هؤلاء أقل عملا ~~وأكثر أجرا قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا، قال فذلك فضلي أوتيه ~~من أشاء» وفي رواية «فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: ربنا» الحديث، وفي ~~رواية «إنما أجلكم في أجل من كان قبلكم خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ~~إلى غروب الشمس» ؟ «وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا ~~فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعلمت اليهود إلى نصف ~~النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر ms3556 ~~على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، ~~ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا ~~فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين، ~~فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال الله تعالى: هل ~~ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فإنه فضلي أوتيه من شئت» . وعن أبي ~~موسى الأشعري # PageV04P218 # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل ~~رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى ~~نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، ~~فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا ~~واستأجر آخرين من بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من ~~الأجر فعملوا حتى # إذا كان حين صلاة العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه ~~فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر آخرين ~~على أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكلموا ~~أجر الفريقين كلاهما فذلك مثلهم ومثل ما بقوا من هذا النور» . وما رواه ~~البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة ~~الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله» حديث موضوع. ### | سورة المجادلة # مدنية # في قول الجميع الأرواية عن عطاء إلا العشر الأول منها مدني وباقيها مكي، ~~وقال الكلبي: نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم} نزلت بمكة وهي اثنتان وعشرون آية وأربعمائة وثلاث وسبعون ~~كلمة وألف وسبعمائة واثنان وسبعون حرفا. # {بسم الله} الذي تمت قدرته وكملت جميع صفاته {الرحمن} الذي شمل الخلائق ~~جودا بالإيجاد وإرسال الهداة {الرحيم} الذي خص أصفياءه فتمت عليهم نعمة ~~مرضاته # ونزل في خولة بنت ثعلبة وكانت تحت أوس بن الصامت وكان قد ظاهر منها. ms3557 # {قد سمع الله} أي: أجاب بعظيم فضله الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع ~~سمعه الأصوات {قول التي تجادلك} أي: تراجعك أيها النبي {في زوجها} المظاهر ~~منها روي «أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مر بها في خلافته وهو على ~~حمار والناس معه، فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا ~~ثم قيل لك: عمر ثم قيل لك: أمير المؤمنين فاتق الله يا عمر فإنه من أيقن ~~بالموت خاف الفوت ومن أيقن بالحساب خاف العذاب وهو واقف يسمع كلامها فقيل ~~له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الموقف فقال: والله لو حبستني ~~من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة أتدرون من هذه العجوز ~~هي: خولة بنت ثعلبة سمع الله تعالى قولها من فوق سبع سموات أيسمع رب ~~العالمين قولها ولا يسمعه عمر» وعن عائشة: «تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني ~~لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى ~~إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل ~~بهذه الآية {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} الآية. وروي «أنها كانت ~~حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها فلما انصرفت ~~أرادها فأبت فغضب عليها، قال عروة: وكان امرأ به لمم فأصابه بعض لممه فقال ~~لها: أنت علي كظهر أمي وكان الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: # PageV04P219 # إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما علا سنى ونثرت بطني أي: كثر ولدي ~~جعلني عليه كأمه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم حرمت عليه فقالت: والله ~~ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي فقد طالت صحبتي ونفضت له ~~بطني، فقال ms3558 رسول الله صلى الله عليه وسلم ما آراك إلا حرمت عليه # أو أومر في شأنك بشيء فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا قال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه، هتفت وقالت: أشكو إلى الله ~~فاقتي وشدة حالي وأن لي صبية صغارا إن ضممتهم إلي جاعوا وإن ضممتهم إليه ~~ضاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم أني أشكو إليك، فأنزل على ~~لسان نبيك وكان هذا أول ظهار في الإسلام، فأنزل الله تعالى: {قد سمع الله ~~قول التي تجادلك في زوجها} الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت قال: الشيطان فهل من رخصة؟ فقال: نعم وقرأ ~~عليه الأربع آيات فقال له هل تستطيع العتق فقال لا والله فقال هل تستطيع ~~الصوم؟ فقال لا والله إني إن أخطأني أن آكل في اليوم مرة أو مرتين لكل صبري ~~ولظننت أني أموت قال: فأطعم ستين مسكينا، قال: ما أجد إلا أن تعينني منك ~~بعون وصلة فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا، وأخرج أوس ~~من عنده مثله فتصدق به على ستين مسكينا» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لها مريه أن يعتق رقبة فقالت: أي رقبة ~~والله لا يجد رقبة وما له خادم غيري، فقال: مريه أن يصوم شهرين، فقالت: ~~والله ما يقدر على ذلك إنه يشرب في اليوم كذا كذا مرة، فقال: مريه فليطعم ~~ستين مسكينا، فقالت: أنى له ذلك» {وتشتكي} أي: تتعمد بتلك المجادلة الشكوى ~~منتهية {إلى الله} أي: سؤال الملك الأعظم الرحمة الذي أحاط بكل شيء علما. # فإن قيل: ما معنى قد في قوله تعالى: {قد سمع} أجيب: بأن معناها التوقع ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله ~~تعالى تجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرج عنها لصدقها في شكواها وقطع ~~رجائها في كشف ما بها من غير الله إن الله تعالى يكشف كربتها {والله} أي: ms3559 ~~والحال أن الذي وسعت رحمته كل شيء، لأن له الأمر كله {يسمع تحاوركما} أي: ~~تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب {إن الله} أي: الذي أحاط بجميع صفات ~~الكمال {سميع} أي: بالغ السمع لكل مسموع {بصير} أي: بالغ البصر لكل ما يبصر ~~فهما صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة وهما من صفات الذات لم يزل ~~الخالق سبحانه متصفا بهما # ولما أتم تعالى الخبر عن إحاطة العلم استأنف الإخبار عن حكم الأمر ~~المجادل بسببه فقال تعالى: {الذين يظهرون} أي: يوجدون الظهار في أي زمان ~~كان وقوله تعالى: {منكم} أي: أيها العرب المسلمون توبيخ لهم وتهجين لعادتهم ~~لأن الظهار كان خاصا بالعرب دون سائر الأمم فنبه تعالى على أن اللائق بهم ~~أن يكونوا أبعد الناس عن هذا الكلام لأن الكذب لم يزل مستهجنا عندهم في ~~الجاهلية ثم زاده الإسلام استهجانا {من نسائهم} أي: يحرمون نساءهم على ~~أنفسهم تحريم الله تعالى عليهم ظهور أمهاتهم. # والظهار لغة: مأخوذ من الظهر لأن صورته الأصلية أن يقول لزوجته: أنت علي ~~كظهر أمي، وخصوا الظهر دون البطن # PageV04P220 # والفخذ وغيرهما لأنه موضع الركوب والمرأة مركوب الزوج. # وقيل: من العلو قال تعالى: {فما اسطاعوا أن يظهروه} (الكهف: 97) # أي: أن يعلوه وكان طلاقا في الجاهلية، وقيل: في أول الإسلام ويقال: كان ~~في الجاهلية إذا كره أحدهم أمرأته أنه ولم يرد أن تتزوج بغيره آلى منها أو ~~ظاهر فتبقى لا ذات زوج ولا خلية تنكح غيره؛ فغير الشارع حكمه إلى تحريمها ~~بعد العود ولزوم الكفارة كما سيأتي. # وحقيقته الشرعية: تشبيه الزوجة غير البائن بأنثى لم تكن حلاله وسمى هذا ~~المعنى ظهارا لتشبيه الزوجة بظهر الأم، وله أركان أربعة: مظاهر ومظاهره ~~منها وصيغة ومشبه به وشرط في المظاهر كونه زوجا يصح طلاقه، وشرط في المشبه ~~به كونه كل أنثى محرم أو جزء أنثى محرم لم تكن حلاله كابنته وأخته، وشرط في ~~الصيغة لفظ يشعر بالظهار صريح كأنت أو رأسك أو بدنك كظهر أمي أو كجسمها أو ~~بدنها أو كناية كانت أمي أو كعينها أو ms3560 غيرها مما يذكر للكرامة كرأسها أو ~~روحها ويصح تأقيته وتعليقه، وأصل يظهرون يتظهرون أدغمت التاء في الظاء وقرأ ~~{الذين يظاهرون} و {الذي يظاهرون} عاصم بضم الياء وتخفيف الظاء وبعدها ألف ~~وتخفيف الهاء مكسورة، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء وتشديد ~~الظاء وتخفيف الهاء مع فتحها وبين الظاء والهاء ألف، والباقون بفتح الياء ~~وتشديد الظاء والهاء ولا ألف بينهما {ما هن} أي: نساؤهم {أمهاتهم} أي: على ~~الحقيقة {إن} أي: ما {أمهاتهم} أي: حقيقة {إلا اللائي ولدنهم} ونساؤهم لم ~~يلدنهم فلا يحرمن عليهم حرمة مؤبدة للإكرام والاحترام، ولا هن ممن ألحق ~~بالأمهات بوجه يصح كأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن أمهات لما لهن من ~~حق الإكرام والاحترام والإعظام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم في أبوة ~~الدين من أبي النسب، وكذا المرضعات، لما لهن من حق الرضاع الذي هو وظيفة ~~الأم بالأصالة. # وأما الزوجة فمباينة لجميع ذلك. # وقرأ قالون وقنبل: بالهمزة المكسورة ولا ياء بعدها، وقرأ ورش والبزي وأبو ~~عمرو بتسهيل الهمزة مع المد والقصر وللبزي وأبو عمر وأيضا موضع الهمزة ياء ~~ساكنة مع المد والباقون بهمزة مكسورة وبعدها ياء وهم على مراتبهم في المد ~~{وإنهم} أي: المظاهرون {ليقولون} أي: في هذا التظهر على كل حالة {منكرا من ~~القول} إذ الشرع أنكره وهو حرام إتفاقا كما نقل عن الرافعي في باب الشهادات ~~{وزورا} أي: قولا مائلا عن السداد منحرفا عن القصد، لأن الزوجة معدة ~~للاستمتاع الذي هو في الغاية من الامتهان والأم في غاية البعد عن ذلك. # فإن قيل: المظاهر إنما قال: أنت علي كظهر أمي فشبه بأمه ولم يقل أنها أمه ~~فما معنى أنه منكر من القول وزور والزور الكذب وهذا ليس بكذب. # أجيب: بأن قوله هذا إن كان خبرا فهو كذب وإن كان إنشاء فهو كذلك لأنه ~~جعله سببا للتحريم والشرع لم يجعله سببا لذلك، وأيضا فإنما وصف بذلك لأن ~~الأم مؤبدة التحريم والزوجة لا يتأبد تحريمها بالظهار فهو زور محض. # فإن قيل: قوله تعالى: {إلا اللائي ms3561 ولدنهم} يقتضي أن لا أم إلا الوالدة ~~وهذا مشكل بقوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} (النساء: 23) # وقوله تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} (الأحزاب: 6) # أجيب: بأن الشارع ألحقهن بالوالدات لما مر {وإن الله} أي: الملك الأعظم ~~الذي لا أمر لأحد معه في شرع ولا غيره {لعفو} أي: من صفاته أن يترك عقاب من ~~شاء {غفور} أي: من صفاته أن يمحو عين الذنب وأثره. # PageV04P221 # ثم بين أحكام الظهار بقوله تعالى: {والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون ~~لما قالوا} والعود في ظهار غير مؤقت من غير رجعية أن يمسكها بعد ظهاره مع ~~علمه بوجود الصفة في المعلق زمن إمكان فرقة ولم يفارق، لأن العود للقول ~~مخالفته، يقال: قال فلان قولا ثم عادله وعاد فيه أي: خالفه ونقضه، وهو قريب ~~من قولهم عاد في هبته، ومقصود الظهار وصف المرأة بالتحريم وإمساكها يخالفه، ~~فلو اتصل بظهاره جنونه أو إغماؤه أو فرقة بموت أو فسخ من أحدهما بمقتضية ~~كعيب بأحدهما أو بطلاق بائن أو رجعي ولم يراجع فلا عود، والعود في ظهار غير ~~مؤقت من رجعية سواء أطلقها عقب الظهار أم قبله أن يراجع. # ولو ارتد متصلا بالظهار بعد الدخول ثم أسلم في العدة فلا عود بالإسلام بل ~~بعده، والفرق أن الرجعة إمساك في ذلك النكاح والإسلام بعد الردة تبديل ~~للدين الباطل بالحق والحل تابع له فلا يحصل به إمساك وإنما يحصل بعده ~~فالعود في ظهار مؤقت يحصل بتغييب حشفة أو قدرها من فاقدها في المدة ويجب في ~~العود به وإن حل نزع لما غيبه، كما لو قال: إن وطأتك فأنت طالق لحرمة الوطء ~~قبل التكفير كما سيأتي وانقضاء المدة واستمرار الوطء وطء ولما كان المبتدأ ~~الموصول يتضمن معنى الشرط أدخل الفاء في خبره ليفيد السببية فيتكرر الوجوب ~~بتكرير سببه فقال عز من قائل: {فتحرير} أي: فعليهم بسبب هذا الظهار والعود ~~تحرير {رقبة} مؤمنة فلا تجزىء كافرة قال تعالى في كفارة القتل: {فتحرير ~~رقبة مؤمنة} (النساء: 92) # وألحق بها غيرها قياسا عليها بجامع حرمة سببيهما من القتل والظهار أو ~~حملا ms3562 للمطلق على المقيد كما في حمل المطلق في قوله تعالى: {واستشهدوا شهدين ~~من رجالكم} (البقرة: 282) # على المقيد في قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} (الطلاق: 2) # بلا عوض ولا بعيب يخل بعمل فيجزئ صغير ولو ابن يوم وأقرع وأعرج يمكنه ~~تباع مشي بأن يكون عرجه غير شديد وأعور لم يضعف عوره بصر عينه السليمة ضعفا ~~يخل بالعمل وأصم وأخرس يفهم الإشارة وتفهم عنه وأخشم وفاقد أنفه وأذنيه ~~وأصابع رجليه لا فاقد رجل أو خنصر وبنصر من يد أو أنملتين من كل منهما أو ~~فاقد أنملتين من أصبع غيرهما أو فاقد أنملة إبهام لا خلال كل من الصفات ~~المذكورة بالعمل. # ولا يجزىء مريض لا يرجى برؤه ولم يبرأ كيد شلاء وهرم بخلاف من يرجى برؤه ~~ومن لا يرجى برؤه إذا برىء، ولا مجنون إفاقته أقل من جنونه تغليبا للأكثر، ~~ويجزئ معلق عتقه بصفة بأن ينجز عتقه بنية الكفارة أو معلقه كذلك بصفة أخرى ~~وتوجد قبل الأولى، ويجزئ نصفا رقبتين أعتقهما عن كفارة باقيهما أو في ~~أحدهما كما استظهره بعضهم، ويجزئ إعتاق رقبتيه عن كفارتيه لأجعل العتق ~~المعلق كفارة عند وجود الصفة ولا مستحق عتق كأم ولد وصحيح كتابة {من قبل أن ~~يتماسا} أي: يتجدد بينهما مس روى أبو داود وغيره «أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لرجل ظاهر من امرأته وواقعها: لا تقربها حتى تكفر» . وكالتكفير مضى مدة ~~المؤقت لانتهائه بها وحمل التماس هنا لشبه الظهار بالحيض على التمتع بما ~~بين السرة والركبة ومن حمله على الوطء ألحق به التمتع بغيره فيما بينهما، ~~ولو ظاهر من أربع بكلمة كأنتن كظهر أمي فإن أمسكهن فأربع كفارات لوجود ~~سببها أو ظاهر منهن بأربع كلمات ولو متوالية فعائد من غير أخيرة، ولو كرر ~~في امرأة متصلا تعدد الظهار إن قصد استئنافا ويصير المظاهر بالاستئناف ~~عائدا # PageV04P222 # {ذلكم} أي: ذلك الحكم بالكفارة {توعظون به} أي: أن غلظ الكفارة وعظ لكم ~~حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه {والله} أي: الذي له الإحاطة بالكمال {بما ~~تعملون} أي: تجددون فعله {خبير} ms3563 أي: عالم بظاهره وباطنه فهو عالم بما يكفره ~~فافعلوا بما أمر به وقفوا عند حدوده، وإنما يلزم الإعتاق عن الكفارة من ملك ~~رقيقا أو # ثمنه فاضلا عن كفاية ممونة من نفسه وغيره. # قال الرافعي: وسكتوا عن تقدير مدة ذلك ويجوز أن تقدر بالعمر الغالب وأن ~~تقدر بسنة ا. ه. والذي عليه الجمهور هو: الأول ولا يلزمه بيع عقار ورأس ~~تجارة وماشية لا يفضل دخلوها عن غلة العقار وربح مال التجارة وفوائد ~~الماشية من نتاج وغيره عن كفاية ممونة ولا بيع مسكن ورقيق نفيسين ألفهما ~~ولا يلزمه شراء بغبن. # {فمن لم يجد} أي: الرقبة بأن عجز المكفر عن الإعتاق حسا أو شرعا وقت أداء ~~الكفارة {فصيام} أي: فعليه صيام {شهرين متتابعين} عن كفارته فالرقيق لا ~~يكفر إلا بالصوم لأنه معسر لا يملك شيئا وليس لسيده منعه من الصوم إن ضره، ~~وإنما اعتبر العجز وقت الأداء لا وقت الوجوب قياسا على سائر العبادات. # ولو ابتدأ الصوم ثم وجد الرقبة لم يلزمه الانتقال عنه، لأنه أمر به حيث ~~دخل فيه، وقال أبو حنيفة: يعتق قياسا على الصغيرة المعتدة بالشهور إذا رأت ~~الدم قبل انقضاء عدتها فإنها تستأنف الحيض إجماعا ويكفيه نية صوم الكفارة، ~~وإن لم ينو الولاء، فإن انكسر الشهر الأول أتمه من الثالث ثلاثين لتعذر ~~الرجوع فيه إلى الهلال. # وينقطع التتابع بفوات يوم ولو بعذر كمرض أو سفر فيجب الاستئناف ولو كان ~~الفائت اليوم الأخير أو اليوم الذي نسيت النية له بخلاف ما إذا فات بجنون ~~أو إغماء مستغرق لمنافاة ذلك الصوم {من قبل أن يتماسا} كما مر في العتق، ~~فإن جامع ليلا عصى ولم ينقطع التتابع لأنه ليس محلا للصوم بخلافه نهارا ~~وقال أبو حنيفة ومالك: يبطل بكل حال ويجب عليه ابتداء الكفارة لقوله تعالى: ~~{من قبل أن يتماسا} . # {فمن لم يستطع} بأن عجز عن صوم أو لا لمرض يدوم شهرين بالظن المستفاد من ~~العادة في مثله أو من قول الأطباء أو لمشقة شديدة تلحقه بالصوم أو بولائه ~~ولو كانت المشقة ms3564 لشدة شهوة الوطء أو خوف زيادة مرض {فإطعام} أي: فعليه ~~إطعام {ستين مسكينا} أي: من قبل أن يتماسا حملا للمطلق على المقيد بأن يملك ~~كل مسكين من أهل الزكاة مدا من جنس الفطرة كبر وشعير وأقط ولبن فلا يجزئ ~~لحم ودقيق وسويق، وخرج بأهل زكاة غيره فلا يجزئ دفعها لكافر ولا لهاشمي ~~ومطلبي ولا لمواليهما ولا لمن تلزمه مؤنته ولا لرقيق، لأنها حق الله تعالى ~~فاعتبر فيها صفات الكمال. # {ذلك} أي: الترخيص العظيم لكم والرفق بكم والبيان الشافي من أمر الله ~~الذي هو موافق للحنيفية السمحة ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام {لتؤمنوا} ~~أي: ليتحقق إيمانكم {بالله} أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه فتطيعوا ~~بالانسلاخ عن أمر الجاهلية {ورسوله} أي: الذي تعظيمه من تعظيمه. # ولما رغب في هذا الحكم رهب في التهاون به بقوله تعالى: {وتلك} أي: هذه ~~الأحكام العظيمة المذكورة {حدود الله} أي: أوامر الملك الأعظم ونواهيه التي ~~يجب امتثالها والتعبد بها لترعى حق رعايتها فالتزموها وقفوا عندها ولا ~~تعدوها، فإنه لا يطاق انتقامه إذا تعدى نقضه وإبرامه {وللكافرين} أي: ~~العريقين في الكفر بها أو بشيء # PageV04P223 # من شرائعه {عذاب أليم} أي: بما آلموا المؤمنين به من الاعتداء فإن عجز عن ~~جميع خصال الكفارة لم تسقط الكفارة عنه بل هي باقية في ذمته إلى أن يقدر ~~على شيء منها، فإذا قدر عل خصلة من خصالها فعلها، ولا يتبعض العتق ولا ~~الصوم بخلاف الإطعام حتى لو وجد بعض مد أخرجه، لأنه لا بدل له وبقي الباقي ~~في ذمته. # قال الزمخشري: فإن قلت فإذا امتنع المظاهر من الكفارة هل للمرأة أن ~~تدافعه قلت لها ذلك وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر وأن يحبسه، ولا شيء ~~من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها لأنه يضر بها في ترك ~~التكفير والانتفاع بحق الاستمتاع فيلزم أبدا حقها فإن قلت: فإن مس قبل أن ~~يكفر قلت عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر لما روي أن سلمة بن صخر البياضي ~~قال لرسول الله ms3565 صلى الله عليه وسلم ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ~~ليلة قمراء فواقعتها فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ربك ولا تعد حتى ~~تكفر» ا. ه. والمراد بالاستغفار هنا: التوبة. # ولما ذكر تعالى المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها ~~بقوله تعالى: {إن الذين يحادون الله} أي: يغالبون الملك الأعلى على حدوده ~~ليجعلوا حدودا غيرها وذلك صورته صورة العداوة؛ لأن المحادة المعاداة ~~والمخالفة في الحدود وهو كقوله تعالى: {ومن يشاق الله} (الحشر: 4) # {ورسوله} أي: الذي عزه من عزه، وقيل: يحادون الله أي: أولياء الله كما في ~~الخبر «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» والضمير في قوله تعالى: {إن ~~الذين يحادون الله ورسوله} يحتمل أن يرجع إلى المنافقين، فإنهم كانوا ~~يوادون الكافرين ويظاهرونهم على النبي صلى الله عليه وسلم فأذلهم الله ~~تعالى ويحتمل أن يرجع لجميع الكفار فأعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أنهم {كبتوا} أي: أذلوا وقال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا، وقال قتادة: ~~أخذوا، وقال أبو زيد: عذبوا، وقال السدي: لعنوا، وقال الفراء: أغيظوا يوم ~~الخندق. # وقيل: يوم بدر {كما كبت الذين من قبلهم} أي: المحادين المخالفين رسلهم ~~كقوم نوح ومن بعدهم ممن أصر على العصيان. # قال القشيري: ومن ضيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو أحدث في دينه ~~بدعة انخرط في هذا السلك {وقد أنزلنا} أي: بما لنا من العظمة عليكم وعلى من ~~قبلكم {آيات بينات} أي: دلالات عظيمة هي في غاية البيان لذلك ولكل ما يتوقف ~~عليه الإيمان كترك المحادة وتحصيل الإذعان {وللكافرين} أي: الراسخين في ~~الكفر بالآيات أو بغيرها من أوامر الله تعالى: {عذاب مهين} بما تكبروا ~~واعتدوا على أولياء الله تعالى وشرائعه يهينهم ذلك العذاب ويذهب عزهم ~~وشماختهم ويتركون به محادتهم. # وقوله تعالى: {يوم} منصوب باذكر كما قاله الزمخشري قال: تعظيما لليوم أو ~~بلهم أي بالاستقرار الذي تضمنه لوقوعه خبرا أو بفعل مقدر قدره أبو البقاء ~~يهانون أو يعذبون أو استقر ذلك يوم {يبعثهم الله} أي: الملك الأعظم {جميعا} ~~أي: ms3566 حال كونهم مجتمعين، الكافرين المصرح بهم والمؤمنين المشار إليهم الرجال ~~والنساء أحياء كما كانوا لا يترك منهم أحد، وقيل: مجتمعين في حال واحد ~~{فينبئهم} أي: يخبرهم أخبارا عظيما مستقصى {بما عملوا} تخجيلا وتوبيخا ~~وتشهيرا لحالهم {أحصاه الله} أي: أحاط به عددا وكما وكيفا وزمانا ومكانا ~~بماله من صفات الكمال والجلال {ونسوه} لأنهم تهاونوا به حيث ارتكبوه ولم ~~يبالوا به لضر أو تهم بالمعاصي وإنما تحفظ # PageV04P224 # معظمات الأمور أو لخروجه عن الحد في الكثرة فكيف كل واحد على انفراده ~~{والله} أي: بماله من القدرة الشاملة والعلم المحيط {على كل شيء} أي: على ~~الإطلاق {شهيد} أي: حفيظ حاضر لا يغيب ورقيب لا يغفل. # ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالما بكل المعلومات فقال جل ذكره: # {ألم تر} أي: تعلم علما هو في وضوحه كالرؤية بالعين {أن الله} أي: الذي ~~له صفات الكمال كلها {يعلم ما في السموات} كلها {وما في الأرض} كذلك كليات ~~ذلك وجزئياته لا يغيب عنه شيء منه بدليل أن تدبيره محيط بذلك على أتم ما ~~يكون، وهو يخبر من شاء من أنبيائه وأصفيائه بما يشاء من أخبار ذلك القاصية ~~والدانية والماضية والآتية فيكون كما أخبر، وقوله تعالى: {ما يكون من نجوى} ~~يكون فيه من كان التامة، ومن نجوى فاعلها، ومن مزيدة فيه أي: ما يقع من ~~تناجي {ثلاثة} ويجوز أن يقدره مضاف أي: أهل نجوى فيكون ثلاثة صفة لأهل وإن ~~يؤول نجوى بمتناجين جعلوا نجوى مبالغة فيكون ثلاثة صفة لنجوى واشتقاقها من ~~النجوة وهي ما ارتفع من الأرض فإن السر يرتفع إلى الذهن لا يتيسر لكل أحد ~~أن يطلع عليه وقوله تعالى: {إلا هو رابعهم} استثناء من أعم الأحوال. # أي: ما يوجد شيء من هذه الأشياء في حال من الأحوال إلا وهو يعلم نجواهم ~~كأنه حاضر معهم وشاهدهم كما تكون نجواهم عند الرابع الذي يكون معهم {ولا ~~خمسة} أي: من نجواهم {إلا هو سادسهم} أي: يعلم نجواهم كما مر. # فإن قيل: ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة؟ أجيب: بوجهين ms3567 أحدهما: أن ~~قوما من المنافقين تحلقوا للتناجي فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى ~~المؤمنين ويتغامزون بأعينهم مغايظة للمؤمنين على هذين العددين ثلاثة وخمسة، ~~فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون {ولا أدنى من ذلك} ~~أي: من عددهم {ولا أكثر} أي: من ذلك {إلا هو معهم} يسمع ما يقولون {أينما} ~~أي: في أي مكان {كانوا} فإنه لا مسافة بينه وبين شيء فقد روي عن ابن عباس: ~~أنها نزلت في ربيعة وخبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوما يتحدثون ~~فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضا ولا يعلم ~~بعضا وقال الثالث: إن كان يعلم بعضه فهو يعلم كله وصدق لأن من علم بعض ~~الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها، لأن كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل ~~معلوم. # والوجه الثاني: أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى ~~والمتخالين للشورى والمندوبون لذلك ليسوا بكل أحد وإنما هم طائفة مجتباة من ~~أولي النهي والأحلام ورهط من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم اثنان فصاعدا ~~إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال، وحكم به الاستصواب. # ألا ترى إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم ~~يتجاوز بها إلى سابع فذكر عز وجل الثلاثة والخمسة وقال {ولا أدنى من ذلك} ~~فدل على الاثنين والأربعة، وقال: {ولا أكثر} فدل على ما يلي هذا العدد ~~ويقاربه، وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال في خطبته الكبرى أخرجها الحارث ~~ابن أبي أسامة رقى المنبر وقال: «يا أيها الناس ادنوا واسمعوا لمن خلفكم ~~ثلاث مرات» فدنا الناس وانضم بعضهم إلى بعض والتفتوا فلم يروا أحدا فقال: ~~رجل منهم بعد الثالثة: لمن نسمع # PageV04P225 # يا رسول الله الملائكة فقال: «لا أنهم إذا كانوا معكم لم يكونوا بين ~~أيديكم ولا خلفكم ولكن عن أيمانكم وعن شمائلكم» وعلى ذلك فليسوا في مكان ~~الإيمان هنا والشمائل بل في المكانة من ذلك فالله جل جلاله أعلى ms3568 وأجل وأنزه ~~مكانة وأكرم استواء {ثم ينبئهم} أي: يخبر أصحاب النجوى أخبارا عظيما {بما ~~عملوا} دقيقه وجليله {يوم القيامة} الذي هو المراد الأعظم من الوجود لإظهار ~~الصفات العلا فيه أتم إظهار {إن الله} الذي له الكمال كله {بكل شيء} أي: ~~مما ذكر وغيره {عليم} أي: بالغ العلم فهو على كل شيء شهيد وهذا تحذير من ~~المعاصي وترغيب في الطاعات. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {ألم تر} أي: تعلم علما هو كالرؤية {إلى ~~الذين نهوا عن النجوى} فقيل: في اليهود وقيل: في المنافقين، وقيل: في فريق ~~من الكفار وقيل في فريق من المسلمين لما روى أبو سعيد الخدري قال: «كنا ذات ~~ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه ~~وسلم ما هذه النجوى فقلنا تبنا إلى الله تعالى يا رسول الله إنا كنا في ذكر ~~المسيخ يعني الدجال فرقا منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ~~أخبركم بما هو أخوف عندي منه قلنا بلى يا رسول الله قال: الشرك الخفي أن ~~يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» ذكره الماوردي. # وقال ابن عباس: «نزلت في اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون فيما بينهم ~~وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما ~~يسوءهم فيحزنون لذلك ويقولون: ما نراهم إلا وقد بلغهم من إخواننا الذين ~~خرجوا وفي السرايا قتل أو موت أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلما ~~طال ذلك عليهم وأثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا ~~يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله ~~تعالى: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} {ثم يعودون} أي: على سبيل ~~الاستمرار، لأنه وقع مرة وبادروا إلى التوبة منها أو فلتة معفوا عنها {لما ~~نهوا عنه} أي: من غير أن يعتدوا لما يتوقع من جهة الناهي من الضرر عنده ~~{ويتناجون} أي: يقبل بعضهم على المناجاة إقبالا واحدا فيفعل كل منهم منها ~~ما يفعله الآخر مرة بعد أخرى على ms3569 سبيل الاستمرار. # وقرأ حمزة بعد الياء: بنون ساكنة وبعدها ثاء فوقية مفتوحة ولا ألف قبل ~~الجيم وضم الجيم، والباقون بتاء فوقية مفتوحة وبعدها نون مفتوحة وبعد النون ~~ألف وفتح الجيم {بالإثم} أي: بالشيء الذي لا يثبت عليهم به الذنب وبالكذب ~~وبما لا يحل {والعدوان} أي: العدوان الذي هو نهاية في قصد الشر بالإفراط في ~~مجاوزة الحدود {ومعصيت الرسول} أي: مخالفة النبي الذي جاء إليهم من الملك ~~الأعلى وهو كامل في الرسالة لكونه مرسلا إلى جميع الخلق وفي كل الأزمان فلا ~~نبي بعده فهو لذلك مستحق غاية الإكرام. # فائدة: رسمت معصية في الموضعين بالتاء المجرورة، وإذا وقف عليها فأبو ~~عمرو وابن كثير والكسائي بالهاء في الوقف، والكسائي بالإمالة في الوقف على ~~أصله ووقف الباقون بالتاء على الرسم واتفقوا في الوصل على التاء # {وإذا جاؤوك} أي: يا أشرف الخلق {حيوك} أي: واجهوك بما يعدونه تحية {بما ~~لم يحيك به الله} أي: الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه «وذلك أن اليهود ~~كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون السام عليك، والسام # PageV04P226 # الموت وهم يوهمون أنهم يقولون السلام عليك وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يرد عليهم فيقول: وعليكم فقالت السيدة عائشة: السام عليكم ولعنة الله وغضبه ~~عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك ~~والعنف والفحش، فقالت: أو لم تسمع ما قالوا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو لم تسمعي ما قلت، رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا ~~يستجاب لهم في» وقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «إذا سلم عليكم أهل ~~الكتاب فقولوا: عليك ما قلت» فأنزل الله تعالى: {وإذا جاؤوك حيوك بما لم ~~يحيك به الله} وروى أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سلم عليكم أهل ~~الكتاب فقولوا وعليكم» بالواو فقال بعض العلماء: إن الواو العاطفة تقتضي ~~التشريك فيلزم منه أن ندخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت أو من سآمة ~~ديننا وهو ms3570 الملال يقال سئم يسأم سأمة وسأما، وقال بعضهم: الواو زائدة كما ~~زيدت في قول الشاعر: # *فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى* # أي: لما أجزنا انتحى فزاد الواو وقال: آخرون هي للاستئناف، كأنه قيل: ~~والسام عليكم، وقال آخرون: هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك لأنا نجاب ~~عليهم ولا يجابون علينا كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة. # تنبيه: اختلف العلماء في رد السلام على أهل الذمة فقال ابن عباس والشعبي ~~وقتادة: هو واجب لظاهر الأمر بذلك، وقال مالك: ليس بواجب فإن رددت فقل ~~وعليك، وعندنا يجب أن يقول له وعليك لما مر في الحديث، وقال بعضهم: يقول في ~~الرد علاك السلام أي: ارتفع عنك، وقال بعض المالكية: يقال في الرد السلام ~~عليك بكسر السين يعني الحجارة # ولما كانوا يخفون ذلك جهدهم ويظنون بإملاء الله تعالى لهم أنه صلى الله ~~عليه وسلم لا يطلع عليه وإن اطلع عليه لم يقدر أن ينتقم منهم عبر عن ذلك ~~بقوله تعالى: {ويقولون في أنفسهم} من غير أن يطلع عليه أحد {لولا} أي: هلا ~~ولم لا {يعذبنا الله} أي: الذي له الإحاطة بكل شيء {بما نقول} أي: لو كان ~~نبينا لعذبنا الله بما نقول وقيل: قالوا إنه يرد علينا ويقول: وعليكم السام ~~فلو كان نبيا لاستجيب له فينا ومتنا وهذا موضع تعجب منهم فإنهم كانوا أهل ~~الكتاب وكانوا يعلمون أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يغضبون فلا ~~يعاجلون من يغضبهم بالعذاب {حسبهم} أي: كافيهم في الانتقام {جهنم} أي: ~~الطبقة التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة والفظاظة فإن حصل لهم في الدنيا عذاب ~~كان زيادة على الكفاية فاستعجالهم بالعذاب محض رعونة {يصلونها} أي: يقاسون ~~عذابها دائما، فإنا قد أعددناها لهم {فبئس المصير} أي: مصيرهم. # {يا أيها الذين آمنوا} أي: ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة {إذا تناجيتم} ~~أي: اطلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه سرا {فلا تتناجوا} أي: ~~توجدوا هذه الحقيقة {بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول} أي: الكامل في الرسالة ~~كفعل المنافقين واليهود، وقال مقاتل: ms3571 أراد تعالى بقوله: {آمنوا} المنافقين ~~آمنوا بلسانهم، وقال عطاء: يريد الذين آمنوا بزعمهم، وقيل: يا أيها الذين ~~آمنوا بموسى {وتناجوا بالبر والتقوى} أي: الطاعة والعفاف عما نهى الله ~~تعالى عنه {واتقوا الله} أي: اقصدوا قصدا يتبعه العمل بأن تجعلوا بينكم ~~وبين سخط الملك الأعظم وقاية {الذي إليه} خاصة {تحشرون} أي: تجمعون # PageV04P227 # بأيسر أمر وأسهله بقهر وكره وهو يوم القيامة، فيتجلى فيه سبحانه للحكم ~~بين الخلق والإنصاف بينهم بالعدل ومحاسبتهم على النقير والقطمير، لا تخفى ~~عليه خافية ولا تقي منه واقية. # {إنما النجوى} أي: المعهود وهي المنهي عنها {من الشيطان} أي: مبتدئة ~~وممتدة من المحترق بطرده عن رحمة الله تعالى، فإنه الحامل عليها بتزيينها ~~ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالف لأعظم أوليائه {ليحزن} أي: الشيطان {الذين ~~آمنوا} أي: ليوهمهم أنها لسبب شيء وقع مما يؤذيهم، والحزن هم غليظ وتوجع ~~يدق، يقال: حزنه وأحزنه بمعنى، قال في القاموس: أو أحزنه جعله حزينا. # وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، والباقون بفتح الياء وضم الزاي ~~من حزن، والقراءة الأولى أشد في المعنى على ما في القاموس # {وليس} أي: الشيطان أو ما حمل عليه من التناجي {بضارهم} أي: الذين آمنوا ~~{شيأ} من الضرر وإن قل {إلا بأذن الله} أي: بمشيئة الملك المحيط علما ~~وقدرة. # فإن قيل: كيف لا يضرهم ذلك ولا يحزنهم إلا بإذن الله؟ أجيب: بأنهم كانوا ~~يوهمون المؤمنين في نجواهم وتفاخرهم أن غزاتهم غلبوا وأن أقاربهم قتلوا ~~فقال تعالى: {لا يضرهم الشيطان} والحزن بذلك الموهم إلا بأذن الله تعالى ~~أي: بمشيئته وهو أن يقضي الموت على أقاربهم والغلبة على الغزاة {وعلى الله} ~~أي: الملك الذي لا كفء له لا على أحد غيره {فيتوكل المؤمنون} أي: الراسخون ~~في الإيمان في جميع أمورهم، فإنه القادر وحده على إصلاحها وإفسادها فلا ~~يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسره ولا يجهره فإنهم توكلوا عليه وفوضوا أمورهم ~~إليه، وخص الراسخين لإمكان ذلك منهم في العادة، وأما أصحاب البدايات فلا ~~يكون ذلك منهم إلا خرق عادة، روى ابن عمر ms3572 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بأذنه فإن ذلك ~~يحزنه» وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه» ~~فبين في هذا الحديث غاية المنع وهو أن يجد الثالث من يتحدث معه كما فعل ابن ~~عمر وذلك أنه كان يتحدث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجه حتى دعا ~~رابعا فقال له وللأول تأخرا وناجى الرجل الطالب للمناجاة، أخرجه في الموطأ ~~ونبه على العلة بقوله: من أجل أن يحزنه أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله وعلى ~~هذا يستوي في ذلك كل الأعداد فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف ~~مثلا، لوجود ذلك المعنى في حقه بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع فيكون ~~بالمنع أولى، وإنما خص الثلاثة بالذكر، لأنه أول عدد يتأتى ذلك فيه. # قال القرطبي: وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال وذهب إليه ابن عمر ~~ومالك والجمهور وسواء أكان التناجي في واجب أو مندوب أو مباح فإن الحزن ~~ثابت به، وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أول الإسلام لأن ذلك كان حال ~~المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين فلما فشا الإسلام سقط ذلك، وقال ~~بعضهم: ذلك خاص بالسفر وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه فأما ~~الحضر وبين العمارة فلا؛ لأنه يجد من يغيثه بخلاف السفر فإنه مظنة الاغتيال ~~وعدم الغوث # ولما نهى المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر أمرهم الآن بما يصير ~~سببا لزيادة # PageV04P228 # المحبة والمودة بقوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: الذين اتصفوا بهذا الوصف {إذا قيل لكم} أي: من ~~أي قائل كان فإن الخير يرغب فيه لذاته {تفسحوا} أي: توسعوا أي: كلفوا ~~أنفسكم في اتساع المواضع {في المجلس} أي: الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا ~~يجد مجلسا يجلس فيه، قال قتادة ومجاهد: «كانوا يتنافسون في ms3573 مجلس النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض» ، وقال ابن عباس: المراد بذلك ~~مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، قال الحسن وزيد بن أبي حبيب «كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأول فلا يوسع ~~بعضهم لبعض رغبة في القتال والشهادة فنزلت» . فيكون كقوله تعالى: {مقاعد ~~للقتال} (آل عمران: 121) # وقال مقاتل «كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصفة وكان في المكان ضيق ~~وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين، والأنصار فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا ~~إلى المجلس، فقاموا قبل النبي صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن ~~يوسع لهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ذلك ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا ~~فلان بعدد القائمين من أهل بدر فشق ذلك على من قام، وعرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم الكراهة في وجوههم فقال المنافقون: والله ما عدل على هؤلاء أن ~~قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ» فنزلت الآية ~~يوم الجمعة # وروي عن ابن عباس قال: «نزلت الآية في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه دخل ~~المسجد وقد أخذ القوم مجالسهم وكان يريد القرب من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للوقر أي: الصمم الذي كان في أذنيه فوسعوا له حتى قرب من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم ضايقه بعضهم وجرى بينه وبينهم كلام فنزلت» وقد تقدمت ~~قصته في سورة الحجرات. وقرأ عاصم: يفتح الجيم، ألف بعدها جمعا لأن لكل جالس ~~مجلسا أي: فليفسح كل واحد في مجلسه والباقون بسكون الجيم ولا ألف إفرادا، ~~قال البغوي: لأن المراد منه مجلس النبي صلى الله عليه وسلم # وقال القرطبي: الصحيح في الآية أنها عامة في مجلس اجتمع المسلمون فيه ~~للخير وللأجر سواء أكان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة، وإن كل واحد ~~أحق بمكانه الذي سبق إليه ms3574 قال صلى الله عليه وسلم «من سبق إلى ما لم يسبق ~~إليه فهو أحق به ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرجه الضيق من موضعه» ~~فيكون المراد بالمجلس الجنس ويؤيده قراءة الجمع {فافسحوا} أي: وسعوا فيه عن ~~سعة صدر {يفسح الله} أي: الذي له الأمر كله {لكم} في كل ما تكرهون ضيقه من ~~الدارين. # وقال الرازي: هذا يطلق فيما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان والرزق ~~والصدر والقبر والجنة قال: ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح في ~~المجلس بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم وإدخال السرور في قلبه. # وإذا قيل: أي من أي قائل كان كما مضى إذا كان يريد الإصلاح والخير ~~{انشزوا} أي: ارتفعوا وانهضوا إلى الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه الحال ~~للتوسعة أو غيرها من الأوامر كالصلاة والجهاد {فانشزوا} أي: فارتفعوا ~~وانهضوا {يرفع الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال {الذين آمنوا} وإن كانوا ~~غير علماء {منكم} أي: أيها # PageV04P229 # المأمورون بالتفسح السامعون للأوامر المبادرون إليها بطاعتهم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقيامهم في مجلسهم وتوسعهم لإخوانهم {والذين أوتوا ~~العلم درجات} يجوز أن يكون معطوفا على الذين آمنوا فهو من عطف الخاص على ~~العام فإن الذين أوتوا العلم بعض المؤمنين، ويجوز أن يكون والذين أوتوا ~~العلم من عطف الصفات أي: تكون الصفتان لذات واحدة كأنه قيل: يرفع الله ~~المؤمنين العلماء ودرجات مفعول ثان، وقال ابن عباس: تم الكلام عند قوله ~~تعالى: {منكم} وينتصب الذين أوتوا بفعل مضمر أي: ويخص الذين أوتوا العلم ~~درجات أو ويرفع درجات. # قال المفسرون: في هذه الآية أن الله تعالى رفع المؤمن على من ليس بمؤمن ~~والعالم على من ليس بعالم، قال ابن مسعود مدح الله تعالى العلماء في هذه ~~الآية، والمعنى: أن الله تعالى يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين ~~آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذا فعلوا بما أمروا به وقال تعالى: ~~{هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (الزمر: 9) # وقال تعالى: {وقل رب زدني علما} ms3575 (طه: 114) # وقال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر: 28) # والآيات في ذلك كثيرة معلومة # وأما الأحاديث فكثيرة مشهورة منها من «يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» ~~وروي أن عمر رضى الله عنه «كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه فسألهم عن تفسير {إذا جاء نصر الله ~~والفتح} فسكتوا فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه ~~الله إياه فقال عمر ما أعلم منها إلا ما تعلم» . # ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله ~~ما لا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ~~ويعلمها» والمراد بالحسد: الغبطة: وهي أن تتمنى مثله ومنها أنه صلى الله ~~عليه وسلم «قال لعلي كرم الله وجهه: لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من ~~حمر النعم» ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من جاءه أجله وهو يطلب ~~العلم لحيي به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة واحدة» ومنها أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر ~~الجواد المضمر سبعين سنة» . # ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال فضل العالم على العابد كفضل القمر ~~ليلة البدر على سائر الكواكب. وفي رواية كفضلي على أدناكم» . # ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام أني عليم أحب كل عليم» . # ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم ~~العلماء ثم الشهداء» فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # ومنها: «أنه صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده أحد المجلسين يدعون ~~الله تعالى ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كلا المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء ~~فيدعون لله عز وجل ويرغبون إليه، ms3576 وأما هؤلاء فيتعملون الفقه ويعلمونه ~~الجاهل فهؤلاء أفضل، وإنما بعثت معلما ثم جلس فيهم» والأحاديث في ذلك كثيرة ~~جدا. # وأما أقوال السلف فلا تحصر، فمنها ما قاله ابن عباس: أن سليمان عليه ~~السلام خير بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه، ~~وما قاله بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك # PageV04P230 # من فاته العلم وأي شيء فات من أدرك العلم. # وما قاله الأحنف: كاد العلماء يكونون أربابا، وكل عز لم يؤكد بعلم فإلى ~~ذل ما يصير. # وما قاله الزبيري: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال. # وما قاله أبو مسلم الخولاني: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء ~~إذا برزت للناس اهتدوا بها وإذا خفيت عنهم تحيروا. # وما قاله معاذ: تعلم العلم فإن تعلمه لك حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته ~~تسبيح، والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة. # وما قاله علي: العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال ~~تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق. # وما قاله ابن عمر: مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة. # وما قاله الشافعي من أن: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة وقال: ليس بعد ~~الفرائض أفضل من طلب العلم، وقال: من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد ~~الآخرة فعليه بالعلم فإنه يحتاج إليه في كل منهما. # وقد ذكرت في أول شرح المنهاج من الأحاديث ومن أقوال السلف ما يسر الناظر ~~الراغب في الخير وفيما ذكرته هنا كفاية لأولي الأبصار {والله} أي: والحال ~~أن المحيط بكل شيء علما وقدرة {بما تعملون} أي: حال الأمر وغيره {خبير} أي: ~~عالم بظاهره وباطنه فإن كان العلم مزينا بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب ~~النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه، وإن كان على غير ذلك فكذلك. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي: ادعوا أنهم ~~أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء {إذا ناجيتم الرسول} أي: أردتم ~~مناجاة الذي لا أكمل منه في الرسالة الآية، فقال ابن عباس: «إن ms3577 المسلمين ~~كانوا يكثرون المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية فكف كثير من الناس» . وقال الحسن: «أن قوما من ~~المسلمين كانوا يستخلون بالنبي صلى الله عليه وسلم يناجونه، فظن بهم قوم من ~~المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى فشق عليهم ذلك فأمرهم الله تعالى ~~بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه» . # وقال زيد بن أسلم «إن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويقولون: إنه أذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحدا من ~~مناجاته فكان ذلك يشق على المسلمين لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ~~يناجون أن جموعا اجتمعت للقتال فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول} » أي: أردتم مناجاته {فقدموا} أي: بسبب هذه الإرادة وقوله تعالى: ~~{بين يدي نجواكم} استعارة ممن له يدان والمعنى: قبل نجواكم التي هي سركم ~~الذي تريدون أن ترفعوه {صدقة} لقول عمر من أفضل ما أوتيت العرب الشعر يقدمه ~~الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم يريد قبل حاجته، ~~والصدقة تكون لكم برهانا على إخلاصكم كما ورد أن الصدقة برهان فهي مصدقة ~~لكم في دعوى الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به ~~عن الله تعالى. # تنبيه: ظاهر الآية يدل على أن تقديم الصدقة كان واجبا لأن الأمر للوجوب ~~ويؤكد ذلك قوله تعالى بعده: {فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم} وقيل: كان ~~مندوبا لقوله تعالى: {ذلك} أي: التصدق {خير لكم وأطهر} أي: لأنفسكم من ~~الريبة وحب المال هذا # PageV04P231 # إنما يستعمل في التطوع لا في الواجب ولأنه لو كان واجبا لما أزيل وجوبه ~~والكلام متصل به وهو قوله تعالى: {فإن لم تجدوا} الآية. # وأجيب عن الأول: بأن المندوب كما يوصف بأنه خير وأطهر فكذلك أيضا يوصف ~~بهما الواجب. # وعن الثاني: بأنه لا يلزم من اتصال الآيتين في التلاوة كونهما متصلتين في ~~القول كما قيل في الآية الدالة على وجوب الاعتداد أربعة أشهر وعشرا أنها ~~ناسخة ms3578 للاعتداد بحول وإن كان الناسخ متقدما في التلاوة. # وعن علي أنه قال: «لما نزلت دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما ~~تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة قال إنك لزهيد ~~فلما رأوا ذلك اشتد عليهم فارتدعوا، أما الفقير فلعسرته وأما الغني فلشحته» ~~واختلف في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ في هذه الآية، فقال الكلبي: ما بقي ~~ذلك التكليف إلا ساعة من نهار ثم نسخ وقال مقاتل وابن حبان: بقي ذلك ~~التكليف عشرة أيام ثم نسخ لما روي عن علي أنه قال إن في كتاب الله لآية ما ~~عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ~~ناجيته تصدقت بدرهم. وفي رواية عنه فاشتريت به عشرة دراهم وكلما ناجيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهما ثم نسخت فلم يعمل بها ~~أحد. # وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناج ~~أحد إلا علي تصدق بدينار، وعدم عمل غيره لا يقدح فيه لاحتمال أن يكون لم ~~يجد عند المناجاة شيئا أو أن لا يكون احتاج إلى المناجاة ثم نزلت الرخصة. # وعن ابن عمر رضى الله عنه كان لعلي ثلاث لو كان لي واحدة منهن كانت أحب ~~إلي من حمر النعم تزويجه فاطمة وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى. # واختلف في الناسخ لذلك فقيل: هي منسوخة بالزكاة وأكثر المفسرين أنها ~~منسوخة بالآية التي بعدها وهي {أأشفقتم} كما سيأتي وكان علي يقول: وخفف عن ~~هذه الأمة {فإن لم تجدوا} أي: ما تقدمونه فإن الله أي الذي له جميع صفات ~~الكمال {غفور رحيم} أي: له صفتا الستر للمساوي والإكرام بإظهار المحاسن على ~~الدوام فهو يعفو ويرحم تارة يقدم العقاب للعاصي وتارة بالتوسعة للضيق بأن ~~ينسخ ما يشق إلى ما يخف. # وقوله تعالى: {أأشفقتم} أي: خفتم العيلة لما يعدكم به الشيطان من الفقر ~~خوفا كاد أن يفطر قلوبكم {أن تقدموا} أي: بإعطاء الفقراء ms3579 وهم إخوانكم {بين ~~يدي نجواكم} أي: النبي صلى الله عليه وسلم {صدقات} وجمع؛ لأنه أكثر توبيخا ~~من حيث إنه يدل على أن النجوى تتكرر استفهام معناه التقرير وهو الناسخ عند ~~الأكثر كما مر. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام: بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام، ~~وأدخل بينهما الفاء قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بتحقيقهما ولا إدخال ~~والأولى محققة بلا خلاف {فإذ} أي: فحين {لم تفعلوا} أي: ما أمرتكم به من ~~الصدقة للنجوى بسبب هذا الإشفاق {وتاب الله} أي: الملك الأعلى {عليكم} أي: ~~رجع بكم عنها بأن نسخها عنكم تخفيفا عليكم {فأقيموا} أي: بسبب العفو عنكم ~~شكرا أي: على هذا الكرم والحلم {الصلاة} التي هي طهرة لأرواحكم وصلة لكم ~~بربكم {وآتوا الزكاة} التي هي براءة لأبدانكم وتطهير ونماء لأموالكم وصلة ~~لكم بإخوانكم، ولا تفرطوا في شيء من ذلك فتهملوه فالصلاة نور يهدي إلى ~~المقاصد الدنيوية والأخروية ويعين على نوائب الدارين، والصدقة برهان على ~~صحة القصد في الصلاة. # PageV04P232 # ثم عمم بعد أن خصص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية بقوله ~~تعالى: {وأطيعوا الله} أي: الذي له الكمال له {ورسوله} أي: الذي عظمته من ~~عظمته في سائر ما يأمرانكم به، فإنه تعالى ما أمركم لأجل إكرام رسولكم صلى ~~الله عليه وسلم إلا بالحنيفية السمحة {والله} أي: الذي أحاط بكل شيء علما ~~وقدرة {خبير بما تعملون} أي: يعلم بواطنكم كما يعلم ظواهركم لا تخفى عليه ~~خافية. # {ألم تر} أي: تنظر يا أشرف الخلق {إلى الذين تولوا} أي: تكلفوا بغاية ~~جهدهم وهم المنافقون أي جعلوا أولياءهم الذين يتولون لهم أمورهم {قوما} وهم ~~اليهود ابتغوا عندهم العزة اغترارا بما يظهر لهم منهم من القوة {غضب الله} ~~أي: الملك الأعلى الذي لا ندله {عليهم} أي: المتولى والمتولى لهم {ما هم} ~~أي: المنافقون {منكم} أي: المؤمنين {ولا منهم} أي: اليهود بل هم مذبذبون ~~وزاد في الشناعة عليهم بأقبح الأشياء بقوله تعالى: {ويحلفون} أي: المنافقون ~~يجددون الحلف على الاستمرار ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في غاية الجراءة ~~على استمرارهم ms3580 على الإيمان الكاذبة بأن التقدير مجترئين {على الكذب} في ~~دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام فإذا عوتبوا عليه ~~بادروا إلى الإيمان {وهم يعلمون} أنهم كاذبون متعمدون. # روي «أن عبد الله بن نبتل كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~يرفع حديثه إلى اليهود فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره ~~إذ قال لأصحابه: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ~~ابن نبتل وكان أزرق العينين أسمر قصيرا خفيف اللحية، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعلت فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزلت» . # {أعد الله} أي: الذي له العظمة الباهرة فلا كفء له {لهم عذابا} أي: أمرا ~~قاطعا لكل عذوبة {شديدا} أي: لا طاقة لهم به ثم علل عذابهم بما دل على أنه ~~واقع في أتم مواقعه بقوله تعالى مؤكدا تقبيحا على من كان يستحسن فعالهم ~~{إنهم ساء} أي: بلغ الغاية بما يسوء ودل على أن ذلك لهم كالجبلة بقوله ~~تعالى: {ما كانوا يعملون} أي: يجددون عمله مستمرين عليه لا ينفكون عنه، قال ~~الزمخشري: أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة # {اتخذوا أيمانهم} أي: الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من ~~خردل من إيمان {جنة} وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق كائنا ما كان ~~{فصدوا} أي: كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سببا لإيقاعهم الصد {عن سبيل ~~الله} أي: شرع الملك الأعلى الذي هو طريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز ~~العظيم فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهنون أمره ~~ويحقرونه، ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الخائنة ودرت عليهم ~~الأرزاق استدراجا، وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونه من أقوالهم ~~المؤكدة بالإيمان، غره ذلك فاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم ونسج على ~~منوالهم غرورا بظاهر أمرهم معرضا عما توعدهم ms3581 الله تعالى عليه من جزاء ~~خداعهم وأمرهم وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب ~~فقال تعالى: {فلهم} أي: فتسبب عن صدهم إنه كان لهم {عذاب مهين} جزاء بما ~~طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام # {لن # PageV04P233 # تغنى} أي: بوجه من الوجوه {عنهم أموالهم} أي: في الدنيا ولا في الآخرة ~~بالافتداء ولا بغيره {ولا أولادهم} أي: بالنصرة والمدافعة {من الله} أي: ~~أغناه مبتدأ من الملك الأعلى {شيئا} ولو قل جدا فمهما أراد بهم سبحانه كان ~~ونفذ ومضى لا يدفعه شيء تكذيبا لمن قال منهم: لئن كان يوم القيامة لنكونن ~~أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننجون بأنفسنا وأموالنا وأولادنا {أولئك} أي: ~~البعداء من كل خير {أصحاب النار هم} أي: خاصة {فيها} أي: خاصة {خالدون} أي: ~~دائمون لازمون إلى غير نهاية # وقوله تعالى: {يوم} منصوب باذكر أي: واذكر يوم {يبعثهم الله} أي: الذي له ~~جميع صفات الكمال {جميعا} فلا يترك أحدا منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ~~ما كان قبل موته {فيحلفون} أي: فيتسبب عن ظهور القدرة التامة لهم ومعاينة ~~ما كانوا يكذبون به أنهم يحلفون {له} أي: لله في الآخرة أنهم مسلمون ~~فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين ونحو ذلك {كما يحلفون لكم} في الدنيا ~~أنهم مثلكم، وقال ابن عباس رضى الله عنهما: يحلفون لله تعالى يوم القيامة ~~كذبا كما حلفوا لأوليائه في الدنيا وهو قولهم والله ربنا ما كنا مشركين. ~~{ويحسبون} أي: في القيامة بأيمانهم الكاذبة {أنهم على شيء} أي: يحصل لهم به ~~نفع بإنكارهم وحلفهم، وقيل: يحسبون في الدنيا أنهم على شيء، لأنهم في ~~الآخرة يعلمون الحق باضطرار والأول أظهر والمعنى: أنهم لشدة توغلهم في ~~النفاق ظنوا يوم القيامة أنهم يمكنهم ترويج كذبهم بالأيمان الكاذبة على ~~علام الغيوب. # وإليه الإشارة بقوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} (الأنعام: ~~28) # وعن ابن عباس رضى الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ينادي مناد يوم القيامة أين خصماء الله تعالى فتقوم القدرية مسودة ms3582 وجوههم ~~مزرقة أعينهم مائل شقهم يسيل لعابهم فيقولون والله ما عبدنا من دونك شمسا ~~ولا قمرا ولا صنما ولا اتخذنا من دونك إلها» قال ابن عباس رضى الله عنهما: ~~صدقوا والله أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون ثم تلا: {ويحسبون أنهم على شيء} ~~» وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: بفتح السين، والباقون بكسرها {ألا إنهم هم ~~الكاذبون} المحكوم بكذبهم في حسبانهم هم والله القدرية ثلاثا. # {استحوذ} أي: استولى {عليهم الشيطان} مع أنه طريد ومحترق ووصل منهم إلى ~~ما يريده وملكهم ملكا لم يبق لهم معه اختيار فصاروا رعيته وصار هو محيطا ~~بهم من كل جهة غالبا عليهم ظاهرا وباطنا من قولهم حذت الأبل وحذذتها إذا ~~استوليت عليها، والحوذ أيضا: السوق السريع ومنه الأحوذي الخفيف في الشيء ~~لحذقه، واستحوذ مما جاء على الأصل وهو ثبوت الواو دون قلبها ألفا {فأنساهم} ~~أي: فتسبب عن استحواذه عليهم أن أنساهم {ذكر الله} أي: الذي له الأسماء ~~الحسنى والصفات العليا {أولئك} أي: البعداء البغضاء {حزب الشيطان} أي: ~~أتباعه وجنوده وطائفته وأصحابه {ألا إن حزب الشيطان} أي: الطريد المحترق ~~{هم الخاسرون} أي: العريقون في هذا الوصف؛ لأنهم لم يظفروا بغير الطرد ~~والاحتراق. # {إن الذين يحادون الله} أي: يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفؤ له، فعل ~~من ينازع آخر في الأرض فيغلب على طائفة ليجعل لها حدا لا يتعداه خصمه ~~{ورسوله} أي: الذي عظمته من عظمته {أولئك} أي: البعداء البغضاء {في ~~الأذلين} أي: في جملة من هو أدل خلق الله تعالى. # واختلف في معنى قوله عز وجل {كتب الله} أي: الملك الذي لا كفؤ له # PageV04P234 # فقال أكثر المفسرين أي: قضى الله عز وجل {لأغلبن} وقال قتادة: كتب في ~~اللوح المحفوظ، وقال الفراء: كتب بمعنى قال وقوله تعالى: {أنا} تأكيد ~~{ورسلي} أي: من بعث منهم بالحرب ومن بعث منهم بالحجة فإذا انضم إلى الغلبة ~~بالحجة الغلبة بالحرب كان أغلب وأقوى. # وقال مقاتل: قال المؤمنون لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن ~~رجونا أن يظهرنا الله تعالى ms3583 على فارس والروم، فقال عبد الله بن أبي ابن ~~سلول: الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها والله أنهم لأكثر عددا وأشد ~~بطشا من أن تظنوا فيهم فنزل {لأغلبن أنا ورسلي} . # ونظيره قوله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} (الصافات: 171 173) # وقرأ نافع وابن عامر: بفتح الياء والباقون بالسكون {إن الله} أي: الذي له ~~الأمر كله {قوي} أي: على نصر أوليائه {عزيز} أي: لا يغلب عليه في مراده. # ثم نهى تعالى عن موالاة أعداء الله تعالى بقوله سبحانه {لا تجد} أي: بعد ~~هذا البيان {قوما} أي: ناسا لهم قوة على ما يريدون {يؤمنون} أي: يجددون ~~الإيمان ويديمونه {بالله} أي: الذي له صفات الكمال {واليوم الآخر} الذي هو ~~موضع الجزاء لكل عامل بكل ما عمل الذي هو محط الحكمة {يوادون} أي: يحصل ~~منهم ود لا ظاهرا ولا باطنا {من حاد الله} أي: عادى بالمناصبة في حدود ~~الملك الأعلى {ورسوله} فإن من حاده فقد حاد الذي أرسله بل لا تجدهم إلا ~~يحادونهم لا أنهم يوادونهم. # وزاد ذلك تأكيدا بقوله تعالى: {ولو كانوا آباؤهم} أي: الذين أوجب الله ~~تعالى إلا بناء طاعتهم في المعروف، وذلك كما فعل أبو عبيدة بن الجراح حيث ~~قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد {أو أبناءهم} أي: الذين جبلوا على ~~محبتهم ورحمتهم، كما فعل أبو بكر «فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة ~~وقال: دعني يا رسول الله أكن في الرعلة الأولى فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم متعنا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري» ~~{أو إخوانهم} أي: الذين هم أعضادهم كما فعل مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن ~~عمير يوم أحد وخزف سعد بن أبي وقاص غير مرة فراغ منه روغان الثعلب فنهاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال: أتريد أن تقتل نفسك. # وقتل محمد بن سلمة الأنصاري أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس ~~بني النضير {أو عشيرتهم} ms3584 أي: الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما قتل عمر خاله ~~العاصي وهشام بن المغيرة يوم بدر، وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم ~~بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. # وعن الثوري: أن السلف كانوا يرون أن الآية نزلت فيمن يصحب السلطان ا. ه. ~~ومدار ذلك على أن الإنسان يقطع رجاء من غير الله تعالى، وإن لم يكن كذلك لم ~~يكن مخلصا في إيمانه. # تنبيه: قدم الآباء أولا لأنهم تجب طاعتهم على أبنائهم، ثم ثنى بالأبناء ~~لأنهم أعلق بالقلوب وهم حياتها، ثم ثلث بالأخوان لأنهم هم الناصرون بمنزلة ~~العضد من الذراع. قال الشاعر: # *أخاك أخاك إن من لا أخا له # ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح # *وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه # ... وهل ينهض البازي بغير جناح # ثم ربع بالعشيرة لأن بها يستغاث وعليها يعتمد، والمعنى: أن الميل إلى ~~هؤلاء أعظم أنواع المحبة ومع # PageV04P235 # هذا فيجب أن يكون هذا الميل مطروحا بسبب الدين. # قال ابن عباس رضى الله عنهما: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح لما ~~قتل أباه، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه لما قتل خاله العاصي ابن هشام يوم ~~بدر روي أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فصكه صكة سقطت منها أسنانه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ~~ذلك، فقال: أو فعلت، قال: نعم، قال: لا تعد إليه، فقال: والذي بعثك بالحق ~~نبيا لو كان السيف مني قريبا لقتلته، فهؤلاء لم يوادوا أقاربهم. # قال القرطبي: استدل مالك بهذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم، ~~قال القرطبي: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم. وعن عبد العزيز بن أبي ~~دواد: أنه لقي المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلا الآية. وقال صلى ~~الله عليه وسلم «اللهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة، فإني وجدت فيما أوحيت إلي ~~{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر} الآية {أولئك} أي: العالو الهمة ~~{كتب} أي: أثبت قاله الربيع ms3585 بن أنس رضى الله عنه، وقيل: خلق، وقيل: جعل ~~كقوله تعالى: {فاكتبنا مع الشاهدين} (آل عمران: 53) # أي: اجعلنا، وقوله تعالى: {فسأكتبها للذين يتقون} (الأعراف: 156) # وقيل: {كتب في قلوبهم الإيمان} (طه: 71) # بما وفقهم فيه وشرح له صدرهم، أي: على قلوبهم كقوله تعالى: {في جذوع ~~النخل} وخص القلوب بالذكر لأنها موضع الإيمان. قال البيضاوي: وهو دليل على ~~خروج العمل من مفهوم الإيمان، فإن جزاء الثابت في القلب يكون ثابتا فيه، ~~وأعمال الجوارح لا تثبت فيه. {وأيدهم} أي: وقواهم وشددهم وشرفهم {بروح} أي: ~~نور شريف جدا يفهمون به ما أودع في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ~~نور العلم والعمل {منه} أي: من الله تعالى أحياهم به فلا إنفكاك لذلك عنهم ~~في وقت من الأوقات، فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهرا وباطنا، فعملوا ~~الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسراج، فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من ~~موالاة أولياء الله تعالى، ومعاداة أعدائه لا بل هو عين الإخلاص، ومن جنح ~~إلى منحرف عن دينه، أوداهن مبتدعا في عقيدته نزع الله تعالى نور التوحيد من ~~قلبه. # قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الضمير للإيمان، أي: بروح من الإيمان على ~~أنه في نفسه روح لحياة القلوب به وقال ابن عباس رضى الله عنهما: نصرهم على ~~عدوهم، وسمى تلك النصرة روحا، لأن بها يحيا أمرهم. وقال الربيع بن أنس رضى ~~الله عنه: بالقرآن وحججه، وقال ابن جريج: بنور وبرهان وهدى، وقيل: برحمة، ~~وقيل: أيدهم بجبريل عليه السلام {ويدخلهم جنات} أي: بساتين تستر داخلها من ~~كثرة أشجارها. # وأخبر عن ريها بقوله تعالى: {تجري من تحتها الأنهار} أي قصورها {الأنهار} ~~فهي بذلك كثيرة الرياض والأشجار وقال تعالى: {خالدين فيها} لأن ذلك لا يلذ ~~إلا بالدوام، وقال تعالى: {رضى الله} أي: الملك الأعظم {عنهم} لأن ذلك لا ~~يتم إلا برضا مالكها الذي له الملك كله {ورضوا عنه} أي: لأنه أعطاهم فوق ما ~~يؤملون {أولئك} أي: الذين هم في الدرجات العلى من العظمة لكونهم قصروا ودهم ~~على الله تعالى، علما منهم بأنه ms3586 ليس الضر والنفع إلا بيده {حزب الله} أي: ~~جند الملك الذي أحاط بجميع صفات الكمال {ألا إن حزب الله} أي: جند الملك ~~الأعلى، وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم {هم المفلحون} أي: الذين حازوا ~~الظفر بكل ما يؤملون في الدارين، وقد علم من الرضا من الجانبين والحزبية ~~والإفلاح عدم الإنفكاك عن السعادة فأغنى # PageV04P236 # ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد. # فائدة: هذه السورة نصف القرآن عددا، وليس فيها آية إلا وفيها ذكر الجلالة ~~الكريمة مرة أو مرتين أو ثلاثا. وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم «أن من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله تعالى يوم ~~القيامة حديث موضوع. والله تعالى أعلم. ### | سورة الحشر # مدنية # في قول الجميع، وهي أربع وعشرون آية وأربعمائةوخمس وأربعون كلمة، وألف ~~وتسعمائة وثلاثة عشر حرفا # {بسم الله} الملك الأعظم الذي لا خلف لميعاده {الرحمن} الذي عمت نعمة ~~إيجاده {الرحيم} الذي خص أهل وده بالتوفيق فهم أهل السعادة. # ولما ختمت المجادلة بأنه يعز أهل طاعته ويذل أهل معصيته تنزه عن النقائص ~~تأييدا للوعد بنصرهم فقال تعالى: # {سبح} أي: أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة نقص {لله} الذي أحاط بجميع ~~صفات الكمال {ما في السموات} أي: كلها {وما في الأرض} أي: كذلك، وقيل: أن ~~اللام مزيدة، أي: نزهة وأتى بما تغليبا للأكثر، وجمع السماء لأنها أجناس. # قيل: بعضها من فضة وبعضها من غير ذلك، وأفراد الأرض لأنها جنس واحد {وهو} ~~أي: والحال أنه وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء، ولا يمتنع عليه شيء ~~{الحكيم} الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن، وأحاط بكل شيء فأتقن ما أراد، ~~فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلا، وإلى بيان ماله من العزة والحكمة ~~سبيلا. # وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بضمها، قال ~~المفسرون: نزلت هذه السورة في بني النضير، وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ~~غزا بدرا وظهر على المشركين قالوا: هو ms3587 النبي الذي نعته في التوراة لا ترد ~~له راية، فلما غزا أحد وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة، فأتوا قريشا ~~فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ودخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود المسجد، وأخذ ~~بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة ~~فنزل جبريل عليه السلام، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما عاقد عليه كعب ~~وأبو سفيان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد ~~بن مسلمة، فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ~~الناس بالمسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية يقال لها: زهرة فلما سار إليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب، وقالوا: يا محمد واعية ~~على أثر واعية، وباكية على أثر باكية، قال: نعم، قالوا: ذرنا نبكي شجونا ثم ~~ائتمر أمرك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اخرجوا من المدينة، فقالوا: ~~الموت أقرب إلينا من ذلك، ثم تنادوا بالحرب وآذنوا بالقتال، ودس المنافقون ~~عبد الله بن أبي وأصحابه إليهم أن لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن ~~معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن # PageV04P237 # خرجتم لنخرجن معكم، فدربوا على الأزفة وحصنوها، ثم إنهم اجمعوا الغدر ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إليه أن اخرج في ثلاثين رجلا من ~~أصحابك، ويخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك فيسمعون منك، ~~فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ~~من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرا من اليهود حتى إذا كانوا في براز من ~~الأرض، قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون من رجال أصحابه ~~كلهم يحب الموت قبله، ولكن أرسلوا إليه ms3588 كيف نفهم ونحن ستون رجلا اخرج في ~~ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيسمعون منك، فإن آمنوا بك ~~آمنا كلنا بك وصدقناك. # فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه، واشتملوا على الخناجر ~~وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني ~~النضير إلى أخيها، وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من ~~الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فساره بخبرهم. # فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحاصرهم ~~إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين ~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح، فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من ~~المدينة على ما يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فقبلوا ذلك فصالحهم على ~~الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، وهي السلاح، وعلى ~~أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاء من ~~متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي. # وقال الضحاك: على كل ثلاثة نفر بعيرا ووسقا من طعام. ففعلوا ذلك وخرجوا ~~من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء إلا أهل بيتين من آل بني الحقيق، ~~وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة. # فذلك قوله تعالى: {هو} أي: وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب {الذي أخرج} ~~أي: على وجه القهر {الذي كفروا} أي: ستروا ما في كتبهم من الشواهد لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم بأنه النبي الخاتم، وما في فطرتهم الأولى من اتباع الحق ~~{من أهل الكتاب} أي: الذي أنزله الله تعالى على رسوله موسى صلى الله عليه ~~وسلم وهم بنو النضير. وفي التعبير بكفروا إشعار بأنهم الذي أزالوا بالتبديل ~~والإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من التوراة {من ديارهم} أي: مساكنهم ms3589 ~~بالمدينة عقوبة لهم، لأن الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح فكان ~~الخروج منه في غاية العسر. قال ابن اسحق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أحد، وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان ~~{لأول الحشر} هو حشرهم إلى الشام. # وآخره أن جلاهم عمر في خلافته إلى خيبر. قال سمرة الهمداني: كان أول ~~الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات ~~وأريحا من الشام في أيام عمر وقال القرطبي: الحشر الجمع، وهو على أربعة ~~أضرب: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة، أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: ~~{هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر} كانوا من ~~سبط لم يصبهم جلاء، وكان الله تعالى قد كتب عليهم الجلاء فلولا ذلك لعذبهم ~~في الدنيا، وكان أول حشر في الدنيا إلى # PageV04P238 # الشام، قال ابن عباس وعكرمة رضي الله عنهم: من شك أن المحشر في الشام ~~فليقرأ هذه الآية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «اخرجوا قالوا ~~إلى أين، قال: إلى أرض الحشر» قال قتادة: هذا أول الحشر. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هو أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من داره. # وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة، قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس ~~من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتأكل من ~~تخلف منهم، وهذا ثابت في الصحيح. وذكروا أن تلك النار ترى بالليل ولا ترى ~~بالنهار. # وقال ابن العربي: للحشر أول ووسط وآخر، فالأول: جلاء بني النضير، ~~والأوسط: جلاء خيبر، والآخر: حشر يوم القيامة. وعن الحسن: هم بنو قريظة ~~وخالفه بقية المفسرين، وقالوا: بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا حكاه ~~الثعلبي {ما ظننتم} أيها المؤمنون {أن يخرجوا} أي: يوقعوا الخروج من شيء ~~أورثتموه منهم لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدة بأسهم وقرب ~~بني قريظة منهم وأهل خيبر أيضا غير بعيدين عنهم، وكلهم أهل ملتهم ms3590 ~~والمنافقون من أنصارهم فخابت ظنونهم في جميع ذلك {وظنوا أنهم} وقوله تعالى: ~~{ما نعتهم حصونهم} فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون حصونهم مبتدأ، وما نعتهم خبر مقدما، والجملة خبر أنهم. # الثاني: أن تكون مانعتهم خبر أنهم، وحصونهم فاعل به نحو إن زيدا قائم ~~أبوه، وإن عمرا قائمة جاريته. وجعله أبو حيان أولى لأن في نحو قائم زيد على ~~أن يكون خبرا مقدما ومبتدأ مؤخرا خلافا، والكوفيون يمنعونه فمحل الوفاق ~~أولى. # وقال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين قولك وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما ~~نعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه. قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل ~~على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسما لأن وإسناد ~~الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يبالي معها ~~بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم ~~تمنعهم ا. ه. وهذا الذي ذكره إنما يتأتى على الإعراب الأول، وقد تقدم أنه ~~مرجوح ودل على ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده باسمه الأعظم بقوله تعالى: {من ~~الله} أي: الملك الأعظم الذي لا عز إلا له {فأتاهم الله} أي: جاءهم الملك ~~الأعظم الذي لا يحتملون مجيئه {من حيث لم يحتسبوا} بما صور لهم من حقارة ~~أنفسهم على حبسها، وهي خذلان المنافقين رعبا كرعبهم. وقرأ حمزة والكسائي ~~بالإمالة محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بفتحها {وقذف} أي: أنزل ~~إنزالا كأنه قذف بحجارة فثبت {في قلوبهم الرعب} أي: الخوف الذي سكنها بعد ~~أن كان الشيطان زين لهم غير ذلك، وملأ قلوبهم من الأطماع الفارغة. وقرأ في ~~قلوبهم الرعب، وعليهم الجلاء، ولأخوانهم الذين حمزة والكسائي في الوصل بضم ~~الهاء والميم، وأبو عمر وبكسرهما، والباقون بكسر الهاء وضم الميم، وحرك ~~العين بالضم ابن عامر والكسائي، والباقون بالكسون # ثم بين تعالى حالهم عند ذلك وفسر قذف الرعب بقوله تعالى: {يخربون بيوتهم} ~~أي: لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره. وقرأ أبو عمرو بفتح الخاء ~~وتشديد الراء، والباقون بسكون ms3591 الخاء وتخفيف الراء وهما بمعنى، لأن خرب عداه ~~أبو عمرو بالتضعيف، وهم بالهمزة. وعن أبي عمر وأنه فرق بمعنى آخر فقال: خرب ~~بالتشديد هدم، وأفسد وأخرب بالهمزة ترك الموضع خرابا وذهب عنه، وهو # PageV04P239 # قول الفراء. قال المبرد: ولا أعلم لهذا وجها، وزعم سيبويه أنهما متعاقبان ~~في بعض الكلام فيجري كل واحد مجرى الآخر، نحو: فرحته وأفرحته. # وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بيوتهم بضم الباء الموحدة، والباقون بكسرها ~~{بأيديهم وأيدي المؤمنين} قال الزهري: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما صالحهم على أن لهم ما أقلت الأبل، كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم ~~فيهدمونها، وينزعون ما استحسنوه منها فيحملونه على إبلهم، ويخرب المؤمنون ~~باقيها. وقال قتادة والضحاك: كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود ~~من داخل ليبنوا ما خرب من حصنهم. # وقال مقاتل: إن المنافقين أرسلوا إليهم أن لا تخرجوا ود ربوا عليهم ~~الأزقة، وكان المسلمون سائر الجوانب. # فإن قيل: ما معنى تخريبها لهم بأيدي المؤمنين؟ أجيب: بأنهم لما عرضوهم ~~لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه. وقال أبو عمرو بن ~~العلاء: بأيديهم في تركهم لها، وبأيدي المؤمنين في إجلائهم عنها # ولما كان في غاية الغرابة أن يعمل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوه ~~تسبب عن ذلك قوله {فاعتبروا} أي: احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمل في عظيم ~~قدرة الله تعالى، والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ~~ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد. وسمي علم التعبير ~~لأن صاحبه ينتقل من التخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات؛ لأنها تنقل ~~المعاني عن لسان القائل إلى عقل المستمع ويقال: السعيد من اعتبر بغيره لأنه ~~ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به ~~غيره. ولهذا قال القشيري: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات ~~دلالاتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها # ثم بين أن الاعتبار لا يحصل إلا للكمل بقوله تعالى: {يا أولي الأبصار} ~~بالنظر بإبصارهم وبصائرهم ms3592 في غريب هذا الصنع، لتحققوا به ما وعدكم على لسان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من إظهار دينه وإعزاز نبيه، ولا تعتمدوا على ~~غير الله تعالى كما اعتمد هؤلاء على المنافقين، فإن من اعتمد على مخلوق ~~أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته. # {ولولا أن كتب الله} أي: فرض فرضا حتما الملك الذي له الأمر كله {عليهم ~~الجلاء} أي: الخروج من ديارهم والجولان في الأرض. فأما معظمهم فأجلاهم ~~بختنصر من بلاد الشام إلى العراق، وأما هؤلاء فحماهم الله تعالى بمهاجرة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الجلاء، وجعله على يده صلى الله عليه ~~وسلم فأجلاهم، فذهب بعضهم إلى خيبر، وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة # تنبيه:: قال الماوردي: الجلاء أخص من الخروج، لأنه لا يقال إلا للجماعة، ~~والإخراج يكون للجماعة والواحد. وقال غيره: الفرق بينهما أن الجلاء ما كان ~~مع الأهل والولد، بخلاف الإخراج فإنه لا يستلزم ذلك {لعذبهم} أي: بالقتل ~~والسبي {في الدينا} كما فعل بقريظة من اليهود {ولهم} أي: على كل حال أجلوا ~~أو تركوا {في الآخرة} التي هي دار البقاء {عذاب النار} وهو العذاب الأكبر. # {ذلك} أي: الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا، ~~ويفعله بهم في الآخرة {بأنهم شاقوا الله} أي: الملك الأعلى الذي له الإحاطة ~~التامة فكانوا في شق غير شقه، بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين بعدما ~~كانوا الموادعين {و} شاقوا {رسوله} أي: # PageV04P240 # الذي إجلاله من إجلاله {ومن يشاق الله} أي: يوقع في الباطن مشاقة الملك ~~الأعلى الذي لا كفؤ له في الماضي والحال والاستقبال {فإن الله} أي: المحيط ~~بجميع العظمة {شديد العقاب} وذلك كما فعل بأهل خيبر. # وقوله تعالى: # {ما} شرطية في موضع نصب بقوله تعالى: {قطعتم} وقوله تعالى: {من لينة} ~~بيان له. واختلف في معنى قوله تعالى: {من لينة} فأكثر المفسرين على أنها هي ~~النخلة مطلقا، كأنهم اشتقوها من اللين. قال ذو الرمة: # *كان قتودي فوقها عش طائر ... على لينة سوقاء تهفو جنوبها* # وقال الزهري: هي النخلة ما ms3593 لم تكن عجوة ولا برنية، وقال جعفر بن محمد: هي ~~العجوة خاصة، وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه الصلاة والسلام في ~~السفينة، والعتيق: الفحل وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على اليهود ~~قطعها حكاه الماوردي. وقال سفيان: هي ضرب من النخل يقال لثمرها اللون، وهو ~~شديد الصفرة يرى نواه من خارجه، ويغيب فيه الضرس النخلة منها أحب إليهم من ~~وصيف. # وقيل: هي النخلة الكريمة، أي: القريبة من الأرض. وقيل: هي الفسيلة، أي: ~~بالفاء وهي صغار النخل لأنها ألين من النخلة. وقيل: هي الأشجار كلها للينها ~~بالحياة. وقال الأصمعي: هي الدقل. قال ابن العربي: والصحيح ما قاله الأزهري ~~ومالك، وجمع اللينة لين؛ لأنه من باب اسم الجنس كتمرة وتمر، وقد تكسر على ~~ليان وهو شاذ لأن تكسر ما يفرق بتاء التأنيث شاذ كرطبة ورطب وأرطاب والضمير ~~في قوله تعالى: {أوتركتموها قائمة} عائد على معنى ما. # ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال تعالى: {على أصولها ~~فبأذن الله} أي: فقطعها بتمكين الملك الأعظم، روي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، ~~فجزع أعداء الله تعالى عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أفمن ~~الصلاح عقر الشجر وقطع النخل، وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في ~~الأرض، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فسادا، ~~واختلفوا في ذلك فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا، وقال ~~بعضهم: بل نغيظهم بقطعه فأنزل الله تعالى هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، ~~وتحليل من قطعه من الأثم، وإن ذلك كان بإذن الله وعن ابن عمر قال: «حرق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع» واللام في قوله تعالى: ~~{وليخزي الفاسقين} متعلقة بمحذوف، أي: وأذن في قطعها ليخزي اليهود في ~~اعتراضهم بأن قطع الشجر المثمر فساد، وليسر المؤمنين ويعزهم، وليخزي ~~الفاسقين. # فإن قيل: لم خصت اللينة بالقطع؟ أجيب: بأنه ms3594 إن كانت من الألوان فليستبقوا ~~لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد. # واحتجوا بهذه الآية على أن حصون الكفرة وديارهم يجوز هدمها وتحريقها ~~وتغريقها، وأن ترمى بالمناجيق، وكذا أشجارهم. وعن ابن مسعود: أنهم قطعوا ~~منها ما كان موضعا للقتال، وروي: أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة ~~والآخر اللون فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا تركتها لرسول ~~الله صلى # PageV04P241 # الله عليه وسلم وقال: هذا قطعتها غيظا للكفار. وقد استدل به على جواز ~~الاجتهاد، وعلى جوازه بحضور النبي صلى الله عليه وسلم لأنهما بالاجتهاد ~~فعلا ذلك، واحتج به من يقول: كل مجتهد مصيب. وقال الكيا الطبري: وإن كان ~~الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولا ~~شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره ~~فقط. قال ابن العربي: وهذا باطل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~معهم، ولا اجتهاد مع حضوره صلى الله عليه وسلم وإنما يدل على اجتهاد النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه أخذا بعموم الأدلة للكفار ودخولا ~~للأذن في الكل بما يقضي عليهم بالبوار، وذلك قوله تعالى: {وليخزي الفاسقين} # {وما أفاء الله} أي: رد الملك الذي له الأمر كله ردا سهلا بعد أن كان في ~~غاية العسر والصعوبة {على رسوله} فصيره في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع ~~أيدي الكفرة عليه ظلما وعدوانا، كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود ~~الظل إلى الناحية التي كان ابتدأ منها {منهم} أي: ردا مبتدأ من الفاسقين ~~فبين تعالى أن هذا فيء لا غنيمة، ويدخل في الفيء أموال من مات منهم بلا ~~وارث، وكذا الفاضل عن وارث له غير حائز، وكذا الجزية وعشر تجارتهم، وما ~~جلوا أي: تفرقوا عنه ولو لغير خوف كضر أصابهم. # وأما الغنيمة فهي ما حصل لنا من الحربيين مما هو لهم بايجاف حتى ما حصل ~~بسرقة أو التقاط، وكذا ما انهزموا ms3595 عنه عند التقاء الصفين ولو قبل شهر ~~السلاح، أو أهداه الكافر لنا والحرب قائمة. ولم تحل الغنائم لأحد قبل ~~الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالا جمعوه فتأتي نار من السماء ~~فتأخذه، ثم أحلت لنبينا صلى الله عليه وسلم وكانت في صدر الإسلام له خاصة، ~~لأنه كالمقاتلين كلهم نصرة وشجاعة بل أعظم، ثم نسخ ذلك واستقر الأمر على ما ~~هو في سورة الأنفال في قوله تعالى: {واعلموا إنما غنمتم من شيء} (الأنفال: ~~41) # الآية وأما الفيء فهو مذكور هنا بقوله تعالى: {فما أوجفتم} أي: أسرعتم يا ~~مسلمين {عليه} ومن في قوله تعالى: {من خيل} مزيدة، أي: خيلا، وأكد بإعادة ~~النافي دفعا لظن من ظن أنه غنيمة لأحاطتهم به بقوله تعالى: {ولا ركاب} ~~والركاب الإبل غلب ذلك عليها من بين المركوبات، واحدها راكبة ولا واحد لها ~~من لفظها. # وقال الرازي: العرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير، ويسمون ~~راكب الفرس فارسا، والمعنى: لم تقطعوا إليها شقة ولا لقيتم بها حربا ولا ~~مشقة، فإنها كانت من المدينة على ميلين، قاله الفراء فمشوا إليها مشيا، ولم ~~يركبوا إليها خيلا ولا إبلا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ركب جملا، وقيل: ~~حمارا مخطوما بليف فافتتحها صلحا. # قال الرازي: إن الصحابة طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم الفيء ~~بينهم كما قسم الغنيمة بينهم، فذكر الله تعالى الفرق بين الأمرين، وأن ~~الغنيمة هي التي تعبتم أنفسكم في تحصيلها، وأما الفيء فلم يوجف عليه بخيل ~~ولا ركاب فكان الأمر مفوضا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء # {ولكن الله} أي: الذي له العز كله فلا كفؤ له {يسلط رسله} أي: له هذه ~~السنة في كل زمن {على من يشاء} يجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعبا في ~~قلوب أعدائه {والله} أي: الملك الذي له الكمال كله {على كل شيء} يصح أن ~~تتعلق المشيئة به، وهو كل ممكن من التسليط وغيره {قدير} # PageV04P242 # أي: بالغ القدرة إلى أقصى الغايات فلا حق لكم ms3596 فيه، ويختص به النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة، على ما ~~كان عليه القسمة من أن لكل منهم خمس الخمس وله صلى الله عليه وسلم الباقي ~~يفعل فيه ما يشاء # ثم بين تعالى مصرف الفيء بقوله تعالى: {ما أفاء الله} أي: الذي اختص ~~بالعزة والقدرة والحكمة {على رسوله من أهل القرى} أي: قرية بني النضير ~~وغيرها من وادي القرى والصفراء وينبع، وما هنالك من قرى العرب التي تسمى ~~قرى عربية، فيخمس ذلك خمسة أخماس وإن لم يكن في الآية تخميس، فإنه مذكور في ~~آية الغنيمة فحمل المطلق على المقيد، وكان صلى الله عليه وسلم يقسم له ~~أربعة أخماسه وخمس خمسة، ولكل من الأربعة المذكورين معه خمس خمس وقرأ أبو ~~عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين، والباقون بالفتح ~~فقوله تعالى: {فلله} أي: الملك الأعلى الذي كله بيده ذلك للتبرك، فإن كل ~~أمر لا يبدأ فيه به فهو أجذم {وللرسول} أي: الذي عظمته من عظمته تعالى، وقد ~~تقدم ما كان له صلى الله عليه وسلم وأما بعده صلى الله عليه وسلم فيصرف ما ~~كان له من خمس الخمس لمصالح المسلمين، وسد ثغور، وقضاة، وعلماء بعلوم تتعلق ~~بمصالح المسلمين كتفسير وقراءة، والمراد بالقضاة غير قضاة العسكر أما قضاته ~~وهم الذين يحكمون لأهل الفيء في مغزاهم فيرزقون من الأخماس الأربعة لا من ~~خمس الخمس، يقدم وجوبا الأهم فالأهم. وأما الأربعة المذكورة معه صلى الله ~~عليه وسلم فأولها المذكور في قوله تعالى: {ولذي القربى} أي: منه، وهم مؤمنو ~~بني هاشم وبني المطلب لاقتصاره صلى الله عليه وسلم في القسم عليهم مع سؤال ~~غيرهم من بني عميهم نوفل وعبد شمس له، ولقوله صلى الله عليه وسلم «أما بنو ~~هاشم وبنو المطلب فشيء واحد، وشبك بين أصابعه» فيعطون ولو أغنياء لأنه صلى ~~الله عليه وسلم أعطى العباس وكان غنيا، ويفضل الذكر على الأنثى كالإرث فله ~~سهمان ولها سهم، لأنه عطية من الله تعالى يستحق بقرابة الأب كالإرث ms3597 سواء ~~الكبير والصغير، والعبرة بالانتساب إلى الآباء فلا يعطى أولاد البنات من ~~بني هاشم والمطلب شيئا لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبير وعثمان مع أن ~~أم كل منهما كانت هاشمية. # وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، وأبو عمرو ~~بين بين، والباقون بالفتح، وخالفهم أبو عمرو في واليتامى. ثانيها: المذكور ~~في قوله تعالى: {واليتامى} أي: الفقراء منا لأن لفظ اليتيم يشعر بالحاجة ~~لأنه مال أو نحوه أخذ من الكفار فاختص كسهم المصالح، واليتيم صغير ولو أنثى ~~لخبر «لا يتم بعد احتلام» رواه أبو داود وحسنه النووي وإن ضعفه غيره لا أب ~~له، وإن كان له أم. وحد اليتيم في البهائم من فقد أمه، وفي الطير من فقد ~~أباه وأمه، ومن فقد أمه فقط من الآدميين يقال له: منقطع. ثالثها: المذكور ~~في قوله تعالى: {والمساكين} الصادقين بالفقراء، وهم أهل الحاجة منا وتقدم ~~تعريفهما في سورة الأنفال، وكذا تعريف الرابع المذكور في قوله تعالى: {ابن ~~السبيل} أي: الطريق الفقير منا ذكورا كانوا أو إناثا، ولو اجتمع في واحد من ~~هذا الأصناف يتم ومسكنة أعطي باليتم فقط، لأنه وصف لازم والمسكنة زائلة، ~~وللإمام التسوية والتفضيل بحسب الحاجة ويعم الإمام ولو بنائبه الأصناف ~~الأربعة الأخيرة بالأعطاء وجوبا لعموم الآية فلا يخص # PageV04P243 # الحاضر بموضع حصول الفيء، ولا من في كل ناحية منهم بالحاصل فيها نعم لو ~~كان الحاصل لا يسد مسدا بالتعميم قدم الأحوج فالأحوج، ولا يعم للضرورة. # ومن فقد من الأربعة صرف نصيبه للباقين منهم، وأما الأخماس الأربعة فهي ~~للمرتزقة، وهم المرصدون للجهاد بتعيين الإمام لهم بعمل الأولين به بخلاف ~~المتطوعة فلا يعطون من الفيء بل من الزكاة عكس المرتزقة، ويشرك المرتزقة ~~قضاتهم كما مر وأئمتهم ومؤذنوهم وعمالهم، ويجب على الإمام أن يعطي كل من ~~المرتزقة بقدر حاجة ممونه من نفسه، وغيرها كزوجاته ليتفرغ للجهاد ويراعي في ~~الحاجة الزمان والمكان والرخص والغلاء، وعادة الشخص مروأة وضدها ويزادان ~~زادت حاجته بزيادة ولد، أو حدوث زوجة فأكثر ومن لا عبد له يعطى ms3598 من العبيد ~~ما يحتاجه للقتال معه، أو لخدمته إن كان ممن يخدم، ويعطي مؤنته. # ومن يقاتل فارسا ولا فرس له يعطي من الخيل ما يحتاجه للقتال، ويعطى مؤنته ~~بخلاف الزوجات يعطى لهن مطلقا لانحصارهن في أربع، ثم ما يدفعه إليه لزوجته ~~وولده الملك فيه لهما حاصل من الفيء. # وقيل: يملكه هو ويصير إليهما من جهته، فإن مات أعطى الإمام أصوله وزوجاته ~~وبناته إلى أن يستغنوا، ويسن أن يضع الإمام ديوانا وهو الدفتر الذي يثبت ~~فيه أسماء المرتزقة وأول من وضعه عمر رضي الله عنه وأن ينصب لكل جمع عريفا، ~~وأن يقده في اسم وإعطاء قريشا لشرفهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ولخبر ~~قدموا قريشا، وأن يقدم منهم بني هاشم وبني المطلب فبني عبد شمس فبني عبد ~~العزى فسائر بطون العرب الأقرب فالأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسائر ~~العرب فالعجم، ولا يثبت في الديوان من لا يصلح، ومن مرض فكصحيح وإن لم يرج ~~برؤه، ويمحى اسم كل من لم يرج، وما فضل عنهم وزع عليهم بقدر مؤنتهم وللإمام ~~صرف بعضه في ثغور وسلاح وخيل ونحوها، وله وقف عقار فيء أو بيعه وقسم غلته ~~أو ثمنه كقسم المنقول أربعة أخماسه للمرتزقة وخمسة للمصالح، وله أيضا: قسمه ~~كالمنقول لكن خمس الخمس الذي للمصالح لا سبيل إلى قسمته. # ولما حكم سبحانه هذا الحكم في الفيء المخالف لما كانوا عليه في الجاهلية ~~من اختصاص الأغنياء به بين علته المظهرة لعظمته بقوله تعالى: {كي لا يكون} ~~أي: الفيء الذي يسره الله تعالى بقوته من قذف الرعب في قلوب أعدائه، ومن ~~حقه أن يعطاه الفقراء {دولة} أي: متداولا {بين الأغنياء منكم} أي: يتداوله ~~الأغنياء ويدور بينهم كما كان في الجاهلية، فإنهم كانوا يقولون: من عزيز، ~~ومنه قول الحسن: اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا، يريد: من غلب منهم ~~أخذه واستأثر به. وقرأ هشام بخلاف عنه تكون بالتأنيث دولة بالرفع، والباقون ~~بالتذكير والنصب، فأما الرفع فعلى أن كان تامة، وأما التأنيث والتذكير ~~فواضحان؛ لأنه تأنيث ms3599 مجازي، وأما النصب فعلى إنها الناقصة واسمها ضمير عائد ~~على الفيء. والتذكير واجب لتذكير المرفوع، ودولة خبرها، وقيل: دولة عائد ~~على ما اعتبارا بلفظها، وكي لا هنا مقطوعة في الرسم # {وما آتاكم الرسول} أي: وكل شيء أحضره لكم الكامل في الرسالة من الغنيمة، ~~أو مال الفيء أو غيره {فخذوه} أي: فاقبلوه لأنه حلال لكم، وتمسكوا به فإنه ~~واجب الطاعة {وما نهاكم عنه} أي: من جميع الأشياء {فانتهوا} لأنه لا ينطق ~~عن الهوى، ولا يقول # PageV04P244 # ولا يفعل إلا ما أمر ربه عز وجل. # تنبيه: هذه الآية تدل على أن كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~من الله تعالى لأن الآية، وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره صلى الله عليه ~~وسلم ونواهيه داخل فيها. قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلا محرما ~~وعليه ثيابه، فقال: انزع عنك هذا، فقال الرجل: تقرأ علي بهذا آية من كتاب ~~الله تعالى، قال: نعم {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال ~~عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي: سمعت الشافعي رضى الله عنه يقول: ~~سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى، وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~قال: فقلت له: أصلحك الله ما تقول في المحرم يقتل الزنبور، قال: فقال: بسم ~~الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن ~~حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقتدوا بالذين من ~~بعدي أبي بكر وعمر» حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن أسلم ~~عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب: أنه أمر بقتل الزنبور. وهذا الجواب في ~~غاية الحسن أفتى بقتل الزنبور في الإحرام، وبين أنه يقتدى فيه بعمر، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء به، وأن الله تعالى أمر بقبول ما ~~يقوله صلى الله عليه وسلم فجواز ms3600 قتله من الكتاب والسنة. # وسئل عكرمة عن أمهات الأولاد هل هن أحرار؟ فقال: في سورة النساء في قوله ~~تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} (النساء: 59) # وفي صحيح مسلم وغيره عن علقمة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن ~~المغيرات لخلق الله تعالى» فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب ~~فجاءت فقالت: بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال وما لي لا ألعن من لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى فقالت: لقد قرأت ما بين ~~اللوحين فما وجدت فيه ما تقول فقال: لئن كنت قرأتيه فقد وجدتيه أما قرأت ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} قالت: بلى، قال: فإنه قد ~~نهى عنه الحديث. # فائدة: الوشم: هو غرز العضو من الإنسان بالإبرة، ثم يحشى بالكحل. ~~والمستوشمة، هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك، والنامصة: هي التي تنتف الشعر ~~من الوجه، والمتفلجة: هي التي تتكلف تفريج ما بين ثناياها بصناعة، وقيل: ~~تتفلج في مشيها في كل شيء منهي عنه. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، ~~وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح والهمزة ممدودة بلا خلاف لأنها ~~بمعنى الإعطاء {واتقوا الله} أي: واجعلوا لكم بطاعة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقاية من عذاب الملك الأعظم المحيط علما وقدرة، وعلل ذلك بقوله ~~تعالى: {إن الله} أي: الذي له الجلال والإكرام على الإطلاق {شديد العقاب} ~~أي: العذاب الواقع بعد الذنب. قال البقاعي ومن زعم أن شيئا مما في هذه ~~السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ، لأن الأنفال نزلت في بدر، ~~وهي قبل هذه بمدة. # وقوله تعالى: {للفقراء} أي: الذين كان الإنسان منهم يعصب الحجر على بطنه ~~من الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد وماله دثار غيرها بدل من لذي ~~القربى، وما عطف عليه # PageV04P245 # قاله الزمخشري. والذي منع الإبدال من لله وللرسول والمعطوف عليهما وإن ~~كان المعنى لرسول الله صلى ms3601 الله عليه وسلم لأن الله تعالى أخرج رسوله صلى ~~الله عليه وسلم من الفقراء في قوله تعالى: {وينصرون الله ورسوله} ولأنه ~~تعالى يترفع برسوله صلى الله عليه وسلم عن تسميته بالفقير، وقال غيره: إنه ~~خبر لمبتدأ محذوف، أي: ولكن الفيء للفقراء. # وقيل تقديره: ولكن يكون للفقراء، وقيل تقديره: أعجبوا للفقراء، واقتصر ~~على هذا التقدير الجلال المحلى. وإنما جعله الزمخشري بدلا من لذي القربى ~~لأنه حنفي، والحنفية يشترطون الفقر في إعطاء ذوي القربى من الفيء، ولذا قال ~~البيضاوي: ومن أعطى أغنياء ذوي القربى، أي: كالشافعي خصص الإبدال بما بعده، ~~أو الفيء بفيء بني النضير ا. ه. أوانهم كانوا عند نزول الآية كذلك، ثم خصص ~~بالوصف بقوله تعالى: {المهاجرين} وقيد ذلك بقوله تعالى: {الذين أخرجوا من ~~ديارهم} لأن الهجرة قد تطلق على من هجر أهل الكفر من غيره مفارقة الوطن ~~وقوله تعالى: {وأموالهم} إشارة إلى أن المال لما كان يستره الإنسان كان ~~كأنه ظرف له # ولما كان طلب الدنيا من النقائص بين أنه إذا كان من الله لم يكن كذلك، ~~وأنه لا يكون فادحا في الإخلاص فقال تعالى: {يبتغون} أي: اخرجوا حال كونهم ~~يطلبون على وجه الاجتهاد، وبين أنه لا يجب عليه سبحانه لأحد شيء بقوله ~~تعالى: {فضلا من الله} أي: الملك الأعظم الذي لا كفء له، لأنه المختص بجميع ~~صفات الكمال فيغنيهم بفضله عمن سواه {ورضوانا} بأن يوفقهم لما يرضيه عنهم، ~~ولا يجعل رغبتهم في العوض منه فادحا في الإخلاص فيوصلهم إلى دار كرامته ~~وقرأ شعبة بضم الراء، والباقون بكسرها {وينصرون} أي: على سبيل التجديد ~~والاستمرار {الله} أي: دين الملك الأعظم {ورسوله} الذي عظمته من عظمته ~~بأنفسهم وأموالهم ليضمحل حزب الشيطان {أولئك} أي: العالو الرتبة في الأخلاق ~~الفاضلة {هم الصادقون} أي: العريقون في هذا الوصف، لأن مهاجرتهم لما ذكر ~~وتركهم لما وصف دل على كمال صدقهم فيما ادعوه من الإيمان بالله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم حيث نابدوا من عاداهما، ووالوا أولياءهما وإن بعدت دارهم ~~وشط مزارهم # ثم اتبع ذكر المهاجرين ms3602 بذكر الأنصار الذين كانوا في كل حال معه صلى الله ~~عليه وسلم كالميت بين يدي الغاسل مهما شاء فعل ومهما أراد منهم صاروا إليه ~~بقوله تعالى: # {والذين تبوؤا} أي: جعلوا بغاية جهدهم {الدار} أي: الكاملة في الدور التي ~~جعلها الله تعالى في الأزل للهجرة، وهيأها للنصرة وجعلها محل إقامتهم. وفي ~~قوله تعالى: {والإيمان} أوجه: # أحدها: أنه ضمن تبوؤا معنى لزموا فيصح عطف الإيمان عليه؛ إذ الإيمان لا ~~يتبوأ. # ثانيها: أنه منصوب بمقدر، أي: واعتقدوا، أو وألفوا، أو وأحبوا، أو ~~وأخلصوا كقول القائل: علفتها تبنا وماء باردا. وقول الآخر: ومقلدا سيفا ~~ورمحا. # ثالثها: أنه يتجوز في الإيمان فيجعل لاختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان ~~المحيط بهم، فكأنهم نزلوه وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة ~~واحدة، وفيه خلاف مشهور. # رابعها: أن يكون الأصل دار الهجرة ودار الإيمان، فأقام لام التعريف في ~~الدار مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه ~~مقامه. # خامسها: أن يكون سمى المدينة به، # PageV04P246 # لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان، قال: هذين الوجهين الزمخشري، وليس ~~فيه إلا قيام أل مقام المضاف إليه وهو محل خلاف، وهو أن أل هل تقوم مقام ~~الضمير المضاف إليه فالكوفيون يجوزونه كقوله تعالى: {فإن الجنة هي المأوى} ~~(النازعات: 41) # أي: مأواه، والبصريون يمنعونه ويقولون الضمير محذوف، أي: المأوى له. وأما ~~كونها عوضا عن المضاف إليه، فقال ابن عادل: لا نعرف فيه خلافا. # سادسها: أنه منصوب على المفعول معه، أي: مع الإيمان. قال وهب: سمعت مالكا ~~يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال: إن المدينة تبوئت بالإيمان ~~والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف، ثم قرأ {والذين تبوؤا الدار ~~والإيمان من قبلهم} أي: وهم الأنصار {يحبون} أي: على سبيل التجديد ~~والاستمرار {من هاجر} وزادهم محبة فيهم بقوله تعالى: {إليهم} لأن القصد إلى ~~الإنسان يوجب حقه عليه، لأنه لولا كمال محبته له ما خصه بالقصد إليه {ولا ~~يجدون في صدورهم} أي: التي هي مساكن قلوبهم فضلا عن أن تنطق ألسنتهم {حاجة} ms3603 ~~قال الحسن: حسدا وحزازة وغيظا {مما أوتوا} أي: آتى النبي المهاجرين من ~~أموال بني النضير وغيرهم، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة لأن ~~هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة، فأطلق اسم اللازم على الملزوم على سبيل ~~الكناية. # فعلى هذا يكون الضمير الأول للجائين بعد المهاجرين، وفي أوتوا للمهاجرين. # وقيل: إن الحاجة هنا على بابها من الاحتياج إلا أنها واقعة موقع المحتاج ~~إليه، والمعنى: ولا يجدون طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء ~~وغيره، والمحتاج إليه يسمى حاجة، تقول: خذ منه حاجته، وأعطاه من ماله حاجته ~~قاله الزمخشري: والضميران على ما تقدم، وقال أبو البقاء: مس حاجة، أي: أنه ~~حذف المضاف للعلم به، وعلى هذا فالضميران للذين تبوؤا الدار والإيمان. قال ~~القرطبي: كان المهاجرون في دور الأنصار فلما غنم صلى الله عليه وسلم أموال ~~بني النضير دعا الأنصال وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم ~~منازلهم وإشراكهم في الأموال، ثم قال صلى الله عليه وسلم «إن أحببتم قسمت ~~ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبينهم وكان المهاجرون على ما هم ~~عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم» ~~فقال سعد بن عبادة، وسعد ابن معاذ: بل تقسمه بين المهاجرين ويكونون في ~~دورنا كما كانوا، ونادت الأنصار رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأعطى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المهاجرين، ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين، أبا ~~دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. # ولما أخبر تعالى عن تخليهم عن الرذائل أتبعه الأخبار بتحليهم بالفضائل ~~فقال عز من قائل: {ويؤثرون على أنفسهم} فيبذلون لغيرهم كائنا من كان ما في ~~أيديهم، فإن الإيثار تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في ~~الحظوظ الأخروية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على ~~المشقة، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة عن الرذائل فإن النفس ~~إذا طهرت كان ms3604 القلب أطهر وأكد ذلك بقوله تعالى: {ولو كان} أي كونا هو في ~~غاية المكنة {بهم} أي خاصة لا بالمؤثر {خصاصة} أي: فقر وحاجة إلى ما يؤثرون ~~به. # روي عن أبي هريرة أن رجلا بات به ضيف، # PageV04P247 # ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفىء ~~السراج وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية. وعنه أيضا قال: «جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: ~~والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~يضيف هذا الليلة رحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله ~~فانطلق به إلى رحله فقال: لامرأته هل عندك شيء؛ قالت: لا إلا قوت صبياني، ~~قال: فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج» وذكر نحو الحديث الأول. # وفي رواية فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة فانطلق به إلى رحله. ~~وذكر المهدوي أنها نزلت في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار يقال له: أبو ~~المتوكل، ولم يكن عنده إلا قوته. # وذكر القشيري قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس ~~شاة، فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا فبعثها إليهم، فلم يزل ~~يبعث بها واحد إلى آخر حتى تناولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت ~~الآية. # وذكر القرطبي عن أنس قال: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة، وكان مجهودا ~~فوجه بها إلى جار له فتداولها سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عادت إلى الأول ~~فنزلت. # فإن قيل: قد صح في الخبر النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء أجيب: بأن ~~محل النهي فيمن لا يوثق منه بالصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا ~~فقد ما ينفقه، فأما الأنصار الذين أثنى الله تعالى عليهم بالإيثار على ~~أنفسهم فكانوا كما قال تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} ~~(البقرة: 177) # فكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك، والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض ms3605 للمسألة ~~أولى من الإيثار. كما روي «أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ~~البيضة من الذهب، فقال: هذه صدقة فرماه بها، وقال: يأتي أحدكم بجميع ما ~~يملكه فيتصدق به ثم يقعد فيتكفف الناس» والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال ~~وإن عاد إلى النفس. ومن الأمثال: والجود بالنفس أعلى غاية الجود، وأفضل من ~~الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي الصحيح أن ~~أبا طلحة ترس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله ~~لا يصيبونك نحري دون نحرك» ، ووقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت. ~~وقال حذيفة الدوري انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي فإذا برجل يقول: آه، ~~آه. فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه فإذا هو هشام بن العاصي فقلت أسقيك ~~فأشار أن نعم فسمع آخر يقول آه آه فأشار هشام أن انطلق عليه فجئت إليه، ~~فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو ~~قد مات. # وقال أبو يزيد البسطامي: ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ قدم إلينا ~~حاجا، فقال لي: يا أبا يزيد ما حد الزهد عندكم، فقلت: إذا وجدنا أكلنا، ~~وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هكذا كلاب بلخ فقلت: وما حد الزهد عندكم، فقال: ~~إذا فقدنا شكرنا وإذا وجدنا آثرنا. # وسأل ذو النون ما حد الزهد قال: ثلاث: تفريق المجموع، وترك تطلب المفقود، ~~والإيثار عند القوت. وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده نيف ~~وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري، وبينهم أرغفة معدودة لا تشبع # PageV04P248 # جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام، فلما فرغوا فإذا ~~الطعام بحاله لم يأكل أحد منهم شيئا إيثارا لصاحبه على نفسه {ومن يوق شح ~~نفسه} أي: يجعل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس وقاية تحول ~~بينه وبينها، فلا يكون مانعا ms3606 لما عنده حريصا على ما عند غيره حسدا. قال ابن ~~عمر الشح: أن تطمح عين الرجل فيما ليس له، قال صلى الله عليه وسلم «اتقوا ~~الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» ~~. وقال القرطبي: الشح والبخل سواء، وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل. ~~وفي الصحاح: الشح البخل مع حرص، والمراد بالشح في الآية الشح بالزكاة، وما ~~ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة وما شاكل ذلك وليس بشحيح ولا بخيل من ~~أنفق في ذلك، وإن أمسك عن نفسه، ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ذكر من ~~الزكاة والطاعات فلم يوق شح نفسه. # روى الأموي عن ابن مسعود: أن رجلا أتاه فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، ~~قال: وماذاك قال سمعت الله يقول: ومن يوق شح نفسه، وأنا رجل شحيح لا أكاد ~~أخرج من يدي شيئا، فقال ابن مسعود: ليس ذلك الذي ذكر الله تعالى، إنما الشح ~~أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل، ففرق بين الشح ~~والبخل. وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح بما في ~~أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام فلا يقنع، وقال ~~بعضهم: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، إنما الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس ~~له. وقال ابن جبير: الشح منع الزكاة، وادخار الحرام وقال ابن عيينة: الشح ~~الظلم. وقال الليث: ترك الفرائض، وانتهاك المحارم. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: من اتبع هواه ولم يقبل الإيمان، فذلك الشحيح وقال ابن زيد: من لم ~~يأخذ شيئا نهاه الله تعالى عنه، ولم يمنع شيئا أمره الله تعالى بإعطائه فقد ~~وقاه الله تعالى شح نفسه. # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «برىء من الشح من أدى الزكاة، ~~وأقرى الضيف، وأعطى في النائبة» وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان ~~يدعو اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها وسوأتها» ms3607 وقال ابن الهياج ~~الأسدي: رأيت رجلا في الطواف يدعو اللهم قني شح نفسي لا يزيد على ذلك، فقلت ~~له: فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أقتل فإذا الرجل عبد ~~الرحمن بن عوف. قال القرطبي: ونزل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم «اتقوا ~~الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان ~~قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماؤهم واستحلوا محارهم» وعن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنم في جوف ~~عبد أبدا» وقال كسرى لأصحابه: أي شيء أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر، فقال: ~~الشح أضر من الفقر لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدا ~~{فأولئك} أي: العالو المنزلة {هم المفلحون} أي: الكاملون في الفوز بكل ~~مراد، قال القشيري: ومجرد القلب من الأعراض والأملاك صفة السادة والأكابر ~~من أسرته الأخطار # ولما أثنى سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار بما هم عليه وأهله ~~أتبعهم ذكر التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين فقال تعالى: {والذين جاؤوا} ~~أي: من أي طائفة كانوا {من بعدهم} أي بعد المهاجرين والأنصار، وهم من آمن # PageV04P249 # بعد انقطاع الهجرة بالفتح، وبعد إيمان الأنصار الذين أسلموا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى يوم القيامة {يقولون} على سبيل التجديد والاستمرار ~~تصديقا لإيمانهم بدعائهم {ربنا} أي: أيها المحسن إلينا بإيجاد من مهد الدين ~~قبلنا {اغفر لنا} أي: أوقع ستر النقائص آثارها وأعيانها {ولأخواننا} أي: في ~~الدين فإنهم أعظم أخوة، وبينوا العلة بقولهم {الذين سبقونا بالإيمان} قال ~~ابن أبي ليلى الناس على ثلاثة منازل: المهاجرين، والذين تبوؤا الدار ~~والإيمان، والذي جاؤوا من بعدهم فاجتهد أن لا تخرج من هذه المنازل. وقال ~~بعضهم: كن مهاجرا، فإن قلت: لا أجد فكن أنصاريا، فإن لم تجد فاعمل ~~بأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمر الله تعالى. # وقال مصعب بن سعد: الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ~~ما أنتم عليه ms3608 أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وعن جعفر بن محمد عن أبيه ~~عن جده أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~تقول في عثمان فقال له يا أخي أنت من قوم قال الله تعالى فيهم: {للفقراء ~~المهاجرين} الآية، قال: لا، قال: فأنت من قوم قال الله تعالى فيهم: {والذين ~~تبوؤا الدار والإيمان} الآية، قال: لا، قال: فو الله إن لم تكن من أهل ~~الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام، وهي قوله تعالى: {والذين جاؤوا من بعدهم} ~~الآية وروي أن نفرا من أهل العراق جاؤوا إلى محمد بن علي بن الحسين فسبوا ~~أبا بكر وعمر وعثمان فأكثروا، فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم، ~~فقالوا: لا فقال: من الذين تبؤوا الدار والإيمان، قالوا: لا قال: فقد ~~تبرأتم من هذين الفريقين، أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى: ~~{والذين جاؤوا من بعدهم} قوموا فعل الله بكم وفعل. # تنبيه: هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة رضى الله تعالى عنهم ~~أجمعين، لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم ~~والاستغفار لهم، ومن أبغضهم أو واحدا منهم، أو اعتقد فيهم شرا أنه لا حق له ~~في الفيء. # قال مالك: من كان يبغض أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~كان في قلبه لهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ {والذين جاؤوا من ~~بعدهم} الآية، وهي عامة في جميع التابعين الآتين بعدهم إلى يوم القيامة. ~~يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار ~~قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت لو رأيت إخواننا، فقالوا: ~~يا رسول الله ألسنا إخوانك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنتم ~~أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض» فبين صلى الله ~~عليه وسلم أن أخوانه كان من أتى بعدهم كما قال السدي والكلبي: إنهم الذي ~~هاجروا بعد ذلك، وعن ms3609 الحسن أيضا: أن الذين جاؤوا من بعدهم من قصد إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة، وإنما بدؤوا في الدعاء ~~بأنفسهم لقوله صلى الله عليه وسلم «ابدأ بنفسك» وقال الشعبي: تفاضلت اليهود ~~والنصارى على الرافضة بخصلة، سألت اليهود من خير أهل ملتكم فقالوا: أصحاب ~~موسى، وسألت الأنصار من خير أهل ملتكم فقالوا: أصحاب عيسى، وسألت الرافضة ~~من شر أهل ملتكم فقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أمروا بالاستغفار ~~لهم فسبوهم. وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ~~تذهب هذه الأمة حتى يلعن # PageV04P250 # آخرها أولها» أعاذنا الله تعالى ومحبينا من الأهواء المضلة {ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا} أي: ضغنا وحسدا وحقدا، وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام {للذين ~~آمنوا} أي: أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته وقيدوا بالقلب لأن ~~رذائل النفس قل أن تنفك، وأنها إن كانت مع صحة القلب أو شك أن لا تؤثر ~~{ربنا} أي: أيها المحسن إلينا بتعليم ما لم نكن نعلم، وأكدوا إعلاما بأنهم ~~يعتقدون ما يقولون بقولهم: {إنك رؤوف} أي: راحم أشد الرحمة لمن كانت له بك ~~وصلة بفعل من أفعال الخير {رحيم} مكرم غاية الإكرام لمن أردت، ولو لم يكن # له وصلة فأنت جدير بأن تجيبنا لأنا بين أن تكون لنا وصلة فنكون من أهل ~~الرأفة، أو لا فنكون من أهل الرحمة. # فقد أفادت هذه الآية أن من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة فليس ممن ~~عنى الله تعالى بهذه الآية. وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بكسر ~~الهمزة، والباقون بمدها # ولما ذكر حال المؤمنين اتبعهم بذكر حال المنافقين فقال تعالى: {ألم تر} ~~أي: تعلم علما هو في غاية الجزم كالمشاهدة يا أعلى الخلق، وبين بعدهم عن ~~جنابه العالي ومنصبه الشريف العالي بأداة الانتهاء فقال تعالى: {إلى الذين ~~نافقوا} أي: أظهروا غيرما أضمروا وبالغوا في إخفاء عقائدهم، وهم عبد الله ~~بن أبي ابن سلول وأصحابه، قالوا: والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه ms3610 ~~قبله، وهو استعارة من الضب في نافقائه وقاصعائه وصور حالهم بقوله تعالى: ~~{يقولون لأخوانهم الذين كفروا} أي: غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على الحق ~~{من أهل الكتاب} وهم اليهود من بني قريظة والنضير. والأخوان هم الأخوة، وهي ~~هنا تحتمل وجوها: # أحدها: الأخوة في الآخرة لأن اليهود والمنافقين اشتركوا في عموم الكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم # وثانيها: الأخوة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة. # وثالثها: الأخوة بسبب اشتراكهم في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا ~~لليهود: {لئن أخرجتم} أي: من مخرج ما من المدينة {لنخرجن معكم} أي: منها ~~{ولا نطيع فيكم} أي في خذلانكم {أحدا} أي يريد خذلانكم من الرسول ~~والمؤمنين. وأكدوا بقولهم: {أبدا} أي: ما دمنا نعيش، وبمثل هذا العزم يستحق ~~الكافر الخلود الأبدي في العذاب {وإن قوتلتم} أي: من أي مقاتل كان يقاتلكم ~~ولم تخرجوا {لننصرنكم} أي: لنعيننكم ولنقاتلن معكم. # ولما كان قولهم هذا كلاما يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث كونه مؤكدا مع ~~كونه مبتدأ من غير سؤال فيه بين حاله سبحانه بقوله تعالى: {والله} أي: ~~يقولون ذلك والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما {يشهد إنهم} أي: المنافقين ~~{لكاذبون} أي: فيما قالوا ووعدوا، وهذا من أعظم دلائل النبوة لأنه إخبار ~~بغيب بعيد عن العادة. # ثم أخبر تعالى عن حال المنافقين بقوله تعالى: {لئن أخرجوا} أي: بنو ~~النضير من أي مخرج كان {لا يخرجون} أي: المنافقون {معهم} أي: حمية لهم ~~لأسباب يعلمها الله تعالى: {ولئن قوتلوا} أي: اليهود من أي مقاتل كان، فيكف ~~بأشجع الخلق وأعلمهم صلى الله عليه وسلم {لا ينصرونهم} أي: المنافقون. # ولقد صدق الله تعالى وكذبوا في الأمرين معا القتال والإخراج لا نصروهم ~~ولا خرجوا معهم فكان ذلك من أعلام النبوة، وعلم به من كان شاكا فضلا عن ~~الموفقين {ولئن نصروهم} أي: المنافقون في وقت من الأوقات {ليولن} أي: # PageV04P251 # المنافقون ومن ينصرونه. وحقرهم بقوله تعالى: {الأدبار} أي: ولقد قدر وجود ~~نصرهم لولوا الأدبار منهزمين {ثم لا ينصرون} أي: يتجدد لفريقيهم، ولا لواحد ~~منهما نصرة في ms3611 وقت من الأوقات. ولم يزل المنافقون واليهود في الذل. # {لأنتم} أيها المؤمنون {أشد رهبة} أي: خوفا {في صدورهم} أي: اليهود ومن ~~ينصرهم {من الله} أي: لتأخير عذابه، وأصل الرهبة والرهب: الخوف الشديد مع ~~حزن واضطراب، والمعنى: أنهم يرهبونكم ويخافون منكم أشد الخوف، وأشد من ~~رهبتهم من الله لما مر. {ذلك} أي: الأمر الغريب وهو خوفهم الثابت اللازم من ~~مخلوق مثلهم ضعيف لرؤيتهم له، وعدم خوفهم من الخالق على ماله من العظمة في ~~ذاته، ولكونه غنيا عنهم {بأنهم قوم} أي: على ما لهم من القوة {لا يفقهون} ~~أي: لا يتجدد لهم بسبب كفرهم واعتمادهم على مكرهم في وقت من الأوقات، فهم ~~يشرح صدورهم ليدركوا به أن الله تعالى هو الذي ينبغي أن يخشى لا غيره، بل ~~هم كالأنعام لا نظر لهم إلى الغيب إنما هم مع المحسوسات. والفقه هو العلم ~~بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة. # {س59ش14/ش19 يقاتلونكم جميعا إs فى قرى محصنة أو من ورآء جدر?? بأسهم ~~بينهم شديد? تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى? ذالك بأنهم قوم s يعقلون * كمثل ~~الذين من قبلهم قريبا? ذاقوا? وبال أمرهم ولهم عذاب أليم * كمثل الشيطان إذ ~~قال ل?نسان اكفر فلما كفر قال إنى برى?ء منك إنى? أخاف الله رب العالمين * ~~فكان عاقبتهمآ أنهما فى النار خالدين فيها? وذالك جزا?ؤا? الظالمين * ~~يا?أيها الذينءامنوا? اتقوا? الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد? واتقوا? الله? ~~إن الله خبير? بما تعملون * وتكونوا? كالذين نسوا? الله فأنس?اهم أنفسهم? ~~أو?لا???ك هم الفاسقون} # {لا يقاتلونكم} أي: اليهود والمنافقون {جميعا} أي: قتالا تقصدونه مجاهرة ~~وهم مجتمعون كلهم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن {إلا في قرى محصنة} ~~أي: ممتنعة بحفظ الدروب، وهي السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ونحوها {أو ~~من وراء جدر} أي: محيط بهم سواء كان بقرية أم بغيرها لشدة خوفهم، وقد أخرج ~~هذا ما حصل من بعضهم عن ضرورة كالأسير، ومن كان ينزل من أهل خيبر من الحصن ~~يبارز ونحو ذلك فإنه لم يكن عن اجتماع أو ms3612 يكون هذا خاصا ببني النضير في هذه ~~الكرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمر وبكسر الجيم وفتح الدال وألف بعدها وأمال ~~الألف أبو عمرو، والباقون بضم الجيم والدال {بأسهم} أي: حربهم {بينهم شديد} ~~أي: بعضهم فظ على بعض وعداوة بعضهم بعضا شديدة. وقيل: بأسهم بينهم من وراء ~~الحيطان والحصون شديد، فإذا خرجوا إليكم فهم أجبن خلق الله تعالى: {تحسبهم} ~~أي: اليهود والمنافقين يا أعلى الخلق، أو يا أيها الناظر وقرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو والكسائي بكسر السين، والباقون بفتحها {جميعا} لما هم فيه ~~من اجتماع الأشباح {وقلوبهم شتى} أي: متفرقة أشد افتراقا، وموجب هذا الشتات ~~اختلاف الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل كالبهائم، وإن اجتمعوا في ~~عداوة أهل الحق كاجتماع البهائم في الهرب من الذئب. # قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب واختلافها أصل كل فساد، ~~وموجب كل تخاذل، ومقتض لتجاسر العدو واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمة، ~~والتساوي في القصد موجب كل ظفر، وكل سعادة. وقرأ شتى الحسن وحمزة والكسائي ~~بالإمالة محصنة، وورش بالفتح وبين اللفظين وأبو عمرو بين بين، والباقون ~~بالفتح، وهي على وزن فعلى {ذلك} أي: الأمر الغريب من الافتراق بعد الاتفاق ~~الذي يحيل الاجتماع {بأنهم قوم} أي: مع شدتهم {لا يعقلون} فلا دين لهم ~~مثلهم في ترك الإيمان. # {كمثل الذين من قبلهم قريبا} أي: بزمن قريب، وهم كما قال ابن عباس رضى ~~الله تعالى عنهما: بنو قينقاع من أهل دينهم اليهود أظهروا بأسا شديدا عندما ~~قصدهم النبي صلى الله عليه وسلم في أثر غزوة بدر، فوعظهم وحذرهم بأس الله ~~تعالى # PageV04P252 # فقالوا: لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب، فأصبت ~~منهم أما والله لو قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، ثم مكروا بامرأة من ~~المسلمين فراودوها عن كشف وجهها فأبت، فعقدوا طرف ثوبها من تحت خمارها فلما ~~قامت انكشف سوقها فصاحت، فغار لها شخص من الصحابة فقتل اليهودي الذي عقد ~~ثوبها، فقتلوه فانتقض عهدهم فأنزل الله النبي صلى الله عليه وسلم بساحتهم ms3613 ~~فأذلهم الله تعالى، ونزلوا من حصنهم على حكمه صلى الله عليه وسلم وقد كانوا ~~حلفاء ابن أبي، ولم يغن عنهم شيئا غير أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أن لا يقتلهم وألح عليه حتى كف عن قتلهم، فذهبوا عن المدينة الشريفة ~~بأنفسهم من غير حشر لهم بالإلزام بالجلاء. {ذاقوا وبال أمرهم} أي: عقوبته ~~في الدنيا من القتل وغيره {ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم في الآخرة # مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم {كمثل الشيطان} أي: ~~البعيد من كل خير لبعده من الله تعالى المحترق بعذابه، والشيطان هنا مثل ~~المنافقين {إذ قال للإنسان} وهو هنا مثل اليهود {اكفر} أي: بالله بما زين ~~له ووسوس إليه من اتباعه الشهوات القائم مقام الأمر # {فلما كفر} أي: أوجد الإنسان الكفر على أي وجه. ودلت الفاء على إسراعه في ~~متابعة تزيينه. {قال} أي: الشيطان الذي هو هنا عبارة عن المنافقين {إني ~~بريء منك} أي: ليس بيني وبينك علاقة في شيء أصلا ظنا منه أن هذه البراءة ~~تنفعه شيئا مما استوجبه المأمور بقبوله لآمره، وذلك مثل ضربه الله تعالى ~~للمنافقين واليهود في انخذالهم وعدم الوفاء في نصرتهم. # وحذف حرف العطف ولم يقل وكمثل الشيطان لأن حذف العطف كثير. كقولك: أنت ~~عاقل، أنت كريم، أنت عالم، وقوله {كمثل الشيطان} كالبيان لقوله تعالى: ~~{كمثل الذين من قبلهم} روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الإنسان الذي ~~قال له الشيطان: راهب نزلت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها، فزين له ~~الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفا من أن يفتضح فدل الشيطان قومها على ~~موضعها، فجاؤوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه فجاءه الشيطان، فوعده إن سجد له ~~أنجاه منهم فسجد له فتبرأ منه» وروى عطاء وغيره عن ابن عباس رضى الله تعالى ~~عنهما قال: كان راهب يقال له: برصيصا تعبد في صومعة له سبعين سنة لم يعص ~~الله تعالى فيها طرفة عين، وإن إبليس أعياه في أمره الحيل فجمع ذات يوم ~~مردة الشياطين، فقال: ألا أجد فيكم من ms3614 يكفيني برصيصا فقال له: الأبيض وهو ~~صاحب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو الذي تصدى للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وجاءه في صورة جبريل عليه السلام ليوسوس إليه على وجه الوحي، فدفعه ~~جبريل عليه السلام إلى أقصى أرض الهند، فقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك أمره ~~فانطلق فتزيا بزي الرهبان، وحلق وسط رأسه، وأتى صومعة برصيصا فناداه فلم ~~يجبه، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام مرة ولا يفطر في كل عشرة ~~أيام إلا مرة فلما رآه الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العباد في أصل صومعته ~~فلما انفتل برصيصا اطلع من صومعته فرأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة من ~~هيئة الرهبان فلما رأى ذلك من حاله ندم على نفسه حين لم يجبه، فقال له: إنك ~~حين ناديتني كنت مشتغلا عنك فما حاجتك؟ قال: حاجتي أني أحببت أن أكون معك ~~فأتأدب بأدبك، وأقتبس من علمك، ونجتمع على العبادة، # PageV04P253 # وتدعو لي، وأدعو لك فقال برصيصا: إني لفي شغل عنك، فإن كنت مؤمنا فإن ~~الله سيجعل لك فيما أدعو للمؤمنين نصيبا إن استجاب الله لي، ثم أقبل على ~~صلاته وترك الأبيض، فأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا # أربعين يوما، فلما التفت بعدها رآه قائما يصلي فلما رأى برصيصا شدة ~~اجتهاد الأبيض، قال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تأذن لي أن أرتفع إليك ~~فأذن له فارتفع إليه في صومعته فأقام حولا يتعبد فلا يفطر إلا في كل أربعين ~~يوما مرة، ولا ينفتل من صلاته إلا كذلك وربما مد إلى الثمانين فلما رأى ~~برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه وأعجبه شأن الأبيض فلما حال الحول قال ~~الأبيض برصيصا إن لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادا # مما رأيت، وكان بلغنا عنك أنك غير الذي رأيت فدخل من ذلك على برصيصا أمر ~~شديد، وكره مفارقته للذي رآه من شدة اجتهاده فلما ودعه الأبيض قال له: إن ~~عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهن خير مما أنت فيه، يشفي الله تعالى بها ~~المريض، ويعافي ms3615 بها المبتلى والمجنون، قال برصيصا: أني أكره هذه المنزلة ~~لأن في نفسي شغلا، وإني أخاف إن علم به الناس يشغلوني عن عبادة ربي عز وجل، ~~فلم يزل به الأبيض حتى علمه ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال: والله قد أهلكت ~~الرجل. فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فجننه، ثم جاءه في صورة رجل مطبب، فقال ~~لأهله: إن بصاحبكم جنونا أفأعالجه؟ قالوا: نعم، فقال: إني لا أقوى على ~~جنيته، ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله تعالى فيعافيه. انطلقوا إلى برصيصا ~~فإن عنده الاسم الذي إذا دعا به أجيب، فانطلقوا به إليه فسألوه فدعا بتلك ~~الكلمات فذهب عنه الشيطان، فكان الأبيض يفعل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا ~~فيدعو لهم فيعافون. فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل، ~~وكان لها ثلاثة أخوة، وكان أبوهم هو الملك فلما مات استخلف أخاه فكان عمها ~~ملك بني إسرائيل قصد لها وخنقها، ثم جاء إليهم في صورة رجل مطبب فقال ~~أفأعالجها؟ قالوا: نعم، قال: إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن سأرشدكم ~~إلى رجل تثقون به تدعونها عنده، إذا جاءها شيطانها دعا لها حتى تعلموا أنها ~~قد عوفيت فتردونها صحيحة، قالوا: ومن هو؟ قال: برصيصا، قالوا: كيف لنا أن ~~يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأنا من ذلك، قال: ابنوا صومعة إلى جنب صومعته، ~~ولتكن لزيق صومعته حتى يشرف عليها فإن قبلها وإلا فتضعونها في صومعتها، ثم ~~قولوا له: هي أمانة عندك فاحتسب أمانتك. فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فأبى، ~~فبنوا صومعة على ما أمرهم به الأبيض، ووضعوا الجارية في صومعتها، وقالوا: ~~يا برصيصا هذه أختنا أمانة عندك فاحتسب فيها، ثم انصرفوا فلما انفتل برصيصا ~~من صلاته عاين الجارية، وما هي عليه من # الجمال فوقعت في قلبه، ودخل عليه أمر عظيم فجاءها الشيطان فخنقها فكانت ~~تكشف عن نفسها وتتعرض لبرصيصا، فجاء الشيطان وقال: ويحك واقعها فلم تجد ~~مثلها وستتوب بعد ذلك، ويتم لك ما تريد من الأمر فلم يزل به حتى واقعها فلم ~~يزل على ذلك يأتيها حتى ms3616 حملت وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك يا برصيصا ~~قد افتضحت فهل لك أن تقتلها وتتوب، فإن سألوك فقل ذهب بها شيطانها ولم أقو ~~عليه، فدخل فقتلها ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل، فجاء الشيطان وهو ~~يدفنها ليلا فأخذ بطرف إزارها فبقي خارجا من التراب، ثم # PageV04P254 # رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته؛ إذ جاء أخوتها يتعهدون أختهم، ~~وكانوا يجيئون في بعض الأيام يسألون عنها ويوصونه بها، فلما لم يجدوها ~~قالوا: يا برصيصا ما فعلت أختنا؟ قال: قد جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه، ~~فصدقوه وانصرفوا فلما أمسوا مكروبين جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه فقال: ~~ويحك إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا، وإنه دفنها في موضع كذا وكذا، فقال ~~الأخ: هذا حلم وهو من عمل الشيطان، برصيصا خير من ذلك فتابع عليه ثلاث ~~ليال، فلم يكترث فانطلق إلى الأوسط بمثل ذلك، فقال الأوسط له ما قال الأكبر ~~ولم يخبر به أحدا، فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك، فقال الأصغر لأخويه: والله ~~لقد رأيت كذا وكذا، فقال الأوسط: أنا والله رأيت مثله، وقال الأكبر: أنا ~~والله رأيت مثله. فانطلقوا إلى برصيصا وقالوا له: ما فعلت بأختنا؟ فقال: ~~أليس قد أعلمتكم بحالها فكأنكم قد اتهمتموني، فقالوا: والله لا نتهمك ~~واستحيوا منه وانصرفوا، فجاءهم الشيطان، وقال: ويحكم إنها مدفونة في موضع ~~كذا وكذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب. فانطلقوا فرأوا أختهم على ما ~~رأوا في النوم فذهبوا إليه ومعهم غلمانهم ومواليهم بالفؤوس والمساحي فهدموا ~~صومعة برصيصا، وأنزلوه منها وكتفوه ثم أتوا به إلى الملك فأقر على نفسه، ~~وذلك أن الشيطان أتاه فقال: تقتلها، ثم تكابر فيجتمع # عليك أمران # قتل ومكابرة اعترف. فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب ~~أتاه الأبيض فقال: يا برصيصا تعرفني، قال: لا، قال: أنا صاحبك الذي علمتك ~~الدعوات فاستجيب لك ويحك أما اتقيت الله تعالى في الأمانة خنت أهلها، وإنك ~~زعمت أنك أعبد بني إسرائيل، أما استحيت فلم يزل يعيره، ثم قال: ألم يكفك ms3617 ما ~~صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت نفسك وأشباهك من الناس، فإن مت على هذه ~~الحالة فلم يفلح أحد من نظائرك، قال: فكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة ~~حتى أنجيك مما أنت فيه، فأخذ بأعينهم وأخرجك من مكانك، قال: وما هي؟ قال: ~~تسجد لي، قال: أفعل فسجد له فقال: يا برصيصا هذا الذي أردت منك صارت عاقبة ~~أمرك إلى أن كفرت بربك إني برئ منك» . # إني أخاف الله} أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه. وقرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بسكونها {رب العالمين} أي: الذي أوجدهم من ~~العدم ورباهم بما يدل على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا، فلا يغني ~~أحد من خلقه عن أحد شيأ إلا بإذنه. # {فكان} أي: فتسبب عن قوله ذلك أنه كان {عاقبتهما} أي: الغار والمغرور ~~{أنهما في النار} حال كونهما {خالدين فيها} لأنهما ظلما ظلما لا فلاح معه ~~{وذلك} أي: العذاب الأكبر {جزاء الظالمين} أي: كل من وضع العبادة في غير ~~موضعها، أو هم الكافرون لقوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان: 13) # قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: ضرب الله تعالى هذا المثل ليهود بني ~~النضير، والمنافقين من أهل المدينة فدس المنافقون إليهم، وقالوا: لا تجيبوا ~~محمدا إلى ما دعاكم إليه، ولا تخرجوا من دياركم فإن قاتلكم فإنا معكم ~~فأجابوهم، وإن أخرجوكم خرجنا معكم فأجابوهم فدربوا على حصونهم وتحصنوا في ~~ديارهم رجاء نصر المنافقين فناصبوهم الحرب فخذلوهم وتبرؤوا منهم كما تبرأ ~~الشيطان من برصيصا، وخذله فكان عاقبة الفريقين في النار. # قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: وكانت الرهبان بعد ذلك # PageV04P255 # في بني إسرائيل لا يمشون إلا بالتقية والكتمان، وطمع أهل الفسوق في ~~الأحبار، ورموهم بالبهتان حتى كان أمر جريج الراهب، فلما برأه الله تعالى ~~مما رموه به انبسطت بعده الرهبان، وظهروا للناس وكانت قصة جريج ما روي عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: ~~عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان ms3618 جريج رجلا عابدا فاتخذ صومعة فكان فيها، ~~فأتت أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال رب أمي وصلاتي وأقبل على صلاته ~~فانصرفت، فلما كان من الغد أتته، فقال: مثل مقالته الأولى فقالت اللهم لا ~~تمته حتى ينظر في وجوه المومسات. فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته، وكانت ~~امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم، قال: فتعرضت له فلم ~~يلتفت إليها فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها فوقع عليها ~~فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج فأتوه فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا ~~يضربونه فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: زنيت بهذه البغي فحلمت منك، فقال: أين ~~الصبي فجاؤوا به، فقال: دعوه حتى أصلي فلما انصرف من صلاته أتى الصبي وطعن ~~في بطنه، وقال: يا غلام من أبوك، فقال: فلان الراعي، قال: فأقبلوا على جريج ~~يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا أعيدوها من ~~طين كما كانت ففعلوا. والثالث: كلم أمه وهي ترضعه في قصة مشهورة» . # {يا أيها الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان باللسان {اتقوا الله} أي: ~~اجعلوا لكم وقاية تقيكم سخط الملك الأعظم باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ~~واحذروا عقوبته بسبب التقصير فيما حده لكم من أمر أو نهي {ولتنظر نفس ما ~~قدمت لغد} أي: في يوم القيامة لأن هذه الدنيا كلها كيوم واحد يجيء فيه ناس ~~ويذهب آخرون، والموت والآخرة لا بد من كل منهما، وكل ما لا بد منه فهو في ~~غاية القرب، والعرب تكني عن المستقبل بالغد. # وقيل: ذكر الغد تنبيها على أن الساعة قريبة كقول القائل: وإن غدا لناظره ~~قريب. وقال الحسن وقتادة: قرب الساعة حتى جعلها كغد، لأن كل آت قريب، ~~والموت لا محالة آت. ومعنى {ما قدمت} أي: من خير أو شر، ونكر النفس ~~لاستقلال الأنفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة، كأنه قال: ولتنظر نفس واحدة ~~في ذلك، ونكر الغد لتعظيمه وإبهام أمره كأنه قال: الغد لا تعرف كميته ~~لعظمته. وقوله تعالى: {واتقوا الله} أي: الجامع لجميع صفات الكمال تأكيد. # وقيل: ms3619 كرر لتغاير متعلق التقويين فمتعلق الأولى أداء الفرائض لاقترانه ~~بالعمل، والثانية ترك المعاصي لاقترانه بالتهديد والوعيد، قال معناه ~~الزمخشري {إن الله} أي: الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا {خبير} أي ~~عظيم الاطلاع على ظواهركم وبواطنكم والإحاطة {بما تعملون} فلا تعملون عملا ~~إلا كان بمرأى من ومسمع فاسحيوا منه. # {ولا تكونوا} أيها المحتاجون إلى التحذير وهم الذين آمنوا {كالذين نسوا ~~الله} أي: أعرضوا عن أوامر ونواهي الملك الأعظم، وتركوهها ترك الناسين لمن ~~برزت عنه مع ماله من صفات الجلال والإكرام {فأنساهم} أي: فتسبب عن ذلك أن ~~أنساهم بماله من الإحاطة بالظواهر والبواطن {أنفسهم} أي: فلم يقدموا لها ما ~~ينفعها، وإن قدموا شيئا كان مشوبا بالمفسدات من الرياء والعجب فكانوا ممن ~~قال فيه تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة} (الغاشية، الآيتان: 2 3) # PageV04P256 # الآية لأنهم لم يدعوا بابا من أبواب الفسق، فإن رأس الفسق الجهل بالله، ~~ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه ~~{أولئك} أي: البعداء من كل خير {هم الفاسقون} أي: العريقون في المروق من ~~دائرة الدين. # {لا يستوي} أي: بوجه من الوجوه {أصحاب النار} أي: التي هي محل الشقاء ~~الأعظم {وأصحاب الجنة} أي: التي هي دار النعيم الأكبر لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة، واستدل بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر {أصحاب الجنة هم ~~الفائزون} أي: الناجون من كل مكروه المدركون لكل محبوب، وأصحاب النار هم ~~الهالكون في الدارين كما وقع في هذه الغزوة لفريقي المؤمنين وبني النضير ~~ومن والاهم من المنافقين فشتان ما بينهما. # {لو أنزلنا} أي: بعظمتنا التي أبانها هذا الإنزال {هذا القرآن} أي: ~~الجامع لجميع العلوم الفارق بين كل ملتبس المبين لجميع الحكم {على جبل} أي ~~جبل كان، أو جبل فيه تمييز كالإنسان {لرأيته} يا أشرف الخلق وإن لم يتأهل ~~غيرك لتلك الرؤية {خاشعا} أي: متذللا باكيا {متصدعا} أي: متشققا غاية ~~التشقق {من خشية الله} أي: من الخوف العظيم ممن له الكمال كله، وفي هذا حث ~~على تأمل مواعظ القرآن وتدبر آياته ms3620 {وتلك الأمثال} أي: التي لا يضاهيها شيء ~~{نضربها للناس لعلهم يتفكرون} فيؤمنون. # والمعنى: أنا لو أنزلنا هذا القرآن على الجبل لخشع لوعده، وتصدع لوعيده، ~~وأنتم أيها المشهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده ولا ترهبون من وعيده، ~~والغرض من هذا الكلام التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار وغلظ طباعهم، ~~ونظيره {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} (البقرة: 74) # وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد ~~على جبل لما ثبت وتصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له فيكون ~~ذلك امتنانا عليه أن ثبته لما لم تثبت له الجبال. # وقيل: إنه خطاب للأمة، والمعنى: لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من ~~خشية الله تعالى، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتا فهو يقوم بحقه إن أطاع، ~~ويقدر على رده إن عصى لأنه موعود بالثواب ومزجور بالعقاب. # ولما وصف تعالى القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف ~~أتبع ذلك بوصف عظمته تعالى، فقال عز من قائل: {هو} أي: الذي وجوده من ذاته ~~فلا عدم له بوجه من الوجوه، فلا شيء يستحق الوصف بهو غيره لأنه الموجود ~~دائما أزلا وأبدا فهو حاضر في كل ضمير غائب بعظمته عن كل حس، فلذلك تصدع ~~الجبل من خشيته ولما عبر عنه بأخص أسمائه أخبر عنه لطفا بنا وتنزلا لنا ~~بأشهرها الذي هو مسمى الأسماء كلها بقوله تعالى: {الله} أي: المعبود الذي ~~لا ينبغي العبادة والألوهية الإله {الذي لا إله إلا هو} فإنه لا مجالس له، ~~ولا يليق ولا يصح ولا يتصور أن يكافئه، أو يدانيه شيء والإله أول اسم لله ~~تعالى فلذلك لا يكون أحد مسلما إلا بتوحيده، فتوحيده فرض وهو أساس كل فريضة ~~{عالم الغيب} أي: الذي غاب عن جميع خلقه {والشهادة} أي: الذي وجد فكان يحسه ~~ويطلع عليه بعض خلقه. وقال ابن عباس: معناه عالم السر والعلانية، وقيل: ما ~~كان وما يكون. وقال سهل: عالم بالآخرة والدنيا، وقيل: استوى في علمه السر ~~والعلانية ms3621 والموجود والمعدوم. وقوله تعالى: {هو الرحمن # PageV04P257 # الرحيم} معناه ذو الرحمة، ورحمة الله تعالى إرادته الخير والنعمة ~~والإحسان إلى خلقه. وقيل: إن رحمن أشد مبالغة من رحيم، ولهذا قيل: هو رحمن ~~الدنيا ورحيم الآخرة لأنه تعالى بإحسانه في الدنيا يعم المؤمن والكافر، وفي ~~الآخرة يختص إنعامه وإحسانه بالمؤمنين. # {هو الله} أي: الذي لا يقدر على تعميم الرحمة لمن أراد وتخصيصها بمن شاء ~~إلا هو {الذي لا إله} أي: لا معبود بحق {إلا هو الملك} أي: فلا ملك في ~~الحقيقة إلا هو لأنه لا يحتاج إلى شيء، لأنه مهما أراد كان فهو متصرف ~~بالأمر والنهي في جميع خلقه، فهم تحت ملكه وقهره وإرادته {القدوس} أي: ~~البليغ في النزاهة عن كل وصم يدركه حس، أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه وهم، ~~أو يختلج إليه ضمير. # ونظيره: السبوح وفي تسبيح الملائكة سبوح قدوس رب الملائكة والروح ~~{السلام} أي: الذي سلم من النقائص وكل آفة تلحق الخلق، فهو بمعنى السلامة ~~ومنه دار السلام وسلام عليكم وصف به مبالغة في وصف كونه سليما من النقائص، ~~أو في إعطائه السلامة {المؤمن} قال ابن عباس: هو الذي أمن الناس من ظلمه، ~~وأمن من آمن به عذابه. وقيل: هو المصدق لرسله بإظهار المعجزات لهم، والمصدق ~~للمؤمنين بما وعدهم من الثواب وبما أوعد الكافرين من العذاب. وقال مجاهد: ~~المؤمن الذي وحد نفسه لقوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} (آل ~~عمران: 18) # قال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من النار، وأول من ~~يخرج من وافق اسمه اسم نبي حتى إذا لم يبق فيها من وافق اسمه اسم نبي قال ~~الله تعالى لباقيهم: أنتم المسلمون وأنا السلام وأنتم المؤمنون وأنا ~~المؤمن، فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين {المهيمن} قال ابن عباس أي ~~الشهيد على عباده بأعمالهم الذي لا يغيب عنه شيء، وقيل: هو القائم على خلقه ~~بقدرته، وقيل: هو الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل من الأمن قلبت همزته هاء ~~{العزيز} أي: الذي لا يوجد له نظير، ms3622 وقيل: هو الغالب القاهر {الجبار} الذي ~~جبر خلقه على ما أراده، أو جبر حالهم بمعنى أصلحه، والجبار في صفة الله صفة ~~مدح، وفي صفة الناس صفة ذم وكذا قوله تعالى: {المتكبر} أي: الذي تكبر على ~~كل ما يوجب حاجة أو نقصا، وهو في حقه تعالى صفة مدح لأنه له جميع صفات ~~العلو والعظمة، وفي صفة الناس صفة ذم لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه ~~التكبر، وذلك نقص في حقه لأنه ليس له كبر ولا علو بل له الحقارة والذلة، ~~فإذا أظهر الكبر كان كذابا في فعله {سبحان الله} أي: تنزه الملك إلا على ~~الذي اختص بجميع صفات الكمال تنزها لا تدرك العقول منه أكثر من أنه علا عن ~~أوصاف الخلق فلا يدانيه شيء من نقص تعالى: {عما يشركون} أي: من هذه ~~المخلوقات من الأصنام وغيرها مما في الأرض، أو في السماء من صغير وكبير ~~وجليل وحقير. # {هو} أي: الذي لا شيء يستحق أن يطلق عليه هذا الضمير غيره لأن وجوده من ~~ذاته، ولا شيء غيره إلا وهو ممكن ولما ابتدأ بهذا الغيب المحض الذي هو أظهر ~~الأشياء أخبر عنه بأشهر الأشياء الذي لم يقع فيه شركة بوجه. فقال تعالى: ~~{الله} أي: الذي ليس له سمي فلا كفء له فهو المعبود بالحق فلا شريك له بوجه ~~{الخالق} أي: المقدر للأشياء على مقتضى حكمته {البارئ} أي: المخترع المنشئ ~~للأشياء من العدم إلى الوجود بريا من التفاوت وقوله تعالى: {المصور} أي: ~~الذي يخلق # PageV04P258 # صور الأشياء على ما يريد بكسر الواو ورفع الراء إما صفة، وإما خبر ~~واحترزت بهذا الضبط عن قراءة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن فإنهما ~~قرأا بفتح الواو ونصب الراء، وهي قراءة شاذة وإنما تعرضت لها لأبين وجهها، ~~وهو أن تخرج هذه القراءة على أن يكون المصور منصوبا بالبارئ، والمصور هو ~~الإنسان إما آدم وإما هو وبنوه وعلى هذه القراءة يحرم الوقف على المصور بل ~~يجب الوصل ليظهر النصب في الراء، وإلا فقد يتوهم منه في الوقف ما ms3623 لا يجوز ~~{له} أي: خاصة {الأسماء الحسنى} التسعة والتسعون الوارد فيها الحديث، وقد ~~ذكرتها في سورة الإسراء. والحسنى تأنيث الأحسن {يسبح} أي: يكرر التنزيه ~~الأعظم عن كل شيء من شوائب النقص على سبيل التجدد والاستمرار {له} أي: على ~~وجه التخصيص {ما في السموات} أي السموات وما فيها {والأرض} وما فيها {وهو} ~~أي: والحال أنه وحده {العزيز} أي: الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} ~~أي: الجامع الكمالات بأسرها فإنها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم. وعن ~~معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح ثلاث ~~مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ الثلاث آيات من سورة ~~الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك ~~اليوم مات شهيدا، ومن قاله حين يمسي كان كذلك» . # أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب. وعن أبي هريرة أنه قال: «سألت خليلي أبا ~~القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم فقال: عليك بآخر ~~سورة الحشر فأكثر قراءتها فأعدت عليه فأعاد علي» وقال جابر بن زيد: إن اسم ~~الله الأعظم هو الله لمكان هذه الآية. وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال «من قرأ سورة الحشر غفر له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر» حديث موضوع. ### | سورة الممتحنة # مدنية وهي ثلاث عشرة آية وثلاثمائة وثمانوأربعون كلمة وألف وخمسمائة ~~وعشرة أحرف # {بسم الله} الذي من تولاه أغناه عمن سواه {الرحمن} الذي شمل برحمة البيان ~~من حاطه بالعقل ورعاه {الرحيم} الذي خص بالتوفيق من أحبه وارتضاه ونزل في ~~حاطب بن أبي بلتعة. # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى} أي: وأنتم تدعون موالاتي {وعدوكم} ~~أي: العريق في عدواتكم ما دمتم على مخالفته في الدين {أولياء} وذلك ما روي ~~«أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي يقال لها: سارة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة وهو يتجهز للفتح، فقال لها: أمسلمة جئت، قالت: لا، قال: ms3624 أفمهاجرة ~~جئت، قالت: لا، قال: فما جاء بك، قالت: كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ~~ذهبت الموالي تعني قتلوا يوم بدر فاحتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني ~~وتكسوني، فقال صلى الله عليه وسلم فأين أنت عن شباب أهل مكة وكانت مغنية ~~نائحة قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، فحث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بني عبد المطلب على إعطائها، فكسوها وحملوها وزودوها فأتاها حاطب بن ~~أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا، واستحملها # PageV04P259 # كتابا لأهل مكة نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، إعلموا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم، وقد توجه إليكم بجيش كالليل ~~وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله تعالى بكم، وأنجز له ~~موعده فيكم فالله وليه وناصره فخرجت سارة، ونزل جبريل عليه السلام بالخبر ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، وعمارا، وعمر، وطلحة، والزبير، ~~والمقداد، وأبا مرثد، وكانوا فرسانا، وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن ~~بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها وخلوها، فإن أبت ~~فاضربوا عنقها. فادركوها فجحدت وحلفت ما معها كتاب ففتشوا متاعها فلم يجدوا ~~معها كتابا فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما كذبنا، ولا كذب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسل سيفه، وقال: أخرجي الكتاب، وإلا والله لأجردنك ~~ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من عقاص شعرها فخلوا سبيلها ورجعوا ~~بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة: # هي أحدهم فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا، وقال له: هل تعرف ~~هذا الكتاب، قال: نعم، قال: فما حملك عليه، فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ ~~أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكني كنت أمرأ ~~ملصقا في قريش، وروى عزيزا فيهم أي: غريبا ولم أكن من أنفسها، وكل من معك ~~من المهاجرين لهم قرابات بمكة ms3625 يحمون أهاليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي ~~فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله تعالى ينزل عليهم بأسه، وإن ~~كتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه وقبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله ~~أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل ~~بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففاضت عينا عمر» ، وقال: الله ~~ورسوله أعلم. وإضافة العدو إلى الله تعالى تغليظا في خروجهم، وهذه السورة ~~أصل في النهي عن موالاة الكفار، وتقدم نظيره في قوله تعالى: {لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين أولياء} (آل عمران: 28) # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} (آل عمران: ~~118) # روي أن حاطبا لما سمع {يا أيها الذين آمنوا} غشي عليه من الفرح بخطاب ~~الإيمان. # ثم إنه تعالى استأنف بيان هذا الاتخاذ بقوله تعالى مشيرا إلى غاية ~~الإسراع والمبادرة إلى ذلك بالتعبير بقوله تعالى: {تلقون} أي: جميع ما هو ~~في حوزتكم مما لا تطمعون فيه إلقاء الشيء الثقيل من علو {إليهم} على بعدهم ~~منكم حسا، ومعنى {بالمودة} أي: بسببها قال القرطبي: تلقون إليهم بالمودة، ~~يعني: بالظاهر لأن قلب حاطب كان سليما بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أما صاحبكم فقد صدق» هذا نص في إسلامه وسلامة فؤاده وخلوص اعتقاده. ~~وقرأ حمزة بضم الهاء، والباقون بكسرها. وقوله تعالى: {وقد كفروا} أي: غطوا ~~جميع مالكم من الأدلة {بما} أي: بسبب ما {جاءكم من الحق} أي: الأمر الثابت ~~الكامل في الثبات الذي لا شيء أعظم ثباتا منه فيه أوجه: # أحدها: الاستئناف. # ثانيها: الحال من فاعل تتخذوا. # ثالثها: الحال من فاعل تلقون، أي: لا تتولوهم ولا توادوهم، وهذه حالهم. ~~وقوله تعالى: {يخرجون الرسول} يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون تفسير الكفر ~~هم فلا محل له على هذين، وأن يكون حالا # PageV04P260 # من فاعل كفروا. وقوله تعالى: {وآياكم} عطف على الرسول وقدم عليهم تشريفا ~~له صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {أن تؤمنوا} أي: توقعوا حقيقة الإيمان ms3626 ~~مع التجدد والاستمرار {بالله} أي: الذي اختص بجميع صفات الكمال {ربكم} أي: ~~المحسن إليكم تعليل ليخرجون، والمعنى: يخرجون الرسول ويخرجونكم من مكة لأن ~~تؤمنوا بالله، أي: لأجل إيمانكم بالله. # قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك ~~تغليب المخاطب والإلتفات من التكلم إلى الغيبة للدلالة على ما يوجب الإيمان ~~{إن كنتم خرجتم} أي: عن أوطانكم، وقوله تعالى: {جهادا في سبيلي} أي: بسبب ~~إرادتكم تسهيل طريقي التي شرعتها لعبادي أن يسلكوها {وابتغاء مرضاتي} أي: ~~ولأجل تطلبكم أعظم الرغبة لرضاي علة للخروج، وعمدة للتعليق، وجواب الشرط ~~محذوف دل عليه لا تتخذوا. وقرأ الكسائي بالإمالة محضة، والباقون بالفتح. ~~وقوله تعالى: {تسرون} أي: توجدون جميع ما يدل على مناصحتكم إياهم والتودد ~~{إليهم بالمودة} أي: بسببها بدل من تلقون قاله ابن عطية. قال ابن عادل: ~~ويشبه أن يكون بدل اشتمال لأن القاء المودة يكون سرا وجهرا، أو استئناف ~~واقتصر عليه الزمخشري {وأنا} أي: والحال أني {أعلم} أي: من كل أحد حتى من ~~نفس الفاعل، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون {بما أخفيتم وما أعلنتم} قال ~~ابن عباس: بما أخفيتم قي صدوركم وما أظهرتم بألسنتكم، أي: فأي فائدة ~~لأسراركم إن كنتم تعلمون أني عالم به، وإن كنتم تتوهمون أني لا أعلمه فهي ~~القاصمة {ومن يفعله} أي: يوجد أسرار خبر إليهم ويكاتبهم {منكم} أي: في وقت ~~من الأوقات {فقد ضل} أي: عمي ومال وأخطأ {سواء السبيل} أي: قويم الطريق ~~الواسع الموصل إلى القصد قويمه وعدله. قال القرطبي: هذا كله معاتبة لحاطب، ~~وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق ~~إيمانه فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيب، كما قال القائل: # *إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب* # وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الضاد، والباقون بالإدغام. # {إن يثقفوكم} أي: يظفروا بكم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن {يكونوا ~~لكم أعداء} أي: ولا ينفعكم القاء المودة إليهم {ويبسطون إليكم} ms3627 أي: خاصة، ~~وإن كان هناك في ذلك الوقت من غير من قتل أعز الناس عليهم {أيديهم} أي: ~~بالضرب أن استطاعوا {وألسنتهم} أي: بالشتم مضمومة إلى فعل أيديهم فعل من ~~ضاق صدره بما تجرع من آخر من الغصص حتى أوجب له غاية السفه {بالسوء} أي: ~~بكل ما من شأنه أن يسوء {وودوا} أي: تمنوا قبل هذا {لو تكفرون} لأن مصيبة ~~الدين أعظم فهو إليها أسرع، لأن دأب العدو القصد إلى أعظم ضرر يراه لعدوه، ~~وعبر بما يفهم التمني الذي يكون في المحالات ليكون المعنى أنهم أحبوا ذلك ~~غاية الحب وتمنوه، وفيه بشرى بأنه من قبيل المحال، وقدم الأول لأنه أبين في ~~العداوة وإن كان الثاني أنكى. # ولما كانت عداوتهم معروفة، وإنما غطاها محبة القرابات لأن الحب للشيء ~~يعمي ويصم فخطأ رأيهم في موالاتهم بما أعلمهم به من حالهم، فقال تعالى ~~مستأنفا إعلاما بأنها خطأ على كل حال. # PageV04P261 # {لن تنفعكم} بوجه من الوجوه {أرحامكم} أي: قراباتكم الحاملة لكم على ~~رحمتكم والعطف عليهم {ولا أولادكم} أي: الذين هم أخص أرحامكم إن واليتم ~~أعداء الله تعالى لأجلهم، فينبغي أن لا تعدوا قربهم منكم بوجه أصلا، ثم علل ~~ذلك وبينه بقوله تعالى: {يوم القيامة} أي: القيام الأعظم {يفصل} أي: يوقع ~~الفصل، وهو الفرقة العظيمة بانقطاع جميع الأسباب. وقرأ عاصم بفتح الياء ~~وإسكان الفاء وكسر الصاد مخففة، وقرأ ابن عامر بضم الياء وفتح الفاء وفتح ~~الصاد مشددة، وحمزة والكسائي كذلك إلا أنهما يكسران الصاد، والباقون بضم ~~الياء وسكون الفاء {بينكم} أي: أيها الناس فيدخل من يشاء من أهل طاعته ~~الجنة، ومن يشاء من أهل معصيته النار فلا ينفع أحد أحدا منكم بشيء من ~~الأشياء، إلا إن كان قد أتى الله تعالى بقلب سليم فيأذن الله تعالى في ~~إكرامه بذلك {والله} أي: الذي له الإحاطة التامة {بما تعملون} أي: من كل ~~عمل في كل وقت {بصير} فيجازيكم عليه في الدنيا والآخرة. # ولما نهى تعالى عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ~~وأن من سيرته التبري ms3628 من الكفار بقوله تعالى: # {قد كانت} أي: وجدت وجودا تاما، وكأن تأنيث الفعل إشارة إلى الرضا بها، ~~ولو كانت على أدنى الوجوه {لكم} أي: أيها المؤمنون {أسوة} أي موضع اقتداء ~~وتأسية في إبراهيم وطريقة مرضية. وقرأ أسوة في الموضعين عاصم بضم الهمزة، ~~والباقون بكسرها {حسنة} أي: يرغب فيها {في إبراهيم} أي: في قول أبي ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {والذين معه} أي: ممن كان قبله من الأنبياء. ~~قاله القشيري: وممن آمن به في زمانه كابن أخته لوط عليه الصلاة والسلام، ~~وهم قدوة أهل الجهاد والهجرة، وقيل: المراد بمن معه أصحابه من المؤمنين. ~~وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها، والباقون بكسر الهاء وبعدها ياء أي: ~~فاقتدوا به إلا في استغفاره لأبيه. # قال القرطبي: الآية نص في الأمر بالاقتداء بإبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~في فعله، وذلك يدل على أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله ورسوله، ~~وقيل: إنه شرع لنا إذا ورد في شرعنا ما يقرره، وقيل: ليس بشرع لنا مطلقا ~~وهو الأصح عندنا {إذ} أي: حين {قالوا} وقد كان من آمن به أقل منكم وأضعف ~~{لقومهم} أي: الكفرة وقد كانوا أكثر من عدوكم وأقوى، وكان لهم فيهم أرحام ~~وقرابات، ولهم فيهم رجاء بالقيام والمحاولات {أنا براء} أي: متبرؤن تبرئة ~~عظيمة {منكم} وإن كنتم أقرب الناس إلينا، ولا ناصر لنا منهم غيركم {ومما ~~تعبدون} أي: توجدون عبادته في وقت من الأوقات {من دون الله} أي: الملك ~~الأعظم {كفرنا بكم} أي: جحدناكم وأنكرنا دينكم {وبدا} أي: ظهر ظهورا عظيما ~~{بيننا وبينكم العداوة} وهي المباينة في الأفعال بأن يعدو كل أحد على الآخر ~~{والبغضاء} وهي المباينة بالقلوب للبغض العظيم. # ولما كان ذلك قد يكون سريع الزوال قالوا: {أبدا} أي: على الدوام. وقرأ ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة بعد ~~المضمومة واوا خالصة، والباقون بتحقيقها وهم على مراتبهم في المد، وإذا وقف ~~حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفا مع المد والتوسط والقصر، ولهما أيضا التسهيل ~~مع المد والقصر والروم معهما. ms3629 ولما كان ذلك مؤيسا من صلاح # PageV04P262 # الحال، وقد يكون لحظ النفس بينوا غايته بقولهم: {حتى تؤمنوا بالله} أي: ~~الملك الذي له الكمال كله {وحده} أي: تكونوا مكذبين بكل ما يعبد من دون ~~الله تعالى، وقوله تعالى: {إلا قول إبراهيم لأبيه} فيه أوجه: # أحدها: إنه استثناء متصل من قوله تعالى في إبراهيم، ولكن لا بد من حذف ~~مضاف ليصح الكلام، تقديره في مقالات إبراهيم: إلا قوله كيت وكيت. # ثانيها: إنه مستثنى من أسوة حسنة، واقتصر على ذلك الجلال المحلي، وجاز ~~ذلك لأن القول أيضا من جملة الأسوة، لأن الأسوة الاقتداء بالشخص في أقواله ~~وأفعاله فكأنه قيل لكم فيه أسوة في جميع أحواله من قول وفعل إلا قوله كذا، ~~وهو أوضح لأنه غير محوج إلى تقدير مضاف، وغير مخرج للاستثناء من الاتصال ~~الذي هو أصله إلى الانقطاع، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره. # ثالثها: قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الاستثناء من التبري والقطيعة التي ~~ذكرت، أي: لم تبق صلة إلا كذا. # رابعها: إنه استثناء منقطع، أي: لكن قول إبراهيم وهذا بناء من قائله على ~~أن القول لم يندرج تحت قوله أسوة، وهو ممنوع. قال القرطبي: معنى قوله تعالى ~~إلا قول إبراهيم لأبيه {لأستغفرن لك} أي: فلا تتأسوا به في الاستغفار ~~فتستغفروا للمشركين فإنه كان عن موعدة منه له، قاله قتادة ومجاهد وغيرهما. ~~وقيل: معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه، ~~ثم بين عذره في سورة التوبة، وفي هذا دلالة على تفضيل نبينا صلى الله عليه ~~وسلم على سائر الأنبياء، لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في ~~قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وحين أمرنا ~~بالاقتداء بإبراهيم استثنى بعض أفعاله، وهذا إنما جرى لأنه ظن أنه أسلم ~~فلما بان أنه لم يسلم تبرأ منه، وعلى هذا فيجوز الاستغفار لمن يظن أنه ~~أسلم، وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظن فلم توالونهم. وقوله {وما أملك لك من ~~الله} أي: من عذاب أو ثواب الملك إلا ms3630 على المحيط بنعوت الجلال {من شيء} من ~~تمام قوله المستثنى، ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أحواله. # وقوله: {ربنا} أي: أيها المحسن إلينا {عليك} أي: لا على غيرك {توكلنا} ~~أي: فوضنا أمرنا إليك يجوز أن يكون من مقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~والذين معه، فهو من جملة الأسوة الحسنة، وفصل بينهما بالاستثناء ويجوز أن ~~يكون منقطعا عما قبله على إضمار قول، وهو تعليم من الله تعالى لعباده كأنه ~~قال لهم قولوا ربنا عليك توكلنا {وإليك} أي: وحدك {أنبنا} أي: رجعنا بجميع ~~ظواهرنا وبواطننا {وإليك} أي وحدك {المصير} أي: الرجوع في الآخرة. # {ربنا} أي: أيها المربي لنا والمحسن إلينا {لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} ~~أي: بأن تسلطهم علينا فيفتنوننا بعذاب لا نحتمله، أو فيظنوا أنهم على حق ~~فيفتتنوا بذلك. وقيل: لا تعذبنا بعذاب من عندك فيقولون لو كان هؤلاء على ~~الحق لما أصابهم ذلك. وقيل: لا تسلط عليهم الرزق دوننا، فإن ذلك فتنة لهم ~~{واغفر لنا} أي: استر ما وقع منا من الذنوب، وامح عينه وأثره {ربنا} أي: ~~أيها المحسن إلينا وأكدوا إعلاما بشدة رغبتهم في حسن الثناء عليه فقالوا: ~~{إنك أنت} أي: وحدك لا غيرك {العزيز} أي: الذي يغلب كل شيء، ولا يغلبه شيء ~~{الحكيم} أي: الذي يضع الأشياء في أوفق محالها فلا يستطاع نقضها، ومن كان ~~كذلك فهو حقيق بأن يعطى من أمله ما طلب. # وقوله تعالى: # PageV04P263 # {لقد كان لكم} أي: يا أمة محمد جواب قسم مقدر {فيهم} أي: إبراهيم ومن معه ~~من الأنبياء والأولياء {أسوة حسنة} أي: في التبري من الكفار، وكرر للتأكيد. ~~وقيل: نزل الثاني بعد الأول بمدة. قال القرطبي: وما أكثر المكررات في ~~القرآن على هذا الوجه. وقوله تعالى: {لمن كان يرجو الله} أي: الملك المحيط ~~بجميع صفات الكمال {واليوم الآخر} أي: الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير ~~بدل من الضمير في لكم بدل بعض من كل، وفي ذلك بيان أن هذه الأسوة لمن يخاف ~~الله ويخاف عذاب الآخرة {ومن يتول} أي: يوقع الأعراض عن ms3631 أوامر الله تعالى ~~فيوالي الكفار {فإن الله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة {هو} أي: خاصة ~~{الغني} أي: عن كل شيء {الحميد} أي: الذي له الحمد المحيط لإحاطته بأوصاف ~~الكمال، فهو حميد في نفسه وصفاته، أو حميد إلى أوليائه وأهل طاعته. # ولما نزلت الآية الأولى عادى المسلمون أقرباءهم من المشركين، فعلم الله ~~تعالى شدة وجد المسلمين في ذلك فنزل {عسى الله} أي: أنتم جديرون بأن تطمعوا ~~في الملك إلا على المحيط بكل شيء قدرة وعلما {أن يجعل} أي: بأسباب لا ~~تعلمونها {بينكم وبين الذين عاديتم منهم} أي: كفار مكة {مودة} أي: بأن ~~يلهمهم الإيمان فيصيروا لكم أولياء، وقد جعل ذلك عام الفتح تحقيقا لما رجاه ~~سبحانه، لأن عسى من الله تعالى وعد، وهو لا يخلف الميعاد {والله} أي الذي ~~له كمال الإحاطة {قدير} أي: بالغ القدرة على كل ما يريده، فهو يقدر على ~~تقليب القلوب وتيسير العسير {والله} أي: الذي له جميع صفات الكمال {غفور} ~~أي: محاء لا عيان الذنوب وآثارها {رحيم} يكرم الخاطئين إذا أراد بالتوبة، ~~ثم بالجزاء غاية الإكرام فيغفر لما فرط منكم في موالاتهم من قبل، وما بقي ~~في قلوبكم من ميل الرحم وقوله تعالى: # {لا ينهاكم الله} أي: الذي اختص بالجلال والإكرام {عن الذين لم يقاتلوكم} ~~أي: بالفعل {في الدين} الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا ~~المؤمنين ولم يقاتلوهم. قال ابن زيد: هذا كان في أول الإسلام عند الموادعة ~~وترك الأمر بالقتال، ثم نسخ. قال قتادة: نسخها {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} (التوبة: 5) # وقال ابن عباس: نزلت في خزاعة، وذلك أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا، فرخص الله تعالى في برهم. # وقال أكثر أهل التأويل: إنها محكمة، واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر قدمت ~~أمها وهي مشركة عليها المدينة بهدايا، فقالت أسماء: لا أقبل منك هدية، ولا ~~تدخلي علي بيتا حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ms3632 فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخل منزلها، وأن ~~تقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها، وفي ذلك إشارة إلى الاقتصار في العداوة ~~والولاية، كما قال صلى الله عليه وسلم «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون ~~بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما» وروى عامر ~~بن عبد الله بن الزبير عن أبيه «أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه طلق امرأته ~~قتيلة في الجاهلية، وهي أم أسماء بنت أبي بكر فقدمت عليهم في المدة التي ~~كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، ~~فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطا وأشياء، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول ~~الله صلى الله # PageV04P264 # عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين} . {ولم يخرجوكم من دياركم أن} أي: لا ينهاكم عن أن ~~{تبروهم} بنوع من أنواع البر الظاهرة، فإن ذلك غير صريح في قصد المودة ~~{وتقسطوا إليهم} أي: تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة قال ابن العربي: ~~وليس يريد به من العدل، فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل وحكي أن ~~القاضي إسماعيل بن إسحاق دخل عليه ذمي فأكرمه فأخذ عليه الحاضرون في ذلك ~~فتلا عليهم هذه الآية {إن الله} أي: الذي له الكمال كله {يحب} أي: يثيب ~~{المقسطين} أي: الذين يزيلون الجور، ويوقعون العدل. # {إنما ينهاكم الله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة {عن الذين ~~قاتلوكم} أي: جاهدوكم متعمدين لقتالكم {في الدين} أي: عليه فليس شيء من ذلك ~~خارجا عنه {وأخرجوكم من دياركم} أي بأنفسهم لبغضكم، وهم عتاة أهل مكة ~~{وظاهروا} أي: عاونوا غيرهم {على إخراجكم} وهم مشركوا مكة. وقوله تعالى: ~~{أن تولوهم} بدل اشتمال من الذين أي: تتخذوهم أولياء. وقرأ البزي بتشديد ~~التاء، والباقون بالتخفيف. # ولما كان التقدير فمن أطاع فأولئك هم المفلحون عطف عليه قوله تعالى: {ومن ~~يتولهم} أي: يكلف نفسه الحمل على غير ما تدعو ms3633 إليه الفطرة الأولى من ~~المنابزة، وأطلق ولم يقيد بمنكم ليعم المهاجرين وغيرهم، والمؤمنين وغيرهم ~~{فأولئك} أي: الذين أبعدوا عن العدل {هم الظالمون} أي: الغريقون في إيقاع ~~الأشياء في غير مواضعها. # ولما أمر المسلمين بترك موالاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين من ~~بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة فبين ~~أحكام مهاجرة النساء بقوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان {إذا جاءكم المؤمنات} أي: ~~بأنفسهن {مهاجرات} أي: من الكفار بعد الصلح معهم في الحديبية {فامتحنوهن} ~~أي: بالحلف أنهن ما هاجرن إلا رغبة في الإسلام، لا بغضا في أزواجهن الكفار، ~~ولا عشقا لرجال من المسلمين. كذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفهن. # قيل: إن سبب الامتحان أنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها قالت: سأهاجر ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بامتحانهن {الله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلما {أعلم} أي: منكم ومن ~~أنفسهن {بإيمانهن} هل هو كائن، أم لا على وجه الرسوخ، أم لا فإنه المحيط ~~بما غاب كإحاطته بما شوهد، وإنما وكل الأمر إليكم في ذلك سترا للناس {فإن ~~علمتموهن مؤمنات} أي: العلم الممكن لكم، وهو الظن المؤكد بالإمارات ~~الظاهرات بالحلف وغيره {فلا ترجعوهن} أي: بوجه من الوجوه {إلى الكفار} وإن ~~كانوا أزواجا. قال ابن عباس: لما جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية على ~~أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد ~~الفراغ من الكتاب، والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعد فأقبل زوجها ~~وكان كافرا وكان صيفي بن الراهب، وقيل: مسافر المخزومي فقال: يا محمد أردد ~~علي امرأتي فأنت شرطت ذلك، وهذه طية الكتاب لم تجف بعد فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. وروي «أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فجاء أهلها # PageV04P265 # يسألونه أن يردها، وقيل: هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة ~~والوليد، فرد رسول الله ms3634 صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها فقالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ردها علينا للشرط، فقال صلى الله عليه وسلم كان الشرط في ~~الرجال لا في النساء فأنزل الله تعالى هذه الآية» . وعن عروة قال كان مما ~~اشترط سهل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية أن لا يأتيك ~~منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره ~~المؤمنون ذلك وأبى سهل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ~~فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده ~~في تلك المدة، وإن كان مسلما حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل، ~~وهذا يومي إلى # أن الشرط في رد النساء نسخ بذلك، وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. ~~وقال بعض العلماء: كله منسوخ بالقرآن، وقالت طائفة: لم يشترط ردهن في العقد ~~لفظا، وإنما أطلق العقد في رد من أسلم فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع ~~الرجال، فبين الله تعالى خروجهن عن عمومه وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين: ~~أحدهما: أنهن ذوات فروج فحرمن عليهن، الثاني: أنهن أرق قلوبا وأسرع تقلبا ~~منهم، فأما المقيمة منهن على شركها فمردودة عليهم {لا هن} أي: المؤمنات ~~{حل} أي: موضع حل ثابت {لهم} أي: الكفار باستمتاع، ولا غيره. وقوله تعالى: ~~{ولا هم} أي: رجال الكفار {يحلون لهن} أي: المؤمنات تأكيد للأول لتلازمهما. ~~وقال البيضاوي: والتكرير للمطابقة والمبالغة، والأولى لحصول الفرقة، ~~والثانية للمنع عن الاستئناف. # وقيل: أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو في الحال ما داموا ~~مشركين، وهن مؤمنات. والمعنى: لم يحل الله تعالى مؤمنة لكافر في حال من ~~الأحوال، وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر ~~إسلامها لا هجرتها. وقال أبو حنيفة: الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين، ~~والصحيح كما قال ابن عادل: الأول لأن الله تعالى بين العلة، وهو عدم الحل ~~بالإسلام لا باختلاف الدار. # ولما نهى عن الرد وعلله ms3635 أمر بما قدم من الأقساط إليهم فقال تعالى: ~~{وآتوهم} أي: أعطوا الأزواج {ما أنفقوا} أي: عليهن من المهور، فإن المهر في ~~نظير أصل العشرة ودوامها، وقد فوتتها المهاجرة فلا يجمع عليه خسارتان ~~الزوجية والمالية وأما الكسوة والنفقة فأنهما لما يتجدد من الزمان. # تنبيه: أمر الله تعالى برد ما أنفقوا إلى الأزواج، وإن المخاطب بهذا ~~الإمام. وهل يجب ذلك أو يندب؟ ظاهرة الآية الوجوب، ولكن رجح الندب وعليه ~~الشافعي، لأن البضع ليس بمال فلا يشمله الأمان كما لا يشمل زوجية، والآية ~~وإن كان ظاهرها الوجوب محتملة للندب الصادق بعدم الوجوب الموافق للأصل وقال ~~مقاتل: يرد المهر للذي يتزوجها من المسلمين، وليس لزوجها الكافر شيء. وقال ~~قتادة: الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل الذمة، فأما من لا عهد بينه ~~وبين المسلمين فلا يرد عليهم الصداق. قال القرطبي: والأمر كما قال {ولا ~~جناح} أي: حرج وميل {عليكم} يا أيها المشرفون بالخطاب {أن تنكحوهن} أي: ~~تجددوا زواجكم بهن بعد الاستبراء، وإن كان أزواجهن من الكفار لم يطلقوهن ~~لزوال العلق عنهن لأن الإسلام فرق بينهم، قال # PageV04P266 # الله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} (النساء: 141) # ولما كان قد أمر برد مهور الكفار فكان ربما ظن أنه مغن عن تجديد مهر لهن ~~إذا نكحهن المسلم نفى ذلك بقوله: {إذا آتيتموهن} أي: لأجل النكاح {أجورهن} ~~أي: مهورهن، وفي شرط أثناء المهر في نكاحهن إيذان بأن ما أعطى أزواجهن لا ~~يقوم مقام المهر {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} جمع عصمة، وهي هنا عقد النكاح، ~~أي: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها فقد انقطعت عصمتها فلا يكن ~~بينكم وبينهن عصمة ولا علقة زوجية، والكوافر جمع كافرة كضوارب في ضاربة. ~~قال النخعي: المراد بالآية هي المرأة المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر، وكان ~~الكفار يتزوجون المسلمات، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك بهذه ~~الآية فطلق عمر بن الخطاب حينئذ امرأتين له بمكة مشركتين قريبة بنت أبي ~~أمية فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما ms3636 بمكة وأم كلثوم بنت عمر ~~والخزاعية أم عبد الله بن المغيرة فتزوجها أبو جهم بن حذافة، وهما على ~~شركهما بمكة فلما ولي عمر قال أبو سفيان لمعاوية: طلق قريبة فلا يرى عمر ~~سلبه في بيتك فأبى معاوية، وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن ~~الحارث بن عبد المطلب ففرق الإسلام بينهما، ثم تزوجها في الإسلام خالد بن ~~سعيد بن العاص، وكانت ممن فرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار ~~فحبسها وزوجها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية. وقال الشعبي: كانت زينب بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع أسلمت ولحقت ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وأقام أبو العاص بمكة مشركا، ثم أتى المدينة ~~وأسلم فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم روى أبو داود عن عكرمة عن ~~ابن عباس بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا. قال محمد بن عمرو في حديث بعد ست ~~سنين، وقال الحسن بن علي: بعد سنتين، قال أبو عمر: فإن صح هذا فلا يخلو من ~~وجهين: إما أنها لم تحض حتى أسلم زوجها، وإما أن الأمر فيها منسوخ بقوله ~~تعالى: {وبعولتهن أحق # بردهن في ذلك} يعني: في عدتهن، وهذا مما لا خلاف فيه أنه عنى به العدة ~~قال الزهري في قصة زينب: هذه كانت قبل أن تنزل الفرائض، وقال قتادة: كان ~~هذا قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بينهم وبين المشركين. # تنبيه: المراد بالكوافر هنا عبدة الأوثان، ومن لا يجوز ابتداء نكاحها. ~~وقيل: هي عامة نسخ منها نساء أهل الكتاب، فعلى الأول: إذا أسلم وثني، أو ~~مجوسي ولم تسلم أمرأته فرق بينهما، وهو قول بعض أهل العلم منهم مالك والحسن ~~وطاوس وعطاء وعكرمة وقتادة لقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} وقال ~~بعضهم: ينتظر بها تمام العدة، وهو قول الزهري والشافعي وأحمد، واحتجوا بأن ~~أبا سفيان بن الحارث أسلم قبل هند بنت عتبة امرأته، وكان إسلامه بمر ~~الظهران، ثم رجع إلى مكة وهند بها ms3637 كافرة مقيمة على كفرها، فأخذت بلحيته ~~وقالت: اقتلوا الشيخ الضال، ثم أسلمت بعده بأيام فاستقرا على نكاحهما لأن ~~عدتها لم تكن انقضت، قالوا: ومثله حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته، ثم أسلمت ~~بعده فكانا على نكاحهما. قال الشافعي: ولا حجة لمن احتج بقوله تعالى: {بعصم ~~الكوافر} لأن نساء المؤمنين محرمات على الكفار كما أن المسلمين لا تحل لهم ~~الكوافر الوثنيات ولا المجوسيات لقوله تعالى: # PageV04P267 # {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} ثم بينت السنة أن مراد الله تعالى من ~~قوله هذا: أنه لا يحل بعضهم لبعض إلا إن أسلم الثاني منهما في العدة. # وقال أبو حنيفة وأصحابه في الكافرين الذميين: إذا أسلمت المرأة عرض على ~~الزوج الإسلام فإن أسلم، وإلا فرق بينهما، قالوا: ولو كانا حربيين فهي ~~امرأته حتى تحيض ثلاث حيض إذا كانا جميعا في دار الحرب، أو في دار الإسلام، ~~وإن كان أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام انقطعت العصمة بينهما، ~~وقد تقدم أن اعتبار الدار ليس بشيء، وهذا الخلاف إنما هو في المدخول بها. # فأما غير المدخول بها فلا نعلم خلافا في انقطاع العصمة بينهما إذ لا عدة ~~عليها، وكذا يقول مالك في المرأة يرتد زوجها المسلم تنقطع العصمة بينهما ~~لقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} وهو قول الحسن البصري والحسن بن ~~صالح وقال الشافعي وأحمد: ينتظر بها تمام العدة، فإن كان الزوجان نصرانيين ~~فأسلمت الزوجة فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى تمام العدة، وهو قول مجاهد، ~~وكذا الوثني تسلم زوجته إن أسلم في عدتها فهو أحق بها، كما أن صفوان بن ~~أمية وعكرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما أسلما في عدتهما لما ذكر مالك في ~~الموطأ. # قال بعض العلماء: كان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحو من شهر، ~~قال: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزجها ~~كافر مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها ~~مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها. وقال ms3638 بعضهم: ينفسخ النكاح بينهما لما روى يزيد ~~بن علقمة قال: أسلم جدي ولم تسلم جدتي ففرق بينهما عمر، وهو قول طاوس وعطاء ~~والحسن وعكرمة قالوا: لا سبيل له عليها إلا بخطبة {واسألوا} أي: أيها ~~المؤمنون الذين ذهبت زوجاتهم إلى الكفار مرتدات {ما أنفقتم} أي: من مهور ~~نسائكم {وليسألوا} أي: الكفار {ما أنفقوا} أي: من مهور أزواجهم اللائي ~~أسلمن. قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل ~~العهد يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين: إذا جاء أحد من الكافرات ~~مسلمة مهاجرة ردوا إلى الكفار مهرها، وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالين ~~{ذلكم} أي: الحكم الذي ذكر في هذه الآيات البعيدة تعلق الرتبة عن كل سفيه ~~{حكم الله} أي: الملك الذي له صفات الكمال، فلا تلحقه شائبة نقص {يحكم} أي: ~~الله إذ حكمه على سبيل المبالغة {بينكم} أي: في هذا الوقت وفي غيره على هذا ~~المنهاج البديع، وذلك لأجل الهدنة التي كانت وقعت بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبينهم، وأما قبل الحديبية فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك النساء ~~ولا يرد الصداق {والله} أي: الذي له الإحاطة التامة {عليم} أي: بالغ العلم ~~لا يخفى عليه شيء {حكيم} أي: فهو لتمام علمه يحكم كل أموره غاية الأحكام، ~~فلا يستطيع أحد نقض شيء منها. # روي أن المسلمين قالوا: رضينا بما حكم الله تعالى، وكتبوا إلى المشركين ~~فامتنعوا فنزل قوله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم} أي: واحدة فأكثر ~~منهن، أو شيء من مهورهن بالذهاب {إلى الكفار} مرتدات {فعاقبتم} فغزوتم ~~وغنمتم من أموال الكفار فجاءت نوبة ظفركم بأداء المهر إلى إخوانكم طاعة ~~وعدلا عقب نوبتهم التي اقتطعوا فيها ما أنفقتم ظلما {فآتوا} أي: فاحضروا # PageV04P268 # وأعطوا من مهر المهاجرة {الذين ذهبت أزواجهم} أي: منكم من الغنيمة {مثل ~~ما أنفقوا} أي: لفواته عليهم من جهة الكفار. روى الزهري عن عروة عن عائشة ~~أنها قالت: حكم الله تعالى بينهم فقال جل ثناؤه {واسألوا ما أنفقتم ~~وليسألوا ما أنفقوا} فكتب إليهم المسلمون قد ms3639 حكم الله تعالى بيننا بأنه إن ~~جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا صداقها، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا ~~إليكم بصداقها، فكتبوا أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا فإن كان لنا عندكم ~~شيء فوجهوا به فأنزل الله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم} الآية. وقال ~~ابن عباس: في قوله تعالى: {ذلكم حكم الله} أي: بين المسلمين والكفار من أهل ~~العهد من أهل مكة يرد بعضهم على بعض. قال الزهري: ولولا العهد لأمسك النساء ~~ولم يرد عليهم صداقا، وقال قتادة ومجاهد: إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة، وقالا: هي فيمن بيننا وبينه عهد، ~~وقالا: فمعنى {فعاقبتم} فاقتصصتم {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مثل ما ~~أنفقوا} أي: من المهور. وقال ابن عباس: معنى الآية إن لحقت امرأة مؤمنة ~~بكفار أهل مكة، وليس بينكم وبينهم عهد، ولها زوج مسلم قبلكم فغنمتم فأعطوا ~~هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمس. وقال الزهري: يعطي من مال ~~الفيء، وعنه يعطى من صداق من لحق بها # تنبيه: محصل مذهب الشافعي في هذه الآية: أن الهدنة لو عقدت بشرط أن يردوا ~~من جاءهم منا مرتدا صح، ولزمهم الوفاء به سواء أكان رجلا أو امرأة، حرا أو ~~رقيقا، فإن امتنعوا من رده فناقضون للعهد لمخالفتهم الشرط، أو عقدت على أن ~~لا يردوه جاز، ولو كان المرتد امرأة فلا يلزمهم رده لأنه صلى الله عليه ~~وسلم شرط ذلك في مهادنة قريش، حيث قال لسهل بن عمرو وقد جاء رسولا منهم «من ~~جاءنا منكم رددناه، ومن جاءكم منا فسحقا سحقا» ومثله ما لو أطلق العقد كما ~~فهم بالأولى، ويغرمون فيهما مهر المرتدة. فإن قيل: لم غرموا مهر المرتدة، ~~ولم نغرم نحن مهر المسلمة على ما تقدم من الخلاف؟ أجيب: بأنهم قد فوتوا ~~عليه الاستتابة الواجبة علينا، وأيضا المانع جاء من جهتها، والزوج غير ~~متمكن منها بخلاف المسلمة الزوج متمكن منها بالإسلام، وكذا يغرمون قيمة ~~رقيق ارتد دون الحر، فإن عاد الرقيق المرتد ms3640 إلينا بعد أخذنا قيمته رددناها ~~عليهم. # بخلاف نظيره في المهر لأن الرقيق بدفع القيمة يصير ملكا لهم، والنساء لا ~~يصرن زوجات. # فإن قيل: كونه يصير ملكا لهم مبنى على جواز بيع المرتد للكافر، والصحيح ~~خلافه. # أجيب: بأن هذا ليس مبنيا عليه لأن هذا ليس بيعا حقيقة فاغتفر ذلك أجل ~~المصلحة، وإن شرطنا عدم الرد. # فإن قيل: هل يغرم الإمام لزوج المرتدة ما أنفق من صداقها، لأنا بعقد ~~الهدنة حلنا بينه وبينها، ولولاه لقاتلناهم حتى يردوها؟. # أجيب: بأن هذا ينبني على أن الإمام هل يغرم لزوج المسلمة المهاجرة ما ~~أنفق، وقد تقدم الكلام على ذلك. # فائدة: روي عن ابن عباس أنه قال: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ~~المهاجرين ست نسوة أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت تحت شداد بن عياض الفهري، ~~وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب، فلما ~~أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، ~~وعزة بنت عبد العزيز # PageV04P269 # بن نضلة، وزوجها عمرو بن عبد ود، وهند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام ~~بن العاص بن وائل، وأم كلثوم بنت جرول كانت تحت عمر بن الخطاب رجعن عن ~~الإسلام، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجهن مهور نسائهم من ~~الغنيمة. # ولما كان التحري في مثل ذلك عسرا فإن المهور تتفاوت تارة وتتساوى أخرى ~~قال تعالى: {واتقوا} أي: في الإعطاء والمنع وغير ذلك {الله} الذي له صفات ~~الكمال، وقد أمركم بالتخلق بصفاته على قدر ما تطيقون {الذي أنتم به مؤمنون} ~~أي: متمكنون في رتبة الإيمان. # ولما خاطب المؤمنين الذين هم موضع الحماية والنصرة للدين أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد الحكم بإيمانهن بمبايعتهن بقوله تعالى: # {يا أيها النبي} مخاطبا له بالوصف المقتضى للعلم {إذا جاءك المؤمنات} جعل ~~إقبالهن عليه صلى الله عليه وسلم لا سيما مع الهجرة مصححا لإطلاق الهجرة ~~عليهن {يبايعنك على أن لا يشركن} أي: كل واحدة منهن تبايعك على عدم ms3641 الإشراك ~~في وقت من الأوقات {بالله} أي: الملك الذي لا كفؤ له {شيئا} أي من إشراك ~~على الإطلاق {ولا يسرقن} أي: يأخذن مال الغير بغير استحقاق في خفية {ولا ~~يزنين} أي: يمكن أحدا من وطئهن بغير عقد صحيح {ولا يقتلن أولادهن} أي: ~~بالوأد كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات، أي: دفنهن أحياء خوفا من ~~العار والفقر {ولا يأتين ببهتان} أي: بولد ملقوط أو شبهة بأن {يفترينه} أي: ~~يتعمدن كذبه بأن ينسبنه للزوج، ووصفه بصفة الولد الحقيقي بقوله تعالى: {بين ~~أيديهن} أي: بالحمل في البطون لأن بطنها التي تحمل فيها الولد بين يديها ~~{وأرجلهن} أي: بالوضع من الفروج لأن فرجها الذي تلد منه بين رجليها، أو لأن ~~الولد إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها. # وقيل: بين أيديهن ألسنتهن بالنميمة، ومعنى: بين أرجلهن فروجهن. وقيل: ما ~~بين أيديهن من قبلة أو جسة وبين أرجلهن الجماع. وروي أن هند لما سمعت ذلك ~~قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، وما يأمر إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق ~~{ولا يعصينك} أي: على حال من الأحوال {في معروف} وهو ما وافق طاعة الله ~~تعالى كترك النياحة، وتمزيق الثياب، وجر الشعر وشق الجيب، وخمش الوجه ~~{فبايعهن} أي: التزم لهن بما وعدن على ذلك من إعطاء الثواب في نظير ما ~~ألزمن أنفسهن من الطاعة، فبايعهن صلى الله عليه وسلم بالقول ولم يصافح ~~واحدة منهن. قالت عائشة رضى الله عنها «والله ما أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على النساء قط إلا بما أمر الله عز وجل، وما مست كف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كف امراة قط. وروي أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية {أن لا يشركن بالله شيئا} إلى آخرها ~~قالت: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها» ~~وقالت أميمة بنت رقيقة «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة فقال ~~فيما استطعتن أطعن، فقلت: لرسول الله صلى الله عليه ms3642 وسلم ارحم بنا من ~~أنفسنا، وقلت: يا رسول الله صافحنا، فقال إني لا أصافح النساء إنما قولي ~~لامرأة كقولي لمائة امرأة» . وروي «أنه صلى الله عليه وسلم بايع النساء ~~وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن» وقالت أم عطية: «لما قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا # PageV04P270 # عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام فقال: أنا رسول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن أن لا تشركن بالله شيئا الآية، فقلن ~~نعم، فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللهم ~~اشهد» وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان ~~إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه فغمسن أيديهن # فيه» وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرجال يوم الفتح ~~لمكة، وهو على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه وهو يبايع النساء بأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنه أن لا يشركن بالله شيئا، وهند بنت ~~عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يعرفها لما صنعت بحمزة يوم أحد، فقالت: والله إنك لتأخذ علينا ~~أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال، وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام ~~والجهاد فقط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ولا يسرقن، فقالت هند إن أبا ~~سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتنا فلا أدري أيحل لي أم لا، فقال أبو ~~سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وما غير فهو حلال، فضحك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعرفها، فقال لها: «وإنك لهند بنت عتبة» ، قالت: نعم فاعف عما ~~سلف عفا الله عنك. # وروي أنها قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل علي حرج إن ~~أخذت ما يكفيني وولدي، قال: «لا إلا بالمعروف» فخشيت هند أن تقتصر على ما ~~يعطيها ms3643 فتضيع وتأخذ أكثر من ذلك فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة، فقال ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أي لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف من ~~غير استطالة إلى أكثر من الحاجة، ثم قال: ولا يزنين، فقالت هند: أوتزني ~~الحرة، فقال: ولا يقتلن أولادهن أي: بالوأد، ولا يسقطن الأجنة، فقالت هند: ~~ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا، وأنت وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن ~~أبي سفيان قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم قال: {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} فقالت: والله ~~إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: {ولا ~~يعصينك في معروف} فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا، وفي أنفسنا أن نعصيك ~~في شيء قال أكثر المفسرين: معناه لا يلحقن بأزواجهن ولدا من غيرهن، وكانت ~~المرأة تلتقط ولدا تلحقه بزوجها وتقول: هذا ولدي منك فكان من البهتان ~~والافتراء. # وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج، وإن سبق النهي عن الزنا. # تنبيه: ذكر تعالى في هذه الآية لرسوله صلى الله عليه وسلم في صفة البيعة ~~خصالا ستا صرح فيهن بأركان النهي، ولم يذكر أركان الأمر وهي ست أيضا: ~~الشهادة، والزكاة، والصلاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجناب، وذلك لأن ~~النهي دائم في كل زمان ومكان، وكل الأحوال فكان التنبيه على اشتراط الدائم ~~آكد. # وقيل: إن هذه المناهي كانت في النساء كثيرا ممن يرتكبها، ولا يحجزهن عنها ~~شرف النسب فخصت بالذكر لهذا، ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد ~~القيس «وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت» فنبههم على ترك المعصية ~~في شرب الخمر دون سائر المعاصي لأنها كانت شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء ~~شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة فيها. # ولما كان # PageV04P271 # الإنسان محل النقصان لا سيما النسوان رجاهن سبحانه بقوله تعالى: ~~{واستغفر} أي: اسأل {لهن الله} أي: الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في ~~الغفران إن وقع منهن تقصير وهو واقع، لأنه لا ms3644 يقدر أحد أن يقدر الله تعالى ~~حق قدره {إن الله} أي: الذي له صفات الكمال {غفور} أي: بالغ الستر للذنوب ~~عينا وأثرا {رحيم} أي: بالغ الإكرام بعد الغفران تفضلا منه وإحسانا. # وروي أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم ~~فنهاهم الله عن ذلك بقوله تعالى: # {يأيها الذين آمنوا لا تتولوا} أي: لا تعالجوا أنفسكم أن توالوا {قوما} ~~أي: ناسا لهم قوة على ما يحاولونه فغيرهم من باب أولى {غضب الله} أي: أوقع ~~الملك الأعلى الغضب {عليهم} لإقبالهم على ما أحاط بهم من الخطايا، فهو عام ~~في كل من اتصف بذلك يتناول اليهود تناولا أوليا {قد يئسوا} أي: تحققوا عدم ~~الرجاء {من الآخرة} أي: من ثوابها مع إيقانهم بها لعنادهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم مع علمهم أنه الرسول المبعوث في التوراة {كما يئس الكفار من ~~أصحاب القبور} أي من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء. # وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار، أي: كما يئس الكفار الذين قبروا من ~~خير الآخرة، إذ تعرض عليهم مقاعدهم من الجنة لو كانوا آمنوا، وما يصيرون ~~إليه من النار فيتبين لهم قبح حالهم، وسوء منقلبهم. وما قاله البيضاوي تبعا ~~للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الممتحنة كان له ~~المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة» حديث موضوع. ### | سورة الصف # مدنية في قول الأكثرين، وذكر النحاس عن ابن عباس أنها مكية، وهي أربع ~~عشرة آية ومائتان وإحدى وعشرون كلمة وتسعمائة حرف # {بسم الله} الملك الأعظم الذي لا كفء له {الرحمن} الذي عم بفضله كل أحد ~~من خلقه {الرحيم} الذي خص من شاء من عباده فهيأه لعبادته وأهله. # {سبح لله} أي: أوقع التنزيه الأعظم للملك الأعظم {ما في السموات} من جميع ~~الملائكة وغيرها كالأفلاك والنجوم {وما في الأرض} كذلك من الآدميين وغيرهم ~~كالشجر والثمار. وقيل: اللام مزيدة، أي: نزه الله وأتى بما دون من، قال ~~الجلال المحلي: تغليبا للأكثر. # فإن قيل: ما الحكمة في انه تعالى قال في بعض السور سبح ms3645 لله بلفظ الماضي، ~~وفي بعضها يسبح بلفظ المضارع، وفي بعضها فسبح بلفظ الأمر؟. # أجيب: بأن الحكمة في ذلك تعليم العبد أن يسبح الله تعالى على الدوام كما ~~أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل ~~من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال فإن قيل: هلا قيل سبح لله السموات ~~والأرض وما فيهما، وهو أكثر مبالغة أجيب: بأن المراد بالسماء جهة العلو ~~فيشمل السماء وما فيها، وبالأرض جهة السفل فيشمل الأرض وما فيها {وهو} أي: ~~وحده {العزيز} أي: الغالب على غيره أي شىء كان ذلك الغير، ولا يمكن أن يغلب ~~عليه غيره {الحكيم} أي: الذي يضع الأشياء في أتقن مواضعها. روى الدارمي # PageV04P272 # في مسنده قال: أنبأنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن ~~أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا مع نفر من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى ~~لعملناه، فأنزل الله تعالى: {سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم} {يأيها الذين آمنوا} أي: ادعوا الإيمان {لم تقولون ما لا ~~تفعلون} حتى ختمها. قال عبد الله: «فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى ختمها، قال أبو سلمة: قرأها علينا عبد الله بن سلام حتى ختمها، ~~قال يحيى فقرأها علينا أبو سلمة فقرأها علينا أبو يحيى، فقرأها علينا ~~الأوزاعي، فقرأها علينا محمد فقرأها علينا الدرامي. انتهى. ولي بقراءتها ~~سند متصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الله بن عباس: قال عبد ~~الله بن رواحة: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه فلما نزل ~~الجهاد كرهوه. وقال الكلبي: قال المؤمنون: يا رسول الله لو علمنا أحب ~~الأعمال إلى الله تعالى لسارعنا إليه فنزل {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم} فمكثوا زمانا يقولون: لو نعلمها لاشتريناها بالأموال والأنفس ~~والأهلين، فدلهم الله تعالى عليها بقوله تعالى: {تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل ms3646 الله} (الصف: 11) # الآية، فابتلوا يوم أحد ففروا فنزلت الآية تعييرا لهم بترك الوفاء. وقال ~~محمد بن كعب: لما أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بثواب شهداء ~~بدر. # قالت الصحابة: اللهم اشهد لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم ~~أحد فعيرهم الله تعالى بذلك. وقال قتادة والضحاك: نزلت في قوم كانوا ~~يقولون: نحن جاهدنا وأبلينا، ولم يفعلوا. وقيل: قد آذى المسلمين رجل ونكى ~~فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنك قتلته، فقال: إنما قتلته لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول ~~الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى، قال: نعم، فنزلت في المنتحل. وقال ~~ابن زيد: نزلت في المنافقين ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبإيمانهم، وكانوا ~~يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم، ~~وقاتلنا فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا. وقال القرطبي: هذه الآية توجب على ~~كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي به # وفي صحيح مسلم عن أبي موسى: أنه بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ~~ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه، ~~ولا تطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من قبلكم، وإنا كنا نقرأ ~~سورة فشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها لو كان ~~لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا ~~التراب. وكنا نقرأ سورة فشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها ~~{يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} فلبثت شهادة في أعناقكم ~~فتسألون عنها يوم القيامة. قال ابن العربي: وهذا كله ثابت في الدين لفظا ~~ومعنى في هذه السورة، وأما قوله: شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم ~~القيامة، فمعنى ذلك: ثابت في الدين فإن من التزم شيئا ألزمه شرعا. وقال ~~القرطبي: ثلاث آيات منعتني أن أقضي على الناس {أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم} (البقرة: 44) # {وما أريد أن أخالفكم إلى ms3647 ما أنهاكم عنه} (هود: 88) # و {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} وعن أنس بن مالك قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم ~~بمقاريض من نار، كلما قرضت عادت، قلت: من هؤلاء # PageV04P273 # يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون، ويقرؤون كتاب ~~الله ولا يعملون به» . # تنبيه: قوله تعالى: {لم تقولون ما لا تفعلون} استفهام على وجه الإنكار ~~والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير مالا يفعله، إما في الماضي ~~فيكون كذبا، وإما في المستقبل فيكون خلقا وكلاهما مذموم. قال الزمخشري: لم ~~هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر ~~في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام، وإنما حذفت الألف لأن ما ~~والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيرا في كلام المستفهم، وقد جاء ~~استعمال الأصل قليلا والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان. ومن أسكن في ~~الوصل فلإجرائه مجرى الوقف كما سمع ثلاثه أربعه بالهاء وإلقاء حركة الهمزة ~~عليها محذوفة ا. ه. ووقف البزي لمه بهاء السكت بخلاف عنه. # {كبر} أي: عظم. وقوله تعالى: {مقتا} تمييز، والمقت أشد البغض، وزاد في ~~تشنيعه زيادة في التنفير منه بقوله تعالى: {عند الله} أي: الملك الأعظم ~~الذي يحقر عنده كل متعاظم، وقيل: إن كبر من أمثلة التعجب. وقد عده ابن ~~عصفور في التعجب المبوب له في النحو فقال: صيغة ما أفعله وأفعل به، وفعل، ~~نحو كرم الرجل، وإليه نحا الزمخشري فقال: هذا من أفصح الكلام وأبلغه في ~~معناه قصد في كبر التعجب من غير لفظه، كقوله: غلت ناب كليب بواؤها، ومعنى ~~التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج ~~عن نظائره وأشكاله. وقوله تعالى: {أن تقولوا} أي: عظم من تلك الجهة أن يقع ~~في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال قولكم {ما لا تفعلون} فاعل كبر. قال ~~الرازي: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها ms3648 هو أن في السورة التي قبلها بين ~~الخروج إلى الجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته بقوله تعالى: {إن كنتم ~~خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي} وفي هذه السورة بين ما يحمل المؤمن ~~ويحثه على الجهاد بقوله تعالى: # {إن الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال {يحب} أي: يفعل فعل المحب مع ~~{الذين يقاتلون} أي: يوقعون القتال {في سبيله} أي: بسبب تسهيل طريقه ~~الموصلة إلى رضاه. وقوله تعالى: {صفا} حال، أي: مصطفين حتى كأنهم في اتحاد ~~المراد على قلب واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن الواحد ~~{كأنهم} من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات في المركز ~~{بنيان} وزاد في التأكيد بقوله تعالى: {مرصوص} أي: ملزوق بعض إلى بعض ثابت ~~كثبوت البناء. # وقال ابن عباس: يوضع الحجر على الحجر، ثم يرص بأحجار صغار، ثم يوضع اللبن ~~عليه فيسميه أهل مكة المرصوص. وقال الرازي: يجوز أن يكون المعنى على أن ~~يستوي شأنهم في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم بعضا ~~كالبنيان المرصوص قال القرطبي: استدل بعضهم بهذه الآية على أن قتال الراجل ~~أفضل من قتال الفارس، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. قال المهدوي: ~~وذلك غير مستقيم لما جاء في فضل الفارس من الأجر والغنيمة، ولا يخرج ~~الفرسان من معنى الآية لأن معناها الثبات، ولهذا يحرم الخروج من الصف إن ~~قاومناهم إلا متحرفا لقتال، كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم، أو ينصرف من ~~مضيق ليتبعه العدو إلى متسع سهل للقتال، أو متحيز إلى فئة يستنجد بها ولو ~~بعيدة قليلة أو كثيرة، فيجوز انصرافه لقوله تعالى: {إلا # PageV04P274 # متحرفا لقتال} (الأنفال: 16) # وتجوز المبارزة لكافر لم يطلبها بلا كره، وندب لقوي أذن له الإمام أو ~~نائبه لإقراره صلى الله عليه وسلم عليها، وهي ظهور اثنين من الصفين للقتال، ~~من البروز وهو الظهور، فإن طلبها كافر سنت للقوي المأذون له للأمر بها في ~~خبر أبي داود، ولإن تركها حينئذ إضعافا لنا وتقوية لهم، وإلا كرهت # ولما ذكر تعالى الجهاد ذكر قصة ms3649 موسى وعيسى عليهما السلام تسلية لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم ليصبر على أذى قومه، مبتدئا بقصة موسى عليه السلام لتقدمه ~~فقال تعالى: # {وإذ} أي: واذكر ياأشرف الخلق إذ {قال موسى لقومه} أي: بني إسرائيل، ~~وقوله: {ياقوم} استعطاف لهم واستنهاض إلى رضا ربهم {لم تؤذونني} أي: تجددون ~~أذاي مع الاستمرار، وذلك حين رموه بالأدرة كما مر في سورة الأحزاب ومن ~~الأذى ما ذكر في قصة قارون أنه دس إلى امرأة تدعي على موسى الفجور، ومن ~~الأذى قولهم {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} (الأعراف: 138) # وقولهم: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} (المائدة: 24) # وقولهم: أنت قتلت هارون، وغير ذلك. وقوله تعالى: {وقد تعملون} جملة ~~حالية، أي: علمتم علما قطعيا تجدده لكم كل وقت بتجدد أسبابه بما آتيتكم به ~~من المعجزات، والكتاب الحافظ لكم من الزيغ {إني رسول الله} الملك الأعظم ~~الذي لا كفؤ له {إليكم} ورسوله يعظم ويحترم لا أنه تنتهك جلالته وتخترم، ~~وأنا لا أقول لكم شيئا إلا عنه، ولا أنطق عن الهوى {فلما زاغوا} أي: عدلوا ~~عن الحق بمخالفة أوامر الله تعالى وبإيذائه. وقرأ حمزة بالإمالة والباقون ~~بالفتح {أزاغ الله} أي: الملك الذي له الأمر كله {قلوبهم} أي: أمالهم عن ~~الهدى على وفق ما قدره في الأزل {والله} أي: الذي له الحكمة البالغة لأنه ~~المستجمع لصفات الكمال {لا يهدي} أي: بالتوفيق بعد هداية البيان {القوم ~~الفاسقين} أي: العريقين في الفسق الذين لهم قوة المحاولة، فلم يحملهم على ~~الفسق ضعف فاحذروا أن تكونوا مثلهم في العزائم فتساووهم في عقوبات الجرائم، ~~وهذا تنبيه على عظيم إيذاء الرسل حتى إن أذاهم يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب ~~عن الهدى، ثم ذكر القصة الثانية بقوله تعالى: # {وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات ~~قالوا هذا سحر مبين} {وإذ} أي: واذكر يا أشرف المرسلين إذ {قال عيسى} ووصفه ~~بقوله {ابن مريم} ليعلم أنه من غير ms3650 أب وثبتت نبوته بالمعجزات {يا بني ~~إسرائيل} فذكرهم بما كان عليه أبوهم من الدين وما أوصى به بنيه من التمسك ~~بالإسلام، ولم يقل: يا قوم، كما قال موسى عليه السلام؛ لأنه لا أب له فيهم ~~وإن كانت أمه منهم، فإن النسب إنما هو من جهة الأب، وأكد لإنكار بعضهم فقال ~~{إني رسول الله} أي: الملك الأعظم {إليكم} أي: لا إلى غيركم {مصدقا لما بين ~~يدي} أي: قبلي {من التوراة} التي تعلمون أن الله تعالى أنزلها على موسى ~~عليه السلام، وهي أول الكتب التي نزلت بعد الصحف وحكم بها النبيون، فتصديقي ~~لها مع تأييدي بها مؤيد، لأن ما أقمت من الدلائل حق ومبين أنها دليلي فيما ~~لم أنسخه منها، كما يستدل بما قدامه من الإعلام ويراعيه ببصره. وقرأ أبو ~~عمرو وابن ذكوان والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ حمزة ونافع بين بين بخلاف ~~عنه عن قالون، والباقون بالفتح {ومبشرا} في حال تصديقي للتوراة {برسول} أي: ~~إلى كل من شملته الربوبية {يأتي من بعدي} أي: يصدق بالتوراة. فكأنه قيل: ما ~~اسمه؟ قال: {اسمه أحمد} والمعنى: أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني من ~~التوراة، وفي حال تبشيري برسول # PageV04P275 # يأتي من بعدي يعني أن ديني التصديق بكتب الله تعالى وأنبيائه جميعا ممن ~~تقدم وتأخر. # فإن قيل: بم انتصب مصدقا ومبشرا، أبما في الرسول من معنى الإرسال أم ~~بإليكم؟. # أجيب: بأنه بمعنى الإرسال لأن إليكم صلة للرسول فلا يجوز أن يعمل شيئا ~~لأن حروف الجر لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل، فإذا وقعت ~~صلات لم تتضمن معنى فعل فمن أين تعمل. # وعن كعب: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا رسول الله هل بعدنا من أمة؟ قال: ~~نعم أمة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من ~~الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل. وعن حبيش بن مطعم ~~قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا ~~أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي ms3651 الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس ~~على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي» وقد سماه الله تعالى رؤوفا ~~ورحيما. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد ~~أمتي عن النار، واسمي في الزبور الماحي محى الله بي عبدة الأوثان، واسمي في ~~الإنجيل أحمد، وفي القرآن محمد لأني محمود في أهل السماء والأرض» بل ذكر ~~بعض العلماء أنه له ألف اسم. قال البغوي: والألف في أحمد للمبالغة في ~~الحمد، وله وجهان: # أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي: ومعناه أن الأنبياء حمادون لله تعالى، ~~وهو أكثر حمدا من غيره. # والثاني: أنه مبالغة من المفعول، أي: ومعناه أن الأنبياء كلهم محمودون ~~لما فيهم من الخصال الحميدة، وهو أكثر مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن ~~والأخلاق التي يحمد بها ا. ه. وعلى كلا الوجهين منعه من الصرف للعملية ~~والوزن الغالب، إلا أنه على الاحتمال الأول يمتنع معرفة وينصرف نكرة، وعلى ~~الثاني يمتنع تعريفا وتنكيرا لأنه يخلف العلمية الصفة، وإذا نكر بعد كونه ~~علما جرى فيه خلاف سيبويه والأخفش، وهي مسألة مشهورة بين النحاة. وأنشد ~~حسان يمدحه وصرفه: # *صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد* # أحمد بدل أو بيان للمبارك، وأما محمد فمنقول من صفة أيضا، وهو في معنى ~~محمود ولكن في معنى المبالغة والتكرار، فأحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة. قال ~~القرطبي: كما أن المكرم من أكرم مرة بعد مرة، وكذلك الممدح ونحو ذلك: واسم ~~محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه وتعالى سماه قبل أن يسمي به نفسه، فهذا ~~علم من أعلام نبوته، وكان اسمه صادقا عليه فهو محمود في الدنيا لما هدي ~~إليه ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة. فقد تكرر ~~معنى الحمد كما يقتضي اللفظ، ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد حمد ربه ~~فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى فقال: ~~اسمه أحمد، وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، ms3652 فقال: ~~اللهم اجعلني من أمة محمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد، لأن حمده لربه ~~كان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمدا بالفعل. # وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه فيكون أحمد الناس ~~لربه، ثم يشفع فيحمد على شفاعته، فدل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم أشرف ~~الأنبياء فاتحا لهم وخاتما عليهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة ~~بفتح الياء، والباقون بالسكون # وقوله تعالى: {فلما جاءهم} يحتمل أن يعود فيه الضمير لأحمد، أي: جاء ~~الكفار، واقتصر على ذلك الجلال المحلي، # PageV04P276 # ويحتمل عوده لعيسى، أي: جاء لبني إسرائيل {بالبينات} أي: من المعجزات ~~العظيمة التي لا يسوغ لعاقل إلا التسليم لها، ومن الكتاب المبين {قالوا} ~~أي: عند مجيئها من غير نظرة تأمل {هذا} أي: المأتي به من البينات، أو الآتي ~~بها على المبالغة {سحر} فكانوا أول كافر به، لأن هذا وصف لهم لازم سواء ~~بلغهم ذلك أم لا {مبين} أي: في غاية البيان في سحريته. وقرأ حمزة والكسائي ~~بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء، وهذه القراءة مناسبة للتفسير الثاني، ~~والباقون بكسر السين وسكون الحاء، وهذه مناسبة للتفسير الأول. # {ومن} أي: لا أحد {أظلم} أي: أشد ظلما {ممن افترى} أي: تعمد {على الله} ~~أي: الملك الأعلى {الكذب} أي: بنسبة الشريك والولد إليه، ووصف آياته ~~بالسحر، ووصف أنبيائه بالسحرة {وهو} أي: والحال أنه {يدعى} أي: من أي داع ~~كان {إلى الإسلام} أي: الذي هو أحسن الأشياء فإن له فيه سعادة الدارين، ~~فيجعل مكان إجابته افتراء الكذب على الله تعالى: {والله} أي: الذي له الأمر ~~كله فلا أمر لأحد معه {لا يهدي القوم} أي: لا يخلق الهداية في قلوب من فيهم ~~قوة المجادلة للأمور الصعاب {الظالمين} أي: الذين يخبطون في عقولهم خبط من ~~هو في الظلام. # {يريدون} أي: يوقعون إرادة ردهم للرسالة بافترائهم {ليطفئوا} أي: لأجل أن ~~يطفئوا {نور الله} أي: الملك الذي لا شئ يكافئه {بأفواههم} أي: بما يقولون ~~من كذب لا منشأ له غير الأفواه، لأنه ms3653 لا اعتقاد له في القلوب. # تنبيه: الإطفاء هو الإخماد يستعملان في النار وفيما يجري مجراها من ~~الضياء والظهور، ويفرق بين الإطفاء والإخماد من حيث إن الإطفاء يستعمل في ~~القليل، فيقال: أطفأت السراج، ولا يقال: أخمدت السراج، وفي هذه اللام أوجه: ~~أحدها: أنها تعليلية كما مر، ثانيها: أنها مزيدة في مفعول الإرادة، وقال ~~الزمخشري: أصله يريدون أن يطفئوا كما في سورة التوبة، وكأن هذه اللام زيدت ~~مع فعل الإرادة توكيدا له، لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك ~~لإكرامك، كما زيدت اللام في: لا أب لك تأكيدا لمعنى الإضافة في لا أباك. # قال الماوردي: وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس: «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما، فقال كعب بن الأشرف: يا ~~معشر يهود أبشروا فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه وما كان ليتم ~~أمره، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية» ، ~~واتصل الوحي بعدها واختلف في المراد بالنور، فقال ابن عباس: هو القرآن، أي: ~~يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول. وقال السدي: الإسلام، أي: يريدون رفعه ~~بالكلام. وقال الضحاك: إنه محمد صلى الله عليه وسلم أي: يريدون هلاكه ~~بالأراجيف وقال ابن جريج: حجج الله تعالى ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم ~~وتكذيبهم. وقيل: إنه مثل مضروب، أي: من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده ~~مستحيلا ممتنعا، كذلك من أراد إطفاء الحق {والله} أي: الذي لا مدافع له ~~لتمام عظمته {متم نوره} فلا يضره ستر أحد له بتكذيبه ولا إرادة إطفائه، ~~وزاد ذلك بقوله تعالى: {ولو كره} أي: إتمامه له {الكافرون} أي: الراسخون في ~~جهة الكفر المجتهدون في المحاماة عنه. # {هو} أي: الذي ثبت أنه جامع لصفات الكمال والجلال وحده من غير أن يكون له ~~شريك أو وزير {الذي أرسل رسوله} أي: الحقيق # PageV04P277 # بأن يعظمه كل من بلغه أمره لأن عظمته من عظمته، ولم يذكر حرف الغاية ~~إشارة إلى عموم الإرسال إلى كل من شمله الملك كما مضى ms3654 {بالهدى} أي: البيان ~~الشافي بالقرآن والمعجزة {ودين الحق} أي: والملة الحنيفية {ليظهره} أي: ~~يعليه مع الشهرة وإذلال المنازع {على الدين} أي: جنس الشريعة التي ستجعل ~~ليجازى من يسلكها ومن يزغ عنها بما يشرع فيها من الأحكام {كله} فلا يبقى ~~دين إلا كان دونه، وانمحق به وذل أهله ذلا لا يقاس به ذل {ولو كره} أي: ~~إظهاره {المشركون} أي: المعاندون في كفرهم الراسخون في سلك المعاندة. # فإن قيل: قال أولا: {ولو كره الكافرون} ، وقال ثانيا: {ولو كره المشركون} ~~، فما الحكمة في ذلك؟. # أجيب: بأنه تعالى أرسل رسوله، وهو من نعم الله تعالى، والكافرون كلهم في ~~كفران النعم سواء فلهذا قال {ولو كره الكافرون} لأن لفظ الكافر أعم من لفظ ~~المشرك فالمراد من الكافرين هنا اليهود والنصارى والمشركون، فلفظ الكافر ~~أليق به. وأما قوله تعالى: {ولو كره المشركون} فذلك عند إنكارهم التوحيد ~~وإصرارهم عليه، لأنه صلى الله عليه وسلم في ابتداء الدعوة أمر بالتوحيد بلا ~~إله إلا الله فلم يقولوها، فلهذا قال: {ولو كره المشركون} . # {س61ش10/ش14 يا?أيها الذينءامنوا? هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم * تؤمنون بالله ورسوله? وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم? ~~ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من ~~تحتها ا?نهار ومساكن طيبة فى جنات عدن? ذالك الفوز العظيم * وأخرى تحبونها? ~~نصر من الله وفتح قريب? وبشر المؤمنين * يا?أيها الذينءامنوا? كونو?ا? ~~أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواري?ن من أنصارى? إلى الله? قال ~~الحواريون نحن أنصار الله? ف?امنت طآ??فة من? بنى? إسرا?ءيل وكفرت طآ??فة? ~~فأيدنا الذينءامنوا? على عدوهم فأصبحوا? ظاهرين} # واختلف في سب نزول قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان ~~{هل أدلكم} أي: وأنا المحيط علما وقدرة فهي إيجاب في المعنى، ذكر بلفظ ~~الاستفهام تشريفا ليكون أوقع في النفس {على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} أي: ~~مؤلم فقال مقاتل: نزلت في عثمان بن مظعون قال: «يا رسول الله لو أذنت لي ~~طلقت خولة، وترهبت واختصيت، وحرمت اللحم، ولا أنام بليل ms3655 أبدا، ولا أفطر ~~بنهار، فقال صلى الله عليه وسلم إن من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام ~~إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرموا ~~طيبات ما احل الله لكم، ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني، فقال عثمان: والله لوددت يا رسول الله أي التجارة أحب إلى الله ~~تعالى فأتجر فيها، فنزلت» وقيل: أدلكم، أي: سأدلكم، والتجارة: الجهاد، قال ~~الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} (التوبة: 111) # الآية، وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل: نزل هذا حين قالوا: لو نعلم أي ~~الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملنا به. قال البغوي: وجعل هذا بمنزلة ~~التجارة لأنهم يربحون بها رضا الله تعالى، ونيل جنته والنجاة من النار وقرأ ~~ابن عامر بفتح النون وتشدد الجيم، والباقون بسكون النون وتخفيف الجيم # ثم بين سبحانه تلك التجارة بقوله تعالى: {تؤمنون} أي: تدومون على الإيمان ~~{بالله} أي: الذي له جميع صفات الكمال، وعلى هذا فلا ينافي ذلك قوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا} وقيل: المراد من هذه الآية المنافقون وهم الذين ~~آمنوا في الظاهر، وقيل: أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب ~~المتقدمة {ورسوله} الذي تصديقه آية الإذعان للعبودية {وتجاهدون} بيانا لصحة ~~إيمانكم على سبيل التجديد والاستمرار {في سبيل الله} أي: الملك الأعظم الذي ~~لا أمر لغيره {بأموالكم وأنفسكم} وقدم الأموال لعزتها في ذلك الزمان، ~~ولأنها قوام الأنفس فمن بذل ماله كله لم يبخل بنفسه، لأن المال قوامها. ~~وقال القرطبي: ذكر الأموال أولا لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق {ذلكم} أي: ~~الأمر العظيم من الإيمان وتصديقه بالجهاد {خير لكم} أي: من أموالكم # PageV04P278 # وأنفسكم {إن كنتم تعلمون} أي: إن كان يمكن أن يتجدد لكم علم في وقت فأنتم ~~تعلمون أن ذلك خير لكم، فإذا علمتم أنه خير أقبلتم عليه فكان لكم به أمر ~~عظيم، وإن كانت قلوبكم قد طمست طمسا لا رجاء لصلاحه فصلوا على أنفسكم صلاة ~~الموت. # وقوله تعالى: {يغفر لكم} فيه أوجه: # أحدها: ms3656 أنه مجزوم على جواب الخبر بمعنى الأمر، أي: آمنوا وجاهدوا. # والثاني: أنه مجزوم في جواب الاستفهام، كما قاله الفراء. # والثالث: أنه مجزوم بشرط مقدر، أي: إن تؤمنوا يغفر لكم. قال القرطبي: ~~وأدغم بعضهم فقرأ يغفر لكم، والأحسن ترك الإدغام فإن الراء متكرر قوي فلا ~~يحسن الإدغام في اللام، لأن الأقوى لا يدغم في الأضعف ا. ه. وتقدم في آخر ~~سورة البقرة مثل ذلك للزمخشري والبيضاوي ورد عليهما {ذنوبكم} أي: يمحو ~~أعيانها وآثارها كلها {ويدخلكم} أي: بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم {جنات} ~~أي: بساتين {تجري من تحتها} أي: من تحت أشجارها وغرفها وكل منتزه فيها ~~{الأنهار} فهي لا تزال غضة زهراء لم يحتج هذا الأسلوب إلى ذكر الخلود ~~لإغناء ما بعده عنه، ودل على الكثرة المفرطة في الدور بقوله في صيغة منتهى ~~الجموع {ومساكن طيبة} روى الحسن قال: «سألت عمران بن حصين، وأبا هريرة عن ~~قوله تعالى: {ومساكن طيبة} فقالا: على الخبير سقطت سألنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنها فقال: «قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون دارا ~~من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون ~~سريرا، في كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش سبعون امرأة من الحور ~~العين، في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، في كل ~~بيت سبعون وصيفا ووصيفة فيعطي الله تعالى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما ~~يأتي على ذلك كله» {في جنات عدن} أي: بساتين هي أهل للإقامة بها لا يحتاج ~~في إصلاحها إلى شيء خارج يحتاج في تحصيله إلى الخروج عنها له، قال حمزة ~~الكرماني في كتابه «جوامع التفسير» : هي أي جنات عدن قصبة الجنان ومدينة ~~الجنة أقربها إلى العرش {ذلك} أي: الأمر العظيم جدا {الفوز العظيم} أي: ~~السعادة الدائمة الكبيرة، وأصل الفوز الظفر بالمطلوب. # ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم في الآخرة بشرهم بنعمته في الدنيا. # بقوله تعالى: {وأخرى تحبونها} أي: ولكم ms3657 إلى هذه النعمة المذكورة نعمة ~~أخرى عاجلة محبوبة، وفي تحبونها تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل. ~~وقوله تعالى: {نصر من الله} أي: الذي أحاطت عظمته بكل شيء خبر مبتدأ مضمر، ~~أي: تلك النعمة أو الخصلة الأخرى نصر من الله {وفتح قريب} أي: غنيمة في ~~عاجل الدنيا قيل: فتح مكة قال الكلبي: هو النصر على قريش، وقال ابن عباس: ~~يريد فتح فارس والروم. وقوله تعالى: {وبشر المؤمنين} عطف على محذوف مثل {قل ~~يا أيها الذين آمنوا وبشر} ، أو على يؤمنون فإنه في معنى الأمر كأنه قال ~~آمنوا وجاهدوا أيها المؤمنون، وبشرهم يا أشرف الرسل بالنصر في الدنيا ~~والجنة في الآخرة. # {يا أيها الذين آمنوا} أي: أقروا بذلك {كونوا} أي: بغاية جهدكم {أنصارا ~~لله} أي: لدينه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو أنصارا بالتنوين وجر اللام ~~من الاسم الجليل وترقيقها، والباقون بغير تنوين وتفخيم اللام. {كما} أي: ~~كونوا لأجل أني ندبتكم أنا بقولي من غير واسطة ولذذتكم بخطابي مثل ما كان ~~الحواريون أنصار الله حين {قال # PageV04P279 # عيسى بن مريم} حين أرسلته إلى بني إسرائيل ناسخا لشريعة موسى عليه السلام ~~{للحواريين} أي: خلص أصحابه وخاصته منهم {من أنصاري إلى الله} أي: المحيط ~~بكل شيء أي: انصروا دين الله تعالى مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى ~~عليه السلام من أنصاري إلى الله، أي: من ينصرني مع الله تعالى: {قال ~~الحواريون} معلمين إنهم جادون في ذلك جدا لا مزيد عليه لعلمهم أن أجابته ~~إجابة الله تعالى، لأنه لا ينطق عن الهوى فليس كلامه إلا عن الله تعالى: ~~{نحن} أي: بأجمعنا وكانوا اثني عشر رجلا، وهم أول من آمن بعيسى {أنصار ~~الله} أي: الملك الأعلى القادر على تمام نصرنا، ولو كان عدونا كل أهل ~~الأرض. # ولما كان التقدير ثم دعوا كل من خالفهم من بني اسرائيل وبارزهم تسبب عنهم ~~قوله تعالى: {فآمنت} أي: به {طائفة} أي: ناس منهم أهل الاستدارة لما لهم من ~~الكثرة {من بني اسرائيل} قومه {وكفرت طائفة} أي: منهم، وأصل الطائفة: ~~القطعة ms3658 من الشيء، وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق: # فرقة قالوا: كان الله فارتفع. # وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه إليه. # وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهم المؤمنون. # واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا، وظهرت الفرقتان الكافرتان ~~على الفرقة المؤمنة حتى بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم فظهرت ~~الفرقة المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى: {فأيدنا} أي: قوينا بعد رفع ~~عيسى عليه السلام {الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان المخلص {على عدوهم} أي: ~~الذين عادوهم لأجل إيمانهم {فأصبحوا} أي: صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل ~~{ظاهرين} أي: عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحدا ولا ~~يستخفون منه، وروى المغيرة عن إبراهيم قال: فأصبحت حجة من آمن بعيسى عليه ~~السلام ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه السلام كلمة ~~الله وعبده ورسوله. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليا عليه مستغفرا له ما دام في ~~الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه» حديث موضوع. ### | سورة الجمعة # مدنية وهي إحدى عشرة آية، ومائةوثمانون كلمة، وسبعمائة وعشرون حرفا # روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «خير يوم طلعت ~~فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا ~~تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «نحن الآخرون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم ~~أوتوا الكتاب الأول من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله ~~تعالى لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا ~~الله له» وقال يوم الجمعة: «فاليوم لنا، وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى» . # {بسم الله} الذي أحاط علمه بكل معلوم فتم بيانه {الرحمن} الذي تمت نعمة ~~بيانه فهو العظيم شأنه {الرحيم} الذي خص حزبه بالتوفيق فثبت عندهم حبه ~~وإيمانه # {يسبح} أي: يوقع التنزيه الأعظم ms3659 الأنهى الأكمل {لله} أي: الملك المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما {ما في السموات} أي: من جميع الأشياء من الملائكة ~~وغيرها كالأفلاك والنجوم {وما في الأرض} # PageV04P280 # كذلك من الآدميين وغيرهم كالشجر والثمار، وقيل: اللام مزيدة، أي: ينزه ~~الله وأتى بما دون من، قال الجلال المحلي: تغليبا للأكثر، ويحتمل أن يكون ~~المراد بالسماء جهة العلو فيشمل السماء وما فيها، وبالأرض جهة السفل فيشمل ~~الأرض وما فيها {الملك} أي: الذي ثبت له جميع الكمالات، فهو ينصر من يشاء ~~من جنده ولو كان ذليلا فيصبح ظاهرا {القدوس} أي: المنزه عما لا يليق به، ~~وعن إحاطة أحد من الخلق بعلمه وإدراك كنه ذاته فليس في أيدي الخلق إلا ~~التردد في شهود أفعاله والتدبير لمفاهيم نعوته وجلاله وأحقهم بالقرب ~~والعداد في حزبه المتخلق بأوصافه على قدر اجتهاده، فينبغي للمؤمن التنزه عن ~~أن يقول مالا يفعل، أو يبني شيئا من أموره على غير إحكام {العزيز} أي: الذي ~~يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} أي: الذي يوقع كل ما أراد في أحكم ~~مواقعه وأتمها وأتقنها. # {هو} أي: وحده {الذي بعث في الأميين} أي: العرب لأن أكثرهم لا يكتبون ولا ~~يقرؤون، والأمي: من لا يقرأ ولا يكتب {رسولا منهم} أي: من جملتهم أميا ~~مثلهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وما من حي من العرب إلا وله صلى الله ~~عليه وسلم فيهم قرابة، وقد ولدوه. قال ابن إسحاق: إلا بني تغلب فإن الله ~~تعالى طهر نبيه صلى الله عليه وسلم منهم فلم يجعل لهم عليه ولادة، وكان ~~أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم علمه الله ما لم يكن ~~يعلم من غير تطلب، فكانت آثار البشرية عنه مندرسة وأنوار الحقائق علية ~~لائحة، وذلك لئلا يتوهم الافتقار إلى الاستعانة بالكتب لأن مشاكلته لحال من ~~بعث فيهم أقرب إلى مساواتهم له لو أمكنهم فيكون معنى عدم إمكان المساواة ~~أدل على الإعجاز، وبعثه إلى العرب لا ينفي بعثه إلى غيرهم لاسيما مع ما ورد ~~فيه من صرائح ms3660 الدلائل القطعية، فذكر موضع البعث وابتداءه فتكون الغاية ~~مطلقة تقديرها إلى عامة الخلق {يتلو} أي: يقرأ قراءة يتبع بعضها بعضا على ~~وجه الكثرة والعلو والرفعة {عليهم} مع كونه أميا مثلهم {آيات} أي: يأتيهم ~~بها على سبيل التجدد والمواصلة، وهي القرآن الذي أعجز الجن والإنس أن يأتوا ~~بسورة من مثله {ويزكيهم} أي: يطهرهم من الشرك والأخلاق الرذيلة، والعقائد ~~الزائغة فكانت تزكيته لهم مدة حياته بنظره الشريف إليهم، وتعليمه لهم ~~وتلاوته عليهم، فربما نظر الإنسان نظرة محبة فزكاه الله تعالى بها بحسب ~~القابليات والأمور التي قضى الله تعالى أن تكون مهيآت فكان له أعشق فكان ~~لأتباعه ألزم فكان في كتاب الله وسنته أرسخ {ويعلمهم الكتاب} أي: القرآن ~~المنزل عليه الجامع لكل خير ديني ودنيوي في الأولى والأخرى {والحكمة} هي ~~غاية الحكم للكتاب في قوة فهمه والعمل به فهي العمل المزين بالعلم المتقن ~~به، وقال الحسن: الكتاب: القرآن، والحكمة: السنة. وقال ابن عباس: الكتاب ~~الخط بالقلم، والحكمة: السنة، لأن الخط إنما فشا # في العرب بالشرع لما أمروا بالتقييد بالخط. وقال مالك بن أنس: الحكمة: ~~الفقه في الدين {وإن} أي: والحال أنهم {كانوا} أي: كونا هو كالجبلة لهم {من ~~قبل} أي: قبل إرساله إليهم {لفي ضلال} أي: بعد عن المقصود {مبين} أي: ظاهر ~~في نفسه مناد لغيره أنه ضلال باعتقادهم الأباطيل الظاهرة، وظنهم أنهم على ~~شيء، وعموم الجهل لهم ورضاهم به واختبارهم له. # وقوله تعالى: {وآخرين منهم} فيه # PageV04P281 # وجهان: أحدهما: أنه مجرور عطفا على الأميين، أي: وبعث في الآخرين من ~~الأميين، أي: الموجودين والآتين منهم بعدهم {لما} أي: لم {يلحقوا بهم} في ~~السابقة والفصل والثاني: أنه منصوب عطفا على الضمير المنصوب في يعلمهم، أي: ~~ويعلم آخرين لما يلحقوا بهم وسيلحقون، وكل من تعلم شريعة محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلى آخر الزمان فرسول الله صلى الله عليه وسلم معلمه بالقوة، ~~لأنه أصل ذلك الخير العظيم والفضل الجسيم. # تنبيه: الذين لم يلحقوا بهم هم الذين لم يكونوا في زمنهم وسيجيئون بعدهم. ~~قال عمر وسعيد بن ms3661 جبير: هم العجم، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: «كنا ~~جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ: ~~{وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا، قال: وفينا ~~سلمان الفارسي، قال: «فوضع النبي صلى الله علية وسلم يده على سلمان ثم قال: ~~«لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجل من هؤلاء» وفي رواية «لو كان الدين ~~عند الثريا لذهب به رجال من فارس» أو قال: من أبناء فارس حتى يتناوله. وقال ~~عكرمة: هم التابعون، وقال مجاهد: هم الناس كلهم، يعني: من بعد العرب الذين ~~بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم وقال ابن زيد، ومقاتل بن حبان: هم من دخل ~~في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. # وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن في أصلاب ~~أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب، ثم تلا {وآخرين منهم لما يلحقوا ~~بهم} » قال ابن عادل: والقول الأول أثبت. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «رأيتني أسقي غنما سودا، ثم أتبعتها غنما عقرا أولها يا أبا بكر، قال: ~~يا نبي الله أما السود فالعرب، وأما العقر فالعجم تتبعك بعد العرب، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أولها الملك يعني جبريل عليه الصلاة ~~والسلام» رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. {وهو} أي: والحال أنه وحده {العزيز} ~~أي: الذي يقدر على كل ما أراده، ولا يغلبة شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ما ~~أراد من أي طائفة كان، ولو كان أجهل أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها بيده ~~{الحكيم} فهو إذا أراد شيئا موافقا لشرعه وأمره جعله على أتقن الوجوه ~~وأوثقها، فلا يستطاع نقضه ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه ms3662 فلا يطاق ~~ردة بوجه. # ولما كان هذا أمرا باهرا عظمه بقوله تعالى على وجه الاستثمار من قدرته: # {ذلك} الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه، وجعلهم متبوعين بعد أن ~~كان العرب أتباعا لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف {فضل الله} أي: الذي له ~~جميع صفات الكمال والفضل ما لم يكن مستحقا بخلاف الفرص {يؤتيه من يشاء} قال ~~ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش، وقال الكلبي: يعني الإسلام فضل الله يؤتيه ~~من يشاء، وقال مقاتل: يعني الوحي والنبوة. # وقيل: إنه المال ينفق في الطاعة لما روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل ~~الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك؟ فقالوا: يصلون كما ~~نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P282 # «أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون ~~أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ~~تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة، قال أبو صالح ~~فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع ~~إخواننا من أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» وقيل: إنه انقياد الناس إلى تصديق ~~النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهم في دينه ونصرته {والله} الملك المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما {ذو الفضل العظيم} . # ولما ترك اليهود العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ضرب ~~الله تعالى لهم مثلا بقوله تعالى: # {مثل الذين حملوا التوراة} أي: كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله ~~تعالى لبني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، بأن علمهم إياها ~~سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف ~~والتلبيس، وحدودها وأحكامها عن الإهمال والتضييع {ثم لم يحملوها} أي: بأن ~~حملوا ألفاظها ولم ms3663 يعملوا بما فيها من الوصية باتباع عيسى عليه الصلاة ~~والسلام إذا جاءهم، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا جاء فهي ضارة لهم ~~بشهادتها عليهم فإذا لهم النار من غير نفع أصلا {كمثل} أي: مثلهم مثل ~~{الحمار} أي: الذي هو أبلد الحيوان فهو مثل في الغباوة حال كونه {يحمل ~~أسفارا} أي: كتبا كبارا من كتب العلم جمع سفر، وهو الكتاب الكبير المسفر ~~عما فيه، في عدم الانتفاع بها لأنه يمشي ولا يدري منها إلا ما يضر بجنبيه ~~وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ومثل ذلك قول ~~الشاعر: # k # *زوامل للأسفار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر* # *لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأحماله أو راح ما في الغرائر* # من إنشاد الشيخ ابن الخباز. {بئس مثل القوم} أي: الذين لهم قوة شديدة على ~~محاولة ما يريدون {الذين كذبوا} أي: محمدا على علم {بآيات الله} أي: دلالات ~~الملك الأعظم على رسوله، ولاسيما محمد صلى الله عليه وسلم والمخصوص بالذم ~~محذوف تقديره: هذا المثل {والله} أي: الذي له جميع صفات الكمال {لا يهدي ~~القوم} أي: لا يخلق الهداية في قلوب الذين تعمدوا الزيغ {الظالمين} أي: ~~الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان، الذي لم يدع لبسا حتى ~~صار الظلم لهم صفة راسخة. # ولما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه نزل قوله ~~تعالى: # {قل} أي: يا أشرف الرسل {يا أيها الذين هادوا} أي: تدينوا باليهودية {إن ~~زعمتم} أي: قلتم قولا هو معرض للتكذيب، ولذلك أكذبتموه {إنكم أولياء لله} ~~أي: الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه خصكم بذلك خصوصية مبتدأة {من دون} ~~أي: أدنى رتبة من رتب {الناس} فلم تنفذ الولاية، وتلك الرتبة في الدنيا إلى ~~أحد منهم غيركم بل خصكم بذلك عن كل من فيه أهلية الحركة لاسيما الأميين ~~{فتمنوا الموت} وأخبروا عن أنفسكم بذلك للنقلة من دار البلاء إلى محل ~~الكرامة والآلاء {إن كنتم} أي: كونا راسخا {صادقين} أي: غريقين عند أنفسكم ms3664 ~~في الصدق، فإن من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب، ومن المقطوع به أن ~~من كان في كدر # PageV04P283 # وكان له ولي قد وعده عند الوصول إليه الراحة التي لا يشوبها ضرر تمنى ~~النقلة إلى وليه. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم «والذي نفسي بيده لا ~~يقولها أحد منكم إلا غص بريقه فلم يقلها منهم أحد علما منهم بصدقه صلى الله ~~عليه وسلم فلم يقولوا ولم يؤمنوا عنادا منهم» . # ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يتمنونه في المستقبل أيضا بقوله تعالى: # {ولا يتمنونه} أي: في المستقبل {أبدا بما قدمت أيديهم} أي: بسبب ما قدموا ~~من الكفر والمعاصي التي أحاطت به فلم تدع لهم حظا في الآخرة. # تنبيه: قال تعالى هنا: {ولا يتمنونه} وفي البقرة {ولن يتمنوه} (البقرة: ~~95) # قال الزمخشري: لا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا ~~أن في لن تأكيدا وتشديدا ليس في لا فأتى مرة بلفظ التأكيد {ولن يتمنوه} ~~ومرة بغير لفظه {ولا يتمنونه} قال أبو حيان: وهذا رجوع منه عن مذهبه وهو أن ~~لن تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة، وهي أنها لا تقتضيه. قال ~~بعضهم: وليس فيه رجوع، غاية ما فيه أنه سكت عنه، وتشريكه بين لا ولن في نفي ~~المستقبل لا ينفي اختصاص لن بمعنى آخر ا. ه. ودعواهم الولاية إلى التوسل ~~إلى الجنة لا يلزم منها الاختصاص بالنعم بدليل أن الدنيا ليست خالصة ~~للأولياء المحقق لهم الولاية بل البر والفاجر مشتركون فيها. {والله} أي: ~~الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلما {عليم} بالغ العلم محيط بهم هكذا كان ~~الأصل ولكنه تعالى قال: {بالظالمين} تعميما وتعليقا بالوصف لا بالذات، ~~فالمعنى أنه عالم بأصحاب هذا الوصف الراسخين فيه منهم ومن غيرهم، فهو ~~مجازيهم على ظلمهم. # {قل} أي: لهؤلاء يا أشرف الرسل {إن الموت الذي تفرون منه} بالكف عن ~~التمني {فإنه ملاقيكم} أي: لا تفوتونه لاحق بكم. # تنبيه: في هذه الفاء وجهان: أحدهما: إنها داخلة لما تضمنه الاسم من معنى ms3665 ~~الشرط، وحكم الموصوف بالموصول حكم الموصول في ذلك. قال الزجاج: لا يقال: إن ~~زيدا فمنطلق، وههنا قال: {فإنه ملاقيكم} لما في معنى الذي من الشرط أو ~~الجزاء، أي: إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه ~~لا ينفع الفرار منه. الثاني: إنها مزيدة محضة لا للتضمن المذكور. # ولما كان الحبس في البرزخ أمرا لا بد منه مهولا نبه عليه وعلى طوله بأداة ~~التراخي فقال تعالى: {ثم تردون إلى عالم الغيب} أي: السر {والشهادة} أي: ~~العلانية، أو كل ما غاب عن الخلق، وكل ما شوهد {فينبئكم} أي: يخبركم إخبارا ~~عظيما مستقصى مستوفى {بما كنتم} أي: بما هو لكم كالجبلة {تعملون} أي: بكل ~~جزء منه بما برز إلى الخارج، وبما كان في جبلاتكم ولو بقيتم لفعلتموه ~~ليجازيكم. # {يا أيها الذين أمنوا} أي: أقروا بألسنتهم بالإيمان {إذا نودي} أي: من أي ~~مناد كان من أهل النداء {للصلاة} أي: صلاة الجمعة {من} أي: في {يوم الجمعة} ~~كقوله تعالى: {أروني ماذا خلقوا من الأرض} (فاطر: 40) # أي: في الأرض، والمراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر ~~للخطبة، لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواه، كان ~~إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن بلال، وعن السائب بن ~~يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس ~~زاد النداء الثاني على الدور، زاد في رواية فثبت الأمر على ذلك. # وعن أبي داود قال: كان يؤذن بين يدي رسول الله # PageV04P284 # صلى الله عليه وسلم إذا جلس يوم الجمعة على المنبر على باب المسجد، روي ~~أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر ~~أذن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر وعلي ~~بالكوفة على ذلك حتى إذا كان عثمان، وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد ms3666 أذانا ~~آخر، فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء، فإذا سمعوا أقبلوا حتى ~~إذا جلس عثمان على المنبر أذن الأذان الثاني الذي كان على زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإذا نزل أقام الصلاة، فلم يعب ذلك عليه لقوله صلى الله ~~عليه وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» . # قال الماوردي: أما الأذان الأول فمحدث فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس ~~لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها، وكان عمر أمر أن يؤذن في ~~السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن سوقهم، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد فجعله ~~عثمان أذانين في المسجد. قال ابن العربي: وفي الحديث الصحيح: «أن الأذان ~~كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا، فلما كان زمن عثمان زاد ~~النداء الثالث على الزوراء» ، وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى ~~الإقامة، كقوله صلى الله عليه وسلم «بين كل إذانين صلاة لمن شاء» يعني: ~~الأذان والإقامة، وتوهم بعض الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة. ~~قال ابن عادل: فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم. # واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة فمنهم من قال: لأن الله تعالى جمع فيه ~~خلق آدم عليه الصلاة والسلام. روى مالك عن أبن هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه ~~الصلاة والسلام، وفيه أهبط، وفيه مات وفيه تاب الله عليه، وفيه تقوم ~~الساعة، وهو عند الله يوم المزيد» وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني ~~جبريل وفي كفه مرآة بيضاء، وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ~~ولأمتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد» ~~ومنهم من قال: لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات، ~~ومنهم من قال: لاجتماع الجماعات فيه للصلاة، وقيل: أول من سمى هذا اليوم ~~جمعة كعب بن لؤي. # قال أبو سلمة: أول من قال أما بعد: كعب ms3667 بن لؤي، وكان أول من سمى الجمعة ~~جمعة، وكان يقول له: يوم العروبة. وعن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل ~~أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموها ~~الجمعة. وقيل: إن الأنصار قالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام ~~وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله تعالى فيه ~~ونصلي، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة ~~فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين، وذكرهم فسموه يوم ~~الجمعة لاجتماعهم فيه، ثم أنزل الله تعالى آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في ~~الإسلام. # وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب أنه كان إذا سمع النداء ~~يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن ~~زرارة، قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبت من حرة بني بياضة في بقيع ~~يقال له: بقيع الخضمان، قلت له: كم كنتم يومئذ، قال: أربعين» أخرجه أبو ~~داوود. # وأما أول جمعة جمعها النبي # PageV04P285 # صلى الله عيه وسلم بأصحابه، فقال أهل السير: لما قدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة ~~خلت من شهر ربيع الأول، حين اشتد الضحى ومن تلك السنة يعد التاريخ، فأقام ~~بها إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة، فأدركته ~~صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك ~~الموضع مسجدا، فجمع بهم وخطب وهي أول خطبة خطبها بالمدينة. # وقال فيها: «الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره، وأستهديه وأؤمن به ولا ~~أكفره، وأعادي من يكفر به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة، والحكمة ~~على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ~~ودنو من الساعة وقرب من ms3668 الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ~~ورسوله فقد غوى وفرط، وضل ضلالا بعيدا أوصيكم بتقوى الله فإن خير ما أوصى ~~به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما ~~حذركم الله من نفسه فإن تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربه عنوان ~~صدق على ما تبغون من الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر ~~والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكون له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما ~~بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان مما سوى ذلك {يود لو أن ~~بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد} (آل عمران: ~~30) # وهو الذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك، فإنه يقول: {ما يبدل القول ~~لدي وما أنا بظلام للعبيد} (ق: 29) # فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فإنه من يتق الله ~~يكفر عن سيئاته ويعظم له أجرا {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} ~~(الأحزاب: 71) # وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيض ~~الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله فقد ~~علمكم في كتابه، وأوضح لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين وأحسنوا ~~كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده {هو اجتباكم} ~~و {سماكم المسلمين} (الحج: 78) # ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~فأكثروا ذكر الله تعالى واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين ~~الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون ~~عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم» . # قال بعضهم: قد أبطل الله تعالى قول اليهود في ثلاث افتخروا بأنهم أولياء ~~الله وأحباؤه، فكذبهم في قوله: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} ms3669 وبأنهم أهل ~~الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم الله بالحمار يحمل أسفارا وبالسبت وإنه ~~ليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم يوم الجمعة. # تنبيه: سمى الله تعالى الجمعة ذكرا له، قال أبو حنيفة: إن اقتصر الخطيب ~~على مقدار يسمى ذكر الله كقوله: الحمد لله سبحان الله جاز، وعن عثمان أنه ~~صعد المنبر فقال: الحمد لله؛ فارتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان ~~لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى أمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم ~~الخطب، ثم نزل وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر # PageV04P286 # عليه أحد. # وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة، ولها أركان وشروط مذكورة ~~في الفقه. # فإن قيل: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة، وفيها ذكر غير الله؟ # أجيب: بأن ما كان من ذكر رسوله والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين، ~~وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، وأما ما عدا ذلك ~~من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحق بعكس ذلك فمن ~~ذكر الشيطان. # وهو من ذكر الله على مراحل فإن المنصت للخطبة إذا قال لصاحبه: صه فقد ~~لغا، أفلا يكون الخطيب المغالي في ذلك لاغيا نعوذ بالله من غربة الإسلام، ~~ومن نكد الأيام وقد خاطب الله تعالى المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا ~~لهم وتكريما، فقال {يا أيها الذين آمنوا} ثم خصه بالنداء وإن كان قد دخل في ~~عموم قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة} ليدل على وجوبه وتأكد فرضه. ~~وقال بعض العلماء: كون الصلاة الجمعة ههنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ، ~~وقال ابن العربي: وعندي إنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله تعالى: {من ~~يوم الجمعة} وذلك يفيده لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك ~~الصلاة، وأما غيرها فهو عام في سائر الأيام، ولو لم يكن المراد به نداء ~~الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى فلا فائدة فيه. # واختلف في معنى قوله تعالى: {فاسعوا} أي: لتكونوا أولياء الله ولا ~~تتهاونوا في ذلك. فقال ms3670 الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام، ولكن سعي ~~بالقلوب والنية، وقال الجمهور: السعي: العمل لقوله تعالى: {ومن أراد الآخرة ~~وسعى لها سعيها وهو مؤمن} (الإسراء: 19) # كقوله تعالى: {إن سعيكم لشتى} (الليل: 4) # وقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم: 39) # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا ~~تأتوها وأنتم تسعون، ولكن أئتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا ~~وما فاتكم فأتموا» واختلفوا أيضا: في معنى قوله تعالى: {إلى ذكر الله} أي: ~~الملك الأعظم، فقال سعيد بن المسيب: هو موعظة الإمام، وقال غيره: الخطبة ~~والصلاة المذكرة بالملك الأعظم الذي من انقطع عن خدمته هلك. # ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة قال تعالى ناهيا عن تجارة الدنيا ~~التي تعوق عن الجمعة {وذروا البيع} أي: اتركوا البيع والشراء؛ لأن اسم ~~البيع يتناولهما جميعا، وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني. وقال ~~الزهري: عند خروج الإمام، وقال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء. ~~وإنما خص البيع من بين الأمور الشاغلة عن ذكر الله تعالى، لأن يوم الجمعة ~~يوم تهبط الناس فيه من بواديهم وقراهم، وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت ~~هبوطهم واجتماعهم، واختصاص الأسواق إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى، ودنا ~~وقت الظهيرة وحينئذ تنجز التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك ~~الوقت مظنة للذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد قيل: بادروا تجارة ~~الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله {ذلكم} أي: الأمر ~~العالي الرتبة من فعل السعي، وترك الاشتغال بالدنيا {خير لكم} لأن الأمر ~~الذي أمركم به الذي له الأمر كله، وهو يريد تطهيركم في أديانكم وأبدانكم ~~وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم. # فإن قيل: إذا كان البيع في هذا الوقت محرما فهل هو فاسد؟. # أجيب: بأن عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع، قالوا: # PageV04P287 # لأن البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة ~~في الأرض المغصوبة، والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس أنه ms3671 ~~فاسد. وزاد في الحث على ذلك بقوله تعالى: {إن كنتم} أي: بما هو لكم كالجبلة ~~{تعلمون} أي: يتجدد لكم علم في يوم من الأيام فأنتم ترون ذلك خيرا، فإذا ~~علمتموه خيرا أقبلتم عليه فكان ذلك خيرا لكم وصلاة الجمعة فرض عين تجب على ~~كل من جمع الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والإقامة، إذا لم ~~يكن له عذرا مما ذكره الفقهاء، ومن تركها استحق الوعيد. قال صلى الله عليه ~~وسلم: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله تعالى على قلوبهم، ~~ثم ليكونن من الغافلين» وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك الجمعة ~~ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله تعالى على قلبه» قال ابن عادل: ونقل عن بعض ~~الشافعية أن الجمعة فرض على الكفاية، أما من به عذر يعذر به في ترك الجماعة ~~مما يتصور هنا فلا تجب عليه، وتجب على أعمى وجد قائدا وشيخ هرم وزمن وجدا ~~مركبا لا يشق ركوبه عليهما. # واختلف أهل العلم في موضوع إقامة الجمعة، وفي العدد الذي تنعقد به ~~الجمعة، وفي المسافة التي يجب أن يؤتى منها، فذهب قوم إلى أن كل قرية اجتمع ~~فيها أربعون رجلا بالصفة المتقدمة تجب عليهم إقامة الجمعة فيها، وهو قول ~~عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق ~~قالوا: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا على هذه الصفة، وشرط عمر بن ~~عبد العزيز مع الأربعين أن يكون فيهم وال. # وعند أبي حنيفة تنعقد بأربعة، والوالي شرط، ولا تقام عنده إلا في مصر ~~جامع. وقال الأوزاعي وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة إن كان فيهم وال. وقال الحسن، ~~وأبو ثور: تنعقد باثنين كسائر الصلوات، وقال شعبة: تنعقد باثني عشر رجلا ~~ولا تجب الجمعة على أهل البوادي إلا إذا سمعوا النداء من موضع تقام فيه ~~الجمعة، فيلزمهم الحضور، وإن لم يسمعوا فلا جمعة عليهم، وبه قال الشافعي ~~وأحمد وإسحاق. # والشرط أن يبلغهم نداء مؤذن جهوري الصوت في وقت تكون الأصوات هادئة، ~~والرياح ساكنة فكل قرية ms3672 تكون من موضع الجمعة في القرب على هذا القدر يجب ~~على أهلها حضور الجمعة. وقال سعيد بن المسيب: تجب الجمعة على من آواه ~~المبيت. قال الزهري: تجب على من كان على ستة أميال وقال ربيعة: على أربعة ~~أميال، وقال مالك والليث: على ثلاثة أميال، وقال أبو حنيفة: لا جمعة على ~~أهل البوادي سواء كانت القرية قريبة أم بعيدة. # دليل الشافعي ومن وافقه ما روى البخاري عن ابن عباس: «أن أول جمعة جمعت ~~بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجؤانا ~~من البحرين» ، ولأبي داود نحوه، وفيه بجؤانا قرية من قرى البحرين» . # تنبيه: فضل يوم الجمعة مشهور وأحاديثه كثيرة مشهورة تقدم بعضها، ومنها: ~~أن الله يعتق في كل جمعة ستمائة عتيق من النار» ، وعن كعب: إن الله تعالى ~~فضل من البلدان مكة، ومن الشهور رمضان، ومن الأيام الجمعة. وقال صلى الله ~~عليه وسلم «من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر» وفي ~~الحديث «إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد بأيديهم صحف ~~من فضة، وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم» قال # PageV04P288 # الزمخشري: وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة ~~بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج، وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك ~~البكور إلى الجمعة. وعن ابن مسعود: أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه فاغتم ~~وأخذ يعاتب نفسه ويقول: أراك رابع أربعة، وما رابع أربعة بسعيد. وعن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ~~أي: مثل غسلها ثم راح في الساعة الأولى كان كمن قرب بدنة، ومن راح في ~~الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب ~~كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة ~~الخامسة كأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر» وروى ~~النسائي «في الخامسة كالذي يهدي عصفورا، وفي السادسة بيضة، ms3673 فمن جاء في أول ~~ساعة منها، ومن جاء في آخرها مشتركان في تحصيل البدنة مثلا، لكن بدنة الأول ~~أكمل من بدنة الآخر، وبدنة المتوسط متوسطة» وهذا في حق غير الإمام أما هو ~~فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، ~~ويسن إكثار الدعاء يومها وليلتها، أما يومها فلرجاء أن يصادف ساعة الإجابة، ~~وهي ساعة خفية وإرجاها من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة كما في خبر مسلم. قال ~~النووي: وأما خبر: «يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة فيه ساعة لا يوجد مسلم يسأل ~~الله شيئا إلا أعطاه إياه، فالتمسوها آخر # ساعة بعد العصر فيحتمل أن هذه الساعة منتقلة تكون يوما في وقت، ويوما في ~~آخر كما هو المختار في ليلة القدر. # وأما ليلتها فبالقياس على يومها، وقد قال الشافعي: بلغني أن الدعاء ~~يستجاب في ليلة الجمعة، ويسن إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~يومها وليلتها لخبر: «أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة فمن ~~صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» وإكثار قراءة سورة الكهف يومها ~~وليلتها لخبر: «من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه ~~وبين البيت العتيق» وخبر: «من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين ~~الجمعتين» وفي هذا القدر كفاية. # ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها بين لهم ~~وقت المعاش بقوله تعالى: # {فإذا قضيت الصلاة} أي: وقع الفراغ منها على أي وجه كان {فانتشروا} أي: ~~فدبوا وتفرقوا مجتهدين {في الأرض} أي: جميعها للتجارة والتصرف في حوائجكم ~~إن شئتم لا جناح عليكم ولا حرج رخصة من الله تعالى لكم {وابتغوا} أي: ~~اطلبوا الرزق {من فضل الله} أي: الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره، وهذا أمر ~~إباحة كقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} (المائدة: 2) # قال ابن عباس: إن شئت فاخرج، وإن شئت فاقعد، وإن شئت فصل إلى العصر. ~~وقيل: فانتشروا في الأرض ليس لطلب دنيا، ولكن لعيادة مريض ms3674 وحضور جنازة، ~~وزيارة أخ في الله تعالى. وقال الحسن، وسعيد بن جبير ومكحول {وابتغوا من ~~فضل الله} هو طلب العلم {واذكروا الله} أي: الذي له الأمر كله {كثيرا} أي: ~~بحيث لا تغفلون عنه بقلوبكم أصلا ولا بألسنتكم حتى عند الدخول إلى الخلاء ~~وعند أول الجماع، واستثني من الثاني وقت التلبس بالقذر كوقت قضاء الحاجة ~~والجماع {لعلكم تفلحون} أي: تفوزون بالجنة والنظر إلى وجهه الكريم وعن جابر ~~بن عبد الله «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة # PageV04P289 # فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا» ~~وفي رواية «أنا فيهم» فأنزل الله تعالى: {وإذا رأوا تجارة} أي: حمولا هي ~~موضع للتجارة {أو لهوا} أي: ما يلهي عن كل نافع {انفضوا} أي: نفروا متفرقين ~~من العجلة {إليها} أي: التجارة لأنها مطلوبهم دون اللهو، وأيضا العطف بأو ~~فإفراد الضمير أولى. وقال الزمخشري: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها ~~أو لهوا انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. وذكر الكلبي وغيره: ~~أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عن مجاعة وغلاء سعر، وكان ~~معه جميع ما تحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت ~~وضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، فخرج الناس إلا اثنى عشر رجلا، وقيل: أحد ~~عشر رجلالا وقال ابن عباس في رواية الكلبي: لم يبق في المسجد إلا ثمانية ~~رهط. وقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن ~~خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، ~~فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه، فلما لم يبق مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية، فقال صلى ~~الله عليه وسلم «والذي نفس محمد بيده لو # تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارا» . # وقال مقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان: بينما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms3675 يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة وكان ~~إذا قدم المدينة لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم بكل ما يحتاج ~~إليه من دقيق وغيره، فينزل عند أحجار الزيت، وكانت في سوق المدينة ثم يضرب ~~بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فخرج إليه الناس ليتبايعوا منه، فقدم ذات جمعة ~~وكان ذلك قبل أن يسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب ~~فخرج إليه الناس، ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم «لولا هؤلاء لرميت عليهم الحجارة من السماء» وأنزل الله ~~تعالى هذه الآية والمراد باللهو الطبل. # وقيل: كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوا بالطبل والتصفيق. وقال ~~علقمة: سئل عبد الله أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو ~~قاعدا فقال: أما تقرأ {وتركوك قائما} وعن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس» وذكر ~~أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة، وقد ~~كانوا خليقا لفضلهم أن لا يفعلوا، فقال: حدثنا محمد بن خالد، قال: حدثنا ~~الوليد، قال: أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حبان قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، حتى ~~كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل يقال ~~له: دحية بن خليفة قدم بتجارة، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفوف فخرج ~~الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة الخطبة وأخر الصلاة، وكان ~~لا يخرج أحد لرعاف أو حدث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~يشير إليه بيده، فكان في المنافقين من تثقل عليه الخطبة ms3676 والجلوس في المسجد، ~~فكان # PageV04P290 # إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستترا به حتى يخرج ~~فأنزل الله تعالى: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} (النور: 63) # الآية» . قال السهيلي: وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل ~~بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا وقال قتادة: وبلغنا ~~أنهم فعلوه ثلاث مرات كل مرة عير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة. # وقيل: إن خروجهم لقدوم دحية بتجارته ونظرهم إلى العير، وهي تمر لهو لا ~~فائدة فيه إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على ذلك الوجه، ولكنه لما ~~اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته غلظ ~~وكبر، ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل. وقوله تعالى: ~~{وتركوك} أي: تخطب حتى بقيت في اثني عشر رجلا، قال جابر: أنا أحدهم {قائما} ~~جملة حالية من فاعل انفضوا، وقد مقدرة عند بعضهم. # تنبيه: في قوله تعالى: {قائما} تنبيه على مشروعيته في الخطبتين، وهو من ~~الشروط للقادر على القيام، وأما أركانهما فخمسة: حمد الله تعالى، وصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم بلفظهما، ووصية بتقوى الله، وهذه الثلاثة في كل ~~من الخطبتين، وقراءة آية مفهمة ولو في إحداهما والأولى أولى، ودعاء ~~للمؤمنين والمؤمنات في ثانية، ومن الشروط كونهما عربيتين، وكونهما في ~~الوقت، وولاء، وطهر، وستر كالصلاة {قل} يا أشرف الخلق للمؤمنين {ما عند ~~الله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال {خير} ما موصولة مبتدأ وخير خبرها {من ~~اللهو ومن التجارة} والمعنى: ما عند الله تعالى من ثواب صلاتكم خير من لذة ~~لهوكم، وفائدة تجارتكم. وقيل: ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما ~~اقتسمتموه من لهوكم وتجارتكم {والله} أي: ذو الجلال والإكرام وحده {خير ~~الرازقين} أي: خير من رزق وأعطى فاطلبوا منه، واستعينوا بطاعته على نيل ما ~~عنده من خيري الدنيا والآخرة. وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من ms3677 قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من ~~أتى الجمعة ومن لم يأتها في أمصار المسلمين» حديث موضوع. ### | سورة المنافقين # مدنية وهي إحدى عشرة آية، ومائة وثمانون كلمةوسبعمائة وستة وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي له الإحاطة العظمى علما وقدرة {الرحمن} الذي ستر بعموم ~~رحمته من أراد من عباده {الرحيم} الذي وفق أهل وده لما يحبه ويرضاه. # {إذا جاءك} يا أيها الرسول المبشر بك في التوراة والإنجيل، وقرأ حمزة ~~وابن ذكوان بالإمالة والباقون بالفتح، وإذا وقف حمزة سهل الهمزة مع المد ~~والقصر، وله أيضا إبدالها ألفا مع المد والقصر {المنافقون} أي: الغريقون في ~~وصف النفاق، وهم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه {قالوا} مؤكدين لأجل ~~استشعارهم بتكذيب من يسمعهم لما عندهم من الارتياب {نشهد} قال الحسن: هو ~~بمنزلة اليمين كأنهم قالوا نقسم {إنك لرسول الله} أي: الملك الذي له ~~الإحاطة الكاملة فوافقوا الحق بظاهر # PageV04P291 # أحوالهم، وخالفوا بقلوبهم وأفعالهم. وقوله تعالى: {والله يعلم} أي: وعلمه ~~هو العلم في الحقيقة، وأكد سبحانه بحسب إنكار المنافقين فقال تعالى: {إنك ~~لرسوله} سواء أشهد المنافقون بذلك أم لا فالشهادة حق ممن يطابق لسانه قلبه ~~جملة معترضة بين قولهم: {نشهد إنك لرسول الله} وبين قوله تعالى: {والله ~~يشهد} لفائدة. # قال الزمخشري: لو قال قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد انهم ~~لكاذبون، لكان يوهم أن قولهم هذا كذب فوسط بينهما قوله تعالى: {والله يعلم ~~إنك لرسوله} ليميط هذا الإيهام {والله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال ~~{يشهد} شهادة هي الشهادة لأنها محيطة بدقائق الظاهر والباطن {إن المنافقين} ~~أي: الراسخين في وصف النفاق {لكاذبون} أي: في إخبارهم عن أنفسهم إنهم ~~يشهدون، لأن قلوبهم لا تطابق ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك، ومن شرط قول الحق ~~أن يتصل ظاهره بباطنه وسره بعلانيته، ومتى تخالف ذلك فهو كذب ألا ترى أنهم ~~كانوا يقولون بألسنتهم نشهد إنك لرسول الله وسماه الله تعالى كذبا لأن ~~قولهم خالف اعتقادهم. # {اتخذوا أيمانهم} أي: كلها من شهادتهم وكل يمين سواها {جنة} أي: سترة عن ms3678 ~~أموالهم ودمائهم، روى البخاري عن زيد بن أرقم قال: كنت مع عمي فسمعت عبد ~~الله بن أبي ابن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، ~~وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي ~~فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكذبني، فأصابني هم لم يصبني مثله فجلست في بيتي، فأنزل ~~الله عز وجل {إذا جاءك المنافقون} إلى قوله تعالى: {هم الذين يقولون لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله} وقوله {ليخرجن الأعز منها الأذل} فأرسل إلي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «إن الله قد صدقك» وروى الترمذي عن ~~زيد بن أرقم قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس ~~من الأعراب فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقوننا فيسبق الأعرابي أصحابه ~~فيملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: ~~فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع ~~حجرا ففاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد ~~الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه فغضب عبد الله بن أبي، ~~ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، يعني: الأعراب ~~وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام، فقال عبد الله: ~~إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمدا بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال ~~لأصحابه: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا ~~ردف عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد، قال: فصدقه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني # قال: فجاء عمي إلي فقال: ما أردت إلا أن ms3679 مقتك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكذبك المنافقون، قال: فوقع علي من جراءتهم ما لم يقع على أحد، قال: ~~فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قد خفقت # PageV04P292 # رأسي من الهم؛ إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني، وضحك في ~~وجهي فكان ما يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ~~ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: ما قال لي شيئا إلا أنه عرك ~~أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشر ثم لحقني عمر فقلت له: مثل قولي لأبي بكر، ~~فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين» قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وروي «أنه صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء ~~لهم وهزمهم وقتل منهم، ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه، ~~وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبي، واقتتلا فصرخ جهجه: يا للمهاجرين، ~~وسنان يا للأنصار فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين، ولطم سنانا، فقال ~~عبد الله لجعال: وأنت هناك وقال: ما صحبنا محمدا إلا لتلطم وجوهنا، والله ~~ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا ~~إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، عنى بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم ~~وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم ~~يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من ~~حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث، فقال: أنت والله الذليل القليل ~~المبغض في قومك، ومحمد في عز من الرحمن وقوة من المسلمين، فقال عبد الله: ~~اسكت فإنما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: ~~دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب، ~~قال: فإن كرهت ms3680 أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريا، قال: فكيف إذا تحدث الناس ~~أن محمدا يقتل أصحابه؟ وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله: أنت صاحب الكلام ~~الذي بلغني، قال: والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن ~~زيدا لكاذب فهو قوله تعالى: {اتخذوا إيمانهم جنة} فقال الحاضرون: يا رسول ~~الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام عسى أن يكون قد وهم» . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لعلك غضبت عليه، قال: لا، قال: فلعله ~~أخطأ سمعك، قال: لا، قال: فلعله شبه عليك، قال: لا، فلما نزلت لحق صلى الله ~~عليه وسلم زيدا من خلفه فعرك أذنه، وقال: وعت أذنك يا غلام إن الله قد صدقك ~~وكذب المنافقين» . # تنبيه:: سئل حذيفة بن اليمان عن المنافق فقال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل ~~به. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا ~~حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» وروى عبد الله بن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه ~~خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، ~~وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» وروي عن الحسن أنه ذكر هذا الحديث فقال: إن ~~بني يعقوب حدثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، إنما هذا القول ~~من النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن ~~يعتادوا هذه الخصال شفقة أن تفضي بهم إلى النفاق، وليس المعنى أن من ندرت ~~منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أنه منافق وقال عليه الصلاة والسلام: ~~«المؤمن إذا حدث صدق، وإذا وعد نجز، وإذا ائتمن وفى» # PageV04P293 # والمعنى المؤمن الكامل {فصدوا} أي: فسبب لهم اتخاذهم هذا أن أعرضوا ~~بأنفسهم مع سوء البواطن وحرارة ما في الصدور، وحملوا غيرهم على الإعراض {عن ~~سبيل الله} أي: عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل ~~رضوانه، ووصلوا ms3681 إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجراءتهم على الأيمان الخائنة {إنهم ~~ساء ما كانوا} أي: جبلة وطبعا {يعملون} أي: يجددون عمله مستمرين عليه بما ~~هو كالجبلة من جراءتهم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وخلص عباده ~~بالأيمان الخائنة. # ولما كانت المعاصي تعمي القلوب فكيف بأعظمها علله بقوله تعالى: # {ذلك} أي: سوء عملهم {بأنهم آمنوا ثم كفروا} . # فإن قيل: إن المنافقين لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى ~~قوله تعالى: {آمنوا ثم كفروا} ؟ أجيب: بثلاثة أوجه: # أحدها: آمنوا، أي: نطقوا بكلمة الشهادة، وفعلوا كما يفعل من يدخل في ~~الإسلام، ثم كفروا أي: ثم ظهر كفرهم بعد ذلك، وتبين بما اطلع عليه من قولهم ~~إن كان ما يقول محمد حقا، فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل ~~أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات، ونحوه قوله: {يحلفون بالله ما قالوا ~~ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} (التوبة: 74) # أي: وظهر كفرهم بعد أن أسلموا، ونحوه {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ~~(التوبة: 66) # والثاني: آمنوا أي: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند ~~شياطينهم استهزاء بالإسلام بقوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا} إلى قوله ~~{إنما نحن مستهزؤن} (البقرة: 14) # وهذا إعلام من الله تعالى بأن المنافقين كفار. # الثالث: أن يراد أن ذلك في قوم آمنوا ثم ارتدوا {فطبع} أي: فحصل الطبع ~~وهو الختم مع أنه معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره سبحانه {على قلوبهم} أي: ~~لأجل اجترائهم على ما هو أكبر الكبائر على وجه النفاق {فهم} أي: فتسبب عن ~~ذلك أنهم {لا يفقهون} أي: لا يقع لهم فقه في شيء من الأشياء، فهم لا يميزون ~~صوابا من خطأ، ولا حقا من باطل. # {وإذا رأيتهم} أي: أيها الرسول على ما لك من الفطنة ونفوذ الفراسة، أو ~~أيها الرائي كائنا من كان بعين البصر {تعجبك أجسامهم} لضخامتها وصباحتها، ~~فإن عنايتهم كلها بصلاح ظواهرهم وترفيه أنفسهم، فهم أشباح وقوالب ليس ~~وراءها ألباب وحقائق. # قال ابن عباس: كان ابن أبي جسيما صحيحا فصيحا ms3682 ذلق اللسان، وقوم من ~~المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويستندون فيه، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم {وإن يقولوا} أي: يوجد ~~منهم قول في وقت من الأوقات {تسمع لقولهم} أي: لفصاحته فيلذذ السمع ويروق ~~الفكر {كأنهم} أي: في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم، وفي عدم الانتفاع بهم في ~~شيء {خشب} جمع كثرة لخشبة، وهو دليل على كثرتهم {مسندة} أي: قطعت من ~~مغارسها ممالة إلى الجدار. وقرأ أبو عمرو والكسائي بسكون الشين، والباقون ~~بضمها {يحسبون} أي: لضعف عقولهم وكثرة ارتيابهم لكثرة ما يباشرون من سوء ~~أعمالهم {كل صيحة} أي: من نداء مناد في إنشاد ضالة، أو انفلات دابة، أو نحو ~~ذلك واقعة {عليهم} وضارة لهم لجبنهم وهلعهم لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل ~~فيهم ما يبيح دماءهم. ومنه أخذ الأخطل: # PageV04P294 # *مازلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا* # ومنه قول الآخر: # *كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل* # *يخال إليه أن كل ثنية ... تيممها ترمي إليه بقاتل* # {هم العدو} أي: الكامل العداوة بما دل عليه الأخبار بالمفرد الذي يقع على ~~الجمع، إشارة إلى إنهم في شدة عداوتهم للإسلام وأهله، وكمال قصدهم وشدة ~~سعيهم فيه على قلب رجل واحد، وإن أظهروا التودد في الكلام، والتقرب به إلى ~~أهل الإسلام فإن ألسنتهم معكم إذا لقوكم، وقلوبهم عليكم مع أعدائكم فهم ~~عيون لهم عليكم {فاحذرهم} لأن أعدى عدوك من يعاشرك وتحت ضلوعه الداء لكنه ~~يكون بلطف الله دائم الخذلان منكوسا في أكثر تقلباته بيد القهر والحرمان ~~لسر قوله تعالى: {قاتلهم الله} أي: أحلهم الملك المحيط قدرة وعلما محل من ~~يقاتله عدو قاهر له أشد مقاتلة على عادة الفعل الذي يكون بين اثنين. # وقال ابن عباس: أي لعنهم الله، وقال أبو مالك: هي كلمة ذم وتوبيخ، وقد ~~تقول العرب: قاتله الله ما أشعره فيضعونه موضع التعجب {أنى} أي: كيف، ومن ~~أي جهة ms3683 {يؤفكون} أي: يصرفهم عن قبح ما هم عليه صارف ما كائن ما كان ليرجعوا ~~عما هم عليه، وقال ابن عباس: أنى يؤفكون، أي: يكذبون، وقال مقاتل: أي: ~~يعدلون عن الحق، وقال الحسن: يصرفون عن الرشد، وقيل: معناه كيف تضل عقولهم ~~عن هذا مع وضوح الدلائل، وهو من الإفك. # {وإذا قيل لهم} أي: من أي قائل كان {تعالوا} أي: ارفعوا أنفسكم مجتهدين ~~في ذلك بالمجيء إلى أشرف الخلق الذي لا يزال مكانه عاليا لعلو مكانته ~~{يستغفر لكم} أي: يطلب الغفران لأجلكم خاصة من أجل هذا الكذب أي: الذي أنتم ~~مصرون عليه {رسول الله} أي: أقرب الخلق إلى الملك الأعظم الذي لا شبيه ~~لوجوده {لووا رؤوسهم} أي: فعلوا اللي بغاية الشدة والكثرة، وهو الصرف إلى ~~جهة أخرى إعراضا وعتوا، وإظهارا للبغض والنفرة {ورأيتهم} أي: بعين البصيرة ~~{يصدون} أي: يعرضون إعراضا قبيحا عما دعوا إليه، مجددين لذلك كلما دعوا ~~إليه، والجملة في وضع المفعول الثاني لرأيت {وهم مستكبرون} أي: ثابتوا ~~الكبر عما دعوا إليه، وعن إحلال أنفسهم في محل الاعتذار فهم لشدة غلظهم لا ~~يدركون قبح ما هم عليه، ولا يهتدون إلى دوائه، وإذا أرشدهم غيرهم ونبههم لا ~~ينتبهون. # فقد روي أنه لما نزل القرآن فيهم أتاهم عشائرهم من المؤمنين، وقالوا: ~~ويحكم افتضحتم وأهلكتم أنفسكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوبوا ~~إليه من النفاق، واسألوه أن يستغفر لكم فلووا رؤوسهم، أي: حركوها إعراضا ~~وإباء قاله ابن عباس. # وعنه: أنه كان لعبد الله بن أبي موقف في كل سبت يحض على طاعة الله وطاعة ~~رسوله، فقيل له: وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليك غضبان، ~~فأته يستغفر لك فأبى، وقال: لا أذهب إليه. وروي أن ابن أبي رأسهم لوى رأسه، ~~وقال لهم: أشرتم علي بالإيمان فآمنت، وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت، ~~ولم يبق إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد فنزل {وإذا قيل لهم تعالوا} الآية. ~~ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى # PageV04P295 # ومات. # ولما كان صلى الله عليه ms3684 وسلم يحب صلاحهم فهو يحب أن يستغفر لهم، وربما ~~ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم، قال تعالى منبها على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار ~~لأنهم لا يؤمنون: # {سواء عليهم أستغفرت لهم} استغنى بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل {أم لم ~~تستغفر} الله {لهم} أي: سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه، ~~ولا يعتدون به لكفرهم {لن يغفر الله} أي: الملك الأعظم {لهم} لرسوخهم في ~~الكفر {إن الله} أي: الذي له كمال الصفات {لا يهدي القوم} أي: الناس الذين ~~لهم قوة في أنفسهم على ما يريدونه {الفاسقين} أي: لأنهم لا عذر لهم في ~~الإصرار على الفسق، وهو المروق من حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرة بعد مرة، ~~والتمرن عليه حتى استحكم فهم راسخون في النفاق، والخروج عن مظنة الإصلاح. # {هم} أي خاصة بخالص بواطنهم {الذين يقولون} أي: أوجدوا هذا القول ~~للأنصار، ولا يزالون يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود ~~التقدير {لا تنفقوا} أي: أيها المخلصون في النصرة {على من} أي: الذين {عند ~~رسول الله} أي: الملك المحيط بكل شيء، وهم فقراء المهاجرين {حتى ينفضوا} ~~أي: يتفرقوا فيذهب كل أحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك. # قال البقاعي: وما درى الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك أتاح الله تعالى غيرهم ~~للإنفاق، أو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا في الشيء اليسير فصار ~~كثيرا، أو كان بحيث لا ينفد، أو أعطى كلا يسيرا من طعام على كيفية لا ينفد ~~معها كتمر أبي هريرة، وشعير عائشة، وعكة أم أيمن وغير ذلك كما روى غير مرة، ~~ولكن {من يضلل الله فما له من هاد} (الزمر: 23) # ولذلك عبر في الرد عليهم بقوله تعالى: {ولله} أي: قالوا ذلك واستمروا على ~~تجديد قوله، والحال أن الملك الذي لا أمر لغيره {خزائن السموات} أي: كلها ~~{والأرض} كذلك من الأشياء المعدومة الداخلة تحت مقدوره، {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس: 82) # ومن الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها، حتى مما في ms3685 أيديهم لا ~~يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يده غيره. # ونبه على سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما ~~قال بعضهم: إن كان محمد صادقا فنحن شر من البهائم بقوله تعالى: {ولكن ~~المنافقين} أي: العريقين في وصف النفاق {لا يفقهون} أي: يتجدد لهم فهم أصلا ~~كالبهائم بل هم أضل، لأن البهائم إذا رأت شيئا ينفعها يوما في مكان طلبته ~~مرة أخرى، وهؤلاء رأوا غير مرة ما أخرج الله تعالى من خوارق البركات على يد ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم ذلك، ودل على عدم نفعهم بقوله تعالى: # {يقولون} أي: يوجدون هذا القول ويجددونه مؤكدين لاستشعارهم بأن أكثر ~~قومهم ينكره {لئن رجعنا} أي: أيتها العصابة المنافقة {إلى المدينة} أي: من ~~غزاتنا هذه، وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل خرج إليهم حتى لقيهم على ماء ~~من مياههم يقال له: المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل {ليخرجن الأعز} ~~يعنون أنفسهم {منها} أي: المدينة {الأذل} يعنون النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، وهم كاذبون في هذا لكونهم تصوروا لشدة غباوتهم أن العزة لهم، ~~وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين {وله} أي: والحال أن كل من له نوع بصيرة ~~يعلم أن الملك الأعلى هو الذي له وحده # PageV04P296 # {العزة} أي: الغلبة كلها {ولرسوله} لأن عزته من عزته {وللمؤمنين} فعزة ~~الله قهره من دونه، وكل من عداه دونه وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان ~~كلها، وعزة المؤمنين نصر الله تعالى إياهم على أعدائهم {ولكن المنافقين} ~~أي: الذين استحكم فيهم مرض القلوب {لا يعلمون} أي: لا يوجد لهم علم الآن، ~~ولا يتجدد في حين من الأحيان فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف. # روي أنه لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول ~~الذي نزلت هذه الآيات بسببه كما مر إلى أبيه، وذلك في غزوة المريسيع لبني ~~المصطلق فأخذ بزمام ناقته، وقال: أنت والله الذليل ورسول الله صلى الله ~~عليه ms3686 وسلم العزيز. ولما أراد أن يدخل المدينة عبد الله بن أبي اعترضه ابنه ~~حباب، وهو عبد الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه، وقال «إن حبابا ~~اسم شيطان» وكان مخلصا، وقال: وراءك والله لا تدخلها حتى تقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيسا في يده حتى أمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بتخليته. وروي أنه قال: لئن لم تقر لله ولرسوله ~~بالعزة لأضربن عنقك، فقال: ويحك أفاعل أنت؟ قال: نعم، فلما رأى منه الجد، ~~قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لابنه «جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا» . # فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى ختم الآية الأولى بقوله تعالى: {لا ~~يفقهون} وختم الثانية بقوله تعالى: {لا يعلمون} ؟. # أجيب: بأنه ليعلم بالأولى قلة كياستهم وفهمهم، وبالثانية حماقتهم وجهلهم. ~~ويفقهون من فقه يفقه كعلم يعلم، أو من فقه يفقه كعظم يعظم، فالأول لحصول ~~الفقه بالتكلف، والثاني لا بالتكلف، فالأول علاجي، والثاني مزاجي. # ثم نهى الله تعالى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين فقال تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان، وقلوبهم مذعنة كظواهرهم {لا ~~تلهكم} أي: لا تشغلكم {أموالكم ولا أولادكم} سواء كان ذلك في إصلاحها، أو ~~التمتع بها بحيث تغفلون {عن ذكر الله} أي: الملك الأعظم حذر المؤمنين أخلاق ~~المنافقين، أي: لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون؛ إذ قالوا لأجل الشح ~~بأموالهم {لا تنفقوا على من عند رسول الله} وقوله تعالى: {عن ذكر الله} قال ~~الضحاك: أي: عن الصلوات الخمس، نظيره: قوله تعالى: {لا تلهيهم تجارة ولا ~~بيع عن ذكر الله} (النور: 37) # وقال الحسن: عن جميع الفرائض، كأنه قال: عن طاعة الله تعالى. وقيل: عن ~~الحج والزكاة. وقيل عن قراءة القرآن، وقيل: عن إدامة الذكر، وقيل: هذا خطاب ~~للمنافقين، أي: آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب. # ولما كان التقدير فمن انتهى فهو من الفائزين عطف عليه قوله تعالى: {ومن ~~يفعل} أي: يوقع في زمن من الأزمان على ms3687 سبيل التجديد والاستمرار فعل {ذلك} ~~أي: الأمر البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني ~~والإعراض عن الباقي {فأولئك} البعداء عن الخير {هم الخاسرون} أي: العريقون ~~في الخسارة في تجارتهم، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني، حتى كأنهم ~~مختصون بها دون الناس، وذلك بضد ما أرادوا. # {وأنفقوا} أي: ما أمرتم به من واجب أو مندوب كما قاله بعض المفسرين، وقال ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يريد زكاة الأموال، وهو ظاهر الأمر. # ثم إن الله تعالى زاد في الترغيب بالرضا منهم باليسير بقوله تعالى: {مما ~~رزقناكم} أي: بعظمتنا. قال الزمخشري: من في {مما رزقناكم} للتبعيض، والمراد ~~الإنفاق # PageV04P297 # الواجب ا. ه. ثم قال تعالى محذرا من الاغترار بالتسويف في أوقات السلامة: ~~{من قبل أن يأتي أحدكم الموت} أي: يرى دلائله وأماراته وكل لحظة مرت فهي ~~دلائله وأماراته. قال القرطبي: وهذا دليل على وجوب تعجيل إخراج الزكاة، ولا ~~يجوز تأخيرها أصلا، أي: بلا عذر، وكذا سائر العبادات إذا دخل وقتها. وقال ~~الرازي: وبالجملة فقوله تعالى: {لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} ~~تنبيه على المحافظة على الذكر قبل الموت، وقوله تعالى: {وأنفقوا مما ~~رزقناكم} تنبيه على الشكر كذلك. # ولما كانت الشدة تقتضي الإقبال إلى الله تعالى سبب عن ذلك قوله تعالى: ~~{فيقول} أي: سائلا في الرجعة، وأشار إلى ترقيقها للقلوب بقوله: {رب لولا} ~~أي: هلا ولم لا {أخرتني} أي: أخرت موتي إمهالا {إلى أجل} أي: زمان، وقوله ~~{قريب} بين به أن مراده استدراك ما فات ليس إلا، وقيل: لا زائدة ولو للتمني ~~أي: لو أخرتني إلى أجل قريب {فأصدق} أي: للتزود في سفري هذا الطويل الذي ~~أنا مستقبله. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت، فلا ~~تقبل توبة ولا ينفع عمل. وعنه: ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكي، وإذا ~~أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها. ~~وعنه: أنها نزلت في مانعي الزكاة، ووالله ms3688 لو رأى خيرا ما سأل الرجعة، فقيل ~~له: أما تتقي الله يسأل المؤمنون الكرة، قال: نعم أنا أقرأ عليكم قرآنا ~~يعني: أنها نزلت في المؤمنين، وهم المخاطبون بها. وكذا عن الحسن: ما من أحد ~~لم يزك، ولم يصم، ولم يحج إلا سأل الرجعة. وقال الضحاك: لا ينزل بأحد لم ~~يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا وسأل الرجعة، وعن عكرمة: نزلت في أهل القبلة. # وقيل: نزلت في المنافقين، ولهذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ~~هذه الآية تدل على أن القوم لم يكونوا من أهل التوحيد، لأنه لا يتمنى ~~الرجوع إلى الدنيا والتأخير فيها أحد له عند الله تعالى خير في الآخرة، أي: ~~إذا لم يكن بالصفة المتقدمة. قال القرطبي: إلا الشهيد فإنه يتمنى الرجوع ~~حتى يقتل لما يرى من الكرامة. وقرأ {وأكون من الصالحين} أي: العريقين في ~~هذا الوصف بالتدارك أبو عمرو بواو بعد الكاف ونصب النون عطفا على فأصدق، ~~والباقون بحذف الواو لالتقاء الساكنين وجزم النون. # واختلفت عبارات الناس في ذلك، فقال الزمخشري: عطفا على محل فأصدق، كأنه ~~قيل: إن أخرتني أصدق وأكن. وقال ابن عطية: عطفا على الموضع لأن التقدير: إن ~~أخرتني أصدق وأكن، هذا مذهب أبي علي الفارسي. وقال القرطبي: عطفا على موضع ~~الفاء لأن قوله: {فأصدق} لو لم تكن الفاء لكان مجزوما، أي: أصدق. # ثم زاد تعالى في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله تعالى ~~مؤكدا لأجل عظم الرجاء من هذا المحتضر بالتأخير عاطفا على ما، تقديره: فلا ~~يؤخره الله فيفوته ما أراد: # {ولن يؤخر الله} أي: الملك الأعظم الذي لا كفء له فلا اعتراض عليه {نفسا} ~~أي نفس كانت، وحقق الأجل بقوله تعالى: {إذا جاء أجلها} أي: وقت موتها الذي ~~حده الله تعالى لها فلا يؤخر الله تعالى نفس هذا القائل، لأنها من جملة ~~النفوس التي شملها النفي. # وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وقرأ ~~ورش وقنبل بتسهيل الثانية بعد تحقيق الأولى، ولهما أيضا إبدالها ألفا، ms3689 ~~والباقون بتحقيقهما {والله} أي: الذي له الإحاطة الشاملة علما وقدرة {خبير} ~~أي: # PageV04P298 # بالغ الخبرة والعلم ظاهرا وباطنا {بما تعملون} أي: توقعون عمله في الماضي ~~والحال والمآل كله باطنه وظاهره. # وقرأ شعبة بالياء التحتية على الغيبة على الخبر عمن مات، وقال هذه ~~المقالة، والباقون بالفوقية على الخطاب. وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري ~~من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة المنافقين بريء من النفاق» ~~حديث موضوع. ### | سورة التغابن # مدنية # في قول الأكثرين، وقال الضحاك: مكية، وقال الكلبي: مدنية ومكية. وعن ابن ~~عباس رضى الله عنهما أن سورة التغابن نزلت بمكة إلا آيات من آخرها نزلت ~~بالمدنية في عوف بن مالك الأشجعي، شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جفاء أهله وولده، فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم} إلى آخرها، وهي ثماني عشرة آية، ومائتان وإحدى وأربعون ~~كلمة، وألف وسبعون حرفا. # {بسم الله} مالك الملك فلا كفء له ولا مثيل {الرحمن} أي: الذي وسع ~~الخلائق بره الجليل {الرحيم} الذي خص من عمه فوفقهم للجميل. # {يسبح} أي: يوقع التنزيه التام مع التجديد والاستمرار {لله} أي: الذي له ~~الإحاطة بأوصاف الكمال {ما في السموات} أي: كلها {وما في الأرض} كذلك، ~~وقيل: اللام زائدة، أي: ينزه الله تعالى، قال الجلال المحلي: وأتى بما دون ~~من تغليبا للأكثر {له} أي: وحده {الملك} أي: كله مطلقا في الدنيا والآخرة ~~{وله} أي: وحده {الحمد} أي: الإحاطة بأوصاف الكمال كلها، فلذلك نزهه جميع ~~مخلوقاته وقدم الظرفين ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله ~~تعالى، وذلك بأن الملك على الحقيقة له، لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه، والقائم ~~به والمهيمن عليه، وكذا الحمد لأن أصول النعم وفروعها منه وأما ملك غيره ~~فتسليط منه واسترعاء وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده {وهو على كل ~~شيء قدير} # {هو} أي: وحده {الذي خلقكم} أي: أنشأكم على ما أنتم عليه {فمنكم} أي: ~~فتسبب عن خلقه لكم وتقديره {كافر} أي: عريق في ms3690 صفة الكفر {ومنكم مؤمن} أي: ~~راسخ في الإيمان في حكم الله تعالى في الأزل، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~إن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا، ويعيدهم في القيامة مؤمنا وكافرا. # وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عشية فذكر شيئا مما يكون فقال: تولد الناس على طبقات شتى، يولد الرجل ~~مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت مؤمنا، ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ويموت ~~كافرا، ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ويموت مؤمنا» ، أي: وسكت عن القسم ~~الآخر، وهو أن يولد الرجل مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت كافرا اكتفاء بالمقابل، ~~وقال ابن مسعود رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم «خلق الله ~~تعالى فرعون في بطن أمه كافرا، وخلق يحيى بن زكريا عليهما السلام في بطن ~~أمه مؤمنا وفي الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «وإن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل # PageV04P299 # الجنة فيدخلها» وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو ~~من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل ~~الجنة» قال القرطبي: قال علماؤنا: والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم ~~فيجري ما علم وأراد وحكم، فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال، وقد يريده ~~إلى وقت معلوم، وكذلك الكفر. # وقيل: في الكلام محذوف، تقديره: فمنكم مؤمن ومنكم كافر ومنكم فاسق فحذف ~~لما في الكلام من الدلالة عليه، قاله الحسن. وقال غيره: لا حذف لأن المقصود ~~ذكر الطرفين، وقيل: إنه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا، والتقدير: هو الذي ~~خلقكم، ثم وصفهم فقال: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} كقوله تعالى: {والله ms3691 خلق كل ~~دابة من ماء} (النور: 45) # ثم قال تعالى: {فمنهم من يمشي على بطنه} (النور: 45) # الآية. قالوا: فإنه خلقهم والمشي فعلهم، وهذا اختيار الحسين بن الفضل، ~~قال: لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله تعالى: {فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن} واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» قال البغوي: وروينا عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن ~~الغلام الذي قتله الخضر طبع على الكفر» وقال تعالى: {ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا} (نوح: 27) # وروى أنس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وكل الله ~~بالرحم ملكا، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله ~~أن يقضي خلقها، قال: يا رب ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، فما الرزق، فما ~~الأجل، فيكتب ذلك في بطن أمه» وقال الضحاك: فمنكم كافر في السر مؤمن في ~~العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في العلانية والسر، كعمار وزيد. وقال عطاء ~~بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر ~~بالكواكب، يعني: في شأن الأنواء كما جاء في الحديث. قال القرطبي: وقال ~~الزجاج: وهو أحسن الأقوال. # والذي عليه الأئمة أن الله خلق الكافر وكفره فعل له، وكسب واختيار، وخلق ~~المؤمن وإيمانه فعل له، وكسب واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته، ~~فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأن الله تعالى أراد ذلك منه ~~وقدره عليه وعلمه منه، والكافر بعد خلق الله إياه يختار الكفر لأن الله ~~تعالى قدره عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل منهما غير الذي قدره ~~عليه وعلمه منه، لأن وجود خلاف المقدور عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل فلا ~~يليقان بالله تعالى. قال البغوي: وهذا طريق أهل السنة، من سلكه أصاب الحق ~~وسلم من الجبر والقدر. # قال الرازي: فإن قيل: إنه تعالى حكيم وقد سبق في علمه أنه تعالى ms3692 إذا ~~خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر فأي حكمة دعت إلى خلقهم؟. # فالجواب: إذا علمنا أنه تعالى حكيم علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة ~~فيكون خلقه تعالى هذه الطائفة على وفق الحكمة، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك ~~أن لا يكون كذلك، بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة {والله} أي: الذي ~~له الإحاطة الكاملة {بما تعملون} أي: توقعون عمله كسبا {بصير} أي: بالغ ~~العلم بذلك، فهو الذي خلق جميع أعمالكم التي نسب كسبها إليكم، وهو خالق ~~جميع الاستعدادات والصفات كما خلق الذوات خلافا للقدرية، لأنه لا يتصور أن ~~يخلق # PageV04P300 # الخالق ما لا يعلمه، ولو سئل الإنسان كم مشى في يومه من خطوة لم يدر فكيف ~~لو سئل أين موضع مشيه، ومتى زمانه فكيف، وإنه ليمشي أكثر مشيه وهو غافل ~~عنه، ومن جهل أفعاله كما وكيفا وأينا وغير ذلك لم يكن خالقا لها بوجه. # ولما ذكر المظروف ذكر ظرفه دالا على تمام إحاطته بالبواطن والظواهر. # وقوله تعالى: {خلق السموات} أي: على علوها وكبرها {والأرض} على سعتها ~~{بالحق} أي: بالأمر الذي يطابقه الواقع لما أراد {وصوركم} أي: آدم عليه ~~السلام خلقه بيده كرامة له. قال مقاتل: وقيل: جميع الخلائق على صور لا ~~توافق شيئا من صور العلويات، ولا السفليات، ولا فيها صور توافق الأخرى من ~~كل وجه {فأحسن صوركم} فجعلها أحسن الحيوانات كلها كما هو مشاهد، وبدليل أن ~~الإنسان لا يتمنى أن يكون على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أن ~~خلقه منتصبا غير منكب كما قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} ~~(التين: 4) # كما يأتى إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: قد يوجد في أفراد هذا النوع من كل مشوه الخلقة سمج الصورة. # أجيب: بأنه لا سماجة لأن الحسن في المعاني، وهو على طبقات ومراتب، ~~فانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقه لا يمنع حسنه، فهو داخل في حيز الحسن ~~غير خارج عن حده، فقبح القبيح منه إنما هو بالنسبة إلى أحسن منه. ولذا قال ms3693 ~~الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان، فقدرة الله سبحانه وتعالى لا ~~تتناهى. # قال البقاعي: فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الغزالي إنه ليس في الإمكان ~~أبدع مما كان، فإن ذلك ينحل إلى أنه سبحانه لا يقدر أن يخلق أحسن من هذا ~~العالم، وهذا لا يقوله أحد، ا. ه. وهو لا ينقص مقدار الغزالي فإن كل أحد ~~يؤخذ من كلامه ويرد عليه كما قال الإمام مالك، وعزاه الغزالي نفسه إلى ابن ~~عباس رضي الله عنهما، وقال الشافعي: صنفت هذه الكتب وما ألوت فيها جهدا ~~وإني لا علم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول: {ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء: 82) # ولما كان التقدير فكان منه سبحانه المبدأ عطف عليه قوله تعالى: {وإليه} ~~وحده {المصير} أي: المرجع بعد البعث فيجازى كلا بعمله. # {يعلم} أي: علمه حاصل في الماضي والحال والمآل {ما} أي: كل شئ {في ~~السماوات} أي: كلها {والأرض} كذلك {ويعلم} أي: على سبيل الاستمرار {ما ~~تسرون} أي: تخفون {وما تعلنون} أي: تظهرون من الكلمات والجزئيات {والله} ~~أي: الذي له الإحاطة التامة {عليم} أي: بالغ العلم {بذات} أي: صاحبة ~~{الصدور} من الأسرار والخواطر التي لم تبرز في الخارج سواء كان صاحب الصدر ~~قد علمها أم لا، وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت فيه بين علم الخفي ~~وعلم الجلي نبه بعمله ما في السماوات والأرض، ثم يعلم ما يسره العباد ~~ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور إن شيئا من الجزئيات والكليات غير خاف ~~عليه، ولا عازب عنه، ولا يجترىء على شيء مما يخالف رضاه، وتكرير العلم في ~~معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} كما ترى ~~في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته. # {ألم يأتكم} أيها الناس ولا سيما الكفار {نبأ} أي: خبر {الذين كفروا من ~~قبل} كقوم نوح وهود وصالح {فذاقوا} أي: باشروا مباشرة الذائق {وبال أمرهم} ~~أي: ضرر كفرهم في الدنيا، وأصله الثقل، ms3694 ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة، ~~والوابل: المطر الثقيل القطر {ولهم عذاب أليم} # PageV04P301 # أي: مؤلم في البرزخ ثم يوم القيامة التي هي موضع الفصل الأعظم. # {ذلك} أي: الأمر العظيم من الوبال الدال قطعا على أن الكفر أبطل الباطل ~~وأنه مما يغضب الخالق {بأنه} أي: بسبب أن الشان العظيم البالغ في الفظاعة ~~{كانت تأتيهم} على عادة مستمرة {رسلهم} أي: رسل الله الذين أرسلهم إليهم ~~{بالبينات} أي: الحجج الظاهرات على الإيمان {فقالوا} أي: الكل لرسلهم ~~منكرين غاية الإنكار تكبرا، وقولهم: {أبشر يهدوننا} يجوز أن يرتفع بشر على ~~الفاعلية ويكون من الاشتغال، وهو الأرجح لأن الأداة تطلب الفعل، ويجوز أن ~~يكون مبتدأ وخبر، وجمع الضمير في يهدوننا؛ إذ البشر اسم جنس، وقد يأتي ~~الواحد بمعنى الجمع فيكون اسما للجنس، وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد كقوله ~~تعالى: {ما هذا بشرا} (يوسف: 31) # فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم {فكفروا} أي: بهذا القول؛ إذ قالوه ~~استصغارا ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده {وتولوا} عن الإيمان. # فإن قيل: قوله تعالى: {فكفروا} تعميم يفهم منه التولي فما الحاجة إلى ~~ذكره؟ أجيب: بأنهم كفروا وقالوا: {أبشر يهدوننا} وهذا في معنى الإنكار ~~والإعراض بالكلية، وهذا هو التولي فكأنهم كفروا وقالوا قولا يدل على ~~التولي، فلهذا قال: {فكفروا وتولوا} ، وقيل: كفروا بالرسل وتولوا بالبرهان، ~~وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. # ونبه بقوله تعالى: {واستغنى الله} أي: الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه ~~على أن هذا إنما هو لمصالح الخلق فهو غني عن كل شيء. # فإن قيل: قوله تعالى: {وتولوا واستغنى الله} يوهم وجود التولي والاستغناء ~~معا، والله تعالى لم يزل غنيا؟ أجيب: بأن معناه وظهر استغناء الله حيث لم ~~يلجئهم إلى الإيمان، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك {والله} أي: ~~المستجمع الصفات الكمال {غني} عن خلقه {حميد} أي: محمود في أفعاله. # {زعم الذين كفروا} أي: أوقعوا الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية الله ~~تعالى، ولو على أدنى الوجوب. وزعم قال ابن عربي: كنية الكذب، وقال ~~الزمخشري: الزعم ms3695 ادعاء العلم، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «زعموا مطية ~~الكذب» وعن شريح: لكل شيء كنية، وكنية الكذب زعموا. وفي حديث ابن مسعود رضي ~~الله عنه عند أبي داود: «بئس مطية الرجال زعموا» {أن لن يبعثوا} أي: من أي ~~باعث ما بوجه من الوجوه {قل} أي: يا أشرف الرسل لهؤلاء البعداء {بلى} أي: ~~لتبعثن ثم أكد بصريح القسم فقال: {وربي} أي: المحسن إلي بالانتقام ممن كذب ~~بي {لتبعثن} أي: بأهون شيء وأيسر أمر {ثم لتنبؤن} أي: تخبرن إخبارا عظيما ~~ممن يقيمه الله تعالى لإخباركم {بما عملتم} أي: بأعمالكم لتجزون عليها ~~{وذلك} أي: الأمر العظيم عندكم من البعث والحساب {على الله} أي: المحيط ~~بصفات الكمال وحده {يسير} إذ الإعادة أسهل من الابتداء. # فإن قيل: كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث، وهم قد أنكروا الرسالة؟. # أجيب: بأنهم أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقادا جازما ~~فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون الإخبار عنده صدقا أظهر ~~من الشمس في اعتقاده، ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسما بعد قسم. # ثم إن الله تعالى لما أخبر عن البعث، والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان ~~قال تعالى: # {فآمنوا بالله} أي: الملك الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء {ورسوله} أي: ~~كل من أرسله ولا سيما محمدا صلى الله عليه وسلم {والنور} أي: القرآن {الذي ~~أنزلنا} # PageV04P302 # أي: بما لنا من العظمة؛ لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلالة كما يهتدى ~~بالنور في الظلمات. # فإن قيل: هلا قيل: ونوره، بالإضافة كما قال: ورسوله؟ أجيب بأن الألف ~~واللام في النور بمعنى الإضافة فكأنه قال: ورسوله ونوره {والله} أي: المحيط ~~علما وقدرة {بما تعملون خبير} أي: بالغ العلم بما تسرون وما تعلنون فراقبوه ~~في السر والعلانية. # وقوله تعالى: {يوم يجمعكم} منصوب بقوله تعالى: {لتنبئون} عند النحاس و ~~{بخبير} عند الحوفي لما فيه من معنى الوعيد كأنه قال: والله يعاقبكم يوم ~~يجمعكم، وباذكر مضمرا عند الزمخشري فيكون مفعولا به، أو بما دل عليه ~~الكلام، أي: تتفاوتون ms3696 يوم يجمعكم؛ قاله أبو البقاء {ليوم الجمع} أي: لأجل ~~ما يقع في ذلك اليوم، وهو يوم القيامة الذي يجمع الله تعالى فيه الأولين ~~والآخرين من الإنس والجن وجميع أهل السماء والأرض. # وقيل: يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله، وقيل: يجمع فيه بين الظالم ~~والمظلوم، وقيل: يجمع فيه بين كل نبي وأمته، وقيل: يجمع فيه ثواب أهل ~~الطاعة وعقاب أهل المعاصي، بل هو جامع لجميع ما ذكر {ذلك} أي: اليوم العظيم ~~{يوم التغابن} والتغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن ~~بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا ~~سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء، ~~وفيه تهكم بالأشقياء؛ لأن نزولهم ليس بغبن. ولهذا قيل: التفاعل هنا من واحد ~~لا من اثنين، وفي الحديث «ما من عبد أدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو ~~أساء ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ~~ليزداد حسرة» وهو معنى {ذلك يوم التغابن} وقد يتغابن الناس في غير ذلك ~~اليوم استعظاما له وإن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور ~~الدنيا وإن جلت وعظمت. # وذكر في بعض التفاسير أن التغابن هو أن يكتسب الرجل مالا من غير وجهه ~~ليرثه غيره فيعمل فيه بطاعة الله فيدخل الأول النار والثاني الجنة بذلك ~~المال، فذلك هو الغبن البين، والمغابن ما انثنى من البدن نحو الإبطين ~~والفخذين، والمغبون من غبن في أهله ومنازله في الجنة، ويظهر يومئذ غبن كل ~~كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وبصنيعه في الآثام. # قال الزجاج: ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة بالنسبة إلى من هو أعلى ~~منزلة منه. فإن قيل: فأي معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها؟ أجيب: ~~بأنه تمثيل للغبن في الشراء والبيع كقوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم} (البقرة: 16) # فلما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل ~~خسروا، ذكر أيضا ms3697 أنهم غبنوا وذلك أن أهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا، ~~واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة، وهذا نوع مبادلة اتساعا ومجازا. # وقد فرق الله تعالى الخلق فريقين فريقا للجنة وفريقا للنار، وقال الحسن ~~وقتادة: بلغنا أن التغابن على ثلاثة أصناف: رجل علم علما فضيعه ولم يعمل به ~~فشقي به، ورجل علم علما وعمل به فنجا به، ورجل اكتسب مالا من وجوه يسأل ~~عنها وشح عليه وفرط في طاعة ربه بسببه ولم يعمل فيه خيرا، وتركه لوارث لا ~~حساب عليه، فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه، ورجل كان له عبد فعمل ذلك العبد ~~بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد بمعصية ربه فشقي. وروى القرطبي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى يقيم الرجل والمرأة يوم القيامة # PageV04P303 # بين يديه فيقول الله تعالى لهما قولا: ما أنتما قائلان؟ فيقول الرجل: يا ~~رب أوجبت نفقتها علي فنفقتها من حرام ومن حلال، وهؤلاء الخصوم يطلبون ذلك، ~~ولم يبق لي ما أوفي، فتقول المرأة: يا رب وما عسى أن يقول اكتسبه حراما ~~وأكلته حلالا، وعصاك في مرضاتي ولم أرض له بذلك فبعدا له وسحقا، فيقول الله ~~تعالى: قد صدقت فيؤمر به إلى النار ويؤمر بها إلى الجنة، فتطلع عليه من ~~طبقات الجنة فتقول له: غبناك غبناك سعدنا بما شقيت أنت به، فذلك يوم ~~التغابن» . # وقال بعض علماء الصوفية: إن الله تعالى كتب الغبن على الخلق أجمعين فلا ~~يلقى أحد ربه إلا مغبونا، لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له ~~استيفاء الثواب قال صلى الله عليه وسلم «لا يلقى الله أحد إلا نادما إن كان ~~مسيئا إن لم يحسن، وإن كان محسنا إن لم يزدد» . # تنبيه:: استدل بعض العلماء بقوله تعالى: {ذلك يوم التغابن} أنه لا يجوز ~~الغبن في المعاملات الدنيوية لأن الله تعالى خص التغابن بيوم القيامة فقال ~~تعالى: {ذلك يوم التغابن} وهذا الاختصاص يفيد أن لاغبن في الدنيا، فكل من ~~اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث، ms3698 واختاره البغداديون ~~واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم لحسان بن سعد: «إذا بايعت فقل لا ~~خلابة ولك الخيار ثلاثا» ولأن الغبن في الدنيا ممنوع منه بالإجماع في حكم ~~الدين إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في كل ملة لكن اليسير منه لا يمكن ~~الاحتراز عنه، فمضى في البيوع إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا لأنه لا ~~يخلو منه، فإذا كان كثيرا أمكن الاحتراز عنه فوجب الرد به. # والفرق بين القليل والكثير في الشريعة غير معلوم فقدر بالثلث، وهذا الحد ~~اعتبره الشارع في الوصية وغيرها، ويكون معنى الآية على هذا يوم التغابن ~~الجائز مطلقا من غير تفصيل، وذلك يوم التغابن الذي لا يستدرك أبدا {ومن ~~يؤمن} أي: يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار {بالله} أي: الملك ~~الأعظم الذي لا كفء له {ويعمل} تصديقا لإيمانه {صالحا} أي: عملا هو مما ~~ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب المصالح ودفع المضار {يكفر ~~عنه سيئاته} التي غلبه عليها نقصان الطبع واتبع ذلك الحامل الآخر، وهو ~~التوجيه بجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف ~~والرجاء، والرهبة والرغبة، والنذارة والبشارة {ويدخله} أي: رحمة له وإكراما ~~وفضلا {جنات} أي: بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها ورياض ~~مديدة متنوعة الأزاهير عطرة النشر بهيج ريها، وأشار إلى دوام ريها بقوله ~~تعالى: {تجري من تحتها} أي: من تحت قصورها وأشجارها {الأنهار} وقرأ نكفر ~~عنه وندخله، نافع وابن عامر بالنون فيهما، أي: نحن بما لنا من العظمة، ~~والباقون بالياء التحتية، أي: الله الواحد القهار {خالدين} أي: مقدرين ~~الخلود {فيها} وأكده بقوله: {أبدا} فلا خروج لهم منها {ذلك} أي: الأمر ~~العالي جدا من الغفران والإكرام {الفوز العظيم} لأنه جامع لجميع المصالح ~~ودفع المضار وجلب المسار، ومن جملة ذلك النظر إلى وجه الله الكريم. # ولما ذكر تعالى الفائز بلزومه التقوى ترغيبا اتبعه بضده ترهيبا فقال عز ~~من قائل: {والذين كفروا} أي: غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظلام ~~{وكذبوا} أي: أوقعوا جميع ms3699 التغطية وجميع التكذيب {بآياتنا} أي: بسببها مع ~~مالها من العظمة بإضافتها إلينا وهي القرآن # PageV04P304 # فلم يعملوا به {أولئك} أي: البعداء البغضاء {أصحاب النار خالدين} أي: ~~مقدرين الخلود {فيها وبئس المصير} هي، قال الرازي: فإن قيل: قال تعالى في ~~حق المؤمنين {ومن يؤمن بالله} بلفظ المستقبل، وفي الكفار قال: {والذين ~~كفروا} بلفظ الماضي. # فالجواب: أن تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~يدخله جنات، ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار. # فإن قيل: قال تعالى: {يؤمن} بلفظ الوحدان و {خالدين فيها} بلفظ الجمع. ~~أجيب: بأن ذلك بحسب اللفظ، وهذا بحسب المعنى. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: {وبئس المصير} بعد قوله تعالى: ~~{خالدين فيها} وذلك بئس المصير؟ أجيب: بأن ذلك وإن كان في معناه فهو تصريح ~~بما يؤكده كما في قوله: {أبدا} . # {ما أصاب} أحدا {من مصيبة} أي مصيبة كانت دينية أو دنيوية في نفس أو مال ~~أو قول أو فعل تقتضي هما، أو توجب عقابا آجلا أو عاجلا {إلا بإذن الله} أي: ~~بتقدير الملك الأعظم. وقال الفراء: يريد إلا بأمر الله. وقيل: إلا بعلم ~~الله، وقيل: سبب نزول هذه الآية أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون ~~حقا لصانهم الله تعالى عن المصائب في الدنيا، فبين الله تعالى أن ما أصاب ~~من مصيبة إلا بقضائه وقدره. # فإن قيل: بم يتصل قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} ؟ أجيب: ~~بأنه يتعلق بقوله تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله} . # {ومن يؤمن بالله} يصدق بأنه لا تصيبه مصيبة إلا بقضاء الله الملك الأعظم ~~وتقديره وإذنه {يهد قلبه} قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو أن يجعل في قلبه ~~اليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أي: ~~فيسلم لقضاء الله وقدره. وقال الكلبي: هو إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه ~~شكر، وإذا ظلم غفر. # وقيل: يهد قلبه إلى نيل الثواب في الجنة، وقيل: يثبته على الإيمان. وقال ~~أبو عثمان الحيري: من صح ms3700 إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة. وقيل: يهد ~~قلبه عند المصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قاله ابن جبير. {والله} ~~أي: الملك الذي لا نظير له {بكل شيء} مطلقا من غير استثناء {عليم} فلا يخفى ~~عليه تسليم من انقاد لأمره، فإذا تحقق من هدى قلبه ذلك زاح عنه كل اعتقاد ~~باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة. # {وأطيعوا الله} أي: الملك الأعلى الذي له الأمر كله {وأطيعوا الرسول} أي: ~~هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله تعالى، واعملوا بكتابه ~~وأطيعوا الرسول في العمل بسنته {فإن توليتم} أي: عن الطاعة {فإنما على ~~رسولنا} أضافه إليه على وجه الكمال تعظيما له وتهديدا لمن يتولى عنه ~~{البلاغ المبين} أي: الظاهر في نفسه المظهر لكل أحد أنه أوضح له غاية ~~الإيضاح، ولم يدع لبسا، وليس إليه خلق الهداية في القلوب. # {الله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال {لا إله إلا هو} فهو القادر على خلق ~~الهداية في القلوب والإقبال بها لا يقدر على ذلك غيره {وعلى الله} أي: الذي ~~له الأمر لا على غيره {فليتوكل المؤمنون} أي: لأن إيمانهم بأن الكل منه ~~يقتضي ذلك. وقال الزمخشري: هذا بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~التوكل عليه، والتقوى به في أمره حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم} أي: ~~وإن أظهرن غاية المودة {وأولادكم} أي: وإن أظهروا غاية الشفقة {عدوا لكم} ~~فقال ابن عباس: نزلت بالمدينة في عوف بن مالك # PageV04P305 # الأشجعي شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده فنزلت ذكره ~~النحاس، وحكاه الطبري عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التغابن كلها بمكة ~~إلا هؤلاء الآيات {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم} ~~فإنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو ~~بكوه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا فيرق فيقيم، فنزلت هذه الآية إلى آخر ~~السورة بالمدينة. # وروى ms3701 الترمذي عن ابن عباس وسئل عن هذه الآية قال: هؤلاء رجال أسلموا من ~~أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم ~~أن يدعوهم يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم رأوا الناس قد تفقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية، حديث حسن صحيح. # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~الشيطان قعد لابن آدم في طرق الإيمان فقال له: أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك ~~فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له: أتهاجر وتترك أهلك ومالك ~~فخالفه فهاجر، ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له: أتجاهد فتقتل نفسك فتنكح ~~نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل، فحق على الله أن يدخله الجنة» . # وقعود الشيطان يكون بوجهين: أحدهما: يكون بالوسوسة، والثاني: أن يحمل على ~~ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب قال تعالى: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا ~~لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} (فصلت: 25) # وفي حكمة عيسى عليه الصلاة والسلام: من اتخذ أهلا ومالا وولدا كان في ~~الدنيا عبدا. وقال عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، ~~تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة» ولا دناءة أعظم من دناءة الدينار ~~والدرهم، ولا أخس من همة ترتفع بثوب جديد ويدخل في قوله تعالى: {إن من ~~أزواجكم} الذكر والأنثى، فكما أن الرجل تكون زوجته عدوا له كذلك المرأة ~~يكون زوجها عدوا لها بهذا المعنى {فاحذروهم} أي: أن تطيعوهم في التخلف عن ~~الخير، ولا تأمنوا غوائلهم {وإن تعفوا} أي: توقعوا المجاوزة عن ذنوبهم بعدم ~~العقاب عليها فإنه لا فائدة في ذلك، فإن من طبع على شيء لا يرجع عنه وإنما ~~النافع الحذر الذي أرشد إليه تعالى لئلا يكون سببا للذم المنهي عنه ~~{وتصفحوا} أي: بالإعراض عن المقابلة بالتثريب باللسان {وتغفروا} أي: بأن ~~تستروا ذنوبهم سترا تاما شاملا للعين والأثر بالتجاوز {فإن الله} أي: ~~الجامع لصفات الكمال {غفور} أي: بالغ ms3702 المحو لأعيان الذنوب وآثارها جزاء لكم ~~على غفرانكم لهم، وهو جدير بأن يصلحهم لكم بسبب غفرانكم {رحيم} فيكرمكم بعد ~~ذلك الستر بالإنعام فتخلقوا بأخلاقه تعالى يزدكم من فضله. # {إنما أموالكم} أي: عامة {وأولادكم} كذلك {فتنة} أي: اختبار من الله ~~تعالى لكم، وهو أعلم بما في نفوسكم منكم لكي ليظهر في عالم الشهادة من ~~يميله ذلك فيكون عليه نقمة ممن لا يميله فيكون عليه نعمة، فربما رام ~~الإنسان صلاح ماله وولده فبالغ فأفسد نفسه، ثم لا يصلح ذلك ماله ولا ولده. ~~روى أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري رضي الله عنه أنه قال: يؤتى ~~برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته. وعن بعض السلف: العيال سوس ~~الطاعات ويكفي في فتنة لمال قصة ثعلبة بن حاطب أحد من نزل فيه قوله تعالى: ~~{ومنهم من عاهد الله} (التوبة: 75) # وعن ابن # PageV04P306 # مسعود: لا يقولن أحدكم اللهم اعصمني من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم يرجع ~~إلى مال ولا ولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل اللهم أعوذ بك من مضلات ~~الفتن. وقال الحسن في قوله تعالى: {إن من أزواجكم وأولادكم} أدخل من ~~للتبعيض لأنهم كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر في قوله تعالى: {إنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة} لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما. # روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «رأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وعليهما ~~قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل صلى الله عليه وسلم فحملهما ووضعهما ~~بين يديه، ثم قال: صدق الله عز وجل {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} نظرت إلى ~~هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» ثم أخذ في ~~خطبته. / # تنبيه:: قدم الأموال على الأولاد لأن فتنة المال أكثر، وترك ذكر الأزواج ~~في الفتنة قال البقاعي: لأن منهن من يكون صلاحا وعونا على الآخرة {والله} ~~أي: ذو الجلال {عنده} وناهيك بما يكون منه بسبيل جلاله وعظمته {أجر} ثم ~~وصفه بقوله تعالى: {عظيم} أي: ms3703 لمن ائتمر بأوامره التي أمره بها. # وقوله تعالى: {فاتقوا الله} أي: الملك الأعلى {مااستطعتم} أي: جهدكم ~~ووسعكم ناسخ لقوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} (آل عمران: 102) # قاله قتادة والربيع بن أنس السدي، وذكر الطبري عن ابن زيد في قوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} قال جاء أمر شديد قال: ومن يعرف ~~قدر هذا ويبلغه، فلما علم الله تعالى أنه قد اشتد عليهم نسخه عنهم، وجاء ~~بهذه الآية الأخرى فقال {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال ابن عباس: وهي محكمة ~~لا نسخ فيها، ولكن {حق تقاته} أن يجاهدوا فيه حق جهاده، ولا تأخذهم في الله ~~لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. # فإن قيل: إذا كانت الآية غير منسوخة فكيف الجمع بين الآيتين، وما وجه ~~الأمر باتقائه حق تقاته مطلقا من غير تخصيص ولا مشروطا بشرط، والأمر ~~باتقائه بشرط الاستطاعة؟ أجيب: بأن قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ~~معناه: فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعله فتنة لكم من أموالكم ~~وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض ~~الكفر إلى أرض الإسلام فتتركوا الهجرة وأنتم مستطيعون، وذلك أن الله تعالى ~~قد عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها بقوله تعالى: {إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى قوله تعالى: {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} ~~(النساء: 99) # فأخبر تعالى أنه قد عفا عمن لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا بالإقامة في ~~دار الشرك، فكذلك معنى قوله تعالى: {ما استطعتم} في الهجرة من دار الشرك ~~إلى دار الإسلام أن تتركوها فتنة أموالكم وأولادكم، ويدل على صحة هذا أن ~~قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} عقب قوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} ولا خلاف بين علماء ~~التأويل في أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار ~~الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك كما تقدم، وهذا اختيار ~~الطبري. # وقال ابن ms3704 جبير: قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} أي: فيما يتطوع به ~~من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل # PageV04P307 # قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت ~~وقرحت جباههم فأنزل الله تعالى تخفيفا فيهم {فاتقوا الله ما استطعتم} فنسخت ~~الأولى. # قال الماوردي: ويحتمل أن يثبت هذا النقل لأن المكره على المعصية غير ~~مؤاخذ بها، لأنه لا يستطيع اتقاءها {واسمعوا} أي: سماع إذعان وتسليم لما ~~توعظون به وجميع أوامره {وأطيعوا} أي: وصدقوا ذلك الإذعان بمباشرة الأفعال ~~الظاهرة في الإسلاميات من القيام بأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله في ~~كل أمر ونهي على حسب الطاقة وحذف المتعلق ليصدق الأمر بكل طاعة {وأنفقوا} ~~أي: أوقعوا الإنفاق كما حد لكم فيما وجب أو ندب إليه، والإنفاق لا يخص نوعا ~~بل يكون بكل ما رزق الله من الذاتي والخارجي. وقوله تعالى: {خيرا لأنفسكم} ~~في نصبه أوجه: أحدها: قال سيبويه إنه مفعول بفعل مقدر دل عليه {وأنفقوا} ~~تقديره: وقدموا خيرا لأنفسكم كقوله تعالى: {انتهوا خيرا لكم} (النساء: 171) # الثاني: تقديره يكن الإنفاق خيرا فهو خبر كان المضمرة، وهو قول أبي ~~عبيدة. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، وهو قول الكسائي والفراء، أي: إنفاقا ~~خيرا لأنفسكم فإن الله يعطي خيرا منه في الدنيا مع ما تزكى به النفس ويدخر ~~عليه من الجزاء في الآخرة مما لا يدري كنهه فلا يغرنكم عاجل شيء من ذلك ~~فإنما هو زخرف. # ولما ذكر ما في الإنفاق من الخير عمم في جميع الأوامر بقوله تعالى: {ومن ~~يوق شح نفسه} فيفعل في ماله جميع ما أمر به موقنا به مطمئنا إليه حتى يرتفع ~~عن قلبه الإخطار، ويتحرر عن رق المكنونات، والشح خلق باطنى هو الداء ~~العضال، والبخل فعل ظاهر ينشأ عن الشح، والنفس تارة تشح بترك الشهوة من ~~المعاصي فتفعلها، وتارة بإعطاء الأعضاء في الطاعات فتتركها وتارة بإنفاق ~~المال ومن فعل ما فرض عليه خرج من الشح. ولما كان الواقي هو الله تعالى سبب ~~عن وقايته قوله تعالى: {فأولئك} أي: العالو ms3705 الرتبة {هم المفلحون} أي: ~~الفائزون الذين حازوا جميع المرادات بما اتقوا الله فيه. # ثم رغب في الإنفاق بقوله تعالى: {إن تقرضوا الله} أي: الملك الأعلى ذا ~~الغنى المطلق الحائز لجميع صفات الكمال {قرضا حسنا} والقرض الحسن هو التصدق ~~من الحلال مع طيب النفس ومع الإخلاص والمبادرة {يضاعفه لكم} أي: لأجلكم ~~خاصة أقل ما يكون بالواحد عشرا إلى ما لا يتناهى على حسب النيات. # قال القشيري: يتوجه الخطاب بهذا على الأغنياء في بذل أموالهم، وعلى ~~الفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم من مروآتهم وإيثار مراد الحق على مراد ~~أنفسهم، فالغني يقال له آثر حكمي على مرادك في مالك وغيره، والفقير يقال ~~له: آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك. # ولما كان الإنسان لما له من النقصان وإن اجتهد لا يبلغ جميع ما أمر به ~~لأن الدين وإن كان يسيرا فهو متين لن يشاده أحد إلا غلبه قال تعالى: {ويغفر ~~لكم} أي: يوقع الغفران وهو محو ما فرط عينه وأثره {والله} أي: الذي لا تقاس ~~عظمته بشيء {شكور} أي: بليغ الشكر لمن يعطي لأجله، ولو كان قليلا فيثيبه ~~ثوابا جزيلا خارجا عن الحصر، وهو ناظر إلى المضاعفة {حليم} فلا يعجل ~~بالعقوبة على ذنب من الذنوب، وإن عظم بل يمهل طويلا ليتذكر العبد الإحسان ~~مع العصيان فيتوب، ولا يهمل ولا يغتر بحلمه فإن غضب الحليم لا يطاق، وهو # PageV04P308 # راجع إلى الغفران. # {عالم الغيب} وهو ما غاب عن الخلق كلهم فيشمل ما هو داخل القلب مما تؤثره ~~الجبلة، ولا علم لصاحب القلب به فضلا عن غيره {والشهادة} وهو كل ما ظهر ~~وكان بحيث يعلمه الخلق، وهذا الوصف داع إلى الإحسان من حيث إنه موجب للمؤمن ~~ترك ظاهر الإثم وباطنه، وكل قصور وفتور وغفلة وتهاون فيعبد الله تعالى كأنه ~~يراه {العزيز} أي: الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} أي: بالغ ~~الحكمة التي يعجز عن إدراكها الخلائق. # وقال ابن الأنباري: الحكيم: هو المحكم لخلق الأشياء، فصرف عن مفعل إلى ~~فعيل، ومنه قوله تعالى: {الم تلك آيات ms3706 الكتاب الحكيم} (لقمان: 1 2) # معناه: المحكم فصرف من مفعل إلى فعيل، وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري ~~من أنه صلى الله عليه وسلم قال «من قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة» ~~حديث موضوع. ### | سورة الطلاق # مدنية وهي إحدى عشرة آية، وقيل: اثنتا عشرة آية، وقيل: ثلاث عشرةآية ~~ومائتان وتسع وأربعون كلمة، وألف وستون حرفا # {بسم الله} الذي له جميع صفات الكمال {الرحمن} الذي عم برحمته والنوال ~~{الرحيم} الذي خص بتمام النعمة ذوي الهمم العوال # وقرأ: {يا أيها النبي} نافع بالهمزة وسهل الهمزة من إذا وأبدلها أيضا ~~واوا. خصه صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته ~~وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهارا ~~لتقدمته واعتبارا لرآسته، وإنه لسان قومه والذي يصدرون عن رأيه، ولا ~~يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكم كلهم وسادا مسد جميعهم. # وقيل: إنه على إضمار قول، أي يا أيها النبي قل لأمتك {إذا طلقتم النساء} ~~أي: أردتم طلاق هذا النوع واحدة منهن فأكثر. وقيل: إنه خطاب له ولأمته، ~~والتقدير: يا أيها النبي وأمته فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه كقوله: ~~إذا حذفته رجلها، أي: ويدها، وكقوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} (النحل: ~~81) # وقيل: إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خوطب بلفظ الجمع تعظيما له ~~كقوله: # *فإن شئت أحرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولابردا* # قال الرازي: وجه تعلق أول هذه السورة بآخر التي قبلها، هو أنه تعالى أشار ~~في آخر التي قبلها إلى كمال علمه بقوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة} وفي ~~أول هذه السورة إشارة إلى كمال علمه بمصالح النساء والأحكام المخصوصة ~~بطلاقهن، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات. # وروى ابن ماجه عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طلق حفصة ثم راجعها، وعن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} وقيل ~~له: راجعها ms3707 فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة، ذكره الماوردي، ~~والقشيري. وزاد القشيري ونزل خروجها إلى أهلها قوله تعالى: {لا تخرجوهن من ~~بيوتهن} . # وقال الكلبي: سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى الله عليه # PageV04P309 # وسلم على حفصة لما أسر إليها حديثا فأظهرته لعائشة، فطلقها تطليقة فنزلت. ~~وقال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر «طلق امرأته حائضا تطليقة واحدة فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم ~~تطهر فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يجامع فتلك العدة التي أمر الله ~~أن تطلق لها النساء» . وهو قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} أي: في الوقت الذي ~~يشرعن فيه في العدة، وقد قيل: إن رجالا فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر، ~~منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمر بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان ~~فنزلت الآية فيهم. وروى الدراقطني عن ابن عباس أنه قال: «الطلاق على أربعة ~~وجوه: وجهان حلالان، ووجهان حرامان. # فأما الحلال فأن يطلقها طاهرا عن غير جماع، وأن يطلقها حاملا مستبينا ~~حملها. # وأما الحرام فأن يطلقها حائضا، أو أن يطلقها حين يجامعها لا يدري اشتمل ~~الرحم على ولد أم لا» . # تنبيه: الطلاق ينقسم إلى سني وبدعي ولا ولا، فطلاق موطوأة ولو في دبر ~~تعتد بإقراء سني إن ابتدأتها الإقراء عقب الطلاق، ولم يطأها في طهر طلقها ~~فيه أو علق طلاقها بمضي بعضه، ولا وطئها في نحو حيض قبله، ولا في حيض طلق ~~مع آخره أو علق بآخره وذلك لاستعقابه الشروع في العدة وعدم الندم فيمن ~~ذكرت، وإلا فبدعي وإن سألته طلاقا بلا عوض وطلاق غير الموطوأة المذكورة بأن ~~لم توطأ أو كانت صغيرة أو آيسة أو حاملا منه وخلع زوجته في زمن حيض بعوض لا ~~سني ولا بدعي، والبدعي حرام للنهي عنه. # وقسم جماعة الطلاق إلى واجب كطلاق المولى، أي: واجب مخير إن لم يكن عذر، ~~ومعين إن كان عذر شرعي كالإحرام، ومندوب كطلاق غير مستقيمة الحال ms3708 كسيئة ~~الخلق، ومكروه كمستقيمة الحال، وحرام كطلاق البدعة. وأشار الإمام إلى ~~المباح بطلاق من لا يهواها، ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير تمتع بها، وروى ~~الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن من ~~أبغض الحلال إلى الله الطلاق» وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه العرش» وعن أبي موسى قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا معاذ ماخلق الله تعالى شيئا على وجه ~~الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق الله تعالى شيئا أبغض إليه من الطلاق» ~~وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أحل الله شيئا ~~أبغض إليه من الطلاق» واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق، فقالت طائفة ~~بجوازه، وهو مروي عن طاووس، وبه قال حماد الكوفي، والشافعي، وأبو ثور، ~~وأصحاب الرأي. وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز الاستثناء في الطلاق والعتق. ~~وقال قتادة: لا يجوز الاستثناء في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر: وبالقول ~~الأول أقول. # ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديدا صرح بصيغة الأمر فقال تعالى: ~~{وأحصوا} أي: اضبطوا ضبطا كأنه في إتقانه محسوس {العدة} ليعرف زمان الرجعة ~~والنفقة والسكنى، وحل النكاح لأخت المطلقة مثلا ونحو ذلك من الفوائد ~~الجليلة {واتقوا} أي: في ذلك {الله} أي: الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر ~~{ربكم} أي: لإحسانه في تربيتكم في حملكم علي الحنيفية السمحة ورفع جميع ~~الآصار عنكم {لا تخرجوهن} أي: أيها الرجال # PageV04P310 # في حال العدة {من بيتوهن} أي: المسكن التي وقع الفراق فيها، وهي مساكنهن ~~التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من ~~حيث السكنى. # وقرأ ورش وأبو عمر وحفص بضم الباء الموحدة، والباقون بكسرها {ولا يخرجن} ~~أي: من بيتوهن حتى تنقضي عدتهن ولو وافق الزوج على ذلك، وعلى الحاكم المنع ~~منه لأن في العدة حقا لله تعالى، وقد وجبت في ذلك المسكن. وقوله تعالى: ~~{إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} مستثنى ms3709 من الأول، والمعنى إلا أن تبدو على ~~الزوج فإنه كالنشوز في إسقاط حقها. # وقال ابن عباس: الفاحشة المبينة أن تبدو على أهل زوجها فيحل إخراجها لسوء ~~خلقها وقال ابن مسعود: أراد بالفاحشة المبينة أن تزني فتخرج لإقامة الحد ~~عليها، ثم ترد إلى منزلها. وقال قتادة: الفاحشة النشوز، وذلك أن يطلقها على ~~النشوز فتحول عن بيته. ويجوز أن يكون مستثنى من الثاني للمبالغة في النهي ~~والدلالة على أن خروجها فاحشة هذا كله عند عدم العذر، أما لعذر كشراء غير ~~من لها نفقة على المفارق نحو طعام كقطن وكتان نهارا، وغزلها ونحوه كحديثها ~~وتأنيسها عند جارتها ليلا وترجع وتبيت ببيتها، فإنه جائز للحاجة إلى ذلك، ~~وكخوف على نفس أو مال من نحو هدم وغرق وفسقة مجاورين لها وشدة تأذيها ~~بجيران وشدة تأذيهم بها للحاجة إلى ذلك، بخلاف الأذى اليسير إذ لا يخلو منه ~~أحد ومن الجيران الإحماء وهم أقارب الزوج، نعم إن اشتد أذاها بهم أو عكسه ~~وكانت الدار ضيقة نقلهم الزوج عنها وخرج بالجيران ما لو طلبت بيت أبويها ~~وتأذت بهما أو هما بها فلا نقل، لأن الوحشة لا تطول بينهما، ولو انتقلت ~~لبلد أو مسكن بإذن زوجها فوجبت العدة، ولو قبل وصولها إليه اعتدت فيه لأنها ~~مأمورة بالمقام فيه، فإن انتقلت لذلك بلا إذن فتعتد في الأول وإن وجبت ~~العدة بعد وصولها للثاني لعصيانها بذلك. نعم إن أذن لها بعد انتقالها أن ~~تقيم في الثاني فكما لو انتقلت بالإذن. # ولو أذن لها في الانتقال فوجبت العدة قبل خروجها اعتدت في الأول. ولو ~~سافرت بإذن زوجها فوجبت في الطريق فعودها أولى من مضيها، فإن مضت وجب عودها ~~بعد انقضاء حاجتها إن سافرت لها، أو بعد انقضاء مدة الأذن إن قدر لها مدة، ~~أو مدة إقامة المسافر إن لم تقدر لها مدة في سفر غير حاجتها. # ولو خرجت فطلقها وقال: ما أذنت في الخروج، أو قال وقد قالت: أذنت في ~~نقلتي: أذنت لا لنقله، صدق بيمينه، ولو كان المسكن ملكا له ويليق ms3710 بها تعين؛ ~~لأن تعتد فيه كما مر ويصح بيعه في عدة أشهر كالمكتري، أو كان مستعارا، أو ~~مكري وانقضت مدة الكراء انتقلت منه إن امتنع المالك، وإن كان ملكا لها ~~تخيرت بين الاستمرار فيه بإعارة أو إجارة والانتقال منه كما لو كان المسكن ~~خسيسا، ويخير هو إن كان نفيسا وسكنى المعتدة عن فرقة واجب على الزوج حيث ~~تجب نفقتها عليه لو لم تفارق، سواء أكانت الفرقة بطلاق أو فسخ أو وفاة ~~لقوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم} (الطلاق: 6) # وقيس به الفسخ بأنواعه بجامع فرقة النكاح في الحياة، ولخبر فريعة بنت ~~مالك في الوفاة: «أن زوجها قتل فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن ترجع إلى ~~أهلها، وقالت: إن زوجي لم يتركني في منزل يملكه، فأذن لها في الرجوع، قالت: ~~فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد، دعاني فقال: امكثي في بيتك # PageV04P311 # حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا» صححه الترمذي ~~وغيره. # وقرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء التحتية، والباقون بكسرها {وتلك} أي: ~~الأحكام العالية جدا لما فيها من الجلالة وبانتسابها إلى الملك الأعلى من ~~هذا الذي ذكر في هذه السورة وغيرها {حدود الله} أي: الملك الأعظم {ومن ~~يتعد} أي: يقع منه في وقت من الأوقات أنه تعمد أن يعدو {حدود الله} أي: ~~الملك الذي لا كفء له أو بعضها كأن طلق بدعيا {فقد ظلم نفسه} أي: عرضها ~~للعقاب. # وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الظاء، والباقون بالإدغام ~~{لا تدري} أي: نفس، أو أنت أيها النبي، أو المطلق {لعل الله} أي: الذي بيده ~~القلوب ومقاليد جميع الأمور {يحدث} أي: يوجد شيئا حادثا لم يكن إيجادا ~~ثابتا لا تقدر الخلق على التسبب في زواله {بعد ذلك} أي: الحادث من الإساءة ~~والبغض {أمرا} بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى ~~الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. # وقال أكثر المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، ومعنى الكلام ~~التحريض ms3711 على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، وهذا أحسن الطلاق وأحله في ~~السنة وأبعده عن الندم.. # ويدل عليه ما روي عن ابراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقون غير ذلك ~~حتى تنقضي العدة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثا في ثلاثة أطهار. ~~وقال مالك بن أنس: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة ~~كانت أو مفرقة. وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في ~~طهر واحد، فأما مفرقا في الأطهار فلا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: «ما هكذا أمر الله إنما السنة ~~أن تستقبل الطهر استقبالا وتطلقها لكل قرء تطليقة» وروي أنه قال لعمر: «مر ~~ابنك فليراجعها ثم ليدعها تحيض، ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي ~~أمر الله أن تطلق لها النساء» وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا ~~أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة، وهو مباح. ومالك يراعي في طلاق السنة ~~الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت ~~وحده. # قال الزمخشري: فإن قلت: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ قلت: نعم وهو آثم ~~لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه ~~فقال: أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم» وفي حديث ابن عمر أنه قال: يا ~~رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا فقال له: قال: «إذا عصيت وبانت منك ~~امرأتك» . # وعن عمر رضي الله عنه أنه كان لايؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ~~ضربا، وأجاز ذلك عليه. وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن من خالف ~~السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلاث لم يقع، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق ~~السنة فخالف. # فإن قيل: قوله تعالى: {إذا طلقتم النساء} عام يتناول المدخول بهن وغير ~~المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات ms3712 والصغائر والحوامل، فكيف صح تخصيصه ~~بذوات الأقراء المدخول بهن؟. # أجيب: بأنه لا عموم ثم ولا خصوص، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، ~~وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن # PageV04P312 # وفي بعضهن فجاز أن يراد بالنساء هذا وذلك، فلما قيل: {فطلقوهن لعدتهن} ~~علم أنه أطلق على بعضهن وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض. # ولما حد سبحانه مايفعل في العدة أتبعه مايفعل عند انقضائها بقوله تعالى: ~~{فإذا بلغن} أي: المطلقات {أجلهن} أي: شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة ~~{فأمسكوهن} أي: بالمراجعة وهذا يدل على أن الأولى من الطلاق مادون البائن ~~لا سيما الثلاث {بمعروف} أي: حسن عشرة لا لقصد المضارة بطلاق آخر لأجل ~~إيجاد عدة أخرى، أو غير ذلك. {أو فارقوهن} بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك ~~نفسها {بمعروف} أي: بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر حسنه الشرع، فلا ~~يقصد أذاها بتفريقها عن ولدها مثلا، أو عنه إن كانت عاشقة له لقصد الأذى ~~فقط من غير مصلحة، وكذلك ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل والقول فقد ~~تضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإفهامها اجتناب المنكرات. # تنبيه: قال بعض العلماء في قوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف} وقوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (البقرة: 229) # إن: الزوج له حق في بدن الزوجة ولها حق في بدنه وذمته فكل من له دين في ~~ذمة غيره سواء أكان مالا، أو منفعة من ثمن أو مثمن أو أجرة، أو بدل متلف، ~~أو ضمان مغصوب، أو نحو ذلك فعليه أن يؤدي ذلك الحق الواجب بإحسان، وعلى ~~صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى في آية القصاص: {فمن عفي له من ~~أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} (البقرة: 178) # وكذا الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ذلك، ~~فالطالب يطلب بمعروف والمؤدي يؤدي بإحسان. # ولما كان الإشهاد أقطع للنزاع قال تعالى حاثا على الكيس واليقظة والبعد ~~عن أفعال المغفلين العجزة: {وأشهدوا} أي: على الرجعة والمفارقة، وقيل: ~~المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقة ms3713 جميعا {ذوي عدل منكم} قطعا للنزاع، وهذا ~~الإشهاد مندوب إليه عند الجمهور كقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} ~~(البقرة: 282) # وأوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي ~~كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الأخر: إن ~~الرجعة لاتفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق. # وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرجعة فليس بمراجع، وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه: إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة فهو رجعة، وكذا النظر إلى الفرج ~~رجعة، وقال الشافعي وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة فهي رجعة، وقيل: وطؤه ~~مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها، وهو مذهب أحمد وإليه ذهب الليث وبعض ~~المالكية. قال القرطبي: وكان مالك يقول: إذا وطىء ولم ينو الرجعة فهو وطء ~~فاسد، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، وله الرجعة في بقية ~~العدة الأولى، وليست له الرجعة في هذا الاستبراء. # تنبيه: قوله تعالى: {منكم} قال الحسن: من المسلمين، وعن قتادة: من ~~أحراركم، وذلك يوجد اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث لأن ذوى ~~للمذكر. وقوله تعالى: {وأقيموا} أي: أيها المأمورون حيث كنتم شهودا ~~{الشهادة} التي تحملتموها بأدائها على أكمل أحوالها {لله} أي: مخلصين لوجه ~~الملك الأعلى لا لأجل المشهود له والمشهود عليه، ولا شيء سوى وجه الله ~~تعالى. # PageV04P313 # وفيه حث على أداء الشهادة لما فيه من العسر على الشاهد بترك مهماته وعسر ~~لقاء الحاكم الذي يؤدي عنده، وربما بعد مكانه وكان للعدل في الأداء عوائق ~~أيضا {ذلكم} أي: الذي ذكرت لكم أيتها الأمة من هذه الأمور البديعة النظام ~~العالية المرام، وأولاها بذلك هذا الإشهاد وإقامة الشهادة {يوعظ} أي: يلين ~~ويرقق {به من كان} أي: كونا راسخا من جميع الناس {يؤمن بالله} أي: الذي له ~~الكمال كله {واليوم الآخر} فإنه المحط الأعظم للترقيق، وأما من لم يكن ~~متصفا بذلك فكأنه لقساوة قلبه ماوعظ به لأنه لم ينتفع به. # وقوله تعالى: {ومن يتق الله} أي: يخف الملك الأعظم فيجعل بينه ms3714 وبين ما ~~يسخطه وقاية بما يرضية، وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهي عنه من الطلاق ~~وغيره، ظاهرا وباطنا لأن التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر ~~والنهي، وإن اقترنت بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي {يجعل} أي: بسبب ~~التقوى {له مخرجا} جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على اتقائه عما نهى ~~عنه صريحا أو ضمنا من الطلاق في الحيض والإضرار بالمعتدة وإخراجها من ~~المسكن، وتعدى حدود الله تعالى. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «سئل عمن ~~طلق ثلاثا أو ألفا هل له من مخرج فتلاها» وقال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما والثعلبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي: من طلق كما أمره الله ~~تعالى يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا: يجعل له مخرجا ينجيه من كل كرب ~~في الدنيا والآخرة، وقيل: المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه، قاله علي بن ~~صالح. وقال الكلبي: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجا من ~~النار إلى الجنة، وقال الحسن: مخرجا مما نهى الله عنه، وقال أبو العالية: ~~مخرجا من كل شدة، وقال الربيع بن خيثم: مخرجا من كل شيء ضاق على الناس، ~~وقال الحسين بن الفضل: ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجا من ~~العقوبة. # {ويرزقه} أي: الثواب {من حيث لا يحتسب} أي: يبارك له فيما أتاه، وقال سهل ~~بن عبد الله: ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجا من عقوبة البدع، ~~ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب، وقال أبو سعيد الخدري: ومن تبرأ من حوله ~~وقوته بالرجوع إلى الله تعالى يجعل له مخرجا مما كلفه الله بالمعونة له، ~~وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على العموم، وهذا هو الذي يقوى عندي. # وقال أبو ذر: «قال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم آيه لو أخذ الناس ~~بها لكفتهم، وتلا: {ومن يتق الله يجعل له ms3715 مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} ~~قال: مخرجا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة» . # وقال أكثر المفسرين: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له ~~يسمى سالما فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي إليه الفاقة، وقال: إن ~~العدو أسر ابني وجزعت الأم فما تأمرني؟ فقال صلى الله عليه وسلم «اتقي الله ~~واصبر، وآمرك وإياها أن تكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله فعاد إلى ~~بيته وقال لامرأته: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نكثر ~~من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقالت: نعم ما أمرنا به ~~فجعلا يقولان فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وجاء بها إلى المدينة وهي ~~أربعة آلاف شاة فنزلت الآية، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام ~~له» وروي # PageV04P314 # أنه جاء وقد أصاب إبلا من العدو، وكان فقيرا. فقال الكلبي: إنه أصاب ~~خمسين بعيرا، وفي رواية فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة لقوم فمر بسرح لهم ~~فاستاقه، وقال مقاتل: أصاب غنما ومتاعا، فقال أبوه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني قال: نعم ونزل {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} وروى الحسن عن عمران بن حصين قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من ~~حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها» . # وقال الزجاج: أي: إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن ~~كان ذا ضيقة، ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم ~~فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب» . # {ومن يتوكل} أي: يسند أموره كلها معتمدا فيها {على الله} أي: الملك الذي ~~بيده كل شيء ولا كفء ms3716 له {فهو} أي: الله في غيبه فضلا عن الشهادة بسبب توكله ~~{حسبه} أي: كافيه ما أهمه، وحذف المتعلق للتعميم، وحرف الاستعلاء للإشارة ~~إلى أنه كان حمل أموره كلها عليه سبحانه، لأنه القوي العزيز الذي يدفع عنه ~~كل ضار ويجلب له كل سار إلى غير ذلك من المعاني الكبار، فلا يبدو له عالم ~~الشهادة شيء يشينه. # وقيل: من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة ~~من ثوابه كفاية ولم يرد الدنيا، لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل، ~~وفي الحديث: «لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو ~~خماصا وتروح بطانا» ويؤخذ من هذا أن التوكل يكون مع مباشرة الأسباب لأنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: تغدو وتروح وهي من المقامات العظيمة. قال البقاعي ~~نقلا عن المولوي: وإلا كان اتكالا، وليس بمقام بل خسة همة وعدم مروءة؛ لأنه ~~إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ترتب المسببات على الأسباب. ا. ~~ه. # ولما كان ذلك أمرا إلا يكاد يحيط به الوهم بقوله تعالى مهولا له بالتأكيد ~~والإظهار في موضع الإضمار: {إن الله} أي: المحيط بكل كمال المنزه عن كل ~~شائبة نقص {بالغ أمره} أي: جميع ما يريده فلا بد من نفوذه سواء حصل توكل أم ~~لا، قال مسروق: يعني قاض أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه، إلا أن ~~من توكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا. وقرأ حفص: بالغ، بغير تنوين ~~وأمره بالجر مضاف إليه على التخفيف، والباقون بالتنوين، وأمره بنصب الراء ~~وضم الهاء. قال ابن عادل: وهو الأصل خلافا لأبي حيان {قد جعل الله} أي: ~~الملك الذي لا كفء له ولا معقب لحكمه جعلا مطلقا من غير تقييد بجهة ولا ~~حيثية {لكل شيء} كرخاء وشدة {قدرا} أي: تقديرا لا يتعداه في مقداره وزمانه ~~وجميع عوارضه وأحواله، وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه. فمن توكل ~~استفاد الأجر، وخفف عنه الألم، وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل لم ms3717 ~~ينفعه ذلك، وزاد ألمه وطال غمه بشدة وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي ~~المنجية. فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط جف القلم فلا يزاد في ~~المقادير شيء، ولا ينقص منها شيء. # ويحكى أن رجلا أتى عمر فقال: أولني مما أولاك الله، فقال: أتقرأ القرآن، ~~قال: لا، قال: إنا لا نولي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد حتى ~~تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيوليه فلما تعلم # PageV04P315 # القرآن تخلف عن عمر فرآه ذات يوم فقال: يا هذا أهجرتنا؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين لست ممن يهجر، ولكني تعلمت القرآن فأغناني الله عن عمر وعن باب ~~عمر، قال: فأي آية أغنتك قال: قوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} ~~فمن توكل على غيره سبحانه ضاع، لأنه لا يعلم المصالح وإن علم لا يعلم كيف ~~يستعملها، وهو سبحانه المنفرد بعلم ذلك كله ولا يعلمه حق علمه غيره. # تنبيه: الآية تفهم أن من لم يتق الله يقتر عليه، وهو موافق لما روى أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا ~~البر، وإن الرجل ليحرم الزرق بالذنب يصيبه» . وتفهم أن من لم يتوكل لم يكف ~~شيئا من الأشياء. # وقال عبد الله بن رافع: لما نزل قوله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه} قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنحن إذا توكلنا عليه نرسل ما ~~كان لنا ولا نحفظه، فنزل {إن الله بالغ أمره} فيكم وعليكم. وقال الربيع بن ~~خيثم: إن الله قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن ~~أقرضه جازاه، ومن وثق به نجاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله ~~{ومن يؤمن بالله يهد قلبه} (التغابن: 11) # {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} {إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم} ~~(التغابن: 17) # {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} (آل عمران: 101) # {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} (البقرة: ms3718 186) ~~. # ولما بين تعالى أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عدة ~~ذوات الأقراء عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. قال أبو عثمان عمر ~~بن سليمان: نزلت عدة النساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها ~~زوجها، قال أبي بن كعب: يا رسول الله إن ناسا يقولون قد بقي من النساء من ~~لم يذكر فيهن شيء الصغار والكبار وذوات الحمل فنزل: # {واللائي يئسن} أي: من المطلقات {من المحيض} أي: الحيض الآية. وقال ~~مقاتل: لما ذكر قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~(البقرة: 228) # قال خلاد بن النعمان: يا رسول الله فما عدة التي لم تحض وعدة التي انقطع ~~حيضها وعدة الحبلى فنزلت، وقيل: إن معاذ بن جبل سأل عن عدة الكبيرة التي ~~يئست فنزلت، وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم ~~علة. واختلف في سن اليأس فالذي عليه الأكثر أنه اثنان وستون سنة، وقيل: خمس ~~وخمسون، وقيل: ستون، وقيل: سبعون. # ولما كان هذا الحكم خاصا بأزواج المسلمين لحرمة فرشهم وحفظ أنسابهم قال ~~تعالى: {من نسائكم} أي: أيها المسلمون سواء كن مسلمات أو من أهل الكتاب {إن ~~ارتبتم} أي: شككتم في عدتهن {فعدتهن ثلاثة أشهر} كل شهر يقوم مقام حيضة لأن ~~أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر {واللائي لم يحضن} أي: لصغرهن أو ~~لأنهن لا حيض لهن أصلا، وإن كن بالغات فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا هذا كله في ~~غير المتوفى عنهن أزواجهن، أما هن فعدتهن ما في آية {يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا} (البقرة: 234) # وقرأ: {واللائي} في الموضعين ابن عامر والكوفيون بالهمز وياء بعده، وقرأ ~~قالون وقنبل بالهمز ولا ياء بعده، وللبزي وأبي عمرو أيضا إبدال الهمزة ياء ~~ساكنة مع المد لا غير. # ولما فرغ من ذكر الحوائل أتبعه ذكر الحوامل بقوله تعالى: {وأولات ~~الأحمال} أي: من جميع الزوجات المسلمات والكافرات المطلقات والمتوفى عنهن ~~{أجلهن} أي: لمنتهى العدة سواء كان لهن مع الحمل حيض أم لا {أن # PageV04P316 # يضعن ms3719 حملهن} وهذا على عمومه مخصص لآية {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~لأن المحافظة على عمومه أولى من المحافظة على عموم ذاك في قوله تعالى: ~~{أزواجا} لأن عموم هذه بالذات لأن الموصول من صيغ العموم وعموم أزواجا ~~بالعرض لأنه بدل لا يصلح لجميع الأزواج في حال واحد، والحكم معلل هنا بوصف ~~الحملية بخلاف ذاك، ولأن هذه الآية متأخرة النزول عن آية البقرة فتقديمها ~~على تلك تخصيص، وتقديم تلك في العمل بعمومها رفع لما في الخاص من الحكم فهو ~~نسخ، والأول هو الراجح للوفاق، ولأن سبيعة بنت الحارث وضعت حملها بعد وفاة ~~زوجها بليال فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج. # تنبيه: إذا وضعت المرأة ما في بطنها من علقة أو مضغة حلت عند مالك، وقال ~~الشافعي وأحمد وأبو حنيفة: لا تحل إلا بوضع ما يتبين فيه شيء من خلق ~~الإنسان، فإن كانت حاملا بتوأمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما، ~~ولابد أن يكون الحمل منسوبا لذي العدة، أما إذا كان من زنا فلا حرمة له ~~والعدة بالحيض. # ولما كانت أمور النساء في المعاشرة والمفارقة في غاية المشقة كرر بالحث ~~على التقوى إشارة إلى ذلك، وترغيبا في لزوم ما حده سبحانه فقال عاطفا على ~~ما تقديره فمن لم يحفظ هذه الحدود عسر الله تعالى عليه أموره: {ومن يتق ~~الله} أي: يوجد الخوف من الملك الأعظم إيجادا مستمرا ليجعل بينهم وبين سخطه ~~وقاية من طاعته، اجتلابا للمأمور واجتنابا للمنهي. # {يجعل له} أي: يوجد إيجادا مستمرا باستمرار التقوى، إن الله لا يمل حتى ~~تملوا {من أمره} أي: كله في النكاح وغيره {يسرا} أي: سهولة وفرجا وخيرا في ~~الدارين بالدفع والنفع، وذلك أعظم من مطلق الخروج المتقدم في الآية الأولى، ~~وقال مقاتل: ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسرا في توفيقه ~~لطاعته. # {ذلك} أي: الأمر المذكور من جميع هذه الأحكام العالية المراتب {أمر الله} ~~أي: الملك الأعلى الذي له الكمال كله {أنزله إليكم} وبينه لكم {ومن يتق ~~الله} ms3720 أي: الذي لا أمر لأحد معه في أحكامه فيراعي حقوقها {يكفر} أي: يغط ~~تغطية عظيمة {عنه سيئاته} ليتخلى عن المبعدات، فإن الحسنات يذهبن السيئات ~~{ويعظم له أجرا} بأن يبدل سيئاته حسنات، ويوفيه أجرها في الدارين مضاعفة ~~فيتحلى بالقربات، وهذا أعظم من مطلق اليسر المتقدم. # {أسكنوهن} وقال الرازي: أسكنوهن وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله ~~تعالى: {ومن يتق الله} كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل: ~~أسكنوهن. # وقوله تعالى: {من حيث سكنتم} فيه وجهان: أحدهما: أن من للتبعيض، قال ~~الزمخشري: مبعضها محذوف، معناه: أسكنوهن مكانا من حيث سكنتم، أي: بعض مكان ~~سكناكم كقوله تعالى: {يغضوا من أبصارهم} (النور: 30) # أي: بعض أبصارهم. قال قتادة: إن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض ~~جوانبه. قال الرازي: وقال الكسائي: من صلة، والمعنى: اسكنوهن حيث سكنتم. ~~والثاني: أنها لابتداء الغاية، قاله الحوفي وأبو البقاء. قال أبو البقاء: ~~والمعنى: تسببوا إلى إسكانهن من الوجه الذي تسكنون أنفسكم، ودل عليه قوله ~~تعالى: {من وجدكم} أي: من وسعكم، أي: ما تطيقونه وفي إعرابه وجهان: أحدهما: ~~أنه عطف بيان لقوله تعالى: {من حيث سكنتم} وإليه ذهب الزمخشري وتبعه ~~البيضاوي. قال ابن عادل: أظهرهما أنه بدل من قوله {من حيث} بتكرار # PageV04P317 # العامل، وإليه ذهب أبو البقاء كأنه قيل: أسكنوهن من وسعكم. # {ولا تضاروهن} أي: حال السكنى في المساكن ولا في غيره {لتضيقوا عليهن} ~~حتى تلجؤهن إلى الخروج {وإن كن} أي: المطلقات {أولات حمل} أي: من الأزواج ~~من طلاق بائن أو رجعي {فأنفقوا عليهن} وإن مضت الأشهر {حتى يضعن حملهن} ~~فيخرجن من العدة، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات ~~البوائن والأحاديث تؤيده. # قال القرطبي: اختلف العلماء في المطلقة ثلاثا على ثلاثة أقوال: فذهب مالك ~~والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن لها ~~السكنى والنفقة، ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث ~~فاطمة بنت قيس قالت: «دخلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3721 ومعي أخو ~~زوجي، فقلت: إن زوجي طلقني وإن هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة، قال: بل ~~لك السكنى والنفقة، فقال: إن زوجها طلقها ثلاثا فقال صلى الله عليه وسلم ~~إنما السكنى والنفقة لمن له عليها رجعة» فلما قدمت الكوفة طلبني الأسود بن ~~يزيد ليسألني عن ذلك فإن أصحاب عبد الله يقولون: إن لها السكنى والنفقة. ~~وعن الشعبي قال: لقيني الأسود بن يزيد فقال: يا شعبي اتق الله وارجع عن ~~حديث فاطمة بنت قيس، فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة، فقلت: لا أرجع ~~عن شيء. حدثتني فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه لو ~~كان لها سكنى لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت ابن أم ~~مكتوم. # وأجيب عن ذلك: بما روت عائشة أنها قالت: كانت فاطمة في مكان وحش فخيف على ~~ناحيتها، وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على إحمائها، ~~وقال قتادة وابن أبي ليلى: لا سكن إلا للرجعية لقوله تعالى: {لا تدري لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا} (الطلاق: 1) # وقوله تعالى: {أسكنوهن} راجع لما قبله وهي المطلقة الرجعية {فإن أرضعن ~~لكم} أي: بعد انقضاء علقة النكاح {فآتوهن أجورهن} أي: على ذلك الإرضاع ~~وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية، ولا يجوز عند أبي حنيفة ~~وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم تبن، ويجوز عند الشافعي مطلقا ~~وقوله تعالى: {وائتمروا} خطاب للأزواج والزوجات، أي: ليأمر بعضكم بعضا في ~~الإرضاع والأجر فيه وغير ذلك، وليقبل بعضكم أمر بعض. # وقال الكسائي: ائتمروا تشاوروا، وتلا قوله تعالى: {إن الملأ يأتمرون بك} ~~(القصص: 20) # وأنشد قول امرىء القيس: # *ويعدو على المرء ما يأتمر # وزادهم رغبة في ذلك بقوله تعالى: {بينكم} أي: إن هذا الخير لا يعدوكم، ~~وأكد ذلك بقوله تعالى: {بمعروف} ونكره سبحانه تخفيفا على الأمة بالرضى ~~بالمستطاع، وهو يكون مع الأخلاق بالاتصاف، ومع النفس بالخلاف {وإن تعاسرتم} ~~أي: طلب كل منكم ما يعسر على الآخر، كأن طلبت المرأة ms3722 الأجرة وطلب الزوج ~~إرضاعها مجانا {فسترضع له} أي: الأب {أخرى} أي: مرضعة غير الأم ويغني الله ~~تعالى عنها، وليس له أن يكرهها على ذلك، نعم إذا لم يقبل ثدي غيرها أو لم ~~يوجد غيرها أجبرت على ذلك بالأجرة، وهذا الحكم لا يختص بالمطلقة بل ~~المنكوحة كذلك. # واختلفوا فيمن يجب عليه رضاع الولد، فقال مالك: رضاع الولد على الزوجة ~~مادامت الزوجية إلا لشرفها وموضعها فعلى الأب رضاعه حينئذ في ماله، وقال ~~أبو حنيفة: لا يجب على الأم بحال، وقيل: يجب # PageV04P318 # عليها بكل حال. ولو طلبت الأم أجرة المثل وهناك أجنبية ترضع بدون أجرة ~~المثل، أو متبرعة تخير الأب بينهما ولا يضيق على الأب بدفع الأجرة لأنه صلى ~~الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما أو قطيعة ~~رحم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين بين، ~~والباقون بالفتح. # {لينفق ذو سعة} أي: مال واسع ولم يكلفه تعالى جميع وسعه بل قال تعالى: ~~{من سعته} أي: لينفق الزوج على زوجته وولده الصغير على قدر وسعه إذا كان ~~موسعا عليه {ومن قدر} أي: ضيق {عليه رزقه} فعلى قدر ذلك فيقدر النفقة بحسب ~~حال المنفق، والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى العادة. قال تعالى: ~~{وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} (البقرة: 233) # وقال صلى الله عليه وسلم لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» لكن نفقة ~~الزوجة مقدرة عند الشافعي محدودة فلا اجتهاد للحاكم ولا للمفتي فيها، ~~وتقديرها هو بحسب حال الزوج وحده من يسار وإعسار، ولا اعتبار بحالها فيجب ~~لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس، فيلزم الزوج الموسر مدان، والمتوسط مد ~~ونصف، والمعسر مد لظاهر قوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} فجعل الاعتبار ~~بالزوج في اليسر والعسر، ولأن الاعتبار بحالها يؤدي إلى الخصومة لأن الزوج ~~يدعي أنها تطلب فوق كفايتها وهي تزعم أنها تطلب قدر كفايتها فقدرت قطعا ~~للخصومة. # وقوله تعالى: {فلينفق} أي: وجوبا على المرضع وغيرها من كل ما أوجبه الله ~~تعالى عليه. {مما ms3723 آتاه الله} أي: الملك الذي لا ينفد ما عنده، ولو من رأس ~~المال ومتاع البيت {لا يكلف الله} أي: الذي له الملك كله {نفسا} أي نفس ~~كانت. # {إلا ما آتاها} أي: أعطاها من المال {سيجعل الله} أي: الملك الذي له ~~الكمال كله فلا خلف لوعده. # {بعد عسر} أي: بعد كل عسر {يسرا} وقد صدق الله وعده فيمن كانوا موجودين ~~بعد نزول الآية ففتح عليهم جميع جزيرة العرب، ثم فارس والروم حتى صاروا ~~أغنى الناس وصدق الآية دائم غير أنه في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ونفعنا ~~بهم آمين لأن إيمانهم أتم. قال القشيري: وانتظار اليسر من الله صفة ~~المتوسطين في الأحوال الذين انحطوا عن درجة الرضا، وارتقوا عن حد اليأس ~~والقنوط، ويعيشون في إفناء الرجال، ويتعللون بحسن المواعيد ا. ه. # ولما ذكر الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع حذر من خالف بقوله تعالى: # {وكأين} هي كاف الجر دخلت على أي بمعنى: كم {من قرية} أي: وكثير من ~~القرى. وقرأ ابن كثير بالألف بعد الكاف وبعد الألف همزة مكسورة وقفا ووصلا، ~~وقرأ الباقون في الوصل بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعد الهاء ياء تحتية مكسورة ~~مشددة، وعبر عن أهل القرية بها مبالغة فقال: {عتت} أي: استكبرت وجاوزت الحد ~~في عصيانها وطغيانها فأعرضت عنادا {عن أمر ربها} أي: الذي أحسن إليها ولا ~~يحسن إليها غيره {ورسله} فلم تقبل منهم ما جاؤوا به عن الله تعالى، فإن ~~طاعتهم من طاعته {فحاسبناها} أي: في الآخرة وإن لم تجيء لتحقق وقوعها ~~{حسابا شديدا} أي: بالمناقشة والاستقصاء {وعذبناها عذابا نكرا} أي: منكرا ~~فظيعا، وهو عذاب النار، وقيل: العذاب في الدنيا فيكون على حقيقته، أي: ~~جازيناها بالعذاب في الدنيا، وعذبناها عذابا نكرا في الآخرة، وقيل: في ~~الكلام تقديم وتأخير، أي: فعذبناها عذابا نكرا في الدنيا بالجوع والقحط، # PageV04P319 # والسيف، والخسف والمسخ، وسائر المصائب، وحاسبناها حسابا شديدا في الآخرة. ~~وقرأ نافع وابن ذكوان وشعبه بضم الكاف، والباقون بسكونها. # {فذاقت} أي: فتسبب عن ذلك أنها ذاقت {وبال} أي: عقوبة {أمرها} أي: كفرها. ms3724 # {وكان عاقبة أمرها خسرا} أي: في الدنيا بالأسر وضرب الجزية، وغير ذلك، ~~وفي الآخرة بعذاب النار، فإن من زرع الشوك كما قال القشيري لا يجني الورد، ~~ومن أضاع حق الله تعالى لا يطاع في حظ نفسه، ومن احترف بمخالفة أمر الله ~~تعالى فليصبر على عقوبته. # ثم استأنف الجواب عمن يقول هل لها غير هذا في غير هذه الدار بقوله تعالى: # {أعد الله} أي: الملك الأعظم {لهم} بعد الموت وبعد البعث {عذابا شديدا} ~~وفي ذلك تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها {فاتقوا الله} أي: ~~الذي له الأمر كله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {يا أولي الألباب} أي: يا ~~أصحاب العقول الصافية النافذة من الظواهر إلى البواطن، وقوله تعالى: {الذين ~~آمنوا} منصوب بإضمار أعني بيانا للمنادى في قوله تعالى: {يا أولي الألباب} ~~أو يكون عطف بيان للمنادى أو نعتا له، أي: خلصوا من دائرة الشرك وأوجدوا ~~الإيمان حقيقة {قد أنزل الله} أي: الذي له صفات الكمال {إليكم ذكرا} هو ~~القرآن، وفي نصب. # {رسولا} أوجه: # أحدها: قال الزجاج والفارسي: إنه منصوب بالمصدر المنون قبله، لأنه ينحل ~~لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل: أن ذكر رسولا، ويكون ذكره الرسول قوله: محمد ~~رسول الله، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى {أو إطعام في يوم ذي مسغبة ~~يتيما} (البلد: 14 15) # الثاني: جعل نفس الذكر مبالغة فأبدل منه، ويكون محمولا على المعنى كأنه ~~قال: قد أظهر لكم ذكرا رسولا، فيكون من باب بدل الشيء من الشيء، وهو هو. # الثالث: أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول تقديره: أنزل ذا ذكر رسولا. # الرابع: أنه بدل منه على حذف مضاف من الثاني أي: ذكرا ذكر رسول. # الخامس: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: وأرسل رسولا {يتلو عليكم آيات الله} هي ~~دلائل الملك الأعظم الظاهرة جدا حال كونها {مبينات} أي: لا لبس فيها بوجه. ~~واختلف الناس في رسولا هل هو النبي صلى الله عليه وسلم أو جبريل؟ الأكثر ~~على الأول واقتصر عليه الجلال المحلي، واقتصر الزمخشري على الثاني، وهو قول ~~الكلبي. ms3725 وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء بعد الموحدة، ~~والباقون بالفتح {ليخرج الذين أمنوا} أي: أقروا بالشهادتين {وعملوا} تصديقا ~~لما قالوه بألسنتهم وتحقيقا لأنه من قلوبهم {الصالحات} أي: ليحصل لهم ما هم ~~عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو ليخرج من علم أو قدر أنه مؤمن {من ~~الظلمات} أي: الضلالة {إلى النور} أي: الهدى. # {ومن يؤمن بالله} أي: يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى ~~بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه {ويعمل} على التجديد المستمر {صالحا} ~~لله وفي الله فله دوام النعماء، وهو معنى إدخاله الجنة كما قال تعالى: ~~{يدخله} أي: عاجلا مجازا بما يفتح الله له من لذات المعارف ويفتح له من ~~الأنس، وآجلا حقيقة {جنات} أي: بساتين هي في غاية ما يكون من جمع جميع ~~الأشجار وحسن الدار وبين دوام ريها بقوله تعالى: {تجري من تحتها} أي: من ~~تحت غرفها {الأنهار} فهي في غاية الري بحيث أن ساكنها يجري في أي موضع أراد ~~نهرا. # وقرأ نافع وابن عامر ندخله بالنون، والباقون بالياء التحتيه. {خالدين ~~فيها} # PageV04P320 # وأكد معنى الخلود بقوله تعالى: {أبدا} ليفهم الدوام بلا انقضاء. وقوله ~~تعالى: {قد أحسن الله} أي: الملك الأعلى ذو الجلال والإكرام {له} أي: خاصة ~~{رزقا} أي: عظيما عجيبا فيه تعجب وتعظم لما رزقوا من الثواب. # وقال القشيري: الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن أموره ~~بسببه، ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه، كذلك أرزاق القلوب ~~أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل بها من غير نقصان ولا زيادة لا يقدر ~~على الاستمرار عليها. # ثم بين كمال قدرته بقوله تعالى: {الله} أي: الذي له جميع صفات الكمال ~~التي القدرة الشاملة إحداها: {الذي خلق} أي: أوجد وحده من العدم بقدرته على ~~وفق ما دبر بعلمه على هذا المنوال الغريب البديع {سبع سموات} أي: وأنتم ~~تشهدون عظمة ذلك، وتشهدون أنه لا يقدر عليه إلا تام القدرة والعلم الكامل ~~{ومن الأرض مثلهن} أي: سبعا أما ms3726 كون السموات سبعا بعضها فوق بعض فلا خلاف ~~فيه لحديث الإسراء وغيره. # وأما الأرضون فقال الجمهور: إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض، بين كل ~~أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال ~~الضحاك: إنها سبع أرضين ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف ~~السموات. قال القرطبي: والأول أصح لأن الأخبار دالة عليه كما روى البخاري ~~وغيره روى أبو مروان عن أبيه أن كعبا حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى أن ~~صهيبا حدثه «أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال ~~حين يراها اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ~~ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، إنا نسألك خير هذه القرية ~~وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر من فيها» وروى مسلم عن سعيد بن ~~زيد قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ظلم قيد شبر من أرض ~~طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» قال البقاعي: رأيت في التعدد حقيقة حديثا ~~صريحا لكن لا أدري حاله، ذكره ابن برجان في اسمه تعالى الملك من شرحه ~~الأسماء الحسنى، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما تحت هذه ~~الأرض، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هواء أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: أرض، أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم حتى عد ~~سبع أرضين» ثم رأيته في الترمذي عن أبي رزين العقيلي ولفظه: «هل تدرون ما ~~الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها الأرض، ثم قال: أتدرون ما ~~تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن تحتها أرضا أخرى خمسمائة سنة ~~حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة» ثم رأيت في الفردوس عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين السماء ~~إلى السماء خمسمائة عام وعرض كل سماء وثخانة ms3727 كل سماء خمسمائة عام وما بين ~~السماء السابعة وبين الكرسي والعرش مثل ذلك وما بين السماء إلى الأرض مسيرة ~~خمسمائة عام، # والأرضون وعرضهن وثخانتهن مثل ذلك» ا. ه. # قال الماوردي: وعلى أنها سبع أرضين تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا، ~~ولا تلزم من في غيرها من الأرضين، وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز وفي ~~مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان: أحدهما أنهم يشاهدون السماء ~~من كل جانب من أرضهم، ويستمدون الضياء منها، قال # PageV04P321 # ابن عادل: وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة. الثاني: أنهم لا يشاهدون ~~السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه، قال ابن عادل: وهذا قول من ~~جعل الأرض كروية. وحكى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها ~~سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض تفرق بينها البحار وتظل جميعهم السماء، ~~فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة ~~الإسلام بهذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى احتمل أن تلزمهم ~~دعوة الإسلام لإمكان الوصول إليهم، لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع ~~من لزوم ما عم حكمه، واحتمل أن لا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمتهم ~~لكان النص بها واردا ولكان النبي صلى الله عليه وسلم بها مأمورا. # وقال بعض العلماء: السماء في اللغة عبارة عما علاك، فالأولى بالنسبة إلى ~~السماء الثانية أرض، وكذلك السماء الثانية بالنسبة إلى الثالثة أرض، وكذا ~~البقية بالنسبة إلى ما تحته سماء، وبالنسبة إلى ما فوقه أرض. فعلى هذا تكون ~~السموات السبع وهذه الأرض الواحدة سبع سموات وسبع أرضين {يتنزل} أي: ~~بالتدريج {الأمر} قال مقاتل وغيره: أي: الوحي، وعلى هذا يكون قوله تعالى: ~~{بينهن} إشارة إلى ما بين هذه الأرض العليا التي هي أولاها وبين السماء ~~السابعة التي هي أعلاها، والأكثرون على أن الأمر هو القضاء والقدر فعلى هذا ~~يكون المراد بقوله تعالى {بينهن} إشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي ~~أقصاها وبين السماء السابعة ms3728 التي هي أعلاها، فيجري أمر الله وقضاؤه بينهن، ~~وينفذ حكمه فيهن. # وعن قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، ~~وقضاء من قضائه. وقيل: هو ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: أن نافع بن الأزرق سأله هل تحت الأرض من خلق؟ قال: نعم قال: ~~فما الخلق؟ قال: إما ملائكة أو جن. وقال مجاهد: يتنزل الأمر من السموات ~~السبع إلى الأرضين السبع، وقال الحسن: بين كل سماءين أرض وأمر، وقيل: يتنزل ~~الأمر بينهن بحياة بعض، وموت بعض، وغنى قوم، وفقر قوم. وقيل: ما يدبر فيهن ~~من عجيب تدبيره فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي الليل والنهار، والصيف ~~والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيآتها، فينقلهم من حال إلى ~~حال. # قال ابن كيسان: وهذا على اتساع اللغة كما يقال للموت: أمر الله، وللريح ~~والسحاب ونحوها. وقوله تعالى: {لتعلموا} متعلق بمحذوف، أي: أعلمكم بذلك ~~الخلق والإنزال لتعلموا {أن الله} أي: الملك الأعلى الذي له الإحاطة كلها ~~{على كل شيء} أي: من غير هذا العالم يمكن أن يدخل تحت المشيئة {قدير} بالغ ~~القدرة فيأتي بعالم آخر مثل هذا العالم وأبدع منه وأبدع من ذلك إلى مالا ~~نهاية له بالاستدلال بهذا العالم، فإن من قدر على إيجاد ذرة من العدم قدر ~~على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لا نهاية له، لأنه لا فرق في ~~ذلك بين قليل وكثير، وجليل وحقير {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} (الملك: ~~3) # قال البقاعي: وإياك أن تصغي إلى من قال: إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان ~~فإنه مذهب فلسفي خبيث، والآية نص في إبطاله، وإن نسبه بعض الملحدين إلى ~~الغزالي، فإني لا أشك أنه مدسوس عليه، وإن مذهبه فلسفي خبيث بشهادة الغزالي ~~كما بينت ذلك في كتابي «دلائل البرهان» على أن في الإمكان أبدع مما كان ~~قال: ومع كونه مذهب الفلاسفة # PageV04P322 # أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه في فصوصه، وغير ذلك من كتبه، ms3729 وأسند ~~في بعضها للغزالي والغزالي بريء منه بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء ~~وغيره انتهى. والبقاعي ممن يقول بكفر ابن عربي، وابن المقري يقول بكفره ~~وكفر طائفته، وقد تقدم الكلام على كلامهم {وأن الله} أي: الذي له جميع صفات ~~الكمال. # {قد أحاط} لتمام قدرته {بكل شيء} مطلقا {علما} فله الخبرة التامة بما ~~يأمر به من الأحكام في العالم بمصالحة ومفاسده، فلا يخرج شيء عن علمه ~~وقدرته فعاملوه معاملة من يعلم أنه رقيب عليه تسلموا في الدنيا وتسعدوا في ~~الآخرة. # تنبيه: علما منصوب على المصدر المؤكد، لأن أحاط بمعنى علم، وقيل: بمعنى ~~والله أحاط إحاطة علما. وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حديث موضوع. ### | سورة التحريم # مكية # وهي اثنتا عشرة آية، ومائتان وأربعون كلمة وألف وستون حرفا # {بسم الله} الذي له الكمال كله على الدوام {الرحمن} الذي عم عباده بعظيم ~~الإنعام {الرحيم} الذي أتم على خواصه نعمة الإسلام. # واختلف في سبب نزول قوله تعالى: # {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله} أي الذي لا أمر لأحد معه {لك} فقالت ~~عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند زينب بنت جحش، فشرب عندها ~~عسلا، قالت: فتواطيت أنا وحفصة أن آيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له: ذلك، فقال ~~بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزل {لم تحرم ما أحل الله لك} ~~إلى قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله} لعائشة وحفصة» وعنها أيضا قالت: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل، فكان إذا صلى العصر دار ~~على نسائه فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك ~~فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن ms3730 له فذكرت ذلك لسودة، وقلت لها: إذا ~~دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له: يا رسول الله أكلت مغافير، فإنه سيقول ~~لك: لا، فقولي: ما هذه الريح، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه ~~أن يوجد منه الريح فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست ~~نحله العرفط، وسأقول ذلك له وقولي أنت يا صفية ذلك. فلما دخل على سودة قالت ~~سودة: والله الذي لا إله غيره لقد كدت أن أبادئه بالذي قلت وإنه لعلى الباب ~~فرقا منك، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت له: يا رسول الله ~~أكلت مغافير، قال: لا، قلت: فما هذه الريح؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل، ~~قالت: جرست نحله العرفط. فلما دخل علي قلت له: مثل ذلك، ثم دخل على صفية ~~فقالت مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت: يا رسول الله ألا أسقيك منه، قال: ~~لا حاجة لي به، قالت: تقول سودة سبحان الله لقد حرمناه منه، قالت: فقلت ~~لها: اسكتي. # ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها النبي صلى الله عليه وسلم حفصة، وفي ~~الأولى زينب. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي # PageV04P323 # الله عنهما: أنه شربه عند سودة، وقيل: إنما هي أم سلمة رواه أسباط عن ~~السدي، وقاله عطاء بن أبي مسلم. # تنبيه: شرح غريب ألفاظ الحديثين وما يتعلق بهما قولها: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحب الحلوى بالمد والقصر قاله في «المصباح» ، وهو على كل ~~شيء يحلو، وذكر العسل بعدها وإن كان داخلا في جملة الحلوى تنبيها على شرفه ~~ومرتبته، وهو من باب الخاص بعد العام. وقولها: فتواطيت أنا وحفصة هكذا وقع ~~في الرواية، وأصله: فتوطأت بالهمز، أي: اتفقت أنا وحفصة. وقولها: إني لأجد ~~منك ريح مغافير، هو بغين معجمة وفاء بعدها ياء وراء، وهو صمغ حلو كالناطف ~~وله ريح كريهة ينضحه شجر يقال له: العرفط بضم العين المهملة والفاء يكون ~~بالحجاز، وقيل: العرفط نبات له ورق يفرش على الارض له ms3731 شوك وثمره خبيث ~~الرائحة. # وقال أهل اللغة: العرفط من شجر العضاه، وهو كل شجر له شوك. وقيل رائحته ~~كرائحة النبيذ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منة رائحة ~~كريهة. # قولها: جرست نحله العرفط بالجيم والراء وبالسين المهملتين، ومعناه: أكلت ~~نحله العرفط فصار منه العسل. # قال القاضي عياض: والصواب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش، ذكره ~~النووي في شرح مسلم، وكذا ذكره أيضا القرطبي. وقال أكثر المفسرين في سبب ~~نزول ذلك: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فلما كان يوم ~~حفصة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبيها فأذن لها، فلما ~~خرجت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية فأدخلها ~~بيت حفصة فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب فخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي، فقال صلى الله ~~عليه وسلم ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل ذلك أدخلت أمتك بيتي ثم ~~وقعت عليها في يومي على فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقا، ما كنت تصنع هذا ~~بإمرأة منهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس هي جاريتي قد أحلها ~~الله لي فهي حرام علي ألتمس بذلك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن، فلما خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة ~~فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه أمته مارية، ~~وأن الله قد أراحنا منها، وأخبرت عائشة بما رأت وكانتا متصافيتين متظاهرتين ~~على سائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضبت عائشة، فلم يزل نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقربها» . # وعن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أمة يطؤها، فلم ~~تزل عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله تعالى {يا أيها النبي لم ~~تحرم ما أحل الله ms3732 لك} الآية» أخرجه النسائي. # فإن قيل: قوله تعالى: {لم تحرم ما أحل الله لك} يوهم أن الخطاب بطريق ~~العتاب، وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ينافي ذلك لما فيه من التشريف ~~والتعظيم؟. # أجيب: بأنه ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن ~~على ما ينبغي. # فإن قيل: تحريم ما أحل الله غير ممكن، فكيف قال {لما تحرم ما أحل الله ~~لك} ؟ أجيب: بأن المراد بهذا التحريم هو الامتناع عن الانتفاع بالأزواج لا ~~اعتقاد كونه حراما بعدما أحله الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم امتنع ~~من الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالا، فإن من اعتقد أن هذا التحريم هو ~~تحريم ما أحل الله فقد كفر، فكيف # PageV04P324 # يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم {تبتغي} أي: تريد إرادة عظيمة من ~~مكارم أخلاقك وحسن صحبتك {مرضاة أزواجك} أي: الأحوال والأمور والمواضع التي ~~يرضين بها، وهن أولى بأن يبتغين رضاك، وكذا جميع الخلق لتتفرغ لما يوحى ~~إليك من ربك لكن ذلك للزوجات آكد {والله} أي: الملك الأعلى {غفور رحيم} أي: ~~محاء ستور لما يشق على خلص عباده مكرم لهم، فقد غفر لك هذا التحريم. # ثم علل وبين ذلك بقوله تعالى: {قد فرض الله} أي: قدر ذو الجلال والإكرام ~~الذي لا شريك له ولا أمر لأحد معه، وعبر بالفرض حثا على قبول الرخصة إشارة ~~إلى أن ذلك لا يقدح في الورع، ولا يخل بحرمة اسم الله تعالى لأن أهل الهمم ~~العوالي لا يجوزون النقلة من عزيمة إلى رخصة، بل من رخصة إلى عزيمة أو ~~عزيمة إلى مثلها. # ولما كان التخفيف على أمته تعظيما له صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ~~{لكم} أيتها الأمة التي أنت رأسها {تحلة} أي: تحليل {أيمانكم} بالكفارة ~~المذكورة في سورة المائدة، وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من ~~قولك: حلل فلان في يمينه إذا استثنى بمعنى استثن في يمينك إذا أطلقتها بأن ~~تقول: إن شاء الله متصلا بحلفك، وتنويه قبل الفراغ منه. # واختلف ms3733 أهل العلم في لفظ التحريم، فقال قوم: هو ليس بيمين، فإن قال ~~لزوجته: أنت حرام أو حرمتك فإن نوى به طلاقا فهو طلاق، وإن نوى به ظهارا ~~فهو ظهار، وإن نوى تحريم ذاتها وأطلق فعليه كفارة يمين وإن قال لطعام: ~~حرمته على نفسي فلا شيء عليه، وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه، وإليه ذهب ~~الشافعي. # وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتاه رجل ~~فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما، فقال: كذبت ليست عليك بحرام وتلا عليه ~~هذه الآية. وذهب جماعة إلى أنه يمين فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب ~~الكفارة ما لم يقربها، كما لو حلف لا يأكله فلا كفارة عليه ما لم يأكله، ~~يروى ذلك عن أبي بكر وعائشة، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة. # وعند أبي حنيفة إن نوى الطلاق بالحرام كان بائنا، وإن قال: كل حلال عليه ~~حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، نقله الزمخشري. ~~وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي، وعن علي: ثلاث، وعن زيد واحدة بائنة. # وعن ابن عباس رصي الله عنهما قال: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها، ~~وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. قال مقاتل: فأعتق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الواقعة رقبة. قال زيد بن أسلم: وعاد إلى مارية، ~~وقال الحسن: لم يكفر عليه السلام لأنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ~~وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة. قال ابن عادل: والأول ~~أصح، وأن المراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم الأمة تقتدي به في ذلك ~~{والله} أي: والحال أن المختص بأوصاف الكمال {مولاكم} أي: يفعل معكم فعل ~~القريب الصديق فهو سيدكم ومتولي أموركم {وهو} أي: وحده {العليم} أي: البالغ ~~العلم بمصالحكم وغيرها إلى ما لا نهاية له. {الحكيم} أي: الذي يضع كل ما ~~يصدر عنه لكم في أتقن محاله بحيث لا يقدر غيره أن ms3734 يغيره ولا شيئا منه. # والعامل في قوله تعالى: {وإذ} اذكر فهو مفعول به لا ظرف، والمعنى اذكر إذ ~~{أسر النبي} أي: الذي شأنه أن يرفعه الله تعالى دائما فإنه ما ينطق عن ~~الهوى {إلى بعض أزواجه} وأبهمها لم يعينها تشريفا له صلى الله عليه وسلم ~~ولها وهي حفصة صيانة لهن # PageV04P325 # لأن حرمتهن من حرمته صلى الله عليه وسلم {حديثا} ليس هو من شأن الرسالة ~~ولو كان من شأنها لعم به ولم يخص به، ولا أسره وذلك هو تحريمه فتاته على ~~نفسه، وقوله لحفصة: لا تخبري بذلك أحدا، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: أسر أمر الخلافة بعده فحدثت حفصة، وقال الكلبي: أسر إليها إن ~~أباك وأب عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي، وقال ميمون بن مهران: أسر ~~أن أبا بكر خليفتي من بعدي {فلما نبأت} أي: أخبرت {به} عائشة ظنا منها أنه ~~لا حرج عليها في ذلك {وأظهره الله} أي: أطلعه الملك الذي له الإحاطة بكل ~~شيء {عليه} أي: الحديث على لسان جبريل عليه السلام بأنه قد أفشى مناصحة له ~~في إعلامه بما يقع في غيبته ليحذره إن كان شرا ويثبت عليه إن كان خيرا ~~وقيل: أظهر الله الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم من الظهور {عرف} أي: ~~النبي صلى الله عليه وسلم التي أسر إليها {بعضه} أي: بعض ما فعلت {وأعرض عن ~~بعض} أي: إعلام بعض تكرما منه أن يستقصي في العبارات وحياء وحسن عشرة، قال ~~الحسن: ما استقصى كريم قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، ~~وإنما عاتبها على ذكر الإمامة وأعرض عن ذكر الخلافة خوفا من أن ينتشر في ~~الناس، فربما أثار حسد بعض المنافقين وأورث الحسود للصديق كيدا. # وقال بعض المفسرين: إنه أسر إلى حفصة شيئا فحدثت به غيرها فطلقها مجازاة ~~على بعضه، ولم يؤاخذها بالباقي وهو من قبيل قوله تعالى: {وما تفعلوا من خير ~~يعلمه الله} (البقرة: 197) أي: يجازيكم عليه، وقيل: المعرف حديث الإمامة، ~~والمعرض عنه حديث ms3735 مارية. وروي «أنه قال لها: ويلك ألم أقل لك أكتمي علي، ~~قالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خص الله ~~تعالى بها أباها» {فلما نبأها به} أي: بما فعلت على وجه لم يغادر من ذلك ~~الذي عرفها به شيئا منه، ولا من عوارضه لتزداد بصيرة. # روي أنها قالت لعائشة سرا فأنا أعلم أنها لا تظهره، قاله الملوي، وهو ~~معنى قوله تعالى: {قالت} أي: ظنا منها أن عائشة أفشت عليها {من أنبأك هذا} ~~أي: من أخبرك أني أفشيت السر {قال نبأني} وحذف المتعلق اختصارا للفظ ~~وتكسيرا للمعنى بالتعميم إشارة أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين عائشة ~~على أتم ما كان. {العليم} أي: المحيط العلم {الخبير} أي: المطلع على ~~الضمائر والظواهر، فهو أولى أن يحذر فلا يتكلم سرا أو جهرا إلا بما يرضيه. # وقوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله} أي: الملك الأعظم شرط، وفي جوابه ~~وجهان: أحدهما: قوله تعالى: {فقد صغت قلوبكما} والمعنى: إن تتوبا فقد وجد ~~منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حب ما يحب وكراهة ما يكره. وصغت: مالت وزاغت عن الحق، ~~قال القرطبي: وليس قوله: {فقد صغت قلوبكما} جواب الشرط لأن هذا الصغو كان ~~سابقا فجزاء الشرط محذوف للعلم به أي: إن تتوبا كان خيرا لكما إذ قد صفت ~~قلوبكما. الثاني: أن الجواب محذوف تقديره: فذلك واجب عليكما، أو فتاب الله ~~عليكما، قاله أبو البقاء. ودل على المحذوف {فقد صغت} لأن إصغاء القلب إلى ~~ذلك ذنب. قال بعضهم: وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب، وكيف يحسن أن يكون جوابا ~~وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جوابا. # تنبيه: قوله تعالى: {قلوبكما} من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى ~~استثقالا لمجيء تثنيتين لو قيل: قلباكما، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين # PageV04P326 # من اثنين جمعوهما لأنه لا يشكل، والأحسن في هذا الباب الجمع ثم الإفراد ~~ثم التثنية كقوله: # *فتخالسا نفسيهما بتواقد ال ... غيظ الذي ms3736 من شأنه لم يرفع* # وقال ابن عصفور: لا يجوز الإفراد إلا في ضرورة، كقوله: # *حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادى مطيرها* # وتبعه أبو حيان، وغلط ابن مالك في كونه جعله أحسن من التثنية. قال ابن ~~عادل: وليس بغلط لكراهة توالي تثنيتين مع أمن اللبس، وقوله تعالى {إن ~~تتوبا} فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بهذا الخطاب إما ~~المؤمنتان بنتا الشيخين الكريمين عائشة وحفصة حثهما على التوبة على ما كان ~~منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهما كرها ما ~~أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إحباب جاريته وإحباب العسل، وكان صلى ~~الله عليه وسلم يحب العسل والنساء. # وقال ابن زيد: مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما ~~كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: قد مالت قلوبكما إلى التوبة. # روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «مكثت سنة وأنا أريد أن ~~أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى ~~خرج حاجا فخرجت معه، فلما رجع وكان ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له ~~فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ، فلما ~~رجع قلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذه ~~منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فسلني ~~عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك» ، وفي رواية قال: وا عجبا لك يا ابن عباس. # قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه، قال: هما عائشة وحفصة، ثم ~~أخذ يسوق الحديث، قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار وكان منزلي في بني أمية ~~وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فينزل يوما وأنزل يوما، فإذا ms3737 نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي ~~أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا ~~المدينة على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من ~~نسائهم فصحت على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني قالت: لم تنكر أن ~~أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن ~~لتهجره اليوم حتى الليل فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت لها: أي حفصة أتغاضب ~~إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل، قالت: نعم، فقلت: قد خبت ~~وخسرت أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم ~~وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عائشة رضي الله عنها قال عمر: ~~كنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل الأنصاري يوما نوبته ثم ~~أتاني عشاء فضرب بابي ضربا شديدا، ففزعت فخرجت إليه فقال: قد حدث اليوم أمر ~~عظيم، قلت: ما هو أجاء غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأهول، طلق النبي صلى ~~الله عليه وسلم نساءه، فقلت: خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون ~~حتى إذا صليت # PageV04P327 # الصبح شددت علي ثيابي ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلقكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة ~~فأتيت غلاما له أسود فقلت: أستأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له ~~فصمت، ثم انطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست ~~قليلا ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام، فقلت: أستأذن لعمر فدخل ثم خرج فقال: ~~ذكرتك له فصمت فوليت # مدبرا فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل فقد أذن لك فدخلت فسلمت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير وليس بينه وبينه فراش ~~قد أثر الرمال بجنبه متكئا على ms3738 وسادة من أدم حشوها ليف، ثم قلت وأنا قائم: ~~يا رسول الله أطلقت نساءك فرفع إلي بصره، وقال: لا، فقلت: الله أكبر قلت ~~وأنا قائم لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا ~~المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قلت: ~~يا رسول الله لو رأيتني دخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنك أن كانت جارتك هي ~~أوسم وأحب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عائشة، فتبسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم تبسمة أخرى فجلست حين رأيته تبسم فرفعت بصري في بيته فوالله ~~ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله ادع الله ~~فليوسع على أمتك فإن فارسا والروم قد وسع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا ~~يعبدون الله فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان متكئا، وقال: «أوفي هذا ~~أنت يا ابن الخطاب، إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا» فقلت: يا ~~رسول الله استغفر الله لي فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك ~~الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: «ما أنا ~~بداخل عليهن شهرا» من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله تعالى، فلما مضت تسع ~~وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة: يا رسول الله إنك كنت ~~أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عدا، ~~فقال: الشهر تسع وعشرون وكان ذلك الشهر تسع وعشرون ليلة قالت عائشة: ثم ~~أنزل الله التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترته، ثم خيرهن فقلن ~~مثلها، وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن ~~يخير أزواجه، قالت: فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني ذاكر ~~لك أمرا فلا عليك # أن لا تستعجلي # حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم ~~قال: إن الله تعالى قال: {يا ms3739 أيها النبي قل لأزواجك} (الأحزاب: 28) إلى ~~تمام الآيتين فقلت: أوفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار ~~الآخرة» وفي رواية أن عائشة قالت له: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله أرسلني مبلغا» وفي رواية قال: دخلت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من أمر ~~النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو ~~بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن الله يصدق ~~قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن} (التحريم: 5) # وإن تظاهرا عليه} (التحريم: 4) # » الآية. وفي رواية «أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبر ~~الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له، وإنه قام على باب # PageV04P328 # المسجد ونادى بأعلى صوته لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه» . # شرح بعض ألفاظ هذا الحديث: # قوله: فعدلت معه أي: فملت معه، بالأداوة أي: الركوة، والعوالي جمع عالية، ~~وهي أماكن بأعلى أرض المدينة. وقوله: لا يغرنك إن كانت جارتك يريد بها ~~الضرة وهي عائشة، وأوسم منك أي: أكثر حسنا، وقوله: فكنا نتناوب النزول: ~~التناوب هو ما يفعله الإنسان مرة، ويفعله آخر بعده، والمشربة بضم الراء ~~وفتحها الغرفة. وقوله: فإذا هو متكئ على رمال حصير: يقال: رملت الحصير إذا ~~ظفرته ونسجته، والمراد أنه لم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. وقوله: ما ~~رأيت فيه مايرد البصر إلا أهبة ثلاث: الأهبة والأهب جمع إهاب، وهو الجلد. ~~وقوله: من شدة موجدته: الموجدة الغضب. # وقرأ: {وإن تظاهرا} الكوفيون بتخفيف الظاء، والباقون بتشديدها أي: ~~تتعاونا {عليه} أي: النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكرهه {فإن الله} الملك ~~الأعظم الذي لا كفء له، وقوله تعالى: {هو} يجوز أن يكون فصلا، وقوله: ~~{مولاه} الخبر، وأن يكون مبتدأ ومولاه خبره، والجملة خبر إن، والمعنى فإن ~~الله وليه وناصره فلا يضره ذلك التظاهر منهما.Y # وقوله تعالى: {وجبريل ms3740 وصالح المؤمنين} معطوف على محل اسم إن فيكونون ~~ناصريه، ويجوز أن يكون جبريل مبتدأ وما بعده عطف عليه وظهير خبر الجميع ~~فتختص الولاية بالله. # واختلف في صالح المؤمنين، فقال عكرمة: هو أبو بكر وعمر، وقال المسيب بن ~~شريك: هو أبو بكر. وقال سعيد بن جبير: هو عمر، وعن أسماء بنت عميس: هو علي ~~بن أبي طالب. وقال الطبري: هو خيار المؤمنين. وصالح اسم جنس كقوله تعالى: ~~{إن الإنسان لفي خسر} (العصر: 2) وقال قتادة: هم الأنبياء. وقال ابن زيد: ~~هم الملائكة. وقال السدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والأولى أن ~~يشمل هذه الأقوال كلها {والملائكة} أي: كلهم {بعد ذلك} أي: الأمر العظيم ~~الذي تقدم ذكره {ظهير} أي: ظهراء أعوان له في نصره عليكما. # تنبيه: أخبر عن الجمع باسم الجنس إشارة إلى أنهم على كلمة واحدة، ومنهم ~~جبريل عليه السلام فهو مذكور خصوصا وعموما ثلاث مرات على القول بأن صالح ~~المؤمنين هم الملائكة إن قلنا بالعموم، وذلك إظهار لشدة محبته وموالاته ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأية عكس آية البقرة، وهي قوله تعالى: {من ~~كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة: 98) فإنه ذكر الخاص ~~بعد العام تشريفا له، وهنا ذكر العام بعد الخاص. قال ابن عادل: ولم يذكر ~~الناس إلا القسم الأول، وفي جبريل لغات تقدم ذكرها في البقرة. # ولما كان أشد ما على المرأة أن تطلق، ثم إذا طلقت أن يستبدل بها، ثم يكون ~~البدل خيرا منها قال تعالى محذرا لهن: # وإن تظاهرا عليه} (التحريم: 4) # » الآية. وفي رواية «أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبر ~~الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له، وإنه قام على باب المسجد ونادى بأعلى ~~صوته لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه» . # شرح بعض ألفاظ هذا الحديث: # قوله: فعدلت معه أي: فملت معه، بالأداوة أي: الركوة، والعوالي جمع عالية، ~~وهي أماكن بأعلى أرض المدينة. وقوله: لا يغرنك إن كانت جارتك يريد بها ~~الضرة وهي عائشة، وأوسم منك ms3741 أي: أكثر حسنا، وقوله: فكنا نتناوب النزول: ~~التناوب هو ما يفعله الإنسان مرة، ويفعله آخر بعده، والمشربة بضم الراء ~~وفتحها الغرفة. وقوله: فإذا هو متكئ على رمال حصير: يقال: رملت الحصير إذا ~~ظفرته ونسجته، والمراد أنه لم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. وقوله: ما ~~رأيت فيه مايرد البصر إلا أهبة ثلاث: الأهبة والأهب جمع إهاب، وهو الجلد. ~~وقوله: من شدة موجدته: الموجدة الغضب. # وقرأ: {وإن تظاهرا} الكوفيون بتخفيف الظاء، والباقون بتشديدها أي: ~~تتعاونا {عليه} أي: النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكرهه {فإن الله} الملك ~~الأعظم الذي لا كفء له، وقوله تعالى: {هو} يجوز أن يكون فصلا، وقوله: ~~{مولاه} الخبر، وأن يكون مبتدأ ومولاه خبره، والجملة خبر إن، والمعنى فإن ~~الله وليه وناصره فلا يضره ذلك التظاهر منهما.Y # وقوله تعالى: {وجبريل وصالح المؤمنين} معطوف على محل اسم إن فيكونون ~~ناصريه، ويجوز أن يكون جبريل مبتدأ وما بعده عطف عليه وظهير خبر الجميع ~~فتختص الولاية بالله. # واختلف في صالح المؤمنين، فقال عكرمة: هو أبو بكر وعمر، وقال المسيب بن ~~شريك: هو أبو بكر. وقال سعيد بن جبير: هو عمر، وعن أسماء بنت عميس: هو علي ~~بن أبي طالب. وقال الطبري: هو خيار المؤمنين. وصالح اسم جنس كقوله تعالى: ~~{إن الإنسان لفي خسر} (العصر: 2) وقال قتادة: هم الأنبياء. وقال ابن زيد: ~~هم الملائكة. وقال السدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والأولى أن ~~يشمل هذه الأقوال كلها {والملائكة} أي: كلهم {بعد ذلك} أي: الأمر العظيم ~~الذي تقدم ذكره {ظهير} أي: ظهراء أعوان له في نصره عليكما. # تنبيه: أخبر عن الجمع باسم الجنس إشارة إلى أنهم على كلمة واحدة، ومنهم ~~جبريل عليه السلام فهو مذكور خصوصا وعموما ثلاث مرات على القول بأن صالح ~~المؤمنين هم الملائكة إن قلنا بالعموم، وذلك إظهار لشدة محبته وموالاته ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأية عكس آية البقرة، وهي قوله تعالى: {من ~~كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة: 98) فإنه ذكر الخاص ~~بعد العام ms3742 تشريفا له، وهنا ذكر العام بعد الخاص. قال ابن عادل: ولم يذكر ~~الناس إلا القسم الأول، وفي جبريل لغات تقدم ذكرها في البقرة. # ولما كان أشد ما على المرأة أن تطلق، ثم إذا طلقت أن يستبدل بها، ثم يكون ~~البدل خيرا منها قال تعالى محذرا لهن: # {عسى ربه} أي: المحسن إليه بجميع أنواع الإحسان التي عرفتموها، وما لم ~~تعرفوه منها أكثر جدير وحقيق ووسط بين عسى وخبرها اهتماما وتخويفا قوله ~~تعالى: {إن طلقكن} أي: بنفسه من غير اعتراض عليه جميعكن أو بعضكن. # قيل: كل عسى في القرآن واجب إلا هذه الآية، وقيل: هو واجب ولكن الله ~~تعالى علقه بشرط، وهو التطليق ولم يطلقهن فإن طلقكن شرط معترض بين اسم عسى ~~وخبرها وجوابه محذوف أو متقدم أي: إن طلقكن فعسى ربه وقوله تعالى {أن ~~يبدله} أي: بمجرد طلاقه. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال، ~~والباقون بسكون الموحدة وتخفيف الدال. {أزواجا خيرا منكن} خبر عسى، والجملة ~~جواب الشرط ولم يقع التبدل # PageV04P329 # لعدم وجود الشرط. # فإن قيل: كيف تكون المبدلات خيرا منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خيرا ~~منهن لأنهن أمهات المؤمنين؟ أجيب: بأنه إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعصيانهن وإيذائهن إياه كان غيرهن من الموصوف بالصفات الآتية مع ~~الطاعة له صلى الله عليه وسلم خيرا، أو أن هذه على سبيل الفرض وهو عام في ~~الدنيا والآخرة، فلا يقتضي وجود من هو خير منهن مطلقا. # وإن قيل: بوجوده في خديجة لما جرب من تحاملها على نفسها في حقه صلى الله ~~عليه وسلم وبلوغها في حبه والأدب معه ظاهرا وباطنا الغاية القصوى، ومريم ~~أحسنت حين كانت من القانتين فذلك في الآخرة، وتعليق تطليق الكل لا يدل على ~~أنه لم يطلق حفصة. فقد روي أنه طلقها ولم يزدها ذلك إلا فضلا لأن الله ~~تعالى أمره أن يراجعها، لأنها صوامة قوامة. # ثم بين تعالى الخيرية بقوله تعالى: {مسلمات} إلى أخره، وهو إما نعت، أو ~~حال، أو منصوب على الاختصاص. قال ms3743 سعيد بن جبير: مسلمات يعني مخلصات، وقيل: ~~مسلمات لأمر الله عز وجل وأمر رسول الله خاضعات لله تعالى بالطاعات ~~{مؤمنات} أي: مصدقات بتوحيد الله تعالى، وقيل: مصدقات بما أمرن به ونهين ~~عنه، وقيل: مسلمات مقرات بالإسلام مؤمنات مخلصات {قانتات} أي: مطيعات ~~والقنوت الطاعة، وقيل: داعيات {تائبات} أي: راجعات من الهفوات والزلات ~~سريعا إن وقع منهن شيء من ذلك، وقيل: راجعات إلى أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تاركات لمحاب أنفسهن {عابدات} أي: كثيرات العبادات لله تعالى، ~~وقال ابن عباس: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد {سائحات} قال ابن عباس: ~~صائمات، وقال الحسن: مهاجرات، وقال ابن زيد: وليس في أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم سياحة إلا الهجرة، والسياحة الجولان في الأرض، وقال الفراء ~~وغيره: سمي الصائم سائحا لأن السائح لازاد معه فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ~~ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره، وقيل: ذاهبات ~~في طاعة الله تعالى. من ساح الماء إذا ذهب {ثيبات} جمع ثيب، وهي التي تزوجت ~~ثم بانت بوجه من الوجوه، أو زالت بكارتها بوطء من غير نكاح {وأبكارا} أي: ~~عذارى جمع بكر، وهي ضد الثيب، وسميت بذلك لأنها على أول حالها التي خلقت ~~بها وقدم الثيبات لأنهن أخبر بالعشرة التي هذا سياقها، ووسط الواو بين ~~الثيبات والأبكار لتنافي الوصفين دون سائر الصفات. # فإن قيل: كيف ذكر الثيبات في مقام المدح وهن من جملة ما يقل رغبة الرجال ~~فيهن؟ أجيب: بأنه يمكن أن يكون بعض الثيبات خيرا من كثير من الأبكار ~~لاختصاصهن بالمال والجمال. # ولما بالغ سبحانه في عتاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع صيانتهن عن ~~التشبه إكراما له صلى الله عليه وسلم أتبع ذلك أمر الأمة بالتأسي به في هذه ~~الأخلاق الكاملة فقال تعالى متبعا لهن بالموعظة الخاصة بموعظة عامة دالة ~~على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأقرب فالأقرب. # {يا أيها الذين أمنوا} أي: أقروا بذلك {قوا أنفسكم} أي: اجعلوا لها وقاية ~~بالتأسي به صلى ms3744 الله عليه وسلم وترك المعاصي وفعل الطاعات، وفي أدبه مع ~~الخلق والخالق {وأهليكم} من النساء والأولاد وكل من يدخل في هذا الاسم قوهم ~~{نارا} بالنصح والتأديب ليكونوا متخلقين بأخلاق أهل النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما روى الطبراني عن سعيد بن العاص: «ما نحل والد ولدا # PageV04P330 # أفضل من أدب حسن» وفي الحديث: «رحم الله رجلا قال: يا أهلاه صلاتكم ~~صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معهم في الجنة» ~~وقيل: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله، وقال صلى الله عليه ~~وسلم «رحم الله امرأ قام من الليل فصلى فأيقظ أهله، فإن لم تقم رش على ~~وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها، فإن لم يقم ~~رشت على وجهه من الماء» وقال بعض العلماء: لما قال {قوا أنفسكم} دخل فيه ~~الأولاد لأن الولد بعض منه، كما دخلوا في قوله تعالى: {ولا عل أنفسكم جناح ~~أن تأكلوا من بيوتكم} (النور: 61) وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن أحل ما ~~أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه» فلم يفرد بالذكر أفراد سائر القرابات ~~فيعلمه الحلال والحرام. وقال عليه الصلاة والسلام: «حق الولد على الوالد أن ~~يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه اذا بلغ» . # ثم بين تعالى وصف تلك النار بقوله عز وجل: {وقودها} أي: الذي توقد به ~~{الناس} أي: الكفار {والحجارة} كأصنامهم منها، وعن ابن عباس أنها حجارة ~~الكبريت، وهي أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها، والمعنى أنها مفرطة الحرارة ~~تتقد بما ذكر لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه {عليها ملائكة} خزنتها ~~عدتهم تسعة عشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المدثر {غلاظ} أي: ~~غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا خلقوا من الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلق ~~كما حبب لبني أدم أكل الطعام والشراب {شداد} أي: شداد الأبدان، وقيل: غلاظ ~~الأقوال شداد الأفعال يدفع واحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفا في النار، ~~لم يخلق الله فيهم الرحمة، وقيل: في أخذهم أهل النار شداد عليهم، يقال: ms3745 ~~فلان شديد على فلان، أي: قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب. # وقيل: غلاظ أجسامهم ضخمة شداد، أي: الأقوياء. قال ابن عباس: ما بين منكبي ~~الواحد منهم مسيرة سنة، وقال صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم: «ما بين ~~منكبي كل واحد منهم كما بين المشرق والمغرب» {لا يعصون الله} أي: الملك ~~الأعلى في وقت من الأوقات، وقوله تعالى: {ما أمرهم} بدل من الجلالة أي: لا ~~يعصون أمر الله، وقوله تعالى: {ويفعلون ما يؤمرون} تأكيد؛ هذا ما جرى عليه ~~الجلال المحلي. وقال الزمخشري: فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: ~~لا فإن معنى الأولى أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ~~ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه، ولا ~~يتوانون فيه. وقيل: لا يعصون الله ما أمرهم الله فيما مضى ويفعلون ما ~~يؤمرون فيما يستقبل، وصدر بهذا البيضاوي. # فإن قيل: إنه تعالى خاطب المشركين في قوله تعالى: {فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} (البقرة: ~~24) فجعلها معدة للكافرين فما معنى مخاطبته للمؤمنين بذلك؟ أجيب: بأن ~~الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار فإنهم مع الكفار في دار واحدة، ~~فقيل للذين آمنوا: {قوا أنفسكم} باجتناب الفسوق مساكنة الذين أعدت لهم هذه ~~الدار الموصوفة، ويجوز أن يأمرهم بالتوقي عن الارتداد والندم على الدخول في ~~الإسلام، وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون. # قال الزمخشري: ويعضد ذلك قوله تعالى على الإثر: # {يا أيها الذين كفروا} أي: بالإخلال بالأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله تعالى، وبالأدب مع # PageV04P331 # سائر خلقه {لا تعتذروا} أي: تبالغوا في إظهار العذر هو إيساغ الحيلة في ~~وجه يزيل ما ظهر من التقصير {اليوم} فإنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار، وقد ~~فات زمان الاعتذار وصار الأمر إلى ما صار وهذا النهي لتحقيق اليأس {إنما ~~تجزون} أي: في هذا اليوم {ما كنتم} أي: ما هو لكم كالجبلة والطبع {تعملون} ~~في الدنيا، ونظيره {فيومئذ لا ms3746 ينفع الذين ظلموا معذرتهم} (الروم: 57) قال ~~البقاعي: ولا بعد على الله في أن يصور لكل إنسان صورة عمله بحيث لا يشك أنه ~~عمله ثم يجعل تلك الصورة عذابه الذي يجد فيه من الألم ما علم الله تعالى ~~أنه بمقدار استحقاقه. # ولما بين تعالى أن المعذرة لا تنفع في ذلك اليوم أمر بالتوبة في الدنيا ~~بقوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا توبوا} أي: ارجعوا رجوعا تاما {إلى الله} أي: الملك ~~الذي لا نظير له {توبة} وقوله: {نصوحا} صيغة مبالغة أسند النصح إليها ~~مجازا، وهي من نصح الثوب إذا خاطه فكأن التائب يرقع بالمعصية. وقيل: من ~~قولهم: ناصح، أي: خالص. وقرأ شعبة بضم النون، والباقون بفتحها. # تنبيه: أمرهم بالتوبة وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وفي كل الأزمان. ~~واختلفوا في معناها، فقال عمر ومعاذ: التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى ~~الذنب، كما لا يعود اللبن في الضرع، وقال الحسن: هي أن يكون العبد نادما ~~على ما مضى مجمعا على أن لا يعود فيه. وقال الكلبي: أن يستغفر باللسان، ~~ويندم بالقلب، ويمسك بالبدن. # وعن حوشب: أن لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار، وعن سماك: أن تنصب ~~الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله تعالى أمام عينيك، وتتبعه نظرك. وعن ~~السدي: لا تصح إلا بنصيحة النفس، ونصيحة المؤمنين لأن من صحت توتبته أحب أن ~~يكون الناس مثله. # وقال سعيد بن المسيب: توبة ينصحون فيها أنفسهم. وقال القرطبي: يجمعها ~~أربع أشياء: الإستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود ~~بالجنان، ومهاجرة سيء الإخوان. # وقال الفقهاء: التوبة التي لا تعلق لحق آدمي فيها لها ثلاثة شروط: أحدها: ~~أن يقلع عن المعصية، وثانيها: أن يندم على ما فعله، وثالثها: أن يعزم على ~~أن لا يعود إليها. فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت نصوحا وإن فقد ~~شرط منها لم تصح توبته. وإن كانت تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة ~~المتقدمة، والرابع: أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالا ونحوه رده ~~إلى مالكه، ms3747 وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه، أو طلب العفو منه، وإن ~~كانت غيبة استحله منها. # قال العلماء: التوبة واجبة من كل معصية كبيرة أو صغيرة على الفور، ولا ~~يجوز تأخيرها وتجب من جميع الذنوب، وإن تاب من بعضها صحت توبته عما تاب ~~منه، وبقي عليه الذي لم يتب منه، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم ~~مائة مرة» وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» وعن أنس بن مالك ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط ~~على بعيره وقد أضله في أرض فلاة» وعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده ~~بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» . وعن ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» . # وعن علي أنه سمع أعرابيا يقول: # PageV04P332 # اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك فقال: يا هذا إن سرعة الاستغفار بالتوبة ~~توبة الكذابين، قال: وما التوبة؟ قال: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من ~~الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، ورد المظالم واستحلال الخصوم، وأن تعزم ~~على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما أذبتها في المعصية، وأن ~~تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي. وعن حذيفة: بحسب الرجل من ~~الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه. وقوله تعالى: {عسى ربكم} أي: المحسن ~~إليكم {أن يكفر} ، أي: يغطى تغطية عظيمة {عنكم سيئاتكم} ، أي: ما بدا منكم ~~مما يسوء بالتوبة، إطماع من الله لعباده في قبول التوبة وذلك تفضلا وتكرما ~~لا وجوبا عليه، وإن كان التائب على خطر فما ظنك بالمصر ولكن الفضل واسع. # ولما ذكر نفع التوبة في دفع المضار ms3748 ذكر نفعها في جلب المسار بقوله تعالى: ~~{ويدخلكم} ، أي: يوم الفصل {جنات} أي: بساتين كثيرة الأشجار تستر داخلها ~~{تجري من تحتها} أي: تحت غرفها وأشجارها {الأنهار} فهي لا تزال ريا، وقوله ~~تعالى: {يوم لا يخزي الله} أي: الملك الأعظم {النبي} أي: الذي نبأه الله ~~تعالى بما يوجب له الرفعة التامة من الأخبار التي هي في غاية العظمة، منصوب ~~بيدخلكم أو بإضمار اذكر، ومعنى يخزي هنا يعذب، أي: لا يعذبه، وقوله تعالى: ~~{والذين آمنوا معه} يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منسوقا على النبي، أي: ~~ولا يخزي الذين آمنوا معه. وعلى هذا يكون قوله تعالى: {نورهم يسعى بين ~~أيديهم وبأيمانهم} مستأنفا أو حالا، الثاني: أن يكون مبتدأ وخبره {نورهم ~~يسعى} إلى آخره. وقوله تعالى: {يقولون} خبر ثان أو حال. # تنبيه: التقييد بالإيمان لا ينفي أن لهم نورا عن شمائلهم بل لهم نور لكن ~~لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من أهل اليمين فهم يمشون في ~~هاتين الجهتين ويؤتون صحائف أعمالهم منهما، وأما أصحاب الشمال فيعطونها من ~~وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما لهم من النور إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا ~~شفعوا {ربنا} ، أي: أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون ~~فيه {أتمم لنا نورنا} ، أي: الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام، ~~قال ابن عباس: يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقا، وعن الحسن: لله ~~متمه لهم ولكنهم يدعون تقربا إلى الله كقوله تعالى: {واستغفر لذنبك} (غافر: ~~55) وهو مغفور له، وقيل: يقوله أدناهم منزلة لأنهم يعطون من النور قدر ما ~~يبصرون مواطئ أقدامهم لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلا، ~~وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح ~~وبعضهم حبوا وزحفا فأولئك الذين يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا {واغفر لنا} ~~أي: وامح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى أحوال المنافقين عينه وأثره وهذا ~~النور من صور أعمالهم في الدنيا، لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع ~~الصور معانيها، ms3749 وهو شرع الله الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني ~~جهنم، لأن الفضائل في الدنيا متوسطة بين الرذائل فكل فضيلة يكتنفها رذيلتان ~~إفراط وتفريط فالفضيلة هي الصراط المستقيم والرذيلتان ما كان من جهنم عن ~~يمينه وشماله، فمن كان يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا ~~تفريط كان نوره تاما ومن أمالته الشهوات طفئ نوره في بعض الأوقات واختطفته ~~كلاليب هي صور الشهوات فتميل به في النار بقدر ميله إليها والمنافق يظهر له ~~نور # PageV04P333 # إقراره بكلمة التوحيد فإذا مشى طفئ لأن إقراره لا حقيقة له {إنك} أي: ~~وحدك {على كل شيء} يمكن دخول المشيئة فيه {قدير} أي: بالغ القدرة. # ولما ذكر ما تقدم من لينه صلى الله عليه وسلم لأضعف الناس وحسن أدبه وكرم ~~عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد الله والرحمة لهم أمره سبحانه ~~بالغلظة والشدة على أعدائه بقوله تعالى: # {يا أيها النبي جاهد الكفار} أي: بكل ما يجهدهم فيكفهم من السيف، وما ~~دونه من المواعظ الحسنة والدعاء إلى الله تعالى ليعرف أن ذلك اللين لأهل ~~الله تعالى إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك {والمنافقين} ، أي: ~~جاهدهم بما يليق بهم من الحجة والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة ~~وعرفهم أحوالهم في الآخرة، وإنهم لا نور لهم يجوزون به على الصراط مع ~~المؤمنين، وقال الحسن: وجاهدهم بإقامة الحدود عليهم {واغلظ عليهم} ، بالفعل ~~والقول بالتوبيخ والزجر والإبعاد والهجر، فالغلظة عليهم من اللين لله تعالى ~~كما أن اللين لأهل الله من خشية الله تعالى. وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون ~~بكسرها {ومأواهم} أي: في الآخرة {جهنم وبئس المصير} ، أي: هي. ولما كان ~~للكفار قرابات بالمسلمين ربما توهم أنها تنفعهم وللمسلين قرابات بالكفار ~~توهم أنها تضرهم ضرب لكل مثلا، وبدأ بالأول فقال تعالى: # تنبيه: التقييد بالإيمان لا ينفي أن لهم نورا عن شمائلهم بل لهم نور لكن ~~لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من أهل اليمين فهم يمشون في ~~هاتين الجهتين ويؤتون ms3750 صحائف أعمالهم منهما، وأما أصحاب الشمال فيعطونها من ~~وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما لهم من النور إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا ~~شفعوا {ربنا} ، أي: أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون ~~فيه {أتمم لنا نورنا} ، أي: الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام، ~~قال ابن عباس: يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقا، وعن الحسن: لله ~~متمه لهم ولكنهم يدعون تقربا إلى الله كقوله تعالى: {واستغفر لذنبك} (غافر: ~~55) وهو مغفور له، وقيل: يقوله أدناهم منزلة لأنهم يعطون من النور قدر ما ~~يبصرون مواطئ أقدامهم لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلا، ~~وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح ~~وبعضهم حبوا وزحفا فأولئك الذين يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا {واغفر لنا} ~~أي: وامح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى أحوال المنافقين عينه وأثره وهذا ~~النور من صور أعمالهم في الدنيا، لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع ~~الصور معانيها، وهو شرع الله الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني ~~جهنم، لأن الفضائل في الدنيا متوسطة بين الرذائل فكل فضيلة يكتنفها رذيلتان ~~إفراط وتفريط فالفضيلة هي الصراط المستقيم والرذيلتان ما كان من جهنم عن ~~يمينه وشماله، فمن كان يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا ~~تفريط كان نوره تاما ومن أمالته الشهوات طفئ نوره في بعض الأوقات واختطفته ~~كلاليب هي صور الشهوات فتميل به في النار بقدر ميله إليها والمنافق يظهر له ~~نور إقراره بكلمة التوحيد فإذا مشى طفئ لأن إقراره لا حقيقة له {إنك} أي: ~~وحدك {على كل شيء} يمكن دخول المشيئة فيه {قدير} أي: بالغ القدرة. # ولما ذكر ما تقدم من لينه صلى الله عليه وسلم لأضعف الناس وحسن أدبه وكرم ~~عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد الله والرحمة لهم أمره سبحانه ~~بالغلظة والشدة على أعدائه بقوله تعالى: # {يا أيها النبي جاهد الكفار} أي: بكل ما يجهدهم فيكفهم من السيف، ms3751 وما ~~دونه من المواعظ الحسنة والدعاء إلى الله تعالى ليعرف أن ذلك اللين لأهل ~~الله تعالى إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك {والمنافقين} ، أي: ~~جاهدهم بما يليق بهم من الحجة والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة ~~وعرفهم أحوالهم في الآخرة، وإنهم لا نور لهم يجوزون به على الصراط مع ~~المؤمنين، وقال الحسن: وجاهدهم بإقامة الحدود عليهم {واغلظ عليهم} ، بالفعل ~~والقول بالتوبيخ والزجر والإبعاد والهجر، فالغلظة عليهم من اللين لله تعالى ~~كما أن اللين لأهل الله من خشية الله تعالى. وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون ~~بكسرها {ومأواهم} أي: في الآخرة {جهنم وبئس المصير} ، أي: هي. ولما كان ~~للكفار قرابات بالمسلمين ربما توهم أنها تنفعهم وللمسلين قرابات بالكفار ~~توهم أنها تضرهم ضرب لكل مثلا، وبدأ بالأول فقال تعالى: # {ضرب الله} ، أي: الملك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما {مثلا} يعلم به من ~~فيه قابلية العلم ويتعظ به من له أهلية الاتعاظ {للذين كفروا} ، أي: غطوا ~~الحق على أنفسهم وعلى غيرهم وقوله تعالى: {امرأت نوح} عليه السلام الذي ~~أهلك الله تعالى من كذبه بالغرق {وامرأت لوط} عليه السلام الذي أهلك الله ~~تعالى من كذبه بالحصب والخسف، يجوز أن يكون بدلا من قوله: {مثلا} على تقدير ~~حذف المضاف، أي: ضرب الله مثلا مثل امرأة نوح وامرأة لوط، ويجوز أن يكونا ~~مفعولين، وضرب الله تعالى هذا المثل تنبيها على أنه لا يغني أحد عن قريب ~~ولا نسيب في الآخرة إذا فرق بينهما الدين. # قال مقاتل: وكان اسم امرأة نوح والهة واسم امرأة لوط والعة، وقال الضحاك: ~~عن عائشة: «إن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~أن اسم امرأة نوح واعلة واسم امرأة لوط والهة» . # تنبيه: رسمت امرأت في الثلاثة وابنت بالتاء المجرورة، فوقف عليهن بالهاء ~~ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، ووقف الباقون بالتاء. وقوله تعالى: {كانتا} ~~أي: مع كونهما كافرتين {تحت عبدين} جملة مستأنفة كأنها مفسرة لضرب المثل، ~~ولم يأت بضميرها فيقال: تحتهما، أي: تحت نوح ms3752 ولوط لما قصد من تشريفهما بهذه ~~الإضافة الشريفة قال القائل: # *لا تدعنى إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي* # ودل على كثرة عبيده تنبيها على غناه بقوله تعالى: {من عبادنا} ووصفهما ~~بأجل الصفات وهو قوله تعالى: {صالحين} واختلف في معنى قوله تبارك وتعالى: ~~{فخانتاهما} فقال عكرمة والضحاك: بالكفر. # وعن ابن عباس: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون وإذا آمن به أحد ~~أخبرت الجبابرة من قومه، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه، وعن ابن عباس ما ~~بغت امرأة نبي قط وإنما كانت خيانتهما في الدين وكانتا مشركتين، وقيل: ~~كانتا منافقتين، وقيل: خيانتهما النميمة إذا أوحي إليهما شيء أفشتاه إلى ~~المشركين؛ قاله الضحاك، وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف # PageV04P334 # دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال ~~{فلم} أي: فتسبب عن ذلك أن العبدين الصالحين لم {يغنيا عنهما} ، أي: ~~المرأتين بحق النكاح {من الله} ، أي: من عذاب الملك الذي له الأمر كله فلا ~~أمر لغيره {شيئا} أي: من إغناء لأجل خيانتهما {وقيل} أي: للمرأتين ممن أذن ~~له في القول النافذ الذي لا مرد له {ادخلا النار} ، أي: قيل لهما ذلك عند ~~موتهما أو يوم القيامة {مع الداخلين} ، أي: سائر الداخلين من الكفرة الذين ~~لا وصلة بينهم وبين الأنبياء، فلم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئا من عذاب ~~الله تعالى وفي هذا المثل تعريض بأمي المؤمنين عائشة وحفصة وما فرط منهما ~~وتحذير لهما على أعلى وجه وأشده وفيه تنبيه على أن العذاب يدفع بالطاعة لا ~~بالوسيلة وقيل: أن كفار مكة استهزؤا وقالوا: إن محمدا يشفع لنا فبين تعالى ~~أن الشفاعة لا تنفع كفار مكة وإن كانوا أقرباء، كما لا ينفع نوح امرأته ولا ~~لوط امرأته مع قربهما لهما لكفرهما. # ثم شرع تعالى في ضرب المثل الثاني: فقال تعالى: # {وضرب الله} ، أي: الملك الأعلى الذي له صفات الكمال {مثلا للذين آمنوا ~~امرأت فرعون} واسمها آسية وهي بنت مزاحم آمنت وعملت صالحا فلم تضرها الوصلة ~~بالكافر بالزوجية التي ms3753 هي من أعظم الوصل، ولا نفعه إيمانها، كل امرئ بما ~~كسب رهين وأثابها ربها تعالى أن جعلها في الآخرة زوجة خير خلقه محمد صلى ~~الله عليه وسلم في دار كرامته بصبرها على عبادة الله تعالى وهي في حبالة ~~عدوه وأسقط وصفه بالعبودية دليلا على تحقيره وعدم رحمته له لأنه من أعدى ~~أعدائه وقوله تعالى: {إذ قالت} ظرف للمثل المحذوف، أي: مثلهم مثلها حين ~~قالت {رب} ، أي: أيها المحسن إلي بالهداية وأنا في حبالة هذا الكافر الجبار ~~{ابن لي عندك بيتا} وبينت مرادها بالعندية فقالت: {في الجنة} أي: دار ~~المقربين وقد أجابها سبحانه بأن جعلها زوجة أكمل خلقه محمد صلى الله عليه ~~وسلم فكانت معه في منزله الذي هو أعلى المنازل {ونجني من فرعون} أي: فلا ~~أكون عنده {وعمله} فلا تسلطه علي بما يضرني عندك في الآخرة فلا أعمل بشيء ~~من عمله وهو شركه، وقال ابن عباس: جماعه {ونجني} أعادت العامل تأكيدا {من ~~القوم الظالمين} أي: الناس الأقوياء العريقين الذين يضعون أعمالهم في غير ~~موضعها، فاستجاب الله تعالى دعاءها وأحسن إليها لأجل محبتها للمحبوب، وهو ~~كليم الله موسى عليه السلام كما يقال: # *صديق صديقي داخل في صداقتي # وذلك أن موسى عليه السلام لما غلب السحرة آمنت به فلما تبين لفرعون ~~إيمانها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس، فإذا انصرفوا ~~عنها أظلتها الملائكة، وفي القصة أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها ~~فلما أتوها بالصخرة قالت: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} فأبصرته من مرمرة ~~بيضاء فانتزعت روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألما، وقال ~~الحسن وابن كيسان: رفع الله تعالى امرأة فرعون إلى الجنة فهي فيها تأكل ~~وتشرب. # وقوله تعالى: {ومريم ابنت عمران} عطف على امرأة فرعون تسلية للأرامل ~~{التي أحصنت فرجها} أي: عفت عن السوء وجميع مقدماته، كانت كالحصن العظيم ~~المانع من العدو فاستمرت على حالها إلى الممات فزوجها الله تعالى في الجنة ~~جزاء لها بخير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم وقال ms3754 بعض المفسرين: أراد ~~بالفرج هنا الجيب لقوله تعالى: {فنفخنا} ، # PageV04P335 # أي: بمالنا من العظمة بواسطة ملكنا جبريل عليه السلام {فيه} ، أي: في جيب ~~درعها. قال البقاعي: أو في فرجها الحقيقي، وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل ~~{من روحنا} ، أي: من روح خلقناه بلا تواسط أصل وهو روح عيسى عليه السلام ~~{وصدقت بكلمات ربها} ، أي: المحسن إليها واختلف في تلك الكلمات فقال: مقاتل ~~يعني بالكلمات عيسى وأنه نبى وعيسى كلمة الله وقال البغوي: يعني الشرائع ~~التي شرعها الله تعالى للعباد بكلماته المنزلة وقيل: هي قول جبريل عليه ~~السلام لها {إنما أنا رسول ربك} (مريم: 19) الآية، وعلى كل قول استحقت أن ~~تسمى لذلك صديقة، وقرأ: {وكتبه} أبو عمرو وحفص بضم الكاف والتاء جمعا، ~~والباقون بكسر الكاف وفتح التاء وبعدها ألف إفرادا والمراد منه الكثرة ~~فالمراد به الجنس فيكون في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى على ولدها أو ~~غيره. # وقوله تعالى: {وكانت من القانتين} يجوز في {من} وجهان: # أحدهما: أنها لابتداء الغاية. # والثاني: أنها للتبعيض. وقد ذكرهما الزمخشري فقال: فمن للتبعيض، ويجوز أن ~~تكون لابتداء الغاية أنها ولدت من القانتين لأنها من أعقاب هارون أخي موسى ~~صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما وعليها وعلى سائر الأنبياء وآلهم ~~أجمعين. # قال الزمخشري: فإن قلت لم قيل: من القانتين على التذكير؟ # قلت: لأن القنوت صفه تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه. ~~وقيل: أراد من القوم القانتين، ويجوز أن يرجع هذا إلى أهل بيتها فإنهم ~~كانوا مطيعين لله، والقنوت: الطاعة، وقال عطاء: من المصلين بين المغرب ~~والعشاء. وعن معاذ بن جبل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة وهي ~~تجود بنفسها: «إذا قدمت على ضراتك فأقرئيهن منى السلام مريم بنت عمران ~~وآسية بنت مزاحم» وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كمل من ~~نساء العالمين أربع مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ~~وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري: «كمل من ~~الرجال كثير ms3755 ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وفضل ~~عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» وما قاله البيضاوي تبعا ~~للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة التحريم آتاه الله ~~توبة نصوحا» حديث موضوع. ### | سورة الملك # مكية # وتسمى: الواقية والمنجية، وتدعى في التوراة المانعة لأنها تقي وتنجي من ~~عذاب القبر، وعن ابن شهاب أنه كان يسميها المجادلة لأنها تجادل عن صاحبها ~~في القبر. وهي ثلاثون آية وثلاثمائة، وثلاثون كلمة، وألف وثلاثمائة حرف. # {بسم الله} الذي خضعت لكمال عظمته الملوك {الرحمن} الذي عم بنعمة الإيجاد ~~كل من في الوجود {الرحيم} الذي خص أولياءه بالنعيم بدار الخلود. # {تبارك} ، أي: تكبر وتقدس وتعالى وتعاظم وثبت ثباتا لا مثل له مع اليمن ~~والبركة، وقيل: دام فهو الدائم الذي لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه {الذي ~~بيده} أي: بقدرته وتصرفه لا بقدرة غيره {الملك} ، أي: له الأمر والنهي # PageV04P336 # وملك السموات في الدنيا والآخرة، وقال ابن عباس: بيده الملك يعز من يشاء ~~ويذل من يشاء ويحيي ويميت ويغني ويفقر ويعطي ويمنع. قال الرازي: وهذه ~~الكلمة تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكا ومالكا كما يقال: بيد فلان الأمر ~~والنهي والحل والعقد، وذكر اليد إنما هو تصوير للإحاطة ولتمام القدرة؛ ~~لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة وعن كل ما يفهم حاجة أو شبهها {وهو على ~~كل شيء} ، أي: من الممكنات {قدير} أي: تام القدرة. # تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا يؤثر إلا قدرة الله تعالى، ~~وأبطلوا القول بالطبائع كقول الفلاسفة، وأبطلوا القول بالتولدات كقول ~~المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجدا لأفعال نفسه لقوله تعالى: {وهو ~~على كل شيء قدير} ودلت هذه الآية على الوحدانية لأنا لو قدرنا إلها ثانيا ~~فإما أن يقدر على إيجاد شيء أو لا، فإن لم يقدر على إيجاد شيء لم يكن إلها ~~وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئا فيلزم كون ذلك الشيء مقدورا للإله ~~الأول لقوله: {وهو على كل شيء قدير} فيلزم ms3756 وقوع مخلوق من خالقين وإنه محال، ~~لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلا بالإيجاد يلزم أن يستغني كل واحد منهما ~~عن كل واحد منهما فيكون محتاجا إليهما وغنيا عنهما وذلك محال. وقرأ: {وهو ~~على كل شيء قدير} {وهو العزيز الغفور} {وهو اللطيف} وما أشبه ذلك أبو عمرو ~~وقالون والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها، وخرج بقولنا من الممكنات أنه ~~تعالى ليس قادرا على نفسه، وأجاب بعضهم بأن هذا عام مخصوص. # ودل على تمام قدرته قوله تعالى: {الذي خلق} أي: قدر وأوجد {الموت ~~والحياة} قيل: خلق الموت في الدنيا والحياة في الآخرة، وقدم الموت على ~~الحياة لأن الموت إلى القهر أقرب كما قدم البنات على البنين فقال: {يهب لمن ~~يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} (الشورى: 49) # وقيل: قدمه لأنه أقدم، لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطف ~~والتراب ونحوه. وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ~~الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار ~~جزاء ثم دار بقاء» وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا ~~ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت» وقيل: إنما قدم الموت على ~~الحياة لأن من نصب الموت بين عينيه كان أقوى الدواعي إلى العمل، وحكي عن ~~ابن عباس والكلبي ومقاتل أن الموت والحياة جسمان، والموت في هيئة كبش لا ~~يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء وهي ~~التي كان جبريل عليه السلام والأنبياء عليهم السلام يركبونها خطوتها مد ~~البصر فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيي ولا تطأ ~~على شيء إلا حيي وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل فحيي، ~~حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس. # وعن مقاتل: {خلق الموت} يعني: النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني: ~~خلق إنسانا فنفخ فيه الروح فصار إنسانا. قال القرطبي: وهذا حسن يدل عليه ~~قوله تعالى: {ليبلوكم} أي: ms3757 يعاملكم وهو أعلم بكم من أنفسكم معاملة المختبر ~~لإظهار ما عندكم من العمل بالاختبار {أيكم أحسن عملا} أي: من جهة العمل، ~~أي: عمله أحسن من عمل غيره، # PageV04P337 # وروي عن عمر مرفوعا: «أحسن عملا أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في ~~طاعة الله» وقال الفضيل بن عياض: أحسن عملا أخلصه وأصوبه وقال: العمل لا ~~يقبل حتى يكون خالصا صوابا، فالخالص إذا كان لله والصواب إذا كان على ~~السنة، وقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها، وقال السدي: أيكم أكثر ~~للموت ذكرا وأحسن استعدادا وأشد خوفا وحذرا. وقيل: يعاملكم معاملة المختبر، ~~فيبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره وبالحياة ليبين شكره، وقيل: خلق ~~الله تعالى الموت للبعث والجزاء وخلق الله الحياة للابتلاء. # فإن قيل: الابتلاء هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصي ~~وذلك في حق الله تعالى العالم بجميع الأشياء محال. أجيب: بأن الابتلاء من ~~الله تعالى هو أن يعامل عبده معاملة تشبه المختبر كما مرت الإشارة إليه. # {وهو} أي: والحال أنه وحده {العزيز} أي: الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ~~{الغفور} أي: الذي مع ذلك يفعل في محو الذنوب عينا وأثرا فعل المبالغ في ~~ذلك، ويتلقى من أقبل إليه أحسن تلق كما قال تعالى في الحديث القدسي: «ومن ~~أتاني يمشي أتيته هرولة» . # وقوله تعالى: {الذي خلق} ، أي: أبدع على هذا التقدير من غير مثال سبق ~~{سبع سموات} يجوز أن يكون تابعا للعزيز الغفور نعتا أو بيانا أو بدلا، وأن ~~يكون منقطعا عنه خبر مبتدأ محذوف أو مفعول فعل مقدر. وقوله تعالى: {طباقا} ~~صفة لسبع وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جمع طبق نحو جبل وجبال. والثاني: أنه ~~جمع طبقة نحو: رحبة ورحاب، والثالث: أنه مصدر طابق، يقال: طابق مطابقة ~~وطباقا. ثم إما أن يجعل نفس المصدر مبالغة وإما على حذف مضاف، أي: ذات طباق ~~وإما أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر، أي: طوبقت طباقا من قولهم: طابق ~~النعل، أي: جعله طبقة فوق طبقة أخرى. وروي ms3758 عن ابن عباس: طباقا أي: بعضها ~~فوق بعض، قال البقاعي: بحيث يكون كل جزء منها مطابقا لجزء من الأخرى ولا ~~يكون جزء منها خارجا عن ذلك قال: وهي لا تكون كذلك إلا أن تكون الأرض كرة ~~والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة من جميع الجوانب، والثانية: ~~محيطة بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطا بالكل. # والكرسي الذي هو أقربها بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة فما ظنك بما ~~تحته؟ وكل سماء في التي فوقها بهذه النسبة، وقد قرر أهل الهيئة أنها كذلك ~~وليس في الشرع ما يخالفه بل ظواهره توافقه ولا سيما التشبيه بالحلقة ~~الملقاة في فلاة فسبحان اللطيف الخبير، ولا شك أن من تفكر في هذه العظمة مع ~~ما لطف بنا فيما هيأ فيها لنا من المنافع آثره سبحانه بالحب وأفرده عن كل ~~ضد فانقطع باللجا إليه ولم يعول إلا عليه في كل دفع ونفع وسارع في مرضاته ~~ومحابه في كل خفض ورفع. # تنبيه: دلت هذه الآية على القدرة من وجوه: أحدها: من حيث بقاؤها في جو ~~الهواء معلقة بلا عماد ولا سلسلة. ثانيها: أن كلا منها اختص بحركة خاصة ~~متقدرة بقدر معين من السرعة والبطء إلى جهة معنية. ثالثها: كونها في ذاتها ~~محدثة وكل ذلك يدل على إسنادها إلى قادر تام القدرة. # وقوله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن} أي: للسموات ولغيرها خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أو لكل مخاطب، وكذا القول في قوله تعالى: {فارجع البصر} {ثم ~~ارجع # PageV04P338 # البصر} {ينقلب إليك البصر} {من تفاوت} ، أي: من اعوجاج ولا تناقض ولا ~~تباين بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها وإن اختلف صورة، وقيل: المراد ~~بذلك السموات خاصة، أي: ما ترى في خلق السموات من عيب وأصله من الفوت وهو: ~~أن يفوت بعضها بعضا فيقع الخلل لعدم استوائها يدل عليه قول ابن عباس: من ~~تفرق، وقال السدي: أي من اختلاف وعيب يقول الناظر: لو كان كذا لكان أحسن، ~~وقيل: المراد من التفاوت الفطور لقوله تعالى بعد ذلك: ms3759 {فارجع البصر هل ترى ~~من فطور} ونظيره قوله تعالى: {وما لها من فروج} (ق: 6) قال القفال: ويحتمل ~~أن يكون المعنى: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت في الدلالة على حكم الصانع ~~وأنه لم يخلقها عبثا. # تنبيه: دلت هذه الآية على كمال علم الله تعالى، وذلك أن الحس دل على أن ~~هذه السموات السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان وكل فاعل كان ~~فعله محكما متقنا فلا بد وأن يكون عالما فدلت الآية على كونه تعالى عالما ~~بالمعلومات فقوله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} إشارة إلى كونها ~~محكمة متقنة. # وقرأ: {ما ترى} و {هل ترى} أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة وورش ~~بين بين والباقون بالفتح، وأدغم لام هل في التاء أبو عمرو وهشام وحمزة ~~والكسائي، وقرأ من تفوت حمزة والكسائي بغير ألف بعد الفاء وتشديد الواو ~~والباقون بألف بعد الفاء وتخفيف الواو. # وقوله تعالى: {فارجع البصر} مسبب عن قوله تعالى: {ما ترى} وقوله تعالى: ~~{هل ترى من فطور} جملة يجوز أن تكون معلقة لفعل محذوف يدل عليه فارجع ~~البصر، أي: فارجع البصر فانظر هل ترى، وأن يكون فارجع البصر مضمنا معنى ~~انظر لأنه بمعناه فيكون هو المعلق. # والفطور جمع فطر وهو الشق يقال: فطره فانفطر، ومنه فطر ناب البعير كما ~~يقال: شق ومعناه شق اللحم وطلع، قال المفسرون: الفطور: الصدوع والشقوق قال ~~القائل: # *شققت القلب ثم ذرأت فيه ... هواك فليط فالتام الفطور* # {ثم ارجع البصر} وقوله تعالى: {كرتين} نصب على المصدر كمرتين وهو مثنى لا ~~يراد به حقيقته بل التكثير بدليل قوله تعالى: {ينقلب إليك البصر خاسئا} ، ~~أي: صاغرا ذليلا بعيدا عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طردا بالصغار ~~{وهوحسير} ، أي: كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة، وهذان الوصفان لا ~~يأتيان بنظرتين ولا ثلاث، وإنما المعنى: كرات، وهذا كقولهم: لبيك وسعديك ~~وحنانيك ودواليك وهذاذيك؛ لا يريدون بهذه التثنية تشفيع الواحد إنما يريدون ~~التكثير، أي: إجابة لك بعد إجابة وإلا لتناقض الغرض، والتثنية تفيد التكثير ~~لقرينة كما ms3760 يفيده أصلها وهو العطف لقرينة كقوله: # *لوعد قبر وقبر كنت أكرمه* # أي: قبور كثيرة ليتم المدح، وقال ابن عطية: كرتين معناه مرتين ونصبهما ~~على المصدر. وقيل: الأولى: ليرى حسنها واستواءها، والثانية: ليبصر كواكبها ~~في مسيرها وانتهائها وهذا بظاهره يفهم التثنية فقط، وروى البغوي عن كعب أنه ~~قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية: مرمرة بيضاء، والثالثة: حديد، ~~والرابعة: صفر أو قال: نحاس، والخامسة: فضة، والسادسة: ذهب، والسابعة: ~~ياقوتة حمراء، وبين # PageV04P339 # السماء السابعة والحجب السبعة صحارى من نور. # ثم ذكر تعالى دلالة أخرى بعد تلك الدلالة تدل على تمام قدرته بقوله ~~تعالى: {ولقد زينا} بما لنا من العظمة {السماء الدنيا} أي: القربى لأنها ~~أقرب السموات إلى الأرض وهي التي تشاهدونها {بمصابيح} جمع مصباح وهو السراج ~~أي: بنجوم متقدة عظيمة جدا تفوت الحصر ظاهرة سائرة مضيئة ظاهرة زاهرة وهي ~~الكواكب التي تنور الأرض بالليل إنارة السرج التي تنورون بها سقوف دوركم، ~~وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وزينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم ~~بالمصابيح، فكأنه قال: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح ~~والتزين بها لا يمنع أن تكون مركوزة فيما فوقها من السماوات وهي تتراءى ~~بحسب الشفوف وبما لأجرام السماوات من الصفاء ولتلك المصابيح من شدة ~~الإضاءة. # {وجعلناها} أي: المصابيح بما لنا من العظمة مع كونها زينة وإعلاما ~~للهداية {رجوما للشياطين} أي: الذين يحق لهم الطرد من الجن لما لهم من ~~الاحتراق حراسة للسماء التي هي محل تنزل أمرنا بالقضاء والقدر، وإنزال هذا ~~الذكر الحكيم لئلا يفسدوا باستراق السمع فيها على الناس دينهم الحق ويلبسوا ~~عليهم أمرهم بخلط الحق الذي قد ختمنا به الأديان بالباطل. # والرجوم جمع رجم وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير، ~~ويجوز أن يكون باقيا على مصدرتيه، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم، وجمع المصدر ~~باعتبار أنواعه، والشهاب المرجوم به منفصل من نار الكوكب وهو قار في فلكه ~~على حاله كقبس النار يؤخذ منها وهي باقية لا تنقص، وذلك مسوغ لتسميتها ~~بالنجوم فمن لحقه الشهاب منهم قتله ms3761 أو ضعضع أمره وخبله، وقال أبو علي جوابا ~~لمن قال: كيف تكون زينة وهي رجوم؟: لا تنفي كيفية الرجم أن يؤخذ نار من ضوء ~~الكوكب يرمى بها الشيطان والكوكب في مكانه لا يرجم به، وقيل: الرجوم هنا ~~الظنون والشياطين شياطين الإنس كما قال القائل: # *وما هو عنها بالحديث المرجم* # فيكون المعنى: جعلناها ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم المنجمون ~~يتكلمون بها رجما بالغيب في أشياء من عظيم الابتلاء، وعن قتادة: خلقت ~~النجوم لثلاث: زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأول ~~فيها غير ذلك أخطأ وتكلف ما لا علم له به وتعدى وظلم. # {وأعتدنا} أي: هيأنا في الآخرة مع هذا الذي في الدنيا بما لنا من العظمة ~~{لهم} أي: للشياطين {عذاب السعير} أي: التي في غاية الاتقاد في الآخرة قال ~~المبرد: سعرت النار فهي مسعورة وسعير، مثل مقتولة وقتيل، وهذه الآية تدل ~~على أن النار مخلوقة الآن لأن قوله تعالى: {وأعتدنا لهم} خبر عن الماضي. # ولما أخبر تعالى عن تهيئة العذاب لهم بالخصوص أخبر عن تهيئته لكل عامل ~~بأعمالهم على وجه اندرجوا هم فيه فقال عز من قائل: {وللذين كفروا} أي: ~~أوقعوا التغطية لما من حقه أن يظهر ويشهر من الإذعان للإله {بربهم} أي: ~~الذي تفرد بإيجادهم والإحسان إليهم فأنكروا إيجاده لهم بعد الموت كفرا بما ~~شاهدوا من اختراعه لهم من العدم {عذاب جهنم} أي: الدركة النارية التي ~~تلقاهم بالتجهم والعبوسة والغضب {وبئس المصير} أي: هي. # {إذا ألقوا} أي: طرح الكفار {فيها} أي: في نار جهنم من أي طارح أمرناه ~~بطرحهم كما يطرح الحطب في النار العظيمة {سمعوا لها} # PageV04P340 # أي: جهنم نفسها {شهيقا} أي: صوتا هائلا أشد نكارة من أول صوت الحمار لشدة ~~توقدها وغليانها، قال ابن عباس: الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها كشهيق ~~البغلة للشعير أو لأهلها على حذف مضاف كما قال عطاء: الشهيق للكفار، أي: ~~سمعوا من أنفسهم شهيقا كقوله تعالى: {لهم فيها زفير وشهيق} (هود: 106) قال ~~القرطبي: الشهيق في الصدر، والزفير في الحلق وقد مضى ms3762 في سورة هود. {وهي ~~تفور} أي: تغلي بهم ومنه قول حسان: # *تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حابية تفور* # قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المراجل، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي ~~بسكون الهاء والباقون بكسرها. # {تكاد تميز} أي: تقرب من أن ينفصل بعضها من بعض كما يقال: يكاد فلان ينشق ~~من غيظه، وفلان غضب فطارت شقة منه في الأرض وشقة في السماء، كناية عن شدة ~~الغضب. وقرأ البزي بتشديد التاء من تميز في الوصل، والسوسي على أصله بإدغام ~~الدال في التاء {من الغيظ} أي: عليهم، وقال سعيد بن جبير: {تكاد تميز من ~~الغيظ} يعني: ينقطع وينفصل بعضها من بعض، وقال ابن عباس: تتمزق من شدة ~~الغيظ على أعداء الله تعالى وذلك كله لغضب سيدها، وتأتي يوم القيامة تقاد ~~إلى المحشر بألف زمام لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به، وهي من شدة ~~الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس فتقطع الأزمة جميعا وتحطم أهل ~~المحشر فلا يردها عنهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم يقابلها بنوره فترجع ~~مع أن لكل ملك من القوة ما لو أمر أن يقلع الأرض وما عليها من الجبال ويصعد ~~بها في الجو فعل من غير كلفة، وهذا كما أطفأها في الدنيا بنفخه، روى أبو ~~داود عن ابن عمر أنه قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذكر صلاته إلى أن قال: ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف ألم تعدني أن ~~لا تعذبهم وأنا فيهم ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون» .v # ولما ذكر تعالى حالها أتبعه حالهم فقال تعالى: {كلما ألقي فيها} أي: في ~~جهنم بدفع الزبانية لهم {فوج} أي: جماعة في غاية الإسراع، والأفواج ~~الجماعات في تفرقة ومنه قوله تعالى: {فتأتون أفواجا} (النبأ: 18) والمراد ~~هنا بالفوج جماعة من الكفار {سألهم} أي: ذلك الفوج {خزنتها} أي: النار وهم ~~مالك وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع {ألم يأتكم} أي: في الدنيا {نذير} أي: رسول ~~يخوفكم هذا اليوم حتى تحذروا. قال ms3763 الزجاج: وهذا التوبيخ زيادة لهم في ~~العذاب. # {قالوا بلى} قرأه حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بالفتح وبين ~~اللفظين، والباقون بالفتح والوقف عليها كما في الوصل {قد جاءنا نذير} أي: ~~محذر بليغ التحذير. # تنبيه: في ذلك دليل على جواز الجمع بين حرف الجواب ونفس الجملة المجاب ~~بها إذ لو قالوا: بلى لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسرا وزيادة في نقمتهم ~~على تفريطهم في قبول قول النذير وليعطفوا عليه قولهم {فكذبنا} أي: فتسبب عن ~~مجيئه أنا أوقعنا التكذيب بكل ما قاله النذير {وقلنا} أي: زيادة في التكذيب ~~{ما نزل الله} أي: الذي له الكمال كله عليكم ولا على غيركم {من شيء} لا ~~وحيا ولا غيره وما كفانا هذا الفجور حتى قلنا مؤكدين: {إن} أي: ما {أنتم} ~~أي: أيها النذر المذكورون في نذير، المراد به الجنس {إلا في ضلال} أي: بعد ~~عن الطريق {كبير} فبالغنا في التكذيب والسفه # PageV04P341 # بالاستجهال والاستخفاف. وقيل: قوله تعالى: {إن أنتم إلا في ضلال كبير} من ~~كلام الملائكة للكفار حين أخبروا بالتكذيب. # {وقالوا} أي: الكفار زيادة في توبيخ أنفسهم {لو كنا} أي: بما لنا من ~~الغريزة {نسمع} أي: كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادا على ~~ما لاح من صدقهم بالمعجزات {أو نعقل} أي: بما أدته إلينا حاسة السمع فنفكر ~~في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين {ما كنا} أي: كونا دائما {في أصحاب ~~السعير} أي: في عداد من أعدت له النار التي هي في غاية الإيقاد. # تنبيه: في الآية أعظم فضيلة للعقل، روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون ~~عبادته أما سمعتم قول الفجار: {لو كنا نسمع أو نعقل} » الآية # {فاعترفوا} أي: بالغوا في الاعتراف حيث لا ينفعهم الاعتراف {بذنبهم} أي: ~~في دار الجزاء كما بالغوا في التكذيب في دار العمل، والذنب لم يجمع لأنه في ~~الأصل مصدر والمراد به تكذيب الرسل {فسحقا} أي: فبعدا لهم من رحمة الله ~~تعالى وهو دعاء عليهم مستجاب {لأصحاب ms3764 السعير} أي: الذين قضت عليهم أعمالهم ~~بملازمتها، وقال سعيد بن جبير وأبو صالح: هو واد في جهنم يقال: له السحق، ~~وقرأ الكسائي بضم الحاء والباقون بسكونها. # ولما ذكر أصحاب السعير أتبعهم ذكر أضدادهم بقوله تعالى: {إن الذين يخشون} ~~أي: يخافون {ربهم} أي: المحسن إليهم خوفا أرق قلوبهم وأرق أعينهم بحيث لا ~~يقر لهم قرار من توقعهم العقوبة كلما ازدادوا طاعة ازدادوا خشية {يؤتون ما ~~آتو وقلوبهم وجلة} (المؤمنون: 60) . {بالغيب} أي: حال كونهم غائبين عن ~~عذابه سبحانه، أو وعيده غائبا عنهم أو وهم غائبون عن أعين الناس فهم مع ~~الناس يتكلمون وقلوبهم تتلظى بنيران الخوف وتتكلم بسيوف الهيبة فيتركون ~~المعصية حيث لا يراهم أحد من الناس ولا يكون لهم هذا إلا برياضة عظيمة، ~~فعلى العاقل أن يطوع نفسه لترجع مطمئنة بأن ترضى بالله ربا لتدخل في رق ~~العبودية، وبالإسلام دينا ليصير غريقا فيها، فلا ينازع الملك في ردائه ~~الكبرياء وإزاره العظمة وتاجه الجلال وحلته الجمال، ولا ينازعه فيما يدبره ~~من الشرائع ويظهره من المعارف ويحكم به على عبيده من قضائه وقدره. {لهم ~~مغفرة} أي: عظيمة تأتي على جميع ذنوبهم {وأجر} أي: من فضل الله تعالى ~~{كبير} يكون لهم به من الإكرام ما ينسيهم ما قاسوه في الدنيا من شدائد ~~الإيلام ويصغر في جنبه لذائذ الدنيا العظام. # {وأسروا} أي: أيها الخلائق {قولكم} أي: خيرا كان أو شرا {أو اجهروا به} ~~فإنه يعلمه ويجازيكم به، اللفظ لفظ الأمر والمراد به الخير، يعني: إن ~~أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره أو جهرتم به فسواء ~~{إنه} أي: ربكم {عليم} أي: بالغ العلم {بذات الصدور} أي: بحقيقتها وكنهها ~~وحالها وجبلتها وما يحدث عنها من الخير والشر وقال ابن عباس: «نزلت في ~~المشركين كانوا ينالون من النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل عليه ~~السلام فقال: بعضهم لبعض أسروا قولكم كي لا يسمع رب محمد» . فأسروا قولكم ~~أو اجهروا به يعني: وأسروا قولكم في محمد صلى الله عليه وسلم وقال غيره: ~~إنه ms3765 خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي ~~سبيل وجد # PageV04P342 # فالحال واحد في علمه تعالى، فاحذروا من المعاصي سرا كما تحذرون عنها جهرا ~~فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم الله تعالى. # ولما قال تعالى: {إنه عليم بذات الصدور} ذكر الدليل على أنه عالم فقال ~~تعالى: {ألا يعلم من خلق} أي: من خلق لا بد وأن يكون عالما بما خلقه، لأن ~~الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء لابد وأن ~~يكون عالما بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية. والمعنى: ألا يعلم السر من خلق ~~السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب أفلا أكون عالما بما في قلوب العباد، ~~قال أهل المعاني: إن شئت جعلته من أسماء الخالق تعالى ويكون المعنى: ألا ~~يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق والمعنى: ألا يعلم الله ~~من خلقه، ولا بد أن يكون الخالق عالما بما خلقه وما يخلقه قال ابن المسيب: ~~بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير وقد عصفت الريح فوقع في نفس الرجل أترى ~~الله يعلم ما يسقط من هذا الورق فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم ألا يعلم ~~من خلق {وهو} أي: والحال أنه هو {اللطيف} الذي يعلم ما بثه في القلوب ~~{الخبير} أي: البالغ العلم بالظواهر والبواطن فكيف يخفى عليه شيء من ~~الأشياء. # وقال أبو إسحاق الاسفرايني: من أسماء صفات الذات ما هو للعلم منها العليم ~~ومعناه تعميم جميع المعلومات، ومنها الحكيم، ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف، ~~ومنها الشهيد، ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ومعناه أن لا يغيب عنه شيء، ~~ومنها الحافظ ويختص بأنه لا ينسى شيئا، ومنها المحصي ويختص بأنه لا يشغله ~~الكثرة عن العلم مثل ضوء النور واشتداد الريح وتساقط الأوراق فيعلم عند ذلك ~~أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق وقد قال: {ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير} . # ولما كان هذا أمرا غامضا دل عليه بأمر مشاهد أبدعه بلطفه وأتقنه بخبره ~~فقال مستأنفا: ms3766 {هو} أي: وحده {الذي جعل لكم الأرض} على سعتها وعظمتها ~~وحزونة كثير منها {ذلولا} أي: مسخرة لا تمتنع لتتوصلوا إلى منافعكم فيها ~~قابلة للانقياد لما تريدون منها من مشي وزرع حبوب وغرس أشجار وغير ذلك، ~~وقيل: ثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها ولو كانت متمايلة لما كانت منقادة ~~لنا، وقيل: لو كانت مثل الذهب والحديد لكانت تسخن جدا في الصيف وتبرد جدا ~~في الشتاء. # تنبيه: في ذكر هذه الآية بعد الآية المتقدمة تهديد للكفرة كقول السيد ~~لعبده الذي أساء إليه سرا: يا فلان أنا أعرف سرك وعلانيتك فاجلس في هذه ~~الدار التي وهبتها لك، وكل هذا الخبز الذي هيأته لك ولا تأمن مكري وتأديبي، ~~فكأنه تعالى يقول: يا أيها الكفار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم فخافوني ~~فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم ولو شئت خسفت بكم. # وقوله تعالى: {فامشوا} ، أي: الهوينا مكتسبين وغير مكتسبين إن شئتم من ~~غير صعوبة توجب لكم وثوبا أو حبوا {في مناكبها} مثل لفرط التذلل ومجاوزته ~~الغاية، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنباه عن أن ~~يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم ~~يترك شيئا وهذا أمر إباحة وفيه إظهار الامتنان وقيل: خبر بلفظ الأمر، أي: ~~لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها وآكامها وجبالها، وقال ابن عباس وبشير بن ~~كعب وقتادة: في مناكبها في جبالها وتذليلها أدل على # PageV04P343 # تذليل غيرها، وليكن مشيكم فيها وتصرفاتكم بذل وإخبات وسكون استصغارا ~~لأنفسكم وشكرا لمن سخر لكم ذلك، وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال ~~لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة، فقالت: مناكبها جبالها، فقال ~~لها: صرت حرة فأراد أن يتزوجها فسأل أبا الدرداء فقال: «دع ما يريبك إلى ما ~~لا يريبك» وقال مجاهد: في أطرافها، وعنه أيضا في طرقها وفجاجها، وهو قول ~~السدي والحسن، وقال الكلبي: في جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه. # فائدة: حكى قتادة عن أبي الخلدان: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، للسودان ~~اثنا عشر ms3767 ألف، وللروم ثمانية آلاف، وللفرس ثلاثة آلاف، وللعرب ألف. # ثم ذكرهم تعالى بأنه سهلها لإخراج البركات بقوله تعالى: {وكلوا} ودل على ~~أن الرزق فوق الكفاية بقوله تعالى: {من رزقه} الذي أودعه لكم فيها، قال ~~الحسن: مما أحل لكم، وقيل: مما خلقه الله لكم رزقا في الأرض {وإليه} أي: ~~وحده {النشور} وهو إخراج جميع الحيوانات التي أكلتها الأرض وأفسدتها يخرجها ~~سبحانه في الوقت الذي يريده على ما كان كل منها عليه عند الموت كما أخرج ~~تلك الأرزاق، لا فرق بين هذا وذاك غير أنكم لا تتأملون، فيا فوز من شكر ويا ~~هلاك من كفر، فعودوا أنفسكم بالخيرات لعلها تنقاد كما قيل: # * ... هي النفس ما عودتها تتعود* # ولما كان لم يكن بعد الاستعطاف إلا الإنذار قال تعالى مهددا للمكذبين: ~~{أأمنتم} قرأ قنبل في الوصل بإبدال الهمزة بعد راء النشور واوا، وسهل ~~الهمزة الثانية نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه، وحققها الباقون، ~~وأدخل بينهما ألفا قالون وأبو عمرو وهشام والباقون بغير إدخال، وقوله ~~تعالى: {من في السماء} فيه وجوه: # أحدها: من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح ~~المحفوظ، ومنها ينزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. # والثاني: أن ذلك على حذف مضاف، أي: أأمنتم خالق من في السماء. # والثالث: أن في بمعنى على، أي: على السماء، كقوله: {ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل} (طه: 71) أي: على جذوع النخل وإنما احتاج القائل بهذين الوجهين إلى ~~ذلك لأنه اعتقد أن من واقعة على الباري تعالى شأنه وهو الظاهر وثبت بالدليل ~~القطعي أنه ليس بمتحيز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك، فإن من هنا ~~المراد بها الملائكة سكان السماء وهم الذين يتولون الرحمة والنقمة. # والرابع: أنهم خوطبوا بذلك على اعتقادهم فإن القوم كانوا مجسمة مشبهة ~~وأنه في السماء، وأن الرحمة والعذاب نازلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها ~~فقيل لهم على حسب اعتقادهم: {أأمنتم من في السماء} أي: من تزعمون أنه في ~~السماء. قال الرازي: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها بإجماع ~~المسلمين، ms3768 لأن ذلك يقتضي إحاطة السماء به من جميع الجوانب فيكون أصغر منها ~~والعرش أكبر من السماء بكثير فيكون حقيرا بالنسبة إلى العرش وهو باطل ~~بالاتفاق، ولأنه تعالى قال: {قل لمن ما في السموات والأرض} (الأنعام: 12) ~~فلو كان فيها لكان مالكا لنفسه، فالمعنى: أما من في السماء عذابه، وإما إن ~~ذلك بحسب ما كانت العرب تعتقده، وأما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته كما ~~قال تعالى: {وهو الله في السموات وفي الأرض} (الأنعام: 3) فإن الشيء الواحد ~~لا يكون دفعة في مكانين، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله سبحانه ~~وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب وهو جبريل عليه السلام. # فائدة: حكى قتادة عن أبي الخلدان: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، للسودان ~~اثنا عشر ألف، وللروم ثمانية آلاف، وللفرس ثلاثة آلاف، وللعرب ألف. # ثم ذكرهم تعالى بأنه سهلها لإخراج البركات بقوله تعالى: {وكلوا} ودل على ~~أن الرزق فوق الكفاية بقوله تعالى: {من رزقه} الذي أودعه لكم فيها، قال ~~الحسن: مما أحل لكم، وقيل: مما خلقه الله لكم رزقا في الأرض {وإليه} أي: ~~وحده {النشور} وهو إخراج جميع الحيوانات التي أكلتها الأرض وأفسدتها يخرجها ~~سبحانه في الوقت الذي يريده على ما كان كل منها عليه عند الموت كما أخرج ~~تلك الأرزاق، لا فرق بين هذا وذاك غير أنكم لا تتأملون، فيا فوز من شكر ويا ~~هلاك من كفر، فعودوا أنفسكم بالخيرات لعلها تنقاد كما قيل: # * ... هي النفس ما عودتها تتعود* # ولما كان لم يكن بعد الاستعطاف إلا الإنذار قال تعالى مهددا للمكذبين: ~~{أأمنتم} قرأ قنبل في الوصل بإبدال الهمزة بعد راء النشور واوا، وسهل ~~الهمزة الثانية نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه، وحققها الباقون، ~~وأدخل بينهما ألفا قالون وأبو عمرو وهشام والباقون بغير إدخال، وقوله ~~تعالى: {من في السماء} فيه وجوه: # أحدها: من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح ~~المحفوظ، ومنها ينزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. # والثاني: أن ذلك على حذف مضاف، أي: أأمنتم خالق من في ms3769 السماء. # والثالث: أن في بمعنى على، أي: على السماء، كقوله: {ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل} (طه: 71) أي: على جذوع النخل وإنما احتاج القائل بهذين الوجهين إلى ~~ذلك لأنه اعتقد أن من واقعة على الباري تعالى شأنه وهو الظاهر وثبت بالدليل ~~القطعي أنه ليس بمتحيز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك، فإن من هنا ~~المراد بها الملائكة سكان السماء وهم الذين يتولون الرحمة والنقمة. # والرابع: أنهم خوطبوا بذلك على اعتقادهم فإن القوم كانوا مجسمة مشبهة ~~وأنه في السماء، وأن الرحمة والعذاب نازلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها ~~فقيل لهم على حسب اعتقادهم: {أأمنتم من في السماء} أي: من تزعمون أنه في ~~السماء. قال الرازي: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها بإجماع ~~المسلمين، لأن ذلك يقتضي إحاطة السماء به من جميع الجوانب فيكون أصغر منها ~~والعرش أكبر من السماء بكثير فيكون حقيرا بالنسبة إلى العرش وهو باطل ~~بالاتفاق، ولأنه تعالى قال: {قل لمن ما في السموات والأرض} (الأنعام: 12) ~~فلو كان فيها لكان مالكا لنفسه، فالمعنى: أما من في السماء عذابه، وإما إن ~~ذلك بحسب ما كانت العرب تعتقده، وأما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته كما ~~قال تعالى: {وهو الله في السموات وفي الأرض} (الأنعام: 3) فإن الشيء الواحد ~~لا يكون دفعة في مكانين، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله سبحانه ~~وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب وهو جبريل عليه السلام. # وقوله تعالى: # PageV04P344 # {أن يخسف بكم الأرض} بدل من {من في السماء} بدل اشتمال، وقال القرطبي: ~~يحتمل أن يكون المعنى: أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما ~~خسفها بقارون، وقرأ: {من في السماء أن} نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال ~~الهمزة الثانية المفتوحة بعد الكسرة ياء في الوصل والباقون بتحقيقهما {فإذا ~~هي} أي: الأرض التي أنتم عليها {تمور} أي: تضطرب وهي تهوي بكم وتجري هابطة ~~في الهواء وتتكفأ إلى حيث شاء سبحانه، قال في «القاموس» : المور الاضطراب ~~والجريان على وجه الأرض والتحرك، وقال الرازي: إن الله تعالى يحرك ms3770 الأرض ~~عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها يذهبون، ~~والأرض فوقهم تمور فتقلبهم إلى أسفل السافلين. # وقال القرطبي: قال المحققون: أأمنتم من فوق السماء كقوله تعالى: {فسيحوا ~~في الأرض} (التوبة: 2) ، أي: فوقها لا بالمماسة والتحيز بل بالقهر والتدبير ~~والأخبار في هذا صحيحة كثيرة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو ~~جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت ووصفه بالعلو ~~والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع ~~الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ~~ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته، ~~كما جعل الله تعالى الكعبة قبلة للصلاة، ولأنه تعالى خلق الأمكنة وهو غير ~~متحيز وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن ~~على ما عليه كان. # وقوله تعالى: {أم أمنتم} أي: أيها المكذبون {من في السماء أن يرسل} بدل ~~من {من في السماء} بدل اشتمال. {عليكم} أي: من السماء {حاصبا} قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، ~~وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء لشدتها وقوتها، وقيل: هي ~~سحاب فيها حجارة {فستعملون} أي: عن قريب بوعد لا يخلف عند معاينة العذاب ~~{كيف نذير} أي: إنذاري البليغ إذا شاهدتم العذاب، وهو بحيث لا يستطاع ولا ~~تتعلق الأطماع بكشف له ولا دفاع. قال البقاعي: وحذف الياء منه ومن نكير ~~إشارة إلى أنه وإن كان خارجا عن الطوق ليس منتهى مقدوره بل لديه مزيد لا ~~غاية له بوجه ولا تحزير، أي: على قراءة أكثر القراء فقد قرأ ورش بالياء في ~~الوصل فيهما دون الوقف والباقون بغير ياء وقفا ووصلا. # {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير} أي: إنكاري عليهم لما أصبتهم به ~~من العذاب. # ولما ذكر تعالى ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته بقوله ~~تعالى: {أو لم يروا} أجمع القراء على ms3771 القراءة بالغيب لأن السياق للرد على ~~المكذبين بخلاف ما في النحل وأشار إلى بعد الغاية بحرف النهاية فقال تعالى: ~~{إلى الطير} وهو جمع طائر {فوقهم} أي: في الهواء، وقوله تعالى: {صافات} أي: ~~باسطات أجنحتهن يجوز أن يكون حالا من الطير وأن يكون حالا من فوقهم إذا ~~جعلناه حالا فتكون متداخلة وفوقهم ظرف لصافات على الأول أو ليروا. # وقوله تعالى: {ويقبضن} عطفه الفعل على الاسم لأنه بمعناه، أي: وقابضات ~~فالفعل هنا مؤول بالاسم عكس قوله تعالى: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا} ~~(الحديد: 18) فإن الاسم هناك مؤول بالفعل وقال أبو حيان: وعطف الفعل على ~~الاسم # PageV04P345 # لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى: {فالمغيرات صبحا فأثرن} (العاديات، ~~الآيات: 3 4) عطف الفعل على الاسم لما كان المعنى: فاللاتي أغرن فأثرن، ~~ومثل هذا العطف فصيح وكذا عكسه إلا عند السهيلي فإنه قبيح، وقال الزمخشري: ~~{صافات} باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها صففن ~~قوادمها صفا {ويقبضن} ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن. # فإن قلت: لم قال: {ويقبضن} ولم يقل قابضات؟ قلت: لأن أصل الطيران هو صف ~~الأجنحة، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في السباحة مد ~~الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك فجيء ~~بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة ~~بعد تارة كما يكون من السابح، اه. # وقال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحيه: صاف، وإذا ضمهما ~~فأصابا جنبيه: قابض، لأنه يقبضهما. وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا ~~أوقفن عن الطيران. {ما يمسكهن} أي: عن الوقوع في حال البسط والقبض {إلا ~~الرحمن} أي: الملك الذي رحمته عامة لكل شيء بأن هيأهن بعد أن أفاض عليهن ~~رحمة الإيجاد على أشكال مختلفة وخصائص مفترقة هيأهن للجري في الهواء. {إنه} ~~أي: الرحمن سبحانه {بكل شيء بصير} أي: بالغ البصر والعلم بظواهر الأشياء ~~وبواطنها فمهما أراد كان. والمعنى: أولم يستدلوا بثبوت الطير في الهواء على ~~قدرتنا أن نفعل بهم ما تقدم وغيره ms3772 من العذاب. # وقوله تعالى: {أمن} مبتدأ، وقوله تعالى: {هذا} خبره، وقوله تعالى: {الذي} ~~بدل من هذا، وقوله تعالى: {هو جند} أي: أعوان {لكم} صلة الذي، وقوله تعالى: ~~{ينصركم} صفة جند {من دون الرحمن} أي: غيره يدفع عنكم عذابه، أي: لا ناصر ~~لكم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: جند لكم، أي: حزب ومنعة لكم ولفظ الجند ~~يوحد ولذلك قال تعالى: {هذا الذي هو جند لكم} وهو استفهام إنكاري، أي: لا ~~جند لكم يدفع عنكم عذاب الله من دون الرحمن، أي: من سوى الرحمن. وقرأ أبو ~~عمرو بسكون الراء، وللدوري اختلاس الضمة أيضا والباقون بالرفع {إن ~~الكافرون} أي: ما الكافرون {إلا في غرور} أي: من الشيطان يغرهم بأن لا عذاب ~~ولا حساب. # قال بعض المفسرين: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان ويعاندون النبي صلى ~~الله عليه وسلم معتمدين على شيئين: أحدهما: قوتهم بمالهم وعددهم. والثاني: ~~اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات وتدفع عنهم جميع الآفات، ~~فأبطل الله تعالى عليهم الأول بقوله تعالى: {أمن هذا الذي هو جند لكم ~~ينصركم} الآية، ورد عليهم الثاني بقوله تعالى: # {أمن هذا الذي يرزقكم} أي: على سبيل التجدد والاستمرار {إن أمسك رزقه} ~~بإمساك الأسباب التي ينشأ عنها كالمطر، ولو كان الرزق موجودا وكثيرا وسهل ~~التناول فوضع الأكل في فمه فأمسك الله تعالى عنه قوة الازدراد عجز أهل ~~السموات والأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما ~~قبله، أي: فمن يرزقكم، أي: لا رازق لكم غيره، {بل لجوا} أي: تمادوا سفاهة ~~لا احتياطا وشجاعة. قال الرازي في «اللوامع» : واللجاج تقحم الأمر مع كثرة ~~الصوارف عنه، {في عتو} أي: مظروفين لعناد وتكبر عن الحق وخروج إلى فاحش ~~الفساد {ونفور} أي: تباعد عن الحق، واستولى ذلك عليهم حتى أحاط بهم مع أنه ~~لا قوة لأحد منهم في جلب سار ولا دفع ضار والداعي إلى ذلك الشهوة والغضب. # {أفمن يمشي مكبا} أي: واقعا {على # PageV04P346 # وجهه أهدى أمن يمشي سويا} أي: معتدلا {على صراط} أي: طريق {مستقيم} ms3773 وخبر ~~من الثانية محذوف دل عليه خبر الأولى، أي: أهدى، والمثل في المؤمن والكافر، ~~أي: أيهما أهدى، وقيل: المراد بالمكب الأعمى، فإنه يتعسف فينكب وبالسوي ~~البصير. وقيل: المكب هو الذي يحشر على وجهه إلى النار، ومن يمشي سويا: الذي ~~يحشر على قدميه إلى الجنة، وقال ابن عباس والكلبي رضي الله عنهم: عنى بالذي ~~يمشي مكبا على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سويا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقيل: أبو بكر، وقيل: حمزة، وقيل: عمار بن ياسر، قال عكرمة: وقيل: عام ~~في الكافر والمؤمن، أي: أن الكافر لا يدري أعلى حق هو أم على باطل، أي: ~~أهذا الكافر أهدى أم المسلم الذي يمشي سويا معتدلا يبصر الطريق وهو على ~~صراط مستقيم وهو الإسلام، وقرأ قنبل بالسين وقرأ خلف بالإشمام، أي: بين ~~الصاد والزاي والباقون بالصاد الخالصة. # {قل} أي: يا أشرف الخلق وأشفقهم عليهم مذكرا لهم بما رفع عنهم الملك من ~~المفسدات وجمع لهم من المصلحات ليرجعوا إليه، ولا يعولوا في حال من أحوالهم ~~إلا عليه {هو} أي: الذي شرفكم بهذا الذكر وبين لكم هذا البيان {الذي ~~أنشأكم} أي: أوجدكم ودرجكم في مدارج التربية حيث طوركم في الأطوار المختلفة ~~في الرحم، ويسر لكم بعد الخروج اللبن حيث كانت المعدة ضعيفة عن أكثف منه ~~{وجعل لكم السمع} أي: لتسمعوا ما تعقله قلوبكم فيهديكم، ووحده لقلة التفاوت ~~فيه ليظهر سر تصرفه سبحانه في القلوب بغاية المفاوتة مع أنه أعظم الطرق ~~الموصلة للمعاني إليها {والأبصار} لتنظروا صنائعه فتعتبروا وتزدجروا عما ~~يرديكم {والأفئدة} أي: القلوب التي جعلها سبحانه في غاية التوقد بالإدراك ~~لما لا يدركه بقية الحيوان لتتفكروا فتقبلوا على ما يعليكم، وجمعهما لكثرة ~~التفاوت في نور الأبصار وإدراك الأفئدة. {قليلا ما تشكرون} أي: باستعمالها ~~فيما خلقت لأجله، وما مزيدة والجملة مستأنفة مخبرة بقلة شكرهم جدا على هذه ~~النعم، وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأعلاهم في العرفان. # {قل هو} أي: وحده {الذي ذرأكم} أي: خلقكم وبثكم ونشركم وكثركم وأنشأكم ~~بعدما كنتم كالذر أطفالا ضعفاء ms3774 {في الأرض} التي تقدم أنه ذللها لكم ورزقكم ~~منها النبات وغيره {وإليه} أي: وحده بعد موتكم {تحشرون} شيئا فشيئا إلى ~~البرزخ ودفعة واحدة يوم البعث للحساب فيجازى كلا بعمله. # {ويقولون} أي: يجددون هذا القول تجديدا مستمرا استهزاء وتكذيبا {متى هذا} ~~وزادوا في الاستهزاء بقولهم {الوعد} أي: يوم القيامة والعذاب الذي توعدوننا ~~به {إن كنتم صادقين} أي: في أنه لابد لنا منه وأنكم مقربون عند الله، فلو ~~كان لهم ثبات الصبر لما كانوا طاشوا هذا الطيش بإبراز هذا القول القبيح. # ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال بقوله عز وجل: {قل} أي: يا أكرم الخلق ~~لهؤلاء البعداء {إنما العلم} أي: علم وقت قيام الساعة ونزول العذاب {عند ~~الله} أي: الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال، فهو الذي يكون عنده وبيده ~~جميع ما يراد منه لا يطلع عليه غيره {وإنما أنا نذير} أي: كامل في أمر ~~النذارة التي يلزم منه البشارة لمن أطاع النذير، لا وظيفة لي عند الملك ~~الأعظم غير ذلك فلا وصول إلى سؤاله عما لا يؤذن لي في السؤال عنه {مبين} ~~أي: بين الإنذار بإقامة الأدلة حتى يصير ذلك كأنه مشاهدة لمن له قبول # PageV04P347 # العلم. # {فلما رأوه} أي: العذاب بعد الحشر {زلفة} أي: ذا قرب عظيم منهم {سيئت} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي: اسودت {وجوه} وأظهر في موضع الإضمار ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال تعالى: {الذين كفروا} أي: أظهروا السوء ~~وغاية الكراهة في وجوه من أوقع هذا الوصف. # تنبيه: الأصل ساء، أي: أحزن وجوههم العذاب ورؤيته ثم بني للمفعول وساء ~~هنا ليست المرادفة لبئس. # وأشم كسرة السين نافع وابن عامر والكسائي والباقون باختلاس الكسرة. وقيل: ~~أي: قال لهم الخزنة تقريعا وتوبيخا {هذا الذي كنتم} أي: جبلة وطبعا {به} ~~أي: بسببه ومن أجله {تدعون} أي: تتمنون وتسألون وتزعمون أنكم لا تبعثون، ~~وهذه حكاية حال تأتي عبر عنها بطريق المضي لتحقق وقوعها، وقرأ هشام ~~والكسائي بضم القاف والباقون بكسرها. # {قل} أي: يا أكرم الخلق لهؤلاء الذين طال تضجرهم منك ms3775 وهم يتمنون هلاكك ~~كما قال تعالى: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} (الطور: 30) {أرأيتم} ~~أي: أخبروني خبرا أنتم في الوثوق به على ما هو كالرؤية {إن أهلكني الله} ~~أي: أماتني بعذاب أو غيره الذي له من الجلال والإكرام ما يعصم به وليه ~~ويقصم عدوه. # وقرأ: قل أرأيتم في الموضعين، نافع بتسهيل الهمزة بعد الواو، ولورش أيضا ~~إبدالها ألفا وأسقطها الكسائي والباقون بالتحقيق وإذا وقف حمزة سهل الهمزة، ~~وقرأ: {إن أهلكني الله} حمزة بسكون الياء والباقون بفتحها، ومن سكن الياء ~~رقق اللام من الاسم الجليل ومن فتحها فخم {ومن معي} أي: من المؤمنين {أو ~~رحمنا} أي: بالنصر وإظهار الإسلام كما نرجو فأنجانا بذلك من كل سوء ووقانا ~~كل محذور، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص بفتح الياء ~~والباقون بالسكون {فمن يجير الكافرين} أي: العريقين في الكفر بأن يدفع عنهم ~~ما يدفع الجار عن جاره {من عذاب أليم} أي: لا مجير لهم منه. # {قل} أي: يا خير الخلق {هو} أي: الله وحده {الرحمن} أي: الشامل الرحمة ~~{آمنا به} أي: أنا ومن معي {وعليه} أي: وحده {توكلنا} أي: لأنه لا شيء في ~~يد غيره وإلا لرحم من يريد عذابه أو عذب من يريد رحمته، فكل ما جرى على ~~أيدي خلقه من رحمة أو نقمة فهو الذي أجراه لأنه الفاعل بالذات المستجمع لما ~~يليق به من الصفات فنحن نرجو خيره ولا نخاف غيره {فستعلمون} أي عند معاينة ~~العذاب عما قليل بوعد لا خلف فيه {من هو في ضلال مبين} أي: بين أنحن أم ~~أنتم، وقرأ الكسائي بعد السين بياء الغيبة نظرا إلى قول الكافرين والباقون ~~بتاء الخطاب إما على الوعيد، وإما على الالتفات من الغيبة المرادة في قراءة ~~الكسائي وهو تهديد لهم. # {قل} أي: يا أعظم خلقنا وأعلمهم بنا {أرأيتم} أي: أخبروني إخبارا لا لبس ~~فيه {إن أصبح ماؤكم} أي: الذي تعدونه في أيديكم بما نبهت عليه الإضافة ~~{غورا} أي: غائرا ذاهبا في الأرض لا تناله الدلاء وكان ماؤهم من ms3776 بئرين بئر ~~زمزم وبئر ميمونة {فمن يأتيكم} على ضعفكم حينئذ وانخلاع قلوبكم واضطراب ~~أفكاركم {بماء معين} ، أي: دائم لا ينقطع وظاهر للأعين سهل المأخذ، وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: بماء معين أي: ظاهر تراه العيون فهو مفعول. وقيل: ~~هو من معن الماء، أي: كثر فهو على هذا فعيل، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أيضا أن المعنى: فمن يأتيكم بماء عذب أي: لا يأتيكم به إلا الله فكيف ~~تنكرون أن يبعثكم؟ # ويستحب أن يقول القارىء عقب معين: الله رب العالمين، كما في الحديث. # PageV04P348 # وتليت هذه الآية عند بعض المتجبرين فقال: تأتي به الفؤوس والمعاول، فذهب ~~ماء عينيه وعمي نعوذ بالله من الجراءة على الله وعلى آياته، وروى أبو هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن سورة من كتاب الله ~~ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل يوم القيامة فأخرجته من النار وأدخلته ~~الجنة وهي سورة تبارك» . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إذا وضع ~~الميت في قبره يؤتى من قبل رجليه فيقال: ليس لكم عليه سبيل لأنه قد كان ~~يقوم بسورة الملك ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه ليس لكم عليه سبيل كان ~~يقرأ بي سورة الملك ثم قال: هي المانعة من عذاب الله، وهي في التوراة سورة ~~الملك من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب» . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وددت أن تبارك الملك في قلب كل ~~مؤمن» . وأما ما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من قرأ سورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر» فحديث موضوع. ### | سورة ن # وتسمى القلم مكية # في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة رضي الله عنهم: ~~من أولها إلى قوله تعالى: {سنسمه على الخرطوم} مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله ~~تعالى: {يعلمون} مدني، ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى: {فهم يكتبون} مكي، ومن ~~بعد ذلك إلى ms3777 قوله تعالى: {من الصالحين} مدني، وباقيها مكي، قاله الماوردي. # وهي اثنتان وخمسون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا. # {بسم الله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة فهو بكل شيء عليم {الرحمن} الذي ~~عمت نعمة إيجاده لأهل معاده البريء منهم والسقيم {الرحيم} الذي أتم تلك ~~النعمة على من وفقه لطاعته فألزمه صراطه المستقيم. وقوله تعالى: # {ن} كقوله تعالى: {ص والقرآن} (ص: 1) وجواب القسم الجملة المنفية بعدها. # واختلفوا في تفسير ذلك، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الحوت الذي على ~~ظهره الأرض وهو قول مجاهد ومقاتل والسدي والكلبي، وروى أبو طيبان عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: «أول ما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو كائن ~~إلى يوم القيامة، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون فمادت ~~الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: {ن} ~~الآية» . # واختلفوا في اسمه فقال الكلبي ومقاتل: يهموت، وقال الواقدي: ليوثا، وقال ~~كعب: لوثا، وقال علي: تلهوت، وقال الرواة: لما خلق الله تعالى الأرض وفتقها ~~بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين حتى ضبطها فلم ~~يكن لقدميه موضع قرار فأهبط الله عز وجل من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن ~~وأربعون ألف قائمة وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم تستقر قدماه، فأخذ ~~الله تعالى ياقوتة خضراء من أعلى درجة الفردوس غلظها خمسمائة عام ووضعها ~~بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه وقرون ذلك الثور خارجة من ~~أقطار الأرض ومنخراه في البحر فهو يتنفس كل يوم نفسا، فإذا تنفس يمتد البحر ~~وإذا رد نفسه جزر البحر، فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله تعالى ~~صخرة كغلظ سبع سموات وسبع أرضين # PageV04P349 # فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: فتكن في ~~صخرة ولم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله تعالى نونا وهو الحوت العظيم ووضع ~~الصخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، ~~والريح ms3778 على القدرة ثقل الدنيا كلها بما عليها حرفان قال لها الجبار: كوني ~~فكانت. # قال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض فوسوس ~~إليه فقال له: أتدري ما على ظهرك يا لويثا من الأمم والدواب والشجر والجبال ~~لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك، فهم لويثا أن يفعل فبعث الله تعالى دابة فدخلت ~~منخره فوصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله تعالى منها، فأذن الله تعالى لها ~~فخرجت، فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك ~~عادت إليه كما كانت. # وقال بعضهم: نون آخر حروف الرحمن وهي رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، وقال الحسن وقتادة والضحاك: النون: الدواة، وهو مروي أيضا عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، وقال القرطبي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون ~~وهي الدواة» . ومنه قول الشاعر: # *إذا ما الشوق برح بي إليهم ... ألقت النون بالدمع السجام* # ويكون على هذا أقسم بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب ~~الكتابة، فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق وتارة بالكتابة، وقيل: النون: لوح ~~من نور تكتب فيه الملائكة ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعا، وقيل: ~~النون: هو المداد الذي تكتب به الملائكة. وقال عطاء وأبو العالية: هو ~~افتتاح اسمه تعالى نصير ونور وناصر، وقال محمد بن كعب: أقسم الله تعالى ~~بنصرة المؤمنين. # وقال الزمخشري: هذا الحرف من حروف المعجم، وأما قولهم: هو الدواة فما ~~أدري أهو وضع لغوي أم شرعي ولا يخلو إذا كان اسما للدواة من أن يكون جنسا ~~أو علما، فإن كان جنسا فأين الإعراب والتنوين، وإن كان علما فأين الإعراب ~~وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام. فإن قلت: هو مقسم به وجب إن ~~كان جنسا أن تجره وتنونه ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة كأنه قيل: ودواة ~~{والقلم} وإن كان علما أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه ms3779 وتفتحه للعملية ~~والتأنيث. # وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علما لليهموت ~~الذي يزعمون والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنة نحو ذلك ا. ه. # تنبيه: في القلم المقسم به قولان: أحدهما: أن المراد به الجنس وهو واقع ~~على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى: {وربك الأكرم الذي علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} (العلق: 3 5) ولأنه ينتفع به كما ينتفع ~~بالنطق، قال تعالى: {خلق الإنسان علمه البيان} (الرحمن: 3 4) ، فالقلم يبين ~~كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر، والثاني: أنه القلم ~~الذي جاء في الخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أول ما خلق الله تعالى ~~القلم، ثم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثر، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة قال: ثم ختم فم القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال: وهو ~~قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. # وروى مجاهد أول ما خلق الله تعالى القلم فقال: اكتب المقدر، فكتب ما هو ~~كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري في الناس على أمر قد فرغ منه، قال ابن ~~عادل: قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز، # PageV04P350 # لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة لا يجوز أن يكون حيا عاقلا فيؤمر وينهى، ~~فإن الجمع بين كونه حيوانا مكلفا وبين كونه آلة للكتابة محال، بل المراد ~~منه إنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو قوله تعالى: {إذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون} (آل عمران: 47) فإنه ليس هناك أمر ولا تكليف بل هو مجرد نفاذ ~~القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة، اه. # وقوله: فإن الجمع إلى قوله: محال، ممنوع فإن الله تعالى خلق فيه ذلك كما ~~قال تعالى للسموات والأرض: {ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} (فصلت: ~~11) وقال الزمخشري: أقسم بالقلم تعظيما له لما في ms3780 خلقه وتسويته من الدلالة ~~على الحكمة العظيمة ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيطها الوصف. # وقيل: القلم المذكور ههنا هو العقل وإنه شيء كالأصل لجميع المخلوقات، ~~قالوا: والدليل عليه أنه روي في الأخبار: أول ما خلق الله تعالى القلم، وفي ~~خبر آخر: «أول ما خلق الله تعالى العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقا أعجب ~~إلي منك وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت، قال: ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الناس عقلا أطوعهم لله وأعلمهم بطاعته» ~~. وفي خبر آخر: أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت ~~وسخنت فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات ومن الزبد الأرض، ~~قالوا: وهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي ~~هي أصل المخلوقات شيء واحد وإلا حصل التناقض، وقال البغوي: القلم هو الذي ~~كتب الله به الذكر وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض، ويقال: أول ~~ما خلق الله تعالى القلم ونظر إليه فانشق نصفين ثم قال: اجر بما هو كائن ~~إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك. # وقرأ قالون وابن كثير وأبو عمرو وحفص وحمزة وورش بخلاف عنه بإظهار النون ~~عند الواو هنا والباقون بالإدغام. # {وما يسطرون} أي: الملائكة من الخير والصلاح، وقيل: وما تكتبه الملائكة ~~الحفظة من أعمال بني آدم، وقيل: ما يكتبون، أي: الناس ويتفاهمون به، وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: معنى {وما يسطرون} : وما يعملون، وما موصولة أو ~~مصدرية. قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في يسطرون ~~لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم ومسطوراتهم أو وسطرهم، ويراد بهم كل من يسطر ~~أو الحفظة، وقال البقاعي: وما يسطرون، أي: قلم القدرة وجمعه وأجراه مجرى ~~أولى العلم للتعظيم لأنه فعل أفعالهم أو الأقلام على إرادة الجنس، ويجوز أن ~~يكون الإسناد إلى الكاتبين به لما دل عليهم من ذكره، وأما الملائكة إن كان ~~المراد ما كتب في الكتاب المبين واللوح المحفوظ وغيره مما يكتبونه، ms3781 وأما كل ~~من يكتب منهم ومن غيرهم. # وقوله تعالى: {ما أنت} أي: ياأعلى المتأهلين لخطابنا {بنعمة} أي: بسبب ~~إنعام {ربك} أي: المربي لك بمثل تلك الهمم العالية والسجايا الكاملة بأن ~~خصك بالقرآن الذي هو الجامع لكل علم وحكمة {بمجنون} جواب القسم، وهو نفي، ~~قال الزجاج: أنت هو اسم ما وبمجنون الخبر. وقوله تعالى: {بنعمة ربك} كلام ~~وقع في الوسط، أي: انتفى ذلك الجنون بنعمة ربك كما يقال: أنت بحمد ربك عاقل ~~بل الذي وصفك بهذا هو الحقيق باسم الجنون، وقال البغوي: ما أنت بنعمة ربك ~~بنبوة ربك بمجنون، أي: إنك لا تكون مجنونا وقد أنعم الله تعالى عليك ~~بالنبوة والحكمة، وقيل: بعصمة ربك، وقيل: هو كما يقال: ما أنت بمجنون ~~والحمد لله، وقيل: معناه ما أنت # PageV04P351 # بمجنون والنعمة لربك كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لك. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنه صلى الله عليه وسلم غاب عن خديجة ~~إلى حراء فطلبته فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير امتلأ غبارا، فقالت له: ما ~~لك فذكر جبريل عليه السلام وأنه قال له: {اقرأ باسم ربك} (العلق: 1) فهو ~~أول ما نزل من القرآن قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض فتوضأ وتوضأت ثم صلى ~~وصليت معه ركعتين وقال: هكذا الصلاة يا محمد، فذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك لخديجة فذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها وكان قد ~~خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إلي محمدا فأرسلته، ~~فقال: هل أمرك جبريل عليه السلام أن تدعو أحدا، قال: لا فقال: والله لئن ~~بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا ثم مات قبل دعاء الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش فقالوا: إنه مجنون، وأقسم الله ~~تعالى على أنه ليس بمجنون وهو خمس آيات من أول هذه السورة. # وقال ابن عباس: أول ما نزل قوله تعالى: «سبح اسم ربك الأعلى» (الأعلى: 1) ~~وهذه الآية هي الثانية نقله الرازي، وذكر القرطبي أن المشركين ms3782 كانوا يقولون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مجنون به شيطان وهو قولهم: {يا أيها الذي نزل ~~عليه الذكر إنك لمجنون} (الحجر: 6) فأنزل الله تعالى ردا عليهم وتكذيبا ~~لقولهم: {ما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} (الطور: 29) ، أي: برحمة ربك ~~والنعمة ههنا الرحمة، وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان ~~والنبوة، وقال القرطبي: يحتمل أن النعمة ههنا قسم تقديره ما أنت ونعمة ربك ~~بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم. # وقال الرازي: إنه تعالى وصفه بصفات ثلاث: # الأولى: نفي الجنون عنه، ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة ~~على صحتها، لأن قوله: {بنعمة ربك} يدل على أن نعم الله تعالى ظاهرة في حقه ~~من الفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة المرضية والبراءة من كل عيب ~~والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم المحسوسة ظاهرة ووجودها ينافي ~~حصول الجنون فالله تعالى نبه على أن هذه الدقيقة جارية مجرى الدلالة ~~اليقينية على كذبهم في قولهم مجنون. # الصفة الثانية: قوله تعالى: {وإن لك} أي: على ما تحملت من أثقال النبوة ~~وعلى صبرك عليهم فيما يرمونك به وهو تسلية له صلى الله عليه وسلم {لأجر} ، ~~أي: ثوابا {غير ممنون} أي: مقطوع ولا منقوص في دنيا ولا آخرة، يقال: مان ~~الشيء إذا ضعف. ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين، ~~قال لبيد: # * ... عبسا كواسب لا يمن طعامها* # أي: لا يقطع، يصف كلابا ضارية. ونظيره قوله تعالى: {غير مجذوذ} (هود: ~~108) وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: غير ممنون، أي: غير محسوب عليك. قال ~~الزمخشري: لأنه ثواب تستحقه على عملك وليس بتفضل ابتداء وإنما تمن الفواضل ~~لا الأجور على الأعمال، انتهى. وهذا قول المعتزلة، فإن الله تعالى لا يجب ~~عليه شيء. وقال الحسن: غير مكدر بالمن. وقال الضحاك رضي الله تعالى عنه: ~~أجرا بغير عمل. واختلفوا في هذا الأجر على أي شيء حصل، فقيل: معناه ما مر ~~وقيل: معناه أن لك على احتمال هذا الطعن والقول القبيح أجرا عظيما دائما، ~~وقيل: إن لك في ms3783 إظهار النبوة والمعجزات وفي دعاء الخلق إلى الله تعالى، وفي ~~بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا تمنعنك نسبتهم إياك إلى الجنون ~~عن الاشتغال بهذا المهم العظيم، فإن لك بسببه المنزلة # PageV04P352 # العالية. # الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} استعظم خلقه لفرط ~~احتمال الممضات من قومه وحسن مخالقته ومداراته لهم، قال ابن عباس ومجاهد: ~~على دين عظيم من الأديان ليس دين أحب إلى الله تعالى، ولا أرضى عنده منه، ~~وروى مسلم عن عائشة: «أن خلقه كان القرآن» . وقال علي: هو أدب القرآن، ~~وقيل: رفقه بأمته وإكرامه إياهم، وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من الله ~~وينتهي عنه بما نهى الله تعالى عنه، وقيل: إنك على طبع كريم، وقيل: هو ~~الخلق الذي أمر الله تعالى به في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض ~~عن الجاهلين} (الأعراف: 199) # وقال الماوردي: حقيقة الخلق في اللغة ما يأخذه الإنسان في نفسه من الأدب، ~~سمي خلقا لأنه يصير كالخلقة فيه، فأما ما طبع عليه من الأدب فهو الخيم، ~~فيكون الخلق الطبع المتكلف والخيم الطبع الغريزي.l # قال القرطبي: ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوال، وسئلت أيضا عن ~~خلقه صلى الله عليه وسلم «فقرأت قد أفلح المؤمنون إلى عشر آيات» . قال ~~الرازي: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية الشريفة كانت بالطبع منجذبة إلى ~~عالم الغيب، وإلى كل ما يتعلق به وكانت شديدة التعري عن اللذات البدنية ~~والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة وقالت: «ما كان أحد أحسن خلقا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته إلا ~~قال: لبيك ولذلك قال الله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} ولم يذكر خلق محمود ~~إلا وكان للنبي صلى الله عليه وسلم منه الحظ الأوفر» . # وقال الجنيد: سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه بدليل قوله صلى ~~الله عليه وسلم «إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال» . ~~وعن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: «كان رسول ms3784 الله صلى الله عليه وسلم ~~أحسن الناس وجها، وأحسن الناس خلقا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير» . وعن ~~أنس بن مالك قال: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي ~~أف قط وما قال لشيء صنعته: لم صنعته، ولا لشيء تركته: لم تركته، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزا قط ولا حريرا ~~ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت مسكا ولا ~~عنبرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عمر «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول: خياركم ~~أحسنكم أخلاقا» . وعن أنس «أن امرأة عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~طريق من طرق المدينة، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة فقال: يا أم ~~فلان اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك قال: ففعلت فقعد إليها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى قضيت حاجتها» . وعن أنس بن مالك قال: «كانت ~~الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق ~~به حيث شاءت» . وعن أنس أيضا: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~صافح رجلا لم ينزع يده حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه ولم ير مقدما ~~ركبتيه بين يدي جليس له» . وعن عائشة قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، ولا ضرب خادما ~~ولا امرأة» . وعنها قالت: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين ~~قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، # PageV04P353 # فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم» . وعن أنس قال: # «كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني ms3785 غليظ الحاشية ~~فأدركه أعرابي فجبذه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: مر لي من مال ~~الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك وأمر له ~~بعطاء» . # وعنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ ~~يقال له: أبو عمير وهو فطيم كان إذا جاءنا قال: يا أبا عمير ما فعل النغير ~~لنغير كان يلعب به» . والنغير طائر صغير يشبه العصفور إلا أنه أحمر ~~المنقار. وعن الأسود قال: «سألت عائشة: ما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفعل في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة توضأ ويخرج ~~إلى الصلاة» . والمهنة: الخدمة، وعن عبد الله بن الحرث قال: «ما رأيت أحدا ~~أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعن أم الدرداء تحدث عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن أثقل شيء يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله ~~يبغض الفاحش البذيء» . وعن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لأصحابه: أتدرون أكثر ما يدخل الناس النار؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ~~فإن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان الفرج والفم، أتدرون أكثر ما يدخل ~~الناس الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أكثر ما يدخل الناس الجنة ~~تقوى الله وحسن الخلق» . # وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن المؤمن ~~يدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار» . # {فستبصر} أي: فستعلم عن قرب بوعد لا خلف فيه علما أنت في تحققه كالمبصر ~~بالحس الباصر {ويبصرون} أي: يعلم الذين رموك بالبهتان علما هو كذلك. وقوله ~~تعالى: {بأييكم المفتون} فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون فزيدت ~~كزيادتها في نحو: بحسبك زيد، وإلى هذا ذهب قتادة، قال ابن عادل: إلا أنه ms3786 ~~ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في حسبك فقط. # الثاني: أن الباء بمعنى في فهي ظرفية كقولك: زيد بالبصرة، أي: فيها، ~~والمعنى: في أي فرقة وطائفة منكم المفتون، أي: المجنون أفي فرقة الإسلام، ~~أم في فرقة الكفر؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء. # الثالث: أنه على حذف مضاف، أي: بأيكم فتن المفتون فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش وتكون الباء سببية. # الرابع: أن المفتون مصدر جاء على مفعول كالمقتول والميسور، والتقدير: ~~بأيكم الفتنة، وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا ~~أحميته قال تعالى: {يوم هم على النار يفتنون} (الذاريات: 13) ، أي: يعذبون، ~~وقيل: الشيطان لأنه مفتون في دينه وكانوا يقولون: إنه به شيطان وعنوا ~~بالمجنون هذا، فقال تعالى: سيعلمون غدا بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه ~~الجنون واختلاط العقل. # فائدة: {بأييكم} رسمت ههنا بياءين. # {س68ش7/ش16 إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله? وهو أعلم بالمهتدين * ف تطع ~~المكذبين * ودوا? لو تدهن فيدهنون * وتطع كل حsف مهين * هماز مشآء? بنميم * ~~مناع للخير معتد أثيم * عتل? بعد ذالك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا ~~تتلى عليهءاياتنا قال أساطير ا?ولين * سنسمه? على الخرطوم} # {إن ربك} أي: الذي رباك أحسن تربية وفضلك على سائر الخلائق {هو} أي: وحده ~~{أعلم} أي: من كل أحد {بمن ضل} أي: حاد {عن سبيله} أي: دينه وسلك غير سبيل ~~القصد وأخطأ موضع الرشد {وهو} أي: # PageV04P354 # وحده {أعلم بالمهتدين} أي: الثابتين على الهدى، وهم أولوا الأحلام ~~والنهى، أي: لذو علم بمعنى عالم. # تنبيه: قوله تعالى: {وهو أعلم} {وهو مكظوم} {وهو مذموم} قرأه قالون وأبو ~~عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بضمها وقوله تعالى: {فلا تطع ~~المكذبين} أي: العريقين في التكذيب وهم مشركو مكة، فإنهم كانوا يدعونه إلى ~~دين آبائه فنهاه أن يطيعهم، ينتج التصميم على معاداتهم. # {ودوا} أي: تمنوا وأحبوا محبة واسعة متجاوزة للحد قديما مع الاستمرار على ~~ذلك {لو} مصدرية {تدهن فيدهنون} قال الضحاك: لو تكفر فيكفرون. وقال الكلبي: ~~لو تلين ms3787 لهم فيلينون لك. وقال الحسن: لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في ~~دينهم. وقال زيد بن أسلم: لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون. وقال ابن ~~قتيبة: أرادوا أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدون الله مدة. وقال ابن العربي: ذكر ~~المفسرون في ذلك نحو عشرة أقوال كلها دعاوى على اللغة، والمعنى وأمثلها: ~~ودوا لو تكذب فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون. وقال القرطبي: كلها إن شاء ~~الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى. # تنبيه: في رفع فيدهنون وجهان: أحدهما: أنه عطف على تدهن فيكون داخلا في ~~حيز لو، والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون. وقال الزمخشري: فإن ~~قلت لم رفع فيدهنون ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب التمني، قلت: قد عدل به ~~إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم يدهنون، كقوله تعالى: ~~{فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا} (الجن: 13) على معنى: ودوا لو تدهن فهم ~~يدهنون حينئذ أو ودوا ادهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في ادهانك. # واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى: {ولا تطع كل حلاف} ، أي: كثير الحلف ~~بالباطل فقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صلى الله عليه ~~وسلم مالا وحلف له أن يعطيه إن رجع عن دينه، وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن ~~هشام. وقال عطاء: هو الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة فلذلك سمة ~~زنيما، وقال مجاهد: هو الأسود بن عبد يغوث. {مهين} ، أي: ضعيف حقير. قيل: ~~هو فعيل من المهانة وهي قلة الرأي والتمييز. وقال ابن عباس: كذاب وهو قريب ~~من الأول، لأن الإنسان إنما يكذب لمهانة نفسه عليه. وقال الحسن وقتادة: هو ~~المكار في الشر، وقال الكلبي: المهين العاجز. # {هماز} أي: كثير العيب للناس في غيبتهم. وقال الحسن: هو الذي يغمز بأخيه ~~في المجلس. وقال ابن زيد: الهماز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم واللماز ~~باللسان. وقيل: الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللماز الذي يذكرهم في ~~غيبتهم وقال مقاتل: بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن ms3788 عباس وقتادة. ~~{مشاء} أي: كثير المشي {بنميم} أي: فتان يلقي النميمة بين الناس ليفسد ~~بينهم فينقل ما قاله الإنسان في آخر، وإذاعة سر لا يريد صاحبه إظهاره على ~~وجه الإفساد البين مبالغ في ذلك. # {مناع} أي: كثير المنع شديده {للخير} أي: كل خير من المال والإيمان ~~وغيرهما من نفسه وغيره من الدين والدنيا، وقال ابن عباس: مناع للخير، أي: ~~الإسلام يمنع ولده وعشيرته من الإسلام وكان له عشرة من الولد يقول: لئن دخل ~~أحد منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا. {معتد} أي: ثابت التجاوز للحدود ~~في كل ذلك {أثيم} ، أي: مبالغ في ارتكاب ما يوجب الإثم فيترك الطيبات ويأخذ ~~الخبائث يرغب في المعاصي # PageV04P355 # ويتطلبها ويدع الطاعات ويزهد فيها. # {عتل} العتل: الغليظ الجافي. وقال الحسن: هو الفاحش الخلق السيء الخلق. ~~وقال الفراء: هو الشديد الخصومة في الباطل. وقال الكلبي: هو الشديد في ~~كفره، وكل شديد عند العرب عتل وأصله من العتل وهو الدفع بالعنف، وقال أبو ~~عبيدة بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد الذي لا يزن في الميزان ~~شعيرة، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفا دفعة واحدة {بعد ذلك} أي: مع ذلك، ~~يريد مع ما وصفناه به. {زنيم} وهو الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، وقال ~~عطاء عن ابن عباس: يريد مع هذا هو دعي في قريش وقال مرة الهمداني: إنما ~~ادعاه أبوه بعد ثماني عشر سنة، وقيل: الزنيم الذي له زنمة كزنمة الشاة. ~~وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نعت، فلم يعرف حتى قيل: زنيم ~~فعرف وكانت زنمة في عنقه يعرف بها. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال مجاهد: زنيم كانت له ستة أصابع في ~~يده في كل إبهام له إصبع زائدة، وقال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله تعالى وصف ~~أحدا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة، فألحق به عارا لا ~~يفارقه في الدنيا والآخرة. # وعن حارثة بن وهب ms3789 الخزاعي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ~~أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو يقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل ~~النار كل عتل جواظ مستكبر» . وفي رواية: «كل جواظ زنيم متكبر» . الجواظ: ~~الجموع المنوع، وقيل: الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين، ~~وقال عكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم، وكان الوليد دعيا في ~~قريش، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده قال الشاعر فيه: # *زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغي الأم ذو حسب لئيم* # قيل: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن النطفة إذا ~~خبثت خبث الولد كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة ~~ولد زنا ولا ولده ولا ولد ولده» . وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن أولاد الزنا يحشرون يوم القيامة في صور القردة ~~والخنازير» . ولعل المراد به الدخول مع السابقين، وإلا فمن مات مسلما دخل ~~الجنة، وقالت ميمونة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال أمتي ~~بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا فإذا فشى فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله ~~بعذابه» . وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر. قال القرطبي: ومعظم ~~المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى ~~حيسا ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحد تحت برمة ألا لا يزجين أحد ~~بكراع، ألا من أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة ~~الواحدة عشرين ألفا وأكثر، ولا يعطي المسكين درهما واحدا وقيل: مناع للخير ~~وفيه نزل {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} (فصلت: 6 7) . # ولما كان حطام هذه الدنيا كله عرضا فانيا وظلا متقلصا زائلا لا يفتخر به ~~ولا يلتفت إليه إلا من كان بهذه الأوصاف، فإذا كان ذلك أكبر همه ومبلغ علمه ~~أثمر له الترفع على الحقوق والتكبر على العباد، قال الله تعالى: {أن} أي: ~~لأجل أن {كان} ms3790 أي: هذا الموصوف {ذا مال} أي: مذكور بالكثرة {وبنين} أنعمنا ~~عليه بهما، فصار يطاع لأجلهما، فكان بحيث يجب عليه شكرنا بسببهما. # PageV04P356 # {إذا تتلى} أي: تذكر على سبيل المتابعة {عليه} ولو كان ذلك على سبيل ~~الخصوص له {آياتنا} أي: العلامات الدالة دلالة هي في غاية الظهور على الملك ~~الأعلى وعلى ماله من صفات العظمة {قال} أي: مفاجأة من غير تأمل ولا توقف ~~عوضا عن شكرنا {أساطير} جمع سطور جمع سطر {الأولين} أي: أشياء سطروها ~~ودونوها وفرغوا منها، فحمله دنيء طبعه على تكثره بالمال، فورطه في التكذيب ~~بأعظم ما يمكن سماعه، فجعل الكفر موضع الشكر، ولم يستح من كونه يعرف كذبه ~~كل من سمعه، فأعرض عن الشكر ووضع موضعه الكفر، فكان هذا دليلا على جميع تلك ~~الصفات السابقة، مع التعليل بالاستناد إلى ما هو عند العاقل أوهى من بيت ~~العنكبوت والاستناد إليه وحده كاف في الاتصاف بالرسوخ في الدناءة. # وقرأ ابن عامر وشعبة وحمزة بهمزتين مفتوحتين وابن عامر يسهل الثانية، ~~وشعبة وحمزة بتحقيقهما وهشام على أصله يدخل بينهما ألفا والباقون بهمزة ~~واحدة مفتوحة. قال القرطبي: فمن قرأ بهمزة مطولة أو بهمزتين محققتين، فهو ~~استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على {زنيم} ويبتدىء {أن كان} ~~على معنى ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه؟ ويجوز أن يكون التقدير: ألأن كان ذا ~~مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين، ويجوز أن يكون ~~التقدير: ألأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر؟ ودل عليه ما تقدم من الكلام، ~~فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ أن كان بغير استفهام فهو مفعول من ~~أجله، والعامل فيه فعل مضمر، والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على ~~هذا الفعل {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} ولا يعمل في إذا تتلى ~~ولا قال، لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها؛ لأن إذا تضاف إلى الجمل التي ~~بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف. وقال: جواب الجزاء ولا يعمل ~~فيما قبل الجزاء إذ حكم ms3791 العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن ~~يكون بعد الشرط، فيصير مقدما مؤخرا في حال واحد. # ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لإن كان ذا يسار وعدد. قال ابن الأنباري: ~~ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على زنيم، لأن المعنى: لأن كان ذا مال ~~كان، فأن متعلقة بما قبلها. وقال غيره: يجوز أن تتعلق بقوله تعالى: {مشاء ~~بنميم} والتقدير: يمشي بنميم لإن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن تتعلق ~~بعتل. ومعنى {أساطير الأولين} أباطيلهم وترهاتهم. # {سنسمه} أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها {على الخرطوم} أي: الأنف ~~يعير بها ما عاش، قال ابن عباس: سنسمه سنخطمه بالسيف، قال: وقد خطم الذي ~~نزلت فيه يوم بدر بالسيف، فلم يزل مخطوما إلى أن مات، والتعبير عن الأنف ~~بهذا للاستهانة والاستخفاف. وقال قتادة: سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة ~~يعرف بها. وقال الكسائي: سنكويه على وجهه وقال أبو العالية ومجاهد: سنسمه ~~على الخرطوم، أي: على أنفه ونسود وجهه في الآخرة فيعرف بسواد وجهه قال ~~تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} (آل عمران: 106) # فهي علامة ظاهرة {ونحشر المجرمين يومئذ زرقا} (طه: 102) # وهذه علامة أخرى ظاهرة. # وأفادت هذه الآية علامة ثالثة: وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله ~~تعالى: {يعرف المجرمون بسيماهم} (الرحمن: 41) # قال القرطبي: والخرطوم الأنف من الإنسان، ومن # PageV04P357 # السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم ساداتهم. قال الفراء: وإن كان الخرطوم ~~قد خص بالسمة فإنه في معنى الوجه، لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل. وقال ~~القرطبي: بين أمره تبيانا واضحا فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السمة على ~~الخراطيم، وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أن المبالغة العظيمة ~~في ذمه بقيت على وجه الدهر، ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما ~~بلغ منه، فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة كالوسم على ~~الخرطوم. وقيل: ما ابتلاه الله تعالى به في الدنيا في نفسه وأهله وماله من ~~سوء ms3792 وذل وصغار. وقال النضر بن شميل: المعنى: سنحده على شرب الخمر، والخرطوم ~~الخمر وجمعه خراطيم. قال: الرازي كالزمخشري وهذا تعسف ا. ه. وقيل للخمر: ~~الخرطوم كما قيل لها: السلافة وهي ما سلف من عصير العنب أو لأنها تطير في ~~الخياشيم. # تنبيه: الأنف أكرم موضع في الوجه لتقديمه له، ولذلك جعلوه مكان العز ~~والحمية واشتقوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف في الأنف وحمى أنفه، وفلان شامخ ~~العرنين، وقالوا في الذليل: جدع أنفه ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم ~~عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذلال فكيف بها على ~~أكرم موضع منه؟ ولقد وسم العباس أباعره في وجوهها فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «أكرموا الوجوه فوسمها في جواعرها» . # ولما ذكر تعالى في أول الملك أنه خلق الموت والحياة للابتلاء في الأعمال، ~~وختم هنا بعيب من يغتر بالمال والبنين وهو يعلم أن الموت وراءه أعاد ذكر ~~الابتلاء وأكده بقوله تعالى: # {إنا} أي: بما لنا من القهر والعظمة {بلوناهم} أي: عاملنا أهل مكة بما ~~وسعنا عليهم به معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن، فغرهم ذلك وظنوا ~~أنهم أحباب، ومن قترنا عليهم من أوليائنا أعداء واستهانوا بهم ونسبوهم لأجل ~~تقللهم من الدنيا إلى السفة والجنون وكان ابتلاؤنا لهم بالقحط الذي دعا ~~عليهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكلوا الجيف {كما بلونا} أي: ~~اختبرنا {أصحاب الجنة} بأن عاملناهم معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر. # وحاصله: أنه استخراج ما في البواطن ليعلمه العباد في عالم الشهادة كما ~~يعلم الخالق في عالم الغيب، أو أنه كناية عن الجزاء، وعرف الجنة لأنها كانت ~~شهيرة عندهم وهي بستان عظيم كان دون صنعاء بفرسخين يقال له: الضروان يطؤه ~~أهل الطريق، كان صاحبه ينادي الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما أخطأ المنجل ~~أو ألقته الريح أو بعد عن البساط الذي يبسط تحت النخلة، وكان يجتمع لهم شيء ~~كثير، فلما مات شح بنوه بذلك وقالوا: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا ~~الأمر، ونحن ذوو ms3793 عيال، فحلفوا على أن يجذوها قبل الشمس حتى لا تأتي الفقراء ~~إلا بعد فراغهم، وذلك معنى قوله تعالى: {إذ} أي: حين {أقسموا} ودل على ~~تأكيد القسم بالتأكيد فقال: {ليصرمنها} عبر به عن الجذاذ لدلالته على القطع ~~البائن المستأصل المانع للفقراء من الصريم الذي يعرض على فم الجدي لئلا ~~يرضع، أو من الصرماء للمفازة التي لا ماء بها والناقة القليلة اللبن ~~{مصبحين} داخلين في أول وقت الصباح لئلا تشعر بهم المساكين فلا يعطوهم منها ~~ما كان أبوهم يتصدق به عليهم منها. # {ولا} أي: والحال أنهم لا {يستثنون} في يمينهم، أي: ولا يقولون: إن شاء ~~الله. # فإن قيل: لم سمي استثناء وإنما هو شرط؟ # PageV04P358 # أجيب: بأنه سمي استثناء لأنه إخراج لشيء يكون حكمه غير المذكور أولا، ~~وكان الأصل فيه إلا أن يشاء الله فألحق به إن شاء الله لرجوعه إليه في ~~اتحاد الحكم. # {فطاف} أي: فتسبب عن فعلهم هذا أن طاف {عليها} أي: جنتهم {طائف} أي: عذاب ~~مهلك محيط وهو نار أحرقتها ليلا لم تدع منها شيئا، والطائف غلب في الشر. ~~وقال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلا ورد عليه بقوله: {إذا مسهم طائف من ~~الشيطان} وذلك لا يختص بليل ولا نهار، وقوله تعالى: {من ربك} يجوز أن يتعلق ~~بطاف وأن يتعلق بمحذوف صفة لطائف {وهم} أي: والحال أن أصحاب الجنة المقسمين ~~{نائمون} وقت إرسال الطائف. # {فأصبحت} أي: فتسبب عن هذا الطائف الذي أرسله القادر الذي لا يغفل ولا ~~ينام على مال من لا يزال أسير العجز والنوم فعلا أو قوة {كالصريم} أي: ~~كالأشجار التي صرم عنها ثمرها، أو كالليل المظلم الأسود لأنه يقال: الصريم ~~لسواده والصريم أيضا النهار، وقيل: الصبح لأنه انصرم من الليل، قاله ~~الأخفش.v # وهو من الأضداد. وقيل: كالرماد الأسود ليس بها ثمرة بلغة خزيمة، قاله ابن ~~عباس، لأن ذلك الطائف أتلفها لم يدع فيها شيئا لأنهم طلبوا الكل فلم يزكوه ~~بما يمنع عنه الطوارق لضد ما كان لأبيهم من ثمرة عمله الصالح من الدفع عن ~~ماله والبركة في ms3794 جميع أحواله. قال القرطبي: والآية دليل على أن العزم مما ~~يؤاخذ به الإنسان لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم ونظيره قوله ~~تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} (الحج: 25) # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا التقى المسلمان بسيفهما ~~فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ ~~قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه» وهذا محمول على العزم المصمم، أما ما ~~كان يخطر بالبال من غير عزم فلا يؤاخذ به. # {فتنادوا مصبحين} أي: في حال أول دخولهم في الإصباح وقوله تعالى: {أن ~~اغدوا} ، أي: بكروا جدا مقبلين ومستولين وقادرين، ويجوز أن تكون أن المفسرة ~~لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول {على حرثكم} ، أي: محل فائدتكم الذي ~~أصلحتموه وتعبتم فيه فلا يستحقه غيركم، قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم ~~لبعض: اغدوا على حرثكم يعني بالحرث الثمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: ~~صارمين لأنهم أرادوا قلع الثمار من الأشجار. # قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قال: اغدوا إلى حرثكم وما معنى على؟ قلت: لما ~~كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدوا عليه كما تقول: غدا عليهم العدو. ~~قال الزمخشري: ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال، أي: فأقبلوا على حرثكم. ~~{إن كنتم صارمين} أي: مريدين القطع، وجواب الشرط دل عليه ما قبله، أي: ~~فاغدوا، ويجوز أن تكون أن المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام. # تنبيه: مقتضى كلام الزمخشري أن غدا متعد في الأصل بإلى فاحتاج إلى تأويل ~~فقدره بعلى، قال ابن عادل: وفيه نظر لورود تعديه بعلى في غير موضع كقوله: # * وقد أغدوا على ثبة كرام ... نشاوى واجدين لما نشاء* # وإذا كانوا قد عدوا مرادفه بعلى فليعدوه، وقرأ: أن اغدوا أبو عمرو وعاصم ~~وحمزة في الوصل بكسر النون والباقون بضمها واتفقوا على الابتداء بالهمزة ~~بالضم. # {فانطلقوا} أي: فتسبب عن هذا الحث عقبه كأنهم كانوا متهيئين {وهم} أي: ~~والحال أنهم {يتخافتون} أي: يقولون في حال انطلاقهم قولا # PageV04P359 # هو في غاية السر، كأنهم ذاهبون إلى سرقة ms3795 من دار هي في غاية الحراسة من ~~الخفوت وهو الهمود وخفا وخفت وخفد ثلاثتها في معنى الكتم، ومنه الخفدود ~~للخفاش. # ثم فسر ما يتخافتون به بقوله تعالى: {أن لا يدخلنها} وأن لا ههنا مقطوعة ~~كما ترى، وأكدوه لأنه لا يصدق أن أحدا يصل إلى هذه الوقاحة وأن جذاذا يخلو ~~من سائل {اليوم} أي: في جميع النهار بما دل عليه نزع الخافض لتكروا عليه ~~مرارا وتفتشوه فلا تدعوا به ثمرة واحدة ولا موضعا يطمع فيه أحد في قصدكم ~~{عليكم} وأنتم بها {مسكين} وهي نهي للمسكين في اللفظ للمبالغة في نهى ~~أنفسهم أن لا يدعوه يدخل عليهم، أي: لا يمكنوه من الدخول حتى يدخل كقولك: ~~لا أرينك ههنا، فقال لهم أوسطهم سنا وخيرهم نفسا وأعدلهم طبعا بما يدل عليه ~~ما يأتي: لا تقولوا هكذا واصنعوا من الإحسان ما كان يصنع أبوكم، قال ~~البقاعي: وكأنه طواه سبحانه لأنه مع الدلالة عليه بما يأتي لم يؤثر شيئا. # {وغدوا} أي: ساروا إليها غدوة {على حرد} أي: منع للمساكين. قال أبو ~~عبيدة: على حرد، أي: منع من حاردت الإبل حرادا، أي: قل لبنها، والحرود من ~~النوق القليلة الدر، وحاردت السنة قل مطرها وخيرها. وقال الشعبي وسفيان: ~~على حنق وغضب من المساكين، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: على قدرة ~~{قادرين} عند أنفسهم على جنتهم وثمارها لا يحول بينهم وبينها أحد، أي: ~~بدليل عدم استثنائهم، فإن الجزم على الفعل في المستقبل فضلا عن أن يكون مع ~~الحلف فعل من لا كفء له. وقال الحسن وقتادة: على جد وجهد. وقال القرطبي ~~وعكرمة: على أمر مجتمع. # ودل على قربها من منزلتهم بالفاء فقال تعالى: {فلما رأوها} أي: بعد سير ~~يسير وليس للزرع ولا للثمر بها أثر {قالوا إنا لضالون} عن طريق جنتنا لأنها ~~صارت لسوء حالها من ذلك الطائف بعيدة عن حال ما كانت عليه عند تواعدهم ~~وتغيير نياتهم، فأدهشهم منظرها وحيرهم خبرها، وأكدوا لأن ضلالهم لا يصدق مع ~~قرب عهدهم وكثرة ملابستهم لها وقوة معرفتهم بها. # ولما ms3796 انجلى ما أدهشهم في الحال قالوا مضربين عن الضلال {بل نحن محرومون} ~~أي: ثابت حرماننا ما كنا فيه من الخير الذي لم نغب عنه إلا سواد الليل، ~~فحرمنا الله تعالى إياه بما عزمنا عليه من حرمان المساكين {إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: 11) # وقرأ الكسائي بإدغام اللام في النون والباقون بالإظهار. # {قال: أوسطهم} أي: رأيا وعقلا وسنا وفضلا منكرا عليهم {ألم أقل لكم} أي: ~~ما فعلتموه لا ينبغي وإن الله تعالى بالمرصاد لمن غير ما في نفسه وحاد ~~{لولا} أي: هلا ولم لا {تسبحون} أي: تستثنون، فكان استئناؤهم تسبيحا، قال ~~مجاهد وغيره: وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء فلم ~~يطيعوه. قال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: هلا تسبحون ~~الله، أي: تقولون سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل ~~التسبيح التنزيه لله عز وجل، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء الله لأن ~~المعنى: تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال الرازي: التسبيح عبارة ~~عن تنزيهه عن كل سوء، فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى ~~لنسب النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: إن شاء الله يزيل هذا النقص فكان ~~ذلك تسبيحا، وقيل: المعنى هلا تستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خبث ~~نيتكم، قيل: إن القوم لما عزموا # PageV04P360 # على منع الزكاة فاغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه ~~المعصية قبل نزول العذاب، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامه الأول وقال: ~~{ألم أقل لكم لولا تسبحون} فحينئذ اشتغلوا بالتوبة بأن. # {قالوا} أي: من غير تلعثم بما عاد عليهم من بركة أبيهم {سبحان ربنا} أي: ~~تنزه المحسن إلينا التنزيه الأعظم أن يكون وقع منه فيما فعل بنا ظلم، ~~وأكدوا قباحة فعلهم هضما لأنفسهم وخضوعا لربهم وتحقيقا لتوبتهم بقولهم: ~~{إنا كنا} أي: بما في جبلاتنا من الفساد {ظالمين} أي: مجاوزين الحدود فيما ~~فعلنا من التقاسم على منع المساكين وعلى جذها في الصباح من غير استثناء. ms3797 # {فأقبل بعضهم} أي: في الحال مبادرة في الخضوع {على بعض يتلاومون} أي: ~~يلوم بعضهم بعضا يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك ~~لهذا: أنت الذي خوفتنا بالفقر. ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع ~~المال. # ثم نادوا على أنفسهم بالويل بأن {قالوا} منادين لما شغلهم قربه منهم ~~وملازمته لهم عن كل شيء {يا ويلنا} أي: هذا وقت حضورك أيها الويل إيانا ~~ومنادمتك لنا، فإنه لا نديم لنا الآن غيرك، والويل الهلاك والإشراف عليه ~~{إنا كنا} أي: جبلة وطبعا {طاغين} أي: عاصين بمنع حق الفقراء وترك ~~الاستثناء. وقال ابن كيسان: طاغين نعم الله فلم نشكرها كما شكرها آباؤنا من ~~قبل. # ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا {عسى ربنا} أي: الذي أحسن إلينا بتربية هذه ~~الجنة وإهلاك ثمرها الآن تأديبا لنا {أن يبدلنا} من جنتنا شيئا {خيرا منها} ~~يقيم لنا أمر معايشنا فتنقلب أحوالنا هذه التي نحن فيها من الهموم والبذاذة ~~بسرور ولذاذة، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال ~~والباقون بسكون الموحدة وتخفيف الدال {إنا إلى ربنا} أي: المحسن إلينا ~~والمربي لنا بالإيجاد، ثم الإبقاء خاصة لا إلى غيره {راغبون} أي: ثابتة ~~رغبتنا ورجاؤنا الخير والإكرام. وقد قيل: إن الله تعالى قبل رجوعهم وأخلف ~~عليهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان، كان القطف الواحد منها يحمله وحده من ~~كبره البغل، رواه البغوي عن ابن مسعود، وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك ~~الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم، وقال الحسن: قول أهل ~~الجنة {إنا إلى ربنا راغبون} لا أدري إيمانا كان ذلك منهم أو على حد ما ~~يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة فتوقف في كونهم مؤمنين، وسئل قتادة عن ~~أصحاب الجنة أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ قال: لقد كلفتني تعبا، ~~والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا حكاه القشيري. # ولما كان المقام لترهيب من ركن إلى ماله واحتقر الضعفاء من عباد الله ~~تعالى ولم يجلهم بجلاله طوى ذكر ما أنعم به عليهم وذكر ما يخوفهم، ms3798 فقال ~~تعالى مرهبا: # {كذلك} أي: مثل هذا الذي بلونا به أصحاب الجنة من إهلاك ما كان عند ~~أنفسهم في غاية القدرة عليه والثقة به مع الاستحسان لفعلهم والاستصواب، ~~وهددنا به أهل مكة فلم يبادروا إلى المتاب. {العذاب} أي: الذي نحذرهم منه ~~ونخوفهم به في الدنيا، فإذا تم الأجل الذي قدرناه له أخذناهم به غير ~~مستعجلين ولا مفرطين لأنه لا يعجل إلا ناقص يخاف الفوت {ولعذاب الآخرة} أي: ~~الذي يكون فيها للعصاة {أكبر} أي: من كل ما يتوهمون {لو كانوا} أي: الكفار ~~{يعلمون} أي: لو كان لهم علم بشيء من غرائزهم في وقت من الأوقات لرجعوا عما ~~هم فيه. # ولما ذكر # PageV04P361 # ما لأهل الجمود الذين لا يجوزون الممكنات ذكر تعالى أضدادهم، فقال تعالى ~~مؤكدا لأجل إنكارهم: # {إن للمتقين} أي: العريقين في صفة التقوى {عند ربهم} أي: المحسن إليهم في ~~موضع دوم أولئك وجنة آمالهم {جنات} جمع جنة وهي لغة: البستان الجامع، وفي ~~عرف الشرع: مكان اجتمع فيه جميع السرور وانتفى عنه جميع الشرور {النعيم} ~~أي: جنات ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات ~~الدنيا. # قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله تعالى ~~فضلنا عليكم في الدنيا، فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل ~~التفضيل فلا أقل من المساواة فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه: # {أفنجعل المسلمين} أي: الذين هم عريقون في الانقياد لأوامرنا والصلة لما ~~أمرنا بوصله طلبا لمرضاتنا، فلا اختيار لهم معنا في نفس ولا غيرها لحسن ~~جبلاتهم {كالمجرمين} أي: الراسخين في قطع ما أمرنا به أن يوصل وأنتم لا ~~تقرون بمثل هذا، ففي ذلك إنكار لقول الكفرة، فإنهم كانوا يقولون أيضا: إن ~~صح أننا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا، بل نكون أحسن حالا منهم ~~كما نحن عليه في الدنيا. # وقوله تعالى: {ما لكم} أي: أي شيء يحصل لكم من هذه الأحكام الجائرة ~~البعيدة عن الصواب {كيف تحكمون} أي: أي عقل دعاكم إلى هذا الحكم ms3799 الذي يتضمن ~~التسوية من السيد بين المحسن من عبيده والمسيء مع التفاوت، فيه تعجب من ~~حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر عن اختلال فكر واعوجاج رأي. # {أم} أي: بل الله {لكم كتاب} أي: سماوي معروف أنه من عند الله خاص بكم ~~{فيه} أي: لا في غيره من أساطير الأولين {تدرسون} أي: تقرؤون قراءة ~~أيقنتكم. # {إن لكم} أي: خاصة على وجه التأكيد الذي لا رخصة في تركه {لما تخيرون} ~~أي: ما تختارونه وتشتهونه، وكسرت وكان حقها الفتح لولا اللام لأن ما بعدها ~~هو المدروس، ويجوز أن تكون الجملة حكاية للمدروس وأن تكون استئنافية. # {أم لكم أيمان} أي: عهود ومواثيق {علينا} قد حملتمونا إياها {بالغة} أي: ~~واثقة لأيمان، وقوله تعالى: {إلى يوم القيامة} متعلق بما تعلق به لكم من ~~الاستقرار، أي: ثابتة لكم إلى يوم القيامة، أي: مبالغة، أي: تبلغ إلى ذلك ~~اليوم وتنتهي إليه. وقوله تعالى: {إن لكم لما تحكمون} جواب القسم لأن معنى ~~{أم لكم أيمان علينا} أي: أقسمنا لكم. # ولما عجب منهم وتهكم بهم ذيل ذلك بتهكم أعلى منه يكشف عوارهم غاية الكشف ~~فقال تعالى: {سلهم} يا أشرف الرسل {أيهم بذلك} أي: الأمر العظيم الذي ~~يحكمون به لأنفسهم من أنهم يعطون في الآخرة أفضل من المؤمنين {زعيم} أي: ~~كفيل وضامن أو سيد أو رئيس أو متكلم بحق أو باطل التزم في ادعائه صحة ذلك. # {أم لهم شركاء} موافقون لهم في هذا القول يكفلونه لهم فإن كانوا كذلك ~~{فليأتوا بشركائهم} أي: الكافلين لهم به {إن كانوا صادقين} أي: عريقين في ~~هذا الوصف كما يدعونه. # وقوله تعالى: {يوم} منصوب بقوله تعالى: {فليأتوا} أي: فليأتوا بشركائهم ~~يوم {يكشف} أي: يحصل الكشف فيه، بني للمفعول لأن المخيف وقوع الكشف الذي هو ~~كناية عن تفاقم الأمر وخروجه عن حد الطوق لا كونه من معين، مع أنه من ~~المعلوم أنه لا فاعل هناك غيره سبحانه وتعالى {عن ساق} أي: يشتد فيه الأمر ~~غاية الاشتداد، لأن من اشتد # PageV04P362 # عليه الأمر وجد في فصله شمر عن ساقه ms3800 لأجله وشمرت حرمه عن سوقهن غير ~~محتشمات فهو كناية عن هذا، ولذلك نكره تهويلا له وتعظيما، نقل هذا التأويل ~~عن ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما، وعن انكشاف جميع الخلائق وظهور الجلائل ~~فيه والدقائق من الأهوال وغيرها، كما كشفت هذه الآيات جميع الشبه، فتركت ~~السامع لها في مثل ضوء النهار، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار: اذكر فيكون ~~على هذا مفعولا به وعلى الأول لا يوقف على صادقين. # تنبيه: علم مما تقرر أن كشف الساق كناية عن الشدة، قال الراجز: # *عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها* # *في سنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبرى اللحم عن عراقها* # وقال: الطائي: # *أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا* # وقال: آخر: # *قد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا* # وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل: كشف الأمر عن ساقه، والأصل ~~فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير الساق ~~والكشف عنها في موضع الشدة، وقال القرطبي: وأما ما روي أن الله تعالى يكشف ~~عن ساقه، فإنه تعالى متعال عن الأعضاء والأبعاض وأن ينكشف ويتغطى، ومعناه: ~~أن يكشف عن العظيم من أمره. وقيل: يكشف عن نوره عز وجل، وروى أبو موسى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {عن ساق} قال: «يكشف عن نور عظيم ~~يخرون له سجدا» وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: حدثني أبو موسى قال: «سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما ~~كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل ~~التوحيد فيقال لهم: ما تنتظرون وقد ذهب الناس فيقولون: إن لنا ربا كنا ~~نعبده في الدنيا ولم نره قال: أو تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم فيقال: ~~فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: إنه لا شبيه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون ~~الله تعالى فيخرون له سجدا، ويبقى ms3801 أقوام ظهورهم كصياصي البقر فينظرون إلى ~~الله تعالى فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى: {يوم يكشف عن ~~ساق} » . # {ويدعون} أي: من داعي الملك الديان {إلى السجود} توبيخا على تركه الآن ~~وتنديما وتعنيفا لا تعبدا وتكليفا، فيريدونه ليفدوا أنفسهم مما يرون من ~~المخاوف {فلا} أي: فتسبب عن ذلك أنهم لا {يستطيعون} لأنهم غير سالمين لا ~~أعضاء لهم تنقاد به مع شدة معالجتهم لأنفسهم فيقول الله تعالى أي: ~~للساجدين: عبادي ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا من اليهود ~~والنصارى في النار، قال أبو بردة: فحدثت هذا الحديث عبر بن عمر العزيز، ~~فقال لي: والله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث، فحلف له ~~ثلاثة أيمان فقال: ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا الحديث، ~~وأما غير الساجدين فعن ابن مسعود تعقم أصلابهم، أي: ترد عظامها بلا مفاصل ~~لا تنثني عند الرفع والخفض، # PageV04P363 # وفي الحديث وتبقى أصلابهم طبقا واحدا، أي: فقارة واحدة. # وقوله تعالى: {خاشعة} حال من مرفوع يدعون وقوله تعالى: {أبصارهم} فاعل به ~~ونسب الخشوع للأبصار، لأن ما في القلب يعرف في العين وذلك أن المؤمنين ~~يرفعون رؤوسهم من السجود ووجوههم أضوأ من الشمس، ووجوه الكافرين والمنافقين ~~سود مظلمة. {ترهقهم} أي: تغشاهم {ذلة} أي: عظمية لأنهم استعملوا الأعضاء ~~التي أعطاهموها الله سبحانه ليتقربوا بها إليه في دار العمل في غير طاعته ~~{وقد} أي: والحال أنهم قد {كانوا يدعون إلى السجود} أي: في الدنيا من كل ~~داع يدعو إلينا، وقال إبراهيم التيمي: أي يدعون بالأذان والإقامة فيأبون. ~~وقوله تعالى: {وهم سالمون} أي: معافون أصحاء، حال من مرفوع يدعون الثانية. ~~وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجبيبون، وقال كعب ~~الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. # ولما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف بما عنده وفي قدرته ~~فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {فذرني} أي: اتركني على أي حالة اتفقت ~~{ومن ms3802 يكذب} أي: يوقع التكذيب لمن يتلو ما جددت إنزاله من كلامي القديم على ~~أي حالة كان إيقاعه، وأفرد الضمير نصا على تهديد كل واحد من المكذبين {بهذا ~~الحديث} أي: القرآن، أي: خل بيني وبينهم لا تشغل قلبك به، فإني أكفيك أمره ~~لأنه لا مانع منه فلا تهتم به أصلا. # {سنستدرجهم} أي: سنأخذهم بعظمتنا على التدريج لا على غرة إلى عذاب لا شك ~~فيه {من حيث} أي: من جهات {لا يعلمون} أي: لا يتجدد لهم علم ما في وقت من ~~الأوقات فعذبوا يوم بدر، وقال أبو روق: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة ~~وأنسيناهم الاستغفار. وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر، ~~وقال الحسن: كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور ~~بالستر عليه، وقال ابن عباس: سنمكر بهم، وروي أن رجلا من بني إسرائيل قال: ~~يا رب كم أعصيك وأنت لا تعاقبني فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قل له: كم من ~~عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر أن جمود عينيك وقساوة قلبك استدراج مني وعقوبة ~~لو عقلت، والاستدراج ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرج، ~~ومنه قيل: درجات وهي منزلة بعد منزلة واستدرج فلان فلانا، أي: استخرج ما ~~عنده قليلا قليلا، ويقال: درجه إلى كذا واستدرجه معناه: أدناه منه على ~~التدريج فتدرج. ومعنى الآية: إنا لما أنعمنا عليهم اعتقدوا أن ذلك الإنعام ~~تفضيل لهم على المؤمنين وهو في الحقيقة والواقع سبب لهلاكهم. # {وأملي لهم} أي: أمهلهم وأطيل المدة كقوله تعالى: {إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما} (آل عمران: 178) # والملاوة المدة من الدهر وأملى الله له، أي: أطال له، والملوان الليل ~~والنهار. وقيل: لا أعاجلهم بالموت. والمعنى واحد، والملا مقصورا الأرض ~~الواسعة سميت بها لامتدادها {إن كيدي} أي: ستري لأسباب الهلاك عمن أريد ~~إهلاكه وإبدائي ذلك له في ملابس الإحسان {ميتن} أي: قوي شديد فلا يفوتني ~~أحد، وسمي إحسانه كيدا كما سماه استدارجا لكونه في صورة الكيد، ووصفه ~~بالمتانة لقوة أثر استحسانه في التسبب للهلاك. # {أم ms3803 تسألهم} أي: أنت يا أعف الخلق وأعلاهم همما {أجرا} على تبليغ الرسالة ~~{فهم} أي: فتسبب عن ذلك وتعقب أنهم {من مغرم} أي: غرامة # PageV04P364 # كلفتهم بها {مثقلون} أي: ثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال فثبطهم ذلك ~~عن الإيمان. والمعنى: ليس عليهم كلفة في متابعتك بل يستولون بالإيمان على ~~خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. # {أم عندهم} أي: خاصة {الغيب} أي: علمه عن اللوح المحفوظ أو غيره {فهم} ~~أي: بسبب ذلك {يكتبون} أي: ما يريدون منه ليكونوا قد أطلعوا على أن هذا ~~الذكر ليس من عند الله، أو أنهم لا درك عليهم في التكذيب به فقد علم من هذا ~~أنهم لا شهوة لهم في ذلك عادية ولا شبهة، وإنما كيدهم مجرد خبث طباع وظلمة ~~نفوس وأماني فارغة وأطماع.k # {فاصبر} أي: أوقع الصبر وأوجده على كل ما يقولونه فيك وعلى غير ذلك من كل ~~ما يقع منهم ومن غيرهم من ممر القضاء {لحكم ربك} أي: القضاء الذي قضاه ~~وقدره المحسن إليك الذي أكرمك بما أكرمك به من الرسالة وألزمك بما ألزمك من ~~البلاغ وخذلهم بالتكذيب ومد لهم على ذلك في الأجل، وأسبغ عليهم النعم وأخر ~~ما وعدك به من النصر. وقال ابن بحر: فاصبر لنصر ربك، وقيل: إن ذلك منسوخ ~~بآية السيف. وقال قتادة: إن الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ويأمره بالصبر ولا يعجل. {ولا تكن} أي: ولا يكن حالك يا أشرف الخلق في ~~الضجر والعجلة {كصاحب} أي: كحال صاحب {الحوت} وهو يونس عليه السلام. # وقوله تعالى: {إذ} منصوب بمضاف محذوف، أي: ولا يكن حالك كحاله أو قصتك ~~حين {نادى} أي: ربه في الظلمات من بطن الحوت وظلمة ما يحيط به من الجثة ~~وظلمة اللجج {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ، ويدل على ~~المحذوف أن الذوات لا ينصب عليها النهي إنما ينصب على أحوالها وصفاتها، ~~وقوله تعالى: {وهو مكظوم} جملة حالية من الضمير من نادى والمكظوم الممتلئ ~~حزنا أو غيظا، ومنه كظم السقاء إذا ملأه، قال ms3804 ذو الرمة: # *وأنت من حب مي مضمر حزنا ... غالي الفؤاد قريح القلب مكظوم* # وقال القرطبي: ومعنى وهو مكظوم، أي: مملوء غما. وقيل: كربا فالأول قول ~~ابن عباس ومجاهد، والثاني: قول عطاء وأبي مالك. قال الماوردي: والفرق ~~بينهما أن الغم في القلب والكرب في الأنفاس. وقيل: مكظوم: محبوس، والكظم: ~~الحبس. ومنه قولهم: كظم غيظه، أي: حبس غضبه. والمعنى: لا يوجد منك ما وجد ~~منه من الضجر والمغاضبة فتبلى ببلائه. # ولما تشوف السامع إلى ما كان من أمره بعد هذا الأمر العجيب قال تعالى: ~~{لولا أن تداركه} أي: أدركه إدراكا عظيما {نعمة} أي: عظيمة جدا. # تنبيه: حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه. # {من ربه} أي: الذي أحسن إليه بإرساله وتهذيبه للرسالة والتوبة عليه ~~والرحمة. وقال الضحاك: النعمة هنا النبوة، وقال ابن جبير: عبادته التي ~~سلفت، وقال ابن زيد: نداؤه بقوله: # {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ، وقال ابن بحر: إخراجه من ~~بطن الحوت. وقوله تعالى: {لنبذ} أي: لولا هذه الحالة السنية التي أنعم الله ~~تعالى عليه بها لطرح طرحا هينا جدا {بالعراء} أي: الأرض القفراء الواسعة ~~التي لا بناء فيها ولا جبال ولا نبات، البعيدة عن الأنس جواب لولا. وقيل: ~~جوابها مقدر، أي: لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت {وهو} أي: والحال أنه ~~{مذموم} أي: ملوم على الذنب. وقيل: مبعد # PageV04P365 # من كل خير. وقال الرازي: وهو مذموم على كونه فاعلا للذنب، قال: والجواب ~~من ثلاثة أوجه: الأول: إن كلمة لولا دالة على أن هذه المذمومية لم تحصل. ~~الثاني: لعل المراد من المذمومية ترك الأفضل، فإن حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين. الثالث: لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة لقوله تعالى: {فاجتباه} ~~أي: اختاره لرسالته {ربه} والفاء للتعقيب، قيل: إن هذه الآية نزلت بأحد حين ~~حل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا، ~~وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. # ثم سبب عن اجتبائه قوله تعالى: {فجعله من الصالحين} أي: الذين رسخوا في ms3805 ~~رتبة الصلاح فصلحوا في أنفسهم للنبوة والرسالة، وصلح بهم غيرهم فنبذ حينئذ ~~بالعراء وهو محمود. قال ابن عباس: رد الله تعالى إليه الوحي وشفعه في نفسه ~~وفي قومه وقبل توبته وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون ~~بسبب صبره، فمن صبر أعظم من صبره كان أعظم أجرا من أجره وأنت كذلك فأنت ~~أشرف العالمين. # تنبيه: استدل أهل السنة على أن فعل العبد خلق لله تعالى بقوله سبحانه: ~~{فجعله من الصالحين} لأن الصلاح إنما حصل بجعل الله تعالى وخلقه، وقال ~~الجبائي: يحتمل أن يكون معنى جعل أنه أخبر بذلك، ويحتمل أن يكون لطف به حتى ~~صلح إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني، والجواب: أن ذلك مجاز والأصل ~~في الكلام الحقيقة. # {وإن} هي المخففة، أي: وإنه {يكاد الذين كفروا} أي: ستروا ما قدروا عليه ~~مما جئت به من الدلائل، وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف. # ولما كانت إن مخففة أتى باللام التي هي علمها فقال: {ليزلقونك بأبصارهم} ~~أي: ينظرون إليك نظرا شديدا يكاد أن يصرعك من قامتك إلى الأرض كما يزلق ~~الإنسان فينطرح لما يتراءى في عيونهم، أو يهلكونك من قولهم: نظر إلي نظرا ~~يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، أي: لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعل قال ~~القائل: # *يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزل مواطئ الأقدام* # وقيل: أرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم من قريش، وقالوا: ما رأينا ~~مثله ولا مثل حجمه، وقيل: كانت العين في بني إسرائيل فكان الرجل منهم يتجوع ~~ثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول: لم أر كاليوم مثله إلا عانه حتى أن ~~البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها، ثم يقول: يا جارية ~~خذي المكتل والدرهم، فائتينا من لحم هذه الناقة فما تبرح الناقة حتى تقع ~~للموت فتنحر. وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئا يومين أو ~~ثلاثة ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم، فيقول: لم أر كاليوم ~~إبلا ولا غنما أحسن ms3806 من هذه فلا تذهب إلا قليلا حتى تسقط منها طائفة هالكة، ~~فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعين ~~فأجابهم، فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد: # *قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وأخال أنك سيد معيون* # فعصم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية، وذكر الماوردي ~~أن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحدا بعين في نفسه أو ماله يجوع ~~ثلاثة أيام ثم يتعرض لنفسه وماله # PageV04P366 # فيقول: تالله ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكبر منه ولا أحسن، فيصيبه ~~بعينه فيهلك هو وماله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى أبو نعيم أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر» . وعن ~~أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم ~~قال: «نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين» . وقال الحسن: دواء ~~الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية، وقرأ نافع بفتح الياء والباقون بضمها ~~وهما لغتان يقال: زلقه يزلقه زلقا، وأزلقه يزلقه إزلاقا. # وقال ابن قتيبة: ليس يريد أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما ~~يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك. {لما سمعوا الذكر} أي: القرآن نظرا ~~شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك، وقال الزجاج: يعني من شدة عداوتهم ~~يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك {ويقولون} أي: قولا لا يزالون يجددونه ~~حسدا وبغضا على أنهم لم يزدهم تمادي الزمان إلا حنقا {إنه لمجنون} أي: ~~ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن. # فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه: {وما هو} أي: القرآن {إلا ذكر ~~للعالمين} قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين، قال الجلال المحلي: الإنس والجن، ~~وظاهره: إخراج الملائكة، وهو ما جرى عليه في شرحه على جمع الجوامع، وظاهر ~~الآية: أنه أرسل لجميع الخلائق، وهو كما قال بعض المتأخرين: الظاهر، ويدل ~~له قول البيضاوي لما جننوه لأجل القرآن بين أنه ذكر عام لا يدركه ولا ~~يتعاطاه إلا من كان أكمل الناس عقلا وأثبتهم ms3807 رأيا، وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من قرأ سورة القلم أعطاه الله ~~ثواب الذين حسن الله أخلاقهم» حديث موضوع. ### | سورة الحاقة # مكية # وهي اثنان وخمسون آية وألف وأربعة وستون حرفا # {بسم الله} أي: الذي له الكمال كله {الرحمن} الذي عم العالمين جوده ~~{الرحيم} الذي خص أهل وده بالوقوف عند حدوده. وقوله تعالى: # {الحاقة} مبتدأ وقوله تعالى: # {ما الحاقة} مبتدأ وخبر، والجملة خبر الأول، والأصل الحاقة ما هي، أي: أي ~~شيء هي تفخيما لشأنها وتعظيما لهولها، فوضع الظاهر موضع المضمر لأنه أهول ~~لها. والحاقة الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء التي هي آتية لا ريب ~~فيها، أو التي فيها حواق الأمور من البعث والحساب والثواب والعقاب، أو التي ~~تحق فيها الأمور، أي: تعرف على الحقيقة من قولك: لا أحق هذا، أي: لا أعرف ~~حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها، وقيل: سميت القيامة بذلك لأنها أحقت ~~لأقوام الجنة ولأقوام النار. وقوله تعالى: # {وما أدراك} أي: أي شيء أعلمك {ما الحاقة} زيادة تعظيم لشأنها، فما ~~الأولى مبتدأ وما بعدها خبره، وما الثانية خبرها في محل المفعول الثاني ~~لأدري يعني: إنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها على أنه من العظم والشدة بحيث ~~لا تبلغه دراية أحد ولا وهمه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان عالما ~~بالقيامة ولكن لا علم له بكنهها وصفتها، فقيل له ذلك تفخيما لشأنها، كأنك ~~لست تعلمها إذ لم تعاينها. وقال يحيى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن ~~{وما أدراك} فقد دراه # PageV04P367 # وعلمه، وكل شيء قال: {وما يدريك} فإنه مما لم يعلمه. وقال سفيان بن ~~عيينة: كل شيء قال فيه: {وما أدراك} فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه: {وما ~~يدريك} فإنه لم يخبر به، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي وابن ذكوان ~~بخلاف عنه بالإمالة، وورش بين اللفظين، والباقون بالفتح. # ولما ذكر الساعة وفخمها أتبع ذلك ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب ~~تذكيرا لأهل مكة وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم فقال ms3808 تعالى: {كذبت ثمود} ~~قدمهم لأن بلادهم أقرب إلى قريش وواعظ القرب أكبر وإهلاكهم بالصيحة وهي ~~أشبه بصيحة النفخ في الصورة المبعثرة لما في القبور {وعاد بالقارعة} أي: ~~القيامة سميت بذلك لأنها تقرع قلوب العباد بالمحاقة أو لأنها تقرع الناس ~~بأهوالها يقال: أصابتهم قوارع الدهر، أي: أهواله وشدائده. وقوارع القرآن: ~~الآيات التي يقرؤها الإنسان إذا فزع من الإنس أو الجن نحو: آية الكرسي، ~~كأنه يقرع الشيطان بها. وقال المبرد: القارعة مأخوذة من القرعة من رفع قوم ~~وحط آخرين وقوارع القيامة انفطار السماء بانشقاقها، والأرض والجبال بالدك ~~والنسف، والنجوم بالطمس والانكدار، ووضعت موضع الضمير لتدل على معنى القرع ~~في الحاقة زيادة في وصف شدتها، وقيل: عنى بالقارعة العذاب الذي نزل بهم في ~~الدنيا، وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه. # وثمود قوم صالح وكانت منازلهم بالحجر فيما بين الشام والحجاز، قال ابن ~~إسحاق: وهو وادي القرى وكانوا عربا، وأما عاد فقوم هود وكانت منازلهم ~~بالأحقاف رمل بين عمان إلى حضرموت واليمن كله وكانوا عربا ذوي بسطة في ~~الخلق. # {فأما ثمود فأهلكوا} أي: بأيسر أمر من أوامرنا {بالطاغية} أي: الواقعة ~~التي جاوزت الحد في الشدة فرجفت منها القلوب، واختلف فيها فقيل: الرجفة، ~~وعن ابن عباس: الصاعقة، وعن قتادة: بعث الله تعالى عليهم صيحة فأهمدتهم. ~~وقال مجاهد: بالذنوب، وقال الحسن: بالطغيان فهو مصدر كالكاذبة والعاقبة، ~~أي: أهلكوا بطغيانهم وكفرهم قال الزمخشري: وليس بذاك لعدم الطباق بينها ~~وبين قوله تعالى: {بريح صرصر} لكن قال ابن عادل: ويوضحه {كذبت ثمود ~~بطغواها} (الشمس: 11) # أهلكوا بها ولأجلها. قال: والباء سببية على الأقوال كلها إلا على قول ~~قتادة، فإنها فيه للاستعانة كعملت بالقدوم. # {وأما عاد فأهلكوا} أي: بأشق ما يكون عليهم وبأيسر ما يكون علينا {بريح ~~صرصر} أي: شديدة الصوت لها صرصرة، وقيل: هي الباردة من الصر كأنها التي كرر ~~فيها البرد وكثر، فهي تحرق بشدة بردها. وقال مجاهد: هي الشديدة السموم ~~{عاتية} أي: مجاوزة للحد في شدة عصفها، والعتو استعارة، أو عتت على عاد فما ~~قدروا على ردها بحيلة، من ms3809 استتار ببناء أو لياذ بجبل أو اختفاء في حفرة، ~~فإنها كانت تنزعهم من مكانهم وتهلكم، وقيل: عتت على خزانها فخرجت بلا كيل ~~ولا وزن، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما أرسل الله تعالى سفينة من ~~ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال، إلا يوم عاد ويوم نوح فإن ~~الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سبيل ثم قرأ {إنا لما طغى ~~الماء حملناكم في الجارية} (الحاقة: 11) # وإن الريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ: {بريح ~~صرصر عاتية} . {سخرها} أرسلها {عليهم} وقال مقاتل رضي الله عنه: سلطها ~~عليهم {سبع ليال} أي: لا تفتر فيها الريح لحظة {وثمانية أيام} كذلك. قال ~~وهب: هي الأيام # PageV04P368 # التي تسميها العرب العجوز ذات برد وريح شديدة قيل: سميت عجوزا لأنها في ~~عجز الشتاء، وقيل: سميت بذلك لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فتبعتها الريح ~~فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب {حسوما} قال مجاهد ~~وقتادة رضي الله عنهما: متتابعة ليس فيها قترة، فعلى هذا هو من حسم الكي، ~~وهو أن يتابع على موضع الداء المكواة حتى يبرأ، ثم قيل لكل شيء يقطع: حاسم ~~وجمعه حسوم مثل شاهد وشهود. وقال الكلبي: حسوما دائما، وقال النضر بن شميل: ~~حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم، والحسم القطع والمنع ومنه: حسم الداء، وقال عطية: ~~حسوما شؤما كأنها حسمت الخير عن أهلها. # تنبيه: في إعراب حسوما أوجه: أحدها: أن ينتصب نعتا لما قبله. ثانيها: أن ~~ينتصب على الحال، أي: ذات حسوم. ثالثها: أن ينتصب على المصدر بفعل من ~~لفظها، أي: تحسمهم حسوما. # واختلفوا في أولها فقال السدي: غداة يوم الأحد، وقال الربيع بن أنس رضي ~~الله عنه: غداة يوم الجمعة، وقال يحيى بن سلام ووهب بن منبه رضي الله عنهم: ~~غداة يوم الأربعاء وهو اليوم النحس المستمر قيل: كان آخر أربعاء في السنة ~~وآخرها يوم الأربعاء. وقال البقاعي: وهي من صبيحة الأربعاء لثمان بقين من ~~شوال غروب الأربعاء الآخر ms3810 وهو آخر الشهر وقد لزم من زيادة عدد الأيام أن ~~الابتداء كان بها قطعا وإلا لم تكن الليالي سبعا فتأمل ذلك ا. ه. وهو ظاهر. # ولما كان الحاسم المهلك تسبب عنه قوله تعالى مصورا لحالهم الماضية: {فترى ~~القوم} أي: الذين هم غاية في القدرة على ما يحاولونه {فيها} أي: تلك المدة ~~من الأيام والليالي لم يتأخر أحد منهم عنهم {صرعى} أي: مجندلين على الأرض ~~موتى جمع صريع وهي حال نحو قتيل وقتلى وجريح وجرحى، والضمير فيها للأيام ~~والليالي كما مر أو للبيوت أو للريح قال ابن عادل: والأول أظهر لقربه. # {كأنهم أعجاز} أي: أصول {نخل} قد شاخت وهرمت فهي في غاية العجز {خاوية} ~~أي: متأكلة الأجواف ساقطة من خوى النجم إذا سقط للغروب، ومن خوى المنزل إذا ~~خلا من قطانه. قالوا: كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو ~~من أدبارهم، والوصف بذلك لعظم أجسامهم وتقطيع الريح لهم وقطعها لرؤوسهم ~~وخلوهم من الحياة وتسويدها لهم. # {فهل ترى} أي: أيها المخاطب الخبير بالناس في جميع الأقطار {لهم} أي: ~~خصوصا. وأغرق في النفي وعبر بالمصدر الملحق بالهاء مبالغة فقال تعالى: {من ~~باقية} فيكون المراد بالباقية البقاء كالطاغية بمعنى الطغيان، أي: من باق، ~~والأحسن أن تكون صفة لفرقة أو لطائفة أو نفس أو بقية أو نحو ذلك. وقيل: ~~فاعلة بمعنى المصدر كالعافية والباقية. قال المفسرون: والمعنى هل ترى لهم ~~أحدا باقيا، قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله ~~تعالى من الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم ~~في البحر، فذلك قوله تعالى: {فهل ترى لهم من باقية} . وقوله تعالى: ~~{فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم} (الأحقاف: 25) # . ونجى الله تعالى صالحا عليه السلام ومن آمن به من بين ثمود ولم تضرهم ~~الصاعقة، وهودا عليه السلام ومن آمن به من عاد ولم يهلك منهم أحد، فدل ذلك ~~دلالة واضحة على أن له تعالى تمام العلم بالجزئيات، كما أن له تمام الإحاطة ~~بالكليات وعلى قدرته واختياره وحكمته، ms3811 فلا يجعل المسلم كالمجرم ولا المسيء ~~كالمحسن، وجواب هل لم يبق # PageV04P369 # منهم أحد. # {وجاء فرعون} أي: الذي ملكناه طائفة من الأرض وتجبر وادعى الإلهية ناسيا ~~نعمتنا وقدرتنا. وقوله تعالى: {ومن قبله} قرأه أبو عمرو والكسائي بكسر ~~القاف وفتح الباء الموحدة، أي: ومن عنده من أتباعه، وقرأه الباقون بفتح ~~القاف وسكون الباء الموحدة على أنه ظرف، أي: ومن تقدمه من الأمم الكافرة ~~{والمؤتفكات} أي: أهلكها وهي قرى قوم لوط، أي: المنقلبات بأهلها حتى صار ~~عاليها سافلها لما حصل لأهلها من الانقلاب {بالخاطئة} ، أي: بالفعلات ذات ~~الخطأ الذي يتخطى منها إلى نفس الفعل القبيح من اللواط والصفع والضراط مع ~~الشرك وغير ذلك من أنواع الفسق. # ولما كانت الرسل كالفرد الواحد لاتفاقهم وتعاضدهم في الدعاء إلى الله ~~تعالى والحمل على طاعته قال مسببا عن مجيئهم بذلك موحدا في اللفظ ما هو ~~صالح لكثير بإرادة الجنس: {فعصوا} أي: خالفوا {رسول ربهم} أي: خالفت كل أمة ~~من أرسله المحسن إليها بإبداعها من العدم وإبداعها القوى وترزيقها وبعث ~~رسولها لإرشادها اغترارا بإحسانه، ولم يجوزوا أن المحسن يقدر على الضر كما ~~قدر على النفع لأنه الضار كما أنه النافع فللتنبيه على مثل ذلك لا يجوز فصل ~~أحد الاسمين عن الآخر، وسبب عن العصيان قوله تعالى: {فأخذهم} أي: ربهم، أخذ ~~قهر وغضب {أخذة} لم تبق من أمة منهم أحدا ممن كذب الرسول فلم يكن كمن ينصر ~~على عدو من المؤمنين لابد أن يفوته كثير منهم وإن اجتهد في الطلب، وما ذاك ~~إلا لتمام علمه سبحانه بالجزئيات والكليات وشمول قدرته وتلك الأخذة مع ~~كونها بهذه العظمة من أنها أخذتهم كنفس واحدة جعلها سبحانه {رابية} أي: ~~عالية عليهم زائدة في الشدة على غيرها وعلى عذاب الأمم، يقال: ربا الشيء ~~يربو إذا زاد. ومنه: الربا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطى، والمعنى ~~أنها كانت زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفار، كما أن أفعالهم كانت ~~زائدة في القبح على أفعال سائر الكفار، وقيل لأن عقوبة آل فرعون متعلقة ~~بعذاب ms3812 الآخرة لقوله تعالى: {اغرقوا فأدخلوا نارا} (نوح: 25) # وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدنيا فتلك العقوبة كانت كأنها تنمو وتربو. # ثم ذكر تعالى قصة نوح عليه السلام وهي قوله تعالى: {أنا} أي: على عظمتنا ~~{لما طغى الماء} أي: زاد على الحد حتى علا على أعلى جبل في الأرض بقدر ما ~~يغرق من كان عليه حين أغرقنا قوم نوح عليه السلام به، فلم يطيقوا ضبطه ولا ~~فوره بوجه من الوجوه. وقال صلى الله عليه وسلم «طغى على خزانه من الملائكة ~~غضبا لربه تعالى فلم يقدروا على حبسه» . قال المفسرون: زاد على كل شيء ~~خمسمائة ذراع وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «طغى الماء زمن نوح عليه ~~السلام على خزانه فكثر عليهم فلم يدروا كم خرج، وليس من الماء قطرة تنزل ~~قبله ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم» . والمقصود من قصص هذه الأمم ~~وذكر ما حل بهم من العذاب زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول. ~~ثم من الله عليهم بأن جعلهم ذرية من نجى من الغرق بقوله تعالى: {حملناكم} ~~أي: في ظهور آبائكم {في الجارية} أي: السفينة التي جعلناها بحكمتنا عريقة ~~في الجريان حتى كأنه لا جارية غيرها على وجه الماء الذي جعلنا من شأنه ~~الإغراق، والمحمول في الجارية إنما هو نوح عليه السلام وأولاده وكل من على ~~وجه الأرض من نسل أولئك، والجارية من أسماء السفينة ومنه قوله تعالى: {وله ~~الجوار المنشآت في # PageV04P370 # البحر كالأعلام} (الرحمن: 24) # وغلب استعمال الجارية في السفينة كقولهم في بعض الألغاز: # *رأيت جارية في بطن جارية ... في بطنها رجل في بطنها جمل* # ونوح عليه السلام أول من صنع السفينة، وإنما صنعها بوحي من الله تعالى ~~وبحفظه له قال: اجعلها كهيئة صدر الطائر ليكون ما يجري في الماء مقاربا لما ~~يجري في الهواء وأغرقنا سوى من كان في تلك السفينة من جميع أهل الأرض من ~~آدمي وغيره {لنجعلها} أي: هذه الفعلة العظيمة وهي إنجاء المؤمنين بحيث لا ~~يهلك منهم بهذا العذاب أحد، وإهلاك الكافرين ms3813 بحيث لا يشذ منهم أحد، وكذا ~~السفينة التي حملنا فيها نوحا عليه السلام ومن معه {لكم} أيها الناس ~~{تذكرة} أي: عبرة ودلالة على قدرته تعالى وعظمته ورحمته وقهره فيقودكم ذلك ~~إليه وتقبلوا بقلوبكم عليه. # وقوله تعالى: {وتعيها} عطف منصوب على لنجعلها، أي: ولتحفظ قصة السفينة ~~وغيرها مما تقدم حفظا ثابتا مستقرا كأنه محوي في وعاء {أذن} أي: عظيمة ~~النفع {واعية} أي: من شأنها أن تحفظ ما ينبغي حفظه من الأقوال والأفعال ~~الإلهية والأسرار الربانية لنفع عباد الله تعالى كما كان نوح عليه السلام ~~ومن معه وهم قليل سببا لإدامة النسل والبركة فيه حتى امتلأت منه الأرض، ~~والوعي: الحفظ في النفس، والإيعاء: الحفظ في الوعاء. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: أذن واعية على التوحيد والتنكير؟ قلت: ~~للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على ~~أن الأذن الواحدة إذا وعت عقلت عن الله تعالى فهو السواد الأعظم عند الله، ~~وأن ما سواها لا يبالى بهم بالة وإن ملؤوا ما بين الخافقين ا. ه. وقرأ نافع ~~بسكون الذال والباقون بضمها. # ولما ذكر تعالى القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها شرع سبحانه ~~وتعالى في تفاصيل أحوالها وبدأ بذكر مقدماتها بقوله تعالى: {فإذا نفخ} وبنى ~~الفعل للمجهول دلالة على هوان ذلك عليه وأن ما يتأثر عنه لا يتوقف على نافخ ~~معين بل من أقامه لذلك من جنده تأثر عنه ما يريده {في الصور} أي: القرن ~~الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام. قال البقاعي: كأنه عبر عنه به دون ~~القرن مثلا؛ لأنه يتأثر عنه تارة إعدام الصورة، وتارة إيجادها وردها إلى ~~أشكالها وسعته كما بين السماء والأرض {نفخة واحدة} للفصل بين الخلائق. # قال الزمخشري: فإن قلت: هما نفختان، فلم قيل: واحدة؟ قلت: معناه أنها لا ~~تثنى في وقتها. ثم قال: فإن قلت: فأي النفختين هي؟ قلت: الأولى لأن عندها ~~فساد العالم، وهكذا الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد روي عنه أنها ~~الثانية ا. ه. # قال البقاعي: وظاهر السياق ms3814 أنها الثانية التي بها البعث وخراب ما ذكر بعد ~~قيامهم أنسب لأنه أهيب وكونها الثانية إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما ا. ه. واقتصر البيضاوي على أنها الأولى والجلال المحلي على أنها ~~الثانية وهو الأنسب كما قاله البقاعي. # ثم إن الزمخشري سأل سؤالا على أنها النفخة الأولى بقوله: فإن قلت: أما ~~قال بعد: {يومئذ تعرضون} والعرض إنما هو عند النفخة الثانية، قلت: جعل ~~اليوم اسما للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان، والصعقة والنشور والوقوف ~~للحساب، فلذلك قيل: {يومئذ تعرضون} كما تقول: جئتك عام كذا، وإنما كان ~~مجيئك في وقت واحد من أوقاته ا. ه. # ولما ذكر التأثير في الأحياء أتبعه التأثير في الجمادات وبدأ منها ~~بالسفليات لملابستها للإنسان # PageV04P371 # فتكون عبرته بها أكثر، فقال تعالى: {وحملت الأرض والجبال} أي: التي بها ~~ثباتها حملتهما الريح أو الملائكة أو القدرة من أماكنهما {فدكتا} أي: مسحت ~~الجملتان الأرض وأوتادها وبسطت ودق بعضها ببعض {دكة واحدة} أي: فصارتا ~~كثيبا مهيلا بأيسر أمر، فلم يميز شيء منهما عن الآخر بل صارتا في غاية ~~الاستواء، ومنه اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره، وقال الفراء: لم يقل ~~فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة والأرض كالجملة الواحدة، ومثله ~~{أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما} (الأنبياء: 30) # ولم يقل كن وهذا الدك كالزلزلة لقوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} ~~(الزلزلة: 1) # وقوله تعالى: {فيومئذ} منصوب بوقعت وقوله تعالى: {وقعت الواقعة} لابد فيه ~~من تأويل، وهو أن تكون الواقعة صارت علما بالغلبة على القيامة أو الواقعة ~~العظيمة وإلا فقام القائم لا يجوز إذ لا فائدة فيه، والتنوين في يومئذ ~~للعوض من الجملة تقديره: يوم إذ نفخ في الصور، ونوع تعالى أسماء القيامة ~~بالحاقة والواقعة والقارعة تهويلا لها. # ولما ذكر تأثير العالم السفلي ذكر العلوي بقوله تعالى: {وانشقت السماء} ~~أي: ذلك الجنس لشدة هول ذلك اليوم، أي: انصدعت وتفطرت، وقيل: انشقت لنزول ~~الملائكة بدليل قوله تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا} (الفرقان: 25) # . {فهي يومئذ واهية} أي: ضعيفة متساقطة ms3815 خفيفة لا تتماسك كالعهن المنفوش ~~بعدما كانت محكمة يقال: وهي البناء يهي وهيا فهو واه إذا ضعف جدا ويقال: ~~كلام واه، أي: ضعيف وقيل: واهية، أي: متخرقة مأخوذ من قولهم: وهى السقاء ~~إذا تخرق ومن أمثالهم: # *خل سبيل من وهى سقاؤه ... ومن هريق بالفلاة ماؤه* # أي: من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه، وقرأ أبو عمرو وقالون والكسائي ~~بسكون الهاء والباقون بكسرها {والملك} أي: هذا النوع {على أرجائها} أي: ~~نواحي السماء وأطرافها وحواشي ما لم ينشق منها قال الضحاك: يكونون بها حتى ~~يأمرهم الله تعالى فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها، وقال سعيد بن جبير ~~رضي الله عنه: المعنى والملك على حافات الدنيا، أي: ينزلون إلى الأرض ~~ويحرسون أطرافها، وقيل: إذا صارت السماء قطعا تقف الملائكة على تلك القطع ~~التي ليست متشققة في أنفسها، والأرجاء في اللغة: النواحي والأقطار بلغة ~~هذيل واحدها رجا مقصور وتثنيته رجوان، مثل عصا وعصوان قال القائل: # *فلا ترمي بي الرجوان إني ... أقل القوم من يعني مكاني* # قال ابن عادل: ورجا هنا يكتب بالألف عكس رحى لأنه من ذوات الواو. # فإن قيل: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى لقوله تعالى: {فصعق من في ~~السموات ومن في الأرض} (الزمر: 68) # . فكيف يقال لهم: إنهم يقفون على أرجاء السماء؟ أجيب: من وجهين: الأول: ~~إنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء ثم يموتون، والثاني: المراد الذين ~~استثنوا في قوله تعالى: {إلا من شاء الله} (الزمر: 68) # . وقيل: إن الناس إذا رأوا جهنم هالهم أمرها فيندوا كما تندو الإبل فلا ~~يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا الملائكة فيرجعوا من حيث جاؤوا. وقيل: ~~على أرجائها ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار من السوق إليها. وفي أهل ~~الجنة من التحية والكرامة، وهذا كله يرجع إلى قول ابن جبير رضي الله عنه ~~ويدل عليه # PageV04P372 # قوله تعالى: {ونزل الملائكة تنزيلا} (الفرقان: 25) # قال الزمخشري: فإن قلت ما الفرق بين قوله: {والملك} وبين أن يقال: ~~والملائكة؟ قلت: الملك أعم من الملائكة ألا ترى أن قولك: ما من ملك إلا ms3816 وهو ~~شاهد أعم من قولك: ما من ملائكة ا. ه. قال أبو حيان: ولا يظهر أن الملك أعم ~~من الملائكة لأن المفرد المحلى بالألف واللام قصاراه أن يكون مرادا به ~~الجمع المحلى ولذلك صح الاستثناء منه، ثم قال: ولأن قوله: {على أرجائها} ~~يدل على الجمع، لأن الواحد لا يمكن أن يكون على أرجائها في وقت واحد بل في ~~أوقات، والمراد والله أعلم أن الملائكة على أرجائها لا أنه ملك واحد ينتقل ~~على أرجائها في أوقات. # ولما كان الملك يظهر في يوم العرض سرير ملكه ومحل عزه قال تعالى: {ويحمل ~~عرش ربك} أي: المحسن إليك بكل ما تريد لا سيما في ذلك اليوم بما يقع من ~~رفعتك على سائر الخلق، والضمير في قوله تعالى: {فوقهم يومئذ} أي: في يوم ~~وقعت الواقعة يجوز أن يعود على الملك لأنه بمعنى الجمع كما تقدم، وأن يعود ~~على الحاملين في قوله تعالى: {ثمانية} ، وقيل: يعود على جميع العالم، أي: ~~إن الملائكة تحمل عرش الله تعالى فوق العالم كله. # واختلف في هذه الثمانية فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ثمانية صفوف من ~~الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك، ~~وعن الحسن رضي الله عنه: الله أعلم كم هم أثمانية أم ثمانية آلاف أم ثمانية ~~صفوف، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن حملة العرش اليوم أربعة ~~فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله تعالى بأربعة أخرى فكانوا ثمانية على صورة ~~الأوعال» . وفي رواية: ثمانية أوعال من أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى ~~سماء، وفي حديث آخر: «لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، ~~وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس» . # فإن قيل: إذا لم يكن فيهم صورة الوعل فكيف سموا أوعالا؟ أجيب: بأن وجه ~~الثور إذا كانت له قرون أشبه الوعل. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أذن ~~لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش: إن ما ms3817 بين شحمة ~~أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» . أخرحه أبو داود بإسناد صحيح، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: حملة العرش ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة ~~عام، ومن كعبه إلى ركبته خمسمائة، ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة ~~عام، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: الذين يحملون العرش ما بين ~~سوق أحدهم إلى مؤخر عينه خمسمائة عام. وفي الخبر أن فوق السماء السابعة ~~ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن ~~العرش، وفي حديث مرفوع أن حملة العرش ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين ~~أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما للطائر المسرع، وروي أن أرجلهن في ~~الأرض السابعة، وإضافة العرش إلى الله تعالى كإضافة البيت إليه وليس البيت ~~للسكنى فكذلك العرش ليس للجلوس تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فإنه الخالق ~~للعرش ولحملة العرش ولا تحيط به جهة وهو العلي العظيم. # وعن شهر بن حوشب قال حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم ~~وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم ~~وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك. # ولما بلغ تعالى النهاية في تحذير العباد من يوم التناد وكان لهم حالتان ~~عامة وخاصة، فالعامة العرض والخاصة التقسيم إلى محسن ومسيء زاده عظما # PageV04P373 # بقوله تعالى: {يومئذ} أي: إذ كان جميع ما تقدم {تعرضون} على الله للحساب ~~كما يعرض السلطان الجند لينظر في أمرهم ليختار منهم المصلح للتقريب ~~والإكرام، والمفسد للإبعاد والتعذيب، عبر بالعرض عن الحساب الذي هو جزؤه، ~~والمحسن لا يكون له غير ذلك والمسيء يناقش. # {لا تخفى منكم} أي: في ذلك اليوم على أحد بوجه من الوجوه، وقرأ حمزة ~~والكسائي بالياء التحتية؛ لأن التأنيث مجازي والباقون بالتاء وهو ظاهر، ~~{خافية} أي: من السرائر التي كان من حقها أن تخفى في دار الدنيا، فإنه عالم ~~بكل شيء من أعمالكم. ونظيرة قوله تعالى: {لا يخفى على الله منهم شيء} ~~(غافر: 16) # . قال الرازي: والعرض للمبالغة ms3818 في التهديد يعني تعرضون على من لا تخفى ~~عليه خافية، قال القرطبي: هذا هو العرض على الله تعالى ودليله {وعرضوا على ~~ربك صفا} (الكهف: 48) # وليس ذلك عرضا ليعلم ما لم يكن عالما به، بل ذلك العرض عبارة عن المحاسبة ~~والمساءلة وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة قال صلى الله عليه وسلم «يعرض ~~الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة ~~فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» . # قال تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه} أي: الذي أثبتت فيه أعماله ~~{فيقول} لما رأى من سعادته تبجعا بحاله وإظهارا لنعمة ربه؛ لأن الإنسان ~~مطبوع على أن يظهر ما آتاه الله تعالى من خير تكميلا للذته قيل: إنه تكتب ~~سيئاته في باطن صحيفته وحسناته في ظاهرها فيقرأ الباطن ويقرأ الناس الظاهر، ~~فإذا أنهاه قيل له: قد غفرها الله تعالى اقلب الصحيفة، فحينئذ يكون قوله: ~~{هاؤم اقرؤوا} أي: خذوا اقرؤوا {كتابيه} يقول ذلك ثقة بالإسلام وسرورا ~~بنجاته؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح قال الشاعر: # *إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين* # قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه وله شعاع كشعاع الشمس قيل: فأين أبو بكر؟ قال: ~~هيهات زفته الملائكة إلى الجنة، وقال ابن زيد: معنى هاؤم: تعالوا، فيتعدى ~~بإلى. وقال مقاتل: هلم، وقال غيره: خذوا، ومنه الحديث في الربا «إلا هاء ~~وهاء» ، أي: يقول كل لصاحبه: خذ، وهذا هو المشهور، ولذلك فسرت به الآية ~~الكريمة. وقيل: هي كلمة وضعت لإجابة الداعي عند الفرح والنشاط، وفي الحديث ~~«أنه صلى الله عليه وسلم ناداه أعرابي بصوت عال فأجابه النبي صلى الله عليه ~~وسلم هاؤم بصولة صوته» . وقيل: معناها اقصروا وزعم هؤلاء أنها مركبة من ها ~~التنبيه وأموا أمر من الأم وهو القصد فصيره التخفيف والاستعمال إلى هاؤم، ~~وقيل: الميم ضمير جماعة الذكور وزعم العتبي أن الهمزة بدل من الكاف، قال ~~ابن عادل: فإن عنى أنها ms3819 تحل محلها فصحيح، وإن عني البدل الصناعي فليس ~~بصحيح. # تنبيه: كتابيه منصوب بهاؤم عند الكوفيين، وعند البصريين باقرؤوا لأنه ~~أقرب العاملين، والأصل: كتابي فأدخل الهاء لتتبين صحة الياء والهاء في ~~{كتابيه} و {حسابيه} و {سلطانيه} و {ماليه} للسكت وكان حقها أن تحذف وصلا ~~وتثبت وقفا، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف أو وصل بنية الوقف في كتابيه ~~وحسابيه اتفاقا، فأثبت الهاء وكذا في {ماليه} (الحاقة: 28) # و {سلطانيه} (الحاقة: 29) # و {ماهيه} (القارعة: 10) # في القارعة عند القراء كلهم إلا حمزة، فإنه حذف الهاء من هذه الكلم ~~الثلاثة وصلا وأثبتها وقفا؛ لأنها في الوقف محتاج إليها لتحصين حركة ~~الموقوف # PageV04P374 # عليه، وفي الوصل مستغنى عنها. # فإن قيل: فلم لم يفعل ذلك في {كتابيه} و {حسابيه} ؟ أجيب: بأنه جمع بين ~~اللغتين. # {إني ظننت} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي: أيقنت وعلمت. وقيل: ظننت ~~بأن يؤاخذني الله بسيئاتي فقد تفضل علي بعفوه ولم يؤاخذني بها. وقال ~~الضحاك: كل ظن من المؤمن في القرآن فهو يقين ومن الكافر فهو شك. وقال مجاهد ~~رضي الله عنه: ظن الآخرة يقين وظن الدنيا شك. وقال الحسن رضي الله عنه في ~~هذه الآية: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء بربه ~~الظن فأساء العمل. # {أني ملاق} ، أي: ثابت لي ثباتا لا ينفك أني ألقى {حسابيه} ، أي: في ~~الآخرة ولم ينكر البعث يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب لأنه تيقن ~~أن الله تعالى يحاسبه فعمل للآخرة فحقق الله تعالى رجاءه وأمن خوفه فعلم ~~الآن أنه لا يناقش الحساب، وإنما حسابه بالعرض وهو الحساب اليسير فضلا من ~~الله تعالى ونعمة. # {فهو في عيشة} أي: حالة من العيش، وقوله تعالى: {راضية} فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه على النسب، أي: ذات رضا نحو لابن وتامر لصاحب اللبن والتمر، ~~أي: ثابت لها الرضا ودائم لها؛ لأنها في غاية الحسن والكمال، والعرب لا ~~تعبر عن أكبر السعادات بأكثر من العيشة لراضية بمعنى أن أهلها راضون بها، ~~والمعتبر في كمال اللذة الرضا. ms3820 # الثاني: أنه على إظهار جعل العيشة راضية لمحلها وحصولها في مستحقها، وأنه ~~لو كان للعيشة عقل لرضيت لنفسها بحالتها. # الثالث: قال أبو عبيدة والفراء: إن هذا مما جاء فيه فاعل بمعنى: مفعول ~~نحو: ماء دافق بمعنى: مدفوق، كما جاء مفعول بمعنى: فاعل كما في قوله تعالى: ~~{حجابا مستورا} (الإسراى: 45) ، أي: ساترا وقال صلى الله عليه وسلم «إنهم ~~يعيشون فلا يموتون أبدا ويصحون فلا يمرضون أبدا وينعمون فلا يرون بأسا أبدا ~~ويشبون فلا يهرمون أبدا» . {في جنة} أي: بساتين جامعة لجميع ما يراد منها ~~{عالية} أي: مرتفعة في المكان والمكانة والأبنية والدرجات والأشجار وكل ~~اعتبار. # وقوله تعالى: {قطوفها} جمع كثرة لقطف بالكسر وهو فعل بمعنى مفعول كالذبح ~~وهو ما يجنيه الجاني من الثمار، وأما القطف بالفتح فالمصدر، والقطاف بالفتح ~~والكسر وقت القطف {دانية} ، أي: قريبة المأخذ سهلة التناول جدا للراكب ~~والقائم والقاعد والمضطجع كل ذلك على حد سواء دائما من غير انقطاع لا كلفة ~~على أحد في تناوله شيئا من ذلك. # وقوله تعالى: {كلوا واشربوا} على إضمار القول، أي: يقال لهم ذلك وجمع ~~الضمير للمعنى؛ لأن قوله تعالى: {فأما من أوتي كتابه} . يتضمن معنى الجمع ~~وهذا أمر امتنان لا أمر تكليف، {هنيئا} أي: أكلا طيبا لذيذا شهيا مع البعد ~~عن كل أذى وسلامة العاقبة بكل اعتبار ولا فضلة هناك من بول ولا غائط ولا ~~بصاق ولا مخاط ولا قرف ولا وهن ولا صداع ولا ثقل، والباء في قوله تعالى: ~~{بما أسلفتم} سببية وما مصدرية أو اسمية، أي: بما قدمتم من الأعمال الصالحة ~~{في الأيام الخالية} أي: الماضية في الدنيا التي انقضت وذهبت واسترحتم من ~~تعبها وعن مجاهد رضي الله عنه: أيام الصيام، أي: كلوا واشربوا بدل ما ~~أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله تعالى. وروي: يقول الله تعالى: يا ~~أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت ~~أعينكم، وخمصت بطونكم فكونوا اليوم في نعيمكم وكلوا واشربوا هنيئا بما ~~أسلفتم في الأيام الخالية. # ولما كانت العادة جارية بأن ms3821 أهل العرض ينقسمون إلى مقبول # PageV04P375 # ومردود وذكر سبحانه المقبول بإدنائه تشويقا إلى حاله، وتغبيطا بعاقبته ~~وحسن حاله أتبعه المردود تنفيرا عن أعماله بما ذكر من قبائح أحواله فقال ~~تعالى: {وأما من أوتي كتابه} أي: صحيفة حسابه {بشماله فيقول} أي: لما يرى ~~من سوء عاقبته التي كشف له عنها الغطاء حتى لم يشك فيها لما رأى من قبائحه ~~التي قدمها {يا ليتني} تمنيا للمحال {لم أوت} أي: من أي مؤت ما. {كتابيه} ~~أي: هذا الذي ذكرني خبائث أعمالي وعرفني جزاءها. {ولم} أي: ويا ليتني لم ~~{أدر ما} حقيقة {حسابيه} من ذكر العمل وذكر جزائه، بل استمريت جاهلا لذلك ~~كما كنت في الدنيا. # ثم يتمنى الموت ويقول: {يا ليتها} أي: الموتة الأولى وإن لم تكن مذكورة ~~إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة {كانت القاضية} أي: القاطعة لحياتي بأن لا ~~أبعث بعدها، ولم ألق ما وصلت إليه. قال قتادة رضي الله عنه: يتمنى الموت ~~ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت، وشر من الموت ما يطلب منه ~~الموت، قال الشاعر: # *وشر من الموت الذي إن لقيته ... تمنيت منه الموت والموت أعظم* # والمعنى: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي. وقوله: {ما أغنى ~~عني ماليه} يجوز أن يكون نفيا تأسفا على فوات ما كان يرجو من نفعه، ~~والمفعول على هذا التقدير محذوف للتعميم ويجوز أن يكون استفهام توبيخ لنفسه ~~حيث سولت له ما أثر له كل سوء وكل محال، أي: أي شيء أغنى ما كان لي من ~~اليسار الذي منعت منه حق الفقراء وتعظمت به على عباد الله تعالى. # {هلك عني سلطانيه} أي: ملكي وتسلطي على الناس، وبقيت فقيرا ذليلا. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في الأسود بن عبد الأشد، وعن ~~فناخسرة الملقب بالعضد، إنه لما قال: # *عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر* # لم يفلح بعده وجن، فكان لا ينطق لسانه إلا بهذه الآية، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: ضلت عني حجتي، ومعناه: ms3822 بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا، ~~وذكر الضحاك أن الآية الأولى في أخي الأسود عبد الله بن عبد الأسد ~~المخزومي. # ولما كان كأنه قيل: هذا ما قال فما يقال له؟ أجيب: بأنه يقال للزبانية ~~على رؤوس الأشهاد {خذوه} أي: أيتها الزبانية الذين كان يستهزئ بهم عند سماع ~~ذكرهم {فغلوه} أي: اجمعوا يديه إلى عنقه ورجليه إلى وراء قفاه إلى ناصيته. # {ثم الجحيم} أي: النار العظمى التي تحجم على من يريد دفاعها ويحجم عنها ~~من رآها، لأنها في غاية الحمو والتوقد والتغيظ والتشدد {صلوه} أي: بالغوا ~~في تصليته إياها وكرروها بغمسة في النار كالشاة المصلية مرة بعد أخرى؛ لأنه ~~كان يتعاظم على الناس فناسب أن يصلى أعظم النيران، وعبر أيضا بأداة التراخي ~~لعلو رتبة مدخولها فقال مؤذنا بعدم الخلاص، وتقديم المفعول يفيد الاختصاص ~~عند بعضهم ولذلك قال الزمخشري: ثم لا يصلوه إلا الجحيم. قال أبو حيان: وليس ~~ما قاله مذهبا لسيبويه ولا لحذاق النجاة، اه. # لكن كلام النحاة لا يأبى ما قاله. # {ثم في سلسلة} أي: عظيمة جدا، وقوله تعالى: {ذرعها سبعون ذراعا} يحتمل أن ~~يكون هذا العدد حقيقة وعلى هذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: سبعون ذراعا ~~بذراع الملك، فتدخل في دبره وتخرج من منخره، وقيل: تدخل من فيه وتخرج من ~~دبره. وقال نوف البكالي: سبعون ذراعا كل ذراع سبعون باعا كل باع أبعد مما ~~بينك وبين مكة وكان # PageV04P376 # في رحبة الكوفة. وقال سفيان: كل ذراع سبعون ذراعا. وقال الحسن رضي الله ~~عنه: الله أعلم أي ذراع هو، ويحتمل أن يكون مبالغة كما قال تعالى: {إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة} (التوبة: 80) # يريد مرات كثيرة؛ لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد. # والذي يدل على هذا ما رواه الترمذي وقال: إسناده حسن عن عبد الله بن عمر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن رصاصة مثل هذه وأشار إلى مثل ~~الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل ~~الليل ولو أنها ms3823 أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل ~~أن تبلغ أصلها وقعرها» . وعن كعب رضي الله عنه أنه قال: «لو جمع حديد ~~الدنيا ما وزن حلقة منها» . أجارنا الله تعالى ومحبينا منها وجميع ~~المسلمين، فأشار سبحانه إلى ضيقها على ما تحيط به من بدنه بتعبيره بالسلك ~~فقال تعالى: {فاسلكوه} أي: أدخلوه بحيث يكون كأنه السلك، أي: الحبل الذي ~~يدخل في ثقب الخرزة بعسر لضيق ذلك الثقب إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه ~~بأنه تلف، قال الزمخشري: والمعنى في تقديم السلسلة على السلك مثله في تقديم ~~الجحيم على التصلية، أي: لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة كأنها أفظع من سائر ~~مواضع الإرهاق في الجحيم، ومعنى ثم الدلالة على تفاوت ما بين الغل والتصلية ~~وما بينهما وبين السلك في السلسلة لا على تراخى المدة ا. ه. # ولما ذكر سبحانه على الإجمال عقابه أتبعه أسبابه فقال تعالى: # {إنه كان} أي: جبلة وطبعا وأن أظهر شيئا يلبس به على الضعفاء ويدلس على ~~الأغبياء {لا يؤمن} أي: الآن ولا في مستقبل الزمان {بالله} أي: الملك ~~الأعلى الذي يعلم السر وأخفى {العظيم} أي: الكامل العظم، وهذا تعليل على ~~طريق الاستئناف وهو أبلغ كأنه قيل: ماله يعذب هذا العذاب الشديد؟ أجيب بذلك ~~وفي قوله تعالى: {ولا يحض} أي: يحث {على} بذل {طعام المسكين} دليلان قويان ~~على عظم الجرم في حرمان المسكين: أحدهما: عطفه على الكفر وجعله قرينة له. ~~والثاني: ذكر الحض دون الفعل ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك ~~الفعل، وما أحسن قول القائل: # *إذا نزل الأضياف كان عذورا ... على الحي حتى تستقل مراجله* # يريد حضهم على القرى واستعجالهم، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان ~~يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة ~~بالإيمان أفلا نخلع نصفها الثاني بالطعام. وقيل: هو منع الكفار وقولهم: ~~{أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} (يس: 47) # والمعنى على بذل طعام المسكين. # ولما وصفه سبحانه بأقبح العقائد وأشنع الرذائل تسبب عنه قوله تعالى: ms3824 ~~{فليس له اليوم ههنا} أي: في مجمع القيامة كله {حميم} أي: صديق خالص يحميه ~~من العذاب، لأنهم كلهم له أعداء كما أنه كان لا يرق على الضعفاء لما هم فيه ~~من الإقلال من حطام الأموال {ولا طعام إلا من غسلين} أي: غسالة أهل النار ~~وصديدهم وقيحهم، فعلين من الغسل {لا يأكله إلا الخاطئون} أي: أصحاب ~~الخطايا، من خطئ الرجل: إذا تعمد الذنب وهم المشركون، لا من الخطأ المضاد ~~للصواب، وهذا الطعام يغسل ما في بطونهم من الأعيان والمعاني التي بها قوام ~~صاحبها وهي بمنزلة ما كانوا يشحون من أموالهم التي أبطنوها وادخروها في ~~خزائنهم واستأثروا بها على الضعفاء. # {فلا أقسم} أي: لا يقع مني إقسام {بما # PageV04P377 # تبصرون} من المخلوقات {وما لا تبصرون} منها، أي: بكل الموجودات واجبها ~~وجائزها؛ معقولها ومحسوسها، لأنها لا تخرج عن قسمين مبصر وغير مبصر، وقيل: ~~الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجن والخلق والخالق والنعم ~~الظاهرة والباطنة، لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى إقسام وإن كنت أقسم في ~~غير هذا الموضع بما شئت، ولو قيل بهذا في الواقعة لكان حسنا، وقيل: لا ~~زائدة وجرى على ذلك الجلال المحلي. # {إنه} أي: القرآن {لقول} أي: تلاوة {رسول} أي: أنا أرسلته به وعني أخذه ~~وليس فيه شيء من تلقاء نفسه إنما هو كله رسالة واضحة جدا أنا شاهد بها بما ~~له من الإعجاز الذي يشهد أنه كلامي {كريم} أي: على الله تعالى فهو في غاية ~~الكرم الذي هو البعد من مساوئ الأخلاق بإظهار معاليها لشرف النفس وشرف ~~الآباء وهو محمد صلى الله عليه وسلم وكرم الشيء اجتماع الكمالات فيه ~~اللائقة به. وقيل: هو جبريل عليه السلام، قاله الحسن والكلبي رضي الله ~~عنهما لقوله تعالى: {رسول كريم ذي قوة} (التكوير: 19 20) # واستدل للأول بقوله تعالى: {وما هو بقول شاعر} أي: يأتي بكلام مقفى موزون ~~بقصد الوزن. # قال مقاتل رضي الله عنه: سبب نزول هذه الآية أن الوليد بن المغيرة قال: ~~إن محمدا صلى الله عليه وسلم ساحر، وقال أبو جهل: ms3825 شاعر، وقال عقبة: كاهن، ~~فرد الله تعالى عليهم بذلك. # فإن قيل: كيف يكون كلاما لله تعالى ولجبريل عليه السلام ولمحمد صلى الله ~~عليه وسلم أجيب: بأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فالله سبحانه وتعالى ~~أظهره في اللوح المحفوظ وجبريل عليه السلام بلغه للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو بلغه للأمة. # {قليلا ما تؤمنون} منصوب نعتا لمصدر أو زمان محذوف، أي: إيمانا قليلا أو ~~زمانا قليلا والناصب يؤمنون وما مزيدة للتأكيد، وقال ابن عطية: ونصب قليلا ~~بفعل مضمر يدل عليه يؤمنون وما يحتمل أن تكون نافية فينتفي إيمانهم البتة، ~~ويحتمل أن تكون مصدرية وتتصف بالقلة فهو الإيمان اللغوي لا الشرعي، لأنهم ~~قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئا وهو إخلاصهم بالوحدانية عند ~~الاضطرار، وإفرادهم الخالق بالخلق والربوبية. # {ولا بقول كاهن} وهو المنجم الذي يخبر عن الأشياء وأغلبها ليس له صحة، ~~وقوله تعالى: {قليلا ما تذكرون} يأتي فيه ما تقدم في {قليلا ما تؤمنون} ~~وقال البغوي: أراد بالقليل نفي إسلامهم أصلا كقولك لمن لا يزورك: قلما ~~تأتينا وأنت تريد ما تأتينا أصلا، وقرأ: {قليلا ما يؤمنون} {قليلا ما ~~يذكرون} ابن كثير وابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان بالياء التحتية فيهما، ~~والباقون بالفوقية، وخفف الذال حمزة والكسائي وحفص وشددها الباقون. # وقوله تعالى: {تنزيل} خبر لمبتدأ مضمر، أي: هو تنزيل على وجه التنجيم، ~~قال البقاعي: وأشار إلى الرسالة إلى جميع الخلق من أهل السموات والأرض ~~بقوله تعالى: {من رب العالمين} أي: موجدهم ومدبرهم بالإحسان إليهم بما يفهم ~~كل منهم من هذا الذكر الذي رباهم به ورتب سبحانه نظمه على وجه سهل على كل ~~منهم يكفي في هدايته ا. ه. وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أرسل ~~للملائكة وهو الذي ينبغي وإن لم يكونوا مكلفين تشريفا لهم زيادة في شرفه ~~بإرساله صلى الله عليه وسلم إليهم. # {ولو تقول} ، أي: كلف نفسه أن يقول مرة من الدهر كذبا {علينا} أي: على ما ~~لنا من العظمة {بعض الأقاويل} أي: التي لم نقلها أو قلناها ms3826 ولم نأذن له ~~فيها قال الزمخشري: التقول افتعال القول لأن فيه # PageV04P378 # تكلفا من المفتعل وسمى الأقوال المنقولة أقاويل تصغيرا لها وتحقيرا، ~~كقولك: الأعاجيب والأضاحيك، كأنها جمع أفعولة من القول. والمعنى: لو نسب ~~إلينا قولا لم نقله أو لم نأذن له في قوله: {لأخذنا} أي: لنلنا {منه} أي: ~~عقابا {باليمين} أي: بالقوة والقدرة. # تنبيه: الباء على أصلها غير مزيدة، والمعنى: لأخذناه بقوة منا، فالباء ~~حالية والحال من الفاعل وتكون منه في حكم الزائدة، واليمين هنا مجاز عن ~~القوة والغلبة، فإن قوة كل شيء في ميامنه، وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد ~~رضي الله عنهم، ومنه قول الشماخ: # *إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين* # وقال أبو جعفر الطبري: هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في ~~الأخذ بيد من يعاقب، ويجوز أن تكون الباء مزيدة، والمعنى: لأخذنا منه ~~يمينه، والمراد باليمين الجارحة كما يفعل بالمقتول صبرا يؤخذ بيمينه ويضرب ~~بالسيف في جيده مواجهة وهو أشد عليه، وقال الحسن رضي الله عنه: لقطعنا يده ~~اليمنى. وقال الزمخشري: المعنى: ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا ~~كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر ~~بصورته ليكون أهول، وهو أن يؤخذ بيده فتضرب رقبته وخص اليمين عن اليسار، ~~لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذه بيساره، وإذا أراد أن ~~يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف أخذ ~~بيمينه ا. ه. وقال نفطويه: المعنى لقبضنا بيمينه عن التصرف، وقال السدي ~~ومقاتل رضي الله عنهما: المعنى انتقمنا منه بالحق واليمين على هذا بمعنى ~~الحق كقوله تعالى: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} (الصافات: 28) ، أي: من ~~قبل الحق. # {ثم لقطعنا} أي: بما لنا من العظمة قطعا يتلاشى عنده كل قطع {منه الوتين} ~~أي: نياط القلب وهو يتصل من الرأس إذا انقطع مات صاحبه، قال أبو زيد: وجمعه ~~الوتن وثلاثة أوتنة والموتون الذي قطع وتينه. وقال الكلبي: هو عرق بين ~~العلباء والحلقوم وهما ms3827 علباوان بينهما العرق والعلباء عصب العنق، وقيل: عرق ~~غليظ تصادفه شفرة الناحر، وقال مجاهد رضي الله عنه: هو حبل القلب الذي في ~~الظهر وهو النخاع، فإذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه. # وقال محمد بن كعب رضي الله عنه: إنه القلب ومراقه وما يليه، وقال عكرمة ~~رضي الله عنه: إن الوتين إذا قطع، لا إن جاع عرف ولا إن شبع عرف، وقيل: ~~الوتين من مجمع الوركين إلى مجمع الصدر بين الترقوتين، ثم تنقسم منه سائر ~~العروق إلى سائر الجسد، ولا يمكن في العادة الحياة بعد قطعه. وقال ابن ~~قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه، فكان كمن قطع ~~وتينه. ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم «ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا ~~أوان انقطاع أبهري» . والأبهر: عرق متصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه ~~فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم وحينئذ صرت كمن انقطع أبهره {فما منكم} ~~أي: أيها الناس، وأغرق في النفي فقال: {من أحد عنه} أي: القتل {حاجزين} أي: ~~لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن ذلك ويدفعه عنه، أي: الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أي: لا تقدرون أن تحجزوا عنه القاتل وتحولوا بينه وبينه. # تنبيه: {من أحد} اسم ما ومن زائدة لتأكيد النفي، ومنكم حال من أحد وعنه ~~حاجزين خبر ما وجمع لأن أحدا في سياق النفي بمعنى # PageV04P379 # الجمع وضمير عنه للقتل أو النبي كما مر {وإنه} أي: القرآن {لتذكرة ~~للمتقين} أي: لأنهم المنتفعون به لإقبالهم عليه إقبال مستفيد {وإنا} أي: ~~بمالنا من العظمة {لنعلم} أي: علما عظيما محيطا {أن منكم} أي: أيها الناس ~~{مكذبين} بالقرآن ومصدقين، فأنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل لنظهر منكم إلى ~~عالم الشهادة ما كنا نعلم في الأزل غيبا من تكذيب وتصديق فتستحقون بذلك ~~الثواب والعقاب، فلذلك وجب في الحكمة أن نعيد الخلق إلى ما كانوا عليه من ~~أجسامهم قبل الموت لنحكم بينهم فنجازي كلا بما يليق به إظهارا للعدل. # {وإنه} أي: القرآن {لحسرة} أي: ندامة {على الكافرين} أي: إذا رأوا ثواب ms3828 ~~المصدقين وعقاب المكذبين به {وإنه} أي: القرآن أو الجزاء يوم الجزاء {لحق ~~اليقين} أي: الأمر الثابت الذي لا يقبل الشك فهو يقين مؤكد بالحق من إضافة ~~الصفة إلى الموصوف وهو فوق علم اليقين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما ~~هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين. # {فسبح} أي: أوقع التنزيه الكامل عن كل شائبة نقص {باسم} أي: بسبب عملك ~~بصفات {ربك} أي: الموجد والمربي لك والمحسن إليك بأنواع الإحسان {العظيم} ~~أي: الذي ملأت الأقطار كلها عظمته وزادت على ذلك بما شاءه سبحانه مما لا ~~تسعه العقول، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أي: فصل لربك العظيم. وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة الحاقة حاسبه الله حسابا يسيرا» حديث موضوع. ### | سورة المعارج # مكية # وهي أربع وأربعون آية، ومائتانوست عشرة كلمة، وألف وأحد وستون حرفا # {بسم الله} ، أي: الذي تنقطع الأعناق والآمال دون عليائه {الرحمن} الذي ~~لا مطمع لأحد في حصر أوصافه {الرحيم} الذي اصطفى من عباده من وفقه فكان من ~~أوليائه. # {سأل سائل} أي: دعا داع {بعذاب واقع} فضمن سأل معنى دعا، فلذلك عدى ~~تعديته، وقيل: الباء بمعنى عن كقوله تعالى: {فاسأل به خبيرا} (الفرقان: 59) ~~، أي: عنه، أي: سأل سائل عن عذاب واقع، والأول أولى لأن التجوز في الفعل ~~أولى منه في الحرف لقوته. # واختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو النضر بن الحارث ~~حيث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم فنزل سؤاله وقتل يوم بدر صبرا هو وعتبة بن أبي معيط لم ~~يقتل صبرا غيرهما، وقيل: هو الحارث بن النعمان، وذلك «أنه لما بلغه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في علي: من كنت مولاه فعلي مولاه ركب ناقته فجاء ~~حتى أناخ راحلته بالإبطح، ثم قال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا ~~إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه وأن نصلي خمسا ms3829 ونزكي أموالنا فقبلناه ~~منك، وأن نصوم شهر رمضان في عام فقبلناه منك وأن نحج فقبلناه منك ثم لم ترض ~~حتى فضلت ابن عمك علينا، أفهذا شيء منك أم من الله تعالى؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «والذي لا إله إلا هو ما هو إلا من الله» فولى الحارث وهو ~~يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم، فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله تعالى بحجر فوقع على ~~دماغه فخرج من دبره # PageV04P380 # فقتله فنزلت. # وقال الربيع: هو أبو جهل، وقيل: إنه قول جماعة من كفار قريش، وقيل: هو ~~نوح عليه السلام سأل العذاب على الكافرين، وقيل: هو نبينا صلى الله عليه ~~وسلم استعجل بعذاب الكافرين ويدل عليه قوله تعالى بعد ذلك {فاصبر صبرا ~~جميلا} أي: لا تستعجل فإنه قريب، وقرأ نافع وابن عامر بغير همز بعد السين، ~~والباقون بهمزة مفتوحة بعد السين. # تنبيه: ما تقدم من الوجهين في كون سأل ضمن أو أن الباء بمعنى عن هو على ~~القراءة بالهمز، وأما على عدمه ففيه وجهان: أحدهما: أنه لغة في السؤال ~~يقال: سأل يسأل كخاف يخاف وعين الكلمة واو، قال الزمخشري: وهي من لغة قريش. # والثاني: أنه من السيل ومعناه اندفع عليهم واد بعذاب، وقيل: سال واد من ~~أودية جهنم وقوله تعالى: {للكافرين} فيه أوجه: أحدها: أنه يتعلق بسأل مضمنا ~~معنى دعا كما مر، أي: دعا لهم بعذاب واقع. الثاني: أنه يتعلق بواقع واللام ~~للعلة، أي: نازل لأجلهم. الثالث: أن يتعلق بمحذوف صفة ثانية للعذاب، أي: ~~كائن للكافرين. الرابع: أن يكون جوابا للسائل فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ~~للكافرين. الخامس: أن تكون اللام بمعنى على، أي: واقع على الكافرين. # {ليس له} أي: بوجه من الوجوه ولا حيلة من الحيل {دافع} يرده. # وقوله تعالى: {من الله} أي: الملك الأعلى الذي لا كفء له يجوز أن يتعلق ~~بدافع بمعنى ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته لتعلق إرادته به وأن ms3830 يتعلق ~~بواقع، وبه بدأ الزمخشري، أي: واقع من عنده {ذي المعارج} أي: المصاعد وهي ~~الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب والعمل الصالح أو يترقى فيها المؤمنون ~~في سلوكهم أو في دار ثوابهم، أو مراتب الملائكة أو السموات، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: أي: ذي السموات، سماها معارج الملائكة لأن الملائكة يعرجون ~~فيها فوصف نفسه بذلك، أو ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم، لأنها تصل إلى ~~الناس على مراتب مختلفة، قاله ابن عباس وقتادة رضي الله عنهم، فالمعارج ~~مراتب إنعامه على الخلق. وقيل: ذي العظمة والعلا، وقيل: المعارج الغرف، أي: ~~إنه ذو الغرف، أي: جعل لأوليائه الجنة غرفا. # وقرأ: {تعرج الملائكة} الكسائي بالياء التحتية، والباقون بالتاء الفوقية، ~~وأدغم جيم المعارج في تاء تعرج هنا السوسي، واستضعف بعضهم ذلك من حيث إن ~~مخرج الجيم بعيد من مخرج التاء. وأجيب عن ذلك بأن الإدغام يكون لمجرد ~~الصفات وإن لم يتقاربا في المخرج والجيم تشارك التاء في الاستفال والانفتاح ~~والشدة والجملة من تعرج مستأنفة. # وقوله تعالى: {والروح} من عطف الخاص على العام إن أريد بالروح جبريل عليه ~~السلام كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى: {نزل به الروح ~~الأمين} (الشعراء: 193) # أو ملك آخر من جنسهم عظيم الخلقة: وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله ~~كهيئة الناس وليس بالناس. وقال قبيصة بن ذؤيب: إنه روح الميت حين يقبض، ~~{إليه} أي: مهبط أمره من السماء. وقيل: هو كقول إبراهيم عليه السلام: {إني ~~ذاهب إلى ربي} (الصافات: 99) ، أي: إلى الموضع الذي أمرني به، وقيل: إلى ~~عرشه، وعلق بالعروج أو بواقع قوله تعالى: {في يوم} أي: من أيامكم، وبين ~~عظمه بقوله تعالى: {كان} أي: كونا هو في غاية الثبات {مقداره} أي: لو كان ~~الصاعد فيه آدميا {خمسين ألف سنة} أي: من سني الدنيا وذلك أن تصعد من منتهى ~~أمر الله تعالى من أسفل الأرض السابعة، روي عن مجاهد رضي الله عنه أن مقدار ~~هذا خمسين ألف سنة. # PageV04P381 # وقال محمد بن إسحاق: لو سار بنو آدم ms3831 من الدنيا إلى موضع العرش ساروا ~~خمسين ألف سنة. وقال عكرمة وقتادة رضي الله عنهما: هو يوم القيامة وأراد أن ~~موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ليس يعني ~~به أن مقدار طوله هكذا دون غيره؛ لأن يوم القيامة ليس له أول وليس له آخر ~~لأنه يوم ممدود، ولو كان له آخر لكان منقطعا. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يوم القيامة يكون على الكافرين ~~مقدار خمسين ألف سنة، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: «قيل: ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فما أطول هذا ~~اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ليخفف على ~~المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا» . # وقيل: معناه لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله تعالى لم يفرغ ~~منه في خمسين ألف سنة قال عطاء رضي الله عنه: ويفرغ الله تعالى في مقدار ~~نصف يوم من أيام الدنيا، وقيل: فيه خمسون موطنا على الكافر، كل موطن ألف ~~سنة وما ورد ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر. # وروي عن الكلبي أنه قال: يقول الله تعالى: لو وليت حساب ذلك الملائكة ~~والإنس والجن وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه في خمسين ألف سنة وأنا أفرغ ~~منه في ساعة من النهار. وقال بيان: هو يوم القيامة فيه خمسون موطنا كل موطن ~~ألف سنة، وفيه تقديم وتأخير كأنه قال: ليس له دافع من الله ذي المعارج في ~~يوم مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة السجدة: {في ~~يوم كان مقداره ألف سنة} (السجدة: 5) # أجيب: بأنه يحتمل أن من أسفل العالم إلى أعلى العرش خمسين ألف سنة، ومن ~~أعلى سماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة لأن عرض كل سماء خمسمائة وما بين أسفل ~~إلى قرار الأرض خمسمائة، فقوله في ms3832 يوم من أيام الدنيا وهو مقدار ألف سنة لو ~~صعدوا فيه إلى سماء الدنيا، ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى أعلى العرش. # وقوله تعالى: {فاصبر صبرا جميلا} متعلق كما قال الرازي: بسأل سائل، لأن ~~استعجالهم بالعذاب كان على وجه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأمر بالصبر، والمعنى: جاء العذاب لقرب وقوعه فاصبر على أذى قومك، والصبر ~~الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله تعالى. # وقيل: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري من هو، وقال ابن زيد ~~والكلبي رضي الله عنهم: هذه الآية منسوخة بالأمر بالقتال. # {إنهم} أي: الكفار {يرونه} أي: ذلك اليوم الطويل أو عذابه {بعيدا} أي: ~~زمن وقوعه لأنهم يرونه غير ممكن، أو يفعلون أفعال من يستبعده {ونراه} أي: ~~لما لنا من العظمة التي قضت بوجوده وهو علينا هين {قريبا} سواء أريد بذلك ~~قرب الزمان أو قرب المكان فهو هين على قدرتنا وهو آت لا محالة، وكل آت ~~قريب، والقريب والبعيد عندنا على حد سواء، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ~~بالإمالة محضة، وورش بين بين، والباقون بالفتح. # وقوله تعالى: {يوم تكون السماء} متعلق بمحذوف، أي: يقع فيه من الأهوال ~~{كالمهل} أي: كدردي الزيت، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كالفضة البيضاء في ~~تلونها {وتكون الجبال} أي: التي هي أشد الأرض وأثقل ما فيها {كالعهن} أي: ~~كالصوف في الخفة والطيران بالريح. وقيل: أول ما تتفرق الجبال تصير رملا ثم ~~عهنا منفوشا ثم هباء منثورا منبثا. # PageV04P382 # {ولا يسأل} أي: من شدة الأهوال {حميم حميما} أي: قريب في غاية القرب ~~والصداقة قريبا مثله عن شيء من الأشياء لفرط الشواغل ولأنه قد كشفت لهم أنه ~~لا تغني نفس عن نفس شيئا وأنه قد تقطعت الأسباب وتلاشت الأنساب وعلم أنه لا ~~عز إلا بالتقوى. # {يبصرونهم} أي: يبصرهم بهم مبصر فلا يخفى أحد على أحد وإن بعد مكانه {يود ~~المجرم} أي: يتمنى الكافر أو هذا النوع سواء كان كافرا أم مسلما عاصيا علم ~~أنه يعذب بعصيانه {لو} ms3833 بمعنى أن {يفتدى} أي: يفدي نفسه {من عذاب يومئذ} أي: ~~يوم إذ كانت هذه المخاوف. وقرأ نافع والكسائي بفتح الميم والباقون بكسرها، ~~{ببنيه} أي: بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه لشدة ما يرى. # ولما ذكر ألصق الناس بالفؤاد وأعز من يلزمه نصره والذب عنه أتبعه ما يليه ~~في الرتبة والمودة بقوله تعالى: {وصاحبته} أي: زوجه التي يلزمه الذب عنها ~~لا سيما عند العرب من أقبح العار ولكونه دائما معها. ولما ذكر الصاحبة لما ~~لها من تمام الوصلة أتبعها الشقيق الذي هو عليه شفيق بقوله تعالى: {وأخيه} ~~أي: الذي له به النصرة على من يريد، قال الشاعر: # *أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كنازل الهيجاء بغير سلاح* # ولما كان من بقي من الأقارب بعد ذلك متقاربين في الرتبة ذكر أقربهم بقوله ~~تعالى: {وفصيلته} أي: عشيرته الذين هم أقرب من فصل عنه، وقال ثعلب: الفصيلة ~~الآباء الأدنون، وقال أبو عبيدة رضي الله عنه: الفخذ، وقال مجاهد وابن زيد ~~رضي الله عنهم: عشيرته الأقربون، {التي تؤويه} أي: تضمه إليها عند الشدائد ~~وتحميه لأنه أقرب الناس إليها وأعزهم عليها. # ولما خصص عمم بقوله تعالى: {ومن في الأرض} أي: من الثقلين وغيرهم سواء ~~كان فيهم صديق لا صبر عنه ولا بد في كل حال منه أم لا، ثم أكد ذلك بقوله ~~تعالى: {جميعا} وقوله تعالى: {ثم ينجيه} أي: ذلك الافتداء عطف على يفتدى، ~~وقوله تعالى: {كلا} رد وردع وزجر لما يوده، وقال القرطبي: وإنها تكون بمعنى ~~حقا وبمعنى لا وهي هنا تحتمل الأمرين فإذا كانت بمعنى حقا كان تمام الكلام ~~ينجيه، وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها إذ ليس من عذاب الله ~~افتداء. # ولما كان الإضمار قبل الذكر لتعظيم ذلك المضمر أشار إلى أنه مستحضر في ~~الذهن لا يغيب قال تعالى: {إنها} أي: النار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة لفظ ~~عذاب عليها، وقيل: الضمير للقصة. وقيل: مبهم يفسره قوله تعالى: {لظى} أي: ~~ذات اللهب الخالص المتناهي في الحر اسم لجهنم تتلظى، أي: ms3834 تتوقد فتأكل بسببه ~~بعضها بعضا إن لم تجد ما تأكله وتأكل كل ما وجدته كائنا ما كان، وقوله ~~تعالى: {نزاعة للشوى} جمع شواة وهي جلدة الرأس، أي: شديدة النزع لجلود ~~الرؤوس. وقال في «القاموس» : اليدان والرجلان والأطراف ومخ الرأس وما كان ~~غير مقتل ا. ه. وقرأ حفص بالنصب على الاختصاص والحال المؤكدة والمستقلة على ~~أن لظى متلظية، والباقون بالرفع على أنها خبر إن. # {تدعو من أدبر وتولى} عن الإيمان، تقول: إلي يا مشرك، إلي يا فاسق ونحو ~~هذا، ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب. # ولما كانت الدنيا والآخرة ضرتين، فكان الإقبال على أحدهما دالا على ~~الإعراض عن الأخرى قال تعالى دالا على إدباره بقلبه: {وجمع} أي: كل ما كان ~~منسوبا إلى الدنيا {فأوعى} أي: جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصا وطول # PageV04P383 # أمل ولم يعط حق الله تعالى منه فكان همه الإعطاء لا إبطاء ما وجب من الحق ~~إقبالا على الدنيا وإعراضا عن الآخرة، وقرأ: {لظى} و {للشوى} و {تولى} ~~{فأوعى} حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين، والفتح عن ~~ورش قليل والباقون بالفتح. # {إن الإنسان} أي: الجنس عبر به لما له من الأنس بنفسه والرؤية لمحاسنها ~~والنسيان لربه ولدينه {خلق هلوعا} أي: جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو ~~أفحش الجزع مع شدة الحرص وقلة الصبر والشح على المال والسرعة فيما لا ~~ينبغي، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إنه الحريص على ما لا يحل له. # وروي عنه أن تفسيره ما بعده وهو قوله تعالى: {إذا مسه} أي: أدنى مس ~~{الشر} أي: هذا الجنس، وهو ما تطاير شرره من الضرر {جزوعا} أي: عظيم الجزع ~~وهو ضد الصبر بحيث يكاد صاحبه ينقد نصفين ويتفتت {وإذا مسه} كذلك {الخير} ~~هذا الجنس وهو ما يلائمه فيجمعه من السعة في المال وغيره من أنواع الرزق ~~{منوعا} أي: مبالغا في الإمساك عما يلزمه من الحقوق للانهماك في حب العاجل ~~وقصور النظر عليه وقوفا مع المحسوس لغلبة الجمود والبلادة، وهذا الوصف ضد ~~الإيمان لأنه ms3835 نصفان شكر وصبر. # فإن قيل: حاصل هذا الكلام أنه نفور عن المضار طالب للراحة، وهذا هو ~~اللائق بالعقل فلم ذمه الله تعالى عليه؟ أجيب: بأنه إنما ذمه عليه لقصور ~~نظره على الأمور العاجلة، والواجب عليه أن يكون شاكرا راضيا في كل حال. # وقوله تعالى: {إلا المصلين} استثناء للموصوفين بالصفات الآتية من ~~المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل مضادة تلك الصفات لها من حيث إنها دالة ~~على الاستغراق في طاعة الحق، والإشفاق على الخلق، والإيمان بالجزاء، والخوف ~~من العقوبة، وكسر الشهوة، وإيثار العاجل على الآجل، وتلك ناشئة عن الانهماك ~~في حب العاجل وقصور النظر عليها {الذين هم} أي: بكلية ضمائرهم وظواهرهم ~~{على صلاتهم} أي: التي هي معظم دينهم وهي النافعة لهم لا لغيرهم بما أفادته ~~الإضافة، والمراد الجنس الشامل لجميع الأنواع إلا أن معظم المقصود الفرض، ~~ولذلك عبر بالاسم الدال على الثبات في قوله تعالى: {دائمون} أي: لا فتور ~~لهم عنها ولا انفكاك لهم منها، وقال عقبة بن عامر: هم الذين إذا صلوا لم ~~يلتفتوا يمينا ولا شمالا، والدائم: الساكن، ومنه نهي عن البول في الماء ~~الدائم، أي: الساكن. وقال ابن جريج والحسن: هم الذين يكثرون فعل التطوع ~~منها. # فإن قيل: كيف قال تعالى: {على صلاتهم دائمون} وقال تعالى في موضع آخر: ~~{على صلواتهم يحافظون} (الأنعام: 92) # أجيب: بأن دوامهم عليها أن لا يتركوها في وقت، ومحافظتهم عليها ترجع إلى ~~الاهتمام بحالها حتى تأتي على أكمل الوجوه من المحافظة على شرائطها، ~~والإتيان بها في الجماعة وفي المساجد الشريفة، وفي تفريغ القلب عن الوسواس ~~والرياء والسمعة، وأن لا يلتفت يمينا ولا شمالا، وأن يكون حاضر القلب فاهما ~~للأذكار، مطلعا على حكم الصلاة متعلق القلب بدخول أوقات الصلاة. # ولما ذكر تعالى زكاة الروح أتبعه زكاة عديلها، فقال تعالى مبينا للرسوخ ~~في الوصف بالعطف بالواو: {والذين في أموالهم} التي من الله سبحانه بها ~~عليهم {حق معلوم} أي: من الزكوات وجميع النفقات الواجبة. وقال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما: من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه ms3836 أن لا يتصدق {للسائل} ~~أي: الذي # PageV04P384 # يسأل {والمحروم} أي: الذي لا يسأل، فيحسب غنيا فيحرم فهو يتلظى بناره في ~~ليله ونهاره، ولا مفزع له بعد ربه المالك لعلانيته وسره إلا إلى إفاضة ~~مدامعه بذلة وانكسار، وهذا من الله تعالى حث على تفقد أرباب الضرورات ممن ~~لا كسب له ومن افتقر بعد الغنى، وقد كان للسلف الصالح في هذا قصب السبق، ~~حكي عن زين العابدين أنه لما مات وجد في ظهره آثار سواد كأنها السيور، ~~فعجبوا منها فقال بعد موته نسوة أرامل: كان شخص يأتي إلينا ليلا بقرب الماء ~~على ظهره وأجربة الدقيق ففقدناه واحتجنا، فعلموا أنه هو وأن تلك السيور من ~~ذلك، وحكي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن شخصا رآه ماشيا في زمن ~~خلافته في الليل فتبعه، فجاء إلى بيت نسوة أرامل فقال: أعندكن ماء وإلا ~~املأ لكن، فأعطينه جرة فأخذها وذهب فملأها على كتفه وأتى بها إليهن. ~~والحكايات عنهم في هذا كثيرة. # {والذين يصدقون} أي: يوقعون التصديق لمن يخبرهم ويجددونه كل وقت {بيوم ~~الدين} أي: الجزاء الذي ما مثله يوم وهو يوم القيامة الذي يقع الحساب فيه ~~على النقير والقمطير والتصديق به حق التصديق الاستعداد له بالأعمال ~~الصالحة، فالذين يعلمون لذلك اليوم هم العمال، وأما المصدقون بمجرد الأقوال ~~فلهم الوبال وإن أنفقوا أمثال الجبال. # {والذين هم} أي: بجميع ضمائرهم وظواهرهم {من عذاب ربهم} أي: المحسن إليهم ~~لا من عذاب غيره فإن المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع إحسانه {مشفقون} أي: ~~خائفون في هذه الدار خوفا عظيما هو في غاية الثبات من أن يعذبهم في الآخرة ~~أو في الدنيا أو فيهما، فهم لذلك لا يفعلون إلا ما يرضيه سبحانه. # {إن عذاب ربهم} أي: الذي هم مغمورون بإحسانه وهم عارفون بأنه قادر على ~~الانتقام ولو بقطع الإحسان {غير مأمون} أي: لا ينبغي لأحد أن يأمنه بل يجوز ~~أن يحل به وإن بالغ في الطاعة؛ لأن الملك مالك وهو تام الملك، له أن يفعل ~~ما شاء، ومن ms3837 جوز وقوع العذاب أبعد عن موجباته غاية الإبعاد ولم يزل مترجحا ~~بين الخوف والرجاء. # {والذين هم} أي: ببواطنهم الغالبة على ظواهرهم {لفروجهم} أي: سواء أكانوا ~~ذكورا أم إناثا {حافظون} أي: حفظا ثابتا دائما عن كل ما نهى الله تعالى عنه ~~{إلا على أزواجهم} أي: من الحرائر بعقد النكاح، وقدمهن لشرفهن وشرف الولد ~~بهن، ثم أتبعه قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهم} أي: من السراري التي هي ~~محل الحرث والنسل واللاتي هن أقل عقلا من الرجال، ولهذا عبر بما التي هي في ~~الأغلب لغير العقلاء، وفي ذلك إشارة إلى اتساع النطاق في احتمالهن. # {فإنهم} أي: بسبب إقبالهم بالفروج عليهن وإزالة الحجاب من أجل ذلك {غير ~~ملومين} أي: في الاستمتاع بهن من لائم ما، كما نبه عليه البناء للمفعول، ~~فهم يصحبونهن للتعفف وصون النفس وابتغاء الولد للتعاون على طاعة الله ~~تعالى، واكتفى في مدحهم بنفي اللوم لإقباله عن تحصيل ما له من المرام. # {فمن ابتغى} أي: طلب وعبر بصيغة الافتعال لأن ذلك لا يقع إلا عن إقبال ~~عظيم من النفس واجتهاد في الطلب. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ~~ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح. {وراء ذلك} أي: شيئا من هذا ~~خارجا عن هذا الأمر الذي أحله الله تعالى له، والذي هو أعلى المراتب في أمر ~~النكاح وقضاء اللذة وأحسنها وأجملها {فأولئك} أي: الذين هم # PageV04P385 # في الحضيض من الدناءة وغاية البعد عن مواطن الرحمة {هم} أي: بضمائرهم ~~وظواهرهم {العادون} أي: المختصون بالخروج عن الحد المأذون فيه. {والذين هم ~~لأماناتهم} أي: من كل ما ائتمنهم الله تعالى عليه من حقه وحق غيره، وقرأ ~~ابن كثير بغير ألف بعد النون على التوحيد، والباقون بالألف على الجمع ~~{وعهدهم} أي: ما كان من الأمانات بربط وتوثيق {راعون} أي: حافظون لها ~~معترفون بها على وجه نافع غير ضار. # {والذين هم} أي: بغاية ما يكون من توجه القلوب {بشهادتهم} التي شهدوا بها ~~أو يستشهدون بها بطلب أو غيره، وتقديم المعمول إشارة إلى أنهم في فرط ~~قيامهم بها ومراعاتهم ms3838 لها كأنهم لا شاغل لهم سواها {قائمون} أي: يتحملونها ~~ويؤدونها على غاية التمام والحسن أداء من هو متهيىء لها واقف في انتظارها، ~~وقرأ حفص بألف بعد الدال على الجمع اعتبارا بتعدد الأنواع والباقون بغير ~~ألف على التوحيد إذ المراد الجنس. قال الواحدي: والإفراد أولى لأنه مصدر ~~فيفرد كما تفرد المصادر وإن أضيف إلى الجمع كصوت الحمير. قال أكثر ~~المفسرين: يقومون بالشهادة على من كانت عليه من قريب وبعيد، يقومون بها عند ~~الحكام ولا يكتمونها. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: بشهادتهم أن ~~الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. # {والذين هم على صلاتهم} أي: من الفرض والنفل {يحافظون} أي: يبالغون في ~~حفظها ويجددونه حتى كأنهم يبادرونها الحفظ ويسابقونها فيه فيحفظونها ~~لتحفظهم ويسابقون غيرهم في حفظها، وتقدم أن المداومة غير المحافظة، فدوامهم ~~عليها محافظتهم على أوقاتها وشروطها وأركانها ومستحباتها في ظواهرها ~~وبواطنها من الخشوع والمراقبة وغير ذلك من خلال الإحسان التي إذا فعلوها ~~كانت ناهية لفاعلها {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} (العنكبوت: 45) # فتحمل على جميع هذه الأوامر وتبعد عن أضدادها، فالدوام يرجع إلى نفس ~~الصلاة والمحافظة إلى أحوالها ذكره القرطبي. # ولما ذكر تعالى خلالهم أتبعه ما أعطاهم، فقال عز من قائل مستأنفا أو ~~منتجا من غير فاء إشارة إلى أن رحمته هي التي أوصلتهم إلى ذلك من غير سبب ~~منهم في الحقيقة: {أولئك} أي: الذين في غاية العلو لما لهم من الأوصاف ~~العالية {في جنات} أي: في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في ~~الدنيا فلأنهم لما جاهدوا فيه بإتعاب أنفسهم في هذه الأوصاف حتى تخلقوا بها ~~أعطاهم بمباشرتها لذاذات من أنس القرب وحلاوة المناجاة لا يساويها شيء ~~أصلا، والجنة محل اجتمع فيه جميع الراحات والمستلذات والسرور وانتفى عنه ~~جميع المكروهات والشرور، وضدها النار. وزادهم على ذلك بقوله تعالى: ~~{مكرمون} معبرا باسم المفعول إشارة إلى عموم الإكرام من الخالق والخلق ~~الناطق وغيره، لأنه سبحانه قضى بأن يعلي مقدارهم فيكرمهم بأنواع الكرامات ~~فيتلقاهم بالبشرى حين الموت وفي ms3839 قبورهم ومن حين قيامهم من قبورهم إلى ~~دخولهم إلى قصورهم هذا حال المؤمنين. # وأما حال الكافرين فقال الله تعالى في حقهم: # {فما للذين كفروا} وقف أبو عمرو على الألف بعد الميم والكسائي يقف على ~~الألف وعلى اللام، ووقف الباقون على اللام، وأما الابتداء فالجميع يبتدؤون ~~أول الكلمة أي: أي شيء من السعادات للذين ستروا مرائي عقولهم عن الإقرار ~~بمضمون هذا # PageV04P386 # الكلام الذي هو أوضح من الشمس حال كونهم {قبلك} أي: نحوك أيها الرسول ~~الكريم وفيما أقبل عليك {مهطعين} أي: مسرعين مع مد الأعناق وإدامة النظر ~~إليك في غاية العجب من مقالك، هيئة من يسعى إلى أمر لا حياة له بدونه {عن} ~~أي: متجاوزين إليك مكانا عن جهة {اليمين} أي: منك حيث يتيمنون به {وعن ~~الشمال} أي: منك وإن كانوا يتشاءمون به، وقوله تعالى: {عزين} حال من الذين ~~كفروا، وقيل: من الضمير في مهطعين فتكون حالا متداخلة، أي: جماعات جماعات ~~وحلقا حلقا متفرقين فرقا شتى أفواجا لا يتمهلون ليأتوا جميعا. جمع عزة ~~وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير ما تعتزي إليه الأخرى فهم متفرقون ~~قال الكميت: # *ونحن وجندل باغ تركنا ... كتائب جندل شتى عزينا* # وجمع عزة جمع سلامة شذوذا. # وقيل: كان المستهزؤون خمسة أرهط روي أن المشركين كانوا يجتمعون حول النبي ~~صلى الله عليه وسلم يستمعون كلامه ويستهزؤون به ويكذبونه ويقولون: إن دخل ~~هؤلاء الجنة كما يقول محمد فندخلها قبلهم، فرد الله تعالى عليهم بقوله عز ~~من قائل: {أيطمع} أي: هؤلاء البعداء البغضاء، وعبر بالطمع إشارة إلى أنهم ~~بلغوا الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء من غير سبب تعاطوه له. # ولما كان إتيانهم على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال تعالى: ~~{كل امرئ منهم} أي: على انفراده {أن يدخل} أي: وهو كافر من غير إيمان يزكيه ~~كما يدخل المسلم، فيستوي المسيء والمحسن {جنة نعيم} أي: لا شيء فيها عير ~~النعيم. # وقوله تعالى: {كلا} ردع لهم عن طمعهم ودخولهم الجنة، أي: لا يكون ما ~~طمعوا فيه أصلا؛ ms3840 لأن ذلك ثمن فارغ لا سبب له بما دل عليه التعبير بالطمع ~~دون الرجاء. ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إنا خلقناهم} أي: بالقدرة التي لا ~~يقدر أحد أن يقاومها {مما يعلمون} أي: أنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة، ~~ثم من علقة، ثم من مضغة كما خلق سائر جنسهم، فليس لهم فضل يستوجبون به ~~الجنة، وإنما تستوجب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى. وقيل: كانوا ~~يستهزؤون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم فقال تعالى: {إنا خلقناهم ~~ممايعلمون} أي: من القذر وهو منصبهم الذي لا منصب أوضع منه ولذلك أبهم ~~وأخفى إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره، فلا يليق بهم هذا التكبر ويدعون ~~التقدم ويقولون: ندخل الجنة قبلهم. # قال قتادة في هذه الآية إنما خلقت يا ابن آدم من قذر، فاتق الله. وروي أن ~~مطرق بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خز وجبة ~~خز، فقال له: يا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله تعالى؟ فقال له: ~~أتعرفني؟ قال: نعم، أولك نطفة مزرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك ~~تحمل العذرة فمضى المهلب وترك مشيته. # فائدة: قال ابن عربي في «الفتوحات» : خلق الله الناس على أربعة أقسام: ~~قسم لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم عليه السلام، وقسم من ذكر فقط وهو حواء، ~~وقسم من أنثى فقط وهو عيسى عليه السلام، وقسم من ذكر وأنثى وهو بقية الناس. # {فلا} زيدت فيه لا {أقسم برب} أي: سيد ومبدع ومدبر {المشارق} أي: التي ~~تشرق الشمس والقمر والكواكب السيارة، كل يوم في موضع منها على المنهاج الذي ~~دبره والطريق والقانون الذي أتقنه وسخره ستة أشهر صاعدة وستة أشهر هابطة # PageV04P387 # {والمغارب} كذلك وهي التي ينشأ عنها الليل والنهار والفصول الأربعة، فكان ~~بها صلاح العالم بمعرفة الحساب وإصلاح المآكل والمشارب وغير ذلك من المآرب، ~~فيوجد كل من الملوين بعد أن لم يكن والنبات من النجم والشجر كذلك عادة ~~مستمرة دالة على أنه تعالى قادر على الإيجاد والإعدام لكل ما ms3841 يريده من غير ~~كلفة ما. كما قال تعالى: {إنا} أي: على ما لنا من العظيمة {لقادرون} . # {على أن نبدل} أي: تبديلا عظيما بما لنا من الجلالة عوضا عنهم {خيرا ~~منهم} أي: بالخلق أو بتحويل الوصف فيكونون أشد بطشا في الدنيا وأكثر أموالا ~~وأولادا وأعلى قدرا وأكثر حشما وجاها وخدما، فيكونون عندك على قلب واحد في ~~سماع قولك وتوقيرك وتعظيمك والسعي في كل ما يشرح صدرك بدل ما يعمل هؤلاء من ~~الهزء والتصفيق والصفير وكل ما يضيق به صدرك، وقد فعل ذلك سبحانه ~~بالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان بالسعة في الرزق بأخذ أموال ~~الجبارين من كسرى وقيصر والتمكين في الأرض حتى كانوا ملوك الدنيا مع العمل ~~بما يوجب لهم ملك الآخرة، ففرجوا الكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبذلوا في مرضاته الأنفس والأموال {وما نحن بمسبوقين} أي: لا يفوتنا شيء ~~ولا يعجزنا أمر نريده بوجه من الوجوه. # {فذرهم} أي: اتركهم ولو على أسوأ أحوالهم {يخوضوا} أي: في باطلهم من ~~مقالهم وفعالهم {ويلعبوا} أي: يفعلوا في دنياهم فعل اللاعب الذي لا فائدة ~~لفعله إلا ضياع الزمان واشتغل أنت بما أمرت به {حتى يلاقوا} أي: يلقوا ~~{يومهم الذي يوعدون} وهو يوم كشف الغطاء الذي أول مجيئه عند الغرغرة، ~~وتناهيه النفخة الثانية، ودخول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره، وهذه ~~الآية منسوخة بآية السيف كما قاله البقاعي وابن عادل. # وقوله تعالى: {يوم يخرجون} يجوز أن يكون بدلا من يومهم أو منصوبا بإضمار ~~أعني {من الأجداث} أي: القبور التي صاروا بتغييبهم فيها تحت وقع الحوافر ~~والخف، فهم بحيث لا يدفعون شيئا يفعل بهم بل هم كلحم في فم ماضغ، فإن ~~الجدث: القبر والجدثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم. # وقوله تعالى: {سراعا} أي: نحو صوت الداعي ذاهبين إلى المحشر، حال من فاعل ~~يخرجون جمع سريع كظراف في ظريف، وقرأ قوله تعالى: {كأنهم إلى نصب} ابن عامر ~~وحفص بضم النون والصاد، والباقون بفتح النون وإسكان الصاد على أنه مصدر ~~بمعنى المفعول كما تقول هذا ms3842 نصب عيني وضرب الأمير، والنصب كل ما نصب فعبد ~~من دون الله {يوفضون} أي: يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى ~~أنصابهم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إلى نصب، أي: إلى غاية وهي ~~التي ينتصب إليها بصرك، وقال الكلبي: هو شيء منصوب علم أو راية. وقال ~~الحسن: كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون ~~الله تعالى لا يلوي أولهم على آخرهم. # وقوله تعالى: {خاشعة} حال إما من فاعل يوفضون وهو أقرب، أو من فاعل ~~يخرجون وفيه بعد منه، وفيه تعدد الحال لذي حال واحدة وفيه الخلاف المشهور. ~~وقوله تعالى: {أبصارهم} فاعل، والمعنى ذليلة خاضعة لا يرفعونها لما ~~يتوقعونه من عذاب الله تعالى {ترهقهم} أي: تغشاهم فتعمهم وتحمل عليهم، ~~فتكلفهم كل عسر وضيق على وجه الإسراع عليهم {ذلة} أي: ضد ما كانوا عليه في ~~الدنيا؛ لأن # PageV04P388 # من تعزز في الدنيا على الحق ذل في الآخرة، ومن ذل للحق في الدنيا عز في ~~الآخرة. # {ذلك} أي: الأمر الذي هو في غاية ما يكون من علو الرتبة في العظمة {اليوم ~~الذي كانوا يوعدون} أي: يوعدون في الدنيا أن لهم فيه العذاب، وأخرج الخبر ~~بلفظ الماضي؛ لأن ما وعد الله تعالى به فهو حق كائن لا محالة، وهذا هو ~~العذاب الذي سألوا عنه أول السورة، فقد رجع آخرها على أولها. # وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة سأل سائل أعطاه الله تعالى ثواب الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون» . ~~حديث موضوع. ### | سورة نوح # عليه السلام مكية # وهي سبع وعشرون آية، ومائتان وأربعوعشرون كلمة، وتسعمائة وتسعة وعشرون ~~حرفا # {بسم الله} ذي الجلال والإكرام {الرحمن} الذي عم بما أفاضه من ظاهر ~~الإنعام {الرحيم} الذي حفظ أولياءه من الابتداء إلى الختام. # ولما ختمت سأل بالإنذار للكفار وكانوا عباد أوثان بعذاب الدنيا والآخرة ~~أتبعها أعظم عذاب كان في الدنيا على تكذيب الرسل بقصة نوح عليه السلام فقال ~~تعالى: # {إنا} أي: بما لنا من ms3843 العظمة البالغة {أرسلنا نوحا إلى قومه} أي: الذين ~~كانوا في غاية القوة على القيام بما يحاولونه وهم بصدد أن يجيبوه ويكرموه ~~لما بينهم من القرب بالنسب واللسان، وكانوا جميع أهل الأرض من الآدميين، ~~روى قتادة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أول نبي أرسل نوح عليه السلام» وأرسل إلى جميع أهل الأرض ولذلك لما ~~كفروا أغرق الله تعالى أهل الأرض جميعا، وهو نوح بن لمك بن متوشلح بن ~~أخنوخ، وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم عليه ~~السلام. قال وهب: وكل مؤمنون أرسل إلى قومه وهو ابن خمسين سنة. وقال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: وهو ابن أربعين سنة. وقال عبد الله بن شداد: ~~بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. # ويجوز في قوله تعالى: {أن أنذر} أي: حذر تحذيرا عظيما {قومك} أي: ~~الاستمرار على الكفر أن تكون أن مفسرة فلا يكون لها من الإعراب لأن في ~~الإرسال معنى الأمر فلا حاجة إلى إضمار، ويجوز أن تكون المصدرية أي: ~~أرسلناه بالإنذار. قال الزمخشري: والمعنى أرسلناه بأن قلنا له أنذر قومك ~~أي: أرسلناه بالأمر بالإنذار ا. ه. وهذا الذي قدره جواب عن سؤال وهو أن ~~قولهم إن أن المصدرية يجوز أن توصل بالأمر مشكل؛ لأنه ينسبك منها ومما ~~بعدها مصدر وحينئذ فتفوت الدلالة على الأمر ألا ترى أنك إذا قدرت كتبت إليه ~~بأن قم: كتبت إليه القيام تفوت الدلالة على الأمر حال التصريح بالمصدر ~~فينبغي أن يقدر كما قاله الزمخشري أي: كتبت إليه بأن قلت له: قم، أي: كتبت ~~إليه بالأمر بالقيام. # وقال القرطبي: أي بأن أنذر قومك {من قبل أن يأتيهم} أي: على ما هم عليه ~~من الأعمال الخبيثة {عذاب أليم} أي: عذاب الآخرة أو الطوفان {قال} أي: نوح ~~عليه السلام {يا قوم} فاستعطفهم بتذكيرهم أنه أحدهم يهمه ما يهمهم {إني لكم ~~نذير} أي: مبالغ في إنذاركم {مبين} أي: أمري بين في نفسه بحيث إنه ms3844 صار في ~~شدة وضوحه كأنه مظهر لما يتضمنه # PageV04P389 # مناد بذلك للقريب والبعيد والفطن والغبي، ويجوز في قوله تعالى: {أن ~~اعبدوا الله} أي: الملك الأعظم الذي له جميع الكمال، أن تكون أن تفسيرية ~~لنذير، وأن تكون مصدرية والكلام فيها كما تقدم في أختها. وقرأ أبو عمرو ~~وعاصم وحمزة في الوصل بكسر النون والباقون بالضم، والمعنى وحدوا الله ~~{واتقوه} أي: اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية تمنعكم من عذابه بالانتهاء عن ~~كل ما يكرهه فلا تتحركوا حركة ولا تسكنوا سكنة إلا في طاعته، وهذا هو العمل ~~الواقي من كل سوء {وأطيعون} أي: لأعرفكم ما تقصر عنه عقولكم من صفات ~~معبودكم ودينكم ودنياكم ومعادكم، وأدلكم على اجتلاب آداب تهديكم واجتناب ~~شبه ترديكم، ففي طاعتي فلأحكم برضا الملك عنكم. وقوله: {يغفر لكم} جواب ~~الأمر، وفي من في قوله: {من ذنوبكم} أوجه أحدها: أنها تبعيضية، الثاني: ~~أنها لابتداء الغاية، الثالث: أنها مزيدة. قال ابن عطية: وهو مذهب كوفي، ~~ورد بأن مذهبهم ليس ذلك لأنهم يشترطون تنكير مجرورها ولا يشترطون غيره، ~~والأخفش لا يشترط شيئا، فالقول بزيادتها هنا ماش على قوله لا على قولهم، ~~قاله القرطبي، وقيل: لا يصح كونها زائدة لأن من لا تزاد في الموجب وإنما هي ~~هنا للتبعيض وهو بعض الذنوب وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. # {ويؤخركم} أي: بلا عذاب تأخيرا ينفعكم {إلى أجل مسمى} أي: قد سماه الله ~~تعالى وعلمه قبل إيجادكم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه فيكون موتكم على العادة ~~أو يأخذكم جميعا، فالأمور كلها قد قدرت وفرغ من ضبطها لإحاطة العلم والقدرة ~~فلا يزاد فيها ولا ينقص ليعلم أن الإرسال إنما هو مظهر لما قدره في الأزل، ~~ولا يظن أنه قالب للأعيان بتغيير ما سبق به القضاء من الطاعة والعصيان، ~~وقرأ: ويوخركم ولا يوخر ورش بإبدال الهمزة واوا وقفا ووصلا، وحمزة في الوقف ~~دون الوصل، والباقون بالهمز. # {إن أجل الله} أي: الذي له الكمال كله فلا راد لأمره {إذا جاء لا يؤخر} ~~أي: إذا جاء الموت لا يؤخر بعذاب ms3845 كان أو بغير عذاب، وأضاف الأجل إليه ~~سبحانه لأنه الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله تعالى: {إذا جاء أجلهم} ~~(يونس: 49) # لأنه مضروب لهم. {لو كنتم تعلمون} أي: لو كنتم من أهل العلم والنظر ~~لعلمتم ذلك ولكنهم لانهماكهم في حب الدنيا كأنهم شاكون في الموت. # ولما كان عليه السلام أطول الأنبياء عمرا وكان قد طال نصحه لهم ولم ~~يزدادوا إلا طغيانا وكفرا {قال} مناديا لمن أرسله لأنه تحقق أن لا قريب منه ~~غيره: {رب} أي: يا سيدي وخالقي {إني دعوت} أي: أوقعت الدعاء إلى الله ~~بالحكمة والمواعظة الحسنة {قومي} أي: الذين هم جديرون بإجابتي لمعرفتهم بي ~~وقربهم مني، وفيهم قوة المحاولة لما يريدون {ليلا ونهارا} أي: دائما متصلا ~~لا أفتر عن ذلك. وقيل: معناه سرا وجهرا. {فلم يزدهم دعائي} أي: شيئا من ~~أحوالهم التي كانوا عليها {إلا فرارا} أي: بعدا وإعراضا عن الإيمان كأنهم ~~حمر مستنفرة استثناء مفرغ وهو مفعول ثان، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون ~~الياء، والباقون بفتحها وهم على مراتبهم في المد. # {وإني كلما} أي: على تكرار الأوقات وتعاقب الساعات {دعوتهم} أي: إلى ~~الإقبال إليك بالإيمان بك والإخلاص لك {لتغفر لهم} أي: ليؤمنوا فتمحو ما ~~فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله في التجاوز في الحد محوا بالغا، فلا يبقى ~~لشيء من ذلك عين ولا أثر حتى لا تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم # PageV04P390 # {جعلوا أصابعهم} كراهة منهم واحتقارا للداعي {في آذانهم} حقيقة لئلا ~~يسمعوا الدعاء، إشارة إلى أنا لا نريد أن نسمع ذلك منك، فإن أبيت إلا ~~الدعاء فإنا لا نسمع لسد أسماعنا ودل على الإفراط في كراهة الدعاء بما ترجم ~~عنه قوله: {واستغشوا ثيابهم} أي: أوجدوا التغطية لرؤوسهم بثيابهم لئلا ~~يبصروه كراهة للنظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله تعالى، وهكذا حال ~~النصحاء مع من ينصحونه دائما. {وأصروا} أي: أكبوا على الكفر وعلى المعاصي ~~من أصر الحمار على العانة، وهي القطيع من الوحش إذا صر أذنيه وأقبل عليها ~~يكدمها ويطردها {واستكبروا} أي: أوجدوا الكبر طالبين له راغبين فيه ms3846 وأكد ~~ذلك بقوله: {استكبارا} تنبيها على أن فعلهم منابذ للحكمة، وقد أفادت هذه ~~الآيات بالصريح في غير موضع أنهم عصوا نوحا عليه السلام وخالفوه مخالفة لا ~~أقبح منها ظاهرا بتعطيل الأسماع والأبصار وباطنا بالإصرار والاستكبار. # {ثم إني دعوتهم جهارا} أي: معلنا بالدعاء، قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: بأعلى صوتي. # {ثم إني أعلنت لهم} أي: كررت لهم الدعاء معلنا، وقرأ نافع وابن كثير بفتح ~~الياء والباقون بسكونها {وأسررت لهم إسرارا} قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: يريد الرجل بعد الرجل، أكلمه سرا بيني وبينه، أدعوه إلى عبادتك ~~وتوحيدك. # لأنه مضروب لهم. {لو كنتم تعلمون} أي: لو كنتم من أهل العلم والنظر ~~لعلمتم ذلك ولكنهم لانهماكهم في حب الدنيا كأنهم شاكون في الموت. # ولما كان عليه السلام أطول الأنبياء عمرا وكان قد طال نصحه لهم ولم ~~يزدادوا إلا طغيانا وكفرا {قال} مناديا لمن أرسله لأنه تحقق أن لا قريب منه ~~غيره: {رب} أي: يا سيدي وخالقي {إني دعوت} أي: أوقعت الدعاء إلى الله ~~بالحكمة والمواعظة الحسنة {قومي} أي: الذين هم جديرون بإجابتي لمعرفتهم بي ~~وقربهم مني، وفيهم قوة المحاولة لما يريدون {ليلا ونهارا} أي: دائما متصلا ~~لا أفتر عن ذلك. وقيل: معناه سرا وجهرا. {فلم يزدهم دعائي} أي: شيئا من ~~أحوالهم التي كانوا عليها {إلا فرارا} أي: بعدا وإعراضا عن الإيمان كأنهم ~~حمر مستنفرة استثناء مفرغ وهو مفعول ثان، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون ~~الياء، والباقون بفتحها وهم على مراتبهم في المد. # {وإني كلما} أي: على تكرار الأوقات وتعاقب الساعات {دعوتهم} أي: إلى ~~الإقبال إليك بالإيمان بك والإخلاص لك {لتغفر لهم} أي: ليؤمنوا فتمحو ما ~~فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله في التجاوز في الحد محوا بالغا، فلا يبقى ~~لشيء من ذلك عين ولا أثر حتى لا تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم {جعلوا أصابعهم} ~~كراهة # PageV04P391 # منهم واحتقارا للداعي {في آذانهم} حقيقة لئلا يسمعوا الدعاء، إشارة إلى ~~أنا لا نريد أن نسمع ذلك منك، فإن أبيت إلا الدعاء فإنا لا نسمع ms3847 لسد ~~أسماعنا ودل على الإفراط في كراهة الدعاء بما ترجم عنه قوله: {واستغشوا ~~ثيابهم} أي: أوجدوا التغطية لرؤوسهم بثيابهم لئلا يبصروه كراهة للنظر إلى ~~وجه من ينصحهم في دين الله تعالى، وهكذا حال النصحاء مع من ينصحونه دائما. ~~{وأصروا} أي: أكبوا على الكفر وعلى المعاصي من أصر الحمار على العانة، وهي ~~القطيع من الوحش إذا صر أذنيه وأقبل عليها يكدمها ويطردها {واستكبروا} أي: ~~أوجدوا الكبر طالبين له راغبين فيه وأكد ذلك بقوله: {استكبارا} تنبيها على ~~أن فعلهم منابذ للحكمة، وقد أفادت هذه الآيات بالصريح في غير موضع أنهم ~~عصوا نوحا عليه السلام وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهرا بتعطيل الأسماع ~~والأبصار وباطنا بالإصرار والاستكبار. # {ثم إني دعوتهم جهارا} أي: معلنا بالدعاء، قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: بأعلى صوتي. # {ثم إني أعلنت لهم} أي: كررت لهم الدعاء معلنا، وقرأ نافع وابن كثير بفتح ~~الياء والباقون بسكونها {وأسررت لهم إسرارا} قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: يريد الرجل بعد الرجل، أكلمه سرا بيني وبينه، أدعوه إلى عبادتك ~~وتوحيدك. # {فقلت} أي: في دعائي لهم {استغفروا ربكم} أي: اطلبوا من المحسن إليكم ~~المبدع لكم المدبر لأموركم أن يمحو ذنوبكم أعيانها وآثارها بأن تؤمنوا ~~بالله وتتقوه {إنه كان} أي: أزلا وأبدا ودائما سرمدا {غفارا} أي: متصفا ~~بصفة الستر على من رجع إليه. # {يرسل السماء} أي: المظلة لأن المطر منها، ويجوز أن يراد السحاب والمطر ~~{عليكم مدرارا} . # {ويمددكم بأموال وبنين} أي: ويكثر أموالكم وأولادكم، وذلك أن قوم نوح ~~عليه السلام لما كذبوه زمانا طويلا حبس الله تعالى عنهم المطر وعقم أرحام ~~نسائهم أربعين سنة فهلكت أموالهم ومواشيهم، فقال لهم نوح: استغفروا ربكم من ~~الشرك، أي: استدعوه المغفرة بالتوحيد {يرسل السماء عليكم مدرارا} . روى ~~الشعبي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما خرج يستسقي بالناس فلم يزد على ~~الاستغفار، فلما نزل قيل: يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد ~~طلبت الغيث بمخاريج السماء التي بها يستنزل القطر، ثم قرأ هذه الآية، شبه ~~الاستغفار ms3848 بالأنواء الصادقة التي لا تخطىء. وعن الحسن أن رجلا شكا إليه ~~الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ~~ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال ~~يشكون أبوابا ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا الآية. وقال ~~القشيري: من وقعت له حاجة إلى الله تعالى فلن يصل إلى مراده إلا بتقديم ~~الاستغفار. وقال: إن عمل قوم نوح كان بضد ذلك، كلما ازداد نوح عليه السلام ~~في الضمان ووجوه الخير والإحسان ازدادوا في الكفر والنسيان. # {ويجعل لكم} أي: في الدارين {جنات} أي: بساتين عظيمة وأعاد العامل ~~للتأكيد، فقال {ويجعل لكم أنهارا} أي: يخصكم بذلك عمن لم يفعل ذلك، فإن من ~~لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا. وقال تعالى: ~~{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} ~~(الأعراف: 96) # وقال تعالى: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} وقال تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا} (الجن: 16) # {ما لكم لاترجون الله} أي: الملك الذي له الأمر كله {وقارا} أي: ما لكم ~~لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال ~~تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب. ولله بيان للموقر ولو تأخر ~~لكان صلة الوقار، فإن بالمعرفة تزكو الأعمال وتصلح الأقوال، إنما سبق أبو ~~بكر رضي الله عنه بشيء وقر في صدره، وإنما يصح تعظيمه سبحانه بأن لا ترى لك ~~عليه حقا ولا تنازع له اختيارا، وتعظم أمره ونهيه بعدم المعارضة. # {وقد} أي: والحال أنه قد أحسن إليكم مرة بعد مرة بما لا يقدر عليه غيره، ~~فدل ذلك على تمام قدرته ثم لم يقطع إحسانه عنكم، فاستحق أن تؤمنوا به لأنه ~~{هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرحمن: 60) # ورجاء لدوام إحسانه وخوفا من قطعه لأنه {خلقكم} أي: أوجدكم من العدم ~~مقدرين {أطوارا} أي: تارات عناصر أولا ثم مركبات ms3849 تغذي الحيوانات، ثم أخلاطا ~~ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما وأعصابا ودماء، ثم خلقا آخر تاما ~~ناطقا ذكرانا وإناثا إلى غير ذلك من الأمور الدالة على قدرته على كل مقدور، ~~ومن قدر على هذا ابتداء كان على الإعادة أعظم قدرة. # {ألم تروا} أي: أيها القوم {كيف خلق الله} أي: الذي له العلم التام ~~والقدرة البالغة والعظمة الكاملة {سبع سموات} هن في غاية العلو والسعة ~~والإحكام والزينة {طباقا} أي: متطابقة بعضها فوق بعض، وكل واحدة في التي ~~تليها محيطة بها ما لها من فروج، ولا يكون تمام المطابقة كذلك إلا بالإحاطة ~~من كل جانب. # {وجعل القمر} أي: الذي ترونه {فيهن نورا} أي: لامعا منتشرا كاشفا ~~للمرئيات، أحد وجهيه يضيء لأهل الأرض؛ والثاني لأهل السماوات. قال الحسن: ~~يعني في السماء الدنيا، كما تقول: أتيت بني فلان، وإنما أتيت بعضهم وفلان ~~متوار في دور بني فلان، وهو في دار واحدة، وبدأ به لقربه وسرعة حركته وقطعه ~~جميع البروج في كل شهر وغيبوبته في بعض الليالي، ثم ظهوره وذلك أعجب في ~~القدرة. # ولما كان نوره مستفادا من نور الشمس قال تعالى: {وجعل} أي: فيها {الشمس} ~~أي: في السماء الرابعة {سراجا} أي: نورا عظيما كاشفا لظلمة الليل عن وجه ~~الأرض وهي في السماء الرابعة كما مر. وقيل: في الخامسة، وقيل: في الشتاء في ~~الرابعة وفي الصيف في السابعة. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن ~~عمر: أن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء وأقفيتهما إلى الأرض، وجعلهما ~~سبحانه آية على رؤية عباده المؤمنين له في الجنة. # {والله} أي: الملك الأعظم الذي له الأمر كله {أنبتكم} أي: بخلق أبيكم آدم ~~عليه السلام {من الأرض} أي: كما ينبت، وعبر بذلك تذكيرا لنا بما كان من خلق ~~أبينا آدم عليه السلام لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض {نباتا} أي: ~~أنشأكم منها إنشاء، فاستعير الإنبات له لأنه أدل على الحدوث والتكون، وأصله ~~أنبتكم فنبتم نباتا فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية. # {ثم يعيدكم} على التدريج ms3850 {فيها} أي: الأرض بالموت والإقبار وإن طالت ~~الآجال {ويخرجكم} أي: منها بالإعادة، وأكد بالمصدر الجاري على الفعل إشارة ~~إلى شدة العناية به وتحتم وقوعه لإنكارهم له فقال تعالى: {إخراجا} أي: ~~غريبا ليس هو كما تعلمون بل تكونون به في غاية ما يكون من الحياة الباقية ~~تلابس أرواحكم بها أجسامكم ملابسة # PageV04P392 # لا انفكاك بعدها لا حكما عن الآخر. # {والله} أي: المستجمع لجميع الجلال والإكرام {جعل لكم} أي: نعمة عليكم ~~اهتماما بأمركم {الأرض بساطا} أي: سهل عليكم التصرف فيها والتقلب عليها ~~سهولة التصرف في البساط. # ثم علل ذلك بقوله تعالى: {لتسلكوا} أي: متخذين {منها} أي: الأرض مجددين ~~ذلك {سبلا} أي: طرقا واضحة مسلوكة بكثرة {فجاجا} أي: ذوات اتساع لتتوصلوا ~~إلى البلاد الشاسعة برا وبحرا، فيعم الانتفاع بجميع البقاع فالذي قدر على ~~إحداثكم وأقدركم على التصرف في أصلكم مع ضعفكم قادر على إخراجكم من أجداثكم ~~التي لم تزل طوع أمره ومحل عظمته وقهره. # ولما أكثروا مع نوح عليه السلام الجدال ونسبوه إلى الضلال وقابلوه بأشنع ~~الأقوال والأفعال. # {قال نوح} أي: بعد رفقه بهم ولينه لهم: {رب} أي: أيها المحسن إلي المدبر ~~لي المتولي لجميع أمري {إنهم} أي: قومي الذين دعوتهم إليك مع صبري عليهم ~~ألف سنة إلا خمسين عاما {عصوني} أي: فيما أمرتهم به ودعوتهم إليه، فأبوا أن ~~يجيبوا دعوتي وشردوا عني أشد شراد، وخالفوني أقبح مخالفة. # {واتبعوا} أي: بغاية جهدهم نظرا إلى المظنون العاجل {من} أي: رؤساءهم ~~البطرين بأموالهم المغترين بولدانهم، وفسرهم بقوله تعالى: {لم يزده} أي: ~~شيئا من الأشياء {ماله} أي: كثرته {وولده} كذلك {إلا خسارا} أي: بالبعد من ~~الله تعالى في الدنيا والآخرة، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح الواوين ~~واللام، والباقون بضم الواو الثانية وإسكان اللام. # {ومكروا} أي: هؤلاء الرؤساء في تنفير الناس عني {مكرا} وزاده تأكيدا ~~بصيغة هي النهاية في المبالغة بقوله: {كبارا} فإنه أبلغ من كبار المخفف ~~الأبلغ من كبير، واختلفوا في معنى مكرهم فقال ابن عباس: قالوا قولا عظيما. ~~وقال الضحاك: افتروا على الله تعالى وكذبوا ms3851 رسله. وقيل: منع الرؤساء ~~أتباعهم عن الإيمان بنوح عليه السلام، فلم يدعوا أحدا منهم بذلك المكر ~~يتبعه وحرشوهم على قتله. # {وقالوا} أي: لهم {لا تذرن} أي: تتركن {آلهتكم} أي: عبادتها على حالة من ~~الحالات لا قبيحة ولا حسنة، وأضافوها إليهم تحبيبا فيها ثم خصوا بالتسمية ~~زيادة في الحث وتصريحا بالمقصود، فقالوا مكررين اليمين والعامل تأكيدا: ~~{ولا تذرن ودا} قرأ نافع بضم الواو والباقون بفتحها، وأنشدوا بالوجهين قول ~~الشاعر: # *حيال وود من هداك لقيته ... وحرض بأعلى ذي فضالة مسجد* # وقال القرطبي: قال الليث: ودا بفتح الواو: صنم كان لقوم نوح، وودا بالضم: ~~صنم لقريش وبه سمي عمرو بن ود. وفي الصحاح والود بالفتح: الوتد في لغة أهل ~~نجد، كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال ا. ه. ثم أعادوا النفي تأكيدا ~~فقالوا: {ولا سواعا} وأكدوا هذا التأكيد وأبلغوا فيه فقالوا: {ولا يغوث} . ~~ولما بلغ التأكيد نهايته وعلم أن القصد النهي عن كل فرد فرد لا عن المجموع ~~تركوا التأكيد في قولهم: {ويعوق ونسرا} للعلم بإرادته. # واختلف المفسرون في هذه الأسماء فقال ابن عباس وغيره: هي أصنام وصور كان ~~قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب، وهذا قول الجمهور، وقيل: إنها للعرب لم ~~يعبدها غيرهم، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم فلذلك خصوها بالذكر بعد ~~قولهم: {لا تذرن آلهتكم} وقال عروة بن الزبير: اشتكى آدم عليه السلام وعنده # PageV04P393 # بنوه ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكان ود أكبرهم وأبرهم به. # قال محمد بن كعب: كان لآدم عليه السلام خمسة بنين: ود وسواع ويغوث ويعوق ~~ونسر، وكانوا عبادا، فمات رجل منهم فحزنوا عليه فقال الشيطان: أنا أصور لكم ~~مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا: افعل، فصوره في المسجد من صفر ورصاص، ~~ثم مات آخر فصوره حتى ماتوا كلهم وصورهم وتناقصت الأشياء كما تناقصت اليوم ~~إلى أن تركوا عبادة الله تعالى بعد حين، فقال لهم الشيطان: ما لكم لا ~~تعبدون شيئا؟ قالوا: وما نعبد؟ قال: آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترون أنها في ~~مصلاكم فعبدوها من دون الله تعالى ms3852 حتى بعث الله نوحا عليه السلام، فقالوا: ~~{لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا} الآية. # وقال محمد بن كعب أيضا ومحمد بن قيس: بل كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح ~~عليهما السلام، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا زين لهم إبليس أن ~~يصوروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم وليتسلوا بالنظر إليها فصوروهم، فلما ~~ماتوا جاء آخرون فقالوا: ليت شعري ما هذه الصور التي كان يعبدها آباؤنا، ~~فجاءهم الشيطان فقال: كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم المطر فعبدوها ~~فابتدئ عبادة الأوثان من ذلك الوقت، وبهذا المعنى فسر ما جاء في الصحيحين ~~من حديث عائشة: «أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة تسمى ~~مارية فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن أولئك كانوا إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ~~ثم صوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» .v # وروي عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام كان يحرس جسد آدم عليه السلام على ~~جبل الهند فيمنع الكافرين أن يطوفوا بقبره، فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء ~~يفخرون عليكم ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم وإنما هو جسد وأنا أصور لكم مثله ~~تطوفون به، فصور لهم هذه الأصنام الخمسة وحملهم على عبادتها، فلما كان أيام ~~الطوفان دفنها الطين والتراب والماء فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان ~~لمشركي العرب، وكان للعرب أصنام أخر، فاللات كانت لقديد وإساف ونائلة، وهبل ~~كانت لأهل مكة، وكان إساف حيال الحجر الأسود، ونائلة حيال الركن اليماني، ~~وكان هبل في جوف الكعبة. # وقال الماوردي: أما ود فهو أول صنم معبود فسمي ودا لودهم له وكان بعد قوم ~~نوح لكليب بدومة الجندل في قول ابن عباس وعطاء، وأما سواع فكان لهذيل بساحل ~~البحر في قولهم. وقال الرازي: وسواع لهمدان وأما يغوث فكان لغطيف من مراد ~~بالجرف من سبأ في قول قتادة. وقال المهدوي: لمراد ثم لغطفان. وقال أبو ~~عثمان الهندي: رأيت يغوث وكان من ms3853 رصاص، وكانوا يحملونه على جمل أجرد ~~ويسيرونه معهم ولا ينيخونه حتى يبرك بنفسه فإذا برك نزلوا، وقالوا: قد رضي ~~لكم المنزل، وأما يعوق فكان لهمدان، وقيل: لمراد، وأما نسر فكان لذي الكلاع ~~من حمير في قول قتادة ومقاتل. # وقال الواقدي: كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة ~~أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير. قال البقاعي: ولا ~~يعارض هذا أنهم صور لناس صالحين لأن تصويرهم لهم يمكن أن يكون منتزعا من ~~معانيهم، فكان ود للكامل في الرجولية، وكان سواع امرأة # PageV04P394 # كاملة في العبادة، وكان يغوث شجاعا، وكان يعوق سابقا قويا، وكان نسر ~~عظيما طويل العمر ا. ه. # ولما ذكرهم مكرهم وما أظهروا من قولهم عطف عليه ما توقع السامع من أمرهم ~~فقال تعالى: {وقد أضلوا} أي: الرؤساء أو الأصنام وجمعهم جمع العقلاء معاملة ~~لهم معاملة العقلاء كقوله: {رب إنهن أضللن} (إبراهيم: 36) # {كثيرا} من عبادك الذين خلقتهم على الفطرة السليمة من أهل زمانهم وممن ~~أتى بعدهم، فإنهم أول من سن هذه السنة السيئة، فعليهم وزرها ووزر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة. وقول نوح عليه السلام: {ولا تزد الظالمين} أي: ~~الراسخين في الوصف الموجب للنار {إلا ضلالا} أي: طبعا على قلوبهم حتى يعموا ~~عن الحق. # عطف على قد أضلوا دعاء عليهم بعدما أعلمه الله تعالى أنهم لا يؤمنون ~~بقوله تعالى: {إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} ، وكذلك دعا موسى وهارون ~~عليهما السلام في الشد على قلوب فرعون وملئه لئلا يؤمنوا في حال ينفعهم فيه ~~وما في قوله تعالى: {مما خطيئاتهم} أي: من أجل خطيئاتهم مزيدة للتأكيد ~~والتفخيم، وقرأ أبو عمرو بفتح الطاء وبعدها ألف وبعد الألف ياء وبعد الياء ~~ألف وضم الهاء على وزن قضاياهم، والباقون بكسر الطاء وبعدها ياء تحتية ~~ساكنة، وبعد الياء همزة مفتوحة بعدها ألف وبعد الألف تاء فوقية مكسورة وكسر ~~الهاء على وزن قضياتهم {أغرقوا} أي: بالطوفان طاف عليهم جميع الأرض السهل ~~والجبل فلم يبق ms3854 منهم أحد، وكذا الكلام فيما تسبب عنه وتعقبه في قوله: ~~{فأدخلوا} في الآخرة التي أولها البرزخ يعرضون فيه على النار بكرة وعشيا ~~{نارا} أي: عظيمة جدا أخفها ما يكون من مباديها في البرزخ. قال الملوي: ~~عذبوا في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالحرق. وقال الضحاك: في حالة واحدة ~~كانوا يغرقون من جانب ويحترقون في الماء من جانب بقدرة الله تعالى {فلم ~~يجدوا لهم} أي: عندما أناخ الله بهم سطوته، وأحل بهم نقمته {من دون الله} ~~أي: الملك الأعظم الذي تضمحل المراتب تحت رتبة عظمته وتذل لعزه وجليل سطوته ~~{أنصارا} تنصرهم على من أراد بهم ذلك ليمنعوه مما أراده سبحانه من إغراقهم ~~من غير أن يتخلف منهم أحد على كثرتهم وقوتهم لكونهم أعداءه وإنجاء نبيه ~~عليه السلام ومن آمن معه على ضعفهم وقلتهم لم يفقد منهم أحد لكونهم أولياءه ~~كما أنه لم يسلم ممن أراد إغراقهم أحد على كثرتهم وقوتهم. قال البقاعي: فمن ~~قال عن عوج ما تقوله القصاص فهو ضلال أشد ضلال، قال: وقائل ذلك هو ابن عربي ~~صاحب الفصوص الذي لم يرد بتصنيفه إلا هدم الشريعة، وزاد في الحط عليه وعلى ~~ابن الفارض وعلى الحلاج وعلى من شابههم، وأمر هؤلاء إلى الله تعالى، فإنه ~~العالم بحقائق الأمور وما تخفي # الصدور. # {وقال نوح} وأسقط الأداة كما هو عادة أهل الحضرة فقال: {رب لا تذر} أي: ~~لا تترك {على الأرض} أي: كلها {من الكافرين} أي: الراسخين في الكفر {ديارا} ~~أي: أحدا يدور فيها وهو من ألفاظ العموم التي تستعمل في النفي فيعال من ~~الدور أو الدار لا فعال وإلا لكان دوارا. قال قتادة: دعا عليهم بعد أن أوحى ~~الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فأجاب الله تعالى دعوته ~~وأغرق أمته وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم منزل الكتاب وهازم ~~الأحزاب اهزمهم وزلزلهم» . وقيل: سبب دعائه أن رجلا من قومه حمل ولدا صغيرا ~~على كتفه فمر بنوح # PageV04P395 # عليه السلام فقال: احذر هذا فإنه يضلك، فقال: ms3855 يا أبت أنزلني فأنزله فرماه ~~فشجه فحينئذ غضب ودعا عليهم. # فإن قيل: ما فعل صبيانهم حين أغرقوا؟ أجيب: بأنهم أغرقوا معهم لا على وجه ~~العقاب ولكن كما يموتون بالأنواع من أسباب الموت وكم منهم من يموت بالغرق ~~والحرق وكان ذلك زيادة في عذاب الآباء والأمهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى» . # وعن الحسن أنه سئل عن ذلك؟ فقال: علم الله تعالى براءتهم فأهلكهم بغير ~~عذاب. وقال محمد بن كعب ومقاتل: إنما قال هذا حين أخرج الله تعالى كل مؤمن ~~من أصلابهم وأرحام نسائهم وأعقم أرحام أمهاتهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل ~~العذاب بأربعين سنة، وقيل: بسبعين سنة فأخبر الله تعالى نوحا عليه السلام ~~أنهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمنا كما قال تعالى: {أنه لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن} (هود: 36) # فحينئذ دعا عليهم فأجاب الله تعالى دعاءه فأهلكهم كلهم، ولم يكن فيهم صبي ~~وقت العذاب لأن الله تعالى قال: {وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم} ~~(الفرقان: 37) # ولم يوجد التكذيب من الأطفال. وقال ابن عربي: دعا نوح عليه السلام على ~~الكافرين أجمعين، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على من تحزب على المؤمنين ~~وكفى بهذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة، وأما كافر معين لم تعلم ~~خاتمته فلا يدعى عليه، لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم ~~الخاتمة بالسعادة وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم عتبة وشيبة وأصحابه ~~لعلمه بما لهم وما كشف الله له من الغطاء عن حالهم. # ولما كان الرسل عليهم السلام لا يقولون ولا يفعلون إلا ما كان فيه مصلحة ~~الدين علل دعاءه بقوله: {إنك} أي: يا رب {إن تذرهم} أي: تتركهم على أي حالة ~~كانت في إبقائهم سالمين على وجه الأرض ولو كانت حالة دنيئة {يضلوا عبادك} ~~أي: الذين آمنوا بك وبي والذين يولدون على الفطرة السليمة {ولا يلدوا} أي: ~~إن قدرت بقاءهم {إلا فاجرا} أي: مارقا عن كل ما ينبغي الاعتصام ms3856 به {كفارا} ~~أي: بليغ الستر لما يجب إظهاره من آيات الله. # فإن قيل: بم علم أن أولادهم يكفرون وكيف وصفهم بالكفر عند الولادة؟ أجيب: ~~بأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فعرف طباعهم وأحوالهم، وكان الرجل ~~ينطلق بابنه إليه ويقول: احذر من هذا فإنه كذاب، وإن أبي حذرنيه، فيموت ~~الكبير وينشأ الصغير على ذلك، وقد أخبر الله تعالى: {أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن} . ومعنى: {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} : لم يلدوا إلا من ~~سيفجر ويكفر فوصفهم بما يصيرون إليه كقوله صلى الله عليه وسلم «من قتل ~~قتيلا فله سلبه» . # ولما دعا على أعداء الله تعالى دعا لأوليائه وبدأ بنفسه فقال مسقط الأداة ~~على عادة أهل الخصوص: {رب} أي: أيها المحسن إلي باتباع من اتبعني وتجنب من ~~تجنبني {اغفر لي} أي: فإنه لا يسعني وإن كنت معصوما إلا حلمك وعفوك ~~ومغفرتك، {ولوالدي} وكانا مؤمنين يريد أبويه اسم أبيه لمك بن متوشلخ، وأمه ~~شمخا بنت أنوش. وعن ابن عباس: لم يكفر لنوح عليه السلام أب فيما بينه وبين ~~آدم عليه السلام، وقيل: هما آدم وحواء وأعاد الجار إظهارا للاهتمام فقال: ~~{ولمن دخل بيتي} أي: منزلي، وقيل: مسجدي، وقيل: سفينتي {مؤمنا} أي: مصدقا ~~بالله تعالى فمؤمنا حال، وعن ابن عباس: أي: دخل في ديني. # فإن قيل: على هذا يصير قوله: {مؤمنا} # PageV04P396 # تكرارا؟ أجيب: بأن من دخل في دينه ظاهرا قد يكون مؤمنا وقد لا يكون، ~~فالمعنى ولمن دخل دخولا مع تصديق القلب. {وللمؤمنين والمؤمنات} خص نفسه ~~أولا بالدعاء، ثم من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمم المؤمنين ~~والمؤمنات إلى يوم القيامة، قاله الضحاك. وقال الكلبي: من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقيل: من قومه والأول أولى وأظهر. # ثم ختم الكلام مرة أخرى بالدعاء على الكافرين فقال: {ولا تزد الظالمين} ~~أي: العريقين في الظلم في حال من الأحوال {إلا تبارا} أي: هلاكا مدمرا ~~والمراد بالظالمين الكافرون، فهي عامة في كل كافر ومشرك. وقيل: أراد مشركي ~~قومه. ms3857 وتبارا مفعول ثان والاستثناء مفرغ. وقيل: الهلاك الخسران. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة ~~نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح عليه السلام» حديث موضوع. ### | سورة الجن # وتسمى سورة قل أوحي مكية # وهي ثمان وعشرون آية، ومائتان وخمسوثمانون كلمة، وثمانمائة وسبعون حرفا # {بسم الله} المحيط بالكمال {الرحمن} الذي عم برحمته الناس بالإرسال ~~{الرحيم} الذي خص من بين أهل الدعوة من شاء بمحاسن الأعمال. # ولما كان نوح عليه السلام أول رسول أرسله الله تعالى إلى المخالفين من ~~أهل الأرض، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فهو آخر رسول بعثه ~~الله تعالى إلى أهل الأرض وغيرهم ناسب ذكره بعد نوح، فقال تعالى لنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: يا أشرف الرسل للناس {أوحي إلي} وقال ابن عباس: قل يا محمد ~~لأمتك: أوحي إلي على لسان جبريل {أنه استمع نفر من الجن} والنفر الجماعة ما ~~بين الثلاثة إلى العشرة قال البغوي: وكانوا تسعة من جن نصيبين، وقيل: كانوا ~~سبعة وفي هذه العبارة دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا قرأ ~~عليهم، وإنما اتفق حضورهم عند قراءته ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: ~~«انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق ~~عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسل عليهم الشهب فرجعت ~~الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء ~~وأرسلت علينا الشهب فقالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ~~ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون ~~مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو وأصحابه بنخلة ~~قاصدين سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا ~~له قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء» . وهل هذا الاستماع هو ~~المذكور في الأحقاف أو غيره؟ قال أبو حيان: المشهور أنه هو. وقيل: غيره، ~~والجن الذين ms3858 أتوه جن نصيبين والذين أتوه بنخلة جن نينوى، والسورة التي ~~استمعوها قال عكرمة العلق، وقيل: الرحمن، ولم يذكر هنا ولا في الأحقاف أنه ~~رآهم. # وعن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أتلو القرآن على ~~الجن، فمن يذهب؟ فسكتوا ثم قال الثانية، فسكتوا ثم قال الثالثة، فقلت: أنا ~~أذهب معك يا رسول الله. قال: فانطلق حتى جاء الحجون عند شعب بن أبي ذئب خط ~~علي خطا فقال: لا تجاوزه ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه # PageV04P397 # أمثال الحجل كأنهم رجال الزط قال ابن الأثير في النهاية: الزط قوم من ~~السودان والهنود، وكأن وجوههم المكاكي، يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة ~~في دفوفها حتى غشوه فغاب عن بصري فقمت فأومأ إلي بيده أن اجلس ثم تلا ~~القرآن فلم يزل صوته يرتفع ولصقوا بالأرض حتى صرت لا أراهم» . وفي رواية ~~أخرى «قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أنت؟ قال: أنا نبي. قالوا: ~~فمن يشهد لك على ذلك، فقال: هذه الشجرة تعالي يا شجرة، فجاءت تجر عروقها، ~~لها قعاقع حتى انتصبت بين يديه، فقال: على ماذا تشهدين في؟ قالت: أشهد أنك ~~رسول الله، قال: اذهبي، فرجعت كما جاءت حتى صارت كما كانت. قال ابن مسعود: ~~فلما عاد إلي قال: أردت أن تأتيني قلت: نعم يا رسول الله. قال: ما كان ذلك ~~لك هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن ثم ولوا إلى قومهم منذرين فسألوني الزاد ~~فزودتهم العظم والبعر فلا يستطيبن أي يستنجي أحدكم بعظم ولا بعر» وفي ~~رواية: «أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ وضع رأسه على حجر ابن مسعود فرقد ~~ثم استيقظ، فقال: هل من وضوء؟ قال: لا إلا أن معي إداوة نبيذ فقال: هل هو ~~إلا تمر وماء فتوضأ منه» . # قال الرازي: وطريق الجمع بين رواية ابن عباس ورواية ابن مسعود من وجوه: # أحدها: لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولا، فأوحى الله تعالى إليه بهذه ~~السورة، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روي عن ابن مسعود ms3859 أي فالواقعة ~~متعددة. # ثانيها: أنها واقعة واحدة إلا أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا عرف ~~ماذا قالوا ولا أي شيء فعلوا، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وكذا ~~وفعلوا كذا وكذا. # ثالثها: أنها كانت واحدة وأنه صلى الله عليه وسلم رآهم وسمع كلامهم وهم ~~آمنوا به ثم رجعوا إلى قومهم قالوا لهم على سبيل الحكاية {إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا} وكان كذا وكذا فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ما ~~قالوه لقومهم. # قال ابن عربي: ابن مسعود أعرف من ابن عباس لأنه شاهده وابن عباس سمعه ~~وليس الخبر كالمعاينة. وقال القرطبي: إن الجن أتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم دفعتين إحداهما بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود، والثانية: بنخلة وهي ~~التي ذكرها ابن عباس. وقال البيهقي: الذي حكاه ابن مسعود إنما هو في أول ما ~~سمعت الجن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم ~~يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه ابن عباس، ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى فذهب ~~معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه ابن مسعود. # وقال القشيري: لما رجم إبليس بالشهب فرق إبليس جنوده لعلم ذلك فأتى سبعة ~~منهم بطن نخلة فاستمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا، ثم أتوا ~~قومهم فقالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجبا} يعني ولم يرجعوا إلى إبليس لما علموه ~~من كذبه وسفاهته، وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين من قومه ~~فأسلموا فذلك قوله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا} (الأحقاف: 29) # الآيات. # {فقالوا} أي: فتسبب عن استماعهم أن قالوا {إنا سمعنا} أي: حين تعمدنا ~~الإصغاء وألقينا إليه أفهامنا {قرآنا} أي: كلاما هو في غاية الانتظام في ~~نفسه والجمع لجميع ما يحتاج إليه، وقرأ ابن كثير بالنقل وقفا ووصلا وحمزة ~~في الوقف دون الوصل والباقون بغير نقل وقفا ووصلا. ثم وصفوا القرآن بالمصدر ~~مبالغة في أمره فقالوا: {عجبا} أي: بديعا خارجا عن عادة أمثاله من جميع ~~الكتب الإلهية فضلا عن جميع الناس في ms3860 جلالة النظم وإعجاز التركيب. # {يهدي} أي: يبين # PageV04P398 # غاية البيان {إلى الرشد} أي: الحق والصواب {فآمنا} أي: كل من استمع منا ~~لم يتخلف منا أحد ولا توقف بعد الاستماع {به} أي: القرآن أي فاهتدينا به ~~وصدقنا أنه من عند الله. # {ولن نشرك بربنا أحدا} أي: لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه ولا نعود إلى ما ~~كنا عليه من الإشراك، وهذا يدل على أن أولئك الجن كانوا مشركين. قال ~~الرازي: واعلم أن قوله تعالى: {قل} أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يظهر ~~لأصحابه ما أوحي إليه في واقعة الجن وفيه فوائد: أحدها: أن يعرفوا بذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن كما بعث إلى الإنس. ثانيها: أن ~~تعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن وعرفوا إعجازه آمنوا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم ثالثها: أن يعلم القوم أن الجن مكلفون كالإنس. رابعها: ~~أن يعلم أن الجن يستمعون كلاما تفهمه من لغتنا. خامسها: أن يظهر المؤمن ~~منهم بدعوى غيره من الجن إلى الإيمان، وفي هذه الوجوه مصالح كثيرة إذا ~~عرفها الناس. # تنبيهات: # أحدها: اختلف العلماء في أصل الجن فروي عن الحس البصري أن الجن ولد إبليس ~~والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب ~~والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان. وروى الضحاك عن ابن ~~عباس أن الجن هم ولد الجان وليسوا شياطين ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، ~~والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. وروي أن ذلك النفر كانوا ~~يهودا. وذكر الحسن أن منهم يهودا ونصارى ومجوسا ومشركين. # ثانيها: اختلفوا في دخول الجن الجنة على حسب الاختلاف في أصلهم، فمن زعم ~~أنهم من الجان لا من ذرية إبليس قال: يدخلون الجنة بإيمانهم، ومن قال إنهم ~~من ذرية إبليس فلهم فيهم قولان: أحدهما وهو قول الحسن: يدخلونها. والثاني ~~وهو رواية مجاهد: لا يدخلونها. # ثالثها: قال القرطبي: قد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن، ~~وقالوا: إنهم بسائط ولا يصح طعامهم اجتراء ms3861 على الله تعالى والقرآن والسنة ~~يردان عليهم، وليس في المخلوقات بسيط بل مركب مزدوج، إنما الواحد الواحد ~~سبحانه وغيره مركب ليس بواحد، وليس بممتنع أن يراهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في صورهم كما يرى الملائكة، وأكثر ما يتصورون لنا في صور الحيات. # ثم عطفوا على قولهم إنا سمعنا {وأنه} أي: الشأن العظيم قال الجن {تعالى} ~~أي: انتهى في العلو إلى حد لا يستطاع {جد} أي: عظمة وسلطان وكمال غنى ~~{ربنا} يقال: جد الرجل إذا عظم ومنه قول أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل ~~عمران جد فينا أي عظم قدره. وقال السدي: جد ربنا أي أمر ربنا. وقال الحسن: ~~غني ربنا. ومنه قيل: الحظ جد، ورجل مجدود، أي: محظوظ. وفي الحديث: «ولا ~~ينفع ذا الجد منك الجد» . قال أبو عبيد والخليل: أي ذا الغنى منك الغنى ~~إنما تنفعه الطاعة. وقال ابن عباس: قدرة ربنا. وقال الضحاك: فعله. وقال ~~القرطبي: آلاؤه ونعماؤه على خلقه. وقال الأخفش: علا ملك ربنا، والأولى جميع ~~هذه المعاني، وقرأ {وأنه تعالى جد ربنا} وما بعده إلى قوله تعالى: {وأنا ~~منا المسلمون} وهي اثنا عشر موضعا ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بفتح ~~الهمزة في الجميع والباقون بالكسر. # ولما وصفوه بهذا التعالي الأعظم المستلزم للغنى المطلق والتنزه عن كل ~~شائبة نقص بينوه بنفي ما ينافيه من قولهم إبطالا للباطل # PageV04P399 # {ما اتخذ صاحبة} أي: زوجة؛ لأن الصاحبة لا بد وأن تكون من نوع صاحبها، ~~ومن له نوع فهو مركب تركيبا عقليا من صفة مشتركة وصفة مميزة {ولا ولدا} لأن ~~الولد لا بد وأن يكون جزءا منفصلا عن والده ومن له أجزاء فهو مركب تركيبا ~~حسيا، ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون إلا لمحتاج وأن الله تعالى متعال عن ~~ذلك من تركيب حسي أو عقلي. قال القشيري: ويجوز إطلاق لفظ الجد في حق الله ~~تعالى إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن، غير أنه لفظ موهم فتجنبه أولى. أي: ~~لأنه قيل إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو ms3862 أبو الأب ويكون ذلك من قول الجن. قال ~~ابن جعفر الصادق: ليس لله تعالى جد وإنما قاله الجن للجهالة فلم يؤاخذوا ~~به. وقال القرطبي: معنى الآية {وأنه تعالى جد ربنا} أن يتخذ ولدا أو صاحبة ~~للاستئناس بهما أو الحاجة إليهما، والرب تعالى عن ذلك كما تعالى عن الأنداد ~~والنظراء. # {وأنه} أي: وقالوا: إن الشأن هذا على قراءة الكسر وآمنا بأنه على قراءة ~~الفتح. {كان يقول} أي: قولا هو في عراقته في الكذب بمنزلة الجبلة {سفيهنا} ~~هو للجنس، فيتناول إبليس رأس الجنس تناولا أوليا وكل من تبعه ممن لم يعرف ~~الله تعالى، لأن ثمرة العقل العلم، وثمرة العلم معرفة الله تعالى، فمن لم ~~يعرفه فهو الذي يقول {على الله} الذي له صفات الكمال المنافية لقول هذا ~~السفيه {شططا} أي: كذبا وعدوانا، وهو وصفه بالشريك والولد. # والشطط والإشطاط الغلو في الكفر. وقال أبو مالك: هو الجور. وقال الكلبي: ~~هو الكذب، وأصله: البعد فعبر به عن الجور لبعده عن العدل، وعن الكذب لبعده ~~عن الصدق. # {وأنا} أي: يا معشر المسلمين من الجن {ظننا} أي: حسبنا لسلامة فطرتنا ~~{أن} أي: أنه وزادوا في التأكيد فقالوا {لن تقول} وبدؤوا بأفضل الجنسين ~~فقالوا {الإنس} وأتبعوهم قرناءهم، فقالوا {والجن على الله} أي: الملك ~~الأعلى الذي بيده النفع والضر {كذبا} أي: قولا هو لعراقته في مخالفة الواقع ~~نفس الكذب، وإنما كنا نظنهم صادقين في قولهم إن لله صاحبة وولدا حتى سمعنا ~~القرآن وتبينا به الحق قيل انقطع الإخبار عن الجن ههنا. # {وأنه} أي: الشان {كان رجال} أي: ذوو قوة وبأس {من الإنس} أي: النوع ~~الظاهر في عالم الحس {يعوذون} أي: يلتجئون ويعتصمون خوفا على أنفسهم وما ~~معهم إذا نزلوا واديا {برجال من الجن} أي: القبيل المستتر عن الأبصار، وذلك ~~أن القوم منهم كانوا إذا نزلوا واديا أو غيره من القفر تعبث بهم الجن في ~~بعض الأحيان؛ لأنه لا مانع لهم منهم من ذكر الله ولا دين صحيح ولا كتاب من ~~الله تعالى صريح، فحملهم ذلك على أن يستجيروا ms3863 بعظمائهم، فكان الرجل يقول ~~عند نزوله: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في أمن وفي جوار ~~منهم حتى يصبح فلا يرى إلا خيرا، وربما هدوه إلى الطريق وردوا عليه ضالته، ~~قال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن من بني حنيفة، ثم فشا ~~ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله تعالى وتركوهم. # وقال كرم بن أبي السائب الأنصاري: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك ~~أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، ~~فلما انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي وقال: يا عامر ~~الوادي جارك فنادى مناد لا نراه يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل ~~الغنم ولم تصبه كدمة، فكان ذلك فتنة للإنس # PageV04P400 # باعتقادهم في الجن غير ما هم عليه، فتبعوهم في الضلال وفتنة للجن بأن ~~يغتروا بأنفسهم ويقولوا سدنا الإنس والجن فيضلوا ويضلوا ولذلك سبب عنه قوله ~~تعالى: {فزادوهم} أي: الإنس والجن باستعاذتهم {رهقا} أي: ضيقا وشدة ~~وغشيانا، فجاءهم فيه من أحوال الضلال التي يلزم منها الضيق والشدة وقال ~~مجاهد: الرهق: الإثم وغشيان المحارم ورجل رهق إذا كان كذلك. ومنه قوله ~~تعالى: {وترهقهم ذلة} (يونس: 27) # وقال الأعشى: # *لا شيء ينفعني من دون رؤيتها ... هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا* # يعني إثما، وقال مجاهد أيضا: زادوهم أي: أن الإنس زادوا الجن طغيانا بهذا ~~التعوذ حتى قالت الجن: سدنا الإنس والجن، وقيل: لا ينطلق لفظ الرجال على ~~الجن، فالمعنى وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس من شر الجن، ~~فكان الرجل مثلا يقول: أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي. قال القشيري: ~~وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرجل على الجن. # تنبيه: قوله تعالى: {من الإنس} صفة لرجال وكذا قوله {من الجن} . # {وأنهم} ، أي: الإنس {ظنوا} والظن قد يصيب وقد يخطئ وهو أكثر {كما ظننتم} ~~أي: أيها الجن ويجوز العكس {أن} مخففة أي: أنه {لن ms3864 يبعث الله} أي: الذي له ~~الإحاطة الكاملة علما وقدرة {أحدا} أي: بعد موته لما لبس به إبليس عليهم ~~حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن، أو أحدا من الرسل يزيل به عماية الجهل، وقد ~~ظهر بالقرآن أن هذا الظن كاذب، وأنه لا بد من البعث في الأمرين. # قال الجن: {وأنا لمسنا السماء} أي: زمن استراق السمع منها. قال الكلبي: ~~السماء الدنيا أي: التمسنا أخبارها على ما كان من عادتنا من استماع ما تغوي ~~به الإنس، واللمس المس فاستعير للطلب؛ لأن الماس طالب متعرف، والمعنى طلبنا ~~بلوغ السماء واستماع كلام أهلها {فوجدناها} في وجد وجهان: # أظهرهما أنها متعدية لواحد لأن معناها أصبنا وصادفنا، وعلى هذا فالجملة ~~من قولهم {ملئت} في موضع نصب على الحال على إضمار قد. # والثاني: أنها متعدية لاثنين فتكون الجملة في موضع المفعول الثاني ويكون ~~{حرسا} منصوبا على التمييز، نحو: امتلأ الإناء ماء، والحرس اسم جمع لحارس ~~نحو: خدم لخادم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع ~~ويجمع تكسيرا على أحراس، والحارس الحافظ الرقيب، والمصدر الحراسة و {شديدا} ~~صفة لحرس على اللفظ، ولو جاء على المعنى لقيل شدادا بالجمع لأن المعنى ملئت ~~ملائكة شدادا كقولك: السلف الصالح، يعني الصالحين. قال القرطبي: ويجوز أن ~~يكون حرسا مصدرا على معنى حرست حراسة شديدة {وشهبا} جمع شهاب ككتاب وكتب ~~وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم المانع لهم عن استراق السمع. # {وأنا كنا} أي: فيما مضى {نقعد منها} أي: السماء {مقاعد} أي: كثيرة قد ~~علمناها لا حرس فيها صالحة {للسمع} أي: أن نسمع منها بعض ما تتكلم به ~~الملائكة مما أمروا بتدبيره، وقد جاء في الخبر أن صفة قعودهم هو أن يكون ~~الواحد منهم فوق الآخر حتى يصلوا إلى السماء، فكانوا يسترقون الكلمة ~~فيلقونها إلى الكهان فيزيدن معها الكذب. {فمن يستمع الآن} أي: في هذا الوقت ~~وفيما يستقبل لا أنهم أرادوا وقت قولهم فقط {يجد له} أي: لأجله {شهابا} أي: ~~شعلة من نار ساطعة تحرقه {رصدا} أي: أرصد به ليرمى به. # PageV04P401 # تنبيه: اختلفوا ms3865 هل كانت الشياطين تقذف قبل البعث أو ذلك أمر حدث بمبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال قوم: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ~~ومحمد عليهما الصلاة والسلام خمسمائة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلما بعث منعوا من السموات كلها وحرست بالملائكة والشهب، ~~وقال عبد الله بن عمر: لما كان اليوم الذي نبئ فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منعت الشياطين ورموا بالشهب، قال الزمخشري: والصحيح أنه كان قبل البعث ~~وقد جاء شعره في أهل الجاهلية، قال بشر بن أبي حازم: # *والعير يرهقها الغبار وجحشها ... ينقض خلفها انقضاض الكوكب* # ولكن الشياطين كانت تسترق السمع في بعض الأحوال، فلما بعث صلى الله عليه ~~وسلم كثر الرجم وازداد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجن ومنع الاستراق ~~أصلا. # وعن معمر قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: ~~أرأيت قوله تعالى: {وأنا كنا نقعد منها مقاعد} ؟ قال: غلظت وشدد أمرها حين ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم وروى الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس ~~قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمي ~~بنجم فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية» ؟ فقالوا: ~~كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم. فقال صلى الله عليه وسلم «إنها لا ترمى ~~لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمرا في السماء سبح ~~حملة العرش ثم سبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، فتسأل ~~أهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم وتخبر أهل كل سماء حتى ~~ينتهي الخبر إلى أهل هذه السماء» . وهذا يدل على أن هذه الشهب كانت موجودة ~~قال ابن عادل: وهذا قول الأكثرين. # فإن قيل: كيف تتعرض الجن لاحتراق أنفسها بسبب سماع خبر بعد أن صار ذلك ~~معلوما لهم؟ أجيب: بأن الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة. قال ~~القرطبي: والرصد قيل من الملائكة أي ms3866 ورصدا من الملائكة، والرصد الحافظ ~~للشيء والجمع أرصاد، وقيل: الرصد هو الشهاب، أي: شهاب قد أرصد له ليرجم به ~~فهو فعل بمعنى مفعول. # واختلف فيمن قال {وأنا لا ندري} أي: بوجه من الوجوه {أشر أريد} أي: بعدم ~~استراق السمع {بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم} أي: المحسن إليهم المدبر لهم ~~{رشدا} أي: خيرا فقال ابن زيد: معنى الآية أن إبليس قال: لا ندري هل أراد ~~الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عقابا أو يرسل إليهم رسولا. وقيل: ~~هو من قول الجن فيما بينهم قبل أن يستمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ~~أي: لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، ~~فإنهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذب من الأمم، أم أراد أن يؤمنوا ~~فيهتدوا فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان، وعلى هذا كان عندهم علم ~~بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا من ~~السماء حراسة للوحي. وقيل: قالوا لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين أي: ~~لما آمنوا أشفقوا أن لا يؤمن كثير من أهل الأرض، فقالوا: إنا لا ندري أيكفر ~~أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون. # قال الجن {وأنا منا الصالحون} أي: العريقون في صفة الصلاح، قال الجلال ~~المحلي بعد استماع القرآن {ومنا دون ذلك} أي: قوم غير صالحين {كنا} أي: # PageV04P402 # كونا هو كالجبلة {طرائق قددا} أي: جماعات متفرقين وأصنافا مختلفة، قال ~~سعيد بن المسيب: معنى الآية كنا مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا، وقال الحسن ~~والسدي: الجن أمثالكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة وخوارج وشيعة وسنية. وقال ~~ابن كيسان: شيعا وفرقا لكل فرقة هوى كأهواء الناس. وقال سعيد بن جبير: ~~ألوانا شتى. وقال أبو عبيدة: أصنافا وقيل: منا الصالحون ومنا المؤمنون، لم ~~يتناهوا في الصلاح. # قال القرطبي: والأول أحسن لأنه كان في الجن من آمن بموسى وعيسى، وقد أخبر ~~الله تعالى عنهم أنهم قالوا: {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه} ms3867 وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة. # تنبيه: القدد جمع قدة والمراد بها الطريقة وأصلها السيرة، يقال: قدة فلان ~~حسنة، أي: سيرته وهو من قد السير، أي: قطعه، فاستعير للسيرة المعتدلة. قال ~~الشاعر: # *القابض الباسط الهادي بطلعته ... في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد* # وقال لبيد يرثي أخاه: # *لم تبلغ العين كل نهمتها ... يوم تمشي الجياد بالقدد* # والقد بالكسر سير يقد من جلد غير مدبوغ، ويقال: ما له قد ولا قحف، فالقد ~~إناء من جلد والقحف إناء من خشب. # {وأنا ظننا أن لن نعجز الله} أي: وإنا علمنا وتيقنا بالتفكر والاستدلال ~~في آيات الله أنا في قبضة الملك وسلطانه لن نفوته بهرب ولا غيره لما له من ~~الإحاطة بكل شيء علما وقدرة لأنه واحد لا مثل له. # تنبيه: أطلقوا الظن على العلم إشارة إلى أن العاقل ينبغي له أن يتجنب ما ~~يتخيله ضارا ولو بأدنى أنواع التخيل، فكيف إذا تيقن. وقولهم {في الأرض} ~~حال، وكذلك هربا في قولهم {ولن نعجزه} أي: بوجه من الوجوه {هربا} فإنه مصدر ~~في موضع الحال تقديره لا نفوته كائنين في الأرض أو هاربين منها إلى السماء، ~~فليس لنا مهرب إلا في قبضته فأين أم إلى أين المهرب. # {وأنا لما سمعنا} أي: من النبي صلى الله عليه وسلم {الهدى} أي: القرآن ~~الذي له من العراقة التامة في صفة البيان والدعاء إلى الخير ما سوغ أن يطلق ~~عليه نفس الهدى {آمنا به} وبالله وصدقنا محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~رسالته وكان صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الإنس والجن. قال الحسن: بعث ~~الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن ولم يبعث الله تعالى ~~قط رسولا من الجن ولا من أهل البادية ولا من النساء، وذلك لقوله تعالى: ~~{وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} (يوسف: 109) # وفي الصحيح: «وبعثت إلى الأحمر والأسود» أي الإنس والجن، وفي إرساله إلى ~~الملائكة خلاف قدمنا الكلام عليه. # {فمن يؤمن بربه} أي: المحسن إليه منا ومن ms3868 غيرنا {فلا} أي: فهو خاصة لا ~~{يخاف بخسا ولا رهقا} قال ابن عباس: لا يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد ~~في سيئاته لأن البخس النقصان والرهق العدوان وغشيان المحارم. # {وأنا منا} أي: الجن {المسلمون} أي: المخلصون في صفة الإسلام {ومنا ~~القاسطون} أي: الجائرون أي: وإنا بعد سماع القرآن مختلفون فمنا من أسلم ~~ومنا من كفر، والقاسط الجائر لأنه عدل عن الحق، والمقسط العادل إلى الحق، ~~قسط إذا جار، وأقسط إذا عدل فقسط الثلاثي بمعنى جار، وأقسط الرباعي بمعنى ~~عدل. # وعن سعيد بن جبير: أن الحجاج قال له حين أراد قتله: ما تقول في؟ قال: ~~قاسط عادل. فقال القوم: # PageV04P403 # ما أحسن ما قال، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل. فقال الحجاج: يا جهلة ~~إنما سماني ظالما مشركا وتلا لهم قوله تعالى: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم ~~حطبا} . {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} (الأنعام: 1) # {فمن أسلم} أي: أوقع الإسلام كله بأن أسلم ظاهره وباطنه من الجن وغيرهم ~~{فأولئك} أي: العالو الرتبة {تحروا} أي: توخوا وقصدوا مجتهدين {رشدا} أي: ~~صوابا عظيما وسدادا كان لما عندهم من النقائص شاردا عنهم، فعالجوا أنفسهم ~~حتى ملكوه فجعلوه لهم منزلا. # {وأما القاسطون} أي: العريقون في صفة الجور عن الصواب من الإنس والجن، ~~فأولئك أهملوا أنفسهم فلم يتحروا لها فضلوا فأبعدوا عن الطريق القويم ~~فوقعوا في المهالك التي لا منجى منها. {فكانوا لجهنم} أي: النار البعيدة ~~القعر التي تلقاهم بالتجهم والكراهة والعبوسة {حطبا} أي: توقد بهم النار ~~فهي في اتقاد ما داموا أحياء، مادامت تتقد لا يموتون فيستريحون ولا يحيون ~~فينتعشون. # تنبيه: قوله تعالى: {فكانوا} ، أي: في علم الله عز وجل. فإن قيل: لم ~~ذكروا عقاب القاسطين ولم يذكروا ثواب المسلمين؟ أجيب: بأنهم في مقام ~~الترهيب فذكروا ما يحذر وطووا ما يحب للعلم به لأن الله لا يضيع أجر من ~~أحسن عملا بل لا بد أن يزيد عليه تسعة أضعافه وعنده المزيد أو أنهم ذكروه ~~بقولهم {تحروا رشدا} أي: تحروا رشدا عظيما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى، ms3869 ~~ومثل هذا لا يتحقق إلا في الثواب. # فإن قيل: إن الجن مخلوقون من النار فكيف يكونون حطبا للنار؟ أجيب: بأنهم ~~وإن خلقوا منها لكنهم يغيرون عن تلك الكيفية فيصيرون لحما ودما هكذا قيل ~~وهذا آخر كلام الجن. # وأن في قوله تعالى: {وأن} هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي: وأنهم ~~وهو معطوف على أنه استمع أي وأوحي إلي أن الشأن العظيم. {لو استقاموا على ~~الطريقة} أي: طريقة الإسلام {لأسقيناهم} أي: لجعلنا لهم بما لنا من العظمة ~~{ماء غدقا} أي: لو آمن هؤلاء الكفار لوسعنا عليهم في الدنيا ولبسطنا لهم في ~~الرزق. وضرب الماء الغدق مثلا، لأن الخير والرزق كله في المطر، كما قال ~~تعالى {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم} (الأعراف: 96) # الآية. وقال تعالى: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ~~ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} (المائدة: 66) # الآية. وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} (الطلاق: 2) # الآية. وقال تعالى: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم ~~مدرارا} إلى قوله: {ويمددكم بأموال وبنين} (نوح: 10 12) # الآية. # {لنفتنهم} أي: نعاملهم معاملة المختبر بما لنا من العظمة {فيه} أي: في ~~ذلك الماء الذي تكون عنده أنواع النعم لينكشف حال الشاكر والكافر. # قال الرازي: وهذا بعدما حبس عنهم المطر سنين ا. ه. قال الجلال المحلي: ~~سبع سنين. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: أينما كان الماء كان المال، وأينما ~~كان المال كانت الفتنة. وقال الحسن وغيره: كانوا سامعين مطيعين، ففتحت ~~عليهم كنوز كسرى وقيصر ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه يعني عثمان رضي ~~الله تعالى عنه. قال البقاعي: ويجوز أن يكون مستعارا للعلم وأنواع المعارف ~~الناشئة عن العبادات التي هي للنفوس كالنفوس للأبدان، وتكون الفتنة بمعنى ~~التخليص من الهموم والرذائل في الدنيا والنعم في الآخرة من فتنت الذهب، ~~إذا: خلصته من غشه. # {ومن يعرض} أي: إعراضا مستمرا إلى الموت {عن ذكر ربه} أي: مجاوزا عن ~~عبادة المحسن إليه المربي له الذي لا إحسان عنده من غيره. وقيل: ms3870 المراد ~~بالذكر # PageV04P404 # القرآن، وقيل: الوحي. وقيل: الموعظة. {نسلكه} أي: ندخله {عذابا} يكون ~~مظروفا فيه كالخيط في ثقب الخرزة في غاية الضيق {صعدا} أي: شاقا شديدا ~~يعلوه ويغلبه ويصعد عليه، ويكون كل يوم أعلى مما قبله جزاء وفاقا. وقال ابن ~~عباس: هو جبل في جهنم. قال الخدري: كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت. وعن ابن ~~عباس: أن المعنى مشقة من العذاب، لأن الصعد في اللغة هو المشقة، تقول: ~~تصعدني الأمر إذا شق عليك، ومنه قول عمر: ما تصعدني شيء ما تصعدني في خطبة ~~النكاح، يريد ما شق علي وما غلبني والمشي في الصعود يشق. # وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها ~~حدر إلى جهنم. وقال الكلبي: يكلف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلا في النار ~~من صخرة ملساء يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها ~~ولا يبلغ في أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف أيضا ~~الصعود فذاك دأبه أبدا وهو قوله تعالى: {سأرهقه صعودا} (المدثر: 17) # وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالياء التحتية على الغيبة لإعادة الضمير على ~~الله تعالى والباقون بالنون على الالتفات وهذا كما في قوله تعالى: {سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا} (الإسراء: 10) # ثم قال: {باركنا حوله لنريه من آياتنا} (الإسراء: 1) # واتفقوا على فتح الهمزة في قوله تعالى: # {وأن} أي: وأوحي إلي أن {المساجد لله} أي: مختصة بالملك الأعظم والمساجد ~~قيل جمع مسجد بالكسر وهو موضع السجود، وقال الحسن: أراد بها كل البقاع لأن ~~الأرض جعلت كلها مسجدا للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أينما كنتم فصلوا ~~وأينما صليتم فهو مسجد» . وقيل: إنه جمع مسجد بالفتح مرادا به الأعضاء ~~الواردة في الحديث: الجبهة والأنف والركبتان واليدان والقدمان وهو قول سعيد ~~بن المسيب، وابن حبيب. # والمعنى: أن هذه الأعضاء أنعم الله تعالى بها عليك فلا تسجد لغيره فتجحد ~~نعمة الله. قال عطاء: مساجدك أعضاؤك التي أمرت بالسجود عليها لا تذللها ~~لغير خالقها، قال صلى الله عليه وسلم «أمرت أن ms3871 أسجد على سبعة أعظم» وذكر ~~الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم «إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب» . قال ~~ابن الأثير: الآراب الأعضاء. وهذا القول اختاره ابن الأنباري. وقيل: بل جمع ~~مسجد وهو مصدر بمعنى السجود ويكون الجمع لاختلاف الأنواع. وقال القرطبي: ~~المراد بها البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة قال سعيد بن جبير: قالت ~~الجن: كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت ~~{وأن المساجد لله} أي: بنيت لذكر الله تعالى وطاعته. وقال ابن عباس: ~~المساجد هنا مكة التي هي القبلة وسميت مكة مساجد لأن كل أحد يسجد إليها. # قال القرطبي: والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة أظهر الأقوال إن شاء ~~الله تعالى وهو مروي عن ابن عباس، وإضافة المساجد إلى الله تعالى إضافة ~~تشريف وتكريم وخص منها المسجد العتيق بالذكر فقال تعالى {وطهر بيتي} (الحج: ~~26) # وهي وإن كانت لله ملكا وتشريفا قد تنسب إلى غيره تعريفا قال صلى الله ~~عليه وسلم «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ~~الحرام» وفي رواية: «إن صلاة فيه خير من مائة صلاة في مسجدي هذا» . قال ~~القرطبي: وهذا حديث صحيح. وفي حديث سابق صلى الله عليه وسلم بين الخيل التي ~~لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، ويقال مسجد فلان لأنه حبسه ولا خلاف ~~بين الأمة في تحبيس # PageV04P405 # المساجد والقناطر والمقابر وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك. # {فلا تدعوا} أي: فلا تعبدوا أيها المخلوقون {مع الله} الذي له جميع ~~العظمة {أحدا} وهذا توبيخ للمشركين في دعواهم مع الله تعالى غيره في المسجد ~~الحرام، وقال مجاهد: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا ~~بالله فأمر الله تعالى نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا ~~المساجد كلها يقول: فلا تشركوا فيها صنما أو غيره مما يعبد، وقيل: المعنى ~~أفردوا المساجد لذكر الله تعالى ولا تجعلوا لغير الله تعالى فيها نصيبا وفي ~~الصحيح: «من نشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك، فإن ms3872 المساجد لم ~~تبن لهذا» وقال الحسن: من السنة إذا دخل رجل المسجد أن يقول لا إله إلا ~~الله؛ لأن قوله تعالى: {فلا تدعوا مع الله أحدا} في ضمنه أمر بذكر الله ~~تعالى ودعائه، وروى الضحاك عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى، وقال: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا} اللهم عبدك وزائرك وعلى كل مزور حق وأنت خير مزور، فأسألك برحمتك أن ~~تفك رقبتي من النار، فإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى، وقال: اللهم صب ~~علي الخير صبا ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبدا ولا تجعل معيشتي كدا ~~واجعل لي في الأرض جدا» أي: غنى. # وقرأ {وأنه} نافع وشعبة بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون بالفتح أي ~~وأوحي إلي أنه {لما قام عبد الله} أي: عبد الملك الأعلى الذي له الجلال كله ~~والجمال، فلا موجود يدانيه بل كل موجود من فائض فضله وعبد الله هو محمد صلى ~~الله عليه وسلم حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن. # فإن قيل: هلا قيل رسول الله أو النبي؟ أجيب: بأن تقديره وأوحي، فلما كان ~~واقعا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه ~~التواضع والتذلل أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد عن ~~العقل ولا مستنكر حتى تكونوا عليه لبدا، ومعنى {يدعوه} أي: يعبده وقال ابن ~~جريج: يدعوه أي قام إليهم داعيا إلى الله تعالى، فهو في موضع الحال أي ~~موحدا له {كادوا} أي: قرب الجن المستمعون لقراءته {يكونون عليه} أي: على ~~عبد الله {لبدا} أي: متراكمين بعضهم على بعض من شدة ازدحامهم حرصا على سماع ~~القرآن وقيل: كادوا يركبونه حرصا قاله الضحاك. وقال ابن عباس: رغبة في سماع ~~القرآن وروي عن مكحول أن الجن بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الليلة وكانوا سبعين ألفا، وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر، وعن ابن عباس ~~أيضا أن هذا من ms3873 قول الجن لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وائتمامهم به في الركوع والسجود. # وقال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني لما قام عبد الله محمد بالدعوة تلبدت ~~الإنس والجن على هذا الأمر ليبطلوه فأبى الله تعالى إلا أن ينصره ويتم ~~نوره، واختار الطبري أن يكون كادت العرب يجتمعون على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويتظاهرون على إطفاء النور الذي جاء به، وقرأ هشام بضم اللام والباقون ~~بكسرها، فالأولى جمع لبدة بضم اللام نحو غرفة وغرف. وقيل: بل هو اسم مفرد ~~صفة من الصفات، وعليه قوله تعالى: {مالا لبدا} (البلد: 6) # وأما الثانية فجمع لبدة بالكسر نحو قربة وقرب واللبدة واللبدة الشيء ~~الملبد أي المتراكب بعضه على بعض ومنه لبدة الأسد كقول زهير: # PageV04P406 # *لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم* # ومنه اللبد لتلبد بعضه فوق بعض. # ولما قال كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم إنك جئت بأمر عظيم وقد ~~عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك {قال} صلى الله عليه وسلم مجيبا ~~لهم {إنما أدعو ربي} أي: الذي أوجدني ورباني ولا نعمة عندي إلا منه وحده لا ~~أدعو غيره حتى تعجبوا مني {ولا أشرك به} أي: الآن ولا في مستقبل الزمان ~~بوجه من الوجوه {أحدا} من ود وسواع ويغوث ويعوق وغيرها من الصامت والناطق، ~~وقرأ عاصم وحمزة قل بصيغة الأمر التفاتا، أي: قل يا محمد والباقون قال ~~بصيغة الماضي والخبر إخبارا عن عبد الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم قال ~~الجحدري: وهو في المصحف كذلك وقد تقدم لذلك نظائر في {قل سبحان ربي} ~~(الإسراء: 93) # في آخر الإسراء وكذا في أول الأنبياء وآخرها وآخر المؤمنين. # {قل} أي: يا أشرف الخلق لهؤلاء الذين خالفوك {إني لا أملك لكم} أي: الآن ~~ولا بعده بنفسي من غير إقدار الله تعالى لي {ضرا ولا رشدا} أي: لا أقدر أن ~~أدفع عنكم ضرا ولا أسوق إليكم خيرا، وقيل: لا أملك لكم ضرا أي ms3874 كفرا ولا ~~رشدا أي هدى؛ لأنه لا يؤثر شيء من الأشياء إلا الله تعالى، وإنما علي ~~البلاغ. وقيل: الضر الموت والرشد الحياة. # {قل} أي: لهؤلاء {إني} وزاد في التأكيد لأن ذلك في غاية الاستقرار في ~~النفوس فقال: {لن يجيرني} أي: فيدفع عني ما يدفع المجير عن جاره {من الله} ~~أي: الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه {أحد} أي: كائن من كان إن أرادني ~~سبحانه بسوء {ولن أجد} أي: أصلا {من دونه} أي: الله تعالى {ملتحدا} أي: ~~معدلا وموضع ميل وركون ومدخلا وملتجأ وحيلة وإن اجتهدت كل الجهد، والملتحد ~~الملجأ وأصله المدخل من اللحد وقيل: محيصا ومعدلا. # وقوله: {إلا بلاغا} فيه أوجه أحدها: # أنه استثناء منقطع أي لكن إن بلغت عن الله رحمني لأن البلاغ عن الله لا ~~يكون داخلا تحت قوله {ولن أجد من دونه ملتحدا} لأنه لا يكون من دون الله بل ~~يكون من الله تعالى وبإعانته وتوفيقه. # الثاني: أنه متصل وتأويله أن الاستجارة مستعارة من البلاغ إذ هو سببها ~~وسبب رحمته تعالى والمعنى: لن أجد شيئا أميل إليه واعتصم به إلا أن أبلغ ~~وأطيع فيجيرني، وإذا كان متصلا جاز نصبه من وجهين: # أرجحهما أن يكون بدلا من {ملتحدا} ؛ لأن الكلام غير موجب وهو اختيار ~~الزجاج. # الثاني: أنه منصوب على الاستثناء. # لثالث: أنه مستثنى من قوله لا أملك، فإن التبليغ إرشاد وانتفاع وما ~~بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة. # وقوله: {من الله} أي: الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما فيه وجهان أحدهما: أن ~~من بمعنى عن لأن بلغ يتعدى بها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «ألا بلغوا ~~عني» . والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة لبلاغا. قال الزمخشري: من ~~ليست بصلة للتبليغ، وإنما هي بمنزلة من في قوله تعالى: {براءة من الله} ~~(التوبة: 1) # بمعنى بلاغا كائنا من الله. وقوله {ورسالاته} فيه وجهان: أحدهما أنه ~~منصوب نسقا على بلاغا كأنه قيل لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات ولم يقل ~~الزمخشري غيره. والثاني أنه مجرور نسقا على الجلالة، أي: ms3875 إلا بلاغا عن الله ~~تعالى وعن رسالاته، كذا قدره أبو حيان وجعله هو الظاهر. ويجوز فيه جعل من ~~بمعنى عن، والتجوز في الحروف مذهب كوفي ومع ذلك فغير منقاس عندهم. # {ومن يعص الله} أي: الذي له العظمة كلها {ورسوله} الذي # PageV04P407 # ختم به النبوة والرسالة، فجعل رسالته محيطة بجميع الملل في التوحيد وغيره ~~على سبيل الحجر {فإن له} أي: خاصة {نار جهنم} أي: التي تلقاه بالعبوسة ~~والغيظ، وقوله تعالى: {خالدين فيها أبدا} حال مقدرة من الهاء في له. ~~والمعنى: مقدر خلودهم والعامل الاستقرار الذي تعلق به هذا الجار وحمل على ~~معنى من فعل ذلك، فوحد أولا للفظ وجمع للمعنى. وأكد بقوله تعالى: {فيها} ~~ردا على من يدعي الانقطاع. قال البقاعي: وأما من يدعي أنها لا تحرق وأن ~~عذابها عذوبة فليس أحد أجن منه إلا من تابعه على ضلاله وغيه ومحاله، وليس ~~لهم دواء إلا السيف في الدنيا والعذاب في الآخرة بما سموه عذوبة وهم صائرون ~~إليه وموقوفون عليه. # وحتى في قوله تعالى: {حتى إذا رأوا} ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدر ~~قبلها أي لا يزالون على كفرهم إلى أن يروا {ما يوعدون} من العذاب في الآخرة ~~أو في الدنيا كوقعة بدر {فسيعلمون} أي: في ذلك اليوم بوعد لا خلف فيه {من ~~أضعف ناصرا} أي: من جهة الناصر أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيدا مستضعفا أو ~~هم {وأقل عددا} وإن كانوا الآن بحيث لا يحصيهم عددا إلا الله تعالى، فيالله ~~ما أعظم كلام الرسل حيث يستضعفون أنفسهم ويذكرون قوتهم من جهة مولاهم الذي ~~بيده الملك، وله جنود السموات والأرض بخلاف الجبابرة، فإنهم لا كلام لهم ~~إلا في تعظيم أنفسهم وازدراء غيرهم. # قال مقاتل: لما سمعوا قوله تعالى: {حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من ~~أضعف ناصرا وأقل عددا} قال النضر بن الحارث: متى يكون هذا الذي توعدنا به، ~~قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # {قل} أي: لهؤلاء في جوابهم بإتيانهم العذاب وسألوا استهزاء عن وقت وقوعه ~~{إن} أي: ما {أدري} ms3876 بوجه من الوجوه {أقريب ما توعدون} أي: فيكون الآن أو ~~قريبا من هذا الأوان بحيث يتوقع عن قرب، وقوله {أم يجعل} أي: أم بعيد يجعل ~~{له} أي: لهذا الوعد {ربي} أي: المحسن إلي إن قدمه أو أخره {أمدا} أي: أجلا ~~مضروبا فلا يتوقع دون ذلك الأمد فهو في كل حال متوقع، فكونوا على غاية ~~الحذر لأنه لا بد من وقوعه لا كلام فيه، وإنما الكلام في تعيين وقته وليس ~~إلي. # فإن قيل: أليس إنه صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ~~فكان عالما بقرب وقوع القيامة فكيف قال ههنا لا أدري أقريب أم بعيد؟ أجيب: ~~بأن المراد بقرب وقوعه هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى، فهذا القدر ~~من القرب معلوم، فأما معرفة مقدار القرب المرتب وعدم ذلك فغير معلوم. # تنبيه: أقريب خبر مقدم وما توعدون مبتدأ مؤخر، ويجوز أن يكون قريب مبتدأ ~~لاعتماده على الاستفهام، وما توعدون فاعل به، أي: أقريب الذي توعدون نحو: ~~أقائم أبواك، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بسكونها. ~~وقوله تعالى: {عالم الغيب} بدل من ربي أو بيان أو خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ~~عالم الغيب كله وهو ما لم يبرز إلى عالم الشهادة فهو مختص بعلمه سبحانه ~~فلذلك سبب عنه قوله تعالى: {فلا يظهر} أي: بوجه من الوجوه في وقت من ~~الأوقات. {على غيبه} الذي غيبه عن غيره فهو مختص به {أحدا} لعزة علم الغيب ~~ولأنه خاصة الملك. {إلا من ارتضى} وقوله تعالى: {من رسول} تبيين لمن ارتضى، ~~أي: إلا من يصطفيه لرسالته ونبوته فيظهره على ما يشاء من الغيب، وتارة يكون ~~ذلك الرسول ملكا، وتارة يكون بشرا، وتارة يظهره على ذلك بواسطة ملك، وتارة ~~بغير واسطة # PageV04P408 # كموسى عليه السلام في أوقات المناجاة، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليلة ~~المعراج في العالم الأعلى في حضرة قاب قوسين أو أدنى. # وقال القرطبي: المعنى {فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} ~~فإنه يظهره على ما يشاء ms3877 من غيبه لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار ~~عن بعض المغيبات كما ورد في التنزيل في قوله تعالى: {وأنبئكم بما تأكلون ~~وما تدخرون في بيوتكم} (آل عمران: 49) # وقال الزمخشري: في هذه الآية إبطال الكرامات لأن الذين تضاف إليهم وإن ~~كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خص الله تعالى الرسل من بين المرتضين ~~بالاطلاع على الغيب، وفيها إبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابهما أبعد شيء ~~من الارتضاء وأدخله في السخط ا. ه. وإنكار الكرامات مذهب المعتزلة. # وأما مذهب أهل السنة فيثبتونها، فإنه يجوز أن يلهم الله تعالى بعض ~~أوليائه وقوع بعض الوقائع في المستقبل فيخبر به وهو من إطلاع الله إياه على ~~ذلك، ويدل على صحة ذلك ما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناس محدثون من غير أن يكونوا أنبياء ~~وإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر» أخرجه البخاري. قال ابن وهب: تفسير محدثون ~~ملهمون ولمسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «في ~~الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم» ~~ففي هذا إثبات كرامات الأولياء. # فإن قيل: لو جازت الكرامة للولي لما تميزت معجزة النبي من غيرها وانسد ~~الطريق إلى معرفة الرسول من غيره؟ أجيب: بأن معجزة النبي أمرخارق للعادة مع ~~عدم المعارضة مقترن بالتحدي، ولا يجوز للولي أن يدعي خرقا للعادة مع التحدي ~~إذ لو ادعاه الولي لكفر من ساعته فبان الفرق بين المعجزة والكرامة. وأما ~~الكهانة وما ضاهاها فقال القرطبي: إن العلماء قالوا لما تمدح سبحانه بعلم ~~الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ~~ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأعلمهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم ~~وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ومن يضرب ~~بالحصا وينظر في الكواكب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما ~~يشاء من غيبه، ms3878 بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. # قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان ~~مختلفي الأحوال والرتب، فيهم الملك والسوقة والعالم والجاهل والغني والفقير ~~والكبير والصغير مع اختلاف طوالعهم وتباين مواليدهم ودرجات نجومهم، فعمهم ~~حكم الغرق في ساعة واحدة، فإن قال قائل: إنما أغرقهم الطالع الذي ركبوا فيه ~~فيكون على مقتضى ذلك أن هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على ~~اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه طالعه المخصوص به، فلا فائدة ~~إذا في عمل المواليد ولا دلالة فيها على شقي وسعيد ولم يبق إلا معاندة ~~القرآن الكريم، ولقد أحسن القائل: # *حكم المنجم إن طالع مولدي ... يقضي علي بميتة الغرق* # *قل للمنجم صبحة الطوفان هل ... ولد الجميع بكوكب الغرق* # وقيل لعلي رضي الله عنه لما أراد لقاء الخوارج: تلقهم والقمر في العقرب، ~~فقال: فأين قمرهم # PageV04P409 # وكان ذلك في آخر السنة. فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها وما فيها من ~~المبالغة في الرد على من يقول بالنجم. وقال له مسافر بن عون: يا أمير ~~المؤمنين لا تسر في هذه الساعة وسر بعد ثلاث ساعات تمضين من النهار. فقال ~~له علي: ولم؟ قال له: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء ~~وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظهرت وظفرت وأصبت ما طلبت، ~~فقال علي: ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم ولا لنا من بعده، ثم قال: ~~فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون اتخذ من دون الله ندا أو ضدا، ~~اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ثم قال للمتكلم: نكذبك ونخالفك ~~ونسير في الساعة التي تنهانا عنها، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس ~~إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر إنما المنجم ~~كالكافر، والكافر في النار، والمنجم كالساحر والساحر في النار، والله لئن ~~بلغني أنك تنظر في النجوم أو تعمل ms3879 بها لأخلدنك في الحبس ما بقيت وبقيت، ~~ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان. ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها فلقي ~~القوم فقتلهم وهي وقعة النهروان الثابتة في صحيح مسلم ثم قال: «لو سرنا في ~~الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال: إنما كان ذلك بتنجيمي، وما ~~لمحمد منجم وما لنا بعده، وقد فتح الله تعالى علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر ~~البلدان، ثم قال: يا أيها الناس توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفي عمن ~~سواه» . # {فإنه} أي: الله سبحانه يظهر ذلك الرسول على ما يريد من ذلك الغيب، وذلك ~~أنه إذا أراد إظهاره عليه {يسلك} أي: يدخل إدخال السلك في الجوهرة في تقومه ~~ونفوذه من غير أدنى تعويج إلى غير المراد {من بين يديه} أي: الجهة التي ~~يعلمها ذلك الرسول {ومن خلفه} أي: الجهة التي تغيب عن علمه، فصار ذلك كناية ~~عن كل جهة. قال البقاعي: ويمكن أن يكون ذكر الجهتين دلالة على الكل، وخصهما ~~لأن العدو متى أعريت واحدة منهما أتى منها، ومتى حفظتا لم يأت من غيرهما ~~لأنه يصير بين الأولين والآخرين {رصدا} أي: حرسا من جنوده يحرسونه ويحفظونه ~~من الشياطين أن يسترقوا السمع من الملائكة ويحفظونه من الجن أن يسمعوا ~~الوحي فيلقوه إلى الكهنة قبل الرسول، فيطردونهم عنه ويعصمونه من وساوسهم ~~حتى يبلغ ما يوحى إليه. # وقال مقاتل وغيره: كان الله إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة ملك بخبر، ~~فبعث الله تعالى من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة يحرسونه ويطردون ~~الشياطين، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان فاحذره، وإذا ~~جاءه ملك قالوا له: هذا رسول ربك. وعن الضحاك: ما بعث نبي إلا ومعه ملائكة ~~يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك. # {ليعلم} أي: الله علم ظهور كقوله تعالى: {حتى نعلم المجاهدين} (محمد: 31) # {أن} مخففة من الثقيلة، أي أنه {قد أبلغوا} أي: الرسل {رسالات ربهم} وحد ~~أولا على اللفظ في قوله تعالى {من بين يديه ومن خلفه} ثم جمع على المعنى ms3880 ~~كقوله تعالى: {فأن له نار جهنم خالدين فيها} (التوبة: 63) ، والمعنى ~~ليبلغوا رسالات ربهم كما هي محروسة من الزيادة والنقصان. وقيل: ليعلم محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن جبريل قد بلغ رسالات ربه. وقيل: ليعلم محمد صلى الله ~~عليه وسلم أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم. # {وأحاط بما لديهم} أي: بما عند الرسل من الحكم والشرائع لا يفوته منها ~~شيء ولا ينسى منها حرفا، فهو مهيمن عليها حافظ لها {وأحصى} # PageV04P410 # أي: الله سبحانه وتعالى {كل شيء} أي: من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد ~~البحر وغير ذلك {عددا} ولو على أقل المقادير الذر فيما لم يزل وفيما لا ~~يزال فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟ وقال ابن جبير رضي الله ~~عنه: ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بما لديهم فيبلغوا رسالاته. # تنبيه: هذه الآية تدل على أنه تعالى عالم بالجزئيات وبجميع الموجودات. # و {عددا} يجوز أن يكون تمييزا منقولا من المفعول به، والأصل أحصى عدد كل ~~شيء كقوله تعالى: {وفجرنا الأرض عيونا} (القمر: 12) # أي: عيون الأرض، وأن يكون منصوبا على الحال، أي: وضبط كل شيء معدودا ~~محصورا وأن يكون مصدرا في معنى الإحصاء. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة الجن كان له بعدد كل جني صدق محمدا وكذب به عتق رقبة» حديث موضوع. ### | سورة المزمل # مكية # في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إلا ~~آيتين منها {واصبر على ما يقولون} والتي تليها ذكره الماوردي، وقال ~~الثعلبي: {إن ربك يعلم أنك تقوم} إلى آخر السورة فإنه نزل بالمدينة. # وهي تسع عشرة أو عشرون آية، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وثمانمائة ~~وثمانية وثلاثون حرفا. # {بسم الله} الذي من توكل عليه كفاه في جميع الأحوال {الرحمن} الذي عم ~~بنعمة الإيجاد المهتدي والضال {الرحيم} الذي خص حزبه بالسداد في الأفعال ~~والأقوال. وقوله تعالى: # {يا أيها المزمل} أصله: المتزمل فأدغمت التاء في الزاي، يقال: ازمل يتزمل ~~تزملا، فإذا أريد الإدغام اجتلبت همزة ms3881 الوصل، وهذا الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وفيه ثلاثة أقوال: الأول: قال عكرمة: يا أيها المزمل بالنبوة ~~والملتزم للرسالة، وعنه: يا أيها الذي ازمل هذا الأمر، أي: حمله ثم فتر. ~~والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يا أيها المزمل بالقرآن. والثالث: ~~قال قتادة رضي الله عنه: يا أيها المزمل بثيابه. قال النخعي: كان متزملا ~~بقطيفة عائشة بمرط طوله أربعة عشر ذراعا قالت عائشة رضي الله عنها: «كان ~~نصفه علي وأنا نائمة ونصفه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي والله ما ~~كان خزا ولا قزا ولا مرعزى ولا إبريسما ولا صوفا كان سداه شعرا ولحمته ~~وبرا» . ذكره الثعلبي، ولحمة الثوب بفتح اللام وضمها والفتح أفصح ولحمة ~~النسب كذلك والضم أفصح ولحمة البازي بالضم لا غير لأنها كاللقمة. # قال القرطبي: وهذا القول من عائشة رضي الله عنها يدل على أن السورة ~~مدنية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبن بها إلا بالمدينة، والقول ~~بأنها مكية لا يصح. وقال الضحاك: تزمل لمنامه وقيل: بلغه من المشركين قول ~~سوء فيه فاشتد عليه فتزمل وتدثر، فنزلت # {يا أيها المزمل} و {يا أيها المدثر} (المدثر: 1) # وقيل: كان هذا في ابتداء ما أوحي إليه «فإنه صلى الله عليه وسلم لما جاءه ~~الوحي في غار حراء رجع إلى خديجة رضي الله عنها زوجته يرجف فؤاده، فقال: ~~زملوني زملوني لقد خشيت على نفسي» أي: أن يكون هذا مبادئ شعر أو كهانة، وكل ~~ذلك من الشيطان أو أن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس الملك، وكان صلى الله ~~عليه وسلم يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة، فقالت له، وكانت وزيرة صدق # PageV04P411 # رضي الله تعالى عنها: كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتقري ~~الضيف وتعين على نوائب الحق» . ونحو هذا من الكمال الذي يثبت. وقيل: إنه ~~صلى الله عليه وسلم كان نائما في الليل متزملا في قطيفة، فنبه ونودي بما ~~يهجن تلك الحالة التي كان عليها من التزمل في قطيفته، فقيل له {يا أيها ms3882 ~~المزمل} {قم الليل} أي: الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر، فصل لنا في كل ~~ليلة من هذا الجنس، وقف بين يدينا بالمناجاة والأنس بما أنزل عليك من ~~كلامنا، فإنا نريد إظهارك وإعلاء قدرك في البر والبحر والسر والجهر، وقيام ~~الليل في الشرع معناه الصلاة فلذا لم يقيده وهي جامعة لأنواع الأعمال ~~الظاهرة والباطنة وهي عمادها فذكرها دال على ما عداها. # ولما كان للبدن حظ في الراحة قال تعالى مستثنيا من الليل {إلا قليلا} أي: ~~من كل ليلة، فإن الاشتغال بالنوم فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن ألا ترى ~~إلى قول ذي الرمة: # *وكائن تخطت ناقتي من مفازة ... ومن نائم عن نيلها متزمل* # يريد الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب ولا ~~يحمل نفسه المشاق والمتاعب ونحوه. # *سهدا إذا ما نام ليل الهوجل* # ومن أمثالهم: # *أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل* # فذمه بالاشتمال بكسائه وجعل ذلك خلاف الجلد والكيس، وأمر بأن يختار على ~~الهجود التجهد، وعلى التزمل التشمر والتخفف للعبادة والمجاهدة في الله لا ~~جرم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تشمر لذلك مع أصحابه حق التشمر ~~وأقبلوا على إحياء ليلهم ورفضوا له الرقاد والدعة، وتجاهدوا فيه حتى انتفخت ~~أقدامهم واصفرت ألوانهم وظهرت السيما في وجوههم وتراقى أمرهم إلى حد رحمهم ~~له ربهم فخفف عنهم، وقال الكلبي: إنما تزمل صلى الله عليه وسلم بثيابه ~~ليتهيأ للصلاة وهو اختيار الفراء فهو على هذا ليس بتهجين بل هو ثناء عليه ~~وتحسين لحاله التي كان عليها وأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه، وعن عكرمة ~~رضي الله عنه أن المعنى يا أيها الذي زمل أمرا عظيما أي حمله، والزمل ~~الحمل. # قال البغوي: قال الحكماء: كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~أول الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبي والرسول، وقال السيهلي: ~~ليس المزمل من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه بعض الناس، ~~وعدوه في أسمائه صلى ms3883 الله عليه وسلم وإنما المزمل اسم مشتق من حاله التي ~~كان عليها حين الخطاب، وكذلك المدثر. # وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: # إحداهما: الملاطفة فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه ~~باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي حين ~~غاضب فاطمة رضي الله تعالى عنهما فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب، ~~فقال له: قم أبا تراب» إشعارا له بأنه غير عاتب عليه وملاطفة له، وكذلك ~~«قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: قم يا نومان» وكان نائما ملاطفة له ~~وإشعارا بترك العتب والتأنيب، فقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~{يا أيها المزمل قم} فيه تأنيس له وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه. # والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله أن يتنبه إلى قيام الليل ~~وذكر الله تعالى فيه؛ لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل ~~من # PageV04P412 # عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة، والليل مدة من غروب الشمس إلى طلوع ~~الفجر. قال القرطبي: واختلف هل كان قيامه فرضا أو نفلا؟ والدلائل تقوي أن ~~قيامه كان فرضا؛ لأن المندوب لا يقع على بعض الليل دون بعض، لأن قيامه ليس ~~مخصوصا بوقت دون وقت. # واختلف هل كان فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده؟ أو عليه وعلى من ~~كان قبله من الأنبياء؟ أو عليه وعلى أمته؟ على ثلاثة أقوال: الأول قول سعيد ~~بن جبير رضي الله عنه لتوجه الخطاب إليه. الثاني: قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: كان قيام الليل فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء ~~قبله. والثالث: قول عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أيضا أنه كان فرضا عليه ~~وعلى أمته لما روى مسلم أن هشام بن عامر قال لعائشة رضي الله عنها: أنبئيني ~~عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «ألست تقرأ يا أيها المزمل، ~~فقلت: بلى. فقالت: فإن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة، ~~فقام نبي الله ms3884 صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا وأمسك الله عز وجل خاتمتها ~~اثني عشر شهرا في السماء حتى أنزل الله عز وجل في آخر هذه السورة التخفيف، ~~فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة» وقيل: عسر عليهم تمييز القدر الواجب، ~~فقاموا الليل كله، وشق عليهم فنسخ بقوله تعالى آخرها: {فاقرؤوا ما تيسر من ~~القرآن} وكان بين الوجوب ونسخه سنة، وقيل: نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد ~~حتى نسخ بالمدينة. # وروى وكيع ويعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {يا أيها ~~المزمل} كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها وكان بين ~~نزول أولها وآخرها نحوا من سنة. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: مكث النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزلت بعد عشر سنين {إن ~~ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} فخفف الله تعالى عنهم. وقيل: كان ~~قيام الليل واجبا ثم نسخ بالصلوات الخمس. # والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم بعث يوم الإثنين في رمضان وهو ابن أربعين ~~سنة، وقيل: ثلاث وأربعين وآمنت به خديجة رضي الله عنها ثم بعدها قيل: علي ~~رضي الله عنه وهو ابن تسع سنين، وقيل: ابن عشر. وقيل: أبو بكر، وقيل: زيد ~~بن حارثة، ثم أمر بتبليغ قومه بعد ثلاث من مبعثه، فأول ما فرض عليه صلى ~~الله عليه وسلم بعد الإنذار والدعاء إلى التوحيد من قيام الليل ما ذكر في ~~أول السورة، ثم نسخ بما في آخرها ثم نسخ بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء ~~إلى بيت المقدس بمكة بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع وعشرين من ~~رجب، هذا ما ذكره النووي في روضته. # وقال في فتاويه: بعد النبوة بخمس أو ست وجعل الليلة من ربيع الأول ~~وخالفهما في شرح مسلم وجزم بأنها من ربيع الآخر وقلد فيها القاضي عياضا، ~~والذي عليه الأكثر ما في الروضة واستمر يصلي إلى بيت المقدس مدة إقامته ~~بمكة وبعد الهجرة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر، ثم ms3885 أمر باستقبال الكعبة، ثم ~~فرض الصوم بعد الهجرة بسنتين تقريبا وفرضت الزكاة بعد الصوم، وقيل: قبله، ~~وفي السنة الثانية قيل: في نصف شعبان. وقيل: في رجب حولت القبلة، وفيها ~~فرضت صدقة الفطر، وفيها ابتدأ صلى الله عليه وسلم صلاة عيد الفطر ثم عيد ~~الأضحى، ثم فرض الحج سنة ست وقيل: سنة خمس ولم يحج صلى الله عليه وسلم بعد ~~الهجرة إلا حجة # PageV04P413 # الوداع، واعتمر أربعا وتوفي صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لاثنتي عشرة ~~خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. # فائدة: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم معصومون قبل النبوة من الكفر ~~وفي المعاصي خلاف وبعدها من الكبائر وكذا من الصغائر ولو سهوا عند ~~المحققين. # وقوله تعالى {نصفه} بدل من قليلا وقلته بالنظر إلى الكل {أو انقص منه} ~~أي: من النصف {قليلا} أي: الثلث {أو زد عليه} أي: على النصف إلى الثلثين، ~~وأو للتخيير فكان صلى الله عليه وسلم مخيرا بين هذه المقادير الثلاثة، وكان ~~صلى الله عليه وسلم يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب وكذا بعض ~~أصحابه، واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم وقد تقدم أن ذلك نسخ بإيجاب ~~الصلوات الخمس، فصار قيام الليل تطوعا فينبغي للمتعبد المواظبة عليه خصوصا ~~في الوقت الذي يبارك الله تعالى بالتجلي فيه، فإنه صح أنه ينزل سبحانه عن ~~أن تشبه ذاته شيئا أو نزوله نزول غيره، بل هو كناية عن فتح باب السماء الذي ~~هو كناية عن وقت استجابة الدعاء حتى يبقى ثلث الليل، وفي رواية حتى يبقى ~~شطر الليل الآخر إلى سماء الدنيا، فيقول سبحانه هل من سائل فأعطيه هل من ~~تائب فأتوب عليه هل من كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر. # ولما أمر بالقيام وقدر وقته وعينه أمر بهيئة التلاوة التي هي روح الصلاة ~~على وجه عام، فقال تعالى: {ورتل القرآن} أي: اقرأه على ترسل وتؤدة وتبيين ~~حروفه وإشباع حركاته بحيث يتمكن السامع من عدها ويجيء المتلو منه شبيها ~~بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه ms3886 بنور الأقحوان وأن لا يهذه هذا ولا يسرده ~~سردا، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: شر السير الحقحقة، وشر القراءة ~~الهذرمة، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ولا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ ~~الشعر ولكن قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر ~~السورة. # وقوله تعالى: {ترتيلا} تأكيد في الأمر به وأنه لا بد منه للقارئ، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: اقرأ على هينتك ثلاث آيات أو أربعا أو خمسا، وروى ~~الترمذي عن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى أصبح ~~بآية» والآية {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ~~(المائدة: 118) # وسئلت عائشة رضي الله عنها عن قراءته صلى الله عليه وسلم فقالت: «لا ~~كسردكم هذا لو أراد السامع أن يعد حروفها لعدها» . وسئل أنس رضي الله عنه ~~كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت مدا ثم قرأ بسم الله ~~الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم» . وجاء رجل إلى ابن ~~مسعود رضي الله عنه، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هذا كهذ ~~الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن ~~فذكر عشرين سورة من المفصل كل سورتين في ركعة. # وروى الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «مر برجل يقرأ آية ~~ويبكي فقال ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجل: {ورتل القرآن ترتيلا} هذا ~~الترتيل» . وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن عوف قال: «قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة، فيوقف في أول درج الجنة، ويقال ~~له اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» ~~. وندب إصغاء إليه وبكاء عند القراءة وتحسين صوت بها وتعوذ بها جهرا ~~وإعادته لفصل طويل وجلوس لها واستقبال وتدبر وتخشع. وكرهت # PageV04P414 # بفم نجس. وجازت بحمام. وهي نظرا في المصحف أفضل منها على ظهر ms3887 قلب، نعم إن ~~زاد خشوعه وحضور قلبه في القراءة عن ظهر قلب فهي أفضل في حقه. وهي أفضل من ~~ذكر لم يخص بمحل، وحرم توسد مصحف. وندب كتبه وإيضاحه ونقطة وشكله، ويحرم ~~كتبه بنجس ومسه بنجس غير معفو عنه، وتحرم القراءة بالشواذ وهي ما نقل آحادا ~~وبعكس الآي وكره العكس في السور إلا في تعليم. # وندب ختم القرآن أول نهار وأول ليل وختمه في الصلاة أفضل من ختمه خارجها، ~~وندب صيام يوم الختم إلا أن يصادف يوما نهى الشرع عن صيامه، وندب الدعاء ~~بعده وحضوره. والشروع بعده في ختمة أخرى. وندب كثرة تلاوته. ونسيانه كبيرة ~~وكذا نسيان شيء منه ويحرم تفسيره بلا علم. # {إنا} أي: بما لنا من العظمة {سنلقي} أي: بوعد لا خلف فيه {عليك قولا} ~~أي: قرآنا، واختلف في معنى قوله تعالى {ثقيلا} فقال قتادة رضي الله عنه: ~~ثقيل والله فرائضه وحدوده. وقال مجاهد رضي الله عنه: حلاله وحرامه. وقال ~~محمد بن كعب رضي الله عنه: ثقيلا على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم ويبطل ~~أديانهم. وقيل: على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم والبيان لضلالهم وسب ~~آلهتهم. # قال السدي رضي الله عنه: ثقيلا بمعنى كريم مأخوذ من قولهم: فلان ثقل علي، ~~أي: كرم علي. وقال الفراء: ثقيلا، أي رزينا. وقال الحسن بن الفضل: ثقيلا أي ~~لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو ~~والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: ~~ثقيل أي ثابت كثبوت الثقيل في محله. ومعناه: إنه ثابت الإعجاز لا يزول ~~إعجازه أبدا. # وقيل: {ثقيلا} بمعنى: أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه ~~بالكلية فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا في أحكامه، ~~وكذا أهل اللغة والنحو وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه ~~بفوائد ما وصل إليها المتقدمون، فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على ~~الاستقلال بحمله، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله. # والأولى أن تحمل هذه المعاني كلها فيه. ms3888 وقيل: المراد هو الوحي كما جاء في ~~الخبر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت ~~جرانها أي: صدرها على الأرض فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه» . وعن ~~الحارث بن هشام أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهذا أشد علي ~~فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما ~~يقول. قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم ~~الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا، أي: يجري عرقه كما يجري ~~الدم من الفاصد. وقوله فينفصم عني أي: ينفصل عني ويفارقني، وقد وعيت أي: ~~حفظت ما قال. وقال القشيري: القول الثقيل هو قول لا إله إلا الله لأنه ورد ~~في الخبر: «لا إله إلا الله خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان» . وقال ~~الزمخشري: هذه الآية اعتراض ثم قال: وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من ~~قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن لأن الليل ~~وقت السبات والراحة والهدوء، فلا بد لمن أحياه من مضارة لطبعه ومجاهدة ~~لنفسه ا. ه. فالاعتراض من حيث المعنى لا من حيث الصناعة، وذلك أن قوله ~~تعالى: # {إن ناشئة الليل} أي: القيام بعد النوم {هي أشد وطأ} أي: موافقة # PageV04P415 # السمع للقلب على تفهم القرآن هي أشد مطابق لقوله: {قم الليل} فكأنه شابه ~~الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبين، والمعنى: سنلقي عليك بافتراض ~~صلاة الليل قولا ثقيلا يثقل حمله؛ لأن الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره ~~لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس ومجاهدة الشيطان، فهو أمر ~~ثقيل على العبد. # ولما كان التهجد يجمع القول والفعل وبين ما في الفعل لأنه أشق فكان ~~بتقديم الترغيب بالمدحة أحق أتبعه القول فقال: {وأقوم قيلا} أي: وأعظم ~~سدادا من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب لحضور القلب، لأن الأصوات ms3889 ~~هادية والدنيا ساكتة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه، وقال قتادة ومجاهد رضي ~~الله عنهم: أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم لرياقة الليل بهدوء ~~الأصوات وتجلي الرب سبحانه بحصول البركات وأخلص من الرياء، فبين الله تعالى ~~بهذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار وأن الاستكثار من صلاة الليل ~~بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب. # كان علي بن الحسين رضي الله عنه يصلي بين المغرب والعشاء ويقول: هو ناشئة ~~الليل. وقال عطاء وعكرمة رضي الله عنهم: هو بدء الليل. وقال في الصحاح: ~~ناشئة الليل أول ساعاته، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كله لأنه ~~ينشأ بعد النهار وهو اختيار مالك، قال ابن عربي: وهو الذي يعطيه اللفظ ~~وتقتضيه اللغة، وقالت عائشة وابن عباس أيضا ومجاهد رضي الله عنهم: إنما ~~الناشئة القيام بالليل بعد النوم ومن قام قبل النوم فما قام ناشئة. وقال ~~يمان بن كيسان: هو القيام من آخر الليل. # وأما قوله تعالى: {أشد وطأ} أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار، لأن ~~الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل فقد تحمل المشقة العظيمة، ~~هذا على قراءة كسر الواو وفتح الطاء، وبعدها ألف ممدودة وهمزة منونة، وهي ~~قراءة أبي عمرو وابن عامر، وقرأ الباقون بفتح الواو وسكون الطاء وبعدها ~~همزة منونة فهي مصدر وطأت وطأ ومواطأة أي: وافقت على الأمر من الوفاق تقول: ~~فلان يواطئ اسمه اسمي، أي: يوافقه، فالمعنى أشد موافقة بين القلب والبصر ~~والسمع واللسان لانقطاع الأصوات والحركات قاله مجاهد وغيره قال تعالى: ~~{ليواطئوا عدة ما حرم الله} (التوبة: 37) # أي: ليوافقوا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم اشدد وطأتك على مضر» ~~وقيل: أشد مهادا للتصرف في الفكر والتدبر. وقيل: أشد ثباتا من النهار، فإن ~~الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله، فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء الثبات ~~تقول: وطأت الأرض بقدمي وفي الجملة عبادة الليل أشد نشاطا وأتم إخلاصا ~~وأكثر بركة وأبلغ في الثواب. # {إن لك} أي: أيها المتهجد أو يا أكرم ms3890 الخلق إن كان الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم {في النهار} الذي هو محل السعي في مصالح الدنيا {سبحا طويلا} أي: ~~تصرفا وتقلبا وإقبالا وإدبارا في حوائجك وأشغالك، والسبح: مصدر سبح استعير ~~للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء وهي البعد فيه. وقال القرطبي: السبح ~~الجري والدوران. ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح ~~شديد الجري. وقيل: السبح الفراغ، أي: إن لك فراغا لحاجات النهار. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما {سبحا طويلا} يعني فراغا طويلا لنومك وراحتك، فاجعل ~~ناشئة الليل لعبادتك. وقيل: إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر ~~على تداركه فيه. # {واذكر اسم ربك} # PageV04P416 # أي: المحسن إليك والموجد والمدبر لك بكل ما يكون ذكرا من اسم وصفة وثناء ~~وخضوع وتسبيح وتحميد وصلاة وقراءة ودعاء وإقبال على علم شرعي وأدب مرعي، ~~ودم على ذلك في ليلك ونهارك واحرص عليه، فإذا عظمت الاسم بالذكر فقد عظمت ~~المسمى بالتوحيد والإخلاص، وذلك عون لك على مصالح الدارين، أما الآخرة ~~فواضح وأما الدنيا فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أعز الخلق عليه فاطمة ~~ابنته رضي الله تعالى عنها لما سألته خادما يقيها التعب إلى التسبيح ~~والتحميد والتكبير عند النوم. # {وتبتل} أي: اجتهد في قطع نفسك عن كل شاغل والإخلاص في جميع أعمالها ~~بالتدريج قليلا قليلا منتهيا {إليه} ولا تزل على ذلك حتى يصير ذلك لك خلقا ~~فتكون نفسك كأنها منقطعة بغير قاطع. # وقوله تعالى: {تبتيلا} مصدر تبتل جيء به رعاية للفواصل وهو ملزوم ~~التبتيل، قال الزمخشري: فإن قلت كيف قيل تبتيلا؟ مكان تبتلا قلت: لأن معنى ~~تبتل بتل نفسه فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل ا. ه. # والتبتيل الانقطاع ومنه امرأة بتول، أي: منقطعة عن النكاح، وفي الحديث ~~أنه نهى عن التبتل وقال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة أي: مؤن ~~النكاح فليتزوج» والمراد به في الآية الكريمة الانقطاع إلى عبادة الله ~~تعالى كما مرت الإشارة إليه دون ترك النكاح. والتبتل في الأصل: الانقطاع عن ms3891 ~~الناس والجماعات، وقيل: إن أصله عند العرب التفرد قاله ابن عرفة، وقال ابن ~~العربي: هذا فيما مضى، وأما اليوم فقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم ~~واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعزبة أفضل من ~~التأهل، ولكن معنى الآية: وانقطع عن الأوثان والأصنام وعن عبادة غير الله ~~تعالى. وكذلك قال مجاهد رضي الله عنه: معناه أخلص له العبادة ولم يرد ~~التبتيل، فصار التبتل مأمورا به في القرآن منهيا عنه في السنة ومتعلق الأمر ~~غير متعلق النهي فلا يتناقضان، وإنما بعث لتبيين ما أنزل إليهم، فالتبتل ~~المأمور به الانقطاع إلى الله تعالى بإخلاص العبادة كما قال تعالى: {وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} (البينة: 5) # والتبتل المنهي عنه هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في ~~الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف ~~الجبال ومواضع القطر يفر بدينه من الفتن. # ولما كان الواجب على كل أحد شكر المنعم بين سبحانه الذي أنعم بسكن الليل ~~الذي أمرنا بالتهجد فيه ومنتشر النهار الذي أمر بالسبح فيه، فقال تعالى: ~~{رب المشرق} أي: موجد محل الأنوار التي بها ينمحي هذا الليل الذي أنت قائم ~~فيه، ويضيء بها الصباح، وعند الصباح يحمد القوم السرى، قال العلامة تقي ~~الدين بن دقيق العيد: # *كم ليلة فيك وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح* # *واختلف الأصحاب ماذا الذي ... يزيل من شكواهم أو يريح* # *فقيل تعريسهم ساعة ... وقلت بل ذكراك وهو الصحيح* # {والمغرب} أي: الذي يكون عند الليل الذي هو موضع السكون ومحل الخلوات ~~ولذيذ المناجاة، فلا تغرب شمس ولاقمر ولا نجم إلا بتقديره {لاإله} أي: لا ~~معبود بحق {إلا هو} أي: ربك الذي دلت تربيته لك على مجامع العظمة وأبهى ~~صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص، وقرأ {رب} # PageV04P417 # ابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الباء على البدل من ربك، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، ~~وجوابه: لاإله إلا هو، كما ms3892 تقول: لا أحد في الدار إلا زيد، والباقون برفعها ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره لا إله إلا هو {فاتخذه} أي: خذه ~~بجميع جهدك وذلك بإفرادك إياه بكونه {وكيلا} أي على كل من خالفك بأن تفوض ~~جميع أمورك إليه، فإنه يكفيكها كلها، فإنه المنفرد بالقدرة عليها، ولاشيء ~~في يد غيره فلا تهتم بشيء أصلا. # قال البقاعي: وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل، فإن ذلك طمع فارغ، بل ~~بالإجمال في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه ليكون متوكلا في السبب لا من ~~دون سبب، فإنه يكون حينئذ كمن يطلب الولد من غير زوجة وهو مخالف لحكمة هذه ~~الدار المبنية على الأسباب، ولو لم يكن في إفراده بالوكالة إلا أنه يفارق ~~الوكلاء بالعظمة والشرف والرفق من جميع الوجوه، فإن وكيلك من الناس دونك ~~وأنت تتوقع أن يكلمك كثيرا في مصالحك وربك أعظم العظماء وهو يأمرك بأن ~~تكلمه كثيرا في مصالحك وتسأله طويلا، ووكيلك من الناس إذا حصل مالك سألك ~~الأجرة وهو سبحانه يوفر مالك ويعطيك الأجر، ووكيلك من الناس ينفق عليك من ~~مالك وهو سبحانه يرزقك وينفق عليك من ماله. # ومن تمسك بهذه الآية عاش حرا كريما ومات خالصا شريفا ولقي الله تعالى ~~عبدا صافيا مختارا تقيا، ومن شرط الموحد أن يتوجه إلى الواحد ويقبل عليه ~~ويبذل له نفسه ويفوض إليه أمره ويترك التدبير ويثق به ويركن إليه ويتذلل ~~لربوبيته ويتواضع لعظمته. # {واصبر على ما يقولون} أي: المخالفون المفهومون من الوكالة من الأذى ~~والسب والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم ولا تمتنع من دعواهم وفوض أمرهم إلي، ~~فإني إذا كنت وكيلا لك أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك ~~{واهجرهم} أي: أعرض عنهم {هجرا جميلا} أي: لا تتعرض لهم ولا تشتغل ~~بمكافأتهم، فإن ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى، وكان هذا قبل الأمر ~~بالقتال، فإنه صلى الله عليه وسلم منع في أول الإسلام من قتال الكفار وأمر ~~هو وأصحابه بالصبر على أذاهم بقوله تعالى: {لتبلون في أموالكم} (آل ms3893 عمران: ~~186) # الآية، ثم أمر به إذا ابتدؤوا بقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم} (البقرة: 190) # ثم أبيح له ابتداؤه في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقا من غير تقييد ~~بشرط ولا زمان بقوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} (البقرة: 191) # {وذرني} أي: اتركني {والمكذبين} أي: لا تحتاج إلى الظفر بمرادك ومشتهاك ~~إلا أن تخلي بيني وبينهم بأن تكل أمرهم إلي وتستكفينيه، فإن في ما يفرغ ~~بالك، ويجلي همك وليس ثم منع حتى تطلب إليه أن تذره وإياه إلا ترك ~~الاستكفاء والتفويض، كأنه إذا لم يكل إليه أمره فكأنه منعه منه فإذا وكله ~~إليه فقد أزال المنع وتركه وإياه وفيه دليل على الوثوق بأنه يتمكن من ~~الوفاء بأقصى ما تدور حوله أمنية المخاطب وبما يزيد عليه. # واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم ~~عشرة فلم يكن إلا يسيرا حتى قتلوا ببدر. وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو ~~المغيرة. وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشر رجلا، وقال البغوي: نزلت ~~في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين. # وقوله تعالى: {أولي النعمة} # PageV04P418 # نعت للمكذبين أي أصحاب التنعم والترفه. # فائدة: النعمة بالفتح التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرة. # {ومهلهم} أي: اتركهم برفق وتأن وتدريج ولا تهتم بشأنهم. وقوله تعالى: ~~{قليلا} نعت لمصدر، أي: تمهيلا قليلا أو لظرف زمان محذوف أي زمانا قليلا ~~فقتلوا بعد يسير ببدر. # وقوله تعالى: {إن لدينا أنكالا} جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل الذي لا ~~ينفك أبدا وقال الكلبي: أغلالا من حديد {وجحيما} أي: نارا حامية جدا شديدة ~~الاتقاد مما كانوا يتقيدون به من تبريد الشراب والتنعم برقيق اللباس وتكلف ~~أنواع الراحة. # {وطعاما ذا غصة} أي: يغص به في الحلق وهو الزقوم أو الضريع أو الغسلين أو ~~الشوك من نار لا يخرج ولا ينزل {وعذابا أليما} أي: مؤلما. ومعنى الآية: أن ~~لدينا في الآخرة ما يضاد تنعمهم في الدنيا وهي هذه الأمور الأربعة: النكال ~~والجحيم والطعام الذي يغص به والعذاب الأليم، والمراد به ms3894 سائر أنواع ~~العذاب، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق. # وعن الحسن أنه أمسى صائما فأتي بطعام فعرضت له هذه الآية، فقال: ارفعه ~~ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال: ارفعه، وكذلك الليلة الثالثة ~~فأخبر ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فجاؤوا فلم يزالوا به حتى شرب ~~شربة من سويق. # وقوله تعالى: {يوم ترجف} منصوب بالاستقرار المتعلق به لدينا والرجفة ~~الزلزلة والزعزعة الشديدة فتزلزل {الأرض} أي: كلها {والجبال} أي: التي هي ~~أشدها {وكانت} أي: وتكون {الجبال} التي هي مراسي الأرض وأوتادها وعبر عن ~~شدة الاختلاط والتلاشي بالتوحيد، فقال تعالى: {كثيبا} أي: رملا مجتمعا، من ~~كثب الشيء إذا جمعه، كأنه فعيل بمعنى مفعول في أصله، ومنه الكثبة من اللبن ~~{مهيلا} قال ابن عباس: رملا سائلا يتناثر. وقال الكلبي: هو الذي إذا أخذت ~~منه شيئا تبعك ما بعده. قال القرطبي: وأصله مهيول وهو مفعول من قولك هلت ~~عليه التراب أهيله إهالة وهيلا إذا صببته، يقال: مهيل ومهيول، ومكيل ومكيول ~~ومعين ومعيون. قال الشاعر: # *قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وأخال أنك سيد معيون* # وقال عليه الصلاة والسلام حين شكوا إليه الجدوبة: «أتكيلون أم تهيلون» ؟ ~~قالوا: نهيل. قال: «كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه» . # وأصل مهيل مهيول استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الهاء فالتقى ساكنان، ~~فسيبويه وأتباعه حذفوا الواو، وكانت أولى بالحذف لأنها زائدة، وإن كانت ~~القاعدة أن ما يحذف لالتقاء الساكنين الأول، ثم كسروا الهاء لتصح الياء، ~~ووزنه حينئذ مفعل، والكسائي ومن تبعه حذفوا الياء لأن القاعدة حذف الأول ~~كما مر. # ولما خوف تعالى المكذبين أولي النعمة بأهوال يوم القيامة خوفهم بعد ذلك ~~بأهوال الدنيا فقال تعالى: {إنا} أي: بما لنا من العظمة {أرسلنا إليكم} يا ~~أهل مكة شرفا لكم خاصة وإلى كل من بلغته الدعوة عامة {رسولا} أي: عظيما ~~جدا، وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمامهم وأجلهم وأفضلهم ~~قدرا {شاهدا عليكم} أي: بما تصنعون ليؤدي الشهادة عند طلبها منه يوم ننزع ~~من كل أمة شهيدا وهو ms3895 يوم القيامة {كما أرسلنا} أي: بما لنا من العظمة {إلى ~~فرعون} أي: ملك مصر # PageV04P419 # {رسولا} وهو موسى عليه الصلاة والسلام، وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ ~~الوبيل. قال مقاتل: وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأن أهل مكة ~~ازدروا محمدا صلى الله عليه وسلم واستخفوا به لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ~~ازدرى بموسى عليه السلام لأنه رباه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى حكاية ~~عن فرعون: {ألم نربك فينا وليدا} (الشعراء: 18) # وذكر الرازي السؤال والجواب. قال ابن عادل: وهو ليس بالقوي لأن إبراهيم ~~عليه السلام ولد ونشأ فيما بين قوم نمروذ وكان آزر وزير نمروذ على ما ذكره ~~المفسرون، وكذا القول في هود ونوح وصالح ولوط لقوله تعالى في قصة كل واحد ~~منهم لفظة {أخاهم} لأنه من القبيلة التي بعث إليها انتهى. وقد يقال: الجامع ~~بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام التربية، فإن أبا طالب تربى عنده ~~النبي صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام تربى عند فرعون ولم يكن ذلك ~~لغيرهما. # {فعصى فرعون الرسول} إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه أل العهدية والعرب إذا ~~قدمت اسما ثم أتوا به ثانيا أتوا به معرفا بأل أو أتوا بضميره لئلا يلتبس ~~بغيره نحو: رأيت رجلا فأكرمت الرجل أو فأكرمته، ولو قلت فأكرمت رجلا لتوهم ~~أنه غير الأول. وقال المهدوي: ودخلت الألف واللام في الرسول لتقدم ذكره ~~ولذا اختير في أول الكتب سلام عليكم وفي آخرها السلام عليكم. # ثم تسبب عن عصيانه قوله تعالى: {فأخذناه} أي: فرعون بما لنا من العظمة، ~~وبين أنه أخذ قهر وغضب بقوله تعالى: {أخذا وبيلا} أي: ثقيلا شديدا، وضرب ~~وبيل وعذاب وبيل، أي: شديد قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه مطر وابل، أي: شديد ~~قاله الأخفش. وقال الزجاج: أي: ثقيلا غليظا ومنه قيل للمطر وابل، وقيل: ~~مهلكا. والمعنى: عاقبناه عقوبة غليظة، وفي ذلك تخويف لأهل مكة. # ثم خوفهم بيوم القيامة فقال تعالى: {فكيف تتقون إن كفرتم} أي: توجدون ~~الوقاية التي تقي أنفسكم إذا كفرتم في الدنيا، والمعنى: لا ms3896 سبيل لكم إلى ~~التقوى إذا رأيتم القيامة. وقيل: معناه: فكيف تتقون العذاب يوم القيامة إذا ~~كفرتم في الدنيا. وقوله تعالى: {يوما} مفعول تتقون أي: عذابه أي: بأي حصن ~~تتحصنون من عذاب الله يوم {يجعل الولدان} وقوله تعالى {شيبا} جمع أشيب، ~~والأصل في الشين الضم وكسرت لمجانسة الياء، ويقال في اليوم الشديد: يوم ~~يشيب نواصي الأطفال، وهو مجاز، ويجوز أن يراد في الآية الحقيقة والمعنى: ~~يصيرون شيوخا شمطا من هول ذلك اليوم وشدته وذلك حين يقال لآدم عليه السلام ~~قم: فابعث بعث النار من ذريتك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول ~~الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك وفي رواية والخير بين ~~يديك فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا ~~رب وما بعث النار. قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فحينئذ تضع الحامل ~~حملها ويشيب الوليد {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} ~~(الحج: 2) # فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، قالوا: يا رسول الله أينا ذلك ~~الرجل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج تسعمائة ~~وتسعة وتسعين ومنكم واحد، ثم قال: أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب ~~الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وفي رواية كالرقة في ~~ذراع الحمار وهي بفتح الراء وسكون القاف الأثر # PageV04P420 # الذي في بطن عضد الحمار وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبر القوم، ~~ثم قال: فثلث أهل الجنة فكبروا، ثم قال: شطر أهل الجنة فكبروا» وفي هذا ~~إشارة إلى الاعتناء بهم لأن إعطاء الإنسان مرة بعد مرة دليل على الاعتناء ~~به ودوام ملاحظته، وفي هذا أيضا حملهم على تجديد شكر الله تعالى وحمده على ~~إنعامه عليهم وهو تكبيرهم لهذه البشارة العظيمة. # ثم وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى: {السماء منفطر} أي: ذات انفطار أي: ~~انشقاق {به} أي: بسبب ذلك اليوم لشدته فالباء سببية، وجوز الزمخشري أن تكون ~~للاستعانة فإنه قال: ms3897 والباء في به مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر ~~به. وقال القرطبي: معنى به أي: فيه أي: في ذلك اليوم. وقيل: به أي: بالأمر ~~أي: السماء منفطر بما يجعل الولدان شيبا، وقيل: منفطر بالله أي: بأمره. # تنبيه: إنما لم تؤنث الصفة لوجوه، منها: قال أبو عمرو بن العلاء: لأنها ~~بمعنى السقف تقول هذا سماء البيت قال تعالى: {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} ~~(الأنبياء: 32) # . ومنها أنها على النسبة أي: ذات انفطار، نحو امرأة مرضع وحائض أي: ذات ~~إرضاع وذات حيض. ومنها أنها تذكر وتؤنث أنشد الفراء: # *فلو رفع السماء إليه قوما ... لحقنا بالسماء وبالسحاب # ومنها: أنه اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء فيقال: سماءة واسم الجنس ~~يذكر ويؤنث ولهذا قال أبو علي الفارسي: هو كقوله تعالى {منتشر} (القمر: 7) # و {أعجاز نخل منعقر} (القمر: 20) # يعني: فجاء على أحد الجائزين، أو لأن تأنيثها ليس بحقيقي وما كان كذلك ~~جاز تذكيره. قال الشاعر: ### | ................... # والمها ... بالإثمد الحبرى مكحول* # والضمير في قوله تعالى: {كان وعده مفعولا} يجوز أن يكون لله وإن لم يجر ~~له ذكر للعلم به فيكون المصدر مضافا لفاعله، ويجوز أن يكون لليوم فيكون ~~مضافا لمفعوله والفاعل وهو الله تعالى مقدر. قال المفسرون: كان وعده ~~بالقيامة والحساب والجزاء مفعولا كائنا لا شك فيه ولا خلف. وقال مقاتل: كان ~~وعده بأن يظهر دينه على الدين كله. # {إن هذه} أي: الآيات الناطقة بالوعيد الشديد أو السورة {تذكرة} أي: تذكير ~~عظيم هو أهل لأن يتعظ به، ويعتبر به المعتبر ولاسيما ما ذكر فيها لأهل ~~الكفر من العذاب. # ولما كان سبحانه قد جعل للإنسان عقلا يدرك به الحسن والقبيح واختيارا ~~يتمكن به من اتباع ما يريد فلم يبق له مانع من جهة اختيار الأصلح والأحسن ~~إلا قهر المشيئة التي لا اطلاع له عليها ولا حيلة له فيها سبب عن ذلك قوله ~~تعالى: {فمن شاء اتخذ} أي: بغاية جهده {إلى ربه} أي: المحسن إليه خاصة لا ~~إلى غيره {سبيلا} أي: طريقا إلى رضاه ورحمته فليرغب فقد أمكن له؛ ms3898 لأنه أظهر ~~له الحجج والدلائل. قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: {فمن شاء ~~ذكره} (المدثر: 55) # قال الثعلبي: والأشبه أنه غير منسوخ. # {إن ربك} أي: المدبر لأمرك على ما يكون إحسانا إليك ورفقا بك {يعلم أنك ~~تقوم} أي: في الصلاة كما أمرت به أول السورة {أدنى} أي: زمانا أقل والأدنى ~~مشترك بين الأقرب والأدون الأنزل رتبة؛ لأن كلا منهما يلزم عنه قلة ~~المسافة. {من ثلثي الليل} وقرأ {ونصفه وثلثه} ابن كثير وعاصم وحمزة ~~والكسائي بنصب الفاء بعد الصاد ونصب المثلثة بعد اللام ورفع الهاء فيهما ~~عطف على أدنى والباقون بكسر الفاء والمثلثة وكسر الهاء فيهما عطف على ضمير ~~تقوم وقيامه كذلك مطابق لما وقع التخيير فيه أول السورة من قيام النصف # PageV04P421 # بتمامه، أو الناقص منه وهو الثلث، أو الزائد عليه وهو الثلثان، أو الأقل ~~من الأقل من النصف وهو الربع. # وقوله تعالى: {وطائفة من الذين معك} عطف على ضمير تقوم، وجاز من غير ~~تأكيد للفصل وقيام طائفة من أصحابه كذلك للتأسي به، ومنهم من كان لا يدري ~~كم يصلي من الليل وكم بقي منه، فكان يقوم الليل كله احتياطا فقاموا حتى ~~انتفخت أقدامهم سنة وأكثر، فخفف عنهم بقوله تعالى: {والله} أي: المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما {يقدر} أي: تقديرا عظيما هو في غاية التحرير {الليل ~~والنهار} أي: هو العالم بمقادير الليل والنهار، فيعلم القدر الذي تقومون من ~~الليل والذي تنامون منه. # {علم أن} مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي: أنه {لن تحصوه} أي: الليل ~~لتقوموا فيما يجب القيام فيه إلا بقيام جميعه، وذلك يشق عليكم {فتاب عليكم} ~~أي: رجع بكم إلى التخفيف بالترخص لكم في ترك القيام المقدر أول السورة. # وقوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر} أي: سهل {من القرآن} فيه قولان: # أحدهما أن المراد بهذه القراءة القراءة في الصلاة، وذلك أن القراءة أحد ~~أجزاء الصلاة فأطلق اسم الجزء على الكل، والمعنى: فصلوا ما تيسر عليكم، قال ~~الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء. قال قيس بن أبي حازم: صليت خلف ابن ms3899 ~~عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة بالحمد وأول آية من البقرة ثم ركع، ثم قام ~~في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية من البقرة ثم ركع، فلما انصرف أقبل ~~علينا، فقال: إن الله تعالى يقول: {فاقرؤوا ما تيسر منه} . # قال القشيري: والمشهور أن نسخ قيام الليل كان في حق الأمة، وبقيت الفريضة ~~في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: بل نسخ ~~بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلا، وإذا ثبت أن القيام ليس فرضا فقوله ~~تعالى {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} معناه: اقرؤوا إن تيسر عليكم ذلك وصلوا ~~إن شئتم. # والقول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} ~~دراسته وتحصيل حفظه وأن لا يعرض للنسيان سواء كان في صلاة أم غيرها، قال ~~كعب: من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين. وقال سعيد: خمسين آية. قال ~~القرطبي: قول كعب أصح لقوله صلى الله عليه وسلم «من قام بعشر آيات من ~~القرآن لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام ~~بألف آية كتب من المقنطرين» خرجه أبو داود والطيالسي. وروى أنس بن مالك ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ خمسين آية في يوم أو ~~في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ ~~مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار ~~من الأجر» فقوله من المقنطرين أي: أعطي قنطارا من الأجر. وجاء في الحديث ~~«أنه ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض» . # وقال أبو عبيدة: القناطير واحدها قنطار، ولا تجد العرب تعرف وزنه ولا ~~واحد للقنطار من لفظه. وقال ثعلب: المعول عليه عند العرب أنه أربعة آلاف ~~دينار، فإذا قالوا: قناطير مقنطرة، فهي اثنا عشر ألف دينار. وقيل: إن ~~القنطار ملء جلد ثور ذهبا. وقيل: ثمانون ألفا. وقيل: هو جملة كثيرة مجهولة ~~من المال نقله ابن الأثير. قال القرطبي: ms3900 والقول الثاني أصح حملا للخطاب على ~~ظاهر اللفظ والقول الأول مجاز؛ لأنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله، ~~وإذا كان ذلك على قيام لا في # PageV04P422 # قدر القراءة فلا دليل فيه على أن الفاتحة لا تتعين في الصلاة، بل هي ~~متعينة في كل ركعة لخبر الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة ~~الكتاب» ولخبر «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» رواه ابنا خزيمة ~~وحبان في صحيحيهما، ولفعله صلى الله عليه وسلم كما في مسلم مع خبر البخاري ~~«صلوا كما رأيتموني أصلي» ويحمل قوله تعالى {فاقرؤوا ما تيسر منه} مع خبر ~~«ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن» على الفاتحة أو على العاجز عنها جمعا بين ~~الأدلة. # ولما كان هذا نسخا لما كان واجبا من قيام الليل أول السورة لعلمه سبحانه ~~بعدم إحصائه فسر ذلك العلم المجمل بعلم مفصل بيانا لحكمة أخرى للنسخ، فقال ~~تعالى: {علم أن} مخففة من الثقيلة أي: أنه {سيكون} أي: بتقدير لا بد منه ~~{منكم مرضى} جمع مريض وهذه السورة من أول ما نزل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ففي ذلك إشارة بأن أهل الإسلام يكثرون جدا {وآخرون} غير المرضى ~~{يضربون} أي: يوقعون الضرب {في الأرض} أي: يسافرون لأن الماشي يجد ويضرب ~~برجله في الأرض {يبتغون} أي: يطلبون طلبا شديدا {من فضل الله} أي: بعض ما ~~أوجده الملك الأعظم لعباده بالتجارة وغيرها {وآخرون} أي: منكم أيها ~~المسلمون {يقاتلون} أي: يطلبون ويوقعون قتل أعداء الله تعالى، ولذلك بينه ~~بقوله تعالى {في سبيل الله} أي: الملك الأعظم، وكل من الفرق الثلاث يشق ~~عليهم ما ذكر في قيام الليل، وسوى سبحانه في هذه الآية بين درجة المجاهدين ~~والمكتسبين للمال الحلال لنفقته على نفسه وعياله والإحسان فكان هذا دليلا ~~على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله، قال ~~صلى الله عليه وسلم «ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر ~~يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء ms3901 ثم قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في ~~سبيل الله} . # وقال ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا ~~محتسبا، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء وقرأ {وآخرون} ~~الآية. وقال ابن عمر: ما خلق الله تعالى موتة أموتها بعد الموت في سبيل ~~الله أحب إلي من الموت بين شعبتي رجل ابتغى من فضل الله ضاربا في الأرض، ~~وقال طاووس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأعاد ~~قوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر منه} أي: من القرآن للتأكيد. # {وأقيموا الصلاة} أي: المكتوبة وهي خمس بجميع الأمور التي تقوم بها من ~~أركانها وشروطها وأبعاضها وهيئاتها {وآتوا الزكاة} أي: زكاة أموالكم. وقال ~~عكرمة وقتادة: صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل: صدقة ~~التطوع. وقيل: كل فعل خير وقال ابن عباس: طاعة الله تعالى والإخلاص. # {وأقرضوا الله} أي: الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال التي منها ~~الغنى المطلق من أبدانكم وأموالكم في أوقات صحتكم ويساركم {قرضا حسنا} من ~~نوافل الخيرات كلها برغبة تامة وعلى هيئة جميلة في ابتدائه وانتهائه. وقال ~~زيد بن أسلم: القرض الحسن النفقة على الأهل. وقيل: صلة الرحم وقرى الضيف. ~~وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله. # {وما تقدموا لأنفسكم} أي: خاصة سلفا لأجل ما بعد الموت حيث لا تقدرون على ~~الأعمال {من خير} أي # PageV04P423 # خير كان من عبادات البدن والمال {تجدوه} أي: محفوظا لكم {عند الله} أي: ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما {هو} أي: لا غيره {خيرا} أي: لكم وجاز ضمير ~~الفصل بين غير معرفتين؛ لأن أفعل منه كالمعرفة ولذلك يمتنع دخول أداة ~~التعريف عليها. والمعنى: هو خير من الذي تدخرونه إلى الوصية عند الموت، ~~قاله ابن عباس. وقال الزجاج: خيرا لكم من متاع الدنيا. وروى البغوي بسنده ~~عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيكم ماله أحب إليه من ~~مال وارثه؟ ms3902 قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال ~~وراثه. # قال: اعلموا ما تقولون قالوا: ما نعلم إلا ذاك يا رسول الله. قال: إنما ~~مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر» . # {وأعظم أجرا} قال أبو هريرة: يعني الجنة ويحتمل أن يكون أعظم أجرا ~~لإعطائه بالجنة أجرا. # ولما كان الإنسان إذا عمل ما يمدح عليه ولا سيما إذا كان المادح له ربه ~~ربما أدركه الإعجاب بين له أنه لا يقدر بوجه على أن يقدر الله تعالى حق ~~قدره فلا يزال مقصرا فلا يسعه إلا العفو، فقال عز من قائل: {واستغفروا ~~الله} أي: اطلبوا وأوجدوا ستر الملك الأعظم الذي لا تحيطون بمعرفته، فكيف ~~بأداء حق خدمته لتقصيركم عينا وأثرا بفعل ما يرضيه واجتناب ما يسخطه. # {إن الله} أي: الملك الأعظم {غفور} أي: بالغ الستر لأعيان الذنوب وآثارها ~~حتى لا يكون عنها عقاب ولا عتاب {رحيم} أي: بالغ الإكرام بعد الستر إفضالا ~~وإحسانا وتشريفا وامتنانا. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة المزمل دفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة» حديث موضوع. ### | سورة المدثر # مكية # وهي خمس أو ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف # {بسم الله} الملك الواحد القهار {الرحمن} الذي عم برحمته الأبرار والفجار ~~{الرحيم} الذي خص أصفياءه بما يوصلهم إلى دار القرار. # ولما ختمت المزمل بالبشارة لأرباب البصارة بعد ما بدئت بالاجتهاد في ~~الخدمة المهيء للقيام بأعباء الدعوة افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي ~~النذارة فقال تعالى: # {س74ش1/ش7 يا?أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز ~~فاهجر * وتمنن تستكثر * ولربك فاصبر} # {يا أيها المدثر} روي عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال: {يا أيها المدثر} . قلت يقولون {اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق} (العلق: 1) # قال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ذلك الذي قلت، ~~فقال لي ms3903 جابر: لا أحدثك إلا مثل ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم ~~أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت عن خلفي فلم أر شيئا، فرفعت ~~رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماء باردا» ، قال: ~~فنزل {يا أيها المدثر} الآية، وذلك قبل أن تفرض الصلاة، وفي رواية «فلما ~~قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي وذكر نحوه» ، وفيه: فإذا قاعد على عرش في ~~الهواء يعني جبريل عليه السلام فأخذتني رجفة شديدة» وعن جابر من رواية ~~الزهري عن أبي سلمة عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه # PageV04P424 # وسلم يحدث عن فترة الوحي، فقال لي في حديثه: «فبينما أنا أمشي سمعت صوتا ~~من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاء لي بحراء جالس على كرسي بين ~~السماء والأرض فجئثت منه رعبا، فقلت: زملوني زملوني فدثروني، فأنزل الله عز ~~وجل: {يا أيها المدثر} إلى قوله: {فاهجر} وفي رواية: «فجئثت منه حتى هويت ~~إلى الأرض فجئت إلى أهلي» وذكره ثم حمي الوحي وتتابع. # فإن قيل: إن هذا الحديث دال على أن سورة المدثر أول ما نزل، ويعارضه حديث ~~عائشة المخرج في الصحيحين في بدء الوحي وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى ~~وفيه: «فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق} حتى بلغ {ما لم يعلم} (العلق: 1 5) # فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده» الحديث؟ أجيب: بأن ~~الذي عليه العلماء أن أول ما نزل من القرآن على الإطلاق {اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق} كما صرح به في حديث عائشة. ومن قال: إن سورة المدثر أول ما نزل ~~من القرآن فضعيف، وإنما كان نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به في رواية ~~الزهري عن أبي سلمة عن جابر، ويدل عليه ما في الحديث وهو يحدث عن فترة ~~الوحي إلى أن قال: «وأنزل الله تعالى {يا أيها المدثر} ms3904 » ، ويدل عليه قوله ~~أيضا: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء» . # وحاصله: أن أول ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ~~{اقرأ باسم ربك} وأن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر، وبهذا يحصل ~~الجمع بين الحديثين. # قوله: «فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض» يريد به السرير الذي ~~يجلس عليه. وقوله: «يحدث عن فترة الوحي» أي: عن احتباسه وعدم تتابعه ~~وتواليه في النزول وقوله: «فجئثت منه» روي بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ~~ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير، وروي بثاءين مثلثتين بعد الجيم ومعناها ~~فرعبت منه وفزعت، وقوله: «حمي الوحي وتتابع» أي: كثر نزوله وازداد بعد ~~فترته من قولهم: حميت الشمس والنار إذا ازداد حرها. وقوله: «وصبوا علي ماء ~~باردا» فيه أنه ينبغي لمن فزع أن يصب عليه الماء ليسكن فزعه. # وأصل المدثر المتدثر وهو الذي يتدثر في ثيابه ليستدفئ بها، وأجمعوا على ~~أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سمي مدثرا لوجوه: # أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم «دثروني» . # وثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما متدثرا بثيابه فجاءه جبريل ~~عليه السلام وأيقظه صلى الله عليه وسلم وقال: {يا أيها المدثر قم فأنذر} ~~أي: حذر الناس من العذاب إن لم يؤمنوا، والمعنى: قم من مضجعك واترك التدثر ~~بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله عز وجل له. # وثالثها: أن الوليد بن المغيرة وأبا جهل وأبا لهب والنضر بن الحارث ~~اجتمعوا وقالوا: إن وفود العرب يجتمعون في أيام الحج وهم يسألون عن أمر ~~محمد وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون وقائل ساحر وقائل ~~كاهن، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد فيستدلون باختلاف ~~الأجوبة على أنها أجوبة باطلة سموا محمدا باسم واحد تجتمعون عليه وتسميه ~~العرب به، فقام رجل منهم فقال: إنه شاعر، فلما سمع صلى الله عليه وسلم ذلك ~~اشتد عليه ورجع إلى بيته محزونا فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: {يا أيها ~~المدثر} . # وقيل: ms3905 إنه ليس المراد التدثر بالثياب وعلى هذا ففيه وجوه أيضا: # أحدها: قال عكرمة: المعنى: يا أيها المدثر بالنبوة والرسالة من قولهم ~~ألبسه الله لباس التقوى وزينه برداء العلم. قال ابن العربي: # PageV04P425 # وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن نبيا بعد أي: على القول بأنها أول سورة نزلت ~~وأما على أنها نزلت بعد فترة الوحي فليس ببعيد. # وثانيها: أن المدثر بالثوب يكون كالمختفي فيه، وهو صلى الله عليه وسلم ~~كان في جبل حراء كالمختفي من الناس فكأنه قال: يا أيها المدثر بدثار ~~الاختفاء قم بهذا الأمر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق ~~والدعوة إلى معرفة الحق. # وثالثها: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين فكأنه قيل له: يا أيها المدثر ~~بأثواب العلم العظيم والخلق الكريم والرحمة الكاملة قم فأنذر عذاب ربك، ~~وعلى كلا القولين في ندائه ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه ~~بحاله وعبر عنه بصفته ولم يقل: يا محمد. # {وربك} أي: خاصة {فكبر} أي: عظمه عما يقول عبدة الأوثان وصفه بأنه أكبر ~~من أن تكون له صاحبة أو ولد، وفي الحديث أنهم قالوا بم تفتتح الصلاة؟ فنزل ~~{وربك فكبر} أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي ~~بعمومه تكبير الصلاة، فإنه يرادفه تكبير التقديس والتنزيه بخلع الأنداد ~~والأصنام دونه ولا يتخذ وليا غيره ولا يعبد سواه. # وروي أن أبا سفيان قال يوم أحد: اعل هبل وهو اسم صنم كان لهم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم قولوا الله أعلى وأجل، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في ~~تكبير العبادات كلها أذانا وصلاة وذكرا يقول: الله أكبر، وحمل عليه لفظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم الوارد على الإطلاق مواردها منها قوله: «تحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم» ، والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعزمه. ومن ~~موارده أوقات الإهلال بالله تعالى تخليصا له من الشرك وإعلاما باسمه بالنسك ~~وإفرادا لما شرع من أمره بالنسك، والمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~التكبير في الصلاة هو لفظ الله أكبر. # وقال ms3906 المفسرون: لما نزل قوله تعالى {وربك فكبر} قام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال: «الله أكبر» فكبرت خديجة رضي الله تعالى عنها وفرحت وعلمت أنه ~~وحي من الله تعالى» ذكره القشيري، وقال مقاتل: هو أن يقال الله أكبر وقيل: ~~المراد منه التكبير في الصلاة، واستشكل ذلك على القول بأنها أول سورة نزلت، ~~فإن الصلاة لم تكن فرضت. وأجيب: بأنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان له ~~صلوات تطوع فأمر أن يكبر فيها. # تنبيه: دخلت الفاء في قوله تعالى {فكبر} وفيما بعده لإفادة معنى الشرط ~~كأنه قيل: وما يكن فكبر ربك أو للدلالة على أن المقصود الأول من الأمر ~~بالقيام أن يكبر ربه عن الشرك والتشبيه، فإن أول ما يجب معرفة الصانع، وأول ~~ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه والقوم كانوا مقرين به. # {وثيابك فطهر} أي: من النجاسات لأن طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة لا ~~تصح إلا بها وهي الأولى والأحب في غير الصلاة، وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل ~~خبثا. قال الرازي: إذا حملنا التطهير على حقيقته ففي الآية ثلاث احتمالات: # الأول: قال الشافعي: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ~~ثياب طاهرة من الأنجاس. # وثانيها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاء شاة فشق ~~عليه، فرجع إلى بيته حزينا وتدثر في ثيابه صلى الله عليه وسلم فقيل: {يا ~~أيها المدثر قم فأنذر} ولا تمنعك تلك الشناعة عن الإنذار {وربك فكبر} على ~~أن لا يتنقم منهم {وثيابك فطهر} عن تلك النجاسات والقاذورات. # وثالثها: قال عبد الرحمن بن زيد بن # PageV04P426 # أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى أن ~~يصون ثيابه عنها. # وقيل: هو أمر بتقصيرها ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب وجرهم الذيول، ~~وذلك مما لا يؤمن معه إصابة النجاسة. قال صلى الله عليه وسلم «إزار المؤمن ~~إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ~~ذلك ففي النار» فجعل صلى الله عليه وسلم الغاية ms3907 في لباس الإزار الكعب وتوعد ~~على ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أذيالهم ويطيلون ثيابهم، ثم ~~يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر وقال صلى الله عليه وسلم «لا ينظر ~~الله إلى من جر ثوبه خيلاء» وفي رواية «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله ~~إليه يوم القيامة» . قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إن أحد شقي ~~إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«لست ممن يصنعه خيلاء» . # وقيل: هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال، ويستهجن من العادات. ~~يقال فلان طاهر الثياب وطاهر الجيب والذيل إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ~~ومدانس الأخلاق، وفلان دنس الثياب للغادر وذلك لأن الثوب يلابس الإنسان ~~ويشتمل عليه فكني به عنه ألا ترى إلى قولهم: أعجبني زيد ثوبه كما تقول: ~~أعجبني زيد عقله وخلقه، ويقولون: المجد في ثوبه والكرم تحت حلته، ولأن ~~الغالب أن من طهر باطنه ونقاه عني بتطهير الظاهر وتنقيته، وأبى إلا اجتناب ~~الخبيث وإيثار الطهر في كل شيء. وقال عكرمة: سئل ابن عباس رضي الله عنهما ~~عن قوله تعالى: {وثيابك فطهر} فقال: لا تلبسها على معصية ولا على غدر ثم ~~قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: # *وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من عنده أتقنع* # والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء طاهر الثياب، ويقولون لمن غدر ~~إنه لدنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على غدر ولا على ظلم ولا على ~~إثم البسها وأنت بر طاهر. وقال الحسن والقرطبي: وخلقك فحسن. وقال سعيد بن ~~جبير: وقلبك وبيتك فطهر. وقال مجاهد وابن زيد: وعملك فأصلح. وروى منصور عن ~~أبي رزين قال: يقول: وعملك أصلح. قال: وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا: إن ~~فلانا نجس الثياب. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «يحشر المرء في ثوبيه ~~اللذين مات عليهما يعني عمله الصالح والطالح» ذكره الماوردي. وقيل: المراد ~~بالثياب الأهل أي: طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب والعرب ms3908 تسمي الأهل ~~ثوبا ولباسا وإزارا. قال تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} (البقرة: ~~187) # وقيل: المراد به الدين أي: ودينك فطهر جاء في الصحيح أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال: «رأيت الناس وعليهم ثياب منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك ~~ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجره قالوا: يا رسول الله، فما أولت ذلك؟ ~~قال: الدين» . # وقوله تعالى: {والرجز} فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالأوثان {فاهجر} ~~أي: دم على هجره. وقيل: الزاي فيه منقلبة من السين والعرب تعاقب بين السين ~~والزاي لقرب مخرجيهما دليل هذا التأويل قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان} (الحج: 30) # وروي عن ابن عباس أن معناه: اترك المآثم، وقرأ حفص بضم الراء والباقون ~~بكسرها، وهما لغتان ومعناهما واحد، وقال أبو العالية: الرجز بضم الراء ~~الصنم # PageV04P427 # وبالكسر النجاسة والمعصية، وقال الضحاك: يعني الشرك. وقال الكلبي: يعني ~~العذاب. قال البغوي: ومجاز الآية اهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال. # وقوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} مرفوع منصوب المحل على الحال أي: لا تعط ~~مستكثرا رائيا لما تعطيه كثيرا واجعله خالصا لله تعالى ولا تطلب عوضا أصلا، ~~ومعنى تستكثر أي: طالبا للكثرة كارها أن ينقص المال بسبب العطاء، فيكون ~~الاستكثار هنا عبارة عن طلب العوض كيف كان ليكون عطاؤه صلى الله عليه وسلم ~~خاليا عن انتظار العوض والتفات النفس إليه. وقيل: لا تعط شيئا طالبا للكثير ~~نهى عن الاستقرار وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يعوض من الموهوب له أكثر من ~~الموهوب وهذا جائز ومنه الحديث: «المستكثر يثاب من هبته» وفيه وجهان: ~~أحدهما: أن يكون نهيا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر الآية؛ ~~لأن الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق والثاني: أنه نهي تنزيه ~~لا تحريم له ولأمته. وقيل: إنه تعالى لما أمره بأربعة أشياء: إنذار القوم ~~وتكبير الرب وتطهير الثياب وهجر الرجز. # ثم قال: {ولا تمنن تستكثر} أي: لا تمنن على ربك بهذه الأعمال الشاقة ~~كالمستكثر لما تفعله {ولربك فاصبر} أي: على ms3909 الأوامر والنواهي متقربا بذلك ~~إليه غير ممتن به عليه. وقال الحسن: بحسناتك تستكثرها. وقال ابن عباس: ولا ~~تعط عطية ملتمسا بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر ~~الدين والوحي مستكثرا بذلك الإنعام، فإنك إنما فعلت ذلك بأمر الله تبارك ~~وتعالى فلا منة لك به عليهم. # ولهذا قال تعالى: {ولربك فاصبر} وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك لتستكثر أي: ~~لا تأخذ منهم أجرا على ذلك تستكثر به مالك، وقال مجاهد والربيع: لا تعظم ~~عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله تعالى به عليك. وقال ~~ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك إنما عملك منة من الله تعالى عليك ~~إذ جعل لك الله تعالى سبيلا إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم: إذا أعطيت عطية ~~فأعطها لربك لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به ~~الناس. # ولما ذكر تعالى ما يتعلق بإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعده وعيد ~~الأشقياء بقوله تعالى: # {س74ش8/ش17 فإذا نقر فى الناقور * فذالك يوم??ذ يوم عسير * على الكافرين ~~غير يسير * ذرنى ومن خلقت وحيدا * وجعلت له? ما? ممدودا * وبنين شهودا * ~~ومهدت له? تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * ك?? إنه? كان ?ياتنا عنيدا * سأرهقه? ~~صعودا} # {فإذا نقر} أي: نفخ {في الناقور} أي: في الصور وهو القرن النفخة الثانية ~~فاعول من النقر أي: من التصويت وأصله القرع الذي هو سبب الصوت والفاء ~~للسببية كأنه قال تعالى: اصبر على زمان صعب تلقى فيه عاقبة صبرك وأعداؤك ~~عاقبة ضرهم. # وإذا ظرف لما دل عليه قوله تعالى: {فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين} ~~لأن معناه: عسر الأمر على الكافرين وذلك إشارة إلى وقت النقر وهو مبتدأ ~~خبره يوم عسير ويومئذ بدل أو ظرف لخبره إذ التقدير فذلك الوقت وقوع يوم ~~عسير وقرأ على الكافرين وأصحاب النار أبو عمرو والدوري عن الكسائي بالإمالة ~~محضة، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح. # ولما كان العسر قد يطلق على الشيء وفيه يسر من ms3910 بعض الجهات أو يعالج فيرجع ~~يسيرا بين أنه ليس كذلك بقوله تعالى: {غير يسير} فجمع فيه بين إثبات الشيء ~~ونفي ضده تحقيقا لأمره ودفعا للمجاز عنه، وتقييده بالكافرين يشعر بيسره على ~~المؤمنين فإنهم لا يناقشون الحساب ويحشرون بيض الوجوه ثقال الموازين. قال ~~الرازي: ويحتمل أنه عسير على المؤمنين والكافرين إلا أنه على # PageV04P428 # الكافرين أشد. # تنبيه: قال الحليمي: سمي الصور باسمين فإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان ~~فإن نفخة الإصعاق بخلاف نفخة الإحياء. # وجاء في الأخبار أن في الصور ثقبا بعدد الأرواح كلها وأنها تجمع في تلك ~~الثقب في النفخة الثانية فتخرج عند النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي ~~نزعت منه فيعود الجسد حيا بإذن الله تعالى. # {ذرني} أي: اتركني على أي حالة اتفقت {ومن خلقت} معطوف على المفعول أو ~~مفعول معه. # وقوله تعالى: {وحيدا} فيه أوجه: أحدها: أنه حال من الياء في ذرني أي: ~~ذرني وحدي معه فأنا أكفيك في الانتقام منه، الثاني: أنه حال من التاء في ~~خلقت أي: خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه، الثالث: أنه حال من ~~عائد المحذوف أي: خلقته وحيدا، فوحيدا على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف ~~أي: خلقته في بطن أمه وحيدا لا مال له ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما ~~أعطيته، قاله مجاهد. الرابع: أن ينتصب على الذم لأنه يقال: إن وحيدا كان ~~لقبا للوليد بن المغيرة المخزومي ومعنى وحيدا: ذليلا قيل: إنه كان يزعم أنه ~~وحيد في فضله وماله وليس في ذلك ما يقتضي صدق مقالته لأن هذا اللقب له شهرة ~~به، وقد يلقب الإنسان بما لا يتصف به وإذا كان لقبا تعين نصبه على الذم. ~~قال ابن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ~~ولا لأبي المغيرة نظير. # قال الرازي: ورد هذا القول بعضهم بأنه تعالى لا يصدقه في دعواه تلك بأنه ~~وحيد لا نظير له ذكره الواحدي وهو ضعيف من وجوه ثلاثة: لأنه قد يكون الوحيد ms3911 ~~علما فيزول السؤال لأن اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة بل هو قائم مقام ~~الإشارة. الثاني: أن يكون ذلك بحسب ظنه واعتقاده كقوله عز وجل {ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم} (الدخان: 49) # . الثالث: أنه وحيد في كفره وعناده وخبثه لأن لفظ الوحيد ليس فيه أنه ~~وحيد في العلو والشرف. الرابع: قال أبو سعيد: الوحيد الذي لا أب له كما ~~تقدم في الزنيم. # {وجعلت له} أي: بأسباب أوجدتها أنا وحدي لا بحول منه ولا قوة بدليل أن ~~غيره أقوى منه بدنا وقلبا وأوسع فكرا وعقلا وهو دونه في ذلك {مالا ممدودا} ~~أي: مالا واسعا كثيرا. قال ابن عباس: هو ما كان للوليد بمكة والطائف من ~~الإبل والبقر والغنم والحجور والجنان والعبيد والجواري، واختلفوا في مبلغه ~~فقال مجاهد وسعيد بن جبير: ألف دينار. وقال قتادة: ستة آلاف دينار. وقال ~~سفيان الثوري: مرة أربعة آلاف دينار ومرة ألف ألف دينار وقال ابن عباس: ~~تسعة آلاف مثقال فضة وقال الرازي: الممدود هو الذي يكون له مدد يأتي منه ~~الجزء بعد الجزء دائما ولذلك فسره عمر غلة شهر بشهر. وقال النعمان: الممدود ~~بالزيادة كالزروع والضروع وأنواع التجارات وقال مقاتل: كان له بستان ~~بالطائف لاتنقطع ثماره شتاء ولا صيفا. # {وبنين} أي: وجعلت له بنين {شهودا} أي: حضورا معه لغناهم عن الأسفار ~~بكثرة المال وانتشار الخدم وقوة الأعوان وهم مع حضورهم في الذروة من الحضور ~~بتمام العقل وقوة الحذق، فهم في غاية المعرفة ومع ذلك فهم أعيان المجالس ~~وصدور المحافل كأنه لا شاهد به غيرهم. قال مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. وقال ~~السدي والضحاك: كانوا اثني عشر رجلا، وعن الضحاك سبعة ولدوا بمكة وخمسة ~~بالطائف. وقال مقاتل: كانوا سبعة ولعله اقتصر على من ولد بمكة وعلى كل قول ~~أسلم منهم ثلاثة خالد الذي # PageV04P429 # من الله تعالى على المسلمين بإسلامه فكان سيف الله وسيف رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وهشام وعمارة. # {ومهدت} أي: بسطت {له} العيش والعمر والولد، والتمهيد عند العرب التوطئة ~~والتهيئة ومنه مهد الصبي. وقال ابن عباس: ms3912 أي: وسعت له ما بين اليمن إلى ~~الشام وعن مجاهد أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش فلم يرع هذه ~~النعمة العظيمة.l # وقوله تعالى {تمهيدا} تأكيد. # {ثم} أي: بعد الأمر العظيم الذي ارتكبه من تكذيب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {يطمع} أي: بغير سبب يدلي به مما جعلناه سبب المزيد من الشكر {أن ~~أزيد} أي: فيما آتيته في دنياه أو في آخرته وهو يكذب رسولنا صلى الله عليه ~~وسلم وقال الحسن: ثم يطمع أن أحله الجنة. # وكان الوليد يقول: إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي، فقال الله ~~تعالى ردا عليه وتكذيبا له {كلا} أي: وعزتنا وجلالنا لا تكون له زيادة على ~~ذلك أصلا، وأما النقصان فسيرى إن استمر على تكذيبه فليرتدع عن هذا الطمع ~~ولينزجر وليرتجع، فإنه حمق محض وزخرف بحت وغرور صرف، قالوا: فما زال الوليد ~~بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك فقيرا. # تنبيه: كلا قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة فيكون متصلا بالكلام ~~الأول وقيل: كلا بمعنى حقا. # ويبتدأ بقوله تعالى {إنه} أي: هذا الموصوف {كان} أي: بخلق كأنه جبلة له ~~وطبع لا يقدر على الانفكاك عنه {لآياتنا} على ما لها من العظمة خاصة لكونها ~~هادية إلى الوحدانية لا إلى غيرها من الشبه القائدة إلى الشرك {عنيدا} قال ~~قتادة: أي: جاحدا. وقال مقاتل: معرضا. وقال مجاهد: إنه المجانب للحق. وجمع ~~العنيد عند، مثل رغيف ورغف والعنيد بمعنى المعاند، والعناد كما قال الملوي ~~من كبر في النفس ويبس في الطبع وشراسة في الأخلاق أو خبل في العقل، وقد جمع ~~ذلك كله إبليس لعنه الله تعالى لأنه خلق من نار وهي من طبعها اليبوسة وعدم ~~الطواعية. # تنبيه: في الآية إشارة إلى أن الوليد كان معاندا في أمور كثيرة منها أنه ~~كان يعاند في دلائل التوحيد وصحة النبوة وصحة البعث، ومنها أن كفره كان ~~عنادا لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها بلسانه. وكفر العناد أفحش ~~أنواع الكفر، ومنها ms3913 أن قوله تعالى كان يدل على أن هذه حرفته من قديم ~~الزمان. # {سأرهقه} أي: أكلفه {صعودا} أي: مشقة من العذاب لا راحة له فيها. وروى ~~الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه جبل من نار يتصعد ~~فيه سبعين خريفا ثم يهوي» وفي رواية أنه «كلما وضع يده في معالجة الصعود ~~ذابت فإذا رفعها عادت وكذا رجله» وقال الكلبي: إنه صخرة ملساء في النار ~~يكلف أن يصعدها يجذب من أمامه بسلاسل الحديد ويضرب من خلفه بمقامع الحديد ~~فيصعدها في أربعين عاما فإذا بلغ ذروتها أسقط إلى أسفلها ثم يكلف أن يصعدها ~~فذلك دأبه أبدا. # {س74ش18/ش30 إنه? فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ~~ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هاذآ إs سحر يؤثر * إن هاذآ إs ~~قول البشر * سأصليه سقر * ومآ أدر?اك ما سقر * تبقى وتذر * لواحة للبشر * ~~عليها تسعة عشر} # أي: هذا العنيد {فكر} أي: ردد فكره وأداره تابعا لهواه لأجل الوقوع على ~~شيء يطعن به في القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم {وقدر} أي: أوقع تقدير ~~الأمور التي يطعن بها وقاسها في نفسه لعلمه أنها أقرب إلى القبول وذلك أن ~~الله تعالى لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم {حم تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم} إلى قوله تعالى: {المصير} (غافر: 2 3) # قام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه ~~يسمع قراءته، فلما فطن النبي # PageV04P430 # صلى الله عليه وسلم لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية فانطلق الوليد حتى ~~أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من ~~كلام الإنس ولا من كلام الجن إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه ~~لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله فقالت ~~قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأن قريش كلهم. فقال أبو جهل: أنا ~~أكفيكموه فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينا، فقال له ms3914 الوليد: ما لي أراك ~~حزينا يا ابن أخي؟ قال: وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة ~~يعينونك على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد وأنك داخل على ابن أبي ~~كبشة وابن أبي قحافة تسأل من فضل طعامهم فغضب الوليد وقال: ألم تعلم أني من ~~أكثرهم مالا وولدا، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم فضل، ثم قام ~~مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه ~~يخنق قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه قط تكهن؟ ~~فقالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط؟ ~~قالوا: اللهم لا. قال: تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ ~~قالوا: اللهم لا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين قبل ~~النبوة من صدقه، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في نفسه وقدر ما أسر» . # قال الله تعالى: {فقتل} أي: هلك وطرد ولعن في دنياه هذه {كيف قدر} أي: ~~على أي: كيفية أوقع تقديره هذا. # {ثم قتل} أي: هلك ولعن هذا العنيد هلاكا ولعنا هو في غاية العظمة فيما ~~بعد الموت في البرزخ والقيامة. {كيف قدر} فثم للدلالة على أن الثانية أبلغ ~~من الأولى ونحوه قوله: # *ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي* # ومعنى قول القائل قتله الله ما أشجعه وأخزاه الله ما أشعره للإشعار بأنه ~~قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد، ويدعو عليه حاسده بذلك. وأما ثم ~~المتوسطة بين الأفعال التي بعدها فهي للدلالة على أنه تأنى في التأمل وتمهل ~~وكان بين الأفعال المتناسقة تراخ وتباعد. # وقوله تعالى: {ثم نظر} عطف على فكر وقدر والدعاء اعتراض بينهما والنظر ~~إما في وجوه قومه وإما فيما يقدح به في القرآن. # {ثم عبس} أي: قبض وجهه وكلحه ونظر مع تقبض جلد وما بين العينين بكراهة ~~شديدة كالمهتم للتفكر في شيء وهو لا يجد فيه فرجا لأنه ضاقت عليه الحيل ~~لكونه لم يجد فيما ms3915 جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مطعنا. وقيل: عبس وجهه ~~في وجوه المؤمنين، وذلك أنه لما قال لقريش: إن محمدا ساحر مر على جماعة من ~~المسلمين، فدعوه إلى الإسلام فعبس في وجوههم. وقيل: عبس على النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين دعاه {وبسر} أي: زاد في القبض والكدح، يقال: وجه باسر، أي: ~~منقبض أسود كالح متغير اللون قاله قتادة. # {ثم} أي: بعد هذا التروي العظيم {أدبر} أي: عما أداه إليه فكره من ~~الإيمان بسلامة المنظور فيه وعلوه عن المطاعن فحاد عن وجوه الأفكار إلى ~~أقفيتها {واستكبر} أي: أوجد الكبر عن الاعتراف بالحق إيجاد من هو في غاية ~~الرغبة فيه. # {فقال} أي: عقب ما جره إليه طبعه الخبيث من إيقاع الكبر على هذا الوجه ~~لكونه رآه نافعا لهم في الدنيا {إن} أي: ما {هذا} أي: الذي أتى به محمد صلى ~~الله عليه وسلم {إلا سحر} أي: أمور تخييلية لا حقائق لها وهي لدقتها بحيث ~~تخفى أسبابها، أما رأيتموه يفرق # PageV04P431 # بين الرجل وأهله وماله وولده ومواليه، فما هو إلا سحر {يؤثر} أي: من شأنه ~~أن ينقله السامع عن غيره، فهو ينقله من مسيلمة وأهل بابل كما قال: # {إن} أي: ما {هو} أي: القرآن {إلا قول البشر} أي: ليس فيه شيء عن الله ~~تعالى فلا يغتر أحد به ولا يعرج عليه فارتج النادي فرحا، ثم تفرقوا معجبين ~~بقوله متعجبين منه قيل: وهذا شبيه بما قال بعضهم: # *لو قيل كم خمس وخمس لاغتدى ... يوما وليلته يعد ويحسب* # *ويقول معضلة عجيب أمرها ... ولئن فهمت لها لأمري أعجب* # *خمس وخمس ستة أو سبعة ... قولان قالهما الخليل وثعلب # ... * # فكان قوله هذا سبب هلاكه فكان كما قال بعضهم: # *احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان* # *كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان* # وقوله تعالى: {سأصليه} أي: أدخله {سقر} أي: جهنم بوعد لا بد منه عن قريب ~~بدل من {سأرهقه صعودا} . # وقوله تعالى: {وما أدراك ما سقر} تعظيم لشأنها. # وقوله تعالى: {لا تبقي ولا ms3916 تذر} بيان لذلك أو حال من سقر، والعامل فيها ~~معنى التعظيم، والمعنى: لا تبقي شيئا يلقى فيها إلا أهلكته، فإذا أهلكته لم ~~تذره هالكا حتى يعاد أو لا تبقي على شيء ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح ~~فيها هالك لا محالة، وسميت سقر من سقرته الشمس إذا أذابته، ولا تنصرف ~~للتعريف والتأنيث. قال ابن عباس: سقر اسم للطبقة السادسة، فإن درك النار ~~سبعة جهنم ولظى والحطمة والسعير والجحيم وسقر والهاوية. # {لواحة} من لوح الهجير قال: # *تقول ما لاحك يا مسافر ... يا ابنة عمي لاحني الهواجر # {للبشر} أي: محرقة لظاهر الجلد فتدعه أشد سوادا من الليل قال تعالى: ~~{تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون} (المؤمنون: 104) # والبشر أعالي البشرة وهو جمع بشرة وجمع البشر أبشار. وعن الحسن: تلوح ~~للناس كقوله تعالى: {ثم لترونها عين اليقين} (التكاثر: 7) # وقيل: اللوح شدة العطش يقال: لاحه العطش ولوحه، أي: غيره. وقال الأخفش: ~~والمعنى: أنها معطشة للبشر، أي: لأهلها وأنشد: # *سقتني على لوح من الماء شربة ... سقاها من الله الرهام النواديا* # يعني باللوح شدة العطش والرهام جمع رهمة بالكسر وهي المطرة الضعيفة، ~~وأرهمت السحابة أتت بالرهام. # {عليها تسعة عشر} أي: من الملائكة وهم خزنتها مالك ومعه ثمانية عشر، ~~وقيل: التسعة عشر نقباء. وقال أكثر المفسرين: تسعة عشر ملكا بأعيانهم. ~~وقيل: تسعة عشر ألف ملك. قال ابن جريج: نعت النبي صلى الله عليه وسلم خزنة ~~جهنم فقال: «أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي، وأشعارهم تمس أقدامهم ~~يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم ~~الرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم» . قال عمرو بن ~~دينار: إن واحدا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. ~~قال ابن الأثير: الصياصي قرون البقر. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت هذه الآية قال # PageV04P432 # أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة النار ~~تسعة عشر وأنتم الدهم يعني الشجعان أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا ms3917 بواحد من ~~خزنة جهنم؟ فقال أبو الأشد بن كلدة بن خلف الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة ~~عشر، عشرة على ظهري وسبعة على بطني فاكفوني أنتم اثنين. وروي أنه قال: أنا ~~أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وسبعة بمنكبي الأيسر ~~في النار، ونمضي فندخل الجنة، فأنزل الله عز وجل: # {وما جعلنا} أي: لنا من العظمة وإن خفي وجه العظمة فيه على من عمي قلبه ~~{أصحاب النار} أي: خزنتها {إلا ملائكة} أي: لم نجعلهم رجالا فتغالبوهم ~~وإنما جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنسي الفريقين من الجن والإنس فلا يأخذهم ما ~~يأخذ المجانس من الرحمة والرأفة ولأنهم أشد بأسا وأقوى بطشا فقوتهم أعظم من ~~قوة الإنس والجن ولذلك جعل الرسول إلى البشر من جنسهم ليكون له رأفة ورحمة ~~بهم. # فإن قيل: ثبت في الأخبار أن الملائكة مخلوقون من النور فكيف تطيق المكث ~~في النار؟ أجيب: بأن الله تعالى قادر على كل الممكنات فكما أنه لا استبعاد ~~في أنه يبقى الحي في مثل ذلك العذاب الشديد أبد الآباد ولا يموت، فكذا لا ~~استبعاد في إبقاء الملائكة هناك من غير ألم. # {وما جعلنا} أي: بما لنا من العظمة {عدتهم} أي: مذكورة ومحصورة {إلا ~~فتنة} أي: بلية {للذين كفروا} وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ضلالة وفتنة ~~مفعول ثان على حذف مضاف أي: إلا سبب فتنة وللذين صفة الفتنة وليست فتنة ~~مفعولا له. وقول البيضاوي وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم وهو ~~التسعة عشر تبعا للزمخشري، قال أبو حيان: إنه تحريف لكتاب الله إذ زعم أن ~~معنى إلا فتنة للذين كفروا إلا تسعة عشر وهذا لا يذهب إليه عاقل ولا من له ~~أدنى ذكاء. # وقال الرازي: إنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين: الأول: أن ~~الكفار يستهزئون ويقولون لم لا يكونون عشرين، وما المقتضي لتخصيص هذا ~~العدد. والثاني: أن الكفار يقولون هذا العدد القليل كيف يكونون وافين ~~بتعذيب أكثر العالم من الجن والإنس من أول ما خلق الله إلى قيام ms3918 الساعة؟ # وأجيب: عن الأول بأن هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض، وعن الثاني بأنه ~~لا يبعد أن الله تعالى يرزق ذلك العدد القليل قوة تفي بذلك، فقد اقتلع ~~جبريل عليه السلام مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ورفعها إلى السماء حتى سمع ~~أهل السماء صياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، وأيضا فأحوال القيامة ~~لا تقاس بأحوال الدنيا ولا للعقل فيها مجال. وذكر أرباب المعاني في تقرير ~~هذا العدد وجهين: # أحدهما: ما قاله أرباب الحكمة إن سبب فساد النفس الإنسانية في قوتها ~~النظرية والعملية هو القوى الحيوانية والطبيعية، فالقوى الحيوانية هي ~~الخمسة الظاهرة والخمسة الباطنة والشهوة والغضب فهذه اثنا عشر، وأما القوى ~~الطبيعية فهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية ~~والمولدة، فالمجموع تسعة عشر فلما كانت هذه منشآت لا جرم كان عدد الزبانية ~~هكذا. # ثانيهما: أن أبواب جهنم سبعة فستة منها للكفار وواحد للفساق، ثم إن ~~الكفار يدخلون النار لأمور ثلاثة: ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل ~~فيكون لكل باب من تلك الأبواب الستة ثلاثة فالمجموع ثمانية عشر، وأما باب ~~الفساق # PageV04P433 # فليس هناك إلا ترك العمل فالمجموع تسعة عشر مشغولة بغير العبادة فلا جرم ~~صار عدد الزبانية تسعة عشر. # وقوله تعالى: {ليستيقن الذين} متعلق بجعلنا لا بفتنة. وقيل: بفعل مضمر ~~أي: فعلنا ذلك ليستيقن الذين {أوتوا الكتاب} أي: أعطوا التوراة والإنجيل، ~~فإنه مكتوب فيهما إنه تسعة عشر، فذلك موافقة لما عندهم {ويزداد الذين ~~آمنوا} أي: من أهل الكتاب {إيمانا} أي: تصديقا لموافقة النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما في كتبهم {ولا يرتاب} أي: يشك {الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون} في ~~عددهم. # فإن قيل: قد أثبت الاستيقان لأهل الكتاب وزيادة الإيمان للمؤمنين فما ~~فائدة {ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون} ؟ أجيب: بأن الإنسان إذا ~~اجتهد في أمر غامض دقيق الحجة كثير الشبه، فحصل له اليقين فربما غفل عن ~~مقدمة من مقدمات ذلك الدليل الدقيق فيعود الشك فإثبات اليقين في بعض ~~الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك، ففائدة هذه الجملة نفي ms3919 ذلك الشك، ~~وإنه حصل لهم يقين جازم لا يحصل عقبه شك البتة. # {وليقول الذين في قلوبهم مرض} أي شك ونفاق وإن قل ونزول هذه السورة قبل ~~وجود المنافقين فهو علم من أعلام النبوة فإنه إخبار بمكة عما سيكون ~~بالمدينة بعد الهجرة ولا ينكر جعل الله تعالى بعض الأمور علة إصلاح ناس ~~وفساد آخرين؛ لأنه لا يسأل عما يفعل على أن العلة قد تكون مقصودة لشيء ~~بالقصد الأول ثم يترتب عليها شيء آخر يكون قصده بالقصد الثاني تقول خرجت من ~~البلد لمخافة الشر ومخافة الشر لا يتعلق بها الغرض. # {والكافرون} أي: ويقول الراسخون في الكفر الجازمون بالتكذيب الساترون لما ~~دلت عليه الأدلة من الحق {ماذا} أي: أي شيء {أراد الله} أي: الملك الذي له ~~جميع العظمة {بهذا} أي: العدد القليل في جنب عظمته {مثلا} قال الجلال ~~المحلي: سموه لغرابته بذلك، وأعرب حالا. وقال الليث: المثل الحديث ومنه ~~{مثل الجنة التي وعد المتقون} (الرعد: 35) # أي: حديثها والخبر عنها. وقال الرازي: إنما سموه مثلا لأنه لما كان هذا ~~العدد عددا عجيبا ظن القوم أنه ربما لم يكن مراد الله تعالى منه ما أشعر به ~~ظاهره، بل جعله مثلا لشيء آخر وتنبيها على مقصود آخر لا جرم سموه مثلا على ~~سبيل الاستعارة لأنهم لما استغربوه ظنوا أنه ضرب مثلا لغيره، ومثلا تمييز ~~أو حال وتسمية هذا مثلا على سبيل الاستعارة لغرابته. # ولما كان التقدير أراد بهذا إضلال من ضل وهو لا يبالي وهداية من اهتدى ~~وهو لا يبالي كان كأنه قيل: هل يفعل مثل ذلك في غير هذا فقال تعالى: {كذلك} ~~أي: مثل هذا المذكور من الإضلال والهداية {يضل الله} أي: الذي له مجامع ~~العظمة ومعاقد العز {من يشاء} بأي كلام شاء، كإضلال الله تعالى أبا جهل ~~وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم {ويهدي} بقدرته التامة {من يشاء} بنفس ذلك ~~الكلام أو بغيره كهداية أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الآية تدل على ~~مذهب أهل السنة لأنه تعالى قال في أول الآية {وما جعلنا عدتهم ms3920 إلا فتنة ~~للذين كفروا} الخ، ثم قال تعالى: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} . # {وما يعلم جنود ربك} أي: المحسن إليك بأنواع الإحسان المدبر لأمرك {إلا ~~هو} أي: الله سبحانه وتعالى. قال مقاتل رضي الله عنه: وهذا جواب لأبي جهل ~~حيث قال: ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر. وقال مجاهد رضي الله عنه: {وما يعلم ~~جنود ربك} يعني: من الملائكة الذين خلقهم # PageV04P434 # لتعذيب أهل النار، ولا يعلم عدتهم إلا الله تعالى. # والمعنى: أن تسعة عشر هم خزنة النار ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ~~ما لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، ولو أراد لجعل الخزنة أكثر من ذلك، فقد ~~روي أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا تعود لهم ~~نوبة أخرى. وروي أن الأرض في السماء كحلقة ملقاة في فلاة، وكل سماء في التي ~~فوقها كذلك، وورد في الخبر: أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع ~~أصابع وفي رواية موضع قدم إلا وفيه ملك قائم يصلي وفي رواية ساجد وإنما خص ~~هذا العدد لحكم لا يعلمها إلا هو. # ثم رجع إلى ذكر سقر فقال تعالى: {وما هي} أي: النار التي هي من أعظم ~~جنوده {إلا ذكرى للبشر} أي: ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله وأنه سبحانه ~~لا يحتاج إلى أعوان وأنصار، وللبشر مفعول بذكرى واللام فيه مزيدة، وقرأ أبو ~~عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة. وقرأ ورش بين بين، والباقون بالفتح. ~~وقوله تعالى: # {س74ش32/ش47 كs والقمر * واليل إذ أدبر * والصبح إذآ أسفر * إنها ?حدى ~~الكبر * نذيرا للبشر * لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر * كل نفس? بما كسبت ~~رهينة? * إ? أصحاب اليمين * فى جنات يتسآءلون * عن المجرمين * ما سلككم فى ~~سقر * قالوا? لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع ~~الخآ??ضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى? أت?انا اليقين} # {كلا} ردع لمن أنكرها أو إنكار لأن يتذكروا بها قاله البيضاوي. وقال ~~البغوي: هذا قسم يقول حقا. وقال الجلال المحلي: استفتاح بمعنى ms3921 إلا {والقمر} ~~أي: الذي هو آية الليل الهادية من ضل بظلامه. # {والليل إذ أدبر} أي: مضى فانقلب راجعا من حيث جاء فانكشف ظلامه، وقرأ ~~نافع وحمزة وحفص بسكون الذال المعجمة والدال المهملة بعدها وهمزة قطع ~~مفتوحة بين المعجمة والمهملة الساكنين، والباقون بفتح الذال المعجمة وبعدها ~~ألف وفتح المهملة بعد الألف، فالقراءة الأولى إذ أدبر والثانية إذا دبر ~~وكلاهما لغة. يقال: دبر الليل وأدبر إذا ولى مدبرا ذاهبا. قال أبو عمرو: ~~ودبر لغة قريش، وقال قطرب: دبر أي: أقبل، تقول العرب دبرني فلان أي: جاء ~~خلفي فالليل يأتي خلف النهار. # وقوله تعالى: {والصبح إذا أسفر} أي: أضاء وتبين. # وقوله تعالى: {إنها لإحدى الكبر} جواب للقسم أو تعليل لكلا، والقسم معترض ~~للتوكيد، والكبر جمع الكبرى جعلت ألف التأنيث كتائها، فلما جمعت فعلة على ~~فعل جمعت فعلى عليها. ونظير ذلك القواصع في جمع القاصعاء كأنها جمع فاعلة، ~~أي: لإحدى البلايا والدواهي الكبر. ومعنى كونها إحداهن أنها من بينهن واحدة ~~في العظم لا نظير لها، كما تقول: هو أحد الرجال وهي إحدى النساء. # وقوله تعالى: {نذيرا} تمييز من إحدى على معنى أنها لإحدى الدواهي إنذارا ~~كما تقول هي إحدى النساء عفافا وقيل: هي حال وقيل: هو متصل بأول السورة أي: ~~قم نذيرا {للبشر} قال الزمخشري: وهو من بدع التفاسير. # وقوله تعالى: {لمن شاء} أي: بإرادته {منكم} بدل من البشر {أن يتقدم} أي: ~~إلى الخير أو إلى الجنة بالإيمان {أو يتأخر} أي: إلى الشر أو النار بالكفر. # {كل نفس} أي: ذكر أو أنثى على العموم {بما كسبت} أي: خاصة لا ما كسب ~~غيرها {رهينة} أي: مرهونة مأخوذة وليست بتأنيث رهين في قوله تعالى: {كل ~~امرئ بما كسب رهين} (الطور: 21) # لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين، لأن فعيلا بمعنى مفعول ~~يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم، ~~كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن. # ومنه بيت الحماسة: # *أبعد الذي بالنعف تعف كويكب ... رهينة رمس ذي تراب وجندل* # كأنه قال: ms3922 والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك. # {إلا أصحاب اليمين} وهم المؤمنون # PageV04P435 # فإنهم فكوا رقابهم بإيمانهم وبما أحسنوا من أعمالهم وقيل: هم الملائكة، ~~وروي عن علي أنهم أطفال المسلمين. وقال مقاتل رضي الله عنه: هم أهل الجنة ~~الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق حين قال لهم الله: هؤلاء في الجنة ~~ولا أبالي، وعنه أيضا: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقال الحسن رضي الله ~~عنه: هم المسلمون الخالصون. وقال القاسم: كل نفس مأخوذة بكسبها بخير أو شر ~~إلا من اعتمد على الفضل، فكل من اعتمد على الكسب فهو رهين به، ومن اعتمد ~~على الفضل فهو غير مأخوذ. # ولما أخرجهم من حكم الارتهان الذي أطلق على الإهلاك لأنه سببه استأنف ~~بيان حالهم فقال تعالى: {في جنات} أي: بساتين في غاية العظم لأنهم أطلقوا ~~أنفسهم وفكوا رقابهم فلم يرتهنوا {يتساءلون} أي: فيما بينهم يسأل بعضهم ~~بعضا أو يسألون غيرهم. # {عن المجرمين} أي: عن أحوالهم ويقولون لهم بعد إخراج الموحدين من النار: # {ما} محتملة للاستفهام والتعجب والتوبيخ {سلككم} أي: أدخلكم أيها ~~المجرمون إدخالا هو في غاية الضيق حتى كأنكم السلك في الثقب، وقرأ السوسي ~~بإدغام الكاف في الكاف والباقون بالإظهار {في سقر} . # فأجابوا بأن {قالوا لم نك من المصلين} أي: صلاة يعتد بها فكان هذا تنبيها ~~على أن رسوخ القدم في الصلاة مانع من مثل حالهم وعلى أنهم معاقبون على فروع ~~الشريعة وإن كانت لا تصلح منهم، فلو فعلوها قبل الإيمان لم يعتد بها وعلى ~~أن الصلاة أعظم الأعمال وأن الحسنات بها تقدم على غيرها. # {ولم نك نطعم المسكين} أي: نعطيه ما يجب علينا إعطاؤه له. # {وكنا نخوض} أي: نوجد الكلام الذي هو في غير مواقعه ولا علم لنا به إيجاد ~~المشي من الخائض في ماء غمر {مع الخائضين} بحيث صار لنا هذا وصفا راسخا، ~~فنقول في القرآن: إنه سحر، وإنه شعر، وإنه كهانة، وغير هذا من الأباطيل لا ~~نتورع عن شيء من ذلك ولا نقف مع عقل ولا نرجع إلى ms3923 صحيح نقل، فليأخذ الذين ~~يبادرون إلى الكلام في كل ما يسألون عنه من أنواع العلم من غير تثبت ~~منزلتهم من هنا. # {وكنا نكذب} أي: بحيث صار ذلك وصفا ثابتا {بيوم الدين} أي: بيوم البعث ~~والجزاء. # {حتى أتانا اليقين} أي: الموت أو مقدماته الذي قطعنا عن دار العمل. قال ~~الله تعالى {حتى يأتيك اليقين} (الحجر: 99) # فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أخس الخصال الأربع؟ أجيب: بأنهم بعد اتصافهم ~~بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذبين بيوم الدين، والغرض تعظيم الذنب كقوله ~~تعالى: {كان من الذين آمنوا} . ولما أقروا على أنفسهم بما أوجب العذاب ~~الدائم فكانوا ممن فسد مزاجه فتعذر علاجه سبب عنه قوله تعالى: # {س74ش48/ش56 فما تنفعهم شفاعة الشافعين * فما لهم عن التذكرة معرضين * ~~كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة? * بل يريد كل امرى? منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة * كs? بل s يخافون ا?خرة * ك? إنه? تذكرة * فمن شآء ذكره? * وما ~~يذكرون إ? أن يشآء الله? هو أهل التقوى وأهل المغفرة} # {فما تنفعهم} أي: في حال اتصافهم بهذه الصفات {شفاعة الشافعين} أي: لا ~~شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثم شفاعة غير نافعة. كقوله ~~تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (الأنبياء: 28) # وهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين بمفهمومها؛ لأن ~~تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة ~~الشافعين. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يشفع نبيكم عليه الصلاة ~~والسلام رابع أربعة جبرائيل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم وعليهم أجمعين ثم الملائكة ثم النبيون ثم الصديقون ثم الشهداء، ~~ويبقى قوم في جهنم يقال لهم {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين} إلى ~~قوله تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} . # PageV04P436 # قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: فهؤلاء الذين في جهنم. # {فما لهم عن التذكرة معرضين} أي: فما لأهل مكة قد أعرضوا وولوا عن القرآن ~~قال مقاتل رضي الله عنه: معرضين عن القرآن من ms3924 وجهين: أحدهما: الجحود ~~والإنكار، والثاني: ترك العمل بما فيه، وقيل: المراد بالتذكرة العظة ~~بالقرآن وغيره من المواعظ ومعرضين حال من الضمير في الجار الواقع خبرا عن ~~ما الاستفهامية، ومثل هذه الحال تسمى حالا لازمة، وعن التذكرة متعلق به، ~~أي: أي شيء حصل لهم في إعراضهم عن الاتعاظ. # {كأنهم} في إعراضهم عن التذكرة من شدة النفر {حمر} أي: من حمر الوحش وهي ~~أشد الأشياء نفارا، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل بسرعة السير ~~بالحمر في عدوها إذا وردت ماء فأحست بما يريبها {مستنفرة} أي: موجدة للنفار ~~بغاية الرغبة حتى كأنها تطلبه من أنفسها لأنه شأنها وطبعها، وقرأ ابن عامر ~~ونافع بفتح الفاء على أنه اسم مفعول أي: نفرها القناص والباقون بكسرها ~~بمعنى نافرة. # {فرت من قسورة} قال مجاهد رضي الله عنه: هي جماعة الرماة الذين يتصيدونها ~~لا واحد له من لفظه، وهي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال سعيد بن ~~جبير رضي الله عنه: هو القناص، وعن زيد بن أسلم: فريق من رجال أقوياء. وكل ~~ضخم شديد عند العرب قسور وقسورة، وعن أبي المتوكل هي لغط القوم وأصواتهم. ~~وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: حبال الصيادين. وقال أبو ~~هريرة رضي الله عنه: هي الأسد، وهو قول عطاء والكلبي، وذلك أن الحمر ~~الوحشية إذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ القرآن هربوا، وعن عكرمة رضي الله عنه ظلمة الليل ~~ويقال لسواد الليل قسورة، وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم بين ~~كما في قوله تعالى {كمثل الحمار يحمل أسفارا} (الجمعة: 5) # شهادة عليهم بالبله وقلة العقل. # ولما كان الجواب قطعا لا شيء لهم في إعراضهم هذا أضرب عنه بقوله تعالى: ~~{بل يريد} أي: على دعواهم في زعمهم {كل امرئ منهم} أي: المعرضين من ادعائة ~~الكمال في المروءة {أن يؤتى} أي: من السماء {صحفا} أي: قراطيس مكتوبة ~~{منشرة} أي: مفتوحة، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا ms3925 محمد لن ~~نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: من رب العالمين إلى ~~فلان بن فلان ونؤمر فيه باتباعك ونظيره {لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرؤه} (الإسراء: 93) # وعن ابن عباس رضي الله عنهما كانوا يقولون: إن كان محمد صادقا ليصبح عند ~~رأس كل واحد منا صحيفة فيها براءته من النار. وقال الكلبي رضي الله عنه: إن ~~المشركين قالوا: يا محمد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبا ~~عند رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك. وقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان ~~تكتب عليه، فما لنا لا نرى ذلك. قال البغوي: والصحف جمع الصحيفة ومنشرة ~~منشورة. # قال الله تعالى: {كلا} أي: لا يؤتون الصحف. وقيل: حقا قال البغوي: وكل ما ~~ورد عليك منه فهذا وجهه. قال ابن عادل: والأول أجود لأنه رد لقولهم. ثم بين ~~تعالى سبب إعراضهم بقوله تعالى: {بل لا يخافون} أي: في زمن من الأزمان ~~{الآخرة} فهذا هو السبب في إعراضهم. # وقوله تعالى: {كلا} استفتاح قاله الجلال المحلي. وقال البيضاوي: ردع عن ~~إعراضهم. وقال البغوي وتبعه ابن عادل: حقا {إنه} أي: القرآن {تذكرة} أي: ~~عظيمة توجب إيجابا # PageV04P437 # عظيما اتباعه وعدم الانفكاك عنه بوجه، فليس لأحد أن يقول: أنا مغرور لم ~~أجد مذكرا ولا معرفا فإن عنده أعظم مذكر وأشرف معرف. # {فمن شاء} أي: أن يذكره {ذكره} أي: اتعظ به وجعله نصب عينيه وعلم معناه ~~وتخلق به فمن فعل ذلك سهل عليه لفظه وبعض معانيه فإنه كالبحر الفرات فمن ~~شاء اغترف. # {وما يذكرون} أي: في وقت من الأوقات {إلا أن يشاء الله} أي: الملك الأعظم ~~الذي لا أمر لأحد معه ذكرهم أو مشيئتهم كقوله تعالى: {وما تشاؤون إلا أن ~~يشاء الله} (الإنسان: 30) # وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله تعالى. وقرأ نافع بتاء الخطاب وهو ~~التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون بياء الغيبة حملا على ما تقدم من ~~قوله تعالى: {كل امرئ} . # {هو} أي: الله سبحانه وتعالى وحده {أهل التقوى} أي: أن يتقيه ms3926 عباده ~~ويحذروا غضبه بكل ما تصل قدرهم إليه لما له من الجلال والعظمة والقهر. وقرأ ~~حمزة والكسائي بالإمالة محضة وأبو عمرو بين بين، وقرأ ورش بالفتح وبين ~~اللفظين {وأهل المغفرة} أي: وحقيق أن يطلب غفرانه للذنوب لا سيما إذا اتقاه ~~المذنب؛ لأن له الجمال واللطف وهو القادر ولا قدرة لغيره فلا ينفعه شيء ولا ~~يضره روى الترمذي وأحمد والحاكم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال في هذه الآية: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} يقول الله تعالى: «أنا أهل ~~أن أتقى فمن اتقى أن يشرك بي غيري فأنا أهل أن أغفر له» ووقف الكسائي على ~~{أهل المغفرة} بالإمالة على أصله وورش بترقيق الراء وقفا ووصلا على أصله. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~قرأ سورة المدثر أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وكذب به» ~~حديث موضوع. ### | سورة القيامة # مكية # وهي تسع وثلاثون آية، ومائة وسبع وتسعون كلمة، وستمائة واثنان وخمسون ~~حرفا # {بسم الله} الذي له الجلال والكمال {الرحمن} الذي عم بنعمة الإيجاد أهل ~~الهدى والضلال {الرحيم} الذي سدد أهل العناية في الأفعال والأقوال. # واختلف في لا في قوله تعالى: # {لا أقسم} على أوجه: # أحدها: أنها نافية لكلام المشركين المنكرين للبعث أي: ليس الأمر كما ~~زعموا ثم ابتدأ أقسم {بيوم القيامة} قال القرطبي: إن القرآن جاء بالرد على ~~الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالرد عليهم كقولك: لا ~~والله لا أفعل فلا رد لكلام قد مضى كقولك: لا والله إن القيامة لحق كأنك ~~أكذبت قوما أنكروه. # الثاني: أنها مزيدة مثلها في {لئلا يعلم أهل الكتاب} (الحديد: 29) # واعترضوا هذا بأنها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوله. وأجيب: بأن ~~القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض يدل على ذلك أنه قد يجيء ذكر ~~الشيء في سورة ويذكر جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى: {يا أيها الذي نزل ~~عليه الذكر إنك لمجنون} (الحجر: 6) # وجوابه في سورة أخرى ms3927 {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} (القلم: 2) # وإذا كان كذلك كان أول هذه السورة جاريا مجرى الوسط، ورد هذا بأن القرآن ~~في حكم السورة الواحدة في عدم التناقض لا أن تقرن سورة بما بعدها، فذلك غير ~~جائز. # الثالث: قال الزمخشري: إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم ~~وأشعارهم، قال امرؤ القيس: # PageV04P438 # *لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر* # وفائدتها: توكيد القسم، ثم قال الزمخشري بعد أن ذكر وجه الزيادة ~~والاعتراض: والجواب كما تقدم والوجه أن يقال: هي للنفي، والمعنى في ذلك: ~~أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له يدل عليه قوله تعالى: {فلا أقسم بمواقع ~~النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} (الجمعة: 75 76) # فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني ~~أنه يستأهل فوق ذلك. قال بعضهم: قول الزمخشري: والوجه أن يقال إلى آخره ~~تقرير لقوله: إدخال لا النافية فيه على فعل القسم مستفيض إلى آخره. وحاصل ~~كلامه يرجع إلى أنها نافية وأن النفي متسلط على فعل القسم بالمعنى الذي ~~شرحه، وليس فيه نفع لفظا ولا معنى، وقرأ ابن كثير بخلاف عن البزي بغير ألف ~~بعد اللام والهمزة مضمومة والباقون بالألف ويعبر عن قراءة ابن كثير بالقصر ~~وعن قراءة الباقين بالمد. # ولا خلاف في قوله تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} في المد والكلام في ~~لا المتقدمة وجرى الجلال المحلي على أنها زائدة في الموضعين. واختلف في ~~النفس اللوامة فقيل: هي نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه تقول: ما ~~أردت بكذا ولا تراه يعاتب إلا نفسه. وقال الحسن رضي الله عنه: هي والله نفس ~~المؤمن ما ترى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكلامي ما أردت بأكلي ما أردت ~~بحديثي، والفاجر لا يحاسب نفسه. وقال مجاهد رضي الله عنه: هي التي تلوم على ~~ما فات، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته، وعلى الخير لم لا تستكثر منه، ~~وقيل: تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها. وقيل: المراد آدم عليه السلام لم ~~يزل ms3928 لائما نفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة. وقيل: هي الملومة فتكون ~~صفة ذم وهو قول من نفى أن تكون قسما، وعلى الأول صفة مدح فيكون القسم بها ~~سائغا. وقال مقاتل رضي الله عنه: هي نفس الكافر يلوم نفسه تحسرا في الآخرة ~~على ما فرط في جنب الله تعالى. # وجواب القسم محذوف أي: لتبعثن دل عليه قوله تعالى: {أيحسب الإنسان} أي: ~~هذا النوع الذي جبل على الأنس بنفسه والنظر في عطفية وأسند الفعل إلى النوع ~~كله؛ لأن أكثرهم كذلك لغلبة الحظوظ على العقل إلا من عصم الله تعالى، وقرأ ~~ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بكسرها {ألن} أي: أنا لا {نجمع} ~~أي: على ما لنا من العظمة {عظامه} أي: التي هي قالب بدنه فنعيدها كما كانت ~~بعد تمزقها وتفتتها للبعث والحساب. # وقيل: نزلت في عدي بن ربيعة حليف بني زهرة خال الأخنس بن شريق الثقفي ~~وذلك أن عديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد حدثني عن القيامة ~~متى تقوم؟ وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ~~لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن بك، أو يجمع الله العظام بعد تفرقها ~~ورجوعها رميما ورفاتا مختلطا بالتراب وبعد ما نسفتها الرياح وطيرتها في ~~أباعد الأرض ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اكفني جاري ~~السوء عدي بن ربيعة والأخنس بن شريق» وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل أنكر ~~البعث بعد الموت وذكر العظام، والمراد نفسه كلها لأن العظام قالب الخلق. # تنبيه: ألن هنا موصولة وليس بين الهمزة واللام نون في الرسم كما ترى. # وقوله تعالى: {بلى} إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام وهو وقف ~~حسن، ثم يبتدئ بقوله تعالى: {قادرين} وقيل: المعنى: بل # PageV04P439 # نجمعها قادرين مع جمعها {على أن نسوي بنانه} أي: أصابعه وسلامياته وهي ~~عظامه الصغار التي في يده، خصها بالذكر لأنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه ~~أي: نجمع بعضها على بعض على ما كانت عليه ms3929 قبل الموت لأنا قدرنا على تفصيل ~~عظامه وتفتيتها، فنقدر على جمعها وتوصيلها، وقدرنا على جمع صغار العظام ~~فنحن على جمع كبارها أقدر، وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: على أن نسوي ~~بنانه أي: نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير أو كحافر الحمار ~~أو كظلف الخنزير، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئا، ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل ~~بها ما شاء. وقيل: نقدر أن نصير الإنسان في هيئة البهائم فكيف في صورته ~~التي كان عليها وهو كقوله تعالى: {وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم فيما لا تعلمون} (الواقعة: 60 61) # وقوله تعالى: {بل يريد الإنسان} عطف على أيحسب فيجوز أن يكون استفهاما ~~وأن يكون جوابا لجواز أن يكون الإضراب عن المستفهم وعن الاستفهام {ليفجر ~~أمامه} أي: ليدوم على فجوره فيما يستقبله من زمان لا يبرح عنه ولا يتوب، ~~هذا قول مجاهد رضي الله عنه. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: يقدم الذنب ~~ويؤخر التوبة، فيقول: سوف أتوب سوف أعمل حتى يأتيه الموت على أشر أحواله ~~وأسوأ أعماله. وقال الضحاك رضي الله عنه: هو الأجل يقول: أعيش فأصيب من ~~الدنيا كذا وكذا ولا يذكر الموت. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يكذب بما ~~أمامه من البعث والحساب، وأصل الفجور الميل وسمي الكافر والفاسق فاجرا ~~لميله عن الحق. # {يسأل} أي: سؤال استهزاء أو استبعاد {أيان} أي: أي وقت يكون {يوم ~~القيامة} . # ولما كان الجواب يوم يكون كذا وكذا عدل عنه إلى ما سبب عن استبعاده لأنه ~~أهول فقال تعالى {فإذا برق البصر} أي: شخص ووقف لما يرى مما كان يكذب به ~~هذا على قراءة نافع بفتح الراء وأما على قراءة كسرها فالمعنى: تحير ودهش ~~مما يرى وقيل: هما لغتان في التحير والدهشة. # {وخسف القمر} أي: أظلم وذهب ضوءه، وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف ~~للشمس. وقيل: يكونان فيهما، يقال: خسفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف. ~~وقيل: الكسوف أوله والخسوف آخره. # ولم تلحق علامة التأنيث في قوله تعالى {وجمع الشمس والقمر} لأن ms3930 التأنيث ~~مجازي، وقيل: لتغليب التذكير، ورد لأنه لا يقال: قام هند وزيد عند الجمهور ~~من العرب. وقال الكسائي: حمل على جمع النيران. وقال الفراء: لم يقل جمعت ~~لأن المعنى: جمع بينهما قال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئهما فلا ~~ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه. وقال ابن عباس وابن مسعود رضي الله ~~عنهم: قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين مقرنين كأنهما ~~ثوران عقيران في النار، وقال عطاء بن يسار رضي الله عنه: يجمع بينهما يوم ~~القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى، وقيل: يجمعان في نار ~~جهنم لأنهما قد عبدا من دون الله تعالى ولا تكون النار عذابا لهما، لأنهما ~~جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم. # وقوله تعالى: {يقول الإنسان} أي: لشدة روعه جريا مع طبعه جواب إذا من ~~قوله تعالى {فإذا برق البصر} . {يومئذ} أي: إذا كانت هذه الأشياء، وقوله ~~تعالى: {أين المفر} منصوب المحل بالقول والمفر مصدر بمعنى الفرار. قال ~~الماوردي: ويحتمل وجهين: أحدهما: أين المفر من الله تعالى استحياء منه. ~~والثاني: # PageV04P440 # أين المفر من جهنم حذرا منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين: ~~أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ~~ببشرى ربه تعالى. والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة ~~لهول ما شاهدوا منها. وقيل: أبو جهل خاصة. # وقوله تعالى: {كلا} ردع عن طلب المفر {لا وزر} أي: لا ملجأ ولا حصن ~~استعير من الجبل. قال السدي: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصنوا في الجبال، ~~فقال الله تعالى لهم: لا وزر يعصمكم مني يومئذ واشتقاقه من الوزر وهو الثقل ~~{إلى ربك} أي: المحسن إليك بأنواع الإحسان لا إلى شيء غيره {يومئذ} أي: إذ ~~كانت هذه الأمور {المستقر} أي: استقرار الخلق كلهم ناطقهم وصامتهم ومكان ~~قرارهم وزمانه إلى حكمه سبحانه ومشيئته ظاهرا وباطنا لا حكم لغيره بوجه من ~~الوجوه في ظاهر ولا باطن كما هو في الدنيا. ms3931 وقال ابن مسعود: المصير ~~والمرجع، قال الله تعالى {إلى ربك الرجعى} (العلق: 8) # و {إليه المصير} (المائدة: 18) # وقال السدي: المنتهى، نظيره {وإن إلى ربك المنتهى} (النجم: 42) # {ينبأ} أي: يخبر تخبيرا عظيما {الإنسان يومئذ} أي: إذا كان الزلزال ~~الأكبر {بما قدم} قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم: بما قدم ~~قبل موته من عمل صالح وسيء {وأخر} بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها. ~~وقال ابن عطية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: بما قدم من المعصية وأخر ~~من الطاعة، وقال قتادة: بما قدم من طاعة الله وأخر من حق الله فضيعه. وقال ~~مجاهد: بأول عمله وآخره. وقال عطاء: بما قدم في أول عمره وما أخر في آخر ~~عمره. وقال يزيد بن أسلم: بما قدم من أموال نفسه وما أخر خلفة للورثة، ~~والأولى أن يقال ينبأ بجميع ذلك إذ لا منافاة بين هذه الأقوال. # {بل الإنسان} أي: كل واحد من هذا النوع {على نفسه} أي: خاصة {بصيرة} أي: ~~حجة بينة على أعماله والهاء للمبالغة يعني: أنه في غاية المعرفة بأحوال ~~نفسه، فيشهد عليه بعمله سمعه وبصره وجوارحه قال الله تعالى: {كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا} (الإسراء: 14) # .k # قال البغوي: ويحتمل أن يكون معناه: بل للإنسان على نفسه يعني جوارحه، ~~فحذف حرف الجر كقوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} (البقرة: 33) # أي: لأولادكم، ويجوز أن يكون نعتا لاسم مؤنث أي: بل الإنسان على نفسه عين ~~بصيرة. # {ولو ألقى} أي: ذكر بغاية السرعة ذلك الإنسان من غير تلعثم دلالة على ~~غاية الصدق والاهتمام والتملق. وقوله تعالى: {معاذيره} جمع معذرة على غير ~~قياس قاله الجلال المحلي. أي: لو جاء بكل معذرة ما قبلت منه. وقال ~~الزمخشري: المعاذير ليس بجمع معذرة، وإنما هو اسم جمع لها ونحوه المناكير ~~في المنكر ا. ه. قال أبو حيان: وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع ~~وإنما هو من أبنية جموع التكسير ا. ه. وقيل: معاذير جمع معذار وهو الستر، ~~والمعنى: ولو أرخى ستوره والمعاذير ms3932 الستور بلغة اليمن قاله الضحاك. وحكى ~~الماوردي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: {ولو ألقى معاذيره} أي: ولو ~~تجرد من ثيابه. # ولما كان صلى الله عليه وسلم إذا لقن الوحي نازع جبريل عليه السلام ~~القراءة ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن ينفلت منه ~~أمره الله تعالى بأن ينصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه حتى يقضي الله تعالى ~~وحيه ثم يعقبه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه بقوله تعالى: # {لا تحرك به} أي: بالقرآن {لسانك} ما دام جبريل عليه السلام يقرؤه {لتعجل ~~به} أي: # PageV04P441 # لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك، فإن هذه العجلة وإن كانت من ~~الكمالات بالنسبة إليك وإلى إخوانك من الأنبياء عليهم السلام كما قال موسى ~~عليه السلام: {وعجلت إليك رب لترضى} (طه: 84) # نقل صلى الله عليه وسلم من مقام كامل إلى أكمل منه. # ثم علل النهي عن العجلة بقوله تعالى: {إن علينا} أي: بما لنا من العظمة ~~لا على أحد سوانا {جمعه} أي: في صدرك حتى تثبته وتحفظه {وقرآنه} أي: قراءتك ~~إياه يعني جريانه على لسانك. # {فإذا قرأناه} عليك بقراءة جبريل عليه السلام {فاتبع} أي: بغاية جهدك ~~بإلقاء سمعك وإحضار قلبك {قرآنه} أي: قراءته مجموعة على حسب ما أداه رسولنا ~~وجمعناه لك في صدرك، وكرر تلاوته حتى يصير لك به ملكة عظيمة، ويصير لك ~~خلقا، فيكون قائدك إلى كل خير. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في ~~قوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} قال: «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه، ~~وكان يعرف منه فأنزل الله تعالى الآية التي في لا أقسم بيوم القيامة {لا ~~تحرك به لسانك} الآية، فكان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل عليه السلام ~~أطرق. فإذا ذهب قرأه كما وعده الله تعالى» قال سعيد بن جبير: قال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما: فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله صلى ms3933 الله عليه ~~وسلم يحركهما فأنزل الله عز وجل الآية. # {ثم إن علينا} أي: بما لنا من العظمة {بيانه} أي: بيان ألفاظه ومعانيه لك ~~سواء أسمعته من جبريل عليه السلام على مثل صلصلة الجرس أم بكلام الناس ~~المعتاد بالصوت والحروف، ولغيرك على لسانك وعلى ألسنة العلماء من أمتك، ~~والآية مشيرة إلى ترك مطلق العجلة؛ لأنه إذا نهى عنها في أعظم الأشياء ~~وأهمها كان غيره بطريق الأولى، والمناسبة بين هذه الآية وما قبلها أن تلك ~~تضمنت الإعراض عن آيات الله تعالى، وهذه تضمنت المبادرة إليها بحفظها. # وقوله تعالى: {كلا} استفتاح بمعنى: ألا. وقال الزمخشري: ردع للنبي صلى ~~الله عليه وسلم عن عادة العجلة، وقال جماعة من المفسرين: حقا، والأول جرى ~~عليه الجلال المحلي وهو أظهر. {بل يحبون} متجددة على تجدد الزمان {العاجلة} ~~بدليل أنهم يقبلون غاية الإقبال عليها وحبها أوجب لهم ارتكاب ما يعلمون ~~قبحه، فإن الآخرة والأولى ضرتان من تقرب من أحدهما لا بد من تباعده عن ~~الأخرى، فإن حبك للشيء يعمي ويصم. # {ويذرون} أي: يتركون على أي وجه كان ولو أنه غير مستحسن {الآخرة} لأنهم ~~يبغضونها لارتكابهم ما يضرهم فيها وجمع الضمير وإن كان مبنى الخطاب مع ~~الإنسان للمعنى. وقرأ {يحبون} و {يذرون} ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بياء ~~الغيبة فيهما حملا على لفظ الإنسان المذكور أولا؛ لأن المراد به الجنس، لأن ~~الإنسان بمعنى الناس والباقون بتاء الخطاب فيهما إما خطابا لكفار قريش أي: ~~تحبون يا كفار قريش العاجلة أي: الدار الدنيا والجاه فيها وتتركون الآخرة ~~والعمل لها، وإما التفاتا عن الإخبار عن الجنس المتقدم والإقبال عليه ~~بالخطاب. # ولما ذكر تعالى الآخرة التي أعرضوا عنها ذكر ما يكون فيها بيانا لجهلهم ~~وسفههم وقلة عقولهم وترهيبا لمن أدبر عنها وترغيبا لمن أقبل عليها لطفا بهم ~~ورحمة لهم فقال تعالى: {وجوه} أي: من المحشورين وهم جميع الخلائق {يومئذ} ~~أي: إذ تقوم الساعة {ناضرة} من النضرة بالضاد # PageV04P442 # وهي النعمة والرفاهية أي: هي بهية مشرقة عليها أثر النعمة بحيث يدل ذلك ~~على نعمة ms3934 أصحابها. # {إلى ربها} أي: المحسن إليها خاصة باعتبار أن عد النظر إلى غيره كلا نظر ~~{ناظرة} أي: دائما هم محدقون أبصارهم لا غفلة لهم عن ذلك، فإذا رفع الحجاب ~~عنهم أبصروه بأعينهم بدليل التعدي بإلى، وذلك النظر جهرة من غير اكتتام ولا ~~تضام ولا زحام كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وأكثر المفسرين، ~~وجميع أهل السنة، وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة ~~من وجوه كثيرة بحيث اشتهر غاية الشهرة، وتكون الرؤية كما مثلت في الأحاديث ~~كما يرى القمر ليلة البدر أي: كل من يريد رؤيته من بيته يراه مجليا له، هذا ~~وجه الشبه، لا أنه في جهة ولا في حالة لها شبيه تعالى الله الكريم عن ~~التشبيه. # فمن تلك الأحاديث ما روي عن جرير بن عبد الله قال: «خرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال صلى الله عليه وسلم ~~إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن ~~لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ {وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} » (طه: 130) # وفي كتاب النسائي عن وهب قال: «ينكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما ~~أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر ولا أقر لأعينهم» . # وعن جابر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجلى ربنا عز وجل حتى ~~ننظر إلى وجهه فيخرون له سجدا فيقول تعالى: ارفعوا رؤوسكم، فليس هذا يوم ~~عبادة» . # وقدم الجار الدال على الاختصاص إشارة إلى أن هذا النظر مباين للنظر إلى ~~غيره، فلا يعد ذلك نظرا بالنسبة إليه وعبر بالوجوه عن أصحابها؛ لأنها أدل ~~ما يكون على السرور، وليكون ذكرها أصرح في أن المراد بالنظر حقيقته. # روى مسلم في قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس: 26) # كان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ~~ثم تلا هذه الآية. # وأنكر الرؤية المعتزلة، واحتجوا بقوله تعالى: ms3935 {لا تدركه الأبصار} ~~(الأنعام: 103) # ويقولون: النظر المقرون بإلى ليس اسما للرؤية بل لمقدمة الرؤية وهي تقليب ~~الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر ~~القلب بالنسبة إلى المعرفة وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع، ويدل على ذلك قوله ~~تعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} (الأعراف: 198) # فأثبت النظر حال عدم الرؤية، فتكون الرؤية غاية النظر وأن النظر يحصل ~~والرؤية غير حاصلة. قالوا: ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى: {ناظرة} منتظرة ~~كقولك أنا أنظر إليك في حاجتي. # وأجيب عن استدلالهم بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} بأن لا تدركه ~~بالإحاطة والجهة فلا يكون ذلك مانعا للرؤية على هذا الوجه وعن بقية ~~استدلالهم بما ذكروه بجوابين: # أحدهما: أن نقول: النظر هو الرؤية لقول موسى عليه السلام {أرني أنظر ~~إليك} (الأعراف: 143) # فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة ~~والمكان، ولأنه أخر النظر عن الإراءة فلا يكون تقليب الحدقة. # الجواب الثاني: سلمنا ما ذكرتموه من أن النظر تقليب الحدقة تعذر حمله على ~~الحقيقة فيجب حمله على الرؤية إطلاقا لاسم السبب على المسبب وهو أولى من ~~حمله على الانتظار لعدم الملازمة؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية، ولا ~~تعلق بينه وبين الانتظار. # وأما قولهم بحمله على الانتظار فأجيب عنه أيضا بأن الذي هو بمعنى ~~الانتظار في القرآن # PageV04P443 # غير مقرون بإلى، كقوله تعالى: {انظرونا نقتبس من نوركم هل ينظرون إلا أن} ~~(الحديد: 13) # والذي ندعيه أن النظر المقرون بإلى ليس إلا بمعنى الرؤية؛ لأن وروده ~~بمعنى الرؤية ظاهرة فلا يكون بمعنى الانتظار دفعا للاشتراك. # ولما ذكر تعالى أهل النعمة أتبعه أضدادهم من أهل النقمة فقال سبحانه ~~وتعالى: # {ووجوه يومئذ} أي: في ذلك اليوم بعينه {باسرة} أي: شديدة العبوس والكلوح ~~والتكره لما هي فيه من الغم كأنها قد غرقت فيه. وقال السدي: {باسرة} ~~متغيرة. # {تظن} أي: يتوقع أربابها بما ترى من المخايل {أن يفعل بها} أي: بهم فإنه ~~إذا أصيب الوجه الذي هو أشرف ما في الجملة كان ما عداه أولى {فاقرة} وهي ~~الداهية العظيمة، ms3936 قال أبو عبيدة: سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر يقال: ~~فقرته الفاقرة أي: كسرت فقار ظهره ومنه سمي الفقير لانكسار فقاره من القل. ~~وقال قتادة: الفاقرة الشر، وقال السدي: الهلاك. وقال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: دخول النار. وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية الرب عز وجل. # وقوله تعالى: {كلا} ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة قاله البيضاوي تبعا ~~للزمخشري، وزاد الزمخشري كأنه قيل: ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا إلى ما بين ~~أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم وتنقلبون إلى الآجلة التي ~~تبقوا فيها مخلدين {إذا بلغت} النفس {التراقي} وأضمر النفس وإن لم يجر لها ~~ذكر؛ لأن الكلام الذي وقعت فيه يدل عليها كما قال حاتم: # *أماوي ما يغني الثراء عن الفنى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر* # وتقول العرب: أرسلت، يريدون جاء المطر، ولا تكاد تسمعهم يذكرون السماء. ~~والتراقي: جمع ترقوة وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال، ولكل ~~إنسان ترقوتان. قال البقاعي: ولعله جمع المثنى إشارة إلى شدة انتشارها ~~بغاية الجهد لما فيه من الكرب لاجتماعها من أقاصي البدن إلى هناك ا. ه. ~~وهذا كناية عن الإشفاء على الموت ذكرهم صعوبة الموت وهو أول مراحل الآخرة ~~حين تبلغ الروح التراقي ودنا زهوقها. # {وقيل} أي: قال حاضر وصاحبها وهو المحتضر بعضهم لبعض {من راق} أي: أيكم ~~يرقيه مما به ليحصل له الشفاء. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو من ~~كلام ملائكة الموت، أي: أيكم يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، ~~فالأول اسم فاعل من رقى يرقى بمعنى الرقية بالفتح في الماضي والكسر في ~~المضارع. والثاني: الذي بمعنى الصعود بالكسر في الماضي والفتح في المضارع. # {وظن} أي: أيقن المحتضر لما لاح له من أنوار الآخرة، وقيل: القائل من راق ~~من أهله {أنه} أي: الشأن العظيم الذي هو فيه {الفراق} لما كان أي: فيه من ~~محبوب العاجلة الذي هو الفراق الأعظم الذي لا فراق مثله، ففي الخبر إن ~~العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وإن ms3937 مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول: ~~السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة، وسمي اليقين هنا بالظن لأن ~~الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه، فإنه يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه ~~الحياة العاجلة ولا ينقطع رجاؤه عنها، أو أن المراد الظن الغالب إذ لا يحصل ~~يقين الموت مع رجاء الحياة. وقيل: سماه بالظن تهكما قال الرازي: وهذه الآية ~~تدل على أن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد موت البدن لأنه تعالى سمى الموت ~~فراقا، والفراق إنما يكون # PageV04P444 # إذا كانت الروح باقية، فإن الفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود ~~الموصوف. # {والتفت الساق بالساق} أي: اجتمعت إحداهما بالأخرى إذ الالتفاف الاجتماع، ~~قال تعالى: {جئنا بكم لفيفا} (الإسراء: 104) # ومعنى الكلام اتصلت شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، قاله ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما والحسن وغيرهما. وقال الشعبي: التفت ساق الإنسان عند ~~الموت من شدة الكرب. قال قتادة: أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب برجله ~~على الأخرى، وقال سعيد بن المسيب: هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفن. ~~وقال زيد بن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت. وقال الضحاك: الناس يجهزون ~~جسده والملائكة يجهزون روحه. وقال السدي: لا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه، ~~وأول الأقوال كما قال النحاس: أحسنها، والعرب لا تذكر الساق إلا في الشدائد ~~والمحن العظام، ومنه قولهم قامت الحرب على ساق، قال أهل المعاني: لأن ~~الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن ساقيه، فقيل للأمر الشديد: ساق. قال ~~الجعدي: # *أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا* # ولما صور وقت تأسفه على الدنيا وإعراضه عنها ذكر غاية ذلك، فقال تعالى ~~مفردا النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه ~~غيره {إلى ربك} أي: المحسن إليك بجميع ما أنت فيه {يومئذ} أي: إذ وقع هذا ~~الأمر {المساق} أي: السوق إلى حكمه تعالى فقد انقطعت عنه أحكام الدنيا فإما ~~أن تسوقه الملائكة إلى سعادة وإما إلى شقاوة. # والضمير ms3938 في قوله تعالى: {فلا صدق} راجع للإنسان المذكور في {أيحسب ~~الإنسان} أي: فلا صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبره به بما كان يعمل ~~من الأعمال الخبيثة ولا في ماله بالإنفاق في وجوه الخير التي ندب إليها ~~واجبة كانت أو مندوبة. وحذف المعمول لأنه أبلغ في التعميم. # {ولا صلى} أي: ما أمر به من فرض وغيره فلا تمسك بحبل الخالق ولا وصل حبل ~~الخلائق، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يصدق بالرسالة ولا صلى، ~~أي: دعا لربه عز وجل وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: فلا ~~صدق بكتاب الله تعالى ولا صلى لله جل ذكره. # {ولكن} أي: فعل ضد ما أمر به بأن {كذب} أي: بما أتاه به النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قرآن وغيره {وتولى} أي: أعرض عنه وهذا الاستدراك واضح إذ لا ~~يلزم من نفي التصديق والصلاة التكذيب والتولي. وقال القرطبي: معناه: كذب ~~بالقرآن وتولى عن الإيمان. وقيل: نزلت في أبي جهل. # {ثم ذهب} أي: هذا الإنسان أو أبو جهل {إلى أهله} غير متفكر في عاقبة ما ~~فعل من التكذيب حالة كونه {يتمطى} أي: يتبختر افتخارا بتكذيبه وإعراضه وعدم ~~مبالاته بذلك وأصله يتمطط أي: يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، وإنما أبدلت ~~الطاء الثانية ياء كراهة اجتماع الأمثال، وقيل: هو من المطا وهو الظهر لأنه ~~يلويه تبخترا في مشيته. # وقوله تعالى: {أولى لك} فيه التفات من الغيبة والكلمة اسم فعل واللام ~~للتبيين أي: وليك ما تكره {فأولى} أي: فهو أولى بك من غيرك. # وقوله تعالى: {ثم أولى لك فأولى} تأكيد وقيل: هذه الكلمة تقولها العرب ~~لمن قاربه المكروه، وأصلها من الولي وهو القرب. قال الله تعالى: {قاتلوا ~~الذين يلونكم} (التوبة: 123) # وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية ~~«أخذ بمجامع ثوب # PageV04P445 # أبي جهل بالبطحاء، وقال له: {أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى} فقال أبو ~~جهل: أتوعدني يا محمد فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن ms3939 تفعلا بي شيئا، وإني ~~والله لأعز من مشى بين جبليها» . فلما كان يوم بدر صرعه الله شر مصرع وقتله ~~أسوأ قتلة، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لكل أمة فرعون، وإن ~~فرعون هذه الأمة أبو جهل» . # {أيحسب} أي: يجوز لقلة عقله {الإنسان} أي: الذي هو عبد مربوب ضعيف عاجز ~~محتاج بما يرى من نفسه وأبناء جنسه {أن يترك} أي: يكون تركه بالكلية {سدى} ~~أي: هملا لاغيا لا يكلف ولا يجازى ولا يعرض على الملك الأعظم الذي خلقه ~~فيسأله عن شكره فيما أسدى إليه، فإن ذلك مناف للحكمة فإنها تقتضي الأمر ~~بالمحاسن والنهي عن المساوئ والجزاء على كل منهما، وأكثر الظالمين ~~والمظلومين يموتون من غير جزاء فاقتضت الحكمة أنه لا بد من البعث للجزاء. # {ألم يك} أي: الإنسان {نطفة} أي: شيئا يسيرا {من مني} أي: ماء من صلب ~~الرجل وترائب المرأة {يمنى} أي: تصب في الرحم سبب الله تعالى للإنسان ~~المعالجة في إخراجها بما ركب فيه من الشهوة، وجعل له من الزوج التي يسرها ~~لقضاء وطره حتى إن وقت صبها في الرحم تصب منه بغير اختياره حتى كأنه لا فعل ~~له فيها أصلا. # فإن قيل: ما فائدة {يمنى} بعد قوله تعالى: {من مني} ؟ أجيب: بأن فيه ~~إشارة إلى حقارة حاله كأنه قيل: إنه مخلوق من المني الذي يجري على مجرى ~~النجاسة فلا يليق بمثل هذا أن يتمرد عن طاعة الله تعالى إلا أنه عبر عن هذا ~~المعنى على سبيل الرمز كما في قوله تعالى في عيسى عليه السلام وأمه مريم ~~{كانا يأكلان الطعام} (المائدة: 75) # والمراد منه قضاء الحاجة. # {ثم كان} أي: كونا محكما {علقة} أي: دما أحمر غليظا شديد الحمرة والغلظ ~~{فخلق} أي: قدر سبحانه عقب ذلك لحمه وعظامه وعصبه وغير ذلك من جواهره ~~وأعراضه {فسوى} أي: عدل من ذلك خلقا آخر غاية التعديل شخصا مستقلا. # {فجعل} أي: بسبب النطفة {منه} أي: من المني الذي صار علقة، أي: قطعة دم ~~ثم مضغة أي: قطعة لحم {الزوجين} أي: النوعين {الذكر ms3940 والأنثى} يجتمعان تارة ~~وينفرد كل منهما عن الآخر تارة. قال القرطبي: وقد احتج بهذه الآية من رأى ~~إسقاط الخنثى، وأجيب بأن هذه الآية وقرينتها خرجت مخرج الغالب أو أنه في ~~نفس الأمر ذكر أو أنثى. # {أليس ذلك} أي: الخالق المسوي الإله الأعظم الذي قدر على تمييز ما يصلح ~~من ذلك للذكر وما يصلح منه للأنثى {بقادر على أن يحيي الموتى} أي: أن يعيد ~~هذه الأجسام كهيئتها للبعث بعد البلى. «روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~قرأها قال: سبحانك اللهم بلى» رواه أبو داود والحاكم، وقال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما: من قرأ سبح اسم ربك الأعلى إماما كان أو غيره فليقل ~~سبحان ربي الأعلى ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة إلى آخرها فليقل سبحانك ~~اللهم بلى إماما كان أو غيره. وروى البغوي بسنده من طريق أبي داود عن ~~أعرابي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ منكم ~~والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها {أليس الله بأحكم الحاكمين} (التين: 8) # فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة ~~فانتهى إلى {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} فليقل: بلى، ومن قرأ ~~والمرسلات فبلغ {فبأي حديث بعده يؤمنون} (المرسلات: 50) # فليقل: آمنا بالله» . وروي أن رجلا كان يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ {أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي # PageV04P446 # الموتى} قال: سبحانك اللهم بلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة أن كان مؤمنا» حديث ~~موضوع. ### | سورة الإنسان # وتسمى هل أتى والأمشاج والدهر مكية أو مدينة وهي إحدى وثلاثون آية، ~~ومائتان وأربعون كلمة، وألف وأربعة وخمسون حرفا # واختلف فيها هل هي مكية أو مدينة فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~ومقاتل والكلبي: مكية وجرى عليه البيضاوي والزمخشري. وقال الجمهور: مدنية، ~~وقال الجلال المحلي: ms3941 مكية أومدنية ولم يجزم بشيء. وقال الحسن وعكرمة: هي ~~مدنية إلا آية وهي قوله تعالى: {فاصبر لحكم ربك ولاتطع منهم آثما أو كفورا} ~~(الإنسان: 24) # وقيل: فيها مكي من قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا} ~~(الإنسان: 23) # إلى آخر السورة وما تقدمه مدني. # {بسم الله} الذي له الأسماء الحسنى {الرحمن} الذي عم بنعمه الذكر ~~والأنثى. {الرحيم} الذي خص منهم من شاء لمقام الأسنى. # ولما تم الاستدلال على البعث والقدرة عليه تلاه بهذا الاستفهام وهو قوله ~~تعالى: # {هل أتى} قال الزمخشري: بمعنى قد في الاستفهام خاصة والأصل أهل بدليل قول ~~الشاعر: # *سائل فوارس يربوع بسدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم* # فالمعنى: أقد أتى على التقرير والتقريب جميعا أي: أتى {على الإنسان} قبل ~~زمان قريب {حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} أي: كان شيئا منسيا غير مذكور ~~نطفة في الأصلاب اه. فقوله على التقرير يعني المفهوم من الاستفهام، وقوله: ~~والتقريب يعني المفهوم من قد التي وقع موقعها هل، ومعنى قوله في الاستفهام ~~خاصة أن هل لا تكون بمعنى قد إلا ومعها استفهام لفظا كالبيت المتقدم أو ~~تقديرا كالآية الكريمة، ولو قلت: هل جاء زيد بمعنى قد جاء من غير استفهام ~~لم يجز. وغيره جعلها بمعنى قد من غير هذا القيد، وجرى عليه الجلال المحلي. ~~واعترض على الزمخشري بأنه لم يذكر غير كونها بمعنى قد. وبقي قيد آخر وهو أن ~~يقول في الجمل الفعلية لأنها متى دخلت على جملة اسمية استحال كونها بمعنى ~~قد؛ لأن قد مختصة بالأفعال وأجيب عنه بأن هذا لا يحتاج إليه؛ لأنه تقرر أن ~~قد لا تباشر الأسماء. # واختلف في المراد من الإنسان، فقال قتادة وعكرمة والشعبي: هو آدم عليه ~~السلام مرت عليه أربعون سنة قبل أن تنفخ فيه الروح وهو ملقى بين مكة ~~والطائف. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية الضحاك أنه خلق من ~~طين فأقام أربعين سنة ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة ~~ثم خلقه بعد مائة ms3942 وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح. وحكى الماوردي عن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما أن الحين المذكور هنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا ~~يعرف مقداره. وقال الحسن: خلق الله # PageV04P447 # كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من دواب البر والبحر في الأيام الست التي ~~خلق الله تعالى فيها السموات والأرض وآخرها خلق آدم عليه السلام فهو قوله ~~تعالى: {لم يكن شيئا مذكورا} . # روي أن أبا بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية قال: ليتها تمت فلا نبتلى ~~أي: ليت هذه المدة التي أتت على آدم عليه السلام {لم يكن شيئا مذكورا} تمت ~~على ذلك فلا يلد ولا تبتلى أولاده. وسمع عمر رجلا يقرأ {لم يكن شيئا ~~مذكورا} قال عمر: ليتها تمت يقول: ليته بقي ما كان، هذا وهما ضجيعاه صلى ~~الله عليه وسلم ولكن بقدر القرب يكون الخوف. # فإن قيل: إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان ~~إنسانا والآية تقتضي أنه مضى على الإنسان حال كونه إنسانا حين من الدهر مع ~~أنه في ذلك الحين ما كان شيئا مذكورا؟ أجيب: بأن الطين والصلصال إذا كان ~~مصورا بصورة الإنسان ويكون محكوما عليه بأنه سينفخ فيه الروح ويصير إنسانا ~~صح تسميته بأنه إنسان. # روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: {لم يكن ~~شيئا مذكورا} لا في السماء ولا في الأرض بل كان جسدا مصورا ترابا وطينا لا ~~يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به، ثم نفخ الروح فصار مذكورا. ~~قال ابن سلام: لم يكن شيئا لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده ~~حيوانا. # وقال الزمخشري وتبعه جماعة من المفسرين: إن المراد بالإنسان جنس بني آدم ~~بدليل قوله تعالى: {إنا خلقنا الإنسان} أي: بعد خلق آدم عليه السلام {من ~~نطفة} أي: مادة هي شيء يسير جدا من الرجل والمرأة وكل ماء قليل في وعاء فهو ~~نطفة، كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه: # *ما لي ms3943 أراك تكرهين الجنة ... هل أنت إلا نطفة في شنه* # وعلى هذا فالمراد بالحين المدة التي هو فيها في بطن أمه {لم يكن شيئا ~~مذكورا} إذ كان علقة ومضغة؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له وقوله ~~تعالى: {أمشاج} أي: أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين ~~نعت لنطفة ووقع الجمع نعتا لمفرد لأنه في معنى الجمع كقوله {رفرف خضر} أو ~~جعل كل جزء من النطفة نطفة فوصفت بالجمع، وقال الزمخشري: {نطفة أمشاج} ~~كبرمة أعشار وبرد أكياش، وهي ألفاظ مفردة غير جموع ولذلك وقعت صفات ~~للأفراد، ويقال أيضا: نطفة مشج قال الشماخ: # *طوت أحشاء مرتجة لوقت ... على مشج سلالته مهين* # ولا يصح أمشاج أن يكون تكسيرا له بل هما مثلان في الإفراد لوصف المفرد ~~بهما اه. فقد منع أن يكون أمشاجا جمع مشج بالكسر. قال أبو حيان: وقوله ~~مخالف لنص سيبويه والنحويين على أن أفعالا لا يكون مفردا، وأجاب بعضهم بأن ~~الزمخشري إنما قال يوصف به المفرد ولم يجعل أفعالا مفردا فكأنه جعل كل قطعة ~~من البرمة برمة وكل قطعة من البرد بردا فوصفهما بالجمع، والمعنى: من نطفة ~~قد امتزج فيها الماءان وكل منهما مختلف الأجزاء متباين الأوصاف في الرقة ~~والثخن والقوام والخواص يجمع من الأخلاط وهي العناصر الأربعة: ماء الرجل ~~غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان الشبه له. # وعن ابن عباس رضي الله # PageV04P448 # تعالى عنهما قال: يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر ~~رقيق فيخلق منهما الولد فما كان من عصب وعظم وقوة فمن نطفة الرجل، وما كان ~~من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة، قال القرطبي: وقد روي هذا مرفوعا ذكره ~~البزار وعن قتادة: أمشاج ألوان وأطوار، يريد أنها تكون نطفة ثم علقة ثم ~~مضغة ثم خلقا آخر. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: هي عروق النطفة. وقال ~~مجاهد: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء، والغرض من هذا ~~التنبيه على أن الإنسان محدث فلا بد له من محدث قادر ms3944 على تصويره وقد صوره ~~على صور مختلفة فمنها صغير وكبير وطويل وقصير ومستدير وعريض. # ولما كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه جعل بين ~~العظام مفاصل ثم أوصلها بأوتار وعروق ولحم، ودور الرأس وشق في جانبيه ~~السمع، وفي مقدمه البصر والأنف والفم، وشق في البدن سائر المنافذ، ثم مد ~~اليدين والرجلين وقسم رؤوسها بالأصابع وركب الأعضاء الباطنة من القلب ~~والمعدة، فسبحان من خلق تلك الأشياء من نطفة سخيفة {أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى} (القيامة: 40) # وقوله تعالى: {نبتليه} يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه حال من فاعل خلقنا ~~أي: خلقناه حال كوننا مبتلين له، والثاني: أنه حال من الإنسان وصح ذلك لأن ~~في الجملة ضميرين كل منهما يعود على ذي الحال، ثم هذه الحال يجوز أن تكون ~~مقارنة إن كان المعنى: نبتليه نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة، كما قال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما، وأن تكون مقدرة إن كان المعنى: نبتليه نختبره ~~بالتكليف لأنه وقت خلقه غير مكلف، وفيما يختبره به وجهان: أحدهما: قال ~~الكلبي: تختبره بالخير والشر. والثاني: قال الحسن: نختبر شكره في السراء ~~وصبره في الضراء. وقيل: نبتليه نكلفه بالعمل بعد الخلق. قال مقاتل رضي الله ~~عنه: وقيل: نكلفه ليكون مأمورا بالطاعة ومنهيا عن المعاصي. # {فجعلناه} أي: بما لنا من العظمة بسبب ذلك {سميعا بصيرا} أي: عظيم السمع ~~والبصر والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره وسماع الآيات بسمعه ومعرفة ~~الحجج ببصيرته، فيصح تكليفه وابتلاؤه فقدم العلة الغائية لأنها متقدمة في ~~الاستحضار على التابع لها المصحح لورودها، وقدم السمع لأنه أنفع في ~~المخاطبات، ولأن الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية، وخصهما بالذكر ~~لأنهما أنفع الحواس، ولأن البصر يفهم البصيرة وهي تتضمن الجميع، وقال ~~بعضهم: في الكلام تقديم وتأخير، والأصل إنا جعلناه سميعا بصيرا نبتليه، أي: ~~جعلنا له ذلك للابتلاء. وقيل: المراد بالسميع المطيع كقولك سمعا وطاعة ~~وبالبصير العالم يقال: لفلان بصر في هذا الأمر. # {إنا} أي: بما لنا من العظمة {هديناه السبيل} أي: بينا ms3945 له وعرفناه طريق ~~الهدى والضلال والخير والشر ببعثة الرسل، وقال مجاهد رضي الله عنه: بينا له ~~السبيل إلى السعادة والشقاوة. وقال السدي رضي الله عنه: السبيل هنا خروجه ~~من الرحم. وقيل: منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله. قال ~~الرازي: والآية تدل على أن العقل متأخر عن الحواس. قال: وهو كذلك. # وقوله تعالى: {إما شاكرا} أي: لإنعام ربه عليه {وإما كفورا} أي: بليغ ~~الكفر بالإعراض والتكذيب نصب على الحال وفيه وجهان: أحدهما: أنه حال من ~~مفعول # PageV04P449 # هديناه أي: هديناه مبينا له كلتا حالتيه، والثاني: أنه حال من السبيل على ~~المجاز. قال الزمخشري: ويجوز أن يكونا حالين من السبيل أي: عرفناه السبيل ~~إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا كفورا كقوله تعالى: {وهديناه النجدين} (البلد: ~~10) # فوصف السبيل بالشكر والكفر مجازا، وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» الحديث، وعن جابر رضي الله عنه: «كل مولود ~~يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا» . # ولما قسمهم إلى قسمين ذكر جزاء كل فريق فقال تعالى: # {إنا} أي: على ما لنا من العظمة {أعتدنا} أي: هيأنا وأحضرنا بشدة وغلظة ~~{للكافرين} أي: العريقين في الكفر خاصة وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل فقال ~~تعالى: {سلاسلا} جمع سلسلة أي: يقادون ويوثقون بها {وأغلالا} أي: في ~~أعناقهم تشد فيها السلاسل فتجمع أيديهم إلى أعناقهم {وسعيرا} أي: نارا ~~حامية جدا شديدة الاتقاد. # وقرأ نافع وهشام وشعبة والكسائي سلاسلا وصلا بالتنوين والباقون بغير ~~تنوين وأما الوقف على الثانية فوقف عليها بغير ألف قنبل وحمزة، ووقف البزي ~~وابن ذكوان وحفص بغير ألف وبالألف، ووقف الباقون بالألف ولا وقف على الأولى ~~والرسم بالألف. أما من نون سلاسل فوجه بأوجه منها أنه قصد بذلك التناسب لأن ~~ما قبله وما بعده منون منصوب. ومنها أن الكسائي وغيره من أهل الكوفة حكوا ~~عن بعض العرب أنهم يصرفون جميع ما لا ينصرف إلا أفضل منك. ms3946 وقال الأخفش: ~~سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف لأن الأصل في الأسماء الصرف وترك ~~الصرف لعارض فيها. وروي عن بعضهم أنه يقول: رأيت عمرا بالألف يعني عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، وأيضا هذا الجمع قد جمع وإن كان قليلا، قالوا صواحب ~~وصواحبات. وفي الحديث: «إنكن صواحبات يوسف» ومنها أنه مرسوم في الإمام أي: ~~مصحف الحجاز والكوفة بالألف، رواه أبو عبيدة ورواه قالون عن نافع، وروى ~~بعضهم ذلك عن مصاحف البصرة أيضا. # وقال الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون هذا التنوين بدلا من حرف ~~الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، والثاني: أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ~~ضرى برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف ا. ه. قال بعض المفسرين: ~~وفي هذه العبارة فظاظة وغلظة لا سيما على مشايخ الإسلام وأئمة العلماء ~~الأعلام، وأما من لم ينونه فوجهه ظاهر لأنه على صيغة منتهى الجموع وقولهم: ~~قد جمع نحو صواحبات لا يقدح لأن المحذور جمع التكسير، وهذا جمع تصحيح، وأما ~~من لم يقف بالألف فواضح. # ولما أوجز في جزاء الكافر أتبعه جزاء الشاكر وأطنب تأكيدا للترتيب فقال ~~تعالى: {إن الأبرار} جمع بر كأرباب جمع رب أو بار كأشهاد جمع شاهد، وفي ~~الصحاح وجمع البار البررة وهم الصادقون في أيمانهم المطيعون لربهم الذين ~~سمت همتهم عن المستحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة، وروى ابن عمر رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما سماهم الله تعالى ~~الأبرار؛ لأنهم بروا الآباء والأبناء كما أن لوالديك عليك حقا كذلك لولدك ~~عليك حق» . وقال الحسن رضي الله عنه: البر الذي لا يؤذي الذر. وقال قتادة ~~رضي الله عنه: الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر. وفي الحديث ~~«الأبرار الذين لا يؤذون # PageV04P450 # أحدا» . # {يشربون من كأس} هو إناء شرب الخمر وهي فيه والمراد من خمر تسمية للحال ~~باسم المحل ومن للتبعيض {كان مزاجها} أي: ما تمزج به {كافورا} لبرده ~~وعذوبته وطيب عرفه، وذكر فعل الكون يدل على أن له ms3947 شأنا في المزج عظيما يكون ~~فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد، والكافور نبت معروف وكان اشتقاقه من ~~الكفر وهو الستر لأنه يغطي الأشياء برائحته والكافور أيضا كمام الشجر الذي ~~هو ثمرتها، والكافر البحر، والكافر الليل، والكافر الساتر لنعم الله تعالى، ~~والكافر الزارع لتوريته الحب في الأرض، قال الشاعر: # *وكافر مات على كفره ... وجنة الفردوس للكافر* # والكفارة تغطية الإثم في اليمين الفاجرة والنذور الكاذبة بالمغفرة، ~~والكافور: ماء جوف الشجر مكفور فيغرزونه بالحديد فيخرج إلى ظاهر الشجر ~~فيضربه الهواء فيجمد وينعقد كالصمغ الجامد على الأشجار. # فإن قيل: مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذا فما السبب في ذكره؟ أجيب: ~~بأوجه: # أحدها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الكافور اسم عين في الجنة يقال لها ~~عين الكافور، أي: يمازجها ماء هذه العين التي تسمى كافورا في بياض الكافور ~~ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته. # ثانيها: أن رائحة الكافور عرض، والعرض لا يكون إلا في جسم فخلق الله ~~تعالى تلك الرائحة في جرم ذلك الشراب، فسمي ذلك الجسم كافورا وإن كان طعمه ~~طيبا فيكون الكافور ريحها لا طعمها. # ثالثها: أن الله تعالى يخلق الكافور في الجنة مع طعم طيب لذيذ ويسلب عنه ~~ما فيه من المضرة، ثم إنه تعالى يمزجه بذلك الشراب كما أنه تعالى يسلب عن ~~جميع المأكولات والمشروبات ما معها في الدنيا من المضار وقال سعيد عن قتادة ~~رضي الله عنهم: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. وقيل: يخلق فيها رائحة ~~الكافور وبياضه فكأنها مزجت بالكافور. # وقوله تعالى: {عينا} في نصبه أوجه: أحدها: أنه بدل من {كافورا} لأن ماءها ~~في بياض الكافور وفي رائحته وبرده واقتصر على هذا الجلال المحلي. # الثاني: أنه بدل من محل {من كأس} قاله مكي ولم يقدر حذف مضاف، وقدر ~~الزمخشري على هذا الوجه حذف مضاف، قال: كأنه قيل: يشربون خمرا خمر عين. ~~الثالث: أنه نصب على الاختصاص قاله الزمخشري. الرابع: أنه بإضمار أعني قاله ~~القرطبي، وقيل: غير ذلك. # {يشرب بها} قال الجلال المحلي: منها. ms3948 وقال البقاعي: أي: بمزاجها. وقال ~~الزمخشري: بها الخمر، قال: كما تقول شربت الماء بالعسل والأول أوضح. {عباد ~~الله} أي: أولياؤه. # فإن قيل: الكفار عباد الله وهم لا يشربون منها بالاتفاق؟ أجيب: بأن لفظ ~~عباد الله مختص بأهل الإيمان ولكن يشكل بقوله تعالى: {ولا يرضى لعباده ~~الكفر} (الزمر: 7) # فإنه يصير تقدير الآية ولا يرضى لعبادة المؤمنين الكفر مع أنه سبحانه لا ~~يرضى الكفر للكافر ولا لغيره، وقد يجاب بأن هذا أكثري لا كلي، أو يقال: حيث ~~أضيف العباد أو العبد إلى اسم الله الظاهر سواء كان بلفظ الجلالة أم لا ~~فالمراد به المؤمن، وإن أضيف إلى ضميره تعالى فيكون بحسب المقام، فتارة ~~يختص بالمؤمن كقوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} (الحجر: 42) # وتارة يعم كقوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} وقوله تعالى: {نبىء ~~عبادي أني أنا الغفور الرحيم} (الحجر: 49) # {يفجرونها} أي: يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم وإن علت {تفجيرا} سهلا لا ~~يمتنع عليهم. # {س76ش7/ش13 يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره? مستطيرا * ويطعمون الطعام ~~على حبه? مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله نريد منكم جزآء ~~وشكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوق?اهم الله شر ذالك ~~اليوم ولق?اهم نضرة وسرورا * وجز?اهم بما صبروا? جنة وحريرا * متك?ين فيها ~~على ا?رآ??ك? يرون فيها شمسا وزمهريرا} # PageV04P451 # ولما ذكر جزاءهم ذكر وصفهم الذي يستحقون عليه ذلك بقوله تعالى: {يوفون ~~بالنذر} وهذا يجوز أن يكون مستأنفا ويجوز أن يكون خبرا لكان مضمرة. قال ~~الفراء: التقدير: كانوا يوفون بالنذر في الدنيا وكانوا يخافون. وقال ~~الزمخشري: يوفون جواب من عسى يقول: ما لهم يرزقون ذلك. قال أبو حيان: ~~واستعمل عسى صلة لمن وهو لا يجوز، وأتى بالمضارع بعد عسى غير مقرون بأن وهو ~~قليل أو في الشعر، والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء ~~الواجبات لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله تعالى كان بما أوجبه ~~الله تعالى عليه أوفى، وقال الكلبي: # {يوفون بالنذر} أي: يتممون العهود لقوله تعالى: {وأفوا بعهد الله} ms3949 ~~(النمل: 91) # {أوفوا بالعقود} (المائدة: 1) # أمروا بالوفاء بها لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان. قال ~~القرطبي: والنذر حقيقة ما أوجبه المكلف على نفسه من شيء يفعله، وإن شئت قلت ~~في حده: هو إيجاب المكلف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه. ~~وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن ~~يعصيه فلا يعصه» . # ولما دل وفاؤهم على سلامة طباعهم قال تعالى عاطفا دلالة على جمعهم ~~للأمرين المتعاطفين، فهم يفعلون الوفاء لا لأجل شيء بل لكرم الطبع. ~~{ويخافون} أي: مع فعلهم للواجبات {يوما} قال ابن عبد السلام: شر يوم أو ~~أهوال يوم {كان} أي: كونا هو في جبلته {شره} أي: ما فيه من الشدائد ~~{مستطيرا} أي: فاشيا منتشرا غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر وهو ~~أبلغ من طار. وقال قتادة رضي الله عنه: كان شره فاشيا في السموات فانشقت ~~وتناثرت الكواكب وكورت الشمس والقمر وفزعت الملائكة ونسفت الجبال وغارت ~~المياه وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء، وفي ذلك إشعار بحسن عقيدتهم ~~وإحسانهم واجتنابهم عن المعاصي فإن الخوف أدل دليل على عمارة الباطن، ~~قالوا: ما فارق الخوف قلبا إلا خرب، ومن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل. # فإن قيل: لم قال تعالى: {كان شره} ولم يقل سيكون؟ أجيب: بأنه كقوله ~~تعالى: {أتى أمر الله} (النحل: 1) # فبما قيل في ذاك يقال هنا. # {ويطعمون الطعام} أي: على حسب ما يتيسر لهم من عال ودون، وقوله تعالى: ~~{على حبه} حال إما من الطعام أي: كائنين على حبهم إياه فهو في غاية المكنة ~~منهم والاستعلاء على قلوبهم لقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه، كما قال تعالى: ~~{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران: 92) # ليفهم أنهم للفضل أشد بذلا، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حق الصحابة ~~رضي الله عنهم: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ~~لقلة الموجود إذ ذاك وكثرته بعد، وإما من الفاعل والضمير في حبه ms3950 لله أي: ~~على حب الله وعلى التقديرين فهو مصدر مضاف للمفعول. وقال الفضيل بن عياض: ~~على حب إطعام الطعام. # {مسكينا} أي: محتاجا احتياجا يسيرا فصاحب الاحتياج الكثير أولى {ويتيما} ~~أي: صغيرا لا أب له {وأسيرا} أي: في أيدي الكفار. وخص هؤلاء بالذكر لأن ~~المسكين عاجز عن الاكتساب بنفسه عما يكفيه، واليتيم مات من يكتسب له وبقي ~~عاجزا عن الكسب لصغره، والأسير لا يتمكن لنفسه نصرا ولا حيلة. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير رضي الله عنهم: الأسير المحبوس فيدخل في ذلك ~~المملوك والمسجون والكافر الذي في أيدي المسلمين، وقد نقل في غزوة بدر أن ~~بعض الصحابة رضي الله عنهم كان يؤثر # PageV04P452 # أسيره على نفسه بالخبز، وكان الخبز إذ ذاك عزيزا حتى كان ذلك الأسير يعجب ~~من مكارمهم حتى كان ذلك مما دعاه إلى الإسلام، وذلك لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما دفعهم إليهم قال: «استوصوا بهم خيرا» . وقيل: الأسير ~~المملوك، وقيل: المرأة لقول النبي صلى الله عليه وسلم «اتقوا الله في ~~النساء فإنهن عندكم عوان» أي: أسرى. # وقوله تعالى: {إنما نطعمكم} على إضمار القول أي: يقولون بلسان المقال أو ~~الحال: إنما نطعمكم أيها المحتاجون {لوجه الله} أي: لذات الملك الذي استجمع ~~الجلال والإكرام لكونه أمرنا بذلك، وعبر بالوجه لأن الوجه يستحى منه ويرجى ~~ويخشى عند رؤيته {لا نريد منكم} لأجل ذلك {جزاء} أي: لنا من أعراض الدنيا ~~{ولا شكورا} أي: لشي من قول ولا فعل، روي أن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل المبعوث ما قالوا، فإن ذكر دعاء دعت ~~لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا عند الله تعالى. # ثم عللوا قولهم هذا على وجه التأكيد بقولهم {إنا نخاف من ربنا} أي: ~~الخالق لنا المحسن إلينا {يوما} أي: أهوال يوم هو في غاية العظمة وبينوا ~~عظمته بقولهم {عبوسا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ووصف اليوم بالعبوس ~~مجاز على طريقين أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولك: نهارك صائم روي أن ~~الكافر ms3951 يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وأن يشبه في ~~شدته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل. # {قمطريرا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: طويلا. وقال مجاهد وقتادة رضي ~~الله عنهم: القمطرير الذي يقبض الوجوه والجباه بالتعبس. وقال الكلبي: ~~العبوس الذي لا انبساط فيه والقمطرير الشديد وقال الأخفش: القمطرير أشد ما ~~يكون من الأيام وأطوله في البلاد يقال يوم قمطرير وقماطير إذا كان شديدا ~~كريها. # ولما كان فعلهم هذا خالصا لله تعالى سبب عنه جزاءهم فقال تعالى: {فوقاهم ~~الله} أي: الملك الأعظم بسبب خوفهم {شر ذلك اليوم} أي: العظيم ولا بد لهم ~~من نعيم ظاهر وباطن ومسكن يقيمون فيه وملبس وقد أشار إلى الأول بقوله ~~تعالى: {ولقاهم} أي: أعطاهم {نضرة} أي: حسنا دائما في وجوههم، وأشار إلى ~~الثاني بقوله تعالى: {وسرورا} أي: في قلوبهم دائما في مقابلة خوفهم في ~~الدنيا. # وأشار إلى الثالث بقوله تعالى: {وجزاهم بما صبروا} أي: بسبب ما أوجدوا من ~~الصبر على العبادة من لزوم الطاعة واجتناب المعصية ومنع أنفسهم الشهوات ~~وبذل المحبوبات {جنة} أي: ادخلوا بستانا جامعا يأكلون منه ما يشتهون جزاء ~~على ما كانوا يطعمون وإن كان غيرهم يشاركهم في ذلك دونهم في الجزاء وأشار ~~إلى الرابع بقوله تعالى: {وحريرا} أي: ألبسوه أي: هو في غاية العظمة وما ~~رواه البيضاوي تبعا للزمخشري عن ابن عباس أن الحسن والحسين رضي الله عنهما ~~مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس فقالوا: يا أبا الحسن لو ~~نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما صوم ثلاثة أيام إن برئا ~~فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض علي من شمعون اليهودي الخيبري ثلاثة آصع من ~~شعير وطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ~~ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين ~~المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا لم يذوقوا # PageV04P453 # إلا الماء وأصبحوا صياما، فلما أمسوا وضعوا الطعام بين أيديهم فوقف عليهم ~~يتيم ms3952 فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك زاد في الكشاف ~~فلما أصبحوا أخذ علي رضي الله تعالى عنه بيد الحسن والحسين فأقبلوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة ~~الجوع، قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في ~~محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل عليه ~~السلام وقال: خذها يا محمد أي: السورة هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة ~~حديث موضوع. # ثم بين حالهم فيها بقوله تعالى {متكئين فيها} أي: الجنة. واختلفوا في ~~إعراب متكئين، فقال الجلال المحلي: حال من مرفوع ادخلوها المقدر. وقال أبو ~~البقاء: يجوز أن يكون حالا من المفعول في جزاهم وأن يكون صفة، واعترض عليه ~~في كونه صفة بأنه لا يجوز عند البصريين لأنه كان يلزم الضمير، فيقال: ~~متكئين هم فيها لجريان الصفة على غير من هي له وقيل: إنه من فاعل صبروا، ~~واعترض أن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة، وأجيب بأنه يصح أن يكون ~~حالا مقدرة لأن مآلهم بسبب صبرهم إلى هذه الحالة. # ثم أشار إلى زيادة راحتهم بقوله تعالى: {على الأرائك} أي: السرر في ~~الحجال ولا تكون أريكة إلا مع وجود الحجلة وقيل: الأرائك الفرش على السرر. ~~وقوله تعالى: {لا يرون فيها} أي: الجنة حال ثانية على الخلاف المتقدم في ~~الأولى، ومن جوز أن تكون الأولى صفة جوزه في الثانية. وقيل: إنها حال من ~~الضمير المرفوع المستكن في متكئين فتكون حالا متداخلة. {شمسا} أي: حرا ~~{ولا} يرون فيها {زمهريرا} أي: بردا شديدا فالآية من الاحتباك دل نفي الشمس ~~أولا على نفي القمر ودل نفي الزمهرير الذي هو سبب البرد ثانيا على نفي الحر ~~الذي سببه الشمس، فأفاد هذا أن الجنة غنية عن النيرين، لأنها نيرة بذاتها ~~وأهلها غير محتاجين إلى معرفة زمان إذ لا تكليف فيها بوجه وأنها ظليلة ~~معتدلة دائما بخلاف الدنيا، فإن فيها الحاجة إلى ذلك، والحر والبرد فيها من ms3953 ~~فيح جهنم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اشتكت النار إلى ربها قالت: ~~يا رب أكل بعضي بعضا فجعل لها نفسين نفسا في الشتاء ونفسا في الصيف فشدة ما ~~تجدونه من البرد من زمهريرها وشدة ما تجدونه من الحر من سمومها» وقيل: ~~الزمهرير القمر بلغة طيء، وأنشدوا: # *وليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزمهرير ما زهر* # ويروى ما ظهر. # {ودانية} أي: قريبة مع الارتفاع {عليهم ظلالها} أي: شجرها من غير أن يحصل ~~منها ما يزيل الاعتدال. واختلف في نصب دانية، فقال البغوي: عطف على متكئين. ~~وقال الجلال المحلي: عطف على محل لا يرون وذكره البغوي بعد الأول بصيغة ~~قيل، قال البيضاوي: أو عطف على جنة أي: وجنة أخرى دانية لأنهم وعدوا جنتين ~~لقوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن: 46) # . فإن قيل: إن الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، والجنة لا شمس فيها فكيف ~~يحصل الظل؟ أجيب: بأن أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك ~~الأشجار مظلة منها، وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة ~~وإن كان لا وسخ ولا شعث. # {وذللت قطوفها} جمع قطف بالكسر وهو العنقود واسم للثمار المقطوفة أي: ~~المجنية {تذليلا} أي: سهل تناولها تسهيلا عظيما لا يرد اليد # PageV04P454 # عنها بعد ولا شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة كانت من اتكاء وغيره، ~~فإن كانوا قعودا أو مضطجعين تدلت إليهم، وإن كانوا قياما وكانت على الأرض ~~ارتفعت إليهم، وقال البراء: ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاؤوا، فمن أكل ~~قائما لم يؤذه ومن أكل جالسا لم يؤذه ومن أكل مضطجعا لم يؤذه، وهذا جزاؤهم ~~على ما كانوا يذللون أنفسهم لأمر الله تعالى. # ولما وصف تعالى طعامهم ولباسهم وسكنهم وصف شرابهم بقوله تعالى: {ويطاف} ~~أي: من أي طائف كان لكثرة الخدم {عليهم بآنية} جمع إناء كسقاء وأسقية وجمع ~~الآنية أوان وهي ظروف للمياه ومعنى يطاف أي: يدور على هؤلاء الأبرار الخدم ~~إذا أرادوا الشرب. ثم بين تلك الآنية بقوله تعالى: ms3954 {من فضة} قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء أي: الذي في ~~الجنة أشرف وأعلى ولم ينف الآنية الذهبية بل المعنى: يسقون في الأواني ~~الفضة وقد يسقون في الأواني الذهب كما قال تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} ~~(النحل: 81) # أي: والبرد فنبه بذكر أحدهما على الآخر. # ولما جمع الآنية خص فقال تعالى {وأكواب} جمع كوب، وهو كوز لا عروة له ~~فيسهل الشرب منه من كل موضع فلا يحتاج عند التناول إلى إدارة {كانت} أي: ~~تلك الأكواب كونا هو من جبلتها {قوارير} أي: كانت بصفة القوارير من الصفاء ~~والرقة والشفوف والإشراق، جمع قارورة وهي ما أقر فيه الشراب ونحوه من كل ~~إناء رقيق صاف. وقيل: هو خاص بالزجاج. # ولما كان رأس آية وكان التعبير بالقوارير ربما أفهم أنها من الزجاج، وكان ~~في الزجاج من النقص سرعة الانكسار لإفراط الصلابة، قال تعالى معيد للفظ أول ~~الآية الثانية تأكيدا للاتصاف بالصالح من أوصاف الزجاج وبيانا لنوعها: ~~{قوارير من فضة} أي: قد جمعت صفتي الجوهرين المتباينين صفاء الزجاج وشفوفه ~~وبريقه، وبياض الفضة وشرفها ولينها، وقال الكلبي: إن الله تعالى جعل قوارير ~~كل قوم من تراب أرضهم، وإن أرض الجنة من فضة فجعل منها قوارير يشربون منها. ~~وقرأ نافع وشعبة والكسائي وصلا بالتنوين فيهما ووافقهم ابن كثير في الأول ~~دون الثاني، والباقون بغير تنوين، وأما الوقف فمن نون وقف بالألف، ومن لم ~~ينون وقف بغير ألف إلا هشاما، فإنه وقف على الثاني بالألف وفي الوصل لم ~~ينون فالقراءات حينئذ على خمس مراتب: إحداها: تنوينهما معا، والوقف عليهما ~~بالألف. الثانية: مقابله وهو عدم تنوينهما وعدم الوقف عليهما بالألف، ~~الثالثة: عدم تنوينهما والوقف عليهما بالألف، الرابعة: تنوين الأول دون ~~الثاني والوقف على الأول بالألف وعلى الثاني بدونها. الخامسة: عدم تنويهما ~~معا والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها. وأما من نونهما فلما مر ~~في تنوين سلاسل؛ لأنهما صيغة منتهى الجموع ذاك على مفاعل وذا على مفاعيل، ~~والوقف بالألف التي هي بدل ms3955 التنوين، فأما عدم تنوينهما وعدم الوقف بالألف ~~فظاهر، وأما من نون الأول دون الثاني فإنه ناسب بين الأول وبين رؤوس الأي، ~~ولم يناسب بين الثاني وبين الأول، والوجه في وقفه # على الأول بالألف وعلى الثاني بغير ألف ظاهر، وأما من لم ينونهما ووقف ~~على الأول بألف وعلى الثاني بدونها فلأن الأول رأس آية فناسب بينه وبين ~~رؤوس الأي في الوقف بالألف وفرق بينه وبين الثاني لأنه ليس برأس آية، وأما ~~من لم ينونهما ووقف عليهما بالألف، فإنه ناسب بين الأول # PageV04P455 # وبين رؤوس الأي وناسب بين الثاني وبين الأول. # وقال الزمخشري: وهذا التنوين بدل من ألف الإطلاق؛ لأنها فاصلة وفي الثاني ~~لإتباعه الأول يعني: أنهم يأتون بالتنوين بدلا من حرف الإطلاق الذي للترنم، ~~كقوله: # *يا صاح ما هاج العيون الذرفن* # وقوله تعالى {قدروها تقديرا} صفة لقوارير من فضة وفي الواو في قدروها ~~وجهان: أحدهما: أنه للمطاف عليهم، ومعنى تقديرهم لها أنهم قدروها في أنفسهم ~~أن تكون على تقادير وأشكال على حسب شهواتهم فجاءت كما قدروا. والثاني: أنه ~~للطائفين بها دل عليه قوله تعالى: {ويطاف عليهم} (الإنسان: 15) # على أنهم قدروا شرابها على قدر الري وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار ~~حاجته لا يفضل عنه ولا يعجز، وعن مجاهد رضي الله عنه لا تغيض ولا تفيض وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قدروها على ملء الكف حتى لا تؤذيهم بثقل أو بإفراط ~~صغر، وجوز أبو البقاء أن تكون الجملة مستأنفة. # {ويسقون} أي: ممن أرادوه من خدمهم الذين لا يحصون كثرة {فيها} أي: في ~~الجنة أو تلك الأكواب {كأسا} أي: خمرا في إناء {كان مزاجها} أي: ما تمزج به ~~على غاية الإحكام {زنجبيلا} أي: غاية اللذة، وكانت العرب تلتذ بالشراب ~~الممزوج به لهضمه وتطييبه الطعم، والزنجبيل: نبت معروف، وسمي الكأس بذلك ~~لوجود طعم الزنجبيل فيها قال الأعشى: # *كأن القرنفل والزنجبي ... ل باتابفيها وأريا مشورا* # وقال المسيب بن علس: # *وكأن طعم الزنجبيل به ... إذ اذقته وسلافة الخمر* # وقوله تعالى: {عينا فيها} أي: الجنة بدل من ms3956 زنجبيلا وكون الزنجبيل عينا ~~فيه خرق للعوائد؛ لأن الزنجبيل عندنا شجر يحتاج في تناوله إلى علاج، فبين ~~أنه هناك عين لا يحتاج في صيرورته زنجبيلا إلى أن تحيله الأرض بتخميره فيها ~~حتى يصير شجرا ليتحول عن طعم الماء إلى طعم الزنجبيل {تسمى} أي: تلك العين ~~لسهولة إساغتها ولذة طعمها وسمو وصفها {سلسبيلا} والمعنى: أن ماء تلك العين ~~كالزنجبيل الذي تلتذ به العرب سهل المساغ في الحلق، فليس هو كزنجبيل الدنيا ~~يلذع في الحلق فتصعب إساغته. والسلسبيل والسلسل والسلسال ما كان من الشراب ~~غاية في السلاسة زيدت فيه الباء زيادة في المبالغة في هذا المعنى، وقال ~~مقاتل وابن حبان رضي الله عنهما: سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق ~~وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان. قال البغوي: ~~وشراب الجنة في برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك من غير لذع. وقال ~~مقاتل رضي الله عنه: يشربها المقربون صرفا وتمزج لسائر أهل الجنة. # ولما ذكر تعالى المطوف به لأنه الغاية المقصودة وصف الطائف لما في طوافه ~~من العظمة المشهودة بقوله تعالى. # {ويطوف عليهم} أي: بالشراب وغيره من الملاذ والمحاب {ولدان} أي: غلمان هم ~~في سن من هو دون البلوغ؛ لأن الفقهاء قالوا: # الناس غلمان وصبيان وأطفال وذراري إلى البلوغ ثم هم بعد البلوغ شبان ~~وفتيان إلى الثلاثين، ثم هم بعدها كهول إلى الأربعين ثم بعدها شيوخ واستنبط ~~بعضهم ذلك من القرآن في حق بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال الله ~~تعالى في حق يحيى: {وآتيناه الحكم صبيا} (مريم: 12) # وفي حق عيسى: {يكلم الناس في المهد وكهلا} (آل عمران: 46) # وعن إبراهيم: {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له # PageV04P456 # إبراهيم} (الأنبياء: 60) # وعن يعقوب: {إن له ابا شيخا كبيرا} (يوسف: 78) # . وقالوا: وأقل أهل الجنة من يخدمه ألف غلام، ويعطى في الجنة قدر الدنيا ~~عشر مرات. وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها. # ثم وصف تعالى تلك الغلمان بقوله تعالى: {مخلدون} أي: قد حكم من لا يرد ~~حكمه بأن يكونوا كذلك دائما من ms3957 غير علة ولا ارتفاع عن ذلك الحد مع أنهم ~~مزينون بالحلي وهو الحلق والأساور والقرط والملابس الحسنة. # {إذا رأيتهم} أي: يا أعلى الخلق وأنت أثبت الناس نظرا أو أيها الرائي ~~الشامل لكل راء في أي حالة رأيتهم فيها {حسبتهم} أي: من بياضهم وصفاء ~~ألوانهم وانتشارهم في الخدمة {لؤلؤا منثورا} أي: من سلكه أو من صدفه وهو ~~أحسن منه في غير ذلك، قال بعض المفسرين: هم غلمان ينشئهم الله تعالى لخدمة ~~المؤمنين. وقال بعضهم: أطفال المؤمنين لأنهم ماتوا على الفطرة. وقال ابن ~~برجان: وأرى والله أعلم أنهم من علم الله تعالى إيمانه من أولاد الكفار، ~~وتكون خدما لأهل الجنة كما كانوا لنا في الدنيا سبيا وخداما. وأما أولاد ~~المؤمنين فيلحقون بآبائهم سنا وملكا سرورا لهم. ويؤيد هذا قوله صلى الله ~~عليه وسلم في ابنه إبراهيم عليه السلام: «إن له لظئرا تتم رضاعه في الجنة» ~~فإنه يدل على انتقال شأنه فيما هنالك وكتنقله في الأحوال في الدنيا، ولا ~~دليل على خصوصيته بذلك. وقرأ السوسي وشعبة بإبدال الهمزة الأولى الساكنة ~~وقفا ووصلا، وإذا وقف حمزة أبدل الأولى والثانية. # ولما ذكر المخدوم والخدم ذكر المكان بقوله تعالى: {وإذا رأيت} أي: وجدت ~~منك الرؤية {ثم} أي: هناك في أي مكان كان في الجنة، وأي شيء كان فيها. ~~وقوله تعالى {رأيت} جواب إذا أي: رأيت {نعيما} أي: ليس فيه كدر بوجه من ~~الوجوه ولا يقدر على وصفه واصف. {وملكا كبيرا} أي: لم يخطر على باله مما هو ~~فيه من السعة وكثرة الموجود والعظمة. # قال سفيان الثوري: بلغنا أن الملك الكبير تسليم الملائكة عليهم. وقيل: ~~كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على رؤوس الملوك، وقال الحكيم الترمذي: هو ~~ملك التكوين إذا أرادوا شيئا، قالوا له: كن فيكون. وفي الخبر: إن الملك ~~الكبير هو أن أدناهم منزلة أي: وما فيهم دنيء الذي في ملكه مسيرة ألف عام ~~ويرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أعظمهم منزلة من ينظر إلى وجه ربه سبحانه ~~وتعالى كل يوم. أي: قدر يوم من ms3958 أيام الدنيا مرتين. # ولما ذكر الدار وساكنيها من مخدوم وخدم ذكر لباسهم بقوله تعالى: {عاليهم} ~~أي: فوقهم {ثياب سندس} هو ما رق من الحرير {خضر وإستبرق} وهو ما غلظ من ~~الديباج فهو البطائن، والسندس الظهائر، وقرأ نافع وحمزة {عاليهم} بسكون ~~الياء بعد اللام وكسر الهاء والباقون بفتح الياء وضم الهاء؛ لأن الياء لما ~~سكنت كسرت الهاء ولما تحركت ضمت الهاء، فأما قراءة نافع وحمزة ففيها أوجه: ~~أظهرها: أن يكون خبرا مقدما، وثياب مبتدأ مؤخر. # وأما قراءة الباقين ففيها أيضا أوجه: أظهرها: أن يكون خبرا مقدما وثياب ~~مبتدأ مؤخرا. كأنه قال: فوقهم ثياب. قال أبو البقاء: لأن عاليهم بمعنى ~~فوقهم، والضمير المتصل به للمطوف عليهم أو للخادم والمخدوم جميعا وإن كانت ~~تتفاوت بتفاوت الرتب. وقرأ نافع وحفص خضر وإستبرق برفعهما، وقرأ حمزة ~~والكسائي بخفضهما. وقرأ أبو عمرو وابن عامر برفع خضر وجر إستبرق، وقرأ ابن ~~كثير وشعبة بجر خضر ورفع إستبرق. # وحاصل القراءات # PageV04P457 # في ذلك أربع مراتب: الأولى: رفعهما، الثانية: خفضهما، الثالثة: رفع الأول ~~وخفض الثاني، الرابعة: عكس ذلك. فأما القراءة الأولى: فإن رفع خضر على ~~النعت لثياب ورفع إستبرق نسق على الثياب، ولكن على حذف مضاف أي: وثياب ~~إستبرق، وأما القراءة الثانية: فيكون جر خضر على النعت لسندس. ثم استشكل ~~على هذا وصف المفرد بالجمع، فقال مكي: هو اسم جمع، وقيل: هو جمع سندسة كتمر ~~وتمرة، ووصف اسم الجنس بالجمع صحيح قال تعالى: {وينشىء السحاب الثقال} ~~(الرعد: 12) ، {وأعجاز نخل منقعر} (القمر: 20) ، {ومن الشجر الأخضر} (يس: ~~80) # وإذا كانوا قد وصفوا المحلى لكونه مرادا به الجنس بالجمع في قولهم: أهلك ~~الناس الدينار الحمر والدرهم البيض وفي التنزيل {أو الطفل الذين} فلأن يوجد ~~ذلك في أسماء الجموع أو أسماء الأجناس الفارق بينها وبين واحدها تاء ~~التأنيث بطريق الأولى، وجر إستبرق نسقا على سندس لأن المعنى: ثياب من سندس ~~وثياب من إستبرق، وأما القراءة الثالثة: فرفع خضر نعتا لثياب وجر إستبرق ~~نسقا على سندس أي: ثياب خضر من سندس ومن إستبرق، فعلى هذا يكون ms3959 الإستبرق ~~أيضا أخضر، وأما القراءة الرابعة: فجر خضر على أنه نعت لسندس ورفع إستبرق ~~على النسق على ثياب بحذف مضاف أي: وثياب إستبرق. # ثم أخبر تعالى عن تحليتهم بقوله سبحانه {وحلوا} أي: المخدوم والخادم ~~{أساور من فضة} وإن كانت تتفاوت بتفاوت الرتب وهي بالغة من الأعضاء ما ~~يبلغه التحجيل في الوضوء كما قال صلى الله عليه وسلم «الحلية من المؤمن حيث ~~يبلغ الوضوء» فلذلك كان أبو هريرة يرفع إلى المنكبين وإلى الساقين. # تنبيه: قال هنا: {أساور من فضة} وفي سورة فاطر: {يحلون فيها من أساور من ~~ذهب} (فاطر: 33) # وفي سورة الحج: {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ} (الحج: 23) # فقيل: حلي الرجال الفضة وحلي النساء الذهب. وقيل: تارة يلبسون الذهب ~~وتارة يلبسون الفضة. وقيل: يجمع في يدي أحدهم سواران من ذهب، وسواران من ~~فضة، وسواران من لؤلؤ لتجتمع لهما محاسن الجنة قاله سعيد بن المسيب. وقيل: ~~يعطى كل أحد ما يرغب فيه وتميل نفسه إليه. وقيل: أسورة الفضة إنما تكون ~~للولدان وأسورة الذهب للنساء. وقيل: هذا للنساء والصبيان. وقيل: هذا يكون ~~بحسب الأوقات والأعمال. # {وسقاهم ربهم} أي: الموجد لهم المحسن إليهم المدبر لمصالحهم {شرابا ~~طهورا} أي: ليس هو كشراب الدنيا سواء أكان من الخمر أم من الماء أم من ~~غيرهما فهو بالغ الطهارة. # وقال علي رضي الله عنه: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من ~~ساقها عينان فيشربون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلا تتغير أبشارهم ~~ولا تشعث شعورهم أبدا، ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من الأذى ثم ~~تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقال ~~النخعي وأبو قلابة: هو إذا شربوه بعد أكلهم طهرهم وصار ما أكلوه وشربوه رشح ~~مسك وضمرت بطونهم. وقال مقاتل: هو من عين ماء على باب الجنة تنبع من ساق ~~شجرة، من شرب منها نزع الله تعالى ما كان في قلبه من غش وغل وحسد وما كان ~~في جوفه من أذى، وعلى هذا فيكون فعول ms3960 للمبالغة. وقال الرازي: قوله تعالى ~~{طهورا} في تفسيره احتمالات: أحدها: لا يكون نجسا كخمر الدنيا، وثانيها: ~~المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة # PageV04P458 # وتدوسه الأرجل الدنسة ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن ~~بتنظيفها. # وثالثها: أنه لا يؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقا من أبدانهم له ريح ~~كريح المسك، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهرا لأنه يطهر بواطنهم من ~~الأخلاق الذميمة والأشياء المؤذية. # فإن قيل: هل هذا نوع آخر غير ما ذكر قبل ذلك من أنهم يشربون من الكافور ~~والزنجبيل والسلسبيل أم لا؟ أجيب: بأنه نوع آخر لوجوه: أولها: رفع. ثانيها: ~~أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه بقوله تعالى: {وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا} وذلك يدل على فضل هذا دون غيره، ثالثها: ما روي أنه تقدم إليهم ~~الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون فيطهر ذلك ~~بطونهم ويفيض عرقا من جلودهم مثل ريح المسك، وهذا يدل على أن ذلك الشراب ~~مغاير لتلك الأشربة، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة، ثم إن له مع هذا ~~الهضم تأثيرا عجيبا وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقا يفوح منه ريح ~~كريح المسك ويطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الخسيسة والركون إلى ما سوى ~~الحق فيتجرد لمطالعة جلاله متلذذا بلقائه باقيا ببقائه وهو منتهى درجات ~~الصديقين وكل ذلك يدل على المغايرة. # وقوله تعالى: {إن} على إضمار القول أي: ويقال لهم إن {هذا كان لكم جزاء} ~~أي: على أعمالكم التي كنتم تجاهدون فيها أنفسكم عن هواها إلى ما يرضي ربكم ~~والإشارة إلى ما تقدم من عطاء الله تعالى لهم {وكان} أي: على وجه الثبات ~~{سعيكم مشكورا} أي: لا نضيع شيئا منه ونجازي بأكثر منه أضعافا مضاعفة. # ولما بين تعالى بهذا القرآن العظيم الوعد والوعيد ذكر سبحانه أنه من عنده ~~وليس هو بسحر ولا كهانة ولا شعر بقوله تعالى: {إنا نحن} أي: على ما لنا من ~~العظمة التي لا نهاية لها لا غيرنا {نزلنا عليك} وأنت أعظم الخلق ms3961 إنزالا ~~استعلى حتى صار المنزل خلقا لك {القرآن} أي: الجامع لكل هدى {تنزيلا} قال ~~ابن عباس: متفرقا آية بعد آية ولم ينزل جملة واحدة. # قال الرازي: والمقصود من هذه الآية تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وشرح ~~صدره فيما نسبوه إليه صلى الله عليه وسلم من كهانة وسحر، فذكر تعالى أن ذلك ~~وحي من الله تعالى فكأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الكفار يقولون: إن ذلك ~~كهانة فأنا الله الملك الحق أقول على سبيل التأكيد: إن ذلك وحي حق وتنزيل ~~صدق من عندي. وفي ذلك فائدتان، الأولى: إزالة الوحشة الحاصلة بسبب طعن ~~الكفار، لأن الله تعالى عظمه وصدقه. الثانية: تقويته على تحمل مشاق ~~التكليف، فكأنه تعالى يقول له: إني ما نزلت القرآن عليك متفرقا إلا لحكمة ~~بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، وقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن في ~~القتال. # {فاصبر لحكم ربك} أي: المحسن إليك. قال ابن عباس: اصبر على أذى المشركين ~~ثم نسخ بآية القتال. وقيل: اصبر لما يحكم عليك به من الطاعات أو انتظر حكم ~~الله إذ وعدك بالنصر عليهم ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة {ولا تطع منهم} ~~أي: الكفرة الذين هم ضد الشاكرين {آثما} أي: داعيا إلى إثم سواء كان مجردا ~~عن مطلق الكفر أو مصاحبا له {أو كفورا} أي: مبالغا في الكفر وداعيا إليه ~~وإن كان كبيرا وعظيما في الدنيا، فإن الحق أكبر من كل كبير. وقال قتادة: ~~أراد بالآثم والكفور أبا جهل، وذلك أنه # PageV04P459 # لما فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها وقال: ~~لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه. # وقال مقاتل: أراد بالآثم عتبة بن ربيعة وبالكفور الوليد بن المغيرة، ~~وكانا أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج على أن ~~يترك ذكر النبوة عرض عليه عتبة ابنته وكانت من أجمل النساء، وعرض عليه ~~الوليد أن يعطيه من الأموال حتى يرضى ويترك ما هو عليه، فقرأ عليهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عشر ms3962 آيات من أول حم السجدة إلى قوله تعالى: {فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} (فصلت: 13) # فانصرفا عنه. وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع علي. # فإن قيل: كانوا كلهم كفرة فما معنى القسمة في قوله: {آثما أو كفورا} ~~أجيب: بأن معناه: ولا تطع منهم راكبا لما هو إثم داعيا لك إليه أو فاعلا ~~لما هو كفر داعيا لك إليه؛ لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم ~~أو كفر أو غير إثم ولا كفر، فنهي أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث. # ثم قال فإن قيل: معنى أو: ولا تطع أحدهما فهلا جيء بالواو ليكون نهيا عن ~~إطاعتهما جميعا؟ أجيب: بأنه لو قال: ولا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما وإذا ~~قيل: ولا تطع أحدهما علم أن الناهي عن طاعة أحدهما أنهى عن طاعتهما جميعا ~~كما إذا نهى أن يقول لأبويه: أف علم أنه نهى عن ضربهما بطريق الأولى. # فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم ما كان يطيع أحدا منهم فما فائدة هذا ~~النهي؟ أجيب: بأن المقصود بيان أن الناس محتاجون إلى التنبيه والإرشاد لأجل ~~ما تركب فيهم من الشهوة الداعية إلى النساء وأن الواحد لو استغنى عن توفيق ~~الله تعالى وإرشاده لكان أحق الناس به هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المعصوم دائما أبدا، ومتى ظهر لك ذلك عرفت أن كل مسلم لا بد له من الرغبة ~~إلى الله تعالى والتضرع إليه أن يصونه عن الشهوات. # {واذكر} أي: في الصلاة {اسم ربك} أي: المحسن إليك بكل جميل {بكرة} أي: ~~الفجر {وأصيلا} أي: الظهر والعصر. # {ومن الليل} أي: بعضه والباقي للراحة بالنوم {فاسجد له} أي: المغرب ~~والعشاء {وسبحه ليلا طويلا} أي: صل التطوع فيه كما تقدم من ثلثيه أو نصفه ~~أو ثلثه أو اذكره بلسانك بكرة عند قيامك من منامك الذي هو الموتة الصغرى ~~وتذكرك أنه يحيي الموتى ويحشرهم جميعا وأصيلا أي: عند انقراض نهارك وتذكرك ~~انقراض دنياك وطي هذا العالم لأجل يوم الفصل، وفي ذكر ms3963 الوقتين إشارة إلى ~~دوام الذكر وذكر اسمه لازم لذكره والذي عليه أكثر المفسرين. الأول قال ابن ~~عباس وسفيان: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة لأن الصلاة أفضل الأعمال البدنية ~~لأنها أعظم الذكر لأنها ذكر اللسان والجنان والأركان فوظفت فيها أركان ~~لسانية وحركات وسكنات على هيئات مخصوصة من عادتها أن لا تفعل إلا بين يدي ~~الملوك. # ولما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعظيم والأمر والنهي عدل ~~سبحانه إلى شرح أحوال الكفار والمتمردين فقال تعالى: {إن هؤلاء} أي: الذين ~~يغفلون عن الله من الكفار والمتمردين {يحبون} أي: محبة تجدد عندهم زيادتها ~~في كل وقت {العاجلة} لقصور نظرهم وجمودهم على المحسوسات التي الإقبال عليها ~~منشأ البلادة والقصور ومعدن # PageV04P460 # الأمراض للقلوب التي في الصدور، ومن تعاطى أسباب الأمراض مرض وسمي كفورا، ~~ومن تعاطى ضد ذلك شفي وسمي شاكرا. # {ويذرون} أي: ويتركون {وراءهم} أي: قدامهم على وجه الإحاطة بهم وهم عنه ~~معرضون كما يعرض الإنسان عما وراءه أو خلف ظهورهم لا يعبؤون به وقوله ~~تعالى: {يوما} مفعول يذرون لا ظرف وقوله تعالى: {ثقيلا} وصف له استعير له ~~الثقل لشدته وهو له من الشيء الثقيل الباهظ لحامله ونحوه ثقلت في السموات ~~والأرض. # {نحن خلقناهم} أي: بما لنا من العظمة لا غيرنا {وشددنا} أي: قوينا ~~{أسرهم} أي: توصيل عظامهم بعضها ببعض وتوثيق عظامهم بالأعصاب بعد أن كانوا ~~نطفا أمشاجا في غاية الضعف. وأصل الأسر الربط والتوثيق، ومنه أسر الرجل إذا ~~وثق بالقد وهو الإسار، وفرس مأسور الخلق {وإذا شئنا} أي: بما لنا من العظمة ~~أن نبدل ما نشاء من صفاتهم أو ذواتهم {بدلنا أمثالهم} أي: جئنا بأمثالهم ~~بدلا منهم إما بأن نهلكهم ونأتي ببدلهم ممن يطيع، وإما بتغيير صفاتهم كما ~~شوهد في بعض الأوقات من المسخ وغيره، وقوله تعالى: {تبديلا} تأكيد. قال ~~الجلال المحلي: ووقعت إذا موقع إن، نحو {إن يشأ يذهبكم} (النساء: 133) # لأنه تعالى لم يشأ ذلك وإذا لما يقع. وفي ذلك رد لقول الزمخشري: وحقه أن ~~يجيء بإن لا بإذا كقوله: {وإن تتولوا ms3964 يستبدل قوما غيركم} (محمد: 38) # {إن يشأ يذهبكم} (النساء: 133) # {إن هذه} أي: السورة أو الآيات القريبة {تذكرة} أي: عظة للخلق فإن في ~~تصفحها تنبيهات للغافلين، وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة للطالبين السالكين ~~ممن ألقى سمعه وأحضر قلبه وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه سمعه {فمن ~~شاء} أي: بأن اجتهد في وصوله إلى ربه {اتخذ} أي: أخذ بجهده في مجاهدة نفسه ~~ومغالبة هواه {إلى ربه} أي: المحسن إليه الذي ينبغي له أن يحبه بجميع ~~جوارحه وقلبه ويجتهد في القرب منه {سبيلا} أي: طريقا واضحا سهلا واسعا ~~بأفعال الطاعة التي أمر بها لأنا بينا الأمور غاية البيان وكشفنا اللبس ~~وأزلنا جميع موانع الفهم، فلم يبق مانع من استطراق الطريق غير مشيئتنا. # {وما تشاؤون} أي: في وقت من الأوقات شيئا من الأشياء. وقرأ أبو عمرو وابن ~~عامر وابن كثير بالياء التحتية على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب. ~~وإذا وقف حمزة سهل الهمزة مع المد والقصر، وله أيضا إبدالها واوا مع المد ~~والقصر {إلا} وقت {أن يشاء الله} أي: الملك الأعلى الذي له الأمر كله ~~والملك كله على حسب ما يريد ويقدر وقد صح بهذا ما قال الأشعري وسائر أهل ~~السنة من أن للعبد مشيئة تسمى كسبا لا تؤثر إلا بمشيئة الله تعالى، وانتفى ~~مذهب القدرية الذين يقولون: إنا نخلق أفعالنا، ومذهب الجبرية القائلين: لا ~~فعل لنا أصلا، ومثل الملوي ذلك بمن يريد قطع بطيخة فحدد سكينة وهيأها وأوجد ~~فيها أسباب القطع وأزال عنها موانعه، ثم وضعها على البطيخة فهي لا تقطع دون ~~أن يتحامل عليها التحامل المعروف لذلك، ولو وضع عليها ما لا يصلح للقطع ~~كحطبة مثلا لم تقطع ولو تحامل، فالعبد كالسكين خلقه الله تعالى وهيأه بما ~~أعطاه من القدرة للفعل، فمن قال: أنا أخلق فعلي مستقلا به فهو كمن قال: ~~السكين تقطع بمجرد وضعها من غير تحامل، ومن قال: الفاعل هو الله من غير نظر ~~إلى العبد أصلا كان كمن قال: هو يقطع البطيخة بتحامل يده أو قصبة ملساء من ~~غير ms3965 سكين، والذي يقول: إنه باشر بقدرته المهيأة لفعل # PageV04P461 # يخلقه الله تعالى لها في ذلك الفعل، كمن قال: إن السكين قطعت بالتحامل ~~عليها بهذا أجرى الله سبحانه وتعالى عادته في الناس ولو شاء غير ذلك فعل، ~~ولا يخفى أن هذا هو الحق الذي لا مرية فيه. # ثم علل ذلك بإحاطته بمشيئتهم بقوله تعالى {إن الله} أي: المحيط علما ~~وقدرة {كان} أي: أزلا وأبدا {عليما} أي: بما يستأهل كل أحد {حكيما} أي: ~~بالغ الحكمة فهو يمنع منعا محكما من أن يشاء غيره ما لم يأذن فيه فمن علم ~~في جبلته خيرا أعانه عليه، ومن علم منه الشر ساقه إليه وحمله عليه وهو معنى ~~قوله تعالى: {يدخل من يشاء} أي: ممن علمه من أهل السعادة {في رحمته} أي: ~~جنته وهم المؤمنون. وقوله تعالى {والظالمين} أي: الكافرين منصوب بفعل يفسره ~~قوله تعالى: {أعد لهم} مثل أوعد وكافأ ليطابق الجمل المعطوف عليها {عذابا ~~أليما} أي: مؤلما فهم فيه خالدون أبد الآبدين. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: إنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة ~~هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريرا» حديث موضوع. ### | سورة المرسلات عرفا # مكية # في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها ~~وهي قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} فمدنية. # وقال ابن مسعود: «نزلت والمرسلات عرفا على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~الجن ونحن معه نسير حتى أوينا إلى غار منى فنزلت، فبينما نحن نتلقاها منه ~~وإن فاه رطب بها إذ وثبت حية فوثبنا عليها لنقتلها فذهبت، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقيتم شرها كما وقيت شركم» ا. ه. والغار المذكور مشهور في ~~منى وقد زرته ولله الحمد، وعن كريب مولى ابن عباس قال: قرأت سورة والمرسلات ~~عرفا فسمعتني أم الفضل امرأة العباس فبكت. وقالت: والله يا بني لقد أذكرتني ~~بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ بها في صلاة المغرب. # وهي خمسون آية ms3966 وإحدى وثمانون كلمة وثمانمائة وستة عشر حرفا. # {بسم الله} الملك الحق المبين {الرحمن} المنعم على الخلق أجمعين {الرحيم} ~~الذي خص بكرامته عباده المؤمنين. # {والمرسلات عرفا} أي: الرياح متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضها بعضا ونصبها ~~على الحال، هذا ما عليه الجمهور من أنها الرياح قال تعالى: {وأرسلنا ~~الرياح} (الحجر: 22) # وقال تعالى: {ويرسل الرياح} (الأعراف: 57) # . وروى مسروق عن عبد الله قال: هي الملائكة أرسلت بالعرف من أمر الله ~~تعالى ونهيه والخير والوحي، وهو قول أبي هريرة ومقاتل والكلبي، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: هم الأنبياء عليهم السلام أرسلوا بلا إله إلا الله. ~~وقال أبو صالح: هم الرسل ترسل بما يعرفون به من المعجزات. وقيل: المراد ~~السحاب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت إليه ومن أرسلت إليه. # {فالعاصفات} أي: الرياح الشديدة {عصفا} أي: عظيما بما لها من النتائج ~~الصالحة، وقيل: الملائكة شبهت لسرعة جريها في أمر الله تعالى بالرياح، ~~وقيل: الملائكة تعصف بروح الكافر يقال: عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه، وناقة ~~عصوف أي: تعصف بركابها فتمضي كأنها ريح في السرعة، # PageV04P462 # وعصفت الحرب بالقوم أي: ذهبت بهم. وقيل: يحتمل أنها الآيات المهلكة ~~كالزلازل والخسوف. # {والناشرات ونشرا} أي: الرياح اللينة تنشر المطر. وقال الحسن: هي الرياح ~~التي يرسلها الله تعالى بين يدي رحمته، وقيل: الأمطار لأنها تنشر النبات ~~بمعنى تحييه. وروي عن السدي أنها الملائكة تنشر كتب الله تعالى. وروى ~~الضحاك أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد. # تنبيه: إنما قال الله تعالى {والناشرات} بالواو لأنه استئناف قسم آخر. # {فالفارقات فرقا} أي: الرياح تفرق السحاب وتبدده قاله مجاهد، وعن ابن ~~عباس هي الملائكة تفرق الأقوات والأرزاق والآجال، وقيل: هم الرسل فرقوا بين ~~ما أمر الله تعالى به وما نهى عنه أي: بينوا ذلك، وقيل: آيات القرآن تفرق ~~بين الحق والباطل والحلال والحرام. # {فالملقيات ذكرا} أي: الملائكة تنزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل عليهم ~~الصلاة والسلام، وقيل: هو جبريل عليه السلام وحده سمي باسم الجمع تعظيما. # فإن قيل: ما المناسبة على هذا بين ms3967 الرياح والملائكة في القسم؟ أجيب: بأن ~~الملائكة روحانيون، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم كالرياح. # وقيل: المراد به الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل عليهم، وذكرا مفعول به ~~ناصبه الملقيات. # {عذرا أو نذرا} مصدران من عذر إذا محا الإساءة، ومن أنذر إذا خوف على فعل ~~كالكفر والشكر. ويجوز أن يكون جمع عذير بمعنى المعذور، وجمع نذير بمعنى ~~الإنذار، وبمعنى العاذر والمنذر. ونصبهما إما على البدل من ذكرا على ~~الوجهين الأولين أو على المفعول له، وإما على الوجه الثالث، فعلى الحال ~~بمعنى عاذرين أو منذرين. وقرأ {أو نذرا} نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة ~~بضم الذال والباقون بسكونها. # وقوله تعالى: {إنما توعدون لواقع} جواب القسم، ومعناه أن الذي توعدونه من ~~مجيء القيامة كائن لا محالة، وقال الكلبي: المراد أن كل ما توعدون به من ~~الخير والشر لواقع. # ثم بين وقت وقوعه فقال تعالى: {فإذا النجوم} أي: على كثرتها {طمست} أي: ~~محي نورها أو ذهب نورها ومحقت ذواتها، وهو موافق لقوله تعالى: {انتثرت} ~~(الإنفطار: 20) # و {انكدرت} (التكوير: 2) # قال الزمخشري: ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور. # {وإذا السماء} أي: على عظمها {فرجت} أي: فتحت وشققت فكانت أبوابا، والفرج ~~الشق ونظيره {إذا السماء انشقت} (الانشقاق: 1) # {وإذا الجبال} أي: على صلابتها {نسفت} أي: ذهب بها كلها بسرعة من نسفت ~~الشيء: إذا اختطفته، أو نسفت كالحب إذا نسف بالمنسف، ونحوه {وبست الجبال ~~بسا} (الواقعة: 5) # {وكانت الجبال كثيبا مهيلا} (المزمل: 14) # {وإذا الرسل} أي: الذين أنذروا الناس ذلك اليوم فكذبوا {أقتت} قال مجاهد ~~والزجاج: المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي فيه يحضرون للشهادة على ~~أممهم، أي: جمعت لميقات يوم معلوم وهو يوم القيامة، والوقت الأجل الذي يكون ~~عنده الشيء المؤخر إليه، فالمعنى: جعل لها وقت أجل للفصل والقضاء بينهم ~~وبين الأمم كقوله تعالى: {يوم يجمع الله الرسل} (المائدة: 109) # . وقرأ أبو عمرو بواو مضمومة والباقون بهمزة مضمومة وهما لغتان، والعرب ~~تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم: وكدت وأكدت. # وقوله تعالى: {لأي يوم} أي: عظيم متعلق بقوله تعالى: {أجلت} وهذه ms3968 الجملة ~~معمولة لقول مضمر أي: يقال لأي يوم أجلت، وهذا القول المضمر يجوز أن يكون ~~جوابا لإذا وأن يكون حالا من مرفوع. # PageV04P463 # {أقتت} أي: مقولا فيها لأي يوم أجلت أي: أخرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم ~~وتعجيب له وقوله تعالى: {ليوم الفصل} بيان ليوم التأجيل. وقيل: اللام بمعنى ~~إلى، ذكره مكي. قال ابن عباس: يوم فصل الرحمن بين الخلائق كقوله تعالى: {إن ~~يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} (الدخان: 40) # ثم أتبع هذا التعظيم تعظيما آخر بقوله تعالى: {وما أدراك ما يوم الفصل} ~~أي: ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله في شدته ومهابته، وقرأ أبو عمرو وشعبة ~~وحمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين بين ~~والباقون بالفتح. # ثم أتبعه تهويلا ثالثا بقوله تعالى: {ويل يومئذ} أي: إذ يكون يوم الفصل ~~{للمكذبين} أي: بذلك، قال القرطبي: ويل عذاب وخزي لمن كذب بالله تعالى ~~وبرسله وكتبه وبيوم الفصل، وهو وعيد وكرره في هذه السورة عند كل آية كأنه ~~قسمه بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل مكذب بشيء عذابا سوى عذاب تكذيبه بشيء ~~آخر، ورب شيء كذب به هو أعظم جرما من تكذيبه لغيره؛ لأنه أقبح في تعظيمه ~~وأعظم في الرد على الله تعالى، وإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك وعلى ~~قدر وفاقه، وهو قوله تعالى: {جزاء وفاقا} (النبأ: 26) # . وقيل: كرره لمعنى تكرار التخويف والوعيد، وروي عن النعمان بن بشير قال: ~~ويل واد في جهنم فيه ألوان العذاب، وقاله ابن عباس وغيره، وروي أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال: «عرضت علي جهنم فلم أر فيها واديا أعظم من الويل» ، ~~وروي أيضا أنه مجمع ما يسيل من قيح أهل النار وصديدهم، وإنما يسيل الشيء ~~فيما سفل من الأرض، وقد علم العباد في الدنيا أن شر المواضع ما استنقع فيها ~~مياه الأدناس والأقذار والغسالات والجيف وماء الحمامات، فذكر أن الوادي ~~مستنقع صديد أهل الكفر والشرك ليعلم العاقل أنه لا شيء أقذر منه قذارة ولا ~~أنتن منه نتنا. # تنبيه: ويل مبتدأ، وسوغ الابتداء به ms3969 الدعاء، ويومئذ ظرف للويل وللمكذبين ~~خبره. وقال الزمخشري: فإن قلت كيف وقع النكرة مبتدأ؟ قلت: هو في أصله مصدر ~~منصوب ساد مسد فعله لكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ~~ودوامه للمدعو عليه ونحوه {سلام عليكم} (الرعد: 24) # واعترض بأن الذي ذكره ليس من المسوغات التي ذكرها النحويون، وإنما المسوغ ~~كونه دعاء وفائدة العدول إلى الرفع ما ذكره. # {ألم نهلك} أي: بما لنا من العظمة {الأولين} من لدن آدم عليه السلام إلى ~~زمن محمد صلى الله عليه وسلم كقوم نوح وعاد وثمود بتكذيبهم أي: أهلكناهم ~~{ثم نتبعهم الآخرين} أي: ممن كذبوا ككفار مكة فنهلكهم كما أهلكنا الأولين ~~ونسلك بهم سبيلهم؛ لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم. # {كذلك} أي: مثل ذلك الفعل الشنيع {نفعل بالمجرمين} أي: بكل من أجرم فيما ~~يستقبل إما بالسيف وإما بالهلاك.d # {ويل يومئذ} أي: إذ يوجد ذلك الفعل {للمكذبين} أي: بآيات الله وأنبيائه، ~~قال البيضاوي: فليس تكرارا وكذا إن أطلق التكذيب أو علق في الموضعين بواحد ~~لأن الويل الأول بعذاب الآخرة، وهذا للإهلاك في الدنيا مع أن التكرير ~~للتوكيد حسن شائع في كلام العرب. # {ألم نخلقكم} أي: أيها المكذبون بما لنا من العظمة التي لا تغيرها عظمة ~~{من ماء مهين} أي: ضعيف حقير وهو المني، وهذا نوع آخر من تخويف الكفار وهو ~~من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم وكل ما كان نعمه عليه ~~أكثر كان جنايته في حقه أقبح وأفحش. الثاني: # PageV04P464 # أنه تعالى ذكرهم أنه قادر على الابتداء، والقادر على الابتداء قادر على ~~الإعادة، فكما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة لا جرم قال تعالى في حقهم: {ويل ~~يومئذ للمكذبين} وهذه الآية نظير قوله تعالى: {ثم جعل نسله من سلالة من ماء ~~مهين} (السجدة: 8) # . وقرأ كل القراء بإدغام القاف في الكاف وإبقاء الصفة ولهم أيضا إدغام ~~الصفة مع الحذف. # {فجعلناه} أي: بما لنا من القدرة والعظمة بالإنزال للماء في الرحم {في ~~قرار} أي: مكان {مكين} أي: حريز وهو الرحم. # {إلى قدر معلوم} أي: وهو وقت الولادة، ms3970 كقوله تعالى: {إن الله عنده علم ~~الساعة} إلى قوله: {ويعلم ما في الأرحام} (لقمان: 34) # {فقدرنا} أي: ذلك دون غيرنا {فنعم القادرون} نحن، وقرأ نافع والكسائي ~~بتشديد الدال فيصح على هذه القراءة أن يكون المعنى: فقدرناه والباقون ~~بالتخفيف، وقال علي كرم الله وجهه: ولا يبعد أن يكون المعنى في التخفيف ~~والتشديد واحدا؛ لأن العرب تقول: قدر وقدرعليه الموت. # {ويل يومئذ} أي: إذ كان ذلك {للمكذبين} أي: بقدرتنا على ذلك أو على ~~الإعادة. # وقوله تعالى: {ألم نجعل} أي: نصير بما شئنا بما لنا من العظمة {الأرض ~~كفاتا} مصدر كفت بمعنى ضم وعاء ضامة. # {أحياء} أي: على ظهرها في الدور وغيرها {وأمواتا} أي: في بطنها في القبور ~~وغيرها. وقيل: الأحياء والأموات ترجع إلى الأرض أي: الأرض منقسمة إلى حي ~~وهو الذي ينبت، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت، وقيل: كفاتا جمع كافت كصيام ~~وقيام جمع صائم وقائم، وقال الخليل: تقليب الشيء ظهرا لبطن أو بطنا لظهر ~~ويقال انكفت القوم إلى منازلهم، أي: انقلبوا، فمعنى الكفات أنهم يتصرفون ~~على ظهرها وينقلبون إليها فيدفعون فيها. # {وجعلنا} أي: بما لنا من القدرة التامة {فيها} أي: الأرض {رواسي} أي: ~~جبالا لولاها لمادت بأهلها، ومن العجائب مراسيها من فوقها خلافا لمراسي ~~السفن {شامخات} أي: مرتفعات جمع شامخ وهو المرتفع جدا، ومنه شمخ بأنفه إذا ~~تكبر، جعل كناية عن ذلك كثنى العطف وصعر الخد، كما قال لقمان لابنه: {ولا ~~تصعر خدك للناس} (لقمان: 18) # {وأسقيناكم} أي: بما لنا من العظمة {ماء} أي: من الأنهار والعيون ~~والغدران والآبار وغير ذلك {فراتا} أي: عذبا تشربون منه ودوابكم وتسقون منه ~~زرعكم، وهذه الأمور أعجب من البعث، روي في الأرض من الجنة سيحان وجيحان ~~والنيل والفرات كل من أنهار الجنة. # {ويل يومئذ} أي: إذ تقوم الساعة {للمكذبين} أي: بأمثال هذه النعم. # وقوله تعالى: {انطلقوا} على إرادة القول، أي: يقال للمكذبين يوم القيامة: ~~انطلقوا. {إلى ما كنتم به تكذبون} من العذاب يعني: النار فقد شاهدتموها ~~عيانا. # {انطلقوا إلى ظل} أي: ظل دخان جهنم لقوله تعالى: ms3971 {وظل من يحموم} ~~(الواقعة: 43) # . {ذي ثلاث شعب} أي: تشعب لعظمه كما يرى الدخان العظيم يتفرق ذوائب. ~~وقيل: يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كالسرادق ويتشعب من دخانها ثلاث ~~شعب فتظللهم حتى يفرغ حسابهم والمؤمنون في ظل العرش، وقيل: إن الشعب ~~الثلاث: هي الضريع والزقوم والغسلين؛ لأنها أوصاف النار وقوله تعالى: {لا ~~ظليل} أي: كنين يظلهم من حر ذلك اليوم تهكم بهم ورد لما يوهم لفظ الظل. ~~{ولا يغني} أي: ولا يرد عنهم شيئا {من اللهب} أي: لهب النار، فليس كالظل ~~الذي يقي حر الشمس، وهذا تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين. واللهب ~~ما يعلو # PageV04P465 # على النار إذا اضطربت من أحمر وأصفر وأخضر. # {إنها} أي: النار {ترمي} أي: من شدة الاشتعال {بشرر} وهو ما تطاير من ~~النار {كالقصر} أي: كل شررة كالقصر من البناء في عظمه وارتفاعه. قال ابن ~~مسعود: يعني الحصون، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ترمي ~~بشرر كالقصر} قيل: هي الخشب العظام المقطعة، قال: وكنا نعمد إلى الخشبة ~~فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ندخرها للشتاء فكنا نسميها القصر. وقال ~~سعيد بن جبير والضحاك: هي أصول النخل والشجر العظام واحدتها قصرة مثل جمرة ~~وجمر. # وقوله تعالى: {كأنه} أي: الشرر {جمالات} قرأه حمزة والكسائي وحفص بغير ~~ألف بعد اللام على التوحيد والباقون بالألف على الجمع، جمع جمالة وهي التي ~~قرأ بها أولا وهي جمع جمل مثل حجارة وحجر. وقوله تعالى: {صفر} جمع أصفر أي: ~~في هيئتها ولونها. وفي الحديث «شرار النار أصفر كالقير» والعرب تسمي سود ~~الإبل صفرا لشوب سوادها بصفرة، فقيل: صفر في الآية بمعنى سود لما ذكروا في ~~شعر عمران بن حطان الخارجي: # *دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم ... بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى* # قال الترمذي: وهذا القول ضعيف ومحال في اللغة أن يكون من يشوبه شيء قليل، ~~فينسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب ممن قد قال هذا. وقد قال الله تعالى: ~~{جمالات صفر} فلا نسلم من هذا شيئا في اللغة. وقيل: شبه الشرر ms3972 بالجمالات ~~لسرعة سيرها، وقيل: لمتابعة بعضها بعضا. # {ويل يومئذ} أي: إذ يكون ذلك {للمكذبين} أي: بهذه الأمور العظام. # {هذا} أي: يوم القيامة {يوم لا ينطقون} أي: بشيء من فرط الدهشة والحيرة، ~~وهذا نوع آخر من أنواع تخويف الكفار بين أنه ليس لهم عذر ولا حجة فيما أتوا ~~به من القبائح وهذا في بعض المواقف، فإن يوم القيامة يوم طويل ذو مواطن ~~ومواقيت ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت، ولذلك ورد الأمر أن في القرآن ~~الكريم ففي بعضها يختصمون ويتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا ~~ينطقون. # وروى عكرمة أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سأله ابن الأزرق عن قوله ~~تعالى: {هذا يوم لا ينطقون} و {لا تسمع إلا همسا} (طه: 108) # و {أقبل بعضهم على بعض يتساءلون} (الصافات: 27) # فقال: إن الله تعالى يقول: {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الحج: ~~47) # فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه الألوان. وقال الحسن: فيه إضمار ~~أي: هذا يوم لا ينطقون فيه بحجة نافعة، فجعل نطقهم كلا نطق لأنه لا ينفع ~~ولا يسمع، ومن نطق بما لا ينفع فكأنه ما نطق كما يقال لمن تكلم بكلام لا ~~يفيد: ما قلت شيئا. وقيل: إن هذا وقت جوابهم {اخسؤوا فيها ولا تكلمون} ~~(المؤمنون: 108) # {ولا يؤذن لهم} أي: في العذر وقوله تعالى: {فيعتذرون} عطف على يؤذن من ~~غير تسبب عنه فهو داخل في حيز النفي أي: لا إذن فلا اعتذار. # {ويل يومئذ} أي: إذ كان هذا الموقف {للمكذبين} أي: الذين لا تقبل منهم ~~معذرة. # {هذا يوم الفصل} وهذا نوع آخر من أنواع تهديد الكفار وتخويفهم أي: يقال ~~لهم هذا اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق فيتبين المحق من المبطل {جمعناكم} ~~أيها المكذبون من هذه الأمة بما لنا من العظمة {والأولين} من المكذبين ~~قبلكم فتحاسبون وتعذبون جميعا. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: جمع ~~الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم والذين كذبوا النبيين من قبل. # وقوله تعالى: {فإن كان لكم # PageV04P466 # كيد} ms3973 أي: حيلة في دفع العذاب عنكم {فكيدون} أي: فاحتالوا لأنفسكم وقاوون، ~~ولن تجدوا ذلك تقريع لهم على كيدهم لدين الله تعالى وذويه وتسجيل عليهم ~~بالعجب، وقيل: إن ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كقول هود عليه ~~السلام {فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} (هود: 55) # {ويل يومئذ} أي: إذ يقال لهم هذا الكلام فيكون زيادة في عذابهم ~~{للمكذبين} أي: الراسخين في التكذيب في ذلك. # ثم ذكر ضد المكذبين بقوله تعالى: {إن المتقين} أي: الذين اتقوا الشرك ~~لأنهم في مقابلة المكذبين {في ظلال} أي: تكاثف أشجار إذ لا شمس يظل من حرها ~~{وعيون} أي: من ماء وعسل ولبن وخمر كما قال تعالى: {فيها أنهار من ماء غير ~~آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى} (محمد: 15) # . وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم العين والباقون بكسرها. # {وفواكه مما يشتهون} في هذا إعلام بأن المأكل والمشرب في الجنة بحسب ~~شهواتهم بخلاف الدنيا فبحسب ما يجد الناس في الأغلب. # وقوله تعالى: {كلوا واشربوا} في موضع الحال من ضمير المتقين في الظرف ~~الذي هو في ظلال أي: هم مستقرون في ظلال مقولا لهم ذلك. # وقوله تعالى: {هنيئا} حال أي: متهنئين {بما} أي: بسبب ما {كنتم تعملون} ~~من طاعات الله تعالى. # {إنا} أي: بما لنا من العظمة {كذلك} أي: كما جزينا المتقين هذا الجزاء ~~العظيم {نجزي المحسنين} أي: نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا. # {ويل يومئذ} أي: إذ يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين {للمكذبين} أي: ~~يمحض لهم العذاب المخلد ضد النعيم المؤبد. # وقوله تعالى: {كلوا وتمتعوا} خطاب للكفار في الدنيا {قليلا} أي: من ~~الزمان وغايته إلى الموت وهو زمان قليل لأنه زائل مع قصر مدته في زمن ~~الآخرة وفي هذا تهديد لهم، ويجوز أن يكون ذلك خطابا لهم في الآخرة إيذانا ~~بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا من أهله تذكيرا بحالهم ~~السمجة بما جنوا على أنفسهم ms3974 من إيثار المتاع القليل على النعيم والملك ~~الخالد، وهذا ما جرى عليه الزمخشري أولا وذكر الأول ثانيا، واقتصر الجلال ~~المحلي على ما ذكرته أولا وهو أولى. قال بعض العلماء: التمتع بالدنيا من ~~أفعال الكافرين، والسعي لها من أفعال الظالمين، والاطمئنان إليها من أفعال ~~الكاذبين، والسكون فيها على حد الإذن، والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال ~~عوام المؤمنين، والإعراض عنها من أفعال الزاهدين، وأهل الحقيقة أجل خطرا من ~~أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها. # ثم علل ذلك مؤكدا بقوله تعالى لأنهم ينكرون وصفهم بذلك: {إنكم مجرمون} ~~ففيه دلالة على أن كل مجرم يتمتع أياما قلائل، ثم البقاء في الهلاك أبدا. # {ويل يومئذ} أي: إذ تعذبون بإجرامكم {للمكذبين} حيث عرضوا أنفسهم للعذاب ~~الدائم بالتمتع القليل. # {وإذا قيل لهم} أي: لهؤلاء المجرمين من أي: قائل كان {اركعوا} أي: صلوا ~~الصلاة التي فيها الركوع كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وأطلقوه عليها ~~تسمية لها باسم جزئها، وخص هذا الجزء لأنه يقال على الخضوع والطاعة ولأنه ~~خاص بصلاة المسلمين {لا يركعون} أي: لا يصلون، قال الرازي: وهذا ظاهر لأن ~~الركوع من أركانها، فبين تعالى أن هؤلاء الكفار من صفتهم أنهم إذا دعوا إلى ~~الصلاة لا يصلون ويجوز أن يكون اركعوا بمعنى # PageV04P467 # اخشعوا وتواضعوا لله بقبول وحيه واتباع دينه، واطرحوا هذا الاستكبار لا ~~يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على استكبارهم، وأن يكون بمعنى اركعوا في ~~الصلاة إذ روي أنها نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالصلاة فقالوا: لا نجبي فإنها مسبة علينا فقال صلى الله عليه وسلم «لا خير ~~في دين ليس فيه ركوع ولا سجود» . قال في القاموس: جبى تجبية وضع يديه على ~~ركبتيه أو على الأرض أو انكب على وجهه، والتجبية أن تقوم قيام الراكع. ~~واستدل بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وأنهم حال كفرهم ~~يستحقون الذم والعقاب بترك الصلاة؛ لأن الله تعالى ذمهم حال كفرهم، وعلى أن ~~الأمر للوجوب لأن الله ms3975 تعالى ذمهم بمجرد ترك المأمور به، وهو يدل على أن ~~الأمر للوجوب. # فإن قيل: إنما ذمهم لكفرهم. أجيب بأنه تعالى ذمهم على كفرهم من وجوه إلا ~~أنه تعالى إنما ذمهم في هذه الآية لتركهم المأمور به. # وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بكسرها. # {ويل يومئذ} أي: إذ يكون الفصل {للمكذبين} أي: بما أمروا به. # قال الرازي: إنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى ~~آخرها بهذه الوجوه العشرة المذكورة وحث على التمسك بالنظر والاستدلال ~~والانقياد للدين الحق ختم السورة بالتعجب من الكفار، وبين أنهم إذا لم ~~يؤمنوا بهذه الدلائل القطعية مع تجليها ووضوحها {فبأي حديث بعده} أي: ~~القرآن {يؤمنون} أي: لا يمكن إيمانهم بغيره من كتب الله تعالى بعد تكذيبهم ~~به لاشتماله على الإعجاز الذي لم يشتمل عليه غيره، واستدل بعض المعتزلة ~~بهذه الآية على أن القرآن حادث لأن الله تعالى وصفه بأنه حديث والحديث ضد ~~القديم والضدان لا يجتمعان، فإذا كان حديثا وجب أن لا يكون قديما. وأجيب: ~~بأن المراد منه هذه الألفاظ ولا نزاع في أنها محدثة. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة والمرسلات كتب الله تعالى له أنه ليس من المشركين» حديث موضوع. ### | سورة عم يتساءلون # وتسمى سورة النبأ مكية وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية ومائةوثلاثة ~~وسبعون كلمة وسبعمائة وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي له الملك كله {الرحمن} الذي عم الوجود بفضله {الرحيم} ~~الذي تمحضت أولياؤه جنته. وقوله تعالى: # {عم} أصله عن ما على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية وأدغمت النون في ~~الميم وحذفت ألف ما، كقوله فيم واستعمال الأصل قليل. ومنه قول حسان: # *على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرغ في رماد* # ومعنى هذا الاستفهام تفخيم الشأن كأنه قال عن أي شيء {يتساءلون} ، ونحوه ~~قولك: زيد ما زيد جعلته لانقطاع قرينه وعدم نظيره كأنه شيء خفي عليك، فأنت ~~تسأل عن جنسه وتفحص عن جوهره كما تقول: ما الغول، وما العنقاء تريد ms3976 أي شيء ~~هو من الأشياء هذا أصله، ثم جرد للعبارة عن التفخيم حتى وقع في كلام من لا ~~تخفى عليه خافية، ولذا لما وقف البزي ألحق الميم هاء السكت بخلاف عنه، ~~والضمير في يتساءلون لأهل مكة، كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم. وذلك ~~أن النبي # PageV04P468 # صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت وتلا ~~عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون: ماذا جاء به محمد، ويسألون ~~الرسول والمؤمنين عنه استهزاء، وقيل: الضمير للمسلمين والكافرين جميعا ~~وكانوا جميعا يتساءلون عنه، أما المسلم فليزداد خشية واستعدادا، وأما ~~الكافر فليزداد استهزاء. # ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا؟ فقال تعالى: {عن النبأ العظيم} قال مجاهد ~~والأكثرون: هو القرآن، دليله قوله تعالى: {قل هو نبأ عظيم} (ص: 67) # وقال قتادة: هو البعث. # فإن قيل: إذا كان الضمير يرجع للكافر، فكيف يكون قوله تعالى: {الذي هم} ~~أي: بضمائرهم مع ادعائهم أنها أقوى الضمائر {فيه مختلفون} مع أن الكفار ~~كانوا متفقين على إنكار البعث؟ أجيب: بأنا لا نسلم اتفاقهم على ذلك بل كان ~~فيهم من يثبت المعاد الروحاني وهم جمهور النصارى، وأما المعاد الجسماني ~~فمنهم من يقطع القول بإنكاره ومنهم من يشك، وأما إذا كان المتساءل عنه ~~القرآن فقد اختلفوا فيه كثيرا وقيل: المتساءل عنه نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم # وقوله تعالى: {كلا} ردع للمتسائلين هزؤا، {سيعلمون} ما يحل بهم على ~~إنكارهم له. # وقوله تعالى: {ثم كلا سيعلمون} تأكيد وجيء فيه بثم للإيذان بأن الوعيد ~~الثاني أشد من الأول. وقال الضحاك: الأولى للكفار والثانية للمؤمنين، أي: ~~سيعلم الكافرون عاقبة تكذيبهم وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم. # ثم أومأ تعالى إلى القدرة على البعث بقوله تعالى: {ألم نجعل} أي: بما لنا ~~من العظمة {الأرض مهادا} أي: فراشا كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينوم عليه ~~تسمية للممهود بالمصدر كضرب الأمير. # {والجبال} أي: التي تعرفون شدتها وعظمها. {أوتادا} أي: تثبت بها الأرض ~~كما تثبت الخيام بالأوتاد، والاستفهام للتقرير، فيستدل بذلك على قدرته على ~~جميع الممكنات. وإذا ثبت ذلك ثبت ms3977 القول بصحة البعث، وإنه قادر على تخريب ~~الدنيا بسماواتها وكواكبها وأرضها وعلى إيجاد عالم الآخرة. # تنبيه: مهادا مفعول ثان لأن الجعل بمعنى التصيير، ويجوز أن يكون بمعنى ~~الخلق فتكون حالا مقدرة. # {وخلقناكم} أي: بما دل على ذلك من مظاهر العظمة {أزواجا} أي: أصنافا ~~ذكورا وإناثا وقيل: ألوانا. # {وجعلنا} أي: بما لنا من العظمة {نومكم سباتا} أي: راحة لأبدانكم. قال ~~الزجاج: السبات أن ينقطع عن الحركة والروح فيه. وقيل: معناه جلعنا نومكم ~~قطعا لأعمالكم وقيل: المسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن ~~الحركة والنوم أحد التوفيتين. # وقوله تعالى: {وجعلنا} أي: بما لنا من العظمة {الليل} أي: بعد ذهاب ~~الضياء حتى كأنه لم يكن {لباسا} فيه استعارة أي: يستركم عن العيون بظلمته ~~كما إذا أردتم هربا من عدو أو بياتا له أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه ~~من كثير من الأمور. قال الشاعر: # *وكم لظلام الليل عندي من يد ... تخبر أن المانوية تكذب* # ولما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا فقال تعالى: {وجعلنا} أي: بما لنا ~~من القدرة التامة {النهار} أي: الذي آيته الشمس {معاشا} أي: حياة تبعثون ~~فيه عن نومكم، أو وقت معاش تتقلبون فيه في حوائجكم ومكاسبكم لتحصيل ما ~~تعيشون به فمعاشا على هذا اسم زمان. # {وبنينا} بما لنا من الملك التام {فوقكم سبعا} أي: سبع سماوات وقوله ~~تعالى: {شدادا} جمع شديدة أي: قوية # PageV04P469 # محكمة لا يؤثر فيها مرور الزمان لا فطور فيها ولا فروج. ونظيره قوله ~~تعالى: {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} (الأنبياء: 32) # {وجعلنا} أي: بما لنا من العظمة مما لا يقدر عليه غيرنا {سراجا} أي: ~~منيرا متلألئا {وهاجا} أي: وقادا وهي الشمس. # {وأنزلنا} أي: بما لنا من كمال الأوصاف {من المعصرات} أي: السحاب إذا ~~أعصرت أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع أي: حان أن يجز، ~~وأعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض. # وعن الحسن وقتادة: هي السماوات، وتأويله أن الماء ينزل من السماء إلى ~~السحاب فكأن السموات عصرن. وقيل: من الرياح التي حان لها ms3978 أن تعصر السحاب. ~~وقيل: الرياح ذوات الأعاصير، وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها تنشىء السحاب ~~وتدر أخلافه. {ماء ثجاجا} أي: منصبا بكثرة يقال: ثجه وثج بنفسه. وفي ~~الحديث: «أفضل الحج العج والثج» أي: رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي، ~~وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مثجا يسيل غربا، يعني: يثج الكلام ثجا ~~في خطبته. # {لنخرج} أي: بعظمتنا التي ربطنا بها المسببات بالأسباب {به} أي: بذلك ~~الماء {حبا} أي: نجما ذا حب مما يتقوت به كالحنطة والشعير والأرز {ونباتا} ~~أي: ما يعتلف به كالتبن والحشيش، كما قال تعالى: {كلوا وارعوا أنعامكم} ~~(طه: 54) # {والحب ذو العصف والريحان} (الرحمن: 12) # {وجنات} أي: بساتين تجمع أنواع الأشجار والنبات المقتات وغيره {ألفافا} ~~أي: ملتفة بالشجر جمع لفيف كشريف وأشراف. # وقيل: هو جمع الجمع، يقال: جنة لفاء وجمعها لف بضم اللام وجمع الجمع ~~ألفاف. وقيل: لا واحد له كالأوزاع والأخياف. وقيل: الواحد لف. قال صحاب ~~الإقليد أنشدني الحسن بن علي الطوسي: # *جنة لف وعيش مغدق ... وندامى كلهم بيض زهر* # وقال الزمخشري: ولو قيل: هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولا ~~وجيها. # {إن يوم الفصل} أي: بين الخلائق {كان} أي: في علم الله تعالى وفي حكمه ~~كونا لا بد منه {ميقاتا} أي: وقتا للثواب والعقاب، أو وقتا توقت به الدنيا ~~وتنتهي عنده مع ما فيها من الخلائق. # وقوله تعالى: {يوم ينفخ في الصور} أي: القرن بدل من يوم الفصل أو بيان ~~له، والنافخ إسرافيل عليه السلام أو من أذن الله تعالى له في ذلك {فتأتون} ~~أي: بعد القيام من القبور إلى الموقف {أفواجا} أي: جماعات مختلفة. # وعن معاذ أنه سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معاذ سألت ~~عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه باكيا، وقال: تحشر عشرة أصناف من ~~أمتي، بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون ~~أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عميا، وبعضهم صما بكما، وبعضهم ~~يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم، ms3979 يتقذرهم أهل ~~الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، ~~وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة ~~بجلودهم. # ثم فسر هؤلاء بقوله: فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس يعني: ~~النمام، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، وأما المنكبون على ~~وجوههم فأكلة الربا، واما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم البكم ~~فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين # PageV04P470 # يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم فعلهم، وأما الذين ~~قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من ~~نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين أشد نتنا من الجيف فالذين ~~يتبعون الشهوات واللذات ويمنعون حق الله تعالى في أموالهم، وأما الذين ~~يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء» ا. ه. وقد تكلم في صحة هذا ~~الحديث نعوذ بالله تعالى من هؤلاء ونسأله التوفيق لنا ولأحبابنا، فإنه كريم ~~جواد لا يرد من سأله. # {وفتحت السماء} أي: شققت لنزول الملائكة {فكانت أبوابا} فإن قيل: هذه ~~الآية تقتضي أن السماء بجملتها تصير أبوابا؟ أجيب: بوجوه أولها: أن تلك ~~الأبواب لما كثرت صارت كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة، كقوله تعالى: {وفجرنا ~~الأرض عيونا} (القمر: 12) # كأن كلها عيون تتفجر. ثانيها: أنه على حذف مضاف، أي: فكانت ذات أبواب. ~~ثالثها: أن الضمير في قوله تعالى: {فكانت أبوابا} يعود إلى مضمر، والتقدير ~~فكانت تلك المواضع المفتوحة أبوابا، وقيل: الأبواب الطرق والمسالك أي: تكشط ~~فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدها شيء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف ~~التاء بعد الفاء والباقون بتشديدها. # {وسيرت الجبال} أي: ذهب بها عن أماكنها {فكانت سرابا} أي: لا شيء كما أن ~~السراب كذلك يظنه الرائي ماء وليس بماء، قال الرازي: إن الله تعالى ذكر ~~أحوال الجبال بوجوه مختلفة ويمكن الجمع بينها بأن نقول أول أحوالها ~~الاندكاك وهو قوله تعالى: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} (الحاقة: ~~14) # والحالة الثانية: أن تصير كالعهن المنفوش وهو قوله تعالى: {وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش} (القارعة: 5) # والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء ms3980 وهو قوله تعالى: {وبست الجبال بسا ~~فكانت هباء منبثا} (الواقعة: 5 6) # الحالة الرابعة: أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها ~~فترسل عليها الرياح فتنسفها عن وجه الأرض، فتطيرها في الهواء وهو قوله ~~تعالى: {ويسئلونك عن الجبال قل ينسفها ربي نسفا} (طه: 105) # الحالة الخامسة: أن تصير سرابا أي: لا شيء كما يرى السراب من بعد. وقرأ ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام تاء التأنيث في السين والباقون بالإظهار. # {إن جهنم} أي: النار التي تلقى أصحابها متجهمة لهم بغاية ما يكرهون {كانت ~~مرصادا} أي: ترصد الكفار أو موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار أو خزنة ~~الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مرورهم عليها، وروي عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما أن على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عند أولها عن شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني ~~فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء ~~بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس ~~فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة، فإن جاء ~~بها تامة جاز إلى السابع فيسأل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا فيقال: ~~انظروا إن كان له تطوع أكملوا أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة. # وأما الكافر فهو مستمر فيها كما قال تعالى: {للطاغين} أي: الكافرين ~~{مآبا} أي: مرجعا يرجعون إليه. # وقرأ حمزة {لابثين فيها} بغير ألف بين اللام والباء الموحدة والباقون ~~بألف وهما لغتان والأولى أبلغ قاله البيضاوي. # وقوله تعالى: {أحقابا} جمع حقب والحقب الواحد # PageV04P471 # ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة، ~~روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال مجاهد: الأحقاب ثلاثة ~~وأربعون حقبا. وقال الحسن: إن الله تعالى لم يجعل لأهل النار مدة بل قال: ~~{لابثين فيها أحقابا} فوالله ما هو ms3981 إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر إلى الأبد، ~~فليس للأحقاب عدة إلا الخلود، روي عن عبد الله أنه قال: لو علم أهل النار ~~أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون ~~في الجنة عدد حصى الدنيا لحزنوا. وقال مقاتل بن حبان: الحقب الواحد سبعة ~~عشر ألف سنة. قال: وهذه الآية منسوخة نسختها {فلن نزيدكم إلا عذابا} يعني: ~~أن العدد قد ارتفع والخلود قد دخل وعلى تقدير عدم النسخ فهو من قبيل ~~المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار، ويجوز أن يراد {لابثين ~~فيها أحقابا} . # {لا يذقون} أي: غير ذائقين {فيها} أي: النار {بردا ولا شرابا} {إلا حميما ~~وغساقا} ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب، ~~ويجوز أن يكون جمع حقب من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأ ~~الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب فيتنصب حالا عنهم يعني: لابثين فيها حقبين ~~جهدين، وقوله تعالى: {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا} تفسير له والاستثناء ~~منقطع يعني: لا يذوقون فيها بردا. قال عطاء والحسن: أي: راحة وروحا، أي: ~~ينفس عنهم حر النار ولا شرابا يسكن من عطشهم ولكن يذوقون فيها حميما أي: ~~ماء حارا غاية الحرارة وغساقا وهو ما يسيل من صديد أهل النار فإنهم يذوقونه ~~وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن البرد النوم ومثله، قال الكسائي ~~وأبو عبيدة: تقول العرب منع البرد البرد أي: أذهب البرد النوم، قال الشاعر: # *فلو شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا* # وقرأ حمزة والكسائي وجعفر بتشديد السين والباقون بتخفيفها. وعن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما الغساق الزمهرير يحرقهم ببرده. # جوزوا بذلك {جزاء وفاقا} أي: موافقا لعملهم قال مقاتل: وافق العذاب الذنب ~~فلا ذنب أعظم من الكفر ولا عذاب أعظم من النار. # وقوله تعالى: {إنهم كانوا لا يرجون حسابا} بيان لما وافقه هذا الجزاء أي: ~~لا يخافون أن يحاسبوا. والمعنى: أنهم كانوا لا ms3982 يؤمنون بالبعث ولا أنهم ~~يحاسبون. # {وكذبوا بآياتنا} أي: بما جاءت به الأنبياء عليهم السلام، وقيل: القرآن ~~وقرأ {كذابا} غير الكسائي بالتشديد أي: تكذيبا، قال الفراء: وهي لغة يمانية ~~فصيحة يقولون في مصدر التفعيل فعال. وقال الزمخشري: وفعال في باب فعل كله ~~فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره، وسمعني بعضهم أفسر آية فقال: ~~لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله. وقرأ الكسائي بالتخفيف مصدر كذب بدليل قول ~~الشاعر: # *فصدقته وكذبته ... والمرء ينفعه كذابه* # قال الزمخشري: وهو مثل قوله: {أنبتكم من الأرض نباتا} (نوح: 17) # يعني: وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا، أو تنصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى ~~كذبوا؛ لأنه كل مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا ~~بآياتنا فكاذبوا مكاذبة، أو كذبوا بها مكاذبين لأنهم إذا كانوا عند ~~المسلمين كاذبين # PageV04P472 # وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو ~~إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر فبلغ فيه أقصى جهده. # {وكل شيء} أي: من الأعمال وغيرها {أحصيناه} أي: ضبطناه، وقوله تعالى: ~~{كتابا} فيه وجهان أحدهما: أنه مصدر في موضع إحصاء والإحصاء والكتب ~~يتشاركان في معنى الضبط، ثانيهما: أن يكون حالا بمعنى مكتوبا في اللوح ~~المحفوظ كقوله تعالى: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} (يس: 12) # . وقيل: أراد ما تكتبه الملائكة الموكلون بالعباد بأمر الله تعالى إياهم ~~بالكتابة لقوله تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين} (الإنفطار: 10 11) # والجملة اعتراض. # وقوله تعالى: {فذوقوا فلن نزيدكم} أي: شيئا من الأشياء في وقت من الأوقات ~~{إلا عذابا} تسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، قال الرازي: وفي هذه ~~الآية مبالغات منها لن للتأكيد ومنها الالتفات، ومنها إعادة قوله تعالى: ~~{فذوقوا} بعد ذكر العذاب، قال أبو بردة: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~أشد آية في القرآن؟ فقال صلى الله عليه وسلم «قوله تعالى: {فذوقوا فلن ~~نزيدكم إلا عذابا} » أي: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا ~~العذاب و {كلما خبت زدناهم سعيرا} . # ولما ذكر تعالى ما للكافرين أتبعه بذكر ما للمؤمنين فقال ms3983 تعالى: # {إن للمتقين مفازا} أي: مكان فوز في الجنة. # وقوله تعالى: {حدائق} أي: بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة بدل من ~~مفازا بدل الإشمال أو البعض أو بيان له وقوله تعالى: {وأعنابا} أي: كروما ~~عطف على مفازا. # {وكواعب} أي: جواري تكعب ثديهن جمع كاعب {أترابا} أي: على سن واحد جمع ~~ترب بكسر التاء وسكون الراء وقيل: الأتراب اللدات. # {وكأسا دهاقا} أي: خمرا مالئة محالها وفي القتال {وأنهار من خمر} والدهاق ~~المترعة ودهق الحوض ملأه حتى قال: قطني، وقال ابن عباس: مترعة مملوءة. وقال ~~عكرمة: صافية. # {لا يسمعون فيها} أي: الجنة في وقت ما عند شرب الخمر وغيره من الأحوال ~~{لغوا} أي: لغطا يستحق أن يلغى بأن يكون ليس له معنى، وقوله تعالى: {ولا ~~كذابا} قرأه بالتخفيف الكسائي وبالتشديد الباقون، أي: تكذيبا من واحد لغيره ~~بخلاف ما يقع في الدنيا عند شرب الخمر. # {جزاء من ربك} أي: المحسن إليك بما أعطاك جزاهم بذلك جزاء. وقوله تعالى: ~~{عطاء} بدل من جزاء وهو اسم مصدر وجعله الزمخشري منصوبا بجزاء نصب المفعول ~~به، ورده أبو حيان بأنه جعل جزاء مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة التي هي {إن ~~للمتقين} قال: والمصدر المؤكد لا يعمل لأنه لا ينحل لحرف مصدري والفعل ولا ~~نعلم في ذلك خلافا {حسابا} أي: كافيا وافيا يقال: أحسبت فلانا أي: أعطيته ~~ما يكفيه حتى قال حسبي. وقال ابن قتيبة أي: عطاء كثيرا، وقيل: جزاء بقدر ~~أعمالهم. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن} ~~برفع رب والرحمن وابن عامر وعاصم بخفضهما والآخران بخفض الأول ورفع الثاني. # أما رفعهما فمن أوجه: أحدها: أن يكون رب خبر مبتدأ مضمر أي: هو رب ~~والرحمن كذلك، أو مبتدأ خبره لا يملكون، ثانيها: أن يجعل رب مبتدأ والرحمن ~~خبره، ولا يملكون خبرا ثانيا أو مستأنفا، ثالثها: أن يكون رب مبتدأ والرحمن ~~نعته، ولا يملكون خبر رب. رابعها: أن يكون رب مبتدأ والرحمن مبتدأ ثان ولا ~~يملكون خبره، والجملة خبر الأول، وحصل الربط بتكرير المبتدأ بمعناه ms3984 وهو # PageV04P473 # رأي الأخفش، ويجوز أن يكون لا يملكون حالا وتكون لازمة. # وأما جرهما فعلى البيان والنعت أو يجعل رب السموات تابعا للأول والرحمن ~~تابعا للثاني، وأما جر الأول فعلى التبعية للأول. ورفع الثاني، فعلى ~~الابتداء والخبر الجملة الفعلية وهي لا يملكون أي: الخلق. {منه} أي: من ~~الله تعالى {خطابا} والضمير في لا يملكون لأهل السموات والأرض أي: ليس في ~~أيديهم ما يخاطب به الله، ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد ~~يتصرفون فيه تصرف الملاك، فيزيدون فيه أو ينقصون منه أولا يملكون أن ~~يخاطبوا بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن ~~لهم فيه. # وقوله تعالى: {يوم} متعلق بلا يملكون أو لا يتكلمون {يقوم الروح ~~والملائكة} وقوله تعالى: {صفا} حال أي: مصطفين، والروح أعظم خلقا من ~~الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~هو ملك عظيم ما خلق الله تعالى بعد العرش خلقا أعظم منه، فإذا كان يوم ~~القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا، فيكون عظم خلقه ~~مثلهم، وقال الشعبي: هو جبريل عليه السلام، وقيل: ملك موكل على الأرواح. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الروح ملك أعظم من السموات ومن الجبال ~~ومن الملائكة وهو في السماء الرابعة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق ~~من كل تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفا وحده. # وقال مجاهد وقتادة رضي الله عنهم: الروح خلق على صورة بني آدم وليسوا ~~بناس يقومون صفا والملائكة صفا هؤلاء جند وهؤلاء جند. وروى مجاهد عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: خلق على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا ~~معه واحد منهم، وقال الحسن رضي الله عنه: هو بنو آدم ورواه قتادة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما وقال: هذا ما كان يكتمه ابن عباس، وقيل: هو جند من ~~جنود الله تعالى ليسوا ملائكة، لهم رؤوس وأيد وأرجل يأكلون الطعام. وقيل: ~~أرواح بني آدم، ms3985 وقال زيد بن أسلم: هو القرآن، وقرأ {وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا} (الشورى: 52) # وإذا كان هؤلاء {لا يتكلمون} وهم من أفضل الخلق وأشرفهم وأكثرهم طاعة ~~وأقربهم منه تعالى لا يملكون التكلم، فما ظنك بمن عداهم من أهل السموات ~~والأرض، ويجوز رجوع الضمير للخلق أجمعين. # {إلا من أذن له} أي: في الكلام إذنا خاصا {الرحمن} أي: الملك الذي لا ~~تكون النعمة إلا منه {وقال} قولا {صوابا} في الدنيا أي: حقا من المؤمنين ~~والملائكة وهما شريطتان: أن يكون المتكلم مأذونا له في الكلام، وأن يتكلم ~~بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى. لقوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} ~~(الأنبياء: 28) # وقيل: القول الصواب لا إله إلا الله. # {ذلك} أي: المشار إليه لبعد مكانته وعظم رتبته وعلو منزلته {اليوم الحق} ~~أي: الكائن لا محالة وهو يوم القيامة {فمن شاء اتخذ إلى ربه} أي: المحسن ~~إليه {مآبا} أي: مرجعا وسبيلا لطاعته ليسلم من العذاب في ذلك اليوم، فإن ~~الله تعالى جعل لهم قوة واختيارا، ولكن لا يقدر أحد منهم على مشيئة شيء إلا ~~بمشيئة الله تعالى. # {إنا} أي: على ما لنا من العظمة {أنذرناكم} أي: يا كفار مكة {عذابا ~~قريبا} أي: عذاب يوم القيامة الآتي وكل آت قريب، وقوله تعالى: {يوم} ظرف ~~لعذابا بصفته {ينظر المرء} أي: كل امرئ سواء كان مؤمنا أو كافرا نظرا لا ~~مرية فيه {ما} أي: الذي {قدمت يداه} أي: كسبه في الدنيا من خير وشر، # PageV04P474 # وقال الحسن رضي الله عنه: أراد بالمرء المؤمن أي: يجد لنفسه عملا، وأما ~~الكافر فلا يجد لنفسه عملا فيتمنى أن يكون ترابا، ولأنه تعالى قال: {ويقول ~~الكافر} فعلم أنه أراد بالمرء المؤمن وقيل: هو الكافر لقوله تعالى: {إنا ~~أنذرناكم} فيكون الكافر ظاهرا وضع موضع الضمير لزيادة الذم. ومعنى {ما قدمت ~~يداه} من الشر كقوله تعالى: {ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق، ذلك بما قدمت ~~يداك} (الحج: 9 10) # وما يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدمت أي: ينظر أي شيء قدمت يداه أو ~~موصولة منصوبة بينظر يقال: نظرته ms3986 بمعنى نظرت إليه والراجع إلى الصلة محذوف. # وقال مقاتل رضي الله عنه: نزل قوله تعالى: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} ~~في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، و {ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} ~~في أخية الأسود بن عبد الأسد وقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: ~~الكافر هنا إبليس، وذلك أنه عاب آدم عليه السلام بأنه خلق من تراب وافتخر ~~بأنه خلق من نار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من الثواب ~~والراحة ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب تمنى أنه كان بمكان آدم فيقول {يا ~~ليتني كنت ترابا} . قال: ورأيته في بعض التفاسير. # قال البغوي: قال أبو هريرة رضي الله عنه فيقول التراب: لا ولا كرامة لكل ~~من جعلك مثلي. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: يحشر الخلق كلهم من ~~دابة وطائر وإنسان ثم يقال للبهائم والطير: كونوا ترابا، فعند ذلك يقول ~~الكافر {يا ليتني كنت ترابا} أي: فلا أعذب وقيل: معنى {يا ليتني كنت ترابا} ~~أي: لم أبعث. وقال أبو الزناد: إذا قضي بين الناس وأمر بأهل الجنة إلى ~~الجنة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن: عودوا ترابا ~~فيعودون ترابا فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم: {يا ليتني كنت ترابا} ، ~~وقال ليث بن أبي سليم مؤمنو الجن يعودون ترابا. وقال عمر بن عبد العزيز ~~ومجاهد وغيرهما: مؤمنو الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها، والذي ~~عليه الأكثر أنهم مكلفون مثابون ومعاقبون كبني آدم، وقيل: يحشر الله تعالى ~~الحيوان غير مكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يرده ترابا فيود الكافر ~~حاله. # وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة عم سقاه الله تعالى برد الشراب يوم القيامة» حديث موضوع. ### | سورة النازعات # مكية # وهي خمس أو ست وأربعون آية ومائةوسبعون كلمة وسبعمائة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الذي أحاط علمه بالكائنات {الرحمن} الذي أنعم على سائر ~~الموجودات {الرحيم} الذي خص ms3987 أولياءه بالجنات # {والنازعات} أي: الملائكة تنزع أرواح الكفار {غرقا} أي: تنزع أرواحهم من ~~أجسادهم بشدة كما يغرق النازع في القوس ليبلغ بها غاية المد بعدما نزعها، ~~حتى إذا كادت تخرج ردها إلى جسده فهذا عملهم بالكفار. وقال علي وابن مسعود ~~رضي الله عنهما: يريد نفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم من تحت كل ~~شعرة ومن تحت الأظافير وأصول القدمين نزعا كالسفود ينزع من الصوف الرطب، ثم ~~يغرقها أي: يرجعها إلى أجسادهم ثم ينزعها، فهذا عمله في الكفار. # وقال السدي رضي الله عنه: والنازعات هي النفوس حين # PageV04P475 # تغرق في الصدور، وقال مجاهد رضي الله عنه: هي الموت ينزع النفوس. وقال ~~الحسن وقتادة رضي الله عنهم: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب. ~~وقال عطاء وعكرمة رضي الله عنهم: هي النفوس، وقيل: الغزاة. # تنبيه: غرقا يجوز أن يكون مصدرا على حذف الزوائد بمعنى إغراقا، وانتصابه ~~بما قبله لملاقاته في المعنى، وأن يكون على الحال أي: ذوات إغراق. # يقال: أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل وبلغ أقصى غايته. # {والناشطات نشطا} أي: الملائكة تنشط أرواح المؤمنين أي: تسلها برفق ~~فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنه. # وفي الحديث: «كأنما نشط من عقال» . وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «هي ~~أنفس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت لما ترى من الكرامة؛ لأن الجنة تعرض ~~عليهم قبل الموت» . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «هي الملائكة تنشط ~~أرواح الكفار مما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أفواههم بالكد والغم» ~~والنشط الجذب والنزع، يقال: نشط الدنو نشطا انتزعها» . وقال السدي رضي الله ~~عنه: هي النفس تنشط من بين القدمين، أي: تجذب، وقال قتادة رضي الله عنه: هي ~~النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي: تذهب. يقال: نشط من بلد إلى بلد إذا خرج ~~في سرعة، ويقال حمار ناشط ينشط من بلد إلى بلد. وقال الجوهري: يعني النجوم ~~تنشط من برج إلى برج، كالثور الناشط من بلد إلى بلد. ms3988 # {والسابحات سبحا} أي: الملائكة تسبح من السماء بأمره أي: ينزلون من ~~السماء مسرعين كالفرس الجواد. يقال له: سابح إذا أسرع في جريه، وقال علي ~~رضي الله عنه: هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين. قال الكلبي: كالذي يسبح ~~في الماء، فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع يسلونها سلا رفيقا بسهولة، ثم ~~يدعونها حتى تستريح. وعن مجاهد رضي الله عنه: السابحات الموت يسبح في نفوس ~~بني آدم. وقال قتادة والحسن رضي الله عنهم: هي النجوم تسبح في أفلاكها، ~~وكذا الشمس والقمر، قال تعالى: {كل في فلك يسبحون} (الأنبياء: 33) # . وقال عطاء: هي السفن في الماء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أرواح ~~المؤمنين تسبح شوقا إلى لقاء الله تعالى ورحمته حتى تخرج، وقيل: هي خيل ~~الغزاة، قال عنترة: # *والخيل تعلم حين تس ... بح في حياض الموت سبحا* # {فالسابقات سبقا} أي: الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وقال ~~مجاهد رضي الله عنه: هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وقال ~~ابن مسعود رضي الله عنه: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين ~~يقبضونها شوقا إلى لقاء الله تعالى وكرامته، وقد عاينت السرور. وقال قتادة ~~رضي الله عنه: هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير. وقال عطاء: هي الخيل ~~التي تسبق في الجهاد، وقيل: هي ما يسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو ~~نار. قال الجرجاني: ذكر السابقات بالفاء لأنها مسببة عن الذي قبلها، أي: ~~واللاتي يسبحن فيسبقن. # قال الواحدي: وهذا غير مطرد في قوله تعالى: {فالمدبرات أمرا} أي: ~~الملائكة تدبر أمر الدنيا، أي: تنزل بتدبيره. قال الرازي: ويمكن الجواب ~~بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالا يتصل ~~بعضها ببعض، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المدبرات هي الملائكة وكلوا ~~بأمور عرفهم الله تعالى العمل بها. # قال عبد الرحمن بن سابط: يدبر الأمر في الدنيا أربعة من الملائكة: جبريل # PageV04P476 # وميكائيل وملك الموت وإسرافيل عليهم السلام، فأما جبريل فوكل بالرياح ~~والجنود، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض ~~الأرواح، ms3989 وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وليس في الملائكة أقرب منه ~~وبينه وبين العرش خمسمائة عام. وقيل: هي الكواكب السبع، حكي عن معاذ بن جبل ~~رضي الله عنه. # وفي تدبيرها بالأمور وجهان: أحدهما تدبير طلوعها وأفولها، والثاني في ~~تدبير ما قضى الله تعالى فيها من تقليب الأحوال أقسم سبحانه وتعالى بهذه ~~الأمور على قيام الساعة والبعث، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه، ولله تعالى ~~أن يقسم بما شاء من خلقه، وأما العباد فلا يصح لهم أن يقسموا بغير الله ~~تعالى وصفاته. # وقوله تعالى: {يوم ترجف} أي: تضطرب اضطرابا كثيرا مزعجا {الراجفة} أي: ~~الصيحة منصوب بالجواب، أي: لتبعثن يا كفار مكة {يوم ترجف الراجفة} وهي ~~النفخة الأولى بها يرجف كل شيء، أي: يتزلزل ويتحرك لها كل شيء، ويموت منها ~~جميع الخلائق فوصفت بما يحدث منها. {تتبعها الرادفة} أي: الصيحة التابعة ~~لها وهي النفخة الثانية، ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة، والجملة حال من ~~الراجفة واليوم واسع للنفختين وغيرهما، فصح ظرفيته للبعث الواقع عقيب ~~الثانية. وقال قتادة رضي الله عنه: هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء والأخرى ~~تحيي كل شيء بإذن الله سبحانه وتعالى، وقال عطاء: الراجفة القيامة والرادفة ~~البعث. روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال: يا أيها الناس اذكروا الله جاءت ~~الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه» . # {قلوب يومئذ} أي: إذ قام الخلائق بالصيحة التابعة للأولى {واجفة} أي: ~~خائفة قلقة مضطربة من الوجيف وهو صفة القلوب، وقال مجاهد رضي الله عنه: ~~وجلة. وقال السدي: زائلة عن أماكنها، نظيره {إذ القلوب لدى الحناجر} (غافر: ~~18) # {أبصارها} أي: أبصار أصحابها، فهو من الاستخدام {خاشعة} أي: ذليلة من ~~الخوف، ولذا أضافها إلى القلوب، كقوله تعالى: {خاشعين من الذل} (الشورى: ~~45) # {يقولون} أي: أرباب القلوب والأبصار في الدنيا استهزاء وإنكارا للبعث ~~{أئنا لمردودون} أي: بعد الموت {في الحافرة} أي: في الحياة التي كنا فيها ~~قبل الموت، وهي حالتنا الأولى، فنصير ms3990 أحياء بعد الموت كما كنا، تقول العرب: ~~رجع فلان في حافرته، أي: رجع من حيث جاء، والحافرة عندهم اسم لابتداء الشيء ~~وأول الشيء. وقال بعضهم: الحافرة وجه الأرض التي تحفر فيها قبورهم، سميت ~~حافرة بمعنى المحفورة. كقوله تعالى: {عيشة راضية} (الحاقة: 21) # أي: مرضية، وقيل: سميت حافرة لأنها مستقر الحوافر، أي: إنا لمردودون إلى ~~الأرض فنبعث خلقا جديدا نمشي عليها، وقال ابن زيد: الحافرة النار. # {أئذا كنا} أي: كونا صار جبلة لنا. {عظاما نخرة} أي: بالية متفتتة نحيى ~~بعد ذلك، وقرأ: أئنا وإذا نافع وابن عامر والكسائي بالاستفهام في الأول ~~والخبر في الثاني، والباقون بالاستفهام فيهما، وسهل نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو والباقون بالتحقيق، وأدخل بين الهمزتين قالون وأبو عمرو وهشام بخلاف ~~عنه ألفا والباقون بغير إدخال. # وقرأ نخرة حمزة وشعبة والكسائي بالألف بعد النون والباقون بغير ألف، وهما ~~لغتان، مثل: الطمع والطامع، والحذر والحاذر، معناهما البالية، وفرق قوم ~~بينهما فقالوا: النخرة البالية، والنخرة المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر ~~أي: تصوت. # {قالوا} أي: المنكرون # PageV04P477 # للبعث {تلك} أي: رجعتنا العجيبة إلى الحياة {إذا} أي: إن صحت {كرة} أي: ~~رجعة {خاسرة} أي: ذات خسران أو خسار أصحابها، والمعنى: إن صحت فنحن إذا ~~خاسرون بتكذيبنا وهو استهزاء منهم. وعن الحسن رضي الله عنه أن خاسرة بمعنى ~~كاذبة، أي: ليست كائنة. # قال الله تعالى: {فإنما هي} أي: الرادفة التي يتبعها البعث {زجرة} أي: ~~صيحة بانتهار تتضمن الأمر بالقيام والسوق إلى المحشر والمنع من التخلف ~~{واحدة} عبر بالزجرة لأنه أشد من النهي، لأنها صيحة لا يتخلف عنها القيام ~~أصلا فكان كأنه بلسان قال عن تلك الصيحة: أيها الأجساد البالية انتهي عن ~~الرقاد وقومي إلى الميعاد بما حكمنا به من المعاد، فقد انتهى زمن الحصاد، ~~وآن أوان الاجتناء لما قدم من الزاد، فيا خسارة من ليس له زاد. # {فإذا هم} أي: فتسبب عن تلك النفخة وهي الثانية أن كل الخلائق {بالساهرة} ~~أي: صاروا على وجه الأرض بعدما كانوا في جوفها. والعرب تسمي الفلاة ووجه ~~الأرض ساهرة، ms3991 قال بعض أهل اللغة: تراهم سموها ساهرة لأن فيها نوم الحيوان ~~وسهرهم. قال سفيان رضي الله عنه: هي أرض الشام، وقال قتادة رضي الله عنه: ~~هي جهنم. # فإن قيل: بم يتعلق {فإنما هي زجرة واحدة} ؟ أجيب: بأنه متعلق بمحذوف ~~معناه لا تستصعبوها {فإنما هي زجرة واحدة} يعني: لا تحسبوا تلك الكرة صعبة ~~على الله تعالى، فإنها سهلة هينة في قدرته تعالى. # وقال الزمخشري: الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك، لأن السراب ~~يجري فيها من قولهم: عين ساهرة أي: جارية الماء وفي ضدها نائمة. قال الأشعث ~~بن قيس: # *وساهرة يضحى السراب مجللا ... لأقطارها قد جبتها متلثما* # أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة. وقال الراغب: هي وجه الأرض. وقيل: أرض ~~القيامة، وحقيقتها التي يكثر الوطء بها كأنها سهرت من ذلك، والأسهران عرقان ~~في الأنف، والساهور غلاف القمر الذي يدخل فيه عند كسوفه. وروى الضحاك عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: الساهرة أرض من فضة لم يعص الله عليها قط ~~جعلها حينئذ، وقيل: الساهرة اسم للأرض السابعة يأتي بها الله تعالى فيحاسب ~~عليها الخلائق، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض وقال وهب بن منبه: جبل بيت ~~المقدس. وقال عثمان بن أبي العاتكة: إنه اسم مكان من الأرض بعينه بالشأم، ~~وهو الصقع الذي بين جبل أريحاء وجبل حسان يمده الله تعالى كيف شاء. # ثم إن الله تعالى سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # {هل أتاك} يا أشرف الخلق {حديث موسى} أي: أليس قد أتاك حديثه، فيسليك على ~~تكذيب قومك ويهددهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم، فإنه كان ~~أقوى أهل الأرض بما كان له من كثرة الجنود فلما أصر على التكذيب ولم يرجع ~~ولا أفاده التأديب أغرقناه وآله، ولم نبق منهم أحدا، وقد كانوا لا يحصون ~~عددا بحيث قيل: إن طليعته كانت على عدد بني إسرائيل ستمائة ألف فكيف بقومك ~~الضعاف. # وقوله تعالى: {إذ} أي: حين {ناداه} منصوب بحديث لا بأتاك {ربه} أي: ~~المحسن إليه بالرسالة ms3992 وغيرها {بالواد المقدس} أي: المطهر غاية الطهر بتشريف ~~الله تعالى له بإنزال النبوة المفيضة للبركات. وقوله تعالى: {طوى} اسم ~~الوادي وهو الذي طوي فيه الشر عن بني إسرائيل، ومن أراد الله تعالى من خلقه ~~ونشر فيه # PageV04P478 # بركات النبوة على جميع أهل الأرض المسلم بإسلامه وغيره برفع عذاب ~~الاستئصال عنه، فإن العلماء قالوا: إن عذاب الاستئصال ارتفع حين أنزلت ~~التوراة، وهو واد بالطور بين إيلة ومصر، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~بغير تنوين في الوصل والباقون بالتنوين. # وقوله تعالى: {اذهب إلى فرعون} أي: ملك مصر الذي كان يستعبد بني إسرائيل ~~على إرادة القول {إنه طغى} أي: تجاوز الحد في الكفر وعلا وتكبر. # وقال الرازي: لم يبين أنه طغى في أي شيء، فقيل: تكبر على الله تعالى وكفر ~~به، وقيل: تكبر على الخلق واستعبدهم. { { # وروي عن الحسن رضي الله عنه قال: كان فرعون علجا من همدان، وقال مجاهد ~~رضي الله عنه: كان من أهل إصطخر. وعن الحسن أيضا: كان من أصبهان يقال له: ~~ذو الظفر طوله أربعة أشبار. # وقوله تعالى: {فقل} أي: له {هل لك} أي: هل لك سبيل {إلى أن تزكى} أي: ~~تتطهر من الكفر والطغيان. قال ابن عباس رضي الله عنهما: بأن تشهد أن لا إله ~~إلا الله. وقال أبو البقاء: لما كان المعنى أدعوك جاء بإلى، وقال غيره: ~~يقال هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا كما تقول: هل ترغب فيه وهل ترغب إليه. ~~وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي، والأصل تتزكى والباقون بتخفيفها. # {وأهديك إلى ربك} أي: وأنبهك على معرفة المحسن إليه {فتخشى} لأن الخشية ~~لا تكون إلا بالمعرفة قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ~~(فاطر: 28) # أي: العلماء به، وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر من خشي الله تعالى أتى منه ~~كل خير، ومن أمن اجترأ على كل شر. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «من خاف ~~أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» بدأ بمخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما ~~يقول الرجل لضيفه: هل لك ms3993 أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرفيق ليستدعيه ~~للتلطف في القول ويستنزله بالمداراة من علوه كما أمر بذلك في قوله تعالى: ~~{فقولا له قولا لينا} (طه: 25) # الآية. وقال الرازي: سائر الآيات تدل على أنه تعالى لما نادى موسى عليه ~~السلام ذكر له أشياء كثيرة {نودي إني أنا ربك} إلى قوله تعالى: {لنريك من ~~آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى} (طه: 12 24) # فدل قوله تعالى: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} أنه من جملة ما ناداه به لا كل ~~ما ناداه به، وأيضا فليس الغرض أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى فرعون فقط، ~~بل إلى كل من كان في الطور إلا أنه خصه بالذكر لأن دعوته جارية مجرى كل ~~القوم. # والفاء في قوله تعالى: {فأراه} عاطفة على محذوف يعني: فذهب فأراه {الآية ~~الكبرى} كقوله تعالى: {اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} (البقرة: 60) # أي: فضرب فانفجرت. # واختلفوا في الآية الكبرى أي: العلامة العظمى وهي المعجزة. فقال عطاء ~~وابن عباس رضي الله عنهم: هي العصا. وقال مقاتل والكلبي رضي الله عنهما: هي ~~اليد البيضاء تبرق كالشمس، والأول أولى لأنه ليس في اليد إلا انقلاب لونها، ~~وهذا حاصل في العصا لأنها لما انقلبت حية لا بد وأن يتغير اللون الأول، ~~فإذن كل ما في اليد فهو حاصل في العصا، وأمور أخر وهي الحياة في الجرم ~~الجمادي وتزايد أجزائه، وحصول القدرة الكبيرة والقوة الشديدة وابتلاعها ~~أشياء كثيرة وزوال الحياة والقدرة عنها، وذهاب تلك الأجزاء التي عظمت، ~~وزوال ذلك اللون والشكل اللذين صارت العصا بهما حية، وكل واحد من هذه ~~الوجوه كان معجزا مستقلا في نفسه، فعلمنا أن الآية الكبرى هي العصا. وقال ~~مجاهد رضي الله عنه: هي مجموع العصا واليد، وقيل: فلق البحر، وقيل: جميع ~~آياته التسع. # {فكذب} أي: فتسبب عن رؤيته ذلك # PageV04P479 # أن كذب موسى عليه السلام {وعصى} الله تعالى بعد ظهور الآية وتحقيق الأمر، ~~وقيل: كذب بالقول وعصى بالتمرد والتجبر. # {ثم أدبر} أي: تولى وأعرض عن الإيمان بعد المهل والأناة إعراضا عظيما ~~بالتمادي على أعظم ما ms3994 كان فيه من الطغيان بعد خطوب جليلة ومشاهد طويلة، حال ~~كونه {يسعى} أي: يعمل بالفساد في الأرض، أو أنه لما رأى الثعبان أدبر ~~مرعوبا يسعى أي: يسرع في مشيته. قال الحسن رضي الله عنه: كان رجلا طياشا ~~خفيفا، وتولى عن موسى عليه السلام يسعى ويجتهد في مكايدته، أو أريد: ثم ~~أقبل يسعى كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى أنشأ يفعل، فوضع أدبر موضع ~~أقبل لئلا يوصف بالإقبال. # {فحشر} أي: فتسبب عن إدباره أنه جمع السحرة للمعارضة وجنوده للقتال ~~{فنادى} حينئذ بأعلى صوته. قال حمزة الكرماني: قال له موسى عليه السلام: إن ~~ربي أرسلني إليك لئن آمنت بربك تكون أربعمائة سنة في النعيم والسرور، ثم ~~تموت فتدخل الجنة فقال: حتى أستشير هامان فاستشاره، فقال: أتصير عبدا بعدما ~~كنت ربا، فعند ذلك جمع بعث الشرط وجمع السحرة والجنود. # فلما اجتمعوا قام عدو الله على سريره {فقال أنا ربكم الأعلى} أي: لا رب ~~فوقي، وقيل: أراد أن الأصنام أرباب وأنا ربها وربكم، وقيل: أمر مناديا ~~فنادى في الناس بذلك، وقيل: قام فيهم خطيبا فقال ذلك. # {فأخذه الله} أي: أهلكه بالغرق الملك الأعظم الذي لا كفء له {نكال} أي: ~~عقوبة {الآخرة} أي: هذه الكلمة وهي قوله {أنا ربكم الأعلى} . {والأولى} وهي ~~قوله: {ما علمت لكم من إله غيري} (القصص: 38) # . قال ابن عباس رضي الله عنهما: وكان بين الكلمتين أربعون سنة، والمعنى: ~~أمهله في الأولى ثم أخذه في الآخرة فعذبه بكلمتيه. وقال الحسن رضي الله ~~عنه: {نكال الآخرة والأولى} هو أن أغرقه في الدنيا وعذبه في الآخرة. وعن ~~قتادة رضي الله عنه: الآخرة هي قوله: {أنا ربكم الأعلى} والأولى تكذيبه ~~لموسى عليه السلام. # ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى: {إن في ذلك} أي: الأمر العظيم ~~الذي فعله فرعون والذي فعل به حين كذب وعصى {لعبرة} أي: لعظة {لمن يخشى} ~~أي: لمن يخاف الله تعالى لأن الخشية أساس الخير كما مرت الإشارة إليه. # ثم خاطب تعالى منكري البعث بقوله تعالى: # {أأنتم} أي: أيها ms3995 الأحياء مع كونكم خلقا ضعيفا {أشد خلقا} أي: أخلقكم بعد ~~الموت أشد في تقديركم {أم السماء} أي: فمن قدر على خلق السماء على عظمها من ~~السعة والكبر والعلو والمنافع قدر على الإعادة، وهذا كقوله تعالى: {لخلق ~~السموات والأرض أكبر من خلق الناس} (غافر: 57) ، والمقصود من الآية ~~الاستدلال على منكري البعث، ونظيره قوله تعالى: {أوليس الذي خلق السموات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} (يس: 81) # ومعنى الكلام التقريع والتوبيخ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام ~~بخلاف عنه بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، والباقون بتحقيقهما، وأدخل بينهما ~~ألفا قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بغير إدخال. { { # وقوله تعالى: {بناها} بيان لكيفية خلقه إياها فالوقف على السماء ~~والابتداء بما بعدها وقوله تعالى: {رفع سمكها} جملة مفسرة لكيفية البناء، ~~والسمك الارتفاع أي: جعل مقدارها في سمت العلو مديدا رفيعا مسيرة خمسمائة ~~عام {فسواها} أي: فعدلها مستوية ملساء ليس فيها تفاوت ولا فطور، أو فتممها ~~بما علم أنها تتم به وأصلحها من قولك: سوى فلان أمر فلان. # {وأغطش} أي: أظلم {ليلها} أي: # PageV04P480 # جعله مظلما بغياب شمسها فأخفى ضياءها بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت ~~الشمس ظهرت عليه، فصار لا يهتدي معه إلى ما كان في حال الضياء، وأضاف الليل ~~إلى السماء لأن الليل يكون بغروب الشمس والشمس تضاف إلى السماء. ويقال: ~~نجوم الليل، لأن ظهورها بالليل. # وقوله تعالى: {وأخرج ضحاها} فيه حذف، أي: ضحى شمسها، أو أضاف الليل ~~والضحى لها للملابسة التي بينها وبينهما لأن الليل ظلها والشمس هي السراج ~~المثقب في جوها، وإنما عبر عن النهار بالضحى؛ لأن الضحى أكمل أجزاء النهار ~~بالنور والضوء. # {والأرض بعد ذلك} أي: بعد المذكور كله {دحاها} أي: بسطها ومهدها للسكنى ~~وبقية المنافع، وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو فلا معارضة بينها وبين ~~آية فصلت؛ لأنه خلق الأرض أولا غير مدحوة ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: خلق الله تعالى الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها ~~قبل السماء فسواها سبع سموات ثم ms3996 دحا الأرض بعد ذلك. وقيل: معناه والأرض مع ~~ذلك دحاها كقوله تعالى: {عتل بعد ذلك} (القلم: 13) # أي: مع ذلك، ومنه قولهم: أنت أحمق، وأنت بعد هذا سيء الخلق. # وقيل: بعد بمعنى قبل كقوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} ~~(الأنبياء: 105) # أي: من قبل، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: خلق الله تعالى ~~الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم ~~دحيت الأرض من تحت البيت. # {أخرج منها} أي: الأرض {ماءها} أي: بتفجير عيونها، وإضافتها إليها دليل ~~على أنه مودوع فيها {ومرعاها} أي: النبات الذي يرعى مما يأكله الناس ~~والأنعام من العشب والشجر والثمر والحب حتى النار والملح، لأن النار من ~~العيدان قال تعالى: {أفرأيتم النار التي تورون} (الواقعة: 71) # الآية، والملح من الماء، واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله ~~تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام: {يرتع ويلعب} (يوسف: 12) # والمرعى في الأصل موضع الرعي. # تنبيه: أخرج حال بإضمار قد أي: مخرجا، وإضمار قد هو قول الجمهور وخالف ~~الكوفيون والأخفش. # {والجبال أرساها} أي: أثبتها على وجه الأرض لتسكن، ونظيره قوله تعالى: ~~{والجبال أوتادا} (النبأ: 7) # وقوله تعالى: {متاعا} مفعول له لمقدر، أي: فعل ذلك منفعة أو مصدر لعامل ~~مقدر أي: متعكم تمتيعا. # {لكم} وقوله تعالى: {ولأنعامكم} جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم، وذكر ~~الأنعام لكثرة الانتفاع بها. # {فإذا جاءت الطامة الكبرى} أي: الداهية التي تطم على الدواهي أي: تعلو ~~وتغلب، وفي أمثالهم: جرى الوادي فطم على القرى، قال ابن عباس: وهي النفخة ~~الثانية التي يكون معها البعث. وقال الضحاك: هي القيامة سميت بذلك لأنها ~~تطم على كل شيء فتغمره. وقال القاسم بن الوليد الهمداني: هي الساعة التي ~~يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. # وقوله تعالى: {يوم يتذكر} أي: تذكرا عظيما {الإنسان} أي: الخلق الآنس ~~بنفسه الغافل عما خلق له بدل من إذا {ما سعى} في الدنيا من خير أو شر، ~~يعني: إذا رأى أعماله مدونة في كتابه ms3997 تذكرها، وكان قد نسيها كقوله تعالى: ~~{أحصاه الله ونسوه} (المجادلة: 6) # وما في {ما سعى} موصولة أو مصدرية. # {وبرزت الجحيم} أي: أظهرت النار المحرقة إظهارا بينا مكشوفا {لمن يرى} ~~أي: لكل راء، كقولهم: قد تبين الصبح لذي عينين، يريدون لكل من له بصر، وهو ~~مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد، لكن الناجي لا ينصرف بصره ~~إليها فلا يراها، كما قال تعالى: {لا يسمعون # PageV04P481 # حسيسها} (الأنبياء: 102) # وجواب إذا قوله: {فأما من طغى} أي: تجاوز الحد في العدوان حتى كفر بربه ~~{وآثر} أي: قدم واختار {الحياة الدنيا} أي: انهمك فيها ولم يستعد للآخرة ~~بالعبادة وتهذيب النفس {فإن الجحيم} أي: النار الشديدة التوقد العظيمة {هي} ~~أي: خاصة {المأوى} أي: مأواه كما تقول للرجل: غض الطرف، تريد طرفك، وليست ~~الألف واللام بدلا عن الإضافة، ولكن لما علم أن الطاغي هو صاحب المأوى، ~~وأنه لا يغض الرجل طرف غيره تركت الإضافة. # تنبيه: {هي} يجوز أن تكون فصلا أو مبتدأ. # {وأما من خاف مقام ربه} أي: قيامه بين يديه لعلمه بالمبدأ وبالمعاد، وقال ~~مجاهد: خوفه في الدنيا من الله تعالى عند مواقعة الذنب فيقلع عنه نظيره ~~{ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن: 46) # {ونهى النفس} أي: الأمارة بالسوء {عن الهوى} وهو اتباع الشهوات وزجرها ~~عنها وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير. # {فإن الجنة} أي: البستان لكل ما يشتهى {هي} أي: خاصة {المأوى} أي: ليس له ~~سواها مأوى، وحاصل الجواب أن العاصي في النار والطائع في الجنة. قال ~~الرازي: هذان الوصفان مضادان للوصفين المتقدمين فقوله تعالى: {فأما من خاف ~~مقام ربه} ضد قوله تعالى: {فأما من طغى} . {ونهى النفس عن الهوى} ضد قوله ~~تعالى: {وآثر الحياة الدنيا} فكما دخل في ذينك الوصفين جميع القبائح دخل في ~~هذين الوصفين جميع الطاعات. وقال عبد الله بن مسعود: أنتم في زمان يقود ~~الحق الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق، فتعوذوا بالله من ذلك الزمان. # تنبيه: اختلف في سبب نزول هاتين الآيتين، فقيل: نزلتا في مصعب بن عمير ~~وأخيه. روى ms3998 الضحاك عن ابن عباس قال: {أما من طغى} فهو أخو مصعب بن عمير أسر ~~يوم بدر وأخذته الأنصار فقالوا: من أنت، قال: أنا أخو مصعب بن عمير فلم ~~يشدوه في الوثاق وأكرموه وبيتوه عندهم فلما أصبحوا حدثوا مصعب بن عمير ~~حديثه، فقال: ما هو لي بأخ شدوا أسيركم، فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليا ~~ومالا، فأوثقوه حتى تبعث أمه فداءه، {وأما من خاف مقام ربه} فمصعب بن عمير ~~وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه حتى ~~نفذت المشاقص في جوفه، والمشاقص جمع مشقص وهو السهم العريض، فلما رآه صلى ~~الله عليه وسلم متشحطا في دمه قال صلى الله عليه وسلم «عند الله أحتسبك» ~~وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما ~~وإن شراك نعله من ذهب» وعن ابن عباس أيضا: نزلت في رجلين أبي جهل بن هشام ~~ومصعب بن عمير. وقال السدي: نزلت الآية الثانية في أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه. وقال الكلبي: هما عامتان. # ولما سمع المشركون أخبار القيامة ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل الطامة ~~الكبرى والصاخة والقارعة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء متى ~~تكون الساعة؟ نزل: {يسئلونك} يا أشرف الخلق {عن الساعة} أي: البعث الآخر ~~لكثرة ما تتوعدهم به من أمرها {أيان مرساها} أي: في أي وقت إرساؤها، أي: ~~إقامتها أرادوا متى يقيمها الله تعالى ويثبتها ويكونها، أو أيان منتهاها ~~ومستقرها، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهي إليه. # فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه: {فيم} أي: في أي شيء {أنت من ذكراها} ~~أي: من أن تذكر وقتها لهم وتعلهم به. # تنبيه: {فيم} خبر مقدم و {أنت} مبتدأ مؤخر و {من ذكراها} متعلق بما تعلق ~~به الخبر، والمعنى: أنت في أي شيء من ذكراها، أي: ما أنت من # PageV04P482 # ذكراها لهم وتبيين وقتها في شيء. وعن عائشة رضي الله عنها «لم يزل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت» فهو ms3999 على هذا ~~تعجب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكراها والسؤال ~~عنها، والمعنى: أنهم يسألونك عنها فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل ~~عنها. # {إلى ربك} أي: المحسن إليك بأنواع النعم {منتهاها} أي: منتهى علمها لم ~~يؤت علمها أحدا من خلقه كقوله تعالى: {إنما علمها عند ربي} (الأعراف: 187) # وقوله تعالى: {إن الله عنده علم الساعة} (لقمان: 34) # قال القرطبي: ويجوز أن يكون إنكارا على المشركين في مسألتهم، أي: فيم أنت ~~من ذلك حتى يسألونك، بيانه: ولست ممن يعلمه. روي معناه عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما، وقيل: الوقف على قوله تعالى: {فيم} وهو خبر مبتدأ مضمر أي: فيم ~~هذا السؤال، ثم يبتدأ بقوله تعالى: {أنت من ذكراها} أي: أرسلناك وأنت خاتم ~~الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في فم الساعة ذكر من ذكراها وعلامة من ~~علاماتها فكفاهم بذلك دليلا على دنوها ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها، ولا ~~معنى لسؤالهم عنها. # {إنما أنت} أي: يا أشرف الرسل {منذر} أي: إنما بعثت لإنذار {من يخشاها} ~~أي: لتخويف من يخاف هولها، وهو لا يناسب تعيين الوقت وتخصيص من يخشى؛ لأنه ~~المنتفع به، أي: إنما ينفع إنذارك من يخافها وإن كنت منذر الكل مكلف. # {كأنهم} قال البغوي: يعني: كفار قريش {يوم يرونها} أي: يعلمون قيام ~~الساعة علما هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع الصيحة وقيامهم من ~~القبور مع علمهم بما مر من زمانهم وما أتى فيه {لم يلبثوا} أي: في الدنيا ~~أو في القبور {إلا عشية} أي: من الزوال إلى غروب الشمس {أو ضحاها} أو ضحى ~~عشية من العشايا وهو البكرة إلى الزوال، والعشية بعد ذلك أضيف إليها الضحى؛ ~~لأنها من النهار، والإضافة تحصل بأدنى ملابسة، وهي هنا كونهما من نهار ~~واحد، فالمراد ساعة من نهار من أوله أو آخره لم يستكملوا نهارا تاما، ولم ~~يجمعوا بين طرفيه، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم «ما الدنيا في الآخرة ~~إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» . # فإن ms4000 قيل: هلا قال: إلا عشية أو ضحى، وما فائدة الإضافة؟ أجيب: بأن ذلك ~~للدلالة على أن مدة لبثهم كأنها لم تبلغ يوما كاملا، ولكن ساعة منه عشيته ~~أو ضحاه، فلما ترك اليوم أضافه على عشيته فهو كقوله تعالى: {لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار} (الأحقاف: 35) # وحسن الإضافة وقوع الكلمة فاصلة. # تنبيه: قرأ {حديث موسى} ، {طوى} ، {طغى} ، {تزكى} ، {فتخشى} ، {وعصى} ، ~~{يسعى} ، {فنادى} ، {الأعلى} ، {والأولى} ، {يخشى} ، {ما سعى} ، {طغى} ، ~~{الدنيا} ، {المأوى} ، {عن الهوى} ، {المأوى} ، حمزة والكسائي بالإمالة ~~محضة، وورش وأبو عمرو بين وبين، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين. وقرأ {فأراه ~~الآية الكبرى} ، {الطامة الكبرى} {لمن يرى} ، {من ذكراها} ، أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح في الجميع. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة والنازعات كان ممن حبسه الله تعالى في القبر والقيامة حتى يدخل الجنة ~~قدر صلاة مكتوبة» حديث موضوع. ### | سورة عبس # مكية وتسمى سورة السفرة # وهي اثنان وأربعون آية ومائة وثلاثون كلمة وثلاثمائة وثلاثون حرفا # PageV04P483 # {بسم الله} الواحد القهار {الرحمن} الذي عم بإنعامه الأبرار والفجار ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه برحمته في دار القرار. # {عبس} أي: كلح وجهه النبي صلى الله عليه وسلم {وتولى} أي: أعرض بوجهه ~~لأجل {أن جاءه الأعمى} وهو ابن أم مكتوم وأم مكتوم أم ابيه واسمها عاتكة ~~بنت عامر بن مخزوم، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني ~~عامر بن لؤي، وذلك أنه جاءه وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو ~~جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية ابن خلف، والوليد بن المغيرة ~~يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم فيتأيد ~~بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم، فتعلو كلمة الله تعالى، فقال: يا رسول ~~الله، أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله ~~بالقوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه، ~~وقال في نفسه: يقول هؤلاء ms4001 الصناديد: إنما اتبعه العميان والعبيد والسفلة ~~فعبس وجهه وأعرض عنه وأقبل على القوم الذين يكلمهم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآيات فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: ~~«مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» ، ويبسط له رداءه ويقول له: «هل لك حاجة؟» ~~واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما. قال أنس بن مالك: رأيته يوم ~~القادسية راكبا وعليه درع وله راية سوداء. { { # {وما يدريك} أي: أي شيء يجعلك داريا بحاله {لعله} أي: الأعمى {يزكى} فيه ~~إدغام التاء في الأصل في الزاي، أي: يتطهر من الذنوب بما يسمع منك وفي ذلك ~~إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره. # {أو يذكر} فيه إدغام التاء في الذال أي: يتعظ وتسبب عن تزكيته وتذكره ~~قوله تعالى: {فتنفعه الذكرى} أي: العظمة المسموعة منك، وقرأ عاصم بنصب ~~العين والباقون برفعها، فمن رفع فهو نسق على قوله تعالى: {أو يذكر} ومن نصب ~~فعلى جواب الترجي كقوله تعالى في غافر: {فأطلع إلى إله موسى} (غافر: 37) # . وقال ابن عطية في جواب التمني لأن قوله تعالى: {أو يذكر} في حكم قوله ~~تعالى: {لعله يزكى} . # واعترض عليه أبو حيان: بأن هذا ليس تمنيا وإنما هو ترج. وأجيب عنه: بأنه ~~إنما يريد التمني المفهوم وقت الذكرى. # وقرأ الذكرى أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين، ~~والباقون بالفتح وقيل: الضمير في لعله للكافر يعني: أنك طمعت في أن يتزكى ~~بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أن ما طمعت فيه ~~كائن. # {أما من استغنى} أي: بالمال، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: استغنى عن ~~الله وعن الإيمان بما له من المال. # {فأنت له} أي: دون الأعمى {تصدى} أي: تتعرض له بالإقبال عليه والمصادة ~~المعارضة وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الصاد بإدغام التاء الثانية في الأصل ~~فيها والباقون بالتخفيف. # {وما} أي: فعلت ذلك والحال أنه ما {عليك} أي: وليس عليك بأس {ألا يزكى} ~~أي: في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض ms4002 عمن ~~أسلم إن عليك إلا البلاغ. # {وأما من جاءك} حال كونه {يسعى} أي: يسرع في طلب الخير وهو ابن أم مكتوم ~~{وهو} أي: والحال أنه {يخشى} أي: الله أو الكفار في أذاهم على الإتيان ~~إليك. وقيل: جاء وليس معه قائد فهو يخشى الكبوة، وقرأ قالون وأبو عمرو ~~والسدي بسكون الهاء والباقون بضمها. # {فأنت عنه تلهى} فيه حذف التاء الآخرة في الأصل، أي: تتشاغل، وقرأ ~~{وتولى} ، {الأعمى} ، {يزكى} ، {من استغنى} ، {تصدى} ، {يزكى} ، {يسعى} ، ~~{يخشى} # PageV04P484 # ، {تلهى} حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين، والفتح ~~عن ورش قليل والباقون بالفتح. # وقوله تعالى: {كلا} ردع من العاتب عليه وعن معاودة مثله. فإن قيل: ما ~~فعله ابن أم مكتوم كان يستحق عليه التأديب والزجر، فكيف عاتب الله تعالى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم على تأديبه، لأنه وإن كان أعمى فقد سمع مخاطبته ~~صلى الله عليه وسلم لأولئك الكفار، وكان بسماعه يعرف شدة اهتمام النبي صلى ~~الله عليه وسلم بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه صلى الله عليه وسلم لغرض ~~نفسه قبل تمام كلام النبي صلى الله عليه وسلم معصية عظيمة، وأيضا فإن الأهم ~~يقدم على المهم، وكان قد أسلم وتعلم ما يحتاج من أمر الدين، وأما أولئك ~~الكفار فلم يكونوا أسلموا، وكان إسلامهم سببا لإسلام غيرهم، فكان كلام ابن ~~أم مكتوم كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل، وذلك يحرم أيضا. فإن ~~الله تعالى ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات بمجرد ندائهم، فهذا النداء ~~الذي هو كالصارف للكفار عن الإيمان أولى أن يكون ذنبا، وأيضا فمع هذا ~~الاعتناء كيف لقب بالأعمى، وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم له أن يؤدب ~~أصحابه بما يراه مصلحة، والتعبيس من ذلك القبيل؟ # أجيب: بأن ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مشغولا بغيره وأنه يرجو إسلامهم، ولكنه لم يعلم بذلك. ~~وأيضا الله سبحانه وتعالى إنما عاتبه على ذلك حتى لا تنكسر قلوب الضعفاء، ~~أو ليعلم ms4003 أن المؤمن الفقير خير من الغني الكافر. # وقال ابن زيد: إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم وأعرض ~~عنه لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه فدفعه ابن أم مكتوم وأبى إلا أن ~~يتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان في هذا نوع جفاء منه، ومع هذا نزل ~~في حقه ذلك، وأما ذكره بلفظ الأعمى فليس للتحقير بل كان بسبب عماه يستحق أن ~~يزيده تعطفا وترؤفا وتقريبا وترحيبا، ولقد تأدب الناس بأدب الله تعالى في ~~هذا تأدبا حسنا، فقد روي عن سفيان الثوري رضي الله عنه: أن الفقراء كانوا ~~بمجلسه أمراء، وأما كونه صلى الله عليه وسلم كان مأذونا له في تأديب أصحابه ~~فلأن تقديمهم ربما يوهم ترجيح تقديم الأغنياء على الفقراء فلهذا السبب ~~عوتب. # قال الحسن رضي الله عنه: لما تلا جبريل عليه السلام على النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآيات عاد وجهه كأنما نسف فيه الرماد ينتظر ما يحكم الله ~~تعالى عليه فلما قال: {كلا} سري عنه أي: لا تفعل مثل ذلك، وقد بينا نحن أن ~~ذلك محمول على ترك الأولى. ثم قال الله تعالى: {إنها} أي: هذه السورة. وقال ~~مقاتل رضي الله عنه: آيات القرآن. وقيل: القرآن، وأنثه لتأنيث خبره وهو ~~قوله تعالى: {تذكرة} أي: عظة للخلق يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها. # {فمن شاء ذكره} أي: كان حافظا له غير ناس، وذكر الضمير لأن التذكرة في ~~معنى الذكر والوعظ. # ثم إن الله تعالى أخبر عن جلالة ذلك عنده فقال سبحانه {في صحف} أي: ~~منتسخة من اللوح المحفوظ، وقيل: هي كتب الأنبياء عليهم السلام، دليله قوله ~~تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى} (الأعلى، الآيتان: 18 ~~19) # . {مكرمة} أي: عند الله تعالى. # {مرفوعة} أي: في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار {مطهرة} أي: منزهة عن ~~أيدي الشياطين لا يمسها إلا أيدي ملائكة كرام مطهرين. # كما قال تعالى: {بأيدي سفرة} أي: كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ وهم ~~الملائكة الكرام الكاتبون # PageV04P485 # واحدهم سافر يقال: ms4004 سفرت، أي: كتبت، ومنه قيل للكتاب: سفر وجمعه أسفار. ~~وقيل: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير وهو الرسول، وسفير القوم هو الذي ~~يسعى بينهم بالصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم. # ثم أثنى تعالى عليهم بقوله سبحانه: {كرام} أي: على الله تعالى وروى ~~الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في كرام قال: مكرمون أن يكونوا مع ابن ~~آدم إلا إذا خلا بزوجته أو برز لغائط وقيل: يؤثرون منافع غيرهم على منافع ~~أنفسهم. وقوله: {بررة} جمع بار كساحر وسحرة وفاجر وفجرة، والبار هو الصادق ~~المطيع. ومنه بر فلان في يمينه أي: صدق، وفلان يبر خالقه أي: يطيعه. فمعنى ~~بررة مطيعين صادقين لله تعالى في أعمالهم. # ولما ذكر تعالى ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين عجب عباده المؤمنين ~~من ذلك فقال سبحانه. # {قتل الإنسان} أي: لعن الكافر، وقوله تعالى: {ما أكفره} استفهام توبيخ، ~~أي: ما أشد تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه لإنكاره البعث وإشراكه بربه ~~وغير ذلك مما حمله على الكفر. # وقوله تعالى: {من أي شيء خلقه} استفهام تقرير. { { # ثم بينه بقوله تعالى: {من نطفة} أي: ماء يسير جدا لا من غيره. {خلقه} أي: ~~أوجده مقدرا على ما هو عليه من التخطيط {فقدره} أي: علقة ثم مضغة إلى آخر ~~خلقه فكأنه قيل: وأي سبب في هذا الترفع مع أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة ~~قذرة، وهو فيما بين الوقتين حامل عذرة، فإن خلقة الإنسان تصلح أن يستدل بها ~~على وجود الصانع؛ لأنه يستدل بها على أحوال البعث والحشر. قيل: نزلت في ~~عتبة بن أبي لهب والظاهر العموم. # فإن قيل: الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز فالقادر على الكل كيف ~~يليق به ذلك، والتعجب أيضا إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء، فالعالم به كيف ~~يليق به ذلك؟ أجيب: بأن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب لبيان استحقاقهم ~~لأعظم العقاب حيث أتوا بأعظم القبائح. كقولهم إذا تعجبوا من شيء: قاتله ~~الله ما أحسنه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى: اعجبوا من كفر الإنسان ~~بجميع ms4005 ما ذكرنا بعد هذا. # وقيل: الاستفهام استفهام تحقير له فذكر أول مراتبه وهو قوله تعالى: {من ~~نطفة خلقه} ولا شك أن النطفة شيء حقير مهين، ومن كان أصله ذلك كيف يتكبر ~~وقوله تعالى: {فقدره} أي: أطوارا وقيل: سواه كقوله تعالى: {ثم سواك رجلا} ~~(الكهف: 37) # أو قدر كل عضو في الكيفية والكمية بالقدر اللائق لمصلحته كقوله تعالى: ~~{وخلق كل شيء فقدره تقديرا} (الفرقان: 2) # ثم ذكر المرتبة الوسطى بقوله تعالى: {ثم} بعد انتهاء المدة {السبيل} أي: ~~طريق خروجه من بطن أمه {يسره} أي: سهل له أمره في خروجه بأن فتح له الرحم ~~وألهمه الخروج منه، ولا شك أن خروجه من أضيق المسالك من أعجب العجائب يقال: ~~إنه كان رأسه في بطن أمه من فوق ورجلاه من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب ~~فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام المراد، ومنه قوله تعالى: {وهديناه النجدين} ~~(البلد: 10) # أي: التمييز بين الخير والشر. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سبيل الشقاء والسعادة. وقال ابن ~~زيد: سبيل الإسلام. قال أبو بكر بن طاهر: يسر على كل أحد ما خلقه له وقدر ~~عليه لقوله صلى الله عليه وسلم «كل ميسر لما خلق له» . ثم ذكر المرتبة ~~الأخيرة بقوله تعالى: {ثم أماته} وأشار إلى إيجاب المبادرة بالتجهيز بالفاء ~~المعقبة في قوله تعالى: {فأقبره} أي: جعله في قبر يستره إكراما له، ولم ~~يجعله ممن يلقى على وجه الأرض تأكله الطير وغيرها. # {ثم إذا شاء أنشره} أي: أحياه بعد موته للبعث، ومفعول شاء # PageV04P486 # محذوف أي: شاء إنشاره وأنشره جواب إذا، وقرأ قالون وأبو عمرو البزي ~~بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وسهل الثانية ورش وقنبل ولهما أيضا ~~إبدالها ألفا والباقون بتحقيقهما. # وقوله تعالى: {كلا} ردع للإنسان عما هو عليه، وقيل: معناها حقا. قال ~~الأول الزمخشري وتبعه البيضاوي، وقال الثاني الجلال المحلي. {لما يقض} أي: ~~يفعل {ما أمره} به ربه من الإيمان وترك التكبر. وقيل: لم يوف بالميثاق الذي ~~أخذ عليه في صلب آدم عليه السلام. وقيل: المعنى: إن ذلك ms4006 الإنسان الكافر لم ~~يقض ما أمره به من التأمل في دلائل الله تعالى والتدبر في عجائب خلقه. # ولما كانت عادة الله تعالى جارية في القرآن أنه كلما ذكر دلائل الإنسان ~~ذكر عقبها دلائل الآفاق بدأ من ذلك بما يحتاج إليه الإنسان بقوله تعالى: ~~{فلينظر الإنسان} أي: يوقع النظر التام بكل شيء يقدر على النظر به من بصره ~~وبصيرته {إلى طعامه} أي: الذي هو قوام حياته كيف هيأ له أسباب المعاش ~~ليستعد بها للمعاد. # قال الحسن ومجاهد: فلينظر إلى طعامه إلى مدخله ومخرجه. وروي عن الضحاك ~~أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ضحاك، ما طعامك؟» قلت: ~~يا رسول الله، اللحم واللبن، قال: «فشرابك ماذا؟» قلت: الماء قد علمته، ~~قال: «فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا» . # وروي عن ابن عمر أن الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه فيأتيه الملك ~~فيقول انظر إلى ما تحليت به إلام صار. # وقرأ {أنا صببنا} أي: بما لنا من العظمة {الماء} عاصم وحمزة والكسائي ~~بفتح الهمزة على أنه بدل اشتمال بمعنى أن صب الماء سبب في إخراج الطعام فهو ~~مشتمل عليه بهذا التقدير، أو أنه تقدير لام العلة، أي: فلينظر لأنا ثم حذف ~~الخافض، وقال البغوي: أنا بالفتح على تكرير الخافض مجازه فلينظر إلى أنا ~~وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف تعديدا لنعمه تعالى عليه، وقوله تعالى ~~{صبا} تأكيد، والمراد بالماء المطر. # ولما كان الإنسان محتاجا إلى جميع ما في الوجود ولو نقص منه شيء اختل ~~أمره وبدأ أولا بالسماوي لأنه أشرف وبالماء الذي هو حياة كل شيء تنبيها له ~~على ابتداء خلقه. ثنى بالأرض التي هي كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال ~~تعالى {ثم} أي: بعد مهلة من إنزال الماء {شققنا} أي: بما لنا من العظمة ~~{الأرض} أي: بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أضعف الأشياء فكيف بالأرض ~~اليابسة، وقوله تعالى {شقا} تأكيد. # ثم سبب عن الشق ما هو كالتفسير له فقال تعالى: {فأنبتنا} أي: ms4007 بما لنا من ~~القدرة التامة {فيها} أي: بسبب الشق {حبا} أي: قمحا وشعيرا وسلتا وسائر ما ~~يحصد ويدخر، وقدم ذلك لأنه كالأصل في التغذية {وعنبا} وذكره بعد الحب لأنه ~~غذاء من وجه وفاكهة من وجه {وقضبا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الرطب ~~لأنه يقتضب من النخل، أي: يقطع ورجحه بعضهم لذكره بعد العنب لأنهما يقترنان ~~كثيرا، وقيل: القت الرطب، وقيل: كل ما يقضب من البقول لبني آدم، وقيل: هو ~~الرطبة والمقضاب أرضه، سمي بمصدر قضبه إذا قطعه لأنه يقضب مرة بعد أخرى. ~~وقال الحسن: القضب العلف للدواب. # {وزيتونا} وهو ما يعصر منه الزيت يكون فيه حرافة وغضاضة فيه إصلاح ~~المزاج. وقوله تعالى: {ونخلا} جمع نخلة، وكل من هذه الأشجار مخالف للآخر في ~~الشكل والحمل وغير ذلك مع المرافقة في الأرض والسقي. # وقوله تعالى {وحدائق غلبا} جمع أغلب وغلباء # PageV04P487 # كحمر في أحمر وحمراء، أي: بساتين كثيرة الأشجار. والأصل في الوصف بالغلب ~~الرقاب، يقال: رجل أغلب وامرأة غلباء غليظا الرقبة فاستعير. قال عمرو بن ~~معد يكرب: # *يمشي بها غلب الرجال كأنهم ... بزل كسين من الكحيل جلالا* # وقال مجاهد ومقاتل: الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض. وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: الطوال. وقيل: غلاظ الأشجار. # {وفاكهة} وهي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ، قال النووي ~~في منهاجه: ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمان وأترج ورطب ويابس أي: كالتمر ~~والزبيب، قال: قلت: وليمون ونبق وبطيخ ولب فستق وبندق وغيرها في الأصح. ~~{وأبا} وهو ما تأكله الدواب لأنه يؤب أي: يؤم وينتجع إليه. وقال عكرمة: ~~الفاكهة ما يأكله الناس، والأب ما تأكله الدواب، وقيل: التبن. وعن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الأب فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني ~~إذا قلت في كتاب الله تعالى ما لا علم لي به. وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأ ~~هذه الآية فقال: كل هذا عرفنا فما الأب؟ ثم رفض عصا كانت بيده، ثم قال: هذا ~~لعمر الله التكلف ms4008 وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب، ثم قال: ~~اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه. # فإن قيل: هذا يشبه النهي عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته؟ أجيب: ~~بأنه لم يذهب إلى ذلك ولكن القوم كانت أكثر همتهم عاكفة على العمل، وكان ~~التشاغل بشيء من العلم الذي لا يعمل به تكلفا عندهم، فأراد أن الآية مسوقة ~~عندهم في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى ~~الآية أن الأب بعض ما أنبته الله تعالى للإنسان متاعا له أو لإنعامه، فعليك ~~بما هو أهم من النهوض بالشكر لله تعالى على ما بين لك، ولم يشكل مما عدد من ~~نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له، ~~واكتف بالمعرفة الجملية إلى أن يتبين لك من مشكلات القرآن. # {متاعا} أي: العشب، أي: منفعة أو تمتيعا كما تقدم في السورة قبلها {لكم} ~~أي: الفاكهة {ولأنعامكم} وتقدم أيضا في السورة التي قبلها معرفة الأنعام ~~والحكمة في الاقتصار عليها. # ولما ذكر تعالى هذه الأشياء وكان المقصود منها ثلاثة: أولها: الدلائل ~~الدالة على التوحيد، وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة والمعاد. وثالثها: ~~أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان لا يليق ~~بالعاقل أن يتمرد على طاعته وأن يتكبر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكد ~~لهذه الأغراض وهو شرح أحوال القيامة، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك ~~الخوف إلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، ويدعوه أيضا ~~إلى ترك التكبر على الناس وإلى إظهار التواضع فقال تعالى: # {فإذا جاءت} أي: كانت ووجدت لأن كل ما هو كائن لاقيك وجاء إليك {الصاخة} ~~أي: صيحة القيامة وهي النفخة الثانية التي تصخ الأذن، أي: تصمها لشدة ~~وقعتها. مأخوذة من صخه بالحجر أي: صكه به. وقال الزمخشري: صخ لحديثه مثل ~~أصاخ فوصفت النفخة بالصاخة مجازا، لأن الناس يصخون لها. وقال ابن العربي: ~~الصاخة التي تورث الصمم وإنها لمسمعة، ms4009 وهذا من بديع الفصاحة كقوله: # PageV04P488 # *أصمني سرهم أيام فرقتهم ... وهل سمعتم بسر يورث الصمما* # وجواب {إذا} محذوف دل عليه قوله تعالى: {فإذا جاءت الصاخة} أي: اشتغل كل ~~واحد بنفسه. # وقوله تعالى: {يوم يفر المرء} بدل من إذا {من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته} ~~أي: زوجته {وبنيه} لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه ~~شيئا كقوله تعالى: {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} (الدخان: 41) { { # فيفر المرء من هؤلاء الذين كان يفر إليهم في دار الدنيا ويستجير بهم ~~لكثرة ما يشغله. وبدأ بالأخ لأنه أدناهم رتبة في الحب والذب، ثم بالأم ~~لأنها كانت مشاركة له في الإلف ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم للأخ، وهو ~~لها آلف وعليها أحن وعليها أرق وأعطف، ثم بالأب لأنه أعظم منها في الإلف ~~لأنه أقرب منها في النوع، وللولد عليه من المعاطفة ما له من مزيد النفع ~~أكثر ممن قبله، ثم بالصاحبة لأن الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد ~~وأعرق في الوداد، وكان الإنسان أذب عنها عند الشدائد، ثم بالولد لأن له من ~~المحبة والمعاطفة بالسرور والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره، ولذلك يضيع ~~عليه رزقه وعمره. # فقدم أدناهم مرتبة في الحب والذب، فأدناهم على سبيل الترقي وأخر الأوجب ~~في ذلك فالأوجب بخلاف ما في سورة سأل فكأنه قيل: يفر المرء من أخيه بل من ~~أمه بل من أبيه بل من صاحبته بل من بنيه، وقيل: يفر منهم حذرا من مطالبتهم ~~بالتبعات. يقول الأخ: لم تواسني بمالك، والأبوان: قصرت في برنا، والصاحبة: ~~أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت، والبنون: لم تعلمنا ولم ترشدنا، وقيل: أول من ~~يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم عليه السلام، ومن صاحبته نوح ولوط، ~~ومن ابنه نوح. # ولما ذكر الفرار أتبعه سببه فقال تعالى: {لكل امرئ} وإن كان أعظم الناس ~~مروءة {منهم يومئذ} أي: إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام. ~~{شأن} أي: أمر عظيم. وقوله تعالى: {يغنيه} حال، أي: يشغله عن شأن غيره. وعن ~~سودة رضي الله ms4010 تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «يبعث الناس حفاة عراة غرلا أي: بالقلفة قد ألجمهم ~~العرق وبلغ شحوم الآذان» فقلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم «قد شغل الناس {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} » ~~. وقال قتيبة: يغنيه أي: يصرفه عن قرابته، ومنه يقال: أغن عني وجهك أي: ~~اصرفه. وقال أهل المعاني: يغنيه أي: ذلك الهم الذي حصل له قد ملأ صدره، فلم ~~يبق فيه متسع لهم آخر، فصار شبيها بالغنى في أنه ملك شيئا كثيرا. # ولما ذكر تعالى حال القيامة في الهول بين أن المكلفين على قسمين: سعداء ~~وأشقياء فوصف سبحانه السعيد بقوله تعالى: {وجوه يومئذ} أي: إذ كان ما تقدم ~~من الفرار وغيره {مسفرة} أي: مضيئة متهللة من أسفر الصبح إذا أضاء. وعن ابن ~~عباس: من قيام الليل لما روي في الحديث «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه ~~بالنهار» . وعن الضحاك من آثار الوضوء. وقيل: من طول ما اغبرت في سبيل الله ~~تعالى. # {ضاحكة} أي: مسرورة فرحة. قال الكلبي: يعني بالفراغ من الحساب {مستبشرة} ~~أي: بما آتاها الله تعالى من الكرامة. # ثم وصف الشقي بقوله تعالى: {ووجوه يومئذ} أي: إذ وجد ما ذكر. {عليها ~~غبرة} أي: غبار. # {ترهقها} أي: تعلوها {قترة} أي: سواد كالدخان ولا يرى أوحش من # PageV04P489 # اجتماع الغبرة والسواد في الوجه كما يرى في وجوه الزنوج إذا اغبرت. # {أولئك} أي: البعداء البغضاء الذين يصنع بهم هذا {هم} أي: خاصة {الكفرة ~~الفجرة} جمع الكافر والفاجر وهو الكاذب والمفتري على الله تعالى فجمع تعالى ~~إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الفجور إلى الكفر. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة ~~عبس وتولى جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر» حديث موضوع، وكان من حق ~~البيضاوي أن لا يعبر بقال بل بعن كالزمخشري أو نحوها، ويأتي مثله في ~~نظائره. ### | سورة التكوير # مكية # وهي تسع وعشرون آية ومائة ms4011 وأربع كلماتوأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الذي أحاط علمه بالكائنات {الرحمن} الذي عم وجوده سائر ~~البريات {الرحيم} الذي خص حزبه بنعيم الجنات. # واختلف في معنى قوله تعالى: {إذا الشمس} أي: التي هي أعظم آيات السماء ~~الظاهرة وأوضحها للحس {كورت} فقال ابن عباس: أظلمت. وقال قتادة: ذهب ضوءها. ~~وقال سعيد بن جبير: غورت. وقال مجاهد: اضمحلت. وقال الزجاج: لفت كما تلف ~~العمامة، يقال: كرت العمامة على رأسي أكورها كورا، وكورتها تكويرا إذا ~~لففتها، وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض، فمعناه أن الشمس يجمع بعضها ~~إلى بعض، ثم تلف، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها. قال ابن عباس: يكور الله ~~تعالى الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ثم يبعث عليها ريحا ~~دبورا فتضرمها فتصير نارا. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الشمس والقمر يكوران يوم القيامة» . # تنبيه: ارتفاع الشمس على الفاعلية ورافعها فعل مضمر يفسره كورت؛ لأن إذا ~~تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط. # {وإذا النجوم} أي: كلها كبارها وصغارها {انكدرت} أي: انقضت وتساقطت على ~~الأرض. # قال تعالى: {وإذا الكواكب انتثرت} والأصل في الانكدار الانصباب. # قال العجاج في مدحه لعمرو بن معديكرب: { { # *إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر ... تقضي البازي إذا البازي كسر # *أبصر خربان فضاء فانكدر* # أي: فانقض وسقط، والخربان جمع خرب وهو ذكر الحبارى، والباع يستعمل في ~~الكرم، يقال: فلان كريم الباع؛ والمعنى: أن الكرام إذا ابتدروا فعل ~~المكرمات بدرهم عمرو، أي: أسرع كانقضاض البازي. # وروي عن ابن عباس أن النجوم قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من ~~نور بأيدي الملائكة عليهم السلام، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض ~~تساقطت تلك الكواكب من أيدي الملائكة، لأنه مات من كان يمسكها. # {وإذا الجبال} التي هي في العالم السفلي كالنجوم في العالم العلوي، وهي ~~أصلب ما في الأرض. {سيرت} أي: ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا، ~~وصارت الأرض قاعا صفصفا. # {وإذا العشار} أي: النوق الحوامل جمع عشراء كالنفاس جمع نفساء، وهي ms4012 التي ~~أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى # PageV04P490 # أن تضع لتمام السنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها. روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم «مر في أصحابه بعشار من النوق فغض بصره، فقيل له: هذه أنفس أموالنا ~~فلم لا تنظر إليها؟ فقال: قد نهاني الله عن ذلك ثم تلا: {ولا تمدن عينيك} ~~(الحجر: 88) # الآية» . # {عطلت} أي: تركت مسيبة مهملة بلا راع، أو عطلها أهلها عن الحلب والصر ~~لاشتغالهم بأنفسهم، أو السحاب عطلت عن المطر والعرب تشبه السحاب بالحامل، ~~والأول على وجه المثل لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، والمعنى: أن يوم ~~القيامة بحالة لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه. # {وإذا الوحوش} أي: دواب الأرض التي لا تأنس بأحد التي تظن أنها لا عبرة ~~بها ولا التفات إليها فما ظنك بغيرها {حشرت} أي: جمعت بعد البعث ليقتص ~~لبعضها من بعض ثم تصير ترابا. قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص. ~~وقيل: إذا قضي بينها ردت ترابا فلا يبقى منه إلا ما فيه سرور لبني آدم ~~وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه. وعن ابن عباس حشرها موتها، يقال إذا أجحفت ~~السنة بالناس وأموالهم: حشرتهم السنة. # وقرأ {وإذا البحار سجرت} أي: على كثرتها ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الجيم ~~والباقون بتشديدها. قال ابن عباس: أوقدت فصارت نارا تضطرم. وقال مجاهد: فجر ~~بعضها في بعض العذب والملح، فصارت البحار كلها بحرا واحدا. وقال القشيري: ~~يرفع الله تعالى الحاجز الذي ذكره، فإذا رفع ذلك البزرخ تفجرت مياه البحار ~~فعمت الأرض كلها وصارت بحرا واحدا. وروى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: ست ~~آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم؛ إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم ~~كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض فتحركت ~~واضطربت وفزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير ~~والوحش، وماج بعضهم في بعض فذلك قوله تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} أي: اختلطت ~~{وإذا البحار سجرت} قال الجن للإنس: نحن ms4013 نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى ~~البحر، فإذا هو نار تتأجج. قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة ~~إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ ~~جاءتهم الريح فأماتتهم. وعن ابن عباس قال: هي اثنتا عشرة خصلة ستة في ~~الدنيا وستة في الآخرة، وهي ما ذكر من بعد. # {وإذا النفوس} أي: من كل ذي نفس من الناس وغيرهم {زوجت} أي: قرنت ~~بأجسادها، وروي أن عمر سئل عن هذه الآية، فقال: يقرن بين الرجل الصالح مع ~~الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار. ~~وقال الحسن وقتادة: ألحق كل امرىء بشيعته، اليهود باليهود والنصارى ~~بالنصارى. وقال عطاء: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس ~~الشياطين بالكافرين. # {وإذا الموؤدة} أي: الجارية المدفونة حية. كان الرجل في الجاهلية إذ ولد ~~له بنت، فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم ~~في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها: طيبيها ~~وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء فيذهب بها ~~إلى البئر، فيقول لها: انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب ~~حتى تستوي بالأرض. # وقال ابن عباس: كانت الحامل # PageV04P491 # إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإذا ولدت بنتا رمت ~~بها في الحفرة، وإذا ولدت ولدا حبسته. وكانوا يفعلون ذلك لخوف لحوق العار ~~بهم من أجلهن، أو الخوف من الإملاق، كما قال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم ~~خشية إملاق} (الأنعام: 151) # وكانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به فهو أحق بهن، ~~وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد وفيه افتخر الفرزدق في قوله: # *ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم توءد* # {سئلت بأي} أي: بسبب أي {ذنب} يا أيها الجاهلون {قتلت} أي: استحقت به ~~عندكم القتل، وهي لم تباشر سوءا لكونها لم تصل إلى حد التكليف. # فإن قيل: ما معنى سؤالها عن ذنبها الذي قتلت به، وهلا سئل ms4014 الوائد عن موجب ~~قتله لها؟ أجيب: بأن سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها نحو التبكيت في قوله ~~تعالى لعيسى عليه السلام: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ~~قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} (المائدة: 116) # . وروي أن قيس بن عاصم «جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله، إني وأدت ثمان بنات كن لي في الجاهلية. فقال صلى الله عليه وسلم أعتق ~~عن كل واحدة منهن رقبة. قال: يا رسول الله، إني صاحب إبل؟ فقال له صلى الله ~~عليه وسلم أهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت» . وروي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقا ولدها بيدها ~~ملطخا بدمائه فيقول: يا رب هذه أمي وهذه قتلتني» . # {وإذا الصحف نشرت} أي: فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي ~~كتبت الملائكة فيها أعمال العباد من خير وشر تطوى بالموت، وتنشر في ~~القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها فيقول: {ما لهذا الكتاب ~~لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها} (الكهف: 49) # . وروي عن عمر أنه كان إذا قرأها قال: إليك يساق الأمر يا ابن آدم. وروي ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر الناس حفاة عراة» فقالت أم سلمة: كيف ~~بالنساء؟ فقال: «شغل الناس يا أم سلمة» . قالت: وما يشغلهم، قال: «نشر ~~الصحف فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل» . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ~~بتخفيف الشين والباقون بتشديدها على تكرير النشر للمبالغة في تقريع العاصي ~~وتبشير المطيع وقيل لتكرير ذلك من الإنسان. { { # {وإذا السماء} أي: هذا الجنس كله أفرده لأنه يعلم بالقدرة على بعضه ~~القدرة على الباقي. {كشطت} أي: نزعت عن أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة ~~والغطاء عن الشيء. قال القرطبي: يقال: كشطت البعير كشطا نزعت جلده ولا يقال ~~سلخت لأن العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته، والمعنى: أزيلت عما ~~فوقها. وقال القرطبي: طويت. # {وإذا الجحيم} أي: النار الشديدة ms4015 التأجج {سعرت} أي: أججت فأضرمت للكفار ~~وزيد في إحمائها يقال سعرت الناء وأسعرتها. روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ~~ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة» واحتج بهذه الآية من ~~قال: النار مخلوقة الآن لأنه يدل على أن سعيرها معلق بيوم القيامة. وقرأ ~~نافع وابن ذكوان وعاصم بتشديد العين والباقون بتخفيفها. # {وإذا الجنة} أي: البستان # PageV04P492 # ذو الأشجار الملتفة والرياض المعجبة {أزلفت} أي: قربت لأهلها ليدخلوها. ~~قال الحسن: إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها. وقال عبد الله بن ~~زيد: زينت والزلفى في كلام العرب القربة. # وقوله تعالى: {علمت نفس} جواب إذا أول السورة وما عطف عليها، أي: علمت كل ~~نفس من النفوس وقت هذه المذكورات وهو يوم القيامة، فالتنكير فيه مثله في ~~تمرة خير من جرادة، ودلالة هذا السياق للهول على ذلك يوجب اليقين فيه {ما} ~~أي: كل شيء {أحضرت} من خير وشر. # روي عن ابن عباس وعمر أنهما قرأا فلما بلغا {علمت نفس ما أحضرت} قالا: ~~لهذا أجريت القصة. قال الرازي: ومعلوم أن العمل لا يمكن إحضاره فالمراد إذن ~~ما أحضرته في صحائفها، أو ما أحضرته عند المحاسبة وعند الميزان من آثار تلك ~~الأعمال. وعن ابن مسعود: أن قارئا قرأها عنده، فلما بلغ {علمت نفس ما ~~أحضرت} قال: واقطع ظهراه. # {فلا أقسم} لا مزيدة، أي: أقسم {بالخنس الجوار الكنس} هي النجوم الخمسة ~~زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد تخنس بضم النون، أي: ترجع في مجراها ~~وراءها بينا نرى النجم في آخر البرج إذ كر راجعا إلى أوله، وتكنس بكسر ~~النون تدخل في كناسها، أي: تغيب في المواضع التي تغيب فيها فخنوسها رجوعها، ~~وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل: هي جميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب ~~عن العيون وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها. # {والليل} أي: الذي هو محل ظهور النجوم وزوال خنوسها وذهاب كنوسها {إذا ~~عسعس} قال البغوي: قال ms4016 الحسن: أقبل بظلامه. وقال آخرون: أدبر، تقول العرب ~~عسعس الليل وسعسع إذا أدبر، ولم يبق منه إلا القليل. # {والصبح إذا تنفس} أي: امتد حتى يصير نهارا بينا، يقال للنهار إذا زاد ~~تنفس، ومعنى التنفس: خروج النسيم من الجوف، وفي كيفية المجاز قولان: الأول: ~~أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم، فجعل ذلك نفسا له على المجاز، ~~فقيل: تنفس الصبح. الثاني: أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي حبس ~~بحيث لا يتحرك، فإذا تنفس وجد راحة فهنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك ~~الحزن، فعبر عنه بالتنفس. # وقوله تعالى: {إنه} أي: القرآن {لقول رسول كريم} هو المقسم عليه، ~~والمعنى: أنه لقول رسول عن الله تعالى كريم على الله تعالى، أي: انتفت عنه ~~وجوه المذام كلها، وثبت له وجوه المحامد كلها، وهو جبريل عليه السلام. ~~وأضاف الكلام إليه لأنه قاله عن الله عز وجل. # {ذي قوة} أي: شديد القوى. روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: من قوته قلعه ~~مدائن قوم لوط بقوادم جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأبصر إبليس يكلم ~~عيسى عليه السلام على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى ~~أقصى جبل بالهند، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، ويهبط من السماء إلى ~~الأرض ويصعد في أسرع من الطرف. # {عند ذي العرش} أي: الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع الأكوان الذي لا عند ~~في الحقيقة إلا له، وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {مكين} أي: ذي ~~مكانة متعلق به عند، أي: ذي منزلة ومكانة ليس عندية جهة بل عندية إكرام ~~وتشريف كقوله تعالى: «أنا عند المنكسرة قلوبهم» وقيل: قوي في أداء طاعة ~~الله تعالى وترك الإخلال بها. # {مطاع ثم} أي: في السموات. # PageV04P493 # قال الحسن: فرض الله تعالى على أهل السموات طاعة جبريل عليه السلام كما ~~فرض على أهل الأرض طاعة محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: «من طاعة ~~جبريل عليه السلام الملائكة أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم قال ~~جبريل عليه السلام لرضوان ms4017 خازن الجنان: افتح له ففتح فدخلها فرأى ما فيها» ~~. {أمين} أي: بليغ الأمانة على الوحي الذي يجيء به. وقيل: الرسول هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم فالمعنى حينئذ: ذي قوة على تبليغ الوحي {مطاع} أي: ~~يطيعه من أطاع الله تعالى. # {وما صاحبكم} أي: الذي طالت صحبته لكم، وأنتم تعلمون أنه في غاية الكمال ~~حتى إنه ليس له وصف عندكم إلا الأمين، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وهذا ~~عطف على أنه إلى آخر المقسم عليه. # وأغرق في النفي فقال تعالى: {بمجنون} أي: كما زعمتم يتهم في قوله: {بل ~~جاء بالحق وصدق المرسلين} (الصافات: 37) # فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون، ولا قول متوسط في العقل بل قول ~~أعقل العقلاء وأكمل الكمل. { { # تنبيه: استدل بذلك بعضهم على فضل جبريل عليه السلام على محمد صلى الله ~~عليه وسلم حيث عد فضائل جبريل عليه السلام واقتصر على نفي الجنون عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو كما قال البيضاوي: ضعيف؛ إذ المقصود منه نفي قولهم ~~إنما يعلمه بشر، وقولهم افترى على الله كذبا، وقولهم أم به جنة لا تعديد ~~فضله والموازنة بينهما. # {ولقد رآه} أي: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على ~~صورته التي خلق عليها، وله ستمائة جناح. {بالأفق المبين} أي: البين، وهو ~~الأفق الأعلى الذي عند سدرة المنتهى حيث لا يكون لبس أصلا، ولا يكون ~~للشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق المعرفة. وقال مجاهد وقتادة: بالأفق ~~الأعلى من ناحية المشرق. # وعن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: «إني ~~أحب أن أراك على صورتك التي تكون فيها في السماء» قال: لن تقوى على ذلك، ~~قال: «بلى» . قال: فأين تشاء أن أتخيل لك، قال: «بالأبطح» . قال: لا يسعني، ~~قال: «فبمنى» . قال: لا تسعني. قال: «فبعرفات» . قال ذلك بالحري أن يسعني، ~~فواعده فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو بجبريل قد أقبل من ~~جبل عرفات بخشخشة وكلكلة قد ملأ ما بين ms4018 المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ~~ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، قال: ~~فتحول جبريل عن صورته فضمه إلى صدره، وقال: يا محمد لا تخف فكيف لو رأيت ~~إسرافيل، ورأسه تحت العرش ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، ~~وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع يعني: العصفور ~~حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. وقيل: إن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ~~عز وجل بالأفق المبين، وهو قول ابن مسعود وقد مر ذلك في سورة النجم. # {وما} أي: وسمعه ورآه والحال أنه ما {هو} أي: محمد صلى الله عليه وسلم ~~{على الغيب} أي: ما غاب من الوحي وخبر السماء، ورؤية جبريل وغير ذلك مما ~~أخبر به. وقرأ {بنين} ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء المشالة من ~~الظنة، وهي التهمة، أي: فليس بمتهم، والباقون بالضاد موافقة للمرسوم من ~~الضن وهو البخل، أي: فليس ببخيل بالوحي فيزوي بعضه، أو يسأل تعليمه فلا ~~يعلمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا وهو في مصحف عبد الله ~~بالظاء، وفي مصحف أبي بالضاد، وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ # PageV04P494 # بهما. # قال الزمخشري: وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب، ومعرفة مخرجيهما مما ~~لا بد منه للقارئ، فإن أكثر العجم لا يفرقون بين الحرفين وإن فرقوا ففرقا ~~غير صواب، وبينهما بون بعيد، فإن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان وما يليها ~~من الأضراس من يمين اللسان أو يساره، وكان عمر بن الخطاب أضبط يعمل بكلتا ~~يديه، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه، وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم ~~والشين. وأما الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، وهي أحد ~~الأحرف الذولقية أخت الذال والثاء، ولو استوى الحرفان لما ثبتت في هذه ~~الكلمة قراءتان اثنتان، واختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة، ولما ~~اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب. # فإن قلت: فإن وضع المصلي أحد الحرفين مكان صاحبه، قلت: هو كوضع الذال ~~مكان الجيم ms4019 والثاء مكان السين لأن التفاوت بين الضاد والظاء كالتفاوت بين ~~أخواتهما اه. كلامه بحروفه. # {وما هو} أي: القرآن الذي من جملة معجزاته الإخبار بالمغيبات. وأغرق في ~~النفي بالتأكيد بالباء فقال تعالى: {بقول شيطان} أي: مسترق للسمع فيوحيه ~~إليه كما يوحيه إلى بعض الكهنة {رجيم} أي: مرجوم مطرود بعيد من الرحمة، ~~وذلك أن قريشا كانوا يقولون: إن هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على ~~لسانه، يريدون بالشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صورة جبريل يريد أن يفتنه، فنفى الله تعالى ذلك. # وقوله تعالى: {فأين} منصوب بقوله تعالى: {تذهبون} لأنه ظرف مبهم، وقال ~~أبو البقاء: أي إلى أين فحذف الجار، أي: فأي طريق تسلكون في إنكاركم القرآن ~~وإعراضكم عنه، وفي هذا استضلال لهم فيما يسلكون من أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم والقرآن كقولك لتارك الجادة أين تذهب. # {إن} أي: ما {هو} أي: القرآن الذي آتاكم به الرسول {إلا ذكر} أي: عظة ~~وشرف {للعالمين} من إنس وجن وملك. # وقوله تعالى: {لمن شاء منكم} بدل من العالمين بإعادة الجار {أن يستقيم} ~~باتباع الحق. قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، ~~وهذا هو القدر وهو رأس القدرية فنزل {وما تشاؤون} الاستقامة على الحق {إلا ~~أن يشاء الله} أي: إلا وقت أن يشاء الملك الأعظم الذي بيده كل شيء مشيئتكم ~~الاستقامة عليه {رب العالمين} أي: مالك الخلق. وفي هذا إعلام أن أحدا لا ~~يعمل خيرا إلا بتوفيق الله تعالى، ولا شرا إلا بخذلانه. ونقل البغوي في أول ~~السورة بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من أحب أن ينظر في يوم القيامة فليقرأ {إذا الشمس كورت} » . # وأما قول البيضاوي تبعا للزمخشري إنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة التكوير أعاذه الله أن يفضحه حسن تنشر صحيفته» . فحديث موضوع. ### | سورة الانفطار # مكية # وهي تسع عشرة آية وثمانون كلمة وثلاثمائة وسبعة وعشرون حرفا # {بسم الله} الذي خلق كل شيء ms4020 فقدره تقديرا {الرحمن} الذي دبر الكائنات ~~تدبيرا {الرحيم} الذي أرسل رسوله للخلق نذيرا. # {إذا السماء} أي: على شدة إحكامها واتساقها وارتفاعها {انفطرت} # PageV04P495 # أي: انشقت لنزول الملائكة كقوله تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام} ~~(الفرقان: 25) # {وإذا الكواكب} أي: النجوم الصغار والكبار كلها الغراء الزاهرة المتوقدة ~~توقد النار المرصعة ترصيع المسامير {انتثرت} أي: تساقطت متفرقة؛ لأن عند ~~انتقاض تركيب السماء تنتثر النجوم على الأرض. # {وإذا البحار} المتفرقة في الأرض وهي ضابطة لها أتم ضبط لنفع العباد على ~~كثرتها {فجرت} أي: فتح بعضها في بعض فاختلط العذب بالملح وزال البرزخ الذي ~~بينها فصارت البحار بحرا واحدا وروي أن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار ~~فتصير مستوية. وهو معنى التسجير عند الحسن في قوله تعالى: {وإذا البحار ~~سجرت} (التكوير: 60) # وقال هنا: فجرت بغت. # {وإذا القبور} أي: مع ذلك كله {بعثرت} أي: قلبت، يقال: بعثره وبحثره ~~بالعين والحاء. قال الزمخشري: وهما مركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة ~~إليهما، أي: فهما بمعنى، والمعنى: قلب أعلاها أسفلها وقلب باطنها ظاهرها، ~~وخرج ما فيها من الموتى أحياء، وقيل: التبعثر إخراج ما في بطنها من الذهب ~~والفضة، ثم تخرج الموتى بعد ذلك، وجواب إذا أول السورة وما عطف عليه. { { # {علمت نفس} أي: كل نفس وقت هذه المذكورات، وهو يوم القيامة {ما قدمت} من ~~عمل {وأخرت} أي: جميع ما عملت من خير أو شر أو غيرهما. فإن قيل: أي وقت من ~~القيامة يحصل هذا العلم. قال الرازي: أما العلم الإجمالي فيحصل في أول زمان ~~الحشر؛ لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول ~~الأمر، وأما العلم التفصيلي، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة. # وقوله تعالى: {يا أيها الإنسان} أي: البشر الآنس بنفسه الناسي لما يعنيه ~~خطاب لمنكري البعث. وروى عطاء عن ابن عباس: أنها نزلت في الوليد بن ~~المغيرة. وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في أبي الشريق ضرب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم يعاقبه الله تعالى في أول أمره. وقيل: تتناول جميع العصاة لأن ~~الاعتبار بعموم اللفظ ms4021 لا بخصوص السبب. {ما غرك بربك} أي: ما خدعك وسول لك ~~الباطل حتى تركت ما أوجب عليك المحسن إليك وأتيت بالمحرمات {الكريم} أي: ~~الذي له الكمال كله المقتضي لأن لا يهمل الظالم ولا يسوى بين المحسن ~~والمسيء، هذا إذا حملنا الإنسان على جميع العصاة، فإن حملناه على الكافر ~~وهو ظاهر الآية فالمعنى: ما الذي دعاك إلى الكفر وإنكار الحشر والنشر. # فإن قيل: كونه كريما يقتضي أن يغتر الإنسان بكرمه لأنه جواد مطلق، ~~والجواد الكريم يستوي عنده طاعة المطيع وعصيان المذنب، وهذا يوجب الاغترار ~~كما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه صيح بغلام له مرات فلم ~~يلبه، فنظر فإذا هو بالباب فقال له: لم لا تجيبني؟ فقال: لثقتي بحلمك وأمني ~~عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه. # وقالوا أيضا: من كرم ساء أدب غلمانه. وإذا ثبت أن كرمه يقتضي الاغترار به ~~فكيف جعله ههنا مانعا من الاغترار؟ أجيب: بأن حق الإنسان أن لا يغتر بكرم ~~الله تعالى عليه حيث خلقه حيا، وتفضل عليه فهو من كرمه لا يعاجل بالعقوبة ~~بسطا في مدة التوبة، وتأخيرا للجزاء إلى أن يجمع الناس للجزاء فالحاصل أن ~~تأخير العقوبة لأجل الكرم، وذلك لا يقتضي الاغترار بهذا التفضيل فإنه منكر ~~خارج عن حد الحكمة، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تلاها: ~~«غره جهله» . وقال عمر: غره حمقه وجهله. وقال الحسن: # PageV04P496 # غره والله شيطانه الخبيث، أي: زين له المعاصي. وقال له: افعل ما شئت فربك ~~الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أولا، وهو متفضل عليك آخرا حتى ورطه. # وقيل للفضيل بن عياض: إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك: {ما غرك بربك ~~الكريم} ماذا تقول له؟ قال: أقول غرني ستورك المرخاة، وهذا على سبيل ~~الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع، ويظن به ~~قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم أنما قال {بربك الكريم} دون سائر صفاته ~~ليلقن عبده الجواب حتى يقول: غرني كرم الكريم. وقال مقاتل: غره عفو الله ~~حيث ms4022 لم يعاقبه أول مرة. وقال السدي: غره رفق الله تعالى به. وقال قتادة: ~~سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان. وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو ~~الله تعالى به يوم القيامة فيقول: ما غرك بي يا ابن آدم؟ ماذا عملت فيما ~~علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ # {الذي خلقك} أي: أوجدك من العدم مهيأ بتقدير الأعضاء {فسواك} عقب تلك ~~الأطوار بتصوير الأعضاء والمنافع بالفعل {فعدلك} أي: جعل كل شيء من ذلك ~~سليما مودعا فيه قوة المنافع التي خلقه الله تعالى لها. # تنبيه: قوله تعالى: {الذي} يحتمل الإتباع على البدل والبيان والنعت ~~والقطع إلى الرفع والنصب. واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بالكرم ذكر ~~هذه الأمور الثلاثة كالدلالة على تحقيق ذلك الكرم فقوله سبحانه {الذي خلقك} ~~أي: بعد أن لم تكن لا شك أنه كرم لأنه وجود، والوجود خير من العدم، والحياة ~~خير من الموت. كما قال تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} ~~(البقرة: 28) # وقوله تعالى: {فسواك} أي: جعلك مستوي الخلقة سالم الأعضاء غاية في الكرم ~~كما قال تعالى: {أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا} ~~(الكهف: 37) # أي: معتدل الخلق والأعضاء. وقال ذو النون المصري: أي: سخر لك المكونات ~~أجمع، وما جعلك مسخرا لشيء منها، ثم أنطق لسانك بالذكر وقلبك بالعقل وروحك ~~بالمعرفة ومدك بالإيمان وشرفك بالأمر والنهي، وفضلك على كثير ممن خلق ~~تفضيلا. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الدال والباقون بالتشديد، بمعنى ~~جعلك متناسب الأطراف فلم يجعل إحدى يديك أو رجليك أطول، ولا إحدى عينيك ~~أوسع فهو من التعديل. وهو كقوله تعالى: {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} ~~(القيامة: 4) # . وقال عطاء عن ابن عباس: جعلك قائما معتدلا حسن الصورة لا كالبهيمة ~~المنحنية. وقال أبو علي الفارسي: عدلك خلقك في أحسن تقويم مستويا على جميع ~~الحيوان والنبات، وواصلا في الكمال إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا ~~العالم. وأما قراءة التخفيف فتحتمل هذا أي: عدل بعض أعضائك ببعض ويحتمل أن ms4023 ~~يكون من العدول، أي: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال. ونقل القفال عن ~~بعضهم: أنهما لغتان بمعنى واحد. # {في أي صورة} أي: من الصور التي تعرفها والتي لا تعرفها من الدواب ~~والطيور وغير ذلك من الحيوان وغيره، وما في قوله تعالى: {ما شاء} مزيدة، ~~وفي أي متعلق بركب في قوله تعالى {ركبك} أي: ركبك في أي صورة اقتضتها ~~مشيئته وحكمته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة ~~والأنوثة، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه. فإن قيل: هلا عطفت هذه الجملة ~~كما عطف ما قبلها؟ أجيب: بأنها بيان لعدلك ويجوز أن تتعلق بمحذوف، أي: ركبك ~~حاصلا في بعض # PageV04P497 # الصور، ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف، ويجوز أن يتعلق بعدلك ويكون ~~في أي معنى التعجب، أي: فعدلك في صورة عجيبة: ثم قال: {ما شاء ركبك} من ~~التراكيب يعني: تركيبا حسنا. # وقوله تعالى: {كلا} ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى والتعلق به، وهو ~~موجب الشكر والطاعة إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية. وقوله تعالى: {بل ~~تكذبون} أي: يا كفار مكة {بالدين} إضراب إلى ما هو السبب الأصلي في ~~اغترارهم والمراد بالدين الجزاء على الأعمال والإسلام. # {وإن} أي: والحال أن {عليكم} أي: ممن أقمناهم من جندنا من الملائكة ~~{لحافظين} أي: على أعمالكم بحيث لا يخفى عليهم منها جليل ولا حقير. # {كراما} أي: على الله تعالى {كاتبين} أي: لهذه الأعمال في الصحف كما تكتب ~~الشهود منكم العهود ليقع الجزاء على غاية التحرير. # تنبيه: هذا الخطاب وإن كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة أجمعت على عموم هذا ~~الخطاب في حق المكلفين، وقوله تعالى: {حافظين} جمع يحتمل أن يكونوا حافظين ~~لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم، ويحتمل ~~أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخر، ويحتمل أن يكون الموكل ~~بكل واحد منهم جمعا من الملائكة، كما قيل: اثنان بالليل واثنان بالنهار، أو ~~كما قيل: إنهم خمسة. # واختلفوا في الكفار هل عليهم حفظة. فقيل: لا لأن ms4024 أمرهم ظاهر وعملهم واحد، ~~قال تعالى: {يعرف المجرمون بسيماهم} (الرحمن: 41) # وقيل: عليهم حفظة وهو ظاهر قوله تعالى: {بل تكذبون بالدين وإن عليكم ~~لحافظين} وقوله تعالى: {وأما من أوتي كتابه بشماله} (الحاقة: 25) # وقوله تعالى: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} (الانشقاق: 10) # فأخبر أن لهم كتابا وأن عليهم حفظة. # فإن قيل فأي شيء يكتب الذي عن يمينه ولا حسنة له؟ أجيب: بأن الذي عن ~~شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون صاحبه شاهدا على ذلك وإن لم يكتب. وفي هذه ~~الآية دلالة على أن الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم لوصف الملائكة بكونهم ~~حافظين كراما كاتبين. # {يعلمون} أي: على التجدد والاستمرار {ما تفعلون} فدل على أنهم يكونون ~~عالمين بها حتى إنهم يكتبونها، فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء ~~الشهادة، وفي تعظيم الكتبة تعظيم لأمر الجزاء، فإنه عند الله من جلائل ~~الأمور، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه وفيه إنذار وتهويل للعصاة، ~~ولطف بالمؤمنين. وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدها من آية على ~~الغافلين. # ولما وصف تعالى الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال العاملين، ~~وقسمهم قسمين، وبدأ بقسم أهل السعادة. # فقال تعالى: {إن الأبرار} أي: المؤمنين الصادقين في إيمانهم بأداء فرائض ~~الله تعالى واجتناب معاصيه {لفي نعيم} أي: محيط بهم أبد الآبدين، وهو نعيم ~~الجنة الذي لا نهاية له. { { # ثم ذكر قسم أهل الشقاوة بقوله تعالى: {وإن الفجار} الذي من شأنهم الخروج ~~عما ينبغي الاستقرار فيه من رضا الله تعالى إلى سخطه، وهم الكفار {لفي ~~جحيم} أي: نار محرقة تتوقد غاية التوقد فهم فيها أبد الآبدين. # {يصلونها} أي: يدخلونها ويقاسون حرها {يوم الدين} أي: يوم الجزاء وهو يوم ~~القيامة. # {وما هم عنها} أي: الجحيم {بغائبين} أي: مخرجين، ويجوز أن يراد يصلون ~~النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك في قبورهم. وقيل: أخبر الله تعالى ~~في هذه السورة أن لابن آدم ثلاث حالات حالة الحياة التي يحفظ فيها عمله، ~~وحالة الآخرة التي يجازى فيها، وحالة البرزخ وهو قوله تعالى: {وما ms4025 هم # PageV04P498 # عنها بغائبين} . # وروي أن سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند ~~الله، قال: اعرض عملك على كتاب الله تعالى، فإنك تعلم ما لك عند الله ~~تعالى، قال: فأين أجد ذلك في كتاب الله؟ قال: عند قوله تعالى: {إن الأبرار ~~لفي نعيم} الآية.k # قال سليمان: فأين رحمة الله تعالى؟ قال: قريب من المحسنين. # ثم عظم سبحانه وتعالى ذلك اليوم فقال: {وما أدراك} أي: وما أعلمك وإن ~~اجتهدت في تطلب الدراية به {ما يوم الدين} أي: أي شيء هو في طوله وهوله ~~وفظاعته وزلزاله. # ثم كرره تعجبا لشأنه فقال تعالى: {ثم ما أدراك} أي: كذلك {ما يوم الدين} ~~أي: إن يوم الدين الذي بحيث لا تدرك دراية دار كنهه في الهول والشدة، ~~وكيفما تصورته فهو فوق ذلك وعلى أضعافه. والتكرير لزيادة التهويل. # ثم أجمل تعالى القول في وصفه فقال سبحانه: {يوم لا تملك} أي: بوجه من ~~الوجوه في وقت ما {نفس} أي: أي نفس كانت {لنفس شيئا} أي: قل أوجل، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو برفع يوم على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو يوم. وجوز ~~الزمخشري أن يكون بدلا مما قبله، يعني: يوم الدين، والباقون بالفتح بإضمار ~~أعني أو اذكر. # {والأمر} أي: كله {يومئذ} أي: إذ كان البعث للجزاء {لله} أي: ملك الملوك ~~لا أمر لغيره فيه فلا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا شيئا كما ملكهم في ~~الدنيا. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة وبعدد كل قبر حسنة» . ~~حديث موضوع. ### | سورة المطففين # مدنية # في قول الحسن وعكرمة ومقاتل. # قال مقاتل: وهي أول سورة نزلت بالمدينة، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية إلا ~~ثمان آيات وهي قوله تعالى: {إن الذين أجرموا} إلى آخرها فهو مكي. وقال ~~الكلبي وجابر بن زيد نزلت بين مكة والمدينة، ولعل هذا هو سبب الاختلاف وقال ~~ابن مسعود والضحاك: مكية. # وهي ست ms4026 وثلاثون آية وتسع وتسعون كلمة وسبعمائة وثمانون حرفا. # {بسم الله} الذي توكل عليه كفاه {الرحمن} الذي عم جوده الأبرار والعصاة ~~{الرحيم} الذي خص أهل طاعته بهداه. # {ويل} مبتدأ، وسوغ الابتداء به كونه دعاء، وهو إما كلمة عذاب أو هلاك ~~ثابت عظيم في كل حال من أحوال الدنيا والآخرة، أو واد في جهنم. وقوله ~~تعالى: {للمطففين} خبره، والتطفيف البخس في الكيل والوزن؛ لأن ما يبخس شيء ~~طفيف حقير. قال الزجاج: وإنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان: مطفف لأنه ~~لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. { { # وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، وكانوا من ~~أبخس الناس كيلا فنزلت فأحسنوا الكيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقرأها عليهم وقال: «خمس بخمس» قيل: يا رسول الله ما خمس؟ قال: «ما نقض قوم ~~العهد إلا سلط الله تعالى عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا ~~فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا ~~المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم ~~المطر» . وقال: السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل ~~يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان # PageV04P499 # يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فنزلت. # وقيل: كان أهل المدينة تجارا يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة ~~والمخاطرة فنزلت. وعن علي أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم ~~الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت كأنه أمر بالتسوية أولا ليعتادها ~~ويفصل الواجب من النفل. وعن ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين بهما ~~هلك من كان قبلكم المكيال والميزان، وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن ~~جميعا وكانا مفرقين في الحرمين، كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون. ~~وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول: اتق الله وأوف الكيل، فإن المطففين ~~يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق يلجمهم إلى أنصاف آذانهم. ~~وعن عكرمة أشهد أن كل كيال ووزان في النار ms4027 فقيل له: إن ابنك كيال أو وزان ~~فقال: أشهد أنه في النار. وعن أبي: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس ~~المكاييل وألسن الموازين. # ثم بين تعالى المطففين من هم بقوله تعالى: {الذين إذا اكتالوا} أي: ~~عالجوا الكيل {على الناس} أي: كائنين من كانوا لا يخافون شيئا، ولا يراعون ~~أحدا بل صارت الخيانة والوقاحة لهم ديدنا {يستوفون} أي: إذا كالوا منهم ~~وأبدل على مكان من للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال يضرهم ويتحامل ~~فيه عليهم، ويجوز أن يتعلق على بيستوفون ويقدم المفعول على الفعل لإفادة ~~الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصة، وأما أنفسهم فيستوفون لها. وقال ~~الفراء: من وعلى يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت ~~عليك فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك فكقوله: استوفيت منك. # {وإذا كالوهم} أي: كالوا للناس أي: حقهم، أي: مالهم من الحق {أو وزنوهم} ~~أي: وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل، كما قال القائل: # *ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر* # وقال آخر: والحريص بصيدك لا الجواد. بمعنى جنيت لك ويصيد لك ويقال: وزنتك ~~حقك، وكلتك طعامك، أي: وزنت لك وكلت لك، ونصحتك ونصحت لك، وكسبتك وكسبت لك ~~والأكمؤ جمع كمأة، والعساقل ضرب منها، وأصله: عساقيل لأن واحدها عسقول ~~كعصفور فحذفت الياء للضرورة، وبنات أوبر ضرب من الكمأة رديء. # {يخسرون} جواب إذا، وهو يتعدى بالهمزة. يقال: خسر الرجل وأخسرته أنا ~~مفعوله محذوف، أي: يخسرون الناس متاعهم. وقيل: يخسرون أي: ينقصون بلغة فارس ~~أي: ينقصون الكيل أو الوزن. # وقوله تعالى: {ألا يظن أولئك} أي: الأخساء البعداء الأراذل {أنهم مبعوثون ~~ليوم} أي: لأجله أو فيه، وزاد التهويل بقوله تعالى: {عظيم} إنكارا وتعجيبا ~~من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون ~~تخمينا أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة والخردلة. وقيل: الظن بمعنى ~~اليقين. وقوله تعالى: # {يوم} يجوز نصبه بمبعوثون، أو بإضمار أعني، أو بدل من محل يوم فناصبه ~~يبعثون {يقوم الناس} أي: من قبورهم {لرب ms4028 العالمين} أي: الخلائق لأجل أمره ~~وجزائه وحسابه. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوم يقول ~~الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» . وعن المقداد ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان يوم القيامة أدنيت ~~الشمس من # PageV04P500 # العباد. حتى تكون قيد ميل أو اثنين قال سليم: لا أدري أي: الميلين يعني: ~~مسافة الأرض أو الميل الذي تكتحل به العين قال: فتصهرهم الشمس فيكونون في ~~العرق بقدر أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ~~ومنهم من يأخذه على حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما، فرأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يشير بيده إلى فيه يقول: ألجمه إلجاما» . وعن قتادة: ~~أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك. وعن الفضيل: ~~بخس الميزان سواد الوجوه يوم القيامة. وعن عبد الملك بن مروان أن أعرابيا ~~قال له: سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه ~~الوعيد العظيم، الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا ~~كيل ولا وزن، وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن ووصف اليوم بالعظم وقيام ~~الناس فيه لله تعالى خاضعين، ووصفه ذاته برب العالمين بيان بليغ لعظم ~~الذنب، وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف، وترك ~~القيام بالقسط والعمل على السوية، والعدل في كل أخذ وإعطاء بل في كل قول ~~وعمل. # وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله تعالى: {يوم يقوم الناس ~~لرب العالمين} بكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعده. وعن بعض المفسرين أن لفظ ~~التطفيف يتناول التطفيف في الوزن والكيل. وفي إظهار العيب وإخفائه وفي طلب ~~الإنصاف والانتصاف، ويقال: من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس ~~بمنصف، والمعاشرة والصحبة في هذه المادة، والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب ~~نفسه من هذه الجملة، ومن طلب حق نفسه من الناس ms4029 ولا يعطيهم حقوقهم كما ~~يطلبه. # وقوله تعالى: {كلا} ردع، أي: ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا، وههنا ~~تم الكلام. وقال الحسن: كلا ابتداء متصل بما بعده على معنى حقا، وجرى ~~الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأول. # {إن كتاب الفجار} أي: كتب أعمال الكفار وأظهر موضع الإضمار تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف. واختلف في معنى قوله سبحانه وتعالى: {لفي سجين} ~~فقيل: هو كتاب جامع، وهو ديوان الشر دون الله تعالى فيه أعمال الشياطين ~~وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس، وقيل: هو مكان تحت الأرض السابعة ~~وهو محل إبليس وجنوده. وقال عبد الله بن عمر: سجين في الأرض السابعة السفلى ~~فيها أرواح الكفار. { { # وعن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سجين أسفل سبع أرضين ~~وعليون في السماء السابعة تحت العرش» . وقال الكلبي: هو صخرة تحت الأرض ~~السابعة خضراء خضرة السموات منها يجعل كتاب الفجار فيها. وقال وهب: هي آخر ~~سلطان إبليس. وعن كعب الأحبار: أن روح الفاجر يعني: الكافر يصعد بها إلى ~~السماء فتأبى السماء أن تقبلها، ثم هبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن ~~تقبلها فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين، وهو موضع جند إبليس ~~وذلك استهانة بها، ويشهدها الشياطين المدحورون كما يشهد ديوان الخير ~~الملائكة المقربون. وقال عكرمة: لفي سجين، أي: في خسار وضلال. # {وما أدراك} أي: جعلك داريا وإن اجتهدت في ذلك. # {ما سجين} وقال الزجاج: أي: ليس لك ذلك ما كنت تعلمه أنت ولا قومك. # وقوله تعالى: {كتاب مرقوم} ليس تفسيرا لسجين بل هو بيان للكتاب المذكور ~~في قوله تعالى: {إن كتاب الفجار} أي: هو كتاب مرقوم، أي: مسطور # PageV04P501 # بين الكتابة مكتوب فيه أعمالهم مثبت عليهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا ~~يمحى حتى يجازون به، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه. وقيل: الرقم ~~الختم بلغة حمير، واقتصر على هذا الجلال المحلي. وقال قتادة: رقم عليه بشر ~~كأنه علم بعلامة يعرف بها أنه كافر. والمعنى: أن ما كتب من ms4030 أعمال الفجار ~~مثبت في ذلك الديوان، وسمي سجينا فعيلا من السجن وهو الحبس والتضييق في ~~جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض كما مر. # فإن قيل: سجين هل هو اسم أو صفة؟ أجيب: بأنه اسم علم منقول من وصف كحاتم، ~~وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف. # {ويل} أي: أعظم الهلاك {يومئذ} أي: إذ تقوم الناس لما تقدم {للمكذبين} ~~أي: بذلك أو بالحق. وقوله تعالى: # {الذين يكذبون بيوم} أي: بسبب الإخبار بيوم {الدين} أي: الجزاء الذي هو ~~سر الوجود بدل أو بيان للمكذبين، ثم أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين بثلاث ~~صفات ذكر أولها بقوله تعالى: # {وما} أي: والحال أنه ما {يكذب به} أي: بذلك اليوم {إلا كل معتد} أي: ~~متجاوز عن النظر غال في التقليد، حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه، ~~فاستحال منه الإعادة. ثم ذكر الصفة الثانية بقوله تعالى: {أثيم} أي: منهمك ~~في الشهوات المحرجة بحيث اشتغل عما وراءها وحملته على الإنكار لما عداها. ~~ثم ذكر الصفة الثالثة بقوله تعالى: # {إذا تتلى عليه آياتنا} أي: القرآن {قال أساطير الأولين} أي: الحكايات ~~سطرت قديما جمع أسطور بالضم، وذلك لفرط جهله وإعراضه عن الحق فلا تنفعه ~~شواهد النقل كما لا تنفعه دلائل العقل، وهذا عام في كل موصوف بذلك، وقال ~~الكلبي: هو الوليد بن المغيرة. وقيل: هو النضر بن الحارث. وقوله تعالى: # {كلا} ردع وزجر، أي: ليس هو أساطير الأولين، وقال الحسن: معناها حقا كما ~~مر. {بل ران} أي: غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم السماء {على قلوبهم} أي: كل ~~من قال هذا القول {ما كانوا يكسبون} أي: كما يركب الصدأ من إصرارهم على ~~الكبائر وتسويف التوبة حتى طبع على قلوبهم فلا تقبل الخير ولا تميل إليه. ~~روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن إذا أذنب ~~ذنبا نكتت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها وإذا زاد ~~زادت حتى تعلو قلبه فذلكم الران الذي ذكره الله تعالى في ms4031 كتابه المبين» . ~~وقال أبو معاذ: الران أن يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب ~~وهو أشد من الران، والأقفال أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب، قال ~~تعالى: {أم على قلوب أقفالها} (محمد: 24) # وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب ويغشى فيموت ~~القلب. # قال صلى الله عليه وسلم «إياكم والمحقرات من الذنوب فإن الذنب على الذنب ~~يوقد على صاحبه جحيما ضخمة» . وعن الحسن: الذنب بعد الذنب يسود القلب. ~~يقال: ران عليه الذنب وغان عليه ربنا وغينا والغين الغيم، ويقال: ران فيه ~~النوم: رسخ فيه، ورانت به الخمرة ذهبت به. وقرأ حمزة وشعبة والكسائي ~~بالإمالة: محضة، والباقون بالفتح وسكت حفص على اللام وقفة لطيفة من غير قطع ~~والباقون بغير سكت. # وقوله تعالى: {كلا} ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم، وقيل: بمعنى حقا كما ~~مر {إنهم عن ربهم} أي: المحسن إليهم {يومئذ لمحجوبون} أي: فلا يرونه بخلاف ~~المؤمنين فإنهم يرونه كما ثبت لك في الأحاديث الصحيحة. وقال الحسن: لو علم ~~الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد # PageV04P502 # لزهقت أنفسهم في الدنيا. وسئل مالك عن هذه الآية فقال: لما حجب أعداءه ~~فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. # وفي قوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} دلالة على أن أولياء ~~الله يرون الله تعالى، ومن نفى الرؤية كالزمخشري جعله تمثيلا للاستخفاف بهم ~~وإهانتهم؛ لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء والمكرمين لديهم، ولا يحجب ~~عنهم إلا الأذناب المهانون عندهم. وعن ابن عباس وقتادة: محجوبون عن رحمته. ~~وعن ابن كيسان: عن كرامته. # {ثم إنهم} أي: بعد ما شاء الله تعالى من إمهالهم {لصالوا الجحيم} أي: ~~لداخلوا النار المحرقة. # {ثم يقال} أي: تقول لهم الخزنة {هذا} أي: العذاب {الذي كنتم به تكذبون} ~~أي: في دار الدنيا. # وقوله تعالى: {كلا} ردع عن التكذيب، وقيل: معناها حقا كما مر. وقال ~~البيضاوي: تكرير للأول ليعقب بوعد الأبرار كما عقب بوعيد الفجار إشعار بأن ~~التطفيف فجور والإيفاء بر، وردع عن التكذيب {إن ms4032 كتاب الأبرار} أي: كتب ~~أعمال المؤمنين الصادقين في إيمانهم {لفي عليين} وعليون علم لديوان الخير ~~الذي دون فيه كل ما عملته صلحاء الثقلين، منقول من جمع فعيل من العلو كسجين ~~من السجن، سمي بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، ~~وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريما له وتعظيما. ~~وروي «أن الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقبلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء ~~الله من سلطانه أوحى إليهم إنكم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في ~~قلبه، وإنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين، وقد غفرت له وإنها لتصعد بعمل ~~العبد فيزكونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم أنتم الحفظة على ~~عبدي وأنا الرقيب على قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين» . وعن ~~البراء مرفوعا: «عليين في السماء السابعة تحت العرش» . وقال ابن عباس: هو ~~لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش، أعمالهم مكتوبة فيها. وقال كعب ~~وقتادة: هو قائمة العرش اليمنى. وقال عطاء عن ابن عباس: هو الجنة. وقال ~~الضحاك: سدرة المنتهى. وقال بعض أهل المعاني علو بعد علو وشرف بعد شرف، ~~ولذلك جمعت بالياء والنون. قال الفراء: هو اسم موضع على صيغة الجمع لا واحد ~~له من لفظه مثل عشرين وثلاثين. # {وما أدراك} أي: جعلك داريا وإن بالغت في الفحص {ما عليون} أي: ما كتاب ~~عليين هو {كتاب} أي: عظيم {مرقوم} أي: فيه أن فلانا أمن من النار رقما، يا ~~له من رقم ما أبهاه وأجمله. # {يشهده المقربون} يحضرونه فيشهدون على ما فيه يوم القيامة، أو يحفظونه. # ولما عظم كتابهم عظم منزلتهم بقوله تعالى: # {إن الأبرار لفي نعيم} أي: في الجنة ثم بين ذلك النعيم بأمور ثلاثة: ~~أولها: قوله تعالى: # {على الأرائك} أي: الأسرة في الحجال، ولا يسمى أريكة إلا إذا كان كذلك، ~~والحجال بكسر الحاء جمع حجلة، وهي بيت يزين بالثياب والستور والأسرة، قاله ~~الجوهري. {ينظرون} أي: إلى ما شاؤوا مد أعينهم إليه من مناظر الجنة، وإلى ms4033 ~~ما أولاهم الله تعالى من النعمة والكرامة، وإلى أعدائهم يعذبون في النار، ~~وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك. وقال الرازي: ينظرون إلى ربهم بدليل ~~قوله تعالى: # {تعرف} أي: أيها الناظر إليهم {في وجوههم} عند رؤيتهم {نضرة النعيم} أي: ~~بهجته وحسنه ورونقه كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه، أو الخطاب إما ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل ناظر، وقال الحسن: النضرة في الوجه ~~والسرور في # PageV04P503 # القلب وهذا هو الأمر الثاني. وأما الثالث فهو قوله تعالى: # {يسقون من رحيق} أي: خمر صافية طيبة وقال مقاتل: الخمر البيضاء. وقال ~~الرازي: لعله الخمر الموصوف بقوله تعالى: {لا فيها غول} (الصافات: 47) # {مختوم} أي: ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار. وقال ~~القفال: يحتمل أن يكون ختم عليه تكريما له بالصيانة على ما جرت به العادة ~~من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر أخرى تجري انهارا لقوله تعالى: {وأنهار من ~~خمره لذة للشاربين} (محمد: 15) # إلا أن هذا المختوم أشرف من الجاري. # {ختامه مسك} أي: آخر شربه يفوح منه مسك، فالمختوم الذي له ختام، أي: آخر ~~شربه، وختم كل شيء الفراغ منه. وقال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم ~~بالمسك. وقال ابن زيد: ختامه عند الله مسك. وقيل: طينه مسك. وقيل: تختم ~~أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة. # {وفي ذلك} أي: الأمر العظيم البعيد التناول، وهو العيش والنعيم أو الشراب ~~الذي هذا وصفه {فليتنافس} أي: فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار ~~{المتنافسون} أي: الذين من شأنهم المنافسة، وهو أن يطلب كل منهم أن يكون ~~ذلك المتنافس فيه لنفسه خاصة دون غيره؛ لأنه نفيس جدا، والنفيس هو الذي ~~تحرص عليه نفوس الناس وتتغالى فيه، والمنافسة في مثل هذا بكثرة الأعمال ~~الصالحة والنيات الخالصة. # وقال مجاهد: فليعمل العاملون نظيره قوله تعالى: {لمثل هذا فليعمل ~~العاملون} (الصافات: 61) # وقال مقاتل بن سليمان: فليسارع المتسارعون. وقال عطاء: فليستبق ~~المستبقون. وقال الزمخشري: فليرتقب المرتقبون. والمعنى: واحد. وأصله من ~~الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس ويريده كل ms4034 أحد لنفسه، وينفس فيه ~~على غيره أي: يضن. # {ومزاجه} أي: ما يمزج به ذلك الرحيق {من تسنيم} وهو علم لعين بعينها سميت ~~بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه؛ لأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها ~~تجري في الهواء مسنمة فتصب في أواني أهل الجنة على مقدار الحاجة، فإذا ~~امتلأت أمسكت. # وقوله تعالى: {عينا} نصب على المدح، وقال الزجاج: نصب على الحال. {يشرب ~~بها} أي: بسببها على طريقة المزج منها {المقربون} وضمن يشرب معنى يلتذ، فهم ~~يشربونها صرفا، وتمزج سائر أهل الجنة. # {إن الذين أجرموا} أي: قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وهم رؤوساء قريش. ~~{كانوا من الذين آمنوا} وهم فقراء الصحابة عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم ~~من فقراء المؤمنين {يضحكون} أي: استهزاء بهم. # {وإذا مروا} أي: المؤمنون {بهم} أي: بالذين أجرموا {يتغامزون} أي: يشير ~~المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء بهم. وقيل: يغمز بعضهم بعضا ~~ويشيرون بأعينهم.x # قيل: جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخروا منه ~~المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم ~~الأصلع وضحكوا منه، فنزلت قبل أن يصل علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم # {وإذا انقلبوا} أي: رجع الذين أجرموا برغبتهم في الرجوع وإقبالهم عليه من ~~غير تكره {إلى أهلهم} أي: منازلهم التي هي عامرة بجماعتهم. وقرأ حمزة ~~والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم، وأبو عمرو بكسر الهاء، والباقون بكسر ~~الهاء وضم الميم {انقلبوا} حالة كونهم {فاكهين} أي: متلذذين بما كان من ~~مكنتهم ورفعتهم التي أوصلتهم إلى الاستسخار بغيرهم، قال ابن برجان: روي عنه ~~عليه الصلاة والسلام: «إن الدين بدأ غريبا وسيعود # PageV04P504 # غريبا كما بدأ» «يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر» وفي أخرى: ~~«يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة» وفي أخرى: «العالم فيهم أنتن من جيفة حمار ~~فالله المستعان» . وقرأ حفص بغير ألف بين الفاء والكاف والباقون بالألف، ~~قيل هما بمعنى، وقيل: فكهين فرحين وفاكهين ناعمين. وقيل: فاكهين أصحاب ~~فاكهة ومزاح. # {وإذا رأوهم} أي: ms4035 رأى المجرمون المؤمنين {قالوا} أي: المجرمون {إن هؤلاء} ~~أي: المؤمنين {لضالون} أي: لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم يرون أنهم ~~على شيء، وهم على ضلال في تركهم التنعيم الحاضر بسبب شيء لا يدرى هل له ~~وجود أم لا؟ # قال الله تعالى: {وما} أي: والحال أنهم ما {أرسلوا} أي: الكفار {عليهم} ~~أي: على المؤمنين {حافظين} أي: موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم ويهيمنون ~~على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم، وهذا تهكم بهم. وقيل: هو من جملة قول ~~الكفار، وأنهم إذا رأوا المسلمين قالوا: إن هؤلاء لضالون، وأنهم لم يرسلوا ~~عليهم حافظين، إنكار لصدهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام، وجدهم في ~~ذلك. # وقوله تعالى: {فاليوم} منصوب بيضحكون، ولا يضر تقديمه على المبتدأ؛ لأنه ~~لو تقدم العامل هنا لجاز؛ إذ لا لبس بخلاف: زيد قام في الدار لا يجوز في ~~الدار زيد قام، ومعنى فاليوم أي: في الآخرة {الذين آمنوا} ولو كانوا في ~~أدنى درجات الإيمان {من الكفار يضحكون} وفي سبب هذا الضحك وجوه منها: # أن الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدينا بسبب ما هم فيه من الضر ~~والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين بسبب ما هم فيه من الهوان ~~والصغار بعد العزة والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه. # ومنها أنهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم باعوا الباقي ~~بالفاني. # ومنها أنهم يرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم ونالوا بالتعب اليسير ~~راحة الأبد. # ومنها: قال أبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا وتفتح لهم ~~أبوابها فإذا رأوها وقد فتحت أبوابها أقبلوا إليها يريدون الخروج والمؤمنون ~~ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا ~~فذلك سبب الضحك. # ومنها: أنهم إذا دخلوا الجنة وأجلسوا على الأرائك ينظرون إلى الكفار كما ~~قال تعالى: {على الأرائك} أي: الأسرة العالية {ينظرون} إليهم كيف يعذبون في ~~النار ويرفعون أصواتهم بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضا. # تنبيه: ينظرون حال من يضحكون، أي: يضحكون ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من ~~الهوان. ms4036 وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، إذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو ~~له كان في الدنيا اطلع عليه من تلك الكوى كما قال تعالى: {فاطلع فرآه في ~~سواء الجحيم} (الصافات: 55) # فإذا اطلعوا من الجنة على أعدائهم وهم يعذبون في النار ضحكوا. # قال الله تعالى: {هل ثوب الكفار} أي: هل جوزوا {ما كانوا يفعلون} أي: ~~جزاء استهزائهم بالمؤمنين، ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوبه وأثابه ~~بمعنى واحد إذا جازاه. قال أوس: # *سأجزيك أو يجزيك عني مثوب # ... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدى # وقرأ الكسائي وهشام بإدغام اللام في الثاء والباقون بالإظهار. وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة ~~المطففين سقاه الله تعالى من الرحيق المختوم يوم القيامة» . حديث موضوع. # PageV04P505 ### | سورة الانشقاق # مكية # وهي ثلاث أو خمس وعشرون آية ومائةوسبع كلمات وأربعمائة وأربعة وثلاثون ~~حرفا # {بسم الله} الذي شقق الأرض بالنبات {الرحمن} الذي عم جوده أهل الأرض ~~والسموات {الرحيم} الذي خص أهل طاعته بالجنات. # وقوله تعالى: {إذا السماء} أي: على ما لها من الأحكام والعظمة {انشقت} ~~كقوله تعالى: {إذا الشمس كورت} (التكوير: 1) { { # في إضمار الفعل وعدمه، وفي إذا هذه احتمالان: أحدهما: أن تكون شرطية، ~~والثاني: أن تكون غير شرطية. فعلى الأول في جوابها أوجه: أحدها: أنه محذوف ~~ليذهب المقدر كل مذهب، أو اكتفاء بما علم في مثلها من سورتي التكوير ~~والانفطار، وهو قوله تعالى: {علمت نفس} (الإنفطار: 5، وسورة التكوير: 14) # والثاني: جوابها ما دل عليه {فملاقيه} الثالث: أنه {يا أيها الإنسان} على ~~حذف الفاء وعلى كونها غير شرطية فهي مبتدأ، وخبرها إذا الثانية والواو ~~مزيدة، تقديره: وقت انشقاق السماء وقت مد الأرض، أي: يقع الأمران في وقت. ~~قاله الأخفش. وقيل: إنه منصوب مفعولا به بإضمار اذكر انشقاقها بالغمام، وهو ~~من علامات القيامة كقوله تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام} (الفرقان: 25) # وعن علي تنشق من المجرة. قال ابن الأثير: المجرة هي البياض المعترض في ~~السماء والسراب من جانبها. # {وأذنت} أي: سمعت وأطاعت في الانشقاق {لربها} أي: لتأثير قدرته حين ms4037 أراد ~~انشقاقها انقياد المطواع الذي ورد عليه الأمر من جهة المطاع، فأنصت له ~~وأذعن ولم يأب ولم يمتنع، كقوله: {أتينا طائعين} (فصلت: 110) # {وحقت} أي: حق لها أن تسمع وتطيع بأن تنقاد ولا تمتنع. يقال: حق بكذا فهو ~~محقوق وحقيق. # {وإذا الأرض} أي: على ما لها من الصلابة {مدت} أي: زيد في سعتها كمد ~~الأديم ولم يبق عليها بناء ولا جبل، كما قال تعالى: {قاعا صفصفا لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا} (طه: 106 107) # وعن ابن عباس مدت مد الأديم العكاظي لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه ~~وأمت واستوى. # {وألقت} أي: أخرجت {ما فيها} من الكنوز والموتى كقوله تعالى: {وأخرجت ~~الأرض أثقالها} (الزلزلة: 21) # . {وتخلت} أي: خلت منها حتى لم يبق في بطنها شيء، وذلك يؤذن بعظم الأمر ~~كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدة، ووصفت الأرض بذلك توسعا وإلا ~~فالتحقيق أن الله تعالى هو المخرج لتلك الأشياء من الأرض. # وقوله تعالى: {وأذنت لربها وحقت} تقدم تفسيره، وهذا ليس بتكرار لأن الأول ~~في السماء وهذا في الأرض، وتقدم جواب إذا. ومن جملة ما قيل فيه: وما عطف ~~عليه أنه محذوف دل عليه ما بعده، تقديره: لقي الإنسان عمله وذلك كله يوم ~~القيامة. واختلف في الإنسان في قوله تعالى: # {يا أيها الإنسان} أي: الآنس بنفسه الناسي لأمر ربه {إنك كادح} فقيل: ~~المراد جنس الإنسان كقولك: يا أيها الرجل، فكأنه خطاب خص به أحد من الناس. ~~قال القفال: وهو أبلغ من العموم؛ لأنه قائم مقام التنصيص على مخاطبة كل ~~واحد منهم على التعيين بخلاف اللفظ العام. وقيل: المراد منه رجل بعينه، ~~فقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى: إنك كادح في إبلاغ رسالات الله ~~تعالى وإرشاد عباده وتحمل الضرر من الكفار، فأبشر فإنك تلقى الله تعالى ~~بهذا العمل. وقال # PageV04P506 # ابن عباس: هو أبي بن خلف وكدحه هو جده واجتهاده في طلب الدنيا، وإيذاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم والإصرار على الكفر. والكدح: جهد النفس في العمل ~~والكد فيه حتى يؤثر ms4038 فيها من كدح جلده إذا خدشه. # ومعنى كادح {إلى ربك} أي: جاهد إلى لقائه وهو الموت، أي: هذا الكدح يستمر ~~إلى هذا الزمن وقال القفال: تقديره إنك كادح في دنياك. {كدحا} تصير إلى ~~ربك. وقوله تعالى: {فملاقيه} يجوز أن يكون عطفا على كادح، والسبب فيه ظاهر، ~~وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: فأنت ملاقيه، وقيل: جواب إذا، والضمير في ~~ملاقيه إما للرب أي: ملاقي حكمه لا مفر لك منه، وإما للكدح إلا أن الكدح ~~عمل وهو عرض لا يبقى، فملاقاته ممتنعة، فالمراد جزاء كدحك من خير أو شر. ~~وقال الرازي: المراد ملاقاة الكتاب الذي فيه بيان تلك الأعمال، ويؤكد هذا ~~قوله تعالى بعده: # {فأما من أوتي كتابه} أي: كتاب عمله الذي كتبته الملائكة. {بيمينه} أي: ~~من أمامه وهو المؤمن المطيع. # {فسوف يحاسب} أي: يقع حسابه بوعد لا خلف فيه، وإن طال الأمد لإظهار ~~الجبروت والكبرياء والقهر. {حسابا يسيرا} هو عرض عمله عليه كما فسر في حديث ~~الصحيحين وفيه: «من نوقش الحساب هلك» وفي رواية: «من حوسب عذب» . وقالت ~~عائشة: «أليس يقول الله تعالى: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} فقال: إنما ذلك ~~العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب» وإنما حوسب حسابا سهلا لأنه كان يحاسب ~~نفسه فلا تقع له المخالفة إلا ذهولا، فلأجل ذلك تعرض أعماله فيقبل حسنها ~~ويعفى عن سيئها. # {وينقلب} أي: يرجع بنفسه من غير مزعج برغبة وقبول {إلى أهله} أي: الذين ~~أهله بهم في الجنة من الحور العين والآدميات والذريات إذا كانوا مؤمنين ~~{مسرورا} أي: قد أوتي جنة وحريرا، فإنه كان في الدنيا في أهله مشفقا من ~~العرض على الله يحاسب نفسه حسابا عسيرا مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق ~~العيش. # {س84ش10/ش15 وأما من أوتى كتابه? ورآء ظهره? * فسوف يدعوا? ثبورا * ويصلى ~~سعيرا * إنه? كان فى? أهله? مسرورا * إنه? ظن أن لن يحور * بلى? إن ربه? ~~كان به? بصيرا} # {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} وهو الكافر تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل ~~يسراه وراء ظهره فيأخذ بها ms4039 كتابه. # {فسوف يدعو} أي: بوعد لا خلف في وقوعه {ثبورا} يقول: يا ثبوراه، والثبور: ~~الهلاك، كقوله تعالى: {دعوا هنالك ثبورا} (الفرقان: 13) # {ويصلى سعيرا} أي: يدخل النار الشديدة. وقرأ أبو عمرو وعاصم بفتح الياء ~~وسكون الصاد وتخفيف اللام، والباقون بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، ~~وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، وإذا فتح ~~ورش غلظ اللام، وإذا أمال رقق والباقون بالفتح. # {إنه كان} أي: بما هو له كالجبلة {في أهله} أي: عشيرته في الدنيا ~~{مسرورا} قال القفال: أي: منعما مستريحا من التعب بأداء العبادات واحتمال ~~مشقة الفرائض من الصلاة والجهاد مقدما على المعاصي آمنا من الحساب والثواب ~~والعقاب لا يخاف الله تعالى، ولا يرجوه فأبدله الله تعالى بذلك السرور غما ~~باقيا لا ينقطع. # وقيل: إن قوله تعالى: {إنه كان في أهله مسرورا} كقوله تعالى: {وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين} (المطففين: 31) # أي: متنعمين في الدنيا معجبين بما هم عليه من الكفر بالله تعالى والتكذيب ~~بالبعث، ويضحكون ممن آمن بالله تعالى، وصدق بالحساب كما قال صلى الله عليه ~~وسلم «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . {إنه ظن} أي: لضعف نظره {أن} مخففة ~~من الثقيلة واسمها محذوف أي: أنه {لن يحور} أي: لن يرجع إلى الله تعالى # PageV04P507 # تكذيبا بالمعاد. يقال: لا يحور ولا يحول، أي: لا يرجع ولا يتغير. قال ~~لبيد: # *وما المرء إلا كالشهاب وضوئه # ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # وعن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية ~~لها: حوري، أي: ارجعي. # وقوله تعالى: {بلى} إيجاب لما بعد النفي في لن يحور، أي: بلى ليحورن. {إن ~~ربه} أي: الذي ابتدأ إنشاؤه ورباه {كان} أي: أزلا وأبدا {به بصيرا} أي: من ~~يوم خلقه إلى يوم بعثه، أو بأعماله لا ينساها. وقال عطاء: بصيرا بما سبق ~~عليه في أم الكتاب من الشقاوة. # واختلفوا في الشفق في قوله تعالى: # {فلا أقسم بالشفق} فقال مجاهد: هو النهار كله. وقال عكرمة: ما بقي من ~~النهار. وقال ابن ms4040 عباس وأكثر المفسرين: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد ~~غروب الشمس. وقال قوم: هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة. # تنبيه: سمي بذلك لرقته، ومنه الشفقة على الإنسان رقة القلب عليه واللام ~~في لا أقسم مزيدة للتأكيد. # {والليل} أي: الذي يغلبه ويذهبه {وما وسق} أي: ما جمع وضم يقال وسقه ~~فاتسق واستوسق قال الشاعر: # *مستوسقات لو يجدن سائقا* # ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع، ومعناه: وما جمعه ~~وستره وآوى إليه من الدواب وغيرها. # {والقمر} أي: الذي هو آيته {إذا اتسق} أي: إذا اجتمع واستوى ليلة أربع ~~عشرة. وقال قتادة: استدار وهو افتعل من الوسق. # تنبيه: قد اختلف العلماء في القسم بهذه الأشياء هل هو قسم بها أو ~~بخالقها؟ فذهب المتكلمون. إلى أن القسم واقع بربها وإن كان محذوفا؛ لأن ذلك ~~معلوم من حيث ورود الحظر بأن يقسم بغير الله تعالى أو بصفة من صفاته، وقد ~~مر أن ذلك يكره في حق الإنسان، فإن الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه وجواب ~~القسم. { { # {لتركبن} أي: أيها الناس، أصله تركبون حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال ~~والواو لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء الموحدة ~~على خطاب الإنسان، والباقون بضمها على خطاب الجمع، وهو معنى الإنسان إذ ~~المراد به الجنس أي: لتركبن أيها الإنسان {طبقا} مجاوزا {عن طبق} أي: حالا ~~بعد حال. قال عكرمة: رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وعن ابن عباس: ~~الموت ثم البعث ثم العرض. وعن عطاء: مرة فقيرا ومرة غنيا. وقال أبو عبيدة: ~~لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا ذراعا حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» . # وقوله تعالى: {فما لهم} أي: الكفار {لا يؤمنون} استفهام إنكار، أي: أي ~~مانع لهم من الإيمان، أو أي حجة في تركه بعد وجود براهينه. # {و} ما لهم {إذا قرئ} أي: من أي: ms4041 قارئ قراءة مشروعة {عليهم القرآن} أي: ~~الجامع لكل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم الفارق بين كل ملتبس {لا يسجدون} ~~أي: لا يخضعون بأن يؤمنوا به لإعجازه، أو لا يصلون، قاله مقاتل، أو لا ~~يسجدون لتلاوته لما روى أنه صلى الله عليه وسلم «قرأ {واسجد واقترب} ~~(العلق: 19) # فسجد ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق رؤوسهم فنزلت» . وعن أبي هريرة قال: ~~«سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في {اقرأ باسم ربك} و {إذا السماء ~~انشقت} » . وعن نافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ # PageV04P508 # {إذا السماء انشقت} فسجد فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى ~~الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. وليس في ذلك دلالة على ~~وجوبها فهي مندوبة. وعن الحسن: هي واجبة. واحتج أبو حنيفة على وجوب السجود ~~بأنه تعالى ذم من سمعه ولم يسجد. وعن ابن عباس: ليس في المفصل سجدة، وما ~~روى أبو هريرة يخالفه. وعن أنس: صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان فسجدوا. # {بل الذين كفروا يكذبون} أي: بالقرآن والبعث. # {والله أعلم بما يوعون} أي: بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر ~~والحسد والبغي والبغضاء، أو بما يجمعون في صحفهم من الكفر والتكذيب وأعمال ~~السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب. # وقوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} أي: مؤلم استهزاء بهم، أو أن البشارة ~~بمعنى الإخبار، أي: أخبرهم. # وقوله تعالى: {إلا} استثناء منقطع، أي: لكن {الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} تحقيقا لإيمانهم {لهم أجر غير ممنون} أي: غير مقطوع ولا منقوص ~~ولا ممنون به عليهم. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من قرأ {إذا السماء انشقت} أعاذه الله تعالى أن يعطيه كتابه ~~وراء ظهره» حديث موضوع. ### | سورة البروج # مكية # وهي اثنتان وعشرون آية ومائة وتسع كلماتوأربعمائة وثمانية وخمسون حرفا # {بسم الله} الذي أحاط علمه بالكائنات {الرحمن} الذي عم جوده سائر ~~المخلوقات {الرحيم} الذي خص أهل السعادة بالجنات. # وقوله تعالى: {والسماء} أي: العالية غاية العلو، المحكمة غاية الإحكام ~~{ذات ms4042 البروج} قسم أقسم الله تعالى به، وتقدم الكلام على ذلك مرارا، وفي ~~البروج أقوال: فقال مجاهد: هي البروج الاثنا عشر، شبهت بالقصور؛ لأنها ~~تنزلها السيارات. وقال الحسن: هي النجوم، وقيل: هي منازل القمر. وقال ~~عكرمة: هي قصور في السماء. وقيل: عظام الكواكب سميت بروجا لظهورها. وقيل: ~~أبواب السماء. وقوله تعالى: # {واليوم الموعود} قسم آخر وهو يوم القيامة. قال ابن عباس: وعد أهل السماء ~~وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه. # واختلفوا في قوله سبحانه وتعالى: # {وشاهد ومشهود} فقال أبو هريرة وابن عباس: الشاهد يوم الجمعة والمشهود ~~يوم عرفة. وروى مرفوعا: «اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم ~~عرفة. والشاهد يوم الجمعة» خرجه الترمذي في جامعه. قال القشيري: فيوم ~~الجمعة يشهد على عامله بما عمل فيه. قال القرطبي: وكذا سائر الأيام ~~والليالي لما روى أبو نعيم الحافظ عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ليس من يوم يأتي على العبد إلا ينادى فيه يا ابن آدم أنا خلق جديد، ~~وأنا فيما تعمل عليك شاهد، فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا فإني إذا مضيت لم ~~ترني أبدا، ويقول الليل مثل ذلك» حديث غريب. وحكى القشيري عن عمر أن الشاهد ~~يوم الأضحى. وقال ابن المسيب: الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة. وروي ~~عن علي: الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر. وقال مقاتل: أعضاء الإنسان هي ~~الشاهد لقوله تعالى: {يوم تشهد عليهم # PageV04P509 # ألسنتهم} (النور: 24) # الآية. وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم ~~لقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} (البقرة: 143) # الآية. وقيل: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {إنا أرسلناك ~~شاهدا} (الأحزاب: 45) # وقيل: آدم. وقيل: الحفظة الشاهد والمشهود أولاد آدم، وقيل: غير ذلك وكل ~~ذلك صحيح. # واختلف في جواب القسم فقال الجلال المحلي: جواب القسم محذوف صدره أي: لقد ~~{قتل} أي: لعن {أصحاب الأخدود} وقال الزمخشري: محذوف ويدل عليه قوله: {قتل ~~أصحاب الأخدود} وكأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون يعني: كفار قريش ~~كما لعن أصحاب الأخدود، فإن السورة ms4043 وردت لتثبيت المؤمنين على أذاهم ~~وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم. واستظهر هذا البيضاوي. والأخدود: هو الشق ~~المستطيل في الأرض كالنهر، وجمعه أخاديد، واختلف فيهم فعن صهيب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما ~~كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما، ~~وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب فقعد إليه، وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا ~~أتى الساحر مر بالراهب فقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه وإذا رجع قعد إلى ~~الراهب وسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه فشكا إلى الراهب فقال: إذا خشيت ~~الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر،. فبينما هو ~~كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الراهب أفضل أم ~~الساحر فأخذ حجرا ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر ~~فاقتل هذه الدابة حتى تمضي الناس فرماها فقتلها فمضى الناس فأتى الراهب ~~فأخبره، فقال له الراهب: أي: بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما ~~أرى، وإنك ستبلى فإن ابتليت فلا تدل علي فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ~~ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس الملك وكان قد عمي فأتاه بهدايا ~~كثيرة فقال: هذا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي ~~الله فإن آمنت به دعوت الله تعالى فشفاك فآمن بالله فشفاه الله تعالى، فأتى ~~الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. # قال: ربك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على ~~الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك: أي: بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ ~~الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، قال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فأخذه ~~فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقال: ارجع عن دينك فأبى ~~فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق ms4044 رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس ~~الملك فقيل: له: ارجع عن دينك فأبى ففعل به كالراهب، ثم جيء بالغلام فقيل ~~له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه وقال: اذهبوا إلى جبل كذا ~~فاصعدوا به، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به ~~فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء ~~يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله فدفعه ~~إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر فإن ~~رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت ~~السفينة بهم فغرقوا، وجاء يمشي # PageV04P510 # إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى. ~~فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس ~~في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد ~~القوس وقل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع ~~الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ووضع السهم في ~~كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع ~~يده على صدغه موضع السهم فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب ~~الغلام ثلاثا، فأتى الملك فقيل: له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك ~~حذرك قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك فحدت وأضرم النيران، وقال: ~~من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها. أو قيل له: اقتحم، قال: ففعلوا حتى جاءت ~~امرأة معها # صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق ~~فاقتحمت» . قال البغوي: هذا حديث صحيح. وقيل: إن الصبي قال لها: قعي ولا ~~تقاعسي. وقيل: ما هي إلا غميضة فصبرت. وذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه ~~أن رجلا كان قد بقي على دين ms4045 عيسى، فوقع على نجران فأجابوه فسار إليه ذو ~~نواس اليهودي بجنود من حمير، وخيرهم بين النار واليهودية، فأبوا عليه فخد ~~الأخاديد وأحرق اثني عشر ألفا في الأخاديد. وقيل: سبعين ألفا. ثم غلب أرياط ~~على اليمن فخرج ذو نواس هاربا واقتحم البحر بفرسه فغرق. قال الكلبي: وذو ~~نواس قتل عبد الله بن التامر رضي الله عنه. # وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن خربة احترقت في زمن عمر ~~فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده عنها ~~أنبعت دما وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه: ربي الله. ~~فبلغ ذلك عمر فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه. # وعن ابن عباس قال: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن ~~شرحبيل في الفترة قبل أن يولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة، وكان ~~في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه سلمه إلى معلم يعلمه ~~السحر فكره ذلك الغلام، ولم يجد بدا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم، ~~وكان في طريقه راهب حسن الصوت فأعجبه ذلك، وذكر قريبا من معنى حديث صهيب ~~إلى أن قال الغلام للملك: إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول. قال: ~~فكيف أقتلك؟ قال: تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم على اسم ~~إلهي، ففعل الملك فقتله فقال الناس: لا إله إلا إله، عبد الله بن التامر لا ~~دين إلا دينه، فغضب الملك وأغلق باب المدينة، وأخذ أفواه السكك وأخد أخدودا ~~وملأه نارا ثم عرضهم رجلا رجلا، فمن رجع عن الإسلام تركه، ومن قال: ديني ~~دين عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود وأحرقه، وكان في مملكته امرأة ~~فأسلمت فيمن أسلم ولها أولاد ثلاثة: أحدهم رضيع فقال لها الملك: ارجعي عن ~~دينك وإلا ألقيتك وأولادك في النار فأبت، فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في ~~النار، ثم قال لها: ارجعي فأبت فأخذوا الصبي ms4046 منها ليلقوه في النار فهمت ~~المرأة بالرجوع فقال لها الصبي: يا أماه لا ترجعي عن الإسلام فإنك على الحق ~~ولا بأس عليك فألقى الصبي في النار، وألقيت أمه على أثره. # وعن علي أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال: هم أهل كتاب، وكانوا ~~متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، # PageV04P511 # فتناولها بعض ملوكهم فسكر فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج، فقالت ~~له: المخرج أن تخطب الناس فتقول: يا أيها الناس إن الله تعالى أحل لكم نكاح ~~الأخوات، ثم تخطبهم بعد ذلك: أن الله تعالى حرمه. فخطب فلم يقبلوا منه ~~فقالت: ابسط فيهم السوط فلم يقبلوا، فأمرت بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح ~~من أبى فيها، فهم الذين أرادهم الله تعالى بقوله: {أصحاب الأخدود} وعن ~~مقاتل: كانت الأخاديد ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، وأخرى بالشام، وأخرى ~~بفارس حرقوا بالنار، أما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي، وأما التي بفارس ~~فبختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس. فأما التي بفارس والشام ~~فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآنا، وأنزل في التي كانت بنجران. وذلك أن رجلا ~~مسلما ممن يقرأ الإنجيل أجر نفسه في عمل وجعل يقرأ الانجيل فرأت بنت ~~المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل فذكرت ذلك لأبيها فرمقه فرآه فسأله ~~فلم يخبره، فلم يزل به حتى أخبره بالدين وبالإسلام فتابعه هو وسبعة وثمانون ~~إنسانا ما بين رجل وامرأة، وهذا بعد ما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، ~~فسمع ذلك يوسف ذو نواس فخد لهم في الأرض، وأوقد فيها فعرضهم على الكفر، فمن ~~أبى أن يكفر قذفه في النار، ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه، وأن امرأة جاءت ~~ومعها صغير لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت عن ~~النار، فضربت حتى تقدمت فلم تزل كذلك ثلاث مرات، فلما كانت في الثالثة ذهبت ~~ترجع فقال لها ابنها يا أماه إني أرى أمامك نارا لا تطفأ، فلما سمعت ذلك ~~قذفا جميعا أنفسهما في النار فجعلها الله وابنها في الجنة. فقذف ms4047 في النار ~~في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانا فذلك قوله تعالى: {قتل أصحاب الأخدود} . # وقوله تعالى: {النار} بدل اشتمال من الأخدود. وقوله تعالى: {ذات الوقود} ~~وصف لها بأنها نار عظيمة لها، ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان ~~الناس، واللام في الوقود للجنس. # وقوله تعالى: {إذ هم عليها قعود} ظرف لقتل أي: لعنوا حين أحرقوا بالنار ~~قاعدين حولها، ومعنى عليها على ما يدنوا منها من حافات الأخدود كقوله: # *وبات على النار الندى والمحلق* # وكما تقول: مررت عليه تريد مستعليا المكان الذي يدنو منه، فكانوا يقعدون ~~حولها على الكراسي. وقال القرطبي: عليها. قوله وقال القرطبي عليها كذا في ~~جميع النسخ وفيه سقط فراجعه. # {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين} بالله من تعذيبهم بالإلقاء في النار إن لم ~~يرجعوا عن إيمانهم {شهود} أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه لم يقصر فيما ~~أمر به أو شهود بمعنى حضور، إذ روي أن الله تعالى أنجى المؤمنين الملقين في ~~النار بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها وخرجت النار إلى القاعدين فأحرقتهم. ~~قال الرازي: يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود القاتلين، ويمكن أن يكون ~~المراد بهم المقتولين. والمشهور أن المقتولين هم المؤمنون. وروي أن ~~المقتولين هم الجبابرة. روي أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار عادت النار ~~على الكفرة فأحرقتهم، ونجى الله المؤمنين منها سالمين وإلى هذا القول ذهب ~~الربيع بن أنس والواحدي. وتأولوا قوله تعالى: {فلهم عذاب جهنم} أي: في ~~الآخرة {ولهم عذاب الحريق} أي: في الدنيا. # فإن فسر أصحاب الأخدود بالقاتلين فيكون قوله تعالى: {قتل أصحاب الأخدود} ~~دعاء عليهم كقوله تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره} (عبس: 17) # وإن فسر بالمقتولين كان المعنى: # PageV04P512 # أن المؤمنين قتلوا بالنار فيكون ذلك خبرا لا دعاء. والمقصود من هذه ~~الآية: تثبيت قلوب المؤمنين وإخبارهم بما كان يلقاه من قبلهم من الشدائد. ~~وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلقون من أذى ~~الكفار ليتأسوا بهذا الغلام في صبره على الأذى والصلب، وبذل نفسه في إظهار ~~دعوته ودخول ms4048 الناس في الدين مع صغر سنه، وكذلك صبر الراهب على التمسك بالحق ~~حتى نشر بالمنشار، وكذلك أكثر الناس لما آمنوا بالله تعالى. # {وما نقموا} أي: وما أنكروا وكرهوا {منهم} من الخلات وكان ذنبا ونقصا ~~{إلا أن يؤمنوا} أي: يجددوا الإيمان مستمرين عليه {بالله} أي: الذي له ~~الكمال كله {العزيز} في ملكه الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء. {الحميد} ~~أي: المحيط بجميع صفات الكمال، فهو يثيب من أطاعه أعظم ثواب وينتقم ممن ~~عصاه بأشد العذاب. وهذا استثناء على طريقة قول القائل: # *ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # ... بهن فلول من قراع الكتائب* # أي: من ضرابها، والكتائب بالتاء المثناة: جمع كتيبة وهي الجيش، وقال ابن ~~الرقيات: # ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا # ونظيره قوله تعالى: {هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله} (المائدة: 59) # ولما ذكر تعالى الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد، وهو كونه عزيزا ~~غالبا قادرا يخشى عقابه، حميدا منعما يجب الحمد على نعمه، ويرجى ثوابه قرر ~~ذلك بقوله تعالى: # {الذي له} أي: خاصة {ملك السموات والأرض} أي: على جهة العموم مطلقا، فكل ~~من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له تقديرا، لأن ما نقموا منهم هو الحق ~~الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغي، وإن الناقمين أهل لانتقام الله ~~تعالى منهم بعذاب لا يعدله عذاب. {والله} الملك الأعظم الذي له الإحاطة ~~الكاملة {على كل شيء شهيد} فلا يغيب عنه شيء، وهذا لأن الله علم ما فعلوا ~~وهو مجازيهم عليه. # ولما ذكر قصة اأصحاب الأخدود أتبعها ما يتفرع من أحكام الثواب والعقاب ~~فقال تعالى: # {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} أي: أحرقوهم بالنار، يقال: فتنت ~~الشيء إذا أحرقته، والعرب تقول: فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور ~~لينظر جودته. ونظيره {يوم هم على النار يفتنون} (الذاريات: 7) # . قال الرازي: ويحتمل أن يكون المراد: كل من فعل ذلك. قال: وهذا أولى لأن ~~اللفظ عام والحكم عام، والتخصيص ترك للظاهر من غير دليل. # ولما كانت التوبة مقبولة قبل ms4049 الغرغرة ولو طال الزمان عبر سبحانه بأداة ~~التراخي فقال تعالى: {ثم لم يتوبوا} أي: عن كفرهم وعما فعلوا. # {فلهم عذاب جهنم} أي: بكفرهم {ولهم عذاب الحريق} أي: عذاب إحراقهم ~~المؤمنين في الآخرة، وقيل: في الدنيا فأحرقتهم كما تقدم، ومفهوم الآية أنهم ~~لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد، وذلك يدل على أن الله تعالى يقبل التوبة من ~~القاتل المتعمد خلاف ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولما ذكر سبحانه ~~وعيد المجرمين ذكر ما أعد للمؤمنين بقوله تعالى: # {إن الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان من المقذوفين في النار وغيرهم من كل ~~طائفة في كل زمان {وعملوا الصالحات} تحقيقا لإيمانهم {لهم جنات} أي: بساتين ~~تفضلا منه تعالى {تجري من تحتها} أي: تحت غرفها وأسرتها وجميع أماكنها ~~{الأنهار} يتلذذون ببردها # PageV04P513 # في نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في الدنيا، ويزول عنهم برؤية ذلك مع ~~خضرة الجنان جميع المضار والأحزان. # {ذلك} أي: الأمر العالي الدرجة العظيم البركة {الفوز} أي: الظفر بجميع ~~المطالب {الكبير} وهو رضا الله تعالى لا دخول الجنة. # وقال تعالى: {ذلك الفوز} ولم يقل تلك، لأن ذلك إشارة إلى إخبار الله ~~تعالى بحصول الجنان وتلك إشارة إلى الجنة الواحدة، وإخبار الله تعالى عن ~~ذلك يدل على كونه راضيا. # {إن بطش ربك} أي: أخذ المحسن إليك المربي لك المدبر لأمرك الجبابرة ~~والظلمة {لشديد} كقوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن ~~أخذه أليم شديد} (هود: 102) # قال المبرد: {إن بطش ربك} جواب القسم، والبطش هو الأخذ بعنف فإذا وصف ~~بالشدة فقد تضاعف. ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة دل على ~~كمال قدرته واختصاصه بذلك بقوله تعالى مؤكدا لما له من الإنكار: # {إنه هو} أي: وحده {يبدئ} أي: يوجد ابتداء أي خلق أراد إلى أي هيئة أراد ~~{ويعيد} أي: ذلك المخلوق عند البعث. وروى عكرمة قال: عجب الكفار من إحياء ~~الله تعالى الأموات أي: فنزلت. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا ثم ms4050 يعيده ~~عليهم في الآخرة، وهذا اختيار الطبري. وقيل: يبدئ البطش ويعيده فيبطش بهم ~~في الدنيا والآخرة، أو دل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدة بطشه، أو ~~أوعد الكفرة بأن يعيدهم كما بدأهم ليبطش لهم؛ إذ لم يشكروا نعمة الإبداء ~~وكذبوا بالإعادة. # {وهو} أي: وحده {الغفور} أي: الستور لعباده المؤمنين. وقرأ قالون وأبو ~~عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها. # وقوله تعالى: {الودود} مبالغة في الود. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو ~~المتودد لعباده بالمغفرة، وعن المبرد: هو الذي لا ولد له. وأنشد: # *وأركب في الود عريانة # ... ذلول الجماع لقاحا ودودا* { { # أي: لا ولد لها تحن إليه. وقيل: هو فعول بمعنى مفعول كالركوب والحلوب ~~بمعنى المركوب والمحلوب. وقيل: يغفر ويود أن يغفر. # {ذو العرش} ومالكه، أي: ذو الملك والسلطان كما يقال فلان على سرير ملكه، ~~وإن لم يكن على سرير، ويقال: ثل عرشه، أي: ذهب سلطانه، أو السرير الدال على ~~اختصاص الملك بالملك، وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة الذي به قوام ~~الأمور، وقرأ {المجيد} حمزة والكسائي بجر الدال على أنه نعت للعرش أو لربك ~~في قوله تعالى: {إن بطش ربك} قال مكي: وقيل: لا يجوز أن يكون نعتا للعرش ~~لأنه من صفات الله تعالى اه. وهذا ممنوع لأن مجد العرش علوه وعظمه كما قاله ~~الزمخشري. وقد وصف العرش بالكريم في آخر المؤمنين. وقرأ الباقون برفع الدال ~~على أنه خبر بعد خبر. وقيل: هو نعت لذو، واستدل بعضهم على تعدد الخبر بهذه ~~الآية، ومن منع قال لأنها في معنى خبر واحد، أي: جامع بين هذه الأوصاف ~~الشريفة، أو كل منها خبر لمبتدأ مضمر، والمجد: هو النهاية في الكرم والفضل، ~~والله سبحانه موصوف بذلك وتقدم وصف عرشه بذلك. # {فعال} أي: على سبيل التكرار والمبالغة {لما يريد} قال القفال: أي: يفعل ~~ما يريد على ما يراه لا يعترض عليه أحد، ولا يغلبه غالب فيدخل أولياءه ~~الجنة لا يمنعه مانع، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر، ويمهل العصاة ~~على ما يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل ms4051 بعضهم بالعقوبة إذا شاء، # PageV04P514 # فهو يفعل ما يريد. # وعن أبي اليسر: دخل ناس من الصحابة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~يعودونه فقالوا: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني. قالوا: فماذا قال لك؟ قال: ~~إني فعال لما أريد. وقال الزمخشري: فعال خبر مبتدأ محذوف، وإنما قال فعال ~~لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. وقال الطبري: رفع فعال وهو نكرة محضة ~~على وجه الإتباع لإعراب الغفور الودود. # تنبيه: دلت هذه الآية أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. قال بعضهم: ~~ودلت على أن الله تعالى لا يجب عليه شيء لأنها دالة على أنه يفعل ما يريد. # {هل} أي: قد {أتاك} أي: يا أشرف الرسل {حديث} أي: خبر {الجنود} أي: ~~الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم وقوله تعالى: {فرعون وثمود} يجوز أن يكون ~~بدلا من الجنود، واستشكل كونه بدلا؛ لأنه لم يكن مطابقا للمبدل منه في ~~الجمعية. وأجيب: بأنه على حذف مضاف، أي: جنود فرعون وأن المراد فرعون ~~وقومه، واستغنى بذكره عن ذكرهم لأنهم أتباعه، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار ~~أعني لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه. # والمعنى: إنك قد عرفت ما فعل الله تعالى بهم حين كذبوا رسلهم كيف هلكوا ~~بكفرهم فقومك إن لم يؤمنوا بك فعل بهم كما فعل بهؤلاء، فاصبر كما صبر ~~الأنبياء قبلك على أممهم. # {بل الذين كفروا} أي: من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك {في تكذيب} لك لا ~~يرعوون عنه، ومعنى الإضراب: أن حالهم أعجب من حال هؤلاء فإنهم سمعوا قصتهم ~~ورأوا آثار هلاكهم وكذبوا أشد من تكذيبهم، وإنما خص فرعون وثمود لأن ثمود ~~في بلاد العرب وقصتهم عندهم مشهورة، وإن كانوا من المتقدمين، وأمر فرعون ~~كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك فدل بهما ~~على أمثالهما. # وقوله تعالى: {والله} أي: والحال أن الملك الذي له الكمال كله {من ورائهم ~~محيط} وفيه وجوه: # أحدها: أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في قبضته وحصره، كالمحاط إذا ~~أحيط به من ورائه ينسد عليه ms4052 مسلكه فلا يجد مهربا، يقول الله تعالى: فهم كذا ~~في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك فلا ~~تجزع من تكذيبهم، إياك فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم. # ثانيها: أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقوله تعالى: {وظنوا ~~أنهم أحيط بهم} (يونس: 22) # فهو عبارة عن مشارفة الهلاك. # ثالثها: أنه تعالى محيط بأعمالهم، أي: عالم بها فيجازيهم عليها. # {بل هو} أي: هذا القرآن الذي كذبوا به، وهو لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه {قرآن} أي: جامع لكل منفعة جليلة بالغ الذروة العليا في كل شرف ~~{مجيد} أي: شريف وحيد في اللفظ والمعنى، وليس كما زعم المشركون أنه شعر ~~وكهانة. # {في لوح} هو في الهواء فوق السماء السابعة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه قال: إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ~~ورسوله، فمن آمن بالله عز وجل وصدق بوعيده واتبع رسله أدخله الجنة، قال: ~~واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق ~~والمغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور وكلامه ~~نور، معقود بالعرش وأصله في حجر ملك. # وقرأ {محفوظ} بالرفع نافع على أنه نعت لقرآن، والباقون بالجر على أنه نعت ~~للوح. وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش وقال البغوي: هو أم الكتاب، ~~ومنه تنسخ الكتب محفوظ من الشياطين ومن الزيادة فيه # PageV04P515 # والنقصان. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~قرأ سورة البروج أعطاه الله تعالى بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في ~~الدنيا عشر حسنات» حديث موضوع. ### | سورة الطارق # مكية # وهي سبع عشرة آية واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وإحدى وسبعون حرفا # {بسم الله} مالك الخلق أجمعين {الرحمن} الذي عم جوده المؤمنين والكافرين ~~{الرحيم} الذي خص رحمته بعباده المؤمنين. # وقوله تعالى: {والسماء والطارق} قسم أقسم الله تعالى به، وقد أكثر الله ~~تعالى في كتابه العزيز ذكر السماء والشمس والقمر؛ لأن أحوالها في ms4053 أشكالها ~~وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة. ولما كان الطارق يطلق على غير النجم أبهمه ~~أولا، ثم عظم القسم به بقوله تعالى: # {وما أدراك} أي: أعلمك يا أشرف خلقنا، وإن حاولت معرفة ذلك وبالغت في ~~الفحص عنه {ما الطارق} وهذا مبتدأ وخبر في محل المفعول الثاني لأدري، وما ~~بعد ما الأولى خبرها، وفيه تعظيم لشأن الطارق. وأصله كل آت ليلا ومنه ~~النجوم لطلوعها ليلا. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة وابن ذكوان بخلاف ~~عنه بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح.k # ثم فسر الطارق بقوله تعالى: { { # {النجم الثاقب} أي: المضيء لثقبه الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل: دري ~~لأنه يدرؤه، أي: يدفعه، والمراد جنس النجوم أو جنس الشهب التي يرجم بها. ~~وقال محمد بن الحسين: هو زحل. وقال ابن زيد: هو الثريا. وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هو الجدي. وقال علي: هو نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره ~~من النجوم فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها، ثم يرجع إلى ~~مكانه من السماء السابعة فهو طارق حين ينزل وحين يرجع. # وفي الصحاح: الطارق النجم الذي يقال له: كوكب الصبح. قال الماوردي: وأصل ~~الطرق الدق، ومنه سميت المطرقة، وسمي النجم طارقا لأنه يطرق الجني أي: ~~يقتله. روي أن أبا طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز ولبن فبينما هو ~~جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأت الأرض نورا ففزع أبو طالب، وقال: أي شيء ~~هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا نجم رمي به وإنه آية من آيات ~~الله تعالى» فعجب أبو طالب فنزلت السورة. وقال مجاهد: الثاقب المتوهج، ~~وجواب القسم. # {إن كل نفس} أي: من الأنفس مطلقا لا سيما نفوس الناس {لما عليها} أي: ~~بخصوصها {حافظ} وقرأ ابن عامر وعاصم بتشديد الميم والباقون بتخفيفها تكون ~~مزيدة، وإن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي: أنه واللام فارقة وعلى ~~تشديدها فإن نافية، ولما بمعنى إلا. والحافظ: هو المهيمن الرقيب وهو الله ~~تعالى، {وكان الله على كل شيء ms4054 رقيبا} (الأحزاب: 52) ، {وكان الله على كل ~~شيء مقيتا} (النساء: 85) ، أو ملك يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير ~~وشر. وروى الزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وكل بالمؤمن ~~مائة وستون ملكا يذبون عنه كما يذب أحدكم عن قصعة العسل الذباب ولو وكل ~~العبد إلى نفسه طرفة عين اختطفته الشياطين. ولما ذكر تعالى أن على كل نفس ~~حافظا أتبعه بوصية الإنسان بالنظر في حاله فقال تعالى: # {فلينظر الإنسان} أي: الآنس بنفسه الناظر في عطفه نظر اعتبار في أمره ~~ونشأته # PageV04P516 # الأولى حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته فيعمل ليوم الإعادة ~~والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته. وقوله تعالى: {مم خلق} ~~استفهام، أي: من أي شيء، وجوابه. # {خلق} أي: الإنسان على أيسر وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم عليه السلام من ~~تراب وأمه حواء رضي الله تعالى عنها من ضلعه. {من ماء دافق} أي: مدفوق، ~~فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى: {عيشة راضية} (الحاقة: 21) # أو دافق على النسب، أي: ذي دفق أو اندفاق. وقال ابن عطية: يصح أن يكون ~~الماء دافقا؛ لأن بعضه يدفق بعضا أي: يدفعه فمنه دافق ومنه مدفوق، والدفق ~~الصب أي: مصبوب في الرحم، ولم يقل تعالى من ماءين فإنه من ماء الرجل وماء ~~المرأة، لأن الولد مخلوق منهما لامتزاجهما في الرحم فصارا كالماء الواحد، ~~واتحادهما حين ابتدئ في خلقه. # {يخرج من بين الصلب} أي: للرجل وهو عظام الظهر {والترائب} أي: للمرأة جمع ~~تريبة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة، وعن عكرمة: الترائب ما بين ثدييها، ~~وقيل: الترائب التراقي، وقيل: أضلاع الرجل التي أسفل الصدر. وحكى الزجاج: ~~أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر. وقال ~~ابن عادل جاء في الحديث: «أن الولد يخلق من ماء الرجل يخرج من صلبه العظم ~~والعصب، ومن ماء المرأة يخرج من ترائبها اللحم والدم. وحكى القرطبي: إن ماء ~~الرجل ينزل من الدماغ ثم يجتمع في الانثيين، وهذا لا يعارضه قوله تعالى: ms4055 ~~{من بين الصلب والترائب} لأنه ينزل من الدماغ ثم يجتمع في الانثين قال ~~المهدودي: ومن جعل يخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة لضمير للإنسان. # والضمير في قوله تعالى: # {إنه} للخالق المدلول عليه بخلق لأنه معلوم أن لا خالق سواه سبحانه ~~وتعالى وفي الضمير في قوله تعالى: {على رجعه} وجهان أحدهما: أنه ضمير ~~الإنسان أي: بعثه بعد موته {لقادر} وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، ~~والثاني: أنه ضمير الماء، أي: رجع المني في الإحليل أو الصلب وهذا قول ~~مجاهد. وعن الضحاك أن المعنى: إنه على رد الإنسان في الكبر إلى الشباب ومن ~~الشباب إلى الكبر. وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج؛ ~~لقادر. وقال الماوردي: يحتمل أنه قادر على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه ~~إلى الآخرة؛ لأن الكفار يسئلون فيها الرجعة. # وقوله تعالى: {يوم} منصوب برجعه ومن يجعل الضمير في رجعه للماء وفسره ~~برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب، أو الإحليل وحاله الأولى نصب الظرف ~~بمضمر، أي: واذكر يوم. {تبلى} تختبر وتكشف، {السرائر} أي: ما أسر في القلوب ~~من العقائد والنيات وغيرهما وما أخفى الأعمال وذلك يوم القيامة وبلاؤها ~~تعرفها وتصفحها والتمييز بين ما طاب منها وما خبث. وعن الحسن أنه سمع رجلا ~~ينشد: # *سيبقى لها في مضمر القلب والحشا # ... سريرة ود يوم تبلى السرائر* # فقال: ما أغفله عما في والسماء والطارق. وقال عطاء بن رباح: إن السرائر ~~فرائض الأعمال كالصوم والصلاة والوضوء والغسل من الجنابة، فإنها سرائر بين ~~الله تعالى وبين العبد، ولو شاء العبد لقال: صمت ولم يصم، وصليت، ولم يصل ~~واغتسلت ولم يغتسل فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ضيعها. وقال ابن عمر: يبدي ~~الله تعال كل سر فيكون زينا في وجوه، وشينا في وجوه. يعني: فمن أداها كان ~~وجهه مشرقا، ومن لم يؤدها كان وجهه أغبر. # {فما له} أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث الذي # PageV04P517 # أخرجت سرائره. وأعرق في النفي والتعميم فقال تعالى: {من قوة} أي: منعة في ~~نفسه يمتنع بها ms4056 {ولا ناصر} أي: ينصره من عذاب الله تعالى فيدفعه عنه. ثم ~~ذكر تعالى قسما آخر فقال تعالى: # {والسماء} أي: التي تقدم الإقسام بها، وصفها بما يؤكد العلم بالبعث فقال ~~تعالى: {ذات الرجع} أي: التي ترجع بالدوران إلى الموضع الذي تتحرك عنه ~~فترجع الأحوال التي كانت، وتصرمت من الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب، ~~والفصول من الشتاء وما فيه من برد ومطر، والصيف وما فيه من حر وصفاء وسكون، ~~وغير ذلك. وقيل: ذات النفع. وقيل: ذات الملائكة لرجوعهم فيهم بأعمال ~~العبادة. وقيل: ذات المطر لعوده كل حين، أو لما قيل: من أن السحاب تحمل ~~الماء من البحار، ثم ترجعه إلى الأرض، وعلى هذا يجوز أن يراد بالسماء ~~السحاب. # {والأرض} أي: مسكنكم الذي أنتم ملابسوه ومعاينوه كل وقت. {ذات الصدع} أي: ~~تنصدع عن النبات والشجر والثمار والأنهار والعيون، نظيره: قوله تعالى: {ثم ~~شققنا شقا} (عبس: 26) # الآية والصدع بمعنى الشق لأنه يصدع الأرض فتنصدع، به فكأنما قال تعالى: ~~والأرض ذات النبات. وقال مجاهد: ذات الطرق التي تصدعها المشاة، وقيل: ذات ~~الحرث لأنه يصدعها، وقيل: ذات الأموات لإصداعهم عنها للنشور. قال الرازي: ~~واعلم أنه تعالى كما جعل كيفية خلقة الحيوان دليلا على معرفة المبدأ ~~والمعاد، ذكر في هذا القسم كيفية خلقة النبات فقوله تعالى: {والسماء ذات ~~الرجع} كالأب، وقوله تعالى: {والأرض ذات الصدع} كالأم وكلاهما من النعم ~~العظام، لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء مكررا، وعلى ما ينبت ~~من الأرض كذلك. # ثم أردف هذا القسم بالمقسم عليه وهو قوله تعالى: # {إنه لقول فصل} وفي هذا الضمير قولان أحدهما: ما قاله القفال: وهو أن ~~المعنى: أن ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم يوم تبلى السرائر قول فصل ~~وحق. والثاني: أنه عائد على القرآن، أي: القرآن فاصل بين الحق والباطل كما ~~قيل له: فرقان. قال الرازي: والأول أولى؛ لأن عود الضمير إلى المذكور ~~السالف أولى انتهى. وأكثر المفسرين على الثاني. # والفصل: الحكم الذي ينفصل به الحق من الباطل، ومنه فصل الخصومات وهو ~~قطعها ms4057 بالحكم الجزم. ويقال: هذا قول فصل قاطع للشر والنزاع معناه جد؛ لقوله ~~تعالى: # {وما هو} أي: في باطنه ولا ظاهره {بالهزل} أي: باللعب والباطل بل هو جد ~~كله لا هوادة فيه: ومن حقه وقد وصفه الله تعالى بذلك أن يكون مهيبا في ~~الصدور، معظما في القلوب، يترفع به قارئه وسامعه أن يلم بهزل أو يتفكه ~~بمزاح، وأن يلقي ذهنه إلى أن جبار السموات والأرض يخاطبه فيأمره وينهاه، ~~ويعده ويوعده حتى إن لم يستفزه الخوف، ولم تتبالغ فيه الخشية، فأدنى أمره ~~أن يكون جادا غير هازل، فقد نفى الله تعالى عن المشركين ذلك في قوله تعالى: ~~{وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون} (النجم: 61) # {والغوا فيه} (فصلت: 26) # هذا على عود الضمير للقرآن، وعلى جعله للأول فيكون الشخص خائفا وجلا من ~~ذلك الذي تبلى فيه السرائر. # {إنهم} أي: الكفار أعداء الله تعالى {يكيدون كيدا} أي: يمكرون بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه. واختلف في ذلك الكيد، فقيل: إلقاء الشبهات كقولهم ~~{إن هي إلا حياتنا الدنيا} (الأنعام: 29) # {من يحيي العظام وهي رميم} (يس: 78) # {أجعل الآلهة إلها واحدا} (ص: 5) # وما أشبه ذلك وقيل: قصدهم قتله لقوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} ~~(الأنفال: 30) # PageV04P518 # الآية. وأما قوله تعالى: # {وأكيد} أي: أنا بإتمام اقتداري {كيدا} فاختلف فيه أيضا، فقيل: معناه ~~أجازيهم جزاء كيدهم، وقيل: هو ما أوقع الله تعالى بهم يوم بدر من القتل ~~والأسر، وقيل: استدراجهم من حيث لا يعلمون، وقيل: كيد الله تعالى لهم بنصره ~~وإعلاء درجته تسمية لأحد المتقابلين باسم الآخر لقوله تعالى: {وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها} (الشورى: 40) # . وقول الشاعر: # *ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا* # وكقوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم} (التوبة: 67) # {يخادعون الله وهو خادعهم} (النساء: 142) # ولما كان هذا معلما بأنهم عدم لا اعتبار بهم، قال تعالى مسببا عنه تهديدا ~~لهم {فمهل الكافرين} أي: فمهل يا أشرف الخلق هؤلاء البعداء، ولا تستعجل ~~بالانتقام ولا بالدعاء عليهم بإهلاكهم فإنا لا نعجل لأن العجلة وهي إيقاع ~~الشيء في غير وقته الأليق به نقص. ms4058 وقوله تعالى: {أمهلهم} تأكيد حسنه مخالفة ~~اللفظ، أي: أنظرهم {رويدا} أي: قليلا، وهو مصدر مؤكد لمعنى العامل مصغر، ~~رودا وأروادا على الترخيم، وقد أخذهم الله تعالى ببدر ونسخ الإمهال بالأمر ~~بالجهاد والقتال. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~سورة الطارق أعطاه الله تعالى بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات» حديث ~~موضوع. ### | سورة الأعلى # مكية # في قول الجمهور وقال الضحاك مدنية، قال النووي: وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يحيها لكثرة مااشتملت عليه من العلوم والخبرات، وهي تسع عشرة آية ~~واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وأربعة وثمانون حرفا. # {بسم الله} عالم الغيب فلا تخفى عليه خافية {الرحمن} الذي عم جوده كل أنس ~~وجن وملك ودابة {الرحيم} الذي خص أولياءه بمعرفتهم إحسانه. # واختلف في قوله سبحانه وتعالى: {سبح اسم ربك} فالأكثرون على أن المعنى: ~~نزه ربك المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال عما لا يليق به، فاسم زائد، ~~كقول لبيد: # * ... إلى الحول ثم اسم السلام عليكما* # وقيل: عظم ربك {الأعلى} والاسم زائد كما مر، قصد به تعظيم المسمى، وذكر ~~الطبري أن المعنى: نزه اسم ربك الأعلى عن أن تسمي به أحدا سواه. وقيل: نزه ~~تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم لذكره وقال الرازي: معنى ~~{سبح اسم ربك الأعلى} أي: نزهه عن كل ما لا يليق به في ذاته وصفاته وأسمائه ~~وأفعاله وأحكامه. أما في ذاته فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض، ~~وأما في صفاته فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة، وأما في ~~أفعاله فأن تعتقد أنه سبحانه مالك مطلق لا اعتراض لأحد عليه في أمر من ~~الأمور، وأما في أسمائه فأن لا تذكره سبحانه إلا بالأسماء التي لا توهم ~~نقصا بوجه من الوجوه، سواء ورد الإذن فيها أم لم يرد، وأما في أحكامه ~~سبحانه فأن تعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه بل لمحض المالكية. قال ~~البغوي: ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحد، لأن أحدا ms4059 لا يقول سبحان ~~الله. وسبحان اسم ربنا إنما يقول: سبحان الله وسبحان ربنا. فكان معنى: {سبح ~~اسم # PageV04P519 # ربك} اه. وكون الاسم عين المسمى أو غيره قد ذكرتها في مقدمتي على البسملة ~~والحمدلة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: سبح أي: صل بأمر ربك. وذهب جماعة ~~من الصحابة والتابعين على أن المراد قل: سبحان ربي الأعلى، وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {سبح اسم ربك الأعلى} ~~فقال: «سبحان ربي الأعلى» . وعن عقبة بن عامر «أنه لما نزلت {فسبح باسم ربك ~~العظيم} (الواقعة: 74) # قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «اجعلوها في ركوعكم» . ولما نزل ~~{سبح اسم ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم» . وروي أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول ذلك. وروي «أن أول من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل» . # ولما أمر تعالى بالتسبيح فكان سائلا قال: الاشتغال بالتسبيح إنما يكون ~~بعد المعرفة فما الدليل على وجود الرب تعالى؟ # فقال تعالى: {الذي خلق} أي: أوجد من العدم فله صفة الإيجاد لكل ما أراده ~~لا يعسر عليه شيء {فسوى} أي: مخلوقه. وقال الرازي: يحتمل أن يريد الناس ~~خاصة، ويحتمل أن يريد الحيوان، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه تعالى، فمن حمله ~~على الإنسان ذكر للتسوية وجوها: أحدها: اعتدال قامته وحسن خلقه، كما قال ~~تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} (التين: 4) # وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه بقوله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ~~(المؤمنون: 14) # . ثانيها: كل حيوان مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط، أما الإنسان فإنه ~~خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع الأعمال بواسطة الآلات. ثالثها: أنه تعالى ~~هيأه للتكليف والقيام بأداء العبادات. وقال بعضهم: خلق في أصلاب الآباء ~~وسوى في أرحام الأمهات. # ومن حمله على جميع الحيوانات فمعناه: أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من ~~الآلات والأعضاء، ومن حمله على جميع المخلوقات كان المراد من التسوية: هو ~~أنه تعالى قادر على كل الممكنات، عالم بجميع المعلومات، يخلق ما أراد على ~~وفق إرادته ms4060 موصوفا بالأحكام والإتقان، مبرأ عن النقص والاضطراب. # وقرأ {والذي قدر} الكسائي بتخفيف الدال والباقون بالتشديد قال البغوي: ~~وهما بمعنى واحد، أي: أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ~~ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها وغير ذلك من أحوالها، فجعل البطش لليد، ~~والمشي للرجل، والسمع للأذن، والبصر للعين ونحو ذلك {فهدى} قال مجاهد: هدى ~~الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة وهدى الأنعام لمراعيها. وقال ~~مقاتل والكلبي: في قوله تعالى: {فهدى} عرف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى، كما ~~قال تعالى في سورة طه: {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} (طه: 50) # أي: الذكر للأنثى. وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له. وقيل: ~~قدر أقواتهم وأرزاقهم وهداهم لمعاشهم إن كانوا أناسا، ولمراعيهم إن كانوا ~~وحوشا. وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه إلى الخروج من الرحم، ~~ومن ذلك هدايات الإنسان إلى مصالحه من أغذيته وأدويته وأمور دنياه ودينه، ~~وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض إلى معايشها ومصالحها. # يقال: إن الأفعى إذا أتى عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها الله تعالى أن ~~تمسح عينيها بورق الرازيانج الغض فيرد إليها بصرها، فربما كانت في برية ~~بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعماها حتى تهجم ~~في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها فترجع ~~باصرة بإذن الله تعالى. # وقيل: {فهدى} أي: دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالما قادرا، # PageV04P520 # والاستدلال بالخلق والهداية معتمد الأنبياء، قال إبراهيم عليه السلام ~~{الذي خلقني فهو يهدين} (الشعراء: 78) # وقال موسى عليه السلام لفرعون: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} (طه: ~~50) # ولما ذكر سبحانه ما يختص بالناس اتبعه ما يختص بالحيوان فقال تعالى: # {والذي أخرج المرعى} أي: أنبت ما ترعاه الدواب. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: المرعى الكلأ الأخضر. # {فجعله} أي: بعد أطوار من زمن إخراجه بعد خضرته {غثاء} أي: جافا هشيما ~~{أحوى} أي: أسود يابسا. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون أحوى حالا من المرعى ~~أي: أخرجه أحوى أي: أسود من شدة الخضرة ms4061 والري فجعله غثاء بعد حويه. وقال ~~ابن زيد: هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ولذهاب الدنيا بعد نضارتها. # وقوله تعالى: {سنقرؤك فلا تنسى} بشارة من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم بإعطاء آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي ~~وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه، فهو نفي أخبر الله تعالى أن ~~نبيه صلى الله عليه وسلم لا ينسى. وقيل: نهي، والألف مزيدة للفاصلة كقوله ~~تعالى: {السبيلا} (الأحزاب: 67) # أي: فلا تفعله كرامة، وتكريره لئلا ينساه، ومنعه مكي لأنه لا ينهى عما ~~ليس باختياره. وأجيب: بأن هذا غير لازم؛ إذ المعنى: النهي عن تعاطي أسباب ~~النسيان وهو شائع. قال الرزاي: وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين. # الأول: أنه كان رجلا أميا فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة ولا ~~تكرار خارق للعادة فيكون معجزا. # الثاني: أن هذه السورة من أول ما نزل بمكة، فهذا إخبار عن أمر عجيب مخالف ~~للعادة سيقع في المستقبل، وقد وقع فكان هذا إخبارا، فيكون معجزا. # وفي المشيئة في قوله تعالى: {إلا ما شاء الله} أي: الملك الذي له الأمر ~~كله وجوه: أحدها: التبرك بهذه الكلمة كقوله تعالى: # {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} (الكهف: 23 24) # فكأنه تعالى يقول: إني عالم بجميع المعلومات، وعالم بعواقب الأمور على ~~التفصيل، ومع ذلك لا أخبر بوقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة، فأنت ~~وأمتك يا أشرف الخلق أولى بها. ثانيها: قال الفراء: إنه تعالى ما شاء أن ~~ينسى محمدا صلى الله عليه وسلم شيئا؛ إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء ~~بيان أنه تعالى يصيره ناسيا لذلك لقدر عليه كقوله تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن ~~بالذي أوحينا إليك} (الإسراء: 86) # ثم إنا نقطع أنه تعالى ما شاء ذلك. ونظيره قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن ~~عملك} (الزمر: 65) # مع أنه صلى الله عليه وسلم ما أشرك البتة ففائدة هذا الاستثناء أن الله ~~تعالى يعرفه قدرته حتى يعلم أن ms4062 عدم النسيان من فضل الله تعالى وإحسانه لا ~~من قوته. # ثالثها: أن الله تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوز صلى الله عليه وسلم في ~~كل ما ينزل عليه من الوحي أن يكون ذلك هو المستثنى، فلا جرم بالغ في التثبت ~~والتحفظ في جميع المواضع، فكان المقصود من ذكر الاستثناء بقاؤه صلى الله ~~عليه وسلم على التيقظ في جميع الأحوال. # رابعها: أن ينساه بنسخ تلاوته وحكمه، وكان صلى الله عليه وسلم يجهر ~~بالقراءة مع قراءة جبريل عليه السلام خوف النسيان فكأنه قيل له: لا تعجل ~~بها إنك لا تنسى ولا تتعب نفسك بالجهر بها. # {إنه} أي: الذي مهما شاء كان {يعلم الجهر} أي: القول والفعل {وما يخفى} ~~أي: منهما، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما في قلبك ونفسك. وقال محمد بن ~~حاتم يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وقيل: الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، ~~وما يخفى ما نسخ من صدرك. # وقوله تعالى: {ونيسرك # PageV04P521 # لليسرى} عطف على سنقرؤك، فهو داخل في حيز التنفيس، وما بينهما من الجملة ~~اعتراض. قال الضحاك: واليسرى هي الشريعة اليسرى وهي الحنيفية السهلة.v # وقال ابن مسعود: اليسرى الجنة، أي: نيسرك إلى العمل المؤدي إلى الجنة، ~~وقيل: اليسرى الطريقة اليسرى، وهي أعمال الخير والأمر في قوله تعالى: # {فذكر} للنبي صلى الله عليه وسلم أي: فذكر بالقرآن {إن نفعت الذكرى} أي: ~~الموعظة، وإن شرطية، وفيه استبعاد لتذكرهم. ومنه قول القائل: # *لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي* # ولأنه صلى الله عليه وسلم قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون ~~على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغيانا، وكان صلى الله عليه وسلم يتلظى حسرة ~~وتلهفا ويزداد جهدا في تذكيرهم، وحرصا عليه فقيل: إن نفعت الذكرى وذلك بعد ~~إلزام الحجة بتكرير التذكير. وقيل: إن بمعنى إذ كقوله تعالى: {وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران: 139) # وقيل: بعده شيء محذوف تقديره إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع. كقوله تعالى: ~~{سرابيل تقيكم الحر} (النحل: 81) # أي: البرد وقاله الفراء والنحاس. وقيل: ms4063 إن بمعنى ما لا بمعنى الشرط لأن ~~الذكرى باقية بكل حال. # ثم بين تعالى من تنفعه الذكرى بقوله سبحانه. # {سيذكر} أي: بوعد لا خلف فيه {من يخشى} أي: يخاف الله تعالى فهي كآية ~~{فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} (ق: 45) # وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يجب عليه تذكيرهم نفعتهم الذكرى أم لم ~~تنفعهم. وقال ابن عباس: نزلت في ابن أم مكتوم. وقيل: في عثمان بن عفان. قال ~~الماوردي: وقد تذكر من يرجوه إلا أن تذكر الخاشع أبلغ فلذلك علقها بالخشية ~~دون الرجاء. وقال القشيري: المعنى: عمم أنت بالتذكير والوعظ وإن كان الوعظ ~~إنما ينفع من يخشى، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء. فإن قيل: التذكير إنما يكون ~~بشيء قد علم، وهؤلاء لم يزالوا كفارا معاندين أجيب: بأن ذلك لظهوره وقوة ~~دليله، كأنه معلوم لكنه يزول بسبب التقليد والفساد. # تنبيه: السين في قوله تعالى: {سيذكر} يحتمل أن تكون بمعنى سوف، وسوف من ~~الله تعالى واجب كقوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} ويحتمل أن يكون المعنى: أن ~~من خشي فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر. # ولما بين تعالى من ينتفع بالذكرى بين من لا ينتفع بها بقوله تعالى: # {ويتجنبها} أي: الذكرى أن يتركها جانبا لا يلتفت إليها {الأشقى} . # {الذي يصلى النار} وهو الكافر. فإن قيل: الأشقى يستدعي وجود شقي فكيف قال ~~هذا القسم؟ أجيب: بأن لفظ الأشقى من غير مشاركة كقوله تعالى: {أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} (الفرقان: 24) ، وقوله تعالى: {وهو أهون ~~عليه} (الروم: 27) # . قال الرازي: الفرق ثلاثة العارف والمتوقف والمعاند، فالسعيد هو العارف، ~~والمتوقف له بعض الشقاوة، والأشقى هو المعاند. وقال الزمخشري: الأشقى هو ~~الكافر؛ لأنه أشقى من الفاسق، أو الذي هو أشقى الكفرة؛ لتوغله في معاداة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعقبة بن ربيعة. # واختلف في قوله تعالى: {الكبرى} أي: العظمى على وجوه: أحدها: قال الحسن: ~~هي نار جهنم، والصغرى نار الدنيا. ثانيها: أن في الآخرة نيرانا ودركات ms4064 ~~متفاضلة، فكما أن الكافر أشقى العصاة فكذلك يصلى أعظم النيران. ثالثها: أن ~~النار الكبرى هي النار السفلى فهي نصيب # PageV04P522 # الكفار، كما قال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} ~~(النساء: 145) # . فإن قيل: قوله تعالى: # {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} يقتضي أن ثم حالة غير الحياة والموت، وذلك ~~غير معقول. أجيب: عن ذلك بوجهين: أحدهما: لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة ~~تنفعه كما قال تعالى: {لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} ~~(فاطر: 36) # وهذا جاء على مذهب العرب يقولون للمبتلى بالبلاء الشديد لا هو حي ولا هو ~~ميت. ثانيهما: أن نفس أحدهم في النار في حلقة لا تخرج فيموت، ولا ترجع إلى ~~موضعها فيحيا. # تنبيه: قوله تعالى: ثم للتراخي بين الرتب في الشدة. # ولما ذكر تعالى وعيد من أعرض عن النظر في دلائل الله تعالى أتبعه بالوعد ~~لضده فقال تعالى: # {قد أفلح} أي: فاز بكل مراد {من تزكى} أي: تطهر من الكفر بالإيمان؛ لما ~~روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من تزكى ~~وشهد أي لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله» . وقيل: تطهر ~~للصلاة وأدى الزكاة. # {وذكر اسم ربه} أي: بقلبه ولسانه مكبرا {فصلى} أي: الصلوات الخمس. قال ~~الزمخشري: وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح وعلى أنها ليست من الصلاة؛ ~~لأن الصلاة معطوفة عليها. وقال قتادة: تزكى: عمل صالحا. وعن عطاء نزلت في ~~صدقة الفطر. قال ابن سيرين: قد أفلح من تزكى، قال: خرج فصلى بعد ما أدى ~~زكاة الفطر وصلى صلاة العيد. قال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل فإن ~~هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر. وأجاب البغوي: بأنه يجوز ~~أن يكون النزول سابقا على الحكم كقوله تعالى: {وأنت حل بهذا البلد} (البلد: ~~2) # والسورة مكية وظهر أثر الحل يوم الفتح قال صلى الله عليه وسلم «أحلت لي ~~ساعة من نهار» . وقيل: المراد زكاة الأعمال لا زكاة الأموال، أي: زكى ~~أعماله ms4065 من الرياء والتقصير. وروي عن عطاء أنه قال: إن هذه الآية نزلت في ~~عثمان، وذلك أنه كان بالمدينة منافق له نخلة مائلة إلى دار رجل من الأنصار، ~~إذا هبت الريح تساقط منها بسر ورطب في دار الأنصاري فيأكل هو وعياله من ~~ذلك، فخاصمه المنافق، فذكر الأنصاري ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأرسل ~~خلف المنافق وهو لا يعلم نفاقه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «إن أخاك ~~الأنصاري ذكر أن بسرك ورطبك يقع في منزله فيأكل هو وعياله منه فهل لك أن ~~أعطيك نخلة في الجنة بدلها؟ قال: أبيع عاجلا بآجل لا أفعل» فذكروا أن عثمان ~~قد أعطاه حائطا من نخل بدل نخلته. ويقول فيه: {قد أفلح من تزكى} وفي ~~المنافق {ويتجنبها الأشقى} وقال الضحاك: نزلت في أبي بكر # وقرأ {بل تؤثرون الحياة الدنيا} أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء ~~الخطاب، ومعناه على القراءة الأولى: بل تؤثرون الأشقون، وعلى القراءة ~~الثانية: بل تؤثرون أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا بالعز الحاضر مع ~~أنها شر وفانية اشتغالا بها لأجل حضورها كالحيوانات التي هي مقيدة ~~بالمحسوسات على الاستكثار من الثواب. # {والآخرة} ، أي: والحال أن الدار التي هي غاية القصد المبرأة عن العيب ~~المنزهة عن الخروج عن الحكمة {خير} ، أي: من الدنيا {وأبقى} لأنها تشتمل ~~على السعادة الجسمانية، والروحانية، ليست كذلك فالآخرة خير من الدنيا ولأن ~~الدنيا لذاتها مخلوطة بالآلام والآخرة ليست كذلك، ولأن الدنيا فانية ~~والأخرة باقية، والباقي خير من الفاني. # وعن عمر: # PageV04P523 # ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب. وعن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية ~~فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قلنا: لا. قال: لأن ~~الدنيا أحضرت، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وأن ~~الآخرة نعتت لنا وزويت عنا فأحببنا العاجل وتركنا الآجل. # والإشارة في قوله تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى} إلى قوله {قد أفلح من ~~تزكى} إلى قوله {خير وأبقى} ، أي: هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وقيل: إلى ~~ما في السورة كلها، وهو رواية ms4066 عكرمة عن ابن عباس. وقال الضحاك: إن هذا ~~القرآن لفي الصحف الأولى ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، ~~وإنما معناه أن معنى هذا الكلام في تلك الصحف. # ثم بين تلك الصحف وهي المنزلة قبل القرآن بقوله تعالى: # {صحف إبراهيم} وقدمه لأن صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر ~~{وموسى} وختم به لأن الغالب على كتابة الأحكام والمواعظ فيه قليلة، ومنها ~~الزواجر البليغة كاللعن لمن خالف أوامر التوراة التي أعظمها البشارة بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وروي عن أبي بن كعب «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كم أنزل الله تعال من كتاب؟ فقال: مائة وأربعة كتب، منها على آدم عشر ~~صحف وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى اخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى ~~إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان» . وقيل: في صحف ~~إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه. عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه. ~~وعن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين ~~اللتين يوتر بعدهما ب {سبح اسم ربك الأعلى} و {قل يا أيها الكافرون} وفي ~~الوتر ب {قل هو الله أحد} و {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس} » . # وقرأ الأعلى، فسوى، المرعى، أحوى، فلا تنسى، وما يخفى، من يخشى، الأشقى، ~~ولا يحيى، من تزكى، فصلى، الدنيا، وأبقى، الأولى، وموسى حمزة والكسائي ~~بالإمالة محضة، وقرأ ورش وأبو عمرو بين بين، والفتح عن ورش قليل، أما ~~الأعلى الذي، والأشقى الذي إذا وقف عليهما فالإمالة، وإن وصلا فلا إمالة ~~والباقون بالفتح. وقرأ: الذكرى، الكبرى، أبو عمرو والكسائي بالإمالة محضة. ~~وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله عشر ~~حسنات بعدد كل حرف أنزله الله تعالى على إبراهيم وموسى ومحمد عليهم السلام» ~~. حديث موضوع. ### | سورة الغاشية # مكية بالإجماع # وهي ست وعشرون آية واثنان وتسعون كلمةوثلاثمائة وإحدى وثمانون حرفا # {بسم الله} علام ms4067 الغيوب {الرحمن} كاشف الكروب {الرحيم} الذي خص أولياءه ~~بالعفو عن الذنوب. # وقوله سبحانه وتعالى: {هل أتاك حديث الغاشية} فيه وجهان: أحدهما: أن هل ~~بمعنى قد، أي: قد جاءك يا أشرف الخلق حديث الغاشية، كقوله تعالى: {هل أتى ~~على الإنسان حين من الدهر} (الإنسان: 1) # . قال قطرب: والثاني: أنه استفهام على حاله، وتسميه أهل البيان التشويق، ~~والمعنى: إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك وهو معنى قول الكلبي، ~~والغاشية: الداهية التي تغشى الناس # PageV04P524 # بشدائدها وتلبسهم أهوالها وهي القيامة من قوله: {يوم يغشاهم العذاب} ~~(العنكبوت: 55) # وقيل: هي النار من قوله تعالى: {وتغشى وجوههم النار} (إبراهيم: 50) # {ومن فوقهم غواش} (الأعراف: 41) # . وقيل: المراد النفخة الثانية للبعث لأنها تغشى الخلق. وقيل: الغاشية ~~أهل النار يغشونها ويقتحمون فيها. # {وجوه} ، أي: كثيرة جدا كائنة {يومئذ} ، أي: يوم إذ غشيت {خاشعة} ، أي: ~~ذليلة من الخجل والفضيحة والخوف من العذاب، والمراد بالوجوه في الموضعين: ~~أصحابها. { { # {عاملة ناصبة} ، أي: ذات نصب وتعب. قال سعيد بن جبير عن قتادة: تكبرت في ~~الدنيا عن طاعة الله تعالى فأعملها الله تعالى وأنصبها في النار بجر ~~السلاسل الثقال وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات في يوم كان ~~مقداره ألف سنة. وقال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل. ~~وقال الحسن: لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب له فأعملها وأنصبها في جهنم. ~~وقال ابن عباس: هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله تعالى على ~~الكفر، مثل عبدة الأوثان والرهبان وغيرهم لا يقبل الله تعالى منهم إلا ما ~~كان خالصا له. وعن علي أنهم الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع ~~أعمالهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» الحديث. # وقرأ {تصلى} أبو عمرو وشعبة بضم التاء الفوقية على ما لم يسم فاعله، ~~والباقون بفتحها على تسمية الفاعل، والضمير على كلتا القراءتين للوجوه. ~~والمعنى: تدخل {نارا حامية} ، أي: شديدة الحر قد أحميت وأوقدت مدة طويلة، ~~ومنه ms4068 حمى النار بالكسر، أي: اشتد حره. وحكى الكسائي اشتد حمى الشمس وحموها ~~بمعنى. قال صلى الله عليه وسلم «أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد ~~عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء ~~مظلمة» . وقيل: المصلى عند العرب أن يحفروا حفيرا فيجمعون فيه جمرا كثيرا، ~~ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه، فأما ما شوي فوق الجمر أو على المقلى أو ~~في التنور فلا يسمى مصليا. # ولما بين تعالى مكانهم ذكر شرابهم فقال تعالى: {تسقى من عين آنية} ، أي: ~~شديدة الحرارة كقوله تعالى: {بين حميم آن} (الرحمن: 44) # متناه في الحرارة. روي أنه لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لأذابتها. # ولما ذكر تعالى شرابهم أتبعه بذكر طعامهم فقال تعالى: {ليس لهم طعام إلا ~~من ضريع} قال مجاهد: هو نبت ذو شوك لاطىء بالأرض تسميه قريش الشبرق، فإذا ~~هاج سموه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه. قال الكلبي: لا تقربه دابة إذا ~~يبس. وقال ابن زيد: أما في الدنيا فإن الضريع الشوك اليابس الذي ليس له ~~ورق، وهو في الآخرة شوك من نار. وجاء في الحديث عن ابن عباس يرفعه: «الضريع ~~شيء في النار يشبه الشوك أمر من الصبر وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار» ~~قال أبو الدرداء والحسن: «إن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل ~~عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ذي غصة فيذكرون أنهم ~~كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون ~~من عين آنية لا هنيئة ولا مريئة، فلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم ~~وشواها فإذا وصل بطونهم قطعها فذلك قوله تعالى: {وسقوا ماء حميما فقطع ~~أمعاءهم} (محمد: 15) # . قال بعض المفسرين: فلما نزلت هذه # PageV04P525 # الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع، وكذبوا في ذلك فإن الإبل ~~إنما ترعاه ما دام رطبا ويسمى شبرقا فإذا يبس لا يأكله شيء. قال أبو ذؤيب ~~يصف حمارا: # *رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى ... وصار ms4069 ضريعا بان عنه النحائص* # والنحوص: من الأتن التي لا لبن لها. # ولما قالوا ذلك أنزل الله تعالى تكذيبا لهم: {لا يسمن ولا يغني} ، أي: ~~يكفي كفاية مبتدأة {من جوع} فلا يحفظ الصحة ولا يمنع الهزال فنفى السمن ~~والشبع عنه، وعلى تقدير أن يصدقوا فيكون المعنى: أن طعامكم من ضريع ليس من ~~جنس ضريعكم إنما هو ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع. فإن قيل: كيف قيل: {ليس ~~لهم طعام إلا من ضريع} وفي الحاقة: {ولا طعام إلا من غسلين} (الحاقة: 36) # أجيب: بأن العذاب ألوان والمعذبون طبقات، فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة ~~الغسلين، ومنهم أكلة الضريع لكل باب منهم جزء مقسوم. # ولما ذكر تعالى وعيد الكفار أتبعه بشرح أحوال المؤمنين فقال تعالى: {وجوه ~~يومئذ} ، أي: يوم تغشى الناس ووصفها بصفات الأولى قوله تعالى: {ناعمة} ، ~~أي: ذات بهجة وحسن كقوله تعالى: {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} (المطففين: ~~24) # أو متنعمة. قال مقاتل: في نعمة وكرامة. الصفة الثانية: قوله تعالى: # {لسعيها} ، أي: في الدنيا بالأعمال الصالحة {راضية} ، أي: في الآخرة ~~بثواب سعيها حين رأت ما أداهم إليه من الكرامة الصفة الثالثة قوله تعالى: # {في جنة} ثم توصف الجنة بصفات الأولى قوله تعالى: {عالية} ، أي: علية ~~المحل والقدر، والصفة الثانية: قوله تعالى: # {لا يسمع فيها لاغية} قرأ بالتاء الفوقية نافع مضمومة لاغية بالرفع، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية مضمومة لاغية بالرفع لقيامها مقام ~~الفاعل، والباقون بالتاء الفوقية مفتوحة لاغية بالنصب فيجوز أن تكون التاء ~~للخطاب، أي: لا تسمع أنت وأن تكون للتأنيث، أي: لا تسمع الوجوه واللغو. ~~وقال ابن عباس: الكذب والبهتان والكفر بالله تعالى. وقال قتادة: لا با طل ~~ولا إثم. وقال الحسن: هو الشتم. وقال الفراء: الحلف الكاذب، والأولى كما ~~قيل: لا يسمع في كلامهم كلمة ذات لغو، وإنما يتكلمون بالحكمة وحمد الله ~~تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم وهذا أحسن الأقوال قاله القفال. وقال ~~الكلبي: لا يسمع في الجنة حالف بيمين لا برة ولا فاجرة. # الصفة الثالثة: قوله تعالى: ms4070 {فيها} ، أي: الجنة {عين جارية} قال ~~الزمخشري: يريد عيونا في غاية الكثرة كقوله تعالى: {علمت نفس} (التكوير: ~~14) # وقال القفال: فيها عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود، وتجري لهم ~~كما أرادوا. # الصفة الرابعة: قوله تعالى: {فيها سرر مرفوعة} ، أي: عالية في الهواء. ~~قال ابن عباس: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة في ~~السماء ما لم يجيء أهلها، فإذا أرادوا أن يجلسوا عليها تواضعت ثم ترتفع على ~~مواضعها. # الصفة الخامسة قوله تعالى: {وأكواب موضوعة} جمع كوب، وهي الكيزان التي لا ~~عرى لها. قال قتادة: فهي دون الإبريق. # وفي قوله تعالى: {موضوعة} وجوه أحدها: أنها معدة لأهلها كالرجل يلتمس من ~~الرجل شيئا فيقول هو ههنا موضوع بمعنى معد. ثانيها: موضوعة على حافات العين ~~الجارية كلما أرادوا الشرب وجدوها مملوءة من الشراب. ثالثها: موضوعة بين ~~أيديهم لاستحسانهم إياها بسبب كونها من ذهب أو فضة أو من جواهر # PageV04P526 # وتلذذهم بالشرب فيها رابعها: أن يكون المراد موضوعة عن حد الكبر، أي: هي ~~أوساط بين الكبر والصغر كقوله {قدروها تقديرا} (الإنسان: 16) # الصفة السادسة: قوله تعالى: # {ونمارق} وهي الوسائد، واحدها: نمرقة بضم النون والراء وكسرهما لغتان ~~أشهرهما الأولى وهي وسادة صغيرة قالت: # *نحن بنات طارق # ... نمشي على النمارق* # {مصفوفة} أي: واحدة على جنب واحدة أخرى قال الشاعر: # *كهولا وشبانا حسانا وجوههم ... لهم سرر مصفوفة ونمارق* # الصفة السابعة: قوله تعالى: {وزرابي} وهي جمع زربية بفتح الزاي وكسرها ~~لغتان مشهورتان وهي بسط عراض فاخرة. وقال ابن عباس: الطنافس التي لها خمل، ~~أي: وبر رقيق. واختلف في قوله تعالى: {مبثوثة} فقال قتادة: مبسوطة. وقال ~~عكرمة: بعضها فوق بعض. وقال الفراء: كثيرة. وقال القتيبي: مفرقة في ~~المجالس. قال القرطبي: وهذا أصح فهي كثيرة متفرقة ومنه قوله تعالى: {وبث ~~فيها من كل دابة} (البقرة: 164) # ولما ذكر تعالى أمر الدارين تعجب الكفار من ذلك فكذبوه وأنكروه فذكرهم ~~الله تعالى صنعه وقدرته بقوله تعالى: # {أفلا ينظرون} ، أي: المنكرون لقدرته سبحانه وتعالى على الجنة، وما ذكر ~~فيها، والنار وما ذكر فيها، ms4071 أي: نظر اعتبار. {إلى الإبل} ونبه على أنه عجيب ~~خلقها مما ينبغي أن تتوفر الدعاوي على الاستفهام والسؤال عنه بأداة ~~الاستفهام، فقال تعالى: # {كيف خلقت} ، أي: خلقا عجيبا دالا على كمال قدرته وحسن تدبيره، حيث خلقها ~~للنهوض بالأثقال وجرها إلى البلاد النائية فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ~~ويسر، ثم تنهض بما حملت وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تعارض ~~ضعيفا ولا تنازع صغيرا وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار. وعن بعض ~~الحكماء أنه حدث عن البعير وبديع خلقه وقد نشأ في بلاد لا إبل بها فتفكر، ~~ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق وحين أراد بها أن تكون سفائن البر صبرها ~~على احتمال العطش، حتى إن ظماءها لتصبر على عشر فصاعدا ليتأتى لها قطع ~~البراري والمفاوز مع ما لها من منافع أخر، ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات ~~المثبتة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعا، ولأنها أعجب ما ~~عند العرب من هذا النوع لأنها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا ~~ترعاه سائر البهائم. # وعن سعيد بن جبير قال: لقيت شريحا القاضي فقلت له: أين تريد؟ قال: أريد ~~الكناسة، قلت: وما تصنع بها؟ قال: أنظر إلى الإبل كيف خلقت. # تنبيه: الإبل اسم جمع واحده بعير وناقة وجمل ولا واحد لها من لفظها. وقال ~~المبرد: الإبل هنا القطع العظيمة من السحاب. قال الثعلبي: ولم أجد لذلك ~~أصلا في كتب الأئمة. # وقال الماوردي: وفي الإبل وجهان: أظهرهما: أنها الإبل، والثاني: أنها ~~السحاب فإن كان المراد بها السحاب فلما فيها من الآيات والدلالات الدالة ~~على قدرته والمنافع العامة لجميع خلقه، وإن كان المراد بها الإبل فلأن ~~الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوانات لأن ضروب الحيوان أربعة حلوبة وركوبة ~~وأكولة وحمولة والإبل تجمع هذه الخلال الأربع، فكانت النعمة بها أعم وظهور ~~القدرة فيها أتم وقيل للحسن: الفيل أعظم من الأعجوبة فقال العرب: بعيدة ~~العهد بالفيل # PageV04P527 # ثم هو لا يؤكل لحمه ولا يركب ولا يحلب دره. # {وإلى السماء} التي هي من ms4072 جملة مخلوقاتنا {كيف رفعت} ، أي: رفعا بعيدا ~~بلا إمساك وبغير عمد على ما لها من السعة والكبر والثقل والإحكام، وما فيها ~~من الكواكب والغرائب والعجائب. # {وإلى الجبال} ، أي: الشامخة وهي أشد الأرض {كيف نصبت} نصبا ثابتا فهي ~~راسية لا تميل ولا تزول كما قال تعالى: {وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد ~~بهم} (الأنبياء: 31) # {وإلى الأرض} ، أي: على سعتها {كيف سطحت} سطحا بتمهيد وتوطئة فهي مهاد ~~للتقلب عليها. واستدل بعضهم بذلك على أن الأرض ليست بكرة. قال الرزاي: وهو ~~ضعيف لأن الكرة إذا كانت في غاية العظمة تكون كل قطعة منها كالسطح. فإن ~~قيل: كيف حسن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة؟ أجيب: بأن من ~~فسرها بالسحاب فالمناسبة ظاهرة، وذلك على طريق التشبيه والمجاز، ومن فسرها ~~بالإبل فالمناسبة بينها وبين السماء والأرض والجبال من وجهين: # أحدهما: أن القرآن نزل على العرب وكانوا يسافرون كثيرا ويسيرون عليها في ~~أوديتهم وبواديهم مستوحشين ومنفردين عن الناس، والإنسان إذا انفرد أقبل على ~~التفكر في الأشياء لأنه ليس معه من يحادثه وليس هناك ما يشغل به سمعه ~~وبصره، فلا بد من أن يجعل دأبه التفكر فإذا تفكر في تلك الحال فأول ما يقع ~~بصره على البعير الذي هو راكبه فيرى منظرا عجيبا، وإن نظر إلى فوق لم ير ~~غير السماء وإن نظر يمينا وشمالا لم ير غير الجبال، وإن نظر إلى تحت لم ير ~~غير الأرض فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والانفراد حتى لا تحمله ~~داعية الكبر والحسد على ترك النظر. # ثانيهما: أن جميع المخلوقات دالة على الصانع جلت قدرته إلا أنها قسمان ~~منها ما للشهوة فيه حظ كالوجه الحسن والبساتين النزهة والذهب والفضة، فهذه ~~مع دلالتها على الصانع قد يمنع استسحانها عن كمال النظر فيها ومنها ما لا ~~حظ فيه للشهوة كهذه الأشياء فأمر بالنظر فيها؛ إذ لا مانع من إكمال النظر ~~فيها. وقال عطاء عن ابن عباس: كأن الله تعالى يقول هل يقدر أحد أن يخلق مثل ~~الإبل، أو يرفع مثل ms4073 السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض غيري. # ولما بين تعالى الدلائل على صحة التوحيد والمعاد قال سبحانه لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم # {فذكر} ، أي: بنعم الله تعالى ودلائل توحيده وعظهم بذلك وخوفهم يا أشرف ~~الخلق {إنما أنت مذكر} فلا عليك أن لا ينظروا ولم يذكروا أو ما عليك إلا ~~البلاغ كما قال تعالى: {إن عليك إلا البلاغ} (الشورى: 48) # {لست عليهم بمسيطر} ، أي: بمسلط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان كقوله ~~تعالى: {وما أنت عليهم بجبار} (ق: 50) # وهذا قبل الأمر بالجهاد. وقرأ هشام بالسين وقرأ حمزة بخلاف عن خلف بإشمام ~~الصاد كالزاي، والباقون بالصاد الخالصة. # وقوله تعالى: {إلا من تولى} استثناء منقطع، أي: لكن من تولى عن الإيمان ~~{وكفر} ، أي: بالقرآن. # {فيعذبه الله} ، أي: الذي له الكمال كله بسبب تكبره عن الحق ومخالفته ~~لأمرك {العذاب الأكبر} ، أي: عذاب الآخرة لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع ~~والقحط والقتل والأسر. وقيل: استثناء متصل فإن جهاد الكفار وقتلهم تسليط ~~فكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة وقيل: هو استثناء من ~~قوله تعالى: {فذكر} إلا من انقطع طمعك من إيمانه، وتولى فاستحق العذاب # PageV04P528 # الأكبر وما بينهما اعتراض. # {إن إلينا} ، أي: خاصة بما لنا من العظمة {إيابهم} ، أي: رجوعهم بعد ~~البعث. # {ثم إن علينا} ، أي: خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن نقص العيب والجور ~~وكل نقص لا على غيرنا {حسابهم} ، أي: جزاءهم فلا نتركه أبدا، وفي هذا تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يشق عليه تكذيبهم. # فإن قيل: ما معنى تقديم الظرف؟ أجيب: بأن معناه التشديد في الوعيد، وإن ~~إيابهم إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وإن حسابهم ليس إلا عليه وهو ~~الذي يحاسب على النقير والقطمير. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ الغاشية حاسبه الله حسابا يسيرا» حديث ~~موضوع. ### | سورة الفجر # مكية # وقيل: مدنية وهي تسع وعشرون آية وقيل: ثلاثون آية ومائةوتسع وثلاثون كلمة ~~وخمسمائة وسبعة وتسعون حرفا # {بسم الله} الملك المعبود {الرحمن} ms4074 الذي عم خلقه بالكرم والجود {الرحيم} ~~الذي سدد أهل عنايته بفضله فهو الحليم الودود. # وقوله تعالى: {والفجر} ، أي: فجر كل يوم قسم كما أقسم بالصبح في قوله ~~تعالى: {والصبح إذا أسفر} (المدثر: 34) # {والصبح إذا تنفس} (التكوير: 18) # وقال قتادة: هو فجر أول يوم من المحرم تتفجر منه السنة. وقال الضحاك: فجر ~~ذي الحجة، وقيل: ذلك على مضاف محذوف، أي: وصلاة الفجر. وقيل: ورب الفجر ~~وتقدم أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته، واختلف في قوله تعالى: # {وليال عشر} فقال مجاهد وقتادة: هو عشر ذي الحجة. وقال الضحاك: هو العشر ~~الأول من رمضان. وعن ابن عباس: أنه العشر الأخير من رمضان. وعن يمان بن ~~رباب هو العشر الأول من المحرم التي عاشرها يوم عاشوراء، ولصومه فضل عظيم. ~~فإن قيل: لم ذكر الليالي من بين ما أقسم به؟ أجيب: بأن ذلك للتعظيم. # {والشفع} ، أي: الزوج {والوتر} ، أي: الفرد، وقيل: الشفع الخلق كلهم قال ~~الله تعالى: {وخلقناكم أزواجا} (النبأ: 8) # والوتر هو الله تعالى. قاله أبو سعيد الخدري. وقال مجاهد ومسروق: الشفع ~~الخلق كله، قال الله تعالى: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} (الذاريات: 49) # الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، ~~والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجن والإنس، والوتر هو ~~الله تعالى {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) # . وقال قتادة: هما الصلوات منها شفع ومنها وتر. روى ذلك عن عمران بن حصين ~~مرفوعا وعن ابن عباس الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب. وقال الحسين بن ~~الفضل: الشفع درجات الجنة لأنها ثمان، والوتر دركات النار لأنها سبع دركات. ~~سئل أبو بكر الوراق عن الشفع والوتر فقال: الشفع تضاد أوصاف المخلوقين من ~~العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، والبصر والعمى. ~~والوتر انفراد صفات الله سبحانه وتعالى عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ~~ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا موت. وعن عكرمة الوتر يوم عرفة والشفع يوم ~~النحر، واختاره النحاس وقال هو الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيوم ~~عرفة وتر ms4075 لأنه تاسعها ويوم النحر شفع لأنه عاشرها. # PageV04P529 # وقال ابن الزبير: الشفع الحادي عشر والثاني عشر من أيام منى، والوتر ~~الثالث عشر. وقال الضحاك: الشفع عشر ذي الحجة والوتر أيام منى الثلاثة. ~~وقيل: الشفع والوتر آدم عليه السلام كان وترا فشفع بزوجته حواء، حكاه ~~القشيري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الواو ~~والباقون بفتحها وهما لغتان الفتح لغة قريش ومن والاها والكسر لغة تميم. # وقوله تعالى: {والليل إذا يسر} قسم خامس بعدما أقسم بالليالي العشر على ~~الخصوص أقسم به على العموم، ومعنى يسر سار وذهب كما قال الله تعالى: ~~{والليل إذا أدبر} (المدثر: 33) # . وقال قتادة: إذا جاء وأقبل وقيل: معنى يسر، أي: يسري فيه كما يقال: ليل ~~نائم ونهار صائم، ومنه قوله تعالى: {بل مكر الليل والنهار} (سبأ: 33) # وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء بعد الراء وصلا لا وقفا، وأثبتها ابن ~~كثير في الحالين، وحذفها الباقون في الحالين لسقوطها في خط المصحف الكريم ~~وإثباتها هو الأصل لأنها لام فعل مضارع مرفوع، ومن فرق بين حالتي الوقف ~~والوصل فلأن الوقف محل استراحة وسئل الأخفش عن العلة في سقوط الياء فقال: ~~الليل لا يسري ولكن يسري فيه فهو مصروف فلما صرفه تجنبه حظه من الإعراب ~~كقوله تعالى: {وما كانت أمك بغيا} (مريم: 28) # ولم يقل بغية، لأنه صرفه عن باغية وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم ~~والجواب محذوف تقديره: لتعذبن يا كفار مكة بدليل قوله تعالى: {ألم تر كيف ~~فعل ربك بعاد} إلى قوله تعالى: {فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد} ~~وما بينهما اعتراض. # وقوله تعالى: {هل في ذلك} ، أي: القسم والمقسم به {قسم} ، أي: حلف أو ~~محلوف {لذي حجر} استفهام معناه التقرير، كقولك: ألم أنعم عليك إذا كنت قد ~~أنعمت أو المراد منه التأكيد لما أقسم عليه كمن ذكر حجة بالغة، ثم قال: هل ~~فيما ذكرته حجة والمعنى: إن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله تعالى به هذه ~~الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد ms4076 والربوبية فهو حقيق بأن يقسم به ~~لدلالته على خالقه والحجر العقل لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي كما ~~يسمى عقلا ونهية لأنه يعقل وينهى وحصاه من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء: ~~يقال إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها. # وقوله تعالى: {ألم تر} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به ~~العموم والمراد بالرؤية العلم، أي: ألم تعلم يا أشرف رسلنا {كيف فعل ربك} ، ~~أي: المحسن إليك بأنواع النعم {بعاد} {إرم} وهو ابن عوص بن إرم بن سام بن ~~نوح عليه السلام، ثم إنهم جعلوا لفظ عاد اسما للقبيلة كما يقال لبني هاشم: ~~هاشم، ولبني تميم: تميم، ثم قيل: للأولين منهم عاد الأولى، وإرم تسمية لهم ~~باسم جدهم ولمن بعدهم عاد الأخيرة. فإرم في قوله تعالى: {عاد إرم} عطف بيان ~~لعاد وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة وقيل: إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا ~~فيها. وقوله تعالى: {ذات} ، أي: صاحبة {العماد} فينظر فيه إن كانت صفة ~~للقبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد وطوال الأجسام على تشبيه ~~قدودهم بالأعمدة. وقيل: ذات البناء الرفيع وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: ~~أنها ذات أساطين وروي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات ~~شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: ~~أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة ~~سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من # PageV04P530 # الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار ~~والأنهار المطردة ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على ~~مسيرة يوم وليلة بعث الله تعالى عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله ~~بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثم وبلغ ~~خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات ~~العماد، وسيدخلها جل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال ~~وعلى عقبه خال يخرج ms4077 في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا ~~والله ذلك الرجل. # وقوله تعالى: {التي لم يخلق مثلها في البلاد} صفة أخرى لإرم فإن كانت ~~للقبيلة فلم تخلق مثل عاد في البلاد عظم أجرام وقوة. قال الزمخشري: كان طول ~~الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها فيقلبها على ~~الحي فيهلكهم. وروي عن مالك أنه كانت تمر بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة. ~~وإن كانت للبلدة فلم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا، والمقصود من ~~هذه الحكاية زجر الكفار فإن الله تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا ~~الرسل مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه، فلأن تكونوا مثل ذلك أيها الكفار ~~إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم أولى وقد ذكركم الله تعالى ثلاث قصص هذه ~~القصة الأولى. # وأما الثانية: فهي في قوله تعالى: {وثمودا الذين جابوا} ، أي: قطعوا ~~{الصخر} جمع صخرة وهي الحجر واتخذوها بيوتا كقوله تعالى: {وتنحتون من ~~الجبال بيوتا} (الشعراء: 149) # . {بالواد} ، أي: وادي القرى، قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام ~~ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. وقيل: سبعة آلاف مدينة ~~كلها من الحجارة. # تنبيه: أثبت الياء ورش وابن كثير وصلا، وأثبتها وقفا ابن كثير بخلاف عن ~~قنبل. # {س89ش10/ش14 وفرعون ذى ا?وتاد * الذين طغوا? فى البلاد * فأكثروا? فيها ~~الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد} # وأما القصة الثالثة: فهي في قوله تعالى: {وفرعون} ، أي: وفعل بفرعون {ذي ~~الأوتاد} واختلف في تسميته بذلك على وجهين: # أحدهما: أنه سمي بذلك عل كثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا ~~نزلوا. # والثاني: أنه كان يتد أربعة أوتاد يشد إليها يدي ورجلي من يعذبه وعن عطاء ~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن فرعون إنما سمي ذا الأوتاد لأنه كانت ~~امرأة وهي امرأة خازنه حزقيل، وكان مؤمنا كتم إيمانه مائة سنة وكانت امرأته ~~ماشطة بنت فرعون فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذا سقط المشط من ~~يدها فقالت: تعس ms4078 من كفر بالله، فقالت بنت فرعون: وهل لك إله غير أبي؟ فقال: ~~إلهي وإله أبيك وإله السموات والأرض واحد لا شريك له فقامت فدخلت على أبيها ~~وهي تبكي، قال: ما يبكيك؟ فقالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أن إلهك وإلهها ~~وإله السموات والأرض واحد لا شريك له، فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت: ~~صدقت. فقال لها: ويحك اكفري بإلهك وأقري بأني إلهك، قالت: لا أفعل فمدها ~~بين أربعة أوتاد ثم أرسل عليها الحيات والعقارب، وقال لها: اكفري بالله ~~وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين فقالت له: لو عذبتني سبعين شهرا ما كفرت ~~بالله، وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على فيها، وقال لها: ~~اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على فيك وكانت رضيعة فقالت: لو ذبحت من في ~~الأرض على في ما كفرت بالله عز وجل، فأتى بابنتها فلما اضجعت على صدرها ~~وأراد ذبحها جزعت المرأة # PageV04P531 # فانطق الله تعالى لسان ابنتها فتكلمت، وهي من الأربعة الذين تكلموا ~~أطفالا وقالت: يا أماه لا تجزعي فإن الله تعالى قد بنى لك بيتا في الجنة ~~فاصبري فإنك تفضين إلى رحمة الله تعالى وكرامته، فذبحت فلم تلبث أن ماتت ~~فاسكنها الله تعالى الجنة قال: وبعث في طلب زوجها حزقيل: فلم يقدروا عليه، ~~فقيل: لفرعون: إنه قد زوى في موضع كذا في جبل كذا فبعث رجلين في طلبه ~~فانتهيا إليه وهو يصلي ويليه صفوف من الوحوش خلفه يصلون خلفه، فلما رأيا ~~ذلك انصرفا فقال حزقيل: اللهم أنت تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة ولم يظهر ~~علي أحد فأيما هذين الرجلين أظهر علي فعجل في عقوبته في الدنيا واجعل مصيره ~~في الآخرة # إلى النار، فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر وآمن، وأما ~~الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس الملأ فقال له فرعون: وهل معك غيرك؟ ~~قال: نعم فلان فدعى به، فقال: حق ما يقول هذا؟ قال: لا ما رأيت كما قال ~~شيئا فأعطاه فرعون فأجزل وأما الآخر فقتله ثم صلبه. قال: وكان فرعون قد ~~تزوج امرأة من ms4079 أجمل نساء بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم فرأت ما صنع ~~فرعون بالماشطة فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما يأتي من فرعون وأنا مسلمة ~~وهو كافر، فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريبا منها، ~~فقالت: يا فرعون أنت أشر الخلق وأخبثه عمدت على الماشطة فقتلتها، فقال: لعل ~~بك الجنون الذي كان بها؟ قالت: ما بي من جنون، وإن إلهي وإلهها وإلهك وإله ~~السموات والأرض واحد لا شريك له فمزق ما عليها وضربها وأرسل على أبويها ~~فدعاهما فقال لهما: ألا تريان أن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها. قالت: ~~أعوذ بالله من ذلك إني أشهد أن ربي وربك ورب السموات والأرض واحد لا شريك ~~له، فقال أبوها: يا آسية ألست من خير نساء العماليق وزوجك إله العماليق، ~~قالت: أعوذ بالله من ذلك إن كان ما يقول حقا فقولا له أن يتوجني تاجا تكون ~~الشمس أمامه والقمر خلفه والكواكب حوله، فقال لهما فرعون: أخرجاها عني ~~فمدها بين أربعة أوتاد يعذبها ففتح الله لها بابا إلى الجنة ليهون عليها ما ~~يصنع بها فرعون فعند ذلك قالت: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من ~~فرعون وعمله} (التحريم: 11) # فقبض الله تعالى روحها وأدخلها الجنة. وروي عن أبي هريرة أن فرعون وتد ~~لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها ~~إلى السماء، وقالت: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} ففرج الله تعالى عن ~~بيتها في الجنة فرأته. # وقوله تعالى: {الذين طغوا} ، أي: تجبروا {في البلاد} في محل نصب على ~~الذم، ويجوز أن يكون مرفوعا على هم الذين طغوا في البلاد، أو مجرورا على ~~وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون فالضمير يرجع لعاد وثمود وفرعون وقيل: يرجع ~~إلى فرعون خاصة. # {فأكثروا} ، أي: طغاتهم {فيها الفساد} ، أي: بالقتل والكفر والمعاصي قال ~~القفال: وبالجملة فالفساد ضد الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فالفساد ~~يتناول جميع أقسام الإثم فمن عمل بغير أمر الله تعالى وحكم في عباده بالظلم ~~فهو ms4080 مفسد. # {فصب} ، أي: أنزل إنزالا هو في غاية القوة {عليهم} ، أي: في الدنيا {ربك} ~~، أي: المحسن إليك بكل جميل {سوط} ، أي: نوع {عذاب} وقال قتادة: يعني ~~ألوانا من العذاب صبه عليهم، وقال أهل المعاني هذا على # PageV04P532 # الاستعارة لأن السوط عندهم غاية العذاب. وقال الفراء: هي كلمة تقولها ~~العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون ~~به فجرى إلى كل عذاب إذا كان فيه غاية العذاب. وقال الزجاج: جعل سوطهم الذي ~~ضربهم به العذاب. # وعن الحسن أنه كان إذا أتى على هذه الآية قال: إن الله تعالى عنده أسواط ~~كثيرة فأخذهم بسوط منها. وقال قتادة: كل شيء عذب الله تعالى به فهو سوط، ~~وشبه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه. # {إن ربك} ، أي: المحسن إليك بالرسالة {لبالمرصاد} ، أي: يرصد أعمال ~~العباد لا يفوته منها شيء ليجازيهم عليها والمرصاد المكان الذي يترقب فيه ~~الرصد، مفعال من رصده كالميقات من وقته، وهذا مثل لإرصاد العصاة بالعقاب ~~وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل: له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. ~~وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذه فقال: {إن ~~ربك لبالمرصاد} يا أبا جعفر عرض له في هذا النداء بأنه بعض من توعده بذلك ~~من الجبابرة. قال الزمخشري: فلله دره، أي: أسد فراس كان بين ثوبيه يدق ~~الظلمة بإنكاره ويقصع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه. # وقوله تعالى: {فأما الإنسان} متصل بقوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} فكأنه ~~قيل: إن الله تعالى يريد من الإنسان الطاعة والسعي للعاقبة، وهو لا يهمه ~~إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها {إذا ما ابتلاه} ، أي: اختبره بالنعمة ~~{ربه} ، أي: الذي أبدعه وأحسن إليه بما يحفظ وجوده ليظهر شكره أو كفره ~~{فأكرمه} ، أي: جعله عزيزا بين الناس وأعطاه ما يكرمونه به من الجاه والمال ~~{ونعمه} ، أي: جعله متلذذا مترفها بما وسع الله تعالى عليه. # وقوله تعالى: {فيقول} ، أي: سرورا بذلك افتخارا {ربي أكرمن} ، أي: فضلني ~~بما أعطاني خبر المبتدأ ms4081 الذي هو الإنسان، ودخول الفاء لما في أما من معنى ~~الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير، كأنه قيل: ~~فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتداء بالأنعام فيظن أن ذلك عن ~~استحقاق فيرتفع به. # وكذا قوله تعالى: {وأما إذا ما ابتلاه فقدر} ، أي: ضيق {عليه رزقه} ~~التقدير وأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه، أي: بالفقر ليوازي قسيمه {فيقول} ~~، أي: الإنسان بسبب الضيق {ربي أهانن} فيهتم لذلك ويضيق به ذرعا ويكون أكبر ~~همه، وهذا في حق الكافر لقصور نظره وسوء فكره فيرى الكرامة والهوان بكثرة ~~الحظ في الدنيا وقلته.Y { { # وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر. وقال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما: في عتبة بن ربيعة. وقيل: أبي بن خلف. فإن قيل: كيف ~~سمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقتيره ابتلاء؟ أجيب: بأن كل واحد منهما ~~اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر، وإذا قدر عليه ~~فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع فالحكمة فيهما واحدة، ونحوه قوله تعالى: ~~{ونبلوكم بالشر والخير فتنة} (الأنبياء: 35) # . فإن قيل: هلا قال فأهانه وقدر عليه رزقه كما قال فأكرمه ونعمه؟ أجيب: ~~بأن البسط إكرام من الله تعالى لعبده بإنعامه عليه متفضلا من غير سابقة، ~~وأما التقتير فليس بإهانة له لأن الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة ولكن تركا ~~للكرامة، وقد يكون المولى مكرما ومهينا وغير مكرم ولا مهين. وإذا أهدى لك ~~زيد هدية قلت: أكرمني بالهدية، ولا تقول أهانني ولا أكرمني إذا لم يهد ~~إليك. فإن # PageV04P533 # قيل: قد قال تعالى فأكرمه فصحح إكرامه وأثبته ثم أنكر قوله: {ربي أكرمن} ~~وذمه عليه كما أنكر قوله: {أهانن} وذمه عليه؟ أجيب: بوجهين: # أحدهما: إنما أنكر قوله: {ربي أكرمن} وذمه عليه لأنه قاله على قصد خلاف ~~ما صححه الله تعالى عليه وأثبته، وهو قصده على أن الله تعالى أعطاه ما ~~أعطاه إكراما مستحقا ومستوجبا على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم ~~كقوله: {إنما أوتيته على علم عندي} (القصص:78) # وإنما أعطاه الله تعالى ms4082 على وجه التفضل من غير استحباب منه له، ولا سابقة ~~مما لا يعتد الله تعالى إلا به، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي ~~كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها. # ثانيهما: أن ينساق الإنكار والذم إلى قوله: {ربي أهانن} يعني أنه إذا ~~تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه، وإذا لم يتفضل عليه ~~يسمى ترك التفضل هوانا وليس بهوان. قال الزمخشري: ويعضد هذا الوجه ذكر ~~الإكرام في قوله تعالى: {فأكرمه} وقرأ {ما ابتلاه} في الموضعين حمزة ~~بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح، وقرأ {ربي ~~أكرمن} {ربي أهانن} نافع بإثبات الياء فيهما وصلا لا وقفا، وقرأ البزي ~~بإثباتها فيهما وقفا ووصلا، وعن أبي عمرو فيهما في الوصل الإثبات والحذف ~~عنه في الوصل أعدل، والباقون بالحذف وقفا ووصلا. وقرأ ابن عامر {فقدر عليه ~~رزقه} بتشديد الدال والباقون بتخفيفها، وهما لغتان معناهما ضيق. وقيل: قدر ~~بمعنى قتر وقدر أعطاه ما يكفيه. # ثم رد الله تعالى على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة بقوله ~~تعالى: # {كلا} ، أي: ليس الإكرام بالغنى والإهانة بالفقر إنما هما بالإطاعة ~~والمعصية، وكفار مكة لا ينتبهون لذلك {بل} لهم فعل أشر من هذا القول وهو ~~أنهم {لا يكرمون اليتيم} ، أي: لا يحسنون إليه مع غناهم، أو لا يعطونه حقه ~~من الميراث. قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف فكان ~~يدفعه فنزلت: # {ولا يحضون} ، أي: يحثون حثا عظيما {على طعام} ، أي: إطعام {المسكين} ~~فيكون اسم مصدر بمعنى الإطعام، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: على بذل أو ~~على إعطاء، وفي إضافته إليه إشارة إلى أنه شريك للغني في ماله بقدر الزكاة. # {ويأكلون} على سبيل التجدد والاستمرار {التراث} ، أي: الميراث والتاء في ~~التراث بدل من واو لأنه من الوراثة. # {أكلا لما} ، أي: ذا لم واللم الجمع الشديد. يقال: لممت الشيء لما، أي: ~~جمعته جمعا. قال الحطيئة: # *إذا كان لما يتبع الذم ربه ... فلا قدس الرحمن تلك الطواحنا* ms4083 # والجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا يورثون النساء والصبيان ويأكلون ~~انصباءهم ويأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك، فيلمون في ~~الأكل بين حلاله وحرامه ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال مهلا مهلا من ~~غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلا واسعا جامعا بين ألوان ~~المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه كما يفعل البطالون. # ولما دل على حب الدنيا بأمر خارجي دل عليه في الإنسان فقال تعالى: # {ويحبون} ، أي: على سبيل الاستمرار {المال} ، أي: هذا النوع من، أي: شيء ~~كان وأكد بالمصدر والوصف فقال تعالى {حبا جما} ، أي: كثيرا شديدا مع الحرص ~~والشره ومنع الحقوق. وقوله تعالى: # {كلا} ردع لهم عن # PageV04P534 # ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أخبر تعالى عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ~~ينفعهم فقال عز من قائل: {إذا دكت الأرض} ، أي: حصل دكها ورجها وزلزلتها ~~لتسويتها فتكون كالأديم الممدود بشدة المط لا عوج فيها بوجه {دكا دكا} ، ~~أي: مرة بعد مرة، وكسر كل شيء على ظهرها من جبل وبناء وشجر فلم يبق على ~~ظهرها شيء وينعدم. # {وجاء ربك} قال الحسن: أمره وقضاؤه {والملك} ، أي: الملائكة. وقوله ~~تعالى: {صفا صفا} حال، أي: مصطفين، أي: ذوي صفوف كثيرة فتنزل ملائكة كل ~~سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس. { { # {وجيء} ، أي: بأسهل أمر {يومئذ} ، أي: إذ وقع ما ذكر {بجهنم} ، أي: النار ~~التي تتجهم من يصلاها كقوله تعالى: {وبرزت الجحيم} (النازعات: 36) # ويروى «أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف في ~~وجهه حتى اشتد على أصحابه فأخبروا عليا فجاء فاحتضنه من خلفه وقبل ما بين ~~عاتقيه، ثم قال: يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم وما الذي ~~غيرك فتلا عليه الآية. فقال له علي: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ~~ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع، ثم ~~تعرض لي جهنم فتقول: ما لك ولي يا محمد إن الله تعالى قد ms4084 حرم لحمك علي فلا ~~يبقى أحد إلا قال: نفسي نفسي إلا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: رب أمتي ~~أمتي» . وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: تقاد جهنم بسبعين ألف زمام ~~كل زمام بيد ألف ملك لها تغيظ وزفير حتى تنصب على يسار العرش. # وقوله تعالى: {يومئذ} ، أي: يوم يجاء بجهنم بدل من إذ وجوابها {يتذكر ~~الإنسان} ، أي: يتذكر الكافر ما فرط أو يتعظ لأنه يعلم قبح معاصيه فيندم ~~عليها {وأنى له الذكرى} ، أي: ومن أين له منفعة الذكرى. قال الزمخشري: لا ~~بد من حذف مضاف وإلا فبين {يتذكر} وبين {وأنى له الذكرى} تناف وتناقض. # تنبيه: أنى خبر مقدم والذكرى مبتدأ مؤخر وله متعلق بما تعلق به الظرف. ~~وقرأ {وأنى} حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، ~~وقرأ الدوري عن أبي عمرو بالإمالة بين بين والباقون بالفتح. وقرأ {الذكرى} ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين بين، والباقون ~~بالفتح. # {يقول} ، أي: يقول مع تذكره {يا} للتنبيه {ليتني قدمت لحياتي} ، أي: في ~~حياتي فاللام بمعنى في، أو قدمت الإيمان والخير لحياة لا موت فيها، أو وقت ~~حياتي في الدنيا. # {فيومئذ} ، أي: يوم يقول الإنسان ذلك وقرأ {لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق ~~وثاقه أحد} الكسائي بفتح الذال والثاء على البناء للمفعول، والباقون ~~بكسرهما على البناء للفاعل فأما قراءة الكسائي فضمير عذابه ووثاقه للكافر، ~~والمعنى: لا يعذب أحد مثل تعذيبه ولا يوثق مثل إيثاقه، وأما على قراءة ~~الباقين فالضمير فيهما لله تعالى إلى غيره، أو الزبانية المتولين العذاب ~~بأمر الله تعالى. # ولما وصف الله تعالى حال من اطمأن إلى الدنيا وصف حال من اطمأن إلى ~~معرفته وعبوديته وسلم أمره إليه فقال تعالى: # {يا أيتها النفس المطمئنة} قال الحسن، أي: المؤمنة الموقنة. وقال مجاهد: ~~الراضية بقضاء الله تعالى. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بثواب الله ~~تعالى. وقال ابن كيسان: المخلصة. وقال ابن زيد: التي بشرت بالجنة عند الموت ~~وعند البعث ويوم الجمع، ويقال لها: عند ms4085 الموت. # {ارجعي إلى ربك} ، أي: إلى أمره وإرادته وقال ابن عباس رضي الله تعالى # PageV04P535 # عنهما: على صاحبك وجسدك. وقال الحسن: إلى ثواب ربك. {راضية} ، أي: بما ~~أوتيته {مرضية} ، أي: عند الله تعالى بعملك، أي: جامعة بين الوصفين لأنه لا ~~يلزم من أحدهما الآخر، وهما حالان. قال القفال: هذا وإن كان أمرا في ~~الظاهرة فهو خبر في المعنى، والتقدير: أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى ~~الله تعالى في القيامة بسبب هذا الأمر. # {فادخلي في} ، أي: في جملة {عبادي} ، أي: الصالحين والوافدين علي الذين ~~هم أهل الإضافة إلي، أو في أجساد عبادي التي خرجت في الدنيا منها. # {وادخلي جنتي} ، أي: معهم، هي جنة عدن وهي أعلى الجنان ويجيء الأمر بمعنى ~~الخبر كثيرا في كلامهم كقولهم إذا لم تستح فاصنع ما شئت. وقال سعيد بن زيد: ~~«قرأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم هذه الاية فقال أبو بكر: ما أحسن ~~هذا يا رسول الله فقال له: إن الملك سيقوله لك يا أبا بكر» . وقال سعيد بن ~~جبير: مات ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالطائف فجاء طائر لم ير على خلقه ~~طائر قط فدخل نعشه لم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الاية على شفير القبر ~~لا يدرى من تلاها {يا أيتها النفس} الآية. وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان ~~حين وقف بئر رومة وقيل: في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى ~~المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو قبلتك، فحول الله ~~تعالى وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوله. وقيل: نزلت في حمزة بن عبد ~~المطلب. قال الزمخشري: والظاهر العموم. وقول البيضاوي تبعا له أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ومن ~~قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة» حديث موضوع. ### | سورة البلد # مكية # وهي عشرون آية واثنان وثمانون كلمة وثلاثمائة وعشرون حرفا # {بسم الله} الملك الذي لا راد ms4086 لأمره {الرحمن} الذي عم سائر خلقه بفضله ~~{الرحيم} الذي خص أهل طاعته بجنته. # واختلف في لا في قوله تعالى: {لا أقسم} فقال الأخفش: إنها مزيدة، أي: ~~أقسم كما تقدم في قوله تعالى: {لا أقسم بيوم القيامة} (القيامة: 1) # وقد أقسم به سبحانه وتعالى. قال الشاعر: { { # *تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد صميم القلب لا يتقطع* # أي: يتقطع، ودخل حرف لا صلة، وكقوله تعالى: {ما منعك أن لا تسجد} ~~(الأعراف: 12) # وقد قال تعالى في ص: {ما منعك أن تسجد} وأجاز الأخفش أيضا أن تكون بمعنى ~~إلا. وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه بعد ~~خروجك منه، حكاه مكي. وأجمعوا على أن المراد بالبلد في قوله تعالى: {بهذا ~~البلد} ، أي: الحرام وهو مكة، وفضلها معروف فإنه تعالى جعلها حرما آمنا. ~~وقال تعالى: {ومن دخله كان آمنا} (آل عمران: 97) # وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب. فقال تعالى: {وحيثما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره} (البقرة: 144) # وأمر الناس بحج البيت فقال تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع} ~~(آل عمران: 97) # وقال تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} (البقرة: 125) # وقال تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} (الحج: و26) # وقال تعالى: {وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} (الحج: 27) # وشرف مقام إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى {واتخذوا من # PageV04P536 # مقام إبراهيم مصلى} (البقرة: 125) # وحرم صيده وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل ~~وأكثر منها إنما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها. # {وأنت} ، أي: يا أشرف الخلق {حل} ، أي: حلال لك ما لم يحل لغيرك من قتل ~~من تريد ممن يدعي أنه لا قدرة لأحد عليه {بهذا البلد} بأن يحل لك فتقاتل ~~فيه. # وقد أنجز الله له هذا الوعد يوم الفتح وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله ~~ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرم ما شاء قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ~~ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرم دار أبي سفيان ثم قال: «إن الله حرم ms4087 مكة يوم ~~خلق السموات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل ~~لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها، ~~ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشدها. فقال العباس: يا رسول الله ~~إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا، فقال صلى الله عليه وسلم إلا ~~الإذخر» . ونظير {وأنت حل} في معنى الاستقبال قوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ~~ميتون} (الزمر: 30) # ومثله واسع في كلام العرب، تقول لمن تعده الإكرام والحباء لأنت مكرم ~~محبو، وهو في كلام الله تعالى واسع لأن الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة ~~المشاهدة، وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال وأن تفسيره بالحال محال أن ~~السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة من وقت نزولها، فما بال الفتح والجملة ~~اعتراض بين المقسم به وما عطف عليه. # واختلف في قوله تعالى: {ووالد وما ولد} فقال الزمخشري: هو رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومن ولده أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه، وحرم أبيه إبراهيم، ~~ومنشأ أبيه إسماعيل وبمن ولده وبه. وقال البغوي: هما آدم وذريته، وقيل: كل ~~والد وولده. فإن قيل: هلا قيل: ومن ولد؟ أجيب: بأن فيه ما في قوله تعالى: ~~{والله أعلم بما وضعت} (آل عمران: 36) # أي: بأي شيء وضعت يعني، أي: بأي شيء وضعت يعني موضوعا عجيب الشأن، أو أن ~~ما بمعنى من. والذي عليه أكثر المفسرين هما آدم وذريته؛ لأنهم أعجب ما خلق ~~الله تعالى على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج ~~العلوم، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه، وأمر ~~الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها. ولقد قال الله تعالى: {ولقد ~~كرمنا بني آدم} (الإسراء: 70) # وقيل: هما آدم والصالحون من ذريته، وأما الطالحون فكأنهم بهائم كما قال ~~تعالى: {إن هم كالأنعام بل هم إلا أضل} (الفرقان: 44) # {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} (البقرة: 18) # والمقسم عليه قوله تعالى: # {لقد خلقنا الإنسان} ، أي: الجنس {في كبد} قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: أي: ms4088 شدة ونصب، وعنه أيضا في شدة من حمله وولادته ورضاعه ونبت أسنانه ~~وسائر أحواله. وعن عكرمة منتصبا في بطن أمه، والكبد الاستواء والاستقامة، ~~فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطنها أمها إلا ~~منكبة على وجهها إلا ابن آدم فإنه منتصب انتصابا. # وقال ابن كيسان: منتصبا في بطن أمه فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن ~~أمه قلب رأسه إلى رجلي أمه. وقال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. ~~وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك ~~أضعف الخلق. # قال بعض العلماء أول ما يكابد قطع سرته ثم إذا قمط قماطا وشد رباطا، ~~يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته ضاع، ثم يكابد نبت ~~أسنانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد # PageV04P537 # الختان والأوجاع، ثم المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ~~ثم يكابد شغل التزويج، وشغل الأولاد والخدم، وشغل المسكن والجيران، ثم ~~الكبر والهرم، وضعف الركب والقدم، في مصائب يكثر تعدادها من صداع الرأس ~~ووجع الأضراس، ورمد العين، وهم الدين، ووجع السن، وألم الأذن، ويكابد محنا ~~في المال والنفس من الضرب والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم ~~يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعده سؤال الملك وضغطة القبر وظلمته، ثم ~~البعث والعرض على الله تعالى إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في ~~النار، فدل هذا على أن له خالقا دبره وقضى عليه بهذه الأحوال، ولو كان ~~الأمر إليه ما أختار هذه الشدائد فليتمثل أمر خالقه. وقال ابن زيد: المراد ~~بالإنسان هنا آدم عليه السلام. # وقوله تعالى: {في كبد} ، أي: في وسط السماء. وقال مقاتل: في كبد، أي: في ~~قوة نزلت في أبي الأشدين، واسمه أسيد بن كلدة بن جمح، وكان شديدا قويا، يضع ~~الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فيجذبه عشرة ~~فيتمزق الأديم من تحت قدميه، ولا تزول قدماه ويبقى موضع قدميه، ms4089 وكان من ~~أعداء النبي صلى الله عليه وسلم وفيه نزل. # {أيحسب} ، أي: أيظن الإنسان قوي قريش، وهو أبو الأشدين بقوته، قوله أبي ~~الأشدين هكذا في النسخ بصيغة التثنية، وفي حاشية الجمل، والأشد هكذا ~~بالإفراد في كثير من نسخ هذا الشرح، وكثير من عبارات المفسرين، وفي بعض نسخ ~~هذا الشرح وكثير من من التفاسير الأشدين بصيغة التثنية فليحرر اه. {أن} ~~مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي: أنه {لن يقدر عليه} ، أي: خاصة {أحد} ، ~~أي: من أهل الأرض أو السماء فيغلبه حتى أنه يعاند خالقه، والله تعالى قادر ~~عليه في كل وقت. وقيل: نزلت في المغيرة بن الوليد المخزومي. # {يقول} ، أي: يفتخر بقوته وشدته {أهلكت} ، أي: على عداوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم {مالا لبدا} ، أي: كثيرا بعضه على بعض. # {أيحسب} ، أي: هذا الإنسان العنيد بقلة عقله {أن} ، أي: أنه {لم يره أحد} ~~قال سعيد بن جبير:، أي: أظن أن الله تعالى لم يره ولا يسأله عن ماله من أين ~~اكتسبه وفيم أنفقه؟ وقال الكلبي: إنه كان كاذبا في قوله أنه أنفقه ولم ينفق ~~جميع ما قال، والمعنى: أيظن أن الله تعالى لم ير ذلك منه فيعلم مقدار ~~نفقته. # وقرأ {أيحسب} في الموضعين ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون ~~بكسرها ثم ذكره نعمه عليه ليعتبر بقوله تعالى: # أي: بما لنا من القدرة التامة {له عينين} يبصر بهما المرئيات وإلا تعطل ~~عليه أكثر مايريد، شققناهما وهو في الرحم في ظلمات ثلاث على مقدار مناسب لا ~~تزيد إحداهما على الأخرى شيئا، وقدرنا البياض والسواد والشهلة والزرقة وغير ~~ذلك على ماترون، وأودعناهما البصر على كيفية يعجز الخلق عن إدراكهما. # {ولسانا} يترجم به عن ضمائره {وشفتين} يستر بهما فاه ويستعين بهما على ~~النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك. قال قتادة: نعم الله تعالى عليه ~~متظاهرة فيقرره بها كي يشكره. قال البغوي: وجاء في الحديث أن الله تعالى ~~يقول: «يا ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين ~~فأطبق، وإن نازعك بصرك ms4090 إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، ~~وإن نازعك فرجك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق» . # {وهديناه} ، أي: أتيناه من العقل {النجدين} قال أكثر المفسرين: بينا له ~~طريق الخير والشر والهدى والضلال والحق والباطل كقوله تعالى: {إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا} (الإنسان: 3) # وصار بما جعلناه له من ذلك سميعا بصيرا عالما، فصار موضعا للتكليف. روى ~~الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها # PageV04P538 # الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، يا أيها الناس ~~إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر فلم جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» ~~. قال المنذري: النجد هنا الطريق. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بينا له ~~الثديين، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك، وأصله المكان المرتفع. # {فلا اقتحم العقبة} ، أي: فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة من فك ~~الرقاب وإطعام المساكين والأيتام بل غمط النعم وكفر بالمنعم. # والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضي النافع عند الله ~~تعالى، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخر وعداوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيكون على هذا الوجه {كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم} (آل عمران: ~~117) # الآية. وقيل: معناه لم يقتحمها ولاجاوزها والاقتحام الدخول في الأمر ~~الشديد، وذكر العقبة مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في ~~أعمال البر فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة يقول الله تعالى لم يحمل على ~~نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهذا معنى قول قتادة وقيل: إنه شبه ثقل ~~الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وأطعم المساكين كان كمن اقتحم ~~العقبة وجاوزها وروى عن ابن عمر أن هذه العقبة جبل في جهنم، وقال الحسن: هي ~~عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله تعالى ومجاهدة النفس.w # وقال مجاهد: هي الصراط يضرب على متن جهنم كحد السيف مسيرة ثلاثة آلاف سنة ~~صعودا وهبوطا واستواء، وإن بجنبيه كلاليب وخطاطيف كأنها شوك السعدان، ms4091 فناج ~~مسلم وناج مخدوش، ومكردس في النار منكوس، وفي الناس من يمر كالريح العاصف، ~~ومنهم من يمر كالرجل يعدو، ومنهم من يمر كالرجل يسير، ومنهم من يزحف زحفا، ~~ومنهم الزالون، ومنهم من يكردس في النار. وقال ابن زيد: فهلا سلك طريق ~~النجاة. # وقوله تعالى: {وما أدراك} ، أي: أعلمك أيها السامع لكلامنا الراغب فيما ~~عندنا {ما العقبة} تعظيم لشأنها والجملة اعتراض قال سفيان بن عيينة: كل شيء ~~قال فيه {وما أدراك} فإنه أخبر به وما كان، قال: {وما يدريك} فإنه لم يخبر ~~به، ثم بين سبب جوازها بقوله تعالى: # {فك} ، أي: الإنسان {رقبة} ، أي: خلصها من الرق وذلك بأن يعتق رقبة في ~~ملكه أو يعطي مكاتبا ما يصرفه في فك رقبته. روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى ~~فرجه بفرجه» . قال الزمخشري: وفي الحديث: «أن رجلا قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دلني على عمل يدخلني الجنة. قال: تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: ~~أو ليسا سواء؟ قال: لا إعتاقها أن تنفرد بعتقها، وفكها أن تعين في تخليصها ~~من قود أو غرم، والعتق والصدقة من أفضل الأعمال» . # وعن أبي حنيفة أن العتق أفضل من الصدقة، وعن صاحبيه: الصدقة أفضل. قال ~~الزمخشري: والآية أدل على قول أبي حنيفة لتقديم العتق. وقال عكرمة: يعني فك ~~رقبته من الذنوب. وقال الماوردي: ويحتمل أنه أراد فك رقبته وخلاص نفسه ~~باجتناب المعاصي وفعل الطاعات، ولا يمنع الخبر من هذا التأويل وهو أشبه ~~بالصواب. # {أو إطعام} ، أي: دفع الإطعام لشيء له قابلية ذلك. {في يوم ذي مسغبة} ، ~~أي: مجاعة، والسغب: الجوع. # {يتيما} ، أي: إنسانا صغيرا لا أب له {ذا مقربة} ، أي: ذا قرابة لك بأن ~~كان بينك وبينه قرابة، يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي. # {أو مسكينا} # PageV04P539 # وهو من له مال أو كسب يقع موقعا من كفايته، ولا يكفيه. {ذا متربة} ، أي: ~~لصوق بالتراب لفقره. يقال: ترب إذا افتقر، ومعناه: التصق بالتراب وأما ms4092 أترب ~~فاستغنى، أي: صار ذا مال كالتراب في الكثرة كما قيل: أثرى. وعنه صلى الله ~~عليه وسلم في قوله تعالى: {ذا متربة} : «الذي مأواه المزابل» قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: «هو المطروح على الطرق الذي لا بيت له» . وقال مجاهد: وهو ~~الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. وقال قتادة: أنه ذو العيال. واحتج ~~بهذه الآية على أن المسكين يملك شيئا لأنه لو كان لا يملك شيئا لكان تقييده ~~بقوله تعالى: {ذا متربة} تكريرا. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة برفع ~~الكاف وجر رقبة وكسر همزة إطعام وفتح العين وبعدها ألف ورفع الميم منونة، ~~والباقون فك بنصب الكاف رقبة بالنصب أطعم بفتح الهمزة والعين والميم بغير ~~تنوين، ولا ألف بين العين والميم. # فإن قيل: قوله تعالى: {فلا اقتحم العقبة} إلى آخره ذكر لا مرة واحدة. قال ~~الفراء والزجاج: والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي حتى تعيد لا كقوله ~~تعالى: {فلا صدق ولا صلى} (القيامة: 31) . # أجيب: بأنه إنما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه فيجوز أن يكون قوله ~~تعالى: # {ثم كان من الذين آمنوا} قائما مقام التكرير فكأنه قال: {فلا اقتحم ~~العقبة} ولا آمن. وقال الزمخشري: هي متكررة في المعنى: لأن معنى فلا اقتحم ~~العقبة فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك. ~~قال أبو حيان: ولا يتيم له هذا إلا على قراءة فك فعلا ماضيا. وعن مجاهد: أن ~~قوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} يدل على أن: لا بمعنى لم ولا يلزم ~~التكرير مع لم فإن كررت لا كقوله تعالى {فلا صدق ولا صلى} فهو كقوله تعالى: ~~{لم يسرفوا ولم يقتروا} (الفرقان: 67) # تنبيه: ثم كان معطوف على اقتحم وثم للترتيب، والمعنى: كان وقت الاقتحام ~~من الذين آمنوا. وقال الزمخشري: جاء بثم لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة ~~والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، لأن الإيمان هو السابق المقدم على ~~غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به. {وتواصوا} ، أي: وصبروا وأوصى ms4093 بعضهم بعضا ~~{بالصبر} ، أي: على الطاعة وعن المعصية والمحن التي يبتلى بها المؤمن. # {وتواصوا بالمرحمة} ، أي: بالرحمة على عباده بأن يكونوا متراحمين ~~متعاطفين، أي: بما يؤدي إلى رحمة الله تعالى. # {أولئك} ، أي: الموصوفون بهذه الصفات {أصحاب الميمنة} ، أي: الجانب الذي ~~فيه اليمن والبركة والنجاة من كل هلكة. وقال محمد بن كعب:، أي: الذين يؤتون ~~كتبهم بأيمانهم. وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم. وقال ابن ~~زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن. وقال ميمون بن مهران: لأن منزلتهم عن ~~اليمين. وقال الزمخشري: الميمنة اليمين أو اليمن. # {والذين كفروا} ، أي: ستروا ما تظهر لهم مرائي بصائرهم من العلم ~~{بآياتنا} ، أي: على ما لها من العظمة بالإضافة إلينا، والظهور الذي لا ~~يمكن خفاؤه من القرآن وغيره {هم أصحاب المشأمة} ، أي: الخصلة المكسبة للشؤم ~~والحرمان قال محمد بن كعب:، أي: الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم. وقال يحيى بن ~~سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم. وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم ~~الأيسر عليه السلام. وقال ميمون: لأن منزلتهم عن اليسار. وقال الزمخشري: ~~المشأمة الشمال أو الشؤم. # قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أصحاب الميمنة هم أصحاب الجنة وأصحاب ~~المشأمة هم أصحاب النار. # {عليهم} ، أي: خاصة {نار مؤصدة} ، أي: مطبقة وقرأ أبو عمرو وحفص وحمزة ~~بالهمزة، والباقون بغير # PageV04P540 # همزة، أي: بواو ساكنة، وهما لغتان. يقال: أصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته ~~وأطبقته، وقيل: معنى المهموز المطبقة، وغير المهموز المغلقة. وإذا وقف حمزة ~~أبدل على أصله. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من قرأ سورة لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم ~~القيامة» حديث موضوع. ### | سورة الشمس # مكية # وهي خمس عشرة آية وأربع وخمسون كلمةومائتان وسبعة وأربعون حرفا # {بسم الله} الذي له الأسماء الحسنى {الرحمن} الذي يعلم السر وأخفى ~~{الرحيم} الذي خص خواصه بالفردوس الأعلى. # وقوله تعالى: {والشمس} ، أي: الجامعة بين النفع والضر، بالنور والحر ~~{وضحاها} قسم وقد تقدم الكلام على أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته ms4094 ~~وقيل: التقدير ورب الشمس إلى تمام القسم. واختلف في قوله تعالى: {وضحاها} ~~فقال مجاهد والكلبي: ضوءها وقال قتادة: هو النهار كله. وقال مقاتل: هو ~~حرها، وقال لقوله تعالى في طه: {ولا تضحى} (طه: 119) ، أي: لا يؤذيك الحر. ~~وقال البريدي: انبساطها. قال الرازي: إنما أقسم بالشمس لكثرة ما يتعلق بها ~~من المصالح، فإن أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبح في ~~المشرق صار ذلك الضوء كالروح الذي تنفخ فيه الحياة فصارت الأموات أحياء، ~~ولا تزال تلك الحياة في القوة والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحوة، وذلك ~~يشبه استقرار أهل الجنة. # {والقمر} ، أي: المكتسب من نورها كما أن أنوار النفوس من أنوار العقول ~~{إذا تلاها} ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤى الهلال. قال الليث: يقال تلوت ~~فلانا إذا اتبعته. وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر ~~تلاها القمر بالطلوع وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب. وقال الفراء: تلاها، ~~أي: أخذ منها يعني أن القمر يأخذ من ضوء الشمس. وقال الزجاج: تلاها، أي: ~~حين استوى ودار وكان مثلها في الضياء والنور وذلك في الليالي البيض. # {والنهار} ، أي: الذي هو محل الانتشار فيما جرت به الأقدار {إذا جلاها} ، ~~أي: الشمس بارتفاعه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء وقيل: ~~الضمير للظلمة أو للدنيا أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة ~~يريدون الغداة، وأرسلت يريدون السماء. # {والليل} ، أي: الذي هو ضد النهار فهو محل السكون والانقباض {إذا يغشاها} ~~، أي: يغطيها بظلمته فتغيب وتظلم الآفاق وقيل: الكتابة للأرض، أي: يغشى ~~الدنيا بالظلمة فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور، وجيء يغشاها ~~مضارعا دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضيا لكان ~~التركيب إذا غشيها فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع. # تنبيه: إذا في الثلاثة لمجرد الظرفية والعامل فيها فعل القسم. # {والسماء وما} ، أي: ومن {بناها} ، أي: خلقها على هذا السقف المحكم. أقسم ~~تعالى بنفسه وبأعظم مخلوقاته. # وقوله تعالى: {والأرض} ، أي: التي هي فراشكم ms4095 {وما} ، أي: ومن {طحاها} ، ~~أي: بسطها وسطحها على الماء كذلك. # وكذا قوله تعالى: {ونفس} ، أي: أي نفس جمع فيها سبحانه العالم بأسره ~~{وما} ، أي: ومن {سواها} ، أي: عدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها، ~~وما فيها من # PageV04P541 # الجواهر والأعراض والمعاني وغير ذلك. فإن قيل: لم نكرت النفس؟ أجيب: ~~بوجهين: # أحدهما: أنه يريد نفسا خاصة من بين النفوس، وهي نفس آدم عليه السلام، ~~كأنه قال تعالى: وواحدة من النفوس. # ثانيهما: أنه يريد كل نفس، ونكره للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله ~~تعالى: {علمت نفس} (التكوير: 14) # وإنما أوثرت ما على من فيما ذكر لإرادة الوصفية بما ضمنا وإن لم يوصف ~~بلفظها؛ إذ المراد أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثلوا بقوله ~~تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم} (النساء: 3) # وقدروها بأنكحوا الطيب، وهذا تنفرد به ما دون من. وهذه الأسماء كلها ~~مجرورة على القسم. # أقسم الله تعالى بأنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمل ~~المكلف فيها ويشكر عليها، لأن الذي يقسم الله تعالى به يحصل به روح في ~~القلب فتكون الدواعي إلى تأمله أقرب. # {فألهمها} ، أي: النفس {فجورها وتقواها} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~بين لها الخير والشر، وعنه: علمها الطاعة والمعصية. وعن أبي صالح: عرفها ما ~~تأتي وما تتقي. وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها. وقال ابن زيد: ~~جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور. واختار الزجاج ~~هذا وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان. # قال البغوي: وهذا بين أن الله تعالى خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر ~~الفجور وعن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل ~~الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلونه مما ~~أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت الحجة عليهم؟ قلت: بل شيء قضى ~~عليهم، ومضى عليهم، فقال: أفلا يكون ظلما؟ قال: ففزعت منه فزعا شديدا وقلت: ~~إنه ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} ~~(الأنبياء: ms4096 23) # فقال لي سددك الله إنما سألتك لأختبر عقلك. إن رجلا من جهينة أو مزينة ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ~~ويكادحون فيه أشيء قضى الله عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم ~~به نبيهم وأكدت به الحجة، فقال: في شيء قد مضى عليهم، قال فقلت: ففيم العمل ~~الآن؟ قال: من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها. # وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} ~~» . وعن جابر قال: «جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ~~ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم فيما جفت به الأقلام وجرت به ~~المقادير، أو فيما يستقبل؟ قال: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. ~~قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا وكل ميسر لما خلق له» . واختلف في جواب القسم ~~فأكثر المفسرين على أنه: # {قد أفلح} ، أي: ظفر بجميع المرادات، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول ~~الكلام. وقيل: إنه ليس بجواب وإنما جيء به تابعا لقوله تعالى: {فألهمها ~~فجورها وتقواها} على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، والجواب ~~محذوف تقديره: ليدمدمن الله عليهم، أي: أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود؛ لأنهم قد كذبوا صالحا أو لتبعثن وقيل: ~~هو على التقديم والتأخير من غير حذف. # والمعنى: {قد أفلح من زكاها} ، أي: طهرها من الذنوب ونماها وأصلحها، ~~وصفاها تصفية عظيمة مما يسره الله تعالى له من العلوم النافعة والأعمال ~~الصالحة {وقد خاب} ، أي: خسر {من دساها} ، أي: أغواها إغواء عظيما أو ~~أفسدها وأهلكها # PageV04P542 # بخبائث الاعتقادات، ومساوئ الأعمال وقبائح السيئات. {والشمس وضحاها} ~~وفاعل زكاها ودساها ضمير من، وقيل: ضمير الباري سبحانه، أي: قد أفلح من ~~زكاها بالطاعة، {وقد خاب من دساها} ، أي: خسرت نفس دساها الله تعالى ~~بالمعصية. وأنكر الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه، ولكن قال بعض ~~المفسرين: الحق أنه خلاف الظاهر لا كما قاله الزمخشري. وقال ابن ms4097 عباس رضي ~~الله عنهما: خابت نفس أضلها الله تعالى وأغواها، وأصل الزكاة النمو ~~والزيادة، ومنه زكى الزرع إذا كثر ريعه، ومنه تزكية القاضي الشاهد؛ لأنه ~~يرفعه بالتعديل. وأصل دساها دسسها من التدسيس، وهو إخفاء الشيء فأبدل من ~~السين الثانية ياء، والمعنى: أخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية، وعن زيد ~~بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك ~~من العجز والكسل والبخل والجبن والهم» . وفي رواية: «والهرم وعذاب القبر ~~اللهم آت نفسي تقواها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ ~~بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب ~~لها» . # {كذبت ثمود} وهم قوم صالح، كذبوا رسولهم صالحا عليه السلام وأنث فعلهم ~~لضعف أثر تكذيبهم؛ لأن كل سامع له يعرف ظلمهم فيه لوضوح آيتهم {بطغواها} ، ~~أي: أوقعت التكذيب لرسولها بكل ما أتى به عن الله تعالى، أي: طغيانها. ~~وقيل: إن الباء للاستعانة. قال الزمخشري: مثلها في كتبت بالقلم. والطغوى من ~~الطغيان فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء بأن قلبوا الياء ~~واوا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا: امرأة خزيا وصديا، يعني: ~~فعلت التكذيب بطغيانها كما تقول: ظلمني بجراءته على الله تعالى. وقيل: كذبت ~~بما أوعدت به من عذاب ذي الطغوى كقوله تعالى: {فأهلكوا بالطاغية} (الحاقة: ~~5) # {إذ} ، أي: تحقق تكذيبهم أو طغيانهم بالفعل حين {انبعث أشقاها} ، أي: قام ~~وأسرع وذلك أنهم لما كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحا عليه السلام انبعث أشقى ~~القوم وهو قدار بن سالف وكان رجلا أشقر أزرق قصيرا فعقر الناقة، وعن عبد ~~الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فذكر الناقة والذي ~~عقرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « {إذ انبعث أشقاها} انبعث لها ~~رجل عزيز عارم متبع في أهله مثل أبي زمعة» . وقوله: عارم، أي: شديد ممتنع. ~~قال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة. والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل ~~إذا أضفته بين الواحد والجمع ms4098 والمذكر والمؤنث. # تنبيه: إذ منصوب بكذبت أو بطغواها. { { # {فقال لهم} ، أي: بسبب الانبعاث أو التكذيب الذي دل على قصدهم لها بالأذى ~~{رسول الله} ، أي: صالح عليه السلام، وعبر بالرسول لأن وظيفته الإبلاغ ~~والتحذير الذي ذكر هنا، ولذلك قال تعالى مشيرا بحذف العامل إلى ضيق الحال ~~عن ذكره لعظم الهول وسرعة التعذيب عند مسها بالأذى. وزاد في التعظيم بإعادة ~~الجلالة {ناقة الله} ، أي: الملك الأعظم الذي له الأمر كله، وهي منصوبة على ~~التحذير كقولك: الأسد الأسد، والصبي الصبي بإضمار اتقوا أو احذروا ناقة ~~الله. {وسقياها} ، أي: وشربها في يومها، وكان لها يوم ولهم يوم؛ لأنهم لما ~~اقترحوا الناقة فأخرجها لهم من الصخرة جعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب ~~يوم فشق عليهم. وإضافة الناقة إلى الله تعالى إضافة تشريف كبيت الله. # {فكذبوه} ، أي: صالحا عليه السلام بطغيانهم # PageV04P543 # في وعيدهم بالعذاب {فعقروها} ، أي: عقرها الأشقى بسبب ذلك التكذيب، وأضيف ~~إلى الكل؛ لأنهم رضوا بفعله، وإن كان العاقر جماعة فواضح. وقال قتادة: ~~بلغنا إنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم. وقال ~~الفراء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس وهذان خير الناس، وهذه ~~المرأة أشقى القوم ولهذا لم يقل أشقياها. # {فدمدم} أي فأطبق {عليهم ربهم} ، أي: الذي أحسن إليهم فغمرهم إحسانه ~~فقطعه عنهم بسبب تكذيبهم فأهلكهم وأطبق عليهم العذاب، يقال: دمدمت عليه ~~القبر أطبقته عليه {بذنبهم} ، أي: بسبب كفرهم وتكذيبهم وعقرهم الناقة. وروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: {دمدم عليهم ربهم بذنبهم} ، أي: بجرمهم. وقال ~~القشيري: وقيل: دمدمت على الميت التراب، أي: سويته عليه. فالمعنى على هذا: ~~فجعلهم تحت التراب، {فسواها} ، أي: فسوى عليهم الأرض فجعلهم تحت التراب ~~وعلى الأول فسوى الدمدمة عليهم، أي: عمهم بها فلم يفلت منهم أحدا. # وقرأ {ولا يخاف} نافع وابن عامر بالفاء، والباقون بالواو فالفاء تقتضي ~~التعقيب، والواو يجوز أن تكون للحال، وأن تكون للاستئناف الإخباري. وضمير ~~الفاعل في يخاف الأظهر عوده على الله تعالى؛ لأنه أقرب مذكور، وهو قول ابن ~~عباس، ويؤيده قراءة ms4099 الفاء المسببة عن الدمدمة والتسوية والهاء في قوله ~~تعالى: {عقباها} ترجع إلى الفعلة، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحق. وكل من ~~فعل فعلا يحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله. # وقيل: المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك. وقيل: ~~المعنى أنه تعالى بالغ في الإنذار إليهم مبالغة كمن لا يخاف عاقبة عذابهم. ~~وقيل: يرجع ذلك إلى رسولهم صالح عليه السلام، أي: لا يخاف عقبى هذه العقوبة ~~لإنذاره إياهم ونجاه الله وأهلكهم. وقال السدي: يرجع الضمير إلى أشقاها، ~~أي: انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء. # وقرأ الكسائي جميع رؤوس آي هذه السورة بالإمالة محضة، وقرأها أبو عمرو ~~بين بين، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، وأمال حمزة مثل الكسائي إلا تلاها ~~وضحاها ففتحهما، والباقون بالفتح واتفقوا على فتح فعقروها. وقول البيضاوي ~~تبعا للزمخشري: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة والشمس فكأنما ~~تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» حديث موضوع. ### | سورة والليل # مكية # وهي إحدى وعشرون آية وإحدى وسبعون كلمة وثلاثمائة وعشرة أحرف # {بسم الله} الملك الحق المبين {الرحمن} الذي عم رزقه العالمين {الرحيم} ~~الذي خص بجنته المؤمنين. # وقوله تعالى: {والليل} ، أي: الذي هو آلة الظلام {إذا يغشى} قسم. وقد مر ~~الكلام على ذلك، ولم يذكر تعالى مفعولا للعلم به، فقيل: يغشى بظلمته كل ما ~~بين السماء والأرض، وقيل: يغشى النهار، وقيل: الأرض، وقيل: الخلائق. قال ~~قتادة: أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ~~ليلا أسود مظلما، والنور نهارا مضيئا مبصرا. # وقوله تعالى: {والنهار} ، أي: الذي هو سبب انكشاف الأمور {إذا تجلى} ، ~~أي: تكشف وظهر قسم آخر. قال الرازي: أقسم بالليل الذي يأوي # PageV04P544 # فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق عن الاضطراب، ويغشاهم النوم الذي ~~جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى؛ ~~لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، وجاء الوقت ~~الذي تتحرك فيه الناس لمعايشهم وتتحرك ms4100 الطير من أوكارها والهوام من مكانها، ~~فلو كان الدهر كله ليلا لتعذر المعاش، ولو كان كله نهارا لبطلت الراحة، لكن ~~المصلحة في تعاقبهما كما قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} ~~(الفرقان: 62) # وقال تعالى: {وسخر لكم الليل والنهار} (إبراهيم: 33) # .u # {وما} بمعنى من أي، ومن {خلق الذكر والأنثى} ، أي: فيكون قد أقسم بنفسه، ~~أو مصدرية، أي: وخلق الله الذكر والأنثى وجاز إضمار اسم الله تعالى لأنه ~~معلوم لانفراده بالخلق؛ إذ لا خالق سواه والذكر والأنثى آدم وحواء عليهما ~~السلام، أو كل ذكر وأنثى من سائر الحيوانات. والخنثى وإن أشكل أمره عندنا ~~فهو عند الله تعالى غير مشكل معلوم بالذكورة أو الأنوثة، فلو حلف بالطلاق ~~أنه لم يلق ذكرا ولا أنثى وقد لقي خنثى مشكلا كان حانثا، لأنه في الحقيقة ~~ذكر أو أنثى وإن كان مشكلا عندنا. وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط ~~لاختصاصهم بولاية الله تعالى وطاعته. # وقوله تعالى: {إن سعيكم} ، أي: عملكم {لشتى} جواب القسم، والمعنى: أن ~~أعمالكم لتختلف، فعامل للجنة بالطاعة وعامل للنار بالمعصية، ويجوز أن يكون ~~محذوفا كما قيل في نظائره المتقدمة، وشتى: واحده شتيت مثل: مريض ومرضى، ~~وإنما قيل: للمختلف شتى: لتباعد ما بين بعضه وبعضه، أي: إن عملكم المتباعد ~~بعضه من بعض لشتى؛ لأن بعضه ضلال وبعضه هدى، أي: فيكم مؤمن وبر وكافر ~~وفاجر، ومطيع وعاص. وقيل: لشتى، أي: لمختلف الجزاء، فمنكم مثاب بالجنة ~~ومعاقب بالنار. وقيل: لمختلف الأخلاق فمنكم راحم وقاس وحليم وطائش وجواد ~~وبخيل قال بعض المفسرين: نزلت هذه الآية في أبي بكر وأبي سفيان بن حرب. ~~وروى أبو مالك الأشعري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل الناس ~~يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» ، أي: مهلكها. # وقوله تعالى: {فأما من أعطى} ، أي: وقع منه إعطاء على ما حددناه له ~~وأمرناه به {واتقى} ، أي: ووقعت منه التقوى، وهي إيجاد الوقايات من الطاعات ~~واجتناب المعاصي خوفا من سطواتنا. # {وصدق بالحسنى} تفصيل مبين لتشتيت المساعي. واختلف في الحسنى فقال ابن ~~عباس:، ms4101 أي: بلا إله إلا الله. وقال مجاهد: بالجنة لقوله تعالى: {للذين ~~أحسنوا الحسنى} (يونس: 26) # . وقال زيد بن أسلم: الصلاة والزكاة والصوم. { { # {فسنيسره} ، أي: نهيئه بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه {لليسرى} ، أي: ~~لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل فعلها. وقال زيد بن أسلم: لليسرى، أي: ~~للجنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من نفس منفوسة إلا كتب الله ~~تعالى مدخلها، فقال القوم: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة ~~فإنه ميسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه ميسر لعمل ~~أهل الشقاوة. ثم قرأ {فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} » . # {وأما من بخل} ، أي: أوجد هذه الحقيقة الخبيثة فمنع ما أمر به وندب إليه. ~~{واستغنى} ، أي: طلب الغنى عن الناس وعما وعد به من الثواب، أو وجده بما ~~زعمت له نفسه الخائنة # PageV04P545 # وظنونه الكاذبة فلم يحسن إلى الناس ولا عمل للعقبى. # {وكذب} ، أي: أوقع التكذيب لمن يستحق التصديق {بالحسنى} ، أي: فأنكرها ~~وكان عامدا مع المحسوسات كالبهائم. # {فسنيسره} ، أي: نهيئه {للعسرى} ، أي: للخلة المؤدية إلى العسرة والشدة ~~كدخول النار. وعن ابن عباس قال: نزلت في أمية بن خلف، وعنه فسنيسره للعسرى، ~~أي: سأحول بينه وبين الإيمان بالله ورسوله وعنه أيضا. # {وأما من بخل} ، أي: بماله واستغنى عن ربه {وكذب بالحسنى} ، أي: بالخلف ~~الذي وعده الله تعالى في قوله سبحانه: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} (سبأ: ~~39) # وقال مجاهد: {وكذب بالحسنى} ، أي: بالجنة، وعنه بلا إله إلا الله ويجوز ~~في مافي قوله تعالى: # {وما يغني عنه ماله} أن تكون نافية، أي: لا يغني عنه ماله شيئا وأن تكون ~~استفهاما انكاريا، أي: شيء يغني عنه ماله {إذا تردى} قال أبو صالح: أي إذا ~~سقط في جهنم. وقيل: هو كناية عن الموت كما قال القائل: { { # *نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداآن تطوى فيهما وحنوط* # ولما عرفهم سبحانه أن ms4102 سعيهم شتى وبين للمحسنين من اليسرى وما للمسيئين من ~~العسرى أخبرهم بأن عليه بيان الهدى من الضلال بقوله تعالى: # {إن علينا} ، أي: بما لنا من القدرة والعظمة {للهدى} ، أي: للإرشاد إلى ~~الحق بموجب قضائنا، أو بمقتضى حكمتنا فنبين طريق الهدى من طريق الضلال ~~ليمتثل أمرنا بسلوك الأول، ونهينا عن ارتكاب الثاني. وقال الفراء: معناه إن ~~علينا للهدى والإضلال فحذف المعطوف، كقوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} ~~(النحل: 81) # وهو معنى قول ابن عباس: يريد أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين ~~أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال. وقيل: معناه من سلك سبيل الهدى ~~فعلى الله تعالى سبيله كقوله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل} (النحل: 9) # {وإن لنا للآخرة والأولى} ، أي: لنا ما في الدنيا والآخرة فنعطي في ~~الدارين ما نشاء لمن نشاء فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق. وعن ابن ~~عباس قال: ثواب الدنيا والآخرة. وهو كقوله تعالى: {من كان يريد ثواب الدنيا ~~فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} (النساء: 134) # {فأنذرتكم} ، أي: حذرتكم وخوفتكم يا أيها المخالفون للطريق الذي بينته ~~{نارا تلظى} بحذف إحدى التاءين من الأصل، أي: تتلهب وتتوقد وتتوهج، يقال: ~~تلظت النار تلظيا، ومنه سميت جهنم لظى. وقرأ البزي في الوصل بتشديد التاء ~~وهو عسر لالتقاء الساكنين على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: {إذ تلقونه} ~~(النور: 15) # والباقون بغير تشديد. { { # {لا يصلاها} ، أي: لا يقاسى شدتها على طريق اللزوم والانغماس {إلا ~~الأشقى} ، أي: الذي هو في الذروة من الشقاوة وهو الكافر فإن الفاسق وإن ~~دخلها لم يلزمها ولذلك سماه أشقى ووصفه بقوله تعالى: # {الذي كذب} النبي صلى الله عليه وسلم {وتولى} ، أي: عن الإيمان، أو كذب ~~الحق وأعرض عن الطاعة أو الأشقى بمعنى الشقي كقوله: لست فيها بأوحد، أي: ~~واحد. والحصر مؤول لقوله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء: 48) # فيكون المراد الصلي المؤبد. # {وسيجنبها} ، أي: النار الموصوفة بوعد لا خلف فيه {الأتقى} ، أي: الذي ~~اتقى الشرك والمعاصي فإنه لا يدخلها فضلا أن يدخلها ويصلاها، ومفهوم ذلك ~~على التفسير الأول ms4103 أن من أتقى الشرك دون المعصية لا يتجنبها ولا يلزم ذلك ~~صليها ولا يخالف الحصر السابق، أو الأتقى # PageV04P546 # بمعنى التقى على وزان ما مر. # {الذي يؤتي ماله} ، أي: يصرفه في وجوه الخير لقوله تعالى: {يتزكى} فإنه ~~بدل من يؤتى أو حال من فاعله فعلى الأول: لا محل له لأنه داخل في حكم ~~الصلة، والصلة لا محل لها. وعلى الثاني: محله نصب. قال البغوي: يعني أبا ~~بكر الصديق رضي الله عنه في قول الجميع. قال ابن الزبير: كان يبتاع الضعفة ~~فيعتقهم، فقال له أبوه: أي بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري ~~أريد، فأنزل الله تعالى {وسيجنبها الأتقى} إلى آخر السورة. وذكر محمد بن ~~إسحاق قال: كان بلال لبعض بني جمح وهو بلال ابن رباح واسم أمه حمامة، وكان ~~صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الشمس فيطرحه ~~على ظهره ببطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا ~~تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، فيقول: وهو في ذلك أحد أحد. قال محمد بن ~~إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مر به أبو بكر يوما وهم يصنعون به ذلك، ~~وكانت دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية ألا تتقي الله تعالى في هذا ~~المسكين، قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، قال أبو بكر: أفعل عندي غلام ~~أسود أجلد منه، وهو على دينك أعطيكه، قال: قد فعلت فأعطاه أبو بكر غلامه ~~وأخذه فأعتقه. وكان قد أعتق ست رقاب على الإسلام قبل أن يهاجر وبلال ~~سابعهم، وهم عامر بن هبيرة قوله ابن هبيرة: هكذا في النسخ والذي في حاشية ~~الجمل ابن فهيرة بالفاء والهاء اه شهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة ~~شهيدا، وأعتق أم عميس فأصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش: ما أذهب بصرها ~~إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى ولا تنفعان، ~~فرد الله تعالى بصرها وأعتق النهدية وابنتها وكانتا لامرأة لبني عبد ms4104 الدار، ~~فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يحتطبان لها وهي تقول لهما: والله لا أعتقكما ~~أبدا، فقال أبو بكر: كلا يا أم فلان، فقالت: كلا أنت أفسدتهما فأعتقهما، ~~قال: فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، قال: # قد أخذتهما وهما حرتان. ومر بجارية من بني المرسل وهي تعذب فابتاعها ~~فأعتقها. # وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال له أبو بكر في بلال: ~~أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بقسطاس عبد لأبي بكر صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان ~~وجوار ومواش وكان مشركا، حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله له ~~فأبى، فأبغضه أبو بكر فلما قال له أمية: أبيعه بغلامك قسطاس اغتنمه أبو بكر ~~وباعه به. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: عذب المشركون بلالا وبلال يقول أحد ~~أحد، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أحد يعني الله تعالى ينجيك، ثم ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: يا أبا بكر إن بلالا يعذب في الله ~~فعرف أبو بكر الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف إلى منزله ~~فأخذ رطلا من ذهب ومضى به إلى أمية بن خلف، فقال له: أتبيعني بلالا قال: ~~نعم فاشتراه فأعتقه، فقال: المشركون ما فعل ذلك أبو بكر ببلال إلا ليد كانت ~~لبلال عنده» فأنزل الله تعالى: # {وما لأحد عنده} ، أي: أبي بكر {من نعمة تجزى} » ، أي: يد يكافئه عليها. # وقوله تعالى: {إلا ابتغاء} استثناء منقطع، أي: لم يفعل ذلك مجازاة لأحد ~~بيد كانت له عنده لكن فعله ابتغاء {وجه ربه} ، أي: المحسن إليه {الأعلى} ~~وطلب رضاه. ويجوز أن يكون متصلا عن محذوف مثل {لا يؤتى إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى} لا لمكافأة نعمة {ولسوف يرضى} ، أي: بما يعطى من الثواب في الجنة. ~~وروي عن علي قال: قال رسول الله # PageV04P547 # صلى الله عليه وسلم «رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة ~~وأعتق بلالا» والآية تشمل من فعل مثل فعله فيبعد عن النار ويثاب. وقرأ حمزة ~~والكسائي يغشى، تجلى، والأنثى، لشتى، ms4105 من أعطى، وأتقى، وصدق بالحسنى واستغنى ~~بالحسنى، تردى، للهدى، والأولى، تلظى، الأشقى، وتولى، الأتقى، يتزكى، تجزى، ~~الأعلى، يرضى بالإمالة محضة في جميع ذلك، وأمال ورش جميع ذلك بين بين ~~والفتح عنه قليل، وله في من أعطى الفتح وبين اللفظين سواء، وأمال أبو عمرو ~~بين بين إلا من أعطى لأنه ليس برأس آية، والباقون بالفتح، وقرأ أبو بكر ~~وحمزة والكسائي لليسرى للعسرى بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين والباقون ~~بالفتح، وأمال حمزة والكسائي يصلاها محضة ولورش الفتح وبين اللفظين وإذا ~~فتح اللام وإذا أمال رققها، وأما الأشقى والأتقى فلا يمالان إلا في الوقف ~~دون الوصل. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من قرأ سورة والليل أعطاه الله تعالى حتى يرضى وعافاه من العسر ويسر له ~~اليسر» حديث موضوع. ### | سورة الضحى # مكية # وهي إحدى عشرة آية وأربعون كلمة ومائة وسبعون حرفا # ولما نزلت كبر النبي صلى الله عليه وسلم فسن التكبير آخرها وروى الأمر به ~~خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها وهو الله أكبر أو لا إله إلا الله والله ~~أكبر. # {بسم الله} الملك ذي الجلال والإكرام {الرحمن} الذي عم بنعمته الخاص ~~والعام {الرحيم} الذي خص أهل وده بإتمام الإنعام. # وقوله تعالى: {والضحى} قسم، وقد مر الكلام على ذلك وخصه بالقسم لأنها ~~الساعة التي كلم فيها موسى عليه السلام وألقى السحرة فيها سجدا، وهو صدر ~~النهار كله بدليل أنه قابله بالليل في قوله تعالى: # {والليل} ، أي: الذي به تمام الصلاح {إذا سجى} ، أي: سكن وركد ظلامه يقال ~~ليلة ساجية ساكنة الريح وقيل: معناه سكون الناس والأصوات فيه، وسجى البحر: ~~سكنت أمواجه، وطرف ساج فاتر. # وقال قتادة: أقسم بالضحى الذي كلم الله تعالى فيه موسى وبليلة المعراج ~~التي عرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى ~~قدم هنا الضحى وفي السورة التي قبلها الليل؟ أجيب: بأن لكل منهما أثرا ~~عظيما في صلاح العالم. # ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} (الأنعام: 1) # وللنهار فضيلة ms4106 النور فقدم سبحانه هذا تارة وهذا أخرى، كالركوع والسجود في ~~قوله تعالى: {اركعوا واسجدوا} (الحج: 77) # وقوله تعالى: {واسجدي واركعي مع الراكعين} (آل عمران: 43) # أو أنه قدم الليل في سورة أبي بكر لأن أبا بكر سبقه كفر، وقدم الضحى في ~~سورة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه نور محض ولم يتقدمه ذنب، أو أن سورة ~~الليل سورة أبي بكر وسورة الضحى سورة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يجعل ~~بينهما واسطة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر رضي الله تعالى ~~عنه. { { # فإن قيل: ما الحكمة في كونه تعالى ذكر الضحى، وهو ساعة وذكر الليل ~~بجملته؟ أجيب: بأن في ذلك # PageV04P548 # إشارة إلى أن ساعة من نهار توازن جميع الليل كما أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يوازن جميع الأنبياء عليهم السلام، وأيضا الضحى وقت السرور والليل وقت ~~الوحشة ففيه إشارة إلى أن سرور الدنيا أقل من شرورها، وأن هموم الدنيا أدوم ~~من سرورها، فإن الضحى ساعة والليل ساعات. # ويروى أن الله تعالى لما خلق العرش أظلت عمامة سوداء ونادت ماذا أمطر؟ ~~فأجيبت: أن امطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم والأحزان دائمة والسرور ~~قليلا ونادرا، وقدم ذكر الضحى وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت. # وقوله تعالى: {ما ودعك} ، أي: تركك يا أشرف الرسل تركا تحصل به فرقة ~~كفرقة المودع، ولو على أحسن الوجوه الذي هو مراد المودع {ربك} ، أي: المحسن ~~إليك جواب القسم {وما قلى} ، أي: وما أبغضك بغضا ما، وتركت الكاف لأنه رأس ~~آية كقوله تعالى: {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} (الأحزاب: 35) # أي الله. # تنبيه: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال أحدها ما روى ~~البخاري عن جندب بن سفيان قال: «اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتين ~~أو ثلاثا فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب، فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون ~~شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث» فنزلت. # ثانيها: ما روى أبو عمرو قال: «أبطأ جبريل عليه السلام على النبي صلى ~~الله ms4107 عليه وسلم حتى شق عليه فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو وأنزل ~~عليه الآية» . # ثالثها: ما روي «أن خولة كانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ~~جروا دخل البيت فدخل تحت السرير فمات فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أياما ~~لا ينزل عليه الوحي، فقال صلى الله عليه وسلم يا خولة ما حدث في بيتي إن ~~جبريل عليه السلام لا يأتيني قالت خولة: فكنست فأهويت بالمكنسة تحت السرير ~~فإذا جرو ميت فأخذته فألقيته خلف الجدار فجاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~ترعد لحياه وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة، فقال: يا خولة، ~~دثريني فأنزل الله تعالى هذه السورة. # ولما نزل جبريل عليه السلام سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن التأخير ~~فقال: أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة» . # رابعها: ما روي «أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح وذي ~~القرنين وأصحاب الكهف؟ فقال صلى الله عليه وسلم سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء ~~الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: {ولا ~~تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} (الكهف: 23) # فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت {ما ودعك ربك} » واختلفوا في مدة ~~احتباس الوحي عنه. فقال ابن جرير: اثنا عشر يوما. وقال ابن عباس: خمسة عشر ~~يوما. وقال مقاتل: أربعون يوما. قالوا: وقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه ~~وقلاه فأنزل الله تعالى هذه السورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم «يا ~~جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك؟ فقال جبريل عليه السلام: إني كنت إليك أشد ~~شوقا ولكني عبد مأمور وأنزل الله تعالى: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} » (مريم: ~~64) # {وللآخرة} التي هي المقصود من الوجود بالذات لأنها باقية خاصة عن شوائب ~~الكدر {خير لك} ، أي: لما فيها من الكرامات لك {من الأولى} ، أي: الدنيا ~~الفانية التي لا سرور فيها خالص وقيد تعالى بقوله سبحانه: {لك} لأنها ليست ~~خيرا لكل أحد. ms4108 # قال البقاعي: إن الناس على أربعة أقسام: منهم من له # PageV04P549 # الخير في الدارين وهم أهل الطاعة الأغنياء، ومنهم: من له الشر فيهما وهم ~~الكفرة الفقراء، ومنهم من له صورة خير في الدنيا وشر في الآخرة وهم الكفرة ~~الأغنياء، ومنهم من له صورة شر في الدنيا وخير في الآخرة وهم المؤمنون ~~الفقراء. وروى البغوي بسنده عن ابن مسعود قال: «قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنا أهل البيت أختار الله لنا الآخرة على الدنيا» . # {ولسوف يعطيك} ، أي: بوعد لا خلف فيه وإن تأخر وقته بما أفهمته الأداة ~~{ربك} ، أي: المحسن إليك بسائر النعم في الآخرة من الخيرات عطاء جزيلا ~~{فترضى} ، أي: به فقال صلى الله عليه وسلم «إذا لا أرضى وواحد من أمتي في ~~النار» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع ~~يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد ~~فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» . وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي ~~شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة من مات لا يشرك بالله شيئا» وعن عوف بن ~~مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني آت من عند ربي يخبرني ~~بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة، فهي نائلة من مات ~~لا يشرك بالله شيئا» . وعن شريح قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم ~~معشر أهل العراق تقولون أرجى آية في القرآن {قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر: 53) # وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وفي ~~هذا موعد لما أعطاه الله تعالى في الدنيا من الفتح والظفر بأعدائه يوم بدر ~~ويوم فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجا، والغلبة على قريظة والنضير ~~وإجلائهم وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب وما فتح ms4109 على خلفائه الراشدين في ~~أقطار الأرض من المدائن، وهدم بأيديهم من ممالك الجبابرة، وأنهبتهم من كنوز ~~الأكاسرة وما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام وفشو ~~الدعوة واستيلاء المسلمين. # ولما أعطاه في الآخرة من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. قال ~~ابن عباس: له الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك. فإن قيل: ما هذه ~~اللام الداخلة على سوف؟ أجيب: بأنها لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، ~~والمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك، وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام ~~قسم ابتداء، ولام الابتداء، لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر فلا ~~بد من تقدير مبتدأ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك. # فإن قيل: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ أجيب: بأن معناه: أن ~~العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة على أنه تعالى ~~أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بالحال التي كان عليها. # فقال جل ذكره: {ألم يجدك} وهو استفهام تقرير، أي: وجدك {يتيما} وذلك أن ~~أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر، وقيل: مات قبل ولادته وماتت أمه ~~وهو ابن ثمان سنين. {فآوى} ، أي: بأن ضمك إلى عمك أبي طالب فأحسن تربيتك. ~~وعن مجاهد: هو من قول العرب درة يتيمة إذا لم يكن لها نظير، فالمعنى: ألم ~~يجدك # PageV04P550 # يتيما واحدا في شرفك فآواك الله تعالى بأصحاب يحفظونك ويحوطونك. وهذا ~~خلاف الظاهر من الآية، ولهذا قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أنه من قولهم: ~~درة يتيمة، وأن المعنى: ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير فآواك. فإن ~~قيل: كيف أن الله تعالى يمن بنعمه والمن بها لا يليق، ولهذا ذم فرعون في ~~قوله لموسى عليه السلام: {ألم نربك فينا وليدا} (الشعراء: 18) # أجيب: بأن ذلك يحسن إذا قصد به تقوية قلبه ووعده بدوام النعمة، فامتنان ~~الله تعالى زيادة نعمة بخلاف امتنان الآدمي. # واختلفوا في قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى} فأكثر المفسرين على أنه كان ~~ضالا عما ms4110 هو عليه الآن من الشريعة فهداه الله تعالى إليها، وقيل: الضلال ~~بمعنى الغفلة كقوله تعالى: {لا يضل ربي ولا ينسى} (طه: 52) ، أي: لا يغفل. ~~وقال تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم {وإن كنت من قبله لمن الغافلين} ~~(يوسف: 3) # . وقال الضحاك: المعنى: لم تكن تدري القرآن وشرائع الإسلام فهداك إلى ~~القرآن وشرائع الإسلام. # وقال السدي: وجدك ضالا، أي: في قوم ضلال فهداهم الله تعالى بك، أو فهداك ~~على إرشادهم. وقيل: وجدك ضالا عن الهجرة فهداك إليها. وقيل: ناسيا شأن ~~الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فذكرك كقوله تعالى: ~~{أن تضل إحداهما} (البقرة: 282) # . وقيل: وجدك طالبا للقبلة فهداك إليها. كقوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك ~~في السماء} (البقرة: 144) # الآية، ويكون الضلال بمعنى الطلب لأن الضال طالب وقيل: وجدك ضائعا في ~~قومك فهداك إليهم، ويكون الضلال. بمعنى المحبة كما قال تعالى: {تالله إنك ~~لفي ضلالك القديم} (يوسف: 95) ، أي: محبتك. قال الشاعر: # *هذا الضلال أشاب مني المفرقا ... والعارضين ولم أكن متحققا* # *عجبا لعزة في اختيار قطيعتي ... بعد الضلال فحبلها قد أخلقا* # وروى الضحاك عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ضل في شعاب مكة ~~وهو صبي صغير فرآه أبو جهل منصرفا من أغنامه فرده إلى عبد المطلب. وقال ~~سعيد بن المسيب: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في ~~قافلة ميسرة عبد خديجة، فبينما هو راكب ذات ليلة مظلمة ناقة فجاء إبليس ~~فأخذ بزمام الناقة فعدل بها عن الطريق فجاء جبريل عليه السلام فنفخ إبليس ~~نفخة وقع منها إلى أرض الحبشة ورده إلى القافلة، فمن الله تعالى عليه بذلك ~~وقيل: وجدك ضالا نفسك لا تدري من أنت فعرفك نفسك وحالك. وقال كعب: إن حليمة ~~لما قضت حق الرضاع جاءت برسول الله صلى الله عليه وسلم لترده على عبد ~~المطلب فسمعت عند باب مكة هنيأ لك يا بطحاء مكة اليوم يرد إليك النور ~~والبهاء والجمال قالت: فوضعته لأصلح شأني فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم ms4111 أره، ~~فقلت: معشر الناس أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئا فصحت وامحمداه فإذا شيخ ~~فان يتوكأ على عصا، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم فإن شاء أن يرده إليك فعل ~~ثم طاف الشيخ بالصنم وقبل رأسه، وقال: يا رب لم تزل منتك على قريش وهذه ~~السعدية تزعم أن ابنها قد ضل فرده إن شئت فانكب على وجهه وتساقطت الأصنام، ~~وقالت إليك عنا أيها الشيخ فهلاكنا على يد محمد فألقى الشيخ عصاه وارتعد، ~~وقال: إن لابنك ربا لا يضيعه فاطلبيه # PageV04P551 # على مهل فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع مكة فلم يجدوه فطاف ~~عبد المطلب بالكعبة سبعا وتضرع إلى الله تعالى أن يرده، وقال: # *يا رب رد ولدي محمدا ... اردده ربي واصطنع عندي يدا* # فسمعوا مناديا ينادي من السماء معاشر الناس لا تضجوا فإن لمحمد ربا لا ~~يخذله ولا يضيعه وإن محمدا بوادي ثمامة عند شجرة السمر فسار عبد المطلب هو ~~وورقة بن نوفل فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يلعب بالأغصان ~~وبالورق. وفي رواية ما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ~~ناقة ومحمد صلى الله عليه وسلم بين يديه، وهو يقول: ألا تدري ماذا جرى من ~~ابنك فقال عبد المطلب: ولم؟ فقال: إني أنخت الناقة وأركبته خلفي فأبت ~~الناقة أن تقوم فلما أركبته أمامي قامت الناقة. قال ابن عباس: رده الله ~~تعالى إلى جده بيد عدوه كما فعل موسى عليه السلام حين حفظه عند فرعون. ~~وقيل: وجدك ضالا ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل وأنت لا تعرف الطريق ~~فهداك إلى ساق العرش. وقال بعض المتكلمين إذا وجدت العرب شجرة منفردة من ~~الأرض لا شجرة معها سموها ضالة فيهدى بها إلى الطريق، فقال الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم {وجدك ضالا} ، أي: لا أحد على دينك بل أنت وحيد ~~ليس معك أحد فهديت بك الخلق إلي. # وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره فقوله تعالى: {ووجدك ~~ضالا فهدى} ، أي: وجد قومك ms4112 ضلالا فهداهم بك، وقيل: غير ذلك. قال الزمخشري: ~~ومن قال: كان على أمر قومه أربعين سنة فإن أراد أنه كان على خلوهم من ~~العلوم السمعية فنعم، وإن أراد أنه كان على كفرهم ودينهم فمعاذ الله ~~والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوة وبعدها ~~من الكبائر والصغائر الشائنة، فما بال الكفر والجهل بالصانع ما كان لنا أن ~~نشرك بالله من شيء، وكفى بالنبي نقيصة عند الكفار أن يسبق له كفر. # {ووجدك عائلا} ، أي: فقيرا {فأغنى} قال مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق ~~واختاره الفراء، وقال: لم يكن غني عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما ~~أعطاه، وذلك حقيقة الغني. قال صلى الله عليه وسلم «ليس الغنى عن كثرة العرض ~~ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلى الله عليه وسلم «قد أفلح من أسلم ورزق ~~كفافا وقنعه الله بما آتاه» . # وقيل: أغناك بمال خديجة وتربية أبي طالب، ولما اختل ذلك أغناه بمال أبي ~~بكر ولما اختل ذلك أمره بالجهاد وأغناه بالغنائم. روى الزمخشري: أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «جعل رزقي تحت ظل رمحي» . وقال الرزاي: العائل ذو ~~العيلة ثم أطلق على الفقير، ويجوز أن يراد ووجدك ذا عيال لا تقدر على ~~التوسعة عليهم فأغناك بما جعل لك من ربح التجارة، ثم من كسب الغنائم. # وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت: يا رب إنك آتيت ~~سليمان بن داود ملكا عظيما، وآتيت فلانا كذا قال: يا محمد ألم أجدك يتيما ~~فآويتك، قلت: بلى يا رب. قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ~~ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب» . وفي رواية «ألم أشرح لك صدرك ~~ووضعت عنك وزرك؟ قلت بلى يا رب» . # ثم أوصاه باليتامى والمساكين # PageV04P552 # والفقراء فقال تعالى: {فأما اليتيم} ، أي: هذا النوع {فلا تقهر} قال ~~مجاهد: لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما. وقال الفراء: لا تقهره ms4113 على ماله ~~فتذهب بحقه لضعفه كما كانت العرب تفعل في أموال اليتامى، تأخذ أموالهم ~~وتظلمهم حقوقهم. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «خير بيت في المسلمين ~~بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين فيه يتيم يساء إليه، ثم قال ~~بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وهو يشير بإصبعيه» . اليتيم منصوب ~~بتقهر، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل، ~~ألا ترى أن اليتيم منصوب بالمجزوم وقد تقدم على الجازم، ولو تقدم على لا، ~~لامتنع؛ لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه كالمجرور لا يتقدم على جاره وفي ~~الآية دلالة على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، وقال صلى الله عليه ~~وسلم «من ضم يتيما وكان في نفقته وكفاه مؤنته كان له حجابا من النار يوم ~~القيامة» . وقال: «من مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة» . وقال قتادة: ~~كن لليتيم كالأب الرحيم. # فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~اليتم؟ أجيب: بوجوه: # أحدها: أن يعرف حرارة اليتيم فيرفق باليتيم. # ثانيها: يشاركه في الاسم فيكرمه لأجل ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا ~~سميتم الولد محمدا فأكرموه ووسعوا له في المجلس» . # ثالثها: ليستند من أول عمره على الله تعالى فيشبه إبراهيم عليه السلام في ~~قوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي. # رابعها: أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا عيبا لم يجدوا فيه مطعنا. # خامسها: جعله يتيما ليعلم كل أحد أن فضيلته ابتداء من الله تعالى لا من ~~تعليم، لأن من له أب فإنه يؤدبه ويعلمه. # سادسها: اليتم والفقر نقص في العادة فكونه صلى الله عليه وسلم مع هذين ~~الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلبا للعادة فيكون معجزة. # {وأما السائل} ، أي: الذي أحوجته العيلة أو غيرها إلى السؤال {فلا تنهر} ~~، أي: فلا تزجر، يقال نهره وأنهره إذا زجره وأغلظ عليه القول ولكن رده ردا ~~جميلا قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة. ~~وقال ms4114 إبراهيم النخعي: السائل بريدنا إلى الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: ~~هل تبعثون إلى أهليكم بشيء. وقيل: المراد بالسائل هنا الذي يسأل عن الدين. ~~وروى الزمخشري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رددت السائل ثلاثا ~~فلم يرجع فلا عليك أن تزبره» . # وقيل: أما أنه ليس السائل المستجدي ولكن طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره. # {وأما بنعمة ربك} ، أي: المحسن إليك بالنبوة وغيرها {فحدث} بها فإن ~~التحدث بها شكرها، وإنما يجوز لغيره صلى الله عليه وسلم مثل هذا إذا قصد به ~~اللطف وأن يقتدي به غيره وأمن على نفسه الفتنة والستر أفضل ولو لم يكن في ~~الذكر إلا التشبه بأهل الرياء والسمعة لكفي. # والمعنى: إنك كنت يتيما وضالا وعائلا فآواك الله وهداك وأغناك، فمهما يكن ~~من شيء فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث، واقتد بالله فتعطف على ~~اليتيم وآوه فقد ذقت اليتم وهوانه ورأيت كيف فعل الله تعالى بك، وترحم على ~~السائل وتفقده بمعروفك ولا تزجره عن بابك كما رحمك ربك فأغناك بعد الفقر، ~~وحدث بنعمة الله كلها. ويدخل تحت هدايته الضلال وتعليمه الشرائع، والقرآن ~~مقتد بالله تعالى في أن هداه من الضلالة. # وقال مجاهد: تلك النعمة هي القرآن، والتحديث به أن يقرأ ويقرئ غيره. وعنه ~~أيضا: تلك النعمة هي النبوة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك. وقيل: تلك # PageV04P553 # النعمة هي أن وفقك الله سبحانه وتعالى فراعيت حق اليتيم والسائل فحدث بها ~~ليقتدي بك غيرك. وعن الحسن بن علي قال: إذا عملت خيرا فحدث به إخوانك ~~ليقتدوا بك إلا أن هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء وظن أن غيره يقتدي به ~~كما علم مما مر. وروي «أن شخصا كان جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فرآه رث الثياب فقال له صلى الله عليه وسلم ألك مال؟ قال: نعم. فقال له صلى ~~الله عليه وسلم إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» . وروي أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ms4115 ويحب أن يرى أثر النعمة على ~~عبده» . فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى أخر حق نفسه عن حق اليتيم ~~والسائل؟ أجيب: بكأنه يقول: أنا أغنى الأغنياء وهما محتاجان، وحق المحتاج ~~أولى بالتقديم وأختار قوله سبحانه وتعالى: فحدث على قوله تعالى فأخبر ليكون ~~ذلك حديثا عنه لا ينساه ويعيده مرة بعد أخرى. # وقرأ {والضحى} ، {سجى} ، {قلى} ، {الأولى} ، {فترضى} ، {فآوى} ، {فهدى} ، ~~{فأغنى} ، حمزة والكسائي بإمالة محضة لكن حمزة لم يمل سجى، وأمال ورش وأبو ~~عمرو بين بين والفتح عن ورش قليل، والباقون بالفتح. # وروى أبي بن كعب «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بلغ الضحى كبر بين ~~كل سورتين إلى أن يختم القرآن، ويفصل بينهما بسكتة» . وكان المعنى: في ذلك ~~«أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما فقال ناس من ~~المشركين: قد ودعه صاحبه وقلاه فنزلت هذه السورة فقال صلى الله عليه وسلم ~~الله أكبر» . قال مجاهد: قرأت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأمرني ~~به، وأخبر أنه صلى الله عليه وسلم أمره به. وبعض القراء لا يكبر لأن ذلك ~~ذريعة إلى الزيادة في القرآن. # وقال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سوره وآياته وحروفه بغير زيادة ~~ولا نقصان فالتكبير ليس بقرآن. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة والضحى جعله الله فيمن يرضى لمحمد أن ~~يشفع له وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل» حديث موضوع. ### | سورة ألم نشرح # مكية # وهي ثمان آيات وتسع وعشرون كلمة ومائة وثلاثة أحرف. # {بسم الله} الظاهر الباطن الملك العلام {الرحمن} الذي عم المخلوقين ~~بالإنعام {الرحيم} الذي خص أولياءه بدار السلام. # وقوله تعالى: {ألم نشرح} استفهام تقرير، أي: شرحنا بما يليق بعظمتنا {لك} ~~يا أشرف الخلق {صدرك} بالنبوة وغيرها حتى وسع مناجاتنا ودعوة الخلق، أو ~~فسحناه بما أودعنا فيه من الحكم والعلوم وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي كان ~~يكون معه العمى والجهل. وعن الحسن: ملىء حكمة وعلما. # وقيل: إنه ms4116 إشارة إلى ما روي أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم في صباه أو في يوم الميثاق فاستخرج قلبه فغسله ثم ملأه إيمانا ~~وعلما. # فإن قيل: لم قال تعالى صدرك ولم يقل قلبك؟ أجيب: بأن محل الوسوسة هو ~~الصدر كما قال تعالى: {يوسوس في صدور الناس} (الناس: 5) { { # وأبدلها بدواعي الخير فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب. وقال محمد بن علي ~~الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، والشيطان يجيء إلى الصدر الذي # PageV04P554 # هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكا أغار فيه وثبت جنده فيه وبث فيه الهموم ~~والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة، ~~فإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن وانشرح الصدر. فإن قيل: لم قال ~~تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} ولم يقل: ألم نشرح صدرك؟ أجيب: بوجهين: # أحدهما: كأنه تعالى يقول لام بلام فأنت إنما تفعل جميع الطاعة لأجلي، ~~وأنا أيضا جميع ما أفعله لأجلك. # ثانيهما: أن فيه تنبيها على أن منافع الرسالة عائدة إليك لأجلك لا ~~لأجلنا. # واختلف في قوله تعالى: {ووضعنا} ، أي: بما لنا من العظمة {عنك وزرك} فقال ~~الحسن ومجاهد: حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية وهو قوله تعالى: {ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} (الفتح: 2) # وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك، وأضافها إليه ~~لاشتغال قلبه بها. # {الذي أنقض} ، أي: أثقل {ظهرك} قال أبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة ~~والقيام بها حتى لا تثقل عليك وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي حتى ~~يكاد يرمي نفسه من شاهق إلى أن جاءه جبريل عليه السلام، وأزال عنه ما كان ~~يخاف من تغير العقل وقيل: عصمناك من احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوة في ~~الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر. # {ورفعنا} ، أي: بما لنا من القدرة التامة {لك ذكرك} روى الضحاك عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال: يقول الله عز وجل: لا ذكرت إلا ذكرت معي في ~~الأذان والإقامة والتشهد، ms4117 ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم ~~الأضحى، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي ~~خطبة النكاح، ومشارق الأرض ومغاربها. # ولو أن رجلا عبد الله تعالى، وصدق بالجنة والنار، وكل شيء ولم يشهد أن ~~محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء، وكان كافرا وقيل: أعلينا ذكرك فذكرناك في ~~الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك ولا دين إلا ودينك ~~يظهر عليه. # وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع ~~في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود وكرائم الدرجات. وقال الضحاك: ~~لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به. وقال مجاهد: يعني التأذين. ~~وفيه يقول حسان بن ثابت: # *أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله مشهور يلوح ويشهد* # *وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد* # *وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد* # وقيل: رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار ~~بفضله. وقيل: عام في كل ما ذكر، وهذا أولى وكم من موضع في القرآن يذكر فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك قوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} ~~(التوبة: 62) # . وقوله تعالى: {ومن يطيع الله ورسوله فقد فاز} (الأحزاب: 71) # . وقوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} (المائدة: 92) # ولما كان المشركون يعيرونه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفقر والضيقة ~~حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم، ذكره ما ~~أنعم الله به عليه من جلائل النعم، ثم وعده اليسر والرخاء بعد الشدة فقال ~~تعالى: # {فإن مع العسر} ، أي: ضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم ~~وإيذائهم {يسرا} ، أي: كالشرح والوضع والتوفيق # PageV04P555 # للاهتداء والطاعة فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يهمك، فإن مع العسر ~~الذي أنتم فيه يسرا. فإن قيل: إن مع للصحبة فما معنى اصطحاب العسر واليسر؟ ~~أجيب: بأن الله تعالى أراد أن يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان ~~قريب، فقرب اليسر المترقب حتى جعله ms4118 كالمقارن للعسر زيادة في التسلية وتقوية ~~القلوب. # وقوله تعالى: {إن مع العسر ويسرا} استئناف وعد الله تعالى بأن العسر ~~متبوع بيسر آخر كثواب الآخرة، كقولك: للصائم فرحة، ثم فرحة، أي: فرحة عند ~~الإفطار وفرحة عند لقاء الرب، ويجوز أن يراد باليسرين ما تيسر من الفتوح في ~~أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تيسر لهم أيام الخلفاء وقيل: تكرير. # فإن قيل: ما معنى قول ابن عباس رضي الله عنه وابن مسعود رضي الله عنهما: ~~لن يغلب عسر يسرين، وقد روي مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم «خرج ذات يوم ~~وهو يضحك ويقول: لن يغلب عسر يسرين» أجيب: بأن هذا حمل على الظاهر وبناء ~~على قوة الرجاء، وأن موعد الله لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ ~~وأبلغه، والقول عنه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما ~~كرر في قوله تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} (المرسلات: 15) # لتقرير معناها في النفوس، وتمكينها في القلوب، وكما تكرر المفرد في قولك: ~~زيد زيد. وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردف بيسر لا محالة، والثانية عدة ~~مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف. # وإنما كان العسر واحد لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر ~~الذي كانوا فيه فهو هو، لأن حكمه حكم زيد في قولك: إن مع زيد مالا إن مع ~~زيد مالا، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا. # وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير ~~مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال، أو بأن لن يغلب عسر ~~الدنيا اليسر الذي وعد الله المؤمنين فيها واليسر الذي وعدهم في الآخرة ~~إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فدائم غير زائل، أي: لا ~~يجتمعان في الغلبة كقوله صلى الله عليه وسلم «شهرا عيد لا ينقصان» ، أي: لا ~~يجتمعان في النقصان. فإن قيل: فما معنى التنكير؟ أجيب: بأنه للتفخيم، كأنه ~~قيل: إن مع العسر ms4119 يسرا عظيما وأي يسر. # روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه» . وللطبراني عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو كان العسر في جحر لدخل اليسر حتى ~~يخرجه» . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية» . # ولما عدد تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم نعمه السابقة ووعده الآنفة ~~حثه على الشكر والاجتهاد في العبادة بقوله تعالى: # {فإذا فرغت} قال ابن عباس رضي الله عنهما: فرغت من صلاتك المكتوبة ~~{فانصب} ، أي: انصب في الدعاء. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: فإذا فرغت من ~~الفرائض فانصب في قيام الليل. وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك ~~وآخرتك. وقال الحسن وزيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ~~ربك وصل. وقال ابن حيان عن الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب ~~{استغفر لذنبك وللمؤمنين} (محمد: 19) # . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أكره أن أرى أحدكم فارغا لا في ~~عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة. # {وإلى ربك} ، أي: المحسن إليك بفضائل النعم # PageV04P556 # خصوصا بما ذكر في هاتين السورتين {فارغب} ، أي: اجعل رغبتك إليه خصوصا، ~~ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه. # وقيل: تضرع إليه راغبا في الجنة راهبا من النار عصمنا الله تعالى ~~وأحبابنا منها بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» حديث موضوع. ### | سورة التين والزيتون # مكية # وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة مدنية وهي ثمان آيات وأربع وثلاثون ~~كلمة ومائة وخمسون حرفا. # {بسم الله} الذي له الملك كله {الرحمن} الذي وسع الخلائق عدله {الرحيم} ~~الذي خص أولياءه بتوفيقه فظهر عليهم جوده وفضله. # وقوله تعالى: {والتين والزيتون} قسم وتقدم نظائر ذلك أقسم بهما لأنهما ~~عجيبتان من بين أصناف الأشجار المثمرة، روي أنه «أهدي للنبي ms4120 صلى الله عليه ~~وسلم طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت: إن فاكهة نزلت من ~~الجنة لقلت هذه» لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير، ~~وتنفع من النقرس ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به ~~وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نعم السواك الزيتون من ~~الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة» . وسمعته يقول: «هي سواكي وسواك ~~الأنبياء من قبلي» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو تينكم هذا الذي ~~تأكلون وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت. وقال عكرمة: هما جبلان من ~~الأرض المقدسة يقال لهما بالسريانية طور تينا وطور زيتا؛ لأنهما منبتا ~~التين والزيتون. # وقيل: التين جبال ما بين حلوان وهمدان، والزيتون جبال الشام لأنها ~~منابتهما، كأنه قيل: ومنابت التين والزيتون. وقال محمد بن كعب: التين مسجد ~~أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيليا. وقال الضحاك: مسجدان بالشام. وقال ابن ~~زيد: التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس، وحسن القسم بهما لأنهما ~~موضع الطاعة. وقيل: التين مسجد نوح عليه السلام الذي بناه على الجودي، ~~والزيتون مسجد بيت المقدس. { { # {وطور سينين} ، أي: الجبل الذي ناجى عليه موسى عليه السلام ربه عز وجل، ~~وسينين وسيناء اسمان للموضع الذي هو فيه فأضيف الجبل إلى المكان الذي هو ~~فيه. وقال مقاتل والكلبي: سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء بلغة ~~النبط ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض، ~~ولو جعل اسما للمكان أو للمنزل، أو اسم مذكر لانصرف لأنك سميت مذكرا بمذكر ~~وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام وهي الأرض المقدسة، وقد بارك فيها قال ~~الله تعالى: {إلى المسجد القصى الذي باركنا حوله} (الإسراء: 1) # ولا يجوز أن يكون سينين نعتا للطور لإضافته إليه. # {وهذا البلد الأمين} ، أي: الآمن، من أمن الرجل أمانة فهو أمين، وهي مكة ~~حرسها الله تعالى؛ لأنها الحرم الذي يأمن الناس فيه في الجاهلية والإسلام، ~~لا ينفر صيده ولا يعضد ورقه، أي: ms4121 شجره، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد أو ~~المأمون فيه يأمن فيه من دخله. # قال الزمخشري: ومعنى القسم بهذه # PageV04P557 # الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر منها من الخير والبركة ~~بسكنى الأنبياء والصالحين فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم عليه السلام، ~~ومولد عيسى عليه السلام ومنشؤه والطور المكان الذي نودي منه موسى عليه ~~السلام، ومكة البيت الذي هو هدى للعالمين ومولد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومبعثه اه. # وقوله تعالى: {لقد خلقنا} ، أي: قدرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة والقدرة ~~التامة {الإنسان} جواب القسم والمراد بالإنسان: الجنس الذي جمع فيه الشهوة ~~والعقل، وفيه من الإنس بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه الشامل لآدم عليه السلام ~~وذريته. وقيل: نزلت في منكري البعث. وقيل: في الوليد بن المغيرة وقيل: كلدة ~~بن أسيد. وقوله تعالى: {في أحسن تقويم} صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن ~~تقويم. وقال أبو البقاء: في أحسن تقويم في موضع الحال من الإنسان، وأراد ~~بالتقويم القوام لأن التقويم فعل وذاك وصف للخالق لا للمخلوق، ويجوز أن ~~يكون التقدير في أحسن قوام التقويم فحذف المضاف، ويجوز أن تكون في زائدة، ~~أي: قومناه أحسن تقويم اه. # وأحسن تقويم أعدله لأنه تعالى خلق كل شيء منكبا على وجهه وخلق الإنسان ~~مستويا، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها. قال ابن العربي: ليس لله تعالى ~~خلق أحسن من الإنسان، فإن الله تعالى خلقه حيا عالما قادرا مريدا متكلما ~~سميعا بصيرا مدبرا حكيما وهذه صفات الله تعالى وعبر عنها بعض العلماء، ووقع ~~البيان بقوله: «إن الله تعالى خلق آدم على صورته» يعني: على صفاته المتقدم ~~ذكرها. # وفي رواية على صورة الرحمن ومن أين يكون للرحمن صورة شخصية فلم تكن إلا ~~معاني. وروي أن عيسى بن يوسف الهاشمي كان يحب زوجته حبا شديدا، فقال لها ~~يوما: أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: ~~طلقتني فبات بليلة عظيمة فلما أصبح غدا إلى دار المنصور فأخبره الخبر، ~~فاستحضر الفقهاء واستشارهم، فقال جميع من ms4122 حضر قد طلقت إلا رجلا واحدا من ~~أصحاب أبي حنيفة فإنه كان ساكتا، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم، فقال ~~الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم {والتين والزيتون} إلى قوله تعالى: {لقد ~~خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} يا أمير المؤمنين فالإنسان أحسن الأشياء، ولا ~~شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى: الأمر كما قال الرجل فأقبل على زوجتك، ~~فأرسل المنصور إليها أطيعي زوجك فما طلقك. وهذا يدل على أن الإنسان أحسن ~~خلق الله تعالى ولذلك قيل: إنه العالم الأصغر إذ كل ما في المخلوقات اجتمع ~~فيه. # {ثم رددناه} أي: بعض أفراداه بما لنا من القدرة الكاملة {أسفل سافلين} ~~أي: إلى الهرم وأرذل العمر فيضعف بدنه وينقص عقله، والسافلون هم الضعفاء ~~والزمنى والأطفال، والشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعا لأنه لا يستطيع حيلة ~~ولا يهتدي سبيلا، فقوس ظهره بعد اعتداله، وأبيض شعره بعد اسوداده، وكل بصره ~~وسمعه وكانا حديدين، وتغير كل شيء منه فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف ~~وشهامته خرف. وقيل: ثم رددناه إلى النار لأنها دركات بعضها أسفل من بعض. # فقوله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا} أي: تصديقا لدعواهم الإيمان ~~{الصالحات} أي: الطاعات استثناء متصل على الثاني على أن المعنى: رددناه ~~أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني: أقبح من قبح صورة # PageV04P558 # وأشوهه خلقة، وهم أهل النار وأسفل من سفل من أهل الدركات. فالاتصال على ~~هذا واضح، وعلى الأول منقطع، أي: لكن الذين كانوا صالحين من الهرمى {فلهم} ~~أي: فتسبب عن ذلك أن كان لهم {أجر غير ممنون} أي: ثواب دائم غير منقطع على ~~طاعاتهم وصبرهم على ابتلاء الله تعالى لهم بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة ~~المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل نهوضهم وفي الحديث: «إذا بلغ المؤمن من ~~الكبر ما يعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل» . وروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: إلا الذين قرؤوا القرآن، وقال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل ~~العمر. ثم قال تعالى إلزاما للحجة: # {فما يكذبك} أي: أيها الإنسان الكافر {بعد} أي: ms4123 بعد ما ذكر من خلق ~~الإنسان من نطفة وتقويمه بشرا سويا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يستوي ~~ويكمل ويصير في أحسن تقويم، ثم يرد إلى أرذل العمر الدال على القدرة على ~~البعث، فيقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني فما سبب تكذيبك ~~أيها الإنسان {بالدين} أي: الجزاء بعد هذا الدليل القاطع. وقيل: الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر ~~به من الجزاء أو البعث بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت # وقوله تعالى: {أليس الله} أي: الملك الأعظم على ما له من صفات الكمال ~~{بأحكم الحاكمين} أي: بأقضى القاضين. وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هم ~~أهله. وفي الحديث: «من قرأ التين إلى آخرها فليقل: بلى وأنا على ذلك من ~~الشاهدين» . وقول البيضاوي تبعا للزمخشري: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«من قرأ سورة والتين أعطاه الله تعالى خصلتين العافية واليقين ما دام في ~~دار الدنيا وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة» حديث ~~موضوع. ### | سورة العلق # مكية # وهي عشرون آية واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي له صفة الكمال المستحق للإلهية {الرحمن} الذي عم جوده ~~سائر البرية {الرحيم} الذي خص أهل طاعته بألطافه السنية. # عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: أن أول سورة نزلت من القرآن. # {اقرأ باسم ربك} وأول ما نزل خمس آيات من أولها إلى قوله تعالى: {ما لم ~~يعلم} وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «أول ما بدئ ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة» ولمسلم «الصادقة ~~في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، ~~وكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع ~~إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق» . ~~وفي رواية «حتى فجاءه الحق ms4124 وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال له: اقرأ. ~~قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ~~اقرأ،. قلت: ما أنا بقارئ،. قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ~~ثم أرسلني، فقال: اقرأ،. قلت: ما أنا بقارئ،. قال: فأخذني فغطني الثالثة ~~حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: {اقرأ باسم ربك} حتى بلغ {ما لم يعلم} ~~فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P559 # يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب ~~عنه الروع، فقال لخديجة: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: كلا أبشر ~~فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، ~~وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى ~~أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في ~~الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء ~~الله تعالى أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم ~~اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ~~يا ليتني أكون فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم؟ فقال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل # ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم يلبث ورقة ~~أن توفي وفتر الوحي» زاد البخاري قال: «وفتر الوحي حتى حزن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا حتى يتردى من رؤوس شواهق الجبال، ~~فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل عليه السلام فقال ~~له: يا محمد إنك لرسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا ~~طالت عليه فترة الوحي غدا ms4125 مثل ذلك، فإذا وافى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال ~~له: مثل ذلك» . ففي الحديث دليل صحيح على أن سورة اقرأ أول ما نزل من ~~القرآن، وفيه رد على من قال: إن المدثر أول ما نزل من القرآن، وعلى من قال: ~~إن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم. وفي هذا الحديث من مراسيل الصحابة، ~~ومرسل الصحابي حجة عند جميع العلماء إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفرايني. وإنما ابتدئ صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ~~فيأتيه بصريح النبوة بغتة فلا تحملها القوى البشرية، فبدئ بأوائل علامة ~~النبوة توطئة للوحي. # تنبيه: محل {باسم ربك} النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحا باسم ربك أو ~~مستعينا به، قل: بسم الله ثم اقرأ. وقال أبو عبيدة: مجازه اقرأ اسم ربك، ~~يعني: أن الباء زائدة، والمعنى: اذكر اسمه، أمر أن يبتدئ القراءة باسم الله ~~تعالى تأديبا. وقيل: الباء بمعنى على، أي: أقرأ على اسم ربك كما في قوله ~~تعالى: {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها} (هود: 41) # قاله الأخفش. فإن قيل: كيف قدم هذا الفعل على الجارر وقدر مؤخرا في بسم ~~الله الرحمن الرحيم، أي: على سبيل الأولوية كما في {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} (الفاتحة: 4) # ولأنه تعالى مقدم ذاتا لأنه قديم واجب الوجود لذاته فيقدم ذكرا؟ أجيب: ~~بأن هذا في ابتداء القراءة وتعليمها لما مر أنها أول سورة نزلت فكان الأمر ~~بالقراءة أهم باعتبار هذا العارض، وإن كان ذكر الله تعالى أهم في نفسه. ~~وذكرت أجوبة غير هذا في مقدمتي على البسلمة والحمدلة # وقوله تعالى: {الذي خلق} يجوز أن لا يقدر له مفعول، ويراد أنه الذي حصل ~~منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه وأن يقدر له مفعول ويراد خلق كل شيء ~~فيتناول كل مخلوق لأنه مطلق فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض. # وقوله تعالى: {خلق الإنسان} أي: هذا الجنس الذي من شأنه الإنس بنفسه، وما ~~رأى من أخلاقه وحسنه وما ألفه من أبناء # PageV04P560 # جنسه تخصيص بالذكر من بين ما ms4126 يتناوله الخلق لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما ~~على الأرض ويجوز أن يراد الذي خلق الإنسان كما قال الله تعالى: {الرحمن علم ~~القرآن خلق الإنسان} (الرحمن: 1 2) # فقيل: الذي خلق مبهما، ثم فسره بقوله: {خلق الإنسان} تفخيما لخلق الإنسان ~~ودلالة على عجيب فطرته وقوله تعالى: {من علق} جمع علقة وهي الدم الجامد، ~~فإذا جرى فهو المسفوح ولما كان الإنسان اسم جنس في معنى الجمع جمع العلق، ~~ولمشاكلة رؤس الآي أيضا # وقوله تعالى: {اقرأ} تكرير للمبالغة، أو الأول مطلق والثاني للتبيلغ، أو ~~في الصلاة قال البيضاوي: ولعله لما قيل له: {اقرأ باسم ربك} قال ما أنا ~~بقارئ فقيل له اقرأ: {وربك الأكرم} أي: الزائد في الكرم على كل كريم، فإنه ~~ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم ولا يعاجلهم بالعقوبة مع ~~كفرهم وجحودهم لنعمه، وركوبهم المناهي في إطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ~~ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء ~~التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم حيث قال الأكرم: # {الذي علم} أي: بعد الحلم عن معاجلتهم بالعقاب جودا منه تعالى من غير ~~مانع من خوف عاقبة، ولا رجاء منفعة {بالقلم} أي: الخط بالقلم. # {علم الإنسان ما لم يعلم} فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده مالم يعلموه، ~~ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من ~~المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم، ~~ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ~~ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ~~تعالى ولطيف تدبيره دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به. ولبعضهم في صفة ~~القلم: # *وروا قم رقش كمثل أراقم ... قطف الخطا نيالة أقصى المدى* # *سود القوائم ما يجد مسيرها ... إلا إذا لعبت بها بيض المدى* # وقال قتادة: القلم نعمة من الله تعالى، ولولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح ~~عيش فدل على كمال كرمه تعالى. ms4127 وروى عبد الله بن عمر قال: «قلت: يا رسول ~~الله أكتب ما أسمع منك من الحديث قال: نعم فاكتب فإن الله تعالى علم ~~بالقلم» . ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتا عن الكلام فقال: ريح لا ~~يبقى،. فقال: فما قيده؟ قال: الكتابة. وعن عمر قال: خلق الله تعالى أربعة ~~أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان: كن فكان، وهي القلم والعرش وجنة ~~عدن وآدم عليه السلام. # وفيمن علم بالقلم ثلاثة أقوال: أحدها: قال كعب: أول من كتب بالقلم آدم ~~عليه الصلاة والسلام. ثانيها: قال الضحاك: إدريس عليه السلام. ثالثها: أنه ~~جميع من كتب بالقلم لأنه ما علم إلا بتعليم الله تعالى. # وقال القرطبي: الأقلام ثلاثة في الأصل: القلم الأول: الذي خلقه الله ~~تعالى بيده وأمره أن يكتب في اللوح المحفوظ، والثاني: قلم الملائكة الذي ~~يكتبون به المقادير والكوائن، والثالث: أقلام الناس يكتبون بها كلامهم ~~ويصلون بها إلى مآربهم. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتابة» . قال بعض العلماء: ~~وإنما حذرهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى ~~الرجال وليس في ذلك تحصين لهن ولا تستر، وذلك أنهن لا يملكن أنفسهن حين ~~يشرفن على الرجال فتحدث الفتنة فحذر من ذلك، وكذلك تعليم الكتابة ربما كان ~~سببا للفتنة # PageV04P561 # لأنها قد تكتب لمن تهوى، والكتابة عين من العيون بها يبصر الشاهد الغائب، ~~والخط إشارة اليد وفيها تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسان، فهي أبلغ ~~من اللسان فأحب صلى الله عليه وسلم أن يقطع عن المرأة أسباب الفتنة تحصينا ~~لها. # وقوله تعالى: {كلا} ردع لمن كفر بنعمة الله تعالى بطغيانه، وإن لم يذكره ~~لدلالة الكلام عليه، فإنه تعالى قد عد مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه إظهارا لما ~~أنعم عليه من أن نقله من أحسن المراتب إلى أعلاها تقريرا لربوبيته وتحقيقا ~~لأكرميته، {إن الإنسان} أي: هذا النوع الذي من شأنه الأنس بنفسه والنظر في ~~عطفه {ليطغى} أي: من ms4128 شأنه إلا من عصمه الله تعالى أن يزيد على الحد الذي لا ~~ينبغي له مجاوزته. { { # {أن رآه} أي: رأى نفسه {استغنى} أي: وجد له الغنى بالمال وقيل: أن يرتفع ~~عن منزلته في اللباس والطعام وغير ذلك. نزلت في أبي جهل كان إذا زاد ماله ~~زاد في ثيابه ومركبه وطعامه فذلك طغيانه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما لما ~~نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد أتزعم أن من ~~استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة ذهبا لعلنا نأخذ فنطغى فندع ديننا ونتبع ~~دينك، قال: فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد خيرهم في ذلك فإن شاؤوا ~~فعلنا بهم ما أرادوا، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة، ~~فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إبقاء لهم. وقيل: {أن رآه ~~استغنى} بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله تعالى: {أن رآه} ~~كما يقال إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم، فرأى علمية واستغنى مفعول ثان، وأن ~~رأى مفعول له. # {إن إلى ربك} أي: المحسن إليك بالرسالة التي رفع بها ذكرك لا إلى غيره ~~{الرجعى} مصدر كالبشرى بمعنى الرجوع، ففي ذلك تخويف للإنسان بأن يجازي ~~العاصي بما يستحقه. # وقوله تعالى: {أرأيت} في مواضعها الثلاث للتعجب {الذي ينهى} أي: على سبيل ~~التجدد والاستمرار وهو أبو جهل. { { # {عبدا} أي: من العبيد وهو النبي صلى الله عليه وسلم {إذا صلى} أي: خدم ~~سيده الذي لا يقدر أحد أن ينكر سيادته بإيقاع الصلاة التي هي أعظم ~~العبادات. نزلت في أبي جهل وذلك أنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقالوا: نعم. فقال: واللات ~~والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب،. قال: ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته فنكص على عقبيه ~~وهو يتقي بيده، فقيل: ms4129 له: مالك؟، فقال: إن بيني وبينه خندقا من النار وهولا ~~وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة ~~عضوا عضوا فأنزل الله تعالى هذه الآية» . وفي رواية «لو فعله لأخذته ~~الملائكة» زاد الترمذي: «عيانا» . وعن الحسن أنه أمية بن خلف كان ينهى ~~سلمان عن الصلاة وفائدة التنكير في قوله تعالى: {عبدا} الدلالة على أنه ~~كامل العبودية، كأنه قيل: ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة وهذا عين ~~الجهل. # وقيل: إن هذا الوعيد يلزم كل من ينهى عن الصلاة عن طاعة الله تعالى ولا ~~يدخل في ذلك المنع من الصلاة في الدار المغصوبة، وفي الأوقات المكروهة لأنه ~~قد ورد النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة ولا يدخل أيضا منع السيد عبده ~~والرجل زوجته عن صوم التطوع وقيام الليل والاعتكاف، لأن ذلك مصلحة إلا أن ~~يأذن # PageV04P562 # فيه السيد والزوج. # {أرأيت إن كان} أي: المنهي وهو النبي صلى الله عليه وسلم {على الهدى} ~~وقرأ نافع بتسهيل الهمزة بعد الراء، وعن ورش إبدالها ألفا، وأسقطها ~~الكسائي، والباقون بالتحقيق # وقوله تعالى: {أو أمر بالتقوى} أي: بالإخلاص والتوحيد للتقسيم. # تنبيه: قوله تعالى: {أرأيت} تكرير للأول وكذا الذي في قوله: # {أرأيت إن كذب} وهو أبو جهل {وتولى} عن الإيمان. # {ألم يعلم} أي: يقع له علم يوما من الأيام {بأن الله} الذي له صفات ~~الكمال {يرى} ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب ذلك، أي: ~~أعجب منه يا مخاطب في نهيه عن الصلاة من حيث إن المنهي على الهدى آمر ~~بالتقوى وفي وجه التعجب وجوه: # أحدها: إنه صلى الله عليه وسلم قال «اللهم أعز الإسلام إما بأبي جهل وإما ~~بعمر بن الخطاب» وهو ينهى عبدا إذا صلى. # الثاني: إنه يلقب بأبي الحكم فقيل: أيلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة فيتعجب ~~منه، ومن حيث أن الناهي مكذب متول عن الإيمان. # الثالث: إنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته ثم إنه ينهى عن طاعة الله ~~تعالى. # وقوله تعالى: {كلا} ردع للناهي {لئن لم ينته} ms4130 أي: عما هو فيه واللام لام ~~قسم {لنسفعا بالناصية} أي: لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار والسفع ~~القبض على الشيء وجذبه بشدة. قال عمرو بن معديكرب: # *قوم إذا نقع الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع* # والنقع الصوت. ولما علم أنها ناصية المذكور اكتفى باللام عن الإضافة، ~~والآية وإن كانت في أبي جهل فهي عظة للناس وتهديد لمن يمنع غيره عن طاعة ~~الله تعالى. # وقوله تعالى: {ناصية} بدل من الناصية قال الزمخشري: وجاز بدلها عن ~~المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت، أي: ب {كاذبة خاطئة} واستقلت بفائدة واعترض ~~عليه بأن هذا مذهب الكوفيين فإنهم لا يجيزون إبدال نكرة من معرفة إلا بشرط ~~وصفها، أو كونها بلفظ الأول ومذهب البصريين لا يشترط شيء، والمعنى: لنأخذن ~~بناصية أبي جهل الكاذبة في قولها الخاطئة في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ ~~والمخطئ غير مأخوذ ووصفت الناصية بالكاذبة الخاطئة كوصف الوجوه في قوله ~~تعالى: {إلى ربها ناظرة} (القيامة: 23) # وإنما وصفت الناصية بالكاذبة لأنه كان يكذب على الله تعالى في أنه لم ~~يرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وعلى رسوله في أنه ساحر وليس بنبي ووصفت ~~بأنها خاطئة لأن صاحبها تمرد على الله تعالى كما قال تعالى: {لا يأكله إلا ~~الخاطئون} (الحاقة: 37) # فهما في الحقيقة لصاحبها وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك ناصية ~~كاذب خاطىء. # وروي أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فقال: ألم ~~أنهك فأغلظ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتنهرني وأنا أكثر أهل ~~الوادي ناديا، فوالله لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا ~~فأنزل الله تعالى: # {فليدع} أي: دعاء استغاثة {ناديه} أي: أهل ناديه ليعينوه فهو على حذف ~~مضاف، لأن النادي هو المجلس الذي ينتدى فيه القوم قال تعالى: {وتأتون في ~~ناديكم المنكر} (العنكبوت: 29) # أي: يتحدثون فيه أو على التجوز لأنه مشتمل على الناس كقوله تعالى: {واسأل ~~القرية} (يوسف: 82) # ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، والمعنى فليدع عشيرته فلينتصر ms4131 ~~بهم. # {سندع} أي: بوعد لا خلف فيه {الزبانية} قال ابن عباس رضي الله عنهما: # PageV04P563 # يريد زبانية جهنم سموا بها لأنهم يدفعون أهل النار إليها بشدة، جمع زبني ~~مأخوذ من الزبن وهو الدفع. وقال الزمخشري: الزبانية في كلام العرب الشرط ~~الواحد زبنية. وقال الزجاج: هم الملائكة الغلاظ الشداد. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله تعالى. وروي «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: {لنسفعا بالناصية} ~~قال: أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك» . قال الله تعالى: {فليدع ~~ناديه سندع الزبانية} فلما ذكر الزبانية رجع فزعا، فقيل: له: خشيت منه؟ ~~قال: لا ولكن رأيت عنده فارسا وهددني بالزبانية فلا أدري الزبانية، ومال ~~إلي الفارس فخشيت منه أن يأكلني. قال ابن عباس رضي الله عنهما: والله لو ~~دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته» . # وقوله تعالى: {كلا} ردع لأبي جهل، أي: ليس الأمر على ما يظنه أبو جهل ~~{ولا تطعه} أي: فيما دعاك إليه من ترك الصلاة كقوله تعالى: {ولا تطع ~~المكذبين} وقوله تعالى: {واسجد} يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، وأن ~~يكون سجود التلاوة في هذه السورة، ويدل لهذا ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أنه قال: سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في {إذا ~~السماء انشقت} (الانشقاق: 1) # وفي {اقرأ باسم ربك الذي خلق} سجدتين، وهذا نص أن المراد سجود التلاوة، ~~ويدل للأول قوله تعالى: {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى} إلى قوله تعالى: ~~{كلا لا تطعه واسجد} أي: ودم على سجودك. قال الزمخشري: يريد الصلاة لأنه لا ~~يرى سجود التلاوة في المفصل والحديث عليه. {واقترب} أي: وتقرب إلى ربك ~~بطاعته وبالدعاء إليه. قال صلى الله عليه وسلم «أما الركوع فعظموا فيه ~~الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أي: فحقيق أن يستجاب لكم» . ~~«وكان صلى الله عليه وسلم يكثر في سجوده من البكاء والتضرع حتى قالت عائشة ~~رضي ms4132 الله عنها: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فما هذا البكاء في ~~السجود؟ وما هذا الجهد الشديد؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا» . وفي رواية: ~~«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» . وقرأ ليطغى، ~~واستغنى، إذا صلى، على الهدى، بالتقوى، وتولى حمزة والكسائي جميع ذلك ~~بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين والفتح عن ورش قليل، والباقون ~~بالفتح. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل كله» حديث موضوع. ### | سورة القدر # مدنية # في قول أكثر المفسرين، وحكى الماوردي عكسه، وذكر الواحدي أنها أول سورة ~~نزلت بالمدينة وهي خمس آيات وثلاثون كلمة ومائة واثنتا عشر حرفا. # {بسم الله} الملك الأعظم الذي لا يعبد إلا إياه {الرحمن} الذي عم بجوده ~~جميع خلقه أقصاه وأدناه {الرحيم} الذي قرب أهل طاعته وأبعد من عداهم ~~وأشقاه. # وقوله تعالى: {إنا أنزلناه} أي: بما لنا من العظمة، أي: القرآن فيه تعظيم ~~له من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه أسند إنزاله إليه وجعله مختصا به دون غيره. # والثاني: أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء ~~عن # PageV04P564 # التنبيه عليه. # والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه، وهو قوله تعالى: {في ليلة ~~القدر} . # {وما أدراك} أي: أعلمك يا أشرف الخلق {ما ليلة القدر} فإن في ذلك تعظيما ~~لشأنها. روي أنه أنزله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى ~~السماء الدنيا، وأملاه جبريل عليه السلام على السفرة، ثم كان ينزله على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع ~~والحاجة إليه. وحكى الماوردي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه نزل في شهر ~~رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى ~~السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل عليه ~~السلام عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة. ~~قال ابن ms4133 العربي: وهذا باطل ليس بين جبريل وبين الله تعالى واسطة، ولا بين ~~جبريل وبين محمد صلى الله عليه وسلم واسطة، وعن الشعبي: إنا ابتدأنا إنزاله ~~في ليلة القدر. وقيل: المعنى أنزل في شأنها وفضلها فليست ظرفا، وإنما هو ~~كقول عمر رضي الله عنه: خشيت أن ينزل في قرآن. وقول عائشة رضي الله عنها ~~لأنا أحقر في شأني أن ينزل في قرآن. وسميت ليلة القدر لأن الله تعالى يقدر ~~فيها ما يشاء من أمره إلى السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق وغيره، ~~ويسلمه إلى مدبرات الأمور من الملائكة، وهم إسرافيل وميكائيل وعزرائيل ~~وجبرائيل عليهم السلام، كقوله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} (الدخان: 4) # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة نصف ~~شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وهذا يصلح أن يكون جمعا بين ~~القولين في قوله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} فإنه قيل فيها: إنها ليلة ~~النصف من شعبان وقيل: ليلة القدر وحينئذ لا خلاف، وقيل: سميت بذلك لتضيقها ~~بالملائكة. قال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها الملائكة كقوله تعالى: {ومن ~~قدر عليه رزقه} (الطلاق: 7) # وقيل: سميت بذلك لعظمها وشرفها وقدرها من قولهم: لفلان قدر، أي: شرف ~~ومنزلة قاله الأزهري وغيره. وقيل: سميت بذلك لأن للطاعة قدرا عظيما وثوابا ~~جزيلا. وقيل: لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر على رسول ذي قدر، ومعنى أن الله ~~تعالى يقدر الآجال: أنه يظهر ذلك لملائكته ويأمرهم بفعل ما هو من سعتهم بأن ~~يكتب لهم ما قدره في تلك السنة، ويعرفهم إياه، وليس المراد أنه يحدث في تلك ~~الليلة لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض في الأزل ~~قيل: للحسين بن الفضل: أليس قد قدر الله تعالى المقادير قبل أن يخلق ~~السموات والأرض، قال نعم، قيل له: فما معنى ليلة القدر، قال: سوق المقادير ~~إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر. # واختلفوا هل هي باقية أو لا؟ فقيل: إنها كانت مرة ثم انقطعت، وقيل: إنها ~~رفعت بعد ms4134 النبي صلى الله عليه وسلم والصحيح أنها باقية إلى يوم القيامة. ~~وروي عن عبد الله بن محسن مولى معاوية قال: قلت لأبي بكر: زعموا أن ليلة ~~القدر قد رفعت، قال: كذب من قال ذلك، قلت: هي في كل شهر رمضان أستقبله، ~~قال: نعم. وعن سعيد بن المسيب أنه سئل عن ليلة القدر أهي شيء كان فذهب، أم ~~هي في كل عام، فقال: بل هي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما بقي منهم ~~اثنان، واستدل من قال برفعها بقوله صلى الله عليه وسلم حين تلاحى الرجلان: ~~«إني خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا ~~لكم» وهذا غفلة من هذا # PageV04P565 # القائل ففي آخر الحديث «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» فلو كان ~~المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. # واختلفوا في وقتها فأكثر أهل العلم أنها مختصة برمضان، واحتجوا بقوله ~~تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة: 185) # . وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} . فوجب أن لا تكون ليلة القدر ~~إلا في رمضان لئلا يلزم التناقض. وروي عن أبي بن كعب أنه قال: والله الذي ~~لا إله إلا هو إنها لفي رمضان حلف بذلك ثلاث مرات، وعن ابن عمر قال: سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال: «هي في كل ~~رمضان» وقيل: هي دائرة في جميع السنة لا تختص برمضان حتى لو علق طلاق ~~امرأته أو عتق عبده بليلة القدر لا يقع ما لم تنقض سنة من حين حلف، يروى ~~ذلك عن أبي حنيفة. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد أن يعرف ليلة القدر ~~فلينظر إلى غرة رمضان، أي: إلى أوله فإن كان يوم الأحد فليلة القدر ليلة ~~تسع وعشرين، وإن كان يوم الإثنين فليلة القدر إحدى وعشرين، وإن كان يوم ~~الثلاثاء فليلة سبع وعشرين، وإن كان يوم الأربعاء فليلة تسعة عشر، وإن كان ~~يوم الخميس فليلة خمس وعشرين، وإن كان ليلة الجمعة فليلة سبعة عشر، وإن كان ~~يوم السبت ms4135 فليلة ثلاث وعشرين. وعلى القول الأول هل هي في كل زمان أو في ~~العشر الأخير قولان: أحدهما: أنها في كل شهره. # واختلفوا في، أي: ليلة منه فقال ابن رزين: هي الليلة الأولى من رمضان، ~~وقال الحسن البصري: السابعة عشر، وقال أنس: التاسعة عشر، وقال محمد بن ~~إسحاق: الحادية والعشرون، وقال ابن عباس: الثالثة والعشرون، وقال أبي بن ~~كعب: السابعة والعشرون. وقيل: التاسعة والعشرون، وقيل: ليلة الثلاثين، وكل ~~استدل على قوله بما يطول الكلام عليه. والقول الثاني وهو ما عليه الأكثرون ~~أنها مختصة بالعشر الأخير منه، واستدل لذلك بأشياء منها: ما روى عبادة بن ~~الصامت «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال: في ~~رمضان فالتمسوها في العشر الأواخر» . ومنها: ما روي عن أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فالتمسوها في العشر الأواخر من ~~رمضان» . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها» . وعنها قالت «كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله» . # واختلفوا في أنها أي: ليلة من العشر، هل في ليلة من ليالي العشر كله، أو ~~في أوتاره فقط، وهل تلزم ليلة بعينها، أو تنتقل في جميعه أقوال. والذي عليه ~~الأكثر أنها في جميعه، ولكن أرجاها أوتاره وأرجى الأوتار عند إمامنا ~~الشافعي رضي الله عنه ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين يدل للأول ~~خبر الصحيحين وللثاني خبر مسلم وأنها تلزم عنده ليلة بعينها. وقال المزني ~~صاحب الشافعي وابن خزيمة: أنها متنقلة في ليالي العشر جمعا بين الأحاديث، ~~قال النووي: وهو قوي. وقال في مجموعه أنه الظاهر المختار وخصها بعض العلماء ~~بأوتار العشر الأواخر، وبعضهم بأشفاعه. # وقال ابن عباس وأبي: هي ليلة سبع وعشرين وهو مذهب أكثر أهل العلم، ~~واستنبط ذلك بعضهم من أن ليلة القدر ذكرت ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، وإذا ~~ضربت تسعة في ثلاثة تكن سبعة ms4136 وعشرين، وبعضهم استنبط ذلك من عدد كلمات ~~السورة، # PageV04P566 # وقال: إنها ثلاثون كلمة وفاقا، وقوله تعالى: {هي} السابع والعشرون، وهي ~~كناية عن هذه الليلة فبان أنها ليلة السابع والعشرين، وهو استنباط لطيف ~~وليس بدليل كما قيل: وفيها نحو الثلاثين قولا وبضع وعشرون حديثا وأفردت ~~بالتصنيف، وفيما ذكرناه كفاية. # وذكروا للسبب في إخفائها عن الناس وجوها: # أحدها: أنه تعالى أخفاها ليعظموا جميع السنة على القول بأنها فيها، أو ~~جميع رمضان على القول به، أو جميع العشر الأخير على القول به، كما أخفى ~~رضاه في الطاعات ليرغبوا في كلها، وأخفى غضبه في المعاصي ليحذروها كلها، ~~وأخفى وليه من المسلمين ليعظموهم كلهم، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا ~~في الدعوات، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ليجتهدوا في العبادة في جميع ~~الأوقات المنهي عنها طمعا في إدراكها، وأخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل ~~أسمائه تعالى، وأخفى الصلاة الوسطى ليحافظوا على الكل، وأخفى التوبة ليواظب ~~المكلف على جميع أقسامها، وأخفى قيام الساعة ليكونوا على وجل من قيامها ~~بغتة. # ثانيها: أن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر واجتهد في الطاعة رجاء أن ~~يدركها فيباهي الله تعالى به ملائكته، ويقول: تقولون فيهم يفسدون ويسفكون ~~الدماء وهذا جده واجتهاده في الليلة المظنونة، فكيف لو جعلتها معلومة ~~فحينئذ يظهر أني أعلم ما لا تعلمون. ثالثها: ليجتهدوا في طلبها والتماسها ~~فينالوا بذلك أجر المجتهدين في العبادة، بخلاف ما لو عينت في ليلة بعينها ~~لحصل الاقتصار عليها ففاتت العبادة في غيرها. # ثم ذكر الله تعالى فضلها من ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكره بقوله سبحانه: ~~{ليلة القدر} أي: التي خصصناها بإنزالنا فيها {خير من ألف شهر} ليس فيها ~~ليلة القدر فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها ليلة قدر. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما «ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني ~~إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لذلك وتمنى ذلك لأمته، فقال: يا رب، جعلت أمتي ms4137 أقصر الأمم ~~أعمارا وأقلها أعمالا، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، فقال تعالى: {ليلة ~~القدر خير من ألف شهر} التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله لك ~~ولأمتك إلى يوم القيامة» ، أي: فهي من خصائص هذه الأمة. # وعن مالك أنه سمع من يثق به من أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أري أعمار الناس قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل ~~مثل الذي يبلغ غيرهم، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر التي العمل فيها خير من ~~العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وقيل: إن الرجل فيما مضى ما كان ~~يقال له: عابد حتى يعبد الله تعالى ألف شهر، فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا ~~أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد، وهي أفضل ليالي السنة، ويدخل في ذلك ~~ليلة الإسراء فهي أفضل منها إن لم تكن ليلة الإسراء ليلة القدر، كما قيل: ~~إن الإسراء كان في رمضان، وإنما كان كذلك لما يريد الله تعالى فيها من ~~المنافع فيكتب فيها جميع خير السنة وشرها ورزقها وأجلها وبلائها ورخائها ~~ومعاشها إلى مثلها من السنة، ولا يشكل ذلك بما قيل: إن الآجال من شعبان إلى ~~شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى، لما ورد أن ~~الله تعالى يأمر بنسخ ما يكون في السنة من الآجال والأمراض والأرزاق ونحوها ~~في ليلة النصف من شعبان، فإذا كان ليلة القدر فيسلمها # PageV04P567 # إلى أربابها. وقيل: يقدر في ليلة النصف من شعبان الآجال والأمراض، وفي ~~ليلة القدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة. # الوجه الثاني: من فضائلها ما ذكره الله تعالى في قوله جل ذكره. # {تنزل} أي: تنزلا متدرجا متواصلا على غاية ما يكون من الخفة والسرعة بما ~~أشار إليه حذف التاء {الملائكة} أي: إلى الأرض. روي أنه إذا كان ليلة القدر ~~تنزل الملائكة وهم سكان سدرة المنتهى {والروح} أي: جبريل عليه السلام ~~{فيها} أي: في الليلة ومعه أربعة ألوية فينصب لواء على قبر النبي صلى الله ms4138 ~~عليه وسلم ولواء على ظهر بيت المقدس، ولواء على ظهر المسجد الحرام، ولواء ~~على ظهر سيناء، ولا يدع بيتا فيه مؤمن ولا مؤمنة إلا دخله وسلم عليهم، ~~يقول: يا مؤمن ويا مؤمنة السلام يقرئك السلام إلا على مدمن خمر، وقاطع رحم، ~~وآكل لحم خنزير. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان ~~ليلة القدر نزل جبريل عليه السلام في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على ~~كل عبد قائم، أو قاعد يذكر الله تعالى» . وهذا يدل على أن الملائكة كلهم لا ~~ينزلون، وظاهر الآية نزول الجميع وجمع بين ذلك بما روي أنهم ينزلون فوجا ~~فوجا كما أن أهل الحج يدخلون الكعبة فوجا بعد فوج، وإن كانت لا تسعهم دفعة ~~واحدة كما أن الأرض لا تسع الملائكة دفعة واحدة، ولذلك ذكر بلفظ تنزل الذي ~~يقتضي المرة بعد المرة، أي: ينزل فوج ويصعد فوج والله أعلم بذلك. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن الملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد ~~الحصى، وقال بعضهم: الروح ملك تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة وله ~~ألف رأس أعظم من الدنيا، وفي كل رأس ألف وجه، وفي كل وجه ألف فم، وفي كل فم ~~ألف لسان يسبح الله تعالى بكل لسان ألف نوع من التسبيح والتحميد والتمجيد، ~~ولكل لسان لغة لا تشبه لغة أخرى. فإذا فتح أفواهه بالتسبيح خرت ملائكة ~~السموات السبع سجدا مخافة أن تحرقهم أنوار أفواهه، وإنما يسبح الله تعالى ~~غدوة وعشية فينزل في ليلة القدر لشرفها وعلو شأنها فيستغفر للصائمين ~~والصائمات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بتلك الأفواه كلها إلى طلوع ~~الفجر. # وعن علي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أسري بي ملكا رجلاه ~~جاوزت من الأرض السابعة السفلى، ورأسه من السماء السابعة العليا، ومن لدن ~~رأسه إلى قدميه وجوه وأجنحة في كل وجه فم ولسان يسبح الرحمن تسبيحا لا ~~يسبحه العضو الآخر، ولو أمره الله تعالى أن يلتقم السموات السبع والأرضين ~~السبع لقمة ms4139 واحدة، كما يلتقم أحدكم اللقمة لأطاق ذلك، ثم لم تكن تلك في فيه ~~إلا كلقمة أحدكم في فيه، ولو سمع أهل الدنيا صوته بالتسبيح لصعقوا، ما بين ~~شحمة أذنه إلى منكبه خفقان الطير السريع سبعة آلاف سنة، وهو رأس الملائكة» ~~. وقيل: الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا في تلك الليلة ~~ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر. {بإذن ربهم} أي: بأمر المحسن ~~إليهم المربي لهم {من كل أمر} أي: قضاه الله تعالى فيها لتلك السنة إلى ~~قابل، وتقدم الجمع بينها وبين ليلة النصف من شعبان، ومن سببية بمعنى الباء. # الوجه الثالث: فضائلها ما ذكره تعالى بقوله سبحانه: # {سلام} أي: عظيم جدا، وهو خبر مقدم والمبتدأ. {هي} جعلت سلاما لكثرة ~~السلام فيها من الملائكة لا يمرون بمؤمن ولا مؤمنة إلا سلمت عليه وستمرون # PageV04P568 # على ذلك من غروب الشمس {حتى} أي: إلى {مطلع الفجر} أي: وقت مطلعه، أي: ~~طلوعه. وقرأ الكسائي بكسر اللام على أنه كالمرجع، واسم زمان على غير قياس ~~كالمشرق، والباقون بفتحها. # ومن فضائلها أن من قامها غفرت له ذنوبه ففي الصحيحين: «من قام ليلة القدر ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . قال النووي في «شرح مسلم» : ولا ~~ينال فضلها إلا من أطلعه الله تعالى عليها فلو قامها إنسان ولم يشعر بها لم ~~ينل فضلها. قال الأذرعي وكلام المتولي ينازعه حيث قال: يستحب التعبد في كل ~~ليالي العشر حتى يحوز الفضيلة على اليقين اه. # وهذا أولى نعم حال من أطلق أكمل إذا قام بوظائفها. وعن أبي هريرة مرفوعا ~~«من صلى العشاء الأخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر» ، أي: أخذ ~~حظا منها. ويسن لمن رآها أن يكتمها، ويسن أن يكثر الدعاء والتعبد في ليالي ~~رمضان وأن يكون من دعائه: «اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني» . # ومن علاماتها أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها، رواه مسلم عن أبي بن ~~كعب وعن ابن مسعود: قال: «إن الشمس تطلع كل يوم بين قرني ms4140 شيطان إلا صبيحة ~~ليلة القدر فإنها تطلع يومئذ بيضاء ليس لها شعاع» . فإن قيل: لا فائدة في ~~هذه العلامة فإنها قد انقضت. أجيب: بأنه يستحب أن يجتهد في ليلتها ويبقى ~~يعرفها كما مر عن الشافعي أنها تلزم ليلة واحدة. وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة القدر أعطى من الأجر ~~كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر» حديث موضوع. ### | سورة لم يكن # وتسمى القيامة، وتسمى المنفكين مكية في قول يحيى بن سلام، ومدنية في قول ~~الجمهور، وهي ثمان آيات وأربع وتسعون كلمة وثلاث مائة وتسعون حرفا. # {بسم الله} الذي لا يخرج شيء عن مراده {الرحمن} الذي عم بنعمه جميع عباده ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه بإسعاده. # ولما كان الكفار جنسين أهل كتاب ومشركين ذكرهم الله تعالى في قوله ~~سبحانه: # {لم يكن الذين كفروا} أي: في مطلق الزمان الماضي والحال والاستقبال {من ~~أهل الكتاب} أي: من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقا فألحدوا فيه ~~بالتبديل والتحريف والاعوجاج في صفات الله تعالى، ثم نسخه الله تعالى بما ~~شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا. {والمشركين} أي: ~~بعبادة الأصنام والنار والشمس، ونحو ذلك ممن هم عريقون في دين لم يكن له ~~أصل في الحق، بأن لم يكن لهم كتاب. # تنبيه: من للبيان. وقوله تعالى: {منفكين} خبر يكن، أي: منفصلين وزائلين ~~عما كانوا عليه من دينهم انفكاكا يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا تبقى لهم به ~~علقة، ويثبتون على ذلك الانفكاك، وأصل الفك الفتح والانفصال لما كان ملتحما ~~من فك الكتاب والختم والعظم إذا أزيل ما كان ملتصقا أو متصلا به، أو عن ~~الموعد باتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر به، فإن أهل الكتاب كانوا ~~يستفتحون به، والمشركين كانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ~~ليكونن أهدى من # PageV04P569 # إحدى الأمم. # فإن قيل: لم قال تعالى: {كفروا} بلفظ الماضي، وذكر المشركين باسم الفاعل؟ ~~{ { # أجيب: بأن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر، لأنهم كانوا مصدقين ~~بالتوراة والإنجيل ms4141 وبمبعث محمد صلى الله عليه وسلم بخلاف المشركين فإنهم ~~ولدوا على عبادة الأوثان وذلك يدل على الثبات على الكفر. # وقوله تعالى: {حتى} أي: إلى أن {تأتيهم البينة} متعلق بيكن أو بمنفكين، ~~والبينة الآية التي هي البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا ~~طورا وضياء ونورا، وذلك هو الرسول صلى الله عليه وسلم وما معه من الآيات ~~التي أعظمها الكتاب، وهو القرآن. # وقوله تعالى: {رسول} أي: عظيم جدا بدل من البينة بنفسه، أو بتقدير مضاف، ~~أي: سنة رسول، أو مبتدأ وزاد عظمته بقوله تعالى واصفا له: {من الله} أي: ~~الذي له الجلال والإكرام وهو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه في نفسه بينة ~~وحجة ولذلك سماه الله تعالى سراجا منيرا، ولأن اللام في البينة للتعريف، ~~أي: هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى عليهم ~~السلام. وقد يكون التعريف للتفخيم؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها ~~والبينة كل البينة، وكذا التنكير وقد جمعها الله تعالى ههنا في حق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم # ونظيره: قوله تعالى حين أثنى على نفسه: {ذو العرش المجيد فعال لما يريد} ~~(البروج، الآيتان: 15 16) # فنكر بعد التعريف. وقال أبو مسلم: المراد من البينة مطلق الرسول وما معه ~~من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء التوراة أو الزبور أو الانجيل أو ~~القرآن، وعبر بالمضارع لتجدد البيان في كل وقت بتجدد الرسالة والتلاوة. ~~وقال البغوي: لفظه مستقبل ومعناه الماضي، أي: حتى أتتهم البينة، وتبعه على ~~ذلك الجلال المحلى. وقوله تعالى: {يتلو صحفا} صفة الرسول، أو خبره والرسول ~~صلى الله عليه وسلم وإن كان أميا لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي ~~لها. وقيل: المراد جبريل عليه السلام وهو التالي للصحف المنتسخة من اللوح ~~التي ذكرت في سورة عبس، ولا بد من مضاف محذوف وهو الوحي. والصحف جمع صحيفة ~~وهي: القرطاس، والمراد فيها عبر بها عنه لشدة المواصلة {مطهرة} أي: في غاية ~~الطهارة والنزاهة من كل قذر مما جعلنا لها من البعد عن ms4142 الأدناس بأن الباطل ~~من الشرك بالأوثان، وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها، ~~وأنها لا يمسها إلا المطهرون. # {فيها} أي: تلك الصحف {كتب} أي: أحكام مكتوبة {قيمة} أي: مستقيمة ناطقة ~~بالحق والعدل الذي لا مرية فيه ليس فيه شرك، ولا اعوجاج بنوع من الأنواع. # {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} أي: عما كانوا عليه، وخص أهل الكتاب ~~بالتفرق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين، لأنهم يظنون بهم علما ~~فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. {إلا من بعد ~~جاءتهم البينة} أي: أتتهم البينة الواضحة، والمعني به محمد صلى الله عليه ~~وسلم أتى بالقرآن موافقا للذي في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته، وذلك أنهم ~~كانوا مجمعين على نبوته فلما بعث صلى الله عليه وسلم جحدوا نبوته وتفرقوا، ~~فمنهم من كفر بغيا وحسدا ومنهم من آمن كقوله تعالى: {وما تفرقوا إلا من بعد ~~ما جاءهم العلم بغيا بينهم} (الشورى: 14) # . وقال تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما ~~عرفوا كفروا به} (البقرة: 89) # وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم على الحق لا تفرقهم # PageV04P570 # فيه. وقرأ حمزة وابن ذكوان بإمالة الألف بعد الجيم محضة، والباقون ~~بالفتح. # ولما كان حال من أضل على علم أشنع زاد في فضيحتهم فقال تعالى: # {وما أمروا} أي: هؤلاء في التوراة والإنجيل {إلا ليعبدوا الله} أي: ~~يوحدوا الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره، واللام بمعنى أن كقوله ~~تعالى: {يريد الله ليبين لكم} (النساء: 26) # . وقوله تعالى: {مخلصين له الدين} فيه دليل على وجوب النية في العبادات ~~لأن الإخلاص من عمل القلب، وهو أن يراد به وجه الله تعالى لا غيره، ومن ذلك ~~قوله: {إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} (الزمر: 11) # . {حنفاء} أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وأصل الحنف في ~~اللغة: الميل وخصه العرف بالميل إلى الخير، وسموا الميل إلى الشر إلحادا ~~والحنيف المطلق الذي يكون متبرئا عن أصول الملل الخمسة ms4143 اليهود والنصارى ~~والصابئين والمجوس والمشركين. وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات، ~~وعن توابعها من الخطأ والنسيان إلى العمل الصالح، وهو مقام التقى، وعن ~~المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأول من الورع، وعن الفضول شفقة على ~~خلق الله وهو ما لا يعني إلى ما يعنى وهو المقام الثاني من الورع، وعما يجر ~~إلى الفضول وهو مقام الزهد، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص. الناظر: أحدهما: ~~إلى الحق، والثاني: إلى الخلق. # ولما ذكر أصل الدين أتبعه الفروع، وبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين وموضع ~~التجرد عن العوائق، فقال عز من قائل: {ويقيموا} أي: يعدلوا من غير اعوجاج ~~بجميع الشرائط والأركان والحدود {الصلاة} لتصير بذلك أهلا بأن تقوم بنفسها، ~~وهي من التعظيم لأمر الله تعالى. # ولما ذكر تعالى صلة الخالق أتبعها صلة الخلائق بقوله تعالى: {ويؤتوا ~~الزكاة} أي: يدفعوها لمستحقيها شفقة على خلق الله تعالى إعانة على الدين، ~~أي: ولكنهم حرفوا ذلك وبدلوه بطبائعهم المعوجة، وتدخل الزكاة عند أهل الله ~~تعالى في كل ما رزق الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل وجاه، وغير ذلك ~~كما هو واضح من قوله تعالى: {وممارزقناهم ينفقون} (البقرة: 3) # . {وذلك} أي: والحال أن هذا الموصوف من العبادة على الوجه المذكور {دين ~~القيمة} أي: الملة المستقيمة، وأضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف ~~اللفظين، وأنث القيمة ردا بها إلى الملة. وقيل: الهاء للمبالغة فيه. وقيل: ~~القيمة هي الكتب التي جرى ذكرها، أي: وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه ~~وتأمر به، كما قال تعالى: {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه} (البقرة: 213) # . وقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى: {وذلك دين ~~القيمة} فقال: القيمة جمع القيم، والقيم والقائم واحد. قال البغوي: ومجاز ~~الآية: وذلك دين القائمين لله تعالى بالتوحيد. # ثم ذكر تعالى ما للفريقين فقال سبحانه: # {إن الذين كفروا} أي: وقع منهم الستر لمرأى عقولهم بعد صرفها للنظر ~~الصحيح فضلوا واستمروا على ذلك، وإن لم يكونوا عريقين فيه {من أهل الكتاب} ~~أي: ms4144 اليهود والنصارى {والمشركين} أي: العريقين في الشرك {في نارجهنم} أي: ~~النار التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة {خالدين فيها} أي: يوم القيامة، أو في ~~الحال لسعيهم لموجباتها. واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب التساوي ~~في النوع، بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته {أولئك} أي: هؤلاء البعداء ~~البغضاء {هم} أي: خاصة بما لضمائرهم من الخبث {شر البرية} أي: # PageV04P571 # الخليقة الذين أهملوا إصلاح أنفسهم وفرطوا في حوائجهم ومآربهم، وهذا ~~يحتمل أن يكون على التعميم، وأن يكون بالنسبة لعصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقوله تعالى: {وأني فضلتكم على العالمين} (البقرة: 47) # أي: عالمي زمانهم، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل من هو شر منهم، ~~مثل فرعون وعاقر ناقة صالح. # ولما ذكر تعالى الأعداء وبدأ بهم لأن ذلك أردع لهم أتبعه الأولياء فقال ~~تعالى مؤكدا ما للكفار من الإنكار: # {إن الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان {وعملوا} تصديقا لإيمانهم ~~{الصالحات} أي: هذا النوع {أولئك} أي: هؤلاء العالو الدرجات {هم} أي: خاصة ~~{خير البرية} أي: على التعميم، أو برية عصرهم يأتي فيه ما مر. وقرأ نافع ~~وابن ذكوان بالهمز في الحرفين لأنه من قولهم برأ الله الخلق، والباقون ~~بالياء المشددة بعد الراء كالذرية ترك همزه في الاستعمال. ثم ذكر ثوابهم ~~بقوله تعالى: { { # {جزاؤهم} أي: على طاعاتهم وعظمه بقوله تعالى: {عند ربهم} أي: المربي لهم ~~والمحسن إليهم {جنات عدن} أي: إقامة لا يحولون عنها {تجري} أي: جريا دائما ~~لا انقطاع له {من تحتها} أي: تحت أشجارها وغرفها {الأنهار خالدين فيها} أي: ~~يوم القيامة، أو في الحال لسعيهم في موجباتها وأكد معنى الخلود تعظيما ~~لجزائهم بقوله تعالى: {أبدا رضي الله} أي: بما له من نعوت الجلال والجمال ~~{عنهم} أي: بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق {ورضوا عنه} لأنهم لم يبق ~~لهم أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم أنه تفضل في جميع ذلك لا يجب عليه لأحد ~~شيء، ولا يقدره أحد حق قدره فلو أخذ الخلق بما يستحقونه لأهلكهم كما قال ~~تعالى: {لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ms4145 ما ترك على ظهرها من دابة} (فاطر: ~~45) # . وقال ابن عباس: ورضوا عنه بثواب الله عز وجل. {ذلك} أي: الأمر العالي ~~الذي جوزوا به {لمن خشي ربه} أي: خاف المحسن إليه خوفا يليق به فلم يركن ~~إلى التسويف والتكاسل، فإن الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير وهي ~~للعارفين، فإن الإنسان إذا استشعر عذابا يأتيه لحقته حالة يقال لها: الخوف، ~~وهي انخلاع القلب عن طمأنينته، فإن اشتد سمي: وجلا لجولانه في نفسه، فإن ~~اشتد سمي: رهبا لأدائه إلى الهرب وهي حالة المؤمنين الفارين إلى الله ~~تعالى. ومن غلب عليه الحب لاستغراقه في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى ~~مهابة ووراء هذا الخشية {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر: 28) # فمن خاف ربه هذا الخوف أنفك عن جميع ما عنده مما لا يليق بجنابه تعالى، ~~وما فارق الخوف قلبا إلا خرب. روى أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لأبي بن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لم يكن الذين كفروا} قال أبي: ~~وسماني لك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم فبكى أبي» . قال البقاعي: سبب ~~تخصيصه بذلك أنه وجد اثنين من الصحابة قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهما فعرضا عليه فحسن لهما قال: فسقط في نفسي ~~من التكذيب أشد ما يكون في الجاهلية، فضرب صلى الله عليه وسلم في صدري ففضت ~~عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا، أي: خوفا ثم قص علي خبر التخفيف بالسبعة ~~الأحرف، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل، وفيها أنه تعالى يبعث ~~رسوله صلى الله عليه وسلم يوم البعث شهيدا، وأنه نزل عليه الكتاب تبيانا ~~لكل شيء وهدى ورحمة، وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين آمنوا، # PageV04P572 # وأن اليهود اختلفوا في السبت. # وسورة لم يكن على قصرها حاوية إجمالا لكل ما في النحل على طولها وزيادة، ~~وفيها التحذير من الشك بعد البيان، وتقبيح حال من فعل ذلك وأن حاله يكون ~~كحال الكفرة من أهل الكتاب في العناد ms4146 فيكون شر البرية فقرأها صلى الله عليه ~~وسلم تذكيرا له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصورا، فيكون ~~أرسخ في النفس، وأثبت في القلب، وأعشق للطبع، فاختصه الله بالتثبيت، وأراد ~~له الثبات فكان من المريدين المرادين لما وصل إلى قلبه بركة ضربة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لصدره، وصار كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائبا عن تلاوة ~~نفسه مصغيا بإذن قلبه إلى روح النبوة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال الشهود ~~الذي وصل إليه بسر تلك الضربة، ولثبوته في هذا المقام قال صلى الله عليه ~~وسلم «اقرؤكم أبي» . قال القرطبي: وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم. ~~وقال بعضهم: إنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ليعلم الناس ~~التواضع، لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على دونه في المنزلة. وقيل: إن ~~أبيا كان أسرع أخذا لألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد بقراءته ~~عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليه ~~ويعلم غيره وفيه فضيلة عظيمة لأبي؛ إذ أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقرأ عليه. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من قرأ سورة لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقيلا» ~~. حديث موضوع. ### | سورة الزلزلة # مدنية # في قول ابن عباس وقتادة ومكية في قول ابن مسعود وعطاء وجابر وهي ثمان ~~آيات وخمس وثلاثون كلمة ومائة وتسع وأربعون حرفا. # {بسم الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلما {الرحمن} الذي عم الخلق بنعمته ~~الظاهرة قسما {الرحيم} الذي أتم النعمة على خواصه حقيقة عينا واسما. # ولما قال تعالى: للمؤمنين {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن} كأن المكلف قال: ~~متى يكون ذلك فقيل: له: # {إذا زلزلت الأرض} أي: تحركت واضطربت لقيام الساعة، فالعاملون كلهم ~~يكونون في الخوف وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك وتكون آمنا لقوله تعالى: ~~{وهم من فزع يومئذ آمنون} (النمل: 89) # . {زلزالها} أي: تحريكها الشديد المناسب لعظم جرم الأرض ms4147 وعظمة ذلك كما ~~تقول: أكرم التقي إكرامه، وأهن الفاسق إهانته تريد ما يستوجبانه من الإكرام ~~والإهانة. # ولما كان الاضطراب العظيم يكشف عن الخفي في المضطرب قال تعالى: { { # {وأخرجت الأرض} أي: كلها، ولم يضمر تحقيقا للعموم {أثقالها} أي: مما هو ~~مدفون فيها من الكنوز والأموات. قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في ~~بطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها. وقال ابن عباس ~~ومجاهد: أثقالها أمواتها تخرجهم في النفخة الثانية، ومنه قيل للجن والإنس: ~~الثقلان. وقيل: أثقالها كنوزها، ومنه الحديث: «تنفى الأرض أفلاذ كبدها ~~أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول: # PageV04P573 # في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: ~~في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» فيعطيها الله تعالى قوة ~~إخراج ذلك كله كما كان يعطيها قوة أن تخرج النبات الصغير اللطيف الطري الذي ~~هو أنعم من الحرير، فتشق الأرض الصلبة التي تكل عنها المعاويل شق النواة مع ~~ما لها من الصلابة التي استعصت بها على الحديد، فتنفلق نصفين وينبت منها ~~سائر ما يريده سبحانه وتعالى فالذي قدر على ذلك قادر على تكوين الموتى في ~~بطن الأرض، وإعادتهم على ما كانوا عليه كما يكون الجنين في البطن، ويشق ~~جميع منافذه من السمع والبصر والفم وغير ذلك من غير أن يدخل هناك بيكار ولا ~~منشار، ثم يخرج من البطن. هكذا إخراج الموتى من غير فرق كل ذلك عليه هين ~~سبحانه. ما أعظم شأنه وأعز سلطانه. # {وقال الإنسان} أي: هذا النوع الصادق بالقليل والكثير لما له من النسيان ~~لما أكده عنده من أمر البعث لما له من الإنس بنفسه، والنظر في عطفه على ~~سبيل التعجب أو الدهش والحيرة أو الكافر كما يقول: {من بعثنا من مرقدنا} ~~(يس: 52) # فيقول له المؤمن: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} (يس: 52) # . {ما لها} أي: أي شيء ثبت للأرض في هذه الزلزلة الشديدة التي لم يعهد ~~مثلها ولفظت ما في بطنها. # {يومئذ} أي: إذ كان ms4148 ما ذكر من الزلزال وما لزم عنه وقوله تعالى: {تحدث ~~أخبارها} جواب إذا وهو الناصب لها عند الجمهور، ومعنى تحدث، أي: تخبر الأرض ~~بما عمل عليها من خير أو شر يومئذ، ثم قيل: هو من قول الله تعالى، وقيل: من ~~قول الإنسان، أي: يقول الإنسان ما لها تحدث أخبارها متعجبا. روى الترمذي عن ~~أبي هريرة أنه قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {يومئذ ~~تحدث أخبارها} قال: «أتدرون ما أخبارها قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ~~أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا ~~وكذا كذا وكذا. قال: فهذه أخبارها» . # في تحديثها بأخبارها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الله تعالى يقلبها حيوانا ناطقا فتتكلم بذلك. # ثانيها: أن الله تعالى يحدث فيها الكلام. # ثالثها: أن يكون فيها بيان يقوم مقام الكلام. قيل: في الآية تقديم وتأخير ~~تقديره يومئذ تحدث أخبارها فيقول الإنسان مالها أي: تخبر الأرض بما عمل ~~عليها. # {بأن ربك} متعلق بتحدث، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها والباء سببية، أي: ~~تحدث بسبب أن ربك المحسن إليك بأنواع النعم {أوحى لها} أي: أذن لها أن ~~تتكلم بذلك المذكور بالقال أو بالحال على ما مر. قال البقاعي: وعدل عن قوله ~~إليها إلى قول الله تعالى: {لها} إيذانا بالإسراع في الإيحاء. وقال البغوي: ~~أوحى إليها واحد. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة،. وقرأ ورش بالفتح وبين ~~اللفظين، والباقون بالفتح. # وقوله تعالى: {يومئذ} بدل من يومئذ قبله منصوب بقوله تعالى: {يصدر} أو ~~بأذكر مقدرا، أي: واذكر يوم إذ كان ما تقدم وهو حين يقوم الناس من القبور ~~يصدر {الناس} أي: يرجعون من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل ~~بينهم. وقرأ حمزة والكسائي بإشمام الصاد بين الصاد والزاي، والباقون بالصاد ~~الخالصة {أشتاتا} أي: متفرقين بحسب مراتبهم في الذوات والأحوال من مؤمن ~~وكافر، وآمن وخائف، ومطيع وعاص. وعن ابن عباس: متفرقين على قدر أعمالهم أهل ~~الإيمان على حدة، أو متفرقين فأخذ ذات اليمين # PageV04P574 # على الجنة، وأخذ ms4149 ذات الشمال إلى النار {ليروا} أي: يرى الله تعالى المحسن ~~منهم والمسيء بواسطة من شاء من جنوده، أو بغير واسطة حين يكلم سبحانه كل ~~أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما أخبر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ~~{أعمالهم} فيعلموا جزاءها، أو صادرين عن الموقف كل إلى داره ليرى جزاء ~~عمله، ثم سبب عن ذلك قوله تعالى مفصلا الجملة التي قبله: {فمن يعمل} من ~~محسن أو مسيء، مسلم أو كافر {مثقال ذرة خيرا} أي: من جهة الخير {يره} أي: ~~يرى ثوابه حاضرا لا يغيب عنه شيء منه، لأن المحاسب له الإحاطة علما وقدرة. # {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} فالمؤمن يراه ليشتد سروره به، والكافر يوقف ~~على عمله أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان، أو على أنه جوزي في الدنيا ~~فهو صورة بلا معنى ليشتد ندمه وتبقى حسرته. وعن ابن عباس: من يعمل من ~~الكفار خيرا يره في الدنيا ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من ~~شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من ~~المؤمنين يره في الدنيا ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا تاب ويتجاوز عنه، وإن ~~عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه ويضاعف في الآخرة # وفي بعض الأحاديث: إن الذرة لا زنة لها، وهذا مثل ضربه الله تعالى ليبين ~~أنه لا يغفل عن عمل ابن آدم صغيرا ولا كبيرا، وهو كقوله تعالى: {إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة} (النساء: 40) # . وذكر بعض أهل اللغة أن الذرأن يضرب الرجل يده على الأرض فما علق من ~~التراب فهو الذر. وعن ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها فكل واحدة ~~مما لزق من التراب ذرة، وفسرها بعضهم بالنملة الصغيرة، وبعضهم بالهباءة ~~التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة. وقال محمد كعب القرظي: فمن يعمل ~~مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده، ~~حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله تعالى ms4150 خير ومن يعمل مثقال ذرة من شر، ~~من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من ~~الدنيا وليس له عند الله تعالى شرر ودليله ما روى أنس «أن هذه الآية نزلت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يأكل فأمسك وقال: يا رسول الله وإنا ~~لنرى ما عملنا من خير وشر؟ فقال صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ما رأيت في ~~الدنيا مما تكره فمثاقيل ذر الشر ويدخر لكم مثاقيل ذر الخير حتى تعطوه يوم ~~القيامة» . وقال أبو إدريس: إن مصداقه من كتاب الله عز وجل: {وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم} (الشورى: 30) # . وقال مقاتل: نزلت في رجلين أحدهما كان يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه ~~التمرة والكسرة والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة ~~والنظرة، ويقول: إنما وعد الله تعالى النار على الكبائر فنزلت هذه الآية ~~لترغبهم في القليل من الخير يعطوه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «اتقوا ~~النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة» وتحذرهم من اليسير من الذنب، ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لعائشة: «إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من ~~الله تعالى طالبا» وقال ابن مسعود: هذه الآية أحكم آية في القرآن وأصدق. ~~وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية. # وقال كعب الأحبار: لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آيتان أحصتا ما ~~في التوراة والإنجيل والزبور والصحف {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره} . وكان صلى الله عليه وسلم يسمي هذه الجامعة الفاذة # PageV04P575 # حين سئل عن زكاة الحمير فقال: «ما نزل علي فيها شيء غير هذه الآية ~~الجامعة الفاذة» : {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره} . وروى مالك في الموطأ أن مسكينا استطعم عائشة رضي الله عنها وبين ~~يديها عنب، فقالت لإنسان خذ حبة فأعطه إياها فجعل ينظر إليها ويتعجب فقالت: ~~أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة، وكذا تصدق عمر ms4151 رضي الله عنه، ~~وإنما فعلا ذلك لتعليم الغير وإلا فهما من كرماء الصحابة. قال الربيع بن ~~خيثم مر رجل بالحسن وهو يقرأ هذه الآية فلما بلغ آخرها قال: حسبي قد انتهت ~~الموعظة. # تنبيه: قوله تعالى: {يره} جواب الشرط في الموضعين. وقرأ هشام بسكون هاء ~~يره وصلا في الحرفين، والباقون بضمها وصلا وساكنة وقفا كسائر هاء الكناية. ~~وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ إذا ~~زلزلت أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله» ، رواه الثعلبي بسند ضعيف لكن ~~يشهد له ما رواه ابن أبي شيبة مرفوعا «إذا زلزلت تعدل ربع القرآن» . ### | سورة والعاديات # مكية # في قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء، ومدنية في قول ابن عباس ~~وأنس ابن مالك، وهي إحدى عشرة آية وأربعون كلمة ومائة وثلاثة وستون حرفا. # {بسم الله} الذي له الأمر كله فلا يسئل عما يفعل {الرحمن} الذي نعمته أتم ~~نعمة وأشمل {الرحيم} الذي خص أولياءه بتوفيقه وأتم نعمته عليهم وأكمل. # وقوله سبحانه وتعالى: # {والعاديات ضبحا} قسم أقسم الله سبحانه بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: ~~صوت أنفاسها إذا عدون. وعن ابن عباس أنه حكاه فقال: أح أح، قال عنترة: # *والخيل تكدح حين تض ... بح في حياض الموت ضبحا* # وانتصاب ضبحا على يضبحن أو بالعاديات، كأنه قيل: والضابحات ضبحا لأن ~~الضبح يكون مع العدو، أو على الحال، أي: ضابحات، والعاديات جمع عادية وهي ~~الجارية بسرعة من العدو وهو المشي بسرعة. { { # وعن ابن عباس: كنت جالسا في الحجر فجاء رجل فسألني عن العاديات ضبحا ~~ففسرتها بالخيل فذهب إلى علي رضي الله عنه، وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر ~~له ما قلت، فقال: ادعه لي فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم ~~لك به، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان؛ ~~فرس للزبير وفرس للمقداد العاديات ضبحا الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن ~~المزدلفة إلى منى. قال الزمخشري: فإن صحت الرواية فقد استعير الضبح للإبل ~~كما ms4152 استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمهر وما أشبه ذلك. قال ابن ~~عباس: وليس شيء من الحيوان يضبح غير الفرس والكلب والثعلب، ونقل غيره أن ~~الضبح يكون في الإبل والأسود من الحيات والبوم والضرو والأرنب والثعلب ~~والفرس. # ثم اتبع عدوها ما ينشأ عنه فقال تعالى عاطفا بأداة التعقيب: # {فالموريات قدحا} قال عكرمة والضحاك: هي الخيل توري النار بحوافرها إذا ~~سارت في الحجارة لا سيما عند سلوك الأوعار، وقدحا منصوب لما انتصب به ضبحا. ~~قال # PageV04P576 # الزمخشري: ففيه الثلاثة أوجه المتقدمة. وعن ابن عباس: أورت بحوافرها ~~غبارا، وهذا إنما يناسب من فسر العاديات بالإبل. وقال ابن مسعود: هي الإبل ~~تطأ الحصى فتخرج منه النار أصل القدح: الاستخراج، ومنه قدحت العين إذا ~~أخرجت منها الماء الفاسد. وعن قتادة وابن عباس أيضا: أن الموريات قدحا ~~الرجال في الحرب، والعرب تقول: إذا أرادوا أن الرجل يمكر بصاحبه والله ~~لأمكرن بك ثم لأورين لك، وعن ابن عباس أيضا: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم ~~بالليل لحاجتهم وطعامهم، وعنه أيضا: إنها نيران المجاهدين إذا كثرت إرهابا ~~ليظنهم العدو كثيرا قال القرطبي: وهذه الأقوال مجاز كقولهم: فلان يوري زناد ~~الضلالة والأول الحقيقة وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النار بحوافرها. وقال ~~مقاتل: تسمى تلك النار نار أبي حباب، وأبو حباب كان شيخا من مضر في ~~الجاهلية من أبخل الناس، وكان لا يوقد نار الخبز ولا غيره حتى تنام العيون ~~فيوقد نويرة تقد مرة وتخمد أخرى، فإن استيقظ لها أحدا أطفأها كراهة أن ~~ينتفع بها أحد، فشبهت العرب هذه النار بناره لأنه لا ينتفع بها. # ولما ذكر العدو وما يتأثر عنده ذكر نتيجته وغايته بقوله: # {فالمغيرات} أي: بإغارة أهلها وقوله تعالى: {صبحا} ظرف، أي: التي تغير ~~وقت الصبح يقال أغار بغير إغارة إذا باغت عدوه لنهب أو قتل أو أسر، قال ~~الشاعر: # *فليت لي بهم قوما إذا اركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانا* # وغار لغية. # {فأثرن} أي: فهيجن {به} أي: بفعل الإغارة ومكانها وزمانها من شدة العدو ~~{نقعا} أي: غبار الشدة حركتهن ms4153 والنقع الغبار. # تنبيه: عطف الفعل وهو فأثرن على الاسم لأنه في تأويل الفعل لوقوعه صلة ~~لأل. وقال الزمخشري: معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، لأن ~~المعنى واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن. # {فوسطن به} أي: بذلك النقع أو العدو أو الوقت {جمعا} من العدو، أي: صرن ~~وسط العدو وهو الكتيبة، يقال: وسطت القوم بالتخفيف ووسطتهم بالتشديد، ~~وتوسطتهم بمعنى واحد. وقال القرطبي: يعني جمع منى وهو مزدلفة، فوجه القسم ~~على هذا أن الله تعالى أقسم بالإبل لما فيها من المنافع الكثيرة وتعريضه ~~بإبل الحج للترغيب فيه، وفيه تعريض على من لم يحج بعد القدرة عليه كما في ~~قوله تعالى: {ومن كفر} أي: من لم يحج {فإن الله غني عن العالمين} (آل ~~عمران: 97) # وجواب القسم قوله تعالى: # {إن الإنسان} أي: هذاالنوع بما له من الإنس بنفسه والنسيان لما ينفعه ~~{لربه} المحسن إليه بإبداعه ثم بإبقائه وتدبيره وتربيته {لكنود} قال ابن ~~عباس: لكفور جحود لنعم الله تعالى. وقال الكلبي: هو بلسان ربيعة ومضر ~~الكفور وبلسان كندة وحضرموت العاصي. وقال الحسن: هو الذي يعد المصائب وينسى ~~النعم وقال أبو عبيدة: هو قليل الخير والأرض الكنود التي لا تنبت شيئا، وفي ~~الحديث عن أبي امامة هو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده. وقال الفضيل ~~بن عياض: الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من ~~الإحسان، والشكور الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من ~~الإساءة. # {وإنه} أي: الإنسان {على ذلك} # PageV04P577 # أي: الكنود العظيم حيث أقدم على مخالفة الملك الأعظم المحسن مع الكفر ~~لإحسانه {لشهيد} أي: يشهد على نفسه ولا يقدر أن يجحده لظهور أثره عليه، أو ~~أن الله تعالى على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد. # {وإنه} أي: الإنسان من حيث هو {لحب} أي: لأجل حب {الخير} أي: المال الذي ~~لا يعد غيره لجهله خيرا {لشديد} أي: بخيل بالمال ضابط له ممسك عليه، أو ~~بليغ القوة في حبه لأن منفعته في الدنيا، وهو متقيد بالعاجل الحاضر المحسوس ~~مع علمه بأن أقل ms4154 ما فيه أنه يشغله عن حسن الخدمة لربه تعالى، ومع ذلك فهو ~~لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق، وهو لحب عبادة ربه وشكر نعمته ~~ضعيف متقاعس. # ثم سبب عن ذلك قوله تعالى: # {أفلا يعلم} أي: هذا الإنسان الذي أنساه أنسه بنفسه {إذا بعثر} أي: انتثر ~~بغاية السهولة وأخرج {ما في القبور} أي: من الموتى. قال أبو عبيدة: بعثرت ~~المتاع: جعلت أسفله أعلاه. قال محمد بن كعب: ذلك حين يبعثون. فإن قيل: لم ~~قال: {ما في القبور} ولم يقل من، ثم قال بعد ذلك: # {إن ربهم بهم} أجيب: عن الأول بأن ما في الأرض غير المكلفين أكثر فأخرج ~~الكلام على الأغلب، أو أنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء بل يصيرون ~~كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء، والضمير الثاني ~~ضمير العقلاء. # {وحصل} أي: أخرج وجمع بغاية السهولة {ما في الصدور} من خير وشر مما يظن ~~مضمره أنه لا يعلمه أحد أصلا، وظهر مكتوبا في صحائف الأعمال وهذا يدل على ~~أن النيات يحاسب عليها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها. وتخصيص الصدر بذلك ~~لأنه محله القلب. # {إن ربهم} أي: المحسن إليهم بخلقهم وخلقهم وتربيتهم {بهم يومئذ} أي: إذا ~~كانت هذه الأمور وهو يوم القيامة {لخبير} أي: لمحيط بهم من جميع الجهات ~~عالم غاية العلم ببواطن أمورهم فكيف بظواهرها ومعنى علمه بهم يوم القيامة ~~مجازاته لهم، وإلا فهو خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره فكيف ينبغي للعاقل ~~أن يعلق آماله بالمال فضلا عن أن يؤثره على الباقي. وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة والعاديات أعطي من ~~الأجر حسنات من بات بالمزدلفة وشهد جمعا» حديث موضوع. ### | سورة القارعة # مكية # وهي إحدى عشرة آية وست وثلاثون كلمة ومائة واثنان وخمسون حرفا # {بسم الله} الملك الأعلى {الرحمن} الذي عمت نعمه إيجاده جميع الورى ~~{الرحيم} الذي يخص أولياءه بالتوفيق لما يحب ويرضى. # ولما ختم العاديات بالبعث ذكر صيحته بقوله تعالى: # {القارعة} ms4155 أي: الصيحة، أو القيامة التي تقرع القلوب بأهوالها والأجرام ~~الكثيفة بالتشقق والانفطار، والأشياء الثابتة بالانتشار. وقوله تعالى: # {ما القارعة} تهويل لشأنها وهما مبتدأ وخبر، خبر القارعة، وأكد تعظيمها ~~إعلاما بأنه مهما خطر في بالك من عظمها فهي أعظم منه، فقال تعالى: # {وما أدراك} أي: أعلمك {ما القارعة} أي: إنك لا تعرفها لأنك لم تعهد ~~مثلها، وما الأولى مبتدأ وما بعدها خبره، وما الثانية وخبرها في محل ~~المفعول الثاني لأدري. { { # واختلف في ناصب {يوم} على # PageV04P578 # وجهين أحدهما أنه بمضمر دل عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم. وقيل تقديره: ~~تأتي القارعة يوم {يكون الناس} والثاني أنه أذكر مقدرا فهو مفعول به لا ~~ظرف. وقوله تعالى: {كالفراش المبثوث} يجوز أن يكون خبرا للناقصة وأن يكون ~~حالا من فاعل التامة، أي: يؤخذون ويحشرون شبه الفراش شبههم في الكثرة ~~والانتشار، والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما يتطاير ~~الفراش إلى النار، والفراش طائر معروف. قال قتادة: الفراش الطير الذي ~~يتساقط في النار والسراج، الواحدة فراشة. وقال الفراء: هو الهمج من البعوض ~~والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في الطيش والهرج يقال: أطيش من فراشة. ~~وأنشدوا: # *فراشة الحلم فرعون العذاب وأن ... تطلب نداه فكلب دونه كلب* # وفي أمثالهم: أضعف من فراشة، وأذل وأجهل. وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره. ~~وروى مسلم عن جابر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلي ومثلكم ~~كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها وأنا ~~آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي» . وفي تشبيه الناس بالفراش ~~مبالغات شتى منها الطيش الذي يلحقهم وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضا، ~~والكثرة والضعف، والذلة والمجيء من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، ~~والتطاير إلى النار. قال جرير: # *إن الفرزدق ما علمت وقومه ... مثل الفراش غشين نار المصطلى* # والمبثوث المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر: {كأنهم جراد منتشر} (القمر: ~~7) # فإن قيل: كيف شبه الشيء الواحد بالصغير والكبير معا لأنه شبههم بالجراد ~~المنتشر والفراش المبثوث؟ أجيب: بأن التشبيه بالفراش ms4156 في ذهاب كل واحد إلى ~~غير جهة الآخر، وأما التشبيه بالجراد فبالكثرة والتتابع. # {وتكون الجبال} على ما هي عليه من الشدة والصلابة وأنها صخورا راسخة ~~{كالعهن} أي: الصوف المصبوغ ألوانا لأنها ملونه قال تعالى: {ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر} (فاطر: 27) # أي: وغير ذلك {المنفوش} أي: المندوف المفرق الأجزاء فتراها لذلك متطايرة ~~في الجو كالهباء المنثور، كما قال تعالى في موضع آخر: {هباء منبثا} ~~(الواقعة: 6) # حتى تعود الأرض كلها لا عوج فيها ولا أمتا. # ثم سبب عن ذلك تعالى مفصلا لهم: # {فأما من ثقلت موازينه} أي: برجحان الحسنات، وفي الموازين قولان: أحدهما: ~~أنه جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، وهذا قول ~~الفراء. والثاني: قال ابن عباس: إنه جمع ميزان له لسان وكفتان لا يوزن فيه ~~إلا الأعمال، فتوزن فيه الصحف المكتوبة فيها الحسنات والسيئات أو الأعمال ~~أنفسها، فيؤتى بحسنات المؤمن في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فإذا رجحت ~~فالجنة له، ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة فيخف ميزانه فيدخل النار. # وقيل: إنما توزن أعمال المؤمنين فمن ثقلت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ~~ومن ثقلت سيئاته على حسناته دخل النار فيقتص منه على قدرها، ثم يخرج منها ~~فيدخل الجنة، أو يعفو الله عنه فيدخل الجنة بفضله ورحمته. وأما الكافر فقد ~~قال الله تعالى في حقه: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} (الكهف: 105) # ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل # PageV04P579 # عليه السلام يزن به أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين ~~لكل حادثة ميزان، وقيل: الموازين الحجج والدلائل قاله عبد العزيز بن يحيى، ~~واستشهد بقول الشاعر: # *قد كنت قبل لقائكم ذا مرة ... عندي لكل مخاصم ميزانه* # {فهو} أي: بسبب رجحان حسناته {في عيشة} أي: حياة يتقلب فيها. قال ~~البقاعي: ولعله ألحقها بالهاء الدالة على الوحدة، والمراد العيش ليفهم أنها ~~على حالة واحدة في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا {راضية} أي: ~~ذات رضا أو مرضية لأن أمه جنة عالية. # {وأما من خفت} أي: طاشت ms4157 {موازينه} أي: غلبت سيئاته، أو لم تكن له حسنة ~~لاتباعه الباطل وخفته عليه في الدنيا. # {فأمه} أي: التي تؤويه وتضمه إليها كما يقال للأرض أم لأنها تقصد لذلك، ~~ويسكن إليها كما يسكن إلى الأم وكذا المسكن {هاوية} أي: نار نازلة سافلة ~~جدا، فهو بحيث لا يزال يهوي فيها نازلا فهو في عيشة ساخطة فالآية من ~~الاحتباك ذكر العيشة أولا دليلا على حذفها ثانيا وذكر الأم ثانيا، دليلا ~~على حذفها أولا، والهاوية اسم من أسماء جهنم وهي المهواة لا يدرك قعرها. # وقال قتادة: هي كلمة عربية كان الرجل إذا وقع في أمر شديد يقال: هوت أمه. ~~وقيل: أراد أم رأسه يعني أنهم يهوون في النار على رؤوسهم، وإلى هذا التأويل ~~ذهب قتادة وأبو صالح. وروي عن أبي بكر أنه قال: وإنما ثقلت موازين من ثقلت ~~موازينهم يوم القيامة باتباع الحق وثقله في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه ~~إلا الحسنات أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل ~~وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا السيئات أن يخف. # {وما أدراك} أي: وأي شيء أعلمك وإن اشتد تكلفك {ماهيه} أي: الهاوية، ~~والأصل ما هي فدخلت الهاء للسكت وقرأ حمزة في الوصل بغيرها بعد الياء ~~التحتية ووقف بها، والباقون بإثباتها وصلا ووقفا. # فإن قيل: قال هنا: {وما أدراك ماهيه} وقال أول السورة: {وما أدراك ما ~~القارعة} ولم يقل ما أدراك ما الهاوية؟. # أجيب: بأن كونها قارعة أمر محسوس وكونها هاوية ليس كذلك فظهر الفرق. # وقوله تعالى: {نار حامية} خبر مبتدأ مضمر، أي: هي، أي: الهاوية نار شديدة ~~الحرارة. روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ناركم هذه التي توقد ~~جزء من سبعين جزء من حر جهنم، قالوا: وإنها لكافية يا رسول الله؟ قال: ~~فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزء كلها مثل حرها» وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري: عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ~~ميزانه يوم القيامة» حديث موضوع. ### | سورة التكاثر # مكية ms4158 # وهي ثمان آيات وثمانية وعشرون كلمة ومائة وعشرون حرفا # {بسم الله} ذي الجلال والإكرام {الرحمن} الذي عم بالإيجاد بعد الإعدام ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه بتمام الإنعام. # ولما ختم القارعة بالشقي افتتح هذه بفعل الشقاوة ومبتدأ الحشر لينزجر ~~السامع. فقال تعالى: # {ألهاكم التكاثر} أي: شغلكم المباهاة والمفاخرة والمكاثرة بكثرة # PageV04P580 # المال والعدد عن طاعة ربكم، وما ينجيكم من سخطه. # {حتى زرتم المقابر} أي: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم ~~وقبرتم منفقين أعماركم في طلب الدنيا، والاستباق إليها والتهالك عليها إلى ~~أن أتاكم الموت، لا هم لكم غيرها عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم، ~~والعمل لآخرتكم، وزيارة القبر عبارة عن الموت. قال الأخطل: # *لن يخلص العام خليل عشرا ... ذاق الضماد أو يزور القبرا* # تنبيه: حتى غاية لقوله تعالى: {ألهاكم} وهو عطف عليه، والمعنى: حتى أتاكم ~~الموت فصرتم في المقابر زوارا ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة ~~أو نار، يقال لمن مات: قد زار قبره. # فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريبا والأموات ملازمون للقبور فكيف يقال: ~~إنه زار القبر، وأيضا حتى زرتم إخبار عن الماضي فكيف يحمل على المستقبل. # أجيب: عن الأول: بأن سكان القبور لا بد أن ينصرفوا عنها، فإن كل آت قريب، ~~وعن الثاني: لتحققه عبر عنه بالماضي كقوله تعالى: {أتى أمر الله} (النحل: ~~10) { { # وقال أبو مسلم: إن الله تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعبيرا ~~للكفار وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور. وقال مقاتل والكلبي: ~~نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عددا فكثرهم ~~بنو عبد مناف، وقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا ~~بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات، لأنهم كانوا في الجاهلية ~~أكثر عددا، والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى استوعبتم عددهم ثم صرتم إلى ~~المقابر فتكاثرتم بالأموات عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما ~~بهم، وإنما حذف الملهى عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدين للتعظيم والمبالغة. # وقال قتادة: في اليهود ms4159 قالوا نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني ~~فلان، شغلهم ذلك حتى ماتوا ضلالا، أو أنهم كانوا يزورون المقابر فيقولون: ~~هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان عند تفاخرهم، والمعنى: ألهاكم ذلك وهو مما لا ~~يعينكم ولا يجدي عنكم في دنياكم وآخرتكم عما يعينكم من أمر الدين الذي هو ~~أهم وأعنى من كل مهم من المقابر، والمقابر: جمع مقبرة بفتح الباء وضمها، ~~ويسمى سعيد المقبري لأنه كان يسكن المقابر. قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ~~ذكر المقابر إلا في هذه السورة، واعترضه ابن عادل: بأن الله تعالى قال في ~~سورة أخرى: {ثم أماته فأقبره} (عبس: 21) # وهذا ممنوع فإنه قال المقابر، فلفظ هذه الآية غير لفظ تلك. وزيارة القبور ~~من أعظم الأدوية للقلب القاسي لأنها تذكر الموت والآخرة، وذلك يحمل على قصر ~~الأمل والزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها قال صلى الله عليه وسلم «كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة» . وروى ~~أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعن زوارات القبور» . فتكره ~~لهن لقلة صبرهن وكثرة جزعهن نعم زيارة النبي صلى الله عليه وسلم سنة لهن ~~ويلحق به بقية الأنبياء والعلماء، وينبغي لمن زار القبور أن يتأدب بآدابها ~~ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها الطواف عليها فقط فإن هذه حالة ~~يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى وإصلاح فساد قلبه، ~~ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن والدعاء، ويتجنب الجلوس عليها. # ويسلم إذا دخل المقابر فيقول: «السلام عليكم # PageV04P581 # دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» . وإذا وصل على قبر ميته ~~الذي يعرفه سلم عليه أيضا، وأتاه من قبل وجهه لأنه في زيارته كمخاطبه حيا، ~~ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل حال من مضى ~~من إخوانه كيف انقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم، ومجيء التراب على ~~محاسنهم ووجوههم، وافترقت في التراب أجزاؤهم، وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ~~ذل اليتم أولادهم وأنه ms4160 لا بد صائر إلى مصيرهم، وأن حاله كحالهم وماله ~~كمالهم. # وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: «انتهيت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية قال: يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من ~~مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت» . وعن مالك ~~قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان، ~~ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» . وقرأ ~~ألهاكم حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، ~~والباقون بالفتح. # وقوله تعالى: {كلا} ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون ~~الدنيا جميع همه ولا يهتم بذنبه. وقوله تعالى: {سوف تعلمون} إنذار ليخافوا ~~فينتبهوا عن غفلتهم وقوله تعالى: # {ثم كلا سوف تعلمون} تكرير للتأكيد وثم للدلالة على أن الثاني أبلغ من ~~الأول وأشد كما يقال للمنصوع أقول لك لا تفعل، والمعنى سوف تعلمون والخطأ ~~فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله تعالى، وإن هذا ~~التنبيه نصيحة لكم ورحمة عليكم. # وعن علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه {كلا سوف تعلمون} في الدنيا. # {ثم كلا سوف تعلمون} في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التغاير ~~بينهما لأجل تغاير المتعلقين وثم على بابها من المهلة. وعن ابن عباس {كلا ~~سوف تعلمون} ما ينزل بكم من العذاب في القبور {ثم كلا سوف تعلمون} في ~~الآخرة إذا حل بكم العذاب فالتكرار للحالتين. وروى زر بن حبيش عن علي كنا ~~نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة فأشار على أن قوله تعالى: {كلا سوف ~~تعلمون} في القبور. وقيل: {كلا سوف تعلمون} إذا نزل بكم الموت وجاءتكم رسل ~~ربكم بنزع أرواحكم {ثم كلا سوف تعلمون} في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا ~~تضمنت أحوال القيامة، من بعث وحشر وعرض وسؤال إلى غير ذلك من أهوال ~~القيامة، وقال الضحاك: {كلا سوف تعلمون} يعني الكفار {ثم كلا سوف تعلمون} ~~أيها ms4161 المؤمنون فالأول وعيد والثاني وعد. # ولما كان هذا أمرا صادقا أشار تعالى إلى أنه يكفي هذه الأمة المرحومة ~~التأكيد بمرة واحدة، فقال سبحانه مرددا الأمر بين تأكيد الردع تاليا ~~بالأداة الصالحة له، ولأن يكون بمعنى حقا كما يقوله أئمة القراءة. # {كلا} أي: ليشتد ارتداعكم عن التكاثر، فإنه أساس كل بلاء فإنكم {لو ~~تعلمون} أي: أيها الكافرون {علم اليقين} أي: لو يقع لكم علم على وجه اليقين ~~مرة من الدهر لعلمتم ما بين أيديكم فلم يلهكم التكاثر ولضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون فحذف الجواب أخوف ليذهب الوهم ~~معه كل مذهب ولا يجوز أن يكون. # {لترون الجحيم} جوابها الآن هذا مثبت، وجواب لو يكون منفيا ولأنه تعالى ~~عطف عليه، ثم لتسألن وهو مستقبل لا بد من وقوعه وحذف جواب لو كثير. قال ~~الأخفش: التقدير لو تعلمون علم اليقين لالهاكم بل هو جواب قسم محذوف أكد به ~~الوعيد، وأوضح به # PageV04P582 # ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيما. # وقوله تعالى: {ثم لترونها} تكرير للتأكيد، والأولى إذا رأتهم من مكان ~~بعيد، والثانية إذا وردوها والمراد بالأولى المعرفة والثانية الإبصار. {عين ~~اليقين} أي: الرؤية التي هي نفس اليقين، فإن علم المشاهدة أعلى مراتب ~~اليقين. قال الرازي: واليقين مركب الإخلاص في هذا الطريق، وهو غاية درجات ~~العامة وأول خطرة الخاصة. قال صلى الله عليه وسلم «خير ما ألقي في القلب ~~اليقين» وعلمه قبول ما ظهر من الحق وقبول ما غاب للحق والوقوف على ما قام ~~بالحق. وقال قتادة: اليقين هنا الموت، وعنه أيضا. البعث، أي: لو تعلمون علم ~~الموت، أو البعث فعبر عنه الموت باليقين، والعلم من أشد البواعث على العمل. ~~وقيل: لو تعلمون اليوم في الدنيا علم اليقين بما أمامكم مما وصفت.. # {لترون الجحيم} بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك. ~~وقرأ لترون ابن عامر والكسائي بضم التاء، والباقون بالفتح. # {ثم لتسئلن} حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو لالتقاء الساكنين ~~{يومئذ} أي: يوم رؤيتها {عن النعيم} وهو ما يلتذ به في ms4162 الدنيا من الصحة ~~والفراغ والأمن والمطعم والمشرب وغير ذلك، والمراد بذلك ما يشغله عن الطاعة ~~للقرينة والنصوص الكثيرة كقوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده} (الأعراف: 32) # وقوله تعالى: {كلوا من الطيبات} (المؤمنون: 51) # وقال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر رضي الله عنه ~~لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي ~~الهيثم من خبز وشعير ولحم وبسر وماء عذب، أيكون من النعيم الذي يسأل عنه، ~~فقال صلى الله عليه وسلم «إنما ذلك للكفار ثم قرأ صلى الله عليه وسلم {وهل ~~نجازي إلا الكفور} (سبأ: 17) # » لأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا ~~والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله تعالى، والاشتغال بشكره فالله تعالى يسألهم ~~عنها يوم القيامة حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب ~~لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن والكافر لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«أول ما يسأل العبد يوم القيامة عن النعيم فيقال له: ألم نصحح جسمك، ألم ~~نروك من الماء البارد؟» . وقيل: الزائد على ما لا بد منه، وقيل: غير ذلك. ~~قال الرازي: والأولى على جميع النعم لأن الألف واللام تفيد الاستغراق وليس ~~صرف اللفظ على البعض أولى من صرفه إلى الباقي، فيسأل عنها هل شكرها أم ~~كفرها. # وإذا قيل: إن هذا السؤال للكافر، فقيل: هو في موقف الحساب، وقيل: بعد ~~دخول النار يقال لهم: إنما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم ~~عن العمل الذي ينجيكم من هذه النار، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم ~~اليوم من أهل النجاة. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ ألهاكم ~~التكاثر لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطي من ~~الأجر كأنما قرأ ألف آية» حديث موضوع إلا آخره، فرواه الحاكم بلفظ «ألا ~~يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ms4163 ألف ~~آية؟ قال: أو ما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر» . ### | سورة العصر # مكية # وروي عن ابن عباس وعبادة أنها مدنية، وهي ثلاث آيات وأربع عشرة كلمة ~~وثمانية وستون حرفا # PageV04P583 # {بسم الله} الذي كل شيء هالك إلا وجهه {الرحمن} الذي عم الوجود بإنعامه ~~فليس شيء شبهه {الرحيم} الذي أعز أولياءه فكانوا للدهر غرة ولأهله جبهه. # وقوله تعالى: {والعصر} قسم، واختلف في المراد به. فقال ابن عباس: والدهر ~~أقسم به لأن فيه عبرة للناظر بتصرف الأحوال وتبدلها وما فيها من الدلالة ~~على الصانع، وقيل: معناه ورب العصر ومر الكلام في أمثاله وقال ابن كيسان ~~أراد بالعصر الليل والنهار، يقال لهما العصران وقال الحسن: بعد زوال الشمس ~~إلى غروبها وقال قتادة: آخر ساعة من ساعات النهار وقال مقاتل: أقسم بصلاة ~~العصر وهي الصلاة الوسطى، وهذا أشبه قال صلى الله عليه وسلم «من فاتته ~~الصلاة الوسطى فكأنما وتر أهله وماله» ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت ~~الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بعشائهم. # ونقل ابن عادل عن مالك أن من حلف أن لا يكلم الرجل عصرا لم يكلمه سنة. ~~قال ابن العربي: إنما حمل مالك يمين الحالف على السنة لأنه أكثر ما قيل: ~~فيه. ونقل عن الشافعي يبر بساعة إلا أن تكون له نية. وجواب القسم. { { # {إن الإنسان} أي: الجنس {لفي خسر} أي: نقص بحسب مساعيهم في أهوائهم وصرف ~~أعمارهم في إغراضهم لما لهم بالطبع من الميل إلى الحاضر، والإعراض عن ~~الغائب، والإغترار بالفاني. # تنبيه: تنكير خسر يحتمل التهويل والتحقير، فإن حمل على الأول وهو الظاهر ~~كان المعنى: أن الإنسان لفي خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا الله تعالى، لأن ~~الذنب يعظم أما لعظم من في حقه الذنب، أو لأنه وقع في مقابلة النعم ~~العظيمة، فلذلك كان الذنب في غاية العظم. وإن حمل على الثاني كان المعنى: ~~إن خسران الإنسان دون خسران الشيطان # ولما كان الحكم على الجنس حكما على الكل لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ~~ذلك، وكان فيهم من خلصه ms4164 الله تعالى مما طبع عليه الإنسان وحفظه عن الميل ~~استثناهم بقوله عز من قائل: # {إلا الذين آمنوا} أي: أوجدوا الإيمان وهو التصديق بما علم بالضرورة مجيء ~~النبي صلى الله عليه وسلم به من توحيده سبحانه، والتصديق بملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر. {وعملوا} أي: تصديقا لما أقروا به من الإيمان ~~{الصالحات} أي: هذا الجنس من إيقاع الأوامر واجتناب النواهي، واشتروا ~~الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة ~~السرمدية، فلم يلحقهم شيء من الخسران. # وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: المراد بالإنسان الكافر، وقال في رواية ~~الضحاك: يريد به جماعة من المشركين الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، ~~والأسود بن عبد المطلب. وقيل: لفي خسر غبن وقال الأخفش لفي هلكة وقال ~~الفراء: لفي عقوبة. وقال ابن زيد: لفي شر. وروى ابن عوف عن إبراهيم قال: ~~أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وأهرم لفي ضعف ونقص وتراجع إلا المؤمنين ~~فإنه يكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم، ونظيره قوله ~~تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ~~آمنوا} (التين: 4 6) # ولما كان الإنسان بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر ~~إلا بتكميل غيره، وحينئذ كان وارثا لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بعثوا للتكميل. قال تعالى مخصصا لما دخل في الأعمال الصالحة منبها على ~~عظمه: {وتواصوا} أي: أوصى بعضهم بعضا بلسان الحال والمقال {بالحق} أي: ~~الأمر الثابت وهو كل ما # PageV04P584 # حكم الشرع بصحته ولا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله من توحيد الله تعالى ~~وطاعته، واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة {وتواصوا} ~~أيضا {بالصبر} عن المعاصي وعلى الطاعات، وعلى ما يبتلي الله به عباده من ~~الأمراض وغيرها. # ويروى عن أبي بن كعب أنه قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم والعصر، ~~ثم قلت: ما تفسيرها يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم «والعصر قسم من ~~الله أقسم ربكم بآخر النهار أن الإنسان لفي خسر أبو جهل ms4165 إلا الذين آمنوا ~~أبو بكر، وعملوا الصالحات عمر وتواصوا بالحق عثمان، وتواصوا بالصبر علي» . ~~وهكذا خطب ابن عباس على المنبر موقوفا عليه. وقال قتادة: بالحق، أي: ~~بالقرآن. وقال السدي: الحق هنا الله عز وجل. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة والعصر غفر الله له، وكان ممن ~~تواصى بالحق وتواصى بالصبر» . حديث موضوع. ### | سورة الهمزة # مكية # وهي تسع آيات وثلاثون كلمة ومائة وثلاثون حرفا # {بسم الله} الحكم العدل {الرحمن} الذي عم جوده أهل البخل وأولي العدل ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه بزيادة الفضل # وقوله تعالى: {ويل} فيه قولان: أحدهما: أنه كلمة عذاب، والثاني: أنه واد ~~في جهنم {لكل همزة لمزة} قال ابن عباس: هم المشاؤون بالنميمة المفرقون بين ~~الأحبة الباغون للبرآء العيب، فعلى هذا هما بمعنى. وقال صلى الله عليه وسلم ~~«شر عباد الله المشاؤون بالنميمةالمفسدون بين الأحبة الباغون للبراء العيب» ~~. وقال مقاتل: الهمزة الذي يعيبك في الغيب، واللمزة الذي يعيبك في الوجه. ~~وقال أبو العالية والحسن: الهمزة الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل، واللمزة ~~الذي يغتابه من خلفه، وهذا اختيار النحاس. ومنه قوله تعالى: {ومنهم من ~~يلمزك في الصدقات} (التوبة: 58) # . وقال سعيد بن جبير: الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، واللمزة ~~الطعان عليهم. وقال ابن زيد: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة ~~الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم. وقال سفيان الثوري: يهمز بلسانه ويلمز بعينه. ~~وقال ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ، واللمزة الذي يكسر ~~عينه ويشير برأسه ويرمز بحاجبه. وحاصل هذه الأقاويل يرجع إلى أصل واحد وهو ~~الطعن وإظهار العيب، ويدخل في ذلك من يحاكي الناس بأقوالهم وأفعالهم ~~وأصواتهم ليضحكوا منهم. وأصل الهمز الكسر واللمز الطعن، ثم خصا بالكسر من ~~أعراض الناس والطعن فيهم حتى صار ذلك عادة، لأنه خلق ثابت في جبلتهم والذي ~~دل على الاعتياد صيغة فعلة بضم ففتح، كما يقال: ضحكة للذي يفعل الضحك كثيرا ~~حتى صار عادة له وضرى به. # واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقال الكلبي: ms4166 نزلت في الأخنس بن شريق ~~الثقفي كان يقع في الناس ويغتابهم. وقال محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أن ~~سورة الهمزة نزلت في أمية بن خلف الجمحي. وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن ~~المغيرة، كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه، ويطعن عليه في ~~وجهه. وقال مجاهد: هي عامة في حق من هذه صفته. # وقوله تعالى: {الذي جمع مالا} بدل من كل، # PageV04P585 # أو ذم منصوب أو مرفوع. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد الميم على ~~المبالغة والتكثير ولأنه يوافق قوله تعالى: {وعدده} والباقون بتخفيفها، وهي ~~محتملة للتكثير وعدمه، ومعنى عدده: أحصاه وجعله للحوادث. وقال الضحاك: أعد ~~ماله لمن يرثه من أولاده، وقيل: فاخر بعدده وكثرته: والمقصود الذم على ~~إمساك المال عن سبيل الطاعة كقوله تعالى: # {مناع للخير} (ص: 5) # وقوله تعالى: {جمع فأوعى} (المعراج: 18) # {يحسب} أي: يظن لجهله {أن ماله أخلده} أي: أوصله إلى رتبة الخلد في ~~الدنيا فيصير خالدا فيها لا يموت، أو يعمل من تشييد البنيان الموثق بالصخر ~~والآجر وغرس الأشجار وعمارة الأرض عمل من يظن أن ماله أبقاه حيا، أو هو ~~تعريض بالعمل الصالح، أو أنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم، فأما المال فما ~~أخلد أحدا فيه. وروي أنه كان للأخنس أربعة آلاف دينار، وقيل: عشرة آلاف ~~دينار. وعن الحسن: أنه عاد موسرا فقال: ما تقول في ألوف لم أفتد بها من ~~لئيم ولا تفضلت بها على كريم؟ قال: لماذا؟ قال: لنبوة الزمان، وجفوة ~~السلطان ونوائب الدهر، ومخافة الفقر. قال: إذا تدعه لمن لا يحمدك، وترد على ~~من لا يعذرك. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين، والباقون بكسرها. # وقوله تعالى: {كلا} ردع له عن حسبانه، وقيل: معناه حقا. وقوله تعالى: ~~{لينبذن} جواب قسم محذوف، أي: ليطرحن بعد موته {في الحطمة} أي: الطبقة من ~~جهنم التي شأنها أن تحطم، أي: تكسر بشدة وعنف كل ما طرح فيها يكون أخسر ~~الخاسرين ويقال للرجل الأكول: إنه لحطمة. # {وما أدراك} أي: وأي شيء أعلمك، ولو بمحاولة منك للعلم ms4167 واجتهاد في التعرف ~~مع كونك أعلم الحكماء {ما الحطمة} أي: الدركة النارية التي سميت هذا الاسم ~~بهذه الخاصة، وإنه ليس في الوجود الذي شاهدتموه ما يقاربها ليكون مثالا ~~لها، ثم فسرها بقوله تعالى: # {نار الله} أي: الملك الأعظم الذي له الملك كله {الموقدة} أي: التي وجد ~~وتحتم إيقاده، ومن الذي يطيق محاولة ما أوقد فهي لا يزال لها هذا الاسم ~~ثابتا. # روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى ~~احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت ~~فهي سوداء مظلمة» . # {التي تطلع} أي: إطلاعا شديدا {على الأفئدة} جمع فؤاد وهو القلب الذي ~~يكاد يحترق من شدة ذكائه فكان ينبغي أن يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص، ~~وإطلاعها عليه بأن تعلو وسطه وتشتمل عليه اشتمالا بليغا سمي بذلك لشدة ~~توقده وخص لأنه ألطف ما في البدن وأشد تألما بأدنى شيء من الأذى، ولأنه ~~منشأ العقائد الفاسدة، ومعدن حب المال الذي هو منشأ حب الفساد والضلال، ~~وعنه تصدر الأفعال القبيحة. وقيل: معنى {تطلع على الأفئدة} أي: تعمل ما ~~يستحقه كل واحد منهم من العذاب يقال: اطلع على كذا، أي: علمه. # ثم أشار إلى خلودهم فيهابقوله تعالى مؤكدا لأنهم يكذبون بها: # {إنها عليهم مؤصدة} قال الحسن: مطبقة، أي: بغاية الضيق. وقال مجاهد: ~~مغلقة بلغة قريش، يقال: أصدت الباب، أي: أغلقته ومنه قول عبد الله بن قيس: # *إن في القصر لو دخلنا غزالا ... مفتنا مؤصدا عليه الحجاب* # ثم بين حال عذابهم بقوله تعالى: # {في} أي: في حال كونهم موثوقين في {عمد} قرأ حمزة والكسائي وشعبة بضم ~~العين والميم جمع عمود نحو رسول ورسل، وقيل: جمع عماد ككتاب وكتب، والباقون # PageV04P586 # بفتحهما فقيل: هو اسم جمع لعمود، وقيل: بل هو جمع له. قال الفراء: كأديم ~~وأدم. وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. {ممددة} أي: معترضة كأنها موضوعة على ~~الأرض في غاية المكنة فلا يستطيع الموثوق بها على نوع حيلة في أمرها. قال ~~رسول ms4168 الله صلى الله عليه وسلم «إن الله يبعث عليهم ملائكة بأطباق من نار ~~ومسامير من نار، وعمد من نار، فيطبق عليهم بتلك الأطباق، وتسد بتلك ~~المسامير، وتمد بتلك العمد فلا يبقى فيها خلل يدخل منه روح ولا يخرج منه غم ~~فيكون كلامهم فيها زفيرا وشهيقا» . # وقال قتادة: عمد تعذبون بها، واختاره الطبري. وقال ابن عباس: إن العمد ~~الممددة أغلال في أعناقهم. وقال أبو صالح قيود في أرجلهم. وقال القشيري: ~~العمد أوتاد الأطباق. وقيل: المعنى في دهور ممدودة لا انقطاع لها. وقول ~~البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الهمزة ~~أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه» ~~حديث موضوع. ### | سورة الفيل # مكية # وهي خمس آيات وعشرون كلمة وستة وتسعون حرفا # {بسم الله} الذي قدر به في كل شيء عاملة {الرحمن} الذي له النعمة الشاملة ~~{الرحيم} الذي يخص أهل الاصطفاء بالنعمة الكاملة: # وقوله تعالى: {ألم تر} استفهام تعجب، أي: أعجب {كيف فعل ربك} أي: المحسن ~~إليك {بأصحاب الفيل} فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو وإن لم يشهد ~~تلك الواقعة لكن شاهد آثارها وسمع بالتواتر أخبارها فكأنه رآها، وإنما قال ~~تعالى: كيف لأن المراد ذكر ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله ~~وقدرته وعزة بيته، وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وكانت قصة الفيل ما روي ~~أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة ~~بصنعاء وسماها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، وكتب إلى النجاشي إني قد ~~بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها، ولست منتهيا حتى أصرف إليها حج ~~العرب فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة، فخرج إليها فدخلها ليلا فقعد ~~فيها ولطخ بالعذرة قبلتها، فبلغ ذلك أبرهة فقال: من أجترأ عليي فقيل: صنع ~~ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت سمع الذي قلت، فحلف أبرهة عند ذلك ~~ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، ms4169 وسأله أن يبعث ~~إليه بفيله، وكان له فيل يقال له محمود، وكان فيلا لم ير مثله عظما وجسما ~~وقوة فبعث به إليه فخرج أبرهة في الحبشة سائرا إلى مكة، وخرج معه بالفيل ~~واثنى عشر فيلا غيره، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: كان معه ألف فيل. # وقيل: كان وحده، فسمعت العرب بذلك فأعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم فخرج ~~ملك من ملوك اليمن يقال له ذونفر بمن أطاعه من قومه فقاتله فهزمه أبرهة ~~وأخذ ذانفر، فقال له: أيها الملك استبقني فإن استبقائي خير لك من قتلي ~~فاستبقاه فأوثقه، وكان أبرهة رجلا حليما. ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم ~~خرج له نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم، ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن ~~فقاتلوه فهزمهم وأخذ نفيلا، فقال نفيل: أيها الملك إني دليل بأرض العرب ~~وهاتان # PageV04P587 # يداي على قومي بالسمع والطاعة فاستبقاه، وخرج معه يدله حتى إذا مر ~~بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف، فقال: أيها الملك نحن ~~عبيدك ليس عندنا خلاف لك إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك ~~عليه فبعثوا أبا رغال مولى لهم، فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال وهو ~~الذي يرجم قبره، وبعث أبرهة من المغمس رجلا من الحبشة يقال له: الأسود بن ~~مسعود على مقدمة خيله وأمره بالغارة على نعم الناس فجمع الأسود إليه أموال ~~الحرم، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير. # ثم إن أبرهة بعث بحناطة الحميري إلى أهل مكة فقال: سل عن شريفها ثم أبلغه ~~ما أرسلك به إليه أخبره أني لم آت لقتال، إنما جئت لأهدم هذا البيت. فانطلق ~~حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم فقال: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك ~~إنه لم يأت لقتال إنما جئت لأهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم، فقال عبد ~~المطلب: ما له عندنا قتال، ولا لنا به يدانا سنخلي بينه وبين ما جاء إليه، ~~فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإن يمنعه فهو ~~بيته ms4170 وحرمه، وإن يخل بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة. # قال: فانطلق معي إلى الملك، قال بعض العلماء: أنه أردفه على بغلة كان ~~عليها وركب معه بنيه حتى قدم العسكر، وكان ذو نفر صديقا لعبد المطلب فأتاه ~~فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا، فقال: ما غناء رجل أسير لا ~~يأمن أن يقتل بكرة أو عشيا، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل، فإنه صديق لي ~~فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويعظم خطرك ومنزلتك عنده، ~~فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له: إن هذا سيد قريش صاحب عين مكة يطعم الناس في ~~السهل والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتي بعير، فإن استطعت ~~أن تنفعه عنده فانفعه فإنه صديق لي أحب ما وصل إليه من الخير. # فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش صاحب عين مكة يطعم ~~الناس في السهل والوحوش على رؤوس الجبال يستأذن عليك، وأنا أحب أن تأذن له ~~فيكلمك وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك فأذن له، وكان عبد المطلب رجلا ~~جسيما وسيما فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه وكره أن يجلس معه على السرير، وأن ~~يجلس تحته فهبط إلى البساط فجلس عليه، ثم دعاه فأجلسه معه. # ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال الترجمان ذلك، فقال ~~عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد إلي مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة ~~لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت فيك، قال لم؟ قال: ~~جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك، وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه ~~وتكلمني في مائتي بعير أصبتها؟ قال عبد المطلب: أنا رب الإبل وللبيت رب ~~سيمنعه. قال: ما كان ليمنعه مني، قال: فأنت وذاك فأمر بإبله فردت عليه، ~~وقيل: عرض عليه عبد المطلب أموال تهامة ليرجع فأبى فلما ردت الإبل على عبد ~~المطلب خرج فأخبر قريشا الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب، ويتحرزوا ms4171 في ~~رؤوس الجبال تخوفا عليهم من معرة الجيش، وأتى عبد المطلب الكعبة فأخذ بحلقة ~~الباب وجعل يقول: # *يا رب لا أرجو سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا* # *إن عدو البيت من عاداكا ... أمنعهم أن يخربوا قراكا* # PageV04P588 # وقال أيضا: # *لا هم إن المرء يمنع ... رحله فامنع حلالك* # *لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك* # *جروا جموع بلادهم # ... والفيل كي يسبوا عيالك* # *عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك* # *إن كنت تاركهم وكع ... بتنا فأمر ما بدا لك* # ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه فأصبح أبرهة ~~بالمغمس قد تهيأ للدخول وهيأ جيشه وهيأ فيله، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ~~ثم أخذ بأذنه وقال: أبرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله ~~الحرام فبرك الفيل فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى فوجهوه راجعا ~~إلى اليمن فقام مهرولا، فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ~~ففعل مثل ذلك فضربوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم وخرج عبد المطلب يشتد حتى ~~صعد الجبل فأرسل الله تعالى عليهم ما قصه في قوله سبحانه: # {ألم يجعل} أي: جعل بما له من الإحسان إلى العرب لا سيما قريش {كيدهم} ~~أي: في هدم الكعبة {في تضليل} أي: خسارة وهلاك. # {وأرسل عليهم} أي: خاصة من بين ما هناك من كفار العرب {طيرا} أي: طيورا ~~سوداء، وقيل: خضراء وقيل: بيضاء {أبابيل} أي: جماعات بكثرة متفرقة يتبع ~~بعضها بعضا من نواحي شتى فوجا فوجا وزمرة زمرة أما كل فرقة منها طائر ~~يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق. وقيل: أبابيل كالإبل المؤبلة. ~~قال الفراء: لا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها إبالة. وقال الكسائي: كنت ~~أسمع النحويين يقولون: واحدها أبول كعجول وعجاجيل. وقال ابن عباس: كانت ~~طيرا لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب. وقال عكرمة لها رؤوس ~~كرؤوس السباع. وقال سعيد بن جبير: خضر لها مناقير صفر وقال قتادة: طير سود. # {ترميهم} أي: الطير {بحجارة} أي: عظيمة في الكثرة والفعل، ms4172 صغيرة في ~~المقدار والحجم مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة ~~وأصغر من الحمصة. وعن ابن عباس أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز مخططة ~~بالحمرة كالجزع الظفاري، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى ~~كل حجر اسم من يقع عليه ففروا فهلكوا في كل طريق ومنهل وأما أبرهة فتساقطت ~~أنامله كلها كلما سقطت أنملة اتبعها مدة وقيح ودم، فانتهى إلى صنعاء وهو ~~مثل فرخ الطير، وما مات حتى انصدع صدره من قلبه، وانفلت وزيره أبويكسوم ~~وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة فلما أتمها وقع عليه الحجر ~~فخر ميتا بين يديه لأن تلك الحجارة كانت {من سجيل} أي: طين متحجر مصنوع ~~للعذاب في موضع هو في غاية العلو # ولما تسبب عن هذا الرمي هلاكهم، وكان ذلك بفعل الله تعالى لأنه الذي خلق ~~الأثر قطعا، لأن مثله لا ينشأ عنه ما نشأ من الهلاك قال الله تعالى: # {فجعلهم} أي: ربك المحسن إليك بإحسانه على قومك لأجلك بذلك {كعصف مأكول} ~~أي: كورق زرع أكلته فراثته فيبس وتفرقت أجزاءه شبه قطع أوصالهم بتفرق أجزاء ~~الروث. قال مجاهد: العصف ورق الحنطة. وقال قتادة: هو التبن. وقال عكرمة ~~كالحب إذا أكل وصار أجوف، لأن الحجر كان يأتي في الرأس فيحرق # PageV04P589 # بما له الحرارة وشدة الوقع كلما مر به حتى يخرج من الدبر، ويصير موضع ~~تجويفه أسود لما له من من النارية. وقال ابن عباس: هو القشر الخارج الذي ~~يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف له، وروي أن الحجر كان يقع على أحدهم ~~فيخرج كل ما في جوفه فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة وعن عكرمة: من ~~أصابه جدره وهو أول جدري ظهر. وعن أبي سعيد الخدري أنه سئل عن الطير فقال: ~~حمام مكة منها، وقيل: جاءت عشية ثم صبحتهم. # واختلف في تاريخ عام الفيل، فقيل: كان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأربعين سنة وقيل: بثلاث وعشرين سنة. # والأكثرون على أنه ms4173 كان في العام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن عائشة قالت: رأيت سائس الفيل وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس، ~~وقال عبد الملك بن مروان: لعتاب بن أسيد: أنت أكبر أم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: النبي صلى الله عليه وسلم أكبر مني، وأنا أسن منه، ولد صلى الله ~~عليه وسلم عام الفيل وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان ~~الناس، بل قيل: لم يكن بمكة أحد إلا رأى قائد الفيل وسائسه أعميين يتكففان ~~الناس لأن عائشة مع صغر سنها رأتهما. وقال ابن إسحاق لما رد الله تعالى ~~الحبشة عن مكة المشرفة عظمت العرب قريشا، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم ~~وكفاهم مؤنة عدوهم، فكان ذلك نعمة من الله عليهم. # وقال بعض العلماء: كانت قصة الفيل مما نعده من معجزاته صلى الله عليه ~~وسلم وإن كانت قبله، لأنها كانت توكيدا لأمره وتمهيدا لشأنه. وقول البيضاوي ~~تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الفيل أعفاه ~~الله أيام حياته من الخسف والمسخ» حديث موضوع. ### | سورة قريش # مكية # في قول الجمهور ومدنية في قول الضحاك والكلبيوهي أربع آيات وسبع عشرة ~~كلمة وثلاثة وسبعون حرفا # {بسم الله} الذي له جميع الكمال {الرحمن} ذي النعم والأفضال {الرحيم} ~~الذي خص أولياءه بالقرب والإجلال. # وقوله تعالى: {لإيلاف قريش} في متعلقه أوجه أحدها: أنه ما في السورة ~~قبلها من قوله تعالى: {فجعلهم كعصف مأكول} . قال الزمخشري: وهذا بمنزلة ~~التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح إلا ~~به، وهما في مصحف أبي سورة واحدة بلا فصل، وعن عمر أنه قرأهما في الثانية ~~من صلاة المغرب، وقرأ في الأولى والتين اه. وإلى هذا ذهب الأخفش. وقال ~~الرازي: المشهور أنهما سورتان ولا يلزم من التعلق الاتحاد لأن القرآن كسورة ~~واحدة. # ثانيها: أنه مضمر تقديره فعلنا ذلك، وهو إيقاعهم للإيلاف وهو الفهم ~~لبلدهم الذي ينشأ عنه طمأنينتهم وهيبة الناس لهم وقيل: تقديره اعجبوا لئلاف ~~قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم ms4174 عبادة رب هذا البيت. # ثالثها: أنه متعلق بقوله تعالى: {فليعبدوا} أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم ~~الرحلتين لأنهما أظهر نعمة عليهم، وهذا هو الذي صدر به الزمخشري كلامه، وفي ~~هذا إشارة إلى تمام قدرته سبحانه، وأنه إذا أراد شيئا يسر سببه لأن التدبير ~~كله له يخفض من يشاء، وإن عز، # PageV04P590 # ويرفع من يشاء وإن ذل، وقريش هم ولد النضر بن كنانة ومن ولده النضر فهو ~~قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي. قال صلى الله عليه وسلم «إن الله ~~اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش ~~بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» وأخرج الحاكم وصححه البيهقي عن أم هانئ ~~بنت أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فضل الله قريشا بسبع خلال ~~أني منهم، وأن النبوة فيهم، وأن الله نصرهم على الفيل، وأنهم عبدوا الله ~~عشر سنين لا يعبده غيرهم وأن الحجابة والسقاية فيهم، وأن الله أنزل فيهم ~~سورة من القرآن» وسموا قريشا من القرش وهو التكسب والجمع، يقال: فلان يقرش ~~لعياله ويقترش، أي: يكتسب، وهم كانوا تجارا حراصا على جمع المال، وقا أبو ~~ريحانة: سأل معاوية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لم سميت قريش قريشا؟ ~~قال: لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه تعبث بالسفن، ولا تطاق إلا بالنار ~~يقال لها: القرش، ولا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا ~~تؤكل وتعلو ولا تعلى،. قال: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها، قال: نعم ~~فأنشده شعر الجمحي: # *وقريش هي التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشا* # *تأكل الغث والسمين فلا تت ... رك فيه لذي الجناحين ريشا* # *هكذا في الكتاب حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا* # *ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل منهموا والخموشا* # وقيل: هو من تقرش الرجل إذا تنزه عن مدانس الأمور، أومن تقارشت الرماح في ~~الحرب إذا دخل بعضها في بعض. # وقوله تعالى: {إيلافهم} بدل من الإيلاف الأول، وقرأ ابن عامر لإلاف بغير ~~ياء بعد ms4175 الهمزة، والباقون لإيلاف بياء بعدها، وأجمع الكل على إثبات الياء ~~في الثاني وهو إيلافهم بالياء بعد الهمزة. قال ابن عادل: ومن غريب ما اتفق ~~في هذين الحرفين أن القراء اختلفوا في سقوط الياء، وثبوتها في الأول مع ~~اتفاق المصاحف على إثباتها خطا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع ~~اتفاق المصاحف على سقوطها منها خطا، وهذا أدل دليل على أن القراء متبعون ~~الأثر والرواية لا مجرد الخط. وقوله تعالى: {رحلة الشتاء} منصوب بإيلافهم ~~مفعول به كما نصب يتيما بإطعام، وهي التي يرحلونها في زمنه إلى اليمن لأنها ~~بلاد حارة ينالون منهامتاجر الحبوب. {والصيف} التي يرحلونها إلى الشام في ~~زمنه؛ لأنها بلاد باردة ينالون فيها منافع الثمار، وهم آمنون من سائر العرب ~~لأجل عزهم بالحرم المعظم وبيت الله، والناس يتخطفون من حولهم ولا يجترىء ~~أحد عليهم. # والإيلاف من قولك: آلفت المكان أولفه إيلافا إذا بلغته فأنا مؤلف، والأصل ~~رحلتي الشتاء والصيف ولكنه أفرد ليشمل كل رحلة كما هو شأن المصادر وأسماء ~~الأجناس، وفي ذلك إشارة إلى أنهم يتمكنون من الرحلة إلى أي بلاد أرادوا ~~لشمول الأمن لهم. قال مالك: الشتاء نصف السنة والصيف نصفها. # وقال قوم: الزمان أربعة أقسام شتاء وربيع وصيف وخريف، وقيل: شتاء وصيف ~~وقيظ وخريف. قال القرطبي: الذي قاله مالك أصح لأن الله تعالى قسم الزمان ~~قسمين، ولم يجعل لهما ثالثا، وروى عكرمة عن ابن # PageV04P591 # عباس رضي الله عنهما: أنهم كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف، وقال ~~آخرون: كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة إحداهما: في الشتاء إلى اليمن ~~لأنها أدفأ، والأخرى في الصيف إلى الشام، وكان الحرم واديا جدبا لا زرع فيه ~~ولا ضرع، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم ولولا الرحلتان لم يكن لهم مقام ~~بمكة، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف، وأول من سن لهم ~~الرحلة هاشم بن عبد مناف، وكانوا يقسمون ربحهم بين الغني والفقير حتى كان ~~فقيرهم كغنيهم، وفي ذلك يقول الشاعر: # *قل للذي طلب السماحة والندى ... هلا مررت بآل عبد مناف* ms4176 # *هلا مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من ضر ومن اتلاف* # *الرائشين وليس يوجد رائش ... والقائلين هلم للأضياف* # *والخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي* # *والقائلين بكل وعد صادق ... والراحلين برحلة الإيلاف* # *عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف* # *سفرين سنهما له ولقومه ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف* # وتبع هاشما على ذلك إخوته فكان هاشم يؤالف إلى الشام، وعبد شمس إلى ~~الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكان تجار قريش يختلفون إلى ~~هذه الأمصار بجاه هذه الإخوة، أي: بعهودهم التي أخذوها بالأمان لهم من ملك ~~كل ناحية من هذه النواحي. # ولما كان هذا التدبير لهم من الله تعالى كافيا لهمومهم الظاهرة بالغنى ~~والباطنة بالأمن، وكان شكر المنعم واجبا، قال تعالى: {فليعبدوا} أي: قريش ~~على سبيل الوجوب شكرا على هذه النعمة خاصة إن لم يشكروه على جميع نعمه التي ~~لا تحصى، لأنهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم عن الكفران {رب هذا ~~البيت} أي: الموجد له والمحسن إلى أهله بحفظه من كل طاغ، وبإذلال الجبابرة ~~له ليكمل إحسانه إليهم، وعطفه عليهم بإكمال إعزازه لهم في الدنيا والآخرة، ~~والمراد به الكعبة عبر عنها بالإشارة تعظيما لشأنها. # ثم وصف نفسه الأقدس بما هو ثمرة الرحلتين ومظهر لزيادة شرف البيت بقوله ~~تعالى: # {الذي أطعمهم} أي: قريشا بحمل الميرة إلى مكة بالرحلتين إطعاما مبتدأ {من ~~جوع} أي: عظيم فيه غيرهم من العرب، أو كانوا هم فيه قبل ذلك؛ لأن بلدهم ليس ~~بذي زرع فهم عرضة للفقر الذي ينشأ عنه الجوع فكفاهم ذلك وحده، ولم يشركه ~~أحد في كفايتهم فليس من الشكر إشراكهم غيره معه في عبادته، ولا من البر ~~بأبيهم إبراهيم عليه السلام الذي دعا لهم بالرزق بقوله عليه السلام: ~~{وارزقهم من الثمرات} (إبراهيم: 37) # ونهى أشد النهي عن عبادة الأصنام ولم يقل أشبعهم لأنه ليس كلهم كان يشبع ~~منهم طالب لأكثر مما هو عنده، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب {وآمنهم} ~~أي: تخصيصا لهم {من خوف} أي: شديد جدا من أصحاب الفيل الذين ms4177 أرادوا خراب ~~البيت الذي به نظامهم، وما ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب ~~والغارات، ومن الجذام بدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام، # PageV04P592 # ومن الطاعن والدخان بتأمين النبي صلى الله عليه وسلم # وعن ابن زيد: كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضهم بعضا فأمنت ~~قريش ذلك لمكان الحرم. وقيل: شق عليهم السفر في الشتاء والصيف فألقى الله ~~تعالى في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاما في السفن، فحملوا فخافت قريش ~~منهم وظنوا أنهم قدموا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين فإذا هم قد جلبوا ~~إليهم الطعام وأعانوهم بالأقوات، فكان أهل مكة يخرجون إلى جدة بالإبل ~~والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. وقيل: إن قريشا لما كذبوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» ~~فاشتد القحط فقالوا: يا محمد، ادع الله لنا فإنا مؤمنون. فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخصبت تبالة وجرش من بلاد اليمن فحملوا الطعام إلى مكة ~~وأخصب أهلها» . وقال الضحاك والربيع في قوله تعالى: {وآمنهم من خوف} ، أي: ~~من خوف الحبشة. وقال علي: {وآمنهم من خوف} أن تكون الخلافة إلا فيهم. قال ~~الزمخشري: من بدع التفاسير {وآمنهم من خوف} أن تكون الخلافة في غيرهم اه. ~~لكن إن ثبت ذلك عن علي كرم الله وجهه فليس كما قال وقيل: كفاهم أخذ الإيلاف ~~من الملوك. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف ~~بها» حديث موضوع. # سورة الدين وتسمى ### | سورة الماعون # مكية # في قول عطاء وجابر وأحد قولي ابن عباس رضي الله عنهما، ومدنية في قول له ~~آخر وهو قول قتادة وغيره، وهي سبع آيات وخمس وعشرون كلمة ومائة وثلاثة ~~وعشرون حرفا. # {بسم الله} الذي له كل كمال {الرحمن} الذي عم جميع عباده بالنوال ~~{الرحيم} الذي خص أولياءه بنعمة الإفضال. # وقوله تعالى: {أرأيت} استفهام معناه التعجب. وقرأ نافع بتسهيل الهمزة بعد ~~الراء ولورش أيضا إبدالها ألفا، ms4178 وأسقطها الكسائي. قال الزمخشري: وليس ~~بالاختيار لأن حذفها مختص بالمضارع، ولم يصح عن العرب ريت، ولكن الذي سهل ~~من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أول الكلام، ونحوه: # *صاح هل ريت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب* # وخففها الباقون، والمعنى: أرأيت {الذي يكذب} أي: يوقع التكذيب لمن يخبره ~~كائنا من كان {بالدين} أي: بالجزاء والحساب، أي: هل عرفته أم لم تعرفه. # {فذلك} بتقدير هو بعد الفاء، أي: البغيض البعيد المبعد من كل خير {الذي ~~يدع} أي: يدفع دفعا عظيما بغاية القسوة {اليتيم} ولا يحث على إكرامه لأن ~~الله تعالى نزع الرحمة من قلبه، ولا ينزعها إلا من شقي لأنه لا حامل على ~~الإحسان إليه إلا الخوف من الله تعالى، فكان التكذيب بجزائه مسببا للغلظة ~~عليه. وقال قتادة: يقهره ويظلمه فإنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار، ~~ويقولون: إنما يحوز المال من يطعن بالسنان ويضرب بالحسام. وقال صلى الله ~~عليه وسلم «من ضم يتيما من المسلمين حتى يستغني فقد وجبت له # PageV04P593 # الجنة» . # واختلف فيمن نزل ذلك فيه، فقال مقاتل: في العاص بن وائل السهمي. وقال ~~السدي: في الوليد بن المغيرة. وقال الضحاك: في عمرو بن عابد المخزومي. وقال ~~عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: في رجل من المنافقين. وقيل: في أبي جهل. ~~{ { # {ولا يحض} أي: يحث نفسه ولا غيره {على طعام المسكين} أي: بذله له وإطعامه ~~إياه، بل يمقته ولا يكرمه ولا يرحمه، وقد تضمن هذا أن علامة التكذيب بالبعث ~~إيذاء الضعيف، والتهاون بالمعروف # ولما كان هذا مع الخلائق أتبعه حاله مع الخالق بقوله تعالى: # {فويل} أي: عذاب، أو واد في جهنم {للمصلين الذين هم} أي: بضمائرهم وخالص ~~سرائرهم {عن صلاتهم} التي هي جديرة بأن تضاف إليهم لوجوبها عليهم وإيجابها ~~لأجل مصالحهم ومنافعهم بالتزكية وغيرها {ساهون} أي: عريقون في الغفلة عنها ~~وتضييعها، وعدم المبالاة بها، وقلة الالتفات إليها. وروى البغوي بسنده أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال: «هو إضاعة الوقت» . وعن ~~ابن ms4179 عباس رضي الله عنهما أنه قال: «هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا ~~عن الناس ويصلونها في العلانية مع الناس إذا حضروا» لقوله تعالى: # {الذين هم} أي: بجملة سرائرهم {يراؤون} أي: بصلاتهم وغيرها الناس، لأنهم ~~يفعلون الخير ليراهم الناس لا لرجاء الثواب، ولا لخوف العقاب من الله ~~تعالى، ولذلك يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس. وقال إبراهيم: هو الذي ~~يلتفت في صلاته. وقال قطرب: هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله تعالى. وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: لو قال في صلاتهم ساهون لكانت في المؤمنين. وقال ~~عطاء: الحمد لله الذي قال تعالى: {عن صلاتهم ساهون} ولم يقل في صلاتهم ~~ساهون فدل على أن الآية في المنافقين وقال قتادة: ساه عنها لا يبالي صلى أم ~~لم يصل. وقال مجاهد: غافلون عنها متهاونون بها. وقال الحسن: هو الذي إن ~~صلاها صلاها رياء، وإن فاتته لم يندم، وقيل: هم الذي يسهون عنها قلة مبالاة ~~بها حتى تفوتهم، أو يخرج وقتها، أو لا يصلونها كما صلاها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والسلف، ولكن ينقرونها نقرا من غير خشوع، ولا اجتناب لما ~~يكره فيها من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات، لا يدري ~~الواحد منهم عن كم انصرف، ولا ما قرأ من السورة، وكما ترى صلاة أكثر من ترى ~~من الذين عادتهم الرياء بأعمالهم، ومنع حقوق أموالهم والمعنى: أن هؤلاء أحق ~~أن يكون سهوهم عن الصلاة التي هي عماد الدين. # والفارق بين الإيمان والكفر والرياء الذي هو شعبة من الشرك ومنع الزكاة ~~التي هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام علما على أنهم مكذبون بالدين، وكم ترى ~~من المتسمين بالإسلام بل بالعلم من هو منهم على هذه الصفة فيا مصيبتاه. # فإن قيل: كيف جعل المصلين قائما مقام ضمير الذي يكذب، وهو واحد؟ أجيب: ~~بأن معناه الجمع لأن المراد به الجنس. فإن قيل: أي: فرق بين قوله تعالى: ~~{عن صلاتهم} وقولك في صلاتهم؟ أجيب: بأن معنى عن أنهم ساهون عنها سهو ترك ~~وقلة التفات إليها وذلك فعل ms4180 المنافقين أو الفسقة الشياطين من المسلمين، ~~ومعنى في أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس، وذلك لا يكاد ~~يخلو منه مسلم. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره، ~~ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم. وعن أنس الحمد لله على أن لم ~~يقل في صلاتهم، وقد مرت # PageV04P594 # الإشارة إلى بعض ذلك. فإن قيل: ما معنى المراآة؟ أجيب: بأنها مفاعلة من ~~الإراءة، لأن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ~~ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة فمن حق الفرائض ~~الإعلان بها وتشهيرها لقوله صلى الله عليه وسلم «ولا غمة في فرائض الله» ~~لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت فوجب ~~إناطة الهمة بالإظهار، وإن كان تطوعا فحقه أن يخفي لأنه مما لا يلام بتركه ~~ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصدا للاقتدار به كان جميلا. # وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين فتثني عليه بالصلاح. وعن ~~بعضهم: أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر فأطال، فقال: ما أحسن هذا ~~لو كان في بيتك، وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة على أن اجتناب ~~الرياء صعب إلا على المرتاضين بالإخلاص. ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم ~~«الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح الأسود» ~~. # ثم بين أن من هو بهذه الصفة يغلب عليه الشح بقوله تعالى: # {ويمنعون} أي: على تجدد الأوقات {الماعون} أي: حقوق الأموال والشيء ~~اليسير من المنافع، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: الماعون الفأس ~~والدلو والقدر وأشباه ذلك وهي رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما. وقال مجاهد: الماعون أعلاها الزكاة المفروضة، وأدناها عارية المتاع. ~~وعن علي أنها الزكاة. وقال محمد بن كعب الكلبي: الماعون المعروف كله الذي ~~يتعاطاه الناس فيما بينهم. # وقال قطرب: أصل الماعون من القلة، تقول العرب: ما له سعنة ms4181 ولا معنة، أي: ~~شيء قليل فسمى الزكاة والصدقة والمعروف ماعونا لأنه قليل من كثير وقيل: ~~الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار. وقول البيضاوي تبعا ~~للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة أرأيت غفر له إن ~~كان للزكاة مؤديا» حديث موضوع. ### | سورة الكوثر # وتسمى سورة النحر مكية # في قول ابن عباس رضي الله عنهما والكلبي ومقاتل، ومدنية في قول الحسن ~~وعكرمة ومجاهد وقتادة، وهي ثلاث آيات وعشر كلمات واثنان وأربعون حرفا # {بسم الله} الذي لا حد لفائض فضله {الرحمن} الذي شمل الخلائق بجوده فلا ~~راد لأمره {الرحيم} الذي خص حزبه بالاعتصام بحبله # وقوله تعالى: {إنا} أي: بما لنا من العظمة {أعطيناك} أي: خولناك مع ~~التمكين العظيم يا أشرف الخلق {الكوثر} أي: نهرا في الجنة هو حوضه صلى الله ~~عليه وسلم ترد عليه أمته، لما روي عن أنس أنه قال: «بينما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ غفا إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما ~~فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزل علي آنفا سورة فقرأ {بسم الله ~~الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر} إلى آخرها، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ ~~قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: فإنه نهر وعدنيه ربي خير كثير هو حوض ترد ~~عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه ~~من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك» . وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر # PageV04P595 # والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج» . ~~وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دخلت الجنة فإذا أنا بنهر ~~يجري بياضه بياض اللبن، وأحلى من العسل، وحافتاه خيام الدر، فضربت بيدي ~~فإذا الثرى مسك أذفر،. فقلت لجبريل: ما هذا؟ قال: الكوثر أعطاكه الله ~~تعالى» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله ms4182 عليه ~~وسلم «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه ~~كنجوم السماء من شرب منها لا يظمأ أبدا» . # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا ~~فرطكم على الحوض، وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم ~~اختلجوا دوني، فأقول: إي: رب أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» . ~~وعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن عرضه فقال: «من مقامي ~~إلى عمان» وسئل عن شرابه فقال: «أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل فيه ~~ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق» . وعن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يرد علي يوم القيامة رهطان من أصحابي» ~~، أو قال: «من أمتي فيجلون عن الحوض فأقول: أي: رب أصحابي، فيقول إنه لا ~~علم لك بما أحدثوا بعدك كإنهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى» . # ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ترد علي أمتي الحوض وأنا ~~أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله ~~تعرفنا قال: نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون علي غرا محجلين من آثار ~~الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب هؤلاء أصحابي ~~فيجيبني فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك» . وأحاديث الحوض كثيرة، وفيما ~~ذكرناه كفاية لأولي الألباب فنسأل الله تعالى أن يروينا منه نحن وأحبابنا، ~~ويدخلنا وإياهم الجنة بغير حساب. # قال القاضي عياض: أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من ~~الإيمان. وقال ابن عادل: وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ~~ولا يختلف فيه، وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة اه. وقيل: ~~الكوثر القرآن العظيم، وقيل:: هو النبوة والكتاب والحكمة وقيل: هو كثرة ~~أتباعه. # وقيل: الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله تعالى إياه. وعن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: الكوثر الخير الكثير. قال أبو بشر: قلت ms4183 لسعيد ~~بن جبير: إن ناسا يزعمون أن الكوثر نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في ~~الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله تعالى إياه. # وأصل الكوثر فوعل من الكثرة والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو كثير ~~القدر والخطر كوثرا قيل: لأعرابية رجع ابنها من السفر: آب ابنك، قالت: آب ~~بكوثر، وقال الشاعر: # *وأنت كثير يا ابن مروان طيب ... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا* # وقيل: الكوثر الفضائل الكثيرة التي فضلها على جميع الخلائق. # تنبيه: لا منافاة بين هذه الأقوال كلها فقد أعطيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأعطي صلى الله عليه وسلم النبوة والحكمة والعلم والشفاعة والحوض ~~المورود، والمقام المحمود، وكثرة الاتباع، وإظهاره على الأديان كلها، ~~والنصر على الأعداء، وكثرة الفتوح في زمنه إلى يوم القيامة، وأولى الأقاويل ~~في الكوثر وهو الذي # PageV04P596 # عليه جمهور العلماء أنه نهر في الجنة. # ولما كمل له سبحانه من النعم ما لا يأتي عليه حصر مما لا يناسب أدناه ~~نعيم الدنيا بجملتها سبب عنه قوله تعالى آمرا بما هو جامع لمجامع الشكر: # {فصل} أي: بقطع العلائق عن الخلائق بالوقوف بين يدي الله تعالى في حضرة ~~المراقبة شكرا لإحسان المنعم، خلافا للساهي عنها والمرائي فيها. {لربك} أي: ~~المحسن إليك بأنواع النعم مراغما من شئت فلا سبيل لأحد عليك {وأنحر} أي: ~~أنفق له الكوثر من المال على المحاويج خلافا لمن يدعهم ويمنعهم الماعون، ~~والنحر أفضل نفقات العرب لأن الجزور الواحد يغني مائة مسكين، وإذا أطلق ~~العرب المال انصرف إلى الإبل. # وقال محمد بن كعب: إن ناسا كانوا يصلون لغير الله تعالى، وينحرون لغير ~~الله فأمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يصلي وينحر لله عز ~~وجل. وقال عكرمة وعطاء وقتادة: {فصل لربك} صلاة العيد يوم النحر، وانحر ~~نسكك، واقتصر على هذا الجلال المحلي وقال سعيد بن جبير ومجاهد: فصل الصلاة ~~المفروضة بجمع، أي: مزدلفة، وانحر البدن بمنى. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: وضع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر. وعن ms4184 علي: أن معناه أن ~~يرفع يديه في التكبير إلى نحره. وقال الكلبي: استقبل القبلة بنحرك. وعن ~~عطاء أمره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره. # {إن شانئك} أي: مبغضك والشانىء المبغض، يقال: شنأه يشنؤه، أي: أبغضه {هو ~~الأبتر} أي: المنقطع عن كل خير، وأما أنت فقد أعطيت ما لا غاية لكثرته من ~~خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك فمعطي ذلك كله هو الله رب العالمين ~~فاجتمعت لك العطيتان السنيتان إصابة أشرف عطاء وأوفره من أكرم معط وأعظم ~~منعم، أو المنقطع العقب لا أنت لأن كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين ~~فهم أعقابك وأولادك وذكرك مرفوع على المنابر والمنائر وعلى لسان كل عالم ~~وذاكر إلى آخر الدهر يبدأ بذكر الله تعالى ويثني بذكرك ولك في الآخرة ما لا ~~يدخل تحت الوصف فمثلك لا يقال له أبتر إنما الأبتر هو شانئك المسيء في ~~الدنيا والآخرة وقال الرازي: هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها فإنه ذكر في ~~الأولى البخل وترك الصلاة والرياء ومنع الماعون وذكر ههنا في مقابلة البخل ~~{إنا أعطيناك الكوثر} وفي مقابلة الصلاة {فصل} أي: دم على الصلاة وفي ~~مقابلة الرياء {لربك} أي: لرضاه خالصا، وفي مقابلة منع الماعون {وانحر} أي: ~~تصدق بلحم الأضاحي ثم ختم السورة بقوله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} أي: أن ~~المشاقق الذي اتى بتلك الأفعال القبيحة سيموت ولا يبقى له أثر وأما أنت ~~فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل وفي الآخرة الثواب الجزيل. # واختلف المفسرون في الشانىء فقيل: هو العاص بن وائل وكانت العرب تسمي من ~~كان له بنون وبنات ثم مات البنون وبقي البنات أبتر فقيل: إن العاص وقف مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه فقال له جمع من صناديد قريش: مع من كنت ~~واقفا مع ذلك الأبتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت الآية. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أهل الجاهلية إذا مات ابن الرجل ~~قالوا أبتر فلان فلما ms4185 توفي عبد الله ابن النبي صلى الله عليه وسلم خرج أبو ~~جهل على أصحابه فقال: بتر محمد فنزلت. وقال السدي: إن قريشا كانوا يقولون ~~لمن مات ذكور ولده بتر فلان فلما مات لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ~~بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا بتر محمد # PageV04P597 # فليس له من يقوم بأمره من بعده فنزلت. # وقيل: لما أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم دعا قريش إلى ~~الإيمان قالوا: أبتر منا محمد، أي: خالفنا وانقطع عنا فنزلت. # تنبيه: قال أهل العلم قد احتوت هذه السورة على قصرها على معان بليغة ~~وأساليب بديعة منها دلالة استهلال السورة على أنه تعالى أعطاه كثيرا من ~~كثير ومنها إسناد الفعل إلى المتكلم المعظم نفسه، ومنها إيراده بصيغة ~~الماضي تحقيقا لوقوعه كما في قوله تعالى: {أتى أمر الله} (النحل: 1) # ومنها: تأكيد الجملة بأن. ومنها بناء الفعل على الاسم ليفيد الإسناد ~~مرتين. # ومنها: الإتيان بصيغة تدل على مبالغة الكثرة. # ومنها: حذف الموصوف بالكوثر لأن في حذفه من فرط الشياع والإبهام ما ليس ~~في إثباته، ومنها تعريفه بأل الجنسية الدالة على الاستغراق. # ومنها: فاء التعقيب الدالة على السبب فإن الإنعام سبب للشكر والعبادة، ~~ومنها التعريض بمن كانت صلاته ونحره لغير الله تعالى، ومنها أن الأمر ~~بالصلاة إشارة إلى الأعمال الدينية التي الصلاة قوامها وأفضلها والأمر ~~بالنحر إشارة إلى الأعمال البدينة التي النحر أسناها، ومنها حذف متعلق انحر ~~إذ التقدير فصل لربك وانحر له، ومنها مراعاة السجع فإنه من صناعة البديع ~~العاري عن التكلف، ومنها قوله تعالى: {لربك} في الإتيان بهذه الصفة دون ~~سائر صفاته الحسنى دلالة على أنه المربي له والمصلح بنعمه، فلا يلتمس كل ~~خير إلا منهن ومنها الالتفات من ضمير المتكلم إلى الغائب في قوله تعالى: ~~{لربك} ومنها الأمر بترك الاهتمام بشانئه للاستئناف، وجعله خاتمة للإعراض ~~عن الشانئ، ولم يسمه ليشمل كل من اتصف بهذه الصفة القبيحة، ولو كان المراد ~~شخصا معينا لعينه الله تعالى. # ومنها: التنبيه بذكر هذه الصفة القبيحة على أنه لم يتصف ms4186 إلا بمجرد قيام ~~الصفة به من غير أن تؤثر فيمن يشنؤه شيئا البتة، لأن من يشنأ شخصا قد يؤثر ~~شنؤه شيئا. # ومنها: تأكيد الجملة بأن المؤذنة بتأكيد الخبر، ولذلك يتلقى بها القسم ~~وتقدير القسم يصلح هنا. ومنها الإتيان بضمير الفصل المؤذن بالاختصاص ~~والتأكيد إن جعلنا فصلا، وإن جعلناه مبتدأ فكذلك يفيد التأكيد؛ إذ يصير ~~الإسناد مرتين. # ومنها: تعريف الأبتر بأل المؤذنة بالخصوصية بهذه الصفة كأنه قيل: الكامل ~~في هذه الصفة. ومنها إقباله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بالخطاب من ~~أول السورة إلى آخرها. وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر في الجنة، ويكتب له عشر ~~حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر، أو يقربونه» حديث موضوع. ### | سورة الكافرون # مكية # في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة ~~والضحاك، وتسمى أيضا سورة المعابدة والإخلاص لأنها في إخلاص العبادة والدين ~~كما أن {قل هو الله أحد} في إخلاص التوحيد، واجتماع النفاق فيهما محال لمن ~~اعتقدهما وعمل بهما. ويقال لها ولسورة الإخلاص: المقشقشتان، أي: المبرئتان ~~من النفاق. قال الشاعر: # *أعيذك بالمقشقشتين مما ... أحاذره ومن نظر العيون* # PageV04P598 # وهي ست آيات وستة وعشرون كلمة وأربعة وسبعون حرفا. # {بسم الله} الذي لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره {الرحمن} الذي عم برحمته ~~من أوجب عليهم شكره {الرحيم} الذي وفق أهل وده فالتزموا نهيه وأمره # وقوله تعالى: {قل} أي: يا أشرف الخلق {يا أيها الكافرون} إلى آخر السورة ~~نزل في رهط من قريش منهم الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل، والوليد بن ~~المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب بن أسد، وأمية بن خلف. ~~قالوا: يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك ونشركك في امرنا كله، تعبد ~~آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك فيه ~~وأخذنا حظا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في ms4187 أمرنا وأخذت ~~بحظك منه، فقال: معاذ الله أن نشرك به غيره، قالوا: فاستلم بعض آلهتنا ~~نصدقك ونعبد إلهك، قال: حتى أنظر ما يأتي إلي من ربي فأنزل الله تعالى هذه ~~السورة، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملأ ~~من قريش فقام على رؤوسهم ثم قرأ عليهم حتى فرغ من السورة فأيسوا منه عند ~~ذلك وأذوه وأصحابه، وفي مناداتهم بهذا الوصف الذي يسترذلونه في بلدهم، ومحل ~~عزهم وحميتهم إيذان بأنه محروس منهم علم من أعلام النبوة. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في التحريم: {يا أيها الذين كفروا} ~~(التحريم: 7) # وههنا قال: {قل يا أيها الكافرون؟} . # أجيب: بأن في سورة التحريم إنما يقال لهم يوم القيامة، وثم لا يكون رسولا ~~إليهم فأزال الواسطة فيكونون في ذلك الوقت مطيعين لا كافرين فلذلك ذكره ~~تعالى بلفظ الماضي، وأما هنا فكانوا موصوفين بالكفر، وكان الرسول رسولا ~~إليهم فقال تعالى: {قل يا أيها الكافرون} ، أي: الذي قد حكم بثباتهم على ~~الكفر فلا انفكاك لهم عنه فستروا ما تدل عليه عقولهم من الاعتقاد الحق لو ~~جردوها من أدناس الحظ وهم كفرة مخصوصون، وهم من حكم بموته على الكفر بما ~~طابقه من الواقع، ودل عليه التعبير بالوصف دون الفعل، واستغرق اللام كل من ~~كان على هذا الوصف في كل مكان وكل زمان، والتعبير بالجمع الذي هو أصل في ~~القلة، وقد يستعار للكثرة إشارة إلى البشارة بقلة المطبوع على قلبه من ~~العرب المخاطبين بهذا في حياته صلى الله عليه وسلم # وقال الله تعالى له: {قل يا أيها الكافرون} لأنه صلى الله عليه وسلم كان ~~مأمورا بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال تعالى: {ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران: 159) # وقال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم} (آل عمران: 159) # وقال تعالى: {بالمؤمنين رؤوف رحيم} (آل عمران: 159) # ثم كان مأمورا بأن يدعوهم إلى الله تعالى بالوجه الأحسن، فلذا خاطبهم بيا ~~أيها فكانوا يقولون: كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق، فأجاب ms4188 بأني مأمور ~~بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي. # ولما كان القصد إعلامهم بالبراءة منهم من كل وجه، وأنه لا يبالي بهم بوجه ~~لأنه محفوظ منهم قال: # {لا أعبد} أي: الآن {ما تعبدون} من دون الله من المعبودات الظاهرة ~~والباطنة بوجه من وجوه العبادات في سر ولا علن؛ لأنه لا يصلح للعبادة بوجه. # {ولا أنتم عابدون} أي: الآن {ما أعبد} وهو الله تعالى وحده. # {ولا أنا عابد} ، أي: في الاستقبال ما عبدتم} من دون الله تعالى. # {ولا أنتم عابدون} ، أي: في الاستقبال {ما أعبد} وهو الله وحده لا شريك ~~له، وهذا خطاب لمن علم الله تعالى # PageV04P599 # منهم أنهم لا يؤمنون. وإطلاق ما على الله تعالى على جهة المقابلة، وبهذا ~~زال التكرار ووجه التكرار كما قال أكثر أهل المعاني: هو أن القرآن نزل ~~بلسان العرب وعلى مجارى خطابهم ومن مذاهبهم التكرار لإرادة التأكيد ~~والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار لإرادة التخفيف والإيجاز فالقائل ~~بالتأكيد يقول قوله تعالى: {ولا أنا عابد ما عبدتم} تأكيد لقوله تعالى: {لا ~~أعبد ما تعبدون} (التكاثر: 3 4) # وقوله تعالى: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} ثانيا تأكيد لقوله تعالى: {ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد} ومثله {فبأي آلاء ربكما تكذبان} (الرحمن: 77) # و {ويل يومئذ للمكذبين} (المرسلات: 15) # في سورتيهما و {كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون} وفي الحديث: «فلا أذن ~~ثم لا أذن إنما فاطمة بضعة مني» وفائدة التأكيد هنا قطع أطماع الكفار ~~وتحقيق الأخبار وهو إقامتهم على الكفر، وأنهم لا يسلمون أبدا وعلى الأول قد ~~تقيدت كل جملة بزمان غير الزمان الآخر قال ابن عادل: وفيه نظر كيف يقيد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نفي عبادته لما يعبدون بزمان، وهذا مما لا ~~يصح اه. وقد يرد هذا بأنه صلى الله عليه وسلم نفى في الجملة الأولى الحال، ~~وفي الثانية الاستقبال وقول البيضاوي: فإن لا، لا تدخل إلا على مضارع بمعنى ~~الاستقبال كما أن ما لا تدخل إلا على المضارع بمعنى الحال جرى على الغالب ~~فيهما # ولما ms4189 أيس منهم صلى الله عليه وسلم قال: {لكم دينكم} أي: الذي أنتم عليه ~~من الشرك {ولي دين} أي: الذي أنا عليه من التوحيد وهو دين الإسلام، وفي هذا ~~معنى التهديد كقوله تعالى: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} (القصص: 55) # أي: إن رضيتم بدينكم فقد رضينا بديننا، وهذا كما قال الجلال المحلي: قبل ~~أن يؤمر بالحرب، وقيل: السورة كلها منسوخة وقيل: ما نسخ منها شيء لأنها ~~خبر، ومعنى لكم دينكم، أي: جزاء دينكم ولي دين، أي: جزاء ديني وسمي دينهم ~~دينا لأنهم اعتقدوه، وقيل: المعنى: لكم جزاؤكم ولي جزائي لأن الدين الجزاء، ~~وحذفت ياء الإضافة من دين للتبعية وقفا ووصلا. قرأ نافع وهشام وحفص والبزي ~~بخلاف عنه بفتح الياء والباقون بإسكانها. # فائدة: قال الرازي: جرت العادة بأن الناس يتمثلون بهذه الآية عند ~~المتاركة وذلك غير جائز، لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبر ~~فيه فيعمل بموجبه. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ ~~سورة الكافرين فكأنما قرأ ربع القرآن، وتباعدت منه مردة الشياطين، وبرئ من ~~الشرك، ويعافى من الفزع الأكبر» حديث موضوع إلا الجملة الأولى منه فرواها ~~الترمذي. ### | سورة النصر # مدنية # بالإجماع وتسمى سورة التوديع، وهي ثلاث آيات وستة عشر كلمة وتسعة وسبعون ~~حرفا # {بسم الله} الذي له الأمر كله فهو العليم الحكيم {الرحمن} الذي أرسلك ~~رحمة من الله العلي العظيم {الرحيم} الذي خص أهل وده بفضله العميم. # وقوله تعالى: {إذا} منصوب بسبح {جاء نصر الله} ، أي: الملك الأعظم الذي ~~لا مثل له، ولا أمر لأحد معه بإظهاره إياك على أعدائك ومعنى جاء استقر وثبت ~~في المستقبل بمجيء وقته المضروب له في الأزل، وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم ~~بكونها # PageV04P600 # إلى اسم الذات. { { # وقرأ حمزة وابن ذكوان بإمالة الألف بعد الجيم محضة والباقون بالفتح، ~~والإعلام به قبل كونه من أعلام النبوة، روي أنها نزلت أيام التشريق بمنى في ~~حجة الوداع {والفتح} ، أي: فتح مكة وهو الفتح الذي يقال له فتح الفتوح، ~~وقصته مشهورة في البغوي وغيره ms4190 فلا نطيل بذكرها، وكان فتح مكة لعشر مضين من ~~شهر رمضان سنة ثمان ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من ~~المهاجرين والأنصار وطواف العرب، وأقام بها خمس عشرة ليلة، ثم خرج إلى ~~هوزان وحين دخلها وقف على باب الكعبة ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: يا أهل مكة ما ترون أني ~~فاعل بكم قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، ثم قال: «اذهبوا فأنتم ~~الطلقاء» فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الله تعالى قد أمكنه ~~من رقابهم عنوة وكانوا له فيأ فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء ثم بايعوه على ~~الإسلام في دين الله تعالى في ملة الإسلام التي لا دين له يضاف إليه غيرها ~~{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} (آل عمران: 85) # وقيل: المراد جنس نصر الله تعالى المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم. فإن ~~قيل: ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف عليه؟ أجيب: بأن النصر الإعانة ~~والإظهار على العدو، ومنه نصر الله تعالى الأرض أغاثها قال الشاعر: # *إذا انسلخ الشهر الحرام فودعي ... بلاد تميم وانصري آل عامر* # ويروى: # *إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي ... بلاد تميم وانصري أرض عامر* # والفتح فتح البلاد، وقال الرازي: الفرق بين النصر والفتح أن الفتح هو ~~الإعانة على تحصيل المطلوب الذي كان متعلقا به، والنصر كالسبب فلهذا بدأ ~~بذكر النصر وعطف الفتح عليه. # فإن قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائما منصورا بالدلائل ~~والمعجزات فما المعنى: بتخصيص لفظ النصر بفتح مكة؟. # أجيب: بأن المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع. فإن قيل: النصر ~~لا يكون إلا من الله تعالى، قال الله تعالى: {وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم} (آل عمران: 126) # فما فائدة التقييد بنصر الله؟ أجيب: بأن معناه نصر لا يليق إلا بالله ~~تعالى، كما يقال هذا صنعة زيد إذا كان مشهورا بإحكام الصنعة والمقصود منه ~~تعظيم حال تلك ms4191 الصنعة فكذا ههنا. فإن قيل: الذين أعانوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على فتح مكة هم أصحابه من المهاجرين والأنصار، ثم إنه تعالى سمى ~~نصرتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم نصر الله فما السبب في ذلك؟ أجيب: بأن ~~النصر وإن كان على يد الصحابة لكن لا بد له من داع وباعث وهو من الله ~~تعالى، فإن قيل: فعلى هذا الجواب يكون فعل العبد مقدما على فعل الله تعالى، ~~وهذا بخلاف النصر لأنه تعالى قال: {إن تنصروا الله ينصركم} (محمد: 7) # فجعل نصره مقدما على نصره لنا؟ أجيب: بأنه لا امتناع في أن يكون فعل ~~العبد سببا لفعل آخر يصدر عن الله تعالى، فإن أسباب الحوادث ومسبباتها على ~~ترتيب عجيب تعجز عن إدراكه العقول البشرية. # ولما عبر عن المعنى: بالمجيء عبر عن المرئي بالرؤية فقال تعالى: # {ورأيت} ، أي: ببصرك ((الناس)) ، أي: العرب الذي كانوا حقيرين عند جميع ~~الأمم فصاروا بك هم الناس كما دلت عليه لام # PageV04P601 # الكمال، وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعا بالنسبة إليهم رعاعا حال كونهم ~~{يدخلون} شيئا فشيئا متجددا دخولهم مستمرا {في دين الله} ، أي: شرع من لم ~~تزل كلمته هي العليا {أفواجا} ، أي: جماعات كثيفة كانت تدخل فيه القبيلة ~~بأسرها بعد ما كانوا يدخلون واحدا واحدا واثنين اثنين. # وعن جابر بن عبد الله أنه بكى ذات يوم، فقيل له في ذلك فقال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دخل الناس في دين الله أفواجا وسيخرجون منه ~~أفواجا» . وقال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن وذلك أنه ورد من اليمن ~~سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين بعضهم يؤذنون، وبعضهم يقرؤون القرآن، وبعضهم ~~يهللون فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. قال أبو هريرة لما نزلت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «الله أكبر جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل ~~اليمن قوم رقيقة قلوبهم الإيمان يمان، والفقه يمان والحكمة يمانية» وقال: ~~«أجد نفس ربكم من قبل اليمن» وفي هذا تأويلات: # أحدها: أنه الفرج لتتابع إسلامهم أفواجا. # الثاني: أن ms4192 الله تعالى نفس الكرب عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأهل اليمن ~~وهم الأنصار. وعن الحسن لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أقبلت ~~العرب بعضها على بعض، فقالوا: أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس به يدان، وقد كان ~~الله أجارهم من أصحاب الفيل ومن كل من أرادهم فكانوا يدخلون في الإسلام ~~أفواجا من غير قتال أمة بعد أمة. قال الضحاك: والأمة أربعون رجلا. # تنبيه: دين الله تعالى هو الإسلام لقوله تعالى: {إن الدين عند الله ~~الإسلام} (آل عمران: 19) # وقال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} (آل عمران: 85) # وإضافة الدين إلى الاسم الدال على الإلهية إشارة على أنه يجب أن يعبد ~~لكونه إلها وللدين أسماء أخر منها الصراط قال تعالى: {صراط الله} (الشورى: ~~53) # ومنها النور {يريدون ليطفئوا نور الله} (التوبة: 32) # ومنها الهدى قال تعالى: {هدى الله يهدي به من يشاء} (الأنعام: 88) # ومنها العروة الوثقى قال تعالى: {ومن يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى} (البقرة: 256) # ومنها الحبل المتين قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله} (آل عمران: 103) # ومنها صبغة الله، ومنها فطرة الله. # تنبيه: جمهور الفقهاء وأكثر المتكلمين على أن إيمان المقلد صحيح، واحتجوا ~~بهذه الآية قالوا: إن الله تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج وجعله من ~~أعظم المنن على نبيه صلى الله عليه وسلم فلو لم يكن إيمانهم صحيحا لما ذكره ~~في هذا المعرض، ثم إنا نعلم قطعا أنهم كانوا يعرفون حدوث الأجسام بالدليل ~~ولإثبات كونه تعالى عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية لها ولإثبات ~~الصفات والتنزيهات بالدليل والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا عالمين بهذه ~~الدقائق ضروري فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح. # فإن قيل: إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه المسائل لأن أصول هذه ~~الدلائل ظاهرة، بل كانوا جاهلين بالتفاصيل؟. # أجيب: بأن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان، فإن الدليل إذا كان مثلا من ~~عشر مقدمات فمن علم تسعة منها وكان في المقدمة العاشرة مقلدا كان في ~~النتيجة مقلدا لا محالة. # ولما كمل الدين أمر الله تعالى ms4193 نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يشتغل بنفسه ~~فقال عز من قائل: # {فسبح} ، أي: نزه بقولك وفعلك بالصلاة وغيرها تسبيحا ملتبسا {بحمد ربك} ، ~~أي: الذي أنجز لك الوعد بإكمال الدين وقمع المعتدين المحسن إليك بجميع ذلك، ~~لأن هذا كله لكرامتك وإلا فهو عزيز # PageV04P602 # حميد على كل حال تعجبا لتيسير الله تعالى لهذا الفتح الذي لم يخطر ببال ~~أحد حامدا له عليه، أو فصل له حامدا على نعمه قاله ابن عباس. روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم «لما دخل مكة بدأ بالسجود فدخل الكعبة وصلى ثمان ركعات» . ~~{واستغفره} ، أي: اطلب غفرانه لتقتدي بك أمتك في المواظبة على الأمان ~~الثاني، فإن الأمان الأول الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه إلى معدنه ~~في الرفيق الأعلى، والمحل الأقدس، وفي ذلك إشارة إلى أنه لا يقدر أحد أن ~~يقدر الله تعالى حق قدره كما أشار إلى ذلك الاستغفار عقب الصلاة التي هي ~~أعظم العبادات وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت: «ما صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة إذا جاء نصر الله والفتح إلا ~~يقول: استغفر الله وأتوب إليه، قال: فإني أمرت بها، ثم قرأ {إذا جاء نصر ~~الله والفتح} إلى آخرها» . وقال عكرمة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قط ~~أشد اجتهادا في أمور الآخرة ما كان عند نزولها. وقال مقاتل: لما نزلت قرأها ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وفيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص ~~والعباس ففرحوا واستبشروا، وبكى العباس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~«ما يبكيك يا عم؟ قال: نعيت إليك نفسك،. قال: إنه كما قلت، فعاش بعدها ستون ~~يوما ما رؤى ضاحكا مستبشرا» وقيل: نزلت في منى بعد أيام التشريق في حجة ~~الوداع فبكى عمر والعباس، فقيل لهما: هذا يوم فرح، فقالا: لا بل فيه نعي ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عمر نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع ~~ثم نزل {اليوم أكملت لكم دينكم ms4194 وأتممت عليكم نعمتي} (المائدة: 3) # فعاش صلى الله عليه وسلم بعدها ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة فعاش ~~بعدها خمسين يوما، ثم نزلت {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} (التوبة: 128) # فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزل: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله} (البقرة: 281) # فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما. وقال مقاتل: سبعة أيام، وقيل: غير ذلك. ~~وقال الرازي: اتفق الصحابة على أن هذه السورة دلت على نعي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذلك لوجوه: # أحدها: أنهم عرفوا ذلك لما خطب صلى الله عليه وسلم عقب السورة وذكر ~~التخيير، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته لما نزلت هذه السورة: «إن ~~عبدا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء الله فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه: فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا» . # ثانيها: أنه لما ذكر حصول النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجا دل ~~ذلك على حصول الكمال والتمام، وذلك يستعقبه الزوال كما قيل:: # *إذا تم أمر بدا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تم* # ثالثها: أنه تعالى أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقا، واشتغاله بذلك ~~يمنعه من الاشتغال بأمر الأمة فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم ~~وكمل، وذلك يقتضي انقضاء الأجل إذ لو بقي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لكان ~~كالمعزول من الرسالة وذلك غير جائز وعن ابن عباس: أن عمر كان يدنيه ويأذن ~~له مع أهل بدر، فقال عبد الرحمن: أتأذن لهذا الفتى معنا وفي أبنائنا من هو ~~مثله؟ فقال: إنه من قد علمتم. قال ابن عباس: فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم ~~فسألهم عن قول الله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} ولا أراه سألهم إلا ~~من أجلي، فقال بعضهم: أمر الله # PageV04P603 # تعالى نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه فقلت ليس كذلك ولكن نعيت ~~إليه نفسه، فقال عمر: ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم، ثم قال: كيف تلوموني ~~عليه بعد ما ترون. وروي أنه صلى الله عليه وسلم «دعا فاطمة رضي ms4195 الله عنها ~~فقال: يابنتاه إني نعيت إلى نفسي فبكت، فقال: لا تبكي فإنك أول أهلي لحوقا ~~بي» وعن عائشة «كان صلى الله عليه وسلم يكثر قبل موته أن يقول: «سبحانك ~~اللهم وبحمدك اشتغفرك وأتوب إليك» وعنها أيضا «ما صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت {إذا جاء نصر الله والفتح} إلا يقول فيها: ~~سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي» . وقالت أم سلمة رضي الله عنها: «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا ~~قال: «سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه. قال: فإني أمرت بها ثم ~~قرأ {إذا جاء نصر الله والفتح} إلا آخرها» . وقيل: استغفره هضما لنفسك ~~واستصغارا لعملك واستدراكا لما فرط منك بالالتفات على غيره وعنه عليه ~~الصلاة والسلام: «إني استغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة» وقيل: استغفر ~~لأمتك وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار على طريق النزول من الخالق ~~إلى الخلق، كما قيل: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله. # ولما أمره الله تعالى بالتسبيح والاستغفار أرشده إلى التوبة بقوله تعالى: ~~{إنه} ، أي: المحسن إليك بالنصر والفتح وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر ~~{كان} ، أي: ولم يزل {توابا} ، أي: رجاعا بمن ذهب به الشيطان من أهل رحمته، ~~فهو الذي رجع بأنصارك عما كانوا عليه من الاجتماع على الكفر والاختلاف ~~والعداوات، فأيدك الله تعالى بدخولهم في الدين شيئا فشيئا إلى أن دخلت مكة ~~بعشرة آلاف، وهو أيضا يرجع بك إلى الحالة التي يزداد بهاظهور رفعتك في ~~الرفيق الأعلى. قال الله تعالى: {وللآخرة خير لك من الأولى} (الضحى: 4) # فتفوز بتلك السعادات العالية. وعن ابن مسعود: أن هذه السورة تسمى سورة ~~التوديع. قال قتادة ومقاتل: عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه ~~السورة سنتين وهذا بناء على أنها نزلت قبل فتح مكة، وهو قول الأكثر فإن ~~الفتح كان في سنة ثمان، وأما من قال: عاش دون ذلك كما مر فبناء على أنها ~~نزلت ms4196 في حجة الوداع كما مر أيضا. # تنبيه: في الآية سؤالات أحدها أن قوله تعالى: {كان توابا} يدل على الماضي ~~وحاجتنا إلى قبوله في المستقبل. ثانيها: هلا قال غفارا كما قال في سورة نوح ~~عليه السلام. ثالثها: أنه قال تعالى: {نصر الله} وقال تعالى: {في دين الله} ~~وقال تعالى {بحمد ربك} ولم يقل بحمد الله؟ أجيب: عن الأول بوجوه: # أحدها: أن هذا أبلغ كأنه يقول إني تبت على من هو أقبح فعلا منكم كاليهود، ~~فإنهم بعد ظهور المعجزات العظيمة كفلق البحر ونتق الجبل ونزول المن والسلوى ~~عصوا ربهم وأتوا بالقبائح، ولما تابوا قبلت توبتهم فإذا كنت قابلا لتوبة ~~أولئك وهم دونكم أفلا أقبل توبتكم وأنتم خير أمة أخرجت للناس. # ثانيها: إني شرعت في توبة العصاة، والشروع ملزم على قول النعمان فكيف في ~~كرم الرحمن. # ثالثها: كنت توابا قبل أمركم بالاستغفار، أفلا أقبل وقد أمرتكم. # رابعها: كأنه أشار إلى تخفيف جنايتهم، أي: لستم أول من جنى وتاب، ~~والمعصية إذا عمت خفت. # خامسها: كأنه نظير ما يقال لقد أحسن الله إليك فيما مضى، كذلك يحسن إليك ~~فيما بقي. وأجيب: عن الثاني # PageV04P604 # بوجهين: أحدهما لعله خص هذه الأمة بزيادة الشرف لأنه لا يقال في صفات ~~العبد: غفار، ويقال: تواب إذا كان آتيا بالتوبة فيقول تعالى: كنت لي سميا ~~من أول الأمر أنت مؤمن وأنا مؤمن، وإن كان المعنى: مختلفا فتب حتى تصير ~~سميا في آخر الأمر، وأنت تواب وأنا تواب ثم التواب في حق الله تعالى إنه ~~يقبل التوبة كثيرا. فيجب على العبد أن يكون إتيانه بالتوبة كثيرا. ~~وثانيهما: أنه تعالى إنما قال توابا لأن القائل قد يقول استغفر الله وليس ~~بتائب كقوله عليه الصلاة والسلام: «المستغفر بلسانه المصر بقلبه كالمستهزئ ~~بربه» . # فإن قيل: قد يقول أتوب وليس بتائب؟ أجيب: بأن ذا يكون كاذبا لأن التوبة ~~اسم للرجوع والندم، بخلاف الاستغفار فإنه لا يكون كاذبا فيه فصار تقدير ~~الكلام: واستغفره بالتوبة، وفيه تنبيه على أن خواتيم الأعمال يجب أن تكون ~~بالتوبة والاستغفار فكذا خواتيم ms4197 الأعمار. وأجيب عن الثالث: بأنه تعالى راعى ~~العدل فذكر اسم الذات مرتين، وذكر اسم الفعل مرتين أحدهما الرب، والثاني ~~التواب. ولما كانت التربية تحصل أولا والتوبة آخرا، لا جرم ذكر اسم الرب ~~أولا واسم التوبة آخرا فنسأل الله تعالى من فضله وكرمة أن يمن علينا بتوبة ~~نصوح لا ننكث بعدها أبدا، فإنه كريم رحيم. # وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة ~~{إذا نصر الله} «أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد يوم فتح مكة» حديث موضوع. ### | سورة تبت # مكية # وهي خمس آيات وثلاث وعشرون كلمة وسبعة وسبعون حرفا # {بسم الله} المتكبر الجبار المضل الهاد {الرحمن} الذي عم خلقه بنعمه بعد ~~الإكرام بالإيجاد {الرحيم} الذي خص بتوفيقه أهل الوداد # وقوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب} دعاء عليه، وسبب نزول ذلك ما روي عن ابن ~~عباس أنه قال: لما نزل قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} (الشعراء: 214) # صعد صلى الله عليه وسلم الصفا جعل ينادي: «يا بني فهر يا بني عدي لبطون ~~قريش حتى اجتمعوا عنده، فجعل الرجل إذا لم يستطع أرسل رسولا لينظر ما هو ~~فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ~~أما كنتم تصدقون؟ قالوا: بلى/. # قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك لهذا دعوتنا ~~جميعا فنزلت» . # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل ونادى: «يا ~~صباحاه فاجتمعت إليه قريش وذكر نحوه» . # وفي رواية فصعد الصفا فهتف: «يا صباحاه فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ ~~فقالوا: محمد فاجتمعوا إليه فقال صلى الله عليه وسلم أرأيتم لو أخبرتكم أن ~~خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: ~~فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك أما جمعتنا إلا ~~لهذا فنزلت» . # وعن أبي زيد أن ابا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا أعطى إن ~~آمنت بك يا محمد فقال ms4198 صلى الله عليه وسلم «كما يعطى المسلمون فقال ما لي ~~عليهم فضل؟ فقال صلى الله عليه وسلم وأي شيء تبتغي قال: تبا لهذا من دين أن ~~أكون وهؤلاء سواء فنزلت» . ومعنى تبت قال ابن عباس: خابت. وقال قتادة: ~~خسرت. وقال عطاء: صلت. وقال ابن جبير: هلكت والتباب الهلاك، ومنه قولهم: # PageV04P605 # أشابة أم تابة، أي: هالكة من الهرم والتعجيز، والمعنى: هلكت يداه لأنه ~~فيما يروى أخذ حجرا ليرمي به النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: رماه به فأدمى ~~عقبه فلهذا ذكرت اليد وإن كان المراد جملة البدن فهو كقولهم: خسرت يده، ~~وكسبت يده فأضيفت الأفعال إلى اليد، وذلك على عادة العرب في التعبير ببعض ~~الشيء عن كله وجميعه، أو عبر باليدين لأن الغالب أن الأعمال تزاول بهما. ~~وقال يمان بن رباب: صفرت من كل خير حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه ~~لما قتل عثمان سمع الناس هاتفا يقول: # *لقد خلوك وانصرفوا ... فما آبوا ولا رجعوا* # *ولم يوافوا نذورهم ... فتبا للذي صنعوا* # وقيل: المراد باليدين دينه ودنياه، أو أولاه وعقباه، أو المراد بأحدهما ~~جر المنفعة وبالأخرى دفع المضرة، أو لأن اليمين سلاح واليسرى جنة. وأبو لهب ~~هو ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم واسمه عبد العزى. فإن قيل:: ~~لماذا كني بذلك ولم يكن له ولد اسمه لهب، وأيضا فالتكنية من باب التعظيم؟ ~~أجيب: عن الأول بأن الكنية قد تكون اسما كما سمي أبو سفيان وأبو طالب ونحو ~~ذلك، فإن هؤلاء أسماؤهم كناهم، أو لتلهب وجنتيه وكان مشرق الوجه أحمره؟ ~~وأجيب عن الثاني بوجوه: أحدها: أنه لما كان اسما خرج عن إفادة التعظيم، ~~ثانيها: أن اسمه، كان عبد العزى كما مر فعدل عنه إلى كنيته لقبح اسمه لأن ~~الله تعالى لم يضف العبودية في كتابه إلى صنم. ثالثها: أنه لما كان من أهل ~~النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته فكان جديرا بأن يذكر بها، ~~كقولهم: أبو الخير وأبو الشر لصدورهما منه، أو لأن الكنية كانت ms4199 أغلب من ~~الاسم، أو لأنها أنقص منه، ولذلك ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بأسمائهم دون كناهم. # وقال الزمخشري: فإن قلت: لما كناه والكنية تكرمة، ثم ذكر ثلاثة أجوبة إما ~~لشهرته بكنيته، وإما لقبح اسمه كما تقدم، وإما لأنه لما كان من أهل النار ~~ومآله إلى نار ذات لهب وافقت حالته كنيته اه. وهذا يقتضي أن الكنية أشرف من ~~اللقب لا أنقص وهو عكس قول تقدم. وقرأ ابن كثير بإسكان الهاء، والباقون ~~بفتحها وهما لغتان بمعنى نحو: النهر والنهر # وقوله تعالى: {وتب} خبر كما يقال: أهلكه الله وقد هلك، فالأول: أخرج مخرج ~~الدعاء عليه، والثاني: أخرج مخرج الخبر فحقق به ما أريد من الإسناد إلى ~~اليدين من الكناية عن الهلاك الذي لا بقاء بعده، وقيل: المراد ماله وملكه ~~كما يقال فلان قليل ذات اليد يعنون به المال، وبالثاني نفسه. # ولما دعا صلى الله عليه وسلم أقربيه إلى الله تعالى وخوفهم، قال أبو لهب: ~~إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدي نفسي بمالي وولدي فأنزل الله تعالى: # {ما أغنى عنه} أي: عن أبي لهب {ماله} ، أي: الكثير الذي جرت العادة أنه ~~منج من الهلاك، فإنه كان صاحب مواش كثيرة. {وما كسب} ، أي: من الولد ~~والأصحاب والعز بعشيرته التي كان يؤذي بها النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~ابنه عتبة شديد الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فكان أبو لهب يعرف أن هذه الدعوة، لا ~~بد أن تدركه فسافر إلى الشأم فأوصى به الرفاق لينجوه من هذه الدعوة فكانوا ~~يحدقون به إذا نام ليكون وسطهم والحمول محيطة به وهم محيطون بها، والركاب ~~محيطة # PageV04P606 # بهم، فلم ينفعهم بل جاء الأسد فتشمم الناس حتى وصل إليه فاقتلع رأسه» ~~وإنما كان الولد من الكسب لقوله صلى الله عليه وسلم «أطيب ما يأكل أحدكم من ~~كسبه، وإن ولده من كسبه» . # تنبيه: ما في {ما أغنى} يجوز فيها النفي والاستفهام فعلى الاستفهام، تكون ~~منصوبة ms4200 المحل بما بعدها التقدير: أي شيء أغنى المال وقدم لكونه له صدر ~~الكلام، ويجوز في ما في قوله تعالى: {وما كسب} أن تكون بمعنى الذي فالعائد ~~محذوف، وأن تكون مصدرية، أي: وكسبه وأغنى بمعنى يغني. ثم أوعده سبحانه ~~بالنار فقال تعالى: # {سيصلى} أي: عن قريب بوعد لا خلف فيه {نارا} يندس فيها وتنعطف عليه وتحيط ~~به {ذات لهب} ، أي: لا تسكن ولا تخمد أيدا لأن ذلك مدلول الصحبة المعبر ~~عنها بذات وذلك بعد موته. # ولما أخبر تعالى عنه بكمال التباب الذي هو نهاية الخسار زاده تحقيرا بذكر ~~من يصونها بأزرى صورة وأشنعها بقوله تعالى: # {وامرأته} وهو عطف على ضمير يصلى سوغه الفصل بالمفعول وصفته، وهي أم جميل ~~وهي أخت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، مثل ~~زوجها في التباب والصلي من غير أن يغني عنها شيء من مال ولا حسب ولا نسب، ~~وعدل عن ذكرها لأن صفتها القباحة وهي ضد كنيتها. قال البقاعي: ومن هنا يؤخذ ~~كراهة التلقيب بناصر الدين ونحوها لمن ليس متصفا بما دل عليه لقبه. وقوله ~~تعالى: {حمالة الحطب} فيه وجهان: # أحدهما: هو حقيقة. قال قتادة: وكانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالفقر، ثم كانت مع كثرة مالها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها فعيرت ~~بالبخل، وقال ابن زيد: كانت تحمل العضاه والشوك تلقيه في الليل في طريق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يطؤه كما ~~يطأ الحرير، وقال برة الهمداني: كانت أم جميل تأتي في كل يوم بإبالة من ~~الحسك فتطرحها في طريق المسلمين فبينما هي ذات ليلة حاملة حزمة عييت فقعدت ~~على حجر تستريح فجذبها الملك من خلفها فأهلكها. # الوجه الثاني: أن ذلك مجاز عن المشي بالتسمية ورمي الفتن بين الناس، ~~ويقال للمشاء بين الناس بالنمائم المفسد بين الناس يحمل الحطب منهم، أي: ~~يوقد بينهم ويثير الشر قال الشاعر: # *من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ... ولم تمش بين الناس ms4201 بالحطب الرطب* # جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر. وقال سعيد بن جبير: ~~حمالة الخطايا والذنوب من قولهم: فلان يحتطب على ظهره قال تعالى: {يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم} (الأنعام: 31) # وقرأ عاصم بنصب التاء من حمالة على الشتم، قال الزمخشري: وأنا أستحب هذه ~~القراءة، وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب شتم أم جميل ~~اه. والباقون برفعها على أنها صفة امرأته فإنها مرفوعة باتفاق إما بالعطف ~~على الضمير في سيصلى كما مر، ويكون قوله تعالى: # {في جيدها حبل} حالا من امرأته، أو على الابتداء ففي جيدها حبل هو الخبر ~~وحبل فاعل به، ويجوز أن يكون في جيدها خبرا مقدما وحبل مبتدأ مؤخرا، ~~والجملة حالية أو خبر ثان. والجيد العنق ويجمع على أجياد. # وقوله تعالى: {من مسد} صفة لحبل والمسد ليف المقل، وقيل: الليف مطلقا، ~~وقال أبو عبيد: هو حبل يكون من صوف، وقال الحسن: هي حبال من شجر ينبت ~~باليمن يسمى المسدد، وكانت تفتله. # PageV04P607 # وقال الضحاك وغيره: هذا في الدنيا وكانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالفقر وهي تحتطب في حبل تجعله في جيدها من ليف فخنقها الله عز وجل به ~~فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار. فإن قيل: إن كان ذلك حبلها فكيف يبقى ~~في النار؟ أجيب: بأن الله تعالى قادر على تجدده كلما احترق كما يبقي اللحم ~~والعظم أبدا في النار. وعن ابن عباس قال: هو سلسلة ذرعها سبعون ذراعا تدخل ~~فيها وتخرج من أسفلها، ويلوي سائرها على عنقها. # وقال قتادة: هو قلادة من ودع. وقال الحسن: إنما كان خرزا في عنقها. وقال ~~سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت: واللات والعزى ~~لانفقنها في عداوة محمد، ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة. وقيل: إن ~~ذلك إشارة إلى الخذلان يعني أنها مربوطة عن الإيمان لما سبق لها من الشقاء ~~كالمربوط في جيده بحبل من مسد والمسد الفتل، يقال: مسد حبله يمسده مسدا، ~~أي: أجاد فتله والجمع أمساد. ms4202 وروي أنها لما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من ~~القرآن أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ~~ومعه أبو بكر، وفي يدها فهر من حجارة تريد أن ترميه به فلما وقفت عليه أخذ ~~الله تعالى بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر، ~~فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت ~~بهذا الفهر فاه، والله إني لشاعرة: # * ... مذمما عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا # ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله أما ترى ما رأتك قال صلى الله ~~عليه وسلم «ما رأتني لقد أخذ الله تعالى بصرها» عني وكانت قريش إنما تسمي ~~محمدا صلى الله عليه وسلم مذمما ثم يسبونه، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«ألاتعجبوا لما صرف الله تعالى عني من أذى قريش يهجون مذمما وأنا محمدا» . ~~انظر كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل هذا الأذى ويحلم عليهم ~~فينبغي لغيره أن يكون له به أسوة قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة} (الأحزاب: 21) # تنبيه: احتج أهل السنة على تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب ~~بالإيمان بتصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه أنه لا يؤمن من أهل النار، ~~فإنه قد صار مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين ~~وهو محال وذلك مذكور في أصول الفقه. وقد تضمنت هذه الآيات الأخبار عن الغيب ~~بثلاثة أوجه: # أحدها: الإخبار عنه بالتباب والخسران وقد كان ذلك. # ثانيها: الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده وقد كان ذلك. # ثالثها: الإخبار عنه بأنه من أهل النار وقد كان ذلك، لأنه مات على الكفر ~~هو وامرأته ففي ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وامرأته خنقها الله ~~تعالى بحبلها كما مر، وأبو لهب رماه الله تعالى بالعدسة بعد وقعة بدر بسبع ~~ليال فمات، وأقام ثلاثة أيام لا يدفن حتى أنتن ثم إن ولده ms4203 غسله بالماء قذفا ~~من بعيد مخافة عدوى العدسة وكانت قريش تتقيها كما تتقي الطاعون، ثم احتملوه ~~إلى أعلى مكة وأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه الحجارة. وقيل: إن الله تعالى ~~يدخل امرأته جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الحطب، ~~ولا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من أصل شجرة الزقوم، أو من الضريع ~~وفي جيدها حبل من مسد من سلاسل النار، كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في ~~جرمه. # وقول # PageV04P608 # البيضاوي تبعا للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة ~~تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة» . حديث موضوع. ### | سورة الإخلاص # مكية # في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة، ومدنية في أحد قولي ابن عباس ~~وقتادة والضحاك والسدي، وهي أربع آيات وخمس عشرة كلمة وسبعة وأربعون حرفا. # {بسم الله} الذي له جميع الكمال ذي الجلال والجمال {الرحمن} الذي أفاض ~~على جميع خلقه عموم الأفضال {الرحيم} الذي خص أهل وداده من نور الإنعام ~~بالإتمام والأكمال. # واختلف في سبب نزول سورة {قل هو الله أحد} فروى أبو العالية عن أبي بن ~~كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنسب لنا ربك فنزلت. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلى من تدعنا يا محمد؟ فقال: إلى الله ~~تعالى، قال: صفه لنا، أمن ذهب هو أم من فضة أم من حديد أم من خشب فنزلت، ~~واهلك الله تعالى أربد بالصاعقة وعامر من الطفيل بالطاعون. وقال الضحاك ~~وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فإن الله تعالى أنزل صفته في التوراة ~~فأخبرنا من أي: شيء هو، وهل يأكل ويشرب، ومن ورث ومن يرثه فنزلت. { { # تنبيه: هو ضمير الشأن وهو مبتدأ وخبره الله، وأحد بدل أو خبر ثان يدل على ms4204 ~~مجامع صفات الجلال كما دل الله تعالى على جميع صفات الكمال؛ إذ الواحد ~~الحقيقي ما يكون منزه الذات عن التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما كالجسيمة ~~والتحيز والمشاركة في الحقيقة، وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية ~~والحكمة التامة المقضية للألوهية. فائدة: جاء في الواحد عن العرب لغات ~~كثيرة، يقال: واحد وأحد ووحد ووحيد ووحاد وأحاد وموحد وأوحد، وهذا كله راجع ~~إلى معنى الواحد، وإن كان في ذلك معان لطيفة ولم يجيء في صفات الله تعالى ~~إلا الواحد والأحد. # وقوله تعالى: {الله} ، أي: الذي ثبتت إلهيته وأحديته لا غيره مبتدأ خبره ~~{الصمد} وأخلى هذه الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى، أو الدليل ~~عليها. والصمد: السيد المصمود إليه في الحوائج، والمعنى: هو الله الذي ~~تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد ~~بالإلوهية ولا يشارك فيها وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، وهو ~~الغني عنهم. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الصمد هو الذي لا جوف له، وقال الشعبي: هو ~~الذي لا يأكل ولا يشرب، وقال الربيع: هو الذي لا تعتريه الآفات، وقال مقاتل ~~بن حبان: هو الذي لاعيب فيه، وقال قتادة: هو الباقي بعد فناء خلقه، وقال ~~سعيد بن جبير: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وقال السدي: هو المقصود ~~إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب. تقول العرب: صمدت فلانا أصمده ~~صمدا بسكون الميم إذا قصدته. # وعن أبي بن كعب: هو الذي {لم يلد} لأن من يلد سيموت، ومن يرث يورث عنه ~~ففسر الصمد بما بعده. وينبغي أن تجعل هذه # PageV04P609 # التفاسير كلها تفسيرا واحدا فإنه متصف بجميعها فكونه لم يلد لأنه لم ~~يجانس ولم يفتقر إلى من يعينه، أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه ~~لدوامه في أبديته، والاقتصار على الماضي لوروده ردا على من قال الملائكة ~~بنات الله، أو العزيز أو المسيح أو غيره. # ولما بين أنه لا فصل له ظهر أنه لا جنس له فدل عليه بقوله تعالى: # {ولم يولد} لأنه لو تولد عنه غيره ms4205 تولد هو عن غيره كما هو المعهود ~~والمعقول، فهو قديم لا أول له، بل هو الأول الذي لم يسبقه عدم لأن الولادة ~~تتكون ولا تتشخص إلا بواسطة المادة وعلاقتها وكل ما كان ماديا أو كان له ~~علاقة بالمادة كان متولدا عن غيره، والله سبحانه وتعالى منزه عن جميع ذلك. # {ولم يكن} ، أي: لم يتحقق ولم يوجد بوجه من الوجوه ولا بتقدير من ~~التقادير {له} ، أي: خاصة {كفوا} ، أي: مثلا ومساويا {أحد} على الإطلاق، ~~أي: لا يساويه في قوة الوجود لأنه لو ساواه في ذلك لكانت مساواته باعتبار ~~الجنس والفصل، فيكون وجوده متولدا عن الازدواج الحاصل من الجنس الذي يكون ~~كالأم، والفصل الذي يكون كالأب، وقد ثبت أنه لا يصح بوجه من الوجوه أن يكون ~~في شيء من الولادة، لأن وجوب وجوده لذاته فانتفى أن يساويه شيء. وكان الأصل ~~أن يؤخر الظرف؛ لأنه صلة لكن لما كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى ~~قدم تقديما للأهم، ويجوز أن يكون حالا من الممتكن في كفؤا، أو خبرا، أو ~~يكون كفؤا حالا من أحد وعطف هاتين الجملتين على الجملة التي قبلهما، لأن ~~الثلاث شرح الصمدية النافية لأقسام الأمثال فهي كالجملة الواحدة. # روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، ~~فأما تكذيبه إياي يقول: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من ~~إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم ~~أولد ولم يكن لي كفؤا أحد» . وقرأ حمزة بسكون الفاء والباقون بضمها، وقرأ ~~حفص كفوا بالواو وقفا ووصلا، وإذا وقف حمزة وقف بالواو. # وروي في فضائل هذه السورة أحاديث كثيرة منها ما روى البخاري عن أبي سعيد ~~الخدري «أن رجلا سمع رجلا يقرأ {قل هو الله أحد} يرددها فلما أصبح أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكان الرجل يتقللها فقال ms4206 له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» . # فإن قيل: لم كانت تعدل ثلث القرآن؟ # أجيب: بأن القرآن أنزل أثلاثا ثلث أحكام، وثلث وعد ووعيد، وثلث أسماء ~~وصفات فجمعت هذه السورة أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات. وقيل: إنها تعدل ~~القرآن كله مع قصر متنها وتقارب طرفيها، وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات ~~الله تعالى وعدله وتوحيده، وكفى بذلك دليلا لمن اعترف بفضلها. # ومنها ما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعث رجلا على سرية فكان يقرأ في صلاتهم فيختم ب {قل هو الله أحد} فلما ~~رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء يصنع ~~ذلك؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال صلى الله ~~عليه وسلم أخبروه أن الله تعالى يحبه» . # ومنها ما رواه الترمذي عن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سمع رجلا يقرأ {قل هو الله أحد} فقال صلى الله عليه وسلم وجبت قلت: ما ~~وجبت؟ قال: الجنة» . # ومنها ما روى أنس أيضا «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P610 # قال: من قرأ {قل هو الله أحد} خمسين مرة «غفرت ذنوبه» . ومنها ما روى ~~سعيد بن المسيب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ {قل هو الله ~~أحد} عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له ~~قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاث قصور في الجنة، ~~فقال عمر: إذن تكثر قصورنا فقال صلى الله عليه وسلم أوسع من ذلك» . # ومنها ما رواه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه «أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: من قرأ {قل هو الله أحد} بعد صلاة الصبح اثنتى عشرة مرة فكأنما ~~قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى» . وروي أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من قرأ ms4207 {قل هو الله أحد} «في مرضه الذي يموت فيه لم ~~يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة بأكفها حتى تجيزه من ~~الصراط إلى الجنة» . وقد أفردت أحاديثها بالتأليف وفي هذا القدر كفاية ~~لأولي الألباب. # ولها أسماء كثيرة، وزيادة الأسماء تدل على شرف المسمى. أحدها: أنها سورة ~~التفريد، ثانيها: سورة التجريد، ثالثها: سورة التوحيد، رابعها: سورة ~~الإخلاص، خامسها: سورة النجاة، سادسها: سورة الولاية، سابعها: سورة النسبة، ~~لقولهم: أنسب لنا ربك، ثامنها: سورة المعرفة، تاسعها: سورة الجمال، عاشرها: ~~سورة المقشقشة، حادي عشرها: سورة المعوذة، ثاني عشرها: سورة الصمد، ثالث ~~عشرها: سورة الأساس، قال: أسست السموات السبع والأرضين السبع على {قل هو ~~الله أحد} ، رابع عشرها: المانعة لأنها تمنع فتنة القبر ونفحات النار، خامس ~~عشرها: سورة المحتضر لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت، سادس عشرها: ~~المنفرة لأن الشياطين تنفر عند قراءتها، سابع عشرها: سورة البراءة لأنها ~~براءة من الشرك، ثامن عشرها: المذكرة لأنها تذكر العبد خالص التوحيد، تاسع ~~عشرها: سورة النور لأنها تنور القلب المكمل للعشرين سورة الإنسان قال صلى ~~الله عليه وسلم «إذا قال العبد: الله، قال الله: دخل حصني ومن دخل حصني أمن ~~من عذابي» . فنسأل الله تعالى أن يجيرنا من عذابه، ويدخلنا الجنة نحن وجميع ~~الأحباب بغير حساب؛ لأنه كريم حليم وهاب. # وما رواه البيضاوي من أنها تعدل ثلث القرآن فرواه البخاري، ومن أنه صلى ~~الله عليه وسلم سمع رجلا يقرؤها الخ فرواه الترمذي والنسائي وغيرهما. ### | سورة الفلق # مكية # في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية في قول ابن عباس وقتادة، وهي ~~خمس آيات وثلاث وعشرون كلمة وأربعة وسبعون حرفا. # {بسم الله} الذي له جميع الحول {الرحمن} الذي استجمع كمال الطول {الرحيم} ~~الذي أتم على أهل وده جميع النول. " # واختلف في سبب نزول سورة {قل أعوذ برب الفلق} فقال ابن عباس وعائشة رضي ~~الله عنهم: كان غلام من اليهود يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فدنت إليه ~~اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله ms4208 عليه وسلم وعدة ~~أسنان من مشطه وأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم رجل ~~من اليهود فنزلت هذه و {قل أعوذ برب الناس} فيه. # PageV04P611 # وعن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم طب، أي: سحر حتى ~~كأنه يخيل إليه أنه صنع شيئا وما صنعه، وأنه دعى ربه ثم قال: أشعرت أن الله ~~أفتاني فيما استفتيته فيه، فقالت عائشة رضي الله عنها: وما ذاك يا رسول ~~الله؟ قال: «جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال ~~أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال الآخر: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد ~~بن الأعصم، قال: فيماذا، قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ ~~قال: في ذروان، وذروان بئر بني زريق، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتاها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى عائشة فقال: والله لكأن ماءها ~~نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين، قالت: فقلت: يا رسول الله هل ~~أخرجته؟ قال: أما أنا فقد شفاني الله وكرهت أن أثير على الناس منه شرا» . # وعن زيد بن أرقم قال: «سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود ~~فاشتكى ذلك أياما فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن رجلا من اليهود سحرك ~~وعقد لك عقدا في بئر كذا وكذا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ~~فاستخرجها فجاء بها، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال، قال: فما ذكر ذلك اليهودي ولا أرى وجهه ~~قط» . وروي «أنه كان تحت صخرة في البئر، فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة ~~فإذا فيها مشاطة من رأسه صلى الله عليه وسلم وأسنان مشطه» . # وعن مقاتل والكلبي: كان ذلك في وتر عقد عليه إحدى عشرة عقدة، وقيل: كانت ~~مغروزة بالإبرة فأنزل الله هاتين السورتين، وهما إحدى عشر آية سورة الفلق ~~خمس آيات وسورة الناس ست آيات كلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد ~~كلها فقام صلى ms4209 الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال. وروي: أنه لبث فيه ستة ~~أشهر اشتد عليه بثلاث ليال فنزلت المعوذتان، وروي: أنه كان يخيل له أنه يطأ ~~زوجاته، وليس بواطىء قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر. # وعن أبي سعيد الخدري: «أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا محمد، اشتكيت، قال: نعم، قال: بسم الله أرقيك من كل شيء ~~يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، والله يشفيك بسم الله أرقيك» . # فإن قيل: المستعاذ منه هل هو بقضاء الله وقدره، أو لا فإن كان بقضاء الله ~~وقدره فكيف أمر بالاستعاذة مع أن ما قدر لا بد واقع؟ وإن لم يكن بقضاء الله ~~وقدره فذلك قدح في القدرة؟ أجيب: بأن كل ما وقع في الوجود فهو بقضاء الله ~~وقدره، والاستشفاء بالتعوذ والرقي من قضاء الله يدل على صحة ذلك ما روى ~~الترمذي عن أبي خزامة عن أبيه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها ~~هل يرد من قضاء الله شيئا؟ قال: هو من قدر الله» . قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن. وعن عمر: نفر من قدر الله إلى قدر الله، ومعنى أعوذ: أستجير وأعتصم ~~وأحترز، والفلق: الصبح في قول الأكثرين، ومنه قوله تعالى: {فالق الإصباح} ~~(الأنعام: 96) # لأنه ظا هر في تغير الحال، ومحاكاة يوم القيامة الذي هو أعظم فلق يشق ~~ظلمة الفناء، والهلاك بالبعث والأحياء. وقال الملوي: الفلق بالسكون والحركة ~~كل شيء انفلق عنه ظلمة العدم، وأوجد من الكائنات جميعا. وروي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: أنه سجن في جهنم. وقال الكلبي: واد في جهنم. وقال الضحاك: ~~يعني الخلق، وقيل: المطمئن من الأرض وجمعه: فلقان مثل # PageV04P612 # خلق وخلقان، وقيل: الفلق الجبال والصخور وتنفلق بالمياه، أي: تنشق وقيل: ~~هو التفليق بين الجبال لأنها تنشق من خوف الله تعالى. ولفظ الرب هنا أوقع ~~من سائر أسمائه تعالى، لأن الإعادة من المشار تربية. # ولما ms4210 كانت الأشياء قسمين: عالم الخلق وعالم الأمر، وكان عالم الأمر خيرا ~~كله فكان الشر منحصرا في عالم الخلق خصه بالاستعاذة فقال تعالى معمما فيها: # {من شر ما خلق} فخص عالم الخلق بالاستعاذة منه لانحصار الشر فيه يكون ~~اختياريا من العاقل الداخل تحت مدلول ما وغيره من سائر الحيوانات كالكفر ~~والظلم ونهش السباع ولدغ ذوات السموم، وتارة طبيعيا كإحراق النار، وإهلاك ~~السموم. # وقيل: المراد به إبليس خاصة لأنه لم يخلق الله خلقا شرا منه، ولأن السحر ~~لا يتم إلا به وبأعوانه وجنوده، وقيل: من شر كل ذي شر. # وقوله تعالى: {ومن شر غاسق إذا وقب} فيه أوجه: أحدها: ما روي عن عائشة ~~قالت: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر فقال: يا عائشة ~~استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» أخرجه الترمذي، وقال: ~~حديث صحيح حسن فعلى هذا المراد به القمر إذا خسف وأسود وذهب ضوءه، أو إذا ~~دخل في المحاق وهو آخر الشهر، وفي ذلك الوقت يتم السحر المؤثر للتمريض، ~~وهذا مناسب لسبب نزول هذه السورة. # ثانيها: ما روي عن ابن عباس: أن الغاسق الليل إذا وقب، أي: أقبل بظلمته ~~من المشرق، وسمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار. والغسق: البرد، وإنما ~~أمر بالتعوذ من الليل لأن فيه الآفات ويقل: الغوث، ومنه قولهم: الليل أخفى ~~للويل، وقولهم: أعذر الليل لأنه إذا أظلم كثر فيه العدو، وفيه يتم السحر، ~~وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه. # ثالثها: إنه الثريا إذا سقطت وغابت، ويقال: أن الأسقام تكثر عند وقوعها ~~وترتفع عند طلوعها، فلهذا أمر بالتعوذ من الثريا عند سقوطها. # رابعها: أنه الأسود من الحيات، ووقبه: ضربه ونقبه والوقب الثقب، ومنه: ~~وقبت الثريد. # ولما كان السحر أعظم ما يكون لما فيه من تفريق المرء من زوجه وأبيه وابنه ~~ونحو ذلك عقب ذلك بقوله تعالى: # {ومن شر النفاثات في العقد} ، أي: النساء، أو النفوس، أو الجماعات ~~السواحر اللواتي تعقد عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين عليها، ms4211 والنفث: ~~النفخ مع ريق. وقال أبو عبيدة: النفاثات من بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإن قيل: ما معنى الاستعاذة من شرهن؟ أجيب: ~~بثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر، ومن إثمهن في ~~ذلك. ثانيها: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن. ~~ثالثها: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن. قال الزمخشري: ~~ويجوز أن يراد بهن النساء الكيادات من قوله تعالى: # {إن كيدكن عظيم} (يوسف: 28) # تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد، أو اللاتي يفتن الرجال بتعرضهن ~~لهم وعرضهن محاسنهن كأنهن يسحرنهم بذلك. # تنبيه: اختلف في النفث في الرقي، فجوزه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم ويدل عليه حديث عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذتين» . وروى محمد بن حاطب: «أن يده احترقت ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينفث عليها ويتكلم بكلام زعم أنه لم ~~يحفظه» . وروى «أن قوما لدغ رجل منهم فأتوا أصحاب النبي صلى الله عليه # PageV04P613 # وسلم فقالوا: هل فيكم من راق؟ قالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئا، فجعلوا لهم ~~قطيعا من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى برئ، ~~فأخذوه، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: وما يدريك ~~أنها رقية خذوا واضربوا لي معكم بسهم» . وأنكر جماعة النفث والتفل في ~~الرقي، وأجازوا النفخ بلا ريق. وقال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا ~~يمسح ولا يعقد. وقيل: إن النفث في العقد إنما يكون مذموما إذا كان سحرا ~~مضرا بالأرواح والأبدان، وإذا كان النفث لإصلاح الأرواح والأبدان فلا يضر، ~~وليس بمذموم ولا مكروه بل هو مندوب إليه. # ولما كان أعظم حامل على السحر وغيره من أذى الناس الحسد، وهو تمني زوال ~~نعمة المحسود للحاسد، أو غيره قال تعالى: # {ومن شر حاسد} ، أي: ثابت الاتصاف بالحسد معروف فيه، وأعظم الحساد ~~الشيطان الذي ليس له دأب ms4212 إلا السعي في إزالة نعم العبادات عن الإنسان ~~بالغفلات، ثم قيد ذلك بقوله تعالى: {إذا حسد} ، أي: إذا ظهر حسده وعمل ~~بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمر فلا ضرر ~~يعود منه على من حسده، بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. # وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد، وفي إشعار ~~الآية إدعاء بما يحسد عليه من نعم الدارين لأن خير الناس من عاش محسودا ~~ومات محسودا. فإن قيل: لم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ أجيب: بأن ~~النفاثات عرفت لأنه كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق لأن كل غاسق لا يكون فيه ~~الشر إنما يكون في بعض دون بعض وكذلك كل حاسد لا يضر. # ورب حسد محمود وهو الحسد في الخيرات، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «لا ~~حسد إلا في اثنتين» الحديث. وقال أبو تمام: وما حاسد في المكرمات بحاسد. ~~وقال آخر: إن العلا حسن في مثلها الحسد. # فائدة: قال بعض الحكماء: الحاسد بارز ربه من خمسة أوجه: أولها: أنه أبغض ~~كل نعمة ظهرت على غيره. ثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه كأنه يقول: لم قسمت هذه ~~القسمة. ثالثها: إنه ضاد فعل الله تعالى إن فضل ببره من شاء، وهو يبخل بفضل ~~الله تعالى. رابعها: أنه خذل أولياء الله تعالى، أو يريد خذلانهم وزوال ~~النعمة عنهم. خامسها: أنه أعان عدو الله إبليس، والحاسد لا ينال في المجالس ~~إلا ندامة ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة، ولا ينال في الدنيا إلا جزعا ~~وغما، ولا ينال في الآخرة إلا حزنا واحتراقا، ولا ينال من الله تعالى إلا ~~بعدا ومقتا. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم آكل ~~الحرام، ومكثر الغيبة، ومن كان في قلبه غل أو حسد للمسلمين» . وقيل: المراد ~~بالحاسد في الآية اليهود، فإنهم كانوا يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~قيل: قوله تعالى: {من شر ما خلق} تعميم في كل ما يستعاذ منه فما ms4213 معنى ~~الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ أجيب: بأنه قد خص شر هؤلاء من ~~كل شر لخفاء أمرهم، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به، ~~وقالوا: شر العداة المداجي الذي يكيدك من حيث لا تشعر وأخرج الإمام أحمد عن ~~الزبير بن العوام أنه صلى الله عليه وسلم قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم ~~الحسد والبغضاء، ألا والبغضاء هي الحالقة» . فنسأل الله تعالى أن يحفظنا ~~ومحبينا منه إنه كريم جواد. # وروى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لقد أنزلت علي سورتان ما أنزل ~~مثلهما» . وروى ابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «وإنك إن تقرأ سورتين # PageV04P614 # لا أحب ولا أرضى عند الله منهما يعني المعوذتين» . وعن عقبة بن عامر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون؟ ~~قلت: بلى يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم قال: {قل أعوذ برب الفلق} و ~~{قل أعوذ برب الناس} . وما رواه الزمخشري ولم يقله البيضاوي هنا لكن قال في ~~آخر السورة الآتية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ المعوذتين ~~فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى» حديث موضوع. ### | سورة الناس # مكية # وهي ست آيات وعشرون كلمة وتسعة وتسعون حرفا # {بسم الله} المحيط بكل ما بطن كإحاطته بكل ظاهر {الرحمن} الذي عمت نعمته ~~كل باد وحاضر {الرحيم} الذي خص أهل وده بإتمام النعمة في جميع أمورهم الأول ~~منها والأثناء والآخر. # ولما أمر الله تعالى نبيه بالاستعاذة مما تقدم أمره أن يستعيذ من شر ~~الوسواس بقوله تعالى: # {قل} ، أي: يا أشرف المرسلين {أعوذ} ، أي: اعتصم والتجئ {برب} ، أي: مالك ~~وخالق {الناس} وخصهم بالذكر وإن كان رب جميع المحدثات لأمرين: أحدهما: أن ~~الناس يعظمون فأعلم بذكرهم أنه رب لهم وإن عظموا. الثاني: أنه أمر ~~بالاستعاذة من شرهم فاعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم. قال الملوي: والرب ~~من له ملك الرق، وجلب الخيرات من السماء والأرض وإنقاذها، ودفع الشرور ~~ورفعها، والنقل ms4214 من النقص إلى الكمال، والتدبير العام العائد بالحفظ ~~والتتميم على المربوب. { { # وقوله تعالى: {ملك الناس} إشارة إلى أن له كمال التصرف ونفوذ القدرة، ~~وتمام السلطان فإليه الفزع، وهو المستغاث والملجأ والمنجا والمعاد. وقوله ~~تعالى: {إله الناس} إشارة إلى أنه تعالى كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم ~~يشركه في ذلك أحد فكذلك هو وحده إلههم لا يشركه في ألوهيته أحد، وقد اشتملت ~~هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان، وتضمنت معاني أسمائه الحسنى، ~~فإن الرب هو القادر الخالق إلى غير ذلك مما يتوقف الإصلاح والرحمة والقدرة ~~الذي هو بمعنى الربوبية عليه من أوصاف الجمال. والملك هو الآمر والناهي ~~المعز المذل إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى العظمة والجلال، وأما ~~الإله فهو الجامع لجميع صفات الكمال، ونعوت الجلال فيدخل فيه جميع الأسماء ~~الحسنى، ولتضمنها لجميع معاني الأسماء الحسنى كان المستعيذ جديرا بأن يعاذ، ~~وقد يوقع ترتيبها على الوجه الأكمل الدال على الواحدانية لأن من رأى ما ~~عليه من النعم الظاهرة والباطنة علم أن له مربيا، فإذا درج في العروج في ~~درج معارفه سبحانه علم أنه غني عن الكل والكل إليه محتاج، وعن أمره تعالى ~~تجري أمورهم فيعلم أنه ملكهم، ثم يعلم بانفراده بتدبيرهم بعد إبداعهم أنه ~~المستحق للإلهية بلا مشارك له فيها. # فائدة: قد أجمع جميع القراء في هذه السورة على إسقاط الألف من مالك، ~~بخلاف الفاتحة كما مضى لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفهم اختصاصه بجميع ~~ما فيه من جوهر وعرض، وأنه لا أمر لأحد معه، ولا مشاركة في شيء من ذلك، وهو ~~معنى الملك بالضم. وأما إضافة المالك إلى الناس فإنها لا تستلزم أن يكون ~~ملكهم، فلو قرئ به هنا لنقص الملك بالضم، وأطبقوا في آل # PageV04P615 # عمران على إثبات الألف في المضاف وحذفها من المضاف إليه، لأن المقصود من ~~السياق أنه سبحانه يعطي الملك من يشاء ويمنعه من يشاء. والملك بكسر الميم ~~أليق بهذا المعنى، وأسرار كلام الله تعالى أعظم من أن تحيط بها العقول، ~~وإنما غاية أولي العلم ms4215 الاستدلال بما ظهر منها. # تنبيه: يجوز في ملك الناس وإله الناس أن يكونا وصفين لرب الناس، وأن ~~يكونا بدلين، وأن يكونا عطف بيان، واقتصر عليه الزمخشري قال: كقولك: سيرة ~~أبي حفص عمر الفاروق بين بملك الناس، ثم زيد بيانا بإله الناس، لأنه قد ~~يقال لغيره: رب الناس كقوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله} (التوبة: 31) # وقد يقال: ملك الناس. وأما إله الناس فخاص لا شركة فيه فجعل غاية للبيان. ~~فإن قيل: هلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرة واحدة؟ أجيب: بأن ~~عطف البيان للبيان فكان مظنة للإظهار دون الإضمار. # {من شر الوسواس} وهو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما ~~المصدر فوسواس بالكسر كزلزال، والمراد به شيطان سمي بالمصدر كأنه وسوس في ~~نفسه، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه أو أريد ذو الوسواس والوسوسة ~~الصوت الخفي، ويقال لحس الصائد، والكلاب، وأصوات الحلي: وسواس. «والشيطان ~~يجري من ابن آدم مجرى الدم» . كما في الصحيح فهو الذي يوسوس بالذنب سرا ~~ليكون أحلى، ولا يزال يزينه ويثير الشهوة الداعية إليه حتى يوقع الإنسان، ~~فإذا أوقعه وسوس لغيره إن فلانا فعل كذا حتى يفضحه بذلك، فإذا افتضح ازداد ~~جراءة على أمثال ذلك كأنه يقول: قد وقع ما كنت أحذر من إيقاعه فلا يكون شيء ~~غير الذي كان فيجترئ على الذنب. # ولما كان الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل دواء غير السأم وهو الموت، ~~وكان قد جعل دواء الوسوسة ذكره تعالى فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ~~ويصفيه، وصف سبحانه الموسوس عند استعماله الدواء بقوله تعالى: {الخناس} ، ~~أي: الذي عادته أن يخنس، أي: يتوارى ويتأخر ويختفي بعد ظهوره مرة بعد مرة ~~كلما كان الذكر خنس وكلما بطل عاد إلى وسواسه، فالذكر له كالمقامع التي ~~تقمع المفسد فهو شديد النفور منه، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلا كما حكي عن ~~بعض السلف أن المؤمن يضني شيطانه كما يضني الرجل بعيره في السفر. # قال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب، وقيل: كخرطوم الخنزير ms4216 في صدر ~~الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ~~ثمرة القلب يمسه، فإذا ذكر الله تعالى خنس ورجع ووضع رأسه فذلك قوله تعالى: # {الذي يوسوس} ، أي: يلقي المعاني الضارة على وجه الخفاء والتكرير {في ~~صدور الناس} ، أي: المضطربين إذا أغفلوا عن ذكر ربهم من غير سماع. وقال ~~مقاتل: إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه سلطه ~~الله تعالى على ذلك. وقال القرطبي: وسوسته هي الدعاء إلى إطاعته بكلام خفي ~~يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت. # تنبيه: يجوز في محل {الذي يوسوس} الحركات الثلاث، فالجر على الصفة والرفع ~~والنصب على الشم، ويحسن أن يقف القارئ على الخناس ويبتدئ الذي يوسوس على ~~أحد هذين الوجهين. # وقوله تعالى: {من الجنة} ، أي: الجن الذين هم في غاية الشر والتمرد، ~~والخناس {والناس} ، أي: أهل الاضطراب والذبذبة بيان # PageV04P616 # للذي يوسوس على أن الشيطان ضربان: جني وأنسي كما قال تعالى: {شياطين ~~الإنس والجن} (الأنعام: 112) # ويجوز أن يكون بدلا من الذي يوسوس، أي: الموسوس من الجن والإنس، وأن يكون ~~حالا من الضمير في يوسوس، أي: حال كونه من هذين الجنسين. وقيل: غير ذلك. ~~قال الحسن: هما شيطانان لنا أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما ~~شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادة: إن من الجن شياطين، وإن من الإنس ~~شياطين. فنعوذ بالله من شياطين الجن والإنس. وعن أبي ذر قال لرجل هل تعوذت ~~بالله من شيطان الإنس، فقال: أومن الإنس شياطين؟ قال: نعم لقوله تعالى: ~~{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} الآية. # وذهب قوم إلى أن المراد بالناس هنا الجن سموا ناسا كما سموا رجالا في ~~قوله تعالى: {وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} (الجن: 6) # وكما سموا نفرا في قوله تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} ~~(الجن: 1) # وكما سموا قوما نقل الفراء عن بعض العرب أنه قال: وهو يحدث جاء قوم من ~~الجن فوقفوا، فقيل: من ms4217 أنتم؟ فقالوا: ناس من الجن، فعلى هذا يكون والناس ~~عطفا على الجنة ويكون التكرير لاختلاف اللفظين. والجنة جمع جني كما يقال: ~~أنس وأنسي والهاء لتأنيث الجماعة. وقيل: إن إبليس يوسوس في صدور الجن كما ~~يوسوس في صدور الناس فعلى هذا يكون في صدور الناس عاما في الجميع. # و {من الجنة والناس} بيانا لما يوسوس في صدروهم. وقيل: معنى {من شر ~~الوسواس} الوسوسة التي تكون {من الجنة والناس} وهو حديث النفس. # قال صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ~~ما لم تعمل أو تتكلم به» . وعن عقبة بن عامر قال: «قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ألم تر آيات نزلت الليلة لم ير مثلهن قط {أعوذ برب الفلق} و ~~{أعوذ برب الناس} a. وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا ~~أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذ؟ قلت: بلى، قال: {قل أعوذ برب الفلق} و {قل ~~أعوذ برب الناس} . # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهم وقرأ {قل هو الله أحد} و {قل ~~أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس} ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ ~~بهما رأسه ووجه وما أقبل من جسده يصنع ذلك ثلاث مرات» . وعنها أيضا «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين ~~وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأهما عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها» . وعن ~~ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين رجل ~~آتاه الله القرآن فهو يقوم به أناء الليل وأطراف النهار» . وعن ابن عباس ~~قال: «قال رجل: يا رسول الله، أي: الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: الحال ~~المرتحل، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره ~~كلما حل ارتحل» . # وعن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى ms4218 الله عليه وسلم يقول: «ما أذن الله لأحد ~~ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» . # لطيفة: نختم بها كما ختم بها الفخر الرازي رحمه الله تعالى تفسيره، وهي ~~أن المستعاذ به في السورة الأولى مذكور بصفة واحدة، وهي أنه رب الفلق ~~والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات: وهي الغاسق والنفاثات والحاسد. وأما ~~في هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث: وهي الرب والملك والإله، # PageV04P617 # والمستعاذ منه آفة واحدة وهي الوسوسة. # والفرق بين الموضعين أن الثناء يجب أن يقدر بقدر المطلوب، فالمطلوب في ~~السورة الأولى سلامة النفس والبدن، والمطلوب في السورة الثانية سلامة ~~الدين، وهذا تنبيه على أن مضرة الدين وإن قلت أعظم من مضار الدنيا وإن ~~عظمت. # وهذا آخر ما يسره الله تعالى من السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض ~~معاني كلام ربنا الحكيم الخبير فدونك تفسيرا كأنه سبيكة عسجد، أو در منضد ~~جمع من التفاسير معظمها ومن القراءات متواترها، ومن الأقاويل أظهرها، ومن ~~الأحاديث صحيحها وحسنها محرر الدلائل في هذا الفن مظهرا لدقائق استعملنا ~~الفكر فيها إذا الليل جن، فإذا ظفرت بفائدة شاردة فادع لي بالتجاوز ~~والمغفرة، أو بزلة قلم أو لسان فافتح لها باب التجاوز والمعذرة: # *فلا بد من عيب فإن تجدنه ... فسامح وكن بالستر أعظم مفضل* # *فمن ذا الذي ما ساء قط ومن له ال ... محاسن قد تمت سوى خير مرسل* # وأنا أعوذ بجميع كلمات الله الكاملة التامة، وألوذ بكنف رحمته الشاملة ~~العامة من كل ما يكلم الدين ويثلم اليقين، أو يعود في العاقبة بالندم، أو ~~يقدح في الإيمان المسوط باللحم والدم، وأسأله بخضوع العنق وخشوع البصر، ~~ووضع الخد لجلاله الأعظم الأكبر مستشفعا إليه بنوره الذي هو الشيبة في ~~الإسلام، متوسلا إليه بسيد الأنام عليه الصلاة والسلام، وبالتوبة الممحصة ~~للآثام وبما عنيت به من مصابرتي على تواكل من القوي، وتخاذل من الخطأ، ثم ~~أسأله بحق صراطه المستقيم، وقرآنه المجيد الكريم، وبما لقيت من كدح اليمين، ~~وعرق الجبين في عمل هذا التفسير المبين عن حقائقه ms4219 المخلص عن مضايقه، المطلع ~~على غوامضه، المثبت في مداحضه، المكتنز بالفوائد التي لا توجد إلا فيه ~~المحيط بما لا يكتنه من بديع ألفاظه، ومعانيه مع الإيجاز الحاذف للفضول، ~~وتجنب المستكره المملول متوسط الحجم، وخير الأمور أوساطها لا تفريطها ولا ~~إفراطها. هذا ولسان التقصير في طول مدحه قصير: # أعيذه بالمصطفى ... من حاسد قد هما # بذمه وقد غدا ... من أجله مهتما # فليس يبغي ذمه ... إلا بغيض أعمى # كفاه ربي شرهم ... وزان منه الرسما # وزاد في تدبيرهم ... تدميرهم والغما # وردهم بغيظهم ... فلم ينالوا غنما # وزاده سعادة ... ولازمته النعمى # فنسأل الله الكريم الذي به الضر والنفع، والإعطاء والمنع أن يجعله لوجهه ~~خالصا، وإن يداركني بألطافه إذ الظل أضحى في القيامة قالصا، وأن يتجاوز عني ~~إنه السميع العليم، وأن يرفع به درجتي في جنات النعيم، وأن يجعله ذخيرة لي ~~عنده إنه ذو الفضل العظيم، وأن ينفع به من تلقاه بالقبول إنه جواد كريم، ~~وأن يخفف عني كل تعب ومؤنة، وأن يمدني بحسن المعونة، وأن يهب # PageV04P618 # لي خاتمة الخير، ويقيني مصارع السوء، وأن يتجاوز عن فرطاتي يوم التناد، ~~ولا يفضحني بها على رؤوس الأشهاد أنا ووالدي وأولادي، وأقاربي وأحبابي، ~~ويحلنا دار المقام من فضله بواسع طوله وسابغ نوله إنه هو الجواد الكريم، ~~الرؤوف الرحيم، وهذا شيء ما كان في قدرتي فإني والله معترف بقصر الباع، ~~وكثرة الزلل، ولكن فضل الله وكرمه لا يعلل بشيء من العلل. فلهذا رجوت أن ~~أكون متصفا بإحدى الخصال الثلاث التي إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا منها، ~~بل أرجو من الله الكريم، اجتماعها إنه جواد كريم حليم. # قال المؤلف رحمه الله تعالى: وكان الفراغ من تأليفه يوم الاثنين المبارك، ~~ثالث عشر صفر الخير، من شهور سنة ثمان وستين وتسعمائة من الهجرة النبوية ~~على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، على يد مؤلفه فقير رحمة ربه القريب محمد ~~بن أحمد الشربيني الخطيب غفر الله تعالى له ذنوبه، وستر في الدارين عيوبه ~~والمسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلاة الله وسلامه على سيدنا محمد خاتم ms4220 ~~النبيين، والمرسلين والصحابة أجمعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. # * * * # يقول المتوسل إلى الله بالجاه الصديقي إبراهيم عبد الغفار الدسوقي، مصحح ~~دار الطباعة جمل الله طباعه قد تم طبع السراج المنير بعون الله الملك ~~القدير، وهذا الكتاب العجيب المنسوب للإمام الخطيب قد اعتنت بتحريره دار ~~الطباعة، وبذلت في تنقيره غاية الاستطاعة، فأزالت عنه ربقة التحريف، ~~وأطلقته من أسر التصحيف بمراجعة أصول أساليبه، والبحث عن صواب تراكيبه، ~~فحصلت بركاته وعمت نفحاته، وأنار الآفاق بدر وجوده، وروى الظماء قاموس فضله ~~وجوده، وتحلت بصحاح جواهر معانيه أجياد مباشريه ومبتاعيه، ثم إن تمام بيعه ~~في اثنا طبعه أول دليل على عموم نفعه، وهذا كما يقع في خلدي ويقيني من ~~كرامات مؤلفه محمد بن أحمد الشربيني وكان تمام طبعه بدار الطباعة العامرة ~~الكائنة ببولاق مصر القاهرة على ذمة هذه المصلحة الميمونة التي هي بطالع ~~السعد مقرونة في سنة خمس وثمانين ومائتين وألف من هجرة من خلقه الله على ~~أكمل وصف، مشمولا بنظر المجد في نفع أوطانه، الباذل مروءته في قضاء حاج ~~إخوانه من عليه أحاسن أخلاقه تثنى حضرة حسين بك حسني، فإنه لا يزال باحثا ~~عن عموم المنافع عند وجود المقتضيات، وزوال الموانع في ظل من تعطرت الأفواه ~~بطيب ثنائه، وبلغ من كل وصف جميل حد انتهائه، ومحا ظلم الظلم بسنا صورته، ~~وأثبت مراسم العدل بحسن سيرته، وأفاض على أهل مملكته غيوث إنعامه وإحسانه، ~~وشملهم بعظيم رأفته ومزيد امتنانه، وبسط لهم بساط عدله، وحلاهم بحلي جوده ~~وفضله. عزيز الديار المصرية، وحامي حمى حوزتها النيليه بشدة بأسه وعزمه ~~الجلي، سعادة أفندينا إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي لا زال ملحوظا بعين ~~العناية الإلهية، موفقا لسائر الآراء الخيرية محفوظ الجناب، مقصود الأعتاب، ~~مسرورا بسائر الأنجال بجاه خاتم رسل ذي الجلال. ولما تهيأ للتمام والكمال، # PageV04P619 # ولبس من حسن الطبع حلة الجمال انطلق لسان اليراع يقرظه، وبعين الإطراء ~~يلحظه فقال: # *كلام الله أفضل ما رواه ... رسول الله عن جبريل قطعا* # *عجائبه يحار اللب فيها ... وليست تنقضي بدعا وصنعا* # *وخادمه بتفسير ms4221 المعاني ... أجل الناس منقبة ووضعا* # *ولا سيما الخطيب أبو المعالي ... مبين الآي أفذاذا وشفعا* # *هو التفسير إيضاحا وبسطا ... ومتبعوه أرقى الناس طبعا* # *ولما تم حسنا قلت أرخ ... وفي أوب الخطيب وتم طبعا* # فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المؤيد بباهر ~~المعجزات، وعلى أصحابه الكرام البررة، وآل بيته المنتخبين الخيرة ما توالى ~~الجديدان وتعاقب النيران. PageV04P620 ms4222