######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010016 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الباسط بن موسى بن محمد بن إسماعيل العلموي ثم الموقت الدمشقي الشافعي (المتوفى: 981هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 981 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: العقد التليد في اختصار الدر النضيد = المعيد في أدب المفيد والمستفيد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010016 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10016 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10016 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور/ مروان العطية #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1424هـ-2004م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الثقافة الدينية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | النص المحقق # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ~~ونسأله الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد ~~الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ~~وأزواجه وذريته، وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد: فهذه رسالة مختصرة جمعها العلامة شيخ الإسلام البدر محمد بن ~~محمد بن محمد بن الرضي الغزي الشافعي -طال بقاؤه- في فضيلة العلم والعالم ~~والمعلم والمتعلم والمفتي والمستفتي وآداب كل منهم، ملخصا لها من مقدمة ~~"شرح المهذب"1 لشيخ الإسلام المحيوي النووي2، ومن غيرها من الكتب المعتبرة، ~~وسماها: بالدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد3، واختصرها كاتبها مسميا ~~لها: بالعقد التليد في اختصار الدر النضيد، أو تسمى بالمعيد والمستفيد. # قال: ورتبتها على مقدمة وستة أبواب وخاتمة: ### | المقدمة: في الأمر بالإخلاص والصدق وإحضار النية. # PageV01P033 # الباب الأول: في فضيلة الاشتغال بالعلم وتعلمه وتعليمه ونشره وحضور ~~مجالسه، وتحذير من أراد بعلمه غير الله، وتحذير من آذى عالما، وفيه ثلاثة ~~فصول. # الباب الثاني: في أقسام العلم الشرعي، وهي ثلاثة، ومراتبه، وهي ثلاثة. # الباب الثالث: في آداب المعلم والمتعلم، وهو ثلاثة أنواع. # الباب الرابع: في آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، وهو أربعة أنواع. # الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها، وفيه فصلان. # الباب السادس: في الأدب مع الكتب وما يتعلق بتصحيحها وضبطها ووضعها ~~وحملها وشرائها واستعارتها وغير ذلك، وفيه مسائل. # الخاتمة: في رقائق لطيفة مناسبة، وبالله التوفيق للعمل، والعصمة من ~~الزلل. # PageV01P034 ### | المقدمة: في الأمر بالإخلاص والصدق وإحضار النية: # قال تعالى: {فاعبد الله مخلصا له الدين، ألا لله الدين الخالص} [الزمر: ~~2، 3] والآيات في الأصلين كثيرة1، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إنما الأعمال بالنيات ... " الحديث2. قال الشافعي3 رضي الله عنه: يدخل هذا ~~الحديث في سبعين بابا من الفقه4. وقال هو وأحمد5: يدخل في هذا الحديث ثلث ~~العلم6، قال البيهقي7: PageV01P035 # معناه أن كسب العبد ms001 إنما يكون بقلبه ولسانه وبنانه1، فالنية أحد أقسام ~~كسبه الثلاثة، وهي أرجحها لأنها تكون عبادة بإفرادها، بخلاف القسمين ~~الباقيين، ولأن النية لا يدخلها فساد برياء ولا غيره بخلاف غيرها، وقيل: هو ~~أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام2 وقد أوصلها الإمام النووي إلى ~~الأربعين حديثا وجمعها في أربعينيته3، وكان السلف وتابعوهم من الخلف ~~يستحبون استفتاح المصنفات ونحوها بهذا الحديث، وبه استفتاح المصنفات ونحوها ~~بهذا الحديث، وبه استفتح البخاري4 كتابه الجامع الصحيح5 تنبيها للمطالع على ~~حسن النية، وقال صلى الله عليه وسلم: "نية المؤمن أبلغ من عمله" رواه ~~البيهقي في الشعب6، وفي رواية الإحياء7: "نية المؤمن خير من عمله". # وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مخبرا عن جبريل عن الله -جل وعلا- ~~أنه قال: "الإخلاص سر من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي" 8 رواه ~~PageV01P036 # القشيري1 في الرسالة2 متصلا مسلسلا، وعرف الإخلاص فيها بأنه إفراد الحق ~~تعالى في الطاعة بالقصد؛ أي: يريد بها التقرب إلى الله دون شيء آخر من ~~الخلق من تصنع لهم أو محمدتهم أو محبتهم أو محبة مدحهم، وقال في تعريفه ~~كلمات كثيرة، ونقولا غزيرة، وقال الفضيل بن عياض3: ترك العمل لأجل الناس ~~رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما4، وقال ~~السري5: لا تعمل للناس شيئا، ولا تترك لهم شيئا، ولا تغط لهم شيئا، ولا ~~تكشف لهم شيئا، وقال الجنيد6: الإخلاص سر بين الله وبين العبد لا يعلمه ملك ~~فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله. # وقال الإمام القشيري: أقل الصدق استواء السر والعلانية، وقال غيره: من ~~أراد أن يكون الله تعالى معه فليلزم الصدق، فإن الله تعالى يقول: {إن الله ~~مع PageV01P037 # الصادقين} 1، وقال الحارث المحاسبي2: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل ~~قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل ~~الذر من عمله، ولا يكره اطلاعهم على السيئ من عمله، فإن كراهته لذلك دليل ~~على حب الزيادة عندهم، وليس هذا من إخلاص الصديقين. وقيل: إذا طلبت الله ms002 ~~بالصدق أعطاك مرآة تبصر فيها كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة. وقيل: عليك ~~بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث إنه ينفعك فإنه يضرك، ~~وسئل فتح الموصلي3 عن الصدق فأدخل يده في كير الحداد وأخرج الحديدة المحماة ~~ووضعها على كفه وقال: هذا هو الصدق. # وقال الجنيد: الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة، والمرائي يثبت على حالة ~~واحدة أربعين4 سنة، قال شيخ الإسلام النووي5: معناه أن الصادق يدور مع ~~الشرع حيث دار، فإذا كان الفضل الشرعي في الصلاة مثلا صلى، أو في مجالسة ~~العلماء أو الضيفان أو العيال أو قضاء حاجة مسلم أو جبر قلب مكسور ونحو ذلك ~~فعل، أو في صوم أو قراءة أو ذكر أو أكل وشرب أو جد أو مزاح أو عزلة أو خلطة ~~أو تنعم أو ابتدال ونحوها أتى به، فحيث رأى الفضيلة في شيء من هذا فعله، ~~كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل6 ولا يرتبط بعادة ولا بعبادة ~~مخصوصة كما يفعله المرائي، ولا شك في اختلاف أحوال الشيء في الأفضلية، فإن ~~الصوم حرام يوم العيد، واجب قبله، مسنون بعده، ويندب تحسين اللباس يوم ~~الجمعة والعيد، وخلافه يوم الاستسقاء وما أشبه ذلك. انتهى. وأقوالهم غير ~~محصورة في ذلك، والله تعالى أعلم. PageV01P038 ### | الباب الأول: في فضيلة الاشتغال بالعلم على ما تقدم في ترتيبه ### | الفصل الأول: في فضيلة الاشتغال بالعلم وتصنيفه وتعلمه # وتعليمه ونشره وحضور مجلسه والحث على ذلك، وترجيح الاشتغال به على الصلاة ~~والصيام ونحوهما من العبادات القاصرة على فاعلها: # قال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] {وقل ~~رب زدني علما} [طه: 114] {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] {إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} إلى قوله: {ذلك لمن خشي ~~ربه} [البينة: 7، 8] {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات} [المجادلة: 11] إلى غير ذلك من الآيات في الأصلين المذكورين سابقا. # وقال صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" 1، وقال ~~صلى ms003 الله عليه وسلم لعلي2 رضي الله عنه: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا ~~واحدا خير لك من حمر النعم" 3، وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ4 لما بعثه ~~إلى اليمن: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها"، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم PageV01P041 # رضى بما يصنع"1، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله وملائكته وأهل ~~السماوات والأرض حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت في الماء، ليصلون على ~~معلمي الناس الخير" 2، وقال صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل ~~مسلم" 3، وقال صلى الله عليه وسلم: "من طلب علما فأدركه كتب الله له كفلين ~~من الأجر، ومن طلب علما فلم يدركه كتب الله له كفلا من الأجر"4. # وروى النووي بسند متصل بزكريا بن يحيى الساجي5 قال: كنا نمشي في أزقة ~~البصرة إلى باب بعض المحدثين فأسرعنا في المشي وكان معنا رجل ماجن متهم في ~~دينه فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة كالمستهزئ، فما زال من موضعه ~~حتى جفت رجلاه وسقط. وأسند أيضا إلى أبي داود السجستاني6 أنه قال: كان في ~~أصحاب الحديث رجل خليع إلى أن سمع حديث: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب ~~العلم رضى بما يصنع" فجعل في نعليه مسمارين من حديد وقال: أريد أن أطأ ~~أجنحة الملائكة، فأصابته الآكلة في رجله، وفي رواية: فشلت رجلاه ويداه ~~وسائر أعضائه، وفي رواية: أنه تفسخت بنيته7. PageV01P042 # وقال صلى الله عليه وسلم: "نوم مع علم خير من صلاة على جهل"1، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي ~~وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم ولا أبالي"2. # وقال صلى الله عليه وسلم: "مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة"3، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: "قليل العلم خير من كثير العبادة"4. # وقال صلى الله عليه وسلم: "من غدا إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرا أو ~~ليعلمه كان له كأجر معتمر ms004 تام العمرة، ومن راح إلى المسجد لا يريد إلا ~~ليتعلم خيرا أو يعلمه فله أجر حاج تام الحجة". # وعن علي رضي الله عنه: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات ~~العالم ثلم في الإسلام ثلم لا يسده إلا خلف منه، وعنه رضي الله عنه: كفى ~~بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذما أن ~~يتبرأ منه من هو فيه، وعنه رضي الله عنه: أنه قال لكميل5 بن زياد: يا كميل، ~~العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والعلم حاكم، والمال ~~محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، وعنه: قيمة كل ~~امرئ علمه. PageV01P043 # وقال صلى الله عليه وسلم1: سمعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ~~"إذا جاء الموت طالب العلم وهو على هذه الحال مات شهيدا"2، وعن وهب بن ~~منبه3: يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيئا، والعز وإن كان مهينا، ~~والقرب وإن كان قصيا، والغنى وإن كان فقيرا، والنبل وإن كان حقيرا، ~~والمهابة وإن كان وضيعا، والسلامة وإن كان سقيما. # وقال سهل بن عبد الله التستري4: من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر ~~إلى مجالس العلماء، فاعرفوا لهم ذلك. # وعن الشافعي وأبي حنيفة5: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس ~~لله ولي، وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة6، وقال: من طلب ~~PageV01P044 # الدنيا فعليه بالعلم، ومن طلب الآخرة فعليه بالعلم1، وقال: من لا يحب ~~العلم لا خير فيه فلا يكن بينك وبينه معرفة ولا صداقة، وقال: من تعلم ~~القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ~~ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ~~ينفعه علمه. # وقيل للإسكندر2: ما بال تعظيمك لمؤدبك أشد من تعظيمك لأبيك؟! فقال: لأن ~~أبي سبب حياتي الفانية، ومؤدبي سبب حياتي الباقية. # وقد حذفت كثيرا من الأحاديث وأسانيدها فراجعها إن افتقرت إليها، وإلا ففي ~~ما رقمته كفاية ms005 لذلك. # ولهم في فضل العلم أشعار كثيرة حسنة من عيونها ما روي عن علي رضي الله ~~عنه "من البسيط": # ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء3 # وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء # ففز بعلم ولا تجهل به أبدا ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء # وما جاء عن أبي الأسود الدؤلي4 رحمه الله تعالى "من البسيط": PageV01P045 # العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنون العلم والأدبا1 # لا خير فيمن له أصل بلا أدب ... حتى يكون على ما زانه حدبا # في بيت مكرمة آباؤه نخب2 ... كانوا الرءوس فأمسى كلهم ذنبا # وخامل مقرف الآباء ذي أدب ... نال المعالي بالآداب والرتبا # أمسى عزيزا عظيم الشأن مشتهرا ... في خده صعر قد ظل محتجبا # العلم كنز وذخر لا نفاد له ... نعم القرين إذا ما صاحب صحبا # قد يجمع المرء ما لا ثم يحرمه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا # وجامع العلم مغبوط به أبدا ... ولا يحاذر منه الفوت والسلبا # يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به درا ولا ذهبا PageV01P046 # وما جاء عن الشافعي رضي الله عنه "مجزوء البسيط": # حسبي بعلمي إن نفع ... ما الذل إلا في الطمع1 # من راقب الله رجع ... عن سوء ما كان صنع # ما طار طير وارتفع ... إلا كما طار وقع # وما نسب لمحمد بن الحسن2 "من الطويل": # تعلم فإن العلم زين لأهله ... وفضل وعنوان لأهل المحامد3 # وكن مستفيدا كل يوم زيادة ... من العلم واسبح في بحار الفوائد # تفقه فإن الفقه أفضل قائد ... إلى البر والتقوى وأعدل قاصد # هو العلم الهادي إلى سنن الهدى ... هو الحصن ينجي من جميع الشدائد # فإن فقيها واحدا متورعا ... أشد على الشيطان من ألف عابد PageV01P047 # وما أنشد الشيخ قوام الدين حماد الصفاري1 الأنصاري لشيخه القاضي الخليل ~~بن أحمد السجزي الحنفي2 "من الخفيف": # اخدم العلم خدمة المستفيد ... وأدم درسه بفعل حميد3 # وإذا ما حفظت شيئا أعده ... ثم أكده غاية التأكيد # ثم علقه كي تعود إليه ... وإلى درسه على التأبيد # وإذا ما أمنت ms006 منه فواتا ... فانتدب بعده لشيء جديد # مع تكرار ما تقدم منه ... واقتناء لشأن هذا المزيد # ذاكر الناس بالعلوم لتحيا ... لا تكن من أولي النهى ببعيد PageV01P048 # إن كتمت العلوم أنسيت حتى ... لا ترى غير جاهل وبليد # ثم ألجمت في القيامة نارا ... وتلهبت في العذاب الشديد # وللزمخشري1 "من الوافر": # وكل فضيلة فيها سناء ... وجدت العلم من هاتيك أسنى2 # فلا تعتد غير العلم ذخرا ... فإن العلم كنز ليس يفنى # وللإمام منصور التميمي3 أحد أئمة المذهب "من البسيط": # عاب التفقه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر4 # ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصر ~~PageV01P049 # ولبعضهم "من الوافر": # تفقه تستطيل على الرجال ... وتزهو في المحافل بالكمال1 # إذا وقع القياس بكل علم ... فحال الفقه يعلو كل حال # ومن طلب التفقه وانتحاه ... أناف برأسه تاج الجمال # فخذ بالشافعي وقل بقول ... سديد عند مختلف المقال # ففضل الشافعي على سواه ... كفضل الشمس قيست بالهلال # ولآخر "من الخفيف": # علم العلم من أتاك لعلم ... واغتنم ما حييت منه الدعاء2 # وليكن عندك الغني إذا ما ... طلب العلم والفقير سواء # ولآخر "من الطويل": # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسادهم بين القبور قبور3 # وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت ... فليس له حتى النشور نشور PageV01P050 # ولآخر "من الطويل": # تعلم فليس المرء يخلق عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل1 # وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل # ولآخر "من الكامل": # صدر المجالس حيث حل لبيبها ... فكن اللبيب وأنت صدر المجلس2 # وللمتنبي3 "من الوافر": # ولم أر من عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام4 PageV01P051 ### | الفصل الثاني: في تحذير من أراد بعلمه غير الله تعالى # نسأل الله العافية: # اعلم أن ما ذكر في فضل طلب العلم إنما هو لمن أراد به وجه الله، لا لغرض ~~من الدنيا، وإلا فهو مذموم. # قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [البينة: ~~5] وقال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ms007 كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] وقال تعالى: {من ~~كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها ~~مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا، كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} ~~[الإسراء: 18-20] وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 2، 3] وقال ~~تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14] إلى غير ذلك من الآيات، ولا يخفى ~~الحديث الذي فيه الثلاثة الذين أول من تسعر النار لهم يوم القيامة: المجاهد ~~والعالم والقارئ، فهؤلاء جاء في حديث رواه مسلم1 أول من يدخل النار ويسحب ~~كل منهم على وجهه حتى يلقى في PageV01P053 # النار؛ لقصدهم الرياء في أعمالهم: المجاهد ليقال شجاع، والعالم ليقال ~~عالم، والقارئ ليقال قارئ1، اللهم خلصنا إلى الإخلاص. # وقال صلى الله عليه وسلم: "من تعلم علما لغير الله فليتبوأ مقعده من ~~النار" 2. # وقال صلى الله عليه وسلم: "من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به ~~السفهاء، ويصرف به وجه الناس إليه؛ أدخله الله النار" 3. # وقال صلى الله عليه وسلم: "كل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا من عمل ~~به"4. # وقال صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه ~~الله بعلمه"5. # وقال صلى الله عليه وسلم: "مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، مثل ~~الفتيلة يضيء للناس، ويحرق نفسه" 6. # وقال صلى الله عليه وسلم: "من كتم علما مما ينفع الله الناس به في أمر ~~الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار"7. # وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير ~~خيار العلماء"8. # وقال صلى الله عليه وسلم: "من قال أنا PageV01P054 # عالم فهو جاهل" 1. # وقال صلى الله عليه وسلم: "يظهر الدين حتى يجاوز البحار ثم يأتي من بعدكم ~~أقوام يقرءون القرآن يقولون: من أقرأ ms008 منا؟ ومن أعلم منا؟ ثم التفت إلى ~~أصحابه فقال: هل في أولئك من خير؟ قالوا: لا، قال: أولئك من هذه الأمة، ~~وأولئك هم وقود النار" 2. # وقال صلى الله عليه وسلم: "آفة العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير ~~أهله"3. # وقال صلى الله عليه وسلم: "واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير ~~الجوهر واللؤلؤ والذهب"4. # وعن عمر بن الخطاب5 -رضي الله عنه- يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"إن موسى لقي الخضر فقال: أوصني، فقال الخضر: يا طالب العلم، إن القائل أقل ~~ملالة من المستمع، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ~~ماذا تحشو به وعاءك، واعرف الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بدار، ولا ~~لك فيها محل قرار، وإنها جعلت بلغة للعباد؛ ليتزودوا منها للمعاد، يا موسى ~~وطن نفسك على الصبر تلق الحلم، وأشعر قلبك التقوى تنل العلم، ورض نفسك على ~~الصبر تخلص من الإثم، يا موسى تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن ~~تفرغ له، ولا تكونن مكثارا بالمنطق مهذارا، إن كثرة المنطق تشين ~~PageV01P055 # العلماء، وتبدي مساوئ السخفاء، ولكن عليك بذي اقتصاد، فإن ذلك من التوفيق ~~والسداد، وأعرض عن الجهال، واحلم عن السفهاء، فإن ذلك فضل الحلماء، وزين ~~العلماء، إذا شتمك الجاهل فاسكت سلما، وجانبه حزما1 ... # يابن عمران: لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه، ولا تغلقن بابا لا تدري ما ~~فتحه. يابن عمران: من لا تنتهي من الدنيا نهمته، ولا تنقضي فيها رغبته كيف ~~يكون عابدا؟ من يحقر حاله، ويتهم الله بما قضى له، كيف يكون زاهدا؟ يا موسى ~~تعلم ما تعلم لتعمل به، ولا تعلمه لتحدث به، فيكون عليك بوره، ويكون لغيرك ~~نوره"2. # وعن هشام صاحب الدستوائي3 قال: قرأت في كتاب بلغني أنه من كلام عيسى: ~~تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ~~ترزقون فيها إلا بالعمل، وإنكم علماء السوء الأجر تأخذون، والعمل تضيعون، ~~يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة ms009 ~~القبر وضيقه، الله نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصيام والصلاة، كيف يكون ~~من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله ~~وقدرته؟ كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضي شيئا ~~أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من PageV01P056 # آخرته وهو مقبل على دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل ~~العلم من يطلب الكلام ليخبر به، ولا يطلبه ليعمل به؟ 1 # وعن علي رضي الله عنه: يا حملة العلم، اعملوا به فإنما العالم من عمل بما ~~علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف ~~علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا حتى ~~إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم ~~في مجالسهم تلك إلى الله2. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا ~~الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه العلم، وتواضعوا لمن علمتموه ~~العلم، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم3. # وعن ابن سيرين4: سبعة يهلكون بسبعة: أهل البادية بالجفاء، وأهل القرى ~~بالجهل، والعرب بالعصبية، والدهاقين5 بالكبر، والسلاطين بالظلم، والتجار ~~بالكذب، والعلماء بالحسد. # وعن سفيان الثوري6 قال: بلغني أن الله تعالى يقول: إن أهون ما أصنع ~~بالعالم إذا آثر الدنيا أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلبه. PageV01P057 # وعن مجاهد1: لا يتعلم من استحيا واستكبر2. # وعن علي بن خشرم3: سكوت إلى وكيع4 قلة الحفظ فقال: استعن على الحفظ بقلة ~~الذنوب5، ونظم بعضهم ذلك فقال: "من الوافر" # شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي6 # وقال اعلم بأن العلم فضل ... وفضل الله لا يؤتاه عاصي PageV01P058 ### | الفصل الثالث: في تحذير من آذى أو انتقص عالما # والحث على إكرام العلماء وتعظيم حرماتهم: # قال تعالى: {ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه} [الحج: 30] وقال ~~تعالى: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] وقال تعالى: ~~{واخفض ms010 جناحك للمؤمنين} [الحجر: 88] إلى غير ذلك من الآيات في الأصل. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب" ~~رواه البخاري1. # وعن الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنه: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله ~~فليس لله ولي2. # وعن ابن عباس3 رضي الله عنه: من آذى فقيها فقد آذى رسول الله، ومن آذى ~~رسول الله فقد آذى الله عز وجل4. # وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس من أمتي من لم يحمل كبيرنا ويرحم صغيرنا ~~ويوف لعاملنا" 5. PageV01P059 # وقال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في ~~الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط"1. # وعن الإمام أحمد: لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات2. # وقال الحافظ ابن عساكر3: اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك ~~أستار منتقصهم معلومة، وإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، بلاه الله قبل ~~موته بموت القلب4 {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم} [النور: 63] . PageV01P060 ### | الباب الثاني: في أقسام العلم الشرعي 1 ومراتبه ### | الفصل الأول: في أقسام العلم الشرعي وهي ثلاثة: تفسير، وحديث، وفقه # أما التفسير فهو معرفة معاني كتاب الله العزيز، وما أريد به، وهو قسمان: ~~ما لا يعرف إلا بتوقيف، وما يدرك من دلالة الألفاظ بواسطة علوم أخر كلغة ~~وغيرها، وقد جاء في فضله وآدابه أخبار وآثار1: # منها ما ورد في قوله تعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا} [البقرة: 269] قال: الحكمة القرآن والفكرة فيه2، وهذا عن ~~ابن عباس، وفي رواية عنه: الحكمة المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ~~ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله3. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعربوا4 القرآن والتمسوا غرائبه"5. ~~وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: لأن أعرب آية من القرآن أحب إلي من أن ~~أحفظ آية6، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من قرأ القرآن فأعربه كان له ~~عند الله أجر شهيد7، PageV01P063 # وكان الصحابة يأخذون من رسول ms011 الله -صلى الله عليه وسلم- عشر آيات، فلا ~~يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل1، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"2، وفي ~~رواية: "من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"3، وفي رواية: "من قال في ~~القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار" 4. # وأما الحديث ويرادفه الخبر على الصحيح فهو من أجل العلوم بعد القرآن5، ~~وهو ما أضيف إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة ~~حتى الحركات والسكنات، واليقظة والنوم6، وقيل: أو أضيف إلى صحابي أو من ~~دونه، والمشهور بين جماعة من الفقهاء أن ذلك أثر لا خبر7، ثم علم الحديث ~~ضربان: # أحدهما: علم رواية8، وحده بأنه علم مشتمل على نقل ما ذكر، وموضوعه ذات ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- من حيث أنه نبي، وغايته الفوز بسعادة الدارين. ~~PageV01P064 # الثاني: علم دراية1، وهو المراد عند الإطلاق2 والذي كلامنا هنا فيه، ويحد ~~أنه علم تعرف به معاني ما ذكر ومتنه، ورجاله، وطرقه، وصحيحه، وسقيمه، ~~وعلله، وما يحتاج إليه فيه ليعرف المقبول منه والمردود، وموضوعه الراوي ~~والمروي من حيث ذلك، وغايته: معرفة ما يقبل من ذلك ليعمل به، وما يرد منه ~~ليجتنب، ومسائله ما ذكر في كتبه من المقاصد. # ومما جاء في فضله وآدابه من الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم: "ليبلغ ~~الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه" 3، وفي رواية: ~~"رب مبلغ أوعى من سامع" 4، وقوله: "نضر 5 الله امرأ سمع مقالتي فوعاها"، ~~وفي رواية: "سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو ~~أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" 6، وقوله: "من أدى إلى أمتي حديثا تقام ~~به سنة أو تثلم به بدعة فله الجنة"7، وقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ~~ارحم خلفائي" قيل: من خلفاؤك؟ قال: "الذين يأتون من بعدي فيروون أحاديثي ~~ويعلمونها الناس"8، وقوله PageV01P065 # صلى الله عليه وسلم: "من ms012 حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه ~~الله يوم القيامة فقيها وكنت له شافعا"1، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من ~~تعلم حديثين اثنين ينفع بهما نفسه أو يعلمهما غيره فينتفع بهما كان خيرا من ~~عبادة ستين سنة"2، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من رد حديثا بلغه عني فأنا ~~مخاصمه يوم القيامة، فإذا بلغكم عني حديث فلم تعرفوه فقولوا: الله أعلم"3، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد ~~الكاذبين" 4، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من بلغه عن الله فضيلة فلم يصدقها ~~لم ينلها"5، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمدا أو رد شيئا أمرت ~~به فليتبوأ بيتا في جهنم"6، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من بلغه عني حديث ~~فكذب به فقد كذب ثلاثة: الله، ورسوله، والذي حدث به"7. # وقال أبو سعيد الخدري8: مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن9، وقال علي: ~~تذاكروا الحديث فإنكم إلا تفعلوا يندرس10، وقال PageV01P066 # ابن مسعود1: تذاكروا الحديث فإن ذكر الحديث حياته2، وكان أنس بن مالك3 ~~إذا حدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثا ففرغ منه قال: أو كما قال ~~صلى الله عليه وسلم4، وكان قتادة5 يستحب ألا تقرأ الأحاديث التي عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- إلا على الطهارة6، وكان الأعمش7 إذا أراد أن يحدث على ~~غير طهر تيمم8، وكان السلف يكرهون أن يحدثوا على غير طهر9، وكان ثابت10 إذا ~~حدث11 PageV01P067 # دعا بطيب فمسح بيديه وعارضيه، وكان مالك1 إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على ~~صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، فقيل له في ذلك فقال: ~~أحب أن أعظم حديث رسول صلى الله عليه وسلم، وكان يكره أن يحدث في الطريق، ~~أو وهو قائم2، إلى غير ذلك من فعالهم المحمودة، وتوقيراتهم المشهورة ~~المعدودة، نفعنا الله بهم وبعلومهم. # وأما الفقه وأصله في اللغة الفهم3، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، وقيل: ~~التوصل إلى علم غائب بعلم مشاهد، وهو في الاصطلاح المقصود: علم بحكم شرعي ~~فرعي ms013 مكتسب من دليل تفصيلي، سواء كان من نصه أو استنباطا منه، وهذا أحسن ما ~~قيل في حده، وموضوع الفقه أفعال المكلفين من حيث عروض الأحكام المذكورة ~~لها، واستمداده من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وسائر الأدلة المعروفة، ~~وفائدته امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهية المحصلان للفوائد الدنيوية ~~والأخروية، ومحل هذا كله أصول الفقه. # ومما ورد في فضل الفقه وآدابه أخبار؛ منها: "من يرد الله به خيرا يفقهه ~~في الدين" 4، وخبر: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"5، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، ولا فقه 6 في ~~PageV01P068 # الدين" 1، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين ~~الورع"2، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إذا جلسوا كان حديثهم ~~الفقه إلا أن يقرأ رجل سورة، أو يأمر بقراءة سورة3. # إذا علمت ذلك فاعلم أن القسمين الأولين4 هما أصلان للثالث؛ لأن استمداده ~~منهما ومن مضمونهما استنبط واستخرج ولكنه فضل عليهما؛ لأنه النتيجة ~~والمقصود منهما غالبا؛ ولذلك كان من الفقهاء الحكام والمفتون، لا من ~~المفسرين والمحدثين الخالين عن الفقه، وسيظهر لك من الفصل الثاني ما يدل ~~لذلك، ثم ما عدا ما ذكر من العلوم ليس بعلم شرعي، ولكن بعضها من توابعه ~~والنافع فيه كعلم النحو والتصريف واللغة والحساب النافع في قسمة المواريث ~~ونحو ذلك. # وأما علم أصول الفقه فلا ينفى عن الشرع، بل هو أس الفقه والمعول عليه ~~فيه، وأما علم أصول الدين فهو من أهم العلوم وأعظمها والمقصود هو ما يتعلق ~~بمعرفة الله تعالى وصفاته، وما يجب له، ويمتنع عليه، وما يرد به على ~~المبتدعة، بخلاف الخوض في الكلام والجدل وإقامة الشبه ونحو ذلك فهو مذموم ~~حرام، بل هو بالجهل أشبه منه بالعلم، بل الجهل خير منه وأسلم، وعليه يحمل ~~التحذير منه الوارد عن السلف، وسيأتي ذلك في الفصل الثاني، والله تعالى ~~أعلم. PageV01P069 ### | الفصل الثاني: في مراتب أحكام العلم الشرعي 1 وما ألحق به # وهي ثلاثة: فرض عين، وفرض كفاية، وسنة: # المرتبة الأولى: فرض العين، ms014 وهو أن يعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي ~~تعين عليه إلا به، وعليه حمل جماعات حديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"2، ~~وحمله آخرون على الكفاية. # واعلم أن المكلف به على كل عبد عاقل بالغ ثلاثة أقسام: اعتقاد، وفعل، ~~وترك، فأما الاعتقاد الذي هو أولها وأهمها: # فاعلم أن أول واجب على من ذكر تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما وهما ~~قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله، واعتقاد ما يجب لله، وما يجوز له، ~~وما يستحيل عليه، وغير ذلك مما يتعلق بواجب الإسلام والعقائد، ويكفي في ذلك ~~بعد النطق بكلمتي الشهادة وفهم معناهما التصديق بكل ما جاء به رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- واعتقاده اعتقادا جازما سليما من كل شك واختلاج ريب ~~واضطراب نفس، ولا يتعين على من حصل له هذا تعلم أدلة المتكلمين والخوض ~~والنظر فيها والبحث عنها، هذا هو الصحيح الذي أطبق عليه السلف والفقهاء ~~والمحققون من المتكلمين، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يطالب أحدا ~~بشيء سوى ما ذكر، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة فمن بعدهم من ~~الصدر الأول، بل الصواب للعوام وجماهير المتفقهين والفقهاء الاقتصار على ما ~~ذكر والكف عن الخوض في دقائق الكلام. PageV01P071 # وقد بالغ1 إمامنا الشافعي -رحمه الله تعالى- في تحريم الاشتغال بعلم ~~الكلام أشد مبالغة، وأطنب2 في تحريمه وتغليظ العقوبة لمتعاطيه إلى أن قال: ~~لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من ~~الكلام3. # وقد صنف الإمام الغزالي في آخر أمره كتابه الذي سماه: إلجام العوام عن ~~علم الكلام4، وذكر أن الناس كلهم عوام في هذا الفن من الفقهاء وغيرهم إلا ~~النادر، فإذا اعتقد من ذكر ما ذكر كما ذكر فقد أدى واجب الوقت، فإن مات عقب ~~ذلك مات مطيعا غير عاص، فإن خطر له شك في المعاني التي تدل عليها كلمتا ~~الشهادة أو غيرها من أصول العقائد مما لا بد من اعتقاده ولم يزل شكه إلا ~~بتعلم دليل من أدلة المتكلمين وجب عليه تعلم ms015 ما يتوصل به إلى إزالة الشك، ~~ولو مات من لم يخطر له ذلك قبل أن يعتقد أن كلام الله قديم وأنه مرئي، وأنه ~~ليس محلا للحوادث، ونحو ذلك مما يذكر في المعتقدات فقد مات على الإسلام ~~إجماعا؛ إذ ليس له معارض لذلك ليضل. # فرع5: اختلف في آيات الصفات وأخبارها: هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال ~~قائلون: تؤول على ما يليق بها، وهو مذهب الخلف، وهو أشهر المذهبين ~~للمتكلمين، وقال آخرون: لا تؤول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها ~~إلى الله تعالى، ويعتقد مع ذلك تنزيه الله، وانتفاء صفات الحادث ~~PageV01P072 # فيقال: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك، ~~والمراد: أنا نعتقد أن الله {ليس كمثله شيء} [الشوري: 11] وأنه منزه عن ~~الحلول، وهذا مذهب السلف وجماهيرهم وهو الأسلم؛ إذ لا يطالب الإنسان بالخوض ~~في ذلك، فإذا اعتقد التنزيه فلا حاجة إلى الخوض والمخاطرة، والله تعالى ~~أعلم1. # وأما الفعل2 فنقول: إذا أقر من ذكر بالشهادتين وقلنا: إنه أدى واجب الوقت ~~وصار مطيعا، ثم وجب عليه صلاة مثلا تجدد عليه بدخول وقتها تعلم الطهارة ~~والصلاة، أو كان له مال يزكي وجب بتمام النصاب إن اعتبر، ومضى الحول إن ~~اشترط، تعلم ما يجب في الزكاة الحاضرة، أو دخل عليه رمضان تجدد بسببه تعلم ~~الصوم وما يجب أو يحرم فيه، ولا يلزمه تعلم ذلك قبل وجوب ذلك الشيء، نعم لو ~~صبر إلى دخول الوقت مثلا ولم يتمكن من تمام تعلمها مع الفعل في الوقت يلزمه ~~التعلم وهو الصحيح الذي جزم به النووي، كما يلزم السعي إلى الجمعة لمن بعد ~~منزله قبل الوقت، وتعلم كيفية الواجب بعد الوجوب على الفور إن كان على ~~الفور، وعلى التراخي إن كان على التراخي كالحج، وينبغي للعلماء أن ينبهوه ~~أن الحج على التراخي على كل من وجد الزاد والراحلة ... إلى آخر الشروط، ثم ~~إن الذي يجب من ذلك كله عينا هو ما يتوقف أداء الواجب عليه غالبا، دون ما ~~يطرأ نادرا كسجود السهو وتعجيل ms016 الزكاة، فإن وقع وجب التعلم حينئذ، وفي تعلم ~~أدلة البقلة أوجه؛ أحدها: فرض عين، والثاني: كفاية، وأصحها فرض كفاية إلا ~~أن يريد سفرا لا يكثر فيه من يعلمها فيتعين لعموم الحاجة حينئذ3. # وأما البيع والنكاح4 ونحوهما وشبههما مما لا يجب أصله، فيتعين على من ~~PageV01P073 # أراده تعلم كيفيته وشرطه، وقيل: إن لم يعلم ذلك فيحرم الإقدام عليه قبل ~~معرفة شرطه وهذا أصح، وكذا يقال في صلاة النافلة: يحرم التلبس بها على من ~~لا يعرف كيفيته، ولا يقال: يجب تعلم كيفيتها. # ومما يجب1 معرفة ما يحل ويحرم من المأكول والمشروب والملبوس ونحوهما مما ~~لا غنى غالبا، وكذلك أحكام عشرة النساء لمن له زوجة، وحقوق المماليك لمن له ~~ذلك، ونحو ذلك. # وأما الترك فيجب على من ذكر علم ذلك بحسب ما يتجدد في الحال، وقد يختلف ~~بحال الشخص؛ إذ لا يجب على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام، ولا على الأعمى ~~تعلم ما يحرم من النظر، ولا على البدوي تعلم ما يحل الجلوس فيه من المساكن، ~~فذلك أيضا واجب بحسب ما يقتضيه الحال. # ومما يلحق بالتروك أو الأفعال تفقد القلب بعد العلم بما مر، فهو فرض عين، ~~فيلزم من ذكر أن يتعلم ما يرى نفسه محتاجة إليه من تطهير القلب من المهلكات ~~ومعالجة المرديات كالرياء، والحسد، والعجب وشبهها. # فرع2: يجب على الآباء والأمهات ونحوهم كالقيم والوصي تعليم الصغار ما ~~سيتعين عليهم بعد البلوغ، فيعلمونهم الطهارة والصلاة والصيام، ويعرفونهم ~~تحريم الربا والزنا واللواط والسرقة وشرب المسكر والكذب والغيبة، وأنهم ~~بالبلوغ يدخلون في التكاليف، ويستحب ما زاد على هذا من تعليم قرآن وفقه ~~وآداب، ويعرفونهم ما يصلح به معاشهم؛ لقول الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] أي: علموهم ما ينجون به من ~~النار، وهذا ظاهر، وقال صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع ومسئول عن رعيته" 3، ~~ثم أجرة تعليم PageV01P074 # الواجب، وكذلك تعليم المستحب من قرآن وغيره في مالهم، فإن لم يكن فعلى من ~~تلزمه نفقتهم من نحو أب وإن علا، ثم ms017 أم وإن علت، هذا في الأسبوع الأول، ~~وأما الثاني ففي ماله على الأصح، والثاني في مال الولي لعدم الضرورة إليه1، ~~واعلم أن الشافعي والأصحاب إنما جعلوا للأم مدخلا في وجوب التعليم لكونه من ~~التربية وهي واجبة عليها، إذا وجبت عليها النفقة. # المرتبة الثانية 2: فرض الكفاية قسمان: الأول ما لا بد للناس منه في ~~إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحاديث وعلومهما، والأصول ~~والفقه والنحو والتصريف واللغة، ومعرفة رواة الحديث وأحوالهم، والإجماع ~~والخلاف. # والثاني: ما ليس علما شرعيا، ويحتاج إليه في قوام الدنيا كالطب والحساب ~~وما في معناهما؛ إذ ذاك ضروري في صحة الأبدان، والآخر في المعاملات وقسم ~~التركات ونحو ذلك، وإذا قام بها واحد سقط الفرض عن الباقين. # واختلف في تعلم الصنائع التي هي سبب مصالح الدنيا كالخياطة والفلاحة، ~~فالأظهر كما قال النووي هي فرض كفاية، ويعم فرض الكفاية جميع المخاطبين، ~~وإذا قام به جمع تحصل الكفاية ببعضهم، فكلهم سواء في حكم القيام بالفرض في ~~الثواب وغيره، فإذا صلى على جنازة جمع ثم جمع ثم PageV01P075 # جمع، فالكل يقع فرض كفاية، ولو أطبقوا كلهم على تركه أثم كل من لا عذر له ~~ممن علم بذلك وأمكنه القيام به، ولا يأثم من لم يتمكن لكونه غير أهل أو ~~لعذر، ولو اشتغل شخص بالفقه، وظهرت نجابته فيه ورجي فلاحه وتبريزه فوجهان؛ ~~أحدهما: يتعين عليه الاستمرار لقلة من يحصل له هذه المرتبة، وأصحهما: لا ~~يتعين؛ لأن الشروع لا يعين المشروع فيه عندنا إلا في الحج والعمرة والجهاد ~~وصلاة الجنازة، ولو خلت البلدة عن مفت فقيل: يحرم المقام بها، والأصح لا إن ~~أمكن الذهاب إلى مفت، وإذا قام بالفتوى إنسان في مكان سقط به فرض الكفاية ~~إلى مسافة القصر من كل جانب، واعلم أن للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم ~~بغرض العين؛ لأنه أسقط الحرج عن الأمة. # قلت: لأن القائم بفرض الكفاية اتخذه لنفسه فرض عين وشغل نفسه به فلذلك ~~أسقط الإثم عن الباقين. # المرتبة الثالثة 1: النفل: الذي هو من الفضائل لا الفرائض، وهو ms018 كالتبحر ~~في أصول الأدلة والإمعان فيها وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية، ~~وكالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب، وكتعلم العامي نوافل العبادات لغرض ~~العمل، لا ما يقوم به العلماء من تمييز الفرض من النفل، فإن ذلك فرض كفاية ~~في حقهم، والله أعلم. # فصل 2: قد ذكرنا مراتب العلم الشرعي، ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم ~~أو مكروه أو مباح، فالمحرم كتعلم السحر فإنه حرام على المذهب الصحيح، وبه ~~قطع الجمهور؛ كالفلسفة، والشعبذة3، والتنجيم، وعلوم الطبائعيين، وكل ما كان ~~سببا لإثارة الشكوك، وتتفاوت في التحريم. PageV01P076 ### | الباب الثالث: في آداب المعلم والمتعلم ### | النوع الأول: آدابهما في نفسهما وآدابهما في جلس الدرس ### | القسم الأول: آدابهما في نفسهما وآدابهما في مجلس الدرس # ... # الباب الثالث: في آداب المعلم 1 والمتعلم # النوع الأول: آدابهما في نفسهما، وآدابهما في مجلس الدرس # فأما آدابهما في نفسهما: # فمنها: أول ما يجب على كل منهما أن يقصد وجه الله بأشغاله واشتغاله لا ~~لمال ولأجرة، أو شهوة، أو سمعة، أو تمييز عن الأشباه، أو تكثر بالمشتغلين ~~عليه، أو المختلفين إليه، ولا يشين علمه أو تعليمه بشيء من الطمع في رفق ~~يحصل من تلميذ، أو خدمة، أو مال، وإن قل ولو على صورة الهدية التي لولا ~~اشتغاله لما أهداها إليه، كما أن المتعلم لا يشين طلبه بطمع في شيء يعطيه ~~له الشيخ، أو أن ينزل اسمه في طلبة العلم لينال شيئا من معلوم أو غيره، ~~ودليل هذا كله ما مر في تحذير من أراد بعلمه غير الله، وقد تقدم في أول ~~الفصل الثاني من الباب الأول1. # قال سفيان بن عيينة2: كنت قد أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة من أبي ~~جعفرر سلبته3، وقد صح عن الشافعي أنه قال: وددت أن الناس انتفعوا بهذا ~~العلم، وما نسب إلي شيء منه4، وقال رضي الله عنه: ما ناظرت أحدا وأحببت أن ~~يخطئ5، وقال رضي الله عنه: ما أوردت الحق والحجة على أحد PageV01P081 # فقبلها مني إلا هبته واعتقدت مودته، ولا كابرني على الحق أحد ودافع ms019 الحجة ~~إلا سقط من عيني1، وعن أبي يوسف2: يا قوم، أريدوا بعلمكم الله، فإني لم ~~أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسا ~~قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا أقم حتى أفتضح3. # ومنها: أن يكون كل منهما قوي اليقين، الذي هو رأس مال الإيمان كله، قال ~~صلى الله عليه وسلم: "اليقين الإيمان كله"4، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"تعلموا اليقين"5. # ومنها: أن يحافظ6 على القيام بشعائر الإسلام، وظواهر الأحكام كإقامة ~~الصلوات في مساجد الجماعات، وإفشاء السلام للخواص والعوام، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى بسبب ذلك، صادعا بالحق عند السلاطين ~~باذلا نفسه لله، لا يخاف فيه لومة لائم، ذاكرا قوله تعالى: {واصبر على ما ~~أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: 17] . # وكذلك يقوم7 بإظهار السنن، وإخماد البدع، ويقوم لله في أمور الدين وما ~~فيه من مصالح المسلمين على الطريق المشروع، والمسلك المطبوع، ولا ~~PageV01P082 # يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها، بل يأخذ بالأكمل؛ فإن ~~العلماء هم القدوة وإليهم المرجع في الأحكام، وهم حجة الله على العوام، وقد ~~يراقبهم للأخذ عنهم من لا ينظرونه، ويقتدي بهديهم من لا يعلمونه، إذا لم ~~ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به، كما قال الشافعي: ليس العلم ~~ما حفظ، العلم ما نفع1؛ ولهذا عظمت زلة العالم لما يترتب عليها من المفاسد ~~لاقتداء الناس به. # ومنها: أن يتخلق كل منهما بالمحاسن2 التي ورد الشرع بها من الزهد والسخاء ~~والجود وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن ~~الناس، واختماله منهم، وأن يتنزه عن دنيء الأكساب طبعا، ومكروهها شرعا، ~~كالحجامة، والدباغة، والصياغة، وملازمة الورع والخشوع، والسكينة والوقار، ~~والتواضع وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والإيثار وترك الاستئثار، والإنصاف ~~وترك الاستنصاف، وشكر المتفضل، والسعي في قضاء الحاجات، وبذل الجاه ~~والشفاعات، والتلطف بالفقراء، والتحبب إلى الجيران والأقرباء، ومجانبة ~~الإكثار من الضحك والمزاح3؛ فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة كما قيل: من مزح ~~استخف به، من أكثر من ms020 شيء عرف به4. # ومنها: أن يلزم نفسه الخوف والحزن والانكسار والصمت، ويظهر الخشية ~~PageV01P083 # على هيئته وكسوته، لا ينظر إليه ناظر إلا ويكون نظره مذكرا بالله، وتكون ~~صورته دليلا على علمه، قال عمر رضي الله عنه: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم ~~السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تعلمون منه، وليتواضع لكم من يتعلم منكم، ولا ~~تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم1، وفي الخبر: إن من خيار ~~أمتي قوم يضحكون جهرا من سعة رحمة الله، ويبكون سرا من خوف عذابه، أبدانهم ~~في الأرض وقلوبهم في السماء، أرواحهم في الدنيا وقلوبهم في الآخرة2. # ومنها: ملازمة الآداب الشرعية القولية والفعلية، الظاهرة والخفية، كتلاوة ~~القرآن وذكر الله بالقلب واللسان، والدعوات والأذكار آناء الليل وأطراف ~~النهار، ومن3 نوافل العبادات من الصلاة والصيام وحج البيت الحرام والصلاة ~~والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، فمحبته4 وإجلاله وتعظيمه -صلى الله ~~عليه وسلم- واجب، فكان الإمام مالك إذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~يتغير وجهه وينحني5، وكان جعفر بن محمد6 إذا ذكر النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- اصفر7، وكان القاسم8 إذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- يجف لسانه ~~في PageV01P084 # فيه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم1، وينبغي إذا تلي2 القرآن أن ~~يتفكر في معانيه وأوامره ونواهيه، وليحذر من نسيانه بعد حفظه، وأن يقرأ ~~القرآن في كل سبعة أيام3، فهو ورد حسن، ويقال: من قرأ القرآن في كل سبعة ~~أيام لم ينسه قط4، وأن يكون له ورد راتب كل يوم لا يخل به. # ومن الآداب: التنظيف بإزالة الأوساخ، وقص الأظفار، وإزالة الشعور المطلوب ~~زوالها، واجتناب الروائح الكريهة، وتسريح اللحية، وليجتهد في الإخلاص في ~~التوبة والدوام عليها من الأفعال الذميمة5، وليلازم الأفعال الحميدة ~~الظاهرة والباطنة، والمقامات العلية، والأحوال السنية، وأعلاها محبة الله ~~الجامعة لكل فائدة، المجنبة لكل خصلة فاسدة، وكذلك محبة رسوله -صلى الله ~~عليه وسلم- واتباعه، قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله} الآية [آل عمران: 31] . # ومنها: أن يطهر6 نفسه من الخبائث الباطنة، من مساوئ الأخلاق ومذموم ~~الأوصاف؛ كالحسد والرياء ms021 والإعجاب واحتقار الناس والغل والبغي والغضب لغير ~~الله والغش إلى غير ذلك من تعدد أوصاف خبائث النفس، فكما لا تصح الصلاة ~~التي هي وظيفة الجوارح إلا بتطهير الأحداث والأخباث، فكذلك لا تصح عبادة ~~الباطن إلا بعد طهارته من خبائث الأخلاق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"بني الدين على النظافة"7، والقلب منزل الملائكة، ومهبط أثرهم، وقال ~~PageV01P085 # صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب" 1، والصفات الرديئة ~~في القلب كلاب نابحة، ونور العلم لا يقذفه الله في القلب إلا بواسطة ~~الملائكة {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا} 2 [الشورى: 51] وقال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما ~~العلم نور يقذف في القلب3، ووعظ بعضهم فقال: طهروا قلوبكم من الأغيار تصلح ~~لنزول القرآن والأنوار، طهر المنزل حتى ينزل، ومن حصل له الساكن طابت له ~~المساكن، ومن لم تفتح له المنازل رضي بسكنى المزابل "من المديد": # إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج4 # ومريضا أنت عائده ... قد أتاه الله بالفرج # وجهك المأمول حجتنا ... يوم تأتي الناس بالحجج # وكان الشبلي5 يقول "من المقتضب": PageV01P086 # اطلبوا لأنفسكم ... مثل ما وجدت أنا1 # قد وجدت لي سكنا ... ليس يشبه السكنا # إن دنوت قربني ... أو بعدت عنه دنا # وقد ابتلي بعض أصحاب النفوس الخبيثة من فقهاء الزمان بكثير من هذه الصفات ~~الذميمة إلا من عصمه الله، وأدوية ذلك مستوفاة في كتب الرقائق ومن أنفعها ~~كتاب الرعاية2 للمحاسبي3. # ومن أدوية الحسد أن يعلم أن حكمة الله اقتضت جعل هذا الفضل في هذا ~~الإنسان، فلا يعترض ولا يكره، فإن اعترض وكره فسنة الله في مثل هذا جرت أن ~~يسلبه حالته التي أنعم بها عليه وأن يزيد محسوده نعما لشكره وتواضعه وعدم ~~غضبه لنفسه، وما أحسن ما قال الإمام المعافي بن زكريا الموصلي4 "من ~~المتقارب": PageV01P087 # ألا قل كان لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب1 # أسأت على الله في فعله ... لأنك لم ترض لي ما وهب # فجازاك عني بأن زادني ms022 ... وسد عليك وجوه الطلب # ولأبي حنيفة رحمه الله في الحسد "من البسيط": # إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي كثيرا أهالي الفضل قد حسدوا2 # فدام بي وبهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد # ومن أدوية الرياء أن يعلم أن الخلق لا يقدرون على نفعه ولا ضره بما لم ~~يقدره الله تعالى عليه، فلا يتشاغل بمراعاتهم فيتعب نفسه، ويرتكب سخط الله ~~مع أن الله يطلعهم على نيته وسريرته في ريائه لهم وخوفه منهم. # ومن أدوية الإعجاب أن يعلم أن علمه وفهمه وجودة ذهنه وفصاحته وغير ذلك من ~~النعم فضل من المنعم جل وعلا وهو معه عارية وأمانة، وأن معطيه إياها قادر ~~على سلبها منه في طرفة عين، كما سلب بلعام3 ما علمه في طرفة عين، نسأل الله ~~السلامة. PageV01P088 # ومن أدوية الاحتقار1 التأدب بما أدب الله تعالى به عباده، قال تعالى: {لا ~~يسخر قوم من قوم} [الحجرات: 11] وقال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ~~[الحجرات: 13] فربما كان هذا الذي دونه أطهر قلبا، وأخلص نية، وأزكى عملا، ~~كما قيل: إن الله تعالى أفى ثلاثة في ثلاثة: وليه في عباده، ورضاه في ~~طاعته، وغضبه في معاصيه2، ثم إن المحتقر لا يعلم بماذا يختم له، ففي ~~الصحيح: "إن إحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ... " 3 الحديث، نسأل الله العافية ~~من كل داء. # ومنها: أن يتجنب مواضع التهم، فإنه يعرض نفسه وعرضه للوقوع في الظنون ~~المكروهة، فإن اتفق له وقوع شيء من ذلك لحاجة أخبر من شاهده وأصحابه بحقيقة ~~ذلك الفعل؛ لئلا يأثموا بظنهم الباطل، ولئلا ينفروا عنه، قال تعالى: {إن ~~بعض الظن إثم} [الحجرات: 12] ومن هذا الحديث الصحيح: أن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- قال للرجلين لما رأياه يتحدث مع صفية4 فوليا: "على رسلكما ~~إنها صفية"، ثم قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخفت أن يقذف ~~في قلوبكما شيئا"، وروي: "فتهلكا" 5. PageV01P089 # ومنها: أن يكون1 زاهدا في الدنيا غير مبال بفواتها مقتصدا في مطعمه ~~وملبسه وأثاثه ومسكنه غير مترفه تشبيها بالسلف، ويتأكد في ms023 حق الطالب أن ~~يقلل علائقه من أشغال الدنيا، ويبعد عن الأهل والوطن، فإن العلائق شاغلة ~~وصارفة، قال تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] ونقل ~~يحيى بن معاذ الرازي2: إنه كان يقول لعلماء الدنيا يا أصحاب العلم قصوركم ~~قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم طاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم ~~قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآثمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين ~~المحمدية؟ 3 وقوله: طاهرية بالطاء المهملة نسبة لطاهر بن الحسين4 المتولي ~~على خراسان، وأقل درجات العالم أن يستقذر المتعلق بالدنيا، فهو أولى ~~باستقذارها في حق نفسه، وعن الشافعي رضي الله عنه: لو أوصي لأعقل الناس صرف ~~إلى الزهاد، فليت شعري من أحق من العلماء بزيادة العقل وكماله؟ 5 وقال يحيى ~~بن معاذ6: لو كانت الدنيا تبرا يفنى، والآخرة خزفا يبقى، لكان ينبغي للعاقل ~~إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني، فكيف والدنيا خزف فان، والآخرة تبر ~~باق7. PageV01P090 # ومنها: أن يكون منقبضا عن الملوك وأبناء الدنيا لا يدخل إليهم صيانة ~~للعلم كما صانه علماء السلف، فمن فعل ذلك فقد عرض نفسه لما لا قبل له به ~~ولا طاقة، وخان أمانته، فإن العلم أمانة عنده، قال تعالى: {لا تخونوا الله ~~والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} [الأنفال: 27] وقال تعالى: {يحكم ~~بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون} الآية [المائدة: 44] ~~إلى غير ذلك من الآيات، وقال صلى الله عليه وسلم: "العلماء أمناء الرسل على ~~عباده ما لم يخالطوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم ~~واعتزلوهم"1. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان ~~ولا يخلون بالنسوان ولا يخاصمن أهل الأهواء2، قال الأوزاعي3: ما شيء أبغض ~~إلى الله تعالى من عالم يزور أميرا، وقال حذيفة4 رضي الله عنه: إياكم ~~ومواقف الفتن، قالوا: وما هو؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير ~~فيصدقه في الكذب ويقول ما ليس فيه، فإن دعت إلى ذلك ضرورة أو مصلحة دينية ~~فلا ms024 بأس5، وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض السلف في المشي إلى الملوك ~~PageV01P091 # وولاة الأمر على أنهم قصدوا بذلك حصول الأغراض الدنيوية المساعدة للأحوال ~~الدينية، فاعلمه، والله أعلم. # ومنها: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور1 ~~فلا تغتر بإطباق الخلق على ما حدث بعد الصحابة، وكن حريصا على التفتيش عن ~~سير الصحابة وأعمالهم، أكانوا مهتمين بالتصدير والمناظرة، والقضاء ~~والولاية، وتولي الأوقاف والوصايا، ومال الأيتام، ومخالطة السلاطين ~~ومجاملتهم في العشرة، أو في الخوف والحزن، والتفكر والمجاهدة، إلى غير ذلك ~~من علوم الباطن. # واعلم يقينا أن أعلم أهل الزمان أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريقهم، فعنهم ~~أخذ الدين، قال علي رضي الله عنه: خيرنا أتبعنا لهذا الدين2، وقال ابن ~~مسعود: أنتم في زمان خيركم فيه المسارع في الأمور، وسيأتي بعدكم زمان يكون ~~خيركم المتثبت المتوقف؛ لكثرة الشبهات3، وقال حذيفة رضي الله عنه: أعجب من ~~هذا أن معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى، وأن منكركم معروف زمان قد يأتي، ~~وأنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق، وكان العالم فيكم غير مستخف به4. # قال الغزالي5 وقد صدق: فأكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة؛ ~~إذ من غرر المعروف في زماننا تزيين المساجد، وإنفاق الأموال العظيمة في ~~عمارتها، وبسط البسط الرفيعة فيها، ولقد كان يعد فرش البواري PageV01P092 # في المسجد بدعة، وقيل: إنه من محدثات1 الحجاج2، فقد كان الأولون قل ما ~~يجعلون بينهم وبين التراب حاجزا. # ومن ذلك الاشتغال بدقائق الجدل والمناظرة، ويعدونه من أجل علوم الزمان، ~~ويزعمون أنه من أعظم القربات، وقد كان ذلك من المنكرات. # ومن ذلك التقشف في النظافة، والوسواس في الطهارة، وتقدير النجاسة البعيدة ~~في نجاسة الثياب مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها. # ومن ذلك3 التلحين في الأذان والقراءات، والتباهي بذلك إلى غير ذلك من ~~النظائر، ولقد صدق ابن مسعود -رضي الله عنه- حيث قال: أنتم اليوم في زمان، ~~الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي عليكم زمان يكون العلم تابعا للهوى4، وكان ~~هشام يقول: لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا، فإنهم أعدوا ms025 له جوابا، ولكن سلوهم ~~عن السنة فإنهم لا يعرفونها، وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي5 في كتابه: ~~الأحاديث الموضوعة6 بعد ذكره لحديث في قراءة الفاتحة وآيات منها: {شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو} عقيب الصلاة، هذا حديث موضوع كنت PageV01P093 # سمعته في زمن الصبي فاستعملته نحوا من ثلاثين سنة لحسن ظني بالرواة، فلما ~~علمت أنه موضوع تركته، فقال لي قائل: أليس هو استعمال خير؟ فقلت: استعمال ~~الخير ينبغي أن يكون مشروعا، فإذا علمنا أنه كذب خرج عن المشروعية. انتهى1. # ومنها: أن تكون عنايتهما بتحصيل العلم النافع في الآخرة، المرغب في ~~الطاعة، متجنبين العلوم التي يقل نفعها، ويكثر فيها الجدال، والقيل والقال، ~~روي أن رجلا جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: علمني من غرائب ~~العلم2، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما صنعت في رأس العلم؟ " ~~قال: وما رأس العلم؟ قال: "هل عرفت الرب؟ " قال: نعم، قال: "وما صنعت من ~~حقه؟ " قال: ما شاء الله، قال: هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: "وما أعددت ~~له؟ " قال: ما شاء الله، قال: "اذهب فأحكم ثم تعال نعلمك من غرائب العلم"3. # وينبغي أن يكون التعليم من جنس ما روي عن حاتم الأصم4 تلميذ شقيق البلخي5 ~~أن شقيقا قال له: منذ كم صحبتني؟ قال حاتم: منذ ثلاثة وثلاثين سنة، فقال: ~~ما تعلمت مني في هذه المدة؟ قال: ثمان مسائل، فقال شقيق: إنا لله وإنا إليه ~~PageV01P094 # راجعون، ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثمان مسائل! فقال: يا أستاذ لم أتعلم ~~غيرها، ولا أحب أن أكذب، فقال: هات هذه الثمان مسائل حتى أسمعها، فذكرها، ~~والقصة مشهورة في كثير من الكتب1 وهي مشتملة: الأولى على محبة الحسنات، ~~والثانية على مدافعة هوى النفس، والثالثة على الصدقة، والرابعة على النسبة ~~للتقوى، والخامسة على ترك الحسد، والسادسة على مصادقة الخلق وعداوة ~~الشيطان، والسابعة على ملازمة الطاعة وترك الذل للخلق بسبب المعيشة، وترك ~~الحرام، والثامنة على التوكل على الله تعالى؛ فقال شقيق بعدما قرأ حاتم ~~الثمان مسائل: يا ms026 حاتم وقفك الله، إني نظرت في علم التوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان فرأيته يدور على هذه الثمان مسائل، اللهم توفيقا للعمل ~~الصالح واجتنابا للطالح. # ومنها: أن يكون اهتمامه بعلم الباطن، ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة ~~وسلوكه، وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة، فإن المجاهدة ~~تفضي إلى المشاهدة في دقائق علوم القلب، وتنفجر منه ينابيع الحكم الخارجة ~~عن العد والحد من طريق مفتاح الإلهام، ومنبع الكشف لا بالكتب المدونة، فكم ~~من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، وكم من مقتصر على ~~المهم في التعلم فتح الله عليه من لطائف الحكم ما تحار فيه عقول ذوي ~~الألباب؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "من عمل بما علم ورثه الله علم ما ~~لم يعلم"2، وفي بعض الكتب3 السالفة: يا بني إسرائيل لا تقولوا: العلم في ~~السماء من ينزل به، ولا في الأرض من يصعد به، ولا من وراء البحار من يأتي ~~به، العلم محصور في قلوبكم، فتأدبوا بين يدي تأدب الروحانيين، وتخلقوا إلي ~~تخلق الصديقين أظهر العلم من قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم. PageV01P095 # ومنها: أن يبحث عما يفسد الأعمال، ويشوش القلب، ويهيج الوسواس، ويثير ~~الشر، فإن أصل الدين التوقي من الشر؛ ولذلك قيل: اعرف الشر لا للشر، لكن ~~لتوقيه، ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه1، وقيل لحذيفة رضي الله عنه: ~~نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة! فمن أين أخذته؟ قال: خصني به ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان الناس يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن ~~الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني، وقال مرة: فعلمت أن من ~~لا يعرف الشر، لا يعرف الخير، فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة يسألونه عن ~~الفتن العامة والخاصة، وكان يسأل عن المنافقين فيخبر بأعداد من بقي، ولا ~~يخبر بأسمائهم، وكان عمر يسأله عن نفسه: هل يعلم بها شيئا من النفاق، فبرأه ~~من ذلك، وكان -أعني عمر رضي الله عنه- إذا دعي إلى جنازة نظر، فإن حضر ~~حذيفة صلى ms027 عليها وإلا ترك، وكان حذيفة -رضي الله عنه- يسمى صاحب السر ~~بالسين المهملة2. # ومنها: وهو من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملالة، ~~أكل القدر اليسير من الحلال الذي لا شبهة فيه، قال الشافعي رضي الله عنه: ~~ما شبعت منذ ست عشرة3 سنة، وسبب ذلك أن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وهي ~~جالبة للنوم والبلادة، وفتور الحواس والكسل، هذا مع ما فيه من الكراهة ~~الشرعية، والتعرض لخطر الأسقام البدنية كما قيل "من الوافر": PageV01P096 # عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب1 # فإن الداء أول ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب # وقد جمع بعض الحكماء في كثرة الأكل خمسين آفة، ونظمها مولانا وسيدنا ~~وشيخنا شيخ الإسلام والد المصنف2 -رحمه الله وأبقى خلقه- فقال "من البسيط": # في كثرة الأكل يا ذا العقل والنظر ... خمسون آفة كن منها على حذر # توليد سقم وثقل ثم طول كرى ... ووصمة النفس مع غم ومع بطر # وقسوة وعمى قلب تؤثره ... وهزل روح ونقص الخوف والحذر # وقلة العقل مع جهل مكثره ... وقلة الشكر والإخلاص والخفر # وشهوة تنمو مع ترك الحياء كذا ... نسيان علم وذكر الموت في العمر # وحب دنيا وشح والبقاء كذا ... حب الشياطين فقد الصبر مع ضجر PageV01P097 # وذم حكمة أيضا والعداوة مع ... تهييج عادة أشواق مع الأشر # وبغض مولاه مع هدم العبادة مع ... فقد البهاء وحرج الدين بالغير # والضحك أيضا وإذهاب الحلاوة من ... قلب وإبدال صفو منه بالكدر # وترك ذكر وإذهاب اليقين كذا ... ترك افتقار وآداب لمعتبر # وترك الأعمال والإكثار من حسد ... والبعد من جنة والقرب من سقر # ثم التغفل ينمو والفضول كذا ... وللشياطين تسليح على البشر # كذاك تفريق صحب وارتكاب معا ... صلي الله جل وهذا غاية الخطر # وفي رسائل إخوان الصفاء لها ... شرح بذا الحصر واف غير مختصر # وهاك في هذه الأبيات جملتها ... تلخصت فأتت في النظم كالدرر # ولبعضهم في بعض فوائد الجوع "من الكامل": # في الجوع عشر فوائد عن حصرها ... عجز البيان وباء بالتقصير # من بعضها كسر الهوى وبكسره ... فوز الفتى بعوارف التحبب # PageV01P098 # وصفا القلوب ms028 وحفظها في سيرها ... من علة التكدير والتأثير # وإدامة السهر الذي هو مقصد ... في شرع أهل الجد والتشمير # وسلامة الجسد الذي هو مركب ... للقصد من علل ومن تغيير # وهو المذكر بالفقير وحاله ... ولرب خير جاء في التذكير # وبه على الإيثار تحصل مكنة ... تبدو لطائفها لكل بصير # وعلى العبادة أي عون للفتى ... في ضمنه بل أيما تيسير # وبه انحسام مواد كل ضرورة ... يأتي من الشيطان للتغرير # والمرء ذو مؤن وفي تقليله ... طرح لما يدعو إلى التكثير # فأجع فؤادك للوفا متعرضا ... واسلك سبيل محقق وخبير # واعلم بأن الجوع في شرع الولا ... مفتاح باب الفتح عن تحرير # والأولى أن يكون ما يأخذه من الطعام والشراب ما ورد: "بحسب ابن آدم # PageV01P099 # لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث ~~لنفسه"1، وأما زيادته على ذلك فهي من الإسراف، وقد قال تعالى: {وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الكلمات ~~الطب كله2. # ومنها: أن يقلل استعمال المطاعم3 التي هي من أسباب البلادة، وضعف الحواس ~~كالتفاح الحامض، والباقلا، وشرب الخل، كذلك ما يكثر استعماله البلغم المثقل ~~للبدن، والمبلد للذهن ككثرة الألبان والسمك وأشباه ذلك. # وينبغي أن يستعمل ما جعله الله تعالى سببا لجودة الذهن كمضع اللبان ~~والمصطكي على حسب العادة، وأكل الزبيب بكرة والجلاب ونحو ذلك مما ليس هذا ~~موضع شرحه4. # وينبغي أن يجتنب ما يولد النسيان بالخاصية كأكل سؤر الفأر، وقراءة ألواح ~~القبور، والدخول بين جملين مقطورين، والشق بين الغنم والمعز، وليقرأ سورة ~~"إيلاف قريش" إذا دخل في الشياه؛ لقوله تعالى: {وآمنهم من خوف} [قريش: 4] ~~وإلقاء القمل ونحو ذلك من المجربات، ونحو ذلك من المحذرات الواردة، وللحافظ ~~البرهان الناجي5 في ذلك كتاب "قلائد العقيان فيما يورث PageV01P100 # الفقر والنسيان"1 جمع فيه فأوعى، وقد اختصره المرحوم شيخنا الرضي والد ~~المصنف شيخ الإسلام في أرجوزة سماها "نظم القلائد2". # ومنها: أن يقلل نومه ما لم3 يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه ~~في اليوم والليلة على ثمان ساعات، وهو ثلث الزمان، ms029 فإن احتمل حاله أقل منها ~~فعل، ولا بأس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا كل باستراحة وتنزه وتفرج ~~في المستنزهات بحيث يعود إلى حاله، ولا يضيع عليه زمانه، ولا بأس بمعاناة ~~المشي، ورياضة البدن4 به، فقد قيل: إنه ينعش الحرارة، ويذيب فضول الأخلاط، ~~وينشط البدن، ولا بأس بالوطء الحلال إذا احتاج إليه، فقد قال الأطباء: إنه ~~يخفف الفضول، وينشط ويصفي الذهن إذا كان عند الحاجة إليه باعتدال، ويحذر ~~كثرته كل الحذر، فإنه يضعف السمع والبصر والعصب والحرارة والهضم، ويحدث غير ~~ذلك من الأمراض المردية، وهو كما قيل: ماء الحياة يصب في الأرحام5. # ومنها: أدعية وفوائد وردت يستعان بها على حفظ القرآن والعلم، فينبغي ~~مراعاتها، وإن كان غالبها ضعيفا6 عن ابن عباس مرفوعا7: "من سره أن يودعه ~~PageV01P101 # الله -عز وجل- القرآن وحفظ أصناف العلوم فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف، ~~أو في صحفة قوارير بعسل وزعفران وماء مطر، ويشربه على الريق، وليصم ثلاثة ~~أيام، وليكن إفطاره عليه، ويدعو به في أدبار الصلوات المكتوبة: اللهم إني ~~أسألك بأنك مسئول لم يسأل مثلك، أسألك بحق محمد -صلى الله عليه وسلم- رسولك ~~ونبيك، وإبراهيم خليلك وصفيك، وموسى كليمك ونجيك، وعيسى كلمتك وروحك، ~~وأسألك بصحف إبراهيم وتوراة موسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى، وفرقان محمد ~~صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، وأسالك بكل وحي أوحيته، وبكل حق قضيته، ~~وبكل سائل أعطيته، وأسألك بأسمائك التي دعا بها أنبياؤك فاستجبت لهم، ~~وأسألك باسمك المخزون المطهر، الطاهر المبارك المقدس، الحي القيوم ذي ~~الجلال والإكرام، وأسألك بأسمائك: الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر، الذي ~~ملأ الأركان كلها، وأسألك باسمك الذي وضعته على السماوات فقامت، وأسألك ~~باسمك الذي وضعته على الأرضين فاستوت، وأسألك باسمك الذي وضعته عل الجبال ~~فرست، وأسألك باسمك الذي وضعته على النهار فاستنار، وأسألك باسمك الذي تحيي ~~به العظام وهي رميم، وأسألك بكتابك المنزل بالحق، ونورك التام: أن ترزقني ~~حفظ القرآن، وحفظ أصناف العلوم، وتبثها في قلبي، وأن تستعمل بها بدني في ~~ليلي ونهاري أبدا ما أبقيتني يا أرحم الراحمين1. ms030 # وروي عن بكر بن خنيس2 قال: من أحب أن يقرأ القرآن، ولا ينسى منه شيئا ~~-بإذن الله عز وجل- فليقل: اللهم افتح علينا PageV01P102 # رحمتك، وانشر علينا رحمتك، وعن سنيد1 قال: من أحب ألا ينسى شيئا فليقل: ~~{سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} [البقرة: 32] ~~وقال بعض الصالحين: إذا قرأت شيئا ثم قمت عنه فقل: اللهم إني أستودعك ما ~~قرأته فاردده علي وقت حاجتي إليه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم2. # وغسل الرأس يزيد في الحفظ، وتركه ينقص من الحفظ، ومن أراد أن يحفظ العلم ~~فعليه بخمس خصال: صلاة الليل ولو ركعتين، والدوام على الوضوء، والتقوى في ~~السر والعلانية، وأن ينوي بأكله القوة على الطاعة، والسواك في كل صلاة وعند ~~تغير الفم، ومن كتب آية الكرسي في كفه اليسرى بيده اليمنى سبع مرات بزعفران ~~في كل مرة يلحسها بلسانه لم ينس شيئا أبدا، ومن قال أربعين مرة مساء: اللهم ~~اجعل نفسي نفسا طيبة طائعة حافظة تؤمن بلقائك وتقنع بعطائك، وترضى بقضائك ~~لم ينس شيئا أبدا، ومن قال عند رفع ما يقرأه: سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد كل ~~حرف كتب ويكتب أبد الآبدين ودهر الداهرين، فإنه لا ينسى منه شيئا أبدا، ~~ومما يفيد للحفظ قولك عقب كل صلاة: آمنت بالله الواحد الأحد، الحق المبين ~~لا شريك له وكفرت بما سواه. انتهى. PageV01P103 ### | القسم الثاني: آدابهما في درسهما واشتغالهما # 1 # فمنها: ألا يزال كل منهما مجتهدا في الاشتغال قراءة ومطالعة وتعليقا ~~ومباحثة ومذاكرة وفكرا وحفظا وإقراء وتصنيفا إن تأهل لهما، ووظائف الأوراد ~~في كل الأحوال. # ومنها: ألا يخل بوظيفته من حضور درس ومذاكرة وقراءة ونحوها ولو لعروض مرض ~~خفيف، أو ألم لطيف، وليستشف بالعلم وليشتغل بقدر الإمكان كما قيل "من ~~البسيط": # إذا مرضنا تداوينا بذكركم ... ونترك الذكر أحيانا فننتكس2 # هذا والحكايات عن السلف في ارتكابهم الأهوال في طلب العلم مشهورة، مدونة ~~في كتب التواريخ والسير ms031 ومسطورة3. # حكى الإمام عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي4 تلميذ الإمام فخر الدين ~~PageV01P104 # الرازي1 عن جلالة الإمام واجتهاد طلبته2: أنه صحب طلبة الإمام في ثلج ~~أبيض، ونوء بات ياسمينه على الأرض ينفض، والثلج قد أبطل كل حركة وكيف لا ~~وهو بلا شك كافور، والسحائب عم عطاؤها في البلد، فساوى بين مستفل الأرض ~~وشرفات السور، وهمتهم مع ذلك لم تخمد نيرانها، ولم تفتر عن سماع كلام ~~الإمام آذانها، وإن عامت الأرض لكثرة الماء، وعمت الجدران سحائب السماء، ~~وأبت همتهم: أن تبطل فوائد الإمام، ولو بطلت منهم الحواس الخمس، ونفوسهم أن ~~تغيب عن كلماته وإن غابت تحت الغمام عين الشمس، ووضعوا على رءوسهم كساء ~~يمنع وصول المطر، وفتحوا المحصول3 وشرع واحد يقرأ ثم واحد، والإمام لا يدني ~~رأسه من الكوة إلا لمن يرتضيه، فمنهم من يجيبه، ومنهم من يقرأ إلى آخر درسه ~~والإمام لا يلتفت إليه، ولا ينظر فيه، تمرينا منه رحمه الله لهم على ~~الآداب، وتعريفا لمقدار العلم، وإن اقتحم ذو العزيمة الأهوال وظن أن همته ~~تعلو على السحاب. # ومنها: أن يجتهد ألا يحضر مجلس الدرس إلا متطهرا من الحدث والخبث ومطيبا ~~بدنه وثوبه، قاصدا بذلك تعظيم العلم، وتبجيل الشريعة، وإن كان في مسجد نوى ~~في ابتداء جلوسه الاعتكاف. # ومنها: ألا يسأل أحدا تعنتا وتعجزا، فإنه لا يستحق جوابا، وسيأتي النهي ~~عن ذلك. PageV01P105 # ومنها: أن يتصور ويتأمل ويهذب ما يريد أن يورده، أو يقرره أو يسأل عنه ~~قبل إبرازه والتفوه به؛ ليأمن من صدور هفوة، أو زلة، أو وهم، أو انعكاس ~~فهم، لا سيما إن كان هناك من يخشى منه أن يصير ذلك عليه وصمة، ويجعله عند ~~نظرائه ومن يحسده وسمة، والله هو الموفق، وهو اللطيف الخبير. # ومنها: ألا يستنكف من التعلم والاستفادة1 ممن هو دونه في منصب أو سن أو ~~نسب أو شهرة أو دين أو في علم آخر، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده، فقد ~~كان كثير من السلف يستفيدون من تلاميذهم ما ليس عندهم، قال الحميدي2 وهو ~~تلميذ ms032 الشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل، وكان ~~يستفيد مني الحديث3، وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم ~~بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لي حتى آخذ به4، وقد ثبت في ~~الصحيحين5 وغيرهما رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وروى جماعات من ~~التابعين عن تابع التابعين، وهذا عمرو بن شعيب6 ليس تابعيا، وقد روى عن ~~أكثر من سبعين من التابعين، وأبلغ من هذا ما ثبت في الصحيحين7 من أن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ: {لم يكن PageV01P106 # الذين كفروا} [البينة: 1] على أبي بن كعب1 -رضي الله عنه- وقال: "أمرني ~~الله أن أقرأ عليك" 2، هذا وقد استنبط العلماء من هذا الحديث فوائد3: # الأولى: بيان التواضع من الفاضل بقراءته على المفضول، قال صلى الله عليه ~~وسلم: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها التقطها"، وفي رواية: "فهو ~~أحق بها"4، وقال سعيد بن جبير5: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك ~~العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده، فهو أجهل ما يكون، وأنشد بعضهم ~~"من الطويل": # وليس العمى طول السؤال وإنما ... تمام العمى طول السكوت على الجهل6 # الثانية: ألا يستحي من السؤال عما لا يعلم، وعن مجاهد: لا يتعلم العلم ~~مستح ولا مستكبر7. PageV01P107 # الثالثة: الانقياد إلى الحق بالرجوع عند الهفوة، فالرجوع إلى الحق خير من ~~التمادي في الباطل. # الرابعة: ترك المراء والجدال، وجعل الأخبار الواردة في ذلك نصب عينيه، عن ~~معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم ببيت في ربض ~~1 الجنة، وببيت في وسط الجنة، وببيت في أعلى الجنة، لمن ترك المراء وإن كان ~~محقا، وترك الكذب وإن كان مازحا، وحسن خلقه" 2، والأخبار في ذلك كثيرة، ~~والله أعلم. PageV01P108 ### | النوع الثاني: آداب يختص بها المعلم وقد يشاركه في بعضها المتعلم ### | القسم الأول: آدابه في نفسه وتقدم منها جملة في الآداب المشتركة # ... # النوع الثاني: آداب يختص بها المعلم، وقد يشاركه في بعضها المتعلم: # قال الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين ms033 أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ~~ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا} ~~[البقرة: 159] وفي الصحيح: "ليبلغ الشاهد الغائب" 1، ويتعين على طالب العلم ~~ألا ينتصب للتدريس حتى تكمل أهليته، واعلم أن آدابه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ~~آدابه في نفسه، وآدابه مع طلبته، وآدابه في درسه. # القسم الأول: آدابه في نفسه 2 وتقدم منها جملة في الآداب المشتركة # ونذكر هنا ما يختص بها غالبا: # فمنها: أنه يتعين على طالب العلم ألا ينتصب للتدريس حتى تكمل أهليته ~~ويشهد له به صلحاء مشايخه، ففي الخبر الصحيح3: "المتشبع بما لم يعط كلابس ~~ثوبي زور"، وقال الشبلي: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه4، وعن أبي ~~حنيفة: من طلب الرئاسة في غير حينه لم يزل في5 ذل ما بقي. PageV01P109 # ولبعضهم1 "من الطويل": # تصدر للتدريس كل مهوس ... جهول تسمى بالفقيه المدرس2 # فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس # لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى استامها كل مفلس # ومنها: ألا يطلب على تعليمه أجرا، ولا يقصد به جزاء ولا شكورا، قال ~~تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا} [الأنعام: 90] . # ومنها: ألا يذل العلم، ولا يذهب به إلى مكان ينسب إلى من يتعلمه منه وإن ~~كان المتعلم كبير القدر، بل يصون العلم عن ذلك كما صانه السلف وأخبارهم في ~~هذا كثيرة مشهورة مع الخلفاء وغيرهم، قال الزهري3: هوان العلم أن يحمله ~~العالم إلى بيت المتعلم4، فإن دعت ضرورة وحسنت فيه نية صالحة فلا بأس، ~~وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من ذلك، وقد أجاد القاضي علي بن عبد العزيز ~~الجرجاني5 في معنى ذلك "من الطويل": PageV01P110 # يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما1 # أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما # وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه منعما # وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبت ... أقلب كفي إثره متندما # ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته ms034 لي سلما # إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما # ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما # أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما # ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما # ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما PageV01P111 # ومنها -وقد مر معناه: أن يكون عاملا بعلمه غير مناقض فعله قوله؛ ولذلك ~~قيل "من الكامل": # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم1 # قال تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] . # قال علي رضي الله عنه: قصم ظهري عالم متهتك، وجاهل متنسك، فالجاهل يغش ~~الناس بتنسكه، والعالم ينفرهم بتهتكه، ولبعضهم في معنى ذلك "من الكامل": # فساد كبير عالم متهتك ... وأكبر منه جاهل متنسك2 # هما فتنة للعالمين عظيمة ... لمن بهما في دينه يتمسك # ومنها: أن يستحضر في ذهنه التعليم آكد العبادات؛ ليكون ذلك حاثا له على ~~النية الصالحة، والنفع العام للطلبة، ولا ينبغي أن يمتنع من تعليم أحد ~~لكونه غير صحيح النية3، فالامتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثير من العلم ~~مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحهما إذ أنس بالعلم، وقد قالوا: طلبنا العلم ~~لغير الله فأبى أن يكون إلا لله4، معناه: كانت عاقبته أن صار لله. ~~PageV01P112 ### | القسم الثاني: آداب المعلم مع طلبته # ... # القسم الأول: آداب المعلم مع طلبته 1: # فمن ذلك إذا لمح في المتعلم خيرا، وآنس فيه رشدا، ينبغي له أن يؤدبه على ~~التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية، والدقائق الخفية، ويعوده الصيانة ~~في جميع أموره الكامنة والجلية، فيحرضه بالأقوال والأفعال على الإخلاص ~~والصدق وحسن النيات، ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، وأن يداوم على ~~ذلك حتى الممات، ويعرفه أن بذلك تنفتح عليه أبواب المعارف، وتنفجر من قلبه ~~ينابيع الحكمة واللطائف، ويوفق للإصابة في قوله وفعله. # ومن ذلك أن يرغبه في العلم2، ويذكره بفضائله وفضائل العلماء، وأنهم ورثة ~~الأنبياء، وأنهم على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء، ونحو ذلك مما ~~ورد في ms035 فضل3 العلم والعلماء من الآيات والأخبار، والآثار والأشعار، ويرغبه ~~مع ذلك بتدريج على ما يعين على تحصيله من الاقتصار على الميسور، وقدر ~~الكفاية من الدنيا، والقناعة بذلك عن شغل القلب بالتعلق بها، وتفريق الهم ~~بسببها. # ومن ذلك أن يحب له ما يحب لنفسه4، ويكره له ما يكره لنفسه من الشر، ففي ~~الصحيحين: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" 5 PageV01P113 # وعن ابن عباس رضي الله عنه: أكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى الناس حتى ~~يجلس إلي، لو استطعت ألا يقع الذباب عليه لفعلت1، ويعتني بمصالحه2 كاعتنائه ~~بمصالح نفسه وولده، ويجعله كولده في الشفقة عليه، والاهتمام بمصالحه. # وربما3 وقع منه نقص وسوء أدب في بعض الأحيان، فيبسط له عذره بحسب ~~الإمكان، وينبهه على ما صدر منه بنصح وتلطف، لا بتعنيف وتعسف، قاصدا بذلك ~~حسن تربيته، وتحسين خلقه، وإصلاح طويته. # ومن ذلك أن يزجره4 عن سوء الأخلاق، وارتكاب المحرمات والمكروهات، أو ما ~~يؤدي إلى فساد حال، أو ترك اشتغال، أو إساءة أدب، أو عشرة من لا يليق، ونحو ~~ذلك بطريق التعريض والتلويح، لا بطريق التصريح، وبطريق الرحمة، لا بطريق ~~التوبيخ والنقمة، فإن التصريح يرفع حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم ~~بالخلاف، ويهيج الحرص على الإصرار، وينبهك على هذا قصة آدم وحواء عليهما ~~السلام، وهو قوله تعالى: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها ~~رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان ~~عنها فأخرجهما مما كانا فيه} [البقرة: 35، 36] وفي سورة طه: {فأكلا منها ~~فبدت لهما سوآتهما} [طه: 121] وقد ورد: لو منع الناس عن فت البعر لفتوه، ~~وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء5، ولبعضهم "من الكامل": # النفس تهوى من يجور ويعتدي ... والنفس مائلة إلى الممنوع PageV01P114 # ولكل شيء تشتهيه طلاوة ... مدفوعة إلا عن المدفوع # وانظر إرشاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلطفه مع الأعرابي الذي بال ~~في المسجد1، ومع معاوية بن الحكم2 لما تكلم في الصلاة3 فإن انزجر لذكائه ~~بالإشارة فذاك، وإلا نهاه سرا، فإن لم ms036 ينته نهاه جهرا، ويغلظ القول عليه إن ~~اقتضاه الحال لينزجر هو وغيره، ويتأدب به كل سامع، فإن لم ينته فلا بأس ~~حينئذ بطرده والإعراض عنه إلى أن يرجع، وكذلك يتعهده بإفشاء السلام وحسن ~~التخاطب في الكلام، وبالجملة فكما يعلمهم مصالح دينهم، لمعاملة الله يعلمهم ~~مصالح دنياهم، لمعاملة الناس ليكمل لهم فضيلة الحالتين، وبالله التوفيق. # ومن ذلك ألا يتعاظم على المتعلمين، بل يلين لهم القول، ويتواضع لهم، قال ~~تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} [الشعراء: 215] وقال صلى الله ~~عليه وسلم: "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا" 4، والأحاديث في التواضع ولين ~~الجانب كثيرة5، وهذا التواضع لمطلق الناس، فكيف بهؤلاء الذين كأولاده مع ~~PageV01P115 # ملازمتهم واعتمادهم عليه في طلب العلم، ومع ما هم عليه من حق الصحبة، ~~وحرمة التردد، وشرف المحبة، وصدق التودد، وفي الخبر عنه صلى الله عليه ~~وسلم: "علموا ولا تعنفوا؛ فإن المعلم خير من المعنف"1، وعنه صلى الله عليه ~~وسلم: "لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه"2. # ومن ذلك أن يوقر طلبته ويعظمهم، ويحسن خلقه معهم، ويرحب بهم إذا لقيهم، ~~ويعاملهم بالبشاشة وطلاقة الوجه، ويحسن إليهم بعلمه وماله وجاهه بحسب ~~التيسير، وينبغي3 أن يخاطب كلا منهم -لا سيما الفاضل للتمييز- بكنيته ~~ونحوها من أحب الأسماء إليه، وما فيه من تعظيم وتوقير. # ففي الخبر عن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~يكني أصحابه إكراما لهم4، وجاء كثيرا مخاطبته لأبي بكر -رضي الله عنه- ~~بالصديق5 فإن ذلك ونحوه أشرح لصدورهم، وأبسط لسؤالهم، وكان البويطي6 يدني ~~القراء ويقربهم إذا طلبوا العلم، ويعرفهم فضل الشافعي، وفضل كتبه، ويقول: ~~كان الشافعي يأمر بذلك ويقول: اصبروا للغرباء وغيرهم من التلاميذ7، وقيل: ~~كان أبو حنيفة أكرم الناس مجالسة وأشدهم إكراما لأصحابه8، وإذا غاب أحدهم ~~غيبة زائدة عن PageV01P116 # العادة سأل عنه، فإن لم يخبر عنه أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل، ~~وإن كان مريضا عاده، أو في غم خفض عنه، أو مسافرا تفقد أهله، وتعرض لقضاء ~~حوائجهم ووصلهم بما أمكن. # ومن ذلك ينبغي أن يستعلم ms037 أسماء طلبته، وحاضري مجلسه وأنسابهم، ومواطنهم ~~وأحوالهم، وأن يكون سمحا ببذل ما حصله من العلم، سهلا بإلقائه، متلطفا في ~~إفادة طالبيه، مع إرشاد إلى المهمات، وتحريض على حفظ ما يبذله لهم من ~~الفوائد، ولا يدخر عنهم ما يحتاجون إليه، أو يسألون عنه؛ لأن ذلك ربما يوحش ~~صدورهم، وينفر قلوبهم، وكذلك لا يلقي لهم شيئا لم يتأهلوا له؛ لأن ذلك يبدد ~~أذهانهم، ويفرق أفهامهم، فإن سأله الطالب من ذلك شيئا فيعرفه أن ذلك يضره، ~~وأنه لم يمنعه شحا، بل شفقة ونصحا، ثم يرغبه في التحصيل ليتأهل لذلك، وقد ~~روي في التفسير قوله تعالى: {ولكن كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] إنه الذي ~~يربي الناس بصغار العلم قبل كباره1. # ومن ذلك صد المتعلم أن يشتغل بفرض الكفاية قبل الفراغ من فرض العين، وفرض ~~عينه: إصلاح ظاهره وباطنه. # ومن ذلك أن يكون حريصا على تعليم الطلبة، مهتما بذلك، مؤثرا ذلك على ~~حوائجه ومصالحه، ويفهم كل واحد بحسب فهمه، ولا يبسط له الكلام بسطا لا ~~يضبطه حفظه، ولا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة، ويخاطب كلا على قدر درجته ~~وفهمه وهمته، فيكتفي للحاذق بالإشارة، ويوضح لغيره بالعبارة، ويكررها لمن ~~لا يفهمها إلا بتكرار، ويبدأ بتصوير المسألة، ثم يوضحها بالأمثلة، ويقتصر ~~على ذلك من غير دليل ولا تعليل، فإن سهل عليه الفهم فيذكر له الدليل ~~والتعليل، والمأخذ منه والمدرك، ويبين أسرار حكم المسألة وعللها ~~PageV01P117 # وتوجيه الأقوال، ويبين الفرق بين المسألتين، ومأخذ الحكمين، ويبين ما ~~يتعلق بالمسألة من النكت اللطيفة، والألغاز الظريفة، والأمثال والأشعار ~~واللغات وما يرد عليها، أو على عبارة ممليها، وينبه على غلط من غلط فيها من ~~حكم أو تخريج فيقول مثلا: هذا هو الصواب أو الصحيح، وأما ما ذكره فلان فغلط ~~أو ضعيف، قاصدا بذلك النصيحة لا التنقيص لمصنفه. # ومن ذلك أن يذكر لهم قواعد الفن التي لا تنخرم مطلقا، أو غالبا مع ~~مستثنياتها أن لو كانت كقولنا: إذا اجتمع سبب ومباشرة، قدمنا المباشرة على ~~السبب في الضمان، وإن اليمين على المدعى عليه إذا لم ms038 تكن بينة إلا في ~~القسامة، وإذا اجتمع قولان: جديد وقديم، فالعمل بالجديد إلا في مسائل ~~معدودة المشهور منه أربع عشرة مسألة، وأوصلها ابن الملقن1 إلى أكثر من ~~ثلاثين ويذكرها أو ما حضره منها، وإن من قبض شيئا لغرضه لا يقبل قوله في ~~الرد إلى المالك، ومن قبضه لغرض المالك قبل قوله في الرد إليه لا إلى ~~غيره2، وإن الحدود تسقط بالشبهة، وإن الاعتبار في اليمين بالله تعالى أو ~~الطلاق أو العتاق أو غيرها بنية الحالف إلا أن يكون المستحلف قاضيا ~~فاستحلفه بالله لدعوى اقتضته فالاعتبار بنية القاضي، أو نائبه المستحلف إن ~~كان الحالف يوافقه في الاعتقاد وإلا فوجهان، وإن كل يمين على نفي فعل الغير ~~فهي على نفي العلم إلا من ادعي عليه أن عبده جنى فيحلف على البت على الأصح، ~~أو بهيمته جنت فيحلف على البت قطعا، وإن السيد لا يثبت له مال في ذمة عبده ~~PageV01P118 # ابتداء، وفي ثبوته دواما وجهان، وكل عبادة يخرج منها بفعل منافيها ~~ومبطلها إلا الحج والعمرة، وكل وضوء يجب فيه الترتيب إلا وضوءا تخلله غسل ~~الجنابة1، وإن ما لا يجب التعرض له في العبادة جملة ولا تفصيلا لا يضر ~~الخطأ فيه، وما يجب التعرض له تفصيلا أو جملة يضر الخطأ فيه: # الأول: كخطأ الإمام في تعيين تابعه لا يضر. # والثاني: كخطئه من الصوم إلى الصلاة، أو من صلاة فرض معين إلى غيره. # والثالث: كخطأ المأموم في تعيين الإمام. # وإن إشارة الأخرس2 كنطقه إلا في أربع مسائل: الشهادة في الأصح، وإبطال ~~الصلاة، وانعقاد اليمين، وإذا حلف لا يكلم زيدا فأشار إليه، وإن إشارة ~~الناطق القادر على العبارة لغو إلا في أربع مسائل: الأمان، وإشارة الشيخ في ~~رواية الحديث، وقوله: أنت طالق هكذا وأشار بأصابعه، وإذا سلم على المصلي ~~يرد بالإشارة، نص عليه في القديم3، وأشباه ذلك. # وكذلك يبين4 له جملا مما يحتاج إليه وينضبط من أصول الفقه؛ كترتيب الأدلة ~~من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب عند من يقول به، وأنواع ~~الأقيسة ودرجاتها، وحد الأمر والنهي ms039 والعموم والخصوص وغيرها، وأحكام ذلك ~~وقواعده، وجملا من5 أسماء المشهورين من الصحابة فمن بعدهم من العلماء ~~والأخيار، وتراجمهم ووفياتهم، وضبط المشكل من أنسابهم وأسمائهم والمشتبه من ~~ذلك، والمختلف والمؤتلف، ونحو ذلك، وجملا من PageV01P119 # الألفاظ اللغوية والعرفية المتكررة في الفقه ضبطا لمشكلها، وخفي معانيها ~~فيقول: هي مفتوحة، أو مضمومة، أو مكسورة، مخففة أو مشددة، مهموزة أو لا، ~~عربية أو أعجمية أو معربة، وهي التي أصلها عجمي وتكلمت فيها العرب، مصروفة ~~أم لا، مشتقة أو لا، مشتركة أم لا، مترادفة أم لا1. # وأن المهموز والمشدد يخففان أم لا، وأن فيها لغة أخرى أم لا، ويبين ما ~~ينضبط من قواعد التصريف ونحو ذلك، وإذا وقعت مسألة غريبة لطيفة، أو مما ~~يسأل عنه في المعاياة نبه عليها، وعرفهم حالها، ويكون تعليمه إياهم كل ذلك ~~تدريجا شيئا فشيئا، فيجتمع لهم مع طول الزمان جمل كثيرة2، والله أعلم. # ومن ذلك أن يحرضهم على الاشتغال في كل وقت، ويطالبهم بإعادة محفوظاتهم، ~~فمن وجده حافظا مراعيا لمحفوظاته ومهماته وقواعده أثنى عليه وأشاع ذلك، ومن ~~وجده مقصرا عنفه وأعاده له ليحفظه حفظا راسخا3. # ومن ذلك ينبغي له أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل ويختبر ~~بذلك أفامهم، ودليل ذلك ما رواه الشيخان عن ابن عمر4 -رضي الله عنه- أن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن من الشجر شجرة ... " 5 الحديث. ~~PageV01P120 # ومن ذلك إذا فرغ من شرح درس فلا بأس بطرح1 مسائل تتعلق به على الطلبة، ~~وإعادة ذكر ما أشكل منه؛ ليمتحن بذلك فهمهم وضبطهم لما شرحه لهم. فمن ظهر ~~استحكام فهمه شكره، ومن لم يفهم تلطف في إعادته، والمعنى: أنه ربما استحى ~~من قوله: لم أفهم، وسبب هذا: إما رفع كلفة الإعادة على الشيخ، أو لضيق ~~الوقت، أو حياء من الحاضرين، أو كي لا تتأخر قراءة بعضهم بسببه؛ ولذلك ~~قيل2: لا ينبغي للشيخ أن يقول للطالب: هل فهمت؟ إلا إذا أمن من قوله نعم ~~قبل أن يفهم، وينبغي للشيخ3 أن يأمر الطلبة بالمرافقة في الدروس، وإعادة ما ~~وقع ms040 من التقرير بعد فراغه ليثبت في أذهانهم، وإذا فهم الشيخ فائدة من البعض ~~في البحث وإن كانت من صغير فينصفه بها، ويشكره عليها، فإن ذلك من بركة ~~العلم، ولا يظهر الشيخ للطلبة تفضيل4 بعضهم على بعض لا سيما إذا تساووا في ~~الصفات: من سن أو فضيلة، أو تحصيل أو ديانة، فترجيح بعضهم على بعض مما يوغر ~~الصدور، فإذا ظهرت فضيلته يثني عليه في حد ذاته من غير تصريح بأن فلانا ~~أفضل من فلان، فاعلم ذلك. # ومن ذلك أن يقدم في التعليم5 الأسبق فالأسبق إذا ازدحموا، ولا يقدمه ~~بأكثر من درس إلا برضى الباقين، ويختار إذا كانت الدروس في كتاب واحد ~~باتفاق منهم وهو المسمى بالتقسيم أن يبدأ في كل يوم بدرس واحد منهم، فإن ~~الدرس الأول ربما حصل فيه من النشاط والتقرير ما لا يحصل في الباقي إلا إذا ~~PageV01P121 # علم من نفسه عدم الملالة، وبقاء النشاط، فيرتب الدروس ترتيب الكتاب، وإن ~~رأى مع ذلك تقديم الأسبق ليحضر المتأخر على التقدم كان حسنا، ولا يقدم أحدا ~~في نوبة غيره، ولا يؤخره عن نوبته إلا إذا رأى في ذلك مصلحة، فإن سمع بعضهم ~~لغيره في نوبته فلا بأس، وإن جاءوا معا وتنازعوا أقرع كما سيأتي إن شاء ~~الله في القسم الثالث من النوع الثالث. # ومن ذلك إذا سلك الطالب فوق ما يقتضيه حاله، وخاف ضجره أوصاه بالرفق ~~بنفسه، وكذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر أمره بالراحة، ولا يشير على ~~الطالب بتعلم ما لا يحتمله فهمه أو سنه، ولا كتاب يقصر عنه ذهنه، فإن ~~استشاره من لا يعرف حاله في قراءة فن مشكل أو كتاب مشكل لم يشر عليه بشيء ~~حتى يجرب ذهنه، ويعلم حاله، فإن لم يحتمل الوقت التأخير أشار عليه بكتاب ~~سهل من الفن المطلوب، فإن رأى فهمه جيدا نقله إلى كتاب يليق بذهنه؛ لأن نقل ~~الطالب الذكي يزداد به فهمه واجتهاده وانبساطه، ونقل الطالب غير الذكي يكل ~~فهمه ونشاطه، ولا يمكن الطالب من الاشتغال في فنين أو ms041 أكثر إذا لم يضبطهما، ~~بل يقدم الأهم فالأهم، وإذا غلب على ظنه أنه لا يفتح عليه في ذلك الفن أشار ~~عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فلاحه فيه، وإذا كان الشيخ متكفلا ~~ببعض العلوم، فلا يقبح للطالب باقي العلوم التي لا يحسنها؛ إذ من عادة معلم ~~اللغة تقبيح الفقه، ومعلم الفقه تقبيح علم الحديث والتفسير، بل يوسع على ~~الطالب طريق التعلم مطلقا. # ومن ذلك ألا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره، قال النووي: وهذه ~~مصيبة يبتلى بها جهلة المعلمين لغباوتهم، وفساد نيتهم وإرادتهم بالتعليم ~~غير وجه الله، وهذا إذا كان المعلم الآخر أهلا، فإن كان فاسقا أو مبتدعا أو ~~كثير الغلط فليحذره من الاغترار به، والله يعلم المفسد من المصلح، والله ~~تعالى أعلم. # PageV01P122 ### | القسم الثالث: آدابه في درسه # ... # الفصل الثالث: آدابه في درسه 1: # فمنها: إذا عزم على التدريس أن يتطهر من الحدث والخبث، فلا يلقي الدرس ~~إلا على الطهارة، وأن ينظف ويطيب بدنه وثوبه، ويختار له لبس البياض، ولا ~~يعتني بفاخر الثياب، ولا يقتصر على خلق ينتسب صاحبه إلى قلة مروءة، وأن ~~يتطيب ويسرح لحيته، ويزيل كل ما يشينه. # كان الإمام مالك -رضي الله عنه- إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب ~~ولبس ثيابا جددا ووضع رداء على رأسه، ثم يجلس على منصة، ولا يزال يبخر ~~بالعود حتى يفرغ وقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم2. # ومنها: قال ابن جماعة3: يصلى ركعتي الاستخارة وينوي نشر العلم وتعليمه ~~وبث الفوائد الشرعية، والاجتماع على ذكر الله، وإذا خرج من بيته للدرس ~~فيدعو بما ورد في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: "اللهم إني ~~أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل ~~علي، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك" 4، ثم يقول: "باسم الله وبالله ~~PageV01P123 # حسبي الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم ~~ثبت جناني، وأدر على الحق لساني"1، ويديم ms042 ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى ~~المجلس، فإذا وصل يسلم على من حضر، ويصلي ركعتين "إن لم يكن وقت كراهة"2، ~~فإذا كان مسجدا تأكدت الصلاة وإن كان وقت كراهة، ثم يجلس بوقار وسكينة ~~وتواضع وخشوع، والأولى أن يكون مستقبل القبلة3 كيف اتفق لا مقعيا إلا قعاء4 ~~المكروه في الصلاة ولا مستوفزا5، ولا رافعا إحدى رجليه على الأخرى، ولا ~~مادا رجليه أو إحداهما من غير عذر، وأن يصون بدنه عن الزحف والتنقل عن ~~مكانه، ويديه عن العبث والتشبيك بهما، وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة، ~~ويتقي المزاح وكثرة الضحك؛ فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة6. # ومنها: أن يحسن خلقه مع جلسائه ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو صلاح أو شرف ~~أو نحو ذلك، ويرفعهم في المجلس على حسب تقديمهم في الإمامة ويكرمهم بحسن ~~السلام، وطلاقة الوجه، والبشاشة والابتسام وبالقيام لهم على سبيل ~~الاحترام7، ولشيخ الإسلام محيي الدين في الترخيص في كتاب مستقل8 ~~PageV01P124 # شفى فيه الغليل، وأتى فيه بواضح الدليل، وأجاب عما يوهم كراهته، نفع الله ~~ببركاته. # ومنها: أن يقدم تلاوة القرآن العظيم في البحث والتدريس، ثم إن كان في ~~مدرسة اتبع شرطها، ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين وسائر المسلمين1 بعد ~~أن يدعو للعلماء الماضين، ومشايخه ووالديه والحاضرين ولواقف المكان، وكان ~~بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدبا والكل حسن، وقد عمل قوم ~~بالأول، وقوم بالثاني2. انتهى. # ويستحب لهم إذا اجتمعوا للعلم قراءة سورة، وكان الحافظ الشهاب ابن حجر3 ~~يستفتح مجلس إملائه بسورة الأعلى، وسئل عن الحكمة في قراءتها فقال: تبعت في ~~ذلك شيخنا العراقي4 ومناسبتها: {سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى: 6] وقوله: ~~{فذكر} [الأعلى: 9] وقوله: {إن هذا لفي الصحف الأولى} [الأعلى: 18] . ~~ويستحب إذا اجتمع صاحبان أن يقرآ قبل التفرق سورة العصر، ولمن رأى ما يحب ~~أن يقول: الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، أو يكره: الحمد لله ~~PageV01P125 # على كل حال، أو أعجبه شيء: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ولمن أتاه خبر ~~صالح: اللهم لك الحمد شكرا، ولك المن فضلا، ms043 ولمن غضب: أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم، ولمن قام من مجلسه: سبحان الله وبحمده، وفي رواية: سبحانك ~~اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وفي رواية: اللهم ~~تب علي واغفر لي ثلاثا، وفي رواية: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين1. # ومنها: إذا تعددت الدروس2 أن يقدم أشرف العلوم وأهمها، فيقدم التفسير ثم ~~الحديث ثم الفقه، ثم الأصول أصول الدين ثم أصول الفقه ثم المذهب ثم الخلاف ~~أو النحو أو الجدل، وبعضهم أخر الجدل عن الخلاف، وكان بعضهم يختم درسه3 ~~برقائق تفيد تطهير الباطن، فإن كان في مدرسة لواقفها في الدروس شرط اتبعه ~~ولا يخل بما هو أهم ما بنيت له تلك البنية ووقفت لأجله. # ومنها: ألا يطيل4 مجلسه تطويلا يملهم أو يمنعهم فهم الدرس وضبطه؛ لأن ~~المقصود إفادتهم وضبطهم، فإذا صاروا إلى هذه الحالة فات المقصود، ولا يقصره ~~تقصيرا يخل، فيراعي المصلحة في التطويل والتقصير. # ومنها: ألا يدرس5 وبه ما يزعجه ويذهب استحضاره؛ كمرض أو جوع أو عطش6 أو ~~مدافعة حدث أو شدة فرح أو غم أو غضب أو نعاس أو قلق، ولا PageV01P126 # في حال برده المؤلم، وحره المزعج، فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه ~~لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر، ولا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين؛ بل ~~يكون واسعا مصونا من الحر والبرد والريح والغبار والدخان ونحو ذلك. # ومنها: ينبغي مراعاة1 مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره في ~~النهار، وأفتى بعض أكابر العلماء أن المدرس إذا درس قبل طلوع الشمس أو أخره ~~إلى بعد الظهر لم يستحق معلوم التدريس إلا أن يقتضيه شرط الواقف لمخالفته ~~العرف المعتاد، ولا يرفع صوته زيادة على الحاجة، ولا يخفضه خفضا يمنعهم من ~~كمال الفهم2، روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن الله يحب ~~الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع"3، قال أبو عثمان محمد4 بن الإمام الشافعي ~~رضي الله عنهما: ما سمعت أبي يناظر أحدا قط فرفع صوته5؛ ms044 أي: لم يرفع فوق ~~العادة6، فإن حضر فيهم ثقيل السمع، فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه7. # ومنها: أن يصون مجلسه من اللغط، وعن رفع الأصوات، وسوء الأدب في المباحثة ~~واختلاف جهات البحث8، قال الربيع9: كان الشافعي إذا ناظره أحد PageV01P127 # في مسألة فغدا إلى غيرها يقول: نفرغ من هذه المسألة ثم نعود إلى ما ~~تريد1، والقصد من البحث ظهور الحق، وحصول الفائدة، واستفادة البعض من البعض ~~لا القيام مع النفوس والجدل والمماراة، فإن ذلك مذموم شرعا، فلا يليق بأهل ~~العلم تعاطي المناقشة بالمنافسة والشحناء؛ لأن ذلك يورث العداوة والبغضاء، ~~بل يجب الاجتماع على الحق، عملا بقول الله تعالى: {ليحق الحق ويبطل الباطل ~~ولو كره المجرمون} [الأنفال: 8] وليزجر من تعدى في بحثه، وظهر منه سوء أدب، ~~أو لدد2، أو ترك إنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء ~~أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع في المجلس على من هو أولى ~~منه، أو نام، أو تحدث مع غيره، أو ضحك، أو استهزأ بأحد3، وينبغي أن يكون له ~~نقيب فطن كيس درب يرتب الحاضرين ومن يدخل عليه على قدر منازلهم، ويوقظ ~~النائم، وينبه الغافل، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها4. # ومنها: أن يلازم5 الإنصاف في بحثه وخطابه، ويسمع السؤال من مورده على ~~وجهه، وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده لحياء ونحوه عبر الشيخ عن مراده، ~~وبين وجه إيراده، ثم يجيبه عن ذلك السؤال، ويفهمه إياه على أحسن منوال، ~~وينبغي أن تيودد لغريب حضر عنده لينشرح صدره، فإن للقادم دهشة6. ~~PageV01P128 # ومنها: إذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتى يجلس وإن ~~جاء في أثناء بحثها أعادها له1. # ومنها: إذا سئل عن شيء لا يعرفه، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل: لا ~~أعرفه، أو لا أتحققه، أو لا أدري2، ولا يستنكف عن ذلك، فمن علم العالم أن ~~يقول فيما لا يعلم: لا أعلم والله أعلم، قال ابن مسعود رضي الله عنه: يأيها ~~الناس، من ms045 علم شيئا فليقل به، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم ~~أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ~~{قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} [ص: 86] وقال عمر رضي ~~الله عنه: نهينا عن التكلف، وقال علي رضي الله عنه: إذا سئلتم عما لا ~~تعلمون فاهربوا، قالوا: كيف الهرب؟ قال: تقولون الله أعلم، وقال ابن عباس: ~~إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله3، وقد نظمه الإمام أبو بكر4 بن دريد ~~فقال "من الطويل": PageV01P129 # ومن كان يهوى أن يرى متصدرا ... ويكره لا أدري أصيبت مقاتله1 # وقال ابن عمر -رضي الله عنه- وقد سئل عن شيء: لا أدري، ثم أتبعها فقال: ~~أتريدون أن تجعلوا ظهورنا لكم جسورا في جهنم أن تقولوا: أفتانا بهذا ابن ~~عمر2، وقال ابن عمر أيضا: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري3، ~~وقال بعضهم: تعلم لا أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري، وإن قلت ~~أدري سألوك حتى لا تدري، قال شيخ الإسلام النووي كغيره: واعلم أن معتقد ~~المحققين أن قول العالم لا أدري لا يضع منزلته بل هو دليل على عظم محله ~~وتقواه وكمال معرفته؛ لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة بل ~~يستدل بقول لا أدري على تقواه، وأنه لا يجازف في فتواه، وإنما يمتنع من لا ~~أدري من قل علمه وقصرت معرفته وضعف تقواه؛ لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من ~~أعين الحاضرين، وهذه جهالة منه؛ فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلمه ~~يبوء بالإثم العظيم، وهو مجازف لجهله وقلة دينه، وفي الصحيح أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" 4، وقد أدب الله تعالى ~~العلماء بقصة موسى والخضر -عليهما السلام- حين لم يرد موسى العلم إلى الله ~~تعالى لما سئل: هل أحد في الأرض أعلم منك؟ 5 PageV01P130 # ومنها: ما جرت به العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم1، ~~قال ابن جماعة2: الأولى أن ms046 يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس كقوله: وهذا ~~آخره، أو ما بعده يأتي، ونحو ذلك؛ ليكون قوله: والله أعلم خالصا، لذكر الله ~~ولقصد معناه، قال3: ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس ب"بسم الله الرحمن ~~الرحيم" ليكون ذاكرا لله في بدئه وخاتمته. # ومنها4: ينبغي للمدرس أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة؛ لئلا يزدحموا عند ~~خروجهم، ولأنه إن كان في نفس أحد بقايا سؤال تأخر وسأله. PageV01P131 ### | النوع الثالث: آداب يختص بها المتعلم ### | القسم الأول: آدابه في نفسه # ... # النوع الثالث: آداب يختص بها المتعلم: # وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: آدابه في نفسه، وآدابه مع شيخه، وآدابه في ~~مجلس درسه. # القسم الأول: آدابه في نفسه 1: # منها: أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم وحفظه، ويقصد بتعلمه ~~وجه الله والعمل وإحياء الشريعة، قال صلى الله عليه وسلم: "إن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" 2، ~~قالوا: تطييب القلب للعلم كتطييب الأرض للمزارعة، فبذلك ينمو وتظهر بركته، ~~وإلا فلا PageV01P131 # ينمو ولا يزكو؛ كالزرع في أرض بور غير مطيبة، وقال سهل بن عبد الله1: ~~حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله عز وجل. # ومنها: أن يغتنم التحصيل وقت الفراغ والنشاط2 وحال الشباب وقوة البدن ~~ونباهة الخاطر، وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة، روينا عن ~~عمر رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا -أي: تصيروا سادة- فتستحيوا من ~~التعلم3، قال الشافعي رضي الله عنه: تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل ~~إلى التفقه4، وجاء في الخبر: مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش على ~~الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء5، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنه: ما أوتي عالم علما إلا وهو شاب6، وهذا باعتبار الغالب، ~~وإلا فمن كبر لا ينبغي له أن يحجم عن الطلب، فإن الفضل واسع والكرم وافر، ~~وقد قال الله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] وقال تعالى: ~~{ولما بلغ أشده آتيناه حكما ms047 وعلما} [القصص: 14] وقال تعالى: {ففررت منكم ~~لما خفتكم فوهب لي ربي حكما} [الشعراء: 21] إلى غير ذلك، وقصة القفال7 ~~واشتغاله في كبره بالعلم PageV01P132 # مشهورة معلومة مسطورة1، فيا هذا احذر التسويف في شبابك والكسل، وسد على ~~كبرك باب الرجاء والأمل، واغتنم ما بقي من عمرك، وما أحسن قول من قال "من ~~البسيط": # بقية العمر عندي ما لها ثمن ... وإن مضى غير محمود من الزمن # يستدرك المرء فيها ما أفات ويح ... يي ما أمات ويمحو السوء بالحسن # ومنها: أن2 يقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة، والعوائق المانعة عن ~~تمام الطلب وكمال الاجتهاد، ويرضى3 بما تيسر من القوت، وبما ستر مثله من ~~اللباس وإن كان خلقا، فالبصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم، وتنفجر ينابيع ~~الحكمة4، قال الشافعي رضي الله عنه: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز ~~النفس فيفلح5، وقال أيضا: لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل، وقال أيضا: ~~لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس6، ونقل الخطيب البغدادي7 عن بعضهم قال: لا ~~ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب ~~أهله فلم يشهد جنازته8، وهذا كله وإن كان فيه مبالغة فالمقصود PageV01P133 # به أنه لا بد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر1، وقيل: أمر بعض المشايخ ~~طالبا بنحو ما رواه الخطيب فكان آخر ما أمره به أن قال: اصبغ ثوبك كي لا ~~يشغلك فكر غسله2، ومما يقال عن الشافعي -رضي الله عنه- أنه قال: لو كلفت ~~شراء بصلة لما فهمت مسألة3، وقال إمام الحرمين4 رحمه الله "من الطويل": # أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان5 # ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة6 ... وتلقين أستاذ وطول زمان # فالعلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وقد قيل على رواية وعزبة: يشتغل ~~بحقوق الزوجة عن إكمال طلب العلم، واحتج بحديث: "خيركم بعد المائتين كل ~~خفيف الحاذ"، قيل: يا رسول الله، ومن خفيف الحاذ؟ قال: "من لا أهل له ولا ~~مال"7، قال سفيان الثوري: من تزوج فقد ركب البحر، فإن ولد له ms048 فقد ~~PageV01P134 # كسر1 به، وعن إبراهيم بن أدهم2: من تعود أفخاذ النساء لم يفلح3، وعن بشر ~~الحافي4: من لم يحتج إلى النساء فليتق الله ولا يألف أفخاذهن5، قال النووي6 ~~رحمه الله: وهذا كله موافق لمذهبنا إن لم يحتج إلى النكاح استحب له تركه، ~~وكذا إن احتاج وعجز عن مؤنته، وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد7 -رضي الله ~~عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر ~~على الرجال من النساء" 8، وقال صلى الله عليه وسلم: "الدنيا خضرة حلوة، وإن ~~الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الله واتقوا النساء، فإن أول ~~فتنة بني إسرائيل كانت من النساء" 9. PageV01P135 # ومنها: أن يتورع في جميع1 شأنه، ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه ~~ومسكنه؛ ليستنير قلبه ويصلح لقبول العلم، ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعا ~~مهما أمكنه التورع، ولم تلجئه حاجة بل يطلب الرتبة العلية، ويقتدي بالسلف2 ~~الصالح في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه، وأحق من اقتدي به في ذلك ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق ~~خشية أن تكون من الصدقة3. # وينبغي له أن يستعمل الرخص في مواضعها عند الحاجة إليها ووجود سببها ~~ليقتدى به، فإن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه4. # ومنها: أن يترك العشرة5، فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم، ولا ~~سيما لغير الجنس، وخصوصا لمن كثر لعبه وقلت فكرته، فإن الطبع سراق، وآفة ~~العشرة ضياع العمر بغير فائدة، وذهاب العرض والدين والمال، ولا يخالط طالب ~~العلم إلا من يفيده أو يستفيد منه، فإن عاشر من يضيع عمره معه بلا فائدة ~~فليتلطف في قطع عشرته قبل تمكنها، فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها6، ومن ~~الجاري على ألسنة الفقهاء بل هو من القواعد: الدفع أسهل من الرفع7، فإن ~~احتاج إلى المصاحبة فليكن الصاحب صالحا دينا تقيا ورعا ذكيا، كثير الخير ~~قليل الشر، حسن المداراة، قليل المماراة، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن ~~احتاج واساه، ms049 وإن ضجر صبره8، ومما ينسب إلى الإمام علي بن أبي طالب "من ~~مجزوء الوافر": PageV01P136 # فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه1 # فكم من جاهل أردى ... حليما حين واخاه # يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه # وللشيء على الشيء ... مقاييس وأشباه # ولبعضهم "من الرجز": # إن أخاك الصدق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك2 # ومن إذا ريب زمان صدعك ... شتت شمل نفسه ليجمعك # ومنها: الحلم والأناة والصبر جهده مطلقا في كل أحواله، وأن يكون حريصا ~~على التعلم مواظبا عليه في جميع أوقاته: ليلا ونهارا، حضرا وأسفارا، ولا ~~يذهب شيئا من أوقاته في غير العلم إلا بقدر الضرورة؛ لأكل ونوم قدرا لا بد ~~منه، واستراحة يسيرة لإزالة الملل وأداء حق الزوجة3، ومؤانسة الزائر وتحصيل ~~القوت وغيره مما يحتاج إليه، وليس بعاقل من أمكنه درجة ورثة الأنبياء ثم ~~فوتها. PageV01P137 # ففي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير1: لا يستطاع العلم براحة الجسم2، وفي ~~الحديث: "حفت الجنة بالمكاره" 3. # وكما قيل "بيت رجز": # ولا بد دون الشهد من إبر النحل4 # وكما قيل "من البسيط": # لا تحسب المجد تمرا أنت تأكله ... لن تبلغ المجد حتى تعلق الصبرا5 # ومنها: أن تكون همته عالية، فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير، ولا يسوف ~~في اشتغاله، ولا يؤخر تحصيل فائدة وإن قلت، وعن الربيع6 قال: لم أر الشافعي ~~آكلا بنهار، ولا نائما بليل لاهتمامه بالتصنيف7. # ومنها: أن يحذر في ابتداء أمره من الاشتغال في الاختلاف8 بين العلماء ~~PageV01P138 # مطلقا في العقليات1 والسمعيات2، فإنه يحير الذهن ويدهش العقل، بل يتقن ~~أولا كتابا واحدا في فن واحد أو كتبا في فنون كما مر إن احتمل عقله ذلك3، ~~ولا ينتقل من كتاب حتى يتقنه4، ويحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب قبل ~~إتقانه من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح5، أما من تحققت أهليته ~~وتأكدت معرفته فالأولى له ألا يدع فنا من العلوم المحمودة ولا نوعا من ~~أنواعها إلا وينظر فيه يطلع به على مقاصده وغايته، ثم إن ساعده العمر طلب ~~التبحر فيه، ms050 وإلا اشتغل بالأهم فالأهم6، فإن العلوم متقاربة وبعضها مرتبط ~~ببعض، والشخص يعادي ما يجهله، ولبعضهم "من الطويل": # تفنن وخذ من كل علم فإنما ... يفوق امرؤ في كل فن له علم # فأنت عدو للذي أنت جاهل ... به ولعلم أنت تفقهه سلم PageV01P139 # وللخليل1 بن أحمد في أخيه لما تعقب عليه فن الشعر "من الكامل": # لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا2 # لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا # الناس أعداء لما جهلوا، قال تعالى: {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك ~~قديم} [الأحقاف: 11] قال الغزالي3: العمر لا يتسع لجميع العلوم، فالحزم أن ~~يأخذ من كل علم أحسنه، ويصرف همته وجل عمره في العلوم النافعة في الآخرة، ~~وأشرف العلوم وغايتها علم معرفة الله، وهو بحر لا يدرك غوره، وأقصى درجات ~~البشر فيه رتبة الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الذين يلونهم. # ومنها: ألا يحمل نفسه في الاشتغال ما لا طاقة له به مخافة الملل والسآمة؛ ~~بل يكون أمره قصدا، وهذا باختلاف الناس، وكل إنسان أبصر بنفسه4. ~~PageV01P140 ### | القسم الثاني: آدابه مع شيخه وقدوته وما يجب عليه من تعظيم حرمته # ... # الفصل الثاني: آدابه مع شيخه وقدوته، وما يحب عليه من تعظيم حرمته 1: # فمنها: ينبغي للطالب أن يقدم النظر ويستخير الله فيمن يأخذ العلم منه، ~~ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، وليكن ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، ~~وتحققت معرفته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته وسيادته، وظهرت مودته وحسن ~~تعليمه، ولا يرغب الطالب فيمن زاد علمه ونقص ورعه أو دينه، فعن السلف: هذا ~~العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم2. # قالوا: ولا يأخذ العلم ممن كان أخذه له من بطون الكتب من غير قراءة على ~~شيوخ أو على شيخ حاذق له معرفة تامة ولو بعلم واحد ومشاركة في بعض العلوم ~~خوفا من التصحيف والغلط، وقال الشافعي: من تفقه من بطون الكتب ضيع ~~الأحكام3، وقيل: من تفقه من بطون الكتب بدل الأحكام، ومن طب من بطون الكتب ~~قتل الأنام، وليحذر4 من أن يتقيد الطالب بالمشايخ المشهورين، وترك ms051 الأخذ عن ~~الخاملين، فقد عد الغزالي5 ذلك من الكبر على العلم، وجعله عين الحماقة؛ لأن ~~الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث6 وجدها، ويغتنمها حيث ظفر بها، ويتقلد ~~المنة ممن ساقها إليه، وربما يكون الخامل له بركة ونفع فيحصل به تمام ~~النفع7. # ومنها: أن ينظر معلمه بعين الاحترام، والإجلال والإكرام، ويعتقد فيه كمال ~~PageV01P141 # الأهلية فإن ذلك ينفعه1، وكان بعض السلف2 إذا توجه إلى شيخه تصدق بشيء ~~وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه3 مني، وقال الشافعي ~~رضي الله عنه: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك -رحمه الله- صفحا رفيقا هيبة ~~له لئلا يسمع وقعها4، وقال الربيع: والله ما أجترأت أن أشرب الماء والشافعي ~~ينظر إلي هيبة له5، وقال حمدان بن الأصبهاني6: كنت عند شريك7 فأتاه بعض ~~أولاد الخليفة المهدي فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث فلم يلتفت إليه ~~وأقبل علينا، ثم عاد فعاد شريك بمثل ذلك، فقال ابن الخليفة: أتستخف بأولاد ~~الخلفاء؟ قال: لا ولكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه8، فجثى على ركبتيه ~~فقال شريك: هكذا يطلب العلم9، روي أن يحيى بن سعيد10 القطان كان يصلي العصر ~~ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه: علي بن المديني11 ~~PageV01P142 # والشاذكوني1، وعمرو بن2 علي، وأحمد بن حنبل3، ويحيى بن معين4 وغيرهم ~~يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول ~~لواحد منهم اجلس ولا يجلسون هيبة له وإعظاما، قلت: وهذا القيام بين يديه ~~لله لا له، وإنما لما خصه الله من العلم وهيبته ومنحته، فلا يدخل في قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يتمثل الناس له قياما فليتبوأ مقعده من ~~النار" 5؛ لأنه لا يحب ذلك لنفسه؛ وإنما للسر المودع فيه من العلم، ولتهذيب ~~أخلاق الطلبة وصونهم عن التكبر وتخلقهم بالتواضع6، والله أعلم. # ومنها: أن يعرف للمعلم7 حقه، ولا ينسى له فضله ويتواضع8 له ويذل ~~PageV01P143 # ويعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر، وتعظيم حرمته مثوبة، والتشمير في ~~خدمته شرف، قال صلى الله ms052 عليه وسلم: "تعلموا العلم، وتعملوا للعلم السكينة ~~والوقار وتواضعوا لمن تعلمون منه"1، وأخذ ابن عباس -رضي الله عنهما- مع ~~جلالته ومزيته بركاب زيد بن ثابت2 -رضي الله عنه- وقال: هكذا أمرنا أن نفعل ~~بعلمائنا3، ويقال: إن الشافعي -رحمه الله- عوتب على تواضعه للعلماء فقال ~~"من الطويل": # أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها4 # ومنها: ألا ينكر عليه، ولا يتأمر عليه، ولا يشير عليه بخلاف رأيه فيرى ~~أنه أعلم بالصواب منه "من الطويل": # وإن عناء أن تعلم جاهلا ... فيزعم جهلا أنك منك أفهم5 # بل ينقاد إليه في أموره كلها، ويلقي إليه زمام أمره، ويذعن لنصحه، ويتحرى ~~رضاه، ولا يختار إلا اختياره، ويأتمر بأمره، ولا يخرج عن رأيه، وليدع رأيه، ~~فخطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه، وفي قصة موسى والخضر تنبيه على ذلك6، ~~وبالجملة فيكون معه كالمريض مع الطبيب الماهر الناصح، بل هذا أولى لتفاوت ~~ثمرتيهما، والله أعلم. PageV01P144 # ومنها: أن يبجله في خطابه في غيبته وحضوره، ولا يخاطبه بتاء الخطاب ~~وكافه، ولا يناديه من بعد، بل يقول: يا سيدي1 ويا أستاذي، أو يأيها العالم ~~أو الحافظ، ويخاطبه بصيغة الجمع نحو ما تقولون في كذا، وما رأيكم في كذا، ~~وقلتم رضي الله عنكم، وأجزتم رضي الله عنكم، ولا يسميه في غيبته باسمه إلا ~~مقرونا بما يشعر بالتعظيم كقوله: قال الشيخ أو شيخنا أو سيدنا أو شيخ ~~الإسلام أو حجة الإسلام ونحو ذلك2، فمراعاة حرمته وهديه في غيبته وبعد ~~موته، فلا يغفل عن الدعاء له مدة حياته، ويرد غيبته ويغضب لها، فإن عجز عن ~~ذلك قام وفارق المجلس3 الذي يغتاب فيه شيخه، ويراعي ذريته وأقاربه بعد ~~موته، ويتعاهد زيارة قبره والاستغفار له والترحم عليه والصدقة عنه، ويسلك ~~مسلكه، ويراعي في الدين عادته، ويقتدي بحركاته وسكناته في عباداته وعاداته، ~~ويتأدب بآدابه4، ويشكر الشيخ إذا نصحه في أمر نقيصة صدرت منه، وعلى فضيلة ~~نبهه عليها وشوهدت منه، ويعد ذلك من نعم الله عليه من الشيخ باعتناء الشيخ ~~به ونظره إليه. # ومنها: أن يصبر ms053 على هفوة تصدر من شيخه أو جفوة أو سوء خلق، ولا يصده ذلك ~~عن ملازمته وحسن عقيدته واعتقاد كماله، ويتأول أفعاله التي ظاهرها مذموم ~~على أحسن تأويل، فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق، ويبدأ هو عند جفوة ~~الشيخ بالاعتذار والتوبة والاستغفار5، وينسب الموجب إليه، ويوقع العتب ~~عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع في الدنيا والآخرة6، ~~فمن صبر على ذل التعليم آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة، ومن لم PageV01P145 # يصبر بقي عمره في غاية الجهالة1، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ذللت ~~طالبا فعززت مطلوبا2، ولبعضهم "من الكامل": # فاصبر لدآئك إن أهنت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلما3 # إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما # قال الشافعي رضي الله عنه: قيل لسفيان بن عيينة: إن قوما يأتونك من أقطار ~~الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك فقال للقائل: هم حمقاء إذن إن ~~تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي4. # ومنها: ألا يدخل5 على الشيخ في غير المجلس العام بغير إذنه، سواء كان ~~الشيخ وحده أو معه غيره، فإن استأذن ولم يأذن له انصرف، ولا يكرر ~~الاستئذان، فإن لم يعلم الشيخ يكرر ثلاثا أو ثلاث طرقات للباب، وليكن طرق ~~الباب خفيفا بقدر ما يسمع، وإن أذن وكانوا جماعة تقدم أفضلهم وأسنهم ~~للدخول، ثم يسلم الأفضل فالأفضل. # ومنها: أن يجتهد على أن يسبق في الحضور إلى المجلس قبل حضور الشيخ ويحمل ~~نفسه على ذلك وإن انتظره على باب داره ليخرج ويمشي معه إلى المجلس فهو ~~أولى، ولا يتأخر بحيث يجعل الشيخ في انتظاره، فإن فعل ذلك من غير ضرورة عرض ~~نفسه للذم، وإذا دخل6 على الشيخ فليدخل كامل الهيئة PageV01P146 # فارغ القلب من الشواغل، منشرح الصدر، صافي الذهن، لا في حال نعاس أو غضب ~~أو جوع أو عطش، متطهرا نظيفا متسوكا مزيلا روائحه الكريهة، ولا يقرأ على ~~الشيخ عند شغل قلبه وملله ونعاسه وجوعه وعطشه واستيفازه وألمه وقائلته ونحو ~~ذلك مما يمنعه من استيفاء الشرح، ومتى1 دخل على الشيخ ms054 في غير المجلس العام ~~وعنده من يتحدث معه فسكتوا عن الحديث، أو دخل الشيخ ليصلي أو يقرأ أو يطالع ~~أو يكتب ولم يبدأه بكلام فليسلم ويخرج سريعا إلا أن يأمره الشيخ بالمكث2، ~~فإذا مكث فلا يطيل المكث خشية أن يدخل في عموم من شغل مشغولا بالله أدركه ~~المقت في الوقت، وإذا حضر مكان الشيخ فلم يجده انتظره ولا يفوت على نفسه ~~درسه، وإن كان نائما صبر حتى يستيقظ3، وروي أن ابن عباس -رضي الله عنهما- ~~كان يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت وهو نائم فيقال له: ألا نوقظه ~~لك؟ فيقول: لا4، وكذلك كان السلف يفعلون5. # ومنها: ألا يطلب6 من الشيخ وقتا يقرأ فيه وهو عليه مشق، أو لم تجر عادته ~~بالإقراء فيه وإن كان رئيسا؛ لما فيه من الترفع والحمق على الشيخ والطلبة، ~~وربما استحى الشيخ منه وأقرأه وعطل غيره بسببه فلا يفلح، فإن أشار الشيخ ~~عليه بوقت خاص فلا بأس7، وأن يجلس بين يديه8 متأدبا بسكون وإطراق رأس وخضوع ~~وتواضع وخشوع وجلوس الافتراش أو التورك، ويحسن هنا الإقعاء المستحب على وجه ~~في الجلوس بين السجدتين في الصلاة، وهو أن يفترش قدميه ويجلس على بطونهما، ~~ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه9. PageV01P147 # ولا يستند1 بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة، ولا يعطي الشيخ جنبه ولا ظهره، ~~ولا يجعل يديه ماسكة وراء ظهره، ولا يضع رجله أو يده أو شيئا من بدنه أو ~~ثيابه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته، قال بعضهم: ومن تعظيم الشيخ ألا ~~يجلس إلى جانبه ولا على مصلاه، وإن أمره شيخه بذلك فلا يفعله إلا إذا جزم ~~عليه جزما تشق عليه مخالفته، فيمتثل أمره ثم يعود إلى ما يقتضيه الأدب2، ~~هذا وقد تكلم الناس في أي الأمرين أولى: امتثال الأمر، أو سلوك الأدب3، ~~وكان مذهب أبي بكر وعلي -رضي الله عنهما- الثاني، ومذهب عبد الرحمن4 بن عوف ~~ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهما- الأول، وقصصهم مشهورة، قال شيخ الإسلام ~~البدر بن جماعة5: والذي يترجح التفصيل، فكل على قدر ms055 مقامه، فأبو بكر وعلي ~~مقامهما المراجعة في الأمر، وعبد الرحمن ومعاذ بن جبل مقامهما امتثال الأمر ~~لا المراجعة، وأيضا صاحب الأدب جبره حاصل، وصاحب امتثال الأمر قد يقصد جبره ~~وإظهار احترامه والاعتناء به. # ومنها: أن يلقى السمع وهو شهيد لما يلقيه الشيخ، بحيث لا يحوجه إلى إعادة ~~الكلام6، ولا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا وفوقا وتحتا وأماما ووراء من غير ~~ضرورة، ولا يضطرب لصيحة يسمعها، ولا يتكلم بيديه إلى وجه الشيخ وصدره ولا ~~يعبث بهما، ولا يضع يده على لحيته أو فمه، أو يعبث بها في أنفه، ولا يشبك ~~أصابعه، ولا يكثر التنحنح من غير حاجة، ولا يبصق ولا يمتخط ولا PageV01P148 # ينخع ما أمكنه، إذا كان كذلك فليأخذها بمنديل ونحوه من فمه، ولا يتجشأ ~~ولا يتمطى، ولا يكثر التثاؤب، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جهده، وإذا عطس ~~خفض صوته جهده وستر وجهه بمنديل ونحوه، ويكون ساكنا مطمئنا وقورا وقرا، ~~وذلك لا يخفى على من له أدنى أدب طبيعي. # ومن تتمات ما نحن فيه: أنه لا يسارر في مجلس شيخه ولو في مسألة، ولا يغمز ~~أحدا، ولا يكثر كلامه بغير ضرورة، ولا يحكي ما يضحك منه أو ما يتضمن سوء ~~أدب، ولا يتكلم بما لم يسأله شيخه عنه، ولا يسأل شيخه ما لم يستأذنه أولا، ~~ولا يضحك من غير عجب دون الشيخ، فإن غلبه الضحك تبسم بغير صوت، ولا يغتب ~~أحدا في مجلسه، أو ينم له عن أحد، أو يوقع بينه وبين أحد ينقل ما يسوؤه ~~كاستنقاص به وتكلم فيه، أو يقول له: فلان يود أن لو أقرأ عليه كالحاث له في ~~أمره، وتركت ذلك لأجلك، ففاعل ذلك مع كونه ارتكب # مكروها أو حراما أو كبيرة مستحق للزجر والإهانة، والطرد والإبانة، وقد ~~جاء عن علي رضي الله عنه: إن من حق العالم ألا تكثر عليه السؤال، ولا تعنته ~~في الجواب، ولا تلح عليه إذا أعرض، ولا تأخذ بثوبه إذا كسل، ولا تشيرن إليه ~~بيدك، ولا تغمزه بعينك ولا تغمز بعينك ms056 غيره، ولا تسار في مجلسه، ولا تطلب ~~زلته، وإن زل فاقبل معذرته، وألا تقول: قال فلان خلاف قولك، وأن تحفظه ~~شاهدا وغائبا، وأن تعم القوم بالسلام، وأن تخصه بالتحية، وأن تجلس بين ~~يديه، وعليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته، ~~وألا تمل من طول صحبته، وإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة1. # ومنها: أن يحسن خطابه مع الشيخ ما أمكنه2، ولا يقول له: لم؟ ولا ~~PageV01P149 # نسلم، ولا من نقل هذا؟ ولا أين موضعه؟ ولا يقل المحظوظ والمنقول غير هذا ~~وشبه ذلك، فإن أراد استفادة أصله أو من نقله، فيراجعه بلطف في مجلس آخر ~~بحسن الأدب ولطف العبارة، وأذا أصر الشيخ على قول أو دليل ولم يظهر له، أو ~~أصر الشيخ على خلاف الصواب سهوا، فلا يغير وجهه أو عينيه أو يشير إلى غيره ~~كالمنكر لما قاله، بل يأخذه ببشر ظاهر وإن لم يكن الشيخ مصيبا لغفلة أو سهو ~~أو قصور نظر في تلك الحال، فإن العصمة في البشر للأنبياء عليهم السلام1، ~~وليحذر من مفاجأة الشيخ2 بصورة رد عليه مثل أن يقول له: أنت قلت فيقول: ما ~~قلت؟ فحاصله إذا فاجأه أو أراد أن يرد عليه فليكن بألطف عبارة ولو في غير ~~ذلك المجلس؛ كأن يقول: هل تلمحتم جوابا عن ذلك الإشكال أو على ذلك التعقب؟ ~~وإذا سبق لسان الشيخ إلى تحريف كلمة ألا يضحك ولا يستهزئ ولا يعيدها كأنه ~~يتنادر بها عليه، ولا يغمز غيره ولا يشير إليه بل ولا يتأمل ما صدر منه ولا ~~يدخله قلبه، ولا يصغى إليه بسمعه، ولا يحكيه لأحد، فإن اللسان سباق ~~والإنسان غير معصوم، وفاعل شيء مما ذكر مع شيخه معرض نفسه للحرمان، والبلاء ~~والخسران، مستحق للزجر والتأديب، والهجر والتأنيب، والله أعلم. # ومنها3: ألا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال منه أو من غيره، لا ~~سيما إلا إذا كان من غيره وتوقف الشيخ، ولا يساوقه فيه، ولا يظهر معرفة به ~~أو إدراكه له قبل ms057 الشيخ، إلا أن يعلم من الشيخ إيثار ذلك منه، أو عرض الشيخ ~~عليه ذلك ابتداء والتمسه منه فلا بأس به حينئذ، ولا يقطع على الشيخ كلامه ~~ولا يسابقه، وإذا سمع الشيخ يذكر حكما في مسألة أو فائدة PageV01P150 # مستغربة أو يحكي حكاية أو ينشد شعرا وهو يحفظ ذلك أن يصغي إليه إصغاء ~~متسفيد متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه1 قط، قال عطاء2: إني لأسمع الحديث ~~من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئا3، وعنه قال: ~~إن الشاب ليتحدث بحديث فأستمع له كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد4، ~~فإن5 سأله الشيخ عند الشروع في ذلك عن حفظه للحديث أو للمسألة فلا يجيب بلا ~~لما فيه من الكذب، ولا يجيب بنعم لما فيه من الاستغناء عن الشيخ، بل يقول: ~~أحب أن أستفيده، أو عهدي به بعيد، فإن علم من حال الشيخ أنه يسره ألا يراد ~~امتحانا لضبطه وحفظه وتحصيله فلا بأس بذلك6، ولا ينبغي أن يكرر ما يعلمه، ~~ولا استفهام ما يفهمه، فإنه يضيع الزمان، وربما أضجر الشيخ، قال الزهري7: ~~إعادة الحديث أشد من نقل الصخر8 ولا ينبغي أن يقصر في الإصغاء والتفهم، أو ~~يشغل ذهنه بفكر أو حديث ثم يستعيد الشيخ ما قاله؛ لأن ذلك إساءة أدب، بل ~~يكون مصغيا لكلامه حاضر الذهن لما يسمعه من أول مرة، وكان بعض المشايخ لا ~~يعيد لمثل هذا إذا استعاده، ويزبره عقوبة له، أما إذا لم يسمع كلام الشيخ ~~لبعده أو لم يفهمه PageV01P151 # مع الإصغاء إليه والإقبال عليه، فله أن يسأل الشيخ إعادته أو تفهيمه بعد ~~بيان عذره بسؤال لطيف1. # ومنها: ألا يسأل عن شيء2 في غير موضعه، ففاعل ذلك لا يستحق جوابا، إلا أن ~~يعلم من حال الشيخ أنه لا يكره ذلك، ويغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه، ~~ويتلطف في سؤاله ليحسن في جوابه، قال صلى الله عليه وسلم: "الاقتصاد في ~~النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف ~~العلم"3. # ومنها: ألا ms058 يستحي4 من السؤال عما أشكل عليه، بل يستوضحه أكمل استيضاح، ~~فمن رق وجهه رق علمه، ومن رق وجهه عند السؤال، ظهر نقصه عند اجتماع الرجال، ~~وقال ابن شهاب: العلم خزائن ومفتاحه المسألة5، وإذا قال له الشيخ: أفهمت؟ ~~فلا يقل نعم قبل أن يتضح له المقصود من المسألة إيضاحا جليا؛ لئلا يكذب ولا ~~يستحي من قوله لم أفهم6؛ لأن استثباته يحصل له مصالح عاجلة وآجلة7، فمن ~~العاجلة: حفظ المسألة وسلامته من الكذب وإظهار فهم ما لم يكن فهمه، واعتقاد ~~الشيخ اعتناءه بالعلم ورغبته وكمال عقله وورعه ونصحه لنفسه، ومن الآجلة ~~ثبوت الصواب في قلبه دائما، وعن الخليل ابن أحمد: منزلة الجهل بين الحياء ~~والأنفة8. # ومنها: أن يكون ذهنه حاضرا مع الشيخ9، فإن أمره بشيء بادر إليه ولم ~~يعاوده فيه، وإذا ناوله شيئا تناوله التلميذ باليمين، وإذا تناول هو شيئا ~~تناوله PageV01P152 # باليمين، وإذا ناول هو شيخه شيئا ناوله باليمين، وإن كان ورقة كفتيا أو ~~قصة مثلا نشرها ثم دفعها إليه، ولا يدفعها مطوية إلا إذا علم أو ظن إيثار ~~الشيخ لذلك. وإذا أخذ من الشيخ ورقة بادر إلى أخذها منشورة قبل أن يطويها ~~ويتربها ثم يطويها، وإذا ناول الشيخ كتابا ناوله إياه مهيأ لفتحة من غير ~~احتياج إلى إدارته، وكذا إن كانت مطالعته في موضع معين يهيئه له ولو ~~بالتقريب، ولا يحذف إليه الشيء، ولا يمد يده إلى حاجة إذا كان بعيدا عنها ~~كأن يتكئ لجنبه ليأخذ ذلك الشيء، بل يقوم إليه ولا يزحف زحفا، وإذا وضع بين ~~يديه دواة فليضعها مفتوحة، وإذا ناوله سكينا1 فلا يصوب إليه رأس نصلها ولا ~~نصابها، بل يناوله إياها عرضا؛ لأنه إن ناوله نصلها فقلة أدب من حيث إنه ~~أشار إليه بنصل السكين، وإن ناوله نصابها يخشى على يد المناول من انفتال ~~الحد إلى أصبعه، فالأولى العرض، وليكن الحد في العرض إلى جهته قابضا على ~~طرف النصاب، مما يلي النصل ليأخذ هو بأول النصاب، وإن ناوله سجادة2 ليصلي ~~عليها نشرها أولا، والأدب أن يفرشها عند قصد ms059 ذلك، قال ابن جماعة: وإذا ~~فرشها ثنى مؤخر طرفها الأيسر كعادة الصوفية3، فإن كانت مثنية جعل طرفها إلى ~~يسار المصلي، وإن كان فيها صورة محراب تحرى به القبلة إن أمكن4، ولا يجلس ~~بحضرة الشيخ على سجادة، ولا يصلي عليها إذا كان المكان طاهرا5، وإذا قام ~~بادر القوم إلى أخذ السجادة وإلى الأخذ بيده أو عضده إن احتاج6، وإلى تقديم ~~نعله إن لم يشق ذلك على الشيخ، ويقصد بذلك كله PageV01P153 # التقرب إلى الله تعالى وإلى قلب الشيخ1، وقيل: أربعة لا يأنف الشريف منهن ~~وأن كان أميرا: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، ~~والسؤال عما لا يعلم، وخدمته للضيف2. # ومنها: أن يقوم بقيام الشيخ ولا يجلس وهو قائم، ولا يضطجع وهو قائم أو ~~قاعد، بل ولا يضطجع بحضرته مطلقا إلا أن يكون وقت نوم ويأذن له، ويقوم له ~~كلما ورد عليه ولو تكرر لزيادة التوقير والإعظام والاحترام، وقد تقدم أن ~~شيخ الإسلام النووي ألف كتابا في مسألة القيام3. # ومنها: إذا مشى مع شيخه ليلا فليكن أمامه4، أو نهارا فليكن وراءه إلا أن ~~يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها5، وليتبع في ذلك عادة أهل البلد، فمتى ~~خالف نسب لقلة الأدب، ومما ينسب لشيخ الإسلام البرهان6 بن جماعة ما لفظه: ~~فائدة من عادة الفقراء المشي خلف الشيخ، ومن عادة الفقهاء المشي بين يدي ~~الشيخ، وقد ورد في الحديث أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يمشون ~~بين يديه ولا يدع أحدا يمشي خلفه ويقول: "دعوا ظهري للملائكة" 7. # قلت: ولهذا ترى الدولة يكون رئيسهم وكبيرهم وراء القوم، وهذا أصله. # ومن فعل عكس ذلك من الأكابر فمراده ألا يتشبه بمن هو أكبر منه؛ ولكن ~~PageV01P154 # تفوته السنة، ولا يخفى الفرق بين صدر الصحابة ورئيسهم، ولا بين من تأخر ~~عنهم خصوصا في زماننا؛ لأن الصحابة ورئيسهم -صلى الله عليه وسلم- كان ~~كأحدهم لا يتميز من بينهم بزيادة ثوب فاخر ولا فرس مسومة، ولا تقدم القوم ~~عليه بمسافة ليمشي وحده مما يفعل في زماننا من ذلك ms060 من تقدم الفرسان ثم ~~المشاة ثم السعادة، ثم الانفراد، وهذا عين الجبروت، فأصله سنة ولكن انقلب ~~ذلك إلى طريق البدعة، اللهم إلا أن يقصد بذلك رهبة العصاة والطغاة ~~والغادرين فلا بأس وهو أعلم بالنيات، والمطلع على الطويات. # ويتعين تقدم التلميذ على الشيخ ليلا ونهارا في المواضع المجهولة1 الحال ~~كالوحل والوجل والحوض والمواضع الخطرة، ولا يمشي2 إلى جانبه إلا لحاجة أو ~~إشارة منه، ويعرفه بمن يقصده وهو ماش من الأعيان إن لم يعلم به، ويؤثره ~~بجهة الظل في مشيه في الصيف، وفي الشتاء بجهة الشمس، ولا يمشي بين الشيخ3 ~~وبين من يحدثه الشيخ، ويتأخر عنهما أو يتقدم ولا يتسمع، فإن أدخلاه في ~~حديثهما فليدخل من الجانب الآخر عن يمينه أو يساره ليكون الشيخ وسطا، وإذا ~~مشى مع الشيخ اثنان فليكن الأسن عن يمينه، وإذا صادف الشيخ في الطريق بدأه ~~بالسلام، ويقصده إن كان بعيدا ولا يناديه، وإذا رافقه لا يشير ابتداء ~~بالأخذ في طريق حتى يستشيره4، والله أعلم. PageV01P155 ### | القسم الثالث: في آداب درسه وقراءته وما يعتمده مع شيخه ورفقته 1 حينئذ: # فمنها: أن يبتدئ أولا من وفقه الله تعالى بحفظ كتاب الله العزيز حفظا2 ~~متقنا فهو أصل العلوم وأهمها، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن ~~حفظ القرآن، وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بغيره من العلوم كالحديث ~~والفقه اشتغالا يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنسيان، بل يتعهد دراسته ~~وملازمة ورد منه كل يوم أو أيام أو جمعة دائما أبدا كما تقدم3، وقال ابن ~~جماعة4: ويجتهد بعد حفظه على إتقان تفسيره وسائر علومه5. انتهى. # ثم يحفظ في كل فن مختصرا6 يجمع فيه بين طرفيه، ويقدم الأهم فالأهم، ومن ~~أهمها الفقه والنحو والتصريف، ثم الحديث وعلومه والأصول، ثم الباقي على ما ~~تيسر، ثم يشتغل باستشراح محفوظاته على المشايخ7، وليحذر من الاعتماد على ~~الكتب ابتداء، بل يعتمد من الشيوخ في كل فن أكثرهم تحقيقا فيه وتحصيلا منه ~~وأحسنهم8 تعليما، فإن أمكن شرح دروس في كل يوم فعل وإلا اقتصر على ms061 الممكن ~~من درسين وثلاثة، وإذا اعتمد شيخا وكان لا يتأذى بقراءة ذلك الفن على غيره ~~فليقرأ على ثان وأكثر ما لم يتأذوا، PageV01P156 # فإن تأذى المعتمد عليه اقتصر الطالب عليه وراعى قلبه فهو أقرب إلى ~~انتفاعه، ولا يقرأ في كتب لا يحتملها عقله ولا تصوره، والمطالعة في ~~التصانيف المتفرقة يضيع الزمان ويفرق الذهن، بل يعطي الكتاب الذي يقرأه ~~والفن الذي يأخذه كليته حتى يتقنه1. # ومنها: أن يعتني بتصحيح درسه الذي يتحفظه قبل حفظه تصحيحا متقنا2 على ~~شيخه أو على غيره ممن يكون أهلا لذلك، ثم يكرر عليه بعد حفظه تكرارا جيدا، ~~ثم يعين له أوقاتا للمواضي ليرسخ رسوخا تاما، ولا يحفظ ابتداء من الكتب؛ ~~لأنه ربما يقع في التحريف والتصحيف، ويحضر معه الدواة والسكين للتصحيح، ~~ويضبط ذلك لغة وإعرابا، وإذا رد عليه الشيخ لفظه وظن أو علم أن رده خلاف ~~الصواب راجعه برفق لاحتمال سهوه، أو في مجلس آخر لاحتمال أن يكون الصواب مع ~~الشيخ، وهذا لا يفوت على التلميذ بخلاف ما يفوت كأن يكتب الشيخ على رقعة ~~فتوى على خلاف الصواب، وكون السائل غريبا أو بعيد الدار أو مشنعا تعين ~~تنبيه الشيخ في الحال بإشارة أو تصريح، فإن تركه ذلك خيانة للشيخ، فيجب ~~نصحه بلطف، وإذا وقف على مكان في الكتاب المحفوظ منه كتب قبالته بلغ العرض ~~أو التصحيح3، ويبدأ بالدرس الأهم بالأهم من العلوم. # ومنها: أن يذاكر بمحفوظاته ويديم الفكر فيها ويعتني بما يحصل فيها من ~~الفوائد، ويقسم أوقات ليله ونهاره4، ويغتنم ما بقي من عمره5، وأجود الأوقات ~~للحفظ الأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة ~~PageV01P157 # والمذاكرة الليل1، وقال الخطيب2: أجود أوقات الحفظ الأسحار3، ثم وسط ~~النهار، ثم الغداة، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت ~~الشبع4، وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات، قال: وليس ~~بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأزهار وقوارع الطرق وضجيج الأصوات؛ ~~لأنها تمنع من خلو القلب5 غالبا. # ومنها: أن يبكر بدرسه لخبر: "بورك لأمتي في بكورها" 6، ولخبر: "اغدوا ms062 في ~~طلب العلم فإني سألت ربي أن يبارك لأمتي في بكورها، ويجعل ذلك يوم الخميس"7 ~~رواه الطبراني بسند ضعيف8، وفي رواية: "بورك لأمتي في بكورها يوم سبتها ~~وخميسها"9، وجاء في الخبر أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اطلبوا العلم يوم ~~الإثنين فإنه ييسر لطالبيه"10، وروى بعضهم في يوم الأربعاء خبر: "ما من شيء ~~PageV01P158 # بدئ يوم الأربعاء إلا وقد تم"1، ونقل عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أنه ~~كان يوقف بداية الاشتغال على يوم الأربعاء2، ورأيت كثيرا من مشايخنا يتحرون ~~الابتداء يوم الأحد، فينبغي مزيد الاعتناء بهذه الأيام وهذه الأوقات إلا أن ~~تجري عادة الشيخ بغير ما ذكر، فلا يعترض عليه3. # ومنها: أن يبكر4 بسماع الحديث ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه، والنظر في ~~إسناده ورجاله ومعانيه وأحكامه وفوائده ولغته وتواريخه، ويعتني أولا5 ~~بصحيحي البخاري ومسلم، ثم ببقية الكتب الأعلام الأصول المعتمدة في هذا ~~الشأن كموطأ مالك6 وسنن أبي داود7 والنسائي8 وابن ماجه9 وجامع الترمذي10 ~~ومسند الشافعي11، ويعتني بالدراية عن الرواية12، قال الشافعي رضي الله عنه: ~~من نظر الحديث قويت حجته، ولأن الدراية هي المقصود بنقل الحديث وتبليغه13. # ومنها: أن يعتني برواية كتبه التي قرأها أو طالعها لا سيما محفوظاته، فإن ~~الأسانيد أنساب الكتب، وأن يحترص على كلمة يحفظها من شيخه أو شعر ~~PageV01P159 # ينشده أو ينشيه أو مؤلف يؤلفه ليروى ذلك عنه، ويجتهد على روايات الأمور ~~المهمة كالفقه والفوائد النفسية والمسائل الرقيقة، والفروع الغريبة وحل ~~المشكلات والفروق في الأحكام المتشابهات من جميع الأنواع ويعلق ذلك ~~بالكتابة، قال صلى الله عليه وسلم: "قيدوا العلم"، فقال عبد الله بن عمرو ~~بن العاص: وما تقييده؟ قال: "كتابته"1، وكان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكى ذلك إلى ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال صلى الله عليه وسلم: "استعن بيمينك" وأومأ ~~بيده2 أي: خط، وعن عمر رضي الله عنه: قيدوا العلم بالكتاب3، وعن معاوية بن ~~قرة4 قال: كان يقال: من لم يكتب علمه لم يعد علمه علما، وروي عن الحسن ms063 بن ~~علي5 رضي الله عنهما أنه دعا بنيه وأخيه فقال: إنكم صغار قوم ويوشك أن ~~تكونوا كبار قوم آخرين فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه ~~وليضعه في بيته6. # وينبغي بل يتعين7 أن تكون همته في طلب العلم عالية، فلا يكتفي بقليل ~~العلم مع إمكان كثيره، ولا يقنع من إرث الأنبياء بيسيره، ولا يؤخر تحصيل ~~فائدة تمكن منها، ولا يشغله الأمل والتسويف عنها، فإن للتأخير آفات، ولأنه ~~PageV01P160 # إذا حصلها في الزمن الحاضر نفعته في الزمان الآت1، ويغتنم وقت2 الفراغ ~~والنشاط، ويجتهد في الاستنتاج والاستنباط، قبل عوارض البطالة، وموانع ~~الرئاسة والملالة، وليحذر كل الحذر من نظر نفسه بعين الكمال، والاستغناء عن ~~المشايخ؛ فإن ذلك من فعل الجهال3، ويلازم حلقة شيخه في التدريس والإقراء، ~~فإنه لا يزيده التحصيل إلا خيرا، كما قال علي -رضي الله عنه- وقد سلف: ولا ~~تشبع4 من طول صحبته؛ فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة، ولا ~~يقتصر5 على سماع درسه فقط فإن ذلك من قصور الهمة، بل يعتني بسائر الدروس ~~شرحا وتعليقا ونقلا إن احتمل ذهنه حتى كأن كل درس منها له. # وأما دروس التقسيم فشأنها كدرس واحد، فمن لم يطق ضبطها لا يصلح لدخوله ~~فيها، وإذا حضر6 مجلس الشيخ فيسلم على الحاضرين بصوت يسمعهم ويخص الشيخ ~~بمزيد تحية، وكذا يسلم إذا انصرف، قال ابن جماعة: وعد بعضهم حلق العلم في ~~حال أخذهم العلم من المواضع التي لا يسلم فيها، وهذا عليه العمل لكن محله ~~في شخص واحد مشتغل بحفظ درسه، وإذا سلم7 فلا يتخطى رقاب الحاضرين إلى قرب ~~الشيخ إن لم تكن منزلته، بل PageV01P161 # يجلس حيث انتهى به المجلس كما ورد في الحديث1، فإن قدمه الشيخ والحاضرون ~~فليتقدم لانتفاع الحاضرين بمذاكرته مع الشيخ أو لكبر سنه أو لصلاح2. # ومنها: أن يحرص على قربه من الشيخ ليفهم منه بلا مشقة بشرط ألا يرتفع على ~~أفضل منه3، ولا يؤثر بقربه من الشيخ إلا من هو أولى منه، ولا يقرب من يتسبب ~~فيه إلى قلة أدب، ms064 وإذا سبق التلميذ إلى مكان في مجلس الدرس وألفه كان أحق ~~به، فليس لغيره أن يقيمه منه، ولا يبطل حقه بانقطاعه يوما أو يومين مثلا ~~لضرورة إذا حضر، والكلام فيه كالكلام في محترف إذا ألف مكانا من شارع، ~~والمسألة مشروحة في محلها من كتب الفقه، واعلم أنه إذا كان الشيخ في صدر ~~المكان فأفضل الجماعة أحق بما على يمينه ثم شماله، وقد جرت العادة4 في ~~مجالس التدريس بجلوس المتميزين قبالة وجه المدرس والمبجلين من معيد5 وزائر ~~عن يمينه يساره6، وينبغي أن يتأدب7 مع رفقته PageV01P162 # وحاضري مجلس شيخه، فإن تأدبه معهم تأدب مع الشيخ واحترام له، ولا يقيم ~~أحدا من مجلسه ولا يزاحمه ولا يقبل من يؤثره بمجلسه، عن ابن عمر -رضي الله ~~عنه- قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقام الرجل من مجلسه ~~ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا1، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- إذا ~~قام له الرجل من مجلسه لم يقعد فيه، ولا يجلس وسط الحلقة ولا قدام أحد بلا ~~ضرورة2، وينبغي أن يكون حراما شديدا؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~لعن من جلس وسط الحلقة3. # ومنها: ألا يجلس بين أخوين أو أب وابن أو قريبين أو متصاحبين إلا برضاهما ~~معا، قال ابن عمر رضي الله عنهما: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ~~يجلس الرجل بين الرجلين إلا بإذنهما4، وإذا جاء قادم أن يرحبوا له ويوسعوا ~~له ويتفسحوا لأجله ويكرموه بما يكرم به مثله5، ولا يخرج عن بنية الحلقة ~~بتقدم أو تأخر، ولا يتكلم أثناء درس غيره أو درسه بما لا يتعلق به أو يقطع ~~عليه بحثه، ولا يشارك أحد من الجماعة أحدا في حديثه6، قال بعض الحكماء: من ~~الأدب ألا يشارك الرجل في حديثه وإن كان أعلم به منه7، وأنشد الخطيب في هذا ~~المحل8 "من الرجز": # ولا تشارك في الحديث أهله PageV01P163 # وإن عرفت فرعه وأصله1 # ومنها: إذا أساء بعض الطلبة أدبا على غيره لم ينتهزه غير الشيخ إلا ~~بإشارته2، وإن أساء أحد أدبا على الشيخ ms065 تعين على الجماعة انتهاره ورده ~~والانتصار للشيخ بقدر الإمكان وفاء لحقه3، وإذا أراد القراءة على الشيخ ~~يراعي نوبته4 تقديما وتأخيرا. # روي أن أنصاريا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله، وجاء رجل من ~~ثقيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أخا ثقيف، إن الأنصاري قد ~~سبقك بالمسألة فاجلس كيما نبدأ بحاجة الأنصاري قبل حاجتك"5 ولا يؤثر بنوبته ~~غيره، فإن الإيثار بالقرب مكروه6، وقال الخطيب: يستحب للسابق أن يقدم على ~~نفسه من كان غريبا للتأكد حرمته7، وكذلك8 إذا كان للمتقدم حاجة ضرورية ~~وعلمها المتقدم يستحب له تقديمه عليه، وتحصيل النوبة بتقديم الحضور، ولا ~~يسقط حقه بذهابه إلى ما يضطر إليه من قضاء حاجة وتجديد وضوء إذا عاد بعده، ~~وإذا تساويا وتنازعا أقرع بينهما، ومعيد المدرسة إذا شرط عليه إقراء أهلها ~~فيها في وقت، فلا يقدم عليهم الغرباء بغير إذنهم، ويكون جلوسه9 بأدب مع ~~شيخه، ويحمل كتابه بنفسه ولا يضعه حال القراءة مفتوحا، بل يحمله بنفسه ~~بيديه، ويقرأ منه بعد الاستعاذة والبسملة والصلاة على النبي -صلى الله عليه ~~وآله وصحبه وسلم- ثم يدعو للشيخ10 ولوالديه ومشايخه وللعلماء ولنفسه ولسائر ~~المسلمين، وكذلك يفعل كلما شرع في قراءة PageV01P164 # درس أو مطالعة أو مقابلة في حضور الشيخ أو غيبته، ويترحم1 على صاحب ~~الكتاب عند قراءته، وإذا فرغ من الدرس دعا للشيخ أيضا، فإن ترك الطالب ~~الاستفتاح بما ذكرنا جهلا أو نسيانا ذكره الشيخ أو علمه إياه، فإنه من أهم ~~الآداب، وقد ورد الحديث الحسن في ابتداء الأمور المهمة: "باسم الله ~~وبحمده"2. # ومنها: أن يذاكر من يرافقه من مواظبي مجلس الشيخ بما وقع فيه من الآداب ~~والفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك، ويعيدوا كلام الشيخ فيما بينهم3، ~~وينبغي الإسراع بها بعد القيام من المجلس قبل تفرق الأذهان وتشتت الخواطر4، ~~قال بعض الحكماء: من أكثر المذاكرة بالعلم لم ينس ما علمه5، وقال الشاعر ~~"من الطويل": # إذا لم يذاكر ذو العلوم بعلمه ... ولم يستفد علما نسي ما تعلما6 # فكم جامع للكتب في كل مذهب ... يزيد مع الأيام في ms066 جمعه عمى # وأجود الأوقات للمذاكرة الليل كما قال بعضهم7، وكان جماعة يبتدئون من ~~العشاء فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح8، فإن لم يجد الطالب من ~~يذاكره ذاكر نفسه بنفسه ليعلق ذلك بخاطره إذا كرره، فإن تكرار المعنى على ~~القلب كتكرار اللفظ على اللسان، فإذا امتثل ذلك وتكاملت أهليته، واشتهرت ~~PageV01P165 # فضيلته اشتغل بالتصنيف، والجمع والترصيف، لاكتسابه من النهاية حلة ~~التشريف1. # فصل: في التصنيف 2 # ينبغي لمن كملت أهليته، وتمت فضيلته أن يعتني بالتصنيف، ويجد في الجمع ~~والتأليف، محققا مسائله، مثبتا نقوله واستنباطه، متحريا إيضاح العبارة ~~وإيجازها، ولا يوضح إيضاحا ينتهي إلى الركة، ولا يوجز إيجازا ينتهي إلى ~~المحق والاستغلاق، ولا يطول تطويلا يؤدي إلى الملالة، ويجتنب الأدلة ~~الضعيفة، والتعليلات الواهية، ويبين المشكلات، ويجيب عن التعقبات ويفك ~~العضلات، ويستوعب معظم أحكام ذلك الفن، ويستعمل القواعد والنوادر، فبذلك ~~يظهر له حقائق العلم ودقائقه ويثبت عنده العلم ويرسخ إن أكثر التفتيش ~~والمطالعة، والتنقيب والمراجعة، والاختلاف من كلام الأئمة ومتفقه وواضحه ~~ومشكله وصحيحه وضعيفه وراجحه، إلى غير ذلك، من سلوك هذه المسالك، فبذلك ~~يتصف المحقق بصفة المجتهدين، ويرتفع عن درجة الجمود والتقليد، وينخرط في ~~سلك الأئمة المحقين، قال الخطيب البغدادي: التصنيف يثبت الحفظ، ويذكي ~~القلب، ويجيد اللسان، ويكسب جميل الذكر، وجزيل الأجر، ولا يشرع في تصنيف ما ~~لم يتأهل له؛ فإن ذلك يضره في دينه وعلمه وعرضه، وليحذر من إخراج تصنيفه من ~~يده إلا بعد تهذيبه وترداد نظره فيه، وينبغي أن يكون اعتناؤه من التصنيف ~~بما لم يسبق إليه أكثر، والمراد أن لا يكون هناك مصنف يغني عن مصنفه في ~~جميع أساليبه، فإن أغنى عن بعضها فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يختلف بها ~~مع ضم ما فاته من الأساليب، وليكن تصنيفه PageV01P166 # فيما يعم الانتفاع به ويكثر الاحتياج إليه، وليعتن بعلم المذهب فإنه من ~~أعظم الأنواع نفعا، وبه يتسلط المتمكن على المعظم من باقي العلوم، قال صاحب ~~الأحوذي: ولا ينبغي لمصنف يتصدى إلى تصنيف أن يعدل إلى غير صنفين: إما أن ~~يخترع معنى، أو ms067 يبتدع وضعا ومبنى، وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد للورق ~~والتحلي بحلية السرق، وهذا لا ينافي ما ذكره بعضهم من أن رتب التأليف سبعة: ~~استخراج ما لم يسبق إلى استخراجه، وناقص في الوضع يتمم نقصه، وخطأ يصحح ~~الحكم فيه، ومستغلق بإجحاف الاختصار يشرح أو يتمم بما يوضح استغلاقه، وطويل ~~يبدد الذهن طوله يختصر من غير إغلاق ولا حذف لما يخل حذفه بغرض المصنف ~~الأول، ومتفرق يجمع أشتات تبدده على أسلوب صحيح قريب، ومنثور غير مرتب يرتب ~~ترتيبا يشهد صحيح النظر أنه أولى في تقريب العلم للمتعلمين من الذي تقدم في ~~حسن وضعه وترتيبه وتبويبه، فهذا كالشرح لما ذكره صاحب الأحوذي والله أعلم، ~~قال العلامة الشيخ بدر الدين بن جماعة: ومن الناس من ينكر التصنيف والتأليف ~~في هذا الزمان على من ظهرت أهليته ولا وجه لإنكار إلا التنافس، وإلا فمن ~~تصرف في ورقة ومداده بكتابة ما شاء من أشعار وحكايات مباحة أو غير ذلك لا ~~ينكر عليه، فلم إذا تصرف بتسويد ما ينتفع به من علوم الشريعة ينكر ويستهجن؟ ~~أما من لا يتأهل لذلك فالإنكار عليه متجه. # ومما نقل عن فعل الأئمة من آداب التصنيف أنه كان المزني1 إذا فرغ من ~~مسألة من المختصر صلى ركعتين، وكان أبو إسحاق الشيرازي2 شيخ أبي ~~PageV01P167 # الوفاء بن عقيل1 لا يخرج إلى فقير إلا إذا أحضر النية، ولا يتكلم في ~~مسألة إلا إذا قدم الاستعانة بالله تعالى، ولا صنف مسالة إلا بعد أن صلى ~~ركعات، وما روي عن الشيخ أبي إسحاق أيضا أنه قال لبعض من يخدمه: جعلت على ~~نفسي أنني كلما صنفت مسألة في المذهب أو المهذب قرأت مائة مرة {قل هو الله ~~أحد} ثم سألت الله أن يعيد بركتها على تلك المسألة ورغبت إليه في الانتفاع ~~بها، وكان الشيخ أبو إسحاق يصلي ركعتين عند فراغ كل فصل من المهذب2، وكان ~~ابن الأرغياني3 من كبار أئمتنا ما يعلق شيئا من المذهب إلا على طهارة4، ~~وكان الإمام محمد بن إسماعيل البخاري لا يضع حديثا في ms068 كتاب الصحيح إلا ~~اغتسل وصلى ركعتين5. # وقد جرت عادة أئمتنا بعقد مجلس أو عمل وليمة عند ختم كتاب معتبر يؤلفونه ~~أو يحفظونه، وأصل ذلك أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تعلم البقرة في بضع ~~عشرة سنة6، وفي رواية: اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا شكرا ~~PageV01P168 # لله تعالى1، وقد اتفق ذلك للحبر شيخ الإسلام ضياء الدين عبد الملك إمام ~~الحرمين عند ختم كتابه الحفيل الجليل المسمى بنهاية المطلب2، فإنه عقد ~~مجلسا لتتمته حضره الأئمة والكبار، وختم الكتاب على رأس الإملاء والاستملاء ~~وتبجح الحاضرون، لذلك وضع وليمة لحاضري مجلسه، حكاه جماعة منهم ابن السبكي3 ~~في طبقاته4، ولما فرغ شيخ الإسلام ابن حجر شرحه على البخاري المسمى بفتح ~~الباري5 عمل وليمة حافلة بالمكان الذي بناه المؤيد6 خارج القاهرة بين كوم ~~الريش ومنية الشيرج، ويسمى بالتاج والسبع وجوه في يوم السبت 8 شعبان سنة ~~842، وكان المصروف في الوليمة على ذلك نحو خمسمائة دينار7، سئل الإمام أبو ~~عبد الله التلمساني8 عن كثرة تصانيف هذه الأمة واشتغالها بالتصنيف فقال: ~~هذا من فوائد تحريم الخمر عليها وهو قول بديع، ومما يلحق بذلك ختم إقراء ~~الكتب أيضا، وهي سنة كثير من العلماء المعتبرين الورعين، وفي ذلك مصالح ~~وحكم لطيفة تنوف عن الحصر والضبط، والله يعلم المفسد من المصلح. ~~PageV01P169 ### | الباب الرابع: في أدب المفتي والفتوى والمستفتي ### | مدخل # ... # الباب الرابع: في أدب المفتي، والفتوى، والمستفتي 1: # ولنقدم على المقصود مقدمة فنقول: # اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارث ~~الأنبياء، وقائم بغرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ والخطر؛ ولهذا قالوا: ~~المفتي موقع عن الله1، وقد ورد في آدابه والتوقف فيه والتحذير منه من ~~الآيات والأخبار والآثار أشياء كثيرة نورد هنا جملة من عيونها: # قال الله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} الآية [النساء: ~~176] وقال تعالى: {يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان} الآية [يوسف: ~~46] وقال في التحذير: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا ~~حرام} الآية [النحل: 116] إلى غير ذلك من الآيات. # وقال ms069 رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ~~ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس ~~رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" 2، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: "من أفتى بفتيا من غير ثبت -وفي لفظ: بغير علم- فإنما إثمه على من ~~أفتاه" 3، وقال صلى الله عليه وسلم: "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على ~~النار"4، وقال صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل ~~نبيا أو قتله نبي ورجل يضل الناس بغير علم أو مصور يصور التماثيل" 5، وعن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى6 قال: أدركت PageV01P173 # عشرين1 ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأل ~~أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، ~~وقال البراء2: لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن ~~يكفيه صاحبه الفتيا3، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من أفتى الناس في كل ما ~~يسألونه فهو مجنون4، وعن أبي حصين التابعي5 -رضي الله عنه- قال: إن أحدكم ~~ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر6، وعن محمد ~~بن المنكدر7 أن العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم، وعن ~~PageV01P174 # ربيعة قال: قال ابن خلدة1: يا ربيعة، أراك تفتي الناس، فإذا جاءك الرجل ~~يسألك فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه، ولتكن همتك أن تتخلص مما يسألك ~~عنه2. # وعن عطاء بن السائب التابعي3: أدركت أقواما ليسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم ~~وإنه ليرعد، وعن عكرمة4 قال: قال ابن عباس رضي الله عنه: انطلق فأفت الناس ~~وأنا لك عون، فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا ~~تفته؛ فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن ~~رجلا سأله عن شيء فقال له: لا تسأل عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب ~~-رضي الله عنه- يلعن من سأل ms070 عما لم يكن، وعن معاوية قال: نهى رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- عن الأغلوطات5، وعن ثوبان6 مرفوعا: "سيكون أقوام من ~~أمتي PageV01P175 # يتعاطون فقهاؤهم عضل المسائل أولئك شرار أمتي"1، وكان رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يكره المسائل ويعيبها2، وعن ابن مسعود: عسى رجل أن يقول: ~~إن الله أمر بكذا ونهى عن كذا، فيقول الله له: كذبت3، وعن يحيى بن سعيد ~~قال: كان ابن المسيب4 لا يفتي فتيا إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني5، وقال ~~الشافعي: ما رأيت أحدا جمع الله فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة، ~~وما رأيت أسكت منه على الفتيا6، وعن مالك أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة ~~فلا يجيب في واحدة منها، وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن ~~يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب7، وسئل عن مسألة فقال: لا ~~أدري، فقيل: مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس من العلم خفيف، أما سمعت قول ~~الله تعالى: {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} [المزمل: 5] فالعلم كله ثقيل8، ~~وسئل الإمام مالك عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا ~~أدري9، وسئل الإمام أبو حنيفة -رضي الله عنه- عن تسع مسائل فقال فيها: لا ~~أدري! 10 وهي: ما الدهر فيما إذا حلف لا يكلم فلانا الدهر؟ ومحل ~~PageV01P176 # أطفال المشركين1، ووقت الختان، وإذا بال الخنثى من الفرجين2، والملائكة ~~أفضل أم الأنبياء؟ ومتى يصير الكلب معلما3؟ وسؤر4 الحمار، ومتى يطيب لحم ~~الجلالة؟ 5 وهل يجوز نقش جدار المسجد من غلة الوقف؟ 6 وعنه رضي الله عنه: ~~لولا الفرق من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعلي ~~الوزر7، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر8 -رضي الله عنهم- أنه سئل عن شيء ~~فقال: لا أحسنه، فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا ~~تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه، فقال شيخ من قريش ~~جالس إلى جنبه: يابن أخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس ms071 أنبل منك اليوم، ~~فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي أن أتكلم بما لا علم لي به9، ~~وعن الحسن بن محمد بن شرفشاه الأستراباذي10 صاحب المقدمة في النحو11 ~~وشروحها الثلاثة التي أشهرها المتوسط12 أنه كان مدرسا PageV01P177 # بمدرسة بماردين1 تسمى مدرسة الشهيد، فدخلت عليه يوما امرأة فسألته عن ~~أشياء مشكلة في الحيض فعجز عن الجواب، فقالت له: أنت عذبتك واصلة إلى وسطك، ~~وتعجز عن جواب امرأة؟ فقال لها: يا خالة، لو علمت كل مسألة يسأل عنها لوصلت ~~عذبتي إلى قرن الثور2، وأقوالهم في هذا كثيرة3، وقد أسلفنا منها نبذة في ~~آداب المعلم4، قال الصيمري5 والخطيب6: كل من حرص على الفتيا وسابق إليها ~~وثابر عليها قل توفيقه واضطرب في أموره، وإذا كان كارها لذلك وأحال الأمر ~~فيه على غيره كانت المعونة له من الله تعالى أكثر، والصلاح في جوابه أغلب، ~~واستدلا بقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: "لا تسأل الإمارة ~~فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت ~~عليها" 7. PageV01P178 ### | النوع الأول: في الأمور المعتبرة في كل مفت ### | مدخل # ... # النوع الأول: # في الأمور المعتبرة في كل مفت، وفي تقسيم المفتين، ما أنفرد به كل واحد ~~من الأحكام1 وفيه فصلان: PageV01P178 ### | الفصل الأول: في الأمور المعتبرة في كل مفت # اعلم أن شرط المفتي كونه مسلما مكلفا عدلا ثقة مأمونا متنزها عن أسباب ~~الفسق وخوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف ~~والاستنباط، قوي الضبط متيقظا، سواء فيه الحر والعبد، والمرأة والأعمى ~~والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته، قال أبو عمرو1: وينبغي أن يكون كالراوي في ~~أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة، وجر نفع ودفع ضر؛ لأن المفتي في حكم مخبر عن ~~الشرع بما لا اختصاص له بشخص فكان كالراوي لا كالشاهد، وفتواه لا يرتبط بها ~~إلزام بخلاف القاضي2. # وذكر صاحب الحاوي3 أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصا معينا صار خصما ~~معاندا، فترد فتواه على من عاداه كما ترد شهادته، واتفقوا على أن الفاسق لا ~~تصح ms072 فتواه، ونقل الخطيب فيه الإجماع4، نعم يجب عليه أن يعمل لنفسه ~~باجتهاده، وأما المستور الظاهر العدالة ولم تختبر عدالته باطنا، ففيه وجهان ~~كالوجهين في صحة النكاح بحضور المستورين والأصح الجواز، قال الصيمري5 ~~PageV01P179 # والخطيب: وتصح فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعته ولا ~~نفسقه، واستثنى الخطيب الشراة والرافضة الذين يسبون السلف، والقاضي كغيره ~~في جواز الفتيا بلا كراهة على الصحيح، وقيل: تكره في مسائل الأحكام، ونقل ~~عن شريح1 أنه قال: أنا أقضي ولا أفتي2، قالوا: وينبغي أن يكون المفتي ظاهر ~~الورع مشهورا بالديانة الظاهرة، والصيانة الباهرة3. # فرع: قال الخطيب: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين4، فمن صلح أقره، ~~وإلا منعه وأمره ألا يعود، وتواعده بالعقوبة على العود، وطريق الإمام إلى ~~معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته، ويعتمد أخبار الموثوق بهم، ثم ~~روى بإسناده عن مالك -رحمه الله- قال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل ~~لذلك5، وفي رواية: ما أفتيت حتى سألت من هو أعلم مني هل يراني موضعا لذلك؟ ~~6 وقال أيضا: لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم ~~منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك، ولو نهياني ~~انتهيت7. PageV01P180 ### | الفصل الثاني: في تقسيم المفتين # قال أبو عمرو1: المفتون قسمان: مستقل وغيره. # فالمستقل شرطه مع ما ذكرناه أن يكون قيما بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من ~~الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل، وقد فصلت في ~~كتب الفقه فتيسرت ولله الحمد، وأن يكون عالما بما يشترط في الأدلة ووجوه ~~دلالتها وبكيفية اقتباس الأحكام منها، وهذا يستفاد من أصول الفقه، عارفا من ~~علوم القرآن والحديث والناسخ والمنسوخ والنحو والتصريف واللغة، واختلاف ~~العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس ~~منها، ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك، عالما بالفقه ضابطا لأمهات مسائله ~~وتفاريعه حافظا لها، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المفتي المطلق المستقل الذي ~~يتأدى به فرض الكفاية؛ لأنه يستقل بالأدلة بغير تقليد وتقييد بمذهب أحد2، ms073 ~~قال ابن الصلاح3: وما شرطنا من حفظه لمسائل الفقه لم يشترط في شيء من الكتب ~~المشهورة لكونه ليس شرطا لمنصب الاجتهاد؛ لأن الفقه ثمرته وهي تتأخر عنه، ~~وشرط الشيء لا يتأخر عنه، ثم لا يشترط أن يكون جميع الأحكام على ذهنه، بل ~~يكفيه كونه حافظا للمعظم متمكنا من إدراك الباقي على قرب لما مر عن مالك ~~وغيره4. PageV01P181 # تنبيه: هل يشترط في المفتي أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل ~~الحسابية الفقهية؟ فيه خلاف والأصح اشتراطه1. # تنبيه آخر: إنما يشترط اجتماع العلوم2 المذكورة فيما مر في مفت مطلق في ~~جميع أبواب الشرع، فأما مفت في باب خاص كالمناسك والفرائض فيكفيه معرفة ذلك ~~الباب، كذا قطع به الغزالي وصاحبه ابن برهان3 وغيرهما، ومنهم من منعه ~~مطلقا، وأجازه ابن الصباغ4 في الفرائض خاصة، والأصح جوازه مطلقا. # القسم الثاني: المفتي الذي ليس بمستقل ومن دهر طويل عدم المفتي المستقل، ~~وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة، والآن قد اقتصروا ~~على الأربعة المذاهب في هذه البلاد، وللمفتي المنتسب أربعة أحوال: # الحالة الأولى: ألا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله لاتصافه ~~بصفة المستقل، وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد، وادعى الأستاذ ~~أبو إسحاق هذه الصفة لأصحابنا، فحكي أن أصحاب مالك وأحمد وداود5، وأكثر ~~الحنفية أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدا، قال: والصحيح PageV01P182 # الذي ذهب إليه المحققون أن أصحابنا إنما صاروا إلى مذهب الشافعي لما ~~وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد ~~سلكوا طريقه فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي لا أنهم قلدوه، وذكر أبو ~~علي السنجي1 نحو هذا فقال: اتبعنا الشافعي دون غيره؛ لأنا وجدنا قوله أرجح ~~الأقوال وأعدلها لا أنا قلدناه2، قال شيخ الإسلام النووي3: وهذا الذي ذكراه ~~موافق لما أمرهم به الشافعي ثم المزني في أول مختصره وغيره بقوله مع ~~إعلامهم نهيه عن تقليده وتقليد غيره، قال ابن الصلاح4: ودعوى انتقاء ~~التقليد عنهم مطلقا لا يستقيم ولا يلائم العلوم من حالهم أو حال ms074 أكثرهم، ~~وحكى بعض أصحاب الأصول منا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل، ثم ~~فتوى المفتي في هذه الحالة كفتوى المستقل في العمل بها والاعتداد بها في ~~الإجماع والخلاف5. # تنبيه: إذا كان رجل مجتهد في مذهب إمام كما ذكر ولم يكن مستقلا بالفتيا ~~عن نفسه، فهل له أن يفتي بقول ذلك الإمام؟ وجهان: # أحدهما: نعم، ويكون متبعه مقلدا للميت لا له. # والثاني: لا؛ لأنه مقلد له لا الميت، والسائل إنما أراد الاستفتاء على ~~قول الميت. # والأول أصح وعليه ما نقل عن القفال في فتاويه أنه قال في مسألة بيع صاع ~~من صبرة مجهولة الصيعان: نص الشافعي على الجواز وعندي لا يجوز، فقيل: ~~PageV01P183 # كيف كان يفتي هذه المسألة؟ فقال: على مذهب الشافعي فإن من يسألني إنما ~~يسأل عن مذهب الشافعي لا عن مذهبي1. # الحالة الثانية: أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه2، مستقلا بتقرير ~~أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده وشرطه، ~~عالما بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا، بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني، ~~تام الارتياض في التخريج والاستنباط، قيما بإلحاق ما ليس منصوصا عليه ~~لإمامه بأصوله، ولا يعرى عن شوب تقليد له لإخلاله ببعض أدوات المستقل بأن ~~يخل بالحديث أو العربية، وكثيرا ما أخل بهما المقيد، ثم يتخذ أصول إمامه ~~أصولا يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشرع، وربما اكتفى في الحكم بدليل ~~إمامه، ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص، وهذه صفة أصحابنا أصحاب ~~الوجوه، وعليها كان الأئمة من أصحابنا أو أكثرهم، والعامل بفتوى هذه مقلد ~~لإمامه لا له؛ لأن معوله على صحة إضافة ما يقول إلى إمامه لعدم استقلاله ~~بتصحيح نسبته إلى الشارع بلا واسطة إمامه، قال بعضهم: والظاهر اشتراطه ~~معرفته بما يتعلق بذلك من حديث ونحو ولغة3. انتهى. # ثم ظاهر كلام الأصحاب4 أن من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية، قال ابن ~~الصلاح: ويظهر5 تأدي الفرض به في الفتوى، وإن لم يتأد في إحياء العلوم التي ~~منها استمداد الفتوى؛ لأنه قام فيها مقام ms075 إمامه المستقل فهو يؤدي إليه ما ~~كان يتأدى به الفرض حين كان حيا قائما بالفرض منها، وهذا مفرع على الصحيح ~~وهو جواز تقليد الميت، ثم قد يستقل المقيد في مسألة أو باب خاص كما ~~PageV01P184 # تقدم، وله أن يفتي بما لا نص فيه لإمامه بما يخرجه على أصوله، هذا هو ~~الصحيح الذي عليه العمل، وإليه منزع المفتين من مدد طويلة، ثم إذا أفتى ~~بتخريجه فالمستفتي مقلد لإمامه لا له، هكذا قطع به إمام الحرمين في كتابه ~~الغياثي1، قال ابن الصلاح2: وينبغي أن يخرج هذا على خلاف، حكاه الشيخ أبو ~~إسحاق وغيره أن ما يخرجه أصحابنا هل يجوز نسبته إلى الشافعي؟ والأصح أنه لا ~~ينسب إليه، ثم تارة يخرج من نص معين لإمامه، وتارة لا يجده فيخرج على أصوله ~~بأن يجد دليلا على شرط ما يحتج به إمامه فيفتي بموجبه، فإن نص إمامه في ~~مسألة على شيء ونص في مسألة تشبهها على خلافه فخرج من أحدهما إلى الآخر سمى ~~قولا مخرجا، وشرط هذا التخريج ألا يجد بين نصيه فرقا، فإن وجده وجب ~~تقريرهما على ظاهرهما، ويختلفون كثيرا في القول بالتخريج في مثل ذلك ~~لاختلافهم في إمكان الفرق، قال شيخ الإسلام النووي: وأكثر ذلك يمكن فيه ~~الفرق وقد ذكروه3. انتهى. وقد بسطت الكلام على القول المخرج في غير هذا ~~الكتاب. # الحالة الثالثة: ألا يبلغ رتبة أصحاب4 الوجوه لكنه فقيه النفس، حافظ مذهب ~~إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريرها، ويصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح، ~~لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب والارتياض في PageV01P185 # الاستنباط أو معرفة الأصول ونحوها من أدواتهم، وهذه صفة كثير من ~~المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه ~~وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم ولم يلحقوا الذين قبلهم في ~~التخريج، أما فتاويهم فكانوا يتبسطون فيها تبسط أولئك أو قريبا منه، ~~ويقيسون غير المنقول عليه غير مقتصرين على القياس الجلي، وربما تطرق بعضهم ~~إلى تخريج قول واستنباط وجه أو احتمال، وفتاويهم مقبولة، ومنهم من جمعت ms076 ~~فتاويه، ولا تبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه1. # الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب2 ونقله وفهمه في الموضحات والمشكلات ~~ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته، وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه فيما ~~يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص إمامه، وتفريع المجتهدين في مذهبه ~~وتخريجهم، وله فيما لا يجده منقولا إذا وجد في المنقول ما هو في معناه بحيث ~~يدرك بغير كبير فكر وتأمل أنه لا فرق بينهما [جاز] 3 أن يلحقه به ويفتي به، ~~وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن ~~الفتوى فيه، ومثل هذا يقع نادرا في حق المذكور؛ إذ يبعد -كما قال إمام ~~الحرمين- أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص ولا ~~مندرجة تحت شيء من ضوابط المذهب، وشرطه كونه فقيه النفس إذا حفظ وافر ~~الفقه، قال ابن الصلاح4: وينبغي أن يكتفي في حفظ المذهب في هذه الحالة ~~والتي قبلها بكون المعظم على ذهنه، فيتمكن لدربته من الوقوف على الباقي على ~~قرب5. انتهى. PageV01P186 # فصل 1: # هذه أصناف المفتين وهي خمسة2، وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب، وفقه ~~النفس، فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم، ولقد قطع إمام ~~الحرمين وغيره بأن الأصولي الماهر التصرف في الفقه لا يحل له الفتوى لمجرد ~~ذلك، ولو وقعت له واقعة لزمه أن يسأل عنها، ويلتحق به المتصرف النظار ~~البحاث من أئمة الخلاف وفحول المناظرين؛ لأنه ليس أهلا لإدارك حكم الواقعة ~~استقلالا لقصور آلته، ولا من مذهب إمام لعدم حفظه له على الوجه المعتبر. # فإن قيل: من حفظ كتابا أو أكثر في المذهب وهو قاصر لم يتصف بصفة أحد ممن ~~سبق ولم يجد العامي في بلده غيره هل له الرجوع إلى قوله؟ # فالجواب: إن كان في غير بلده مفت يجد السبيل إليه وجب التوصل إليه بحسب ~~إمكانه، فإن تعذر ذكر مسألته للقاضي، فإن وجدها بعينها في كتاب موثوق بصحته ~~وهو ممن يقبل خبره نقل له ms077 حكمها بنصه، وكان العامي فيها مقلدا صاحب المذهب، ~~قال ابن الصلاح3: هذا وجدته في ضمن كلام بعضهم والدليل يعضده، وإن لم يجدها ~~مسطورة بعينها لم يقسها على مسطورة عنده وإن اعتقد أن لا فارق بينهما؛ لأنه ~~قد يتوهم ذلك في غير موضعه. # فإن قيل: هل لمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه؟ PageV01P187 # قلنا: قطع أبو عبد الله الحليمي1 وأبو محمد الجويني2 وأبو المحاسن ~~الروياني3 وغيرهم بتحريمه4، وقال القفال المرزوي: يجوز. # قال أبو عمرو ابن الصلاح5: وقول من منعه معناه لا يذكره على صورة من ~~يقوله عند نفسه، بل يضيفه إلى إمامه الذي قلده، فعلى هذا: من عددناه من ~~المفتين المقلدين ليسوا مفتين حقيقة، لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا ~~معهم وسبيلهم أن يقولوا مثلا: مذهب الشافعي كذا ونحو ذلك، ومن ترك منهم ~~الإضافة فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح به، ولا بأس بذلك إذن، ~~وذكر الماوردي6 فيما إذا عرف حكم حادثة بنى على دليلها ثلاثة أوجه: # أحدها: يجوز أن يفتي ويجوز تقليده؛ لأنه وصل إلى علمه كوصول العالم. # والثاني: يجوز إن كان دليلها كتابا أو سنة، ولا يجوز إن كان غيرهما. # والثالث: لا يجوز مطلقا وهو الأصح، والله أعلم. PageV01P188 # فصول 1: # لا يجوز لمجتهد أن يقلد مجتهدا ليعمل أو يفتي أو يقضي به لتمكنه من ~~الاجتهاد الذي هو أصل التقليد، ولا يجوز العدول عن الأصل الممكن إلى بدله ~~كما في الوضوء والتيمم، وقيل: يجوز له التقليد فيه لعدم علمه به الآن، ~~وقيل: يجوز للقاضي لحاجته إلى فصل الخصومة المطلوب نجازه بخلاف غيره، وقيل: ~~يجوز تقليد من هو أعلم منه، وقيل: يجوز عند ضيق الوقت وخوف الفوت لما يسأل ~~عنه، وقيل: يجوز فيما يخصه دون ما يفتي به غيره. # والأصح جواز الاجتهاد للنبي -صلى الله عليه وسلم- ووقوعه؛ لقوله تعالى: ~~{ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] {عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] عوتب على استبقاء أسرى بدر بالفداء2، وعلى ~~الإذن لمن ظهر نفاقهم في ms078 التخلف عن غزوة تبوك3، والعتاب لا يكون فيما صدر ~~عن وحي، فيكون عن اجتهاد، والأصح أن اجتهاده لا يخطئ، وليس العتاب المار في ~~الآيتين لكونه صدر عن خطأ، بل للتنبيه على ترك الأولى إذ ذاك، والأصح أن ~~الاجتهاد جائز في عصره -صلى الله عليه وسلم- وأنه وقع؛ لأنه -صلى الله عليه ~~وسلم- حكم سعد بن معاذ4 في بني قريظة فقال: تقتل مقاتلهم وتسبي ذراريهم5، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد حكمت بحكم الله" 6، PageV01P189 # والأصح أن لله تعالى في مسائل الاجتهاد حكما معينا قبل الاجتهاد، وأن ~~عليه إمارة، وأن المجتهد مكلف بإصابته، وأن المخطئ لا يأثم بل يؤجر لبذله ~~وسعه في طلبه، قال صلى الله عليه وسلم: "من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن ~~اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، فإن قصر أثم" 1، واعلم أن للمصيب في العقليات ~~أجرا واحدا قطعا، وهو من صادف الحق فيها لتعينه في الواقع، والمخطئ فيها ~~آثم إجماعا بل كافر إن نفى الإسلام كله أو بعضه، وللمصيب في نقليات فيها ~~قاطع من نص أو إجماع واحد قطعا، وقيل على الخلاف فيما لا قاطع فيه، والراجح ~~فيه أنه واحد للخبر المار. # النوع الثاني: في أحكام المفتي وآدابه: PageV01P190 ### | النوع الثاني: في أحكام المفتي وآدابه # وفيه مسائل 1: # إحداها2: الإفتاء في أصله فرض كفاية، فإذا سئل وليس في الناحية غيره تعين ~~عليه الجواب، وإلا فإن كان فيها غيره وحضر فالجواب في حقهما فرض كفاية، وإن ~~لم يحضر إلا واحد فوجهان: أصحهما لا يتعين لما سبق، والثاني يتعين، وهما ~~كالوجهين في مثله في الشهادة، ولو سأل عامي عما لم يقع لم يجب جوابه. # الثانية3: إذا تغير اجتهاده وعلم المقلد من مستفت وغيره برجوعه عمل ~~PageV01P190 # بقوله الثاني، فإن لم يكن عمل بالأول لم يجز العمل به، وإن كان عمل قبل ~~رجوعه وجب نقضه إن خالف دليلا قاطعا، فإن كان في محل اجتهاد لم يلزمه نقضه؛ ~~لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، نعم لو نكح المجتهد امرأة خالعها ثلاثا ~~لرأيه الخلع فسخا مثلا، أو أمسك امرأة رأى أنها ms079 لم تطلق منه ثم تغير ~~اجتهاده لزمه مفارقتها احتياطا للإبضاع، وكذا لو فعل المقلد ذلك ثم تغير ~~اجتهاد مقلده على الصحيح، ولو قال مجتهد آخر: أخطأ بك من قلدته فلا أثر ~~لقوله وإن كان أعلم إن كانت مسألة اجتهادية، وإذا كان يفتي على مذهب إمام ~~معين فرجع لكونه بأن له مخالفة نص مذهب إمامه وجب نقضه ولو كان في محل ~~الاجتهاد أيضا؛ لأن نص إمامه في حقه كنص الشارع في حق المجتهد المستقل، أما ~~إذا لم يعلم المستفتي برجوع المفتي فكأنه لم يرجع في حقه، ويلزم المفتي ~~إعلامه برجوعه قبل العمل، وكذا بعده حيث يجب النقض، وإن عمل بفتواه في ~~إتلاف ثم بان أنه أخطأ وخالف القاطع فعن الأستاذ أبي إسحاق كما حكاه ابن ~~الصلاح أنه يضمن إن كان أهلا للفتوى1، وإلا فلا لأن المستفتي قصر، قال شيخ ~~الإسلام النووي: وهو مشكل وينبغي أن يخرج الضمان على قولي الغرور المعروفين ~~في بابي الغضب والنكاح وغيرهما أو يقطع بعدم الضمان؛ إذ ليس في الفتوى ~~إلزام ولا إلجاء. انتهى. # الثالثة2: إذا أفتى في حادثة ثم حدثت مثلها، فإن ذكر الفتوى الأولى ~~ودليلها بالنسبة إلى أصل الشرع إن كان مستقلا أو إلى مذهبه إن كان منتسبا ~~أفتى بذلك بلا نظر، وإن ذكرها ولم يذكر دليلها ولا طرأ ما يوجب رجوعه فقيل: ~~له أن يفتي بذلك، والأصح وجوب تجديد النظر، ومثله القاضي إذا حكم بالاجتهاد ~~ثم وقعت المسألة، وكذا تجديد الطلب في التيمم والاجتهاد في PageV01P191 # القبلة وفيهما الوجهان، قال القاضي أبو الطيب1 في تعليقه في باب استقبال ~~القبلة: وكذا العامي إذا وقعت له مسألة فسأل عنها، ثم وقعت له فيلزمه ~~السؤال ثانيا، يعني على الأصح قال: إلا أن تكون مسألة يكثر وقوعها، ويشق ~~عليه إعادة السؤال عنها فلا يلزمه ذلك، ويكفيه السؤال الأول للمشقة. # الرابعة2: يحرم أن يتساهل في الفتوى كأن يسرع ولا يتثبت قبل استيفاء ~~الفكر والنظر فيها، أو تحمله أغراض فاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو ~~المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن ms080 يروم نفعه، أو التغليظ على من ~~يروم ضره، فإن تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا بأس بالإسراع، وعلى هذا يحتمل ~~ما نقل عن الماضين من المبادرة أحيانا، أو صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا ~~شبهة فيها ليخلص بها المستفتي من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسن وعليه يحمل ما ~~جاء عن بعض السلف من نحو هذا، وكفاه دليلا قوله تعالى لأيوب: {وخذ بيدك ~~ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] لما حلف ليضربن امرأته مائة جلدة3، وقد ~~قال سفيان الثوري: إنما العلم عندنا بالرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه ~~كل أحد4، ومن الحيل التي فيها شبهة ويذم فاعلها، الحيلة السريجية5 في مسألة ~~الطلاق، وعن بعض العلماء: لا يعمل بها إلا فاسق، ومن عرف بالتساهل لم يجز ~~أن يستفتى6. PageV01P192 # الخامسة1: ينبغي ألا يفتي في حال يغير خلقه، وشغل قلبه، ويمنعه من التأمل ~~كغضب وجوع وعطش، وحزن وفرح غالب، ونعاس وملالة، ومرض مقلق وحر مزعج، وبرد ~~مؤلم، ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك، فإن أفتى في بعض هذه الأحوال معتقدا أنه ~~لم يمنعه من درك الصواب صحت فتواه مع الكراهة لما فيه من المخاطرة، فإنه ~~يعتقد أنه حقق المسألة والأمر بخلافه. # السادسة2: الأولى للمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك، ويجوز أن يأخذ عليه رزقا ~~من بيت المال، وإلا أن يتعين عليه وله كفاية فيحرم على الصحيح، ثم إن كان ~~له رزق لم يجز أخذ أجرة أصلا، وإلا فليس له الأخذ من أعيان المستفتين على ~~الأصح كالحاكم3، قال الشيخ أبو القاسم القزويني4 من أصحابنا: له أن يقول: ~~يلزمني أن أفتيك قولا لا بكتابة، فإن استأجره عليها جاز وكره، ثم على هذا ~~فينبغي ألا يأخذ إلا قدر أجرة كتابة ذلك القدر ولو لم يكن فتوى، قال ~~الصيمري والخطيب: لو اتفق أهل البلد على أن يجعلوا له رزقا من أموالهم ~~ليتفرغ لهم جاز5. # وأما الهدية فيجوز6 قبولها له بخلاف الحاكم، قال ابن الصلاح: ينبغي أن ~~تحرم إن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد، وعلى الإمام أن يفرض من بيت ms081 ~~PageV01P193 # المال لمن نصب لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن التكسب ~~والاحتراف، روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه أعطى كل رجل ممن هذه ~~صفته مائة دينار في السنة1. # السابعة2: لا يجوز أن يفتي فيما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والإقرار ~~والوصايا ونحوها إلا من كان من أهل بلد اللافظ أو خبيرا بمرادهم في العادة ~~فتنبه له فإنه مهم. # الثامنة3: لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن ~~يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته، وبأنه مذهب ذلك الإمام، وقد تحصل له الثقة ~~من نسخة سقيمة في بعض المسائل إذا كان الكلام منتظما وهو فطن لا يخفى عليه ~~موضع الإسقاط والتغيير، قال شيخ الإسلام4: لا يجوز لمفت على مذهب الشافعي ~~إذا اعتمد النقل أن يكتفي بمصنف ومصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين وأكثر ~~المتأخرين؛ لكثرة الاختلاف بينهم في الجزم والترجيح، وهذا مما لا يتشكك فيه ~~من له أدنى أنس بالمذهب، بل قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء وهو شاذ ~~بالنسبة إلى الراجح في المذهب، ومخالف لما عليه الجمهور. # التاسعة: سيأتي قول الشافعي5: إذا صح الحديث فهو مذهبي6، وهذا من قواعده ~~التي انفرد بها، وإذا قلت قولا فأنا راجع عن قولي قائل بذلك PageV01P194 # الحديث، وفي لفظ: فاضربوا بقولي الحائط، وهو صريح في أن مذهبه ما دل عليه ~~الحديث لا قول المخالف له، فيجوز الفتيا بالحديث على أنه مذهبه، ولكن ليس ~~لكل فقيه أن يعمل بما يراه حجة من الحديث حتى ينظر هل له معارض أو ناسخ ~~ونحو ذلك أم لا إن كان أهلا للاجتهاد، ويسأل من يعرف ذلك ممن هو أهل، فإن ~~لم يجد أحدا يسأله، ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث، فالمختار أنه إن ~~لم يكن أهلا للاجتهاد في المذهب لم يجز له العمل به؛ لاحتمال أن يكون قد ~~خفي عليه هذا، وقد قيل لابن خزيمة1: هل تعرف سنة لرسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ قال: لا2، والله أعلم. # العاشرة3: ms082 يجوز للمفتي المنتسب إلى مذهب أن يفتي بمذهب آخر في مسألة إن ~~كان مجتهدا فأداه اجتهاده إلى المذهب الآخر فيها، أما غير المجتهد فلا يجوز ~~أن يفتي بغير مذهب مقلده، إن كان المذهب أوسع وأسهل، وإن كان أحوط فالظاهر ~~الجواز، ثم عليه بيان ذلك في فتواه. # الحادية عشرة4: ليس للمفتي والعامل على مذهب الشافعي في مسألة ذات قولين ~~أو وجهين أن يفتي أو يعمل بما شاء منهما من غير نظر، بل عليه في القولين أن ~~يعمل بالمتأخر منهما إن علمه، وإلا فبالذي رجحه الشافعي، وإلا لزمه البحث ~~عن أرجحهما، فإن كان أهلا للترجيح استقل به متعرفا ذلك من PageV01P195 # نصوص الشافعي ومآخذه وقواعده، وإلا فلينقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه ~~الصفة وإلا توقف، أما الوجهان1 فيعرف أرجحهما بما سبق إلا أنه لا اعتبار ~~بالمتأخر إلا إذا وقعا عن شخص واحد، وإن كان أحدهما منصوصا للشافعي والآخر ~~مخرجا فالمنصوص راجح غالبا، ولو وجد من ليس أهلا للترجيح خلافا في الأرجح ~~اعتمد ما صححه الأكثر والأعلم والأروع، فإن تعارض أعلم وأورع قدم الأعلم، ~~فإن لم يبلغه عن أحد ترجيح اعتبر صفات الناقلين للقولين، والقائلين ~~للوجهين، فما رواه البويطي والمزني والربيع المرادي مقدم عند أصحابنا على ~~ما رواه الربيع الجيزي2 وحرملة3، ويترجح أيضا ما وافق أكثر أئمة المذهب، ~~وكذا ما وافق من القولين مذهب أبي حنيفة على الصحيح إن لم يجد مرجحا بما ~~سبق، ولو تعارض جزم مصنفين فتعارض الوجهين، ولو جزم ثالث مساو لأحدهما ~~بخلافهما رجحناهما عليه، ونقل العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه ~~المتقدمين أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبا، ومما ينبغي أن يرجح به أحد ~~القولين أكون الشافعي ذكره في بابه ومظنته والآخر مستطردا في باب آخر، ~~ووجوه الترجيح كثيرة لا يسع هذا المختصر استيعابها. # الثانية عشرة: يكره للمفتي أن يقتصر في جوابه على ذكر الخلاف كقوله: في ~~المسألة قولان، أو وجهان، أو روايتان، أو خلاف، أو يقول يرجع إلى رأي ~~PageV01P196 # القاضي ونحو ذلك، فإنه ليس بجواب، ومقصود المستفتي بيان ما يعمل ms083 به ~~فينبغي أن يجزم بما هو الراجح، فإن لم يظهر له انتظر ظهوره، أو امتنع من ~~الإفتاء في ذلك كما كان جماعات من كبار أصحابنا يمتنعون من الإفتاء في حنث ~~الناسي1، وقيل: يأخذ بالأحوط. # الثالثة عشرة: يجوز له أن يفتي وهناك أفضل منه إذا كملت أهليته، فقد كانت ~~جماعة من الصحابة يفتون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم ~~الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم2- وجماعة من التابعين يفتون على عهد ~~الصحابة، منهم: سعيد بن المسيب3. # وقد أخبر شيخنا شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون4 من أخيه شيخ ~~الإسلام نجم الدين5 أنه جمع أسماء الذين أفتوا في عهد سيدنا رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- في قوله "من الطويل": # لقد كان يفتي في زماننا نبينا ... مع الخلفاء الراشدين أئمة6 PageV01P197 # معاذ وعمار وزيد بن ثابت ... أبي ابن مسعود وعوف حذيفة # ومنهم أبو موسى وسلمان حبرهم ... كذاك أبو الدرداء وهو تتمة # وأفتى بمرآة أبو بكر الرضي ... وصدقه فيها وتلك مزية # PageV01P198 ### | النوع الثالث: في آداب الفتوى # وفيه مسائل 1: # إحداها2: يلزم المفتي أن يبين الجواب بيانا يزيل الإشكال، ثم له الاقتصار ~~على الجواب شفاها، فإن لم يعرف لسانه كفاه ترجمة ثقة واحد، وله الجواب ~~كتابة وإن كانت على خطر، وكان القاضي أبو حامد3 كثير الهرب من الفتوى في ~~الرقاع4. # الثانية5: أن تكون عبارته واضحة يفهمها العامة، ولا يزدريها الخاصة، ~~وليحتزر عن القلاقة والاستهحان، وإعراب غريب أو ضعيف، وذكر غريب لغة، ونحو ~~ذلك. # الثالثة6: إذا كان في المسألة تفصيل لا يطلق الجواب فإنه خطأ، ثم له ~~PageV01P198 # أن يستفصل السائل إن حضر، ويعيد السؤال في رقعة أخرى إن كان السؤال في ~~رقعة ثم يجيب، وهذا أولى وأسلم، وله أن يقتصر على أحد الأقسام إذا علم أنه ~~الواقع للسائل، ثم يقول هذا إذا كان الأمر كذا، وله أن يذكر الأقسام في ~~جوابه، ويذكر حكم كل قسم، لكن هذا كرهه أبو الحسن القابسي1 من أئمة ~~المالكية وغيره وقالوا: هذا تعليم للناس الفجور، وإذا لم يجد المفتي من ~~يسأله فصل ms084 له الأقسام، واجتهد في بيانها. # الرابعة2: إذا كان في الرقعة مسائل فالأحسن ترتيب الجواب على ترتيب ~~السؤال، ويجوز ترك الترتيب، ويشبه معنى قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه} الآية ~~[آل عمران: 106] ، وليس أدبا كون السؤال بخط المفتي، ويجوز أن يكون ~~بإملائه، وكان الشيخ أبو إسحاق أحيانا يكتب السؤال على ورق له، ثم يكتب ~~الجواب، وليس له أن يكتب الجواب على ما علمه من صورة الواقعة، فإن أراد ~~خلافه قال: إن كان الأمر كذا فجوابه كذا، وليصبر المفتي على تفهم الجواب ~~للمستفتي، فثوابه على ذلك جزيل، وليكن تأمله للرقعة شافيا3، ويعتني في آخر ~~الكلام أشد فإن السؤال في آخرها، وقد يتقيد جميع الكلام بكلمة في آخرها ~~ويغفل عنها، قال الصيمري: وينبغي أن يكون توقفه في المسألة السهلة كالصعبة ~~ليعتاده، وكان محمد بن الحسن4 يفعله، وإذا وجد فيها كلمة مشتبهة ~~PageV01P199 # سأل المستفتي عنها ونقطها وضبطها، وإن وجد لحنا فاحشا أو خطأ يحيل المعنى ~~أصلحه، وإن رأى بياضا في أثناء سطر أو آخره خط عليه أو شغله؛ لأنه ربما قصد ~~المفتي بالإيذاء فيكتب في البياض بعد فتواه ما يفسدها كما يقال: إنه كتب ~~إلى القاضي أبي حامد: ما تقول فيمن مات وخلف بنتا واحدة وابن عم؟ فأجاب: ~~للبنت النصف والباقي لابن العم، فألحق بموضع البياض وأبا وغلط في الجواب، ~~ويستحب1 أن يقرأها على حاضريه المتأهلين لذلك ويشاورهم ويباحثهم برفق وإن ~~كانوا تلامذته للاقتداء بالسلف، ورجاء ظهور ما يخفى عليه، إلا أن يكون فيها ~~ما يقبح إبداؤه، أو يريد السائل كتمانه، وليكتب2 الجواب بخط واضح وسط لا ~~دقيق خاف، ولا غليظ جاف، بقلم صحيح غير جاف، واستحب بعضهم ألا تختلف أقلامه ~~خوفا من التزوير ولئلا يشتبه خطه، وإذا كتبه أعاد نظره فيه خوفا من اختلال ~~وقع فيه وإخلال ببعض المسئول عنه، ويختار أن يكون ذلك قبل كتابة اسمه وختم ~~الجواب. # الخامسة3: إذا كان هو أول من يجيب على السؤال فجرت العادة قديما وحديثا ~~بأن يكتب في حاشية الناحية اليسرى من الرقعة، ولا يكتب فوق البسملة ms085 بحال، ~~ويستحب عند إرادة الإفتاء أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي الله ~~تعالى، ويصلي على محمد -صلى الله عليه وسلم- ويدعو ويقول: {رب اشرح لي ~~صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي} [طه: 25-28] ونحو ~~ذلك، وجاء عن مكحول4 ومالك أنهما كانا لا يفتيان حتى يقولا: لا حول ولا ~~PageV01P200 # قوة إلا بالله، وعن بعضهم أنه كان بعد الاستعاذة يقول: {سبحانك لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا} الآية [البقرة: 32] {ففهمناها سليمان} الآية [الأنبياء: ~~79] ويصلي ويسلم على محمد وآله وصحبه وسائر النبيين والصالحين، ويدعو: ~~اللهم وفقني وسددني واجمع لي بين الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان ~~آمين، فإن لم يأت بذلك عند كل فتوى فليأت به عند أول فتوى يفتيها في يومه ~~مضافا إليه سورة الفاتحة وآية الكرسي وما تيسر، فمن ثابر على ذلك كان موفقا ~~في فتاويه. انتهى. # وقال بعضهم: ويستحب أن يكتب في أول فتواه الحمد لله، أو الله الموفق، أو ~~حسبنا الله، أو حسبي الله، أو الجواب وبالله التوفيق، ونحوه وحذفه آخرون. # قال الصيمري: لو عمل ذلك فيما طال من المسائل واشتمل على فصول وحذف في ~~غيرها كان حسنا، قال شيخ الإسلام النووي: المختار قول ذلك مطلقا، وأحسنه ~~الابتداء بالحمد لله لحديث: "كل أمر ذي بال ... "1، ويقوله بلسانه ويكتبه ~~ويختم جوابه كما قال الصيمري بقوله: والله أعلم، أو بالله التوفيق، وليكتب ~~بعده: كتبه أو قاله فلان بن فلان الفلاني، فينتسب إلى ما يعرف به من قبيلة ~~أو بلد أو صفة أو غير ذلك ثم إلى مذهبه، فإن كان مشهورا بالاسم فلا بأس ~~بالاقتصار عليه، وإذا تعلقت الفتوى بالسلطان يدعو له بالصلاح أو التوفيق أو ~~التسديد ونحو ذلك، ويكره الدعاء له بطول البقاء كما قاله شيخ الإسلام ~~النووي نقلا عن أبي جعفر النحاس2، قال بعضهم: هي تحية الزنادقة3، وفي ~~PageV01P201 # صحيح مسلم في حديث أم حبيبة1 -رضي الله عنها- إشارة إلى أن الأولى ترك ~~نحو هذا الدعاء بطول البقاء وأشباهه2، قال بعضهم: يكتب المفتي بالمداد دون ~~الحبر خوفا من ms086 الحك، قال: والمستحب الحبر لا غير، قال شيخ الإسلام النووي: ~~لا يختص واحد منهما بالاستحباب بخلاف كتب العلم، فالمستحب فيها الحبر؛ ~~لأنها تراد للبقاء، والحبر أبقى. # السادسة3: ينبغي أن يختصر جوابه غالبا بحيث تفهمه العامة فهما جليا، قال ~~صاحب الحاوي4: يجوز أو لا يجوز، أو حق أو باطل، وحكي عن القاضي أبي حامد ~~أنه كان يختصر غاية ما يمكن، واستفتي في مسألة آخرها يجوز أم لا؟ فكتب لا، ~~وبالله التوفيق5. # السابعة6: قال الصيمري والخطيب: إذا سئل عمن قال: أنا أصدق من محمد بن ~~عبد الله، أو الصلاة لعب، وشبه ذلك أي مما يقتضي إراقة دمه فلا يبادر ~~بقوله: هذا حلال الدم، أو عليه القتل، بل يقول: إن ثبت هذا بإقراره أو ~~ببينة استتابه السلطان، فإن تاب قبلت توبته وإلا فعل به كذا وكذا وأشبع ~~القول في ذلك، وإن سئل عن شيء يحتمل الكفر وعدمه قال: يسأل هذا القائل فإن ~~قال: أردت كذا فالجواب كذا، أو كذا فالجواب كذا، وإن سئل عمن قتل أو قلع ~~عينا أو غيرها احتاط وذكر شروط القصاص، وإن سئل عمن فعل ما يقتضي تعزيزا ~~ذكر ما يعزر به فيقول: ضربه السلطان ما بين كذا وكذا ولا يزاد على كذا ~~PageV01P202 # انتهى كلامهما، قال ابن الصلاح1: ولو كتب عليه القصاص أو التعزير بشرطه ~~فليس ذلك بإطلاق، بل تقييده بشرطه يحمل الوالي على السؤال عن شرطه والبيان ~~أولى، وهذا يجري في كثير من المسائل المحتاجة إلى شرط، قال الصيمري وابن ~~الصلاح2: وإذا سئل عن ميراث فليست العادة أن يقول: يشترط في الإرث عدم الرق ~~والكفر وغيرهما من موانع الميراث، بل المطلق محمول على ذلك بخلاف ما إذا ~~أطلق الإخوة والأخوات والأعمام وبنيهم فلا بد أن يقول في الجواب من أبوين ~~أو أب أو أم، وإذا سئل3 عن مسألة عول كالمنبرية4 وهي زوجة وأبوان وبنتان ~~فلا يقل: للزوجة الثمن ولا التسع؛ لأنه لم يطلقه أحد من السلف، بل يقول: له ~~الثمن عائلا وهو ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين، أولها ثلاثة ms087 أسهم من سبعة ~~وعشرين، أو يقول ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: صار ~~ثمنها تسعا، وإذا كان في المذكورين في رقعة الاستفتاء من لا يرث أفصح ~~بسقوطه قال: وسقط فلان، وإن كان يسقط في حال دون حال قال: وسقط فلان في هذه ~~الحالة أو نحو ذلك لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال، وإذا سئل5 عن إخوة وأخوات ~~وبنين وبنات فلا ينبغي أن يقول: {للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] فإن ~~ذلك قدر يشكل على العامي بل يقول: يقتسمون التركة على كذا وكذا سهما كل ذكر ~~سهمان ولكل أنثى سهم مثلا هكذا قال الصيمري، قال الشيخ أبو إسحاق6: ونحن ~~نجد في تعمد العدول عنه حزازة في النفس لكونه لفظ القرآن العزيز وأنه قل ما ~~يخفى معناه على أحد7، وينبغي PageV01P203 # أن يكون في جواب مسائل المناسخات شديد التحرز والتحفظ وليقل فيها: لفلان ~~كذا وكذا بميراثه من أبيه ثم من أمه ثم من أخيه، قال الصيمري: وكان بعضهم ~~يختار أن يقول: لفلان كذا وكذا سهما بميراثه عن أبيه كذا وعن أمه كذا وعن ~~أخيه كذا قال: وكل هذا قريب، قال الصيمري وغيره: وحسن أن يقول: تقسم التركة ~~بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا1. # الثامنة2: ينبغي أن يلصق الجواب بآخر الاستفتاء ولا يدع فرجة لئلا يزيد ~~السائل شيئا يفسدها، وإذا كان موضع الجواب ملصقا كتب على موضع الإلصاق، ~~وإذا ضاق موضع الجواب فلا يكتبه في ورقة أخرى، بل في ظهرها أو حاشيتها وهي ~~أولى في أرجح الوجوه، وثالثها سواء والأمر قريب، وإذا ظهر للمفتي3 أن ~~الجواب خلاف غرض المستفتي فليقتصر على مشافهته بالجواب بلا كتابة، وليحذر ~~أن يميل في فتواه مع المستفتي أو خصمه، ووجوه الميل كثيرة لا تخفى، فمنها ~~أن يكتب في جوابه ما هو له، ويترك ما هو عليه، وليس له أن يبدأ في مسائل ~~الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها، ولا يعلم أحدهما ما يدفع به حجة صاحبه ~~كي لا يتوصل بذلك إلى ms088 إبطال حق، وله أن يسأله عن حاله فيما ادعى عليه، فإذا ~~شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع، قال الصيمري: وينبغي للمفتي4 إذا ~~رأى للسائل طريقا يرشده إليه وينبهه عليه، يعني ما لم يضر غيره ضررا بغير ~~حق، قال كمن حلف لا ينفق على زوجته شهرا يقول: أعطها من صداقها أو قرضا أو ~~بيعا ثم تبرئها منه، وكما حكي أن رجلا قال لأبي حنيفة: حلفت أن أطأ امرأتي ~~في نهار رمضان ولا أكفر ولا أعصي5 PageV01P204 # فقال: سافر بها1، قال الصيمري: إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي ~~بما فيه تغليظ وتشديد وهو مما لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز ذلك زجرا ~~وتهديدا في مواضع الحاجة حيث لا يترتب عليه مفسدة، كما روي عن ابن عباس ~~-رضي الله عنهما- أنه سأله رجل عن توبة القاتل فقال: لا توبة له2، وسأله ~~رجل آخر فقال: له توبة، ثم قال: أما الأول فرأيت في عينيه إرادة القتل ~~فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكينا قد قتل فلم أقنطه، وكذا إن سأله رجل ~~فقال: إن قتلت عبدي هل علي قصاص؟ 3 فواسع أن يقول: إن قتلت عبدك قتلناك؛ ~~لأن القتل له معان4، ولو سئل عن سب الصحابة هل يوجب القتل؟ فواسع أن يقول: ~~روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من سب أصحابي فاقتلوه" 5 ~~ويفعل ذلك زجرا للعامة ومن قل دينه ومروءته6. # التاسعة7: يجب على المفتي أن يقدم الأسبق من رقاع الفتوى، كما يفعله ~~القاضي في الخصوم، فإن جاءوا دفعة أو جهل السابق أقرع لم يحصل إيثار ~~ومهايأة، والصحيح تقديم امرأة ومسافر شد رحله ويتضرر بتخلفه عن الرفقة ~~ونحوهما وإذا رأى المفتي خط غيره في فتوى ممن هو من أهلها وإن كان دونه ~~ووافق ما عنده كتب تحت خطه: الجواب صحيح أو جوابي كجوابه ونحو PageV01P205 # ذلك، وله أن يذكر الحكم بعبارة أخصر وأرشق، وأما إذا رأى فيها خط من ليس ~~أهلا للفتوى1 فقال الصيمري: لا يفتي معه؛ لأن في ذلك تقريرا لمنكر، ms089 بل له ~~أن يضرب عليه وإن لم يأذن صاحب الرقعة2، وله انتهار السائل وزجره وتعريفه ~~قبح ما فعله، ولا يحبس الرقعة عنده، وإن رأى فيها اسم من لا يعرفه سأل عنه، ~~فإن لم يعرفه فله الامتناع، والأولى أن يشار على صاحبها بإبدالها، فإن أبى ~~أجابه شفاها3، قال ابن الصلاح: وإذا خاف4 فتنة من الضرب على فتيا العادم ~~الأهلية ولم تكن خطأ عدل إلى الامتناع من الفتيا معه، فإن غلبت فتاويه على ~~فتاويه لتغلبه بجاه أو تلبيس بحيث صار امتناع المتأهل من الفتيا معه مضرا ~~المستفتين فليفت معه، فإن ذلك أهون الضررين، أما إذا وجد فتيا من هو أهل في ~~مذهبه وهي خطأ فلا يجوز له الامتناع من الإفتاء، وليقطع الرقعة بإذن ~~صاحبها، أو يكتب صواب جوابه عند ذلك، قال صاحب الحاوي: لا يسوغ لمفت إذا ~~استفتى أن يتعرض لجواب غيره برد ولا تخطئة، ويجيب بما عنده من موافقة أو ~~مخالفة5. # العاشرة6: إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلا، ولم يحضر صاحب الواقعة، فقال ~~الخطيب: ينبغي له أن يرشد المستفتي إلى مفت آخر إن كان، وإلا فيمسك حتى ~~يعلم الجواب، وإذا كان في رقعة الاستفتاء مسائل فهم بعضها دون بعض أجاب عما ~~فهم وسكت عن الباقي، وإذا فهم من السؤال صورة وهو يحتمل PageV01P206 # غيرها فلينص عليها في أول جوابه فيقول: إن كان قد قال كذا أو فعل كذا وما ~~أشبه ذلك فالأمر كذا وكذا، وإلا فكذا وكذا، وليس1 بمنكر أن يذكر المفتي في ~~فتواه حجة مختصرة قريبة من آية أو حديث، ومنعه بعضهم2 فرقا بين الفتيا ~~والتصنيف3، وفصل الصيمري فقال: لا يذكر الحجة إن أفتى عاميا ويذكرها إن ~~أفتى فقيها4، قال شيخ الإسلام النووي5: وهذا التفصيل أولى فقد يحتاج المفتي ~~إلى أن يشدد ويبالغ فيقول: هذا إجماع المسلمين، أو لا أعلم في هذا خلافا، ~~أو من خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب أو الإجماع، أو فقد أثم أو ~~فسق وعلى ولي الأمر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الأمر على حسب ms090 ما تقتضيه المصلحة ~~ويوجبه الحال. # قال ابن الصلاح6: وليس للمفتي إذا استفتي في شيء من المسائل الكلامية أن ~~يفتي بالتفصيل، بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض في ذلك أو في شيء ~~منه وإن قل، ويأمرهم بأن يقتصروا على الإيمان جملة من غير تفصيل ويقولوا ~~فيها وفي كل ما ورد من آيات الصفات وأخبارها المتشابهة: إن الثابت فيها في ~~نفس الأمر هو اللائق فيها بجلال الله، ونكل علم تفصيله إلى الله، فهذا ~~ونحوه هو الصواب من أئمة الفتوى، وهو سبيل السلف، وهو أصون وأسلم للعامة، ~~وإذا عزر ولي الأمر من حاد عن هذه الطريقة فقد تأسى7 بعمر بن الخطاب -رضي ~~الله عنه- في تعزير صبيغ8 PageV01P207 # الذي كان يسأل عن المتشابهات على ذلك، والمتكلمون من أصحابنا معترفون ~~بصحة هذه الطريقة وأنها أسلم لمن سلمت له، واستفتي الغزالي في كلام الله ~~فكان من جوابه1: وأما الخوض في أن كلام الله حرف وصوت أو ليس كذلك فهو ~~بدعة، وكل من يدعو العوام إلى الخوض في ذلك فليس من أئمة الدين، وإنما هو ~~من المضلين، وقال في رسالة له: الصواب للخلق كلهم إلا الشاذ النادر سلوك ~~مسلك السلف في الإيمان المرسل، والتصديق المجمل بكل ما أنزله الله وأخبر به ~~رسوله -صلى الله عليه وسلم- من غير بحث وتفتيش، والاشتغال بالتقوى ففيه شغل ~~شاغل، وإذا سئل فقيه عن مسألة في تفسير القرآن فإن كانت تتعلق بالأحكام ~~أجاب عنها وكتب خطه بذلك، كمن يسأل عن الصلاة الوسطى والقرء ومن بيده عقدة ~~النكاح، وإن كانت ليست من مسائل الأحكام كالسؤال عن "الرقيم"2 والنقير3 ~~والتقطمير4 والغسلين5 رده إلى أهله، ووكله إلى من نصب نفسه له من أهل ~~التفسير، ولو أجابه شفاها لم يستقبح، قال شيخ الإسلام النووي رحمه الله: ~~ولو قيل إنه يحسن كتابته للفقيه العارف لكان حسنا، وأي فرق بينه وبين مسائل ~~الأحكام، والله تعالى أعلم6. PageV01P208 ### | النوع الرابع: آداب المستفتي وصفته وأحكامه # وفيه مسائل 1: # إحداها: في صفة المستفتي2، كل من لم يبلغ درجة المفتي فيما يسأل عنه من ~~الأحكام ms091 الشرعية، فهو مستفت مقلد من يفتيه، والمختار في التقليد أنه قبول ~~قول من يجوز عليه الإصرار على الخطأ بغير حجة على عين ما قبل قوله، ويجب ~~على الاستفتاء إذا نزلت به حادثة، فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه ~~الرحيل إلى من يفتيه وإن بعدت داره، وقد رحل خلائق من السلف في المسألة ~~الواحدة الليالي والأيام3. # والثانية4: يلزم المستفتي أن يستفتي من عرف علمه وعدالته، فإن جهلت ~~فالأصح الاكتفاء بستارته، ولو جهل علم لزمه البحث عنه، ولا يجوز له استفتاء ~~من انتسب للعلم وانتصب للتدريس والإقراء، وإذا وجب البحث فهل يفتقر إلى عدد ~~التواتر أم يكفي عدل أو عدلان احتمالان صحح الغزالي الثاني، والذي قاله ~~الأصحاب أنه يجوز استفتاء من استفاضت أهليته، وإذا اجتمع اثنان فأكثر ممن ~~يجوز استفتاؤهم فله استفتاء من شاء منهم على الصحيح، قال أبو عمرو بن ~~الصلاح: متى اطلع على الأوثق فالأظهر أنه يلزمه تقليده، كما يجب تقديم أرجح ~~الدليلين وأوثق الراويين، فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين، وأعلم ~~الورعين، فإن جهل حالهم تخير، والأصح جواز تقليد الميت مطلقا، PageV01P209 # لأن المذهب لا تموت بموت أصحابها؛ ولهذا يعتد بها بعدهم في الإجماع ~~والخلاف، ولأن موت الشاهد قبل الحكم لا يمنع الحكم بشهادته بخلاف فسقه. # الثالثة1: هل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء ليأخذ برخصه ~~وعزائمه؟ قال الشيخ أبو إسحاق: ينظر إن كان منتسبا إلى مذهب معين بني على ~~أن العامي له مذهب أم لا وجهان، أصحهما عند القفال نعم فلا يجوز مخالفته، ~~والثاني لا لأن المذهب لعارف الأدلة، فيجوز أن يستفتي من شاء من شافعي ~~وحنفي وغيرهما، قال شيخ الإسلام النووي2 وغيره: ليس له أن يتبع أي مذهب شاء ~~بمجرد التشهي والميل إلى ما وجد عليه آباءه، أي ونحوهم كأهل بلده، وليس له ~~التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة وغيرهم من الأولين وإن كانوا أعلم وأعلا ~~درجة ممن بعدهم؛ لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه ~~لاشتغالهم بجهاد الكفار لإعلاء كلمة الإسلام، فليس ms092 لأحد منهم مذهب3 محرر، ~~وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناخلين المهذبين لمذاهب الصحابة ~~والتابعين، والقائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح ~~أصولها وفروعها كمالك وأبي حنيفة وغيرهما، ولما كان الشافعي4 قد تأخر عن ~~هؤلاء الأئمة في العصر، ونظر في مذاهبهم ومذاهب من قبلهم نحو نظرهم في ~~مذاهب من قبلهم، فسبرها وخبرها وانتقدها واختار راجحها، ووجد من قبله قد ~~كفاه مؤنة التصوير والتأصيل فتفرع للاختيار والترجيح والتكميل والتنقيح، مع ~~كمال معرفته وبراعته في العلوم وترجحه في PageV01P210 # ذلك على من سبقه، ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك، فكان مذهبه أولى ~~المذاهب بالاتباع والتقليد1، وهذا مع ما فيه -رضي الله عنه- من الإنصاف ~~والسلامة من القدح في أحد الأئمة، فمذهبه جلي واضح، إذا تأمله العامي وغيره ~~منصفا قاده إلى اختيار مذهب الشافعي والتمذهب به2. انتهى ما قالوه. # وقولهم رحمهم الله: ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك مما لا يمتري فيه ~~ولا يماري فيه المنصف، وهذا ومن قواعده: إذا صح الحديث فهو مذهبي3، وفي ~~رواية: فاضربوا بقولي الحائط4، وفي رواية عنه: إذا رأيتم عن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- الثبت فاضربوا على قولي وارجعوا إلى الحديث وخذوا به فإنه ~~قولي، وليست هذه القاعدة لأحد غيره، أما الحنفية والمالكية فلا يخرجون عن ~~أقوال إمامهم ونقول أصحابهم قيد شبر، وأما الحنابلة فإنهم وإن أخذ مجتهد ~~وهم كما ذكروا بأصح الأدلة فهم مقيدون برواية عن إمامهم توافقه، وإلا فلا ~~يعدون ذلك من المذهب، بل اختيار من ذلك المجتهد، وأما الشافعي -رضي الله ~~عنه- فيترك نصه الصريح لصحة الحديث، ويكون ما صح فيه الحديث مذهبه لقاعدته ~~المقررة، وناهيك بها وحدها، ومن أشهر الأئمة بعده الإمام داود الظاهري ~~والإمام أحمد -رضي الله عنهما- وهما من أتباعه وتلامذته بلا شك، وهما لم ~~يصحبا الشافعي في مصر حين اتسع علمه وألف الكتب الجديدة التي هي مذهبه ~~الآن، وإنما أخذا عنه الكتب القديمة، والإمام أحمد هو أحد رواة كتابه ~~القديم المسمى بالحجة5، فهما لم ينظرا ms093 إلا في الكتب القديمة مع حسن ~~اعتقادهما PageV01P211 # للشافعي، ونحن نجد أكثر الأقوال القديمة موافقة قول الإمام أحمد، هذا وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: "قدموا قريشا"، وفي رواية: "ولا تقدموها" 1، ~~والشافعي من أشرف قريش من بني المطلب2، وقال صلى الله عليه وسلم: "أما بنو ~~هاشم وبنو المطلب فشيء واحد" وشبك بين أصابعه3، وسوى صلى الله عليه وسلم ~~بينهما في التقديم في الغنيمة وفي سهم وذي القربى دون غيرهم من بني عمهم مع ~~سؤالهم له، وقال صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش" 4 وقال صلى الله ~~عليه وسلم: "الناس تبع لقريش في الخير والشر" 5، وفضل قريش على غيرهم مجمع ~~عليه، وصح حديث: "عالم قريش يملأ الأرض علما" 6، وحديث: "يبعث الله لهذه ~~الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" 7، وفي لفظ آخر: "يبعث ~~الله في رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم" 8، وممن ~~ذكره الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وقال عقيبه9: نظرت في سنة مائة ~~فإذا هو رجل من آل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمر بن عبد PageV01P212 # العزيز1، ونظرت في رأس المائة الثانية فإذا هو رجل من آل رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- محمد بن إدريس الشافعي2، وهذا ثابت عن الإمام أحمد سقى ~~الله عهده3، ومن كلامه: إذا سئلت عن مسألة لا أعلم فيها خبرا قلت فيها بقول ~~الشافعي؛ لأنه عالم قريش4، وذكر الحديث وتأوله عليه، وهو -رضي الله عنه- ~~المتميز في الاستنباط من الكتاب والسنة ومعرفة الناسخ والمنسوخ وغير ذلك من ~~أحكام القرآن وغيره، وأول من صنف في أصول الفقه قطعا، واشتغل في العربية ~~عشرين سنة مع أنه عربي اللسان من أفصح العرب وأبلغها، ويحتج بقوله كما يحتج ~~بقول امرئ القيس5 والنابغة6 وغيرهما، واجتمع فيه شرف النسب، وشرف المولد، ~~وشرف المنشأ، وشرف المحل7، رضي الله عنه وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين. ~~PageV01P213 # الرابعة1: حيث دونت المذاهب وقلنا بلزوم التقليد لمن يعتقده أفضل من ~~غيره، أو مساويا له لا مفضولا، فهل ms094 للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب إن ~~قلنا بالتخير ينبغي أن يجوز كما لو قلد في القبلة هذا أياما، وهذا أياما، ~~وكذلك لو لم نخيره، بل ألزمناه بالبحث وتغير ظنه، ولو قلد مجتهدا في مسائل ~~وآخر في مسائل أخرى، واستوى المجتهدان عنده أو خيرناه جاز ما لم يؤد إلى ~~تتبع الرخص، ومنع الأصوليون منه مطلقا للمصلحة، أما تتبع الرخص فهو أن ~~يختار من كل مذهب ما هو أهون عليه فهو حرام، وفي فسقه بذلك خلاف. # الخامسة2: قال الخطيب البغدادي: إذا لم يكن في الموضع الذي فيه المستفتي ~~إلا مفت واحد فأفتاه لزمه فتواه، وقال السمعاني3: لم يلزمه العمل به إلا ~~بالتزامه، ويجوز أن يقال: يلزمه إذا أخذ في العمل به، وقيل: إذا وقع في ~~نفسه صحته، قال السمعاني: وهذا أولى الأوجه4، قال في الروضة5: من سأل مفتيا ~~ولم تسكن نفسه إلى فتياه هل يلزمه أن يسأل ثانيا وثالثا لسكن نفسه أم له ~~الاقتصار على الأول وهو القياس وجهان6. انتهى. PageV01P214 # وإذا استفتي فأجيب ثم حدثت تلك الواقعة مرة أخرى فهل يلزمه تجديد السؤال؟ ~~وجهان: # أحدهما: نعم، لاحتمال تغير رأي المفتي. # والثاني: لا، قال النووي: وهو الأصح؛ لأنه قد عرف الحكم الأول، والأصل ~~استمرار المفتي عليه. # وله أن يستفتي بنفسه، وأن يبعث ثقة يعتمد خبره أو رقعة، وله الاعتماد على ~~خط المفتي إذا أخبره من يثق بقوله إنه خطه، أو كان يعرف خطه، ويكفي ترجمان ~~واحد إذا لم يعرف لغته1، والله أعلم. # السادسة2: ينبغي للمستفتي أن يتأدب مع المفتي ويبجله في خطابه وجوابه، ~~وإذا خاطبه لا يومئ بيده إلى وجهه، ولا يقل ما تحفظه في كذا؟ أو ما مذهب ~~إمامك في كذا؟ وإذا أجابه لا يقل هكذا أنا قلت، ولا يقل إن كان جوابك ~~موافقا لمن كتب فاكتب وإلا فلا تكتب، ولا يسأله وهو قائم أو مستوفز أو ~~مشغول بما يمنعه من تمام الفكر، ولا يطالبه بدليل، فإن أحب أن تسكن نفسه ~~بسماع الحجة طلبها في مجلس آخر أو في ذلك ms095 المجلس بعد قبول الفتوى مجردة، ~~قال ابن السمعاني3: لا يمنع من طلب الدليل، وإنه يلزم المفتي أن يذكر له ~~الدليل إن كان مقطوعا به، وإلا فلا لافتقاره إلى اجتهاد يقصر فهم العامي ~~عنه، قال شيخ الإسلام النووي: والصواب الأول4، وينبغي أن يبدأ من المفتين ~~بالأسن الأعلم الأولى فالأولى إن أراد جمع الأجوبة في رقعة، فإن أراد إفراد ~~الأجوبة بدأ بمن شاء، وتكون رقعة الاستفتاء واسعة ليتمكن المفتي من استيفاء ~~الجواب5. PageV01P215 # السابعة1: ينبغي أن يكون كاتب الرقعة ممن يحسن السؤال مع إبانة الخط ~~واللفظ وصيانتهما عما يتعرض للتصحيف، ويبين موضع السؤال، وينقط مواضع ~~الاشتباه ويضبطها، قال الصيمري: يحرص أن يكون كاتبها من أهل العلم2، وكان ~~بعض الفقهاء3 ممن له رياسة لا يفتي إلا في رقعة كتبها رجل بعينه من أهل ~~العلم ببلده، ولا يدع الدعاء في الرقعة لمن يستفتيه في أولها وآخرها كقوله: ~~ما تقول رحمك الله، أو سددك الله، أو وفقك الله، وإن جمع ضميره للتعظيم فلا ~~بأس، وإن كانوا جماعة يقول: رحمكم الله سددكم الله وفقكم الله رضي الله ~~عنكم، وفي آخرها أفتونا مأجورين أو مثابين، أو ولكم جزيل الأجر والثواب، ~~ونحو ذلك، وإذا لم4 يجد صاحب الواقعة مفتيا ولا من ينقل له حكمها لا في ~~بلده ولا في غيره، فالصحيح أنه غير مكلف فلا يؤاخذ بشيء يصنعه فيها والله ~~أعلم، ومنه نسأل التوفيق والعصمة والهدى والرضوان والرحمة. PageV01P216 ### | الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها ### | مدخل # ... # الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها # ملخصا من كتاب فاتحة العلوم1 لحجة الإسلام الغزالي، ولنقدم على ذكرهما ~~مقدمة في بيان سبب إقبال الخلق على المناظرة. # اعلم2 أن الأعصار قد اختلفت في إقبال الخلق على أنواع العلوم، فالخلافة ~~بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تولاها الخلفاء الراشدون، وهم أئمة ~~مستقلون بالفتوى، كانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا في وقائع نادرة، وكان ~~الإسلام في زمانهم على طراوتهم3، ولم يكن لهم رغبة في العلم إلا لله تعالى، ~~لا جرم4 كان اشتغالهم بمهمات الدين، ومراقبة القلب وملازمة ms096 التقوى، وطلب ~~علم القرآن والحديث للعمل والهداية لا للرياء والرواية5، فأقبلوا على الله ~~بكنه5 همتهم. # فلما انقضى عصرهم تولى الخلافة أقوام لا استقلال لهم بعلم الفتوى، واتسعت ~~الولاية فاحتاجوا إلى القضاة والفقهاء المستقلين بالفتاوى والأقضية، وكان ~~قد بقي من علماء التابعين من هو على الطراز الأول في ملازمة صفو الدين من ~~الشوائب، وكانوا إذا طلبوا هربوا، فاضطر الخلفاء إلى إكرامهم والإلحاح في ~~طلبهم. # فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء بذلك فأكبوا على طلب علم الفتاوى توصلا ~~إلى نيل العز والجاه، وكثرت الرغبة في علم المذهب واتسع [بيداء PageV01P219 # العلم] 1 وأكب الناس عليه، ثم عرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم، ~~وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من حرم، ومنهم من أكرم2. # ولم يخل المكرم3 عن ذل الطلب4، فأصبح المطلوب طالبا، والهارب الراهب ~~راغبا، إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دينه المعرضين عن ~~السلاطين وولاياتهم وأموالهم، ومن فضل الله تعالى أنه لم يخل عصر منهم. # وقد كان أكثر الإقبال في ذلك العصر على علم الفتاوى والأقضية، وهو المسمى ~~الآن بعلم المذهب، ثم نبعت طائفة المتكلمين من المعتزلة5 وغيرهم، وظهر من ~~الصدور والخلفاء من مال إلى البحث عن العقائد وإلى التعصب فيه، وأقبلوا على ~~من اشتغل بذلك العلم، فأكب الناس على الكلام وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا ~~فيه طرق المجادلات والمناقضات، وزعموا أن غرضهم الذب6 عن الدين والنضال عن ~~السنة كما زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بالفتوى ليتميز الحلال من ~~الحرام. # ثم ظهر بعد ذلك من الصدورمن لم يستصوب7 الخوض في أصول العقائد لما فيه من ~~الفتنة فأعرض عن المتكلمين، وأقبل على التعصب للمذاهب في الفروع، وأقبل على ~~من يناظر في الفقه وبيان الأولى من مذهب أبي حنيفة PageV01P220 # والشافعي -رضي الله عنهما- خاصة، فترك الناس الكلام وانثالوا1 على ~~المسائل الخلافية بين أبي حنيفة والشافعي خاصة. # وزعموا أنهم إنما يفعلون ذلك لله تعالى، وغرضهم استنباط دقائق الشرع ~~وبيان مآخذ الأحكام، وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا طرق المجادلات، وأعرضوا ~~عن الخلاف مع مالك وأحمد ms097 بن حنبل وسفيان مع أنهم كانوا يخالفون في جملة من ~~الأحاديث، والبحث عن معاني الأحاديث وما لا يصح منها وما يصح أهم في مآخذ ~~الأحكام، ولكن كانت رغبتهم بحسب ميل [الولاة و] 2 الصدور للتوسل إلى الصلات ~~والولايات3، فلم يشتغلوا إلا بما يروج4 عندهم، ثم لم يسكتوا عن قولهم إنه ~~لا باعث لهم إلا الدين وإحياء الشرع، ولو مالت نفوس أرباب الولايات إلى ~~الخلاف مع أحمد بن حنبل ومع مالك وغيرهم لاشتغلوا بالبحث عن مذاهبهم ~~ومناقضاتهم. # قال: فهكذا كان ترتيب الأعصار إلى الآن، ولا ندري ما قدره الله تعالى ~~فيما بعد من الأعصار، فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرة ~~لا غير5. انتهى. # هذا ما كان في زمن الغزالي، وأما في عصرنا هذا فقد قصرت الهمم، وراج ~~الجهل وذووه، فلا إكباب لمن ينتسب للعلم على شيء مما تقدم، ولكن ربما وقع ~~بينهم مناظرات ومناقضات لائقة بحالهم، ونحن إنما اتبعنا PageV01P221 # الإمام الغزالي في ذكر أمرها تنبيها على شروطها وآفاتها لاحتمال وقوعها ~~فليعلم. # قال الغزالي1 بعد ذكره الباعث على الإكباب على الخلاف والمناظرة ~~المذكورة: فقل ما ترى رجلا يتعلم الخلاف خوفا من أن يقال له يوم القيامة: ~~لم تتعلم الخلاف؟ وما من أحد إلا ويخاف أن يقال له يوم القيامة: لم لم تخلص ~~في علمك وعملك؟ ولم راءيت الناس بطاعتك، يا فاجر ويا غاوي2 يا فاسق يا ~~مرائي؟ كما ورد في الخبر أن المرائي ينادى بهذه الألقاب3، ومع ذلك لا يتعلم ~~علم الإخلاص، وطريق الحذر من الرياء، وما يجري هذا المجرى من صفات القلب، ~~فانظر الآن من يتعلم لخوف الآخرة ما أهم ما يشتغل به. انتهى. PageV01P222 ### | الفصل الأول: في بيان شروط المناظرة # 1: # اعلم أن المناظرة في أحكام الشرع من الدين أيضا، ولكن لها شروط ومحل ~~ووقت. # فمن اشتغل بذلك في وقته ومحله وقام بشروطه فقد اقتدى بالصحابة -رضي الله ~~عنهم- فإنهم تشاوروا في مسائل، وبالسلف الصالحين كالشافعي ومحمد بن الحسن ~~وغيرهما، فإنهم تناظروا في مسائل، وما تناظروا إلا لله ولطلب ما هو ms098 حق عند ~~الله تعالى2، وقد مر قول المذكورين وغيرهما في ذلك، وسيأتي ذكر نبذة يسيرة ~~من عيون مناظرتهم آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى، ولمن يناظر لله وفي ~~الله علامات: الأولى: ألا يشتغل به من لم يتفرغ عن فرض العين؛ لأن غايته ~~أنه فرض كفاية، فيكون كمن ترك الصلاة المفروضة، واشتغل بنسج الثياب ويقول: ~~غرضي بذلك ستر عورة من يصلي، فيقال له: كذبت لو أردت ذلك لصليت أولا لنفسك، ~~ثم نظرت إلى صلاة غيرك. # الثانية: ألا يرى فرض كفاية آخر أهم من المناظرة ويتركه، فإن المناظر طلب ~~مآخذ الشرع لينال رتبة الاجتهاد، وهذا من فروض الكفايات، فإن رأى فرض كفاية ~~معطلا لا قائم به فلا يشتغل بما قام به جماعة. # وعلم الأحاديث في هذا العصر من فروض الكفايات ولا قائم به وقد أشرف ~~PageV01P223 # على الاندارس وهو أصل الدين، فمن يهمل ذلك ويزعم أنه يتعلم الخلاف لله ~~فهو كمن ترك جماعة من الناس عطاشا مشرفين على الهلاك وهو قادر على أن ~~يسقيهم ما يحييهم به فاشتغل بتعلم صناعة الحجامة، وفي الحجامين كثرة وزعم ~~أن غرضه القيام بفرض الكفاية؛ إذ لو خلا البلد عن الحجامين لتعرضوا للهلاك. # ومن جملة فروض الكفاية التي لا قائم بها لا سيما الآن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وقد يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهدا للحرير ملبوسا ~~ومفروشا وهو لا ينكره، ويناظر في دباغ جلد الكلب والتوضي بنبيذ التمر ونحو ~~ذلك مما لا يتفق قط، بل يجري منه ومن غيره في مجلس المناظرة من الغيبة ~~والإيحاش1 والإيذاء ما يعصي به القائل والمستمع ولا يلتفت قلبه إلى شيء من ~~ذلك، ثم يزعم أنه يناظر لله تعالى، فانظر هل كانت مشاورة الصحابة ومناظرة ~~السلف من هذا الجنس؟ # الثالثة: أن يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب أبي حنيفة والشافعي ~~-رحمهما الله تعالى- حتى إذا بان له الحق على لسان خصمه انتقل إليه، كذلك ~~كانت مناظرة السلف، فأما من لا يجتهد فليس له مخالفة صاحب مذهبه، فأي فائدة ~~له في ms099 المناظرة وهو لا يقدر على تركه إن ظهر ضعفه، ولو كانت مباحثته عن محل ~~القولين والوجهين لكان أحرى وأنفع، فإنه ربما يفتي به، ولكن ميله إلى إظهار ~~اتساع علمه في إفحام خصمه2 وإظهار ضعف كلامه. # الرابعة: أن يناظر في واقعة مهمة، أو في مسألة قريبة من الوقوع، فما خاض ~~الصحابة في المشاورة إلا بعد وقوع الواقعة لا قبله إلا في الفرائض لعلمهم ~~بأن ذلك لا بد من وقوعه عن قرب، وقد مر النهي عن المسائل قبل وقوعها، ولا ~~PageV01P224 # ترى المناظر يهتم بتمييز ما تعم به البلوى1 كطلاق السكران وتخليل الخمر ~~وكون الخلع2 فسخا أو طلاقا عما لا تعم به من التوضي بنبيذ التمر، ودباغ جلد ~~الكلب، وذكاة الحمار، ونحو ذلك. # الخامسة: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه منها في المحفل3 والصدور4، ~~فإن الخلوة أجمع للهم وأحرى بصفاء الفكر، وفي حضور الخلق ما يحرك دواعي5 ~~الرياء والحرص على الإفحام ولو بالباطل، وأنت تعلم كسلهم عن الجواب عن ~~المسألة في الخلوة، وتنافسم في المسألة في المحفل. # السادسة: أن يكون في طلب الحق كمنشد6 ضالة يكون شاكرا متى وجدها، ولا ~~يفرق بين أن تظهر على يده أو على يد غيره فيرى رفيقه معينا لا خصما، ويشكره ~~إذا عرقه الخطأ وأظهر له الحق كما لو أخذ طريقا في طلب ضالته فنبهه غيره ~~عليها أنها في طريق آخر، والحق ضالة المؤمن يطلبه كذلك، فحقه إذا ظهر الحق ~~على لسان خصمه أن يفرح به ويشكره لا أنه يخجل ويسود وجهه ويربد لونه7، ~~ويجتهد في مجاحدته8 ومدافعته جهده9. # فقد ردت امرأة على عمر -رضي الله عنه- وهو في خطبته على ملأ من الناس ~~فقال: PageV01P225 # صدقت، أصابت امرأة وأخطأ رجل1. ورد رجل على علي بن أبي طالب -رضي الله ~~عنه- فقال: أصبت وأخطأت {وفوق كل ذي علم عليم} 2. # وسئل أبو موسى الأشعري3 -وكان أمير الكوفة4- عن رجل قاتل عن سبيل الله ~~فقتل فقال: هو في الجنة، وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- حاضرا فقال: أعد ~~على الأمير فلعله لم يفهمه، فأعاد ms100 الجواب فقال ابن مسعود: وأنا أقول: إن ~~أصاب الحق فقتل فهو في الجنة، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء وهذا ~~الحبر5 بين أظهركم6. # ولو اعترض الآن بمثل هذا على أقل فقيه لأنكر واستبعد وقال: هذا لا يحتاج ~~إلى ذكره فإنه معلوم وإن لم يذكر، وما يجري هذا المجرى، والله أعلم. # السابعة: لا يمنع معينه من الانتقال من دليل إلى دليل، ومن سؤال إلى ~~سؤال، بل يورد ما يحضره ويخرج من كلامه جميع دقائق الجدل هكذا كانت مناظرة ~~أهل الدين، فأما قوله: هذا لا يلزمني وقد تركت كلامك الأول وليس لك ذلك، ~~فهذا محض عناد، بل الرجوع إلى الحق أبدا يكون مناقضا للباطل فيجب قبوله، ~~وأنت ترى المناظرات في المحافل تنقضي بمحض المجادلات PageV01P226 # حتى يقيس المستدل على أصل فيطالب بعلته فيذكرها، فيطلب بالدليل على علة ~~الأصل فيقول: هذا ما ظهر لي فإن ظهر لك ما هو أولى منه فاذكره، فيصر ~~المعترض ويقول: أعرفه ولا أذكره ولا يلزمني ذكره، وينقضي المجلس في ~~الإصرار1 على العناد، وقوله: أعرفه ولا يلزمني ذكره مع سؤال عنه كذب على ~~الشرع، فإنه إن كان يعرف وقصده تعجيز خصمه فهو فاسق كذاب عصى الله تعالى. # وإن كان صادقا فقد فلق بإخفائه ما عرفه من أمر الشرع وقد سأله أخوه ~~المسلم ليفهمه وينظر فيه ليرجع إليه عند قوته، ويظهر له أمره ويخرجه عن ~~ظلمة الجهل عند ضعفه، ولا خلاف أن إظهار ما علم من الدين واجب عند السؤال، ~~ومن كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، فانظر في مناظرات السلف هل سمعت ~~فيها مثل ذلك؟ أو إنكارا على من انتقل من آية إلى خبر، ومن أثر إلى خبر، بل ~~ذكر الله تعالى في مناظرة إبراهيم عليه السلام: {إذ قال إبراهيم ربي الذي ~~يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب} [البقرة: 258] ، فانتقل إلى دليل آخر لما رأى الأول لا ~~يدركه فهمه، والله أعلم. # الثامنة: أن يناظر مع من ms101 هو مستقل بالعلم ليستفيد منه إن كان يطلب الحق، ~~والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول2 والأكابر خوفا من ظهور الحق على ~~لسانهم، ويرغبون فيمن دونهم طمعا في ترويج الباطل عليه، ووراء هذه الشروط ~~والآداب شروط وآداب دقيقة، ولكن في هذه الثمانية ما يهديك إلى من يناظر لله ~~وإلى من يناظر لعلة. PageV01P227 # واعلم أن من لا يناظر الشيطان، وهو على قلبه مستول وقد شهد الله له ~~بالعداوة، وأنه لا يزال يدعوه إلى هلاكه، ثم يناظر في مسائل للمخطئ فيها ~~أجر واحد وللمصيب أجران، فهو ضحكة للشيطان، وعبرة للمخلصين، وذلك يشمت1 ~~الشيطان به لما غمسه في ظلمات الآفات كما نعد ونفصلها. PageV01P228 ### | الفصل الثاني: في آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق ### | مدخل # ... # الفصل الثاني: في آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق 1 # اعلم أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام والمباهاة والتشوف ~~لإظهار الفضل هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله المحمودة عند عدوه ~~إبليس، ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب ونحوهما نسبة الخمر ~~إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقتل وغير ذلك، وكما أن من خير بين الشرب ~~وبين سائر الفواحش فاختار الشرب استصغارا له، فدعاه ذلك إلى ارتكاب سائر ~~الفواحش، فكذلك من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه ~~والمباهاة دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها. # فمنها: الحسد، قال صلى الله عليه وسلم: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل ~~النار الحطب"2، ولا ينفك المناظر منه فإنه تارة يغلب وتارة يغلب وتارة يحمد ~~في كلامه، وتارة يحمد كلام غيره، ولذلك قال ابن عباس3: خذوا العلم حيث ~~وجدتموه، ولا تقبلوا أقوال الفقهاء بعضهم في بعض؛ فإنهم يتغايرون كما ~~تتغاير التيوس في الزريبة4. # ومنها: الكبر والترفع على الناس، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة ~~من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" 5 أي: لا يدخل الكبر مع صاحبه إلى الجنة، ~~ولا تنفك PageV01P229 # المناظرة عن التكبر على الأقران والأمثال والترفع فوق المقدار حتى إنهم ~~ليتقاتلون على القرب من ms102 الصدور. # ومنها: الحقد، ولا تكاد تنفك المناظرة عنه لا سيما لمن حرك رأسه في كلام ~~خصمه أو رجحه عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن غير حقود"1، وورد في ~~ذم الحقد ما لا يخفى. # ومنها: الغيبة2، وقد شبهها الله تعالى بأكل الميتة3، ولا يزال المناظر ~~مثابرا عليها، فإنه لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين4 والذم ~~والتوهين5، وربما يحرف كلامه فيكون كاذبا ملبسا، وقد يصرح باستجهاله ~~واستحماقه، والغيبة أشد من الزنا كما ورد في الخبر. # ومنها: تزكية النفس، قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} [النجم: 32] ولا يخلو ~~المناظر عن تزكية نفسه تصريحا أو تعريضا بنفي غيره وتهجين كلام غيره. # ومنها: التجسس وتتبع العورات، قال الله تعالى: {ولا تجسسوا} [الحجرات: ~~12] قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا ~~تتبعوا عورات المسلمين، فمن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله ~~عورته يفضحه ولو في جوف بيته" 6، ولا يخلو المناظر عن طلب عثرات7 الأقران ~~والخصوم. PageV01P230 # المناظرة عن التكبر على الأقران والأمثال والترفع فوق المقدار حتى إنهم ~~ليتقاتلون على القرب من الصدور. # ومنها: الحقد، ولا تكاد تنفك المناظرة عنه لا سيما لمن حرك رأسه في كلام ~~خصمه أو رجحه عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن غير حقود"1، وورد في ~~ذم الحقد ما لا يخفى. # ومنها: الغيبة2، وقد شبهها الله تعالى بأكل الميتة3، ولا يزال المناظر ~~مثابرا عليها، فإنه لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين4 والذم ~~والتوهين5، وربما يحرف كلامه فيكون كاذبا ملبسا، وقد يصرح باستجهاله ~~واستحماقه، والغيبة أشد من الزنا كما ورد في الخبر. # ومنها: تزكية النفس، قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} [النجم: 32] ولا يخلو ~~المناظر عن تزكية نفسه تصريحا أو تعريضا بنفي غيره وتهجين كلام غيره. # ومنها: التجسس وتتبع العورات، قال الله تعالى: {ولا تجسسوا} [الحجرات: ~~12] قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا ~~تتبعوا عورات المسلمين، فمن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ms103 ومن تتبع الله ~~عورته يفضحه ولو في جوف بيته" 6، ولا يخلو المناظر عن طلب عثرات7 الأقران ~~والخصوم. PageV01P231 # الإعادة، هذا وقد سوى الله تعالى بين من افترى على الله كذبا، وبين من ~~كذب بالحق لما جاءه، فقال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} [العنكبوت: 68] . # ومنها: الرياء وملاحظة الخلق واستمالة قلوبهم وصرف وجوههم، والرياء هو ~~الداء العضال1. # فهذه عشر خصال من أمهات الفواحش الباطنة2، ويتولد منها من الرذائل بل من ~~كل واحدة عشرة أخرى لا نطيل بذكرها وتفصيل آحادها، مثل الغضب والأنفة ~~والبغضاء والطمع وحب المال والجاه، ليتمكن من الغلبة والمباهاة والأشر ~~والبطر، وتعظيم الأغنياء والسلاطين، والتردد إليهم، والأخذ من حرامهم، ~~واستحقار الناس، والفخر والخيلاء، ومغايظة3 الأقران بالتجمل بالخيول ~~والمراكب والملابس المحظورة، والخوض فيما لا يعني، وكثرة الكلام، وخروج ~~الخشية من القلب، واستيلاء الغفلة حتى في عباداته، واستغراق العمر في ~~العلوم التي تعين في المناظرة مع أنها لا تنفع في الآخرة، وتحسين العبارة، ~~وتسجيع اللفظ، وحفظ النوادر للمباهاة، إلى غير ذلك، والمناظرون يتفاوتون ~~فيها على حسب درجاتهم، ولهم درجات شتى، واعلم أن هذه الرذائل لازمة للمشتغل ~~بالتذكير والوعظ إذا كان قصده طلب القبول، وإقامة الجاه، ونيل العز ~~والثروة، وهي لازمة للمشتغل بعلم المذهب والفتاوى إذا كان طلبه القضاء ~~وولاية الأوقاف والتقدم على الأقران، وهي لازمة لكل من يطلب العلم لغير وجه ~~الله، فالعلم لا يهمل العالم بل يهلكه ويشقيه، أو يسعده ويقربه من الله ~~ويدنيه. PageV01P232 # فإن قلت: في المناظرة فائدتان: # إحداهما: ترغيب الناس في العلم؛ إذ لولا حب الرئاسة لاندرست العلوم، وفي ~~سد بابها ما يفتر هذه الرغبة. # والأخرى: أن فيه تشحيذ1 الخاطر وتقوية النفس لدرك مأخذ الشرع. # فتقول: صدقت لم نذكر ذلك لسد باب المناظرة، بل ذكرنا شروطها وآفاتها ~~ليحترز المناظر عن الآفات بعد مراعاة الشروط، ثم يستدر2 فوائدها من الرغبة ~~في العلم لوجه الله لا للدنيا، نسأل الله العافية. # ولنختم الكلام في هذا الباب بذكر مناظرات نفيسة من ms104 عيون مناظرات السلف ~~تكملة للفائدة وتبركا بأنفاسهم، حشرنا الله في زمرتهم، آمين. PageV01P233 ### | مناظرة بين الشافعي ومالك رضي الله عنهما # 1: # وهي سبب إذن مالك له بالإفتاء وسنه أربع عشرة سنة. # نقل الدميري4 في حياة الحيوان2وغيره أن الشافعي كان جالسا بين يدي مالك ~~فجاء رجل فقال لمالك: إني رجل أبيع القمري6 وإني بعت في يومي هذا قمريا ~~فرده علي المشتري وقال: قمريك ما يصيح فحلفت له بالطلاق أنه لا يهدأ من ~~الصياح، فقال له مالك: طلقت امرأتك ولا سبيل لك عليها، وكان الشافعي يومئذ ~~ابن أربع عشرة سنة، فقال لذلك الرجل: أيما أكثر: صياح قمريك أو سكوته؟ ~~فقال: لا، بل صياحه، فقال: لا طلاق عليك، فعلم بذلك مالك PageV01P233 # فقال: يا غلام من أين لك هذا؟ 1 فقال: لأنك حدثتني عن الزهري عن أبي سلمة ~~بن عبد الرحمن2 عن أم سلمة3 أن فاطمة بنت قيس4 قالت: يا رسول الله، إن أبا ~~جهم5 ومعاوية6 خطباني، فقال: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم ~~فلا يضع عصاه عن عاتقه"، وقد علم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أبا ~~جهنم كان يأكل وينام ويستريح، وقال: لا يضع عصاه عن عاتقه على المجاز7، ~~والعرب تجعل أغلب الفعلين كمداومته، ولما كان صياح قمري هذا أكثر من سكوته ~~جعلته كصياحه دائما، فتعجب مالك من احتجاجه وقال له: أفت فقد آن لك أن ~~تفتي، فأفتى في ذلك السن رضي الله عنهما. PageV01P234 ### | مناظرة بين الشافعي ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما # 1: # قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم2: حدثنا الشافعي قال: ذكرت لمحمد بن ~~الحسن الدعاء في الصلاة فقال لي: لا يجوز أن يدعى في الصلاة إلا بما في ~~القرآن وما أشبهه، قال: قلت له: فإن قال رجل: اللهم أطعمني قثاء وبصلا ~~وعدسا وارزقني ذلك أو أخرجه لي من أرضي، أيجوز ذلك؟ قال: لا، قلت: فهذا في ~~القرآن، فإن كنت إنما تجيز ما في القرآن خاصة فهذا فيه، وإن كنت تجيز غير ~~ذلك فلم حظرت شيئا شيئا وأبحت ms105 شيئا؟ قال: فما تقول أنت؟ قلت: كل ما جاز ~~للمرء أن يدعو به في غير صلاة فجائز أن يدعو به في الصلاة، بل أستحب ذلك؛ ~~لأنه موضع يرجى سرعة الإجابة فيه، والصلاة القرآن والدعاء، والنهي عن ~~الكلام في الصلاة هو كلام الآدميين بعضهم لبعض في غير أمر الصلاة، قال ابن ~~السبكي3: في المناظرة رد على الشيخ أبي محمد في منعه الدعاء بجارية حسناء. ~~PageV01P235 ### | مناظرة بينهما أيضا وهي مشهورة # 1: # وقد رويناها من طريق الحميدي وملخصها2: قال له محمد بن الحسن: ما تقول في ~~رجل غضب من رجل ساجة فبنى عليها بناء أنفق فيه ألف دينار، ثم PageV01P235 # جاء صاحب الساجة أثبت بشاهدين عدلين أن هذا اغتصب هذه الساجة1 وبنى عليها ~~هذا البناء، ما كنت تحكم؟ قال الشافعي: أقول لصاحب الساجة يجب أن تأخذ ~~قيمتها، فإن رضي حكمت له بالقيمة، وإن أبى إلا ساجته قلعتها له ورددتها ~~عليه، قال محمد: فما تقول في رجل اغتصب من رجل خيط إبريسم فخاط به بطنه، ~~فجاء صاحب الخيط فأثبت بشهادة عدلين أن هذا اغتصب هذا الخيط أكنت تنزع ~~الخيط من بطنه؟ فقال الشافعي: لا، فقال محمد: الله أكبر تركت قولك، فقال ~~الشافعي: لا تعجل أخبرني لو لم يغصب الساجة من أحد وأراد أن يقلع هذا ~~البناء عنها أيباح له ذلك أم يحرم عليه؟ فقال محمد: بل يباح، فقال الشافعي: ~~أفرأيت لو كان الخيط خيط نفسه فأراد أن ينتزعه من بطنه أمباح له ذلك أم ~~محرم؟ فقال محمد: بل محرم، فقال الشافعي: فكيف تقيس مباحا على محرم؟ فقال ~~محمد: أرأيت لو أدخل غاصب الساجة في سفينة ولجج في البحر أكنت تنزع اللوح ~~من السفينة؟ فقال الشافعي: بل آمره أن يقرب سفينته إلى أقرب المراسي إليه ~~ثم أنزع اللوح وأدفعه إلى صاحبه، فقال محمد: أليس قد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" 2؟ قال الشافعي: هو أضر بنفسه لم يضر ~~به، ثم قال الشافعي: ما تقول في رجل اغتصب من رجل جارية فأولدها عشرة ms106 كلهم ~~قد قرءوا القرآن وخطبوا على المنابر وحكموا بين المسلمين، فاثبت صاحب ~~الجارية بشاهدين عدلين أن هذا اغتصبها منه، ناشدتك الله بماذا كنت تحكم؟ ~~قال: أحكم بأن أولاده أرقاء لصاحب الجارية، فقال الشافعي: أيهما أعظم ضررا: ~~أن تجعل أولاده أرقاء أو تقلع البناء عن الساجة؟ PageV01P236 ### | مناظرة بين الشافعي وإسحاق بن راهويه 1 رضي الله عنهما # 2: # روي عن إسحاق قال: كنا بمكة والشافعي بها، وأحمد بن حنبل أيضا بها، وكان ~~أحمد يجالس الشافعي وكنت لا أجالسه، فقال لي أحمد: يا أبا يعقوب، لم لا ~~تجالس هذا الرجل؟ فقلت: ما أصنع به وسنه قريب من سننا؟ كيف أترك ابن عيينة ~~وسائر المشايخ لأجله؟ فقال: ويحك إن هذا يفوت وذلك لا يفوت3. # قال إسحاق: فذهبت إليه فتناظرنا في كراء بيوت أهل مكة، وكأن الشافعي ~~تساهل في المناظرة، وأنا بالغت في التقرير، ولما فرغت من كلامي وكان معي ~~رجل من أهل مرو فالتفت إليه وقلت: مردك هكذا مردك لا كمالي نيست، يقول ~~بالفارسية: هذا الرجل ليس له كمال4، فقال لي: أتناظر؟ قلت: للمناظرة جئت، ~~فقال الشافعي: قال الله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم} ~~[الحشر: 8] ، فنسب الديار إلى مالكها أو إلى غير مالكها؟ وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم فتح مكة5: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي ~~سفيان فهو آمن" 6 فنسب الديار إلى أربابها أم إلى غير أربابها؟ واشترى عمر ~~بن الخطاب PageV01P237 # دارا للسجن من مالك أو من غير مالك؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل ~~ترك لنا عقيل من دار؟ " 1 قال إسحاق: فقلت: الدليل على صحة قولي أن بعض ~~التابعين قال به، فقال الشافعي لبعض الحاضرين: من هذا؟ فقيل: إسحاق بن ~~إبراهيم الحنظلي، فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم، قال ~~إسحاق: فقلت: هكذا يزعمون، فقال الشافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك ~~فكنت آمر بعرك أذنيه، أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت ~~تقول: قال عطاء وطاوس2 والحسن3 ms107 وإبراهيم4، وهل لأحد مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حجة؟ فقال إسحاق: اقرأ {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] فقال ~~الشافعي: هذا في المسجد خاصة، وفي رواية قال إسحاق: لما عرفت أني أفحمت ~~قمت، ثم يحكي عن إسحاق أنه إذا ذكر الشافعي كان يأخذ لحيته بيده ويقول: ~~واحيائي من محمد بن إدريس، يعني من هذه المناظرة، ولا سيما من قوله: مردك ~~لا كمالي نيست5. PageV01P238 ### | مناظرة بينهما أيضا # 1: # روينا أن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعي -أحمد بن حنبل حاضر- في جلود ~~الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغها طهورها، فقال إسحاق: ما الدليل؟ ~~فقال الشافعي: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد2 الله عن ابن عباس عن ~~ميمونة3 أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بشاة ميتة فقال: هلا انتفعتم ~~بجلدها؟ قال إسحاق: حديث ابن عكيم4 كتب إلينا رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قبل موته بشهر ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب5 أشبه أن يكون ~~ناسخا لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر6، فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك ~~سماع، قال PageV01P239 # إسحاق: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى كسرى1 وقيصر2 وكان حجة ~~عليهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن ~~عكيم وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي فأفتى بحديث ميمونة، قال ~~السبكي بعد ذكره هذه المناظرة3: وقد يظن قاصر الفهم أن الشافعي انقطع فيها ~~مع إسحاق، وليس الأمر كذلك، ويكفيه مع قصور فهمه أن يتأمل رجوع إسحاق إلى ~~الشافعي، فلو كانت حجته قد نهضت على الشافعي لما رجع، قال: ثم تحقيق هذا أن ~~اعتراض إسحاق فاسد الوضع لا يقابل بغير السكوت، وذلك أن كتاب عبد الله بن ~~عكيم كتاب عارضه سماع ولم يتيقن أنه مسبوق بالسماع وإنما ظن ذلك ظنا لقرب ~~التاريخ، ومجرد هذا لا ينهض بالنسخ، أما كتب رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- إلى كسرى وقيصر فلم يعارضها شيء بل عضدها القرائن وساعدها التواتر ~~الدال على أن هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءنا بالدعوة إلى ms108 ما في ~~الكتاب، فلاح بهذا أن السكوت من الشافعي تشكيك على إسحاق بأن اعتراضه فاسد ~~الوضع فلم يستحق عنده جوابا، وهذا شأن الخارج عن البحث عن الجدليين فإنه لا ~~يقابل بغير السكوت، ورب سكوت أبلغ من نطق. PageV01P240 ### | مناظرة بين الشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما # 1: # حكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة فقال له الشافعي: يا أحمد، ما ~~تقول إنه يكفر؟ قال: نعم، قال: إذا كان كافرا فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله، قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه، ~~PageV01P240 # قال: يسلم بأن يصلي، قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بإسلامه بها، ~~فانقطع أحمد وسكت. # PageV01P241 ### | مناظرة جرت بحرة الشافعي رضي الله عنه # ... # مناظرة جرت بحضرة الشافعي رضي الله عنه 1: # حكي أن الفضل بن الربيع2 قال للشافعي: أحب أن أسمع مناظرتك مع الحسن بن ~~زياد اللؤلؤي3، فقال الشافعي: ليس هو في هذا الحد، ولكني أحضر بعض أصحابي ~~حتى يكلمه بحضرتك، ثم أحضر الشافعي رجلا كوفيا كان على مذهب أبي حنيفة، ثم ~~صار من أهل مذهب الشافعي، فلما دخل اللؤلؤي قال الكوفي: إن أهل المدينة ~~ينكرون على أصحابنا بعض أقوالهم فأريد أن أسألك عنه، فقال اللؤلؤي: قل، ~~فقال الكوفي: ما تقول في رجل قذف محصنة وهو في الصلاة؟ فقال: صلاته فاسدة، ~~فقال: ما حال طهارته؟ قال: طهارته باقية، قال: ما تقول: إن ضحك في صلاته؟ ~~قال: يعيد الطهارة والصلاة، فقال الكوفي: قذف المحصنات في الصلاة أيسر من ~~الضحك فيها؟ قال: فوثب اللؤلؤي وأخذ نعله ومضى وقال: وضعنا في هذا، فضحك ~~الفضل بن الربيع، فقال الشافعي: ألم أقل لك إنه ليس في هذا الحد. ~~PageV01P241 ### | مناظرة جرت بحضرة الشافعي وأقام هو الحجة فيها # حكي أن بشر المربسي1 دخل يوما على الشافعي وعنده رجل من أهل المدينة، ~~وكان الشافعي عليلا متكئا مضطجعا، فناظر بشر المدني في إفراد الإقامة فقال: ~~أجمعنا على أنه إذا ثنى الإقامة فقد أتى بالإقامة، واختلفنا في أنه إذا ~~أفردها هل أتى بها؟ ms109 فيجب أن نأخذ بالمتفق ونترك المختلف قال: فتحير المدني، ~~فاستوى الشافعي عند ذلك وقال: إن كان ما قلت صحيحا فقد لزمك أن تقول ~~بالترجيع في الأذان؛ لأنا قد اتفقنا على أن الأذان مع الترجيع صحيح ~~واختلفنا في صحته بدونه، فسكت بشر حتى ظهر للكل انقطاعه، ثم عاد الشافعي ~~إلى اضطجاعه. PageV01P242 ### | مناظرة بين أبي العباس أحمد بن سريج وأبي بكر محمد بن داود رحمهم الله # ... # مناظرة بين أبي العباس أحمد بن سريح 1 وأبي بكر محمد بن داود 2 رحمهما ~~الله 3 # حكي أنهما اجتمعا، فاحتج ابن داود على أن أم الولد تباع، قال: اجتمعنا ~~على أنها إن كانت أمة تباع، فمن ادعى أن هذا الحكم يزول بولادتها، فعليه ~~الدليل، فقال له ابن سريج: واجتمعنا أنها إن كانت حاملا لا تباع، فمن ادعى ~~أنها تباع إذا انفصل الحمل فعليه الدليل فبهت أبو بكر. # مناظرة بينهما أيضا 4: # وهي من ألطف المناظرات، روينا عن أبي الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد ~~الداودي5 قال: كان أبو بكر محمد بن داود وأبو العباس بن سريج إذا حصلا في ~~مجلس القاضي أبي عمر -يعني محمد بن يوسف6- لم يجر بين اثنين PageV01P243 # فيما يتفاوضانه أحسن مما يجري بينهما، وكان ابن سريج كثيرا ما يتقدم أبا ~~بكر إلى الحضور في المجلس، فتقدمه أبو بكر يوما فسأله حدث من الشافعيين عن ~~العود الموجب للكفارة في الظهار1 ما هو؟ فقال: إنه إعادة القول ثانيا وهو ~~مذهبه ومذهب داود، فطالبه بالدليل فشرع فيه، ودخل ابن سريج واستشرحهم ما ~~جرى فشرحوه، فقال ابن سريج لابن داود أولا: يا أبا بكر، أعزك الله هذا قول ~~من من المسلمين تقدمكم فيه؟ فاستشاط2 أبو بكر من ذلك وقال: أتقدر من اعتقدت ~~أن قولهم إجماع في هذه المسألة إجماع عندي؟ أحسن أحوالهم أن أعدهم خلافا ~~وهيهات أن يكونوا كذلك، فغضب ابن سريج وقال: أنت يا أبا بكر بكتاب الزهرة3 ~~أمهر منك في هذه الطريقة، فقال أبو بكر: وبكتاب الزهرة تعيرني؟ والله ما ~~تحسن أن تستتم قراءته ms110 قراءة من يفهم، وإنه لمن أحد المناقب إذ كنت أقول فيه ~~"من الطويل": # أكرر في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما4 # وينطق سرى عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي رده لتكلما # رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما إن أرى حبا صحيحا مسلما ~~PageV01P244 # فقال له ابن سريج: أوتفخر علي بهذا القول وأنا الذي أقول "من الكامل": # ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته1 # صبا بحسن حديثه وعتابه ... وأكرر اللحظات في درجاته # حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته # فقال ابن داود لأبي عمر: أيد الله القاضي قد أقر بالبيت على الحالة التي ~~ذكرها وادعى البراءة مما توجه، فعليه إقامة البينة، فقال ابن سريج: من ~~مذهبي أن المقر إذا أقر إقرارا وناطه2 بصفة كان إقراره موكولا إلى صفته، ~~فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان، فقال ابن سريج: فهذا القول ~~الذي قلته اختياري الساعة. PageV01P245 ### | مناظرة بين إمام السنة الشيخ أبي الحسن الأشعري 1 وأبي علي الجبائي 2 في أن أسماء الله توقيفية # 3: # دخل رجل على الجبائي فقال: هل يجوز أن يسمى الله تعالى عاقلا؟ فقال ~~الجبائي: لا؛ لأن العقل مشتق من العقال وهو المانع، والمنع في حق الله ~~محال، فامتنع الإطلاق، قال الشيخ أبو الحسن: فقلت له: فعلى قياسك لا يسمى ~~الله سبحانه حكيما؛ لأن هذا مشتق من حكمة اللجام، وهي الحديدة المانعة ~~للدابة عن الجموح4، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت5 رضي الله عنه "من ~~الوافر": # فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء6 # وقال الآخر "من الكامل": # أبني حنيفة حكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا7 PageV01P246 # أي نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا سفهاءكم، فإذا كان اللفظ مشتقا من ~~المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق حكيم عليه سبحانه وتعالى، ~~قال: فلم يحر جوابا إلا إنه قال: فلم منعت أنت أن يسمى الله عاقلا وأجزت أن ~~يسمى حكيما؟ قال فقلت له: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله تعالى الإذن الشرعي ~~دون ms111 القياس اللغوي فأطلقت حكيما لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلا لأن الشرع ~~منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته، قال ابن السبكي1: وقع في هذه المناظرة في ~~إنشاد البيت "حكموا" بالكاف، وهو المشهور في روايته، وكنت أجوز أن يكون ~~"حلموا" باللام لمقابلته بالسفهاء، ثم رأيت في كتاب الكامل2 للمبرد3 رحمه ~~الله، وهذا البيتان لجرير4 "من الكامل": # أبني حنيفة نهنهوا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا5 # أبني حنيفة إنني إن أهجكم ... أدع اليمامة لا تواري أرنبا PageV01P247 ### | مناظرة بينهما أيضا في الأصلح والتعليل # 1: # سأل الشيخ -رضي الله عنه- أبا علي فقال: ما قولك في ثلاثة: مؤمن وكافر ~~وصبي؟ فقال: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الدركات2، والصبي من ~~أهل النجاة، فقال الشيخ: فإذا أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن؟ ~~قال الجبائي: لا، يقال له: إن المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة وليس لك ~~مثلها، قال الشيخ: فإن قال التقصير ليس مني، فلو أحييتني كنت عملت الطاعات ~~بعمل المؤمن، قال الجبائي: يقول له الله: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ~~ولعوقبت، فراعيت مصلحتك وأمتك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف، قال الشيخ: فلو ~~قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي فهلا راعيت مصلحتي مثله؟ فانقطع ~~الجبائي. # ومناظرات الأصحاب وغيرهم في سائر العلوم لا تكاد تنحصر، وهذه النبذة التي ~~اخترناها كافية في هذا المختصر. PageV01P248 # الباب السادس ### | : في الأدب مع الكتب التي هي آله العلم # وما يتعلق بتصحيحها وضبطها ووضعها وحملها وشرائها وعاريتها ونسخها وغير ~~ذلك 1: # وفيه مسائل2: # الأولى: ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها في ~~العلوم النافعة ما أمكنه شراء3 أو إجارة أو عارية؛ لأنها آلة التحصيل، ولا ~~يجعل تحصيلها وجمعها وكثرتها حظه من العلم، ونصيبه من الفهم، وقد أحسن ~~القائل "من المتقارب": # إذا لم تكن حافظا واعيا # فجمعك الكتب لا ينفع4 # وإن أمكنه تحصيلها شراء فلا يشتغل بنسخها5؛ لأن الاشتغال أهم من النسخ، ~~ولا يرضى بالاستعارة مع إمكان تحصيله ملكا أو إجارة6. # الثانية: يستحب إعارة الكتب لمن لا ms112 ضرر عليه فيها ممن ضرر منه بها، وكره ~~عاريتها قوم، والأول هو الأصح المختار لها فيه من الإعانة على العلم مع ما ~~في مطلق العارية من الفضل والأجر، روينا عن وكيع: أول بركة الحديث إعارة ~~الكتب7، وعن سفيان الثوري: من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو ~~يموت فلا ينتفع به، أو تذهب كتبه8، وقال رجل لأبي العتاهية9: PageV01P251 # أعرني كتابك، فقال: إني أكره ذلك، فقال: أما علمت أن المكارم موصولة ~~بالمكاره؟ فأعاره1. وكتب الشافعي إلى محمد بن الحسن رضي الله عنهما "مجزوء ~~الرجز": # قولا لمن لم ترعي ... نا من رآه مثله2 # ومن كأن من رآ ... ه قد رأى من قبله # العلم ينهي أهله ... أن يمنعوه أهله # لعله يبذله ... لأهله لعله # وإذا استعار كتابا فلا يبطئ به من غير حاجة، وإذا طلبه المالك فيحرم عليه ~~حبسه3، ويصير غاصبا له، وقد جاء في ذم الإبطاء برد الكتب المستعارة عن ~~السلف أشياء كثيرة نظما ونثرا رويناها في كتاب الخطيب الجامع لأخلاق الراوي ~~والسامع4، منها عن الزهري: إياك وغلول الكتب5، وهو حبسها عن أصحابها، قال ~~الخطيب: وبسبب حبسها امتنع غير واحد من إعارتها6. PageV01P252 # الثالثة: لا يجوز أن يصلح كتاب غيره بغير إذن صاحبه1. # قلت: وهذا محله في غير القرآن. # فإن كان مغلوطا أو ملحونا فليصلحه، غاية ما في الباب إن لم يكن خطه ~~مناسبا، فليأمر من يكتب ذلك بخط حسن، ولا يحشيه ولا يكتب شيئا في بياض ~~فواتحه أو خواتمه إلا إذا علم رضا صاحبه، ولا يعيره غيره، ولا يودعه لغير ~~ضرورة حيث يجوز شرعا، ولا ينسخ منه بغير إذن صاحبه، فإن كان الكتاب وقفا ~~على من ينتفع به غير معين فلا بأس بالنسخ منه مع الاحتياط2، وأنشد بعضهم ~~"من الخفيف": # أيها المستعير مني كتابا ... ارض لي فيه ما لنفسك ترضى3 # وإذا نسخ من الكتاب أو طالعه فلا يضعه مفروشا على الأرض4، بل يجعله ~~مرتفعا، وإذا وضع الكتب مصفوفة فلتكن على شيء مرتفع غير الأرض لئلا تندى ~~فتبلى، ويراعى الأدب في وضعها باعتبار ms113 علومها، فيضع الأشرف أعلى الكل، فإن ~~استوت كتب في فن فليراع شرف المصنف5 فيجعله أعلى، وليجعل المصحف الكريم ~~أعلى الكل، والأولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار ونحوه في حائط طاهر ~~نظيف في صدر المجلس، ثم كتب الحديث PageV01P253 # الصرف كالبخاري ومسلم، ثم تفسير القرآن، ثم تفسير الحديث، ثم الفقه، ثم ~~أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم النحو والتصريف، ثم أشعار العرب، ثم العروض ~~وما في معناه ونحو ذلك، ولا يضع ذوات القطع الكبير فوق ذوات القطع الصغير ~~كي لا يكثر تساقطها، وينبغي أن يكتب اسم الكتاب1 عليه في حرف عرضه ويجعل ~~رءوس الترجمة إلى مرد الجلد المقابل للسان لئلا تصير الكتابة معكوسة، ~~ويراعى في صف الكتب حسن الوضع، بأن يجعل الحبكة في ناحية، والمجلد الآخر ~~يجعل حبكته في الناحية الأخرى، فتكون الكتب قائمة بلا اعوجاج، وإلا فيتعوج ~~الصف ضرورة؛ لأن جهة اللسان من كل كتاب أعلى من جهة الحبكة؛ لأن جهة الحبكة ~~مضغوطة مقموطة، ولا يجعل الكتاب خزانة للكراريس وغيرها2، ولا مخدة، ولا ~~مروحة، ولا مستندا، ولا متكئا، ولا مقتلة للبق، ولا يطوي حاشية الورقة ~~وزاويتها كما يفعله كثير من الجهلة، وإذا ظفر فلا يكبس ظفره بحيث يهشم ~~الورقة ولو3 مآلا، وإذا استعار4 كتابا فينبغي أن يتفقده عند إرادة أخذه ~~ورده من ورقة محتاج إليها ونحوها، وإذا اشترى كتابا نظر أوله وآخره ووسطه ~~وترتيب أبوابه وكراريسه واعتبر صحته، ومما يغلب على الظن في صحته ما أشار ~~إليه الشافعي أن يرى فيه إلحاقا أو إصلاحا، فإنه شاهد له بالصحة، قال ~~بعضهم: لا يضيء الكتاب حتى يظلم، يريد إصلاحه5. # الرابعة: إذا نسخ شيئا من كتب العلم الشرعية فينبغي أن يكون على طهارة6 ~~مستقبل القبلة، طاهر البدن والثياب والحبر والورق، ويبتدئ كل كتاب بكتابة: ~~بسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان مصنفه تركها كتابة فليكتبها هو، ثم ليكتب ~~PageV01P254 # قال الشيخ، أو قال المصنف، ثم يشرع في كتابة ما صنفه المصنف، وإذا فرغ من ~~كتابة الكتاب أو الجزء فليختم الكتابة بالحمدلة والصلاة على ms114 رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- وليختم بقوله: آخر الجزء الأول أو الثاني مثلا ويتلوه كذا ~~وكذا1 إن لم يكن أكمل الكتاب، فإن أكمله فليقل: تم الكتاب الفلاني، ففي ذلك ~~فوائد كثيرة، وكلما كتب اسم الله تعالى أتبعه بالتعظيم مثل: تعالى، أو ~~سبحانه، أو عز وجل، أو تقدس، أو تبارك، ويتلفظ بذلك، وكلما كتب اسم النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- كتب بعده الصلاة عليه والسلام2، وجرت عادة السلف ~~والخلف بكتابة صلى الله عليه وسلم3، ولعل ذلك لموافقة الأمر في الكتاب ~~العزيز في قوله4: {صلوا عليه وسلموا} [الأحزاب: 56] ، ولا يختصر الصلاة في ~~الكتابة، ولا يسأم من تكريرها كما يفعله بعض المحرومين من كتابة: صلعم أو ~~صلع أو صلم أو صم أو صلسلم، فإن ذلك مكروه5 كما قال العراقي ويقال: إن أول ~~من كتب صلعم قطعت يده6، واعلم أن أجر كتابة الصلاة بكمالها عظيم، وهو من ~~أكبر الفوائد العاجلة7، وإذا مر بذكر أحد من الصحابة كتب رضي الله عنه، أو ~~رضوان الله عليه، أو مر بذكر أحد من الأئمة لا سيما الأعلام وهداة الإسلام8 ~~كتب رحمه الله، أو PageV01P255 # رحمة الله عليه، أو تغمده الله برحمته، ولا يكتب الصلاة والسلام لغير ~~الأنبياء والملائكة إلا لاختصاص ذلك عرفا وشرعا بالأنبياء والملائكة عليهم ~~السلام، ومتى سقط من ذلك شيء فلا يتقيد به، بل يثبته مع النطق به، واختار ~~أحمد بن حنبل إسقاط الصلاة والسلام والترضي والترحم رواية مع نطقه بذلك، ~~وإفراد الصلاة عن السلام مكروه وعكسه كذلك كما قاله النووي1. # الخامسة: لا يهتم المشتغل بالمبالغة في حسن الخط2، وإنما يهتم بصحته ~~وتصحيحه، ويجتنذب التعليق جدا، وهو خلط الحروف التي ينبغي تفرقتها، والمشق ~~وهو سرعة الكتابة مع بعثرة الحروف، قال عمر رضي الله عنه3: "شر الكتابة ~~المشق، وشر القراءة الهذرمة، وأجود الخط أبينه". ولا يكتب الكتابة الدقيقة؛ ~~لأنه ربما لم ينتفع به وقت حاجة الانتفاع به من كبر وضعف بصر، ثم محله فيمن ~~عجز عن ثمن ورق، أو حمله في سفر، فيكون معه خفيف المحمل فلا كراهة في ms115 ذلك ~~ولا منع للعذر، والكتابة بالحبر أولى من المداد كما مر، وينبغي ألا يكون ~~القلم صلبا جدا فيمنع سرعة الجري، ولا رخوا فيسرع إليه الحفي. # قال بعضهم4: إذا أردت أن تجود خطك فأطل جلفتك وأسمنها، وحرف قطتك ~~وأيمنها، ولتكن السكين حادة جدا لبراية الأقلام وكشط الورق، ولا تستعمل في ~~غير ذلك، وليكن ما يقط عليه القلم صلبا، وهم يحمدون القصب الفارسي اليابس ~~جدا، والآبنوس الصلب الصقيل5. # ويراعي من آداب الكتابة ما ورد عن بعض السلف، فعن معاوية بن أبي سفيان ~~-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاوية، ألق ~~الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين ولا تعور الميم PageV01P256 # وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر ~~لك"1. # وعن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه" 2. # والأحاديث في ذلك كثيرة، وأقوال السلف فيه شهيرة3، وعن جابر4 رضي الله ~~عنه: إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه فإنه أنجح للحاجة5، وعن أبي هريرة6 -رضي ~~الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى علي في كتاب لم ~~تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب"7. # السادسة: كرهوا في الكتابة8 فصل مضاف اسم الله تعالى منه كعبد الله أو ~~عبد الرحمن أو رسول الله، فلا يكتب عبد أو رسول آخر السطر، والله أو الرحمن ~~أو رسول أول السطر الآخر لقبح صورة الكتابة، وهذه الكراهة للتنزيه، وظاهر ~~إيراد الخطيب9 وغيره أنه للتحريم، فيجب اجتنابه، وفي الاقتراح أنه من ~~الآداب، ويلتحق بذلك كما قال العراقي في أسماء النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~وأسماء PageV01P257 # الصحابة -رضي الله عنهم- كقوله: ساب النبي -صلى الله عليه وسلم- كافر1، ~~وقوله: قاتل ابن صفية2 في النار يعني الزبير بن العوام3 رضي الله عنه، فلا ~~يكتب ساب أو قاتل في آخر السطر وما بعده أول سطر آخر، فهو قبيح جدا في صورة ~~الكتابة حرام، خصوصا في النطق ms116 به من أول السطر ما لم ينطق بما في آخر ~~السطر، وكذلك مما يستقبح فيه الفصل ولو كان لغير متضايفين كقول سيدنا عمر ~~-رضي الله عنه- في شارب الخمر الذي أتى به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ~~ثمل، فقال عمر: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتي به4، فلا يكتب فقال في آخر سطر: ~~وعمر وما بعده في أول آخر، أما إذا لم يكن في شيء من ذلك بعد اسم الله، أو ~~اسم نبيه، أو اسم الصحابة مثلا فلا بأس بالفصل، ومع ذلك فجمعهما أولى، بل ~~صرح بعضهم بالكراهة في فصل نحو أحد عشر لكونهما بمنزلة اسم واحد، وكرهوا ~~تبعيض الكلمة المركبة تركيبا مزجيا أو إضافيا، ونحو ذلك. # السابعة: عليه مقابلة كتابه بأصل صحيح موثوق به5، فالمقابلة متعينة ~~PageV01P258 # للكتاب الذي يرام النفع به، قال عروة بن الزبير1 لابنه هشام2 رضي الله ~~عنهم: كتبت؟ قال: نعم، قال: عرضت كتابك؟ أي على أصل صحيح، قال: لا، قال: لم ~~تكتب3، وقال الإمام الشافعي ويحيى بن أبي كثير: من كتب ولم يعارض -أي ~~يقابل- كمن دخل الخلاء ولم يستنج4، وإذا صحح الكتاب بالمقابلة على أصل صحيح ~~أو على شيخ، فينبغي أن يعجم المعجم، ويشكل المشكل، ويضبط الملتبس، ويتفقد ~~مواضع التصحيف5، أما ما يفهم بلا نقط ولا شكل فلا يعتن به لعدم الفائدة، ~~فإن أهل العلم يكرهون الإعجام والإعراب إلا في الملتبس والمشتبه، ومن كلام ~~بعض البلغاء: أعجام الخط يمنع من استعجامه، وشكله من إشكاله6، وقال بعضهم: ~~رب علم لم تعجم فصوله، فاستعجم محصوله7، وقيل: ينبغي الإعجام والشكل ~~للمكتوب كله المشكل وغيره لأجل المبتدئ في ذلك الفن، وصوبه القاضي عياض؛ ~~لأن المبتدئ لا يميز ما يشكل مما لا يشكل8، ولا صواب الإعراب من خطئه، ~~ولأنه ربما يكون الشيء واضحا عند قوم مشكلا عند آخرين، بل ربما يظن لبراعته ~~المشكل واضحا، ثم قد يشكل عليه بعد، وربما وقع النزاع في حكم مستنبط من ~~حديث يكون PageV01P259 # متوقفا على إعرابه كحديث: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" 1، فالجمهور كالشافعية ~~والمالكية وغيرهما لا يوجبون ms117 ذكاته بناء على رفع ذكاة أمه بالابتدائية ~~والخبرية وهو المشهور في الرواية، والحنفية وغيرهم يوجبونها على نصب ذكاة ~~الثانية على التشبيه أي يذكى مثل ذكاة أمه2، وكحديث: "لا يجزي ولد والدا ~~إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" 3، فالجمهور ومنهم أئمة المذهب يجزمون ~~بعتقه عليه بمجرد دخوله في ملكه بناء على رفع فيعتقه، وهو المشهور في ~~الرواية، ويكون الضمير عائدا على المصدر المحذوف4 الذي دل عليه الفعل، ~~تقديره: فيعتقه الشراء؛ لأنه بنفس الشراء حصل العتق من غير احتياج إلى لفظ، ~~ويؤيد ذلك الرواية الأخرى: "فيعتق عليه" 5، والأخرى: "فهو حر" 6، وظن داود ~~الظاهري أن الرواية بنصب فيعتقه عطفا على فيشتريه، فيكون الولد هو المعتق، ~~فقال: لا بد من إنشائه، ولا يعتق بمجرد الملك7، وعلى كل حال فيتأكد ضبط ~~الملتبس من الأسماء؛ إذ لا يدخلها قياس ولا قبلها ولا بعدها شيء يدل ~~عليها8، وإذا احتاج إلى ضبط المشكل في الكتاب، وبيانه في الحاشية قبالته ~~فعل؛ لأن الجمع بينهما أبلغ في الإبانة، وإذا كتب كلمة مشكلة من القلم ~~لسواد كثير فيه ونحوه أوضحها في الحاشية، وكتب فوقها "بيان" أو "ن" وله أن ~~يكتبها في الحاشية بصورتها، وله أن يكتبها مقطعة الأحرف بالضبط ليأمن اللبس ~~والاشتباه9، وله أن يضبطها بالحروف كقوله: بالحاء المهملة، والدال ~~PageV01P260 # المهملة، والتاء المثناة، والثاء المثلثة، ونحو ذلك، كما جرت عادة السلف ~~في ذلك، ومما يلتحق بضبط المعجم أن يكتب في باطن الكاف المعلقة كافا صغيرة ~~أو همزة، وفي باطن اللام هكذا "لام" ولا يكتب صورة لام هكذا "ل"1. # الثامنة: ينبغي أن يكتب2 على ما صححه وضبطه في الكتاب وهو في محل شك عند ~~مطالعته أو طرف احتمال "صح" صغيرة ويكتب فوق ما وقع في التصنيف أو في النسخ ~~وهو خطأ "كذا" صغيرة أي هكذا رأيته، ويكتب في الحاشية "صوابه كذا" إن كان ~~يتحققه، أو "لعله كذا" إن غلب على ظنه أنه كذلك، أو يكتب على ما أشكل عليه ~~ولم يظهر له وجهه ضبة، وهي صورة رأس صاد مهملة مختصرة من صح ms118 هكذا "ص" فإن ~~صح بعد ذلك وتحققه فيصلها بحاء فتبقى "صح" وإلا كتب الصواب في الحاشية كما ~~تقدم، قيل: وأشاروا3 بكتابة الصاد أولا إلى أن الصحة لم تكمل، وإلى تنبيه ~~الناظر فيه على أنه متثبت في نقله غير غافل، فلا يظن أنه غلط فيصلحه، وقد ~~تجاسر بعضهم فغير ما الصواب إبقاؤه4، والله أعلم. # التاسعة: إذا وقع5 في الكتاب زيادة، أو كتب فيه شيء على غير وجهه تخير ~~فيه بين ثلاثة أمور؛ الأول: الكشط6، وهو سلخ الورق بسكين ونحوها ويعبر عنه ~~بالبشر وبالحك، وسيأتي أن غيره أولى منه، لكن هو أولى في إزالة PageV01P261 # نقطة أو شكلة، الثاني: المحو1 وهو الإزالة بغير سلخ إن أمكن، وهو أولى من ~~الكشط، قال ابن الصلاح: وتتنوع طرقه، الثالث: الضرب2 عليه وهو أجود من ~~الكشط والمحو، لا سيما في كتب الحديث، وعن بعضهم3: كان الشيوخ يكرهون حضور ~~السكين مجلس السماع؛ لأن الروايات مختلفة، فعسى أن يبشر شيئا يكون صحيحا، ~~فيحتاج إلى إثباته ثانيا. # وفي كيفية الضرب خمسة أقوال4 مشهورة؛ أحدها: أن يصل بالحروف المضروب ~~عليها، ويخلط بها خطا ممتدا، ثانيها5: أن يجعل الخط فوق الحروف منفصلا عنها ~~منعطفا طرفاه على أول المبطل وآخره كالباء المقلوبة ومثال هكذا. ثالثها6: ~~أن يكتب لفظة "لا" أو لفظة "من" فوق أوله، ولفظة "إلى" فوق آخره، ومعناه من ~~هنا ساقط إلى هنا، رابعها7:" أن يكتب في أول الكلام المبطل وفي آخره نصف ~~دائرة ومثاله هكذا. خامسها8: أن يكتب في أول المبطل وفي آخره صفرا وهو ~~دائرة صغيرة سميت بذلك لخلو ما أشير إليه بها من الصحة كتسمية الحساب لها ~~بذلك الخلو موضعها من عدد ومثاله هكذا5، وإذا تكررت9 كلمة أو أكثر سهوا ضرب ~~على الثانية لوقوع الأولى صوابا في موضعها، إلا إذا كانت الثانية أجود صورة ~~وأدل على القراءة، وكذا إذا كانت الأولى آخر سطر، فإن الضرب عليها أولى ~~صيانة لأول السطر، وبالجملة10 فصيانة أول السطور وآخرها متعين PageV01P262 # إلا أن مراعاة أولها أولى، وإذا كان المكرر1 مضافا ومضافا إليه، أو ~~موصوفا ms119 وصفة، أو مبتدأ وخبرا، أو متعاطفين، فمراعاة عدم التفريق بالضرب ~~أولى إذا كان آخر سطر كي لا يفرق بين شيئين بينهما ارتباط؛ إذ مراعاة ~~المعاني أولى من مراعاة تحسين الصورة في الخط، قاله القاضي عياض، وإذا صحح2 ~~الكتاب على الشيخ أو في المقابلة علم على موضع وقوفه ببلغ أو بلغ العرض أو ~~غير ذلك مما يفيد معناه، فإن كان ذلك في سماع الحديث كتب بلغ في الميعاد ~~الأول والثاني إلى آخرها، فيعين عدده، فإنه مفيد جدا. # العاشرة: وينبغي3 أن يفصل بين كل كلامين أو حديثين بدارة، أو قلم غليظ ~~ولا يصل الكتابة كلها على طريقة واحدة؛ لما فيه من عسر استخراج المقصود، ~~ورجحوا الدائرة على غيرها، وعليها عمل غالب المحدثين4 وصورتها هكذا. وجرت5 ~~عادة المحدثين باختصار ألفاظ في كتبهم، فمن ذلك حدثنا اختصرها بعضهم على ~~ثنا، وبعضهم على نا، وبعضهم على دثنا، ومن ذلك أخبرنا اختصرها بعضهم على ~~أنا، وبعضهم على أرنا، وبعضهم على أبنا، ومن ذلك حدثني اختصرها بعضهم على ~~ثني، وبعضهم على دثني، وأما أخبرني وأنبأنا وأنبأني فلم يختصروها، ومن ذلك ~~قال الواقعة في الإسناد بين رواته اختصرها بعضهم قافا مفردة هكذا "ق" وقد ~~جمعها بعضهم بما يليها هكذا "قثنا" يعني قال حدثنا، قال العراقي: وهو ~~اصطلاح متروك، ومن هذا القبيل ما يوجد في كتب الأعاجم6 من اختصار المطلوب ~~على المط، واختصار محال على مح، وباطل PageV01P263 # على بط، وحينئذ على وح، وفحينئذ على فح، وإلى آخره على إلخ، والمصنف على ~~المصد، ونحو ذلك. # ومن ذلك ما يختصر1 جميعه مع النطق به كلفظ يحدث في قولهم في الإسناد سمعت ~~فلانا عن فلان فتقول: يحدث عن فلان وهو كثير، ومن ذلك لفظة قال إذا كررت ~~كما في صحيح البخاري2 ثنا صالح بن حيان3 قال: قال عامر الشعبي4، فتحذف ~~أحداهما خطا لا نطقا5، ومن ذلك لفظة "أنه" في مثل حدثنا فلان أنه سمع فلانا ~~يقول، نبه عليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري6، وقل من7 نبه عليه، والله ~~أعلم. # ومن ذلك ms120 ما يختصر8 بعضه، وينطق بالبعض الباقي على صفته، والمشهور منه حاء ~~التحويل عند انتقال من سند إلى غيره فيكتب هكذا "ح" مفردة مهملة مقصورة ~~لفظا، وهي مختصرة من تحويل، أي من سند إلى سند آخر، وقيل: مختصرة من حائل ~~لأنها حالت بين الإسنادين9، وقيل: من قولهم الحديث وهو المنقول عن أهل ~~المغرب، وقيل من صح، قال ابن الصلاح: وقد كتب مكانها بدلا عنها PageV01P264 # صح صريحة1، واختلف2 في النطق بها، فالأصح أنه ينطق بها في القراءة كما ~~كتبت كذلك مفردة، وقيل: لا ينطق بها، وقيل: ينطق بأصلها المختصرة منه وهو ~~الحديث أو صح فليعلم3 ذلك، ومن ذلك4 ما يختصر بعضه ولا يتعين فيه قراءة ذلك ~~البعض ولا أصله، وهو الرموز إلى اصطلاح خاص بذلك الكتاب كما يرسم كثير من ~~كتب الحديث المختصرة5 للبخاري "خ" ولمسلم "م" وللترمذي "ت" ولأبي داود "د" ~~وللنسائي "ن" ولابن ماجه القزويني "جه" أو "ق" ولابن حبان "حب" وللدارقطني ~~"ط" ونحو ذلك وهو كثير، ومن ذلك رمز العجالة والعمدة لابن الملقن6 للإمام ~~مالك "م" ولأبي حنيفة "ح" ولأحمد "أ" ونحو رموز الوجيز والحاوي للأقوال ~~والأوجه والمذاهب وغير ذلك وهي مشهورة7، ومن فعل شيئا من ذلك أو من غيره في ~~تأليف بين اصطلاحه فيه، ولا مشاححة في الاصطلاح فبيان الاصطلاح في ديباحة ~~الكتاب ليفهم الخائض فيه معانيها، وقد فعل ذلك جماعة من الأئمة لقصد ~~الاختصار ونحوه8 والله أعلم، ولا بأس9 بحواشي الكتاب من فوائد متعلقة به ~~ولا يكتب في آخره "صح" بل ينبه عليه بإشارة للتخريج بالهندي مثلا، وبعضهم ~~يكتب على أول المكتوب في الحاشية "ح" ولا ينبغي أن يكتب إلا الفوائد المهمة ~~المتعلقة PageV01P265 # بذلك الكتاب والمحل مثل تنبيه على إشكال أو احتراز أو رمز أو خطأ ونحو ~~ذلك1، ولا يسوده بنقل المسائل والفروع الغريبة، ولا يكثر الحواشي كثرة يظلم ~~منها الكتاب، ولا بأس بكتابة الأبواب والتراجم والفصول ونحو ذلك بالحمرة؛ ~~فإنه أظهر في البيان وفي فواصل الكلام، وله في كتابه شرح ممزوج بالمتن أن ~~يميز المتن بكتابته ms121 بالحمرة أو يخط عليه خطا منفصلا عنه ممتدا عليه، ~~والكتابة بالحمرة أحسن؛ لأنه قد يمزج بحرف واحد، وقد تكون الكلمة الواحدة ~~بعضها متن وبعضها شرح، فلا يوضح ذلك بالخط إيضاحه بكتابة الحمرة، ونحو ذلك ~~كثير في كتب الفقه2، وذلك ليسهل في المطالعة عند قصدها، والله تعالى أعلم. ~~PageV01P266 ### | الخاتمة # في رقائق لطيفة مناسبة: # في ذكر شيء من الرقائق المستظرفات والأشعار الرائقة والحكايات: # نختم بها الكتاب على عادة الأئمة والحفاظ، كما قال شيخ الإسلام النووي، ~~واقتداء به في بعض مؤلفاته ... # أسند مولانا شيخ الإسلام صاحب الأصل فسح الله في أجله، وبلغه غاية أمله، ~~عن شيخه الشيخ زين الدين زكريا الأنصاري1 بسنده المتصل إلى الشيخ أبي بكر ~~الآجري2 قال: كان ابن المبارك3 كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات "من الخفيف": # اغتنم ركعتين زلفى إلى الل ... ه إذا كنت فارغا مستريحا4 PageV01P269 # وإذا ما هممت بالنطق بالبا ... طل فاجعل مكانه تسبيحا # وبالسند الذي ذكره إلى الطائي1 بسند الطائي إلى المزني قال: دخلت على ~~الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا ~~راحلا، ولإخواني مفارقا، ولسوء أفعالي ملاقيا، وبكأس المنية شاربا، فوالله ~~ما أدري أروحي إلى الجنة تصير فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها؟ 2 وأنشد "من ~~الطويل": # ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما3 # تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما # فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منه وتكرما # وبالسند المشار إليه إلى ابن السبكي بسنده إلى القاضي أبي الطيب الطبري ~~قال: أنشدني بعضهم للشافعي رضي الله عنه "من البسيط": # كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين4 ~~PageV01P270 # العلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين # وروي أن الشافعي -رضي الله عنه- كان بمكة يقول1: سلوني عما شئتم أخبركم ~~عنه من كتاب الله، فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم ~~الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} [الحشر: ms122 7] ، وحدثنا سفيان بن عيينة بن عبد الملك بن عمير2 عن ~~ربعي بن حراش3 عن حذيفة بن اليمان4 -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" 5، وحدثنا سفيان بن ~~عيينة عن مسعر بن كدام6 عن PageV01P271 # قيس بن مسلم1 عن طارق بن شهاب2 عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه أمر ~~بقتل المحرم الزنبور3. # من هذا ما روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه لعن الواصلة والمستوصلة4 ~~وقال: ما لي لا ألعن من لعنه الله؟ فقالت امرأة: قرأت كتاب الله فلم أجد ~~فيه ما تقول، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه {وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا} 5 [الحشر: 7] ، وإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لعن ~~الواصلة والمستوصلة، ذكره البخاري وغيره6، وفي هذا زيادة في الاستدلال، وهو ~~أن من لعنه رسول الله فقد لعنه الله لقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى، إن ~~هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3، 4] . # وروى البيهقي في المدخل7 بسنده إلى الفريابي8 قال: قال المزني أو الربيع ~~الشك منه: كنا يوما عند الشافعي بين الظهر والعصر إذ جاء شيخ عليه جبة صوف ~~وعمامة صوف وإزار صوف وفي يده عكازه قال: فقام الشافعي وسوى ثيابه واستوى ~~جالسا، قال: وسلم الشيخ وجلس، وأخذ الشافعي ينظر PageV01P272 # إلى الشيخ هيبة له، إذ قال له الشيخ: أسأل؟ قال الشافعي: سل، قال: إيش ~~الحجة في دين الله؟ فقال الشافعي: كتاب الله، قال: وماذا؟ قال: وسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقال: وماذا؟ قال: واتفاق الأمة، قال: من أين قلت ~~اتفاق الأمة؟ قال: من كتاب الله، قال: من أين في كتاب الله؟ فتدبر الشافعي ~~ساعة، فقال الشيخ: قد أجلتك ثلاثة أيام ولياليها، فإن جئت بحجة من كتاب ~~الله عز وجل في الاتفاق وإلا تب1 إلى الله عز وجل، قال: فتغير لون الشافعي، ~~ثم إنه ذهب فلم يخرج ثلاثة أيام ولياليهن قال: فخرج في اليوم الثالث في ذلك ~~الوقت يعني بين الظهر والعصر وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه ms123 وهو مسقام، فجلس ~~فلم يكن بأسرع من أن جاء الشيخ فسلم وجلس فقال: حاجتي، فقال الشافعي: نعم ~~أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل: ~~{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، لا يصليه على خلاف ~~المؤمنين إلا وهو فرض فقال: صدقت، فقام وذهب، فقال الشافعي لما ذهب الرجل: ~~قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه، قال ابن السبكي: ~~يجوز أن يكون هذا الشيخ الخضر عليه السلام، وقد فهمه الشافعي حين أجله ~~واستمع له، وأصغى لإغلاظه في القوم واعتمد على إشارته2. # وبالسند المشار إليه إلى ابن السبكي3 بسنده إلى الشيخ أحمد بن محمد بن ~~أبي الفراتي4 سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي5 يقول: قلت مرة PageV01P273 # للأستاذ أبي سهل الصعلوكي1 في كلام يجري بيننا: لم؟ فقال لي: أما علمت أن ~~من قال لأستاذه: لم لا يفلح أبدا؟ وقال الأستاذ المذكور لأبي عبد الرحمن ~~المذكور: عقوق الوالدين يمحوه الاستغفار، وعقوق الأستاذ لا يمحوه شيء. # وبالسند المذكور إلى ابن السبكي بسنده إلى أبي أحمد منصور بن محمد ~~الأزدي2 أنشد لنفسه "من البسيط": # عليك نفسك فانظر كيف تصلحها ... وخل عن عثرات الناس للناس3 # فالذم للناس للمحصي معايبهم ... والحمد عندهم للغافل الناسي # ومن شعر منصور المذكور "مجزوء الكامل": # إن شئت أن تدعى أخا ال ... كرم السليم من العيوب4 # فاصبر على خمس بها ... يبدو النقي من المشوب PageV01P274 # كف الأذى واخفض جنا ... حك واجتنب فخم الذنوب # واغرس أصول العرف واج ... ن بها مودات القلوب # واعجل إلى الإنصاف طل ... ق الوجه مأمون القطوب # وبهذا السند إلى القاسم السقطي1 يقول: سمعت أبا الحسين الآجري2 يقول "من ~~السريع": # يمنعني عن عيب غيري الذي ... أعرفه في من العيب3 # عيوبهم بالظن مني لهم ... ولست من عيبي في ريب # إن يك عيبي غاب عنهم فقد ... أحصى عيوبي عالم الغيب # ففيم شغلي بسوى مهجتي ... أم كيف لا أنظر في حيي # لو ms124 أنني أسمع من واعظ ... إذن كفاني واعظ الشيب PageV01P275 # قلت: ومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله عنه "من الطويل": # عجبت لمن يبكي على عيب غيره ... دموعا ولا يبكي على عيبه دما1 # وأعجب من هذا يرى عيب غيره ... صغيرا وفي عينيه من عيبه عمى # وبالسند المذكور إلى ابن السبكي بسنده إلى شهدة بنت أحمد بن الفرج ~~الإبري2 سماعا قالت: سمعت القاضي الإمام عزيزي يعني المعروف بشيذلة3 من ~~لفظه سنة 490 يقول: اللهم يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، افعل ~~بي ما أنت أهله، إلهي أذنبت في بعض الأوقات، وآمنت بك في كل الأوقات، فكيف ~~يغلب بعض عمري مذنبا جميع عمري مؤمنا؟ إلهي لو سألتني حسناتي لجعلتها لك مع ~~شدة حاجتي إليها وأنا عبد، فكيف لا أرجو أن تهب لي سيئاتي مع غناك عنها ~~وأنت رب، فيا من أعطى خير ما في خزائنه وهو الإيمان به قبل السؤال، ولا ~~تمنعنا أوسع ما في خزائنك وهو العفو مع السؤال، إلهي حجتي حاجتي وعدتي ~~فاقتي فارحمني، إلهي كيف أمتنع بالذنب من الدعاء، ولا أراك تمتنع مع الذنب ~~من العطاء، فإن غفرت فخير راحم أنت، وإن عذبت فغير ظالم أنت، إلهي أسألك ~~تذللا فأعطني تفضلا4. PageV01P276 # ومن شعر مولانا المرحوم شيخنا شيخ الإسلام الرضي، والد المصنف مولانا شيخ ~~الإسلام البدر1 "من الوافر": # إلهي سيدي ربي أغثني ... وخذ بيدي ومن بعد أجرني # إلهي قد جنيت وأي عبد ... ضعيف الخلق مثلي ليس يجني # إلهي ليس أجدر بالخطايا ... وبالتقصير والزلات مني # إلهي لو أتيت بكل ذنب ... فلا أولى بعفو منك عني # إلهي أنت ذو صفح جميل ... وجود واسع وعظيم من # إلهي ما عصيت بغير علم ... ولا أبدا أطعت بغير إذن # إلهي أن أطع فبمحض فضل ... وإن أعصي فمن نقصي ووهني # إلهي ما لعبد حجة في ... تحمله الجناية والتجني # إلهي إن حجتك التي قد ... علا برهانها من غير طعن PageV01P277 # إلهي ليتني لو كنت عبدا ... بلا خطأ وهل يجدي التمني # إلهي ليتني لا كنت إذ لم ... أطعك وليت أمي لم تلدني ms125 # إلهي إن خوفي زاد لولا ... رجائي مت من هم وحزن # إلهي من يناقش في حساب ... يعذب منه يا ربي أقلني # إلهي أنت قهار رحيم ... بحقك منك يا ذخري أعذني # إلهي ليس إلا أنت ربي ... فلا أبدا بغيرك تمتحني # إلهي إن أسأت بغير علم ... فإني فيك قد أحسنت ظني # إلهي أنت قد حققت فقري ... إليك وليس شيء عنك يغني # إلهي إنني أخشى وأرجو ... أمانا منك فامنن لي بأمن # إلهي غير بابك في أموري ... إذا ما ضقت ذرعا لم يسعني # إلهي قد رجعت إليك عما ... سواك فلا إلى غير تكلني # PageV01P278 # إلهي مثلما أحسنت بدءا ... ففي العقبى بحقك لا تسؤني # إلهي من يعين على وصولي ... إلى ما ترتضي إن لم تعني # إلهي من سواك يزيل همي ... ومن أدعوه مضطرا يجبني # إلهي أغن يا رب افتقاري ... فإنك أنت من يغني ويقني # إلهي أنت قد أوليت فضلا ... عظيما قط لم يخطر بذهن # إلهي لست أحصي ما به قد ... منحت من العطاء بلا تعن # إلهي إنني عبد رضي ... فمن صفو الرضا ربي أذقني # إلهي مع رضاك السقم برء ... ونار جهنم جنات عدن # إلهي زد بعلم الشرع فقهي ... ومن علم الحقيقة رب زدني # وبسند مولانا شيخ الإسلام المصنف من شيخه شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا إلى ~~أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يحب قوما ~~ولما يلحق بهم؟ 1 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب" 2، ~~وهذا الحديث PageV01P279 # ورد من طرق كثيرة في وقائع كثيرة في غالبها التصريح بحب الله ورسوله، ~~ولفظ بعضها: $"أنت مع من أحببت"1، وللعلامة شيخ الإسلام شهاب الدين ابن حجر ~~"من السريع": # وقائل هل عمل صالح ... أعددته يدفع عنك الكرب2 # فقلت حسبي خدمة المصطفى ... وحبه فالمرء مع من أحب # قال مولانا شيخ الإسلام البدر المصنف "من السريع": # من رام يبلغ أقصى المنى ... في الحشر مع تقصيره في القرب3 # فليخلص الحب لمولى الورى ... والمصطفى فالمرء مع من أحب # ولشيخ الإسلام الرضي والده "من الخفيف": # إن تكن ms126 عن حال الذين اجتباهم ... ربهم عاجزا وتطلب قربا4 # حب مولانا والذين اصطفاهم ... تبق معهم فالمرء مع من أحبا # وبسند مولانا المصنف المشار إليه من شيخه العلامة قاضي القضاة برهان ~~PageV01P280 # الدين بن أبي شريف المقدسي1 إجازة عن الزين القبابي2 إجازة "ح"، وعن شيخ ~~الإسلام والده عن شيخه الحافظ البرهان البقاعي3 بسند البقاعي إلى أبي عبد ~~الله محمد بن مسلم بن وارة الرازي4 يقول: حضرت مع أبي حاتم محمد بن إدريس ~~الرازي5 عند أبي زرعة الرازي6 وهو في النزع، فقلت لأبي حاتم: تعال حتى ~~نلقنه الشهادة، فقال أبو حاتم: إني لأستحيي من أبي زرعة أن ألقنه الشهادة؛ ~~ولكن تعال نتذاكر الحديث، فلعله إذا سمعه يقول، فبدأت فقلت: PageV01P281 # حدثنا أبو عاصم النبيل1 ثنا عبد الحميد بن جعفر2 فأرتج علي الحديث حتى ~~كأني لم أسمعه ولا قرأته، فبدأ أبو حاتم فقال: حدثنا محمد بن بشار3 ثنا أبو ~~عاصم النبيل عن عبد الحميد بن جعفر فأرتج عليه حتى كأنه ما قرأه ولا سمعه، ~~فبدأ أو زرعة -رضي الله عنه- فقال: حدثني محمد بن بشار ثنا أبو عاصم النبيل ~~ثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عريب4 عن كثير بن مرة5 عن معاذ بن ~~جبل -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر ~~كلامه لا إله إلا الله، وخرجت روحه مع الهاء قبل أن يقول دخل الجنة" 6، ~~وذلك في سنة اثنتين وستين ومائتين. # وبسنده المذكور إلى أحمد بن محمد أبي العباس الرازي قال: رأيت أبا زرعة ~~-يعني الرازي رضي الله عنه- في المنام فقلت: يا أبا زرعة، ما فعل الله بك؟ ~~قال: PageV01P282 # لقيت ربي عز وجل فقال: يا أبا زرعة، إني أوتى بالطفل فآمر به إلى الجنة، ~~فكيف من حفظ السنن على عبادي، تبوأ من الجنة حيث شئت، قال: ورأيت أبا زرعة ~~مرة أخرى في المنام كأنه يصلي في السماء الرابعة بالملائكة فقلت: يا أبا ~~زرعة، بم نلت أن تصلي بالملائكة؟ قال: برفع اليدين1، وبه إلى الحافظ عبد ~~الغني2 بسنده إلى ms127 سفيان الثوري -رضي الله عنه- وقد رآه قبيصة3 في المنام ~~فقال له قبيصة: ما فعل الله بك؟ فقال "من الطويل": # نظرت إلى ربي عيانا فقال لي ... هنيئا رضائي عنك يابن سعيد4 # لقد كنت قواما إذا أظلم الدجى ... بعبرة مشتاق وقلب عميد # فدونك فاختر أي قصر تريده ... وزرني فإني عنك غير بعيد # وبسند المصنف من شيخه شيخ الإسلام أبي يحيى الأنصاري، والعلامة المحقق ~~أبي إسحاق المقدسي5 بسند كل منهما إلى شيخ الإسلام أبي PageV01P283 # الحسن1 السبكي بسنده وسند ابنه إلى عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- أن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بمجلسين، أحد المجلسين يدعون الله تعالى ~~ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون العلم ويعلمونه فقال: "كلا المجلسين خير ~~وأحدهما أفضل من الآخر، أما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وأما ~~هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وإنما بعثت ~~معلما"، ثم جلس معهم2. # قال ابن السبكي: لا أعرف حديثا اجتمع فيه رواية الأبناء عن الآباء بعدد ~~ما اجتمع في هذا، إلا ما أخبرنا به أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن بن ~~نباتة الفارقي المصري3 المحدث بقراءتي عليه بسنده المجرد عن الأبناء ~~والآباء إلى رزق الله بن عبد الوهاب التميمي4 إملاء، سمعت أبي أبا الفرج ~~عبد الوهاب5 يقول: سمعت أبي أبا الحسن عبد العزيز6 يقول: سمعت أبي أبا ~~PageV01P284 # بكر الحارث1 يقول: سمعت "أبي أسدا، يقول: سمعت أبي الليث، يقول2: سمعت" ~~أبي سليمان، يقول: سمعت أبي الأسود3، يقول: سمعت أبي سفيان يقول: سمعت أبي ~~يزيد يقول: سمعت أبي أكينة4 يقول: سمعت أبي الهيثم يقول: سمعت أبي عبد ~~الله5 يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما اجتمع قوم على ~~ذكر الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة 6 ". # قال المصنف: أخبرنا شيخ الإسلام، قاضي القضاة، زين الدين أبو PageV01P285 # يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، تغمده الله برحمته إجازة، ~~قال: أخبرنا العز أبو محمد الحنفي1 إذنا عن الصلاح بن أبي عمر2 وغيره عن ~~الفخر بن البخاري3 عن فضل ms128 الله بن أبي سعد النوقاني4 عن الإمام أبي محمد ~~البغوي5، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي6 أنا PageV01P286 # أبو إسحاق الثعلبي1 أخبرني ابن فنجويه2 ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان3 ثنا ~~إبراهيم بن سهلويه4 ثنا علي بن محمد الطنافسي5 ثنا وكيع عن ثابت بن أبي ~~صفيه6 عن الأصبغ بن نباتة7 عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: من ~~PageV01P287 # أحب1 أن يكتال له بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه ~~من مجلسه {سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ~~رب العالمين} [الصافات: 180-182] . # قال مصنفه نفع الله بعلمه، وأيده بحلمه: هذا آخر ما تيسر تعليقه من هذا ~~الكتاب، نفع الله به المسلمين ببركة الكريم الوهاب، والحمد لله الذي هدانا ~~لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، واختم لنا منك بخير، وأصلح ~~لنا شأننا كله، وافعل ذلك بإخواننا وأحبابنا وسائر المسلمين. # علقه مختصرا لنفسه، ثم لمن شاء الله من بعده، المفتقر إلى رحمة ربه ~~القوي، عبد الباسط بن موسى العلموي، ثم الموقت الواعظ بالجامع الأموي، لطف ~~الله به بجاه النبي المصطفوي. PageV01P288 ms129